يـومـيـات بـغـداد سـنـة 1831

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـيـن الـطّـاعـون وفـيـضـان دجـلـة والإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة :

عـنـدمـا نـقـرأ عـن الأحـداث الّـتي جـرت في بـغـداد خـلال الـسّـنـة الـرّهـيـبـة 1831، وعـن الـمـصـائـب الّـتي حـلّـت بـأهـلـهـا ومـحـقـت أغـلـبـهـم، يـتـمـلـكـنـا الـذّهـول أمـام قـدرة الإنـسـان عـلى تـحـمّـل الـنّـكـبـات، وأمـام قـدرتـه عـلى مـقـاومـة الأقـدار وإعـادة لـمّ شـمـل مـن بـقي مـن الأحـيـاء حـولـه وإعـادة تـشـيـيـد داره وبـذل كـلّ جـهـوده في كـسـب قـوتـه مـن جـديـد …

وبـدلاً مـن أن يـهـجـر الـمـديـنـة أهـلـهـا ويـتـركـوهـا لـلـخـراب، عـادوا إلـيـهـا لـيـدفـنـوا فـيـهـا مـوتـاهـم ويـشـيـدوا مـا تـهـدّم مـنـهـا … وعـادت الـحـيـاة إلـيـهـا وكـأنّ شـيـئـاً لـم يـحـدث.

وشـاءت الـصّـدفـة أن يـقـيـم في بـغـداد تـلـك الـسّـنـة مـبـشـر انـكـلـيـزي اسـمـه أنـطـوني نـوريـس غـروفـس Anthony N. Groves ، وأنّ يـكـتـب هـذا الـمـبـشّـر يـومـيـاتـه الّـتي نـشـرت في كـتـاب في لـنـدن في الـعـام الـتّـالي. (1)

ومـن قـراءة هـذه الـيـومـيـات يـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـا حـدث في تـلـك الـسّـنـة الـرّهـيـبـة يـومـاً بـعـد يـوم تـقـريـبـاً. وتـأتي أهـمـيـة هـذه الـيـومـيـات مـن أنّـهـا نـصّ تـاريـخي بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة، أي أنّـهـا شـهـادة شـاهـد عـيـان سـجّـل مـا عـاشـه ومـا رآه ومـا سـمـعـه بـنـفـسـه.

وأنـطـوني غـروفـس هـذا كـان مـبـشـراً بـروتـسـتـانـتـيـاً إنـكـلـيـزيـاً، ولـد سـنـة 1795، ودرس طـبّ الأسـنـان ثـمّ بـدأ بـمـمـارسـتـه، وتـزوّج. وفي عـام 1826 درس الـلاهـوت لـيُـكـرّس كـرجـل ديـن، ودخـل في الـجـمـعـيـة الـتّـبـشـيـريـة. ولـكـنّـه تـرك الـكـنـيـسـة الأنـغـلـيـكـانـيـة وجـمـعـيـتـهـا الـتّـبـشـيـريـة وتـقـرّب مـن جـمـاعـة بـروتـسـتـانـتـيـة.

وفي عـام 1829، سـافـر غـروفـس إلى بـغـداد بـصـحـبـة زوجـتـه وولـداهـمـا وعـدد مـن أصـدقـائـه، وأقـامـوا فـيـهـا. ثـمّ لـحـق بـهـم أصـدقـاء آخـرون في الـعـام الـتّـالي.

وبـدأ وبـاء الـطّـاعـون في بـغـداد في آذار 1831، كـمـا عـانـت الـمـديـنـة مـن فـيـضـان نـهـر دجـلـة مـمـا نـتـج عـنـه مـوت أعـداد كـبـيـرة مـن سـكـانـهـا، وعـانـت مـن الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة.

وقـد مـاتـت زوجـة الـمـبـشـر غـروفـس مـن الـطّـاعـون ثـم مـاتـت طـفـلـتـهـمـا الّـتي كـانـت قـد ولـدت في بـغـداد.

وبـعـد أن تـرك بـغـداد، أكـمـل غـروفـس مـهـمـتـه الـتّـبـشـيـريـة في الـهـنـد مـن عـام 1833 إلى أن أجـبـرتـه حـالـتـه الـصّـحـيـة الـمـتـدهـورة عـلى الـعـودة إلى إنـكـلـتـرة في 1852، وتـوفي فـيـهـا في الـسّـنـة الـتّـالـيـة، 1853.

يـومـيـات أنـطـوني غـروفـس :

تـبـدأ يـومـيـات غـروفـس في 2 نـيـسـان 1930، وتـنـتـهي في 7 تـشـريـن الـثّـاني 1931. وهي تـمـلأ 288 صـفـحـة مـن الـكـتـاب الّـذي يـحـتـوي عـلـيـهـا: “يـومـيـات إقـامـة في بـغـداد خـلال عـامَي 1830 و 1831” :

Groves

وقـد سـجّـل غـروفـس في يـومـيـاتـه خـاصـة مـا يـتـعـلّـق بـمـهـمـتـه الـتـبـشـيـريـة والـمـدرسـة الّـتي فـتـحـتـهـا، وعـلاقـاتـه بـرجـال الـدّيـن الآخـريـن. كـمـا ذكـر الـتّـقـاريـر الّـتي كـتـبـوهـا عـن مـهـمـاتـهـم. ولـكـنّـه ذكـر مـع ذلـك مـا كـان يـحـدث حـولـه مـن أمـور الـمـديـنـة وأهـلـهـا، وهـو الـجـزء الّـذي يـهـمـنـا في هـذا الـعـرض.

وسـأخـتـار لـكـم فـيـمـا يـلي أهـمّ الـمـقـاطـع الّـتي يـمـكـنـهـا أن تـسـاعـدنـا في مـتـابـعـة الأحـداث. وسـأبـدأ بـالـمـقـاطـع الّـتي يـتـكـلّـم فـيـهـا عـن مـدرسـتـه الـتّـبـشـيـريـة وتـلامـيـذه عـام 1830 :

“بـغـداد، 2 نـيـسـان 1830،  بـدأنـا نـعـاني مـن ضـيـق غـرفـة دروسـنـا الّـتي لا تـتـسـع لـكـلّ الأطـفـال. ولـهـذا يـنـبـغي إضـافـة غـرفـة أخـرى. ويـأتي عـنـدنـا الآن ثـمـانـيـة وخـمـسـون صـبـيـاً وتـسـع بـنـات …

12 حـزيـران، أخـبـرني الـمـلّا Moolah الّـذي يـعـلـمـني الـلـغـة الـعـربـيـة والّـذي أعـلـمـه الإنـكـلـيـزيـة أنّـه سـيـبـعـث ابـنـه إلى إنـكـلـتـرة بـعـد عـامـيـن أو ثـلاثـة لـيـكـمـل دراسـتـه لـلإنـكـلـيـزيـة. […] وبـدأت مـعـرفـتي بـالـعـربـيـة تـتـحـسـن لأنّي أسـتـعـمـلـهـا مـع الأولاد الّـذيـن أعـلـمـهـم الإنـكـلـيـزيـة. وهـم يـأتـون لي بـجـمـل عـربـيـة. وحـسـب مـقـدرتي، أشـرح لـهـم مـعـانـيـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة. وعـنـدمـا لا أسـتـطـيـع ذلـك أكـتـبـهـا لأطـلـب مـسـاعـدة الـمـلّا في الـيـوم الـتّـالي. كـمـا أنّي أعـطـيـهـم كـلـمـات عـربـيـة وأطـلـب مـنـهـم تـرجـمـتـهـا إلى الإنـكـلـيـزيـة. وقـد تـوصـلـت إلى إدخـال الـتّـعـابـيـر في ذاكـرتي وتـرسـيـخـهـا فـيـهـا لأجـدهـا بـتـلـقـائـيـة عـنـدمـا أحـتـاج إلـيـهـا. ومـيـزة الـجـمـل الّـتي يـأتي لي بـهـا الأولاد أنّـهـا مـمـا يـسـتـعـمـلـون في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة، وهـذه الـلـغـة الـعـامـيـة شـديـدة الإخـتـلاف عـن الـعـربـيـة الـمـكـتـوبـة”.

ويـكـتـب عـن الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة الّـتي بـدأت تـتـوتـر :

26 حـزيـران، سـمـعـنـا هـذ الـيـوم أنّ سـكـان الـمـديـنـة مـن الـمـحـمّـديـيـن (أي الـمـسـلـمـيـن) يـنـتـقـدون الـسّـلـطـان [الـعـثـمـاني] وبـاشـا بـغـداد لإدخـالـهـمـا الـعـادات الأوربـيـة [في الـمـنـطـقـة]. وهـم يـعـتـقـدون أنّـهـمـا اعـتـنـقـا الـمـسـيـحـيـة. وقـد سـأل أحـدهـم الـسـيـد زفـوبـودا Swoboda عـن صـحـة مـا يـقـال مـن أنّ الـمـسـجـد الـقـديـم الـقـريـب مـن هـنـا سـيـحـول إلى كـنـيـسـة، وهـل أنّ ضـرب الـطّـبـول كـلّ مـسـاء عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة يـعـني أنّ الـبـاشـا اعـتـنـق الـدّيـن الـمـسـيـحي ؟ ويـقـولـون إنّ لـبـس الـزّي الـعـسـكـري الـجـديـد حـرام haram”.

وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ الـسّـيـد زفـوبـودا الّـذي يـذكـره أنـطـوني غـروفـس هـنـا هـو أنـطـون زفـوبـودا Antone Svodoba الّـذي ولـد سـنـة 1796 م. في أوربـا الـشّـرقـيـة الّـتي كـانـت جـزءاً مـن الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ـ الـمـجـريـة، واشـتـغـل بـالـتّـجـارة. وقـد عـمـل في فـيـيـنـا (الـنّـمـسـا)، ثـمّ جـاء مـن فـيـيـنـا عـن طـريـق الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) إلى بـغـداد. (أنـظـر مـقـالي : دفـاتـر عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة). وسـيـذكـره أنـطـوني غـروفـس ثـلاث مـرّات أخـرى في يـومـيـاتـه هـذه.

19 آب،  سـمـعـنـا مـن يـؤكـد بـأنّ جـمـاعـات مـن الأعـراب، بـيـن 20 ألـف و 30 ألـف رجـل وصـلـوا أمـام أبـواب الـمـديـنـة. ولـلـبـاشـا جـيـش ولـكـنّـه عـلى بـعـد 39 كـلـم مـن هـنـا. ولـه كـتـيـبـة أخـرى تـحـت أوامـر ضـابـط إنـكـلـيـزي عـلى بـعـد حـوالي عـشـريـن كـلـم. ويـبـدو أنّ مـطـالـبـات هـؤلاء الـعـرب الـرّئـيـسـيـة خـلـع الـبـاشـا. ولـيـس مـسـتـحـيـلاً أن يـوافـقـهـم الـبـاب الـعـالي عـلى ذلـك […] وقـرر الـبـاشـا أنّ لا يـولي انـتـبـاهـاً لـعـشـائـر الـعـرب. وقـد عـادت كـلّ كـتـائـب جـنـده إلى بـغـداد مـا عـدا الـكـتـيـبـة الّـتي يـقـودهـا مـسـتـر لـيـتـل جـون Littlejohn الّـتي بـقـيـت بـعـيـداً عـنـهـا. وهـنـاك بـوادر خـوف مـلأ قـلـب الـبـاشـا مـن صـراع سـيـقـود إلى خـلـعـه مـن الـولايـة. وهـو مـا يـبـدو مـحـتـمـلاً بـعـد أن غـضـب الـبـاب الـعـالي عـلـيـه عـنـدمـا رفـض مـسـاعـدتـه مـادّيـاً”.

