أسـد بـابـل

توما أسد بابل

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

سـمـعـت عـنـدمـا كـنـت صـبـيـاً أنّ رأس أسـد بـابـل الـصّـخـري حـطّـمـه الـمـنـقّـبـون الألـمـان بـحـثـاً عـن الـذّهـب الّـذي ظـنّـوا أنّـه كـان يـحـتـويـه، ثـمّ أكّـد لـنـا مـدرس الـتّـاريـخ في الـسّـنـة الـخـامـسـة الـثّـانـويـة ذلـك بـإسـهـاب وبـتـفـاصـيـل دقـيـقـة، فـسـلّـمـت بـالأمـر واعـتـبـرتـه مـن الـحـقـائـق الـتّـاريـخـيـة الّـتي لا تـقـبـل الـمـنـاقـشـة. وقـد نـقـلـتـه أنـا نـفـسي بـعـد ذلـك إلى تـلامـيـذي عـنـدمـا بـدأت أدرّس.

ومـا أشـدّ مـا كـانـت دهـشـتي عـنـدمـا اكـتـشـفـت بـعـد ذلـك أنـني تـعـلّـمـت اخـتـلاقـات لا صـحـة لـهـا، وأنّ رأس أسـد بـابـل كـان قـد تـحـطّـم قـبـل أكـثـر مـن قـرن ونـصـف مـن بـدء الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل !  (1)

إخـراج أسـد بـابـل مـن بـاطـن الأرض :

نـجـد أوّل ذكـر لأسـد ضـخـم الـحـجـم نـحـت في صـخـر الـغـرانـيـت وعـثـر عـلـيـه في مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة في مـقـال نـشـره الـفـرنـسي جـوزيـف دو بـوشـام Joseph de Beauchamp عـام 1790 في جـريـدة الـعـلـمـاء Journal des Savants في بـاريـس. (2)

وكـان بـعـض أهـل الـحـلّـة قـد ذكـروا لـه أنـهـم كـانـوا قـد وجـدوا صـنـمـاً مـدفـونـاً في بـاطـن الأرض. وبـعـد أن أخـذوه إلى الـمـكـان وحـفـروه لـه مـيّـز في أعـمـاق الـحـفـرة تـمـثـال أسـد.

وكـتـب الـبـريـطـاني كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش Claudius James RICH   الّـذي تـعـودنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـكـلـوديـوس جـيـم  ريـج (3) عـام 1817 سـرد رحـلـتـه الـثّـانـيـة الّـتي كـان قـد قـام بـهـا قـبـل ذلـك واسـتـطـلـع خـلالـهـا مـوقـع بـابـل. ونـشـر الـنّـص في لـنـدن في الـعـام الـتّـالي 1818 تـحـت عـنـوان :  Memoir on the Ruins of Babylon, Volume 2

ويـذكـر كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش في ص. 24 مـن كـتـابـه :

“واكـتـشـفـت مـا لـم يـسـتـطـع بـوشـام أن يـراه بـوضـوح، وفـهـم مـن أهـل الـبـلـد أنّـه صـنـم. وأخـبـروني بـنـفـس الـشّئ، وأنّ رجـلاً عـجـوزاً مـن الـعـرب عـثـر عـلـيـه عـنـدمـا كـان يـحـفـر. وبـعـد أن رآه دفـنـه مـن جـديـد.

وبـعـثـت مـن يـأتي لي بـهـذا الـرّجـل الّـذي أراني الـمـكـان. واكـتـريـت عـدداً مـن الـرّجـال لـيـحـفـروه. وبـعـد أن جـهـدوا في عـمـلـهـم يـومـاً كـامـلاً أزاحـوا مـا يـكـفي مـن الـتّـراب، ورأيـنـا أسـداً هـائـل الـحـجـم عـلى قـاعـدة، مـنـحـوتـاً في نـوع سئ مـن الـغـرانـيـت الـرّمـادي بـصـنـعـة رديـئـة. وكـانـت في فـمـه فـتـحـة دائـريـة يـمـكـن لـلـمـرء أن يـدخـل فـيـهـا قـبـضـتـه”.

وقـد رآه الـكـابـتـن الـبـريـطـاني جـورج كـيـبـل Captain George Keppel عـام 1824. وقـد فـصّـل في وصـف ذلـك في كـتـابـه الّـذي نـشـره في فـيـلادلـفـيـا عـام 1827 (ص. 122) (4). وبـعـد أن تـكـلّـم عـن شـجـرة وسـط الـخـرائـب، كـتـب :                                                                                         “وقـرب هـذه الـشّـجـرة، رأيـنـا آثـاراً لـتـمـثـال كـان قـد أبـصـر بـه بـوشـام وريـتـش Beauchamp and Rich ، ولـكـنّـهـمـا لـم يـتـمـعـنـا الـنّـظـر إلـيـه عـن كـثـب  Had been imperfectly seen. وطـلـبـنـا مـن رجـالـنـا الـبـدء في الـحـفـر. وبـعـد سـاعـتـيـن، وجـدوا مـنـحـوتـة هـائـلـة الـحـجـم مـن رخـام أسـود تـمـثّـل أسـداً جـاثـمـاً عـلى رجـل. وكـان الـتّـمـثـال مـكـتـمـلاً عـنـدمـا رآه ريـتـش، ولـكّـنـه تـحـطّـم الآن. وطـول الـقـاعـدة مـثـل ارتـفـاع الـتّـمـثـال وعـرضـه مـقـايـيـسـهـا تـسـعـة أقـدام.

“وربّـمـا اسـتـطـعـت اقـتـراح تـفـسـيـر، فـربّـمـا كـان هـذا يـمـثـل دانـيـال في جُـبّ الأسـود (5) وأنّ هـذا الـتّـمـثـال كـان مـنـتـصـبـاً أمـام بـوابـة الـقـصـر أو أمـام الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة. فـمـن الـطّـبـيـعي أن نـتـصـور أن مـعـجـزة مـثـل تـلـك الـمـعـجـزة لا يـمـكـن إلّا أن يـحـتـفـل بـهـا الـبـابـلـيـون خـاصـة وأنّ دانـيـال أصـبـح بـعـدهـا حـاكـم الـمـديـنـة”.

ومـن هـذا نـرى أنّ رأس الأسـد تـحـطّـم بـيـن عـامي 1817، الّـذي رآه فـيـه ريـتـش كـامـلاً، و 1824 الّـذي رآه فـيـه كـيـبـل مـحـطّـمـاً. كـمـا نـلاحـظ أنّ كـيـبـل كـان يـعـتـبـر الأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة حـقـائـق تـاريـخـيـة.

وقـد وضـع كـيـبـل في كـتـابـه رسـمـاً لأسـد بـابـل أكـمـل فـيـه بـالـتّـنـقـيـط الـجـزء الـمـحـطّـم كـمـا تـصـوّره :

lion Keppel

وذكـر روبـرت مـيـنـيـان Robert Mignan في ص. 186 مـن كـتـابـه “سـفـرات في بـلاد الـكـلـدان Travels in Chaldea” الـذي نـشـر في لـنـدن عـام 1829، أنّـه رأى، عـنـدمـا زار بـابـل في 1827 : “أسـداً مـطـروحـاً عـلى جـانـبـه الأيـمـن، وتـحـتـه رجـل سـاجـد prostrate، عـلى قـاعـدة طـولـهـا تـسـعـة أقـدام 9 feet، وعـرضـهـا ثـلاثـة أقـدام، مـنـحـوت في صـخـر الـغـرانـيـت. والـتّـمـثـال وقـاعـدتـه مـنـحـوتـان بـأسـلـوب شـديـد الـبـدائـيـة very barbarous. وقـد حـطّـم الـنّـاس رأسـه مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة، دفـعـهـم لـذلـك عـنـف هـمـجي. فـقـد رأى مـسـتـر ريـتـش Mr. Rich الأسـد مـكـتـمـلاً عـنـدمـا زار بـابـل. ولاحـظ أنّـه كـان في فـمـه فـتـحـة دائـريـة واسـعـة يـمـكـن لـلـمـرء أن يـدخـل فـيـهـا قـبـضـتـه”. (6)

وقـد وصـل الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد Austen Henry Layard إلى بـابـل في عـام 1850 لـيـقـوم فـيـهـا بـبـعـض الـحـفـريـات الأثـريـة. وكـان قـد نـقّـب في بـلاد آشـور مـنـذ عـام 1845.  وقـد رأى لَـيـارد أسـد بـابـل وكـتـب عـنـه :

“والأسـد الّـذي وصـفـه ريـتـش Rich مـا زال مـدفـونـاً إلى نـصـفـه وسـط أنـقـاض الـخـرائـب. والـحـيـوان جـاثـم عـلى رجـل يـرفـع ذراعـيـه، مـمـا خـيّـل لـبـعـض الـمـسـافـريـن بـأنّـه يـمـثـل دانـيـال في جـبّ الأسـود. والـتّـمـثـال مـنـحـوت في صـخـر الـبـازلـت الأسـود. وهـو إمّـا أن يـكـون قـدّ نـفّـذه بـدائي لـيـس لـه بـراعـة في الـفـنّ أو أنّ نـحّـاتـه لـم يـكـمـل عـمـلـه. وهـو لا يـسـتـحـق أن يـخـرج مـن مـكـانـه” (8)

ومـع ذلـك أخـرجـه مـن مـكـانـه عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أرسـلـتـهـم الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة في بـعـثـة عـلـمـيـة لـلـتّـنـقـيـب عـن آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن   (Expédition scientifique en Mésopotamie). وكـان يـتـرأسـهـم فـولـجـنـس فـريـنـيـل Fulgence Fresnel . وقـد وصـلـوا إلى بـابـل في تـمّـوز 1851. وبـعـد أن أخـرجـوا أسـد بـابـل مـن تـحـت أنـقـاض الـخـرائـب، نـفّـذ لـه فـلـيـكـس تـومـا  Félix Thomas، الّـذي صـاحـب الـبـعـثـة كـمـهـنـدس مـعـمـاري، رسـمـيـن بـالـقـلـم الـرّصـاص عـلى ورق مـقـوّى (18×25 سـم.)، واحـد لـكـلّ مـن جـانـبـيـه. وأُلـحـق الـرّسـمـان بـالـتّـقـريـر رقـم 11 الّـذي أرسـلـتـه الـبـعـثـة إلى بـاريـس (7) :

img488

ومـرّ الـجـغـرافي الـفـرنـسي غـلـيـوم لـوجـان Guillaume LEJEAN في عـام 1862 بـالـعـراق في طـريـقـه إلى الـهـنـد. وزار بـابـل، ورأى الأسـد مـدفـونـاً إلى نـصـفـه في بـاطـن الأرض.

وفي عـام 1867 نـشـر مـقـالاً في مـجـلـة “حـول الـعـالـم Tour du Monde” الـبـاريـسـيـة عـنـوانـه : “سـفـرة في بـلاد بـابـل Voyage dans la Babylonie”. وقـد وضـع فـيـه عـمـلاً غـرافـيـكـيـاً نـفّـذه A. de Bar إعـتـمـاداً عـلى رسـم خـطـطـه الـمـؤلـف في الـمـوقـع :

وعـنـدمـا زار الأمـريـكي ولـيـام بـيـري فـوغ William Perry FOGG الـعـراق عـام 1874 ذهـب إلى بـابـل ورأى خـرائـب زقـورة بـيـرس نـمـرود (مـوقـع بـيـرسـبـا الـقـديـمـة). وظـنّ، مـثـل عـدد مـن الـغـربـيـيـن قـبـلـه، أنّـهـا بـقـايـا (مـجـدل بـابـل) أي بـرج بـابـل الّـذي ذكـرتـه الأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة.

وذكـر في الـصّـفـحـة 273 مـن كـتـابـه الّـذي نـشـره في لـنـدن في الـعـام الـتّـالي (9) :

“ومـا زلـنـا نـرى مـطـروحـاً عـلى الأرض أسـد صـخـري ضـخـم كـان قـد وصـفـه ريـتـش Rich. وهـو غـائـر إلى نـصـفـه في الـتّـراب. وقـد تـصـوّر بـعـض مـن رأوه أنّـه يـمـثّـل دانـيـال في جُـبّ الأسـود فـهـو يـجـثـم عـلى رجـل مـدّ ذراعـيـه”.

ووضـع عـمـلاً طـبـاعـيـاً لـم يـنـفّـذ اعـتـمـاداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة، فـقـد كـان أسـد بـابـل كـمـا ذكـر مـدفـونـاً إلى نـصـفـه في الـتّـراب. ولا شـكّ في أنّـه اعـتـمـد عـلى رسـوم نـشـرت قـبـلـه لـلـتّـمـثـال :

فوغ أسد بابل

وعـنـدمـا زارت الـفـرنـسـيـة جـان ديـولافـوا Jane Dieulafoy بـابـل في 25 كـانـون الأوّل مـن عـام 1881 مـع زوجـهـا عـالـم الآثـار مـارسـيـل ديـولافـوا، رأت أسـد بـابـل الّـذي كـان يـرقـد عـلى جـانـبـه في حـفـرة، ووصـفـتـه بـأنّـه : “أسـد مـن حـجـر الـبـازلـت نـحـت بـصـنـعـة بـدائـيـة، شـديـدة الـبـربـريـة، مـدفـون وسـط أنـقـاض الـخـرائـب”.

ووضـعـت في كـتـابـهـا الّـذي نـشـرتـه عـام 1887 عـمـلاً طـبـاعـيـاً نـفّـذ اعـتـمـاداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة كـانـت قـد الـتـقـطـتـهـا لـه (10) :

Lion de Babylone

وقـد وصـلـت أوّل بـعـثـة تـنـقـيـبـات أثـريـة ألـمـانـيـة إلى بـابـل عـام 1899. وكـان يـتـرأسـهـا روبـرت كـولـدفـيـه Robert Koldeway. ووجـدت تـمـثـال الأسـد في الـحـفـرة. وأخـرجـه عـمـال الـتّـنـقـيـبـات مـنـهـا.

 

ولـديـنـا صـورة فـوتـوغـرافـيـة لـعـمـال الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة يـشـيـدون مـنـصّـة يـثـبّـتـون عـلـيـهـا الأسـد بـعـد أن أخـرجـوه مـن بـاطـن الأرض :

وصـورة أخـرى لـعـالـم الآثـار الألـمـاني روبـرت كـولـدفـيـه مـمـتـطـيـاً الأسـد :

كولدفيه على أسد بابل

ونـلاحـظ في هـذه الـصّـورة اكـتـمـال تـشـيـيـد الـمـنـصّـة الـواطـئـة الّـتي ثـبّـت عـلـيـهـا الـتّـمـثـال.

ولـديـنـا رسـم بـالألـوان الـمـائـيـة عـلى ورق (25،5 × 35،5 سـم.) نـفّـذه عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه Walter Andrae عـام 1902. وكـان روبـرت كـولـدفـيـه قـد اخـتـار فـالـتـر أنـدريـه لـيـسـاعـده في تـنـقـيـبـات بـابـل.

ويـظـهـر الأسـد في يـسـار الـجـزء الـعـلـوي مـن الـرّسـم كـمـا وضـع في مـكـانـه فـوق “تـلّ الـقـصـر” بـيـنـمـا نـلاحـظ أنّ جـدران الـقـصـر قـد أزيـحـت مـن حـولـهـا أطـنـان مـن الـتّـراب، فـقـد كـان الـتّـلّ الّـذي يـغـطـيـهـا يـرتـفـع إلى مـسـتـوى الأسـد :

ويـذكـر فـالـتـر أنـدريـه أنّ طـول الـتّـمـثـال حـوالي مـتـريـن ونـصـف، وأنّ طـولـه يـعـادل ارتـفـاعـه تـقـريـبـاً. ويـرتـكـز الـتّـمـثـال عـلى قـاعـدة صـخـريـة يـجـثـم الأسـد فـوقـهـا عـلى رجـل مـسـتـلـقٍ تـحـتـه. (11)

ولا شـكّ في أنّ الـبـعـثـة الألـمـانـيـة أكـمـلـت إخـراج تـمـثـال الأسـد مـن بـاطـن الأرض ونـصـبـه واقـفـاً وتـشـيـيـد الـمـنـصّـة الـواطـئـة الّـتي ثـبّـت عـلـيـهـا بـيـن عـام وصـولـهـا إلى بـابـل في 1899 وبـيـن عـام 1902 الّـذي نـفّـذ فـيـه فـالـتـر أنـدريـه هـذا الـرّسـم.

وتـظـهـر الـصّـور الّـتي تـنـتـمي إلى مـجـمـوعـة الأمـريـكي إريـك مـاتـسـون Eric Matson (12) ، والّـتي الـتـقـطـت عـام 1932، الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً عـلى قـاعـدة عـالـيـة تـرتـفـع حـوالي مـتـريـن، شـيّـدت بـالإسـمـنـت :

ويـعـود تـشـيـيـد هـذه الـقـاعـدة إذن إلى الـفـتـرة الّـتي كـان الـبـريـطـانـيـون يـشـرفـون خـلالـهـا عـلى الآثـار الـعـراقـيـة. وهـنـاك مـشـاريـع في أيّـامـنـا هـذه لـتـرمـيـمـهـا، فـقـد أصـبـحـت بـقـدرة قـادر جـزءاً مـن “مـعـالـم تـاريـخـنـا الـحـضـاري” !

مـتى نـحـت الأسـد :

لـم يـتّـفـق الـمـخـتـصّـون عـلى تـاريـخ نـحـت الـتّـمـثـال، فـبـيـنـمـا يـعـتـقـد بـعـضـهـم أنّـه لا يـمـكـن أن يـكـون مـن فـتـرة أقـدم مـن بـدايـة الـتّـاريـخ الـمـيـلادي لـرداءة صـنـعـتـه وسـوء نـحـتـه، ولـهـذا لا يـمـكـن أن يـقـارن بـالـمـنـحـوتـات الـبـابـلـيـة الـبـاهـرة الـصّـنـعـة. وعـلى كـلّ حـال فـأسـلـوبـه، إن كـان لـه أسـلـوب، مـخـتـلـف عـن أسـالـيـب الـنّـحـت الـبـابـلي.

ويـعـتـقـد الـكـثـيـرون مـنـهـم في أيّـامـنـا هـذه أنّ تـاريـخ نـحـتـه يـمـكـن أن يـعـود إلى الـقـرن الـتّـاسـع أو الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، ربّـمـا إلى فـتـرة ازدهـار الـدّولـة الـحـيـثـيـة. جـلـبـه نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني أو أحـد الـمـلـوك الّـذيـن حـكـمـوا بـعـده كـغـنـيـمـة حـرب عـاد بـهـا مـن مـنـطـقـة الأنـاضـول إلى بـابـل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يـجـد الـقـارئ عـنـدمـا يـبـحـث عـن “أسـد بـابـل” عـلى الانـتـرنـت مـقـالاً في “ويـكـيـبـيـديـا” يـبـدأ بـخـطـأيـن : ” وهو تمثال لأسد عثر عليه في مدينة بابل الأثرية في العراق في سنة 1776 من قبل بعثة حفريات أثرية ألمانية”. والـحـقـيـقـة أنّ الـتّـمـثـال عـثـر عـلـيـه أهـل الـبـلـد وذكـره الـفـرنـسي جـوزيـف دو بـوشـام في عـام 1790، أمّـا أوّل بـعـثـة تـنـقـيـبـات أثـريـة ألـمـانـيـة فـقـد بـدأت أعـمـالـهـا في بـابـل عـام 1899 !  ونـجـد نـفـس الـخـطـأيـن في نـفـس الـمـقـال الـمـتـرجـم إلى الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة !

