“إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” والـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـصـصـت عـلـيـكـم في مـقـال سـابـق كـيـف وصـل عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه Walter ANDRAE  إلى الـعـراق عـام 1899 لـيـشـارك في تـنـقـيـبـات بـابـل الأثـريـة الّـتي كـان يـشـرف عـلـيـهـا روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE، وكـيـف دامـت مـشـاركـتـه فـيـهـا حـتّى عـام 1903. (1)

إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” :

وقـد الـتـقى فـالـتـر أنـدريـه في بـابـل بـاسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم (أكـتـب اسـمـه حـسـب الـلـفـظ الـمـحـلّي الّـذي سـجّـلـه فـالـتـر أنـدريـه في يـومـيـاتـه بـالـحـروف الـلاتـيـنـيـة، وبـالـلـفـظ الألـمـاني : Ismain Ibn Dschasim) الّـذي اشـتـغـل في خـدمـتـه.

وفي عـام 1904، طـلـب روبـرت كـولـدفـيـه مـن مـسـاعـده فـالـتـر أنـدريـه أن يـذهـب إلى قـلـعـة الـشّـرقـاط، وأن يـشـرع بـتـنـقـيـبـات أثـريـة فـيـهـا. وعـنـدمـا تـرك فـالـتـر أنـدريـه بـابـل تـبـعـه إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم، واشـتـغـل كـرئـيـس عـمّـال في تـنـقـيـبـاتـه.

وقـد أزاح فـالـتـر أنـدريـه الـتّـراب في قـلـعـة الـشّـرقـاط عـن آثـار مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة. وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـام 1914 تـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات، وتـرك فـالـتـر أنـدريـه الـعـراق عـائـداً إلى ألـمـانـيـا، ورجـع إسـمـاعـيـن إلى أهـلـه في الـحـلّـة.

ولـكـنّـه أسـرع لـلـقـاء فـالـتـر أنـدريـه عـنـدمـا سـمـع بـعـودتـه إلى الـعـراق عـام 1915 كـضـابـط في الـجـيـش الألـمـاني (الّـذي كـان يـقـاتـل بـجـانـب الـجـيـش الـعـثـمـاني)، وتـبـعـه كـمـا يـتـبـعـه ظـلّـه حـتّى عـام 1918 مـعـرضـاً نـفـسـه لـكـلّ مـخـاطـر سـنـوات الـحـرب عـلى ضـفـاف دجـلـة وديـالى وحـتّى في سـوريـا وفـلـسـطـيـن مـع أنّـه لـم يـكـن مـجـبـراً كـابـن عـشـائـر عـلى الـخـدمـة الـعـسـكـريـة في الـجـيـش الـعـثـمـاني. ولـم تـدفـعـه إلى ذلـك إلّا أواصـر الـمـودّة الّـتي كـانـت تـربـطـه بـفـالـتـر أنـدريـه.

كـتـب فـالـتـر أنـدريـه في يـومـيـاتـه عـن الّـذيـن عـمـل مـعـهـم :

“أغـلـب هـؤلاء الـنّـاس طـيـبـون بـطـبـعـهـم، وبـعـضـهـم مـثـالـيـون في ذلـك، ومـنـهـم خـاصّـة عـزيـزي إسـمـاعـيـن الّـذي ارتـبـط بي مـع أنّـه كـان مـالـكـاً ولـه بـعـض الـتّـجـارة. وسـأقـصّ عـلـيـكـم مـا يـلي لأريـكـم طـبـيـعـة الـعـلاقـة الّـتي كـانـت تـربـطـنـا :

جـاءني في يـوم مـن الأيّـام كـعـادتـه، وقـد عـقـد ذراعـيـه عـلى صـدره وقـال لي : “ولـد لي صـبي هـذا الـيـوم، فـمـاذا تـوّد أن أسـمـيـه ؟”، فـقـلـت لـه أن يـسـمـيـه “عـلي”. وهـكـذا أسـمـاه. وكـبـر عـلي وانـجـب، وصـار إسـمـاعـيـن بـذلـك جـدّاً لـسـتّـة عـشـر طـفـلاً عـاش مـنـهـم عـشـرة مـلأوا قـلـبـه بـهـجـة، وخـاصـة آخـر الـعـنـقـود. وقـد حـكى إسـمـاعـيـن لأحـفـاده كـلّ مـا جـرى في تـنـقـيـبـات الألـمـان، وهـم يـعـرفـون كـلّ شئ عـن الألـمـان. وكـان إسـمـاعـيـن سـنـداً لي في تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط لـحـلّ الـخـصـومـات بـيـن الـعـرب الّـتي كـانـت تـشـتـدّ أحـيـانـاً أمـامـنـا، وكـان مـرجـعـنـا في مـعـرفـة مـن يـمـكـن أن نـثـق بـه ومـن يـنـبـغي أن نـحـتـاط مـنـه”.

عـلي بـن إسـمـاعـيـن :

“ويـسـتـحـق عـلي إبـن إسـمـاعـيـن أن أتـكـلّـم عـنـه هـو الآخـر، فـعـنـدمـا كـان رضـيـعـاً احـتـاج إلى مـهـد. وكـانـت حـقـيـبـتي الـمـصـنـوعـة في مـديـنـة درسـدن مـن الـجـلـد الـطّـبـيـعي قـد أصـابـهـا الـبـلـل ولـم أعـد اسـتـطـيـع غـلـقـهـا. ولاحـظـت أنّ إسـمـاعـيـن كـان يـنـظـر إلـيـهـا بـرغـبـة، فـفـصـلـنـاهـا نـصـفـيـن حـسـب طـلـبـه. وتـأرجـح عـلي في نـصـفـهـا الـسّـفـلي الّـذي عـلّـق كـمـهـد إلى أن كـبـر وبـدأ يـمـشي”.

