مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم في بـغـداد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وصـلـتـنـا رسـوم وصـور فـوتـوغـرافـيـة لـبـاب الـحـلـبـة (أو بـاب الـطّـلـسـم) في بـغـداد ولـلـمـنـحـوتـات الّـتي كـانـت تـحـيـط بـه والّـتي تـأمّـلـهـا الـبـغـداديـون قـرونـاً طـويـلـة قـبـل تـدمـيـره في 11 آذار 1917.

وكـان الـبـاب يـفـضى إلى مـيـدان سـبـاق الـخـيـل في زمـن الـعـبـاسـيـيـن، ومـنـه جـاء اسـمـه “بـاب الـحـلـبـة”، ولـكـنّ الـعـامـة كـانـت تـسـمـيـه “بـاب الـطّـلـسـم” لـغـمـوض مـعـاني مـنـحـوتـاتـه الّـتي كـان يـصـعـب عـلـيـهـم إدراك مـغـزاهـا بـعـد أن أنـسـاهـم إيـاهـا مـرور الـقـرون.

وعـنـدمـا نـتـأمّـل نـحـن، في زمـانـنـا هـذا، الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـت لـهـذه الـمـنـحـوتـات والـرّسـوم الّـتي خـطـطـت لـهـا، نـحـسّ بـهـذا الـغـمـوض الّـذي كـان يـحـيـط بـهـا. وتـدفـعـنـا الـرّغـبـة في إدراك مـغـزاهـا ومـعـانـيـهـا إلى مـحـاولـة تـحـلـيـلـهـا ومـقـارنـتـهـا بـمـا وصـلـنـا مـن مـنـحـوتـات أخـرى عـلّـنـا نـتـوصـل إلى تـحـسـيـن مـعـرفـتـنـا بـهـا، وبـجـزء مـن تـراثـنـا الّـذي ضـاع مـنّـا بـضـيـاعـهـا.

بـاب الـطّـلـسـم :

ثـالـث أبـواب الـجـانـب الـشّـرقي مـن سـور بـغـداد (جـانـب الـرّصـافـة). وكـان في الـحـقـيـقـة بـرجـاً شـبـه دائـري كـمـا نـراه في رسـم طـبـاعي (1)

أسوار بغداد 2

أو في صـورة فـوتـوغـرافـيـة مـن عـام 1908 (2)

أسوار بغداد

ويـنـفـتـح عـلى داخـل الـمـديـنـة بـواجـهـة عـالـيـة في أسـفـلـهـا بـاب عـقـد أعـلاه بـالـحـجـر وكُـسـر تـقـويـسـه قـلـيـلاً في وسـطـه.

باب الطلسم 13باب الطلسم 2

ونـلاحـظ في الـرّسـوم والـصّـور أنّ عـتـبـة الـبـاب كـانـت مـرتـفـعـة عـن مـسـتـوى الأرض، وهـذا طـبـيـعي فـقـد كـان يـحـاذي الأسـوار مـن الـدّاخـل خـنـدق عـمـيـق يـمـلأ مـن مـاء دجـلـة، كـان حـمـايـة إضـافـيـة تـمـنـع حـتّى مـن اسـتـطـاع اقـتـحـام الـبـاب مـن الأعـداء مـن الـدّخـول في الـمـديـنـة بـعـد أن يـسـحـب مـنـه الـجـسـر الـخـشـبي الّـذي يـربـطـه بـداخـل الـمـديـنـة.

ونـرى في رسـم نـفّـذ عـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـتـهـا الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا  DIEULAFOY عـام 1882 (3) أنّ تـحـصـيـنـاً أخـر كـان يـقـابـل الـبـاب مـن جـهـة داخـل الـمـديـنـة.

ج, ديولافوا 12

ونـلاحـظ في هـذا الـرّسـم الّـذي كـان تـنـفـيـذاً دقـيـقـاً لـلـصـورة الـفـوتـوغـرافـيـة أنّ ارتـفـاع الـبـنـاء يـسـاوي حـوالي 10 مـرّات ارتـفـاع الـرّجـل الـواقـف بـجـانـبـه.