وأتـوقّـف هـنـا لأذكّـر قـرّائي بـالـوضـع الـسّـيـاسي لـبـغـداد في تـلـك الـفـتـرة :

كـان داود بـاشـا آخـر الـمـمـالـيـك الّـذيـن حـكـمـوا بـغـداد. ودامـت فـتـرة حـكـمـه مـن 1817 إلى 1831.

داود باشا 2

ونـحـن نـعـرف مـن الـمـصـادر الـتّـاريـخـيـة أنّ الـبـاشـا عـلي رضـا دخـل بـغـداد في 14 أيـلـول، وأنـهى بـذلـك حـكـم الـمـمـالـيـك الّـذي دام حـوالي 82 عـامـاً. وقـد أمـر عـلي رضـا بـاشـا بـقـتـل كـلّ الـمـمـالـيـك الـجـيـورجـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـحـمـون داود بـاشـا، ولـكـنّـه أرسـل داود بـاشـا إلى إسـطـنـبـول تـنـفـيـذاً لأمـر الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني.

وفي حـديـثـه عـن الـكـولـيـرا الّـتي قـتـلـت أعـداداً كـبـيـرة مـن سـكـان كـركـوك :

“وقـتـلـت في الـبـصـرة قـبـل عـامـيـن 1500 مـن سـكـانـهـا الّـذيـن كـانـت أعـدادهـم 6000، مـمـا تـرك كـثـيـراً مـن الـدّور فـارغـة وكـثـيـراً مـن الـمـراكـب تـطـفـو وحـدهـا عـلى سـطـح الـنّـهـر مـن هـنـا إلى هـنـاك بـعـد أن فـقـدت مـالـكـيـهـا. وعـنـدمـا يـمـوت أحـد في الـدار يـتـركـه الآخـرون ويـغـلـقـون عـلـيـه الـبـاب ويـهـربـون.

24 أيـلـول، سـمـعـنـا أن ضـحـايـا وبـاء الـكـولـيـرا وصـلـوا في كـركـوك إلى مـائـة شـخـص في الـيـوم. ولـكـنّ الـوبـاء تـوقّـف الآن.

وفي يـومـيـات 1831 كـتـب أنـطـوني غـروفـس :

20 آذار 1831،  إسـتـدعى الـبـاشـا عـشـيـرتـيـن مـن الـعـرب لـتـسـانـداه في صـراعـه الـمـقـبـل [مـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني] وأسـكـنـهـمـا في بـغـداد في الـضّـفـة الـمـقـابـلـة مـن دجـلـة. ولـعـداوة بـيـنـهـمـا، بـدأتـا تـتـقـاتـلان في الـلـيـلـة الـمـاضـيـة، واسـتـمّـرتـا في الـقـتـال حـتّى هـذا الـصّـبـاح. وقـد طـردت واحـدة مـنـهـمـا مـن بـغـداد.

28 آذار، أعـتـقـد أنّ وبـاء الـطّـاعـون وصـل ولا شـكّ إلى بـغـداد. واسـتـعـدّ الـمـاجـور تـايـلـور وكـلّ الـعـامـلـيـن في الـمـقـيـمـيـة الـبـريـطـانـيـة لـتـرك الـمـديـنـة والإلـتـجـاء إلى كـردسـتـان. وقـد اقـتـرحـوا عـلـيـنـا أن نـصـاحـبـهـم.

29 آذار، زار الـدّكـتـور Beagrie ومـسـتـر مـونـتـفـيـوري Montefiore  أمـس عـدداً مـن الـمـرضى. وهـمـا يـعـتـقـدان أنّـهـم أصـيـبـوا بـالـطّـاعـون وإن لـم يـكـونـا مـتـأكّـديـن مـن ذلـك تـمـامـاً. وقـد تـأكّـدا مـن ذلـك هـذا الـيـوم. وصـاحـبـتُ مـسـتـر مـونـتـفـيـوري في زيـاراتـه، ووجـدنـا أنّ عـدد الـمـصـابـيـن بـالـطّـاعـون وصـل الآن إلى عـشـريـن، وتـتـزايـد أعـدادهـم سـاعـة بـعـد سـاعـة.

1 نـيـسـان، مـا زالـت أعـداد الـمـصـابـيـن بـالـطّـاعـون تـتـزايـد وإن خـفّـت سـرعـتـهـا. وكـلّ الّـذيـن مـاتـوا مـن الـطّـاعـون حـتّى الآن هـم مـن الـمـسـلـمـيـن والـيـهـود. وقـد ذهـبـت أعـداد مـن الـيـهـود إلى الـبـصـرة هـربـاً مـن الـوبـاء. والأكـراد الّـذيـن جـلـبـوا الـطّـاعـون مـعـهـم مـن كـردسـتـان، هـربـوا أيـضـاً مـن الـمـديـنـة. وتـتـجـه قـافـلـة مـن الـمـسـيـحـيـيـن نـحـو الـمـوصـل الّـتي كـانـوا قـد هـربـوا مـنـهـا قـبـل ثـلاث أو أربـع سـنـوات خـوفـاً مـن الـطّـاعـون.

3 نـيـسـان، غـادرت مـجـمـوعـات كـبـيـرة مـن الـيـهـود بـغـداد هـذا الـصّـبـاح هـربـاً مـن الـطّـاعـون، كـمـا غـادرهـا الـمـسـيـحـيـون مـسـرعـيـن في كـلّ الإتـجـاهـات.

4 نـيـسان، يـبـدو أن أعـداد مـوتى الـطّـاعـون لـم تـرتـفـع في الـيـومـيـن أو الـثّـلاثـة الأخـيـرة، ربّـمـا لا أكـثـر مـن 150 في الـيـوم الـواحـد.

7 نـيـسـان، سـمـعـنـا أنّ الأعـداء سـيـصـلـون إلى بـغـداد خـلال ثـلاثـة أيّـام، وأنّ الـبـاشـا سـيـغـادرهـا مـع “حـريـمـه”.  ولا نـدري هـل لـيـواجـه أعـداءه أم لـيـهـرب مـنـهــم. والأرجـح، الّـذي يـوافـق طـبـعـه، أنّـه سـيـهـرب مـنـهـم، ولـكـن إلى أيـن ؟ فـإن أخـذ مـعـه أمـوالـه فـسـيـتـبـعـه مـن سـيـنـهـبـونـه، وإذا تـركـهـا فـلـن يـسـتـطـيـع أم يـذهـب بـعـيـداً لأنّـه سـيـفـقـد قـوّتـه مـن غـيـر مـال وسـيـنـقـلـب عـلـيـه الـمـقـرّبـون مـنـه.

9 نـيـسـان، سـاد هـدوء مـطـلـق عـلى بـغـداد، كـالـهـدوء الّـذي يـسـبـق الـعـاصـفـة. وبـدأ جـيـرانـنـا يـعـدّون دفـاعـهـم ويـؤجّـرون رجـالاً مـسـلـحـيـن لـحـراسـة دورهـم. ولـم يـغـادر الـبـاشـا الـمـديـنـة كـمـا كـان يـنـوي فـعـلـه أمـس. وسـمـعـنـا أن خـبـر تـفـشي وبـاء الـطّـاعـون أوقـف تـقـدّم أعـداء الـبـاشـا. وقـد تـحـصّـن الـبـاشـا في الـقـلـعـة في انـتـظـار أن يـصـلـه أمـر مـن الاسـتـانـة، ولـكـنّ كـلّ الّـذيـن حـولـه ضـدّه ولا يـودّون إلّا مـجئ أعـدائـه.

10 نـيسـان، يـتـفـق الـجـمـيـع عـلى أن أعـداد ضـحـايـا الـطّـاعـون في جـانـب الـرّصـافـة خـلال الأسـبـوعـيـن الأخـيـريـن وصـلـت إلى حـوالي 7000. ولا يـعـرف الـنّـاس الـمـسـاكـيـن مـاذا يـنـبـغي أن يـفـعـلـوا : فـإذا ظـلّـوا في الـمـديـنـة مـاتـوا مـن الـطّـاعـون وإذا خـرجـوا نـهـبـهـم الأعـراب، وإن أفـلـتـوا مـنـهـم فـسـيـعـانـون أيـضـاً مـن أضـرار فـيـضـان دجـلـة الّـذي أغـرق الآن كـلّ الأراضي الـمـحـيـطـة بـبـغـداد. ويـقـال إنّ الـفـيـضـان خـرب حـتّى الآن ألـفي مـسـكـن في جـانـب الـكـرخ.

12 نـيـسـان، بـلـغـت أعـداد مـوتى الـطّـاعـون مـبـلـغـاً رهـيـبـاً، فـقـد وصـلـت أعـدادهـم أولّ أمـس إلى 1200.

13 نـيـسـان، دخـل وبـاء الـطّـاعـون عـنـد جـيـرانـنـا الّـذيـن أخـرجـوا مـن مـنـازلـهـم مـا يـقـارب الـثّـلاثـيـن جـثّـة. وبـدأوا يـتـصـرفـون تـصـرفـاً غـريـبـاً، فـبـدلاً مـن أن يـعـزلـوا أنـفـسـهـم بـعـضـهـم عـن بـعـض لـتـحـاشي الـوبـاء فـقـد بـدأوا يـتـجـمـعـون ويـلـتـصـقـون الـواحـد بـالآخـر بـأكـثـر مـا يـسـتـطـيـعـون.

15 نـيـسـان، أعـداد مـوتى الـطّـاعـون مـا زالـت مـريـعـة : 1800. ومـمـا يـزيـد الأخـطـار أنّ الـجـثـث تـركـت في داخـل الـمـنـازل، فـقـد هـرب الـنّـاس وتـركـوا مـوتـاهـم مـن غـيـر أن يـدفـنـوهـم. وقـد ألـحّ بـعـض الـشّـبـاب في أحـد أحـيـاء بـغـداد عـلى دفـن مـوتـاهـم وتـوصّـلـوا إلى ذلـك مـمـا دفـع آخـريـن في أحـيـاء أخـرى إلى بـذل نـفـس الـجـهـود، وتـوصّـل الـجـمـيـع إلى دفـن كـلّ الـمـوتى في لـيـلـة أمـس.

16 نـيـسـان، إرتـفـعـت أعـداد الـمـوتى أمـس ووصـلـت حـدّاً لـم تـبـلـغـه مـن قـبـل […] سـكـان بـغـداد لا يـمـكـن أن يـتـجـاوزوا 80 ألـفـاً، وقـد هـرب نـصـفـهـم مـن الـمـديـنـة. ولـهـذا فـإنّ مـوت ألـفي شـخـص في الـيـوم لـن يـبـقي كـثـيـراً مـنـهـم خـلال فـتـرة قـصـيـرة.

