عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب وتـشـكـيـل الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة عـام 1921

عبد الرحمن النقيب

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـيـنـمـا كـانـت الـقـوى الأوربـيـة الـكـبـرى الّـتي انـتـصـرت في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى تـستـعـدّ لـلـمـشـاركـة في مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، صـرّح الـرّئـيـس الأمـريـكي وودرو ولـسـن  Woodrow Wilson أنّـه يـأمـل أن يـمـنـح لـلـشّـعـوب الّـتي خـسـرت دولـهـا الـحـرب الـحـق في تـقـريـر مـصـيـرهـا. ولـم يـكـن لـلـدّول الأوربـيـة إلّا أن تـظـهـر احـتـرامـهـا لـقـرار الـرّئـيـس الأمـريـكي.

ولأنّ الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة كـانـت تـجـهـل كـلّ مـا يـتـعـلّـق بـسـكّـان الـولايـات الـعـثـمـانـيـة الـثـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، الّـتي كـانـت تـنـوي أن تـوحّـدهـا في دولـة، فـقـد طـلـبـت مـن الـكـولـونـيـل الـسّـيـر أرنـولـد ولـسـن Sir Arnold Wilson الّـذي كـان قـد عـيّـن عـام 1918 مـنـدوبـاً لـلإدارة الـمـدنـيـة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد خـلـفـاً لـلـسّـيـر بـرسي كـوكـس Sir Percy Cox، أن يـسـتـفـتي آراء الـنّـاس في الـولايـات الـثّـلاث.

ولـم يـكـن الـكـولـونـيـل ولـسـن مـتـحـمّـسـاً لـمـبـدأ حـقّ تـقـريـر الـمـصـيـر، وكـان يـفـضّـل عـلـيـه اسـتـعـمـار الـعـراق وربـطـه بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، فـتـكـلّـفـت جـرتـرود بـيـل  Gertrude Bell (1)، سـكـرتـيـرة الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في بـغـداد بـتـنـفـيـذ الإسـتـفـتـاء. وكـانـت جـرتـرود بـيـل ضـدّ فـكـرة اسـتـعـمـار الـعـراق، وكـانـت تـدافـع عـن مـشـروع إنـشـاء دولـة مـوحّـدة لـلـولايـات الـثّـلاث لـهـا اسـتـقـلالـهـا الـذّاتي ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني.

وقـررت أن يـجـري الإسـتـفـتـاء بـاخـتـيـار 75 مـنـدوبـاً تـنـتـخـبـهـم الـمـدن الـكـبـرى والـجـمـاعـات الـدّيـنـيـة الـرّئـيـسـيـة، ثـمّ تـطـرح عـلـيـهـم ثـلاثـة أسـئـلـة : هـل يـرتـضـون بـإنـشـاء دولـة مـوحّـدة مـن كـردسـتـان شـمـالاً وإلى الـبـصـرة جـنـوبـاً ؟ وأن يـتـرأسـهـا أمـيـر عـربي ؟ وهـل لـديـهـم مـرشـحـون لـهـذا الـمـنـصـب ؟

وكـانـت أجـوبـتـهـم مـتـعـارضـة مـا عـدا إجـمـاعـهـم عـلى ضـرورة إنـشـاء دولـة واحـدة تـضـمّ الـولايـات الـثـلاث. وكـان عـلى جـرتـرود بـيـل أن تـكـتـب تـقـريـراً مـفـصّـلاً عـن نـتـائـج الإسـتـفـتـاء عـنـونـتـه : “حـقّ تـقـريـر الـمـصـيـر في مـا بـيـن الـنّـهـريـن   Self-Determination in Mesopotamia”.ولـتـكـمـل الإسـتـفـتـاء قـررت أن تـبـادر إلى الإلـتـقـاء بـوجـهـاء الـعـراق  ورجـالـه الـمـهـمّـيـن لـتـسـتـشـيـرهـم في مـشـروع إنـشـاء دولـة مـوحّـدة.

لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب :

عبد الرحمن النقيب 2

وهـكـذا حـصـلـت الـمـس في 6 شـبـاط 1920 عـلى مـوعـد لـزيـارة الـسّـيّـد عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي الـكـيـلاني، نـقـيـب أشـراف بـغـداد.

وأودّ أن أشـيـر هـنـا إلى أهـمـيـة عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب في الـوضـع الـسّـيـاسي لـلـعـراق في فـتـرة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى ومـا بـعـدهـا. ويـكـفـيـني لـذلـك أن أذكـر لـقـاء الألـمـاني سْـفـيـن أنـديـرس هـيـديـن       Sven Anders Hedin  بـه عـام 1916. وقـد رسـم لـه هـيـديـن تـخـطـيـطـاً وضـعـتـه في بـدايـة هـذا الـمـقـال، ويـعـدّ مـن بـيـن الـصّـور الـنّـادرة الّـتي وصـلـتـنـا لـلـنّـقـيـب. (2)

ودام لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب سـاعـة ونـصـف. وقـد سـجّـلـت الـمـس مـا جـرى في هـذا الـلـقـاء في مـلـحـق أرسـلـتـه مـع الـتّـقـريـر إلى مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، ومـا زال مـحـفـوظـاً في أرشـيـفـات الـخـارجـيـة الـبـريـطـانـيـة.

وقـد قـررت أن أتـرجـمـه بـأقـرب مـا يـمـكـن مـن الـنّـصّ الأصـلي، وأن لا أحـذف مـنـه شـيـئـاً، ولا حـتّى الـمـقـاطـع الّـتي يـمـكـنـهـا أن تـثـيـر حـسـاسـيـات وطـنـيـة أو قـومـيـة أو ديـنـيـة أو طـائـفـيـة.