ولـكـنـنـا نـجـد في تـخـطـيـط رسـمـه عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه في بـغـداد عـام 1899 :

فالتر أندريه بات الطلسم

أنّ ارتـفـاع الـبـرج لا يـسـاوي إلّا حـوالي 9 مـرّات ارتـفـاع الـرّجـل الـواقـف أمـام الـبـاب. ومـن هـذا يـمـكـن أن نـسـتـنـتـج أنّ ارتـفـاع مـا تـبـقى مـن الـبـنـاء في ذلـك الـزّمـن كـان بـيـن 15 و 18 مـتـراً.

كـمـا نـلاحـظ صـفـيـن مـن الـطـاقـات الـضّـيـقـة الـمـسـتـطـيـلـة الّـتي كـان الـقـوّاسـون يـرمـون مـن خـلالـهـا نـبـالـهـم مـن غـيـر أن يـراهـم الأعـداء ولا يـمـكـنـهـم أن يـصـيـبـوهـم.

ولـديـنـا عـدّة صـور فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـتـهـا جـرتـرود بـيـل في عـام 1910 ونـشـرتـهـا في الـعـام الـتّـالي (4)

باب الطلسم بيل 3

باب الطلسم بيل

منحوتات باب الطلسم بيل

 

الـشّـريـط الـمـخـطـوط في أعـلى الـبـنـاء :

ونـرى فـوق الـصّـف الـثّـاني مـن الـطّـاقـات شـريـطـاً مـنـحـوتـاً في الـطّـابـوق عـلـيـه نـصّ مـخـطـوط، كـان كـارسـتـن نـيـبـور  Karsten Niebuhr قـد نـسـخـه في بـغـداد سـنـة 1764 ونـشـره عـام 1772(3) :

نيبور باب الطلسم

ثـمّ نـسـخـه لـويـس مـاسـيـنـيـون Louis MASSIGNON  عـام 1907 ونـشـره كـمـا يـلي :

“بـسـم الله الـرّحـمـن الـرّحـيـم. وإذ يـرفـع إبـراهـيـم الـقـواعـد مـن الـبـيـت وإسـمـاعـيـل، ربّـنـا تـقـبّـل مـنّـا إنّـك أنـت الـسّـمـيـع الـعـلـيـم. هـذا مـا أمـر بـعـمـلـه سـيّـدنـا ومـولانـا الإمـام الـمـفـتـرض الـطـاعـة عـلى كـافـة الأنـام أبـو الـعـبّـاس أحـمـد الـنّـاصـر لـديـن الله أمـيـر الـمـؤمـنـيـن وخـلـيـفـة رب الـعـالـمـيـن وحـجّـة الله عـز وجـلّ عـلى الـخـلـق أجـمـعـيـن صـلـوات الله عـلـيـه وعـلى آبـائـه الـطّـاهـريـن ولا زالـت دعـوتـه الـهـدايـة عـلى يـفـاع الـحـق مـنـارا والـخـلائـق لـهـا أتـبـاعـاً وأنـصـارا وطـاعـتـه الـمـفـتـرضـة لـلـمـؤمـنـيـن أسـمـاعـاً وأبـصـارا وافـق الـفـراغ في سـنـة ثـمـان عـشـر وسـتـمـائـة وصـلـواتـه عـلى سـيـدنـا مـحـمّـد الـنّـبي وآلـه الـطّـيـبـيـن الـطّـاهـريـن”. (5)

وكـان نـيـبـور قـد قـرأ : “وهـذا مـا أمـر بـعـمـارتـه” بـدلاً مـن “بـعـمـلـه”، وقـرأ : “عـلى آلـه” بـدلاً مـن “عـلى آبـائـه”، وقـرأ نـيـبـور “ولا زالـت دعـوة الـمـدعي عـلى تـبـاع الـحـق مـنـازلـه” بـيـنـمـا قـرأ مـاسـيـنـيـون : “ولا زالـت دعـوتـه الـهـدايـة عـلى يـفـاع الـحـقّ مـنـارا”.