“ولـم أنـتـبـه إلّا الآن إلى أنـني نـسـيـت أن أسـال إسـمـاعـيـن عـن أمّ عـلي. ولا شـكّ في أنّ هـذا كـان الـتّـصـرف الأفـضـل مـع عـربي، لأنّ أهـمّ شئ عـنـدهـم هـو الـرّجـل وأولاده”.

وتـرك فـالـتـر أنـدريـه الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى لـيـعـمـل في مـتـحـف بـرلـيـن، الّـذي أصـبـح فـيـه بـعـد ذلـك مـسـؤولاً عـن الآثـار الـشّـرقـيـة. وهي الـفـتـرة الّـتي جـمّـع فـيـهـا آلاف شـظـايـا الـطّـابـوق الـمـزجـج الألـوان الّـذي جـلـب مـن بـابـل لـيـشـيّـد بـوابـة عـشـتـار في داخـل الـمـتـحـف (2).

وشـارك إسـمـاعـيـن في الـسّـنـوات الـعـشـر الأخـيـرة مـن حـيـاتـه كـرئـيـس عـمّـال في تـنـقـيـبـات الـوركـاء الّـتي شـرع فـيـهـا عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان Julius Jordan بـعـد أن عـاد إلى هـذا الـمـوقـع عـام 1928 لـيـكـمـل تـنـقـيـبـات أثـريـة لـحـسـاب الـجـمـعـيـة الألـمـانـيـة الـشّـرقـيـة                  Orient- Gesellschaft كـانـت قـد بـدأت فـيـه عـام 1913 ثـمّ أوقـفـتـهـا الـحـرب.

ولا شـكّ في أنّ “إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” تـوفي في ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي وإن لـم أجـد سـنـة وفـاتـه.

ولـيـس لـديـنـا صـورة لاسـمـاعـيـن. وكـلّ مـا بـقي لـنـا لا يـتـعـدى رسـم كـاريـكـتـيـر نـفّـذه فـالـتـر أنـدريـه خـلال الـتّـنـقـيـبـات عـام 1908، نـرى فـيـه إسـمـاعـيـن في أقـصى الـيـمـيـن. وهـو الـرّسـم الّـذي وضـعـتـه في بـدايـة الـمـقـال :

أندريه إسماعين إبن جاسم 1908 (800x500)

كـمـا أنـنـا نـعـرف أنّ عـلي بـن إسـمـاعـيـن أصـبـح رئـيـس عـمّـال الـتّـنـقـيـبـات في الـوركـاء بـعـد أبـيـه. ولـيـس لـنـا صـورة لـعـلي بـن إسـمـاعـيـن.

وقـد حـصـل عـلي بـن إسـمـاعـيـن عـلى نـيـشـان “صـلـيـب الإسـتـحـقـاق” لـجـمـهـوريـة ألـمـانـيـا الـفِـدرالـيـة Bundersverdienstkreuz am Bande  في 12 كـانـون الأوّل عـام 1981. وقـد أخـذت جـهـود أبـيـه إسـمـاعـيـن بـنـظـر الإعـتـبـار عـنـدمـا مُـنـح هـذا الـتـقـديـر.

وتـوفي عـلي بـن إسـمـاعـيـن بـن جـاسـم في الـحـلّـة في الـعـشـريـن مـن شـبـاط عـام 1985.

رسـوم فـالـتـر أنـدريـه لـعـمـالـه الآخـريـن :

وجـدت رسـمـاً خـطـطـه فـالـتـر أنـدريـه بـالـحـبـر الـصّـيـني عـام 1900 لأحـد عـمـال مـوقـع تـنـقـيـبـات بـابـل وهـو يـدفـع عـربـة (عـلى سـكّـة حـديـديـة) مـلـيـئـة بـنـفـايـات الـتّـنـقـيـبـات. كـتـب فـالـتـر أنـدريـه : “وصـلـت الـسّـكـة الـحـديـديـة والـعـربـة أخـيـراً. فـبـعـد سـبـعـة أشـهـر مـن إرسـالـهـا مـن ألـمـانـيـا، وصـلـت إلى بـغـداد. وقـضـت شـهـريـن عـلى الـطّـريـق قـبـل أن تـصـلـنـا مـن بـغـداد” :

Andrae 10

ورسـمـاً لـجـمـعـة بـن بـركـلي (Jum’a ibn Barakli) نـفّـذه فـالـتـر أنـدريـه عـام 1902 بـالـقـلـم وبـالألـوان الـمـائـيـة، وكـان جـمـعـة صـبـيـاً يـحـمـل سـلالاً مـلـيـئـة بـالـتّـراب مـن مـوقـع الـحـفـريـات لـيـرمـيـهـا بـعـيـداً عـنـهـا. كـتـب فـالـتـر أنـدريـه : “رغـم أنّ مـلابـسـه كـانـت رثّـة فـقـد كـان صـبـيـاً مـرحـاً، واسـع الإبـتـسـامـة. وبـعـد فـتـرة قـصـيـرة مـن رسـمي لـه اقـتـرب جـمـعـة مـن أوربي في الـمـوقـع كـان يـحـمـل بـنـدقـيـة ووقـف لـصـقـه وانـطـلـقـت الـبـنـدقـيـة وقـتـلـت الـصّـبي. ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـور الـغـضـب الّـذي أثـارتـه هـذه الـحـادثـة الـمـؤسـفـة بـيـن الـعـرب وصـعـوبـة إقـنـاعـهـم بـأنّ الأوربي لـم يـكـن يـنـوي قـتـلـه. وقـبـلـوا الـدّيـة وتـحـاشـيـنـا الـثّـأر. وتـرك الأوربي صـاحـب الـبـنـدقـيـة مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات حـالاً ” :

