قـصـر الأخـيـضـر

 

الأخـيـضر صورة شاملة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـعـد أن زار الإيـطـالي بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه Pietro DELLA VALLE  في 18 حـزيـران 1625 تـلّ الـمـقـيّـر  Muqueijer، مـوقـع مـديـنـة أور الـقـديـمـة، قـادمـاً مـن الـبـصـرة، سـار مـع مـصـاحـبـيـه بـمـحـاذاة الأهـوار. وكـتـب في 24 حـزيـران : “رأيـنـا طـيـلـة الأيّـام الـمـاضـيـة عـلى يـمـيـنـنـا، ومـن بـعـيـد، جـزائـر Gevazir  أهـوار بـلاد الـكـلـدان”. وأبـصـروا في 26 حـزيـران عـلى يـمـيـنـهـم مـن بـعـيـد : “بـمـشـهـد عـلي Mesched Ali في الـمـكـان الّـذي كـانـت فـيـه الـكـوفـة Kufa في الـمـاضي”.

وفي حـوالي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة مـن صـبـاح 29 حـزيـران 1625 تـوقّـفـوا لـيـسـتـريـحـوا : “قـرب بـقـايـا بـنـاء قـديـم مـربـع الـشّـكـل شـيّـد بـالـطّـابـوق. ونـرى في كـلّ ضـلـع مـن أضـلاع الـمـربـع ثـلاثـة عـشـر بـرجـاً مـحـصّـنـاً تـحـسّـنـهـا أقـواس وأشـيـاء أخـرى. ورأيـنـا في داخـل الـبـنـاء قـاعـات وحـجـر كـثـيـرة بـعـضـهـا يـعـلـو بـعـض عـدّة طـوابـق [في وسـطـهـا] قـاعـة قـلـيـلـة الـسّـعـة لا يـمـكـن اعـتـبـارهـا حـوشـاً إلّا إذا مـا كـانـت بـلا سـقـف مـن الأصـل. والـعـرب يـسـمـون هـذا الـبـنـاء الأخـيـضـر Cair Chaider. ولا أدري هـل شـيّـد هـذا الـبـنـاء كـقـصـر أو كـمـعـبـد أو كـحـصـن. ومـع ذلـك فـانـا أعـتـقـد أنّـه كـان قـصـراً”. (1)

والـغـريـب في الأمـر أنّ هـذه كـانـت أوّل إشـارة مـكـتـوبـة إلى قـصـر الأخـيـضـر بـاسـمـه الّـذي نـعـرفـه لـه في أيّـامـنـا هـذه. ولا نـدري بـأيّ اسـم ذكـر الـمـؤرخـون الـعـرب هـذا الـبـنـاء الـضـخـم الّـذي بـهـر كـلّ مـن رآه، ولا كـيـف أشـيـر إلـيـه في “مـعـاجـم الـبـلـدان” أو في كـتـب “الـمـسـالـك” الّـتي تـتـبـعـت كـلّ طـرق الـدّولـة الـعـبـاسـيـة وفـصّـلـت في وصـف حـتّى أصـغـر الـقـرى الّـتي لـم تـكـن لـهـا أدنى أهـمـيـة.

وفي عـام 1638، أي بـعـد ثـلاث عـشـرة سـنـة عـلى مـرور الإيـطـالي ديـلّا فـالـيـه، مـرّ الـتّـاجـر الـفـرنـسي جـان بـاتـيـسـت تـافـرنـيـيـه JeanBaptiste Tavernier بـالأخـيـضـر عـنـدمـا نـزل في رحـلـتـه الـثّـانـيـة إلى الـشّـرق مـن حـلـب عـن طـريـق عـانـة ثـمّ بـمـحـاذاة الـفـرات حـتّى الـكـوفـة والـبـصـرة. وكـتـب :

“وظـهـر أمـامـنـا قـصـر كـبـيـر شـيّـد بـكـامـلـه بـالـطّـابـوق. وتـبـدو هـذه الـمـنـطـقـة مـنـعـزلـة. و[أظـنّ] أنّ الـطّـابـوق صـنـع في أكـوار أشـعـلـت بـالـتّـبـن، فـلـيـس هـنـاك عـشـب ولا أغـصـان نـبـاتـات ولا أشـجـار عـلى امـتـداد 15 أو 20 فـرسـخـاً حـولـهـا في كـلّ الإتـجـاهـات. وقـيـاس كـلّ طـابـوقـة مـربّـعـة نـصـف قـدم، وسـمـكـهـا سـتّـة أصـابـع.

وفي هـذا الـقـصـر ثـلاثـة أحـواش واسـعـة. وحـول كـلّ مـنـهـا أربـعـة أبـنـيـة حـسـنـة بـطـابـقـيـن مـن الأقـواس الـواحـد مـنـهـمـا فـوق الآخـر. ومـع أنّ الـقـصـر مـا زال مـكـتـمـلاً (لـم يـخـرب) فـهـو مـهـجـور لا يـسـكـنـه أحـد. والـعـرب الّـذيـن لا يـهـمـهـم الـتّـاريـخ ويـجـهـلـونـه تـمـام الـجـهـل لـم يـسـتـطـيـعـوا إخـبـاري بـمـن شـيّـده ولا مـتى ولا كـيـف شـيّـد وبـكـلّ مـا كـنـت أودّ مـعـرفـتـه.

