كـيـف خـرج الـسّـومـريـون مـن غـيـاهـب الـنّـسـيـان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـدأ اكـتـشـاف الـسّـومـريـيـن، بـعـد أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف عـام عـلى اخـتــفـائـهـم كـشـعـب سـاد في جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، بـاكـتـشـاف لـغـتـهـم. فـقـد تـأمّـل الـبـريـطـاني هـنـري راولـنـسـن H. Rawlinson عـام 1852 بـدهـشـة لـوحـاً مـن الـصّـلـصـال كـان قـد عُـثـر عـلـيـه عـام 1849  في تـلّ قـويـنـجـق (مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة)، وفي مـكـتـبـة الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال بـالـضّـبـط. وكـان عـلـيـه نـصّ مـسـمـاري لـقـائـمـة مـفـردات بـالآشـوريـة وبـجـانـبـهـا  مـقـابـلاتـهـا بـلـغـة مـجـهـولـة لـم يـكـن يـعـرفـهـا أحـد.  

وبـعـد أن قـضى راولـنـسـن أيّـامـاً طـويـلـة في دراسـة الـنّـصّ ومـقـارنـتـه بـالـنّـصـوص الّـتي كـانـت قـد وجـدت في جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، إقـتـرح أنّ تـكـون هـذه الـلـغـة الـمـجـهـولـة : الـلـغـة الأكّـديـة، لأنّـه كـان يـعـرف أنّ دولـة أكّـد كـانـت قـد سـبـقـت الـدّول الـبـابـلـيـة والآشـوريـة.

واقـتـرح في مـقـال نـشـره عـام 1853 أن يـكـون الـنّـاطـقـون بـهـذه الـلـغـة الـمـجـهـولـة هـم الّـذيـن اخـتـرعـوا الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وأخـذهـا عـنـهـم الـبـابـلـيـون والآشـوريـون.(1)

وكـان حـدس هـنـري راولـنـسـن صـحـيـح تـقـريـبـاً. وقـد صـحـحـه جـزئـيـاً جـول أوبـيـر Jules Oppert عـنـدمـا اقـتـرح في مـقـال نـشـره عـام 1869 بـأنّ الـنّـاطـقـيـن بـهـذه الـلـغـة الـمـجـهـولـة كـانـوا : الـسّـومـريـيـن. وأكّـد مـا كـان راولـنـسـن قـد ذكـره مـن أنّـهـم هـم الّـذيـن اخـتـرعـوا الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وأخـذهـا عـنـهـم الـبـابـلـيـون والآشـوريـون.

وقـد جـاء الـتّـفـاوت بـيـنـهـمـا مـن أنّ مـلـوك الـبـابـلـيـيـن كـانـوا يـلـقّـبـون أنـفـسـهـم أيـضـاً : مـلـوك أكّـد وسـومـر، لـيـثـبـتـوا عـراقـة حـقـوقـهـم في الـمـلـكـيـة.

وقـد وجـد عـلـمـاء الآشـوريـات أنّ الأكّـديـيـن كـانـوا مـن الـشـعـوب الـسّـامـيـة وأنّ لـغـتـهـم كـانـت أصـل الـلـهـجـات الّـتي نـطـق بـهـا الـبـابـلـيـون والآشـوريـون واسـتـعـمـلـوهـا في كـتـابـة نـصـوصـهـم مـن الألـف الـثّـالـث إلى الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد، ومـنـهـا جـرت الـعـادة بـوضـع الأكّـديـة الـقـديـمـة والـبـابـلـيـة والآشـوريـة تـحـت الإسـم الـجـامـع : “الـلـغـة الأكّـديـة”.

ومـن كـلّ هـذا أدرك جـول أوبـيـر أن الـنّـاطـقـيـن بـالـلـغـة الـمـجـهـولـة لا يـمـكـن أن يـكـونـوا إذن إلّا سـكـان بـلاد سـومـر.

ولـكـنّ بـعـض “الـعـلـمـاء” الآخـريـن رفـضـوا الإعـتـقـاد بـوجـود شـعـب أقـدم مـن الـسّـامـيـيـن (أي الـبـابـلـيـيـن والآشـوريـيـن) في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. وكـان أكـثـرهـم مـهـاجـمـة لـنـظـريـة “الـسّـومـريـيـن” الـمـسـتـشـرق الـفـرنـسي جـوزيـف هـالـفي Joseph Halevy الّـذي أنـكـر في مـقـال نـشـره عـام 1874 في الـمـجـلـة الآسـيـويـة Journal Asiatique الّـتي كـانـت تـصـدر في بـاريـس، أن تـكـون الـسّـومـريـة لـغـة بـالـمـعـنى الإسـتـعـمـالي لـلـكـلـمـة. واعـتـبـر الـنّـصـوص الّـتي كـتـبـت بـهـا لـغـة رمـوز اسـتـعـمـلـهـا الـكـتّـاب الآشـوريـون لـيـتـفـاهـمـوا بـهـا فـيـمـا بـيـنـهـم، أو لـغـة طـقـوسـيـة يـسـتـعـمـلـونـهـا في أمـور الـدّيـن !

وقـد ردّ عـلـيـه جـول أوبـيـر في مـقـال شـهـيـر نـشـره عـام 1875 في نـفـس الـمـجـلـة.   