19 نـيـسـان، مـا زال الـنّـاس يـمـوتـون بـأعـداد كـبـيـرة كـلّ يـوم. وبـيـن جـنـود الـبـاشـا، مـات في بـعـض الـكـتـائـب الّـتي تـضـمّ 700 جـنـدي أكـثـر مـن 500.

20 نـيـسـان، مـازالـت الـحـالـة بـنـفـس الـسّـوء، ومـا زال مـسـتـوى مـيـاه دجـلـة يـرتـفـع. وإذا مـا اسـتـمـر في الإرتـفـاع فـسـتـغـرق الـمـيـاه هـذ الـجـانـب مـن الـمـديـنـة كـمـا أغـرقـت الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـنّـهـر، وسـيـضـيـف هـذا بـؤسـاً عـلى بـؤس الـنّـاس الـمـسـاكـيـن.

22 نـيـسـان، تـوصـلـت إلى الـخـروج مـن الـمـقـيـمـيـة هـذ الـيـوم مـحـاولاً إنـقـاذ بـعـض الأشـيـاء الّـتي اكـتـسـحـتـهـا الـمـيـاه والّـتي مـلأت كـلّ الـسّـراديـب. وقـد هـالـني مـنـظـر الـمـديـنـة الـمـرعـب، وصـعـوبـة الـحـصـول عـلى الـنّـجـدة مـن أي نـوع كـان وبـمـقـابـل أي ثـمـن.

24 نـيـسـان، مـا زال وبـاء الـطّـاعـون يـهـاجـمـنـا بـعـنـف شـديـد، وقـتـل خـادمَي جـارنـا. […] وقـد حـفـرت قـبـور جـوار دارنـا. ولـم يـعـد في الـمـديـنـة قـمـاش قـطـن، والـنّـاس يـطـوفـون في أرجـائـهـا بـحـثّـاً عـن بـعـض أذرعـة مـنـه لـيـكـفّـنـوا بـهـا مـوتـاهـم. ولا نـسـتـطـيـع الـحـصـول عـلى الـمـاء بـأي ثـمـن، وعـلى كـلّ حـال لـم نـعـد نـرى بـاعـة الـمـاء. وقـد مـات خـلال هـذا الـشّـهـر أكـثـر مـن 30 ألـف  شـخـص.

25 نـيـسـان، أجـبـرت الـيـوم عـلى الـخـروج مـن الـمـقـيـمـيـة بـعـد أن أسـقـطـت مـيـاه الـفـيـضـان جـداراً مـنـهـا، ولـم أجـد إلّا مـشـاهـد مـوت وخـراب. ولـم أرَ احـداً في الـدّروب مـاعـدا مـن يـحـمـل جـثّـة لـيـدفـنـهـا أو مـن أصـيـب هـو نـفـسـه بـالـطّـاعـون. وأمـام أعـداد مـن الأبـواب ألـقـيـت أكـوام ثـيـاب نـزعـت عـن الـمـوتى. ولـم يـعـد مـكـان حـول الـجـامـع يـدفـن فـيـه الـمـوتى فـحـفـرت الـقـبـور في كـلّ مـكـان مـن الـدّروب، وفي الإصـطـبـلات الّـتي خـلـت مـن خـيـولـهـا الـمـقـتـولـة.

وارتـفـع مـسـتـوى الـمـيـاه، وسـتـفـيـض عـمّـا قـريـب لـتـغـرق الـمـديـنـة. وقـد بـعـث الـبـاشـا مـن يـطـلـب مـن الـمـاجـور أن يـربـط مـركـبـه قـرب الـسّـراي [لـيـخـرجـه مـن الـمـديـنـة] إذا مـا فـاضـت مـيـاه دجـلـة.

مـات أمـس بـائـع قـمـاش قـطـن الأكـفـان الّـذي يـسـكـن عـلى بـعـد بـابـيـن مـن دارنـا. وكـان قـد رفـع أسـعـار الـواحـد مـنـهـا مـن 45 قـرشـاً إلى 95 قـرشـاً. وازدادت أسـعـار الـصّـابـون أربـعـة أضـعـاف. واسـتـطـعـت مـلأ كـلّ جـرار دارنـا بـمـاء اشـتـريـتـه عـشـريـن مـرّة أكـثـر مـن سـعـره.

26 نـيـسـان، لـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى تـعـداد الـمـوتى مـنـذ عـدّة أيّـام، ولـكـنّ الـشّـاويـش الّـذي يـعـمـل عـنـد الـمـاجـور ذهـب لـيـزور الـبـاشـا هـذ الـصّـبـاح. وكـان الـبـاشـا في حـالـة ذعـر شـديـد، يـريـد أن يـتـرك الـمـديـنـة ولـكـن لا يـعـرف كـيـف. وقـد ذكـر لـه الـضّـابـط الـمـسـؤول عـن تـعـداد الـمـوتى أنّ أعـدداهـم بـلـغـت 5000 في الـيـوم الـواحـد، لـكـنّـهـا انـخـفـضـت أمـس إلى 3000 وانـخـفـضـت أيـضـاً هـذا الـيـوم. ولـكـن يـبـدو لي أن ذلـك لا يـعـقـل ولا يـصـدق. وقـد عـاقـت الـمـيـاه الّـتي فـاضـت الـنّـاس عـن الـهـروب. ونـرى أطـفـالاً تـركـوا وحـدهـم بـلا مـعـيـل يـسـوعـون في الـدّروب والـطّـرقـات.

وقـد قـتـل الـطّـاعـون نـصـف جـنـود الـبـاشـا وعـدداً كـبـيـراً مـن عـبـيـده الـجـيـورجـيـيـن الّـذيـن هـم في نـفـس الـوقـت مـن مـقـرّبـيـه الـمـخـلـصـيـن.

27 نـيـسـان، أنـسـانـا الـفـيـضـان هـذا الـيـوم وبـاء الـطّـاعـون، فـقـد انـهـار جـزء مـن سـور شـمـال شـرق الـمـديـنـة في الـلـيـلـة الـمـاضـيـة ودخـلـت مـنـه سـيـول الـمـيـاه إلى الأحـيـاء الـسّـكـنـيـة. وقـد غـرقـت مـحـلّـة الـيـهـود وتـسـاقـطـت 200  دار مـنـهـا. كـمـا انـهـار جـزء مـن سـور الـقـلـعـة.

28 نـيـسـان، جـرف الـفـيـضـان 7000  دار مـن طـرف الـمـديـنـة إلى طـرفـهـا الآخـر، ودفـن الـمـرضى والـمـحـتـضـريـن والـمـوتى والأصـحـاء في نـفـس الـقـبـر الـواسـع الـفـوهـة. ومـن اسـتـطـاعـوا الـخـلاص هـربـوا مـن دورهـم الـمـنـهـارة حـامـلـيـن مـا اسـتـطـاعـوا أخـذه والـتـجـأوا في دور هـرب أهـلـهـا مـن الـطّـاعـون الّـذي كـان قـد حـلّ فـيـهـا.

ورأيـت هـذا الـيـوم أعـدداً مـن الـمـوتى في الـطّـرقـات لـم أرَ مـثـلـهـا مـن قـبـل، وازدادت أعـداد الـجـثـث الّـتي لـم تـدفـن. وتـسـاقـط سـراي الـبـاشـا أكـوامـاً مـن الـخـرائـب. ورغـم تـلـهـفـه عـلى تـرك الـمـديـنـة فـهـو لا يـجـد مـن يـقـود لـه مـركـبـه، فـلـم يـعـد أحـد يـخـشـاه ولـن يـفـعـل لـه أحـد ذلـك مـحـبـة بـه !

29 نـيـسـان، هـرب الـبـاشـا مـن الـمـديـنـة بـصـحـبـة سـائـس خـيـلـه وأفـراد عـائـلـتـه الـمـقـربـيـن. وبـقـيـت خـرائـب قـصـره مـفـتـوحـة الأبـواب مـن غـيـر أن يـدخـلـه أحـد لـيـأخـذ مـنـه شـيـئـاً. ومـا زال وبـاء الـطّـاعـون يُـسـقـط ضـحـايـاه في كـلّ مـكـان. وقـد انـخـفـض مـسـتـوى الـمـاء قـلـيـلاً، ولـكـن يـبـدو الآن أنّ الأعـراب الـمـحـيـطـيـن بـالـمـديـنـة سـيـهـاجـمـونـهـا حـالـمـا سـيـنـخـفـض مـسـتـوى الـمـيـاه تـمـامـاً لـيـسـلـبـوا مـا بـقي فـيـهـا ويـنـهـبـوه.

30 نـيـسـان، ظـهـر أنّ كـلّ مـا سـمـعـنـاه عـن هـرب الـبـاشـا مـن الـمـديـنـة لا صـحـة لـه. وقـد حـاول لـمـدّة عـدّة أيّـام أن يـهـرب وربـط عـدّة مـراكـب قـرب الـسّـراي، وقـد أغـرق الـفـيـضـان قـصـره وهـربـت خـيـولـه مـن الإصـطـبـلات، ولـكـنّـه عـنـدمـا رأى مـدى مـعـانـاة الـنّـاس أمـر بـفـتـح أحـد مـخـازن حـبـوبـه لـهـم. وقـد انـخـفـضـت الـمـيـاه هـذا الـيـوم بـأكـثـر مـن ذراع، ونـعـتـقـد أن الـخـطـر الّـذي كـان يـهـددنـا قـد انـتـهى.

4 أيّـار، كـان الـجـو في الـيـومـيـن أو الـثـلاثـة الأخـيـرة لـطـيـفـاً، وأشـرقـت الـشّـمـس وارتـفـعـت الـحـرارة. وقـلّـت أعـداد الـمـصـابـيـن بـالـطّـاعـون. وقـد مـرّ ثـلاثـة أو أربـعـة مـن بـاعـة الـمـاء بـعـد انـقـطـاع دام عـشـرة أيّـام، وبـدأنـا نـرى الـنّـاس يـخـرجـون قـلـيـلاً إلى الـشّـوارع.

5 أيّـار،  يـبـدو لي مـن خـلال الـمـعـلـومـات الّـتي حـصـلـت عـلـيـهـا أنّ الـوبـاء قـتـل ثـلـثي سـكّـان الـمـديـنـة. وأصـبـحـت الـمـديـنـة في حـالـة يـرثى لـهـا، ولـم يـبـقَ حـول الـبـاشـا إلّا أربـعـة مـن عـبـيـده الـجـيـورجـيـيـن الّـذيـن كـانـوا أكـثـر مـن مـائـة. وقـد سـمـعـت هـذه الـلـيـلـة ولأوّل مـرّة مـنـذ ثـلاثـة أسـابـيـع صـوت الـمـؤذن يـدعـو لـلـصّـلاة.

6 أيّـار،  إنـخـفـض مـسـتـوى الـمـيـاه كـثـيـراً هـذا الـيـوم، كـمـا رأيـت رجـلاً يـحـمـل قـطـعـة لـحـم طـازج.

7 أيّـار،  إزدادت أعـداد الـلـصـوص في كـلّ مـكـان، وبـلـغـتـنـا أخـبـار مـن الـمـوصـل بـأن بـاشـا جـديـد وصـلـهـا، وهـو يـنـتـظـر أن يـنـتـهي وبـاء الـطّـاعـون لـيـسـتـمـر في تـقـدّمـه نـحـو بـغـداد. وانــخـفـض مـسـتـوى الـمـيـاه بـسـرعـة، وبـدأ الـرّز يـأتـيـنـا مـن الـضّـفـة الـمـقـابـلـة.

