الـمـتـاجـرة بـالآثـار الـبـابـلـيـة في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

إسـتـلـم الـمـسـتـشـرق الـبـريـطـاني ولـيـام رايـت  W. Wright الّـذي كـان يـدرّس في جـامـعـة كـمـبـردج رسـالـة مـن الـمـسـتـشـرق الألـمـاني الـدّكـتـور سـاخـاو  Sachau  بـعـد عـودتـه مـن جـولـة في شـمـال الـعـراق عـام 1887/1886 يـخـبـره فـيـهـا أنّ أصـدقـاء لـه كـانـوا قـد زاروا نـيـنـوى وبـغـداد واشـتـروا مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الآثـار الآشـوريـة مـن حـارس الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في نـيـنـوى. كـمـا اشـتـروا 300 مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة الـبـابـلـيـة مـن حـارس الـتّـنـقـيـبـات في “أبـو حـبّـة”، جـنـوب بـابـل.

وقـد أبـلـغ مـسـؤولـو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني هـرمـزد رسّـام (1) الّـذي كـان قـد أشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات في الـمـوقـعـيـن وعـيّـن الـحـارسـيـن بـهـذا الأمـر، وطـلـبـوا مـنـه الـتّـحـقـيـق في هـذه الـمـتـاجـرة. وأجـاب هـرمـزد رسّـام أنّ مـا ذكـر عـن شـراء الألـمـان لـلآثـار كـان صـحـيـحـاً ولـكـنّـهـم لـم يـشـتـروهـا مـن حـرّاسـه وإنّـمـا مـن أهـل الـبـلـد.

ولـم يـقـتـنـع مـسـؤولـو الـمـتـحـف بـجـواب هـرمـزد رسّـام فـقـرروا إرسـال والـيـس بـدج Wallis BUDGE إلى الـعـراق لـلـتـحـقـيـق في الأمـر، خـاصـة وأنّـهـم اكـتـشـفـوا أنّ قـطـعـاً أثـريـة وألـواحـاً مـسـمـاريـة أخـرى سـرقـت مـن الـمـواقـع الّـتي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـنـقـب فـيـهـا وخـاصـة في بـابـل، وكـان بـعـضهـا يـبـاع في لـنـدن، عـلى بـعـد خـطـوات مـن الـمـتـحـف !

وكـان مـن بـيـن مـهـمـات والـيـس بـدج أيـضـاً أن يـتـقـرّب مـن مـهـربي الآثـار في الـعـراق لـيـشـتـري مـنـهـم مـا يـسـتـطـيـعـه وبـأسـعـار رخـيـصـة. وكـانـت مـهـمـتـه الـثّـالـثـة أن يـذهـب إلى إسـطـنـبـول لـلـحـصـول عـلى سـمـاح بـتـنـقـيـبـات جـديـدة لـلـحـصـول عـلى قـطـع أثـريـة وألـواح أخـرى.

كـمـا قـام والـيـس بـدج بـنـفـس الـمـهـمـة في مـصـر الّـتي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـعـاني فـيـهـا مـن نـفـس الـمـشـاكـل.  وعـاد إلى لـنـدن بـعـد هـذه الـسّـفـرات بـمـجـمـوعـات كـبـيـرة مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة وبـقـطـع أثـريـة وبـنـصـوص مـصـريـة.

والـيـس بـدج :

واليس بدج

 كـان إرنـسـت ألـفـريـد والـيـس بـدج  Wallis BUDGE قـد درس في جـامـعـة كـمـبـردج الـلـغـات الـشّـرقـيـة : الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة والـحـبـشـيـة والـعـربـيـة مـن 1878 إلى 1883، واسـتـمـرّ يـدرس الـلـغـة الآشـوريـة وحـده بـعـد ذلـك.

وعـيّـن عـام 1883، في قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة (الّـذي تـغـيّـر اسـمـه عـام 1886 لـيـصـبـح : قـسـم الآثـار الـمـصـريـة والآشـوريـة) في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني (2). وبـعـد إحـالـة الـمـسـؤول عـن الـقـسـم، بـيـتـر لـوبـاج ريـنـوف P. L. RENOUF عـلى الـتّـقـاعـد، عـيّـن والـيـس بـدج مـسـاعـداً لـمـسـؤول الـقـسـم، ثـمّ أصـبـح في عـام 1894 مـسـؤولاً عـنـه، وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1924.

وقـد وصـل والـيـس بـدج إلى الـعـراق في زيـارتـه الأولى عـام 1887 بـعـد أن قـضى عـدّة أشـهـر في مـصـر. وغـادر مـصـر عـن طـريـق الـبـحـر الأحـمـر إلى عـدن ثـمّ مـسـقـط وصـعـد الـخـلـيـج إلى الـبـحـريـن والـفـاو ووصـل إلى شـطّ الـعـرب والـبـصـرة. ومـن الـبـصـرة صـعـد إلى بـغـداد ثـمّ ذهـب لـزيـارة بـابـل.

وقـد فـصّـل والـيـس بـدج الـكـلام عـن سـفـراتـه إلى الـعـراق ومـصـر في كـتـاب بـجـزئـيـن صـدر في لـنـدن عـام 1920 بـعـنـوان : “إلى الـنّـيـل ودجـلـة، سـرد سـفـرات في مـصـر ومـا بـيـن الـنّـهـريـن لـصـالـح الـمـتـحـف الـبـريـطـاني بـيـن 1886 و 1913” :

 

الـمـتـاجـرة بـالآثـار الـبـابـلـيـة :

كـتـب والـيـس بـعـد أن زار بـابـل :

“عـنـدمـا عـدنـا إلى الـحـلّـة ذهـبـنـا إلى مـكـان إقـامـتـنـا في دار يـهـودي. وبـعـد قـلـيـل وصـل أهـل الـبـلـد الـواحـد بـعـد الآخـر وجـلـسـوا لـصـق جـدران الـغـرفـة، وأخـرج كـلّ مـنـهـم مـن ثـيـابـه قـطـعـاً أثـريـة.

وعـنـدمـا خـرجـوا في نـهـايـة الأمـسـيـة جـلـب مـضـيّـفـنـا عـدداً مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـهـمـة الّـتي كـان قـد حـصـل عـلى بـعـضـهـا مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة. واشـتـريـت بـعـضـاً مـنـهـا بـأسـعـار مـقـبـولـة، ومـن بـيـنـهـا وزن مـن حـجـر الـبـازلـت بـثـقـل ثـلـثي مـانـا وشـقـل واحـد.

وكـانـت ألـواح الـصـلـصـال الّـتي أرانـا إيـاهـا مـضـيّـفـنـا وأصـحـابـه قـد جـاءت مـن مـوقـعَـيـن [قـرب بـابـل] يـنـقّـب بـهـمـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني : “إبـراهـيـم الـخـلـيـل” و “جـمـجـمـة”. ويـعـود تـاريـخـهـمـا إلى الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة، واخـتـرت كـثــيـراً مـنـهـا واشـتـريـتـهـا.

وبـعـد أن انـتـهـيـنـا مـن الـبـيـع والـشّـراء جـلـسـنـا نـتـحـدّث حـتّى سـاعـة مـتـأخّـرة مـن الـلـيـل عـن تـنـقـيـبـات بـابـل والـمـنـاطـق الـمـجـاورة لـهـا. وكـان [مـضـيّـفي] مـتـلـهـفـاً إلى مـعـرفـة الـتّـاريـخ الـقـديـم لـلـبـلـد لأنّ مـعـلـومـاتـه لـم تـكـن تـتـجـاوز مـا قـرأه عـنـه في الـتّـوراة. ورغـم أنّ أعـداداً مـن كـتـب الـتّـاريـخ نـشـرت عـن الـمـوضـوع فـلـم يـكـن مـن بـيـنـهـا مـا كـتـب بـلـغـة يـحـسـنـهـا. ووجـدت أنّـه فـوق ذلـك كـان يـجـهـل جـهـلاً تـامّـاً كـتـب الـبـلاذري وابـن الأثـيـر والـمـسـعـودي وغـيـرهـم”.

وعـنـدمـا اسـتـجـوبـه والـيـس بـدج عـن نـبـش أهـل الـبـلـد عـن الآثـار في بـابـل أجـابـه :

“يـشـتـري تـجّـار مـن الـحـلّـة ومـن أمـاكـن أخـرى، وكـذلـك مـقـاولـو بـنـاء سـمـاحـاً مـن الـسّـلـطـات الـمـحـلّـيـة لـيـسـتـخـرجـوا طـابـوق الأبـنـيـة الأثـريـة، وكـذلـك الـسِّـبـاخ  sibâkh الّـذي يـسـتـعـمـل كـسـمـاد في الـحـقـول. ويـفـضـل الـعـمّـال الّـذيـن يـبـعـثـونـهـم لـذلـك أن يـنـبـشـوا في الـخـنـادق والأنـفـاق الـتّي حـفـرت خـلال تـنـقـيـبـات الـبـعـثـات الأوربـيـة، فـالـحـفـر فـيـهـا أسـهـل عـلـيـهـم، ولأنّـهـم يـجـدون فـيـهـا ألـواح صـلـصـال وأسـطـوانـات حـجـريـة [مـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة] وأحـجـار كـريـمـة … أنـزلـتـهـا الأمـطـار فـيـهـا”.

وأكـمـل مـجـيـبـاً عـلى سـؤالـه : “والأمـر يـجـري عـلى هـذا الـمـنـوال مـنـذ أقـدم الأزمـان، والـنّـاس يـأتـون لأخـذ الـطّـابـوق لأبـنـيـتـهـم مـن بـابـل وبـيـرس [نـمـرود]. وقـد اشـتـرى أبي وجـدّي دائـمـاً الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان يـجـدهـا الـمـنـبّـشـون ويـبـيـعـانـهـا. ثـمّ أن أعـداداً مـن أصـحـاب الـمـراكـب يـعـيـشـون مـن نـقـل هـذا الـطّـابـوق إلى الـقـرى الـمـحـاذيـة لـلـنّـهـر جـنـوبـاً وشـمـالاً”. “وعـنـدمـا كـان الـنّـاس يـجـدون جـزءاً مـن بـنـاء أو جـداراً قـديـمـاً في الـخـرائـب كـانـوا يـتـظـافـرون عـلى هـدمـه مـعـاً ثـمّ يـتـقـاسـمـون الـطّـابـوق حـسـب مـا كـانـوا قـد اتّـفـقـوا عـلـيـه. وتـغـمـض الـسّـلـطـات أعـيـنـهـا مـقـابـل بـخـشـيـش bakhshîsh يـدفـعـونـه لـهـا.  ومـوظـفـو الـمـيـري أنـفـسـهـم يـأخـذون الـطّـابـوق عـنـدمـا يـحـتـاجـون إلـيـه مـثـلـمـا حـدث عـنـد تـشـيـيـد الـسّـد عـلى قـنـاة الـهـنـديـة الّـذي شـيّـد بـكـامـلـه بـطـابـوق نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني الّـذي أخـذ مـن بـابـل”.