(2) عـيّـن بـيـيـر جـوزيـف دو بـوشـام Pierre- Joseph de BEAUCHAMP عـام 1781 في مـنـصـب “كـبـيـر قـسـسـة” بـابـل، أي الـمـسـؤول الـدّيـني الـعـام لـبـغـداد. وقـد وصـل إلى بـغـداد في 1782.

وفي خـلال سـنـواتـه الـعـشـر الّـتي قـضـاهـا في الـعـراق تـوصّـل إلى نـتـائـج مـهـمـة في عـلـم الـفـلـك، فـقـد رصـد في بـغـداد مـثـلاً مـرور عـطـارد أمـام الـشّـمـس. وكـان حـدثـاً نـادراً لـم يـرصـد في بـاريـس. كـمـا رسـم خـارطـة لـمـجـرى دجـلـة والـفـرات مـن أعـلى ديـار بـكـر حـتّى الـبـصـرة.

وقـد تـجـوّل في مـوقـع بـابـل ومـا حـولـه وجـمـع مـعـلـومـات مـن الـنّـاس، وسـجّـل خـطـوط طـول مـوقـع الـحـلّـة وعـرضـه بـآلات كـانـت حـديـثـة في ذلـك الـزّمـان. وهـكـذا شـكّ في أن يـقـع “بـرج بـابـل” في “تـلّ بـابـل”. ورسـم خـارطـة لـمـنـطـقـة بـابـل.

ويـذكـر دو بـوشـام في مـقال نـشـره في جـريـدة الـعـلـمـاء عـام 1790، (ص. 208) أنّ بـنّـاءً مـن أهـل مـنـطقـة بـابـل أخـبـره أنّـه كـان قـد وجـد صـدفـة في خـرائـبـهـا غـرفـة يـغـطي جـدرانـهـا طـابـوق مـزجـج عـلـيـه رسـوم بـقـرة وشـمـس وقـمـر. ويـذكـر إبـصـاره بـتـمـثـال أسـد في أعـمـاق حـفـرة.

(3)  كـان ريـتـش قـد عـيّـن في 1807 وكـيـلاً عـامـاً لـشـركـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد، وقـنـصـلاً لـبـريـطـانـيـا فـيـهـا. وظـلّ في مـنـصـبـه إلى 1821 خـلال ولايـات سـلـيـمـان بـاشـا وسـعـيـد بـاشـا وداود بـاشـا، وتـجـوّل بـيـن بـغـداد وكـردسـتـان وإيـران، وزار أطـلال بـابـل ونـيـنـوى ودرسـهـا بـمـنـهـجـيـة مـتـمـعـنـة، وقـام بـقـيـاسـات دقـيـقـة.

وقـد قـام بـأوّلى زيـاراتـه لـبـابـل في 1811. وكـان يـريـد أن يـرسـم مـخـطـطـاً لـلـمـديـنـة لـيـضـع عـلـيـه أمـاكـن مـعـالـمـهـا الـمـشـهـورة.

وقـد كـتـب نـتـائـج أبـحـاثـه في بـغـداد عـام 1812، ونـشـرهـا في كـتـاب في الـنّـمـسـا، في 1813: « Memoir on the Ruines of Babylon »، ثـمّ أعـاد طـبـعـه في لـنـدن في 1816. وربّـمـا كـانـت الـخـارطـة الّـتي رسـمـهـا ريـتـش لـمـوقـع بـابـل أهـمّ مـا حـقـقـه في هـذه الـفـتـرة فـقـد كـانـت أوّل خـارطـة دقـيـقـة رسـمـت في الـمـوقـع نـفـسـه وكـثـيـراً مـا اسـتـعـمـلهـا مـن جـاءوا بـعـده.

وقـد أدرك ريـتـش أنّ دراسـة آثـار بـابـل تـتـطـلّـب وقـتـاً وجـهـوداً طـويـلـة فـاكـتـفى بـوصـفـهـا ورسـمـهـا ولـم يـفـرض نـظـريـات عـنـهـا ونـتـائـج قـاطعـة.

ودفـعـت قـراءة كـتـاب ريـتـش عـن بـابـل كـثـيـراً مـن الأوربـيـيـن لـزيـارة الـمـوقـع، وقـد تـرك لـنـا بـعـضهـم نـصـوصـاً ورسـومـاً عـنـه.

(4) Personnal Narrative of a journey from India to England by Bussorah, Bagdad, the ruines of Babylone … in the year 1824. Philadelphia, 1827

(5) يـذكـر سِـفـر دانـيـال الّـذي أضـيـف إلى أسـفـار الـعـهـد الـقـديـم، أي الـتّـوراة ومـا ألـحـق بـهـا أنّ نـبـوخـذ نـصـر ألـقى دانـيـال في جُـبّ الأسـود فـلـم تـمـسّـه بـسـوء، ثـمّ اسـتـطـاع اكـتـسـاب ثـقـة الـمـلـك بـمـعـرفـتـه لـتـفـسـيـر الأحـلام. وجـعـلـه نـبـوخـذ نـصـر حـاكـمـاً … وهـذه الأسـاطـيـر لـيـس لـهـا أصـل تـاريـخي. وقـد تـوصـلـت الـدّراسـات الـحـديـثـة إلى أنّ الـسِّـفـر أضـيـف في حـوالي عـام 150 قـبـل الـمـيـلاد، وكـتـب أغـلـب نـصّـه بـالـلـغـة الآرامـيـة.

(6) Captain Robert MAGNAN, Travels in Chaldea, including a journey from Bassora to Bagdad, Hillah and Babylon, performed on Foot in 1827, with Observations on the Site of Babel, Seleucia and Ctesiphon, London, Henry Colburn and R. Bentley 1829.

(7) Expédition scientifique en Mésopotamie exécutée par ordre du gouvernement de 1851 à 1854 par mm. Fulgence Fresnel, Félix Thomas et Jules Oppert publiée sous les auspices de son excellence m. le ministre d’état par Jules Oppert Relation du voyage et résultats de l’expédition, Paris 1863.

(8) Austen Henry Layard ,Discoveries Among the Ruins of Nineveh and Babylon: With Travels in Armenia … London 1853, p.412

(9) William Perry FOGG,  Arabistan, or The Land of Arabian Nights,Travels Through Egypt, Arabia, and Persia To Baghdad, London 1875.

وأنـظـر مـقـالي : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

(10) Jane Dieulafoy, La Perse, le Chaldée et la Susiane, Paris 1887.

وأنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

(11) Boehmer, Bilder eines Ausgräbers, Berlin 1989.

وأنـظـر مـقـالي : فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

(12) أنـظـر مـقـالي : صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب وتـشـكـيـل الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة عـام 1921

عبد الرحمن النقيب

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـيـنـمـا كـانـت الـقـوى الأوربـيـة الـكـبـرى الّـتي انـتـصـرت في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى تـستـعـدّ لـلـمـشـاركـة في مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، صـرّح الـرّئـيـس الأمـريـكي وودرو ولـسـن  Woodrow Wilson أنّـه يـأمـل أن يـمـنـح لـلـشّـعـوب الّـتي خـسـرت دولـهـا الـحـرب الـحـق في تـقـريـر مـصـيـرهـا. ولـم يـكـن لـلـدّول الأوربـيـة إلّا أن تـظـهـر احـتـرامـهـا لـقـرار الـرّئـيـس الأمـريـكي.

ولأنّ الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة كـانـت تـجـهـل كـلّ مـا يـتـعـلّـق بـسـكّـان الـولايـات الـعـثـمـانـيـة الـثـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، الّـتي كـانـت تـنـوي أن تـوحّـدهـا في دولـة، فـقـد طـلـبـت مـن الـكـولـونـيـل الـسّـيـر أرنـولـد ولـسـن Sir Arnold Wilson الّـذي كـان قـد عـيّـن عـام 1918 مـنـدوبـاً لـلإدارة الـمـدنـيـة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد خـلـفـاً لـلـسّـيـر بـرسي كـوكـس Sir Percy Cox، أن يـسـتـفـتي آراء الـنّـاس في الـولايـات الـثّـلاث.

ولـم يـكـن الـكـولـونـيـل ولـسـن مـتـحـمّـسـاً لـمـبـدأ حـقّ تـقـريـر الـمـصـيـر، وكـان يـفـضّـل عـلـيـه اسـتـعـمـار الـعـراق وربـطـه بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، فـتـكـلّـفـت جـرتـرود بـيـل  Gertrude Bell (1)، سـكـرتـيـرة الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في بـغـداد بـتـنـفـيـذ الإسـتـفـتـاء. وكـانـت جـرتـرود بـيـل ضـدّ فـكـرة اسـتـعـمـار الـعـراق، وكـانـت تـدافـع عـن مـشـروع إنـشـاء دولـة مـوحّـدة لـلـولايـات الـثّـلاث لـهـا اسـتـقـلالـهـا الـذّاتي ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني.

وقـررت أن يـجـري الإسـتـفـتـاء بـاخـتـيـار 75 مـنـدوبـاً تـنـتـخـبـهـم الـمـدن الـكـبـرى والـجـمـاعـات الـدّيـنـيـة الـرّئـيـسـيـة، ثـمّ تـطـرح عـلـيـهـم ثـلاثـة أسـئـلـة : هـل يـرتـضـون بـإنـشـاء دولـة مـوحّـدة مـن كـردسـتـان شـمـالاً وإلى الـبـصـرة جـنـوبـاً ؟ وأن يـتـرأسـهـا أمـيـر عـربي ؟ وهـل لـديـهـم مـرشـحـون لـهـذا الـمـنـصـب ؟

وكـانـت أجـوبـتـهـم مـتـعـارضـة مـا عـدا إجـمـاعـهـم عـلى ضـرورة إنـشـاء دولـة واحـدة تـضـمّ الـولايـات الـثـلاث. وكـان عـلى جـرتـرود بـيـل أن تـكـتـب تـقـريـراً مـفـصّـلاً عـن نـتـائـج الإسـتـفـتـاء عـنـونـتـه : “حـقّ تـقـريـر الـمـصـيـر في مـا بـيـن الـنّـهـريـن   Self-Determination in Mesopotamia”.ولـتـكـمـل الإسـتـفـتـاء قـررت أن تـبـادر إلى الإلـتـقـاء بـوجـهـاء الـعـراق  ورجـالـه الـمـهـمّـيـن لـتـسـتـشـيـرهـم في مـشـروع إنـشـاء دولـة مـوحّـدة.

لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب :

عبد الرحمن النقيب 2

وهـكـذا حـصـلـت الـمـس في 6 شـبـاط 1920 عـلى مـوعـد لـزيـارة الـسّـيّـد عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي الـكـيـلاني، نـقـيـب أشـراف بـغـداد.

وأودّ أن أشـيـر هـنـا إلى أهـمـيـة عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب في الـوضـع الـسّـيـاسي لـلـعـراق في فـتـرة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى ومـا بـعـدهـا. ويـكـفـيـني لـذلـك أن أذكـر لـقـاء الألـمـاني سْـفـيـن أنـديـرس هـيـديـن       Sven Anders Hedin  بـه عـام 1916. وقـد رسـم لـه هـيـديـن تـخـطـيـطـاً وضـعـتـه في بـدايـة هـذا الـمـقـال، ويـعـدّ مـن بـيـن الـصّـور الـنّـادرة الّـتي وصـلـتـنـا لـلـنّـقـيـب. (2)

ودام لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب سـاعـة ونـصـف. وقـد سـجّـلـت الـمـس مـا جـرى في هـذا الـلـقـاء في مـلـحـق أرسـلـتـه مـع الـتّـقـريـر إلى مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، ومـا زال مـحـفـوظـاً في أرشـيـفـات الـخـارجـيـة الـبـريـطـانـيـة.

وقـد قـررت أن أتـرجـمـه بـأقـرب مـا يـمـكـن مـن الـنّـصّ الأصـلي، وأن لا أحـذف مـنـه شـيـئـاً، ولا حـتّى الـمـقـاطـع الّـتي يـمـكـنـهـا أن تـثـيـر حـسـاسـيـات وطـنـيـة أو قـومـيـة أو ديـنـيـة أو طـائـفـيـة.

سـجّـلـت جـرتـرود بـيـل في الـمـلـحـق الّـذي أرسـلـتـه إلى مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، كـمـا سـبـق أن ذكـرت، لـقـاءهـا بـنـقـيـب أشـراف بـغـداد في 6 شـبـاط 1920 :

“ذهـبـت إلى دار الـنّـقـيـب في الـمـوعـد الّـذي حـدده لي صـبـاح هـذا الـيـوم، الـسّـادس مـن شـبـاط لأودّعـه قـبـل أن أغـادر بـغـداد إلى إنـكـلـتـرة بـعـد غـد. ووصـلـت مـبـكّـرة فـاسـتـقـبـلـني ابـنـه، الـسّـيّـد هـاشـم، وجلـسـت أحـادثـه دقـائـق طـويـلـة قـبـل أن يـأتي الـنّـقـيـب بـنـفـسـه. وقـد انـتـقـل الـنّـقـيـب مـنـذ الإحـتـلال إلى الـدّار الـمـواجـهـة لـتـكـيـة عـبـد الـقـادر، فـهـو شـيـخ الـتّـكـيـة. أمّـا داره الّـتي يـسـكـنـهـا اعـتـيـاديـاً، والّـتي تـطـلّ عـلى الـنّـهـر جـوار دار الـمـنـدوب الـسّـامي فـقـد أفـرغـت لأمـور أمـنـيـة بـعـد أن طـلـبـت مـوافـقـتـه عـلى ذلـك.

“وتـرتـيـب داره شـديـد الـبـسـاطـة. والـغـرفـة الّـتي يـسـتـقـبـل فـيـهـا زائـريـه في الـطّـابـق الأرضي، تـنـفـتـح نـوافـذهـا عـلى حـديـقـة وسـط حـوش، فـيـهـا أشـجـار بـرتـقـال. ووضـعـت لـصـق جـدران الـغـرفـة أرائـك مـنـتـصـبـة الـخـلـفـيـات صـلـبـة، يـغـطـيـهـا قـمـاش قـطـني أبـيـض. وخـصـصـت إحـدى زوايـا الـغـرفـة بـمـحـاذاة نـافـذة مـن نـوافـذهـا لـجـلـوس الـنّـقـيـب، وأمـامـه طـاولـة صـغـيـرة يـغـطـيـهـا شـرشـف أبـيـض وعـلـيـهـا كـتـب. وجـدران الـغـرفـة مـطـلـيـة بـجـصّ أبـيـض، ولـيـس في الـغـرفـة مـا يـجـذب الأنـظـار إلّا نـظـافـتـهـا الـنّـاصـعـة.

والـنّـقـيـب رجـل مـسـنّ حـنـت ظـهـره الـسّـنـيـن، ويـبـدو أنّ الـرّومـاتـيـزم أصـاب مـفـاصـلـه، يـرتـدي ثـوبـاً طـويـل الـذّراعـيـن يـنـزل إلى قـدمـيـه، مـن قـمـاش أبـيـض في الـصّـيـف، وأسـود في الـشّـتـاء. ويـنـفـتـح أعـلى ثـوبـه عـلى قـمـيـص أبـيـض تـحـتـه. ويـحـزم خـصـره بـقـطـعـة قـمـاش بـيـضـاء عـريـضـة، وعـلى رأسـه عـمـامـة بـيـضـاء لـفّـهـا حـول “فـيـنـة” حـمـراء.

وانـسـحـب الـسّـيّـد هـاشـم عـنـدمـا دخـل أبـوه الـنّـقـيـب الّـذي أمـر بـأن لا يـسـمـح لأحـد بـالـدّخـول خـلال لـقـائـنـا. وعـنـدهـا أخـبـرتـه أنـني سـأغـادر بـغـداد بـأسـرع مـمـا كـنـت أنـوي، فـقـد دعـيـت إلى بـاريـس. وأشـرت إلى أنّ هـنـاك بـعـض الـتّـفـاصـيـل الّـتي تـتـعـلـق بـالـقـرارات الّـتي سـتـتـخـذ بـشـأن الـحـدود مـثـلاً والّـتي أحـتـاج إلـيـهـا ولا يـعـرفـهـا إلّا وجـهـاء الـبـلـد. وذكـرت لـه عـلى سـبـيـل الـمـثـال مـسـألـة “مـتـصـرفـلـيـق” (3) ديـر الّـتي طـلـب رئـيـس بـلـديـتـهـا الـسّـابـق (4) أن تـضـمّ إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وسـألـتـه عـن رأيـه في ذلـك. وأجـابـني أنّـه رأى هـذا الـرّجـل، ويـعـرف أخـاه وهـو مـن وجـهـاء ديـر، وأنّـهـمـا جـاءا أمـس يـطـلـبـان نـصـيـحـتـه. ولأنّ الـمـجـلـس كـان غـاصّـاً بـالـزّائـريـن، ولـم يـرد أن يـجـيـبـهـمـا أمـام الـجـمـيـع فـقـد طـلـب مـنـهـمـا أن يـعـودا في الـغـد (أي في هـذا الـيـوم) لـيـتـركـا لـه الـوقـت لـلـتّـفـكـيـر في الأمـر : “وهـو يـنـتـظـر الآن أن أدخـلـه في الـغـرفـة. ولأنـنـا نـتـحـدث الآن فـيـمـا بـيـنـنـا بـثـقـة مـتـبـادلـة، فـسـأخـبـركِ بـجـوابي الّـذي سـأجـيـبـه بـه. سـأقـول لـه : “يـا ابـني، أصـبـت في قـرارك بـأن تـدخـل مـنـطـقـتـك تـحـت الـسّـلـطـة الـبـريـطـانـيـة، فـالـبـريـطـانـيـون مـعـروفـون في كـلّ أرجـاء الـعـالـم بـعـدلـهـم وإنـصـافـهـم”. وأكـمـل الـنّـقـيـب : “ولـكـنّي سـأصـارحـكِ بـأنـني لا أحـبّ الـفـرنـسـيـيـن”. (ولا بـد أن نـفـهـم أنّـه كـان مـتـأكّـداً مـن أنّ فـرنـسـا سـتـسـيـطـر عـلى سـوريـا وإلى حـدود دولـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن)، وأكـمـل “نـعـم، أنـا مـعـجـب بـمـعـارفـهـم وبـثـقـافـتـهـم، ولـكـنّي لا أحـبّ حـكـومـتـهـم. ولا يـخـفى عـلـيـنـا أنّ إدارتـهـم تـظـلـم سـكّـان الـجـزائـر الـمـحـمّـديـيـن. هـذه أمـور مـعـروفـة. وأنـا أرغـب في إبـعـاد فـرنـسـا أكـثـر مـا يـمـكـن عـن الـوصـول إلى بـغـداد. وأنـا أقـول هـذا لـكِ أنـتِ فـقـط يـا خـاتـون صـاحـب (5) وأرجـوك أن تـعـذري صـراحـتي. وأنـا أخـشى صـراعـاً لا مـفـرّ مـنـه بـيـن فـرنـسـا وبـريـطـانـيـا. فـعـنـدمـا يـضـع الـبـريـطـانـيـون أقـدامـهـم في مـكـان مـا لا يـتـركـونـه أبـداً. مـا يـمـسـكـون بـه يـشـدّون قـبـضـاتـهـم عـلـيـه. وسـيـواجـهـون طـمـوحـات الـفـرنـسـيـيـن وغـيـرتـهـا مـنـهـم، ولـن يـتـركـوا الـمـنـطـقـة ولـو دارت حـرب بـيـنـهـمـا خـمـسـيـن سـنـة. وأنـا درويـش darwish  ولا تـعـنـيـني أمـور الـحـيـاة الـدّنـيـا. ولـكـنّي جـرّبـت طـويـلاً الـنّـاس وأمـورهـم وأعـرض عـلـيـكِ مـخـاوفي كـمـا هي”.