جمعة إبن بركلي 1902 (564x800)

وفي قـلـعـة الـشّـرقـاط، وقـف عـبـد الله  أمـام فـالـتـر أنـدريـه لـيـرسـمـه مـرتـديـاً مـلابـس الـعـيـد الـجـديـدة. كـتـب فـالـتـر أنـدريـه أنّ “عـبـد الله كـان يـعـمـل في مـنـزل الـتّـنـقـيـبـات. وقـد ضـاعـف جـهـوده أمـلاً بـالـحـصـول عـلى مـكـافـأة. وكـانـت الـمـكـافـأة مـلابـس جـديـدة لـعـيـد الأضـحى (قـربـان بـيـرم  Korban-Bairam). وكـان ذراعـا الـقـمـيـص طـويـلـيـن يـنـزلان إلى الأرض” :

Andrae Abdullah

 

وعـنـدمـا عـاد فـالـتـر أنـدريـه إلى بـابـل في عـام 1926، إلـتـقي بـعـلي جـامـوس  (Ali Jamus) الّـذي كـان يـحـمـل الـمـاء إلى مـوقـع  الـتّـنـقـيـبـات في بـدايـة الـقـرن، ووجـده قـد شـاخ وفـقـد إحـدى عـيـنـيـه :

علي الجاموس

كـمـا وجـدت رسـمـاً آخـر بـالألـوان الـمـائـيـة نـفّـذه فـالـتـر أنـدريـه عـام 1899 لـحـبـيـب الـعـلّاوي (الأعـور)  Habib el Alauwi  شـيـخ الـكـويـرج                      scheich von Kuweiresch. وكـان حـبـيـب الـعـلّاوي قـد أجّـر لـلـبـعـثـة داراً كـان يـمـتـلـكـهـا في بـابـل، أصـبـحـت دار الـتّـنـقـيـبـات :

حبيب إبن علاوي 1902

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إسـتـعـمـلـت في كـثـيـر مـن مـقـاطـع هـذا الـمـقـال بـعـض مـا جـاء في كـتـاب بـويـهـمـر Boehmer والّـذي عـنـوانـه Bilder eines Ausgräbers ، الـصّـادر في بـرلـيـن عـام 1989.

(1)  أنـظـر مـقـالي : فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام .

(2) أنـظـر مـقـالي : كـيـف شـيّـد فـالـتـر أنـدريـه بـوابـة عـشـتـار في مـتـحـف بـرلـيـن .

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

Advertisements

دفـاتـر عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـاشـت عـائـلـة زفـوبـودا في بـغـداد خـلال الـقـرنـيـن الـتّـاسع عـشـر والـعـشريـن.

وتـبـدأ الـفـتـرة الـبـغـداديـة لـهـذه الـعـائـلـة بـأنـطـون زفـوبـودا Antone Svodoba الّـذي ولـد سـنـة 1796 في أوربـا الـشّـرقـيـة الّـتي كـانـت جـزءاً مـن الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ـ الـمـجـريـة (1)، واشـتـغـل بـالـتّـجـارة. وقـد عـمـل في فـيـيـنـا (الـنّـمـسـا)، ثـمّ جـاء مـن فـيـيـنـا عـن طـريـق الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) إلى بـغـداد.

وقـد أجّـر عـنـد وصـولـه إلى بـغـداد داراً في داخـل الـمـديـنـة الّـتي كـانـت تـحـيـط بـهـا الأسـوار، في جـانـب الـرّصـافـة، قـرب الـسّـراي وقـرب الأحـيـاء الـمـسـيـحـيـة والـقـنـصـلـيـات الأوربـيـة. واسـتـقـرّ في الـمـديـنـة يـتـاجـر بـالـكـريـسـتـال الّـذي كـان يـسـتـورده مـن مـنـطـقـة بـوهـيـمـيـا في أوربـا الـشّـرقـيـة وبـبـضـائـع أخـرى مـسـتـوردة.

وكـان أنـطـون زفـوبـودا يـتـكـلّـم عـدّة لـغـات أوربـيـة : الألـمـانـيـة والإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة والإيـطـالـيـة. وتـعـلّـم الـعـربـيـة والـتّـركـيـة لـتـسـيـيـر تـجـارتـه. كـمـا تـقـرّب مـن وجـهـاء الـبـلـد ومـن الـجـالـيـة الأوربـيـة في بـغـداد وخـاصـة الـدّبـلـومـاسـيـيـن مـنـهـم.

وقـد وثّـق عـلاقـات وديـة مـع الـقـنـصـل الـبـريـطـاني كـلـوديـوس ج. ريـج (ريـتـش)  Claudius James RICH الّـذي أقـام في بـغـداد مـن 1807  إلى 1821.

وكـان أنـطـون زفـوبـودا نـمـسـاوي ــ مـجـري الـجـنـسـيـة ولـهـذا كـان تـحـت حـمـايـة الـقـنـصـل الـبـريـطـاني، كـمـا كـان عـلى اتـصـال بـالـمـبـشـريـن الـدّيـنـيـيـن وبـالأوربـيـيـن الـمـسـافـريـن في الـشّـرق، وقـد حـافـظ عـلى صـلاتـه الـمـتـيـنـة بـكـلّ مـعـارفـه طـيـلـة حـيـاتـه وورثـهـا عـنـه أبـنـاؤه.