وهـنـا أقـطـع سـرد والـيـس بـدج لأذكـر لـكـم مـا رآه الـمـبـشـر هـنـري سـتـيـرن Henry Stern عـنـد زيـارتـه لـبـابـل، وكـان قـد زار الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1844، ثـمّ عـاد إلـيـه عـام 1850 وأقـام فـيـه ثـلاث سـنـوات حـتّى عـام 1853، وكـتـب :

“بـيـنـمـا كـنـت أتـمـعـن الـنّـظـر في هـذه الـخـرائـب الـعـظـيـمـة رأيـت عـدّة فـلاحـيـن مـنـهـمـكـيـن بـمـسـاحـيـهـم بـإخـراج طـابـوق بـقي سـالـمـاً لـم يـتـكـسـر مـن بـيـن أكـوام الـتّـراب والـشّـظـايـا الـمـحـطّـمـة، يـحـمـلـونـه عـلى ظـهـور حـمـيـرهـم حـتّى ضـفـة الـنّـهـر ويـنـقـلـونـه عـلى مـركـب. والأمـر يـجـري عـلى هـذا الـمـنـوال مـنـذ قـرون طـويـلـة، ومـع ذلـك تـبـدو الـتّـلال كـمـا لـو لـم يـؤخـذ مـنـهـا شئ”. (أنـظـر مـقـالي : رحـلـة هـنـري سـتـيـرن إلى الـعـراق ).

وأعـود الآن إلى مـا كـتـب والـيـس بـدج الّـذي سـأل مـضـيّـفـه عـن فـائـدة الـحـرّاس الّـذيـن تـضـعـهـم بـعـثـات الـتّـنـقـيـبـات في الـمـواقـع، فـأجـابـه :

“لا أرى فـائـدة مـنـهـم، فـالـمـواقـع لـيـسـت مـلـكـاً لـهـذه الـبـعـثـات الأجـنـبـيـة، وإنّـمـا سـمـح لـهـا فـقـط أن تـنـقّـب فـيـهـا لـمـدد مـحـددة. ولـيـس لـهـذه الـبـعـثـات الـحـقّ في وضـع حـرّاس في أراضي الـسّـلـطـان. ثـمّ إنّ هـؤلاء الـحـرّاس عـاجـزون عـن مـنـع الآخـريـن مـن الـنّـبـش في الـمـوقـع. الـحـكـومـة فـقـط يـمـكـنـهـا أن تـحـافـظ عـلى الـمـواقـع وتـحـمـيـهـا، ولـهـذا كـان عـلى الـبـعـثـات أن تـطـلـب حـمـايـة الـجـنـود”.

وأكـمـل : “وإذا مـنـع الـنّـاس مـن الـحـفـر لأخـذ الـطّـابـوق مـن بـابـل أو مـن بـيـرس [نـمـرود] فـمـن أيـن يـمـكـنـهـم أخـذه لـتـشـيـيـد مـنـازلـهـم ؟ فـلا يـمـكـن أن يـسـحـب مـنـهـم هـذا الإمـتـيـاز الّـذي تـعـودوا عـلى اسـتـعـمـالـه مـنـذ قـرون طـويـلـة. وجـوامـع الـحـلّـة والـكـوفـة ومـسـجـد حـسـيـن  Masjid Husen ومـسـجـد عـلي Masjid Alî ومـعـابـد الـيـهـود ودار كـلّ يـهـودي وشـيـعي وسـنّي شـيّـدت بـكـامـلـهـا بـطـابـوق بـابـل. وعـنـدمـا اسـتـخـرج الـمـنـقّـبـون الـبـريـطـانـيـيـن في حـوالي 1880 تـمـاثـيـل مـن الـحـجـر الـجـيـري مـن بـاطـن الأرض، حـطّـمـهـا الـنّـاس بـعـدهـم واسـتـعـمـلـوهـا في جـصّ الـبـنـاء. ولـم يـكـن عـلـيـهـم أن يـتـركـوهـا في وسـط الـخـرائـب بـعـد أن اسـتـخـرجـوهـا”.

بيرس نمرود بدج

وعـنـدمـا ألـحّ والـيـس بـدج في اسـتـجـواب مـضـيّـفـه أجـابـه أنّـه لـم يـمـارس الـحـفـر لأخـذ الـطّـابـوق فـقـد أصـبـحـت تـكـالـيـف ذلـك أكـثـر مـمـا كـانـت عـلـيـه في الـمـاضي، فـقـد أخـذ الـنّـاس الـطّـابـوق الّـذي كـان قـريـبـاً مـن سـطـح الأرض ويـنـبـغي الآن الـحـفـر عـمـيـقـاً لـلـوصـول إلـيـه، ثـمّ أن كـثـيـراً مـن الـطّـابـوق تـكـسّـر لـقـلـة عـنـايـة الـنّـاس في جـمـعـه ولـم يـعـد لـه قـيـمـة. والـسّـبـب في ذلـك أن الـجـدران شـيّـدت بـطـبـقـات مـن الـقـار وضـعـت بـيـن الـطّـابـوق تـربـط بـيـنـه ربـطـاً وثـيـقـاً ولـهـذا يـصـعـب فـصـل طـابـوقـة عـن أخـرى فـيـتـحـطـم كـثـيـر مـنـهـا. والـنّـاس يـحـتـاجـون إلى آلات أفـضـل لـلـقـيـام بـهـذا الـعـمـل ولـكـن لا يـمـكـن شـراؤهـا فـلا أحـد في الـحـلّـة يـعـرف كـيـف يـصـنـعـهـا. وقـد سـمـع أنّ الإفـرنـجـيـيـن  Franjîs يـسـتـعـمـلـون نـوعـاً مـن الـبـارود لإسـقـاط الـجـدران. وذكـر أن بـعـض أصـدقـائـه رأوا الـمـهـنـدس الـفـرنسي الـعـالي [ويـقـصـد بـه مـوجـيـل Moujel ] يـسـتـعـمـل هـذا الـبـارود عـنـدمـا جـمـع الـطّـابـوق الّـذي أصـلـح بـه سـدّة [الـهـنـديـة]. وقـد سـاعـدوه في ذلـك، ودفـع لـهـم أجـرهـم “بـكـرم الأمـراء”.

ثـمّ أخـبـره أنّـه لا يـعـرف شـيـئـاً عـن الـقـطـع الأثـريـة، وسـألـه عـن أي نـوع مـن الآثـار كـان يـبـحـث وكـيـف يـمـكـنـه أن يـعـرف أنّـهـا أصـلـيـة ولـيـسـت مـزيـفـة :

“فـشـرحـت لـه حـسـب مـا اسـتـطـعـت بـلـغـتي الـعـربـيـة الـضّـعـيـفـة الـفـرق بـيـن ألـواح الـصّـلـصـال الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة والـبـابـلـيـة الـمـتـأخّـرة ووصـفـت لـه الأسـطـوانـات والأخـتـام … إلـخ. الّـتي كـنّـا نـبـحـث عـنـهـا. وذكـرت لـه أسـمـاء بـعـض الـمـواقـع الّـتي عـثـر فـيـهـا عـلى ألـواح مـسـمـاريـة، وألـحـحـت عـلـيـه أن يـبـدأ بـالاتـصـال بـسـكـان ضـفـاف شـطّ الـحي. وبـالـمـقـابـل أعـطـاني أسـمـاء الأشـخـاص الّـذيـن كـان يـعـمـل مـعـهـم في بـغـداد ولـنـدن ووعـدني أن يـبـعـث لي عـن طـريـقـهـم بـالـقـطـع الأثـريـة الّـتي أراني إيـاهـا هـذا الـمـسـاء. وقـد وفى لي بـوعـده وبـعـث بـمـجـمـوعـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة إلى لـنـدن واشـتـرتـهـا مـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحف الـبـريـطـاني. وكـان مـن بـيـن مـا طـلـبـت مـنـه أن يـبـحـث عـنـهـا أخـتـام مـن الـهـيـمـاتـيـت (حـجـر الـدّم) الّـتي نـقـشـت عـلـيـهـا تـصـاويـر آلـهـة بـابـل الـقـديـمـة ومـشـاهـد أسـطـوريـة … إلـخ. وقـد أجـابـني أنّـه رغـم أنّ أعـداداً كـبـيـرة مـنـهـا وجـدت في الـتّـلـول tulûl فـإنّـهـا نـادراً مـا تـصـل إلى الـمـدن لأنّ الـفـلاحـيـن يـحـتـفـظـون بـهـا ويـرتـدونـهـا كـتـعـاويـذ. والـرّجـال مـثـل الـنّـسـاء يـدخـلـون في ثـقـوبـهـا خـيـوط قـنّـب ويـربـطـونـهـا تـحـت أذرعـهـم الـيـمـنى. وبـعـد أن تـحـتـك الأخـتـام بـمـلابـسـهـم الـمـلـيـئـة بـالـرّمـل والـغـبـار عـدّة سـنـوات تـفـقـد الـتّـصـاويـر الـمـنـقـوشـة عـلـيـهـا أشـكـالـهـا ولا يـمـكـن قـراءة كـتـابـاتـهـا الـمـسـمـاريـة”.

