الـسّـنـوات الـبـغـداديـة لـمـارغـو كـيـرتـيـكـار

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

(نـشـرت هـذا الـمـقـال الـقـصـيـر عـام 2012 كـعـرض سـريـع لـكـتـاب كـانـت مـارغـو كـيـرتـيـكـار قـد نـشـرتـه في الـعـام الـسّـابـق عـن الـسّـنـوات الـبـغـداديـة مـن حـيـاتـهـا، وأعـيـد نـشـره هـنـا لأنّ الـكـتـاب مـا زال يـسـتـحـق الـقـراءة).

كـتـبـت غـابـريـيـل فـون بـيـرنـسـتـورف في تـقـديـمـهـا لـكـتـاب مـارغـو كـيـرتـكـار Margo Kirtikar  أنّـه :

“إحـيـاء لـذكـريـات بـغـداد الّـتي كـانـت، والّـتي يـمـكـنـهـا أن تـعـود كـمـا كـانـت :  مـديـنـة مـتـعـددة الـثّـقـافـات والأعـراق والـلـغـات والأديـان، فـالـكـاتـبـة نـفـسـهـا ولـدت مـسـيـحـيـة، هـنـديـة الأب سـوريـة الأمّ، عـرفـت عـن كـثـب جـالـيـة بـغـداد الـهـنـديـة ودرسـت في مـدرسـة الـرّاهـبـات الـفـرنـسـيـات وتـشـبـعـت بـفـخـر الـعـراقـيـيـن بـمـاضـيـهـم وبـرغـبـتـهـم في الـتّـحـرر والاسـتـقـلال”.

 
وتـذكـر الـكـاتـبـة مـارغـو كـيـرتـيـكـار، وهي مـخـتـصّـة بـالـرّوحـانـيـات ونـالـت شـهـادة دكـتـوراه في مـا بـعـد الـطّـبـيـعـة (الـمـيـتـافـيـزيـقـيـا)، في مـقـدمـة كـتـابـهـا أنّـه سـيـرة ذاتـيـة لـحـيـاتـهـا حـتّى سـنّ الـعـشـريـن كـشـاهـدة عـلى حـيـاة شـعـب ثـريـة بـتـنـوّعـهـا وغـنـيّـة بـانـفـتـاحـهـا، كـتـبـتـه لـتـظـلّ ذكـريـات تـلـك الـفـتـرة حـيّـة في قـلـوب أطفـالـهـا وأحـفـادهـا وفي قـلـوب أبـنـاء الـعـراقـيـيـن وغـيـر الـعـراقـيـيـن الّـذيـن عـاشـوا في بـغـداد ثـمّ أجـبـرتـهـم الـظّـروف عـلى تـركـهـا.

وهي تـقـول :

“ومـع إني سِـعـت (1) في الأرض وسـكـنـت أوطـانـاً واكـتـسـبـت ثـقـافـات، وتـعـلّـمـت وكـبـرت وتـغـيّـرت، فـإنّي لا أسـتـطـيـع أن أنـكـر أصـلي. وتـبـقى بـغـداد حـيّـة في قـلـبي. وإذا مـا جـرحـت بـغـداد وتـألـمـت جـرحـتُ وتـألـمـتُ”.

وهي تـعـيـد وتـكـرر أنّ بـغـداد “كـانـت مـديـنـة مـلـيـئـة بـالـحـركـة والـجـدّ، مـتـقـدمـة سـلـمـيـاً، بـعـد أن خـرجـت مـن فـتـرة كـفـاح الـعـرب لـلـتّـحـرر والـدّفـاع عـن حـقـوقـهـم ضـدّ الـتّـدخّـلات الأجـنـبـيـة ” وأنّ “تـنـوّع الـسّـكـان واخـتـلافـاتـهـم جـزء مـهـم مـن ثـراء الـعـراق ومـن إرثـه الـعـريـق، وإنّ إنـكـار ذلـك سـيـؤدي إلى خـنـق روحـه والـحـدّ مـن طـمـوحـه وتـقـدّمـه”.
وعـنـوان الـكـتـاب الّـذي نـشـرتـه مـارغـو كـيـرتـيـكـار (ويـحـتـوي عـلى 360 ص.) : “بـغـداد في الـمـاضي : عـقـداهـا الـذّهـبـيـان في أربـعـيـنـات [الـقـرن الـمـاضي] وخـمـسـيـنـاتـه                                                                   Once Upon a Time in Baghdad: The Two Golden Decades The 1940s and 1950s

Margo K

وكـمـا لاحـظـت غـابـريـيـل فـون بـيـرنـسـتـورف في تـقـديـمـهـا لـه فـهـو :
“لـيـس سـرداً مـتـتـابـعـاً مـسـتـمـرّاً، وإنّـمـا قـطـع تـتـراكـب وتـتـجـمـع مـثـل رسـوم سـجّـادة شـرقـيـة تـتـداخـل فـيـهـا الأشـكـال والألـوان”.