“وبـعـد أن فـصّـل الـحـديـث في هـذا الـمـوضـوع وأطـال الـتّـفـصـيـل (فـالـنّـقـيـب رجـل يـحـبّ الـكـلام) سـألـني، كـعـادتـه في سـؤالي كـلّـمـا زرتـه، مـتى نـأمـل بـرجـوع الـسّـيـر بـرسي كـوكـس Sir Percy Cox [إلى بـغـداد]. واسـتـطـرد : “يـا خـاتـون، في إنـكـلـتـرة مـئـات، بـل آلاف مـن الـقـادريـن عـلى أن يـكـونـوا سـفـراء في بـلاد الـفـرس، ولـكـن لا أحـد مـنـهـم يـمـكـنـه أن يـحـلّ مـحـل الـسّـيـر بـرسي كـوكـس في الـعـراق. أهـل الـعـراق يـعـرفـونـه ويـحـبّـونـه ويـثـقـون بـه. وهـو رجـل جـرّب الـحـيـاة، وفـوق ذلـك تـقـيّـمـه لـنـدن وتـعـتـمـد عـلـيـه. وسـيـكـون الـنّـاطـق بـاسـمـنـا، فـإذا مـا أرادت الـحـكـومـة [الـبـريـطـانـيـة] أن تـعـرف مـا نـريـد فـسـيـكـون قـادراً عـلى مـدّهـا بـالـمـعـلـومـات الـضّـروريـة وسـتـقـبـل آراءه. وأشـهـد بـالله أنّـه لـو كـان الـسّـيـر بـرسي كـوكـس هـنـا لـمـا احـتـجـنـا إلى اسـتـفـتـاء آراء الـنّـاس عـن مـا يـودّونـه في الـمـسـتـقـبـل. وهي فـكـرة غـريـبـة سـبـبـت هـذا الـهـيـجـان الّـذي لـم يـهـدأ بـعـد في الـمـدن. وأنـتِ تـعـرفـيـن أنـني لـم أشـارك فـيـه، ومـنـعـت أهـلي وأقـاربي مـن الـمـشـاركـة فـيـه. وكـان ابـني، الـسّـيّـد مـحـمـود أوّل مـن رفـض تـعـيـيـنـه في الـمـجـلـس the Majlis. وكـنـت قـد طـلـبـت مـنـه أن يـبـتـعـد عـن ذلـك. وجـاءني كـثـيـر مـن الـنّـاس يـطـلـبـون مـنّي الـنّـصـيـحـة أو يـلـحّـون عـليّ لأقـبـل آراءهـم. وأجـبـتـهـم بـأنّ الإنـكـلـيـز فـتـحـوا هـذا الـبـلـد، وأنـفـقـوا أمـوالـهـم وسـكـبـوا دمـاءهـم عـلى أرضـه، وارتـوى تـرابـه بـدمـاء الإنـكـلـيـز والأسـتـرالـيـيـن والـكـنـديـيـن والـهـنـود الـمـسـلـمـيـن وعـبـدة الأصـنـام. أ فـلـيـس لـهـم الـحـقّ بـالـتّـمـتـع بـمـا كـسـبـوه ؟ وقـد سـيـطـر غـزاة آخـرون في الـمـاضي عـلى هـذا الـبـلـد، وكـمـا وقـع تـحـت سـيـطـرتـهـم فـسـيـقـع تـحـت سـيـطـرة الإنـكـلـيـز، وسـتـمـتـدّ سـيـطـرتـهـم عـلـيـه. قـومـك يـا خـاتـون قـوم عـظـيـم، واسـع الـثّـراء، شـديـد الـقـوّة. وأيـن قـوتـنـا نـحـن ؟ فـإن أردنـا مـثـلاً أن يـحـكـمـنـا الإنـكـلـيـز ولـم يـرد الإنـكـلـيـز أن يـحـكـمـونـا، فـكـيـف يـمـكـنـنـا أن نـجـبـرهـم عـلى ذلـك ؟ وإن أردنـا أن يـحـكـمـنـا آخـرون غـيـرهـم وقـرر الإنـكـلـيـز أن يـبـقـوا لـيـحـكـمـونـا، فـكـيـف يـمـكـنـنـا أن نـطـردهـم ؟ وأنـا أعـتـرف لـكـم بـأنّـكـم انـتـصـرتـم. أنـتـم الـحـاكـمـون ونـحـن الـرّعـيـة. وإن سـألـتـيـني عـن رأيي فـسـأجـيـب أنـني أرتـضي أن أكـون مـن رعـيـة الـمـنـتـصـر”.

“وتـلـطّـف الـنّـقـيـب مـعي في مـا يـخـصّـني : “وأنـتِ يـا خـاتـون، لـديـك إدراك ومـعـرفـة بـأمـور الـحـكـم. ولـهـذا أصـارحـك بـأنـني أحـبـبـت حـكـم الأتـراك كـمـا كـانـوا يـحـكـمـون في الـمـاضي. ولـو أمـكـنـنـا الـعـودة إلى حـكـم سـلاطـيـنـهـم كـمـا كـانـوا في مـاضي مـجـدهـم لـمـا اخـتـرنـا حـكّـامـاً غـيـرهـم. ولـكـن لـيـلـعـن الله حـكـومـة تـركـيـا الـحـالـيـة ويـخـزيـهـا … لـقـد مـات الأتـراك الأقـحـاح وانـتـهى حـكـمـهـم، ولـهـذا يـسـعـدني أن أكـون مـن رعـيـتـكـم. وأنـتِ الآن ذاهـبـة إلى لـنـدن، وسـتـقـابـلـيـن [الـمـلـك] الـعـظـيـم وسـتـتـحـدثـيـن مـعـه. عـلـيـك أن تـقـولي لـه : دع الـسّـيـر بـرسي كـوكـس يـعـود إلى الـعـراق لـيـنـهي الـحـكـم الـعـسـكـري. سـتـرتـكـب إنـكـلـتـرة خـطـأ عـظـيـمـاً إن أبـقـت الـحـكـم الـعـسـكـري. لا أقـول هـذا ضـدّ الـقـائـد الـعـام، فـهـو نـبـيـل يـظـهـر نـبـلـه عـلى وجـهـه. وقـد ذهـبـت لـمـقـابـلـتـه مـع أن هـذا لـيـس مـن عـادتي. نـعـم، ذهـبـت لـمـقـابـلـة الـسّـيـر ولـيـام مـارشـال (وكـان صـعـبـاً عـلى الـنّـقـيـب أن يـلـفـظ اسـمـه لـفـظـاً صـحـيـحـاً) عـنـدمـا رجـاني الـسّـيـر بـرسي كـوكـس أن أذهـب لـلـقـائـه. ولـيـس مـن الـلـيـاقـة أن أرفـض رجـاءه. وكـنـت قـد ذهـبـت قـبـلـهـا لـمـقـابـلـة مـود Maude. يـكـنّ بـلـدكِ لـمـود احـتـرامـاً عـمـيـقـاً، ونـلـهـج نـحـن لـه بـالـحـمـد أيـضـاً. كـان مـحـبـوبـاً في بـغـداد. ولـكـن في أيّـام الـسّـلـم هـذه، يـنـبـغي أن يـكـون الـحـكـم بـأيـدي رجـال الـدّولـة لا بـأيـدي الـعـسـكـر. يـمـكـنـكـم أن تـبـقـوا الـجـيـش هـنـا لـلـمـحـافـظـة عـلى الأمـن، ولـكـنّ الـجـيـش لا يـنـبـغي أن يـحـكـم. هـذا مـا عـلـيـك أن تـقـولـيـه : “نـريـد أن يـحـكـمـنـا الـسّـيـر بـرسي كـوكـس”، ولـكـن لا تـقـولي لـه، مـع أنّ ذلـك صـحـيـح، إنّـكِ أصـبـحـت أنـتِ نـفـسـكِ بـغـداديـة، وإنّ اسـتـقـرار الـعـراق وازدهـاره يـشـغـل بـالـكِ كـلّـه، لانّ هـذا سـيـقـلـل مـن أهـمـيـة دفـاعـكِ عـن الـعـراق في لـنـدن ويـقـلـل مـن انـتـفـاعـنـا بـكِ”.

“وبـعـد أن انـتـهى الـنّـقـيـب مـن تـحـذيـره لي، عـاد إلى مـوضـوع حـقـوق الـشّـعـوب في تـقـريـر مـصـيـرهـا Self-determination : “مـا كـلّ هـذا الـهـراء، ومـا قـيـمـتـه ؟ أنـا أُرجـع هـذا لأمـريـكـا، ومـصـدره ولـسـن. فـهـل يـعـرف الـشّـيـخ ولـسـن shaikh Wilson الـشّـرق وأهـلـه ؟ وهـل يـعـرف طـرق عـيـشـنـا وعـاداتـنـا الـفـكـريـة ؟ وأنـتـم يـا إنـكـلـيـز، تـحـكـمـون مـنـذ ثـلاثـة قـرون في آسـيـا، وحـكـمـكـم مـثـال يـنـبـغي أن يـقـلّـده الـكـلّ. تـابـعـوا طـرقـكـم في الـحـكـم ولا تـتـبـعـوا إرشـادات الـشّـيـخ ولـسـن أو نـصـائـح آخـر غـيـره. ولـتـرشـدكـم الـمـعـرفـة والـتّـجـربـة.

“وبـفـتـحـه لـلـمـوضـوع بـهـذه الـطّـريـقـة لـم يـعـد صـعـبـاً عـليّ أن أسـتـرجـع مـع الـنّـقـيـب مـا حـدث في بـغـداد، فـقـال : “أغـلـب مـن عـلا ضـجـيـجـهـم ضـدّكـم نـاس لا أهـمـيـة لـهـم ولا شـرف. لـيـس لـحـمـدي الـبـاجـة جي Ramdi Pachahji أدنى أهـمـيـة.  وفـوق ذلـك فـهـو مـجـنـون majnun. ومـن سـمـع قـبـل الآن بـجـعـفـر أبـو تـمّـن Ja’far Abu Timmam ؟ فـهـو لـيـس مـن أشـراف الـبـلـد. ولـكـنّي حـذرتـكِ مـن الـشّـيـعـة، مـع أنّـه لـيـس لي عـداء نـحـو الـشّـيـعـة”، أسـرع يـطـمـئـنـني. وقـد احـتـطـت بـالـحـذر حـتّى لا يـظـهـر عـلى وجـهي الـشّـكّ فـيـمـا قـالـه، : “وهـم يـحـبّـوني ويـحـتـرمـوني ويـعـتـبـروني شـيـخـاً لـهـم. ولـكـن اقـرأي صـفـحـات الـتّـاريـخ وسـتـجـديـن أن مـا يـمـيـزهـم هـو تـقـلّـبـهـم … إمـتـزجـت فـيـهـم الـوثـنـيـة بـالـتّـقـيـة، وهـو مـا لا يـتـرك مـكـانـاً لـلـثّـقـة بـهـم”.

“وأخـبـرت الـنّـقـيـب بـعـد ذلـك بـأنّـه كـان لـديـنـا قـائـمـة كـامـلـة بـأسـمـاء كـلّ مـن حـرّضـوا عـلى الإضـطـرابـات الـمـعـاديـة لـبـريـطـانـيـا، وأنّـه، بـطـلـب مـن الأشـراف، أوقـفـنـا 6 أو 7 مـنـهـم. ولـكـنّي لـم أتـذكـر مـن مـنـهـم حـكـم عـلـيـه بـالـنّـفي. وكـان في جـيـبي مـسـودّة الـقـائـمـة بـصـيـغـتـهـا الأولـيـة، قـبـل اكـتـمـالـهـا. وأثـار ذلـك فـضـولـه الـشّـديـد وسـألـني أن أعـلـمـه بـأسـمـاء مـن أوقـفـوا.

وكـانـت الـقـائـمـة تـبـدأ بـعـبـد الـوهّـاب الـنّـائـب وشـيـخ سـعـيـد، ولـكـنّي لـم أذكـرهـمـا لـه لأنّـه لـم تـتـخـذ بـعـد إجـراءات ضـدّهـم. وقـرأت بـاقي الأسـمـاء عـلى الـنّـقـيـب. وكـان بـيـنـهـم اثـنـان لـم يـكـن يـعـرفـهـمـا، وكـان قـد سـمـع بـواحـد ولـكـنّـه لا يـعـرف عـنـه شـيـئـاً. وكـان يـعـرف أحـد الـبـاقـيـن : شـطـور شـصـيـبـه shatur Chasibah الّـذي وصـفـه بـأنّـه شـقي مـحـتـال Rogue. وتـذكّـرت أنّ هـذا الـرّجـل لـم يـكـن مـن بـيـن الّـذيـن كـنـت أنـوي حـبـسـهـم. وطـلـب مـنّي الـنّـقـيـب أن أبـلـغ مـفـوّض الـتّـمـثـيـل الـمـدني الـبـريـطـاني the Acting Civil Commessioer بـأن لا يـسـمـح لـشـاهـر Shahir  بـالـبـقـاء في بـغـداد. ثـمّ طـويـت بـعـد ذلـك ورقـتي وقـلـت لـه إنّ كـلّ هـؤلاء عـرفـوا بـتـحـريـضـهـم [ضـدّ الإنـكـلـيـز] في مـقـاهي الـمـديـنـة كـلّ مـسـاء، وبـهـذا يـخـلّـون بـالأمـن. وأضـفـت أنّ هـنـاك رجـلـيـن آخـريـن أكـثـر خـطـراً بـسـبـت أهـمـيـتـهـمـا وسـمـعـتـهـمـا. وأشـرت إلى عـبـد الـوهّـاب الـنّـائـب وشـيـخ سـعـيـد. ولـمـكـانـتـهـمـا بـيـن رجـال أهـل الـسّـنـة يـسـتـحـيـل عـلـيـنـا أن نـلـزمـهـمـا الـصّـمـت تـمـامـاً. وأنـصـت إليّ الـنّـقـيـب بـتـركـيـز شـديـد ثـمّ فـكـر لـحـظـات طـويـلـة قـبـل أن يـجـيـب : “كـلّا، لا يـمـكـنـكـم أن تـرمـوهـمـا في الـسّـجـن أو تـنـفـوهـمـا، ولـكـنّي مـتـأكّـد مـن أنّ الـكـولـونـيـل ولـسـن Colonel Wilson سـيـوافـقـني عـلى مـا سـأفـعـل : سـأطـلـب مـنـهـمـا أن يـأتـيـا وسـأثـبـت لـهـمـا قـلّـة جـدوى تـصـرفـاتـهـمـا. وأنـا أعـرف أنّـهـمـا فـعـلا مـا فـعـلا بـدوافـع ديـنـيـة، وأنّـهـمـا اسـتـعـمـلا الـدّيـن لإثـبـات آرائـهـمـا، وأنـا الـمـرجـع الـمـوثـوق بـه هـنـا في كـلّ مـا يـخـصّ شـؤون الـدّيـن”.

“وشـكـرت الـنّـقـيـب شـكـراً جـزيـلاً عـلى اقـتـراحـه وأكّـدت لـه أنّ الـكـولـونـيـل ولـسـن سـيـرتـضي بـذلـك شـاكـراً. وفـعـلاً بــعـث لـه رسـالـة بـذلـك في الـيـوم الـتّـالي.

“ولأنّ حـديـثـنـا كـان حـديـث صـديـقـيـن حـمـيـمـيـن فـقـد تـجـرأت، وأنـا أعـتـذر مـنـه، عـلى تـوجـيـه سـؤال شـخـصي لـه. وكـان هـو الّـذي وجـهـني، مـن غـيـر أن يـقـصـده، إلى طـرح مـسـألـة تـرشـيـح الـشّـريـف أو واحـد مـن أبـنـائـه لـمـنـصـب أمـيـر عـلى مـا بـيـن الـنّـهـريـن Amir of Mesopotamia. وأجـابـني : “أنـا مـن أقـربـاء الـشّـريـف، ونـحـن مـن نـفـس الأرومـة ولـنـا نـفـس الـعـقـائـد الـدّيـنـيـة، ولـكـنّي لـن أقـبـل أبـداً بـاخـتـيـار الـشّـريـف أو أحـد أبـنـائـه كـأمـيـر، فـالـحـجـاز شئ والـعـراق شئ آخـر، ولا يـربـط بـيـنـهـمـا إلّا الـعـقـيـدة. فـسـيـاسـتـنـا وتـجـارتـنـا وزراعـتـنـا مـخـتـلـفـة … والـحـجـاز دار الإسـلام الـمـقـدّسـة، ويـنـبـغي أن تـبـقى أرضـاً مـنـفـصـلـة مـسـتـقـلّـة لـيـنـتـفـع بـهـا كـلّ الـمـسـلـمـيـن، مـثـلـمـا هـو الأمـر في الـقـدس، الـمـديـنـة الـبـالـغـة الـتّـقـديـس لـلـمـسـلـمـيـن والـمـسـيـحـيـيـن … ولا بـد لـلـقـوى الـكـبـرى أن تـحـافـظ عـلى حـقـوق الـمـسـلـمـيـن والـمـسـيـحـيـيـن فـيـهـا وأن تـحـمي مـراقـدهـا الـمـقـدّسـة. أمّـا عـن حـكـم مـا بـيـن الـنّـهـريـن فـأنـتِ تـعـرفـيـن مـدى كـراهـيـتي لـلإدارة الـتّـركـيـة الـحـالـيـة. ومـع ذلـك أفـضّـل ألـف مـرّة أن يـعـود الأتـراك إلى الـعـراق مـن أن يـحـكـمـنـا الـشّـريـف أو أبـنـاؤه”.

“وهـنـا قـلـتُ لـه : “لـو أصـبـح ضـروريـاً، لأسـبـاب لا يـمـكـن أن نـتـنـبّـأ بـهـا بـعـد، أن نـضـع أمـيـراً عـلى دولـة الـعـراق، فـهـل تـقـبـل أنـتَ هـذه الـمـسـؤولـيـة بـمـسـاعـدتـنـا ودعـمـنـا وبـهـذا تـتـحـاشى أن نـخـتـار أمـيـراً حـجـازيـاً لـذلـك”.