وأمـام بـاب الـقـصـر حـوض واسـع وجـدول مـاء جـفّ مـاءه. وقـد رصـف قـاع الـجـدول بـالـطّـابـوق وكـذلـك سـقـفـه الـواطئ الّـذي عـقـد بـمـسـتـوى الأرض. ويـعـتـقـد الـعـرب أنّـه قـنـاة حـفـرت لـجـلـب الـمـاء مـن الـفـرات. ولا أدري كـيـف يـمـكـن ذلـك مـع أنّ الـفـرات عـلى بـعـد أكـثـر مـن عـشـريـن فـرسـخـاً.

وبـعـد مـسـيـرة أربـعـة أيّـام مـن تـركـنـا لـلـقـصـر وصـلـنـا إلى قـريـة لا أهـمـيـة لـهـا كـانـت تـسـمى في الـمـاضي بـالـكـوفـة Cufa، ويـسـمـونـهـا الآن مـشـهـد عـلي Meched-Ali”.  (2)

ونـلاحـظ أنّ تـافـرنـيـيـه قـدّر بـعـد قـصـر الأخـيـضـر عـن الـفـرات بـأكـثـر مـن عـشـريـن فـرسـخـاً فـرنـسـيـاً أي مـا يـقـارب الـمـائـة كـلـم.

الأخيضر من جنوب الشرق

ويـنـبـغي أن نـنـتـظـر أكـثـر مـن قـرن بـعـد ذلـك لـيـمـرّ بـه الـتّـاجـر الإنـكـلـيـزي ولـيـام بـيـوَس William Beawes عـام 1745 خـلال سـفـرتـه مـن إنـكـلـتـرة إلى الـهـنـد، والّـتي نـزل فـيـهـا مـن حـلـب عـن طـريـق الـفـرات إلى الـنّـجـف ثـمّ الـبـصـرة. وكـتـب في سـرده لـهـذه الـسّـفـرة :

“31 آب،

تـوقّـفـنـا قـرب بـقـايـا حـصـن واسـع، ومـذاق الـمـاء هـنـا أكـثـر عـذوبـة مـن كـلّ مـا شـربـنـاه في الأيّـام الـقـلـيـلـة الـمـاضـيـة. وقـد وجـدنـاه بـكـمـيـات أكـبـر مـمـا في أمـاكـن الـبـاديـة الأخـرى، مـمـا جـعـلـني أعـتـقـد أنّ هـذا الـبـنـاء الـمـحـصّـن شـيّـده تـجّـار كـانـت تـجـارتـهـم تـجـبـرهـم عـلى الـمـرور مـن هـنـا لـيـسـتـطـيـعـوا تـأمـيـن الـمـاء في هـذه الـمـرحـلـة مـن أسـفـارهـم، أو شـيّـده بـعـض أعـراب الـبـاديـة لـيـدافـعـوا عـن أنـفـسـهـم مـن هـجـمـات أعـراب آخـريـن، أو (وهـو مـا يـبـدو لي أكـثـر احـتـمـالاً) لـيـبـتـزوا مـن الـتّـجّـار مـا أمـكـنـهـم مـقـابـل تـزويـدهـم [بـالـمـاء]”. (3)

 ومـرّ بـه الإنـكـلـيـزي غـيـلارد روبـرتـس Gaylard Roberts عـام 1748 في طـريـقـه مـن الـهـنـد إلى الـبـصـرة ثـمّ إلى حـلـب وإنـكـلـتـرة. (4)

ورغـم أن الألـمـاني كـارسـتـن نـيـبـور Carsten Niebuhr، الّـذي كـان قـد بـعـثـه مـلـك الـدّنـمـارك مـع فـريـق مـن الـعـلـمـاء لاكـتـشـاف بـلاد الـعـرب، صـعـد في عـام 1765 وحـده (بـعـد أن مـات كـلّ رفـاقـه) عـن طـريـق الـفـرات مـن الـبـصـرة إلى “مـشـهـد عـلي Mesched Ali” والـكـوفـة، ثـمّ إلى “مـشـهـد حـسـيـن Mesched Hösein “، كـربـلاء. وغـادر كـربـلاء في 30 كـانـون الأوّل مـتّـجـهـاً إلى الـحـلّـة وبـابـل، وغـادر الـحـلّـة في 5 كـانـون الـثّـاني 1766 في طـريـقـه إلى بـغـداد، فـهـو لـم يـذهـب إلى الأخـيـضـر بـنـفـسـه وإنّـمـا نـقـل مـا كـان قـد كـتـبـه عـنـه مـسـافـر إنـكـلـيـزي لـم يـذكـر اسـمـه.

