فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

 

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 

الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن وجـرتـرود بـيـل (1) :

بـيـنـمـا كـان الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن جـالـسـاً في مـقـعـد وثـيـر أمـام الـفـنـان الـبـريـطـاني أوغـسـطـس جـون Augustus John في الـمـرسـم الّـذي أجّـره في بـاريـس (2)، دخـل لـورنـس مـع امـرأة إنـكـلـيـزيـة في الـحـاديـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا بـدأ الـشّـيـب يـغـزو مـفـرقـهـا، وقـدمـهـا لـه : الـمـس جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell.

وجـلـسـت جـرتـرود تـجـاذب الأمـيـر فـيـصـل أطـراف الـحـديـث عـدّة سـاعـات بـيـنـمـا كـان الـفـنّـان جـون يـرسـمـه. وتـكـلّـمـا بـالـلـغـتـيـن الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة الـلـتـيـن كـان يـحـسـنـهـمـا الأمـيـر. وكـان فـيـصـل في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره. وقـد كـتـبـت عـنـه جـرتـرود بـعـد ذلـك أنّ الـمـزيـج الـعـجـيـب بـيـن هـيـبـتـه وقـوة شـخـصـيـتـه وطـيـبـتـه الـمـتـنـاهـيـة تـفـرض عـلى كـلّ مـن يـلاقـيـه إعـجـابـاً شـديـداً بـه واحـتـرامـاً لـه.

جون يرسم فيصل

ويـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـن خـلال الـرّسـائـل الّـتي كـتـبـتـهـا الإنـكـلـيـزيـة جـرتـرود لـوثـيـان بـيـل  Gertrude Lowthian Bell لأبـيـهـا ولـزوجـة أبـيـهـا (3) ومـن الـنّـصـوص الأخـري الّـتي تـركـتـهـا، عـلاقـات الـصّـداقـة والـثّـقـة الـمـتـبـادلـة الّـتي ربـطـت بـيـنـهـا وبـيـن الأمـيـر فـيـصـل، إبـن حـسـيـن شـريـف مـكّـة، مـنـذ أوّل لـقـاء بـيـنـهـمـا في بـاريـس عـام 1919، ثـمّ عـنـد تـتـويـج الأمـيـر فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق عـام 1921 وحـتّى وفـاة “الـخـاتـون” جـرتـرود في بـغـداد عـام 1926.

وسـنـبـدأ في هـذا الـقـسـم بـمـتـابـعـة عـلاقـات الـمـودّة الّـتي تـوثّـقـت بـيـن الإنـكـلـيـزيـة عـاشـقـة آداب الـشّـرق وتـاريـخـه الـقـديـم وآثـاره وبـيـن الأمـيـر الـحـجـازي الّـذي كـان يـصـغـرهـا بـسـبـع عـشـرة سـنـة والّـذي كـان يـدعـوهـا : “أخـتي”، إلى عـام 1921. وهـو الـعـام الّـذي مـهّـدت لـه فـيـه جـرتـرود ارتـقـاء عـرش الـعـراق لـيـصـبـح الـمـلـك فـيـصـل الأوّل.

وسـأتـكـلّـم لـكـم في الـقـسـم الـثّـاني عـن عـلاقـاتـهـمـا بـعـد أن ارتـقى الأمـيـر فـيـصـل عـرش الـعـراق.

ولـكـن عـليّ أولاً أن أتـكـلّـم لـكـم عـن حـيـاتـهـمـا قـبـل أن يـلـتـقـيـا وقـبـل أن يـنـتـج عـن لـقـائـهـمـا تـغـيـيـر مـجـرى تـاريـخ الـعـراق الـحـديـث :

طـفـولـة جـرتـرود وفـيـصـل ومـطـلـع شـبـابـهـمـا :

ولـدت جـرتـرود لـوثـيـان بـيـل Gertrude Lowthian Bell سـنـة 1868 في عـائـلـة بـريـطـانـيـة شـارك أسـلافـهـا في الـثّـورة الـصّـنـاعـيـة الّـتي نـتـج عـنـهـا عـالـمـنـا الـحـديـث. واغـتـنـت الـعـائـلـة مـنـذ بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، وبـدأ أعـضـاؤهـا بـالإرتـقـاء اجـتـمـاعـيـاً واحـتـلال مـنـاصـب إداريـة وسـيـاسـيـة. ولأنّـهـم لـم يـكـونـوا مـن “نـبـلاء الـدّم” أي ورثـوا الـنّـبـل أبـاً عـن جـد، فـقـد أصـبـحـوا مـن “نـبـلاء الـمـال” بـثـرواتـهـم الـطّـائـلـة الّـتي اكـتـسـبـوهـا وجـمـعـوهـا.

وعـنـدمـا كـانـت جـرتـرود في الـثّـالـثـة مـن عـمـرهـا، تـوفـيـت والـدتـهـا. وكـانـت في الـثّـامـنـة عـنـدمـا تـزوّج أبـوهـا مـن جـديـد. وفي الـسّـنـة الـتّـالـيـة أي 1877، أكّـدت الـمـلـكـة فـيـكـتـوريـا سـيـطـرتـهـا عـلى الـهـنـد بـتـسـمـيـة نـفـسـهـا “مـلـكـة بـريـطـانـيـا وامـبـراطـورة الـهـنـد”.