سـجّـلـت جـرتـرود بـيـل في الـمـلـحـق الّـذي أرسـلـتـه إلى مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، كـمـا سـبـق أن ذكـرت، لـقـاءهـا بـنـقـيـب أشـراف بـغـداد في 6 شـبـاط 1920 :

“ذهـبـت إلى دار الـنّـقـيـب في الـمـوعـد الّـذي حـدده لي صـبـاح هـذا الـيـوم، الـسّـادس مـن شـبـاط لأودّعـه قـبـل أن أغـادر بـغـداد إلى إنـكـلـتـرة بـعـد غـد. ووصـلـت مـبـكّـرة فـاسـتـقـبـلـني ابـنـه، الـسّـيّـد هـاشـم، وجلـسـت أحـادثـه دقـائـق طـويـلـة قـبـل أن يـأتي الـنّـقـيـب بـنـفـسـه. وقـد انـتـقـل الـنّـقـيـب مـنـذ الإحـتـلال إلى الـدّار الـمـواجـهـة لـتـكـيـة عـبـد الـقـادر، فـهـو شـيـخ الـتّـكـيـة. أمّـا داره الّـتي يـسـكـنـهـا اعـتـيـاديـاً، والّـتي تـطـلّ عـلى الـنّـهـر جـوار دار الـمـنـدوب الـسّـامي فـقـد أفـرغـت لأمـور أمـنـيـة بـعـد أن طـلـبـت مـوافـقـتـه عـلى ذلـك.

“وتـرتـيـب داره شـديـد الـبـسـاطـة. والـغـرفـة الّـتي يـسـتـقـبـل فـيـهـا زائـريـه في الـطّـابـق الأرضي، تـنـفـتـح نـوافـذهـا عـلى حـديـقـة وسـط حـوش، فـيـهـا أشـجـار بـرتـقـال. ووضـعـت لـصـق جـدران الـغـرفـة أرائـك مـنـتـصـبـة الـخـلـفـيـات صـلـبـة، يـغـطـيـهـا قـمـاش قـطـني أبـيـض. وخـصـصـت إحـدى زوايـا الـغـرفـة بـمـحـاذاة نـافـذة مـن نـوافـذهـا لـجـلـوس الـنّـقـيـب، وأمـامـه طـاولـة صـغـيـرة يـغـطـيـهـا شـرشـف أبـيـض وعـلـيـهـا كـتـب. وجـدران الـغـرفـة مـطـلـيـة بـجـصّ أبـيـض، ولـيـس في الـغـرفـة مـا يـجـذب الأنـظـار إلّا نـظـافـتـهـا الـنّـاصـعـة.

والـنّـقـيـب رجـل مـسـنّ حـنـت ظـهـره الـسّـنـيـن، ويـبـدو أنّ الـرّومـاتـيـزم أصـاب مـفـاصـلـه، يـرتـدي ثـوبـاً طـويـل الـذّراعـيـن يـنـزل إلى قـدمـيـه، مـن قـمـاش أبـيـض في الـصّـيـف، وأسـود في الـشّـتـاء. ويـنـفـتـح أعـلى ثـوبـه عـلى قـمـيـص أبـيـض تـحـتـه. ويـحـزم خـصـره بـقـطـعـة قـمـاش بـيـضـاء عـريـضـة، وعـلى رأسـه عـمـامـة بـيـضـاء لـفّـهـا حـول “فـيـنـة” حـمـراء.

وانـسـحـب الـسّـيّـد هـاشـم عـنـدمـا دخـل أبـوه الـنّـقـيـب الّـذي أمـر بـأن لا يـسـمـح لأحـد بـالـدّخـول خـلال لـقـائـنـا. وعـنـدهـا أخـبـرتـه أنـني سـأغـادر بـغـداد بـأسـرع مـمـا كـنـت أنـوي، فـقـد دعـيـت إلى بـاريـس. وأشـرت إلى أنّ هـنـاك بـعـض الـتّـفـاصـيـل الّـتي تـتـعـلـق بـالـقـرارات الّـتي سـتـتـخـذ بـشـأن الـحـدود مـثـلاً والّـتي أحـتـاج إلـيـهـا ولا يـعـرفـهـا إلّا وجـهـاء الـبـلـد. وذكـرت لـه عـلى سـبـيـل الـمـثـال مـسـألـة “مـتـصـرفـلـيـق” (3) ديـر الّـتي طـلـب رئـيـس بـلـديـتـهـا الـسّـابـق (4) أن تـضـمّ إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وسـألـتـه عـن رأيـه في ذلـك. وأجـابـني أنّـه رأى هـذا الـرّجـل، ويـعـرف أخـاه وهـو مـن وجـهـاء ديـر، وأنّـهـمـا جـاءا أمـس يـطـلـبـان نـصـيـحـتـه. ولأنّ الـمـجـلـس كـان غـاصّـاً بـالـزّائـريـن، ولـم يـرد أن يـجـيـبـهـمـا أمـام الـجـمـيـع فـقـد طـلـب مـنـهـمـا أن يـعـودا في الـغـد (أي في هـذا الـيـوم) لـيـتـركـا لـه الـوقـت لـلـتّـفـكـيـر في الأمـر : “وهـو يـنـتـظـر الآن أن أدخـلـه في الـغـرفـة. ولأنـنـا نـتـحـدث الآن فـيـمـا بـيـنـنـا بـثـقـة مـتـبـادلـة، فـسـأخـبـركِ بـجـوابي الّـذي سـأجـيـبـه بـه. سـأقـول لـه : “يـا ابـني، أصـبـت في قـرارك بـأن تـدخـل مـنـطـقـتـك تـحـت الـسّـلـطـة الـبـريـطـانـيـة، فـالـبـريـطـانـيـون مـعـروفـون في كـلّ أرجـاء الـعـالـم بـعـدلـهـم وإنـصـافـهـم”. وأكـمـل الـنّـقـيـب : “ولـكـنّي سـأصـارحـكِ بـأنـني لا أحـبّ الـفـرنـسـيـيـن”. (ولا بـد أن نـفـهـم أنّـه كـان مـتـأكّـداً مـن أنّ فـرنـسـا سـتـسـيـطـر عـلى سـوريـا وإلى حـدود دولـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن)، وأكـمـل “نـعـم، أنـا مـعـجـب بـمـعـارفـهـم وبـثـقـافـتـهـم، ولـكـنّي لا أحـبّ حـكـومـتـهـم. ولا يـخـفى عـلـيـنـا أنّ إدارتـهـم تـظـلـم سـكّـان الـجـزائـر الـمـحـمّـديـيـن. هـذه أمـور مـعـروفـة. وأنـا أرغـب في إبـعـاد فـرنـسـا أكـثـر مـا يـمـكـن عـن الـوصـول إلى بـغـداد. وأنـا أقـول هـذا لـكِ أنـتِ فـقـط يـا خـاتـون صـاحـب (5) وأرجـوك أن تـعـذري صـراحـتي. وأنـا أخـشى صـراعـاً لا مـفـرّ مـنـه بـيـن فـرنـسـا وبـريـطـانـيـا. فـعـنـدمـا يـضـع الـبـريـطـانـيـون أقـدامـهـم في مـكـان مـا لا يـتـركـونـه أبـداً. مـا يـمـسـكـون بـه يـشـدّون قـبـضـاتـهـم عـلـيـه. وسـيـواجـهـون طـمـوحـات الـفـرنـسـيـيـن وغـيـرتـهـا مـنـهـم، ولـن يـتـركـوا الـمـنـطـقـة ولـو دارت حـرب بـيـنـهـمـا خـمـسـيـن سـنـة. وأنـا درويـش darwish  ولا تـعـنـيـني أمـور الـحـيـاة الـدّنـيـا. ولـكـنّي جـرّبـت طـويـلاً الـنّـاس وأمـورهـم وأعـرض عـلـيـكِ مـخـاوفي كـمـا هي”.