وفي 1825 تـزوّج أنـطـون بـفـتـاة بـغـداديـة مـسـيـحـيـة اسـمـهـا أوفـيـمي مـرادجـيـان، مـن عـائـلـة أرمـنـيـة امـتـهـنـت الـتّـجـارة مـنـذ أجـيـال، وأنـجـب مـنـهـا أحـد عـشـر ولـداً و بـنـتـاً. وبـهـذا أنـشـأ عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة.

وعـنـدمـا ازدهـرت تـجـارتـه، إشـتـرى أنـطـون أوّلاً الـدّار الّـتي كـان قـد أجّـرهـا عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد، ثـمّ اشـتـرى بـعـد ذلـك قـطـعـة أرض خـارج أسـوار الـمـديـنـة، جـنـوب الـبـاب الـشّـرقي عـلى ضـفـة دجـلـة، في مـنـطـقـة كـرد الـبـاشـا، وشـيّـد عـلـيـهـا داراً واسـعـة سـكـنـتـهـا عـائـلـتـه (2).

وقـد أقـام أنـطـون زفـوبـودا عـلاقـات مـتـيـنـة مـع الـوالي داود بـاشـا، آخـر الـمـمـالـيـك الّـذيـن حـكـمـوا بـغـداد، ثـمّ شـهـد سـقـوطـه في 1831.

ويـذكـر أنـطـون في إحـدى رسـائـلـه كـيـف فـقـد الـمـبـشـر الإنـكـلـيـزي أنـطـوني غـروفـس Anthony Groves  زوجـتـه وطـفـلـة رضـيـعـة كـانـت قـد ولـدت لـهـمـا في سـنـة 1931 الـرّهـيـبـة الّـتي عـانى فـيـهـا أهـل بـغـداد مـن وبـاء الـطّـاعـون وفـيـضـان نـهـر دجـلـة إضـافـة إلى الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة الّـتي صـاحـبـت سـقـوط داود بـاشـا.

وإذا مـا رجـعـنـا إلى الـيـومـيـات الّـتي سـجّـلـهـا أنـطـوني غـروفـس في بـغـداد عـامَي 1830 و 1831 نـجـده يـذكـر أنـطـون زفـوبـودا أربـع مـرّات :

Groves

في يـومـيـة 26 حـزيـران، ويـكـتـب اسـمـه Swoboda حـسـب الـلـفـظ الألـمـاني (يـلـفـظ حـرف w فـيـهـا v، أمّـا حـرف v فـيـلـفـظ f ). ويـذكـر أنّ “سـكـان الـمـديـنـة مـن الـمـحـمّـديـيـن (أي الـمـسـلـمـيـن) يـنـتـقـدون الـسّـلـطـان والـبـاشـا لإدخـالـهـمـا الـعـادات الأوربـيـة [في الـمـنـطـقـة]، ويـعـتـقـدون أنّـهـمـا اعـتـنـقـا الـمـسـيـحـيـة. وقـد سـأل أحـدهـم الـسـيـد زفـوبـودا عـن صـحـة مـا يـقـال مـن أنّ الـمـسـجـد الـقـديـم الـقـريـب مـن هـنـا سـيـحـول إلى كـنـيـسـة، وهـل أنّ ضـرب الـطّـبـول كـلّ مـسـاء عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة يـعـني أنّ الـبـاشـا اعـتـنـق الـدّيـن الـمـسـيـحي ؟”.

ويـذكـره في يـومـيـة 9 حـزيـران، ويـصـفـه بـأنّـه تـاجـر ألـمـاني (فـالـلـغـة الـرّسـمـيـة لـلإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ــ الـمـجـريـة كـانـت الألـمـانـيـة) : “أخـبـرني تـاجـر ألـمـاني، الـسّـيـد زفـوبـودا  Mr. Swoboda، أنّ أكـثـر مـن 15000 شـخـص مـاتـوا، بـعـضـهـم أصـيـبـوا بـالـطّـاعـون وبـعـضـهـم الآخـر بـسـقـوط دورهـم عـلـيـهـم في الـلـيـلـة الّـتي فـاض فـيـهـا نـهـر دجـلـة وأغـرق الـمـديـنـة”، ويـذكـر أنّ زفـوبـودا كـان يـمـتـلـك خـانـاً Khan في الـمـديـنـة.

ويـذكـره في يـومـيـة 23 آب، ويـسـمـيـه الـسّـيـد شـفـوبـودا Mr. Shwoboda : “وصـلـت رسـالـة أمـس إلى الـسّـيـد شـفـوبـودا  Mr. Shwoboda مـن طـبـيـب عـلي بـاشـا الـبـوهـيـمي الأصـل، والّـتي يـتـوجـه فـيـهـا إلى كـلّ الإفـرنـج Franks، ويـذكـر فـيـهـا أنّ عـلي بـاشـا أصـدر أمـراً لـكـلّ جـنـوده بـأن يـحـسـنـوا مـعـامـلـتـهـم”.

ويـذكـره أخـيـراً في يـومـيـة 6 أيـلـول : “إسـتـلـم الـسّـيـد زفـوبـودا Mr. Swoboda  رسـالـة مـن صـديـق لـه في داخـل مـعـسـكـر الـبـاشـا يـؤكّـد لـه فـيـهـا أنّ في حـوزة الـبـاشـا كـمـيـة كـبـيـرة مـن الـرّسـائـل والـطّـرود الـمـوجـهـة إلى الأوربـيـيـن”.

ومـن هـذا نـرى أهـمـيـة أنـطـون زفـوبـودا وسـط الـجـالـيـة الأوربـيـة في بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة.