ويـكـمـل والـيـس بـدج قـائـلاً : “ولا شـكّ في أنّـه لا يـمـكـن إيـقـاف الـحـفـريـات الّـتي نـعـتـبـرهـا “غـيـر شـرعـيـة”. ويـبـدو أكـيـداً أنّـه لا حـقّ لـنـا في وضـع حـراسـنـا في أمـاكـن الـتّـنـقـيـبـات، وهي ضـدّ حـقـوقـهـم الّـتي ورثـوهـا مـنـذ زمـن طـويـل. وأدركـت مـمـا ذكـره مـضـيّـفي أنّ الـخـنـادق والأنـفـاق الّـتي حـفـرهـا الـمـنـقـبـون الـبـريـطـانـيـون الأوائـل تـسـاعـد الـبـاحـثـيـن عـن الـطّـابـوق الّـذيـن يـنـبـشـون فـيـهـا وتـسـهـل لـهـم عـمـلـهـم. ولا يـمـكـنـنـا إلّا أن نـأسـف عـنـدمـا نـفـكّـر بـأنّ مـا فـعـلـه راولـنـسـن ومـن تـبـعـوه سـبّـب إسـقـاط جـدران قـصـور بـابـل وسـرقـة طـابـوقـهـا. ومـن الـواضـح أنّ هـنـاك مـتـاجـرة مـنـظـمـة بـالـقـطـع الأثـريـة. وإذا لـم تـسـتـطـع حـكـومـة بـغـداد [الـعـثـمـانـيـة] إيـقـافـهـا، فـكـيـف يـمـكـن لأجـنـبي أن يـفـعـل ذلـك؟ وحـتّى لـو كـان مـن الـسّـهـل عـلى حـمـدي بـك ووزراء إسـطـنـبـول تـشـريـع قـوانـيـن، فـهـل كـانـوا سـيـسـتـطـيـعـون تـطـبـيـقـهـا في مـنـطـقـة تـبـعـد عـنـهـم بـحـوالي ألـفي كـيـلـومـتـر ؟”.

“ومـنـذ زيـارتي لـلـحـلّـة، بـدأ انـتـبـاه أهـل الـبـلـد يـزداد عـنـدمـا يـحـفـرون ويـجـدون ألـواحـاً مـسـمـاريـة، ويـبـذلـون جـهـداً لـكي لا يـكـسـروهـا بـمـعـاولـهـم، لا لأنّـهـم يـقـدّرون قـيـمـتـهـا الـتّـاريـخـيـة ولـكـن لأني لا أشـتـريـهـا مـنـهـم إذا تـكـسّـرت أجـزاء مـنـهـا”.

ويـكـمـل والـيـس بـدج : “وتـركـنـا الـحـلّـة في فـجـر الـيـوم الـتّـالي عـائـديـن إلى جـمـجـمـة لـنـسـتـطـلـع خـرائـب بـابـل. ويـبـدو أن الـكـلّ بـدأوا يـعـرفـون أنـنـا نـشـتـري قـطـعـاً أثـريـة، فـفي عـدّة أمـاكـن، أوقـفـنـا رجـال، وحـتّى أطـفـال وألـحـوّا عـلـيـنـا لـشـراء ألـواح مـسـمـاريـة يـحـمـلـونـهـا في أيـديـهـم. واشـتـريـت عـدداً مـن الألـواح الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة بـأثـمـان زهـيـدة وعـدّة قـطـع كـبـيـرة مـن نـصّ أصـرحـدون الأسـطـواني دفـعـت مـجـيـدي (3) majîdî  لـكـلّ واحـد مـنـهـا”.

“وذهـبـنـا في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن شـبـاط إلى تـلّ جـمـجـمـة […] لـنـرى الـجـزء الّـذي كـان قـد نـقّـبـه هـرمـزد رسّـام. وكـان بـعـض أهـل الـمـنـطـقـة يـعـرفـون مـوقـعـه فـقـادونـا إلـيـه حـالاً. ووجـدنـا رجـالاً يـحـفـرون في كـلّ مـكـان، لا بـحـثـاً عـن الـطـابـوق، كـمـا تـصـورنـا، بـل عـن الألـواح الـمـسـمـاريـة. وطـلـبـنـا مـقـابـلـة الـحـارس الّـذي كـان يـنـبـغي أن يـكـون في الـمـوقـع أو قـربـه، ولـكـن لـم يـكـن هـنـاك حـارس. واسـتـغـرب أهـل الـبـلـد مـن سـؤالـنـا وأخـبـرونـا أنّـهـم لـم يـروا أبـداً حـارسـاً ولا عـسـاسـاً في الـمـكـان وأنّ لـكـلّ مـنـهـم الـحـق في الـحـفـر في أيـن مـكـان كـان مـن الـخـرائـب، يـأخـذون مـنـهـا الـسّـبـاخ لـحـقـولـهـم والـطّـابـوق لـبـنـاء مـنـازلـهـم، إلّا إذا مـنـعـهـم مـن ذلـك حـاكـم الـحـلّـة الـتّـركي. ثـمّ ذهـب أحـدهـم وعـاد بـسـلّـة مـلـيـئـة بـألـواح مـن الـفـتـرة الـفـارسـيـة والـفـتـرات الـمـتـأخّـرة.

لوح مسماري بدج

وعـنـدمـا سـألـنـاهـم لـمـاذا يـحـفـرون في الـلـيـل وهـم يـسـتـطـيـعـون الـحـفـر في الـنّـهـار، أجـابـونـا أنّـهـم يـحـفـرون في الـظّـلام لأخـذ الألـواح الـمـسـمـاريـة لأنّ قـيـمـتـهـا أكـبـر مـن قـيـمـة الـطّـابـوق. ويـشـتـريـهـا مـنـهـم مـوظـفـون في الـحـلّـة يـأخـذونـهـا خـفـيـة إلى بـغـداد ويـبـيـعـونـهـا لـتـجـار يـصـدرونـهـا إلى إنـكـلـتـرة. واشـتـريـنـا مـنـهـم كـلّ الألـواح الّـتي في الـسّـلّـة بـبـضـعـة قـروش لـلّـوح الـواحـد. وسـمـعـنـا نـفـس هـذا الـكـلام خـلال تـجـوالـنـا فـيـمـا حـول جـمـجـمـة، ورأيـنـا بـعـضـاً مـن أهـل الـبـلـد يـحـمـلـون ألـواحـاً كـسّـرت ضـربـات الـمـعـاول بـعـض أجـزائهـا ولا تـسـتـحـق الـشّـراء”.

ويـتـكـلّـم عـن تـنـقـيـبـات هـرمـزد رسـام الّـتي قـام بـهـا لـحـسـاب الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في تـلال “أبـو حـبّـة (مـوقـع مـديـنـة سـيـبـار الـقـديـمـة)” والّـتي كـان قـد بـدأهـا قـبـل أن يـحـصـل عـلى سـمـاح مـن الـسّـلـطـات الـتّـركـيـة الّـتي أجـبـرتـه عـلى إيـقـافـهـا بـعـد أن حـفـر ثـلـث الـمـوقـع. وقـد سـمـع والـيـس بـدج أنّ الـمـسـؤول الـتّـركي اسـتـولى عـلى أعـداد كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة في الـمـوقـع وبـاعـهـا لـتـجّـار الآثـار. ومـنـذ ذلـك الـحـيـن نـظّـم هـؤلاء الـتّـجـار حـفـريـاتـهـم في “أبـوحـبّـة” بـأنـفـسـهـم وبـعـثـوا مـا وجـدوه إلى لـنـدن”.

“وتـلال “أبـو حـبّـة” أربـعـة، ثـلاثـة مـنـهـا كـبـيـرة والـتّـل الـرّابـع صـغـيـر […] وفي عـدّة أمـاكـن مـنـهـا نـبـشـت الأرض وحـفـرت في سـفـوح الـتّـلال أنـفـاق لأنّ هـدف الـسّـيّـد رسّـام كـان الـعـثـور عـلى قـطـع أثـريـة بـأسـرع مـا يـمـكـن وبـأقـلّ الـتّـكـالـيـف”. “ووجـد في أحـد هـذه الـتّـلال بـقـايـا مـئـات مـن الـحُـجـر الـصّـغـيـرة الّـتي كـان فـيـهـا كـلّـهـا ألـواح مـسـمـاريـة مـن صـلـصـال لـم يـفـخـر وخـاصـة مـن فـتـرة حـكـم الـمـلـك الـبـابـلي نـبـو نـيـد (مـن 556 إلى 538 قـبـل الـمـيـلاد). وقـد وضـعـهـا أهـل الـبـلـد في الـنّـار لـيـحـولـوهـا إلى فـخـار صـلـب ولـكـنّـهـا تـكـسّـرت وتـسـاقـطـت شـظـايـا”.

وقـد وجـد والـيـس بـدج الـحـارس الّـذي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـدفـع لـه راتـبـاً لـحـراسـة الـمـوقـع وعـرف مـنـه أنّـه كـان هـو نـفـسـه يـجـمـع الآثـار الّـتي كـان أهـل الـبـلـد يـنـبـشـون الـتّـلال بـحـثـاً عـنـهـا ويـحـمـلـهـا إلى بـغـداد لـيـبـيـعـهـا لـه شـقـيـقـاه فـيـهـا.

وعـنـدمـا سـألـه كـيـف يـسـتـطـيـع عـبـور جـسـر الـقـوارب مـن غـيـر أن يـشـتـبـه بـه مـوظـفـو الـجـمـرك  gumruk، شـرح لـه  أنّـه كـان يـرتـدي مـعـطـفـاً واسـعـاً يـنـزل إلى قـدمـيـه خـاط في بـطـانـتـه صـفـوفـاً مـن الـجـيـوب الـصـغـيـرة يـضـع فـيـهـا الألـواح. أمّـا في مـا يـخـصّ الـقـطـع الأثـريـة الـكـبـيـرة فـيـدخـلـهـا لـه أصـدقـاء يـصـاحـبـون قـافـلـة ويـضـعـونـهـا في داخـل الـسّـلـع وفي بـعـض الأحـيـان يـسـاعـده أصـدقـاء إيـرانـيـون يـجـلـبـون تـوابـيـت الـمـوتى لـتـدفـنّ في كـربـلاء”.

وكـتـب والـيـس بـدج في الـنّـهـايـة : “وخـلاصـة الأمـر هـو أنـني وجـدت مـا طـلـب مـنّي راولـنـسـن أن أجـده، ولـكـن الـواضـح أنـنـا لـن نـسـتـطـيـع إيـقـاف الـتّـهـريـب”.