15 و16 أيّـار،   يـبـدو أن حـالات الإصـابـة بـالـطّـاعـون بـدأت تـقـلّ، واسـتـمـر مـسـتـوى الـمـيـاه بـالإنـخـفـاض.

20 أيّـار،  مـنـذ أمـس أو أوّل أمـس، لاحـظـت أنّ تـرابـاً بـدأ يـتـسـاقـط مـن شـقّ في جـدار غـرفـتـنـا. ولأنّ الـسّـراديـب مـا زالـت غـارقـة في الـمـيـاه فـقـد قـررت أن نـخـرج كـلّ حـوائـجـنـا مـن هـذه الـغـرفـة، فـفـيـهـا كـلّ مـا نـمـلـك مـن مـلابـس وأمـتـعـة. ومـا كـدنـا نـنـتـهي مـن إفـراغـهـا حـتّى تـسـاقـطـت جـدرانـهـا كـومـة ركـام.

21 أيّـار،  حـاول لـصـوص لـيـلـة أمـس ولـثـلاث مـرّات أن يـكـسـروا أقـفـال بـابـنـا الـخـارجي ولـم يـفـلـحـوا. تـعـجّ كـلّ أرجـاء الـمـديـنـة بـهـم الآن. وصـل بـاشـا الـمـوصـل إلى بـغـداد هـذا الـيـوم.

31 أيّـار،  لا أدري هـل سـتـحـلّ مـشـكـلـة مـن سـيـكـون بـاشـا لـبـغـداد أم لا، ولـكـنّ يـبـدو أن الـبـاشـا الـحـالي سـيـبـقى في مـكـانـه، ولا يـبـدو أنّ بـاشـا حـلـب يـرغـب بـالـمـجئ إلى هـذه الـمـديـنـة الّـتي خـربـت لـيـحـل مـحـلـه. ثـمّ أنّ الـبـاشـا الـحـالي أرسـل [إلى إسـطـنـبـول] بـمـبـلـغ كـبـيـر مـن الـمـال سـيـقـبـلـه [الـسّـلـطـان] ولا شـكّ.

5 حـزيـران،  إنـتـشـرت شـائـعـات بـأنّ بـاشـا حـلـب سـيـصـل خـلال الأيّـام الـقـادمـة.

9 حـزيـران،  أخـبـرني تـاجـر ألـمـاني، الـسّـيـد زفـوبـودا Mr. Swoboda، أنّ أكـثـر مـن 15000 شـخـص مـاتـوا، بـعـضـهـم أصـيـبـوا بـالـطّـاعـون وبـعـضـهـم الآخـر بـسـقـوط  دورهـم عـلـيـهـم في الـلـيـلـة الّـتي فـاض فـيـهـا نـهـر دجـلـة وأغـرق الـمـديـنـة. وأخـبـرني الـسّـيـد زفـوبـودا انّـه لـن يـأمـل بـفـتـخ خـانـه his khan مـن جـديـد قـبـل اثـني عـشـر شـهـراً. وسـبـب ذلـك لا يـعـود فـقـط إلى وبـاء الـطّـاعـون ولـكـنّ لأنّ تـجّـار الـمـديـنـة الأغـنـيـاء، وخـاصـة الـيـهـود كـانـوا قـد تـركـوهـا، وكـذلـك خـوفـاً مـن مـجئ عـلي بـاشـا مـن حـلـب.

10 حـزيـران،  ضـربـت الـمـدافـع في الـقـلـعـة في الـلـيـلـة الـمـاضـيـة مـعـلـنـة أخـبـاراً سـارّة، فـقـد وصـل رسـول مـن الـسّـلـطـان يـخـبـره بـثـبـيـتـه لـه في بـاشـالـيـق بـغـداد. [ولـكـنّـهـا كـانـت أخـبـاراً كـاذبـة الـهـدف مـنـهـا خـداع أهـل الـمـديـنـة].

11 حـزيـران،  بـدلاً مـن الـفـرمـان الّـذي يـثـبّـت داود بـاشـا في مـنـصـبـه سـمـعـنـا الـيـوم أصـوات مـدفـع الـبـاشـا الـجـديـد. وبـعـد أن صـعـدنـا إلى الـسّـطـح في الـمـسـاء لـنـتـمـشّى قـلـيـلاً، سـمـعـنـا الـمـدفـع ورأيـنـا نـيـران الـبـنـادق، فـعـرفـنـا أن الـصّـراع [حـول الـسّـلـطـة] بـدأ في الـمـديـنـة. وفي حـوالي الـثّـامـنـة مـسـاءً سـمـعـنـا جـمـوعـاً غـفـيـرة تـتـصـايـح أمـام الـسّـراي. وسـرعـان مـا وصـلـتـنـا أنـبـاء دخـولـهـم في الـسّـراي وقـبـضـهـم عـلى الـبـاشـا. وبـعـد ذلـك سـاد الـهـدوء مـا عـدا أصـوات طـلـقـات بـنـادق حـرّاس الـمـنـازل يـطـاردون الـلـصـوص.

12 حـزيـران،  مـرّ الـبـاشـا الـمـخـلـوع أمـام دارنـا مـحـاطـاً بـجـنـود قـادوه إلى دار صـالـح بـك، الـرّجـل الـوحـيـد الّـذي مـا زال حـيّـاً مـن الأسـرة الـحـاكـمـة قـبـلـه والّـتي كـان قـد أطـاح بـهـا.

نـهـبـت دار فـرنـسي كـان يـدرّب جـنـود الـبـاشـا عـلى الـمـنـاهـج الـعـسـكـريـة الأوربـيـة، وكـاد أن يـقـتـل لـولا أنّـه أعـلـن إسـلامـه. وكـان يـتـبـع قـبـل أن يـسـلـم الـمـذهـب الـرّومـاني الـكـاثـولـيـكي.

ودخـل بـاشـا الـمـوصـل بـصـحـبـة شـيـخ أعـراب في الـمـديـنـة. وهـمـا الآن في الـسّـراي. والـحـقـيـقـة أنّ وبـاء الـطّـاعـون مـحـق كـلّ إمـكـانـيـات الـمـقـاومـة، فـقـد مـات كـلّ جـنـود داود بـاشـا وكـلّ أتـبـاعـه، وحـتّى هـو، رغـم أنّـه شـفى تـقـريـبـاً مـن إصـابـتـه بـالـطّـاعـون، مـا زال في حـالـة ضـعـف لا يـقـوى فـيـهـا عـلى شـئ. وعـنـدمـا مـرّ أمـام دارنـا هـذا الـصّـبـاح كـان سـتّـة رجـال يـسـنـدونـه لـكي لا يـسـقـط عـن جـواده. ولـم يـقـتـلـوه بـعـد. وقـد طـلـب أن يـأتـوا لـه بـابـنـه لـيـراه فـبـعـثـوا مـن يـأتي بـه حـالاً.

14 حـزيـران،  الـرّجـال الّـذيـن وصـلـوا إلى الـحـكـم بـدأوا يـتـشـاجـرون الآن بـيـنـهـم، بـعـضـهـم يـريـدون قـتـل داود بـاشـا وبـعـضـهـم يـريـدون أن يـطـلـقـوا سـراحـه، وبـدأ مـنـاصـروهـم يـتـقـاتـلـون في كـلّ الإتـجـاهـات.

وقـد رمي بـاشـا الـمـوصـل في الـحـبـس، وأشـعـلـت الـنّـار في جـزء مـن الـسّـراي الّـذي نـهـب. وقـتـل مـن جـنـود بـاشـا الـمـوصـل مـن قـتـل وهـرب الـبـاقـون. وكـان بـاشـا الـمـوصـل قـد جـاء إلى بـغـداد لـيـعـدّ وصـول عـلي، بـاشـا حـلـب الّـذي يـقـال إنّ الـسّـلـطـان عـيـنـه خـلـفـاً لـداود بـاشـا. وقـد أعـلـن في طـرقـات بـغـداد أنّ داود يـبـقى بـاشـا بـغـداد، ويـحـكـم صـالـح بـك بـدلاً عـنـه كـقـائـمـقـام kaimacam إلى أن يـتـشـافى ويـتـعـافى.

15 حـزيـران،  وصـلـتـنـا أخـبـار بـأنّ بـاشـا الـمـوصـل قـتـل لـيـلـة أمـس”.

ولـم يـكـتـب غـروفـس شـيـئـاً حـتّى يـوم 26 حـزيـران :

26 حـزيـران،  يـبـدو الآن أنّ داود بـاشـا تـنـازل عـن مـنـصـبـه لـصـالـح بـك، لا نـدري هـل بـرغـبـة أم بـرهـبـة. واسـتـولى صـالـح بـك عـلى الـخـزيـنـة وعـلى كـلّ مـا في الـسّـراي. ومـع ذلـك فـهـو يـذهـب كـلّ يـوم إلى داود بـاشـا الـعـجـوز لـيـطـلـب مـنـه رأيـه ونـصـائـحـه.

الـخـمـيـس 28 حـزيـران،  يـبـدو أنّ في هـذا الـبـلـد مـا يـكـفي مـن الـقـوّة لـيـخـرّب نـفـسـه بـنـفـسـه.

1 تـمّـوز،  تـقـدّم جـنـود بـاشـا الـمـوصـل الـمـقـتـول نـحـو أبـواب الـمـديـنـة ولـكـنّـهـم ردّوا عـنـهـا وقـتـل بـعـضـهـم. وازدادت أسـعـار كـلّ الـمـواد الـغـذائـيـة الـضّـروريـة مـن ضـعـف مـا كـانـت عـلـيـه إلى عـشـرة أضـعـافـه، فـقـد أفـسـد الـفـيـضـان الـغـلال، وقـتـل الـطّـاعـون مـن يـمـكـنـهـم أن يـحـصـدوا مـا تـبـقى مـنـهـا، وخـرّبـت الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة مـا خـرّبـت.

الـثّـلاثـاء 5 تـمّـوز،  مـا زالـت الـمـديـنـة في حـالـة فـوضى. وجـاءني بـعـض الـسّـلابـيـن الـنّـهـابـيـن “الـنّـامـوسـزيـة” إلى الـدّار وطـلـبـوا عـرقـاً arrack، ثـمّ خـرجـوا بـعـد أن تـوعـدوني بـقـطـع رأسي. ولـكـن ذلـك لـم يـكـن إلّا “نـفـخـاً”. واعـتـقـدوا أنّي مـن نـوع الـدّراويـش dervishs  لأنّي لا أشـرب الـعـرق، ولا أمـلـك أسـلـحـة ولـيـس في داري حـرس .

9 تـمّـوز،  تـحـرّك الـمـقـاتـلـون الّـذيـن في خـارج الـمـديـنـة نـحـونـا هـذا الـيـوم، ونـسـمـع الآن ضـربـات الـمـدفـع الـمـسـتـمـرّة. وأُخـبـرنـا أنّـهـم عـلى مـسـيـرة نـصـف سـاعـة مـن الـمـديـنـة.