واسـتـمـرّت الـمـنـاقـشـات بـيـن الـمـؤيـديـن لـوجـود الـسّـومـريـيـن وبـيـن الـرّافـضـيـن لـه حـتّى عـام 1889، عـنـدمـا أثـبـت عـالـم الآشـوريـات الألـمـاني كـارل بـيـزولـد Carl Bezold صـحـة قـراءة تـعـبـيـر “لِـشـان شـومـري lišan šumeri” في لـوح مـسـمـاري يـضـمّ قـائـمـة مـفـردات سـومـريـة ومـقـابـلاتـهـا بـالأكّـديـة. وكـان هـذا دلـيـلاً قـاطـعـاً عـلى أنّ الـلـسـان الـسّـومـري كـان لـغـة بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة. ثـمّ درسـت الـلـغـة الـسّـومـريـة وصـدرت لـهـا كـتـب قـواعـد قـبـل أن تـصـبـح دراسـتـهـا فـرعـاً مـن عـلـم الآشـوريـات يـسـمى الـمـخـتـصـون بـه بـعـلـمـاء الـسّـومـريـات.

 بـلاد سـومـر :

كـان الـكـتّـاب الـيـونـانـيـون والـرّومـان، وهـم مـراجـع الـمـثّـقـفـيـن الأوربـيـيـن في مـعـرفـة الـمـاضي، يـجـهـلـون تـمـام الـجـهـل بـلاد سـومـر، ولـم تـصـلـهـم أخـبـار الـسّـومـريـيـن، بـل لـم يـكـونـوا قـد سـمـعـوا حـتّى بـاسـمـهـم، ولـهـذا لـم يـذكـروهـم في مـؤلـفـاتـهـم، فـقـد ضـاعـت سـومـر مـن ذاكـرة الـبـشـريـة بـعـد سـقـوط آخـر دولـهـا في الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. كـمـا أنّ كـتّـاب الـتّـوراة والإنـجـيـل كـانـوا يـجـهـلـون وجـودهـا، ولا نـجـد إشـارات إلـيـهـا عـنـدهـم.

وقـد اسـتـعـمـل مـؤلـفـو أسـفـار الـتّـوراة اسـم بـلاد الـكـلـدان الـذّي كـان شـائـعـاً في زمـنـهـم لـيـدلّ عـلى جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. وقـد تـبـعـهـم عـلـمـاء الآشـوريـات في ذلـك عـقـوداً مـن الـزّمـن.

والـكـلـدان أو الـكـلـدانـيـون كـمـا يـعـتـقـد الـمـخـتـصّـون بـالـتّـاريـخ الـقـديـم كـانـوا مـن أقـوام الـسّـامـيـيـن الـرّحـل، وصـلـوا مـن الـغـرب، واسـتـقـرّوا في جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في بـدايـة الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد. وقـد ورد ذكـرهـم لأوّل مـرّة عـام 872 قـبـل الـمـيـلاد في نـصّ نـقـش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة لـلـمـلـك الآشـوري آشـورنـاصـربـال الـثّـاني.

وبـعـد أن تـقـدمـت الـدّراسـات عـن الـسّـومـريـيـن وأدرك الـعـلـمـاء أنّ بـلاد سـومـر سـبـقـت وصـول الـكـلـدانـيـيـن بـأكـثـر مـن ألـفَي سـنـة، تـركـوا اسـتـعـمـال تـعـبـيـر “بـلاد الـكـلـدان” إلى تـعـبـيـر “بـلاد سـومـر” الأكـثـر دقّـة.

إكـتـشـاف بـلاد سـومـر :

ويـعـود الـفـضـل الأكـبـر في اكـتـشـاف بـلاد سـومـر إلى تـنـقـيـبـات الـفـرنـسي إرنـسـت دو سَـرزيـك الّـتي بـدأت عـام 1877. ورغـم أنّ دو سَـرزيـك لـم يـكـن لا عـالـم آثـار ولا عـالـم آشـوريـات، وأنّ الـهـدف مـن حـفـريـاتـه، مـثـل كـلّ حـفـريـات زمـنـه، كـان إخـراج قـطـع أثـريـة مـهـمّـة لإرسـالـهـا إلى مـتـاحـف أوربـا، فـقـد فـتـح ثـغـرة في جـدار الـنـسـيـان الـسّـمـيـك الّـذي أخـفى الـسّـومـريـيـن عـن ذاكـرة الـبـشـريـة. وقـد انـزلـق بـعـده في هـذه الـثّـغـرة عـلـمـاء آثـار وعـلـمـاء آشـوريـات ولـغـويـون وسّـعـوهـا بـتـوصّـلـهـم إلى قـراءة نـصـوص الـسّـومـريـيـن الـمـسـمـاريـة ودراسـة تـاريـخـهـم حـتّى تـوضّـحـت مـعـالـم حـضـارتـهـم الّـتي كـانـت أولى الـحـضـارات الـبـشـريـة.