وقـد الـتـقـت الـنّـمـسـاويـة إيـدا لـورا فـايـفـر Ida Laura PFEIFFER الّـتي مـرّت بـالـعـراق عـام 1848 وزارت بـغـداد بـأنـطـون زفـوبـودا. وبـعـد زيـارتـهـا لـمـا أسـمـتـه “ضـريـح الـمـلـكـة زبـيـدة”، كـتـبـت :

“وبـعـد أن زرت الـضّـريـح ابـتـعـدت عـن طـريـقي لأرى جـانـب الـمـديـنـة الّـذي هـجـره أهـلـه وخـرب بـعـد تـفـشي وبـاء الـطّـاعـون الأخـيـر. وقـد وصـف لي الـسّـيـد زفـوبـودا Swoboda وأصـلـه مـن بـلاد الـمـجـر، وصـفـاً مـرعـبـاً حـال الـمـديـنـة في زمـن ذلـك. وقـد تـحـصّـن في داره مـع عـائـلـتـه وخـادمـة لـهـم، بـعـد أن مـلأوا الـحـجـر بـالـمـؤونـة، ولـم يـكـونـوا يـحـتـاجـون إلّا إلى الـمـاء. وقـد أغـلـق الأبـواب والـنّـوافـذ وجـصـصـهـا، ولـم يـسـمـح لأحـد بـالـصـعـود عـلى الـسّـطـح أو بـتـنـفـس الـهـواء الـخـارجي. وقـد اسـتـطـاع بـهـذا أن يـحـفـظ لأهـلـه صـحـتـهـم بـيـنـمـا تـسـاقـط كـثـيـر مـن جـيـرانـه مـوتى. وكـان مـسـتـحـيـلاً دفـن جـثـثـهـم فـتّـركـت تـتـفـسـخ في أمـاكـنـهـا. وبـعـد أن انـتـهي الـوبـاء دخـل أعـراب الـبـاديـة الـمـديـنـة لـيـسـلـبـوا ويـنـهـبـوا. وكـان ذلـك سـهـلاً عـلـيـهـم ولـم يـقـاومـهـم مـن بـقي مـن الأحـيـاء وأضـعـفـهـم الـوبـاء. وأجـبـروا الـسّـيـد زفـوبـودا مـثـلـمـا أجـبـروا الآخـريـن عـلى إعـطـائـهـم بـعـض مـا يـمـتـلـكـون”.

ويـبـدو أنّ أنـطـون زفـوبـودا سـاعـد إيـدا فـايـفـر كـلّـمـا احـتـاجـت إلـيـه خـلال إقـامـتـهـا في بـغـداد. وقـد كـتـبـت : “ولأسـافـر مـن بـغـداد إلى الـمـوصـل بـأمـن واطـمـئـنـان وبـأرخـص مـا يـمـكـن، طـلـبـت مـن الـسّـيـد زفـوبـودا أن يـنـصـحـني بـحـادي جـمـال يـقـود قـافـلـة يـثـق بـه”. ووجـد لـهـا الـسّـيـد زفـوبـودا قـافـلـة تـغـادر بـغـداد في 14 حـزيـران.

(أنـظـر مـقـالي :  مـرور الـنّـمـسـاويـة إيـدا فـايـفِـر بـالـعـراق عـام 1848)

وتـوفي أنـطـون في بـغـداد سـنـة 1878، في الـثّـانـيـة والـثّـمـانـيـن مـن عـمـره.

جـوزيـف مـاتـيـا زفـوبـودا :

وقـد ولـد ابـن أنـطـون الـبـكـر، جـوزيـف مـاتـيـا Joseph Mathia، ويـعـرف أيـضـاً بـيـوسـف الـبـغـدادي، في بـغـداد سـنـة 1840. وقـضى عـدّة سـنـوات مـع أخـيـه الـفـنّـان إسـكـنـدر سـانـدور  Alexander Sandor في بـومـبي، الـهـنـد قـبـل أن يـعـود إلى بـغـداد في 1857. (أنـظـر مـقـالي عـن إسـكـنـدر سـانـدور : “فـنّـان بـغـدادي مـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشر لا يـتـذكّـره أحـد”)     https://almilwana.blogspot.com/2015/04/3-1.html).

وبـدأ جـوزيـف مـاتـيـا يـتـعـلّـم الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة مـع زوج أخـتـه ريـشـارد روجـرز  Richard Rogers في 1859. واسـتـمـرّ  روجـرز يـعـلّـمـه إيـاهـا ثـلاث سـنـوات حـتّى وفـاتـه في الـبـصـرة في 1862.

وفي هـذه الـسّـنـة الّـتي تـوفي فـيـهـا روجـرز، أي 1862، بـدأ جـوزيـف مـاتـيـا يـعـمـل كـكـاتـب في شـركـة الإخـوة لـنـتـش Lynch Brothers  (بـيـت لـنـج)        The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company الّـتي كـانـت تـسـيّـر سـفـنـهـا الـبـخـاريـة بـيـن بـغـداد والـبـصـرة.(3)

وقـد بـدأ عـمـلـه في الـشّـركـة بـرحـلـة عـلى إحـدى سـفـنـهـا :(City of London) الّـتي كـان يـقـودهـا الـكـابـتـن هـولانـد Captain Holland. وبـقي يـشـتـغـل في هـذه الـشّـركـة طـيـلـة حـيـاتـه.