“وبـعـد أن فـصّـل الـحـديـث في هـذا الـمـوضـوع وأطـال الـتّـفـصـيـل (فـالـنّـقـيـب رجـل يـحـبّ الـكـلام) سـألـني، كـعـادتـه في سـؤالي كـلّـمـا زرتـه، مـتى نـأمـل بـرجـوع الـسّـيـر بـرسي كـوكـس Sir Percy Cox [إلى بـغـداد]. واسـتـطـرد : “يـا خـاتـون، في إنـكـلـتـرة مـئـات، بـل آلاف مـن الـقـادريـن عـلى أن يـكـونـوا سـفـراء في بـلاد الـفـرس، ولـكـن لا أحـد مـنـهـم يـمـكـنـه أن يـحـلّ مـحـل الـسّـيـر بـرسي كـوكـس في الـعـراق. أهـل الـعـراق يـعـرفـونـه ويـحـبّـونـه ويـثـقـون بـه. وهـو رجـل جـرّب الـحـيـاة، وفـوق ذلـك تـقـيّـمـه لـنـدن وتـعـتـمـد عـلـيـه. وسـيـكـون الـنّـاطـق بـاسـمـنـا، فـإذا مـا أرادت الـحـكـومـة [الـبـريـطـانـيـة] أن تـعـرف مـا نـريـد فـسـيـكـون قـادراً عـلى مـدّهـا بـالـمـعـلـومـات الـضّـروريـة وسـتـقـبـل آراءه. وأشـهـد بـالله أنّـه لـو كـان الـسّـيـر بـرسي كـوكـس هـنـا لـمـا احـتـجـنـا إلى اسـتـفـتـاء آراء الـنّـاس عـن مـا يـودّونـه في الـمـسـتـقـبـل. وهي فـكـرة غـريـبـة سـبـبـت هـذا الـهـيـجـان الّـذي لـم يـهـدأ بـعـد في الـمـدن. وأنـتِ تـعـرفـيـن أنـني لـم أشـارك فـيـه، ومـنـعـت أهـلي وأقـاربي مـن الـمـشـاركـة فـيـه. وكـان ابـني، الـسّـيّـد مـحـمـود أوّل مـن رفـض تـعـيـيـنـه في الـمـجـلـس the Majlis. وكـنـت قـد طـلـبـت مـنـه أن يـبـتـعـد عـن ذلـك. وجـاءني كـثـيـر مـن الـنّـاس يـطـلـبـون مـنّي الـنّـصـيـحـة أو يـلـحّـون عـليّ لأقـبـل آراءهـم. وأجـبـتـهـم بـأنّ الإنـكـلـيـز فـتـحـوا هـذا الـبـلـد، وأنـفـقـوا أمـوالـهـم وسـكـبـوا دمـاءهـم عـلى أرضـه، وارتـوى تـرابـه بـدمـاء الإنـكـلـيـز والأسـتـرالـيـيـن والـكـنـديـيـن والـهـنـود الـمـسـلـمـيـن وعـبـدة الأصـنـام. أ فـلـيـس لـهـم الـحـقّ بـالـتّـمـتـع بـمـا كـسـبـوه ؟ وقـد سـيـطـر غـزاة آخـرون في الـمـاضي عـلى هـذا الـبـلـد، وكـمـا وقـع تـحـت سـيـطـرتـهـم فـسـيـقـع تـحـت سـيـطـرة الإنـكـلـيـز، وسـتـمـتـدّ سـيـطـرتـهـم عـلـيـه. قـومـك يـا خـاتـون قـوم عـظـيـم، واسـع الـثّـراء، شـديـد الـقـوّة. وأيـن قـوتـنـا نـحـن ؟ فـإن أردنـا مـثـلاً أن يـحـكـمـنـا الإنـكـلـيـز ولـم يـرد الإنـكـلـيـز أن يـحـكـمـونـا، فـكـيـف يـمـكـنـنـا أن نـجـبـرهـم عـلى ذلـك ؟ وإن أردنـا أن يـحـكـمـنـا آخـرون غـيـرهـم وقـرر الإنـكـلـيـز أن يـبـقـوا لـيـحـكـمـونـا، فـكـيـف يـمـكـنـنـا أن نـطـردهـم ؟ وأنـا أعـتـرف لـكـم بـأنّـكـم انـتـصـرتـم. أنـتـم الـحـاكـمـون ونـحـن الـرّعـيـة. وإن سـألـتـيـني عـن رأيي فـسـأجـيـب أنـني أرتـضي أن أكـون مـن رعـيـة الـمـنـتـصـر”.