وعـاد مـتـأسّـفـاً إلى الـكـلام عـن آلاف الألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي كـانـت تـتـحـطـم وتـتـهـشـم بـاسـتـمـرار : “وحـتّى الّـذيـن يـحـفـرون في وضـح الـنّـهـار يـكـسّـرون الألـواح بـمـعـاولـهـم ويـحـطـمـونـهـا بـمـسـاحـيـهـم فـمـا بـالـك بـالّـذيـن يـحـفـرون خـفـيـة في ظـلام الـلـيـل”.

“والـمـتـاجـرون بـالألـواح أيـضـاً لا يـعـتـنـون بـهـا في نـقـلـهـم لـهـا، فـأحـد هـؤلاء الـمـهـربـيـن مـثـلاً مـلأ بـهـا عـدّة صـنـاديـق وأرسـلـهـا مـع قـافـلـة تـوصـلـهـا إلى دمـشـق لـتـحـمّـل عـلى بـاخـرة مـن بـيـروت. ووصـلـت الـقـافـلـة إلى دمـشـق بـعـد أربـعـة أو خـمـسـة أسـابـيـع، وعـنـدمـا فـتـحـت الـصّـنـاديـق وجـد فـيـهـا شـظـايـا ألـواح مـحـطّـمـة لـقـلـة عـنـايـة مـرسـلـهـا بـتـغـلـيـفـهـا لـلـحـفـاظ عـلـيـهـا. ووضـعـهـا مـهـرب آخـر في بـالات مـن الـصـوف لـيـخـرجـهـا مـن الـبـلـد، وعـنـدمـا أدخـلـوا الـبـالات في مـكـائـن لـتـضـغـط قـبـل تـصـديـرهـا طـحـنـت الألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي تـحـولـت إلى دقـيـق يـتـطـايـر. وحـتّى الـمـوظـفـون الأتـراك لا يـولـون اهـتـمـامـاً بـالألـواح الـمـصـادرة مـن الـمـهـربـيـن والّـتي يـرسـلـونـهـا إلى الـمـتـحـف الـعـثـمـاني في إسـطـنـبـول، فـغـالـبـاً مـا تـصـل حـطـامـاً لا نـفـع مـنـه”.

وفي بـعـثـتـه الـثّـالـثـة زار والـيـس بـدج إسـطـنـبـول والـمـوصـل وبـغـداد في 1888ــ1889 لـلـتّـحـقـيـق في سـرقـات الآثـار الآشـوريـة، وهـو مـا سـأخـصـص لـه مـقـالاً قـادمـاً.

الـدّكـتـور إدغـار جـيـمـس بـانـكـس والآثـار الـعـراقـيـة :

وأنـهي مـقـالي بـذكـر قـصّـة إدغـار جـيـمـس بـانـكـس Edgar James BANKS الّـذي وصـل إلى بـغـداد في عـام 1898 لـيـشـغـل مـنـصـب قـنـصـل الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة في بـغـداد. وكـانـت هـذه الـقـنـصـلـيـة قـد أنـشـئـت عـدّة سـنـوات قـبـل ذلـك عـنـدمـا بـعـث هـنـري هـايـز إلى بـغـداد في 1889.

وفي بـغـداد شـرع بـانـكـس بـشـراء مـئـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة (الـرّقـم الـطّـيـنـيـة) مـن الـمـتـاجـريـن بـالآثـار. وخـلال إقـامـتـه في إسـطـنـبـول عـام 1900، إشـتـرى عـدّة مـئـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة مـن مـهـربي الآثـار، وعـاد بـهـا إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة.

وقـد أشـرف الـدّكـتـور بـانـكـس في  1904/1903 عـلى تـنـقـيـبـات بـسـمـايـة (مـوقـع مـديـنـة أدب الـقـديـمـة) في جـنـوب بـابـل.

الدكتور بانكس

(الـدّكـتـور بـانـكـس بـالـمـلابـس الـعـربـيـة)

وبـعـد عـودتـه إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، عـيّـن عـام 1909أسـتـاذاً لـلـغـات الـشّـرقـيـة والآثـار في جـامـعـة تـولـيـدو في الأوهـايـو.

وبـدأ يـسـافـر في كـلّ أنـحـاء الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة يـلـقي فـيـهـا مـحـاضـرات مـثـيـرة يـمـزج فـيـهـا بـيـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة والأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة والأنـاجـيـلـيـة الّـتي تـؤمـن بـهـا كـثـيـر مـن الأوسـاط الأمـريـكـيـة.

وكـان يـغـتـنـم فـرص هـذه الـمـحـاضـرات لـيـعـرض ألـواحـاً مـسـمـاريـة (قـدّرت بـأكـثـر مـن 11،000 لـوح ) كـان قـد اشـتـرى بـعـضـهـا مـن مـهـربي الآثـار في الـشّـرق، وجـلـب بـعـضـهـا مـن تـنـقـيـبـاتـه، ويـبـيـعـهـا إلى الـمـتـاحـف والـمـكـتـبـات والـجـامـعـات والـمـعـاهـد الـدّيـنـيـة.

وكـان أهـم مـا بـاعـه الـدّكـتـور بـانـكـس لـوح يـعـود إلى فـتـرة تـتـراح بـيـن 1900 إلى 1700 قـبـل الـمـيـلاد، إشـتـراه مـنـه جـورج بـلـمـبـتـون G. Plimpton  فـيـمـا اشـتـراه في 1922 أو 1923، ثـمّ أهـداه إلى جـامـعـة كـولـومـبـيـا في 1936، ولـهـذا يـعـرف بـ Plimpton 322، عـلـيـه نـصّ ريـاضـيـات بـابـلي بـأرقـام مـسـمـاريـة عـلى أربـعـة أعـمـدة بـخـمـسـة عـشـر سـطـراً، يـشـرح فـيـه عـالـم الـرّيـاضـيـات الـبـابـلي جـزءاً مـمـا عُـرف بـعـد ذلـك بـقـرون بـ “مـبـرهـنـة فـيـثـاغـورس”، أي أنّ الـعـالـم الـرّيـاضي الـبـابـلي كـان قـد وجـد جـزءاً مـن الـمـبـرهـنـة عـدّة قـرون قـبـل أن يـولـد فـيـثـاغـورس !

(أنـظـر مـقـالي : مـغـامـرات الـدّكـتـور بـانـكـس )

ومـا ذكـرتـه لـكـم لـيـس إلّا جـزءاً صـغـيـراً مـن الـمـتـاجـرة بـآثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي نـتـجـت عـن الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة ومـا تـبـعـهـا مـن اهـتـمـام الأوربـيـيـن بـالآثـار الّـتي اكـتـشـفـتـهـا، والّـتي مـا زالـت مـزدهـرة إلى أيّـامـنـا هـذه. وسـنـعـود إلى هـذا الـمـوضـوع في مـقـالات أخـرى قـادمـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  ولـد هـرمـزد رسّـام Hormuzd Rassam في الـمـوصـل سـنـة 1826 في عـائـلـة كـاثـولـيـكـيـة كـلـدانـيـة. وكـان أخـوه كـرسـتـيـان رسّـام نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل.

وعـنـدمـا كـان في الـعـشـريـن مـن عـمـره اشـتـغـل مـع أوسـتـن هـنـري لَـيـارد Austen Henry Layard الّـذي بـدأ أولى حـمـلات تـنـقـيـبـاتـه في نـيـنـوى بـيـن 1845 و1847. وقـد سـاعـده لَـيـارد لـلـذّهـاب إلى إنـكـلـتـرة والـدّراسـة في Magdalen Colleg في أكـسـفـورد الّـتي قـضى فـيـهـا 18 شـهـراً، ثـمّ عـاد إلى الـمـوصـل لـيـسـاعـد لَـيـارد في حـمـلـتـه الـثّـانـيـة في 1849ــ1851. وبـعـد أن عـاد لَـيـارد إلى إنـكـلـتـرة أكـمـل هـرمـزد رسّـام الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود وفي تـلّ قـويـنـجـق مـن 1852 إلى 1854. وقـد تـوصـل إلى اكـتـشـافـات مـهـمـة كـالـعـثـور عـلى ألـواح مـن مـلـحـمـة جـلـجـامـش اسـتـطـاع عـالـم الآشـوريـات الـبـريـطـاني جـورج سـمـيـث قـراءتـهـا بـعـد ذلـك. (أنـظـر مـقـالي : كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش )

وبـعـد انـتـهـاء الـتّـنـقـيـبـات ذهـب هـرمـزد رسّـام إلى إنـكـلـتـرة. وسـاعـده لَـيـارد في تـعـيـيـنـه في الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة في عـدن. ثـمّ بـعـث عـام 1864 إلى الـحـبـشـة يـحـمـل رسـالـة إلى امـبـراطـورهـا مـن الـمـلـكـة فـكـتـوريـا. ولـم تـنـجـح سـفـارتـه وسـجـن في الـحـبـشـة عـدّة سـنـوات إلى أن سـقـط الإمـبـراطـور عـام 1868.

وبـعـد عـودتـه إلى إنـكـلـتـرة بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـن جـديـد لـيـشـرف عـلى تـنـقـيـبـات أثـريـة في نـيـنـوى. ثـمّ أقـام مـنـذ 1882 في مـديـنـة بـرايـتـون في جـنـوب إنـكـلـتـرة حـتّى وفـاتـه فـيـهـا سـنـة 1910.

(2)  ولـد إرنـسـت إلـفـريـد والـيـس بـدج  Sir Ernest Alfred Wallis BUDGE في إنـكـلـتـرة عـام 1857.

وبـدأ اهـتـمـامـه بـالـلـغـات قـبـل أن يـبـلـغ الـعـاشـرة مـن عـمـره، ولـكـنـه أجـبـر عـلى تـرك الـمـدرسـة في سـنّ الـثّـانـيـة عـشـرة لـيـكـسـب قـوتـه كـكـاتـب في مـكـتـب تـوثـيـق عـقـود.

وقـد اغـتـنـم كـلّ أوقـات فـراغـة لـيـدرس الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة، ووجـد رجـلاً يـحـسـن هـذه الـلـغـات إسـمـه تـشـارلـز سـيـجـر تـطـوع لـمـساعـدتـه عـلى ذلـك. ثـمّ بـدأ في 1872بـالـتـردد عـلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن والإهـتـمـام بـالـلـغـة الآشـوريـة.