“كـانـت يـدي عـلى الـجـانـب الـخـشـبي لـلإريـكـة، فـطـبـطـب عـلـيـهـا مـرتـيـن أو ثـلاث بـأصـابـعـه، وانـحـنى نـحـوي، وقـال ضـاحـكـاً : “كـيـف لـكِ أن تـوجـهي لي مـثـل هـذا الـطّـلـب ؟ أنـا درويـش. أ لا تـحـمـيـني ثـيـابي ؟”، وأمـسـك كـعـادتـه بـجـبـتـه الـسّـوداء وهـزّهـا. “وأن أصـبـح رئـيـسـاً سـيـاسـيـاً لـلـدولـة يـعـارض مـبـادئي الـدّيـنـيـة. وفي زمـن سـلـفي، عـبـد الـقـادر، كـان الـخـلـفـاء الـعـبـاسـيـون يـسـتـشـيـرونـه كـمـا تـسـتـشـيـروني أنـتِ وزمـلاؤك، ولـكـنّـه لـم يـكـن حـتـمـاً لـيـقـبـل أن يـشـارك في تـسـيـيـر أمـور الـحـيـاة الـدّنـيـا. ولـن أقـبـل بـذلـك، لا أنـا ولا أحـد مـن نـسـلي. وجـوابي هـذ يـرتـكـز عـلى اعـتـقـاداتي الـدّيـنـيـة. ولـكـنّي سـأعـطـيـكِ جـوابـاً آخـر يـعـتـمـد عـلى دوافـع شـخـصـيـة. فـأنـا رجـل مـسـنّ، وأودّ أن أقـضي الـسّـنـوات الـخـمـس أو الـسّـتّ الّـتي بـقـيـت لي مـن حـيـاتي في الـتّـفـكـيـر والـدّرس. وعـنـدمـا جـئـتِ هـذا الـيـوم، تـركـتـكِ تـنـتـظـريـن. كـنـتُ مـشـغـولاً بـكـتـبي. وهي هـمّي الّـذي لا هـمّ لي غـيـره”. وتـوقّـف عـن الـكـلام، وبـقـيـت صـامـتـة أنـا أيـضـاً فـقـد أثّـرت بي كـلـمـاتـه تـأثـيـراً عـمـيـقـاً. ولـكـن يـبـدو أنّ جـوابـه لـم يـكـن مـكـتـمـلاً فـرفـع صـوتـه مـن جـديـد، وخـرجـت الـكـلـمـات مـن فـمـه بـبـطء : “ولـن أغـيـر رأيي إلّا إذا كـان ذلـك لإنـقـاذ الـعـراق مـن الـخـراب الـتّـام”.

“ودام لـقـاؤنـا سـاعـة ونـصـف. وبـعـد أن اعـتـذرت مـنـه عـن تـوجـيـه سـؤالي الأخـيـر لـه نـهـضـت لأودّعـه. وقـبـل أن يـتـركـني أخـرج مـن الـغـرفـة، تـلـطّـف مـعي وعـبّـر لي عـن مـودتـه الـشّـخـصـيـة لي وذكّـرني بـأنّ صـداقـتـنـا تـدوم مـنـذ سـنـوات طـويـلـة، مـنـذ سـنـوات مـا قـبـل الـحـرب. وأكّـدت لـه عـلى اعـتـزازي الـعـمـيـق بـهـذه الـصّـداقـة وشـكـرتـه عـلى ثـقـتـه بي وصـراحـتـه مـعي في حـديـثـنـا. وأجـابـني أنّـه يـودّ أن أعـتـبـره أبـاً ثـانـيـاً لي، ويـرغـب في أن نـلـتـقي قـريـبـاً. وودعـني بـ “مـع الـسّـلامـة go in peace”.(6)

عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب وتـشـكـيـل الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة :

وفي شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن ذلـك الـعـام، أي بـعـد تـسـعـة أشـهـر عـلى لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرحـمـن الـنّـقـيـب، عـاد الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس إلى بـغـداد كـمـنـدوب سـامي لـبـريـطـانـيـا في الـعـراق. وقـررت بـريـطـانـيـا بـعـد أن ثـار الـعـراقـيـون ضـدّ الإحـتـلال أن تـغـيـر ســيـطرتـهـا عـلى الـعـراق إلى شـكـل غـيـر مـبـاشـر. واسـتـطـاع الـمـنـدوب الـسـامي بـمـسـاعـدة جـرتـرود إقـنـاع الـسّـيـد عـبـدالـرّحـمـن الـكـيـلاني الـنّـقـيـب (نـقـيـب أشـراف بـغـداد) بـتـشـكـيـل حـكـومـة انـتـقـالـيـة (مـؤقـتـة).

وفي شـهـر آذار مـن عـام 1921، عـقـد في الـقـاهـرة مـؤتـمـر تـرأسـه ونـسـتـون تـشـرشـل، وزيـر الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـانـيـة. ووصـلـت جـرتـرود بـيـل إلى الـقـاهـرة في 12 آذار، لـتـشـارك في أعـمـالـه مـع بـعـض الـعـراقـيـيـن، ومـن بـيـنـهـم جـعـفـر الـعـسـكـري.

وكـان تـشـرتـشـل يـأمـل في أنّ يـسـهـل وضـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، عـلى عـرش الـعـراق عـلاقـات بـريـطـانـيـا بـالـحـجـاز ويـوفـر لـدافـع الـضّـرائـب الـبـريـطـاني حـلّاً رخـيـصـاً يـتـحـاشى الـحـلـول الـعـسـكـريـة الّـتي تـكـلّـفـه غـالـيـاً.

وكـانـت نـتـائـج مـؤتـمـر الـقـاهـرة انـتـصـار آراء لـورنـس وجـرتـرود بـيـل. وكـانـت جـرتـرود قـد أقـنـعـت بـرسي كـوكـس بـتـرك مـشـروع ربـط الـعـراق بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة كـمـسـتـعـمـرة تـحـت هـيـمـنـتـهـا، وبـجـمـع ولايـات الـعـراق الـعـثـمـانـيـة الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل لـتـكـوّن مـمـلـكـة تـتـمـتـع بـالـحـكـم الـذّاتي ولـكـن تـحـت إشـراف مـنـدوب سـامي بـريـطـاني.

وبـعـد أن حـصـل تـشـرتـشـل عـلى مـوافـقـة الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة بـنـصـب فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق وبـقـبـول الـفـرنـسـيـيـن لـه عـلى شـرط أن لا يـطـالـب بـعـرش سـوريـا، بـدأ الـبـريـطـانـيـون الـمـفـاوضـات مـع فـيـصـل. وقـبـل فـيـصـل بـعـرش الـعـراق وبـإنـشـاء إمـارة مـا بـعـد الأردن لأخـيـه عـبـد الله مـقـابـل تـنـازل أبـيـه حـسـيـن، شـريـف مـكـة، عـن مـطـالـبـتـه بـفـلـسـطـيـن.

ولـتـمـيـهـد قـبـول الـعـراقـيـيـن بـالأمـيـر فـيـصـل، تـشـكّـلـت الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة، وتـرأسـهـا عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي، نـقـيـب أشـراف بـغـداد. وكـان الـهـدف مـنـهـا إنـشـاء مـجـلـس تـأسـيـسي وتـنـظـيـم انـتـخـابـات نـوّاب لـه. واسـتـمـر بـرسي كـوكـس في نـفـس الـوقـت بـإرسـال طـائـرات الـقـوات الـجـويـة الـمـلـكـيـة RAF  لـقـصـف الـعـشـائـر الـثّـائـرة عـلى الـسّـيـطـرة الـبـريـطـانـيـة في جـنـوب الـعـراق وشـمـالـه.

وبـعـد أن قـمـعـت الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة ثـورة الـعـشـائـر، أعـلـن بـرسي كـوكـس الـعـفـو الـعـام (7) مـحـاولاً بـذلـك أن يـسـود الـسّـلام لإكـمـال مـخـطـطـه.

واخـتـار أعـضـاء الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي في بـغـداد الأمـيـر فـيـصـل، لـيـنـصـب مـلـكـاً عـلى الـعـراق.  ووجـهـوا لـه دعـوة لـلـمـجئ إلى الـعـراق.

وفي 19 حـزيـران 1921 أخـبـر عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب مـجـلـس الـوزراء في بـغـداد بـقـرب وصـول الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة، وبـضـرورة الإسـراع بـالإسـتـعـداد لاسـتـقـبـالـه وإيـجـاد سـكـن مـنـاسـب لـه، واخـتـار خـمـسـة مـن وزرائـه لـلـقـائـه عـنـد وصـولـه إلى الـبـصـرة.

ووصـل الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة في 23 حـزيـران. ومـنـهـا وصـل إلى بـغـداد بـالـقـطـار الّـذي طـلـبـت جـرتـرود بـيـل تـزيـيـنـه بـأعـلام الـدّولـة الـجـديـدة.

وبـعـد أن دعـا الـمـنـدوب الـسّـامي بـرسي كـوكـس الأمـيـر فـيـصـل إلى ولـيـمـة عـشـاء، أولـم عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب ولـيـمـة لـلأمـيـر فـيـصـل في الـثّـامـن مـن تـمّـوز، ودعـا إلـيـهـا الـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن ووجـهـاء الـبـلـد.

وبـعـد أن صـدّق وزراء الـحـكـومـة الـمـؤقـتـة بـالإجـمـاع عـلى اخـتـيـار فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق قـرر بـرسي كـوكـس وجـرتـرود بـيـل إجـراء اسـتـفـتـاء، وطـبـعـا اسـتـمـارات تـصـويـت عـلـيـهـا سـؤال واحـد : “هـل تـقـبـلـون بـفـيـصـل كـمـلـك وحـاكـم لـلـعـراق ؟”، ووزعـت عـلى أعـداد كـبـيـرة مـن رؤسـاء الـعـشـائـر وعـلى 300 مـن وجـهـاء الـمـدن. وبـعـد سـتّـة أسـابـيـع، أعـلـنـت الـنّـتـائـج في صـالـح فـيـصـل.

وبـدأ الأمـيـر فـيـصـل الـعـمـل عـلى تـشـكـيـل مـجـلـس وزراء يـتـرأسـه عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب، وقـرر أن يـجـتـمـع أعـضـاؤه مـبـاشـرة بـعـد تـتـويـجـه مـلـكـاً.

وفي فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب 1921 كـان عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب مـن بـيـن الـ 1500 مـدعـو الّـذيـن اجـتـمـعـوا في حـوش الـسّـراي. وكـمـا كـتـبـت الـمـس جـرتـرود بـيـل : “وصـل فـيـصـل في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـرتـديـاً الـزّي الـعـسـكـري … وبـعـد ذلـك قـام الـسّـيّـد حـسـيـن (8) وقـرأ الـبـيـان الّـذي كـتـبـه بـرسي كـوكـس والّـذي ذكـر فـيـه أنّ 96 بـالـمـائـة مـن سـكّـان مـا بـيـن الـنّـهـريـن اخـتـاروا فـيـصـل مـلـكـاً عـلـيـهـم … ونـهـضـنـا جـمـيـعـاً وهـتـفـنـا : “عـاش الـمـلـك !”، ثـمّ حـيّـتـه طـلـقـات 21 بـنـدقـيـة مـعـاً”.

ــــــــــــــــــ

(1) إسـتـعـمـلـت تـعـريـب اسـم Gertrude Bell  إلى”جـرتـرود بـيـل” مـتـابـعـاً الإسـتـعـمـال الـشّـائـع، مـع أن اسـمـهـا كـتـب في الـلـوحـة الـتّـذكـاريـة الّـتي نـصـبـت لـهـا في الـمـتـحـف الـعـراقي “كـرتـرود بـل” : أنـظـر مـقـالي :    تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

وأنـظـر مـقـالي : فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

(2) ونـشـره في كـتـابـه : “بـغـداد، بـابـل، نـيـنـوى  Bagdad, Babylon, Ninive” الّـذي صـدر في لايـبـزك عـام 1918.

(3) Mutasarrifliq هي الـمـتـصـرفـيـة بـالـلـغـة الـعـثـمـانـيـة، كـمـا كـانـت الـمـنـطـقـة الّـتي يـحـكـمـهـا الـبـاشـا : الـبـاشـالـيـق.

(4)   Ex-Rais Baladiyah.

(5)  Khatoun Sahib ، ونـعـرف أنّ الـبـغـاددة كـانـوا يـسـمـون الـمـس بـيـل بـالـخـاتـون. ولـكـن كـلـمـة صـاحـب تـبـدو غـريـبـة فـهـي كـلـمـة يـسـتـعـمـلـهـا الـهـنـود عـنـدمـا يـخـاطـبـون الـبـريـطـانـيـيـن، وتـعـني “سـيّـد”.

(6) يـمـكـن قـراءة الـنّـصّ الأصـلي بـكـامـلـه في كـتـاب Georgina Howell عـن جـرتـرود بـيـل :    A Women in Arabia ، مـن ص.197 إلى ص. 203.

(7) مـا عـدا الـعـراقـيـيـن الّـذيـن قـتـلـوا أو شـاركـوا في قـتـل ضـبـاط بـريـطـانـيـيـن.

(8)  وهـو الـسّـيّـد حـسـيـن أفـنـان، أمـيـن سـرّ الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

قـصـر الأخـيـضـر

 

الأخـيـضر صورة شاملة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـعـد أن زار الإيـطـالي بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه Pietro DELLA VALLE  في 18 حـزيـران 1625 تـلّ الـمـقـيّـر  Muqueijer، مـوقـع مـديـنـة أور الـقـديـمـة، قـادمـاً مـن الـبـصـرة، سـار مـع مـصـاحـبـيـه بـمـحـاذاة الأهـوار. وكـتـب في 24 حـزيـران : “رأيـنـا طـيـلـة الأيّـام الـمـاضـيـة عـلى يـمـيـنـنـا، ومـن بـعـيـد، جـزائـر Gevazir  أهـوار بـلاد الـكـلـدان”. وأبـصـروا في 26 حـزيـران عـلى يـمـيـنـهـم مـن بـعـيـد : “بـمـشـهـد عـلي Mesched Ali في الـمـكـان الّـذي كـانـت فـيـه الـكـوفـة Kufa في الـمـاضي”.

وفي حـوالي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة مـن صـبـاح 29 حـزيـران 1625 تـوقّـفـوا لـيـسـتـريـحـوا : “قـرب بـقـايـا بـنـاء قـديـم مـربـع الـشّـكـل شـيّـد بـالـطّـابـوق. ونـرى في كـلّ ضـلـع مـن أضـلاع الـمـربـع ثـلاثـة عـشـر بـرجـاً مـحـصّـنـاً تـحـسّـنـهـا أقـواس وأشـيـاء أخـرى. ورأيـنـا في داخـل الـبـنـاء قـاعـات وحـجـر كـثـيـرة بـعـضـهـا يـعـلـو بـعـض عـدّة طـوابـق [في وسـطـهـا] قـاعـة قـلـيـلـة الـسّـعـة لا يـمـكـن اعـتـبـارهـا حـوشـاً إلّا إذا مـا كـانـت بـلا سـقـف مـن الأصـل. والـعـرب يـسـمـون هـذا الـبـنـاء الأخـيـضـر Cair Chaider. ولا أدري هـل شـيّـد هـذا الـبـنـاء كـقـصـر أو كـمـعـبـد أو كـحـصـن. ومـع ذلـك فـانـا أعـتـقـد أنّـه كـان قـصـراً”. (1)

والـغـريـب في الأمـر أنّ هـذه كـانـت أوّل إشـارة مـكـتـوبـة إلى قـصـر الأخـيـضـر بـاسـمـه الّـذي نـعـرفـه لـه في أيّـامـنـا هـذه. ولا نـدري بـأيّ اسـم ذكـر الـمـؤرخـون الـعـرب هـذا الـبـنـاء الـضـخـم الّـذي بـهـر كـلّ مـن رآه، ولا كـيـف أشـيـر إلـيـه في “مـعـاجـم الـبـلـدان” أو في كـتـب “الـمـسـالـك” الّـتي تـتـبـعـت كـلّ طـرق الـدّولـة الـعـبـاسـيـة وفـصّـلـت في وصـف حـتّى أصـغـر الـقـرى الّـتي لـم تـكـن لـهـا أدنى أهـمـيـة.

وفي عـام 1638، أي بـعـد ثـلاث عـشـرة سـنـة عـلى مـرور الإيـطـالي ديـلّا فـالـيـه، مـرّ الـتّـاجـر الـفـرنـسي جـان بـاتـيـسـت تـافـرنـيـيـه JeanBaptiste Tavernier بـالأخـيـضـر عـنـدمـا نـزل في رحـلـتـه الـثّـانـيـة إلى الـشّـرق مـن حـلـب عـن طـريـق عـانـة ثـمّ بـمـحـاذاة الـفـرات حـتّى الـكـوفـة والـبـصـرة. وكـتـب :

“وظـهـر أمـامـنـا قـصـر كـبـيـر شـيّـد بـكـامـلـه بـالـطّـابـوق. وتـبـدو هـذه الـمـنـطـقـة مـنـعـزلـة. و[أظـنّ] أنّ الـطّـابـوق صـنـع في أكـوار أشـعـلـت بـالـتّـبـن، فـلـيـس هـنـاك عـشـب ولا أغـصـان نـبـاتـات ولا أشـجـار عـلى امـتـداد 15 أو 20 فـرسـخـاً حـولـهـا في كـلّ الإتـجـاهـات. وقـيـاس كـلّ طـابـوقـة مـربّـعـة نـصـف قـدم، وسـمـكـهـا سـتّـة أصـابـع.

وفي هـذا الـقـصـر ثـلاثـة أحـواش واسـعـة. وحـول كـلّ مـنـهـا أربـعـة أبـنـيـة حـسـنـة بـطـابـقـيـن مـن الأقـواس الـواحـد مـنـهـمـا فـوق الآخـر. ومـع أنّ الـقـصـر مـا زال مـكـتـمـلاً (لـم يـخـرب) فـهـو مـهـجـور لا يـسـكـنـه أحـد. والـعـرب الّـذيـن لا يـهـمـهـم الـتّـاريـخ ويـجـهـلـونـه تـمـام الـجـهـل لـم يـسـتـطـيـعـوا إخـبـاري بـمـن شـيّـده ولا مـتى ولا كـيـف شـيّـد وبـكـلّ مـا كـنـت أودّ مـعـرفـتـه.

وأمـام بـاب الـقـصـر حـوض واسـع وجـدول مـاء جـفّ مـاءه. وقـد رصـف قـاع الـجـدول بـالـطّـابـوق وكـذلـك سـقـفـه الـواطئ الّـذي عـقـد بـمـسـتـوى الأرض. ويـعـتـقـد الـعـرب أنّـه قـنـاة حـفـرت لـجـلـب الـمـاء مـن الـفـرات. ولا أدري كـيـف يـمـكـن ذلـك مـع أنّ الـفـرات عـلى بـعـد أكـثـر مـن عـشـريـن فـرسـخـاً.

وبـعـد مـسـيـرة أربـعـة أيّـام مـن تـركـنـا لـلـقـصـر وصـلـنـا إلى قـريـة لا أهـمـيـة لـهـا كـانـت تـسـمى في الـمـاضي بـالـكـوفـة Cufa، ويـسـمـونـهـا الآن مـشـهـد عـلي Meched-Ali”.  (2)

ونـلاحـظ أنّ تـافـرنـيـيـه قـدّر بـعـد قـصـر الأخـيـضـر عـن الـفـرات بـأكـثـر مـن عـشـريـن فـرسـخـاً فـرنـسـيـاً أي مـا يـقـارب الـمـائـة كـلـم.