وفي آذار 1885، ولـد فـيـصـل في حـصـن كـان يـمـتـلـكـه في الـطّـائـف والـده حـسـيـن بـن عـلي، شـريـف مـكّـة. وكـان فـيـصـل ثـالـث أولاد الـشّـريـف. وتـوفـيـت والـدتـه عـنـدمـا كـان في سـنّ الـثّـالـثـة هـو الآخـر.

وارتـادت جـرتـرود أفـضـل الـمـدارس إلى أن تـخـرّجـت مـن جـامـعـة أكـسـفـورد بـدرجـة شـرف.

وقـد أمـر الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد شـرفـاء مـكّـة بـالـمـجئ إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـيـقـيـمـوا فـيـهـا، تـحـت مـراقـبـتـه الـدّائـمـة لـهـم. وقـد بـقي حـسـيـن بـن عـلي فـيـهـا ثـمـاني عـشـرة سـنـة، في “ضـيـافـة” الـسّـلـطـان الإجـبـاريـة. ولـحـق بـه فـيـصـل عـام 1891 مـع إخـوتـه، أي عـنـدمـا بـلـغ الـسّـادسـة مـن عـمـره، وأقـامـوا في عـاصـمـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة.

وبـعـد أن سـافـرت جـرتـرود في أوربـا، ذهـبـت إلى طـهـران عـام 1892عـنـد أفـراد مـن عـائـلـتـهـا. ودرسـت الـلـغـة الـفـارسـيـة فـقـد كـانـت تـريـد قـراءة أشـعـار حـافـظ الـشّـيـرازي بـنـصـوصـهـا الأصـلـيـة. والـتـقـت في طـهـران بـأمـيـن سـرّ الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة وأغـرمـت بـه، ولـكـنّ والـدهـا مـنـع زواجـهـمـا.

وعـادت جـرتـرود إلى لـنـدن في نـهـايـة الـعـام. وتـوفي الـشّـاب في الـعـام الـتّـالي. ولـم تـعـشـق جـرتـرود بـعـده أحـداً، ولـم تـتـزوّج. وظـلّـت كـلـمـة “مِـس” تـسـبـق اسـمـهـا حـتّى وفـاتـهـا.

وبـعـد أن قـامـت بـعـدّة سـفـرات في ذلـك الـعـام : 1893، إسـتـمـرت جـرتـرود في جـهـودهـا لإتـقـان الـلـغـتـيـن الـلاتـيـنـيـة والـفـارسـيـة، وبـدأت تـتـعـلّـم الـعـربـيـة. وتـرجـمـت في الـعـام الـتّـالي عـن الـلـغـة الـفـارسـيـة “سـفـرنـامـه” ونـشـرتـه في لـنـدن. (4)

وبـدأت تـتـرجـم عـام 1895 أشـعـاراً مـن ديـوان حـافـظ الـشّـيـرازي نـشـرتـهـا بـعـد عـامـيـن، في 1897. (5)

وشـرعـت في ذلـك الـعـام، 1897 بـدورة حـول الـعـالـم مـع أخـيـهـا، بـدأتـهـا في شـمـال الـقـارة الأمـريـكـيـة وأنـهـتـهـا في مـصـر والـيـونـان في الـعـام الـتّـالي. وفي عـام 1899 سـافـرت إلى الـيـونـان وهـنـاك بـدأ شـغـفـهـا بـالآثـار الـقـديـمـة.

والـتـحـق فـيـصـل، عـنـدمـا بـلـغ الـثّـامـنـة عـشـرة، بـالـجـيـش الـعـثـمـاني، وأصـبـح بـعـد عـدّة سـنـوات آمـراً عـلى “وجـاق الـهـجـانـة” أو مـا يـسـمى أيـضـاً “وجـاق الـجـمـلـيـة” أي سـريـة قـوّاد الـجـمـال الـعـرب.

وعـنـدمـا عـزل الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد عـن الـسّـلـطـة عـام 1909، وأبـدل بـأخـيـه مـحـمّـد رشـاد، أعـيـد تـنـظـيـم الـدّولـة، وحـصـل حـسـيـن بـن عـلي عـلى رتـبـه “أمـيـر مـكّـة”، وعـاد إلى الـحـجاز. واخـتـيـر ابـنـه فـيـصـل لـيـمـثّـل مـنـطـقـة جـدّة في الـبـرلـمـان الـعـثـمـاني.

فيصل بن الحسين

وفي نـفـس هـذا الـعـام، 1909، قـامـت جـرتـرود بـيـل بـأولى رحـلاتـهـا إلى الـعـراق، والّـتي دامـت خـمـسـة أشـهـر، مـن شـبـاط إلى تـمّـوز. وقـد نـزلـت فـيـهـا مـن حـلـب إلى هـيـت عـن طـريـق الـفـرات ثـمّ إلى كـربـلاء فـبـغـداد، وزارت في طـريـقـهـا قـصـر الأخـيـضـر، وأخـذت مـقـايـيـس مـسـاحـتـه وارتـفـاع أجـزائـه. ومـن بـغـداد صـعـدت نـحـو الـمـوصـل، ومـن الـمـوصـل ذهـبـت إلى زاخـو فـديـار بـكـر وقـونـيـا.

وفي 1911، قـامـت جـرتـرود بـيـل بـيـن شـبـاط وأيّـار بـرحـلـة مـن دمـشـق عـبـر الـبـاديـة إلى بـغـداد، وعـادت إلى قـصـر الأخـيـضـر لـتـكـمـل تـفـحّـصـهـا لـه وإكـمـال الـمـقـايـيـس الّـتي كـانـت قـد بـدأت بـأخـذهـا، ثـمّ صـعـدت نـحـو سـوريـا.