ونـفـهـم مـن هـذا الـنّـصّ أن الـفـراغ مـن عـمـارة الـبـرج، أي تـجـديـده، كـان في زمـن الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله عـام 1221 م. / 1222 م. أي قـبـل حـوالي 36 سـنـة مـن سـقـوط بـغـداد بـأيـدي الـتّـتـار عـام 1258 م.

وقـد اسـمي هـذا الـبـاب أيـضـاً بـ “بـاب الـفـتـح” لأنّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـراد الـرّابـع، بـعـد أن أخـذ بـغـداد مـن أيـدي الـصّـفـويـيـن، دخـلـهـا مـن بـاب الـطّـلـسـم. وقـد أمّـر بـرقـمـه بـالـطّـابـوق.

وتـذكـر الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا DIEULAFOY  أنّـهـا رأت  الـنّـصّ الـتّـالي الّـذي أمـر مـراد  الـرّابـع بـنـقـشـه عـلـيـه : “فـتـح الـسّـلـطـان مـراد بـغـداد في 24 كـانـون الأوّل عـام 1638 ودخـلـهـا مـن بـاب الـطّـلـسـم بـعـد أن ضـرب الـحـصـار أربـعـيـن يـومـاً أمـامـهـا”(6). ولا يـمـكـنـنـا الـتّـأكـد مـمـا ذكـرتـه ديـولافـوا فـهـو لا يـظـهـر في الـرّسـوم والـصّـور الّـتي وضـعـتـهـا في كـتـابـهـا.

ديولافوا منحوتات باب الطلسم

الـمـنـحـوتـات الـمـحـيـطـة بـالـبـاب :

وتـحـيـط بـأعـلى الـبـاب مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز مـعـقّـدة الـتّـركـيـب ربّـمـا يـعـود تـاريـخ تـنـفـيـذهـا إلى فـتـرة تـجـديـد بـنـاء الـبـرج في زمـن الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله كـمـا سـبـق أن رأيـنـا.

ونـرى في وسـط أعـلى الـبـاب رجـلاً تـربّـع جـالـسـاً يـعـلـو رأسـه تـاج يـمـسـك بـلـسـاني ثـعـبـانـيـن مـجـنـحـيـن خـرافـيـيـن : “تـنـيـنـيـن” شـديـدي الـطـول يـتـلـوّى جـسـد كـلّ مـنـهـمـا مــلـتـفّـاً عـلى نـفـسـه عـدّة مـرّات في عـقـد مـتـلابـسـة حـتّى يـنـزل ذنـبـه إلى أسـفـل الـقـوس، تـمـامـاً فـوق رأس كـلّ مـن الأسـديـن الـجـالـسـيـن فـوق الـعـمـوديـن الـلـذيـن يـسـتـنـد عـلـيـهـمـا الـقـوس.

Bab Talism 2

باب الطلسم 2

وفي مـحـاولـتـنـا لـفـهـم مـغـزى هـذه الـمـنـحـوتـات عـلـيـنـا أن نـتـكـلّـم أوّلاً عـن الـثّـعـبـانـيـن الـمـجـنـحـيـن، ثـمّ عـن تـصـويـر الـخـلـيـفـة مـتـربـع الـجـلـوس، ثـمّ عـن الأسـديـن الـلـذيـن تـرتـكـز عـلـيـهـمـا الـمـنـحـوتـات.

“الـتّـنـيـنـان” الـمـجـنـحـان :

يـذكـر مـؤرخـو الـفـنّ أنّـه كـانـت عـلى أسـوار قـونـيـا في تـركـيـا، وعـلى أسـوار ديـار بـكـر، حـسـب الـصّـور الّـتي الـتـقـطـت لـهـا قـبـل هـدمـهـا، مـنـحـوتـات ثـعـابـيـن تـنـيـنـيّـة تـشـبـه ثـعـابـيـن بـاب الـطـلـسـم.