الأخيضر من جنوب الشرق

ويـنـبـغي أن نـنـتـظـر أكـثـر مـن قـرن بـعـد ذلـك لـيـمـرّ بـه الـتّـاجـر الإنـكـلـيـزي ولـيـام بـيـوَس William Beawes عـام 1745 خـلال سـفـرتـه مـن إنـكـلـتـرة إلى الـهـنـد، والّـتي نـزل فـيـهـا مـن حـلـب عـن طـريـق الـفـرات إلى الـنّـجـف ثـمّ الـبـصـرة. وكـتـب في سـرده لـهـذه الـسّـفـرة :

“31 آب،

تـوقّـفـنـا قـرب بـقـايـا حـصـن واسـع، ومـذاق الـمـاء هـنـا أكـثـر عـذوبـة مـن كـلّ مـا شـربـنـاه في الأيّـام الـقـلـيـلـة الـمـاضـيـة. وقـد وجـدنـاه بـكـمـيـات أكـبـر مـمـا في أمـاكـن الـبـاديـة الأخـرى، مـمـا جـعـلـني أعـتـقـد أنّ هـذا الـبـنـاء الـمـحـصّـن شـيّـده تـجّـار كـانـت تـجـارتـهـم تـجـبـرهـم عـلى الـمـرور مـن هـنـا لـيـسـتـطـيـعـوا تـأمـيـن الـمـاء في هـذه الـمـرحـلـة مـن أسـفـارهـم، أو شـيّـده بـعـض أعـراب الـبـاديـة لـيـدافـعـوا عـن أنـفـسـهـم مـن هـجـمـات أعـراب آخـريـن، أو (وهـو مـا يـبـدو لي أكـثـر احـتـمـالاً) لـيـبـتـزوا مـن الـتّـجّـار مـا أمـكـنـهـم مـقـابـل تـزويـدهـم [بـالـمـاء]”. (3)

 ومـرّ بـه الإنـكـلـيـزي غـيـلارد روبـرتـس Gaylard Roberts عـام 1748 في طـريـقـه مـن الـهـنـد إلى الـبـصـرة ثـمّ إلى حـلـب وإنـكـلـتـرة. (4)

ورغـم أن الألـمـاني كـارسـتـن نـيـبـور Carsten Niebuhr، الّـذي كـان قـد بـعـثـه مـلـك الـدّنـمـارك مـع فـريـق مـن الـعـلـمـاء لاكـتـشـاف بـلاد الـعـرب، صـعـد في عـام 1765 وحـده (بـعـد أن مـات كـلّ رفـاقـه) عـن طـريـق الـفـرات مـن الـبـصـرة إلى “مـشـهـد عـلي Mesched Ali” والـكـوفـة، ثـمّ إلى “مـشـهـد حـسـيـن Mesched Hösein “، كـربـلاء. وغـادر كـربـلاء في 30 كـانـون الأوّل مـتّـجـهـاً إلى الـحـلّـة وبـابـل، وغـادر الـحـلّـة في 5 كـانـون الـثّـاني 1766 في طـريـقـه إلى بـغـداد، فـهـو لـم يـذهـب إلى الأخـيـضـر بـنـفـسـه وإنّـمـا نـقـل مـا كـان قـد كـتـبـه عـنـه مـسـافـر إنـكـلـيـزي لـم يـذكـر اسـمـه.

كـتـب كـارسـتـن نـيـبـور بـالـلـغـة الألـمـانـيـة، وأتـرجـم لـكـم الـمـقـطـع مـبـاشـرة مـن الـنّـصّ الأصـلي :

“وجـدت في يـومـيـات مـسـافـر إنـكـلـيـزي نـزل مـن حـلـب إلى الـبـصـرة أنّـه مـرّ عـلى مـسـيـرة 44 سـاعـة جـنـوب شـرق هـيـت بـمـديـنـة (Stadt) مـهـجـورة تـمـامـاً في وسـط الـصّـحـراء، تـرتـفـع أسـوارهـا 50 قـدمـاً وسـمـكـهـا 40 قـدمـاً. وعـرض كـلّ جـانـب مـن هـذه الأسـوار 700 قـدمـاً. ورأى ثـقـوبـاً مـفـتـوحـة فـيـهـا. وفي داخـل هـذه الـمـديـنـة أو الـقـلـعـة الـواسـعـة قـصـر صـغـيـر. وسـمـعـت بـعـد ذلـك أنّ الـعـرب يـسـمـونـهـا        El Khader، وأنّـهـا عـلى بـعـد مـسـيـرة عـشـرة أو اثـني عـشـر فـرسـخـاً مـن مـشـهـد عـلي Meshed Ali”. (5)

وفي عـام 1790، مـرّ بـه الـمـيـجـر جـون تـايـلـور maj. John Taylor الّـذي كـان يـعـمـل في مـقـر بـومـبـاي، أحـد مـقـرّات شـركـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، في طـريـقـه مـن إنـكـلـتـرة إلى حـلـب ثـمّ إلى الـبـصـرة، ومـنـهـا إلى الـهـنـد. وكـتـب :

” 4 كـانـون الـثّـاني،

وبـعـد أن حـمّـلـنـا أمـتـعـتـنـا عـلى الـجـمـال انـطـلـقـنـا في الـسّـادسـة والـنّـصـف صـبـاحـاً، واجـتـزنـا بـاديـة مـنـبـسـطـة الـخـلاء، وعـبـرنـا واديـاً كـان نـهـر يـجـري فـيـه في الـمـاضي. وفي الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة رأيـنـا عـلى يـمـيـنـنـا، عـلى بـعـد حـوالي نـصـف مـايـل [حـوالي 850 مـتـراً]، بـقـايـا حـصـن صـغـيـر مـربـع الـشّـكـل يـسـمـيـه الـعـرب الأخـيـضـر  Ula Kayder”.    (6)

وقـد زاره الـمـسـتـشـرق الـفـرنـسي لـويـس مـاسـيـنـيـون Louis Massignon عـام 1908. وكـان في ذلـك الـوقـت طـالـبـاً في الـمـعـهـد الـفـرنـسي لـلـدراسـات الـشّـرقـيـة في الـقـاهـرة. وقـد بـعـث إلى أكـاديـمـيـة الـخـطـوط والآداب في بـاريـس بـتـقـريـر عـن قـصـر الأخـيـضـر نـشـر في تـقـاريـر جـلـسـاتـهـا لـعـام 1909. وكـان قـد رسـم لـه مـخـطـطـاً مـفـصـلاً والـتـقـط لـه صـوراً فـوتـوغـرافـيـة.(7).

جـرتـرود بـيـل في قـصـر الأخـيـضـر :

قـامـت جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell عـام 1909، بـأولى رحـلاتـهـا إلى الـعـراق، والّـتي دامـت خـمـسـة أشـهـر. ونـزلـت فـيـهـا مـن حـلـب إلى هـيـت، ثـمّ اقـتـفـت مـجـرى الـفـرات إلى كـربـلاء فـبـغـداد. ومـن بـغـداد صـعـدت إلى الـمـوصـل، ومـن الـمـوصـل إلى زاخـو فـديـار بـكـر وقـونـيـا.

وقـد رأت في مـوقـع الأخـيـضـر، حـوالي 190 كـلـم. جـنـوب غـرب كـربـلاء، قـصـراً شـاسـعـاً بـالـغ الـجـمـال، كـان قـد احـتـفـظ بـكـثـيـر مـن بـقـايـاه. وكـتـبـت لأبـيـهـا في 26 آذار 1909 :

“حـصـن عـظـيـم، قـلـعـة، قـصـر مـتـرامي الأطـراف، وأكـثـر مـن هـذا … 155 مـتـراً عـرضـاً و170 مـتـراً طـولاً تـحـيـطـهـا أسـوار مـمـتـدّة تـتـخـلـلـهـا أبـراج دائـريـة. وتـمـلأ حـوالي ثـلـث مـسـاحـتـه غـرف رائـعـة الـجـمـال حـول أحـواش تـتـبـعـهـا غـرف حـول أحـواش أخـرى … سـقـوفـهـا مـعـقـودة بـالـحـجـر الـمـقـطـوع، وتـعـلـوهـا قـبـاب. ويـغـطي جـدرانـهـا وسـقـوفـهـا جـصّ مـنـقـوش لـيـس بـعـد حـسـنـه حـسـن … وسـراديـب وغـرف عـالـيـة فـوق حـجـرات، بـعـضـهـا شـيّـدت بـأعـمـدة. ولـم أجـد خـارطـة تـشـيـر إلـيـه ولا كـتـاب نـشـر عـنـه. وقـد أعـلـمـني الـعـرب أنّ أجـنـبـيـاً جـاء إلى الـقـصـر في الـعـام الـمـاضي وتـفـحّـصـه عـدّة أيّـام”.

والأجـنـبي الّـذي تـقـصـده كـان الـمـسـتـشـرق الـفـرنـسي لـويـس مـاسـيـنـيـون Louis Massignon.

وتـنـهي الـرّسـالـة بـرأيـهـا عـن تـاريـخ تـشـيـيـده : “وبـاخـتـصـار، فـهـو أفـضـل مـثـال عـلى أروع مـا أنـتـجـه الـفـنّ الـسّـاسـاني … وأنـا أضـع زمـن تـشـيـيـده في نـفـس الـفـتـرة الّـتي شـيّـدت فـيـهـا طـيـسـفـون، ولـكـنّي أعـتـقـد أنّـه لـم يـشـيـد لـلـسّـاسـانـيـيـن بـل لأمـراء بـني لـخـم”.

الأخيضر من شمال الغرب

واعـتـقـدت أنّـهـا اكـتـشـفـت قـصـراً لـم يـره أحـد قـبـلـهـا. ونـشـرت في الـعـام الـتّـالي مـقـالاً عـنـه.

وعـنـدمـا صـدر كـتـابـهـا “مـن مـراد إلى مـراد Amurath to Amurath” في لـنـدن عـام 1911، (8) والّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن سـفـرتـهـا عـام 1909 إلى الـعـراق، خـصـصـت جـرتـرود بـيـل لـقـصـر الأخـيـضـر فـصـلـيـن صـغـيـريـن تـصـاحـبـهـمـا 23 صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـالأبـيـض والأسـود (وهي الصّـور الّـتي وضـعـتـهـا في هـذا الـمـقـال مـاعـدا صـورة الـعـنـوان والـصـورة الأخـيـرة بـالألـوان) وأربـعـة مـخـطـطـات مـعـمـاريـة لـلـمـوقـع كـامـلاً ولـطـوابـقـه. وهي تـقـصّ في الأوّل مـن هـذيـن الـفـصـلـيـن كـيـف اكـتـشـفـت الـقـصـر (مـن صـفـحـة 140 إلى صـفـحـة 147) :

“وبـعـد أن امـتـطـيـنـا صـهـوات خـيـولـنـا ثـلاث سـاعـات وسـط الـفـيـافي الـمـتـرامـيـة الأطـراف، أبـصـرنـا في وهـج الـشّـمـس بـكـتـلـة كـبـيـرة تـبـدو جـزءاً مـن مـعـالـم الـطـبـيـعـة. وتـحـددت أشـكـالـهـا شـيـئـاً فـشـيـئـاً كـلّـمـا ازداد اقـتـرابـنـا مـنـهـا. وسـألـت عـنـهـا أحـد الـمـرافـقـيـن zaptiehs.

وأجـابـني : “هـذا هـو الـخـيـضـر It is Kheidir”.

فـصـحـت [بـمـصـاحـبي الـمـخـلـص] : “يـالله، فـتّـوح Yallah, Fattuh”، وأطـلـقـت لـفـرسي الـعـنـان.

“ومـن بـيـن كـلّ الـتّـجـارب الـعـجـيـبـة الّـتي لاقـيـتـهـا في طـريـقي، لا يـمـكـن أن أنـسى الـلـحـظـة الّـتي رأيـت فـيـهـا “خـيـضـر”. كـانـت أسـواره الـمـحـصّـنـة تـرتـفـع مـن الـرّمـال كـمـا لـو لـم تـمـرّ عـلـيـهـا الـقـرون تـقـريـبـاً، تـقـطـع خـطّ أفـق الـفـلاة بـأبـراجـهـا الـضّـخـمـة الـمـحـصّـنـة، ضـاربـة بـأسـسـهـا الـثّـابـتـة في بـاطـن الأرض، كـمـا لـو كـانـت مـن روائـع أعـمـال الـطّـبـيـعـة لا مـن عـمـل الإنـسـان.

“واقـتـربـنـا مـنـه مـن جـهـة الـشّـمـال الّـتي يـلـتـصـق فـيـهـا [بـسـوره الـخـارجي] بـنـاء واطئ يـمـتـدّ إلى وادي لـبـيـعـة Wâdî Lebai’ah.

“ولـحـق بي أحـد الـمـرافـقـيـن عـنـدمـا وصـلـت إلى أوّل الـحـجـر الـمـعـقـودة الـسّـقـوف وأشـار لي إلى رجـل في ثـوب طـويـل أبـيـض وأسـود كـان واقـفـاً في بـوابـة الـسّـور الـشّـمـالي. وتـقـدم الـرّجـل بـخـطـوات بـطـيـئـة نـحـونـا في صـمـت حـرارة الـنّـهـار.

وقـال : الـسّـلام عـلـيـكـم، Peace be upon you”، وأجـابـه مـرافـقي : “وعـلـيـكـم الـسّـلام، شـيـخ عـلي And upon you peace, Sheikh ‘Ali، هـذه الـسّـيّـدة إنـكـلـيـزيـة”.

فـقـال الـشّـيـخ عـلي : “مـرحـبـاً يـا سـيّـدة خـان (خـاتـون ؟) my lady khan، تـفـضّـلي، أدخـلي وارتـاحي”. وقـادني في مـمـر قـصـيـر نـحـو قـبّـة صـغـيـرة […] ثـمّ وصـلـنـا إلى قـاعـة واسـعـة مـعـقـودة الـسّـقـف جـلـس فـيـهـا إعـراب حـول رمـاد نـار.

الأخيضر ركن حوش

وأكـمـل الـشّـيـخ عـلي : “يـا خـاتـون، هـذه قـلـعـة الـنّـعـمـان بـن الـمـنـذر”.

“وفـكّـرت إن كـان هـذا قـصـر بـني لـخـم أم لا، فـهـو الـقـصـر الّـذي كـنـت أحـلـم بـالـعـثـور عـلـيـه. وهـو يـنـتـمي بـهـنـدسـتـه الـمـعـمـاريـة إلى مـجـمـوعـة أبـنـيـة مـن الـزّمـن الـسّـاسـاني سـبـق أن عـرفـنـاهـا، ويـنـتـمي تـاريـخـيـاً إلى الـقـصـور الـمـعـروفـة في زمـن الـجـاهـلـيـة”.

ثـمّ تـدخـل جـرتـرود بـيـل في عـرض طـويـل لأهـمـيـة الـحـيـرة وقـصـورهـا في انـتـقـال الـعـرب مـن الـبـداوة إلى الـحـضـارة. وهي تـشـرح لـنـا أنّ أهـل الـبـلـد حـرّفـوا الأخـيـضـر Ukhaeidir إلى خـيـضـر Kheidir. وأنّ بـقـاءه قـائـمـاً رغـم مـرور الـقـرون يـعـود إلى أن الـصّـحـراء أحـاطـت بـه وإلى بـعـده عـن الـقـرى، ولـهـذا لـم يـسـكـنـه أحـد. […]

“والأعـراب الـمـقـيـمـيـن في الـقـصـر الآن جـاءوا قـبـل عـامـيـن مـن الـجـوف ونـجـد. وقـال لي عـلي إنّـهـم “هـاربـيـن مـن حـكـم ابـن رشـيـد”. وكـانـت الـهـوادج الـخـشـبـيـة الّـتي سـافـرت فـيـهـا الـنّـسـاء عـلى ظـهـور الإبـل مـكـدّسـة في أحـد الـمـمـرات وأعـاقـتـنـا عـن عـبـوره. ورأيـت حـوالي عـشـريـن عـائـلـة تـقـيـم عـلى أرضـيـات غـرف مـعـقـودة الـسّـقـوف سـكـنـهـا أمـراء في الـمـاضي”.

الأخيضر حجرة

ثـمّ تـتـكـلّـم عـن أحـدهـم، واسـمـه غـانـم : “أخـذ ربـابـتـه وعـزف عـلى وتـرهـا الـوحـيـد أنـغـام نـحـيـب […] وقـال غـانـم : “يـا خـاتـون، سـأنـشـد لـك أنـشـودة الأخـيـضـر”. ولـكـنّي أجـبـتـه : “بـل انـصـت لـبـيـت شـعـر الأخـيـضـر :

بـلـيـنـا ومـا تـبـلى الـنّـجـوم الـطّــوالـع   وتـبـقى الـجـبـال بـعـدنـا والـمـصـانـع  (9)

“وهـمـهـم مـعـاشي : “الله  allah !” بـيـنـمـا كـان يـدور مـالـئـاً بـصـمـت فـنـاجـيـن الـقـهـوة. وهـا أنّ بـيـت لـبـيـد [بـن ربـيـعـة] يـبـهـر الـحـاضـريـن كـمـا كـان قـد بـهـر الـحـاضـريـن في ولـيـمـة الـخـلـيـفـة”.

وتـصـف في الـفـصـل الـثّـاني مـنـهـمـا الـقـصـر (مـن صـفـحـة 147 إلى صـفـحـة 158) :

الأخيضر برج زاوية

“والـقـصـر مـسـتـطـيـل مـن أسـوار تـتـخـلـلـهـا أبـراج مـسـتـديـرة مـحـصـنـة، أربـعـة مـنـهـا، واحـد في كـلّ زاويـة، أكـثـر ضـخـامـة مـن الأخـرى. وفي داخـل هـذه الأسـوار بـنـاء مـسـتـطـيـل الـشّـكـل تـحـيـطـه أفـنـيـة مـن ثـلاث جـهـات […] ويـتّـكئ عـلى الـسّـور الـشّـمـالي مـرتـفـعـاً عـلى ثـلاثـة طـوابـق.

الأخيضر داخل البوابة الشمالية

ويـلـحـق بـه بـنـاء يـحـتـوي عـلى أربـع عـشـرة حـجـرة مـسـقـوفـة وحـوش صـغـيـر في طـرفـه الـجـنـوبي”. […] “وفي شـمـال غـرب الـقـصـر بـنـاء صـغـيـر يـسـمـيـه الـعـرب “الـحـمّـام the Bath”[…] “والـعـرب يـؤكّـدون أنّـهـم يـجـدون مـاءً أجـاجـاً عـنـدمـا يـحـفـرون فـيـه. وهـنـاك بـئـر مـاء أجـاج أيـضـاً في حـوش الـقـصـر”. “وكـان مـاء شـرب الأخـيـضـر يـأتي مـن وادي لـبـيـعـة”.

وتـفـصّـل جـرتـرود بـيـل في وصـف الـقـصـر في عـدّة صـفـحـات تـعـززهـا صـور فـوتـوغـرافـيـة قـبـل أن تـقـتـرح ثـلاثـة احـتـمـالات لـتـاريـخ تـشـيـيـده :

“1. إلى الـفـتـرة الـسّـاسـانـيـة، أو حـكـم بـني لـخـم حـتّى الـفـتـح الإسـلامي.

  1. إلى مـا بـعـد الـفـتـح الإسـلامي بـمـائـة وخـمـسـيـن عـامـاً.
  2. إلى الـفـتـرة الـعـبّـاسـيـة، أي إلى مـا بـعـد 750 م.”

وعـنـدمـا عـادت جـرتـرود بـيـل إلى مـوقـع الأخـيـضـر عـام 1911 لـتـكـمـل الـمـخـطـوطـة الّـتي كـانـت قـد كـتـبـت مـنـهـا 168 صـفـحـة تـصـاحـبـهـا 166 صـورة فـوتـوغـرافـيـة، خـاب أمـلـهـا في أن تـكـون مـكـتـشـفـة الـمـوقـع الـوحـيـدة، وعـرفـت أنّ عـالـم آثـار ألـمـاني درس الـمـوقـع لـمـدة سـنـتـيـن في غـيـابـهـا، وأنّ كـتـابـه عـن الـقـصـر كـان عـلى وشـك الـصّـدور.