وفي حـزيـران صـدر في لـنـدن كـتـابـهـا : “مـن مـراد إلى مـراد                 Amurath to Amurath”، والّـذي تـروي فـيـه رحـلـتـهـا الأولى إلى الـعـراق عـام 1909.

جرترود

ودخـلـت الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة عـام 1914 الـحـرب إلى جـانـب قـوى الـمـحـور. ووصـلـت جـرتـرود بـيـل في شـهـر شـبـاط مـن الـحـائـل إلى بـغـداد، ثـمّ صـعـدت عـبـر الـبـاديـة إلى سـوريـا.

وفي شـهـر آب، صـدر في لـنـدن كـتـابـهـا : قـصـر الأخـيـضـر ومـسـجـده :            The Palace and the Mosque at Ukhaidir

واقـتـرح الـلـورد كـتـشـنـر Lord Kitchener، الّـذي كـان وزيـر الـحـربـيـة الـبـريـطـانـيـة، إقـامـة تـحـالـف بـيـن الـعـرب وبـريـطـانـيـا ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، حـلـيـفـة ألـمـانـيـا في الـحـرب. وهـكـذا بـدأت اتـصـالات الـبـريـطـانـيـيـن بـشـريـف مـكّـة.

وأرسـل الـشّـريـف حـسـيـن ابـنـه فـيـصـل إلى سـوريـا لـلـتّـعـرف عـلى الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة فـيـهـا ولـلـتّـقـرّب مـن الـجـمـعـيـات الـسّـريـة الـمـنـاهـضـة لـلـعـثـمـانـيـيـن. وشـاهـد اضـطـهـادات جـمـال الـدّيـن الـسّـفّـاح لأعـضـاء هـذه الـجـمـعـيـات وشـنـقـه لأعـداد كـبـيـرة مـنـهـم.

وفي تـشـريـن الـثّـاني مـن ذلـك الـعـام تـقـدّمـت كـتـيـبـة مـن قـوات جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة في الـخـلـيـج واحـتـلّـت شـطّ الـعـرب وأنـشـأت قـاعـدة لـهـا في الـبـصـرة.

وفي 1915 بـدأ أعـضـاء مـن جـمـعـيـة “الـفـتـاة” بـعـقـد اتـصـالات مـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكـة، لـلـقـيـام بـحـركـة ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وقـد تـبـنّى الإنـكـلـيـز هـذا الـمـشـروع ودفـعـوا حـسـيـن، شـريـف مـكّـة، وأولاده لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى”.

وبـدأت “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916بـعـد أن وعـد الـبـريـطـانـيـون شـريـف مـكّـة بـإنـشـاء مـمـلـكـة عـربـيـة لـه ولأولاده.

وبـعـد أن طـلـب شـريـف مـكّـة مـن ابـنـه الأمـيـر فـيـصـل أن يـعـود إلى الـحـجـاز، أرسـلـه لـيـواجـه الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة. وذهـب فـيـصـل مـع رجـالـه مـن مـكّـة إلى الـمـديـنـة الّـتي أطـلـق فـيـهـا في الـثّـاني مـن حـزيـران عـام 1916 أولى عـمـلـيـات “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى”، واسـتـطـاع عـزل الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة فـيـهـا عـن بـاقي الـجـيـش.

  وكـانـت حـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، وعـلى رأسـهـا نـائـب الـمـلـك       The Viceroy  الـلـورد هـاردنـج  Lord Hardinge، تـنـوي مـدّ سـلـطـتـهـا عـلى الـشّـرق الأدنى الـعـربي، وعـلى ربـط الـعـراق بـهـا كـمـسـتـعـمـرة. وأُرسـلـت جـرتـرود بـيـل، بـعـد أن قـضـت عـامـاً في الـمخـابـرات الـبـريـطـانـيـة في الـقـاهـرة، (6) إلى دلـهي عـام 1916 في مـهـمّـة سـيـاسـيـة لـتـدافـع عـن وجـهـة نـظـر مـكـتـب الـقـاهـرة الـسّـيـاسي. وكـانـت جـرتـرود مـن الـمـدافـعـيـن عـن إعـطـاء الـعـراق اسـتـقـلالاً ذاتـيـاً ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني.

وقـد اسـتـقـبـلـهـا الـلـود هـاردنـج بـحـرارة وأنـصـت إلى وجـهـة نـظـرهـا. وقـرر أن يـبـعـثـهـا إلى الـبـصـرة الّـتي كـانـت في ذلـك الـحـيـن مـركـز الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق الّـتي كـانـت تـتـهـيـأ لـلـهـجـوم عـلى الـعـثـمـانـيـيـن واحـتـلال بـغـداد.

وقـد حـذّرهـا الـلـورد هـاردنـج مـن أنّـهـا سـتـواجـه مـعـاداة رجـال الـمـخـابـرات ورؤسـاء الـقـوّات الـعـسـكـريـة، فـهـم لـن يـقـبـلـوا بـأن تـسـاويـهـم امـرأة في تـولي الـمـسـؤولـيـة.

ووصـلـت الـمـس جـرتـرود بـيـل إلى الـبـصـرة في شـبـاط مـن ذلـك الـعـام. وكـان عـلـيـهـا أن تـعـمـل تـحـت أوامـر الـجـنـرال الـسّـيـر بـرسي لـيـك Sir Percy Lake مـن غـيـر وظـيـفـة ثـابـتـه وبـدون راتـب، ولـكّـنـهـا أعـطـيـت رتـبـة مـيـجـور (فـخـريـة) في الـجـيـش.