كـتـب كـارسـتـن نـيـبـور بـالـلـغـة الألـمـانـيـة، وأتـرجـم لـكـم الـمـقـطـع مـبـاشـرة مـن الـنّـصّ الأصـلي :

“وجـدت في يـومـيـات مـسـافـر إنـكـلـيـزي نـزل مـن حـلـب إلى الـبـصـرة أنّـه مـرّ عـلى مـسـيـرة 44 سـاعـة جـنـوب شـرق هـيـت بـمـديـنـة (Stadt) مـهـجـورة تـمـامـاً في وسـط الـصّـحـراء، تـرتـفـع أسـوارهـا 50 قـدمـاً وسـمـكـهـا 40 قـدمـاً. وعـرض كـلّ جـانـب مـن هـذه الأسـوار 700 قـدمـاً. ورأى ثـقـوبـاً مـفـتـوحـة فـيـهـا. وفي داخـل هـذه الـمـديـنـة أو الـقـلـعـة الـواسـعـة قـصـر صـغـيـر. وسـمـعـت بـعـد ذلـك أنّ الـعـرب يـسـمـونـهـا        El Khader، وأنّـهـا عـلى بـعـد مـسـيـرة عـشـرة أو اثـني عـشـر فـرسـخـاً مـن مـشـهـد عـلي Meshed Ali”. (5)

وفي عـام 1790، مـرّ بـه الـمـيـجـر جـون تـايـلـور maj. John Taylor الّـذي كـان يـعـمـل في مـقـر بـومـبـاي، أحـد مـقـرّات شـركـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، في طـريـقـه مـن إنـكـلـتـرة إلى حـلـب ثـمّ إلى الـبـصـرة، ومـنـهـا إلى الـهـنـد. وكـتـب :

” 4 كـانـون الـثّـاني،

وبـعـد أن حـمّـلـنـا أمـتـعـتـنـا عـلى الـجـمـال انـطـلـقـنـا في الـسّـادسـة والـنّـصـف صـبـاحـاً، واجـتـزنـا بـاديـة مـنـبـسـطـة الـخـلاء، وعـبـرنـا واديـاً كـان نـهـر يـجـري فـيـه في الـمـاضي. وفي الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة رأيـنـا عـلى يـمـيـنـنـا، عـلى بـعـد حـوالي نـصـف مـايـل [حـوالي 850 مـتـراً]، بـقـايـا حـصـن صـغـيـر مـربـع الـشّـكـل يـسـمـيـه الـعـرب الأخـيـضـر  Ula Kayder”.    (6)

وقـد زاره الـمـسـتـشـرق الـفـرنـسي لـويـس مـاسـيـنـيـون Louis Massignon عـام 1908. وكـان في ذلـك الـوقـت طـالـبـاً في الـمـعـهـد الـفـرنـسي لـلـدراسـات الـشّـرقـيـة في الـقـاهـرة. وقـد بـعـث إلى أكـاديـمـيـة الـخـطـوط والآداب في بـاريـس بـتـقـريـر عـن قـصـر الأخـيـضـر نـشـر في تـقـاريـر جـلـسـاتـهـا لـعـام 1909. وكـان قـد رسـم لـه مـخـطـطـاً مـفـصـلاً والـتـقـط لـه صـوراً فـوتـوغـرافـيـة.(7).

جـرتـرود بـيـل في قـصـر الأخـيـضـر :

قـامـت جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell عـام 1909، بـأولى رحـلاتـهـا إلى الـعـراق، والّـتي دامـت خـمـسـة أشـهـر. ونـزلـت فـيـهـا مـن حـلـب إلى هـيـت، ثـمّ اقـتـفـت مـجـرى الـفـرات إلى كـربـلاء فـبـغـداد. ومـن بـغـداد صـعـدت إلى الـمـوصـل، ومـن الـمـوصـل إلى زاخـو فـديـار بـكـر وقـونـيـا.

وقـد رأت في مـوقـع الأخـيـضـر، حـوالي 190 كـلـم. جـنـوب غـرب كـربـلاء، قـصـراً شـاسـعـاً بـالـغ الـجـمـال، كـان قـد احـتـفـظ بـكـثـيـر مـن بـقـايـاه. وكـتـبـت لأبـيـهـا في 26 آذار 1909 :

“حـصـن عـظـيـم، قـلـعـة، قـصـر مـتـرامي الأطـراف، وأكـثـر مـن هـذا … 155 مـتـراً عـرضـاً و170 مـتـراً طـولاً تـحـيـطـهـا أسـوار مـمـتـدّة تـتـخـلـلـهـا أبـراج دائـريـة. وتـمـلأ حـوالي ثـلـث مـسـاحـتـه غـرف رائـعـة الـجـمـال حـول أحـواش تـتـبـعـهـا غـرف حـول أحـواش أخـرى … سـقـوفـهـا مـعـقـودة بـالـحـجـر الـمـقـطـوع، وتـعـلـوهـا قـبـاب. ويـغـطي جـدرانـهـا وسـقـوفـهـا جـصّ مـنـقـوش لـيـس بـعـد حـسـنـه حـسـن … وسـراديـب وغـرف عـالـيـة فـوق حـجـرات، بـعـضـهـا شـيّـدت بـأعـمـدة. ولـم أجـد خـارطـة تـشـيـر إلـيـه ولا كـتـاب نـشـر عـنـه. وقـد أعـلـمـني الـعـرب أنّ أجـنـبـيـاً جـاء إلى الـقـصـر في الـعـام الـمـاضي وتـفـحّـصـه عـدّة أيّـام”.

والأجـنـبي الّـذي تـقـصـده كـان الـمـسـتـشـرق الـفـرنـسي لـويـس مـاسـيـنـيـون Louis Massignon.