إرنـسـت دو سَـرزيـك :

يـبـدو لي أنّ حـيـاة إرنـسـت دو سَـرزيـك Ernest de SARZEC تـسـتـحـقّ أن أقـصّـهـا عـلـيـكـم، فـهي خـلـيـط مـن نـشـاط مـسـتـمـرّ لـرجـل دائـم الـحـركـة، ومـن فـضـول دفـعـه لـبـذل جـهـود سـاعـدتـه في تـحـقـيـقـهـا حـيـويـة طـافـحـة وقـوّة بـدنـيـة وعـزيـمـة لـم تـهـدأ حـتّى سـنـة وفـاتـه.

وقـد ولـد دو سَـرزيـك سـنـة 1837 في غـرب فـرنـسـا. وبـعـد أن أنـهى دراسـتـه، سـافـر إلى الـشّـرق عـام 1864 كـمـهـنـدس مـدني، وعـيّـن “مـديـراً لـلـغـاز” في شـركـة لـوبـون La Compagnie Lebon في الإسـكـنـدريـة. ثـمّ انـتـقـل إلى الـقـاهـرة في 1866، وبـقي فـيـهـا حـتّى 1868. وهـنـاك تـعـوّدت أذنـاه عـلى سـمـاع الـعـربـيـة وتـعـلّـمهـا قـلـيـلاً.

وفي عـام 1872، دخـل دو سَـرزيـك الـسّـلـك الـدبـلـومـاسي وعـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في مـديـنـة مـسـاوا Massaouah في الـحـبـشـة، ثـمّ عـيّـن عـام 1875 قـنـصـلاَ لـفـرنـسـا في الـبـصـرة، بـمـرتـب ضـخـم يـصـل إلى سـتّـة آلاف فـرنـك سـنـويـاً.

ولـم يـكـن سـكّـان الـبـصـرة آنـذاك يـتـجـاوزون الـ 14ألـفـاً. وكـانـت الـتّـجـارة الأوربـيـة فـيـهـا تـحـت سـيـطـرة الإنـكـلـيـز، ولا تـصـلـهـا الـسّـفـن الـفـرنـسـيـة إلّا نـادراً. ولـهـذا لـم يـكـن فـيـهـا كـثـيـر مـن الـفـرنـسـيـيـن.

ووجـود هـذه الـوظـيـفـة في الـبـصـرة لا يـمـكـن إلّا أن يـثـيـر الإسـتـغـراب، فـمـا الّـذي كـان يـبـرر وجـودهـا ؟ ولا شـكّ في أنّـه كـان يـكـفي أن يـتـكـفّـل بـأمـور فـرنـسـا عـمـيـل مـحـلي يـعـمـل لـحـسـابـهـا، خـاصّـة وأنّ وظـيـفـة “قـنـصـل فـرنـسـا في الـبـصـرة” كـانـت قـد حـذفـت قـبـل ذلـك في 8 شـبـاط 1842. ولـكـن الـمـهـمّ لـنـا هـو أنّ وزارة الـخـارجـيـة الـفـرنـسـيـة أعـادت هـذه الـوظـيـفـة عـام 1875 وعـيّـنـت لـهـا إرنـسـت دو سَـرزيـك.

وغـادر دو سَـرزيـك مـرسـيـلـيـا، في جـنـوب فـرنـسـا في 19 تـشـريـن الـثّـاني عـام 1876، ووصـل بـعـد شـهـريـن إلى الـبـصـرة، بـعـد أن مـرّ بـالـسّـويـس، في 19 كـانـون الـثّـاني 1877.

وبـعـد أن اسـتـلـم مـنـصـبـه في الـبـصـرة، ذهـب دو سَـرزيـك إلى بـغـداد لـيـقـدّم نـفـسـه إلى قـنـصـلـهـا الـسّـيّـد بـريـتـيـه E. Peretié ، رئـيـسـه الإداري، ثـمّ عـاد إلى الـبـصـرة لـيـكـتـب تـقـريـراً مـفـصّـلاً عـن مـوقـع الـمـديـنـة وجـوّهـا وتـاريـخـهـا وتـجـارتـهـا ومـا يـمـكـن لـلـفـرنـسـيـيـن أن يـنـتـفـعـوا بـه مـنـهـا.

ولـم يـجـد دو سَـرزيـك في الـبـصـرة ما يـشـغـلـه في وظـيـفـتـه، فـبـدأ يـحـاول مـلأ فـراغ أيـامـه الـطّـويـلـة.

ومـنـذ أن أخـرج بـول أمـيـل بـوتـا  Paul Emile BOTTAالآشـوريـيـن مـن غـيـاهـب الـنـسـيـان عـنـدمـا نـقّـب في “دور شـروكـيـن”، قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني في قـريـة خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل في 1842، بـدأت بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن تـشـهـد حـركـة تـنـقـيـبـات أثـريـة، ولـنـقـل حـركـة حـفـريـات، كـان هـدفـهـا الـتـقـاط قـطـع أثـريـة مـهـمـة تـرسـل لـلـمـتـاحـف الأوربـيـة. واشـتـدت هـذه الـحـركـة عـامـاً بـعـد عـام ودخـل الـبـريـطـانـيـون في الـمـعـمـعـة، إلّا أنّ الـمـشـاركـات الـفـرنـسـيـة كـانـت قـد نـدرت مـنـذ 1855.