“وتـلـطّـف الـنّـقـيـب مـعي في مـا يـخـصّـني : “وأنـتِ يـا خـاتـون، لـديـك إدراك ومـعـرفـة بـأمـور الـحـكـم. ولـهـذا أصـارحـك بـأنـني أحـبـبـت حـكـم الأتـراك كـمـا كـانـوا يـحـكـمـون في الـمـاضي. ولـو أمـكـنـنـا الـعـودة إلى حـكـم سـلاطـيـنـهـم كـمـا كـانـوا في مـاضي مـجـدهـم لـمـا اخـتـرنـا حـكّـامـاً غـيـرهـم. ولـكـن لـيـلـعـن الله حـكـومـة تـركـيـا الـحـالـيـة ويـخـزيـهـا … لـقـد مـات الأتـراك الأقـحـاح وانـتـهى حـكـمـهـم، ولـهـذا يـسـعـدني أن أكـون مـن رعـيـتـكـم. وأنـتِ الآن ذاهـبـة إلى لـنـدن، وسـتـقـابـلـيـن [الـمـلـك] الـعـظـيـم وسـتـتـحـدثـيـن مـعـه. عـلـيـك أن تـقـولي لـه : دع الـسّـيـر بـرسي كـوكـس يـعـود إلى الـعـراق لـيـنـهي الـحـكـم الـعـسـكـري. سـتـرتـكـب إنـكـلـتـرة خـطـأ عـظـيـمـاً إن أبـقـت الـحـكـم الـعـسـكـري. لا أقـول هـذا ضـدّ الـقـائـد الـعـام، فـهـو نـبـيـل يـظـهـر نـبـلـه عـلى وجـهـه. وقـد ذهـبـت لـمـقـابـلـتـه مـع أن هـذا لـيـس مـن عـادتي. نـعـم، ذهـبـت لـمـقـابـلـة الـسّـيـر ولـيـام مـارشـال (وكـان صـعـبـاً عـلى الـنّـقـيـب أن يـلـفـظ اسـمـه لـفـظـاً صـحـيـحـاً) عـنـدمـا رجـاني الـسّـيـر بـرسي كـوكـس أن أذهـب لـلـقـائـه. ولـيـس مـن الـلـيـاقـة أن أرفـض رجـاءه. وكـنـت قـد ذهـبـت قـبـلـهـا لـمـقـابـلـة مـود Maude. يـكـنّ بـلـدكِ لـمـود احـتـرامـاً عـمـيـقـاً، ونـلـهـج نـحـن لـه بـالـحـمـد أيـضـاً. كـان مـحـبـوبـاً في بـغـداد. ولـكـن في أيّـام الـسّـلـم هـذه، يـنـبـغي أن يـكـون الـحـكـم بـأيـدي رجـال الـدّولـة لا بـأيـدي الـعـسـكـر. يـمـكـنـكـم أن تـبـقـوا الـجـيـش هـنـا لـلـمـحـافـظـة عـلى الأمـن، ولـكـنّ الـجـيـش لا يـنـبـغي أن يـحـكـم. هـذا مـا عـلـيـك أن تـقـولـيـه : “نـريـد أن يـحـكـمـنـا الـسّـيـر بـرسي كـوكـس”، ولـكـن لا تـقـولي لـه، مـع أنّ ذلـك صـحـيـح، إنّـكِ أصـبـحـت أنـتِ نـفـسـكِ بـغـداديـة، وإنّ اسـتـقـرار الـعـراق وازدهـاره يـشـغـل بـالـكِ كـلّـه، لانّ هـذا سـيـقـلـل مـن أهـمـيـة دفـاعـكِ عـن الـعـراق في لـنـدن ويـقـلـل مـن انـتـفـاعـنـا بـكِ”.

“وبـعـد أن انـتـهى الـنّـقـيـب مـن تـحـذيـره لي، عـاد إلى مـوضـوع حـقـوق الـشّـعـوب في تـقـريـر مـصـيـرهـا Self-determination : “مـا كـلّ هـذا الـهـراء، ومـا قـيـمـتـه ؟ أنـا أُرجـع هـذا لأمـريـكـا، ومـصـدره ولـسـن. فـهـل يـعـرف الـشّـيـخ ولـسـن shaikh Wilson الـشّـرق وأهـلـه ؟ وهـل يـعـرف طـرق عـيـشـنـا وعـاداتـنـا الـفـكـريـة ؟ وأنـتـم يـا إنـكـلـيـز، تـحـكـمـون مـنـذ ثـلاثـة قـرون في آسـيـا، وحـكـمـكـم مـثـال يـنـبـغي أن يـقـلّـده الـكـلّ. تـابـعـوا طـرقـكـم في الـحـكـم ولا تـتـبـعـوا إرشـادات الـشّـيـخ ولـسـن أو نـصـائـح آخـر غـيـره. ولـتـرشـدكـم الـمـعـرفـة والـتّـجـربـة.