كـمـا يـمـكـنـنـا رؤيـة ثـعـابـيـن مـتـلـوّيـة عـلى “بـاب الـحـيـايـا” في قـلـعـة حـلـب :

قلعة حلب باب الحيايا

ولـديـنـا صـور لـواجـهـة بـنـاء في بـغـداد كـانـت تـعـلـو بـابـه مـنـحـوتـة عـلـيـهـا ثـعـبـانـان وأسـدان :

أسدان وثعبانان

ويـصـعـب عـلـيـنـا الـتّـوصـل إلى تـحـديـد بـدايـات ظـهـور مـثـل هـذه الـمـنـحـوتـات الّـتي لا يـمـكـن ربـطـهـا بـفـنـون الـشّـرق الأدنى الـقـديـمـة وخـاصـة فـنـون بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

ويـعـتـقـد بـعـض الـباحـثـيـن أنّـهـا تـمـثّـل الـخـلـيـفـة قـابـضـاً عـلى عـدويـه مـلـك خـوارزم وسـلـطـان الـمـنـغـول، أو ربّـمـا الـخـلـيـفـة الّـذي يـمـسـك بـيـن يـديـه بـزمـام الـعـالـم الـنّـاطـق بـلـسـانـيـن، الـعـربي والأعـجـمي.

وأذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز هـنـا إلى أنّ سـلـطـة الـخـلـيـفـة كـانـت مـحـدودة في تـلـك الـفـتـرة، وإن حـاول الـنّـاصـر لـديـن الله أن يـعـيـد لـلـخـلافـة بـعـض هـيـبـتـهـا، فـقـد كـان الـحـكـم الـحـقـيـقي بـيـد الـسّـلـطـان الـسّـلـجـوقي مـنـذ أن دخـل الـسّـلاجـقـة بـغـداد عـام 1105 م. وسـيـطـروا عـلى الـخـلافـة.

ولـم يـحـفـظ لـنـا الـتّـاريـخ، حـسـب مـا أعـرفـه، تـصـاويـر الـنّـاصـر لـديـن الله ولا تـصـاويـر أبـيـه الـمـسـتـضئ، ولـكـن وصـلـتـنـا قـطـعـة ذهـبـيـة تـصـوّر الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر بـالله (حـكـم مـن 908 م. إلى 923 م.) يـجـلـس مـتـربـعـاً عـلى سـريـر الـمـلـك. (7)

المقتدر في برلين

 

صـورة الـخـلـيـفـة في بـلاد الأرمـن :

كـمـا نـجـد عـلى أحـد جـدران كـنـيـسـة أخـتَـمـار الأرمـنـيـة في جـزيـرة وسـط بـحـيـرة “وان” في جـنـوب شـرق تـركـيـا مـنـحـوتـة يـذكـر مـؤرخـو الـفـنّ (8) أنّـهـا تـصـوّر الـخـلـيـفـة الـعـبـاسي الـمـقـتـدر بـالله. وقـد أمـر بـتـشـيـيـد الـكـنـيـسـة مـلـك أرمـيـنـيـا غـاجـيـك Gagik عـام 915 م. وأكـمـل تـشـيـيـدهـا عـام 921 م.

وقـد أقـام الـمـلـك غـاجـيـك عـلاقـات وديـة مـع الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر الّـذي سـانـده مـرتـيـن لـلـوصـول إلى ارتـقـاء عـرش بـلاد الأرمـن. ويـبـدو أنّ الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر سـاعـد الـمـلـك غـاجـيـك مـادّيـا في تـشـيـيـد كـنـيـسـة أخـتـمـار.