وكـان نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـبـصـرة ثـمّ قـنـصـلـهـا في بـغـداد الـكـولـونـيـل روبـرت تـايـلـورColonel Robert TAYLOR قـد نـقّـب عـام 1855 في أبـو شـهـريـن، قـرب مـديـنـة أور، وتـعـرّف فـيـه عـلى مـديـنـة إريـدو الـعـريـقـة في الـقـدم، ثـمّ بـدأ حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـثّـانـيـة في الـمـقـيّـر (أور الـقـديـمـة)، ولـكـنّ هـذه الـتّـنـقـيـبـات كـانـت مـحـدودة الأهـمـيّـة، ولـم تـسـاعـدنـا في مـعـرفـة الـسّـومـريـيـن.

وقـد الـتـقى دو سَـرزيـك بـعـد وصـولـه إلى الـبـصـرة بـمـديـر تـلغـراف بـغـداد، مـسـيـو غـلّـوتي Guilloti الّـذي كـان في جـولـة تـفـتـيـشـيـة لـخـطـوط الـتّـلـغـراف. وأخـبـره غـلّـوتي أنّـه قـد رأى بـعـض الـتّـمـاثـيـل الـقـديـمـة مـلـقـاة عـلى سـطـح الأرض في مـنـطـقـة شـطّ الـحيّ (ويـسـمى أيـضـاً شـطّ الـغـرّاف). ولـديـنـا صـيـغـة أخـرى مـن الـحـدث ذكـره أنـدريـه بـارو، نـقـرأ فـيـهـا أنّ أحـد وجـهـاء الـبـصـرة ج. أصـفـر هـو الّـذي أخـبـر دو سَـرزيـك بـأنّ أهـالي مـنـطـقـة شـطّ الـحي وجـدوا آثـاراً قـديـمـة مـن بـيـنـهـا عـدّة تـمـاثـيـل.

فـطـلـب دو سَـرزيـك مـن والي الـبـصـرة أن يـنـبـأ وجـهـاء الـمـنـطـقـة بـقـدومـه لـيـتـأكـد مـن ذلـك بـنـفـسـه. وقـد وجـد دو سَـرزيـك حـقّـاً عـدداً مـن الـتّـمـاثـيـل الـصّـغـيـرة، ورجـع بـهـا إلى الـبـصـرة.

وعـنـدمـا أراد أن يـبـعـثـهـا إلى فـرنـسـا، طـلـب مـنـه الـوالي أن يـتـرك لـه واحـداً مـنـهـا. وقـد ذهـب دو سَـرزيـك بـعـد ذلـك إلى مـوقـع يـسـمـيـه تـلّـو Tello (وربّـمـا كـان هـذا الاسـم تـحـريـفـاً لـ “تـلّ لـوح”)، في مـنـتـصـف الـطـريـق بـيـن دجـلـة والـفـرات. وتـلّـو مـكـان بـيـضـوي الـشّـكـل يـمـتـدّ عـلى أربـعـة كـيـلـومـتـرات مـن شـمـالـه إلى جـنـوبـه وعـلى ثـلاثـة كـيـلـومـتـرات مـن شـرقـه إلى غـربـه، وعـلـيـه عـدّة تـلال. ووجـد دو سَـرزيـك أنّ أهـل الـبـلـد كـانـوا قـد حـفـروا في أحـد تـلالـه. (2)

وهـو يـذكـر أنّـه وجـد في أسـفـل الـتّـلّ أجـزاءً مـن تـمـثـال ضـخـم الـحـجـم، فـقـرر أن يـقـوم بـأولى تـنـقـيـبـاتـه عـلى حـسـابـه الـخـاص فـيـه، بـعـد أن طـلـب الإذن مـن نـاصـر بـاشـا، شـيـخ الـمـنـتـفـق، فـقـد كـان مـوقـع تـلّـو في الأراضي الّـتي يـسـودهـا.

وقـد بـدأ دو سَـرزيـك بـحـمـلـتي تـنـقـيـب : الأولى مـن 5 آذار إلى 11 حـزيـران 1877، والـثّـانـيـة مـن 18 شـبـاط إلى 9 حـزيـران 1878، والّـتي وجـد خـلالـهـا تـمـاثـيـل وألـواح صـلـصـال مـسـمـاريـة وجـزءاً مـن “نـصـب الـنّـسـور” :

وقـد اعـتـقـد أنّـه وجـد في مـوقـع تـلّـو مـديـنـة لـغـش الـسّـومـريـة. وقـد ظـلّ هـذا الـخـطـأ شـائـعـاً لـفـتـرة طـويـلـة. ولـكـنـنـا نـعـرف الآن أنّ دو سَـرزيـك اكـتـشـف مـديـنـة غـرسـو، الـمـركـز الـدّيـني لـدويـلـة لـغـش الـسّـومـريـة، وأنّ مـديـنـة لـغـش تـقـع في تـلّ الـهـبـة، حـوالي عـشـريـن كـلـم. جـنـوب شـرقـهـا.