الأحـد 10 تـمّـوز،  لـم نـسـمـع طـيـلـة الـلـيـل إلّا الـطّـلـقـات الـنّـاريـة وإلّا قـرع الـطّـبـول وصـيـاح الـنّـاس. ووصـل بـاشـا حـلـب إلى حـوالي مـسـيـرة سـاعـة مـن الـمـديـنـة. ويـبـدو أنّـه لا يـنـوي مـهـاجـمـتـهـا وإنّـمـا لـيـسـيـطـر عـلى مـن أخـذوا الـحـكـم هـنـا ويـخـضـعـهـم لـسـلـطـتـه.

14 تـمّـوز،  لـم نـسـمـع مـنـذ الـثّـامـن [مـن هـذا الـشّـهـر] إلّا طـلـقـات الـبـنـادق الآتـيـة مـن الـقـلـعـة وضـوضـاء الـعـسـكـر في الـلـيـل.

18 تـمّـوز،  صـارت أصـوات الـمـدفـع والـطـلـقـات في هـذه الأيّـام الـثـلاثـة تـشـبـه ضـوضـاء حـرب. وبـدأت الـحـرارة تـشـتـدّ، وسـردابـنـا الّـذي كـان مـلـجـأنـا في الـصّـيـف الـمـاضي مـا زال مـلـيـئـاً بـالـمـاء بـارتـفـاع ثـلاثـة أقـدام. وإذا أضـفـنـا إلى ذلـك أسـراب الـبـعـوض الّـتي نـتـجـت عـن فـيـضـان الـنّـهـر والـمـيـاه الـرّاكـدة الّـتي تـركـهـا حـولـه يـمـكـن أن نـدرك لـمـاذا يـسـتـحـيـل تـقـريـبـاً عـلى الإنـسـان أن يـنـام.

22 تـمّـوز،  مـن الأفـضـل أن نـتـكـلّـم عـربـيـة مـنـحـطّـة يـفـهـمـهـا الـجـمـيـع مـن أن نـتـكـلّـم عـربـيـة فـصـحى لا يـفـهـمـهـا إلّا الـمـلالي Mollahs. فـإن لـم يـتـكـلّـم الـمـرء عـامـيـة تـخـتـلـط فـيـهـا الـكـلـمـات الـتّـركـيـة بـالـفـارسـيـة وبـالـعـربـيـة فـلـن يـفـهـمـه أحـد، ومـع ذلـك تـطـغي فـيـهـا الـكـلـمـات الـعـربـيـة عـلى كـلـمـات الـلـغـتـيـن الأخـريـتـيـن.

23 تـمّـوز،  أرسـل لي الـبـاشـا سـمـكـة، مـع تـحـيـاتـه وطـلـب بـأن أطـبـخـهـا وأبـعـثـهـا لـه : وهـو بـهـذه الـطّـريـقـة يـجـمـع مـا يـوضـع عـلى مـائـدتـه، فـمـن يـطـبـخ لـه صـحـن رز ومـن يـبـعـث لـه بـصـحـن كـبـاب  kebaub وآخـر يـرسـل لـه بـالـخـبـز، لأنّـه لـم يـعـد لـه خـدم يـقـومـون بـذلـك. وهـذه هي الـمـرّة الأولى الّـتي أكـرمـني فـيـهـا بـهـذا الـطّـلـب. وعـنـدمـا بـعـثـت لـه بـالـسّـمـكـة مـطـبـوخـة أرسـل لي يـطـلـب بـعـض الـخـسـتـاوي kustawee  لـيـأكـلـه مـع الـسّـمـك.

28 تـمّـوز،  لـم تـصـبـنـا ضـربـات مـدفـع الـمـحـاصـريـن ولا نـيـرانـهـم بـضـرر حـتّى الآن. وقـد مـرّت قـذيـفـتـا مـدفـع فـوق رؤوسـنـا، سـقـطـت إحـداهـمـا عـلى سـقـف دار عـائـلـة عـرب في نـفـس دربـنـا، وكـان أفـرادهـا نـيـامـاً، وعـنـدمـا انـفـجـرت قـتـلـت مـنـهـم ثـلاثـة. كـمـا مـرّت فـوق رؤوسـنـا طـلـقـات بـنـادق كـثـيـرة، أزّت إحـداهـا قـريـبـاً مـني لـتـضـرب الـحـائـط، وأحـنـيـت رأسي لـتـمـرّ أخـرى فـوقـه. وتـركـنـا الـسّـطـح هـربـاً مـن الأخـطـار وحـاولـنـا أن نـنـام في الـغـرف الّـتي كـدنـا أن نـخـتـنـق فـيـهـا مـن الـحـرّ.

بـدأت الـمـجـاعـة تـفـتـك بـفـقـراء الـمـديـنـة فـقـد ارتـفـعـت أسـعـار كـلّ مـا هـو ضـروري لـلـمـعـيـشـة مـن أربـعـة إلى سـتّـة أضـعـاف، هـذا إذا مـا أمـكـن الـحـصـول عـلـيـهـا، فـلـم يـعـد هـنـاك بـيـع ولا شـراء وأغـلـقـت كـلّ الـدكـاكـيـن أبـوابـهـا. وهـنـاك نـاس تُـقـتـل في الـشّـوارع ولا أحـد يـوقـف أحـداً.

31 تـمّـوز،  إسـتـمـرّ الـقـتـال أمـس مـن الـفـجـر إلى بـعـد الـظّـهـر، ولـكـنّ أحـداً لـم يـسـتـطـع الـدّخـول في الـمـديـنـة.

2 آب،  وصـلـتـنـا أخـبـار مـن الـحـجـاج في مـكّـة والـمـديـنـة تـؤكّـد عـلى أنّ أعـداد ضـحـايـا الـطّـاعـون والـكـولـيـرا لا تـعـدّ ولا تـحـصى. وكـثـيـر مـن الأسـر الّـتي هـربـت مـن الإضـطـرابـات هـنـا وفـضـلـت الـذّهـاب لـلـحـج وجـدت الـمـوت أمـامـهـا.

3 آب،  بـيـنـمـا كـنـت مـسـتـلـقـيـاً عـلى سـريـري عـلى الـسّـطـح لـيـلـة أمـس، مـرّت فـوق رأسي خـمـس طـلـقـات نـاريـة، فـألـقـيـت نـفـسي عـلى الأرض خـشـيـة أن تـصـيـبـني الـسّـادسـة.

9 آب،  حـدثـت مـنـاوشـات بـيـن الـجـنـود وبـيـن سـكـان الـمـديـنـة، واسـتـمـر إطـلاق الـنّـيـران مـدّة طـويـلـة لا بـد أن يـكـون قـد سـقـط مـنـهـا كـثـيـر مـن الـقـتـلى. وقـد تـحـصّـن جـيـرانـنـا وسـط الـدّرب قـرب بـاب دارنـا.

13 آب،  هـاجـمـت عـشـائـر الـعـرب الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـمـديـنـة هـذا الـيـوم، ولـكـنّـهـا مـنـعـت مـن دخـولـه. والـبـصـرة مـثـل بـغـداد في حـالـة حـصـار.

19 آب،  تـجـمـعـت أعـداد مـن الـفـقـراء أمـام أبـواب الـمـديـنـة يـطـلـبـون بـاكـيـن أن يـسـمـح لـهـم بـالـخـروج لـكي لا يـمـوتـوا جـوعـاً فـيـهـا، ولـكـنّ الأبـواب لـم تـفـتـح لـهـم. وقـد ارتـفـعـت الأسـعـار ولـم يـعـد الـبـنـاؤون والـنّـجـارون والـحـرفـيـون الآخـرون يـجـدون عـمـلاً مـنـذ بـدايـة وبـاء الـطّـاعـون. ويـفـقـد صـنّـاع يـدويـون أعـمـالـهـم كـلّ يـوم مـن غـيـر أن يـجـدوا مـا يـقـتـاتـون بـه. وإلى جـانـب ذلـك، هـاجـم الأعـراب كـلّ دار يـعـتـقـدون أنّـهـا تـحـتـوي عـلى حـبـوب أو رز. وفي نـيـتـنـا أن نـدفـن في بـاطـن الأرض صـنـدوقـاً صـغـيـراً فـيـه رز ودقـيـق وتـمـر، لـكي لا يـنـهـب ونـسـتـطـيـع أن نـقـتـات مـنـه لـمـدّة عـدّة أيّـام.

23 آب،  خـرج [الـجـنـود] مـن الـمـديـنـة لـيـردوا عـشـائـر الـعـرب الـمـوالـيـة لـعـلي، بـاشـا حـلـب، الّـذيـن انـسـحـبـوا بـعـد أن قـتـل مـنـهـم 100 رجـل، وقـطـعـت رؤوس 150 كـانـوا قـد أسـروا. ولا شـكّ في أنّ بـغـداد خـربـت الآن، ولـو سـمـح لـسـكـانـهـا الّـذيـن جـاءوا مـن الـقـرى الـمـجـاورة ولـكـلّ مـن يـودّ تـركـهـا بـالـخـروج لـمـا بـقي فـيـهـا أحـد.

29 آب،  دخـل بـعـض الـنّـهـابـيـن الـسّـلابـيـن في دارنـا لـيـلـة أمـس وأخـذوا مـنّـا مـا قـيـمـتـه حـوالي عـشـرة بـاونـدات بـيـنـمـا كـنّـا نـيـامـاً فـوق الـسّـطـح. وحـدثـت مـنـاوشـات عـنـيـفـة مـن الـفـجـر إلى حـوالي الـظّـهـر بـيـن الّـذيـن في داخـل الـمـديـنـة وبـيـن مـن في خـارجـهـا. وكـان الـنّـصـر لـمـن في خـارجـهـا.

30 آب،  شـيـدّ سـكّـان الـمـديـنـة أبـوابـاً تـحـمي كـلّ الـطّـرقـات مـن الـلـصـوص الّـذيـن يـنـهـبـونـهـا كـلّ لـيـلـة ومـن أعـدائـهـم إذا مـا اسـتـطـاعـوا دخـول بـغـداد.

وقـد خـرج الّـذيـن في داخـل الـمـديـنـة مـن جـديـد لـيـهـاجـمـوا عـشـائـر الـعـرب الـمـوالـيـن لـعـلي بـاشـا، ولـيـنـهـبـوهـم ويـشـعـلـوا الـنّـيـران في خـيـامـهـم. ثـمّ عـادوا بـالـغـنـائـم إلى الـمـديـنـة. وكـان مـن بـيـنـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـحـريـر كـان قـد سـلـبـهـا الـعـرب مـن قـوافـل كـانـت آتـيـة إلى بـغـداد مـن بـلاد الـفـرس في وقـت وبـاء الـطّـاعـون.

1 و 2 أيـلـول،  أرسـل الـبـاشـا يـطـلـب حـضـوري لـفـحـص دمّـلـة في إصـبـع قـدمـه نـتـج عـنـهـا فـقـدانـه لـجـزء مـنـه. وقـد اسـتـقـبـلـني بـلـطـف وتـرحـاب، وهـو بـلا شـكّ أكـثـر مـن الـتـقـيـت بـهـم في الـشّـرق أدبـاً. وهـو بـطـبـعـه بـسـيـط الـتّـصـرفـات، كـثـيـر الإتّـزان […] وقـد أهـداني ثـلاث خـيـارات طـازجـة مـمـا يـسـتـحـيـل الـحـصـول عـلـيـه في أيّـامـنـا هـذه.