وفي الـنّـهـايـة، قـرر الـسّـيـر بـرسي كـوكـس Sir Percy Cox، الـمـسـؤول الـسّـيـاسي الـعـالي في الـبـصـرة أن يـنـظّـم اجـتـمـاعـاً بـيـن جـرتـرود بـيـل وبـيـن جـنـرالات قـوّات الـبـصـرة. وكـتـبـت جـرتـرود لأبـيـهـا في 9 آذار 1916 :

“تـغـديـت هـذا الـيـوم مـع الـجـنـرالات … وكـانـت نـتـيـجـة لـقـائـنـا أنّـهـم حـوّلـوني، مـع خـرائـطي وكـتـبي إلى الـطّـارمـة الـواسـعـة الّـتي في داخـلـهـا غـرفـة مـنـعـشـة الـبـرودة الّـتي يـمـكـنـني أن أعـمـل فـيـهـا، وجـعـلـتـهـا مـكـتـبـاً لي. وقـبـلـت أن أتـقـاسـمـهـا مـع عـالـم الآثـار الـسّـابـق، الـكـابـتـن كـمـبـيـل تـومـبـسـون Campbell Thompson”.

وفي 16 أيّـار مـن نـفـس الـعـام، وقـعـت بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا مـعـاهـدات سـايـكـس ــ بـيـكـو الّـتي تـقـسّـم ولايـات الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـيـنـهـا.

وفي عـام 1917 إنـتـصـر فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، عـلى الـعـثـمـانـيـيـن في مـعـركـة الـعـقـبـة. وشـغـلـت جـرتـرود بـيـل في الـبـصـرة مـن كـانـون الـثّـاني إلى آذار مـنـصـب أمـيـنـة سـرّ الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في إدارة الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس Percy COX .

وبـعـد أن دخـلـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة بـغـداد في 11 آذار، وعـلى رأسـهـا الـجـنـرال مـود، وصـلـت جـرتـرود بـيـل في شـهـر نـيـسـان مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد واحـتـفـظـت بـنـفـس مـنـصـبـهـا في الإدارة الـبـريـطانـيـة في بـغـداد.

وأصـدرت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد جـريـدة “الـعـرب Al Arab”، وعـيّـنـت جـرتـرود بـيـل في تـشـريـن الأوّل مـحـررة فـيـهـا. وكـتـبـت لـلـضّـبـاط الـبـريـطـانـيـيـن دراسـة عـن : “الـعـربي في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن              The Arab of Mesopotamia”. ونـشـرت في كـتـاب في لـنـدن.

وبـعـد اكـتـمـال احـتـلال الـبـريـطـانـيـيـن لـلـعـراق في 1918، وضعـتـه “عـصـبـة الأمـم” تـحـت انـتـدابـهـم. وتـشـكّـلـت إدارة مـدنـيـة بـريـطـانـيـة تـرأسـهـا الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس Percy COX .

وعـيّـن بـرسي كـوكـس في أيـلـول مـن نـفـس الـعـام سـفـيـراً لـبـريـطـانـيـا في طـهـران، وحـلّ أرنـولـد ولـسـن Arnold Wilson مـحـلّـه كـمـنـدوب لـلإدارة الـمـدنـيـة.             

وفي تـشـريـن الأوّل مـن ذلـك الـعـام، أخـذت قـوّات الأمـيـر فـيـصـل دمـشـق مـن الـعـثـمـانـيـيـن بـقـيـادة لـورنـس T. E. Lawrence.

وفي شـهـرَي شـبـاط وآذار مـن عـام 1919 ، شـارك الأمـيـر فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، في مـؤتـمـر فـرسـاي الّـذي عـقـد قـرب بـاريـس في فـرنـسـا، وطـالـب بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا بـإيـفـاء وعـودهـمـا لإنـشـاء دولـة عـربـيـة “مـن الإسـكـنـدرونـة ــ ديـار بـكـر شـمـالاً إلى الـمـحـيـط الـهـنـدي جـنـوبـاً”.

فيصل في فرساي 3

وكـانـت جـرتـرود تـشـغـل في بـغـداد مـنـصـب “أمـيـنـة سـرّ الـشّـؤون الـشّـرقـيـة” تـحـت أوامـر الـكـولـونـيـل أرنـولـد ولـسـن الّـذي كـان قـد حـلّ مـحـل بـرسي كـوكـس. وكـان الـكـولـونـيـل ولـسـن مـن مـنـاصـري مـشـروع اسـتـعـمـار الـعـراق وربـطـه بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، في حـيـن أنّ جـرتـرود كـانـت، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، مـن الـمـدافـعـيـن عـن إعـطـاء الـعـراق اسـتـقـلالاً ذاتـيـاً ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني. وأرسـلـت جـرتـرود إلى بـاريـس لـتـتـابـع أعـمـال الـمـؤتـمـر.

وفي بـاريـس إلـتـقـت جـرتـرود بـلـورنـس الّـذي كـان قـد وثّـق عـلاقـاتـه بـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة وبـأولاده مـنـذ عـام 1916، وسـاهـم في دفـعـهـم إلى إطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، حـلـيـفـة ألـمـانـيـا في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى.