“وبـفـتـحـه لـلـمـوضـوع بـهـذه الـطّـريـقـة لـم يـعـد صـعـبـاً عـليّ أن أسـتـرجـع مـع الـنّـقـيـب مـا حـدث في بـغـداد، فـقـال : “أغـلـب مـن عـلا ضـجـيـجـهـم ضـدّكـم نـاس لا أهـمـيـة لـهـم ولا شـرف. لـيـس لـحـمـدي الـبـاجـة جي Ramdi Pachahji أدنى أهـمـيـة.  وفـوق ذلـك فـهـو مـجـنـون majnun. ومـن سـمـع قـبـل الآن بـجـعـفـر أبـو تـمّـن Ja’far Abu Timmam ؟ فـهـو لـيـس مـن أشـراف الـبـلـد. ولـكـنّي حـذرتـكِ مـن الـشّـيـعـة، مـع أنّـه لـيـس لي عـداء نـحـو الـشّـيـعـة”، أسـرع يـطـمـئـنـني. وقـد احـتـطـت بـالـحـذر حـتّى لا يـظـهـر عـلى وجـهي الـشّـكّ فـيـمـا قـالـه، : “وهـم يـحـبّـوني ويـحـتـرمـوني ويـعـتـبـروني شـيـخـاً لـهـم. ولـكـن اقـرأي صـفـحـات الـتّـاريـخ وسـتـجـديـن أن مـا يـمـيـزهـم هـو تـقـلّـبـهـم … إمـتـزجـت فـيـهـم الـوثـنـيـة بـالـتّـقـيـة، وهـو مـا لا يـتـرك مـكـانـاً لـلـثّـقـة بـهـم”.

“وأخـبـرت الـنّـقـيـب بـعـد ذلـك بـأنّـه كـان لـديـنـا قـائـمـة كـامـلـة بـأسـمـاء كـلّ مـن حـرّضـوا عـلى الإضـطـرابـات الـمـعـاديـة لـبـريـطـانـيـا، وأنّـه، بـطـلـب مـن الأشـراف، أوقـفـنـا 6 أو 7 مـنـهـم. ولـكـنّي لـم أتـذكـر مـن مـنـهـم حـكـم عـلـيـه بـالـنّـفي. وكـان في جـيـبي مـسـودّة الـقـائـمـة بـصـيـغـتـهـا الأولـيـة، قـبـل اكـتـمـالـهـا. وأثـار ذلـك فـضـولـه الـشّـديـد وسـألـني أن أعـلـمـه بـأسـمـاء مـن أوقـفـوا.

وكـانـت الـقـائـمـة تـبـدأ بـعـبـد الـوهّـاب الـنّـائـب وشـيـخ سـعـيـد، ولـكـنّي لـم أذكـرهـمـا لـه لأنّـه لـم تـتـخـذ بـعـد إجـراءات ضـدّهـم. وقـرأت بـاقي الأسـمـاء عـلى الـنّـقـيـب. وكـان بـيـنـهـم اثـنـان لـم يـكـن يـعـرفـهـمـا، وكـان قـد سـمـع بـواحـد ولـكـنّـه لا يـعـرف عـنـه شـيـئـاً. وكـان يـعـرف أحـد الـبـاقـيـن : شـطـور شـصـيـبـه shatur Chasibah الّـذي وصـفـه بـأنّـه شـقي مـحـتـال Rogue. وتـذكّـرت أنّ هـذا الـرّجـل لـم يـكـن مـن بـيـن الّـذيـن كـنـت أنـوي حـبـسـهـم. وطـلـب مـنّي الـنّـقـيـب أن أبـلـغ مـفـوّض الـتّـمـثـيـل الـمـدني الـبـريـطـاني the Acting Civil Commessioer بـأن لا يـسـمـح لـشـاهـر Shahir  بـالـبـقـاء في بـغـداد. ثـمّ طـويـت بـعـد ذلـك ورقـتي وقـلـت لـه إنّ كـلّ هـؤلاء عـرفـوا بـتـحـريـضـهـم [ضـدّ الإنـكـلـيـز] في مـقـاهي الـمـديـنـة كـلّ مـسـاء، وبـهـذا يـخـلّـون بـالأمـن. وأضـفـت أنّ هـنـاك رجـلـيـن آخـريـن أكـثـر خـطـراً بـسـبـت أهـمـيـتـهـمـا وسـمـعـتـهـمـا. وأشـرت إلى عـبـد الـوهّـاب الـنّـائـب وشـيـخ سـعـيـد. ولـمـكـانـتـهـمـا بـيـن رجـال أهـل الـسّـنـة يـسـتـحـيـل عـلـيـنـا أن نـلـزمـهـمـا الـصّـمـت تـمـامـاً. وأنـصـت إليّ الـنّـقـيـب بـتـركـيـز شـديـد ثـمّ فـكـر لـحـظـات طـويـلـة قـبـل أن يـجـيـب : “كـلّا، لا يـمـكـنـكـم أن تـرمـوهـمـا في الـسّـجـن أو تـنـفـوهـمـا، ولـكـنّي مـتـأكّـد مـن أنّ الـكـولـونـيـل ولـسـن Colonel Wilson سـيـوافـقـني عـلى مـا سـأفـعـل : سـأطـلـب مـنـهـمـا أن يـأتـيـا وسـأثـبـت لـهـمـا قـلّـة جـدوى تـصـرفـاتـهـمـا. وأنـا أعـرف أنّـهـمـا فـعـلا مـا فـعـلا بـدوافـع ديـنـيـة، وأنّـهـمـا اسـتـعـمـلا الـدّيـن لإثـبـات آرائـهـمـا، وأنـا الـمـرجـع الـمـوثـوق بـه هـنـا في كـلّ مـا يـخـصّ شـؤون الـدّيـن”.