وتـنـهي الـرّسـالـة بـرأيـهـا عـن تـاريـخ تـشـيـيـده : “وبـاخـتـصـار، فـهـو أفـضـل مـثـال عـلى أروع مـا أنـتـجـه الـفـنّ الـسّـاسـاني … وأنـا أضـع زمـن تـشـيـيـده في نـفـس الـفـتـرة الّـتي شـيّـدت فـيـهـا طـيـسـفـون، ولـكـنّي أعـتـقـد أنّـه لـم يـشـيـد لـلـسّـاسـانـيـيـن بـل لأمـراء بـني لـخـم”.

الأخيضر من شمال الغرب

واعـتـقـدت أنّـهـا اكـتـشـفـت قـصـراً لـم يـره أحـد قـبـلـهـا. ونـشـرت في الـعـام الـتّـالي مـقـالاً عـنـه.

وعـنـدمـا صـدر كـتـابـهـا “مـن مـراد إلى مـراد Amurath to Amurath” في لـنـدن عـام 1911، (8) والّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن سـفـرتـهـا عـام 1909 إلى الـعـراق، خـصـصـت جـرتـرود بـيـل لـقـصـر الأخـيـضـر فـصـلـيـن صـغـيـريـن تـصـاحـبـهـمـا 23 صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـالأبـيـض والأسـود (وهي الصّـور الّـتي وضـعـتـهـا في هـذا الـمـقـال مـاعـدا صـورة الـعـنـوان والـصـورة الأخـيـرة بـالألـوان) وأربـعـة مـخـطـطـات مـعـمـاريـة لـلـمـوقـع كـامـلاً ولـطـوابـقـه. وهي تـقـصّ في الأوّل مـن هـذيـن الـفـصـلـيـن كـيـف اكـتـشـفـت الـقـصـر (مـن صـفـحـة 140 إلى صـفـحـة 147) :

“وبـعـد أن امـتـطـيـنـا صـهـوات خـيـولـنـا ثـلاث سـاعـات وسـط الـفـيـافي الـمـتـرامـيـة الأطـراف، أبـصـرنـا في وهـج الـشّـمـس بـكـتـلـة كـبـيـرة تـبـدو جـزءاً مـن مـعـالـم الـطـبـيـعـة. وتـحـددت أشـكـالـهـا شـيـئـاً فـشـيـئـاً كـلّـمـا ازداد اقـتـرابـنـا مـنـهـا. وسـألـت عـنـهـا أحـد الـمـرافـقـيـن zaptiehs.

وأجـابـني : “هـذا هـو الـخـيـضـر It is Kheidir”.

فـصـحـت [بـمـصـاحـبي الـمـخـلـص] : “يـالله، فـتّـوح Yallah, Fattuh”، وأطـلـقـت لـفـرسي الـعـنـان.

“ومـن بـيـن كـلّ الـتّـجـارب الـعـجـيـبـة الّـتي لاقـيـتـهـا في طـريـقي، لا يـمـكـن أن أنـسى الـلـحـظـة الّـتي رأيـت فـيـهـا “خـيـضـر”. كـانـت أسـواره الـمـحـصّـنـة تـرتـفـع مـن الـرّمـال كـمـا لـو لـم تـمـرّ عـلـيـهـا الـقـرون تـقـريـبـاً، تـقـطـع خـطّ أفـق الـفـلاة بـأبـراجـهـا الـضّـخـمـة الـمـحـصّـنـة، ضـاربـة بـأسـسـهـا الـثّـابـتـة في بـاطـن الأرض، كـمـا لـو كـانـت مـن روائـع أعـمـال الـطّـبـيـعـة لا مـن عـمـل الإنـسـان.

“واقـتـربـنـا مـنـه مـن جـهـة الـشّـمـال الّـتي يـلـتـصـق فـيـهـا [بـسـوره الـخـارجي] بـنـاء واطئ يـمـتـدّ إلى وادي لـبـيـعـة Wâdî Lebai’ah.

“ولـحـق بي أحـد الـمـرافـقـيـن عـنـدمـا وصـلـت إلى أوّل الـحـجـر الـمـعـقـودة الـسّـقـوف وأشـار لي إلى رجـل في ثـوب طـويـل أبـيـض وأسـود كـان واقـفـاً في بـوابـة الـسّـور الـشّـمـالي. وتـقـدم الـرّجـل بـخـطـوات بـطـيـئـة نـحـونـا في صـمـت حـرارة الـنّـهـار.

وقـال : الـسّـلام عـلـيـكـم، Peace be upon you”، وأجـابـه مـرافـقي : “وعـلـيـكـم الـسّـلام، شـيـخ عـلي And upon you peace, Sheikh ‘Ali، هـذه الـسّـيّـدة إنـكـلـيـزيـة”.

فـقـال الـشّـيـخ عـلي : “مـرحـبـاً يـا سـيّـدة خـان (خـاتـون ؟) my lady khan، تـفـضّـلي، أدخـلي وارتـاحي”. وقـادني في مـمـر قـصـيـر نـحـو قـبّـة صـغـيـرة […] ثـمّ وصـلـنـا إلى قـاعـة واسـعـة مـعـقـودة الـسّـقـف جـلـس فـيـهـا إعـراب حـول رمـاد نـار.