ونـرى في وسـط الـمـنـحـوتـة الـخـلـيـفـة يـجـلـس مـتـربـعـاً تـحـيـط بـرأسـه هـالـة مـسـتـديـرة. وقـد صـوّر مـواجـهـة يـنـظـر إلى الـمـشـاهـد بـعـيـنـيـن كـانـتـا مـطـعـمـتـيـن ولا شـكّ بـنـوع مـن الـصّـدف كـمـا في مـنـحـوتـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة، ضـاعـتـا ولـم يـبـق إلّا الـثّـقـبـيـن الّـذيـن كـانـتـا مـثّـبـتـتـيـن بـهـمـا. ونـرى عـلى جـبـهـتـه، فـوق شـعـره الـمـنـسـدل عـلى كـتـفـيـه تـاجـاً كـان هـو الآخـر مـطـعـمـاً لـم يـبـق مـنـه إلّا الـثّـقـوب الـخـمـسـة الّـتي كـان مـثـبّـتـاً عـلـيـهـا :

خليفة أختمار

وقـد صـوّر جـالـسـاً يـحـمـل بـيـده الـيـمـنى كـأس الـسّـلـطـنـة عـلى الـعـالـم ويـرفـع يـده الـيـسـرى آمـراً، في داخـل غـصـن الـكـروم الـمـلـتـوي الـمـلـتـف حـولـه وفـوق مـرافـقـه الـمـنـتـصـب عـلى يـمـيـنـه. ونـلاحـظ أن هـذا الـمـرافـق، مـثـل الـمـرافـق الآخـر الـمـنـتـصـب عـلى يـسـار الـخـلـيـفـة، يـرتـدي ثـوبـاً طـويـلاً مـنـسـدلاً عـلى سـروالـه وحـزامـاً مـرصـعـاً بـالـمـسـامـيـر الـمـعـدنـيـة عـلى طـريـقـة الأتـراك. ويـمـدّ إلـيـه كـلاهـمـا بـرمـانـة. والـرّمّـان وعـنـاقـيـد الـكـروم الـمـحـيـطـة بـالـخـلـيـفـة مـن فـواكـه الـجـنّـة.

ونـلاحـظ الـتّـشـابـه بـيـن صـورة الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر عـلى الـقـطـعـة الـذّهـبـيـة وبـيـن صـورتـه عـلى جـدار أخـتـمـار.

صـورة الـخـلـيـفـة في صـقـلـيـة :

كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة لـمـلـك يـجـلـس مـتـربـعـاً مـثـل مـا رأيـنـاه في صـورتَي الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر، ولـكـنّـهـا في هـذه الـمـرّة رسـمـت عـلى سـقـف كـنـيـسـة قـصـر الـمـلـك روجـر الـثّـاني في مـديـنـة بَـلَـرم Palermo (في صـقـلـيـة، جـنـوب إيـطـالـيـا)، والّـتي كـانـت عـاصـمـتـه.

وأذكّـر الـقـارئ هـنـا بـأنّ صـقـلـيـة حـكـمـهـا الـفـاطـمـيـون مـنـذ بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع الـمـيـلادي إلى أن حـدثـت صـراعـات عـلى الـحـكـم في حـوالي عـام 1030 مـمـا سـهـلّ عـلى الـقـائـد الـنّـورمـانـدي روجـر جـسـكـار (الـمـعـروف بـروجـر الأوّل) الإسـتـيـلاء عـلـيـهـا بـيـن 1060 و 1090.

وقـد ظـهـرت تـأثـيـرات فـنّ الـفـاطـمـيـيـن عـلى إنـجـازات فـتـرة حـكـم خـلـفـه روجـر الـثّـاني الـفـنّـيـة والـمـعـمـاريـة، فـقـد كـان مـلـك صـقـلـيـة هـذا مـعـجـبـاً بـالـثّـقـافـة الـعـربـيـة وبـالـفـنـون الإسـلامـيـة. و كـمـا ذكـر الـصّـفـدي في “الـوافي بـالـوفـيـات”، فـ “هـو الـذّي اسـتـقـدم الـشّـريـف الإدريـسي صـاحـب كـتـاب “نـزهـة الـمـشـتـاق في اخـتـراق الآفـاق” لـيـصـنـع لـه شـيـئـاً في شـكـل صـورة الـعـالـم”، أي كـرة أرضـيـة مـن الـمـعـدن.