وعـنـدما عـاد دو سَـرزيـك إلى فـرنـسـا في أواخـر تـمّـوز عـام 1878 لـيـقـضي عـطـلـتـه فـيـهـا، قـدّم تـقـريـراً إلى وزيـر الـخـارجـيـة عـن نـشـاطـاتـه “الأثـريـة” حـول الـبـصـرة، كـمـا جـلـب مـعـه مـا كـان قـد عـثـر عـلـيـه في حـفـريـاتـه. وقـد أثـارت غـرابـة أسـلـوب هـذه الـقـطـع الأثـريـة انـتـبـاه عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن لـم يـكـونـوا قـد رأوا مـثـلها مـن قـبـل. وقـد بـعـثـه الـوزيـر لـمـقـابـلـة لـيـون هـوزيـه Léon Heuzey  الّـذي كـان مـن أعـضـاء “مـعـهـد فـرنـسـا Institut de France ” ومـسـؤولاً عـن قـسـم الآثـار في مـتـحـف الـلـوفـر. واشـتـرت الـدّولـة الـفـرنـسـيـة مـجـمـوعـة الـتّـمـاثـيـل بـ 130 ألـف فـرنـكـاً، وكـان ذلـك مـبـلـغـاً ضـخـمـاً في ذلـك الـزّمـن. وقـد شـجـع هـذا دو سَـرزيـك عـلى الاسـتـمـرار في حـفـريـاتـه.

ورغـم حـذر الـفـرنـسـيـيـن عـرف الـبـريـطـانـيـون بـالـتّـنـقـيـبـات، وبـعـثـوا هـرمـز رسّـام إلى تـلّـو في 24 شـبـاط 1879، وبـقي فـيـه إلى 13 آذار. ورغـم أنّـه لـم يـكـن يـمـتـلـك فـرمـانـا يـسـمـح لـه بـالـتّـنـقـيـب فـقـد جـمـع عـمـالاً حـفـروا لـه في الـمـوقـع وجـمـع ألـواحـاً مـسـمـاريـة وبـعـض الـمـنـحـوتـات مـن فـتـرة حـكـم غـوديـا، أمـيـر لـغـش.

ورجـع دو سَـرزيـك إلى الـبـصـرة في نـهـايـة عام 1879 بـعـد أن مـرّ بـالـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـلـحـصـول عـلى فـرمـان يـسـمـح لـه بـالإسـتـمـرار في حـفـريـاتـه، وحـصـل عـلى احـتـكـار لا يـسـمـح لـغـيـره بـالـتّـنـقـيـب فـيـه !

وبـدأ حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـثّـالـثـة في21 كـانـون الـثّـاني 1880. وفي هـذا الـمـوسـم عـثـر عـلى تـمـاثـيـل غـوديـا، أمـيـر دولـة لـغـش :

وأكـرر الـقـول هـنـا بـأنّ مـعـارف دو سَـرزيـك في عـلـم الآثـار كـانـت مـحـدودة. وعـلى كـلّ حـال فـعـلـم الآثـار نـفـسـه كـان في طـور الـنّـشـوء. وقـد عـانـت مـواقـع بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الأثـريـة في ذلـك الـحـيـن مـن جـهـل الـمـنـقـبـيـن والـحـفّـاريـن وافـتـقـارهـم إلى الـمـنهـجـيـة في أعـمـالهـم.

ولـم يكـن لـدو سَـرزيـك مـعـرفـة بـالـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي. وكـلّ مـا تـركـه لـنـا لا يـتـعـدّى رسـومـاً بـسـيـطـة لـلـمـواقـع الّـتي حـفـرهـا. ولـكـنّـه أضـفى شـيـئـاً مـن الـمـنـهـجـيـة عـلى عـملـه عـنـدمـا طـلـب مـن هـنـري دو سـفـلـيـنـج Henri de Sevelinges أن يـسـاعـده في حـفـريـاتـه. وقـد رسـم دو سـفـلـيـنـج مـخـطـطـاً دقـيـقـاً لـلـموقـع :

كـمـا الـتـقـط عـدداً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة :

وإن جـاء هـذا مـتأخّـراً فـقـد كانـت أغـلـب مـعـالـم الـمـوقـع قـد خـرّبـت.

وبـعـد أن قـام دو سَـرزيـك بـحـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـرّابـعـة مـن 12 كـانـون الأوّل 1880 إلى 15 آذار 1881، بـعـث إلى بـاريـس مـجـمـوعـة مـن الـقـطـع الأثـريـة مـن بـيـنـهـا تـمـاثـيـل غـوديـا وأور بـاو وعـدّة كـسـر مـن “نـصـب الـنّـسـور”.

ثـمّ تـرك دو سَـرزيـك الـبـصـرة مـن جـديـد لـيـقـضي عـطـلـتـه في فـرنـسـا. ووصـلـت الـقـطـع الأثـريـة إلى بـاريـس في أيّـار. وأعـلـنـت أكـاديـمـيـة الـكـتـابـات والـنّـقـوش اكـتـشـافـات تـلّـو في 29 تـمّـوز. ودخـلـت الـقـطـع الأثـريـة في مـجـمـوعـات مـتـحـف الـلـوفـر. ولـعـرض هـذه الـقـطـع أنـشئ في مـتـحـف الـلـوفـر “قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة” :



وبـقي دو سَـرزيـك في فـرنـسـا مـا يـقـارب الـعـشـريـن شـهـراً. وحـصـل عـلى تـعـيـيـنـه قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في بـغـداد، وأسـنـدت إلـيـه “مـهـمّـة عـلـمـيـة”.