وكـان عـالـم الآثـار الألـمـاني هـذا أوسـكـار ريـوتـيـر oskar Reuther .  وقـد نـشـر كـتـابـه :  Ocheïdir، في لايـبـزك عـام 1912.

وكـان هـذا الألـمـاني عـالـم مـخـتـصّ بـالآثـار، ولـم تـكـن جـرتـرود بـيـل مـخـتـصّـة بـهـا، ومـع ذلـك قـررت أن تـنـشـر كـتـابـهـا ولـو كـان الـثّـاني عـن الأخـيـضـر. وصـدر عـام 1914 (10)

وقـد خـصـصـت الـفـصـل الأوّل مـن كـتـابـهـا لـوصـف بـنـاء الـقـصـر. والـمـقـايـيـس الّـتي أخـذتـهـا والـمـخـطـطـات الّـتي رسـمـتـهـا لا تـخـتـلـف عـن وصـف مـاسـيـنـيـون وريـوتـيـر لـه وهي هي تـقـريـبـاً. ولاحـظـت جـرتـرود بـيـل أنّ الـسّـور الـخـارجي الـمـحـصّـن شـيّـد بـعـد تـشـيـيـد الـقـصـر بـسـنـوات.

الأخيضر بوابة تفضي من حوش إلى حوش

وهـذا الـسّــور الـمـربّـع الـمـحـصّـن يـمـتـدّ كـلّ واحـد مـن جـوانـبـه 170 مـتـراً. وفي داخـلـه الـقـصـر الـمـحـصّـن (116 × 82 مـتـراً). وقـد شـيّـد خـارج الـتّـحـصـيـن وداخـلـه بـالأحـجـار الــمـقـطـوعـة، تـتـخـلـلـه أبـراج دائـريـة مـلـصـقـة بـه بـثـلاثـة أربـاعـهـا، وتـنـفـتـح بـه أبـواب أربـعـة، واحـد في وسـط كـلّ جـانـب.

الأخيضر مخطط

ويـفـضي بـاب الـقـصـر الـمـحـصّـن إلى مـدخـل عـقـد سـقـفـه بـالـحـجـارة، نـدخـل مـن يـمـيـنـه إلى مـسـجـد بـقـبـلـة مـسـتـطـيـلـة، ومـن يـمـيـنـه إلى أقـسـام سـكـن يـمـكـن أن تـكـون مـخـصـصـة لإقـامـة قـوّات الـحـراسـة.

ومـن هـذا الـمـدخـل نـصـل إلى مـمـرّ يـحـيـط بـجـزئـه الـمـركـزي الّـذي هـو حـوش اسـتـقـبـال وغـرفـه الـمـلـحـقـة بـه.

الأخيضر القاعة الكبيرة

وعـلى كـلّ مـن جـانـبي الـحـوش بـيـتـان يـفـصـلـهـمـا الـمـمـرّ عـنـه. ولـكّـل مـن هـذه الـبـيـوت الأربـعـة بـابـه الـخـاص الـمـفـضي إلى الـمـمـرّ. ولـيـس هـنـاك اتّـصـال آخـر بـيـن الـبـيـوت.

وفي وسـط كـلّ واحـد مـن هـذه الـبـيـوت حـوش (27 × 32 مـتـراً).

وبـهـذا يـقـتـرب مـخـطـط قـصـر الأخـيـضـر مـن مـعـمـار الـقـصـور الأمـويـة الـمـتـأخّـرة مـثـل قـصـر “الـمـشـتى” الّـذي نـجـد فـيـه أيـضـاً الـمـسـجـد قـرب الـمـدخـل وحـوش الإسـتـقـبـال والـبـيـوت الّـتي تـحـيـطـه.

وتـتـكـلّـم في الـفـصـلـيـن الـثّـاني والـثّـالـث والـرابـع عـن الـمـعـالـم الأثـريـة مـن قـصـور وقـلاع يـمـكـن أن تـعـتـبـر أصـولاً اسـتـوحـاهـا فـنّ الـمـعـمـار الإسـلامي عـامّـة في بـدايـاتـه أو كـانـت مـن أوائـل إنـتـاجـاتـه.

وتـخـصّـص الـفـصـول الـتّـالـيـة لـبـدايـات فـنّ عـمّـارة الـقـصـور الإسـلامـيـة، عـن الـواجـهـات والـمـسـاجـد الّـتي تـضـمّـهـا. ثـمّ تـفـتـح الـنّـقـاش عـن تـاريـخ تـشـيـيـد الأخـيـضـر. وهي تـقـتـرح أن يـكـون بـيـن 711 و 750 م. وهي لا تـعـتـقـد أنّ تـشـيـيـد الـقـصـر يـمـكـن أن يـتـعـدّى بـدايـة الـعـصـر الـعـبـاسي أي 750 ، لأنّـهـا تـعـتـبـر أنّ الـعـبـاسـيـيـن فـقـدوا هـوايـة الـصّـيـد في الـبـوادي الّـتي كـان يـمـارسـهـا الأمـويـون، والّـتي شـيّـدوا لأجـلـهـا قـصـور صـيـد في الـبـاديـة.

ومـع ذلـك، يـعـتـبـر كـثـيـر مـن الـمـخـتـصـيـن الآن أنّ تـاريـخ تـشـيـيـده يـعـود إلى الـنّـصـف الـثّـاني مـن الـقـرن الـثّـامـن بـعـد الـمـيـلاد، وأنّـه شـيّـد لـعـيـسى بـن مـوسى، حـفـيـد أبي الـعـبّـاس الـسّـفّـاح، أوّل خـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن. ولا بـد انّـه كـان قـصـر صـيـد في وسـط الـبـاديـة يـسـكـنـه فـتـرة وجـيـزة مـن الـسّـنـة، بـعـيـداً عـن طـرق الـتّـجـارة وعـن طـرق الـمـواصـلات.

الأخيضر حوش وطوابقه الثلاثة

“دومـة الـجـنـدل” أم “دومـة الـحـيـرة” :

وتـخـصـص جـرتـرود بـيـل صـفـحـتـيـن كـامـلـتـيـن مـن كـتـابـهـا (156/ 157) عـمّـا ذكـره يـاقـوت الـحـمـوي في “مـعـجـم الـبـلـدان”. والـمـؤرخـون الـعـرب يـذكـرون في حـديـثـهـم عـن فـتـح خـالـد بـن الـولـيـد لـلـعـراق عـام 12 لـلـهـجـرة (633/ 634 م.) “عـيـن الـتّـمـر”. ويـحـدد يـاقـوت مـوقـعـهـا في “شـفـاثـا”، والّـتي يـمـكـن أن تـكـون قـريـة شـتـاتـة الـحـالـيـة قـرب الأخـيـضـر. وكـان يـسـكـنـهـا عـرب نـصـارى قـاومـوا جـيـش خـالـد.

ويـذكـر الـمـؤرخـون، وهـو مـا تـنـاقـلـه بـعـضـهـم عـن بـعـض أنّ خـالـداً سـار بـعـد ذلـك لـفـتـح “دومـة الـجـنـدل” وقـتـل سـيّـدهـا الأكـيـدر الـكـنـدي. وهـو مـا يـبـدو غـريـبـاً لأنّ جـيـش خـالـد فـتـح “دومـة الـجـنـدل” قـبـل أن يـصـعـد إلى الـحـيـرة فـهي عـلى طـريـقـه مـن الـمـديـنـة إلى الـحـيـرة. ويـمـكـن أن يـكـونـوا قـد قـصـدوا “دومـة الـحـيـرة”، ثـمّ حـرّف الإسـم مـن نـاسـخ إلى نـاسـخ.

ويـذكـر يـاقـوت روايـتـيـن مـخـتـلـفـتـيـن عـن تـشـيـيـد “دومـة الـحـيـرة” الّـتي كـانـت قـرب “عـيـن الـتّـمـر”، وكـانـت بـقـايـا قـلـعـتـهـا مـعـروفـة في زمـانـه، أي الـقـرن الـثّـالـث عـشر الـمـيـلادي.

وحـسـب الـرّوايـة الأولى الّـتي ذكـرهـا يـاقـوت : بـعـث الـنّـبي خـالـداً لـفـتـح “دومـة الـجـنـدل”. وعـقـد صـلـحـاً بـعـد فـتـحـهـا مـع أكـيـدر الـكـنـدي سـيّـد الـدّومـة. ولـكـنّ أكـيـدر نـكـث الـعـهـد بـعـد وفـاة الـنّـبي، وهـرب نـحـو الـحـيـرة وشـيّـد لـه حـصـنـاً في “عـيـن الـتّـمـر” اسـمـاه “الـدّومـة”، وهـو الـحـصـن الّـذي أخـذه خـالـد عـام 12 هـ.

ويـذكـر يـاقـوت في الـرّوايـة الـثّـانـيـة الّـتي نـقـلـهـا أنّ أكـيـدر الـكـنـدي كـان قـد شـيّـد “دومـة الـحـيـرة” أوّلاً. ولأنّـه كـان يـذهـب لـلـصّـيـد في الـبـاديـة، في جـنـوب غـربـهـا فـقـد شـيّـد “دومـة الـجـنـدل” وأسـمـاهـا بـاسـم قـلـعـتـه الأولى.

ورغـم أنّـه مـن الـصّـعـب تـصـديـق هـاتـيـن الـرّوايـتـيـن، فـمـن الـمـمـكـن أن تـكـون بـقـايـا الـحـصـن الّـذي تـكـلّـم يـاقـوت عـن بـقـايـاه في زمـنـه بـقـايـا قـصـر الأخـيـضـر.

ويـبـدو أنّ الـدّكـتـور مـصـطـفى جـواد كـان يـعـتـقـد أنّ “حـصـن عـيـن الـتّـمـر” هـو الأخـيـضـر، وأنّـه مـن أصـل سـاسـاني لأنّ أسـلـوبـه وطـراز مـعـمـاره يـخـتـلـف عـن الـطّـرز الـعـربـيـة الإسـلامـيـة. ولـم أفـلـح في الـعـثـور عـلى مـقـالـه.

الأخـيـضـر بـعـد جـرتـرود :

وفي عـام 1930، زارت كـاتـبـة الـرّوايـات الـبـولـيـسـيـة الـبـريـطـانـيـة الـشّـهـيـرة  أجـاثـا كـريـسـتي  Agatha Christie مـع زوجـهـا عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN  قـصـر الأخـيـضـر عـنـدمـا زارا الـنّـجـف، وقـد سـبـحـا في بـحـيـرة قـربـه. ولـكـنّـهـمـا لـم يـنـشـرا عـنـه شـيـئـاً.

وفي كـتـابـه الـشّـهـيـر عـن الـمـعـمـار الإسـلامي الّـذي صـدر عـام 1932     (11)، إقـتـرح كـريـسـويـل K.A.C. Creswell  لـتـشـيـيـده سـنـة 778 م.  والـحـقـيـقـة أنّ كـريـسـويـل لـم يـزر الأخـيـضـر الّا في 1954، ونـشـر عـن زيـارتـه لـه مـقـالاً قـصـيـراً في مـجـلّـة سـومـر. (12)

ويـحـق لـنـا هـنـا أن نـتـسـاءل لـمـاذا لـم تـشـرع جـرتـرود بـيـل عـنـدمـا كـانـت مـسـؤولـة عـن الآثـار في مـمـلـكـة الـعـراق في الـنّـصـف الأوّل مـن عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، وحـتّى وفـاتـهـا عـام 1926، بـتـرمـيـم قـصـر الأخـيـضـر، أو بـإزالـة الأنـقـاض الـمـتـراكـمـة فـيـه عـلى الأقـل. وكـيـف لـم تـصـطـحـب الـمـلـك فـيـصـل الأوّل لـزيـارتـه، وهي الّـتي كـانـت تـريـد أن يـرى مـعـالـم الـبـلـد الّـذي “اخـتـاره سـكـانـه لـيـحـكـمـهـم”. (13)

وبـدأت أعـمـال إزالـة الأنـقـاض والـتّـرمـيـم في أواخـر ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، واسـتـمـرّت عـام 1940. وبـدأت مـديـريـة الآثـار الـعـامـة عـام 1960 حـمـلـة جـديـدة لإزاحـة الأنـقـاض، وقـامـت بـبـعـض الـحـفـريـات وبـتـرمـيـمـات في بـعـض أجـزائـه. وقـامـت في عـام 1962 بـحـمـلـة ثـانـيـة، ثـمّ اسـتـمـرت في عـدّة مـواسـم في سـتـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي وسـبـعـيـنـيـاتـه.

 

الأخيضر بعد الترميم

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) Pietro DELLA VALLE, Viaggi, vol. 4, p. 256.

(2) Les six voyages de Jean-Baptiste Tavernier, vol. 1, p. 149.

(3) William Beawes, Accunt of a Journey from Basra to Aleppo in 1745 Printed in Hakluyt, Second Series,N° I.XIII (edit D. Carruthers)

(4) Gaylard Roberts, Accunt of a Journey from Basra to Aleppo in 1748. Printed in Hakluyt, Second Series,N° I.XIII (edit D. Carruthers), chap. ii. Pp. 43-47.

(5) Carsten Niebuhr, Reisebeschreibung, vol. ii., p. 225

(6) Travels from England to India in 1789, by the way of the Tyrol, Venice, Scandaroon, Aleppo and over the great desart to Bassora ; with instructions for travellers and an account of the expence of travelling, etc. by maj. John Taylor. London, Carpenter, 1799. Vol. 1, p. 247.

(7) Bulletin de l’Acad. Des Inscr. et Belles-Lettres, Mars 1909.

(8) Gertrud Lowthian Bell, Amurath to Amurath, London, Heinemann, 1911.

(9) يـذكـر عـلـمـاء الـلـغـة أنّ الـمـصـانـع في بـيـت لـبـيـد تـعـني أبـراج الـحـصـون.

(10) Gertrud Lowthian Bell, Palace and Mosque at al Ukhaidir. A study in early mohammadan architecure. Oxford 1914.

(11) K.A.C.  Creswell, Early Muslim Architecture, II, 1932. pages 50 – 100.

(12) K.A.C.  Creswell , A visit to Ukhaider and Kûfa, Sumer, X 1954. N°2, pp. 143-149.

(13) أنـظـر مـقـالي : “فـيـصـل وجـرتـرود”  : فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

 

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 

الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن وجـرتـرود بـيـل (1) :

بـيـنـمـا كـان الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن جـالـسـاً في مـقـعـد وثـيـر أمـام الـفـنـان الـبـريـطـاني أوغـسـطـس جـون Augustus John في الـمـرسـم الّـذي أجّـره في بـاريـس (2)، دخـل لـورنـس مـع امـرأة إنـكـلـيـزيـة في الـحـاديـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا بـدأ الـشّـيـب يـغـزو مـفـرقـهـا، وقـدمـهـا لـه : الـمـس جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell.

وجـلـسـت جـرتـرود تـجـاذب الأمـيـر فـيـصـل أطـراف الـحـديـث عـدّة سـاعـات بـيـنـمـا كـان الـفـنّـان جـون يـرسـمـه. وتـكـلّـمـا بـالـلـغـتـيـن الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة الـلـتـيـن كـان يـحـسـنـهـمـا الأمـيـر. وكـان فـيـصـل في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره. وقـد كـتـبـت عـنـه جـرتـرود بـعـد ذلـك أنّ الـمـزيـج الـعـجـيـب بـيـن هـيـبـتـه وقـوة شـخـصـيـتـه وطـيـبـتـه الـمـتـنـاهـيـة تـفـرض عـلى كـلّ مـن يـلاقـيـه إعـجـابـاً شـديـداً بـه واحـتـرامـاً لـه.

جون يرسم فيصل

ويـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـن خـلال الـرّسـائـل الّـتي كـتـبـتـهـا الإنـكـلـيـزيـة جـرتـرود لـوثـيـان بـيـل  Gertrude Lowthian Bell لأبـيـهـا ولـزوجـة أبـيـهـا (3) ومـن الـنّـصـوص الأخـري الّـتي تـركـتـهـا، عـلاقـات الـصّـداقـة والـثّـقـة الـمـتـبـادلـة الّـتي ربـطـت بـيـنـهـا وبـيـن الأمـيـر فـيـصـل، إبـن حـسـيـن شـريـف مـكّـة، مـنـذ أوّل لـقـاء بـيـنـهـمـا في بـاريـس عـام 1919، ثـمّ عـنـد تـتـويـج الأمـيـر فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق عـام 1921 وحـتّى وفـاة “الـخـاتـون” جـرتـرود في بـغـداد عـام 1926.

وسـنـبـدأ في هـذا الـقـسـم بـمـتـابـعـة عـلاقـات الـمـودّة الّـتي تـوثّـقـت بـيـن الإنـكـلـيـزيـة عـاشـقـة آداب الـشّـرق وتـاريـخـه الـقـديـم وآثـاره وبـيـن الأمـيـر الـحـجـازي الّـذي كـان يـصـغـرهـا بـسـبـع عـشـرة سـنـة والّـذي كـان يـدعـوهـا : “أخـتي”، إلى عـام 1921. وهـو الـعـام الّـذي مـهّـدت لـه فـيـه جـرتـرود ارتـقـاء عـرش الـعـراق لـيـصـبـح الـمـلـك فـيـصـل الأوّل.

وسـأتـكـلّـم لـكـم في الـقـسـم الـثّـاني عـن عـلاقـاتـهـمـا بـعـد أن ارتـقى الأمـيـر فـيـصـل عـرش الـعـراق.

ولـكـن عـليّ أولاً أن أتـكـلّـم لـكـم عـن حـيـاتـهـمـا قـبـل أن يـلـتـقـيـا وقـبـل أن يـنـتـج عـن لـقـائـهـمـا تـغـيـيـر مـجـرى تـاريـخ الـعـراق الـحـديـث :

طـفـولـة جـرتـرود وفـيـصـل ومـطـلـع شـبـابـهـمـا :

ولـدت جـرتـرود لـوثـيـان بـيـل Gertrude Lowthian Bell سـنـة 1868 في عـائـلـة بـريـطـانـيـة شـارك أسـلافـهـا في الـثّـورة الـصّـنـاعـيـة الّـتي نـتـج عـنـهـا عـالـمـنـا الـحـديـث. واغـتـنـت الـعـائـلـة مـنـذ بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، وبـدأ أعـضـاؤهـا بـالإرتـقـاء اجـتـمـاعـيـاً واحـتـلال مـنـاصـب إداريـة وسـيـاسـيـة. ولأنّـهـم لـم يـكـونـوا مـن “نـبـلاء الـدّم” أي ورثـوا الـنّـبـل أبـاً عـن جـد، فـقـد أصـبـحـوا مـن “نـبـلاء الـمـال” بـثـرواتـهـم الـطّـائـلـة الّـتي اكـتـسـبـوهـا وجـمـعـوهـا.

وعـنـدمـا كـانـت جـرتـرود في الـثّـالـثـة مـن عـمـرهـا، تـوفـيـت والـدتـهـا. وكـانـت في الـثّـامـنـة عـنـدمـا تـزوّج أبـوهـا مـن جـديـد. وفي الـسّـنـة الـتّـالـيـة أي 1877، أكّـدت الـمـلـكـة فـيـكـتـوريـا سـيـطـرتـهـا عـلى الـهـنـد بـتـسـمـيـة نـفـسـهـا “مـلـكـة بـريـطـانـيـا وامـبـراطـورة الـهـنـد”.