وقـدمـه سـيـجـر إلى الـمـسـؤول عـن قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة صـمـوئـيـل بـرش Samuel BIRCH وإلى مـساعـده عـالـم الآشـوريـات جـورج سـمـيـث George Smith . وقـد سـاعـده سـمـيـث في تـعـلّـم قـراءة الـمـسـمـاريـة، كـمـا سـمـح لـه بـرش بـدراسـة الألـواح الـمـسـماريـة في مـكـتـبـه. وقـرأ والـيـس بـدج نـصـوص الـمـنـقـبـيـن مـثـل الـكـتـب الّـتي نـشـرهـا أوسـتـن هـنـري لَـيـارد .

وقـد قـضى والـيـس بـدج كـلّ أوقـات فـراغـه مـن عـام 1869 إلى عـام 1878 في دراسـة الـلـغـة الآشـوريـة، وكـان يـذهـب في ظهـر كـلّ يـوم، أي في وقـت الـغـداء الّـذي كان يـسـمـح لـه فـيـه بـالـتّـوقـف عـن الـعـمـل، إلى كـاتـدرائـيـة سـانـت بـول لـيـغـتـنـم الـهـدوء فـيـهـا لـلـدّراسـة، حـتّى لاحـظـه عـازف الأرغـون فـيـهـا، وعـرف بـشـغـفـه بـالـدّراسـة، فـاتـصّـل بـصـاحـب الـمـكـتـب الّـذي يـعـمـل فـيـه والـيـس بـدج وأخـبـره بـمـثـابـرة مـوظـفـه الـشّـاب عـلى الـدّراسـة.

وكـان صـاحـب الـمـكـتـب عـضـواً في الـبـرلـمـان، فـتـكـلّـم مـع رئـيـس الـوزراء غـلادسـتـون عـن رغـبـة بـدج بـدراسـة الـلـغـات الـشّـرقـيـة … وهـكـذا أرسـل بـدج إلى جـامـعـة كـمـبـردج مـن 1878 إلى 1883، ودرس فـيـهـا الـلـغـات الـشّـرقـيـة : الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة والـحـبـشـيـة والـعـربـيـة. واسـتـمـر يـدرس الـلـغـة الآشـوريـة وحـده بـعـد ذلـك.

وفي عـام 1883، عـيّـن والـيـس بـدج في قـسـم الآثـار الـمـصـريـة والآشـوريـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني وشـرع يـدرس، في أوقـات فـراغـه، الـلـغـة الـمـصـريـة الـقـديـمـة بـمـسـاعـدة صـمـوئـيـل بـرش واسـتـمـر في ذلـك حـتّى وفـاة بـرش عـام 1885. وعـنـدمـا عـيّـن ريـنـوف  RENOUF  خـلـفـاً لـبـرش، أكـمـل بـدج دراسـة الـلـغـة الـمـصـريـة الـقـديـمـة مـعـه إلى أن تـرك ريـنـوف الـمـتـحـف الـبـريـطاني عـام 1891. وقـد عـيّـن والـيـس بـدج بـعـد إحـالـة ريـنـوف عـلى الـتّـقـاعـد مـسـاعـداً لـمـسـؤول الـقـسـم، ثـمّ أصـبـح في عـام 1894 مـسـؤولاً عـنـه، وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1924.

ونـشـر والـيـس بـدج في 1914 كـتـابـاً يـحـتـوي عـلى 53 صـورة مـمـتـازة الـنّـوعـيـة لـتـمـاثـيـل وجـداريـات مـنـحـوتـة مـن زمـن آشــور نـاصـربـال مـع نـصـوص شـرح، ونـشـر دلـيـل الـمـجـمـوعـات الـبـابـلـيـة والآشـوريـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني.

(3) ضـرب الـرّيـال الـمـجـيـدي في زمـن الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني عـبـد الـمـجـيـد (حـكـم مـن 1839 إلى 1861). وكـان الـمـجـيـدي مـن الـفـضّـة ويـسـاوي 20 قـرشـاً. وكـانـت قـيـمـتـه خُـمـس الـلـيـرة الـذّهـبـيـة.

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

مـن نـيـويـورك إلى بـغـداد عـام 1914

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـشـرت مـجـلّـة الـنّـاشـيـونـال جـيـوغـرافـيـك The National Geographic Magazine الأمـريـكـيـة في عـددهـا الـسّـادس (مـجـمـوعـة 26) الـصّـادر في شـهـر كـانـون الأوّل 1914، مـقـالـيـن عـن الـعـراق، عـنـوان الأوّل مـنـهـمـا : الـمـكـان الّذي عـاش فـيـه آدم وحـواء Where Adam and Eve Lived، والـثّـاني : Mystic Nedjef, the Shia Mecca.

ناشونال جيوغرافيك

وهـذه الـمـجـلّـة تـصـدرهـا الـجـمـعـيـة الـجـغـرافـيـة الأمـريـكـيـة                     The National Geographic Society الّـتي أسـسـت عـام 1888 ، والّـتي كـان مـشـروعـهـا : “نـشـر الـمـعـارف الـجـغـرافـيـة” .

وسـأبـدأ بـالـكـلام عـن الـمـقـال الأوّل الّـذي كـتـبـه فـردريـك سِـمـبِـك                 Frederick Simpich، وشـاركـت فـيـه زوجـتـه مـرغـريـت  Margaret .

وفـردريـك سِـمـبِـك  وزوجـتـه يـسـتـعـمـلان صـيـغـة الـمـتـكـلّـم، فـلا نـعـرف بـالـضّـبـط مـن كـتـب مـاذا، ولـكـن يـبـدو أنّ مـرغـريـت كـتـبـت مـا يـتـعـلّـق بـنـسـاء بـغـداد وخـاصـة زيـارتـهـا لـ “حـريـم” رجـل مـن أغـنـيـائـهـا، وكـذلـك عـن نـسـاء الـبـاديـة.

والـمـقـال طـويـل يـمـلأ اثـنـتـيـن وأربـعـيـن صـفـحـة (مـن صـفـحـة 546 إلى صـفـحـة  588)، أرفـقـت بـه 35 صـورة فـوتـوغـرافـيـة تـعـودنـا عـلى رؤيـتـهـا في كـثـيـر مـن مـواقـع الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة بـدون إشـارة إلى مـصـدرهـا.

ولا شـكّ في أنّ هـذه الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة أهـمّ بـكـثـيـر مـن الـمـعـلـومـات الّـتي ذكـرت في الـمـقـال. وقـد الـتـقـط فـردريـك سِـمـبِـك بـنـفـسـه عـدداً مـنـهـا بـيـنـمـا أخـذ غـالـبـيـهـا مـن أرشـيـفـات  (1)Underwood and Underwood

الـسّـفـر مـن نـيـويـورك إلى بـغـداد :

يـبـدأ الـمـقـال بـالـكـلام عـن سـحـر اسـم “بـغـداد” ومـا يـثـيـره في مـخـيـلـة الـقـارئ الأمـريـكي في ذلـك الـزّمـن مـن صـور “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” و “هـرون الـرّشـيـد” … ولـكـنّ الـوصـول إلى الـعـراق كـان صـعـبـاً فـقـد قـضى كـاتـب الـمـقـال أيـامـاً عـديـدة يـبـحـث عـن وكـالـة سـفـر يـمـكـن أن تـوصـلـه وزوجـتـه إلى بـغـداد. واسـتـطـاع الـحـصـول في الـنـهـايـة عـلى بـطـاقـة تـوصـلـهـمـا مـن نـيـويـورك إلى مـصـر، وأخـرى مـن مـصـر إلى عـدن، ثـمّ مـن عـدن إلى بـومـبـاي، ومـنـهـا إلى كـراتـشي فـمـسـقـط. ومـن مـسـقـط إلى الـبـصـرة.

ويـبـدو أنّ كـاتـب الـمـقـال غـادر نـيـويـورك مـع زوجـتـه في نـهـايـة عـام 1913 أو بـدايـة 1914، فـهـو يـذكـر أنّـهـمـا أقـامـا في الـعـراق سـنـة، وقـد نـشـر مـقـالـهـمـا في نـهـايـة عـام 1914.

وعـنـدمـا كـانـا عـلى مـتـن الـبـاخـرة الّـتي عـبـرت بـهـمـا الـمـحـيـط الأطـلـسي نـظـر إلـيـهـمـا الـقـبـطـان بـدهـشـة عـنـدمـا أخـبـراه بـوجـهـتـهـمـا، ثـمّ هـمـس لـصـبي الـبـاخـرة أن يـأتي لـه بـأطـلـس فـقـد أثـار اسـم بـغـداد فـضـولـه وأراد أن يـعـرف في أي مـكـان في الـعـالـم تـقـع هـذه الـمـديـنـة !

بـغـداد :

وبـعـد سـفـرة طـويـلـة اقـتـربـا مـن بـغـداد، الّـتي تـقـع في : “بـلاد الـعـرب الـتّـركـيـة  Turkish Arabia”، وبـدت لـهـمـا في الأفـق قـبـابـهـا ومـنـائـرهـا الـرّائـعـة الـجـمـال، ثـمّ أبـصـرا بـجـسـر الـقـوارب الّـذي يـربـط بـيـن جـانـبي الـمـديـنـة، وخـاصـة بـجـانـبـهـا الـغـربي الّـذي تـحـيـط بـ “الـمـديـنـة الـقـديـمـة” فـيـه غـابـات الـنّـخـيـل والـبـرتـقـال.

ونـزلا مـن الـبـاخـرة لـيـركـبـا “قـفّـة” تـوصـلـهـمـا إلى الـشّـاطئ. ويـصـف سِـمـبـك تـلـك “الـقـفّـة” بـأنّـهـا مـسـتـديـرة مـثـل سـلّـة حـيـكـت مـن أغـصـان الـصّـفـصـاف قـطـرهـا حـوالي 6 أقـدام طـلـيـت بـالـقـار، ووضـعـت لـهـا صـورة طـالـمـا تـعـوّدنـا عـلى رؤيـتـهـا مـن غـيـر أن نـعـرف أنّـهـا أخـذت مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood، وقـد وضـعـت نـسـخـتـهـا الأصـلـيـة في بـدايـة الـمـقـال (وانـظـر الـمـلـحـق في آخـر الـمـقـال) :

NG من الباخرة على قفة

ونـقـرأ في الـمـقـال أنّـه لـم يـكـن في بـغـداد شـوارع وإنّـمـا دروب لا يـمـكـن فـيـهـا لـحـمـاريـن أن يـتـجـاوز الـواحـد مـنـهـمـا الآخـر، وأنّ سـوراً كـان يـحـيـط بـالـمـديـنـة مـا زالـت بـعـض أبـوابـه قـائـمـة، وأنّ الـدور الـبـغـداديـة مـسـطـحـة الـسّـقـوف، لا نـوافـذ لـهـا وتـحـيـط بـحـوش داخـلي، وأنّ الـعـرب يـقـضـون لـيـالي الـصّـيـف عـلى الـسّـطـوح يـضـربـون عـلى الـطّـبـول ويـنـفـخـون في الـنّـايـات بـيـنـمـا تـرقـص نـسـاؤهـم !