الأخيضر ركن حوش

وأكـمـل الـشّـيـخ عـلي : “يـا خـاتـون، هـذه قـلـعـة الـنّـعـمـان بـن الـمـنـذر”.

“وفـكّـرت إن كـان هـذا قـصـر بـني لـخـم أم لا، فـهـو الـقـصـر الّـذي كـنـت أحـلـم بـالـعـثـور عـلـيـه. وهـو يـنـتـمي بـهـنـدسـتـه الـمـعـمـاريـة إلى مـجـمـوعـة أبـنـيـة مـن الـزّمـن الـسّـاسـاني سـبـق أن عـرفـنـاهـا، ويـنـتـمي تـاريـخـيـاً إلى الـقـصـور الـمـعـروفـة في زمـن الـجـاهـلـيـة”.

ثـمّ تـدخـل جـرتـرود بـيـل في عـرض طـويـل لأهـمـيـة الـحـيـرة وقـصـورهـا في انـتـقـال الـعـرب مـن الـبـداوة إلى الـحـضـارة. وهي تـشـرح لـنـا أنّ أهـل الـبـلـد حـرّفـوا الأخـيـضـر Ukhaeidir إلى خـيـضـر Kheidir. وأنّ بـقـاءه قـائـمـاً رغـم مـرور الـقـرون يـعـود إلى أن الـصّـحـراء أحـاطـت بـه وإلى بـعـده عـن الـقـرى، ولـهـذا لـم يـسـكـنـه أحـد. […]

“والأعـراب الـمـقـيـمـيـن في الـقـصـر الآن جـاءوا قـبـل عـامـيـن مـن الـجـوف ونـجـد. وقـال لي عـلي إنّـهـم “هـاربـيـن مـن حـكـم ابـن رشـيـد”. وكـانـت الـهـوادج الـخـشـبـيـة الّـتي سـافـرت فـيـهـا الـنّـسـاء عـلى ظـهـور الإبـل مـكـدّسـة في أحـد الـمـمـرات وأعـاقـتـنـا عـن عـبـوره. ورأيـت حـوالي عـشـريـن عـائـلـة تـقـيـم عـلى أرضـيـات غـرف مـعـقـودة الـسّـقـوف سـكـنـهـا أمـراء في الـمـاضي”.

الأخيضر حجرة

ثـمّ تـتـكـلّـم عـن أحـدهـم، واسـمـه غـانـم : “أخـذ ربـابـتـه وعـزف عـلى وتـرهـا الـوحـيـد أنـغـام نـحـيـب […] وقـال غـانـم : “يـا خـاتـون، سـأنـشـد لـك أنـشـودة الأخـيـضـر”. ولـكـنّي أجـبـتـه : “بـل انـصـت لـبـيـت شـعـر الأخـيـضـر :

بـلـيـنـا ومـا تـبـلى الـنّـجـوم الـطّــوالـع   وتـبـقى الـجـبـال بـعـدنـا والـمـصـانـع  (9)

“وهـمـهـم مـعـاشي : “الله  allah !” بـيـنـمـا كـان يـدور مـالـئـاً بـصـمـت فـنـاجـيـن الـقـهـوة. وهـا أنّ بـيـت لـبـيـد [بـن ربـيـعـة] يـبـهـر الـحـاضـريـن كـمـا كـان قـد بـهـر الـحـاضـريـن في ولـيـمـة الـخـلـيـفـة”.

وتـصـف في الـفـصـل الـثّـاني مـنـهـمـا الـقـصـر (مـن صـفـحـة 147 إلى صـفـحـة 158) :

الأخيضر برج زاوية

“والـقـصـر مـسـتـطـيـل مـن أسـوار تـتـخـلـلـهـا أبـراج مـسـتـديـرة مـحـصـنـة، أربـعـة مـنـهـا، واحـد في كـلّ زاويـة، أكـثـر ضـخـامـة مـن الأخـرى. وفي داخـل هـذه الأسـوار بـنـاء مـسـتـطـيـل الـشّـكـل تـحـيـطـه أفـنـيـة مـن ثـلاث جـهـات […] ويـتّـكئ عـلى الـسّـور الـشّـمـالي مـرتـفـعـاً عـلى ثـلاثـة طـوابـق.

الأخيضر داخل البوابة الشمالية

ويـلـحـق بـه بـنـاء يـحـتـوي عـلى أربـع عـشـرة حـجـرة مـسـقـوفـة وحـوش صـغـيـر في طـرفـه الـجـنـوبي”. […] “وفي شـمـال غـرب الـقـصـر بـنـاء صـغـيـر يـسـمـيـه الـعـرب “الـحـمّـام the Bath”[…] “والـعـرب يـؤكّـدون أنّـهـم يـجـدون مـاءً أجـاجـاً عـنـدمـا يـحـفـرون فـيـه. وهـنـاك بـئـر مـاء أجـاج أيـضـاً في حـوش الـقـصـر”. “وكـان مـاء شـرب الأخـيـضـر يـأتي مـن وادي لـبـيـعـة”.

وتـفـصّـل جـرتـرود بـيـل في وصـف الـقـصـر في عـدّة صـفـحـات تـعـززهـا صـور فـوتـوغـرافـيـة قـبـل أن تـقـتـرح ثـلاثـة احـتـمـالات لـتـاريـخ تـشـيـيـده :

“1. إلى الـفـتـرة الـسّـاسـانـيـة، أو حـكـم بـني لـخـم حـتّى الـفـتـح الإسـلامي.