6 أيـلـول،  يـبـدو أنّ بـعـض الـمـال بـدأ يـخـرج مـن خـزيـنـة الـبـاشـا، فـخـنـجـره kanjaar، الـمـطـعّـم بـالـمـاس، عـرض لـلـبـيـع. وقـصـر الـبـاشـا، أو بـالأحـرى مـا بـقي مـنـه مـن خـرائـب مـلئ بـالأرنـؤطـيـة، وهـم مـن الـجـنـود الـمـرتـزقـة، يـقـضـون وقـتـهـم في صـنـع الـعـرق وشـربـه، وفي الـدّق عـلى جـدران الـقـصـر وهـم يـتـنـصـتـون أمـلاً في إيـجـاد أصـوات خـبـايـا مـفـرغـة خـبـأ الـبـاشـا فـيـهـا بـعـض خـزائـنـه. والـمـعـتـاد في هـذه الـبـلاد أن يـخـبئ الـنّـاس أمـوالـهـم في داخـل الـجـدران.

7 أيـلـول،  مـا زالـت الأسـعـار تـرتـفـع، وآلام الـفـقـراء تـزداد : إن تـركـوا الـمـديـنـة سـلـب مـا بـقي لـهـم وأرجـعـوا إلـيـهـا وإن بـقـوا فـيـهـا مـا تـوا مـن الـجـوع. ولـم يـبـق شئ حـتّى مـن الـتّـمـر الّـذي أطـعـم الـنّـاس والـقـطـعـان خـلال الأسـابـيـع الـثّـلاثـة الـمـاضـيـة. وقـد عـرض الـبـاشـا هـذا الـيـوم حـلي زوجـتـه لـلـبـيـع.

10 أيـلـول،  دخـل الـلـصـوص مـسـاء أوّل أمـس في مـنـزل أحـد أبـنـاء الـبـاشـا وقـتـلـوا ثـلاثـة مـن خـدمـه. وتـعـرض لـلـبـيـع أشـيـاء ثـمـيـنـة يـعـرف الـجـمـيـع أنّـهـا سـرقـت مـن الـبـاشـا ولا أحـد يـعـيـر لـذلـك اهـتـمـامـاً. ويـقـتـل نـاس في الـطّـرقـات مـن غـيـر أن يـقـف أحـد لـيـرى مـن الـقـاتـل ومـن الـمـقـتـول، بـل يـبـتـعـد الـجـمـيـع بـأسـرع مـا يـمـكـنـهـم لـيـنـقـذوا أنـفـسـهـم.

12 أيـلـول،  سـمـح لـلـفـقـراء بـتـرك الـمـديـنـة. ويـتـركـهـا يـومـيـاً مـا يـقـارب 500 أو 600 شـخـص. ولـم يـعـد فـيـهـا مـا يـأكـل مـا عـدا لـحـم الـجـامـوس ولـحـم الـجـمـال الّـتي ارتـفـعـت أسـعـارهـا بـمـا يـقـارب عـشـريـن ضـعـفـاً.

وصـلـتـني الـيـوم أخـبـار مـن الـمـيـدان (وفي هـذا الـحي يـسـكـن رؤسـاء الأتـراك) بـأنّـهـم قـرروا الإنـتـظـار خـمـسـة أيّـام أخـرى، وإنّ لـم يـأتِ عـجـيـل، شـيـخ عـشـائـر الـمـنـتـفـك، أو آخـر مـثـلـه لـيـعـيـنـوهـم فـسـيـقـطـعـون رأس داود بـاشـا ورأس الـقـائـمـقـام صـالـح بـك، ويـرسـلـونـهـمـا لـعـلي بـاشـا، فـلـم تـعـد الـمـديـنـة تـتـحـمّـل وضـعـهـا الـحـالي.

15 أيـلـول،  إرتـفـع صـيـاح في الـلـيـل بـأنّ جـنـود عـلي بـاشـا دخـلـوا الـمـديـنـة، وهـا نـسـمـع بـأنّ داود بـاشـا هـرب مـن دار صـالـح بـك في الـلـيـل وحـاول دخـول الـقـلـعـة ولـكـنّ الـجـنـود لـم يـفـتـحـوا لـه الـبـاب. وقـد قـبـض عـلـيـه أهـل الـمـيـدان.

وقـد رفـعـت الـعـلـم الإنـكـلـيـزي عـلى داري لـيـعـلـم جـنـود عـلي بـاشـا بـأنـني أجـنـبي ولا عـلاقـة لي بـمـا يـجـري.

وخـرجـت زوجـات الـبـاشـا يـقـبـلـن أيـدي الـمـارّة ويـتـضـرعـن بـهـم بـأن يـسـتـروهـنّ. ولـكـن الـجـمـيـع كـانـوا خـائـفـيـن وابـتـعـدوا عـنـهـنّ. ودخـل عـلي بـاشـا الـمـديـنـة مـحـاولاً تـهـدئـة الأمـور.

الـجـمـعـة 16 أيـلـول،  جـمـع عـلي بـاشـا كـلّ رؤسـاء الـجـيـورجـيـيـن في مـعـسـكـره. وعـنـدمـا وصـل الـبـاشـا الـمـخـلـوع نـهـض يـحـيـيـه ويـعـانـقـه، وأخـبـره أنّ الـسّـلـطـان أمـر بـأن لا يـمـسـه أحـد بـسـوء، وأنّ أحـداً لـن يـمـس صـالـح بـك بـسـوء هـو الآخـر. ولـم يـأمـر عـلي بـاشـا إلى تـلـك الـلـحـظـة بـقـتـل أحـد. وزال الـخـوف عـن الـنّـاس، ووجـد الـنّـاس مـا يـأكـلـون، فـالـطـحـيـن الّـذي كـان يـبـاع يـوم الأربـعـاء بـ 250 قـرشـاً انـخـفـض يـوم الـخـمـيـس إلى 40 قـرشـاً، وظـهـرت الـخـضـروات في الأسـواق وكـنّـا لـم نـرهـا مـنـذ خـمـسـة أشـهـر وبـأي ثـمـن كـان.

18 أيـلـول،  يـقـال إنّ كـلّ مـنـاطـق الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل وديـار بـكـر ومـرديـن والـرّهـا وحـلـب دخـلـت تـحـت سـيـطـرة عـلي بـاشـا. وتـحـت حـكـم داود بـاشـا كـانـت كـلّ الـمـواد الـغـذائـيـة مـحـتـكـرة، ويـبـدو أنّ عـلي بـاشـا عـازم عـلى تـغـيـيـر هـذه الـحـالـة. وقـد أعـلـن أمـس أنّ أوقـيـة oke الـلـحـم لا يـنـبـغي أن تـبـاع بـأكـثـر مـن قـرشـيـن، وإن بـاعـهـا أحـد بـأغـلى مـن هـذا الـسّـعـر فـسـيـعـلّـق جـسـده عـلى الـخـطـاطـيـف الّـتي يـعـلـق عـلـيـهـا الـلـحـم. وقـد قـبـض عـلى قـصّـاب قـرب الـمـيـدان بـاع لـحـمـه بـثـلاثـة قـروش فـعـلّـق جـسـده عـلى الـخـطـاطـيـف حـالاً.

21 أيـلـول،  لـيـس هـنـاك اهـتـمـام أكـبـر ولا احـتـرام أكـثـر مـمـا أولاه عـلي بـاشـا لـسـابـقـه داود بـاشـا، فـقـد أمـنـه عـلى حـيـاتـه لأنّ الـسّـلـطـان نـفـسـه أمـر بـذلـك. ولـكـنّ الـسّـلـطـان طـلـب مـن داود بـاشـا أن يـسـتـعـد لـلـذهـاب إلى إسـطـنـبـول في الـغـد أو بـعـد الـغـد لـلـحـضـور بـيـن يـديـه. وسـتـذهـب مـعـه زوجـاتـه وابـنـه الـبـكـر، حـسـن بـك.

وقـد اسـتـغـرب الأتـراك هـنـا مـن خـلـع ثـيـاب الـجـنـود الـطـويـلـة والـعـمـائـم وإبـدالـهـا بـالـزّي الـعـسـكـري الأوربي، وهـم يـقـولـون إنّ عـلي بـاشـا نـفـسـه يـرتـدي الـمـلابـس الأوربـيـة، فـهـو لا يـخـتـلـف إذاً عـن داود بـاشـا. ولـم يـعـد شـرب الـخـمـر مـمـنـوعـاً يـمـارسـه الـنّـاس خـفـيـة، بـل يـقـدم الـنّـبـيـذ والـكـحـول عـلى الـصّـواني في الأمـاكـن الـعـامـة.

11 تـشـريـن الأوّل،  قـتـل كـلّ الـمـمـالـيـك الـجـيـوجـيـيـن الّـذيـن كـانـوا قـد أفـلـتـوا مـن الـطّـاعـون في بـغـداد، وانـتـهـت فـتـرة حـكـمـهـم.

14 تـشـريـن الأوّل، سـاد الـهـدوء عـلى الـمـديـنـة. ويـنـتـظـر الـنّـاس مـا سـتـأتي لـهـم بـه الأيّـام الـمـقـبـلـة. مـات غـالـبـيـة سـكّـان الـمـديـنـة واغـتـنى عـدد كـبـيـر مـن الأحـيـاء، إمّـا بـمـا ورثـوه مـن أقـاربـهـم الـمـوتى وإمّـا بـالـنّـهـب والـسّـلـب.

17 تـشـريـن الأوّل، عـاد عـدد مـن تـلامـيـذنـا الـكـبـار بـعـد أن كـانـوا قـد هـربـوا مـن الـمـديـنـة مـع أهـالـيـهـم.

18 تـشـريـن الأوّل، سـمـعـت الـيـوم أنّـه لـن يـعـيـن أسـقـف رومـاني كـاثـولـيـكي بـدلاً مـن الّـذي مـات، ولـن يـرسـل قـنـصـل فـرنـسي، بـل يـبـدل بـعـمـيـل مـحـلّي. وأبـدى الـبـاشـا الـجـديـد رغـبـتـه في تـوطـيـد عـلاقـتـه بـنـا. وقـد سـألـني إن كـنـت أحـتـاج لـمـسـاعـدات مـن أيّ نـوع كـان. وعـلي بـاشـا كـان قـد سـافـر إلى الـنّـمـسـا والـمـجـر وهـو يـقـرأ الـجـرائـد الأوربـيـة ويـرتـدي مـلابـس أوربـيـة مـا عـدا الـقـبـعـة.

ومـا زلـنـا نـشـتـري الـمـواد الـغـذائـيـة بـثـلاثـة أضـعـاف أسـعـارهـا بـسـبـب الـفـيـضـان الّـذي دمّـر الـغـلال فـلـم يـحـصـد مـنـهـا شئ وبـأسـبـاب أخـرى.

27 تـشـريـن الأوّل، تـزداد الأمـور اسـتـقـراراً يـومـاً بـعـد يـوم، وعـادت الـسّـلـع الـغـذائـيـة إلى الأسـواق وانـخـفـضـت الأسـعـار شـيـئـاً فـشـيـئـاً. وفـتـحـت الـطّـرق أيـضـاً وعـاد إلـيـهـا الأمـن. وسـمـعـنـا بـأنّ طـريـق الـبـاديـة أصـبـحـت مـأمـونـة.