وأول مـا نـلاحـظـه في هـذا الـمـقـال عـنـد قـراءتـه سـطـحـيـة الـمـعـلـومـات الّـتي وضـعـت فـيـه وقـلّـة تـنـظـيـم الـسّـرد فـنـحـن نـجـد في نـفـس الـمـقـطـع اسـتـطـرادات يـقـفـز فـيـهـا الـكـاتـب مـن مـوضـوع إلى آخـر، ثـمّ يـكـمـل حـديـثـه عـن الـمـوضـوع الأول في الـمـقـطـع الـتّـالي أو الّـذي بـعـده !

ولا شـكّ في أنّ الـقـارئ كـان يـنـتـظـر أن يـجـد مـقـالاً جـديّـاً في مـجـلّـة تـصـدرهـا جـمـعـيـة جـغـرافـيـة، ولـكـنّـه لا يـقـرأ إلّا اسـتـطـلاعـاً صـحـفـيـاً مـسـطّـحـاً لا تـعـمّـق فـيـه ولا تـدقـيـق.

وتـزداد دهـشـتـه عـنـدمـا يـذكـر كـاتـب الـمـقـال، الّـذي لـم يـكـلـف نـفـسـه مـشـقّـة قـراءة كـتـاب تـاريـخ عـن بـغـداد، أنّ الـخـلـيـفـة الـمـنـصـور شـيّـد الـمـديـنـة سـنـة 731 م. ! ويـنـتـقـد مـاضـيـهـا “الـمـلئ بـالـعـنـف” مـقـارنـة بـحـاضـرهـا الّـذي بـدأت فـيـه تـتـحـضّـر بـفـضـل احـتـكـاكـهـا بـأوربـا الـحـديـثـة !

ونـعـود إلى الـمـقـال، ونـقـرأ فـيـه أنّـه “شـيّـدت أمـام الـنّـهـر، بـعـيـداً عـن أحـيـاء الـعـرب، قـنـصـلـيـات الـدّول الأجـنـبـيـة الـمـهـيـبـة ومـكـاتـب الـتّـجـارة والـدّور الـفـخـمـة لأغـنـيـاء الـيـهـود والأرمـن والـيـونـان والـسّـوريـيـن، أي الـرّجـال الّـذيـن صـنـعـوا بـغـداد الـحـديـثـة”، ولـكـنّ “زمـن عـلي بـابـا (وحـكـايـات ألـف لـيـلـة ولـيـلـة) كـان قـد مـضى، وأغـلـب قـصـور الـمـديـنـة الـقـديـمـة ومـسـاجـدهـا تـتـسـاقـط خـرابـاً”.

ويـتـكـلّـم عـن طـرقـات بـغـداد الآمـنـة في الـلـيـل مـثـلـهـا مـثـل شـوارع نـيـويـورك أو لـنـدن، ويـذكـر أنّ مـقـر قـيـادة الـجـيـش الـسّـادس الـعـثـمـاني، الّـذي يـضـمّ 25000  جـنـدي، كـان في بـغـداد.

ويـتـكـلّـم عـن تـجـارة بـغـداد الّـتي سـيـطـر عـلـيـهـا الأرمـن والـيـهـود الّـذيـن يـصـدّرون بـالـبـواخـر الـصّـوف والـتّـمـر والـسّـجـاد إلى أمـريـكـا ويـسـتـوردون مـن مـديـنـة مـانـشـسـتـر الإنـكـلـيـزيـة بـضـائـع تـصـل قـيـمـتـهـا إلى مـا يـعـادل 5 مـلايـيـن دولار سـنـويـاً.

ويـعـود كـاتـب الـمـقـال إلى ذكـر أنّ “دروب بـغـداد الـضّـيـقـة تـسـتـمـرّ في ضـجـيـجـهـا بـعـد حـلـول الـلـيـل بـوقـع الـدّنـابـك الـمـمـل وصـخـب الـنّـاي الـحـاد. وتـغـني نـسـاء مـطـلـيـات الـوجـوه مـتـزيّـنـات بـأقـراط وحـجـول ومـرتـديـات سـراويـل واسـعـة ويـرقـصـن عـلى الـسّـطـوح. ولـكـنّ الأقـراط والـحـجـول مـسـتـوردة مـن الـنّـمـسـا. أمّـا الـنّـسـاء فـجـئـن مـن بـورسـعـيـد”.  “ونـجـد أعـداداً مـن الـمـقـاهي عـلى ضـفـة دجـلـة يـجـلـس فـيـهـا في الـمـسـاء سـمـاسـرة يـدخـنـون الـنّـارجـيـلـة ويـتـحـدثـون عـن تـجـاراتـهـم. وحـتّى طـرابـيـشـهـم اسـتـوردت مـن ألـمـانـيـا”.

ونـلاحـظ أنّ كـاتـب الـمـقـال أخـطـأ هـنـا أيـضـاً فـالـطـرابـيـش كـانـت تـسـتـورد خـاصـة مـن مـديـنـة “فـيـيـنـا” عـاصـمـة الـنّـمـسـا، ولـهـذا كـان الـبـغـداديـون يـسـمـونـهـا “الـفـيـنـة”.

ويـكـمـل : “ولا تـصـنـع في بـغـداد مـمـا يـرتـدون إلّا نـعـالـهـم الـجـلـديـة الـحـمـراء الـمـرتـفـعـة الـمـقـدمـات وكـوفـيـاتـهـم  keffeyas  الـبـرّاقـة  وعـبـاءاتـهـم  abbas الـواسـعـة”.

“وتـبـدو دروب الأسـواق أنـفـاقـاً عـقّـدت سـقـوفـهـا بـالـطّـابـوق لـتـحمي الـنّـاس مـن لـهـب الـقـيـظ. وهي تـقـطـع حيّ الأسـواق مـثـل مـسـالـك مـا تـحـت الأرض subways  في كـل الإتـجـاهـات، طـويـلـة خـانـقـة قـلـيـلـة الإضـاءة مـكـتـظـة بـالـنّـاس والـبـغـال والـجـمـال. وعـلى كـلّ جـانـب مـنـهـا دكـاكـيـن لا تـتـجـاوز سـعـتـهـا سـعـة أكـشـاك الـهـواتـف الـعـامـة telephone booths   يـتـربّـع فـيـهـا تـاجـر يـهـودي أو عـربي تـتـكـوّم حـولـه بـضـائـع تـصـل إلى الـسّـقـف”.

“ويـنـصّ قـانـون مـعـمـار قـديـم عـلى أن سـقـف الـسّـوق يـنـبـغي أن يـشـيّـد عـلى ارتـفـاع يـمـكـن لـراكـب جـمـل يـحـمـل رمـحـه أن يـمـرّ تـحـتـه. ومـع ذلـك يـتـرك الـبـدو في أيّـامـنـا هـذه جـمـالـهـم خـارج أبـواب الـمـديـنـة”، “وتـرتـفـع مـن حـنـاجـر لا تـعـدّ ولا تـحـصى نـقـاشـات بـالـعـربـيـة والأرمـنـيـة والـتّـركـيـة والـكـرديـة والـفـارسـيـة والـيـونـانـيـة والـهـنـدوسـتـانـيـة والـفـرنـسـيـة، وتـسـمـع صـيـاح : “بـالـك ! Barlak” … “بـالـك أفـنـدي ! Barlak Effendi”.

“ويـمـكـن الـتّـعـرف عـلى سـكـان الـبـاديـة بـيـنـهـم مـن أوّل نـظـرة : مـن شـعـورهـم الـكـثّـة الـمـنـسـدلـة عـلى أكـتـافـهـم  ومـن مـلابـسـهـم الّـتي بـهـتـت ألـوانـهـا تـحـت ضـربـات الـشّـمـس ومـن هـراواتـهـم الـضّـخـمـة ومـن نـظـراتـهـم الـمـتـوحـشـة. وتـراهـم يـرفـعـون أطـراف عـبـاءاتـهـم إلى أنـوفـهـم لـتـحـمـيـهـم مـن روائـح الـسّـوق الـكـريـهـة وهـم الّـذيـن تـعـودوا عـلى اسـتـنـشـاق الـهـواء الـنـقي في فـيـافـيـهـم. ويـمـوت آلاف مـن أهـل الـسّـوق مـن مـرض الـسّـل كـلّ عـام”.

“ولـلـبـاعـة الـمـتـجـولـيـن طـريـقـتـهـم في مـمـازحـة الـمـشـتـريـن، فـيـصـيـح بـائـع الـزّهـور بـالـمـارّة وهـو يـمـدّ بـبـاقـاتـه : “صـالـح حـمـاتـك !”. ويـنـادي بـائـع الـفـطـائـر الـمـشـويّـة : “أمّ الـنّـاريـن ! أمّ الـنّـاريـن !”.

“ونـجـد في الـدّروب الـجـانـبـيـة أمـاكـن مـبـهـرجـة هي الـمـسـارح الـشّـديـدة الإضـاءة في الـلـيـل والّـتي يـشـرب فـيـهـا الـنّـاس كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـقـهـوة، ونـرى فـيـهـا سـاحـراً يـبـتـلـع سـيـوفـاً أو يـخـرج عـلاجـيـم ضـفـادع مـن عـمـامـتـه الـوسـخـة …”.

“وتـبـقى الأسـواق مـفـتـوحـة كـلّ الـلـيـل في رمـضـان، فـالـمـسـلـمـون يـصـومـون طـيـلـة الـنّـهـار لـمـدّة شـهـر ولا يـأكـلـون إلّا في الـلـيـل بـعـد أن يـضـرب مـدفـع الـسّـراي في الـمـغـرب”.