وكـان يـربـط بـيـن لـورنـس وجـرتـرود اهـتـمـامـهـمـا بـآثـار الـشّـرق الـقـديـم، فـقـد شـارك لـورنـس في حـمـلات تـنـقـيـبـات في شـمـال سـوريـا، وزارت جـرتـرود مـنـذ سـفـرتـهـا الأولى إلى الـعـراق في 1909 أهـمّ الـمـواقـع الإثـريـة ومـن بـيـنـهـا بـابـل

جرترود بيل في بابل

وقـلـعـة الـشّـرقـاط، مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة.

وكـان لـورنـس قـد تـكـلّـم لـجـرتـرود عـن الأمـيـر فـيـصـل، واسـتـطـاع أن يـقـدّمـهـا لـه في بـاريـس. كـمـا سـبـق أن رأيـنـا. وجـرى الـلـقـاء في الـمـرسـم الّـذي أجّـره الـفـنـان أوغـسـطـس جـون Augustus John في الـعـاصـمـة الـفـرنـسـيـة. وجـلـسـت جـرتـرود تـجـاذب الأمـيـر فـيـصـل أطـراف الـحـديـث عـدّة سـاعـات بـيـنـمـا كـان الـفـنّـان جـون يـرسـمـه. وتـكـلّـمـا بـالـلـغـتـيـن الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة الـلـتـيـن كـان يـحـسـنـهـمـا الأمـيـر.

وفي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـن ذلـك الـعـام، بـدأت الـمـس جـرتـرود بـيـل بـكـتـابـة “مـذكـرة (إعـادة الـنّـظـر) في الإدارة الـمـدنـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن    Review of the Civil Administration of Mesopotamia

ونـصـب الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى سـوريـا في شهـر آذار 1920.

وبـعـد تـنـفـيـذ مـعـاهـدات سـايـكـس ــ بـيـكـو، حـصـل الـفـرنـسـيـون عـلى سـوريـا، فـسـارت قـواتهـم نـحـو دمـشـق في شـهـر تـمّـوز، وأنـزلـوا فـيـصـل بـن الـحـسـيـن عـن عـرش سـوريـا.

وفي تـشـريـن الأوّل، عـاد الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس Percy COX  إلى بـغـداد كـمـنـدوب سـامي لـبـريـطـانـيـا في الـعـراق. وقـررت بـريـطـانـيـا بـعـد أن ثـار الـعـراقـيـون ضـدّ الإحـتـلال أن تـغـيـر ســيـطرتـهـا عـلى الـعـراق إلى شـكـل غـيـر مـبـاشـر. واسـتـطـاع الـمـنـدوب الـسـامي بـمـسـاعـدة جـرتـرود إقـنـاع الـسّـيـد عـبـدالـرّحـمـن الـكـيـلاني الـنّـقـيـب (نـقـيـب أشـراف بـغـداد) بـتـشـكـيـل حـكـومـة انـتـقـالـيـة (مـؤقـتـة).

عبد الرحمن النقيب 2

وفي شـهـر آذار مـن عـام 1921، عـقـد في الـقـاهـرة مـؤتـمـر تـرأسـه ونـسـتـون تـشـرشـل، وزيـر الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـانـيـة. ووصـلـت جـرتـرود بـيـل إلى الـقـاهـرة في 12 آذار، لـتـشـارك في أعـمـالـه مـع بـعـض الـعـراقـيـيـن، ومـن بـيـنـهـم جـعـفـر الـعـسـكـري.

وكـتـبـت جـرتـرود لـوالـدهـا أنّـهـا الـتـقـت بـلـورنـس، ثـمّ تـحـادثـت مـدّة طـويـلـة مـع زوجـة تـشـرتـشـل، بـيـنـمـا كـان ونـسـتـون تـشـرتـشـل يـتـنـاقـش مـع بـرسي كـوكـس في غـرفـة مـغـلـقـة.

ويـذكـر لـورنـس في رسـالـة كـتـبـهـا مـن الـقـاهـرة أنّ جـرتـرود بـيـل أقـنـعـت كـلّ الـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن بـوضـع الأمـيـر فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق، وتـكـلّـف تـشـرتـشـل بـإقـنـاع الـشّـعـب الإنـكـلـيـزي، وسـاعـدتـه في ذلـك.

وكـان تـشـرتـشـل يـأمـل في أنّ يـسـهـل وضـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، عـلى عـرش الـعـراق عـلاقـات بـريـطـانـيـا بـالـحـجـاز ويـوفـر لـدافـع الـضّـرائـب الـبـريـطـاني حـلّاً رخـيـصـاً يـتـحـاشى الـحـلـول الـعـسـكـريـة الّـتي تـكـلّـفـه غـالـيـاً. وكـتـب في تـقـريـره : “فـيـصـل، إبـن الـشّـريـف، يـتـيـح لـنـا الأمـل في الـوصـول إلى أفـضـل حـلّ لـلـمـشـكـلـة وأرخـصـهـا مـادّيـاً”.

وكـانـت نـتـائـج مـؤتـمـر الـقـاهـرة انـتـصـار آراء لـورنـس وجـرتـرود بـيـل. وكـانـت جـرتـرود قـد أقـنـعـت بـرسي كـوكـس بـتـرك مـشـروع ربـط الـعـراق بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة كـمـسـتـعـمـرة تـحـت هـيـمـنـتـهـا، وبـجـمـع ولايـات الـعـراق الـعـثـمـانـيـة الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل لـتـكـوّن مـمـلـكـة تـتـمـتـع بـالـحـكـم الـذّاتي ولـكـن تـحـت إشـراف مـنـدوب سـامي بـريـطـاني.