7 تـشـريـن الـثّـاني، أخـشى أن تـكـون أكـبـر الـصّـعـوبـات الّـتي تـواجـهـني الآن الـحـصـول عـلى مـعـلّـم لـغـة عـربـيـة فـقـد قـتـل الـطّـاعـون أعـداداً كـبـيـرة مـن الـمـلالي.

وهـنـا يـتـوقـف غـروفـس عـن كـتـابـة يـومـيـاتـه.

وكـتـب آخـر رسـائـلـه مـن بـغـداد في 16 كـانـون الـثّـاني 1832 والّـتي يـذكـر فـيـهـا أنّ الـحـمى ألـزمـتـه الـفـراش فـلا يـسـتـطـيـع الـذّهـاب إلى حـلـب. ولا نـعـرف في أي يـوم تـرك بـغـداد لـيـذهـب إلى حـلـب.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـتـوني غـروفـس، يـومـيـات إقـامـة في بـغـداد خـلال عـامَي 1830 و 1831. لـنـدن 1832،  Anthony N.Groves, Journal of a Residence at Bagdad, during the years 1830 and 1831, London MDCCCXXXII (1832)

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

 

 

 

Advertisements

إنـشـاء “قـاعـة الـصّـور” في بـغـداد عـام 1943

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـعـد أن طـرد الإنـكـلـيـز سـاطـع الـحـصـري (1) مـن الـعـراق في عـام 1941، وكـان يـشـغـل مـنـصـب الـمـديـر الـعـام لـلآثـار الـقـديـمـة، عـيّـن يـوسـف رزق الله غـنـيـمـة (2) لـيـخـلـفـه في مـنـصـبـه :

يوسف غنيمة

وفي حـزيـران 1943 أنـشـأت مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة “قـاعـة الـصّـور                 The Picture Gallery” ونـشـرت “دلـيـل قـاعـة الـرّسـوم الـوطنـيـة لـسـنـة 1943” الّـذي طـبـع في مـطـبـعـة الـحـكـومـة بـالـلـغـتـيـن الـعـربـيـة والإنـكـلـيـزيـة :

ويـضـمّ الـدّلـيـل، مـاعـدا الـغـلاف الـعـربي مـن الـيـمـيـن والـغـلاف الإنـكلـيـزي مـن الـيـسار كـلـمـة لـمـديـر الآثـار الـقـديـمـة الـعـام يـوسـف غـنـيـمـة بـالـعـربـيـة وتـرجـمـتـهـا بـالإنـكلـيـزيـة وقـائـمـة بـ “الـصّـور” بـالـعـربـيـة والإنـكـلـيـزيـة.

وكـان عـنـوان كـلـمـة يـوسـف غـنـيـمـة “قـاعـة الـصّـور  The Picture Gallery ” وتـحـت الـعـنـوان : “مـجـمـوعـة ثـابـتـة مـن لـوحـات زيـتـيـة ورسـوم مـصـنـوعـة في الـعـراق  A permanent Collection of Paintings and Drawings made in Iraq  “، ويـذكـر فـيـهـا أنّ الـمـديـريـة كـانـت قـد بـدأت بـجـمـع “الـصّـور الـمـعـروضـة في هـذه الـقـاعـة” مـنـذ أكـثـر مـن سـنـتـيـن، أي مـنـذ تـعـيـيـنـه مـديـراً لـهـا، وأنّـهـا تـضـمّ “صـور أشـخـاص ومـنـاظـر رسـمـت بـالـزّيـت أو بـالألـوان الـمـائـيـة أو بالـقـلـم الـرّصاص أو بـالـفـحـم عـدا مـا تـتـضـمّـنـه مـن الـرّسـوم الأولـيـة (اسـكـتـشـات) الـمـخـطوطـة بـالـمـداد”. والّـتي اخـتـيـرت “إمّـا لـمـزايـاهـا الـفـنّـيـة أو لأهـمـيـتـهـا، إذ تـمـثّـل طـبـيـعـة الـبـلاد وتـصـوّر أخـلاق أهـلـهـا”.

وكـان الـهـدف مـن إنـشـاء الـقـاعـة كـمـا كـتـبـه يـوسـف غـنـيـمـة : “أن تـكـون مـلـحـقـاً لـمـتـحـف الأزيـاء الـوطـنـيـة الـمـجـاور لـهـا”. وذكـر أنّ “بـعـض هـذه الـصّـور وعـلى الأخـص مـا يـتـعـلّـق مـنـهـا بـالـيـزيـديـة الـقـاطـنـيـن في مـنـطقـة الـشّـيـخـان قـد عـنـيـت بـوضـعـهـا هـذه الـمـديـريـة خـصـيـصـاً لـهـذه الـقـاعـة”. ويـقـصـد يـوسـف غـنـيـمـة بهـا لـوحات عـطـا صـبـري وفـائـق حـسـن الـلـذيـن كـانـا قـد قـامـا بـسـفـرة إلى شـمـال الـعـراق لـرسـمـهـا. وكـان عـطـا صـبـري وفـائـق حـسـن قـد عـرضـا بـعـضـهـا في مـعـرض “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” الـثّـاني في  1942، والـثّـالـث في 1943.

أمّـا “الـصّـور” الأخـرى فـقـد ذكـر يـوسـف غـنـيـمـة أنّ الـمـديـريـة كـانـت قـد اشـتـرتـهـا “مـن الـمـعـارض الـفـصـلـيـة والـدّوريـة الّـتي أقـامـهـا الـرّسـامـون الـعـراقـيـون في بـغـداد، وتـمّـت هـذه الـمـجـمـوعـة بـابـتـيـاع بـعـض إنـتـاج فـنـانـيـن أجـانـب أقـامـوا مـؤقـتـاً في بـغـداد”. وذكـر أنّـهـا كـانـت “مـحـاولـة أولى لـتـكـويـن مـجـمـوعـة وطـنـيـة  National collection ” عـلى أمـل أن تـكـون في يـوم مـن الأيّـام نـواة لـقـاعـة عـراقـيـة وطـنـيـة  Iraqi national Gallery “.

ومـن هـذا نـرى أنّ الـفـكـرة كـانـت في ذلـك الـوقـت تـكـويـن قـاعـة لـلـفـنّ الـمـنـتـج في الـعـراق، سـواء كـان الـفـنّـان عـراقـيـاً أو أجـنـبـيـاً أنـتـج عـمـلـه في الـعـراق أو عـن الـعـراق، وهي ولا شـك أوسـع مـمـا وصـلـت إلـيـه فـيـمـا بـعـد أي مـتـحـفـاً  لـلـفـنـانـيـن الـعـراقـيـيـن فـقـط.

كـانـت الـمـجـمـوعـة تـضـمّ 65 عـمـلاً :

34  “صـورة زيـتـيـة “، و 10 بـالـلـون الـمـائي، و 9 بـالـقـلـم، و 6 بـالـفـحـم (كـلّـهـا لـفـائـق حـسن) و 3 رسـم بالـمـداد (لـرسـامـيـن بـولـنـديـيـن) و 3 “كـاريـكـتـور” (لـسـعـاد سـلـيـم).

والـفـنـانـون الـمـشـاركـون كـانـوا :

كـونـك  Koenig  (كـتـب سـتّ مـرّات كـونـك، ومـرتـيـن كـونـيـك) :

شـارك بـ 8 أعـمـال.

والـمـقـصـود بـه ولا شـكّ الـرّسّـام الألـمـاني فـيـلـهـيـلـم  كـونـيـغ  Wilhelm König  وكـان قـد اخـتـيـر في 1931 لـيــسـاعـد عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان Julius JORDAN الّـذي عـيّـن مـديـراً لـلـمـتـحـف الـعـراقي في ذلـك الـعـام في رسـم الـقـطـع الأثـريـة وتـصـنـيـفـهـا. وقـد أقـام كـونـيـغ في الـعـراق إلى عـام 1940. ونـشـر بـعـد عـودتـه إلى ألـمـانـيـا كـتـابـاً عـن تـجـربـتـه الـعـراقـيـة : تـسـع سـنـوات في الـعـراق  Neun Jahre Irak.

حـافـظ الـدّروبي

شـارك بـ 3 أعـمـال، وكـان الـدّروبي قـد عـاد مـن بـعـثـتـه الـدّراسـيـة إلى رومـا في 1940،  وانـضـمّ إلى “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” في 1941 وشـارك في مـعـارضهـا، وأنـشـأ أوّل مـرسـم حـرّ في 1942.

عـيـسى حـنّـا

شـارك بـ 3 أعـمـال. وكـان حـنّـا قـد شـارك في 1941 في تـأسـيـس “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” مـع أكـرم شـكـري وكـريـم مـجـيـد، وشـارك في مـعـارضـهـا.

أكـرم شـكـري :

شـارك بـ 3 أعـمـال.

وكـان أكـرم شـكـري أوّل مـبـعـوث عـراقي إلى الـخـارج. درس في لـنـدن مـن 1931 إلى 1932. ثـمّ درّس الـرّسـم أربـع سـنـوات بـعـد عـودتـه إلى بـغـداد، وعـيّـن في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة في 1936. وكـان قـد شـارك في أوّل مـعـرض زراعي صـنـاعي نـظّـم في بـغـداد عـام 1932، بـلـوحـة كـان قـد رسـمـهـا في 1931، وبـعـثـها مـن لـنـدن، عـنـوانـهـا “ضـبـاب لـنـدن”، تـعـتـبـر أوّل لـوحـة “إنـطـبـاعـيـة” عـراقـيـة. وشـارك في تـأسـيـس “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” في 1941، وشـارك في مـعـارضـهـا.

بـول هـريـس  Paul HARRIS  :  صـورة واحـدة بـالـلـون الـمـائي،

إدفـارد مـاتـوشـجـاك MATUSZEZAK Edward، والإمـلاء الـصّحـيـح لاسـمـه (MATUSZCZAK) :

شـارك بـعـمـلـيـن.

ومـاتـوشـجـاك بـولـنـدي ولـد سـنـة 1906 والـتـحق بـأكـاديـمـيـة الـفـنـون الـجـمـيـلـة في كـراكـوف عـام 1930، وسـافـر في 1934 إلى بـاريـس، ودرس فـيـهـا الـفـنّ. وفي 1936 نـجـده في كـراكـوف رسّـامـاً وخـزّافـاً. وتـرك بـولـنـدة خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة ووصـل إلى بـغـداد في 1943 مـع قـوات                 Polish II corps ، وشـارك في الـمـعـرض الّـذي نـظّـمـه في بـغـداد مـكـتـب الـفـنـون الـتّـشــكـيـلـيـة لـلـجـنـود الـرّسـامـيـن في هـذه الـقـوّات.

سـايـكـس  Saykes  : صـورة واحـدة بـالـلـون الـمـائي،

تـركـفـيـتـج  (وكـتـب مـرّة ثـانـيـة تـركـفـيـتـشـج) Turkivich ، واسـمـه الـصّـحـيـح هـو Sygmunt TURKIEWICZ :

شـارك بـعـمـلـيـن.