ونـحـن نـعـرف مـدى تـأثّـر الـفـاطـمـيـيـن بـالـفـنّ الـعـبـاسي وخـاصـة فـنّ سـامـراء (9). وهـكـذا وصـلـت صـورة الـخـلـيـفـة إلى كـنـيـسـة قـصـر بـلـرم لـيـجـلـس مـتـربـعـاً بـيـن أتـبـاعـه عـلى سـقـفـهـا :

خليفة صقلية

وقـد اكـتـمـل تـشـيـيـد كـنـيـسـة قـصـر بـلـرم في حـوالي عـام 1140 م. ويـمـكـنـنـا أن نـتـأمّـل عـلى سـقـف هـذه الـكـنـيـسـة مـقـرنـصـات

بلرم كنيسة القصر

ونـقـوشـاً بـالـخـط الـكـوفي حـول أشـكـال هـنـدسـيـة مـن بـيـنـهـا نـجـوم مـثـمّـنـة

بلرم 3

 

صـورتـا الأسـديـن :

 نـلاحـظ أنّ كـلّ واحـد مـن الأسـديـن جـالـس عـلى قـائـمـتـيـه الـخـلـفـيـتـيـن بـيـنـمـا اتّـكـأ رأسـه عـلى قـائـمـتـيـه الأمـامـيـتـيـن والّـتـفّ ذيـلـه حـول جـسـده.

أسد بيل

وهـمـا لا يـشـبـهـان أسـود أسـوار ديـار بـكـر الـمـجـنـحـة والّـتي جـاءت ولا شـكّ مـن أسـوار أكـثـر قـدمـاً وأدخـلـت بـعـد ذلـك في الأسـوار الإسـلامـيـة (مـن الـقـرن الـعـاشـر إلى الـقـرن الـثّـالـث عـشـر) :

أسد ديار بكر

ويـمـكـنـنـا أن نـسـتـنـتـج مـمـا عـرضـنـاه أنّ أسـلـوب مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم مـخـتـلـف عـن أسـالـيـب الـفـنـون الـعـبّـاسـيـة وخـاصـة أسـالـيـب سـامـراء، ويـظـهـر فـيـه بـوضـوح تـأثـيـر فـنـون الـسّـلاجـقـة الأتـراك. ويـشـبـه أسـلـوب صـورة الـخـلـيـفـة (إن صـحّ أنّـهـا تـصـوّر الـخـلـيـفـة) أسـلـوب صـورة بـدر الـدّيـن لـؤلـؤ، صـاحـب الـمـوصـل، في ذلـك الـزّمـن تـقـريـبـاً. (10)

بدر الدين لؤلؤ

وأخـتـم عـرضي الـسّـريـع بـالـتّـأكـيـد عـلى أنّ هـدفي مـن كـتـابـة هـذه الـمـلاحـظـات لـم يـكـن  إعـطـاء تـفـسـيـرات لـمـعـاني هـذه الـمـنـحـوتـات، وإنّـمـا كـان هـدفي الـتّـنـبـيـه إلـيـهـا وإثـارة تـسـاؤلات عـن أسـالـيـبـهـا ومـغـزى وضـعـهـا عـلى هـذا الـبـاب لأنّي لـم أتـوصـل بـعـد إلى إيـجـاد دراسـات ولا حـتّى مـقـالات عـنـهـا في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة.

وأذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز مـن جـديـد بـأنّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـراد الـرّابـع، بـعـد أن هـزم الـصّـفـويـيـن ودخـل بـغـداد، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، في 24 كـانـون الأوّل عـام 1638 م.، أمـر بـرقـم فـتـحـة الـبـاب بـالـطّـابـوق لـيـمـنع أعـداءه الـفـرس مـن دخـول الـمـديـنـة مـن جـهـة الـشّـرق، وهـو مـا نـراه عـلى الـصّـور الـتّي الـتـقـطـت لـلـبـرج.