وبـعـد أن حـصـل تـشـرتـشـل عـلى مـوافـقـة الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة بـنـصـب فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق وبـقـبـول الـفـرنـسـيـيـن لـه عـلى شـرط أن لا يـطـالـب بـعـرش سـوريـا، بـدأ الـبـريـطـانـيـون الـمـفـاوضـات مـع فـيـصـل. وقـبـل فـيـصـل بـعـرش الـعـراق وبـإنـشـاء إمـارة مـا بـعـد الأردن لأخـيـه عـبـد الله مـقـابـل تـنـازل أبـيـه حـسـيـن، شـريـف مـكـة، عـن مـطـالـبـتـه بـفـلـسـطـيـن.

ولـتـمـيـهـد قـبـول الـعـراقـيـيـن بـالأمـيـر فـيـصـل، تـشـكّـلـت الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة، وتـرأسـهـا عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي، نـقـيـب شـرفـاء بـغـداد. وكـان الـهـدف مـنـهـا إنـشـاء مـجـلـس تـأسـيـسي وتـنـظـيـم انـتـخـابـات نـوّاب لـه. واسـتـمـر بـرسي كـوكـس في نـفـس الـوقـت بـإرسـال طـائـرات الـقـوات الـجـويـة الـمـلـكـيـة RAF  لـقـصـف الـعـشـائـر الـثّـائـرة عـلى الـسّـيـطـرة الـبـريـطـانـيـة في جـنـوب الـعـراق وشـمـالـه.

وبـعـد أن قـمـعـت الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة ثـورة الـعـشـائـر، أعـلـن بـرسي كـوكـس الـعـفـو الـعـام (7) مـحـاولاً بـذلـك أن يـسـود الـسّـلام لإكـمـال مـخـطـطـه.

واخـتـار أعـضـاء الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي في بـغـداد الأمـيـر فـيـصـل لـيـنـصـب مـلـكـاً عـلى الـعـراق.  ووجـهـوا لـه دعـوة لـلـمـجئ إلى الـعـراق.

وكـان عـلى الأمـيـر فـيـصـل أن يـذهـب أوّلاً إلى مـكّـة لـيـعـلـن نـيـتـه بـارتـقـاء عـرش الـعـراق، ثـم يـتـقـدّم شـرقـاً لـيـجـمـع حـولـه مـسـانـديـه. وفي 19 حـزيـران 1921 أخـبـر عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب مـجـلـس الـوزراء في بـغـداد بـقـرب وصـول الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة، وبـضـرورة الإسـراع بـالإسـتـعـداد لاسـتـقـبـالـه وإيـجـاد سـكـن مـنـاسـب لـه، واخـتـار خـمـسـة مـن وزرائـه لـلـقـائـه عـنـد وصـولـه إلى الـبـصـرة.

ووصـل الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة في 23 حـزيـران، واسـتـطـاعـت جـرتـرود بـيـل الـحـصـول عـلى قـطـار خـاص  لـلأمـيـر فـيـصـل وزيّـن خـصـيـصـاً لـه لـيـوصـلـه إلى بـغـداد، كـمـا نـظّـمـت هـيـئـة اسـتـقـبـال تـضـمّ سـتـيـنـاً مـن وجـهـاء بـغـداد لـتـنـتـظـره في الـمـحـطّـة، ووزعـت أعـداداً مـن الأعـلام الـجـديـدة .

ثـمّ وصـل الأمـيـر فـيـصـل إلى بـغـداد بـالـقـطـار الّـذي طـلـبـت جـرتـرود بـيـل تـزيـيـنـه بـأعـلام الـدّولـة الـجـديـدة. وعـنـدمـا نـزل في الـمـحـطـة قـدّم حـرس الـشّـرف أسـلـحـتـهـم وتـعـالـت هـتـافـات جـمـوع الـمـسـتـقـبـلـيـن وعـزفـت جـوقـة عـسـكـريـة قـطـعـاً مـوسـيـقـيـة. وبـعـد أن مـرّ الأمـيـر فـيـصـل أمـام حـرس الـشّـرف تـوجّـه نـحـو قـاعـة اسـتـقـبـال مـلـيـئـة بـالـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن وبـوجـهـاء الـبـلـد.

ثـمّ دعـا الـمـنـدوب الـسّـامي بـرسي كـوكـس الأمـيـر فـيـصـل إلى ولـيـمـة عـشـاء في حـدائـق مـود   The Maude gardins. وبـعـد أن تـجـاذب الأمـيـر أطـراف الـحـديـث مـع الـمـنـدوب الـسّـامي وجـرتـرود بـيـل، دارت بـيـنـه وبـيـن الـسّـيـر إيـلـمـر هـلـدان Sir Aylmer Haldane مـحـادثـة قـصـيـرة بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة. وتـذكـر جـرتـرود بـيـل في رسـالـة بـعـثـتـهـا لأبـيـهـا في الـثّـاني مـن تـمّـوز 1920 :