وتـوركـفـيـتـج  فـنـان بـولـنـدي مـعـروف ولـد سـنـة 1913، ووصـل إلى بـغـداد عـام 1943مـع الـقـوات الـبـولـنـديـة  Polish II corps. وقـد أدار مـكـتـب الـفـنـون الـتّـشـكـيـلـيـة لـهـذه الـقـوّات في بـغـداد مـع الـفـنّـان يـوسـف جـابـسـكي ونـظّـم مـعـرضـاً  لـلـجـنـود الـرّسـامـيـن الّـذيـن كـانـوا حـوالي 30  فـنّـانـاً وفـنّـانـة. وشـارك هـو نـفـسـه في هـذا الـمـعـرض.

فـلـدواسـكي Wiedlauazki  (لا تـذكـرالـمـصـادر الّـتي تـكـلّـمـت عـن الـبـولـنـديـيـن في بـغـداد فـنـانـاً بـهـذا الإسـم) :

رسـم واحـد بـالـمـداد،

فـائـق حـسـن :

شـارك بـ 15 عـمـلاً.

وكـان فـائـق حـسـن قـد عـاد مـن بـعـثـتـه الـدّراسـيـة إلى بـاريـس في 1938، وأنـشـأ فـرع الـرّسـم في مـعـهـد الـفـنـون الـجـمـيـلـة عـام 1939، ودرّس فـيـه. وقـد شـارك في الـمـعـرض الـثّـاني لـجـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ في 1942، وفي الـمـعـرض الـثّـالـث في 1943 بـلـوحـات زيـتـيـة كـان قـد رسـمـهـا في رحـلـة مـشـتـركـة مـع عـطـا صـبـري في شـمـال الـعـراق.

عـطـا صـبـري :

شـارك بـ 22 عـمـلاً.

وكـان عـطـا صـبـري قـد عـاد مـن بـعـثـتـه الـدّراسـيـة إلى رومـا في 1940، وعـمـل رسّـامـاً في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة بـيـن 1940 و 1944، قـبـل أن يـمـارس الـتّـدريـس. وشـارك في مـعـارض “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” في 1941 و 1942       و 1943. وكـانـت مـشـاركـتـه في مـعـرضـيـهـا الـثّـاني والـثّـالـث بـلـوحـات زيـتـيـة كـان قـد رســمـهـا في رحـلـة مـشـتـركـة مـع فـائـق حـسـن في الـشّـمال، وعـرض صـوراً تـمـثّـل الـيـزيـديـة في مـنـطـقـة سـنـجـار.

يـوسـف يـاريـمـا  YAREMA  واسـمـه الـصّـحـيـح يـكـتـب  Joszef  JAREMA :

صـورة زيـتـيـة واحـدة.

ويـاريـمـا فـنـان بـولـنـدي مـعـروف ولـد سـنـة 1900.والـتـحـق بـأكـاديـمـيـة الـفـنـون في كـراكـوف عـام 1918. وفي 1923 شـارك في تأسـيـس “لـجـنـة بـاريـس  Komitet Paryski” الـفـنّـيـة، وسـافـر مـع زمـلائـه أعـضاء الـلـجـنـة ومـن بـيـنـهـم يـوسـف جـابـسـكي إلى بـاريـس وبـقي فـيـهـا يـدرس الـفـنّ ويـشـارك في الـمـعـارض حـتّى عـام 1931، ووصـل مـع قـوات Polish II corps إلى بـغـداد في 1943. وشـارك في مـعـرض الـرّسـامـيـن الـجـنـود في بـغـداد.

سـعـاد سـلـيـم :

شـارك بـ 3 أعـمـال (كـاريـكـتـور).

وسـعـاد إبـن الـفـنّـان الـرّائـد الـحـاج مـحـمّـد سـلـيـم عـلي الـمـوصـلي وشـقـيـق الـفـنّـانـيـن جـواد ونـزار ونـزيـهـة سـلـيـم. رسـم الـكـاريـكـاتـيـر في الـجـرائـد والـمـجـلّات مـثـل جـريـدة “حـبـزبـوز” الّـتي صـدرت في 1931. و درّس سـعـاد سـلـيـم الـرّسـم في 1936، وأقـام مـعـرضـه الـشّـخـصي الأوّل في قـاعـة جـمـعـيـة حـمـايـة الأطـفـال عـام 1941. وقـد انـضـمّ إلى “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” مـنـذ تـأسـيـسـهـا عـام 1941، وشـارك في مـعـارضـهـا، ونـشـر في نـفـس الـعـام كـتـابـاً بـثـلاثـة أجـزاء : “مـجـمـوعـة الـحـرب الـعـراقـيـة الـبـريـطانـيـة الـمـصـوّرة”.

وكـمـا ذكـر يـوسـف غـنـيـمـة فـإنّ جـزءاً كـبـيـراً مـن الأعـمـال “صـور أشـخـاص” :

طـفـل، هـيـلـيـن، إمـرأة تـلـكـيـفـيـة : لـعـيـسى حـنّـا،

صـبـيـان وأشـيـاء، فـتـاة : لأكـرم شـكـري،

أطـفـال : لـتـركـفـيـتـج،

أطـفـال : لـفـلـدواسـكي،

مـيـر عـزيـز بـك، صـالـح بـك، رسـور حـاج أحـمـد، مـحـمّـد أمـيـن أغـا، فـتى مـن راونـدوز، كـرديـان مـن راونـدوز، أغـا دراجـان، راونـدوزي، أم الـرّسـام، قـرويـان : لـفـائـق حـسـن،

إبـن الـشّـيـخ، أبـوعـبـد، فـتـاة مـن بـحـزاني، هـاني (إمـرأة يـزيـديـة مـن بـعـشـيـقـة)، شـيـخ عـادي، حـجي فـقـيـر شـمـو الـيـزيـدي، ريـحانـة ـ فـتـاة يـزيـديـة، الـيـتـيـم، صـبي يـزيـدي، فـيـروز حـجي الـيـزيـدي قـوال حـجي الـيـزيـدي، الـيـاس الـيـزيـدي، عـبـو عـجاج أغـا، سـعـيـد بـك، حـجي فـقـيـر شـمـو الـيـزيـدي، الـيـزيـديـة في مـهـرجـان الـرّبـيـع : لـعـطـا صـبـري.

والـجـزء الـمـهـمّ الآخـر مـن الأعـمـال مـنـاظـر طـبـيـعـيـة :
نـخـيـل، الـصّـنـادل عـلى دجـلـة، غـروب، الـمـهـيـلـة، الـجـسـر : لـكـونـك،

شـكـل بـغـداد، جـامـع الـمـراديـة : لـمـاتـوشـجـاك،

دجـلـة مـن فـوق سـطح الـمـطعـم : لـسـايـكـس،

راونـدوز، مـنـظـر مـن الأعـظـمـيـة، مـنـظـر في ضـواحي بـغـداد، بـابـل، نـخـيـل : لـفـائـق حـسـن،

قـريـة بـاعـذرا، قـريـة بـعـشـيـقـة، عـيـن سـفـني، مـدخـل شـيـخ عـادي : لـعـطـا صـبـري،

خـانـقـيـن : لـيـاريـمـا،

ثـلاث صـور كـاريـكـتـور تـحـمل نـفـس الـعـنـوان “صـفـحـة مـن الـحـيـاة الـعـراقـيـة ” : لـسـعـاد سـلـيـم.

ومـع ذلـك تـبـقى اسـتـثـناءات قـلـيـلـة فـقـد رسـم أكـرم شـكـري “حـيـاة جـامـدة ” في الـسّـمـاور، ورسـم كـونـيـك صـور حـيـوانـات : جـامـوس وجـامـوس الـمـاء.

ويـمـكـنـنـا أن نـلاحـظ، بـعـد قـراءة الـدّلـيـل، أنّ مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة ركّـزت جـهـودهـا عـلى شـراء “الـصّـور” أي الـرّسـوم والـلـوحـات، ولـم تـهـتـم بـالـمـنـحـوتـات.

ونـحـن لا نـعـرف الـمـعـايـيـر الّـتي اخـتـارت وفـقـهـا هـذه الأعـمـال، فـقـد كـان هـنـاك كـثـيـر مـن الـفـنـانـيـن في بـغـداد تـسـتـحـق أعـمـالـهـم أن تـدخـل في هـذه الـمـجـمـوعـة “إمّـا لـمـزايـاهـا الـفـنّـيـة أو لأهـمـيـتـهـا، إذ تـمـثّـل طـبـيـعـة الـبـلاد وتـصـوّر أخـلاق أهـلـهـا” مـثـل جـواد سـلـيـم الّـذي كـان في بـغـداد في تـلـك الـسّـنـوات وشـارك في مـعـارض جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ بـلـوحـات ومـنـحـوتـات. كـمـا أنّـهـا لـم تـدخـل في مـجـمـوعـتـهـا أعـمـال واحـد مـن أهـمّ الـفـنـانـيـن الـبـولـنـديـيـن الّـذيـن وصـلـوا إلى بـغـداد وأعـني بـه يـوسـف جـابـسـكي  Josef CZAPSKY الّـذي شـارك في إدارة  مـكـتـب الـفـنـون الـتّـشـكـيـلـيـة لـقـوّات Polish II corps في بـغـداد، وشـارك في الـمـعـرض الّـذي أقـامـه الـمـكـتـب فـيـهـا. ويـذكـر لـه دلـيـل هـذا الـمـعـرض مـن بـيـن مـا عـرض لـوحـة لـحي مـن أحـيـاء بـغـداد.(3)

أمّـا عـن مـا حـدث لـهـذه “الـصّـور” بـعـد ذلـك، ومـاذا بـقي لـنـا مـنـهـا، فـسـنـتـتـبـعـه في مـقـال آخـر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)  نـشـر هـذا الـمـقـال في مـلـحـق جـريـدة الـمـدى الـعـراقـيـة في 2013/1/11، ثـمّ نـشـر في مـدونـة “الـمِـلـوَنـة” في 2014/4/22.

(1)  سـاطـع الـحـصـري (ولـد سـنـة 1879 وتـوفي سـنـة 1968) : إشـتـغـل في الإدارة الـعـثـمـانـيـة في مـطـلـع شـبـابـه، ثـمّ مـع فـيـصـل بـن الـحـسـيـن عـنـدمـا اخـتـيـر مـلـكـاً عـلى سـوريـا. وعـنـدمـا خـلـع الـفـرنـسـيـون فـيـصـل تـبـعـه إلى بـغـداد. وبـعـد أن نـصـب الإنـكـلـيـز فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق في 1921 تـحـت اسـم فـيـصـل الأوّل شـغـل سـاطـع الـحـصـري عـدة مـنـاصـب : مـعـاونـاً لـوزيـر الـمـعـارف ومـديـراً عـامـاً لـلـمـعـارف ومـديـراً لـدار الـمـعـلـمـيـن الـعـالـيـة ومـديـراً لـلآثـار الـعـامـة.

(2) يـوسـف غـنـيـمـة رزق الله (ولـد سـنـة 1885 وتـوفي سـنـة 1950) : شـارك في الـحـيـاة الـسّـيـاسـيـة والـفـكـريـة مـنـذ فـتـرة الـحـكـم الـعـثـمـاني، وشـغـل عـدّة مـنـاصـب وزاريـة في حـكـومـات الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة.

(3)  أنـظـر مـقـالي : يـوسـف جـابـسـكي، أهـمّ الـفـنـانـيـيـن الـبـولـنـديـيـن في بـغـداد عـام 1943

https://almilwana.blogspot.com/2015/04/4-1943-1943.html

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.