وقـد نـشـر لـيـون ألـكـسـنـدر هـوزي في بـاريـس عـام 1882 رسـالـة طـويـلـة كـان دو سـرزيـك قـد بـعـثـهـا لـه عـن حـفـريـاتـه : Léon Alexandre Heuzey, Les fouilles de Chaldée : Communication d’une lettre de M. de Sarzec, Paris, Didier et Cie, 1882.

وعـنـدما عـاد إلى الـعـراق في 1883، عـرف أنّ قـانـونـاً قـد صـدر يـمـنـع الـدّبـلـوماسـيـيـن مـن الـقـيـام بـحـفـريـات أثـريـة في مـواقـع عـمـلـهـم.

وفي عـام 1884 صـدر في بـاريـس كـتـاب كـان قـد ألّـفـه عـن اكـتـشـافـاتـه الأثـريـة بـالإشـتـراك مـع أرتـور أمـيـو Arthur Amiaud وفـرنـسـوا تـورو دانـجـان François Thureau- Dangin : Découverte en Chaldée, Paris, E. Leroux, 1884.

وفي انـتـظـار أن يـسـمـح لـه اسـتـثـنـائـيـاً بـالـتّـنـقـيـب، ذهـب إلى جـنـوب إيـران لـيـقـوم بـمـسـح لـمـواقـعـه الأثـريـة لـمـدّة أربـعـة أشهـر (مـن آذار إلى تـمّـوز 1885). ولـم يـسـتـطـع الـبـدء في حـفـريـاتـه إلّا عـام 1888، وبـعـد مـفـاوضـات طـويـلـة مـع حـمـدي بـك، مـديـر مـتـحـف إسـطـنـبـول. وقـد حـدثـت لـه مـشـاكـل مـع مـفـتـش الآثـار الـتّـركي بـدري بـك الّـذي جـاء لـيـفـتـش الـحـفـريـات. واسـتـطـاع دو سَـرزيـك أن يـبـعـده، ولـكـنّـه لـم يـسـتـطـع الـتّـفـاهـم مـع مـن جـاء بـعـده مـن الـمـفـتـشـيـن.

وبـدأ حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـخـامـسـة، والّـتي تـبـعـهـا بـالـحـمـلـة الـسّـادسـة عـام 1890. ووجـد خـلالـهـمـا نـصـوصـاً ومـنـحـوتـات مـن فـتـرات أكـثـر قـدمـاً مـمـا كـان قـد وجـده حـتّى ذلـك الـحـيـن : مـن فـتـرات حـكـم أور نـانـشي وإي أنـادو وإن تـامـيـنـا وأور كـاغـيـنـا. كـمـا وجـد كـسـراً أخـرى مـن “نـصـب الـنّـسـور”، وجـرّة إن تـامـيـنـا الـفـضّـيـة، الّـتي كـشـفـت ولأوّل مـرّة في تـاريـخ الـتّـنـقـيـبـات عـن مـهـارة الـصّـاغـة الـسّـومـريـيـن الـمـذهـلـة :

وتـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات بـعـد الـحـمـلـة الـسّـادسـة، فـقـد عـيّـن دو سَـرزيـك سـفـيـراً في أنـدونـيـسـيـا، وتـرك الـعـراق. وظـلّ مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات مـن غـيـر حـراسـة فـاشـتـدّ فـيـه الـنّـهـب.

وأعـادت وزارة الـخـارجـيـة الـفـرنـسـيـة دو سَـرزيـك إلى بـغـداد عـام 1893 كـقـنـصـل عـام لـهـا. وبـدأ في نـفـس الـعـام حـمـلـة تـنـقـيـبـات سـابـعـة، تـبـعـهـا بـحـمـلـة ثـامـنـة عـام 1894. وقـد نـقّـب في الـتّـلّ رقـم 5 (Tell V) ووجـد فـيـه أعـداد لا تـحـصى مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة، فـقـد أخـرج مـن بـاطـن الأرض في مـوسـم 1894 أكـثـر مـن ثـلاثـيـن ألـف لـوح، حـتّى أسـمى الـتّـل بـ “تـلّ الألـواح”. وحـالـمـا تـرك دو سَـرزيـك الـمـوقـع أسـرع نـهّـابـو الآثـار بـإخـراج مـا يـقـارب الأربـعـيـن ألـف لـوح مـسـمـاري عـرضـت لـلـبـيـع في بـغـداد والـبـصـرة.

وبـدأت حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات الـتّـاسـعـة في 1895. وقـد أظهـر دو سَـرزيـك غـضـبـه الـشّـديـد في شـبـاط 1895 ، لأنّـه لـم يـسـتـطـع الـبـدء في حـفـريـاتـه قـبـل أن يـصـل الـمـفـتـش يـوسـف أفـنـدي لـيـسـمـح لـه بـذلـك.

وفي 20 شـبـاط، بـعــث بـتـلـغـراف إلى بـاريـس يـذكـر فـيـه أنّ أربـع عـشـائـر مـسـلّـحـة تـمـنـعـه مـن مـواصـلـة الـحـفـريـات في تـلّـو لأنّـهـا تـقـع في أراضـيـهـم، ويـطـلـب تـدخّـل الـسّـلـطـات. ثـمّ بـعـث بـتـلـغـراف آخـر في 12 آذار يـذكـر أنّـهـم هـجـمـوا عـلى الـمـوقـع وقـتـلـوا حـارسـاً وجـرحـوا ثـمـانـيـة آخـريـن.