“وأكـل الـنّـاس شـديـد الـدّسـم. دهـن يـسـتـخـرجـونـه مـن ألـيـات الـنّـعـاج ونـقـانـق مـن لـحـم الـمـاعـز وقـرع ورمّـان ولـيـمـون وتـمـر وتـيـن مـجـفـف ولـحـم خـرفـان وبـقـر. نـجـد عـنـدهـم كـلّ أكـل إلّا لـحـم الـخـنـزيـر. ولا أحـد يـمـوت هـنـا مـن الـجـوع. أمّـا الـمـتـسـولـون فـهـم قـلّـة”.

جـنـات عـدن :

“وتـقـع الـمـنـطـقـة الّـتي تـعـتـبـر “جـنّـة عـدن” حـوالي 80 كـلـم. غـرب بـغـداد، عـلى ضـفـاف نـهـر الـفـرات. ورأيـت في الـمـسـيّـب 4000  رجـل يـحـفـرون مـثـل حـيـوانـات الـخـلـد في سـهـول مـنـطـقـة بـابـل لـيـجـددوا واحـدة مـن الـقـنـوات الّـتي يـمـلأهـا مـاء الـنّـهـر. وفي قـعـر هـذه الـقـنـاة الّـتي مـا زالـت جـافـة كـانـوا يـشـيـدون سـدّاً كـبـيـراً. وكـانـوا يـسـتـعـمـلـون آلات اسـتـوردت مـن أمـريـكـا. وعـنـدمـا سـيـكـتـمـل سـيـمـلأ بـالـمـاء الّـذي سـيـرتـفـع خـلـف الـسّـدّ ويـسـتـعـمـل لـلـسـقي”.

“وكـان نـظـام الـرّي في زمـن نـبـوخـذ نـصـر يـوزع الـمـاء عـلى كـلّ أراضي بـلاد بـابـل ويـصـل قـرب بـغـداد. وتـجـري قـنـاة “الـنّـهـروان” الـضّـخـمـة بـمـحـاذاة دجـلـة مـسـافـة حـوالي 485 كـلـم. وهي بـعـرض 350 قـدم. وكـتـب هـيـرودوت عـنـدمـا زار الـمـنـطـقـة أنّـهـا كـانـت امـتـدادت خـضـرة مـن طـرف إلى طـرف”.

ورغـم أنّ طـرق الـرّي الـقـديـمـة كـانـت سـائـدة الإسـتـعـمـال فـإنّ : “مـكـائـن الـسّـقي والـضّـخ بـدأت تـحـتـل مـكـانـة كـبـيـرة بـسـرعـة، وبـيـعـت أكـثـر مـن 300 مـنـهـا إلى الـفـلاحـيـن حـول بـغـداد في 1909/ 1910”.

“وحـفـرت آبـار نـفـط في مـنـطـقـة نـهـر الـكـارون، جـنـوب بـغـداد، وربـطـت بـهـا أنـابـيـب تـنـقـلـه، وأنـشـأت لـه مـصـافي. وجُـلـبـت عـشـرون ألـف طـنّ مـن الأنـابـيـب مـن الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، ووظّـف مـخـتـصّـون أمـريـكـان في الـتّـنـقـيـب عـن الـنّـفـط”. “ويـتـراوح سـعـر طـنّ الـفـحـم في بـغـداد بـيـن 15 و20 دولاراً. ولـكـنّ الـنّـفـط سـيـسـتـعـمـل كـوقـود مـن الآن فـصـاعـداً”.

ويـكـتـب عـن الأجـانـب في بـغـداد : “وكـان يـعـيـش في بـغـداد قـبـل الـحـرب حـوالي خـمـسـيـن أجـنـبـيـاً، بـيـن بـريـطـاني وألـمـاني وروسي وإيـطـالي وفـرنـسي. إثـنـا عـشـر مـنـهـم كـانـوا قـنـاصـل أو مـوظـفي قـنـصـلـيـات، وغـالـبـيـة الـبـاقـيـن كـانـت تـعـمـل في الـتّـجـارة. ولـم يـتـعـود الـعـرب عـلى تـسـمـيـتـهـم بـأسـمـائـهـم وإنّـمـا بـمـهـنـهـم، فـمـسـتـورد عـرق الـسّـوس مـثـلاً يـدعـونـه “أبـو الـسّـوس  Abu Sus”، وهـنـاك أيـضـاً “أبـو الـزّوالي” و “أبـو الـبـواخـر”، ويـسـمـون طـبـيـب الأسـنـان “أبـو الأسـنـان”.

ويـتـكـلـم عـن الـسّـراديـب والـعـقـارب الّـتي “تـجـول فـيـهـا عـلى هـواهـا، ولـكـن لـدغـاتـهـا لـيـسـت قـاتـلـة”، وعـن عـواصـف الـعـجـاج الـخـانـقـة. ثـمّ يـتـكـلّـم عـن “حـبّـة بـغـداد أو حـبّـة الـتّـمـر date boil”، والـمـعـروفـة في أمـاكـن أخـرى كـ “حـبّـة حـلـب” أو “حـبّـة الـنّـيـل” أو “حـبّـة دلـهي”. “وكـادت واحـدة مـنـهـا أن تـلـتـهـم أنـف أحـد قـنـاصـل حـلـب الـبـريـطـانـيـيـن بـكـامـلـه. ورأيـت آثـارهـا عـلى وجـوه كـلّ الـبـغـاددة تـقـريـبـاً”.

ويـذكـر أنّـه كـان في بـغـداد 180  ألـف سـاكـن : 120  ألـف مـسـلـم سـنّي و 15  ألـف مـسـلـم شـيـعي و 40 ألـف يـهـودي وألـف و 600  كـلـداني وألـف و 200  سـريـاني و 150  يـونـانـيـاً  و 75 هـنـديـاً و 40  أوربـيـاً. “ويـحـفـظ هـذا الإخـتـلاط الـتّـوازن الـسّـلـمي ويـنـقـذ بـغـداد مـن الـصّـراعـات الـطّـائـفـيـة والـمـذابـح الّـتي تـحـدث في مـنـاطـق أخـرى”.

ويـذكـر أنّـه كـان في بـغـداد 67 مـسـجـداً و 27 مـعـبـد يـهـود و 7 كـنـائـس. “ويـقـيـم “الـمـقـيـم” الـبـريـطـاني في بـعـض أيّـام الأحـد قـدّاسـاً لـلأجـانـب بـيـنـمـا تـتـرفـع أصـوات جـنـوده الـهـنـود بـالـصّـلاة في مـسـجـد شـيّـدتـه لـهـم الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة”.

وهـو يـذكـر أنّـه عـاد إلى الـوراء عـشـريـن قـرنـاً عـنـدمـا خـرج مـن بـاخـرتـه في بـغـداد ورأى رجـالاً يـرتـدون مـلابـس زمـن الـتّـوراة : الـعـمـائـم والـنّـعـال والـعـبـاءات الـواسـعـة يـدعـو الـواحـد مـنـهـم الآخـر : يـوسـف ومـوسى … وتـسـيـر عـلى ضـفـاف الـنّـهـر نـسـاء رائـعـات الإنـتـصـاب يـحـمـلـن عـلى أكـتـافـهـن جـرار الـمـاء.

وتـبـدي زوجـة الـكـاتـب الّـتي تـكـلّـمـت مـع نـسـاء بـغـداد اسـتـغـرابـهـا مـن جـهـلـهـنّ بـأمـريـكـا. وهي تـخـلـط شـخـصـيـات الـتّـوراة الأسـطـوريـة بـالـشّـخـصـيـات الـتّـاريـخـيـة عـنـدمـا تـتـكـلّـم عـن بـابـل، ولـنـقـل أنّـهـا تـجـهـل تـاريـخ بـابـل وتـأتي أغـلـب مـعـلـومـاتـهـا عـنـهـا مـن أسـاطـيـر الـتّـوراة.

وتـتـكـلّـم عـن زيـارتـهـا في بـغـداد لـلـحـريـم  hareem  “كـمـا يـسـمـون الـنّـسـاء هـنـا”، في دار رجـل غـني كـان لـه مـنـصـب مـهـمّ في زمـن الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد. وقـد ذهـبـت إلى قـصـر هـذا الـبـاشـا قـرب بـاب الـمـعـظـم في صـبـاح يـوم ربـيـعي، واجـتـازت إسـطـبـلات خـيـول وكـلاب سـلـوقـيـة لـلـصّـيـد. وقـد أدخـلـهـا الـبـاشـا بـنـفـسـه إلى الـدّار وتـكـلّـم مـعـهـا بـلـغـة فـرنـسـيـة صـحـيـحـة وأراهـا صـقـوره وأسـديـن في قـفـص ثـمّ دخـلا مـن “بـاب الـحـرمـلـك” إلى قـسـم الـدّار الـمـخـصـص لـلـنّـسـاء الـمـحـاط بـحـيـطـان لا نـوافـذ فـيـهـا، والّـذي كـان حـوشـاً تـحـيـطـه الـغـرف مـن ثـلاث جـهـات.

ولـم يـكـن هـنـاك أثـاث كـثـيـر : سـجـاد عـلى الأرض وكـراسي مـغـطـاة بـنـسـيـج الـبـلـش الأحـمـر وبـعـض الإريـكـات. وعـنـدمـا نـادى الـبـاشـا خـرجـت الـنّـسـاء مـن الـغـرف : أربـع عـشـرة امـرأة كـان مـن بـيـنـهـنّ زوجـاتـه. ولـم تـجـدهـنّ جـمـيـلات حـسـب مـعـايـيـرهـا الـغـربـيـة ولا أنـيـقـات الـمـلـبـس. وبـعـد أن تـركـهـنّ الـبـاشـا اقـتـربـت الـنّـسـاء مـنـهـا يـتـفـحـصـنّـهـا بـفـضـول ويـتـصـايـحـن : ” All-a-a-h !”. ثـمّ ذكـرت أسـئـلـتـهـنّ الـمـسـتـغـربـة وقـارنـت بـيـن حـالـهـنّ وحـال الأمـريـكـيـات.