وفي آذار 1885، ولـد فـيـصـل في حـصـن كـان يـمـتـلـكـه في الـطّـائـف والـده حـسـيـن بـن عـلي، شـريـف مـكّـة. وكـان فـيـصـل ثـالـث أولاد الـشّـريـف. وتـوفـيـت والـدتـه عـنـدمـا كـان في سـنّ الـثّـالـثـة هـو الآخـر.

وارتـادت جـرتـرود أفـضـل الـمـدارس إلى أن تـخـرّجـت مـن جـامـعـة أكـسـفـورد بـدرجـة شـرف.

وقـد أمـر الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد شـرفـاء مـكّـة بـالـمـجئ إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـيـقـيـمـوا فـيـهـا، تـحـت مـراقـبـتـه الـدّائـمـة لـهـم. وقـد بـقي حـسـيـن بـن عـلي فـيـهـا ثـمـاني عـشـرة سـنـة، في “ضـيـافـة” الـسّـلـطـان الإجـبـاريـة. ولـحـق بـه فـيـصـل عـام 1891 مـع إخـوتـه، أي عـنـدمـا بـلـغ الـسّـادسـة مـن عـمـره، وأقـامـوا في عـاصـمـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة.

وبـعـد أن سـافـرت جـرتـرود في أوربـا، ذهـبـت إلى طـهـران عـام 1892عـنـد أفـراد مـن عـائـلـتـهـا. ودرسـت الـلـغـة الـفـارسـيـة فـقـد كـانـت تـريـد قـراءة أشـعـار حـافـظ الـشّـيـرازي بـنـصـوصـهـا الأصـلـيـة. والـتـقـت في طـهـران بـأمـيـن سـرّ الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة وأغـرمـت بـه، ولـكـنّ والـدهـا مـنـع زواجـهـمـا.

وعـادت جـرتـرود إلى لـنـدن في نـهـايـة الـعـام. وتـوفي الـشّـاب في الـعـام الـتّـالي. ولـم تـعـشـق جـرتـرود بـعـده أحـداً، ولـم تـتـزوّج. وظـلّـت كـلـمـة “مِـس” تـسـبـق اسـمـهـا حـتّى وفـاتـهـا.

وبـعـد أن قـامـت بـعـدّة سـفـرات في ذلـك الـعـام : 1893، إسـتـمـرت جـرتـرود في جـهـودهـا لإتـقـان الـلـغـتـيـن الـلاتـيـنـيـة والـفـارسـيـة، وبـدأت تـتـعـلّـم الـعـربـيـة. وتـرجـمـت في الـعـام الـتّـالي عـن الـلـغـة الـفـارسـيـة “سـفـرنـامـه” ونـشـرتـه في لـنـدن. (4)

وبـدأت تـتـرجـم عـام 1895 أشـعـاراً مـن ديـوان حـافـظ الـشّـيـرازي نـشـرتـهـا بـعـد عـامـيـن، في 1897. (5)

وشـرعـت في ذلـك الـعـام، 1897 بـدورة حـول الـعـالـم مـع أخـيـهـا، بـدأتـهـا في شـمـال الـقـارة الأمـريـكـيـة وأنـهـتـهـا في مـصـر والـيـونـان في الـعـام الـتّـالي. وفي عـام 1899 سـافـرت إلى الـيـونـان وهـنـاك بـدأ شـغـفـهـا بـالآثـار الـقـديـمـة.

والـتـحـق فـيـصـل، عـنـدمـا بـلـغ الـثّـامـنـة عـشـرة، بـالـجـيـش الـعـثـمـاني، وأصـبـح بـعـد عـدّة سـنـوات آمـراً عـلى “وجـاق الـهـجـانـة” أو مـا يـسـمى أيـضـاً “وجـاق الـجـمـلـيـة” أي سـريـة قـوّاد الـجـمـال الـعـرب.

وعـنـدمـا عـزل الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد عـن الـسّـلـطـة عـام 1909، وأبـدل بـأخـيـه مـحـمّـد رشـاد، أعـيـد تـنـظـيـم الـدّولـة، وحـصـل حـسـيـن بـن عـلي عـلى رتـبـه “أمـيـر مـكّـة”، وعـاد إلى الـحـجاز. واخـتـيـر ابـنـه فـيـصـل لـيـمـثّـل مـنـطـقـة جـدّة في الـبـرلـمـان الـعـثـمـاني.

فيصل بن الحسين

وفي نـفـس هـذا الـعـام، 1909، قـامـت جـرتـرود بـيـل بـأولى رحـلاتـهـا إلى الـعـراق، والّـتي دامـت خـمـسـة أشـهـر، مـن شـبـاط إلى تـمّـوز. وقـد نـزلـت فـيـهـا مـن حـلـب إلى هـيـت عـن طـريـق الـفـرات ثـمّ إلى كـربـلاء فـبـغـداد، وزارت في طـريـقـهـا قـصـر الأخـيـضـر، وأخـذت مـقـايـيـس مـسـاحـتـه وارتـفـاع أجـزائـه. ومـن بـغـداد صـعـدت نـحـو الـمـوصـل، ومـن الـمـوصـل ذهـبـت إلى زاخـو فـديـار بـكـر وقـونـيـا.

وفي 1911، قـامـت جـرتـرود بـيـل بـيـن شـبـاط وأيّـار بـرحـلـة مـن دمـشـق عـبـر الـبـاديـة إلى بـغـداد، وعـادت إلى قـصـر الأخـيـضـر لـتـكـمـل تـفـحّـصـهـا لـه وإكـمـال الـمـقـايـيـس الّـتي كـانـت قـد بـدأت بـأخـذهـا، ثـمّ صـعـدت نـحـو سـوريـا.

وفي حـزيـران صـدر في لـنـدن كـتـابـهـا : “مـن مـراد إلى مـراد                 Amurath to Amurath”، والّـذي تـروي فـيـه رحـلـتـهـا الأولى إلى الـعـراق عـام 1909.

جرترود

ودخـلـت الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة عـام 1914 الـحـرب إلى جـانـب قـوى الـمـحـور. ووصـلـت جـرتـرود بـيـل في شـهـر شـبـاط مـن الـحـائـل إلى بـغـداد، ثـمّ صـعـدت عـبـر الـبـاديـة إلى سـوريـا.

وفي شـهـر آب، صـدر في لـنـدن كـتـابـهـا : قـصـر الأخـيـضـر ومـسـجـده :            The Palace and the Mosque at Ukhaidir

واقـتـرح الـلـورد كـتـشـنـر Lord Kitchener، الّـذي كـان وزيـر الـحـربـيـة الـبـريـطـانـيـة، إقـامـة تـحـالـف بـيـن الـعـرب وبـريـطـانـيـا ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، حـلـيـفـة ألـمـانـيـا في الـحـرب. وهـكـذا بـدأت اتـصـالات الـبـريـطـانـيـيـن بـشـريـف مـكّـة.

وأرسـل الـشّـريـف حـسـيـن ابـنـه فـيـصـل إلى سـوريـا لـلـتّـعـرف عـلى الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة فـيـهـا ولـلـتّـقـرّب مـن الـجـمـعـيـات الـسّـريـة الـمـنـاهـضـة لـلـعـثـمـانـيـيـن. وشـاهـد اضـطـهـادات جـمـال الـدّيـن الـسّـفّـاح لأعـضـاء هـذه الـجـمـعـيـات وشـنـقـه لأعـداد كـبـيـرة مـنـهـم.

وفي تـشـريـن الـثّـاني مـن ذلـك الـعـام تـقـدّمـت كـتـيـبـة مـن قـوات جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة في الـخـلـيـج واحـتـلّـت شـطّ الـعـرب وأنـشـأت قـاعـدة لـهـا في الـبـصـرة.

وفي 1915 بـدأ أعـضـاء مـن جـمـعـيـة “الـفـتـاة” بـعـقـد اتـصـالات مـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكـة، لـلـقـيـام بـحـركـة ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وقـد تـبـنّى الإنـكـلـيـز هـذا الـمـشـروع ودفـعـوا حـسـيـن، شـريـف مـكّـة، وأولاده لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى”.

وبـدأت “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916بـعـد أن وعـد الـبـريـطـانـيـون شـريـف مـكّـة بـإنـشـاء مـمـلـكـة عـربـيـة لـه ولأولاده.

وبـعـد أن طـلـب شـريـف مـكّـة مـن ابـنـه الأمـيـر فـيـصـل أن يـعـود إلى الـحـجـاز، أرسـلـه لـيـواجـه الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة. وذهـب فـيـصـل مـع رجـالـه مـن مـكّـة إلى الـمـديـنـة الّـتي أطـلـق فـيـهـا في الـثّـاني مـن حـزيـران عـام 1916 أولى عـمـلـيـات “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى”، واسـتـطـاع عـزل الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة فـيـهـا عـن بـاقي الـجـيـش.

  وكـانـت حـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، وعـلى رأسـهـا نـائـب الـمـلـك       The Viceroy  الـلـورد هـاردنـج  Lord Hardinge، تـنـوي مـدّ سـلـطـتـهـا عـلى الـشّـرق الأدنى الـعـربي، وعـلى ربـط الـعـراق بـهـا كـمـسـتـعـمـرة. وأُرسـلـت جـرتـرود بـيـل، بـعـد أن قـضـت عـامـاً في الـمخـابـرات الـبـريـطـانـيـة في الـقـاهـرة، (6) إلى دلـهي عـام 1916 في مـهـمّـة سـيـاسـيـة لـتـدافـع عـن وجـهـة نـظـر مـكـتـب الـقـاهـرة الـسّـيـاسي. وكـانـت جـرتـرود مـن الـمـدافـعـيـن عـن إعـطـاء الـعـراق اسـتـقـلالاً ذاتـيـاً ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني.

وقـد اسـتـقـبـلـهـا الـلـود هـاردنـج بـحـرارة وأنـصـت إلى وجـهـة نـظـرهـا. وقـرر أن يـبـعـثـهـا إلى الـبـصـرة الّـتي كـانـت في ذلـك الـحـيـن مـركـز الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق الّـتي كـانـت تـتـهـيـأ لـلـهـجـوم عـلى الـعـثـمـانـيـيـن واحـتـلال بـغـداد.

وقـد حـذّرهـا الـلـورد هـاردنـج مـن أنّـهـا سـتـواجـه مـعـاداة رجـال الـمـخـابـرات ورؤسـاء الـقـوّات الـعـسـكـريـة، فـهـم لـن يـقـبـلـوا بـأن تـسـاويـهـم امـرأة في تـولي الـمـسـؤولـيـة.

ووصـلـت الـمـس جـرتـرود بـيـل إلى الـبـصـرة في شـبـاط مـن ذلـك الـعـام. وكـان عـلـيـهـا أن تـعـمـل تـحـت أوامـر الـجـنـرال الـسّـيـر بـرسي لـيـك Sir Percy Lake مـن غـيـر وظـيـفـة ثـابـتـه وبـدون راتـب، ولـكّـنـهـا أعـطـيـت رتـبـة مـيـجـور (فـخـريـة) في الـجـيـش.

وفي الـنّـهـايـة، قـرر الـسّـيـر بـرسي كـوكـس Sir Percy Cox، الـمـسـؤول الـسّـيـاسي الـعـالي في الـبـصـرة أن يـنـظّـم اجـتـمـاعـاً بـيـن جـرتـرود بـيـل وبـيـن جـنـرالات قـوّات الـبـصـرة. وكـتـبـت جـرتـرود لأبـيـهـا في 9 آذار 1916 :

“تـغـديـت هـذا الـيـوم مـع الـجـنـرالات … وكـانـت نـتـيـجـة لـقـائـنـا أنّـهـم حـوّلـوني، مـع خـرائـطي وكـتـبي إلى الـطّـارمـة الـواسـعـة الّـتي في داخـلـهـا غـرفـة مـنـعـشـة الـبـرودة الّـتي يـمـكـنـني أن أعـمـل فـيـهـا، وجـعـلـتـهـا مـكـتـبـاً لي. وقـبـلـت أن أتـقـاسـمـهـا مـع عـالـم الآثـار الـسّـابـق، الـكـابـتـن كـمـبـيـل تـومـبـسـون Campbell Thompson”.

وفي 16 أيّـار مـن نـفـس الـعـام، وقـعـت بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا مـعـاهـدات سـايـكـس ــ بـيـكـو الّـتي تـقـسّـم ولايـات الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـيـنـهـا.

وفي عـام 1917 إنـتـصـر فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، عـلى الـعـثـمـانـيـيـن في مـعـركـة الـعـقـبـة. وشـغـلـت جـرتـرود بـيـل في الـبـصـرة مـن كـانـون الـثّـاني إلى آذار مـنـصـب أمـيـنـة سـرّ الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في إدارة الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس Percy COX .

وبـعـد أن دخـلـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة بـغـداد في 11 آذار، وعـلى رأسـهـا الـجـنـرال مـود، وصـلـت جـرتـرود بـيـل في شـهـر نـيـسـان مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد واحـتـفـظـت بـنـفـس مـنـصـبـهـا في الإدارة الـبـريـطانـيـة في بـغـداد.

وأصـدرت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد جـريـدة “الـعـرب Al Arab”، وعـيّـنـت جـرتـرود بـيـل في تـشـريـن الأوّل مـحـررة فـيـهـا. وكـتـبـت لـلـضّـبـاط الـبـريـطـانـيـيـن دراسـة عـن : “الـعـربي في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن              The Arab of Mesopotamia”. ونـشـرت في كـتـاب في لـنـدن.

وبـعـد اكـتـمـال احـتـلال الـبـريـطـانـيـيـن لـلـعـراق في 1918، وضعـتـه “عـصـبـة الأمـم” تـحـت انـتـدابـهـم. وتـشـكّـلـت إدارة مـدنـيـة بـريـطـانـيـة تـرأسـهـا الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس Percy COX .

وعـيّـن بـرسي كـوكـس في أيـلـول مـن نـفـس الـعـام سـفـيـراً لـبـريـطـانـيـا في طـهـران، وحـلّ أرنـولـد ولـسـن Arnold Wilson مـحـلّـه كـمـنـدوب لـلإدارة الـمـدنـيـة.             

وفي تـشـريـن الأوّل مـن ذلـك الـعـام، أخـذت قـوّات الأمـيـر فـيـصـل دمـشـق مـن الـعـثـمـانـيـيـن بـقـيـادة لـورنـس T. E. Lawrence.

وفي شـهـرَي شـبـاط وآذار مـن عـام 1919 ، شـارك الأمـيـر فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، في مـؤتـمـر فـرسـاي الّـذي عـقـد قـرب بـاريـس في فـرنـسـا، وطـالـب بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا بـإيـفـاء وعـودهـمـا لإنـشـاء دولـة عـربـيـة “مـن الإسـكـنـدرونـة ــ ديـار بـكـر شـمـالاً إلى الـمـحـيـط الـهـنـدي جـنـوبـاً”.

فيصل في فرساي 3

وكـانـت جـرتـرود تـشـغـل في بـغـداد مـنـصـب “أمـيـنـة سـرّ الـشّـؤون الـشّـرقـيـة” تـحـت أوامـر الـكـولـونـيـل أرنـولـد ولـسـن الّـذي كـان قـد حـلّ مـحـل بـرسي كـوكـس. وكـان الـكـولـونـيـل ولـسـن مـن مـنـاصـري مـشـروع اسـتـعـمـار الـعـراق وربـطـه بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، في حـيـن أنّ جـرتـرود كـانـت، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، مـن الـمـدافـعـيـن عـن إعـطـاء الـعـراق اسـتـقـلالاً ذاتـيـاً ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني. وأرسـلـت جـرتـرود إلى بـاريـس لـتـتـابـع أعـمـال الـمـؤتـمـر.

وفي بـاريـس إلـتـقـت جـرتـرود بـلـورنـس الّـذي كـان قـد وثّـق عـلاقـاتـه بـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة وبـأولاده مـنـذ عـام 1916، وسـاهـم في دفـعـهـم إلى إطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، حـلـيـفـة ألـمـانـيـا في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى.

وكـان يـربـط بـيـن لـورنـس وجـرتـرود اهـتـمـامـهـمـا بـآثـار الـشّـرق الـقـديـم، فـقـد شـارك لـورنـس في حـمـلات تـنـقـيـبـات في شـمـال سـوريـا، وزارت جـرتـرود مـنـذ سـفـرتـهـا الأولى إلى الـعـراق في 1909 أهـمّ الـمـواقـع الإثـريـة ومـن بـيـنـهـا بـابـل

جرترود بيل في بابل

وقـلـعـة الـشّـرقـاط، مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة.

وكـان لـورنـس قـد تـكـلّـم لـجـرتـرود عـن الأمـيـر فـيـصـل، واسـتـطـاع أن يـقـدّمـهـا لـه في بـاريـس. كـمـا سـبـق أن رأيـنـا. وجـرى الـلـقـاء في الـمـرسـم الّـذي أجّـره الـفـنـان أوغـسـطـس جـون Augustus John في الـعـاصـمـة الـفـرنـسـيـة. وجـلـسـت جـرتـرود تـجـاذب الأمـيـر فـيـصـل أطـراف الـحـديـث عـدّة سـاعـات بـيـنـمـا كـان الـفـنّـان جـون يـرسـمـه. وتـكـلّـمـا بـالـلـغـتـيـن الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة الـلـتـيـن كـان يـحـسـنـهـمـا الأمـيـر.

وفي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـن ذلـك الـعـام، بـدأت الـمـس جـرتـرود بـيـل بـكـتـابـة “مـذكـرة (إعـادة الـنّـظـر) في الإدارة الـمـدنـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن    Review of the Civil Administration of Mesopotamia

ونـصـب الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى سـوريـا في شهـر آذار 1920.

وبـعـد تـنـفـيـذ مـعـاهـدات سـايـكـس ــ بـيـكـو، حـصـل الـفـرنـسـيـون عـلى سـوريـا، فـسـارت قـواتهـم نـحـو دمـشـق في شـهـر تـمّـوز، وأنـزلـوا فـيـصـل بـن الـحـسـيـن عـن عـرش سـوريـا.

وفي تـشـريـن الأوّل، عـاد الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس Percy COX  إلى بـغـداد كـمـنـدوب سـامي لـبـريـطـانـيـا في الـعـراق. وقـررت بـريـطـانـيـا بـعـد أن ثـار الـعـراقـيـون ضـدّ الإحـتـلال أن تـغـيـر ســيـطرتـهـا عـلى الـعـراق إلى شـكـل غـيـر مـبـاشـر. واسـتـطـاع الـمـنـدوب الـسـامي بـمـسـاعـدة جـرتـرود إقـنـاع الـسّـيـد عـبـدالـرّحـمـن الـكـيـلاني الـنّـقـيـب (نـقـيـب أشـراف بـغـداد) بـتـشـكـيـل حـكـومـة انـتـقـالـيـة (مـؤقـتـة).

عبد الرحمن النقيب 2

وفي شـهـر آذار مـن عـام 1921، عـقـد في الـقـاهـرة مـؤتـمـر تـرأسـه ونـسـتـون تـشـرشـل، وزيـر الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـانـيـة. ووصـلـت جـرتـرود بـيـل إلى الـقـاهـرة في 12 آذار، لـتـشـارك في أعـمـالـه مـع بـعـض الـعـراقـيـيـن، ومـن بـيـنـهـم جـعـفـر الـعـسـكـري.