وقـد تـدهـورت حـالـة دو سَـرزيـك الـصّـحـيـة بـعـد نـهـايـة مـوسـم الـتّـنـقـيـبـات، وعـاد إلى فـرنـسـا في إجـازة مـرضـيـة دامـت ثـلاث سـنـوات، حـتّى عـام 1898. وقـد طـلـب سـفـيـر فـرنـسـا في إسـطـنـبـول أن تـعـطى لـفـرنـسـا بـعـض الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان دو سَـرزيـك قـد عـثـر عـلـيـهـا خـلال هـذه الـحـمـلات. ووهـب الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني لـفـرنـسـا مـجـمـوعـة مـن أهـمّ مـا عـثـر عـلـيـه في مـوقـع تـلّـو والّـتي مـا زالـت في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس : رأس “هـراوة”مِـسـيـلـيـم ومـنـحـوتـات عـائـلـة أور نـانـشي الـقـلـيـلـة الـبـروز وأجـزاء أخـرى مـن نـصـب الـنـسـور وجـرّة إن تـامـيـنـا الـفـضّـيـة، إضـافـة إلى أعـداد كـبـيـرة مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة. 

وفي 1897 عـيّـن غـوسـتـاف رويـيـه Gustave ROUËT نـائـب قـنـصـل لـفـرنـسـا في بـغـداد بـعـد أن بـقي الـمـنـصـب شـاغـراً لـمـدة سـنـتـيـن. ووصـل دو سَـرزيـك بـعـد سـتّـة أشـهـر قـادمـا مـن فـرنـسـا لـيـبـدأ حـمـلـة حـفـريـاتـه الـعـاشـرة : مـن 27 آذار إلى 4 أيّـار 1898. واسـتـطاع نـائـب قـنـصـل بـغـداد أن يـحـصـل لـه مـن الـوالي عـلى عـدد مـن “الـضّـابـطـيـة” لـحـراسـتـه. ووجـد في هـذه الـحـمـلـة تـمـاثـيـل وأنـصـابـاً ونـصـوصـاً مـسـمـاريـة و”خـنـجـر نـحـاس مـن فـتـرة أورـ نـيـنـا، طـولـه 41 سـنـتـم”.

ولـكـنّ ازديـاد تـدهـور حـالـة دو سَـرزيـك الـصّـحـيـة أجـبـره عـلى الـرّجـوع إلى فـرنـسـا في حـزيـران. وفي 1899، رقّـاه وزيـر الـخارجـيـة بـتـعـيـيـنـه وزيـراً مـفـوّضـاً مـطـلـق الـصّـلاحـيـات مـن الـدّرجـة الـثّـانـيـة.

وقـد نـصـحـه أصـدقـاؤه بـتـرك الـتّـنـقـيـبـات، ولـكـنّـه تـرك فـرنـسـا في كـانـون الأوّل 1899، بـصـحـبـة زوجـتـه وابـنـه لـيـشـرع في حـمـلـة حـفـريـاتـه الـحـاديـة عـشـرة. وتـوقّـف في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـيـمـدد صـلاحـيـة فـرمـان الـسّـمـاح بـالـحـفـريـات، ووصـل إلى بـغـداد في 1900، ومـنـها إلى تـلّـو حـيـث بـقي حـتّى شـهـر أيّـار. وقـد حـفـر في تـلّ ك (Tell K) بـئـراً عـمـيـقـة لـيـرى كـلّ الـطّـبـقـات الـتّـاريـخـيـة الّـتي تـراكـمـت عـلى الـمـوقـع قـرنـاً بـعـد قـرن في شـريـحـة عـمـوديـة، ووصـل إلى فـتـرات مـا قـبـل الـتّـاريـخ في قـعـر الـتّـلّ.

كـمـا اكـتـشـف مـكـتـبـة أخـرى والـتـقـط أكـثـر مـن 7000 لـوح طـيـني عـلـيـهـا نـصـوص جـديـدة بـالـمـسـمـاريـة مـن فـتـرة حـكـم غـوديـا وسـلالـة أور الـثّـالـثـة. ثـمّ عـاد إلى فـرنـسـا الّـتي وصـلـهـا في بـدايـة الـصّـيـف.

وقـد صـدرت في بـاريـس عـام 1900 دراسـة عـن سـكـن مـلـكي سـومـري (400 آلاف سـنـة قـبـل الـمـيـلاد) حـسـب الـتّـخـطـيـط الّـذي قـام بـه دو سـرزيـك والـمـلاحـظـات الّـتي أخـذهـا في مـكـان الإكـتـشـاف : Une villa royale chaldéenne vers l’an 4000 avant notre ère, d’après les levés et les notes de M. de Sarzec, Paris, E. Leroux 1900 (96 pages

وكـان دو سَـرزيـك قـد حـصـل عـلى تـمـديـد عـام آخـر لـفـرمـانـه، فـقـد كـان يـنـوي الـرّجـوع إلى تـلّـو لـحـمـلـة ثـانـيـة عـشـرة، ولـكـنّ حـالـتـه الـصّـحـيـة ازدادت تـدهـوراً مـمـا تـطـلّـب إجـراء عـمـلـيـة جـراحـيـة، وتـوفي في مـسـتـشـفى في مـديـنـة بـواتـيـيـه في غـرب فـرنـسـا في أيّـار1901، وكـان يـقـتـرب مـن سـنّ الـتّـاسـعـة والـسّـتـيـن.