وقـد بـدأ جـوزيـف مـاتـيـا في1861ـ 1862 بـكـتـابـة دفـاتـر يـومـيـات، واسـتـمـر في كـتـابـتـهـا إلى 1908، سـنـة وفـاتـه. وقـد سـجّـل فـيـهـا حـيـاتـه الـيّـومـيـة وحـيـاة أقـربـائـه، وكـلّ سـفـراتـه عـلى سـفـن بـيـت لـنـج الـبـخـاريـة وحـمـولـتـهـا وأسـمـاء الـمـسـافـريـن الـمـهـمّـيـن عـلـيـهـا وعـلاقـتـه مـع مـن كـان حـولـه، كـمـا سـجّـل الأحـداث الّـتي جـرت في تـلـك الـفـتـرة. وقـد كـتـبـهـا كـلّـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة، وهـو يـذكـر أنّ إنـكـلـيـزيـتـه تـحـسـنـت يـومـاً بـعـد يـوم بـكـتـابـتـه لـهـذه الـيـومـيـات.

دفـاتـر زفـوبـودا   The Svoboda Diaries:

بـقي 61 دفـتـراً مـن دفـاتـر زفـوبـودا في مـجـمـوعـة يـعـقـوب سـركـيـس الّـتي كـان قـد أهـداهـا إلى مـكـتـبـة الـحـكـمـة.

وفي نـهـايـة سـتـيـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن حـصـلـت مـرغـريـت مـكـيـة، الّـتي كـانـت تـدرّس في بـغـداد، بـمـسـاعـدة جـامـعـة بـغـداد، عـلى مـنـحـة مـن مـؤسـسـة كـولـبـنـكـيـان لـتـتـفـرغ لـنـقـل الـدّفـاتـر وضـربـهـا عـلى الآلـة الـكـاتـبـة. ووجـدت أنّ سـبـعـة دفـاتـر فـقـدت مـن الـ 61 دفـتـر الأصـلـيـة : وهي 1 و 2 و3 و 5 و 6 و 10 و 43. وذلـك قـبـل أن تـصـل الـدّفـاتـر الـبـاقـيـة إلى يـعـقـوب سـركـيـس والّـتي أهـداهـا إلى جـامـعـة الـحـكـمـة.

وقـد أكـمـلـت مـرغـريـت مـكـيـة نـقـل ثـلاثـيـن دفـتـراً مـن دفـاتـر جـوزيـف مـاتـيـا، ووصـلـت إلى الـدّفـتـر الـسّـادس والـثّـلاثـيـن، أي مـن عـام 1891 إلى عـام  1892. وقـد مـلأت بـنـقـلـهـا لـهـذه الـدّفـاتـر أكـثـر مـن 5000 صـفـحـة مـكـتـوبـة عـلى الآلـة الـكـاتـبـة. ونـشـرت مـقـالاً عـنـهـا في عـام 1969 تـضـمّـن مـقـاطـع كـثـيـرة مـن الـدّفـاتـر :

Margret Makiya, The Svoboda Diaries, Bagdad College of Art Journal, June 1969.

لـكـنّ الـجـزء الأكـبـر مـن الـمـعـلـومـات الّـتي تـخـصّ عـائـلـة زفـوبـودا كـتـبـهـا إسـكـنـدر ريـشـارد، إبـن جـوزيـف مـاتـيـا، في دفـاتـر يـومـيـاتـه (وهـو يـكـتـب اسـمـه : إسـكـنـدر ازفوبودا).

وقـد غـادر إسـكـنـدر في 1897، عـنـدمـا كـان في الـتّـاسـعـة عـشـرة مـن عـمـره، بـغـداد إلى الـقـاهـرة ثـمّ إلى إيـطـالـيـا وفـرنـسـا. وقـد خـصـص لـهـذه الأسـفـار جـزءاً مـن دفـاتـره، واسـتـمـرّ في كـتـابـة يـومـيـاتـه بـعـد أن رجـع إلى بـغـداد عـدّة سـنـوات بـعـد ذلـك. (أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق (3) : )

وكـان الأسـتـاذ هـنـري إسـكـنـدر لـويـس زفـوبـودا، الـمـهـنـدس الـمـعـمـاري الـمـعـروف، آخـر مـن بـقي مـن هـذه الـعـائـلـة في بـغـداد. وتـذكـر نـوف عـلّاوي Mrs Nowf Allawi، وهي مـعـمـاريـة عـمـلـت مـعـه، أنّـه كـان يـنـوي أن يـنـشـر هـذه الـيـومـيـات في كـتـاب، وأنّـهـمـا بـدءا بـتـحـقـيـق الـمـشـروع، ولـكـنّ الـغـزو الأمـريـكي لـلـعـراق أعـاق إكـمـال الـعـمـل في مـركـز الـمـخـطـوطـات الـوطـني في جـامـعـة بـغـداد، وكـذلـك في الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـغـداد.

ولا نـدري كـيـف وصـلـت الـدّفـاتـر إلى هـنـري زفـوبـودا، إذا صـحّ مـا ذكـرتـه نـوف عـلاوي، مـع أنّ الـ 61 دفـتـراً الّـتي بـقـيـت مـنـهـا، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، كـانـت في مـجـمـوعـة يـعـقـوب سـركـيـس الّـتي كـان قـد أهـداهـا إلى مـكـتـبـة الـحـكـمـة.

وقـد تـوفي هـنـري إسـكـنـدر لـويـس زفـوبـودا في 2005. وبـدلاً مـن أن تـسـلّـم نـوف عـلّاوي الـدّفـاتـر إلى وزارة الـثّـقـافـة الـعـراقـيـة كـجـزء مـن تـراث الـبـلـد الـثّـقـافي فـقـد قـررت الإتـصـال بـمـشـروع OTAP : The Ottoman Texts Archive Project في جـامـعـة واشـنـطـن، الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، الّـذي أسـرع مـسـؤولـوه بـأخـذهـا.