“وشـكـرت الـنّـقـيـب شـكـراً جـزيـلاً عـلى اقـتـراحـه وأكّـدت لـه أنّ الـكـولـونـيـل ولـسـن سـيـرتـضي بـذلـك شـاكـراً. وفـعـلاً بــعـث لـه رسـالـة بـذلـك في الـيـوم الـتّـالي.

“ولأنّ حـديـثـنـا كـان حـديـث صـديـقـيـن حـمـيـمـيـن فـقـد تـجـرأت، وأنـا أعـتـذر مـنـه، عـلى تـوجـيـه سـؤال شـخـصي لـه. وكـان هـو الّـذي وجـهـني، مـن غـيـر أن يـقـصـده، إلى طـرح مـسـألـة تـرشـيـح الـشّـريـف أو واحـد مـن أبـنـائـه لـمـنـصـب أمـيـر عـلى مـا بـيـن الـنّـهـريـن Amir of Mesopotamia. وأجـابـني : “أنـا مـن أقـربـاء الـشّـريـف، ونـحـن مـن نـفـس الأرومـة ولـنـا نـفـس الـعـقـائـد الـدّيـنـيـة، ولـكـنّي لـن أقـبـل أبـداً بـاخـتـيـار الـشّـريـف أو أحـد أبـنـائـه كـأمـيـر، فـالـحـجـاز شئ والـعـراق شئ آخـر، ولا يـربـط بـيـنـهـمـا إلّا الـعـقـيـدة. فـسـيـاسـتـنـا وتـجـارتـنـا وزراعـتـنـا مـخـتـلـفـة … والـحـجـاز دار الإسـلام الـمـقـدّسـة، ويـنـبـغي أن تـبـقى أرضـاً مـنـفـصـلـة مـسـتـقـلّـة لـيـنـتـفـع بـهـا كـلّ الـمـسـلـمـيـن، مـثـلـمـا هـو الأمـر في الـقـدس، الـمـديـنـة الـبـالـغـة الـتّـقـديـس لـلـمـسـلـمـيـن والـمـسـيـحـيـيـن … ولا بـد لـلـقـوى الـكـبـرى أن تـحـافـظ عـلى حـقـوق الـمـسـلـمـيـن والـمـسـيـحـيـيـن فـيـهـا وأن تـحـمي مـراقـدهـا الـمـقـدّسـة. أمّـا عـن حـكـم مـا بـيـن الـنّـهـريـن فـأنـتِ تـعـرفـيـن مـدى كـراهـيـتي لـلإدارة الـتّـركـيـة الـحـالـيـة. ومـع ذلـك أفـضّـل ألـف مـرّة أن يـعـود الأتـراك إلى الـعـراق مـن أن يـحـكـمـنـا الـشّـريـف أو أبـنـاؤه”.

“وهـنـا قـلـتُ لـه : “لـو أصـبـح ضـروريـاً، لأسـبـاب لا يـمـكـن أن نـتـنـبّـأ بـهـا بـعـد، أن نـضـع أمـيـراً عـلى دولـة الـعـراق، فـهـل تـقـبـل أنـتَ هـذه الـمـسـؤولـيـة بـمـسـاعـدتـنـا ودعـمـنـا وبـهـذا تـتـحـاشى أن نـخـتـار أمـيـراً حـجـازيـاً لـذلـك”.

“كـانـت يـدي عـلى الـجـانـب الـخـشـبي لـلإريـكـة، فـطـبـطـب عـلـيـهـا مـرتـيـن أو ثـلاث بـأصـابـعـه، وانـحـنى نـحـوي، وقـال ضـاحـكـاً : “كـيـف لـكِ أن تـوجـهي لي مـثـل هـذا الـطّـلـب ؟ أنـا درويـش. أ لا تـحـمـيـني ثـيـابي ؟”، وأمـسـك كـعـادتـه بـجـبـتـه الـسّـوداء وهـزّهـا. “وأن أصـبـح رئـيـسـاً سـيـاسـيـاً لـلـدولـة يـعـارض مـبـادئي الـدّيـنـيـة. وفي زمـن سـلـفي، عـبـد الـقـادر، كـان الـخـلـفـاء الـعـبـاسـيـون يـسـتـشـيـرونـه كـمـا تـسـتـشـيـروني أنـتِ وزمـلاؤك، ولـكـنّـه لـم يـكـن حـتـمـاً لـيـقـبـل أن يـشـارك في تـسـيـيـر أمـور الـحـيـاة الـدّنـيـا. ولـن أقـبـل بـذلـك، لا أنـا ولا أحـد مـن نـسـلي. وجـوابي هـذ يـرتـكـز عـلى اعـتـقـاداتي الـدّيـنـيـة. ولـكـنّي سـأعـطـيـكِ جـوابـاً آخـر يـعـتـمـد عـلى دوافـع شـخـصـيـة. فـأنـا رجـل مـسـنّ، وأودّ أن أقـضي الـسّـنـوات الـخـمـس أو الـسّـتّ الّـتي بـقـيـت لي مـن حـيـاتي في الـتّـفـكـيـر والـدّرس. وعـنـدمـا جـئـتِ هـذا الـيـوم، تـركـتـكِ تـنـتـظـريـن. كـنـتُ مـشـغـولاً بـكـتـبي. وهي هـمّي الّـذي لا هـمّ لي غـيـره”. وتـوقّـف عـن الـكـلام، وبـقـيـت صـامـتـة أنـا أيـضـاً فـقـد أثّـرت بي كـلـمـاتـه تـأثـيـراً عـمـيـقـاً. ولـكـن يـبـدو أنّ جـوابـه لـم يـكـن مـكـتـمـلاً فـرفـع صـوتـه مـن جـديـد، وخـرجـت الـكـلـمـات مـن فـمـه بـبـطء : “ولـن أغـيـر رأيي إلّا إذا كـان ذلـك لإنـقـاذ الـعـراق مـن الـخـراب الـتّـام”.