ويـبـدأ الـكـتـاب في ربـيـع 1959 بـآخـر وجـبـة فـطـور في فـجـر بـغـداد تـشـرب فـيـه مـارغـو إسـتـكـان شـاي  istikan chai بـيـن صـيـاح الـدّيـكـة ونـداء الـمـؤذن لـلـصّـلاة وحـركـة الـعـائـلـة الّـتي كـانـت تـسـتـعـدّ لـمـصـاحـبـتـهـا إلى الـمـطـار لـتـغـادر لـلـدّراسـة في لـنـدن. وفي الـمـطـار تـجـد الأهـل والأصـدقـاء الّـذيـن جـاءوا لـتـوديـعـهـا … ولـكـنّ عـاصـفـة عـجـاج تـمـنـع الـطّـائـرة مـن الإقـلاع، ويـغـلـق الـمـطـار وتـعـود مـارغـو مـع أهـلـهـا إلى الـدّار.

 
وتـقـفـز في الـفـصـل الـثّـاني (وهـذا مـا نـسـمـيـه بـتـداعي الأفـكـار) إلى عـمـلـيـة “عـاصـفـة الـصّـحـراء” عـام 1990. وكـانـت مـارغـو آنـذاك في مـديـنـة لـوسـيـرن في سـويـسـرة، وحـيـدة، بـعـد طـلاقـهـا، بـعـيـدة عـن بـنـاتـهـا الـمـتـزوّجـات، عـنـدمـا اتـصـلـت بـهـا أخـتـهـا مـن لـنـدن وطـلـبـت مـنـهـا أن تـشـاهـد الـ CNN.

ورأت مـارغـو بـغـداد تـحـتـرق تـحـت قـنـابـل الأمـريـكـان … وبـكـت طـيـلـة الـنّـهـار. ويـعـود بـهـا هـذا، في الـفـصـل الـثّـالـث، إلى بـغـداد مـديـنـة الـسّـلام الـمـفـتـوحـة عـلى الـعـالـم أيـام صـبـاهـا … ثـمّ تـعـود في الـفـصـل الـرّابـع  إلى بـغـداد في نـهـايـة الـثّـلاثـيـنـات : “كـيـف جـاءت الأقـدار بـالـحـبّ في ربـيـع 1939” عـنـدمـا الـتـقى أبـوهـا الـهـنـدي، الّـذي كـان قـد اسـتـقـرّ في بـغـداد بـعـد أسـفـار طـويـلـة بـأمّـهـا الـسّـوريـة.

 
وتـتـكـلّـم في الـفـصـل الـخـامـس عـن مـدرسـة الـرّاهـبـات الـفـرنـسـيـات الّـتي دخـلـتـهـا في 1943، وعـن الـسّـنـوات الّـتي قـضـتـهـا فـيـهـا. ثـمّ تـسـتـمـر مـارغـو في ذكـريـاتـهـا عـن بـغـداد وحـيـاتـهـا الـسّـعـيـدة فـيـهـا حـتّى تـعـود في الـفـصـل الـخـامـس والـعـشـريـن مـع أهـلـهـا إلى مـطـار بـغـداد بـعـد انـتـهـاء عـاصـفـة الـعـجـاج لـتـكـمـل مـا بـدأتـه في الـفـصـل الأوّل … وفي هـذه الـمـرّة أقـلـعـت الـطّـائـرة نـحـو لـنـدن، تـاركـة وراءهـا بـغـداد الـطّـفـولـة والـصّـبـا ومـطـلـع الـشّـبـاب.

 
ولـكـنّ الـكـتـاب لـم يـنـتـه عـنـد ذلـك، فـقـد ألـحـقـت بـه مـارغـو كـيـرتـيـكـار “كـلـمـة مـؤخـرة ” أي “خـاتـمـة”، ومـلـحـق عـن الـمـسـيـحـيـيـن والـكـنـائـس الـعـراقـيـة، وقـامـوس صـغـيـر لـلـكـلـمـات الـعـراقـيـة الّـتي وردت في الـكـتـاب. ثـمّ ذكـرت الـمـراجـع الّـتي اسـتـعـمـلـتـهـا في كـتـابـة نـصّـهـا، وأنـهـت كـتـابـهـا بـألـبـوم صـور عـن حـيـاتـهـا وعـن بـغـداد في “الـعـقـديـن الـذّهـبـيـيـن”.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مـازالـت جـريـدة “الـمـدى” الـعـراقـيـة تـنـشـر هـذا الـمـقـال عـلى صـفـحـاتـهـا الاكـتـرونـيـة بـعـد أن حـذفـت اسـم الـكـاتـب !

(1) أسـتـعـمـل فـعـل سـاع يـسـوع بـمـعـنـاه الـمـعـتـاد في لـغـتي الـيـومـيـة، أي تـجـوّل في كـلّ الأمـاكـن وفي كـلّ الإتـجـاهـات.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s