وقـد بـدأ مـشـروع الـ OTAP بـنـشـر 25 دفـتـراً مـنـهـا عـلى مـوقـعـه عـلى الانـتـرنـت. ولا نـجـد في الـمـوقـع ذكـراً لـمـجـمـوعـة يـعـقـوب سـركـيـس ولا لـلـعـمـل الّـذي قـامـت بـه مـرغـريـت مـكّـيـة.

ويـقـتـرح الـمـشـروع صـفـحـتـيـن جـنـبـاً لـجـنـب لـنـص يـومـيـات إسـكـنـدر ريـشـارد بـالـعـربـيـة وتـرجـمـتـه الإنـكـلـيـزيـة مـع شـروح ومـفـردات وفـهـارس. (4)

وبـانـتـظـار أن تـنـشـر دفـاتـر إسـكـنـدر ريـشـارد، (إبـن جـوزيـف مـاتـيـا) بـالـلـغـة الـعـربـيـة في طـبـعـة كـامـلـة ومـحـقـقـة، سـأحـاول أن أقـدّم لـكـم عـرضـاً إجـمـالـيـاً بـسـيـطـاً لـمـحـتـويـات دفـاتـر أبـيـه جـوزيـف مـاتـيـا (الـمـعـروف أيـضـاً بـيـوسـف الـبـغـدادي).

دفـاتـر جـوزيـف مـاتـيـا أو يـوسـف الـبـغـدادي :

يـذكـر جـوزيـف مـاتـيـا في يـومـيـاتـه (الّـتي نـشـرتـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة مـرغـريـت مـكّـيـة) كـيـف كـانـت الـمـلاحـة في دجـلـة صـعـبـةً، وكـيـف كـانـت الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة تـقـضي يـومـيـن عـلى الأقـل بـيـن بـغـداد والـبـصـرة في أحـسـن الأحـوال، وتـقـتـضي الـسّـفـرة بـيـن سـتّـة أيّـام وعـشـرة في فـتـرات الـفـيـضـانـات. أمّـا صـعـود الـنّـهـر مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد فـقـد كان يـقـتـضي ثـلاثـة أيّـام ونـصـف عـلى الأقـل، وحـتّى ثـمـانـيـة أيّـام في بـعـض الأحـيـان. وعـنـدمـا يـنـخـفـض مـسـتـوى الـمـاء في الـصّـيـف، كـانـت الـمـلاحـة في الـلـيـل مـسـتـحـيـلـة، وحـتّى في الـنّـهـار كـانـت الـسّـفـيـنـة تـتـقـدم بـصـعـوبـة وبـطء.

ويـذكـر ضـجـر الـمـسـافـريـن الـشّـديـد في هـذه الـسّـفـرات الـطّـويـلـة ومـلـلـهـم مـن مـنـاظـر الـضّـفـاف الـجـرداء، ويـعـلـل هـذا بـأنّ حـاجـة الـسّـفـيـنـة لـلـحـطـب لـسـدّ حـاجـتـهـا لـبـخـار الـمـاء هي الّـتي عـرّت قـلـيـلاً فـقـلـيـلاً ضـفـتي الـنّـهـر مـن أشـجـار الـطّـرفـاء الّـتي كـانـت تـتـكـاثـف عـلـيـهـا.

ويـتـكـلّـم جـوزيـف مـاتـيـا في الـدّفـاتـر عـن نـفـس الـمـسـيـرة والـتّـوقـفـات الّـتي تـتـكـرر سـفـرة بـعـد سـفـرة، فـغـالـبـاً مـا كـانـت الـمـراكـب تـتـوقـف بـيـن الـبـصـرة والـقـرنـة لـزيـارة “جـنـة عـدن”، وبـعـد اجـتـيـاز الـقـرنـة تـمـرّ الـسّـفـيـنـة بـالأهـوار بـيـن مـزارع الـرّز.

ويـصـف جـوزيـف مـاتـيـا الـبـجـع الـمـسـمى بـأبي جـراب والـخـنـازيـر الـوحـشـيـة وأسـراب الأوز الـبـري الّـتي كـانـت فـيـهـا، وأكـواخ الـقـصـب الّـتي يـسـكـنـهـا الـمـعـدان. ثـمّ تـمـرّ الـسّـفـيـنـة بـقـبـر عـزرا (الـعـزيـر)، وهـو ضـريـح مـقـدّس كـان يـحـج إلـيـه الـيـهـود، ثـمّ أبـو سـدرة فـالـعـمـارة الّـتي أنـشـأت الـشّـركـة فـيـهـا مـخـزنـاً لـلـفـحـم، ثـمّ عـلي الـشّـرجي فـعـلي الـغـربي، وهي قـريـة صـغـيـرة عـلى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة فـيـهـا ضـريـحٌ يُـزار، ثـمّ شـيـخ سـعـد إلى أن تـتـوقـف في مـوت الـعـمـارة الّـذي أنـشـأت الـشّـركـة فـيـه مـخـزنـاً ثـانـيـاً لـلـفـحـم. ثـمّ الـعـزيـزيـة فـالـبـغـداديـة، الّـذي كـان حـصـنـاً بـني بـالـطّـيـن فـوق تـلّ كـان أحـد شـيـوخ عـشـيـرة الـزّبـيـديـة قـد شـيّـده لـيـفـرض الـخـاوة عـلى الـمـراكـب الـمـارّة بـه. وتـصـلّ الـسّـفـيـنـة بـعـد ذلـك إلى طـيـسـفـون ـ سـلـوقـيـة (سـلـمـان بـاك) قـبـل أن تـصـل إلى بـغـداد.