“وبـعـد ذلـك نـهـض شـاعـرنـا الـكـبـيـر الّـذي تـكـلّـمـت لـك عـنـه مـراراً، جـمـيـل الـزّهـاوي  Jamil Zahawi وألـقى قـصـيـدة رنّـانـة أشـار فـيـهـا عـدّ مـرّات إلى فـيـصـل كـمـلـك الـعـراق، وصـفّـق الـجـمـيـع وهـتـفـوا. ثـمّ تـقـدّم شـيـعيّ           a shi’ah  بـيـن الـطّـاولات الـمـنـصـوبـة عـلى الـعـشـب. وكـان يـرتـدي قـمـيـصـاً أبـيـض فـوقـه جـبّـة سـوداء، وعـلى رأسـه عـمـامـة ضـخـمـة سـوداء، وألـقى قـصـيـدة لـم أفـهـم مـنـهـا كـلـمـة واحـدة. كـانـت طـويـلـة جـدّاً، وكـمـا قـلـت لـم أفـهـم مـنـهـا شـيـئـاً، ولـكـنّـهـا مـع ذلـك كـانـت رائـعـة. وكـان هـذا الـشّـاعـر الـمـجـبـب طـويـل الـقـامـة، يـنـشـد قـصـيـدتـه إنـشـاداً مـنـغـمـاً ويـمـوّج وقـع أوزان أبـيـاتـه رافـعـاً يـده وسـط دائـرة ضـوء يـحـيـطـهـا ظـلام تـلامـعـت فـيـه الـنّـجـوم بـيـن سـعـف الـنّـخـيـل ــ وكـنـتُ مـسـحـورة تـمـامـاً”.

وفي الـثّـامـن مـن تـمّـوز أولـم عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب ولـيـمـة لـلأمـيـر فـيـصـل، ودعـا إلـيـهـا الـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن ووجـهـاء الـبـلـد. وجـلـسـت جـرتـرود بـيـل عـلى يـمـيـن الأمـيـر.

ونـظّـمـت الـجـالـيـة الـيـهـوديـة حـفـل اسـتـقـبـال لـلأمـيـر فـيـصـل في دار الـحـاخـام الـكـبـيـر حـضـره، كـمـا ذكـرت جـرتـرود بـيـل في رسـالـة لأبـيـهـا في 20 تـمّـوز : “حـاخـامـات الـيـهـود ورؤسـاء الـجـالـيـات الـمـسـيـحـيـة وكـلّ وزراء الـحـكـومـة الـمـؤقـتـة وكـلّ الـعـلـمـاء ‘ulama الـمـسـلـمـيـن بـقـمـصـانـهـم الـبـيـضـاء الّـتي ارتـدوا فـوقـهـا جـبـبـهـم الـسّـوداء” و “كـان سـرور الـيـهـود شـديـداً عـنـدمـا أكّـد لـهـم فـيـصـل بـأنّـهـم مـن نـفـس جـنـس الـعـرب”. وهي تـقـصـد أنّ الـعـبـرانـيـيـن والـعـرب مـن الأقـوام الـسّـامـيـة.

وبـعـد أن صـدّق وزراء الـحـكـومـة الـمـؤقـتـة بـالإجـمـاع عـلى اخـتـيـار فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق قـرر بـرسي كـوكـس وجـرتـرود بـيـل إجـراء اسـتـفـتـاء، وطـبـعـا اسـتـمـارات تـصـويـت عـلـيـهـا سـؤال واحـد : “هـل تـقـبـلـون بـفـيـصـل كـمـلـك وحـاكـم لـلـعـراق ؟”، ووزعـت عـلى أعـداد كـبـيـرة مـن رؤسـاء الـعـشـائـر وعـلى 300 مـن وجـهـاء الـمـدن. وبـعـد سـتّـة أسـابـيـع، أعـلـنـت الـنّـتـائـج في صـالـح فـيـصـل.

وبـدأ الأمـيـر فـيـصـل الـعـمـل عـلى تـشـكـيـل مـجـلـس وزراء يـتـرأسـه عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب، وقـرر أن يـجـتـمـع أعـضـاؤه مـبـاشـرة بـعـد تـتـويـجـه مـلـكـاً.

وقـبـل تـتـويـج الأمـيـر فـيـصـل رسـمـيـاً مـلـكـاً عـلى الـعـراق، نـظّـمـت الـعـشـائـر حـفـلاً لـمـبـايـعـتـه في الـرّمـادي. وقـد دعي الـمـسـؤولـون الـبـريـطـانـيـون ومـن بـيـنـهـم جـرتـرود بـيـل إلى الـحـفـل. وجـلـسـت بـجـانـب الأمـيـر فـيـصـل مـع عـلي سـلـيـمـان، شـيـخ مـشـايـخ الـدّلـيـم، وفـهـد بـك، شـيـخ مـشـايـخ عـنـزة.

وكـانـت جـرتـرود قـد أعـدّت لـلأمـيـر فـيـصـل سـكـنـاً في جـانـب مـن الـسّـراي بـعـد أن أشـرفـت عـلى تـرمـيـم الـغـرف وصـبـغـهـا. وكـانـت تـزور الأمـيـر مـراراً مـن غـيـر أن يـجـعـلـهـا تـنـتـظـر طـويـلاً في غـرفـة الإنـتـظـار.

وفي 6 آب 1921، كـتـبـت جـرتـرود لأبـيـهـا رسـالـة ذكـرت لـه فـيـهـا أنّـهـا اصـطـحـبـت الأمـيـر فـيـصـل لـزيـارة طـاق كـسـرى لـتـريـه مـعـالـم الـبـلـد الّـذي سـيـحـكـمـه. ووصـلا مـع مـرافـقـيـهـمـا إلى سـلـمـان بـاك في الـفـجـر وشـربـا قـهـوة وتـنـاولا فـطـوراً مـن بـيـض ولـحـم لـسـان وسـمـك الـسّـرديـن وبـطّـيـخ !