“ودام لـقـاؤنـا سـاعـة ونـصـف. وبـعـد أن اعـتـذرت مـنـه عـن تـوجـيـه سـؤالي الأخـيـر لـه نـهـضـت لأودّعـه. وقـبـل أن يـتـركـني أخـرج مـن الـغـرفـة، تـلـطّـف مـعي وعـبّـر لي عـن مـودتـه الـشّـخـصـيـة لي وذكّـرني بـأنّ صـداقـتـنـا تـدوم مـنـذ سـنـوات طـويـلـة، مـنـذ سـنـوات مـا قـبـل الـحـرب. وأكّـدت لـه عـلى اعـتـزازي الـعـمـيـق بـهـذه الـصّـداقـة وشـكـرتـه عـلى ثـقـتـه بي وصـراحـتـه مـعي في حـديـثـنـا. وأجـابـني أنّـه يـودّ أن أعـتـبـره أبـاً ثـانـيـاً لي، ويـرغـب في أن نـلـتـقي قـريـبـاً. وودعـني بـ “مـع الـسّـلامـة go in peace”.(6)

عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب وتـشـكـيـل الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة :

وفي شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن ذلـك الـعـام، أي بـعـد تـسـعـة أشـهـر عـلى لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرحـمـن الـنّـقـيـب، عـاد الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس إلى بـغـداد كـمـنـدوب سـامي لـبـريـطـانـيـا في الـعـراق. وقـررت بـريـطـانـيـا بـعـد أن ثـار الـعـراقـيـون ضـدّ الإحـتـلال أن تـغـيـر ســيـطرتـهـا عـلى الـعـراق إلى شـكـل غـيـر مـبـاشـر. واسـتـطـاع الـمـنـدوب الـسـامي بـمـسـاعـدة جـرتـرود إقـنـاع الـسّـيـد عـبـدالـرّحـمـن الـكـيـلاني الـنّـقـيـب (نـقـيـب أشـراف بـغـداد) بـتـشـكـيـل حـكـومـة انـتـقـالـيـة (مـؤقـتـة).

وفي شـهـر آذار مـن عـام 1921، عـقـد في الـقـاهـرة مـؤتـمـر تـرأسـه ونـسـتـون تـشـرشـل، وزيـر الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـانـيـة. ووصـلـت جـرتـرود بـيـل إلى الـقـاهـرة في 12 آذار، لـتـشـارك في أعـمـالـه مـع بـعـض الـعـراقـيـيـن، ومـن بـيـنـهـم جـعـفـر الـعـسـكـري.

وكـان تـشـرتـشـل يـأمـل في أنّ يـسـهـل وضـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، عـلى عـرش الـعـراق عـلاقـات بـريـطـانـيـا بـالـحـجـاز ويـوفـر لـدافـع الـضّـرائـب الـبـريـطـاني حـلّاً رخـيـصـاً يـتـحـاشى الـحـلـول الـعـسـكـريـة الّـتي تـكـلّـفـه غـالـيـاً.

وكـانـت نـتـائـج مـؤتـمـر الـقـاهـرة انـتـصـار آراء لـورنـس وجـرتـرود بـيـل. وكـانـت جـرتـرود قـد أقـنـعـت بـرسي كـوكـس بـتـرك مـشـروع ربـط الـعـراق بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة كـمـسـتـعـمـرة تـحـت هـيـمـنـتـهـا، وبـجـمـع ولايـات الـعـراق الـعـثـمـانـيـة الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل لـتـكـوّن مـمـلـكـة تـتـمـتـع بـالـحـكـم الـذّاتي ولـكـن تـحـت إشـراف مـنـدوب سـامي بـريـطـاني.

وبـعـد أن حـصـل تـشـرتـشـل عـلى مـوافـقـة الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة بـنـصـب فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق وبـقـبـول الـفـرنـسـيـيـن لـه عـلى شـرط أن لا يـطـالـب بـعـرش سـوريـا، بـدأ الـبـريـطـانـيـون الـمـفـاوضـات مـع فـيـصـل. وقـبـل فـيـصـل بـعـرش الـعـراق وبـإنـشـاء إمـارة مـا بـعـد الأردن لأخـيـه عـبـد الله مـقـابـل تـنـازل أبـيـه حـسـيـن، شـريـف مـكـة، عـن مـطـالـبـتـه بـفـلـسـطـيـن.

ولـتـمـيـهـد قـبـول الـعـراقـيـيـن بـالأمـيـر فـيـصـل، تـشـكّـلـت الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة، وتـرأسـهـا عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي، نـقـيـب أشـراف بـغـداد. وكـان الـهـدف مـنـهـا إنـشـاء مـجـلـس تـأسـيـسي وتـنـظـيـم انـتـخـابـات نـوّاب لـه. واسـتـمـر بـرسي كـوكـس في نـفـس الـوقـت بـإرسـال طـائـرات الـقـوات الـجـويـة الـمـلـكـيـة RAF  لـقـصـف الـعـشـائـر الـثّـائـرة عـلى الـسّـيـطـرة الـبـريـطـانـيـة في جـنـوب الـعـراق وشـمـالـه.