ولا يـهـمـل جـوزيـف مـاتـيـا في وصـفـه لأسـفـاره بـيـن بـغـداد والـبـصـرة ذكـر صـغـيـرة ولا كـبـيـرة ويـفـصّـل في مـقـطـع طـويـل كـيـف غـرقـت الـسّـفـيـنـة       The Dijla أمـام حـصـن الـبـغـداديـة في 1876. وقـد اسـتـدعي غـواصـون مـن إنـكـلـتـرة في مـحـاولـة لإخـراجـهـا مـن الـمـاء. وقـد انـقـذت بـعـض الـسّـلـع والـبـضـائـع، ولـكـنّ ارتـفـاعـاً سـريـعـاً لـمـيـاه نـهـر دجـلـة أجـبـرهـم عـلى تـركـهـا في أعـمـاق الـتّـيّـارات. وقـد حـلّ مـحـل هـذه الـسـفـيـنـة سـفـيـنـة أخـرى جـديـدة بـمـدخـنـتـيـن، صـنـعـت في إنـكـلـتـرة وركّـبـت في الـبـصـرة في 1877 واسـمـيـت “بـلـوس لـنـج Blosse Lynch”، يـمـكـنـهـا نـقـل 600  مـن الـمـسـافـريـن و 300  مـن أطـنـان الـبـضـائـع، وبـدأت سـفـراتـهـا في دجـلـة في 1878.

abdulaly-bros-5

ويـكـتـب  في الـثّـاني مـن تـمـوز 1878 أنّ الـحـنـطـة قـلّـت في الأسـواق وارتـفـعـت أسـعـارهـا لـقـلـة الـمـحـاصـيـل بـسـبـب نـدرة الأمـطـار وانـخـفـاض مـسـتـوى الـمـيـاه في الـنّـهـر. وفي 1879 شـحّ الـمـاء في دجـلـة حـتّى عـرقـل الـمـلاحـة الّـتي اسـتـحـالـت في بـعـض الـفـتـرات. وجـفّـت نـبـاتـات الـرّز وحـلّـت الـمـجـاعـة، واضـطـرت الـسّـلـطـات الـتّـركـيـة إلى تـشـيـيـد سـدود لإبـقـاء مـيـاه الأهـوار.

كـتـب في 12 حـزيـران : “وقـد أجـابـت الـحـكـومـة الـتّـركـيـة عـلى طـلـب شـيـوخ ألـبـو مـحـمّـد لـحـبـس مـاء الـنّـهـر بـسـدّ لـكي يـزرعـوا الـرّز، لأنّ مـسـتـوى الـمـاء لـم يـرتـفـع هـذا الـعـام. وإن لـم يـسـتـطـيـعـوا الـزّرع هـذا الـعـام فـسـتـفـقـد الـحـكـومـة حـوالي 000، 800 شـامي مـن الـضّـرائـب عـلى الـرّز. وقـد قـدّم أشـرف بـاشـا هـذا الـمـشـروع إلى والي بـغـداد، الّـذي أبـلـغـه لـلـقـنـصـل الـبـريـطاني أمـس. وهـو سـيـبـلّـغ بـذلـك مـسـؤولي شـركـة The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company وحـلّ الـقـحـط في شـتـاء 1879ـ 1880 واشـتـدت الـمـجـاعـة، خـاصـة في شـمـال الـبـلاد.

ويـذكـر في31 كـانـون الـثّـاني 1880 : “تـجـمـدت كـلّ أشـجـار الـلـيـمـون مـن شـدّة الـبـرد، وتـيـبّـس سـعـف الـنّـخـيـل في أمـاكـن مـن بـغـداد. وكـان الـطّـقـس قـاسـيـاً هـذا الـشّـتـاء في الـمـنـاطـق شـمـال الـمـوصـل، وتـسـاقـطـت كـمـيـات هـائـلـة مـن الـثّـلـوج”.

وفي 1880، سـيّـرت الـشّـركـة سـفـيـنـة بـخـاريـة جـديـدة The Khalifah، وبـدأت أولى سـفـراتـهـا مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد في 27 نـيـسـان. وقـد حـمـلّـت طـحـيـنـاً بـعـث لـيـخـفـف مـن الـمـجـاعـة في الـشّـمـال.”

Meso-Baghdad Khalifa Boat 1918[ 1200]

وقـد تـزوّج جـوزيـف مـاتـيـا في 1877 بـإلـيـزا جـبـرا مـاريـن أرمـلـة فـتـح الله صـايـغ، وأنـجـب مـنـهـا ولـداً: إسـكـنـدر ريـشـارد، وبـنـتـاً : كـارولـيـن أوفـيـمي روز. وتـوفي في بـغـداد سـنـة 1908.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  يـبـدو أنّـه ولـد في مـديـنـة Osijek  الّـتي تـقـع في كـرواتـيـا الـحـالـيـة والّـتي كـانـت جـزءاً مـن الـمـجـر في داخـل الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ــ الـمـجـريـة.

(2) سـكـنـت عـائـلـة زفـوبـودا هـذه الـدّار حـتّى وفـاة آخـر أفـرادهـا : الـمـعـمـاري الـمـعـروف هـنـري زفـوبـودا.

(3)  بـيـت لـنـج The House of Lynch : قـد أنـشـأ الإخـوة لِـنـتـش شـركـة       The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company عـام 1861، وبـدأوا بـبـاخـرتـيـن مـن 100 طـنّ بـيـن بـغـداد والـبـصـرة، كـانـت تـنـقـل مـعـاً الـمـسـافـريـن والـصّـوف والـتّـمـر والـرّز وبـضـائـع أخـرى.

(4) أنـظـر :

Joseph Svopoda. Svobodapedia. 1st ed. Seattle: University of Washington (The Ottoman Texts Archive  Project:  OTAP) , 2010.

Antone Svopoda. Svobodapedia. 1st ed. Seattle: University of Washington, 2011.