  1. إلى مـا بـعـد الـفـتـح الإسـلامي بـمـائـة وخـمـسـيـن عـامـاً.
  2. إلى الـفـتـرة الـعـبّـاسـيـة، أي إلى مـا بـعـد 750 م.”

وعـنـدمـا عـادت جـرتـرود بـيـل إلى مـوقـع الأخـيـضـر عـام 1911 لـتـكـمـل الـمـخـطـوطـة الّـتي كـانـت قـد كـتـبـت مـنـهـا 168 صـفـحـة تـصـاحـبـهـا 166 صـورة فـوتـوغـرافـيـة، خـاب أمـلـهـا في أن تـكـون مـكـتـشـفـة الـمـوقـع الـوحـيـدة، وعـرفـت أنّ عـالـم آثـار ألـمـاني درس الـمـوقـع لـمـدة سـنـتـيـن في غـيـابـهـا، وأنّ كـتـابـه عـن الـقـصـر كـان عـلى وشـك الـصّـدور.

وكـان عـالـم الآثـار الألـمـاني هـذا أوسـكـار ريـوتـيـر oskar Reuther .  وقـد نـشـر كـتـابـه :  Ocheïdir، في لايـبـزك عـام 1912.

وكـان هـذا الألـمـاني عـالـم مـخـتـصّ بـالآثـار، ولـم تـكـن جـرتـرود بـيـل مـخـتـصّـة بـهـا، ومـع ذلـك قـررت أن تـنـشـر كـتـابـهـا ولـو كـان الـثّـاني عـن الأخـيـضـر. وصـدر عـام 1914 (10)

وقـد خـصـصـت الـفـصـل الأوّل مـن كـتـابـهـا لـوصـف بـنـاء الـقـصـر. والـمـقـايـيـس الّـتي أخـذتـهـا والـمـخـطـطـات الّـتي رسـمـتـهـا لا تـخـتـلـف عـن وصـف مـاسـيـنـيـون وريـوتـيـر لـه وهي هي تـقـريـبـاً. ولاحـظـت جـرتـرود بـيـل أنّ الـسّـور الـخـارجي الـمـحـصّـن شـيّـد بـعـد تـشـيـيـد الـقـصـر بـسـنـوات.

الأخيضر بوابة تفضي من حوش إلى حوش

وهـذا الـسّــور الـمـربّـع الـمـحـصّـن يـمـتـدّ كـلّ واحـد مـن جـوانـبـه 170 مـتـراً. وفي داخـلـه الـقـصـر الـمـحـصّـن (116 × 82 مـتـراً). وقـد شـيّـد خـارج الـتّـحـصـيـن وداخـلـه بـالأحـجـار الــمـقـطـوعـة، تـتـخـلـلـه أبـراج دائـريـة مـلـصـقـة بـه بـثـلاثـة أربـاعـهـا، وتـنـفـتـح بـه أبـواب أربـعـة، واحـد في وسـط كـلّ جـانـب.

الأخيضر مخطط

ويـفـضي بـاب الـقـصـر الـمـحـصّـن إلى مـدخـل عـقـد سـقـفـه بـالـحـجـارة، نـدخـل مـن يـمـيـنـه إلى مـسـجـد بـقـبـلـة مـسـتـطـيـلـة، ومـن يـمـيـنـه إلى أقـسـام سـكـن يـمـكـن أن تـكـون مـخـصـصـة لإقـامـة قـوّات الـحـراسـة.

ومـن هـذا الـمـدخـل نـصـل إلى مـمـرّ يـحـيـط بـجـزئـه الـمـركـزي الّـذي هـو حـوش اسـتـقـبـال وغـرفـه الـمـلـحـقـة بـه.

الأخيضر القاعة الكبيرة

وعـلى كـلّ مـن جـانـبي الـحـوش بـيـتـان يـفـصـلـهـمـا الـمـمـرّ عـنـه. ولـكّـل مـن هـذه الـبـيـوت الأربـعـة بـابـه الـخـاص الـمـفـضي إلى الـمـمـرّ. ولـيـس هـنـاك اتّـصـال آخـر بـيـن الـبـيـوت.

وفي وسـط كـلّ واحـد مـن هـذه الـبـيـوت حـوش (27 × 32 مـتـراً).

وبـهـذا يـقـتـرب مـخـطـط قـصـر الأخـيـضـر مـن مـعـمـار الـقـصـور الأمـويـة الـمـتـأخّـرة مـثـل قـصـر “الـمـشـتى” الّـذي نـجـد فـيـه أيـضـاً الـمـسـجـد قـرب الـمـدخـل وحـوش الإسـتـقـبـال والـبـيـوت الّـتي تـحـيـطـه.

وتـتـكـلّـم في الـفـصـلـيـن الـثّـاني والـثّـالـث والـرابـع عـن الـمـعـالـم الأثـريـة مـن قـصـور وقـلاع يـمـكـن أن تـعـتـبـر أصـولاً اسـتـوحـاهـا فـنّ الـمـعـمـار الإسـلامي عـامّـة في بـدايـاتـه أو كـانـت مـن أوائـل إنـتـاجـاتـه.