وبـعـد أن قـمـعـت الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة ثـورة الـعـشـائـر، أعـلـن بـرسي كـوكـس الـعـفـو الـعـام (7) مـحـاولاً بـذلـك أن يـسـود الـسّـلام لإكـمـال مـخـطـطـه.

واخـتـار أعـضـاء الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي في بـغـداد الأمـيـر فـيـصـل، لـيـنـصـب مـلـكـاً عـلى الـعـراق.  ووجـهـوا لـه دعـوة لـلـمـجئ إلى الـعـراق.

وفي 19 حـزيـران 1921 أخـبـر عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب مـجـلـس الـوزراء في بـغـداد بـقـرب وصـول الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة، وبـضـرورة الإسـراع بـالإسـتـعـداد لاسـتـقـبـالـه وإيـجـاد سـكـن مـنـاسـب لـه، واخـتـار خـمـسـة مـن وزرائـه لـلـقـائـه عـنـد وصـولـه إلى الـبـصـرة.

ووصـل الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة في 23 حـزيـران. ومـنـهـا وصـل إلى بـغـداد بـالـقـطـار الّـذي طـلـبـت جـرتـرود بـيـل تـزيـيـنـه بـأعـلام الـدّولـة الـجـديـدة.

وبـعـد أن دعـا الـمـنـدوب الـسّـامي بـرسي كـوكـس الأمـيـر فـيـصـل إلى ولـيـمـة عـشـاء، أولـم عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب ولـيـمـة لـلأمـيـر فـيـصـل في الـثّـامـن مـن تـمّـوز، ودعـا إلـيـهـا الـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن ووجـهـاء الـبـلـد.

وبـعـد أن صـدّق وزراء الـحـكـومـة الـمـؤقـتـة بـالإجـمـاع عـلى اخـتـيـار فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق قـرر بـرسي كـوكـس وجـرتـرود بـيـل إجـراء اسـتـفـتـاء، وطـبـعـا اسـتـمـارات تـصـويـت عـلـيـهـا سـؤال واحـد : “هـل تـقـبـلـون بـفـيـصـل كـمـلـك وحـاكـم لـلـعـراق ؟”، ووزعـت عـلى أعـداد كـبـيـرة مـن رؤسـاء الـعـشـائـر وعـلى 300 مـن وجـهـاء الـمـدن. وبـعـد سـتّـة أسـابـيـع، أعـلـنـت الـنّـتـائـج في صـالـح فـيـصـل.

وبـدأ الأمـيـر فـيـصـل الـعـمـل عـلى تـشـكـيـل مـجـلـس وزراء يـتـرأسـه عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب، وقـرر أن يـجـتـمـع أعـضـاؤه مـبـاشـرة بـعـد تـتـويـجـه مـلـكـاً.

وفي فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب 1921 كـان عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب مـن بـيـن الـ 1500 مـدعـو الّـذيـن اجـتـمـعـوا في حـوش الـسّـراي. وكـمـا كـتـبـت الـمـس جـرتـرود بـيـل : “وصـل فـيـصـل في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـرتـديـاً الـزّي الـعـسـكـري … وبـعـد ذلـك قـام الـسّـيّـد حـسـيـن (8) وقـرأ الـبـيـان الّـذي كـتـبـه بـرسي كـوكـس والّـذي ذكـر فـيـه أنّ 96 بـالـمـائـة مـن سـكّـان مـا بـيـن الـنّـهـريـن اخـتـاروا فـيـصـل مـلـكـاً عـلـيـهـم … ونـهـضـنـا جـمـيـعـاً وهـتـفـنـا : “عـاش الـمـلـك !”، ثـمّ حـيّـتـه طـلـقـات 21 بـنـدقـيـة مـعـاً”.

ــــــــــــــــــ

(1) إسـتـعـمـلـت تـعـريـب اسـم Gertrude Bell  إلى”جـرتـرود بـيـل” مـتـابـعـاً الإسـتـعـمـال الـشّـائـع، مـع أن اسـمـهـا كـتـب في الـلـوحـة الـتّـذكـاريـة الّـتي نـصـبـت لـهـا في الـمـتـحـف الـعـراقي “كـرتـرود بـل” : أنـظـر مـقـالي :    تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

وأنـظـر مـقـالي : فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

(2) ونـشـره في كـتـابـه : “بـغـداد، بـابـل، نـيـنـوى  Bagdad, Babylon, Ninive” الّـذي صـدر في لايـبـزك عـام 1918.

(3) Mutasarrifliq هي الـمـتـصـرفـيـة بـالـلـغـة الـعـثـمـانـيـة، كـمـا كـانـت الـمـنـطـقـة الّـتي يـحـكـمـهـا الـبـاشـا : الـبـاشـالـيـق.

(4)   Ex-Rais Baladiyah.

(5)  Khatoun Sahib ، ونـعـرف أنّ الـبـغـاددة كـانـوا يـسـمـون الـمـس بـيـل بـالـخـاتـون. ولـكـن كـلـمـة صـاحـب تـبـدو غـريـبـة فـهـي كـلـمـة يـسـتـعـمـلـهـا الـهـنـود عـنـدمـا يـخـاطـبـون الـبـريـطـانـيـيـن، وتـعـني “سـيّـد”.

(6) يـمـكـن قـراءة الـنّـصّ الأصـلي بـكـامـلـه في كـتـاب Georgina Howell عـن جـرتـرود بـيـل :    A Women in Arabia ، مـن ص.197 إلى ص. 203.

(7) مـا عـدا الـعـراقـيـيـن الّـذيـن قـتـلـوا أو شـاركـوا في قـتـل ضـبـاط بـريـطـانـيـيـن.

(8)  وهـو الـسّـيّـد حـسـيـن أفـنـان، أمـيـن سـرّ الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s