ونـجـد في وصـفـهـا لـ “الـحـريـم” نـفـس الـكـلـشـيـهـات الّـتي نـقـرأهـا عـنـد كـثـيـر مـمـن كـتـبـوا عـن “الـشّـرق” مـن الـغـربـيـيـن : الـتّـخـيـلات الـشّـبـقـيـة عـن مـكـان مـلئ بـنـسـاء رائـعـات الـجـمـال شـهـيّـات الأجـسـاد يـقـتـلـهـنّ الـضّـجـر في سـجـنـهـنّ الّـذي لا يـخـرجـن مـنـه، يـقـضـيـن نـهـارهـنّ مـرتـمـيـات وهـنّ أنـصـاف عـاريـات عـلى أرائـك، يـسـتـمـعـن إلى عـبـد يـعـزف لـهـنّ عـلى الـعـود ويـشـربـن الـشّـاي أو الـقـهـوة وهـنّ يـلـتـهـمـن قـطـعـاً مـن “راحـة الـحـلـقـوم”. وطـبـعـاً يـتـحـكّـم فـيـهـنّ “شـرقي” غـامـق الـبـشـرة شـهـواني مـسـتـبـد عـنـيـف … ولـهـذا تـكـون خـيـبـة الأمـل شـديـدة عـنـدمـا تـدخـل امـرأة غـربـيـة في “حـريـم” شـرقي لـتـكـتـشـف أنّـه جـزء مـخـصـص لـلـنّـسـاء في دار رجـل غـنيّ، تـسـكـن فـيـه زوجـاتـه (إن كـان لـه أكـثـر مـن واحـدة) ونـسـاء الـعـائـلـة الأخـريـات.

وتـتـهـمّ مـرغـريـت سِـمـبِـك الـكـتّـاب الّـذيـن كـانـت قـد قـرأت وصـف “الـحـريـم” عـنـدهـم بـأنّـهـم خـدعـوهـا عـنـدمـا صـوّروا لـهـا هـذا الـمـكـان “الـعـادي” كـمـكـان “اسـتـثـنـائي”.

وتـذكـر بـعـد ذلـك أنّ نـسـاء الـبـاديـة لا يـعـانـيـن مـن هـذا الـحـبـس في داخـل الـدّار، وأنّ الـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن الـرّجـال لا يـتـزوجـون بـأكـثـر مـن امـرأة لـقـلّـة إمـكـانـيـاتـهـم الـمـاديّـة، ثـمّ تـتـكـلّـم عـن حـال الـمـرأة في عـشـيـرتـهـا ودفـاع أهـلـهـا عـنـهـا. وتـسـتـمـر في الـكـلام عـن الـبـدو وعـاداتـهـم مـعـتـمـدة عـلى مـا قـرأتـه عـنـد الـكـتّـاب الـغـربـيـيـن.

ويـتـوقـع كـاتـبـا الـمـقـال في الـنّـهـايـة أن تـقـرّب وسـائـل الـنّـقـل الـحـديـثـة، الّـتي كـانـت تـتـحـسـن بـاسـتـمـرار، بـغـداد مـن بـاقي الـعـالـم، وأنّ يـصـبـح الـعـراق واحـداً مـن الـمـراكـز الـسّـيـاحـيـة الـمـهـمّـة في الـشّـرق، وأن يـعـود الـنّـاس لـزيـارة بـلـد جـدهـم آدم الـقـديـم !

الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة :

أهـمّ مـا في الـمـقـال كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي تـصـاحـبـه. وقـد الـتـقـط فـردريـك سِـمـبِـك بـنـفـسـه عـدداً مـنـهـا بـيـنـمـا أخـذ غـالـبـيـهـا مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood.

وصـل كـاتـبـا الـمـقـال مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد عـلى مـتـن واحـدة مـن الـبـواخـر الّـتي كـانـت تـنـقـل الـمـسـافـريـن والّـتي صـوّرهـا فـردريـك سِـمـبِـك. ونـلاحـظ حـولـهـا عـدداً مـن الـقـفـف :

NG بواخر دجلة

ويـصـل الـمـسـافـرون مـن الـبـاخـرة إلى الـشّـريـعـة عـلى شـاطئ الـنّـهـر عـلى قـفّـة، كـمـا في الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال.

ويـنـزلـون مـنـهـا لـيـدخـلـوا في الـمـديـنـة :

بغداد 1914

ثـمّ نـجـد أربـع صـور فـوتـوغـرافـيـة أخـذت مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood،

الأولى صـورة “لـلـشّـارع الـرّئـيـسي” الّـذي نـرى عـلى يـسـاره بـنـايـة الـسّـراي ونـلاحـظ مـارّة يـنـتـمـون إلى عـدد مـن الـجـالـيـات الّـتي تـقـيـم في بـغـداد ورجـال شـرطـة وجـنـود مـن الـجـيـش الـعـثـمـاني  :

NG جادة بغداد الرئيسية

وصـورة لأحـد أزقّـة بـغـداد  :

زقاق في بغداد

ثـمّ صـورة دار لـثـري يـهـودي تـطـلّ عـلى دجـلـة في شـمـال الـمـديـنـة :

NG دار يهودي على دجلة شمال بغداد

وصـورة عـربـتَي تـرامـوي بـطـابـقـيـن تـجـرّهـا خـيـول عـلى سـكّـة حـديـديـة :

NG تراموي بغداد الكاظمية

وأضـع نـفـس الـصّـورة كـمـا نـشـرت في كـتـاب 2001 (أنـظـر الـمـلـحـق في آخـر الـمـقـال) :

img256 (563x800)

ثـمّ نـرى بـعـد ذلـك صـورتـيـن الـتـقـطـهـمـا فـردريـك سِـمـبِـك، الأولى لـبـاب الـحـلـبـة الّـذي يـسـمـيـه الـعـامـة بـاب الـطّـلّـسـم (2) :

NG باب الطلسم

والـثّـانـيـة لـسـوق في الـمـديـنـة الـقـديـمـة نـرى فـيـهـا حـزمـات سـعـف نـخـيـل عـلى ظـهـور حـمـيـر :

NG سوق في بغداد

ثـمّ صـورتـيـن أخـذتـا مـن أرشـيـفـات  Underwood and Underwood  الأولى لـزقـورة الإلـه نـبـو في بـورسـيـبـا (بـيـرس نـمـرود) كـتـب تـحـتـهـا في الـمـقـال أنّـهـا “بـرج بـابـل” الّـذي تـكـلّـمـت عـنـه الـتّـوراة :

NG بيرس نمرود

والـثّـانـيـة لـزقـورة دور كـوريـغـالـزو في عـقـرقـوف الّـتي كـتـب تـحـتـهـا أنّـهـا مـن الـمـعـالـم الـبـابـلـيـة قـرب بـغـداد، مـع أنّـهـا تـعـود لـلـفـتـرة الـكـاسـيـة (أو الـكـاشـيـة) :

NG عقرقوف

وصـورة الـتـقـطـهـا فـردريـك سِـمـبِـك لـصـرائـف عـلى الـفـرات قـرب كـربـلاء :

اNG الأهوار

ومـجـمـوعـة  صـور أخـذت مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood، لـصـانـعي قـفـف عـلى ضـفـة دجـلـة في بـغـداد :

قفة 2

ولـقـريـة في “جـنـوب الـفـرات” :

صرائف في جنوب الفرات

ولـقـريـة “عـرب” في جـنـوب “بـلاد بـابـل” :

جنوب بابل

ولـمـضـيـف الـشّـيـخ ولـجـامـوس في الأهـوار :

أهوار 2

ولـمـشـحـوف في الأهـوار :

أهوار 3

ولـ “جـنـة عـدن” عـلى الـفـرات :

قرية على الفرات

ولـمـديـنـة تـكـريـت عـلى دجـلـة، الّـتي يـصـفـهـا الـمـقـال بـأنّـهـا : “واحـدة مـن أقـدم مـدن جـنـوب غـرب آسـيـا”، ويـنـقـل مـا كـان الـنّـاس يـعـتـقـدونـه في ذلـك الـزّمـن مـن أنّ الـمـلـك الـسّـاسـاني شـابـور الأوّل هـو الّـذي أسـسـهـا في الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد. ونـحـن نـعـرف الآن مـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة أنّ تـأسـيـسـهـا يـعـود إلى زمـن الـدّولـة الآشـوريـة في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد :

تكريت

ولـخـان في الـفـلـوجـة :

خان في الفلوجة

ويـنـتـهي الـمـقـال بـصـورة لـمـقـهى في الـمـوصـل :

مقهى في الموصل

 

مـلـحـق

نـشـرت الـجـمـعـيـة الـجـغـرافـيـة الّـتي تـصـدر عـنـهـا مـجـلّـة The National Geographic Magazine كـتـابـاً عـام 2001، احـتـوى عـلى مـخـتـارات مـن أرشـيـفـاتـهـا الـمـتـعـلّـقـة بـالـبـلـدان الـمـسـلـمـة.

وقـد أعـيـد فـيـه نـشـر الـمـقـطـع الّـذي كـتـبـتـه مـرغـريـت سِـمـبِـك عـن “الـحـريـم” في مـقـال عـام 1914 الأوّل، وجـزء مـن الـمـقـال الـثّـاني الّـذي كـتـبـه فـردريـك سِـمـبِـك عـن الـنّـجـف.

كـمـا نـشـرت عـدداً مـن الـصـور مـنـهـا صـورة واسـعـة عـلى صـفـحـتـيـن (لـوّنـت يـدويـاً) لـمـقـهى بـغـدادي الـتـقـطـهـا  Eric Keast BURKE عـام 1922، وأضـعـهـا بـقـسـمـيـن :

وقـد الـتـقـط نـفـس الـمـصـور وفي نـفـس الـعـام صـورة لـمـنـارة الـمـوصـل الـحـدبـاء

img261 (549x800)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  أنـشـأ الأخـوان أنـدروود Underwood  عـام 1881 شـركـة لـلـتـصـويـر في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة. ثـمّ قـامـا بـتـصـويـر الأحـداث وبـيـعـهـا لـوكـالات الأنـبـاء في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، وفـتـحـا عـدداً مـن الـمـكـاتـب في مـدن مـخـتـلـفـة مـن الـعـالـم. وقـد بـعـثـا بـمـصـوريـن إلى الـشّـرق الأدنى في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى. وتـحـتـوي أرشـيـفـات الـشّـركـة عـلى عـدد كـبـيـر مـن صـور الـتـقـطـت في الـعـراق.

(2)  أنـظـر مـقـالي :  مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم في بـغـداد

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.