وتـخـصّـص الـفـصـول الـتّـالـيـة لـبـدايـات فـنّ عـمّـارة الـقـصـور الإسـلامـيـة، عـن الـواجـهـات والـمـسـاجـد الّـتي تـضـمّـهـا. ثـمّ تـفـتـح الـنّـقـاش عـن تـاريـخ تـشـيـيـد الأخـيـضـر. وهي تـقـتـرح أن يـكـون بـيـن 711 و 750 م. وهي لا تـعـتـقـد أنّ تـشـيـيـد الـقـصـر يـمـكـن أن يـتـعـدّى بـدايـة الـعـصـر الـعـبـاسي أي 750 ، لأنّـهـا تـعـتـبـر أنّ الـعـبـاسـيـيـن فـقـدوا هـوايـة الـصّـيـد في الـبـوادي الّـتي كـان يـمـارسـهـا الأمـويـون، والّـتي شـيّـدوا لأجـلـهـا قـصـور صـيـد في الـبـاديـة.

ومـع ذلـك، يـعـتـبـر كـثـيـر مـن الـمـخـتـصـيـن الآن أنّ تـاريـخ تـشـيـيـده يـعـود إلى الـنّـصـف الـثّـاني مـن الـقـرن الـثّـامـن بـعـد الـمـيـلاد، وأنّـه شـيّـد لـعـيـسى بـن مـوسى، حـفـيـد أبي الـعـبّـاس الـسّـفّـاح، أوّل خـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن. ولا بـد انّـه كـان قـصـر صـيـد في وسـط الـبـاديـة يـسـكـنـه فـتـرة وجـيـزة مـن الـسّـنـة، بـعـيـداً عـن طـرق الـتّـجـارة وعـن طـرق الـمـواصـلات.

الأخيضر حوش وطوابقه الثلاثة

“دومـة الـجـنـدل” أم “دومـة الـحـيـرة” :

وتـخـصـص جـرتـرود بـيـل صـفـحـتـيـن كـامـلـتـيـن مـن كـتـابـهـا (156/ 157) عـمّـا ذكـره يـاقـوت الـحـمـوي في “مـعـجـم الـبـلـدان”. والـمـؤرخـون الـعـرب يـذكـرون في حـديـثـهـم عـن فـتـح خـالـد بـن الـولـيـد لـلـعـراق عـام 12 لـلـهـجـرة (633/ 634 م.) “عـيـن الـتّـمـر”. ويـحـدد يـاقـوت مـوقـعـهـا في “شـفـاثـا”، والّـتي يـمـكـن أن تـكـون قـريـة شـتـاتـة الـحـالـيـة قـرب الأخـيـضـر. وكـان يـسـكـنـهـا عـرب نـصـارى قـاومـوا جـيـش خـالـد.

ويـذكـر الـمـؤرخـون، وهـو مـا تـنـاقـلـه بـعـضـهـم عـن بـعـض أنّ خـالـداً سـار بـعـد ذلـك لـفـتـح “دومـة الـجـنـدل” وقـتـل سـيّـدهـا الأكـيـدر الـكـنـدي. وهـو مـا يـبـدو غـريـبـاً لأنّ جـيـش خـالـد فـتـح “دومـة الـجـنـدل” قـبـل أن يـصـعـد إلى الـحـيـرة فـهي عـلى طـريـقـه مـن الـمـديـنـة إلى الـحـيـرة. ويـمـكـن أن يـكـونـوا قـد قـصـدوا “دومـة الـحـيـرة”، ثـمّ حـرّف الإسـم مـن نـاسـخ إلى نـاسـخ.

ويـذكـر يـاقـوت روايـتـيـن مـخـتـلـفـتـيـن عـن تـشـيـيـد “دومـة الـحـيـرة” الّـتي كـانـت قـرب “عـيـن الـتّـمـر”، وكـانـت بـقـايـا قـلـعـتـهـا مـعـروفـة في زمـانـه، أي الـقـرن الـثّـالـث عـشر الـمـيـلادي.

وحـسـب الـرّوايـة الأولى الّـتي ذكـرهـا يـاقـوت : بـعـث الـنّـبي خـالـداً لـفـتـح “دومـة الـجـنـدل”. وعـقـد صـلـحـاً بـعـد فـتـحـهـا مـع أكـيـدر الـكـنـدي سـيّـد الـدّومـة. ولـكـنّ أكـيـدر نـكـث الـعـهـد بـعـد وفـاة الـنّـبي، وهـرب نـحـو الـحـيـرة وشـيّـد لـه حـصـنـاً في “عـيـن الـتّـمـر” اسـمـاه “الـدّومـة”، وهـو الـحـصـن الّـذي أخـذه خـالـد عـام 12 هـ.

ويـذكـر يـاقـوت في الـرّوايـة الـثّـانـيـة الّـتي نـقـلـهـا أنّ أكـيـدر الـكـنـدي كـان قـد شـيّـد “دومـة الـحـيـرة” أوّلاً. ولأنّـه كـان يـذهـب لـلـصّـيـد في الـبـاديـة، في جـنـوب غـربـهـا فـقـد شـيّـد “دومـة الـجـنـدل” وأسـمـاهـا بـاسـم قـلـعـتـه الأولى.