وفي عـام 1657، أمـر والي بـغـداد مـحـمّـد بـاشـا الـخـاصـكي بـتـرمـيـم بـاب الـطّـلـسـم بـعـد أن خـرّب فـيـضـان دجـلـة في الـعـام الـسّـابـق بـعـض أجـزائـه.

ثـمّ اسـتـعـمـل الـبـرج في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، لـخـزن بـارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد. وعـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرتـه الـقـوات الـعـثـمـانـيـة  قـبـل انـسـحـابـهـا مـن الـمـديـنـة في 11 آذار 1917، وتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجـارة، ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

ولا شـكّ في الـمـنـحـوتـات الّـتي ضـاعـت مـنّـا بـضـيـاع الـبـاب تـسـتـحـق أن يـخـصـص لـهـا فـصـل في تـاريـخ الـفـنّ الـعـراقي الّـذي يـنـبـغي أن يـسـجّـل جـدّيـاً في يـوم مـن الأيّـام …

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نـشـر الـرّسـم في عـام 1875 في كـتـاب William Perry FOGG :

»Arabistan or The land of The Arbian Nights »

أنـظـر مـقـالي : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

(2) في كـتـاب La Province de Bagdad لـحـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة. أنـظـر مـقـالي : صـور قـديـمـة لـبـغـداد في كـتـاب حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة

(3) حُـفـر الـرّسـم عـلى الـخـشـب وطـبـع، ووضـعـتـه جـان ديـولافـوا Jane DIEULAFOY  في كـتـاب نـشـرتـه عـن رحـلـتـهـا إلى الـعـراق في 1881/1882. أنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

(3)    Karsten Niebuhr, Reisebeschreibung, II, 294.

(4)  Gertrude Bell, Amurath to Amurath, London 1911

من مراد إلى مراد

(5) 47-48. Louis MASSIGNON, Mission en Mésopotami.

(6) p. 569

(7)  مـحـفـوظـة في مـكـتـب الـمـدالـيـات Münzkabinett  في مـتـحـف الـدّولـة Staatliche Museen  في بـرلـيـن عـاصـمـة ألـمـانـيـا.

(8) أنـظـر خـاصـة كـاتـريـنـا أوتـو ــ دورن  Katharina OTTO-DORN : “الـفـنّ الإسـلامي  Kunst des Islam”، بـادن بـادن 1964، والـقـسـم الّـذي كـتـبـتـه بـيـانـكـا مـاريـا الـفـيـيـري Bianca Maria Alfieri مـن كـتـاب Le Califat de Bagdad، الّـذي نـشـرتـه مـؤسـسـة FDD عـام 1988.

(9) بـعـد أن أشـتـدّ ضـعـف حـكـم الـعـبـاسـيـيـن وانـحـطـت سـلـطـتـهـم عـنـدمـا سـاد عـلـيـهـم الأمـراء الـبـويـهـيـون ثـمّ سـلاطـيـن الـسّـلاجـقـة الّـذيـن اسـتـولـوا عـلى الـحـكـم الـفـعـلي وتـركـوا لـلـخـلـفـاء سـلـطـة صـوريـة، تـرك كـثـيـر مـن الـصّـنـاع، وخـاصـة الـخـزفـيـون، الـعـراق نـحـو مـنـاطـق أكـثـر ثـراءً، ووصـلـت أعـداد مـنـهـم إلى مـصـر لـيـعـمـلـوا فـيـهـا، كـمـا أظـهـرتـه تـنـقـيـبـات مـديـنـة الـفـسـطـاط الأثـريـة.

(10)  أنـظـر مـقـالي : مـقـتـل آخـر خـلـفـاء بـغـداد كـمـا رواه أوربـيـان

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s