وبـعـد أن تـجـولا في أرجـاء خـرائـب قـصـر كـسـرى تـسـلّـقـا تـلّاً مـن تـلال جـنـوب الـمـوقـع لـيـتـأمّـلا جـريـان دجـلـة : “وهـنـاك سـردت عـلـيـه مـا كـتـبـه الـطّـبـري عـن تـاريـخ فـتـح الـعـرب [لـلـمـدائـن] … ولا أدري أيـنـا كـان الأكـثـر تـأثّـراً مـن ذلـك”.

ورغـم اقـتـراب يـوم تـتـويـجـه فـقـد اسـتـمـرّ فـيـصـل في رفـض الإنـتـداب الّـذي خـطـطـت بـريـطـانـيـا فـرضـه عـلى الـعـراق. وكـتـبـت جـرتـرود في 21 آب، أي قـبـل يـومـيـن مـن الـتّـتـويـج أنّ بـرسي كـوكـس وجـد مـخـرجـاً مـن هـذه الأزمـة : “إبـدال الإنـتـداب بـمـعـاهـدة تـوقـعـهـا بـريـطـانـيـا مـع الـدّولـة الـعـراقـيـة. هـذه فـكـرة عـبـقـريـة. وبـهـذا نـتـوصـل إلى الـتّـوفـيـق بـيـن مـطـالـب الـوطـنـيـيـن بـاسـتـقـلال الـعـراق وبـيـن قـيـام بـريـطـانـيـا بـمـسـؤولـيـتـهـا الّـتي كـلّـفـتـهـا بـهـا “عـصـبـة الأمـم” بـتـأمـيـن : 1ــ إسـتـقـرار الـمـيـزانـيـة الـمـالـيـة، 2 ــ تـكـويـن عـلاقـات خـارجـيـة، 3 ــ تـنـمـيـة الـدّفـاع الـعـسـكـري لـلـدّولـة الـجـديـدة”، و”ذلـك إلى أن تـقـبـل عـصـبـة الأمـم عـضـويـة الـعـراق كـدولـة مـسـتـقـلّـة”.

وقـبـل الأمـيـر فـيـصـل بـهـذا الـحـلّ. وأمـام 1500 مـدعـو اجـتـمـعـوا في حـوش الـسّـراي في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب 1921 : “وصـل فـيـصـل في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـرتـديـاً الـزّي الـعـسـكـري …

تتويج فيصل

وبـعـد ذلـك قـام الـسّـيّـد حـسـيـن (8) وقـرأ الـبـيـان الّـذي كـتـبـه بـرسي كـوكـس والّـذي ذكـر فـيـه أنّ 96 بـالـمـائـة مـن سـكّـان مـا بـيـن الـنّـهـريـن اخـتـاروا فـيـصـل مـلـكـاً عـلـيـهـم … ونـهـضـنـا جـمـيـعـاً وهـتـفـنـا : “عـاش الـمـلـك !”، ثـمّ حـيّـتـه طـلـقـات 21 بـنـدقـيـة مـعـاً”.

وهـكـذا تـوّج الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى الـعـراق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إسـتـعـمـلـت كـتـابـة اسـم “جـرتـرود بـيـل” مـتـابـعـاً الإسـتـعـمـال الـشّـائـع، مـع أن اسـمـهـا كـتـب في الـلـوحـة الـتّـذكـاريـة الّـتي نـصـبـت لـهـا في الـمـتـحـف الـعـراقي “كـرتـرود بـل” :     

كرترود بيل (2)

(1) أنـظـر مـقـالي : تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

(2) أنـظـر مـقـالي : أوغـسـطـس إدويـن جـون يـرسـم صـورة الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن

(3) إعـتـمـدت في كـتـابـة هـذا الـمـوضـوع عـلى عـدد مـن الـمـصـادر مـن أهـمـهـا رسـائـل جـرتـرود بـيـل :

  The Letters of Gertrude Bell, selected by Lady Bell, DBE, first publication, Ernest Benn Limited, London, September 1927

وكـتـاب جـورجـيـنـا هـويـل عـن جـرتـرود بـيـل :

A Woman in Arabia, The Writings of the Queen of the Desert

 (4)   Safar Nameh : Persian Pictures.     

(5)  Poems from the Divan of Hafiz    

(6) وهـو في الـحـقـيـقـة مـركـز اسـتـعـلامـات حـربـيـة. والّـذيـن اشـتـغـلـوا فـيـه، وأغـلـبـهـم مـن الـحـاصـلـيـن عـلى شـهـادات جـامـعـيـة، ومـن بـيـنـهـم عـدد مـن عـلـمـاء الآثـار، لـم يـكـونـوا جـواسـيـس بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة. فـهـم لـم يـمـارسـوا الـتّـجـسـس عـلى دولـة أجـنـبـيـة وإنّـمـا جـمـعـوا مـعـلـومـات لـصـالـح بـلـدهـم الّـذي كـان في حـالـة حـرب. وقـد عـيـنـوا في الـمـكـتـب خـلال خـدمـتـهـم الـعـسـكـريـة إجـبـاريـاً أو تـطـوعـاً مـثـلـمـا فـعـلـتـه جـرتـرود بـيـل.

(7)   مـا عـدا الـعـراقـيـيـن الّـذيـن قـتـلـوا أو شـاركـوا في قـتـل ضـبـاط بـريـطـانـيـيـن.

(8)  وهـو الـسّـيّـد حـسـيـن أفـنـان، أمـيـن سـرّ الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 .

الإعلانات

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s