ورغـم أنّـه مـن الـصّـعـب تـصـديـق هـاتـيـن الـرّوايـتـيـن، فـمـن الـمـمـكـن أن تـكـون بـقـايـا الـحـصـن الّـذي تـكـلّـم يـاقـوت عـن بـقـايـاه في زمـنـه بـقـايـا قـصـر الأخـيـضـر.

ويـبـدو أنّ الـدّكـتـور مـصـطـفى جـواد كـان يـعـتـقـد أنّ “حـصـن عـيـن الـتّـمـر” هـو الأخـيـضـر، وأنّـه مـن أصـل سـاسـاني لأنّ أسـلـوبـه وطـراز مـعـمـاره يـخـتـلـف عـن الـطّـرز الـعـربـيـة الإسـلامـيـة. ولـم أفـلـح في الـعـثـور عـلى مـقـالـه.

الأخـيـضـر بـعـد جـرتـرود :

وفي عـام 1930، زارت كـاتـبـة الـرّوايـات الـبـولـيـسـيـة الـبـريـطـانـيـة الـشّـهـيـرة  أجـاثـا كـريـسـتي  Agatha Christie مـع زوجـهـا عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN  قـصـر الأخـيـضـر عـنـدمـا زارا الـنّـجـف، وقـد سـبـحـا في بـحـيـرة قـربـه. ولـكـنّـهـمـا لـم يـنـشـرا عـنـه شـيـئـاً.

وفي كـتـابـه الـشّـهـيـر عـن الـمـعـمـار الإسـلامي الّـذي صـدر عـام 1932     (11)، إقـتـرح كـريـسـويـل K.A.C. Creswell  لـتـشـيـيـده سـنـة 778 م.  والـحـقـيـقـة أنّ كـريـسـويـل لـم يـزر الأخـيـضـر الّا في 1954، ونـشـر عـن زيـارتـه لـه مـقـالاً قـصـيـراً في مـجـلّـة سـومـر. (12)

ويـحـق لـنـا هـنـا أن نـتـسـاءل لـمـاذا لـم تـشـرع جـرتـرود بـيـل عـنـدمـا كـانـت مـسـؤولـة عـن الآثـار في مـمـلـكـة الـعـراق في الـنّـصـف الأوّل مـن عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، وحـتّى وفـاتـهـا عـام 1926، بـتـرمـيـم قـصـر الأخـيـضـر، أو بـإزالـة الأنـقـاض الـمـتـراكـمـة فـيـه عـلى الأقـل. وكـيـف لـم تـصـطـحـب الـمـلـك فـيـصـل الأوّل لـزيـارتـه، وهي الّـتي كـانـت تـريـد أن يـرى مـعـالـم الـبـلـد الّـذي “اخـتـاره سـكـانـه لـيـحـكـمـهـم”. (13)

وبـدأت أعـمـال إزالـة الأنـقـاض والـتّـرمـيـم في أواخـر ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، واسـتـمـرّت عـام 1940. وبـدأت مـديـريـة الآثـار الـعـامـة عـام 1960 حـمـلـة جـديـدة لإزاحـة الأنـقـاض، وقـامـت بـبـعـض الـحـفـريـات وبـتـرمـيـمـات في بـعـض أجـزائـه. وقـامـت في عـام 1962 بـحـمـلـة ثـانـيـة، ثـمّ اسـتـمـرت في عـدّة مـواسـم في سـتـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي وسـبـعـيـنـيـاتـه.

 

الأخيضر بعد الترميم

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) Pietro DELLA VALLE, Viaggi, vol. 4, p. 256.

(2) Les six voyages de Jean-Baptiste Tavernier, vol. 1, p. 149.

(3) William Beawes, Accunt of a Journey from Basra to Aleppo in 1745 Printed in Hakluyt, Second Series,N° I.XIII (edit D. Carruthers)

(4) Gaylard Roberts, Accunt of a Journey from Basra to Aleppo in 1748. Printed in Hakluyt, Second Series,N° I.XIII (edit D. Carruthers), chap. ii. Pp. 43-47.

(5) Carsten Niebuhr, Reisebeschreibung, vol. ii., p. 225

(6) Travels from England to India in 1789, by the way of the Tyrol, Venice, Scandaroon, Aleppo and over the great desart to Bassora ; with instructions for travellers and an account of the expence of travelling, etc. by maj. John Taylor. London, Carpenter, 1799. Vol. 1, p. 247.

(7) Bulletin de l’Acad. Des Inscr. et Belles-Lettres, Mars 1909.

(8) Gertrud Lowthian Bell, Amurath to Amurath, London, Heinemann, 1911.

(9) يـذكـر عـلـمـاء الـلـغـة أنّ الـمـصـانـع في بـيـت لـبـيـد تـعـني أبـراج الـحـصـون.

(10) Gertrud Lowthian Bell, Palace and Mosque at al Ukhaidir. A study in early mohammadan architecure. Oxford 1914.

(11) K.A.C.  Creswell, Early Muslim Architecture, II, 1932. pages 50 – 100.

(12) K.A.C.  Creswell , A visit to Ukhaider and Kûfa, Sumer, X 1954. N°2, pp. 143-149.

(13) أنـظـر مـقـالي : “فـيـصـل وجـرتـرود”  : فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

الإعلانات

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s