وقـد اسـتـمـرّ فـرنـسي آخـر، غـاسـتـون كـرو Gaston Cros في تـنـقـيـبـات غـرسـو، ثـمّ تـبـعـه الأب هـنـري دو جُـنـويّـاك Henri de Genouillac ثـمّ أنـدريـه بـارو André Parrot. وتـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات الـفـرنـسـيـة عـام 1933.

وقـد بـدأ عـالـم الآشـوريـات الـفـرنسي فـرنـسـوا تـورو ـ دانـجـان François Thureau-Dangin بـدراسـة الـنّـصـوص الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في الـتّـنـقـيـبـات وبـقـراءتـهـا، ثـمّ شـكّـل في بـاريـس فـريـق مـن الـعـلـمـاء تـرأسـه جـول أوبـيـر Jules Oppert لإكـمـال قـراءة الـنّـصـوص الـسّـومـريـة ولـدراسـتـهـا.

أهـمـيـة اكـتـشـافـات إرنـسـت دو سَـرزيـك في تـلّـو :

بـعـد أن أزاح بـول إمـيـل بـوتـا الـتّـراب عـن آثـار الآشـوريـيـن عـام 1843 في خـورسـبـاد، قـرب نـيـنـوى، خـرج تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد مـن غـيـاهـب ظـلام الـنّـسـيـان، واكـتـشـف الـعـالـم مـذهـولاً جـزءاً مـن تـاريـخ الـبـشـريـة غـاب عـن ذاكـرتـهـا مـدّة أكـثـر مـن ألـفَي سـنـة. ثـمّ اكـتـشـف الـعـالـم تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات في الألـف الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد بـتـنـقـيـبـات بـابـل.

وقـد وسّـعـت تـنـقـيـبـات دو سَـرزيـك مـعـارفـنـا عـن تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن عـنـدمـا أوصـلـنـا إلى الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد الّـذي كـان الـعـالـم يـجـهـلـه جـهـلاً تـامّـاً قـبـلـهـا، وبـهـذا اكـتـشـف حـضـارة لـم يـكـن أحـد يـتـذكّـرهـا مـنـذ آلاف الـسّـنـيـن : الـحـضـارة الـسّـومـريـة.

وقـد تـوصـل الـعـلـمـاء إلى مـعـرفـة الـلـغـة الـسّـومـريـة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، وصـدرت لـهـا كـتـب قـواعـد قـبـل أن تـصـبـح دراسـتـهـا ودراسـة الـحـضـارة الـسّـومـريـة فـرعـاً مـن عـلـم الآشـوريـات يـسـمى بـعـلـم الـسّـومـريـات. واغـتـنـت الـبـشـريـة بـاسـتـرجـاع أولى فـتـراتـهـا الـتّـاريـخـيـة الّـتي شـهـدت اخـتـراع الـكـتـابـة والّـتي أدخـلـتـهـا في الـحـضـارة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ                                                                                                             (1) كـان عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني هـنـكـس E. Hincks قـد لاحـظ في مـقـال نـشـره في آب 1850 أنّ   الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة لـم تـكـن قـد اخـتـرعـت لـتـسـجـيـل الـلـغـة الأكّـديـة فـهي لا تـفـرق مـثـلاً بـيـن الـتّـاء والـطّـاء والـثّـاء أو بـيـن الـكـاف والـقـاف … إلـخ. مـمـا يـدلّ عـلى أنّـهـا اخـتـرعـت في الأصـل لـكـتـابـة لـغـة مـخـتـلـفـة لا عـلاقـة لـهـا بـالـلـغـات الـسّـامـيـة. ولـم يـدرك أنّـهـا لـغـة لـم تـكـن قـد اكـتـشـفـت بـعـد في زمـنـه فـاقـتـرح أن تـكـون الـكـتـابـة الـفـرعـونـيـة أصـل الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة !

(2) لا شـكّ في أنّ أهـل الـبـلـد قـامـوا بـحـفـريـات في تـلّـو قـبـل أن يـبـدأ دو سَـرزيـك بـتـنـقـيـبـاتـه، فـقـد اشـتـرى جـورج سـمـيـث George Smith عـام 1873 لـحـسـاب الـمـتـحـف الـبـريـطـاني الـنّـصـف الـعـلـوي لـتـمـثـال مـن لـغـش (حـسـب الـنّـصّ الـمـنـقـوش عـلـيـه) ورأس تـمـثـال مـن تـمـاثـيـل غـوديـا (وهـو الآن مـن مـقـتـنـيـات مـتـحـف بـوسـطـن، الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة)، كـمـا اشـتـرى في بـغـداد لـوحـاً مـسـمـاريـاً مـن فـتـرة حـكـم غـوديـا، أمـيـر لـغـش.

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

One thought on “كـيـف خـرج الـسّـومـريـون مـن غـيـاهـب الـنّـسـيـان”

اترك رداً على Diyaa Qays إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s