وكـتـبـت جـرتـرود لـوالـدهـا أنّـهـا الـتـقـت بـلـورنـس، ثـمّ تـحـادثـت مـدّة طـويـلـة مـع زوجـة تـشـرتـشـل، بـيـنـمـا كـان ونـسـتـون تـشـرتـشـل يـتـنـاقـش مـع بـرسي كـوكـس في غـرفـة مـغـلـقـة.

ويـذكـر لـورنـس في رسـالـة كـتـبـهـا مـن الـقـاهـرة أنّ جـرتـرود بـيـل أقـنـعـت كـلّ الـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن بـوضـع الأمـيـر فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق، وتـكـلّـف تـشـرتـشـل بـإقـنـاع الـشّـعـب الإنـكـلـيـزي، وسـاعـدتـه في ذلـك.

وكـان تـشـرتـشـل يـأمـل في أنّ يـسـهـل وضـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، عـلى عـرش الـعـراق عـلاقـات بـريـطـانـيـا بـالـحـجـاز ويـوفـر لـدافـع الـضّـرائـب الـبـريـطـاني حـلّاً رخـيـصـاً يـتـحـاشى الـحـلـول الـعـسـكـريـة الّـتي تـكـلّـفـه غـالـيـاً. وكـتـب في تـقـريـره : “فـيـصـل، إبـن الـشّـريـف، يـتـيـح لـنـا الأمـل في الـوصـول إلى أفـضـل حـلّ لـلـمـشـكـلـة وأرخـصـهـا مـادّيـاً”.

وكـانـت نـتـائـج مـؤتـمـر الـقـاهـرة انـتـصـار آراء لـورنـس وجـرتـرود بـيـل. وكـانـت جـرتـرود قـد أقـنـعـت بـرسي كـوكـس بـتـرك مـشـروع ربـط الـعـراق بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة كـمـسـتـعـمـرة تـحـت هـيـمـنـتـهـا، وبـجـمـع ولايـات الـعـراق الـعـثـمـانـيـة الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل لـتـكـوّن مـمـلـكـة تـتـمـتـع بـالـحـكـم الـذّاتي ولـكـن تـحـت إشـراف مـنـدوب سـامي بـريـطـاني.

وبـعـد أن حـصـل تـشـرتـشـل عـلى مـوافـقـة الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة بـنـصـب فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق وبـقـبـول الـفـرنـسـيـيـن لـه عـلى شـرط أن لا يـطـالـب بـعـرش سـوريـا، بـدأ الـبـريـطـانـيـون الـمـفـاوضـات مـع فـيـصـل. وقـبـل فـيـصـل بـعـرش الـعـراق وبـإنـشـاء إمـارة مـا بـعـد الأردن لأخـيـه عـبـد الله مـقـابـل تـنـازل أبـيـه حـسـيـن، شـريـف مـكـة، عـن مـطـالـبـتـه بـفـلـسـطـيـن.

ولـتـمـيـهـد قـبـول الـعـراقـيـيـن بـالأمـيـر فـيـصـل، تـشـكّـلـت الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة، وتـرأسـهـا عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي، نـقـيـب شـرفـاء بـغـداد. وكـان الـهـدف مـنـهـا إنـشـاء مـجـلـس تـأسـيـسي وتـنـظـيـم انـتـخـابـات نـوّاب لـه. واسـتـمـر بـرسي كـوكـس في نـفـس الـوقـت بـإرسـال طـائـرات الـقـوات الـجـويـة الـمـلـكـيـة RAF  لـقـصـف الـعـشـائـر الـثّـائـرة عـلى الـسّـيـطـرة الـبـريـطـانـيـة في جـنـوب الـعـراق وشـمـالـه.

وبـعـد أن قـمـعـت الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة ثـورة الـعـشـائـر، أعـلـن بـرسي كـوكـس الـعـفـو الـعـام (7) مـحـاولاً بـذلـك أن يـسـود الـسّـلام لإكـمـال مـخـطـطـه.

واخـتـار أعـضـاء الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي في بـغـداد الأمـيـر فـيـصـل لـيـنـصـب مـلـكـاً عـلى الـعـراق.  ووجـهـوا لـه دعـوة لـلـمـجئ إلى الـعـراق.

وكـان عـلى الأمـيـر فـيـصـل أن يـذهـب أوّلاً إلى مـكّـة لـيـعـلـن نـيـتـه بـارتـقـاء عـرش الـعـراق، ثـم يـتـقـدّم شـرقـاً لـيـجـمـع حـولـه مـسـانـديـه. وفي 19 حـزيـران 1921 أخـبـر عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب مـجـلـس الـوزراء في بـغـداد بـقـرب وصـول الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة، وبـضـرورة الإسـراع بـالإسـتـعـداد لاسـتـقـبـالـه وإيـجـاد سـكـن مـنـاسـب لـه، واخـتـار خـمـسـة مـن وزرائـه لـلـقـائـه عـنـد وصـولـه إلى الـبـصـرة.

ووصـل الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة في 23 حـزيـران، واسـتـطـاعـت جـرتـرود بـيـل الـحـصـول عـلى قـطـار خـاص  لـلأمـيـر فـيـصـل وزيّـن خـصـيـصـاً لـه لـيـوصـلـه إلى بـغـداد، كـمـا نـظّـمـت هـيـئـة اسـتـقـبـال تـضـمّ سـتـيـنـاً مـن وجـهـاء بـغـداد لـتـنـتـظـره في الـمـحـطّـة، ووزعـت أعـداداً مـن الأعـلام الـجـديـدة .

ثـمّ وصـل الأمـيـر فـيـصـل إلى بـغـداد بـالـقـطـار الّـذي طـلـبـت جـرتـرود بـيـل تـزيـيـنـه بـأعـلام الـدّولـة الـجـديـدة. وعـنـدمـا نـزل في الـمـحـطـة قـدّم حـرس الـشّـرف أسـلـحـتـهـم وتـعـالـت هـتـافـات جـمـوع الـمـسـتـقـبـلـيـن وعـزفـت جـوقـة عـسـكـريـة قـطـعـاً مـوسـيـقـيـة. وبـعـد أن مـرّ الأمـيـر فـيـصـل أمـام حـرس الـشّـرف تـوجّـه نـحـو قـاعـة اسـتـقـبـال مـلـيـئـة بـالـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن وبـوجـهـاء الـبـلـد.

ثـمّ دعـا الـمـنـدوب الـسّـامي بـرسي كـوكـس الأمـيـر فـيـصـل إلى ولـيـمـة عـشـاء في حـدائـق مـود   The Maude gardins. وبـعـد أن تـجـاذب الأمـيـر أطـراف الـحـديـث مـع الـمـنـدوب الـسّـامي وجـرتـرود بـيـل، دارت بـيـنـه وبـيـن الـسّـيـر إيـلـمـر هـلـدان Sir Aylmer Haldane مـحـادثـة قـصـيـرة بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة. وتـذكـر جـرتـرود بـيـل في رسـالـة بـعـثـتـهـا لأبـيـهـا في الـثّـاني مـن تـمّـوز 1920 :

“وبـعـد ذلـك نـهـض شـاعـرنـا الـكـبـيـر الّـذي تـكـلّـمـت لـك عـنـه مـراراً، جـمـيـل الـزّهـاوي  Jamil Zahawi وألـقى قـصـيـدة رنّـانـة أشـار فـيـهـا عـدّ مـرّات إلى فـيـصـل كـمـلـك الـعـراق، وصـفّـق الـجـمـيـع وهـتـفـوا. ثـمّ تـقـدّم شـيـعيّ           a shi’ah  بـيـن الـطّـاولات الـمـنـصـوبـة عـلى الـعـشـب. وكـان يـرتـدي قـمـيـصـاً أبـيـض فـوقـه جـبّـة سـوداء، وعـلى رأسـه عـمـامـة ضـخـمـة سـوداء، وألـقى قـصـيـدة لـم أفـهـم مـنـهـا كـلـمـة واحـدة. كـانـت طـويـلـة جـدّاً، وكـمـا قـلـت لـم أفـهـم مـنـهـا شـيـئـاً، ولـكـنّـهـا مـع ذلـك كـانـت رائـعـة. وكـان هـذا الـشّـاعـر الـمـجـبـب طـويـل الـقـامـة، يـنـشـد قـصـيـدتـه إنـشـاداً مـنـغـمـاً ويـمـوّج وقـع أوزان أبـيـاتـه رافـعـاً يـده وسـط دائـرة ضـوء يـحـيـطـهـا ظـلام تـلامـعـت فـيـه الـنّـجـوم بـيـن سـعـف الـنّـخـيـل ــ وكـنـتُ مـسـحـورة تـمـامـاً”.

وفي الـثّـامـن مـن تـمّـوز أولـم عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب ولـيـمـة لـلأمـيـر فـيـصـل، ودعـا إلـيـهـا الـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن ووجـهـاء الـبـلـد. وجـلـسـت جـرتـرود بـيـل عـلى يـمـيـن الأمـيـر.

ونـظّـمـت الـجـالـيـة الـيـهـوديـة حـفـل اسـتـقـبـال لـلأمـيـر فـيـصـل في دار الـحـاخـام الـكـبـيـر حـضـره، كـمـا ذكـرت جـرتـرود بـيـل في رسـالـة لأبـيـهـا في 20 تـمّـوز : “حـاخـامـات الـيـهـود ورؤسـاء الـجـالـيـات الـمـسـيـحـيـة وكـلّ وزراء الـحـكـومـة الـمـؤقـتـة وكـلّ الـعـلـمـاء ‘ulama الـمـسـلـمـيـن بـقـمـصـانـهـم الـبـيـضـاء الّـتي ارتـدوا فـوقـهـا جـبـبـهـم الـسّـوداء” و “كـان سـرور الـيـهـود شـديـداً عـنـدمـا أكّـد لـهـم فـيـصـل بـأنّـهـم مـن نـفـس جـنـس الـعـرب”. وهي تـقـصـد أنّ الـعـبـرانـيـيـن والـعـرب مـن الأقـوام الـسّـامـيـة.

وبـعـد أن صـدّق وزراء الـحـكـومـة الـمـؤقـتـة بـالإجـمـاع عـلى اخـتـيـار فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق قـرر بـرسي كـوكـس وجـرتـرود بـيـل إجـراء اسـتـفـتـاء، وطـبـعـا اسـتـمـارات تـصـويـت عـلـيـهـا سـؤال واحـد : “هـل تـقـبـلـون بـفـيـصـل كـمـلـك وحـاكـم لـلـعـراق ؟”، ووزعـت عـلى أعـداد كـبـيـرة مـن رؤسـاء الـعـشـائـر وعـلى 300 مـن وجـهـاء الـمـدن. وبـعـد سـتّـة أسـابـيـع، أعـلـنـت الـنّـتـائـج في صـالـح فـيـصـل.

وبـدأ الأمـيـر فـيـصـل الـعـمـل عـلى تـشـكـيـل مـجـلـس وزراء يـتـرأسـه عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب، وقـرر أن يـجـتـمـع أعـضـاؤه مـبـاشـرة بـعـد تـتـويـجـه مـلـكـاً.

وقـبـل تـتـويـج الأمـيـر فـيـصـل رسـمـيـاً مـلـكـاً عـلى الـعـراق، نـظّـمـت الـعـشـائـر حـفـلاً لـمـبـايـعـتـه في الـرّمـادي. وقـد دعي الـمـسـؤولـون الـبـريـطـانـيـون ومـن بـيـنـهـم جـرتـرود بـيـل إلى الـحـفـل. وجـلـسـت بـجـانـب الأمـيـر فـيـصـل مـع عـلي سـلـيـمـان، شـيـخ مـشـايـخ الـدّلـيـم، وفـهـد بـك، شـيـخ مـشـايـخ عـنـزة.

وكـانـت جـرتـرود قـد أعـدّت لـلأمـيـر فـيـصـل سـكـنـاً في جـانـب مـن الـسّـراي بـعـد أن أشـرفـت عـلى تـرمـيـم الـغـرف وصـبـغـهـا. وكـانـت تـزور الأمـيـر مـراراً مـن غـيـر أن يـجـعـلـهـا تـنـتـظـر طـويـلاً في غـرفـة الإنـتـظـار.

وفي 6 آب 1921، كـتـبـت جـرتـرود لأبـيـهـا رسـالـة ذكـرت لـه فـيـهـا أنّـهـا اصـطـحـبـت الأمـيـر فـيـصـل لـزيـارة طـاق كـسـرى لـتـريـه مـعـالـم الـبـلـد الّـذي سـيـحـكـمـه. ووصـلا مـع مـرافـقـيـهـمـا إلى سـلـمـان بـاك في الـفـجـر وشـربـا قـهـوة وتـنـاولا فـطـوراً مـن بـيـض ولـحـم لـسـان وسـمـك الـسّـرديـن وبـطّـيـخ !

وبـعـد أن تـجـولا في أرجـاء خـرائـب قـصـر كـسـرى تـسـلّـقـا تـلّاً مـن تـلال جـنـوب الـمـوقـع لـيـتـأمّـلا جـريـان دجـلـة : “وهـنـاك سـردت عـلـيـه مـا كـتـبـه الـطّـبـري عـن تـاريـخ فـتـح الـعـرب [لـلـمـدائـن] … ولا أدري أيـنـا كـان الأكـثـر تـأثّـراً مـن ذلـك”.

ورغـم اقـتـراب يـوم تـتـويـجـه فـقـد اسـتـمـرّ فـيـصـل في رفـض الإنـتـداب الّـذي خـطـطـت بـريـطـانـيـا فـرضـه عـلى الـعـراق. وكـتـبـت جـرتـرود في 21 آب، أي قـبـل يـومـيـن مـن الـتّـتـويـج أنّ بـرسي كـوكـس وجـد مـخـرجـاً مـن هـذه الأزمـة : “إبـدال الإنـتـداب بـمـعـاهـدة تـوقـعـهـا بـريـطـانـيـا مـع الـدّولـة الـعـراقـيـة. هـذه فـكـرة عـبـقـريـة. وبـهـذا نـتـوصـل إلى الـتّـوفـيـق بـيـن مـطـالـب الـوطـنـيـيـن بـاسـتـقـلال الـعـراق وبـيـن قـيـام بـريـطـانـيـا بـمـسـؤولـيـتـهـا الّـتي كـلّـفـتـهـا بـهـا “عـصـبـة الأمـم” بـتـأمـيـن : 1ــ إسـتـقـرار الـمـيـزانـيـة الـمـالـيـة، 2 ــ تـكـويـن عـلاقـات خـارجـيـة، 3 ــ تـنـمـيـة الـدّفـاع الـعـسـكـري لـلـدّولـة الـجـديـدة”، و”ذلـك إلى أن تـقـبـل عـصـبـة الأمـم عـضـويـة الـعـراق كـدولـة مـسـتـقـلّـة”.

وقـبـل الأمـيـر فـيـصـل بـهـذا الـحـلّ. وأمـام 1500 مـدعـو اجـتـمـعـوا في حـوش الـسّـراي في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب 1921 : “وصـل فـيـصـل في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـرتـديـاً الـزّي الـعـسـكـري …

تتويج فيصل

وبـعـد ذلـك قـام الـسّـيّـد حـسـيـن (8) وقـرأ الـبـيـان الّـذي كـتـبـه بـرسي كـوكـس والّـذي ذكـر فـيـه أنّ 96 بـالـمـائـة مـن سـكّـان مـا بـيـن الـنّـهـريـن اخـتـاروا فـيـصـل مـلـكـاً عـلـيـهـم … ونـهـضـنـا جـمـيـعـاً وهـتـفـنـا : “عـاش الـمـلـك !”، ثـمّ حـيّـتـه طـلـقـات 21 بـنـدقـيـة مـعـاً”.

وهـكـذا تـوّج الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى الـعـراق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إسـتـعـمـلـت كـتـابـة اسـم “جـرتـرود بـيـل” مـتـابـعـاً الإسـتـعـمـال الـشّـائـع، مـع أن اسـمـهـا كـتـب في الـلـوحـة الـتّـذكـاريـة الّـتي نـصـبـت لـهـا في الـمـتـحـف الـعـراقي “كـرتـرود بـل” :     

كرترود بيل (2)

أنـظـر مـقـالي : تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/10/11/%d8%aa%d9%80%d9%85%d9%80%d8%ab%d9%80%d8%a7%d9%84-%d8%ac%d9%80%d8%b1%d8%aa%d9%80%d8%b1%d9%88%d8%af-%d8%a8%d9%80%d9%8a%d9%80%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d9%80%d8%aa%d9%80%d8%ad%d9%80/

(2) أنـظـر مـقـالي : أوغـسـطـس إدويـن جـون يـرسـم صـورة الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن

https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/11/01/%d8%a3%d9%88%d8%ba%d9%80%d8%b3%d9%80%d8%b7%d9%80%d8%b3-%d8%a5%d8%af%d9%88%d9%8a%d9%80%d9%86-%d8%ac%d9%80%d9%88%d9%86-%d9%8a%d9%80%d8%b1%d8%b3%d9%80%d9%85-%d8%b5%d9%80%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84/

(3) إعـتـمـدت في كـتـابـة هـذا الـمـوضـوع عـلى عـدد مـن الـمـصـادر مـن أهـمـهـا رسـائـل جـرتـرود بـيـل :

  The Letters of Gertrude Bell, selected by Lady Bell, DBE, first publication, Ernest Benn Limited, London, September 1927

وكـتـاب جـورجـيـنـا هـويـل عـن جـرتـرود بـيـل :

A Woman in Arabia, The Writings of the Queen of the Desert

 (4)   Safar Nameh : Persian Pictures.     

(5)  Poems from the Divan of Hafiz    

(6) وهـو في الـحـقـيـقـة مـركـز اسـتـعـلامـات حـربـيـة. والّـذيـن اشـتـغـلـوا فـيـه، وأغـلـبـهـم مـن الـحـاصـلـيـن عـلى شـهـادات جـامـعـيـة، ومـن بـيـنـهـم عـدد مـن عـلـمـاء الآثـار، لـم يـكـونـوا جـواسـيـس بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة. فـهـم لـم يـمـارسـوا الـتّـجـسـس عـلى دولـة أجـنـبـيـة وإنّـمـا جـمـعـوا مـعـلـومـات لـصـالـح بـلـدهـم الّـذي كـان في حـالـة حـرب. وقـد عـيـنـوا في الـمـكـتـب خـلال خـدمـتـهـم الـعـسـكـريـة إجـبـاريـاً أو تـطـوعـاً مـثـلـمـا فـعـلـتـه جـرتـرود بـيـل.

(7)   مـا عـدا الـعـراقـيـيـن الّـذيـن قـتـلـوا أو شـاركـوا في قـتـل ضـبـاط بـريـطـانـيـيـن.

(8)  وهـو الـسّـيّـد حـسـيـن أفـنـان، أمـيـن سـرّ الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 .

كـيـف خـرج الـسّـومـريـون مـن غـيـاهـب الـنّـسـيـان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـدأ اكـتـشـاف الـسّـومـريـيـن، بـعـد أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف عـام عـلى اخـتــفـائـهـم كـشـعـب سـاد في جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، بـاكـتـشـاف لـغـتـهـم. فـقـد تـأمّـل الـبـريـطـاني هـنـري راولـنـسـن H. Rawlinson عـام 1852 بـدهـشـة لـوحـاً مـن الـصّـلـصـال كـان قـد عُـثـر عـلـيـه عـام 1849  في تـلّ قـويـنـجـق (مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة)، وفي مـكـتـبـة الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال بـالـضّـبـط. وكـان عـلـيـه نـصّ مـسـمـاري لـقـائـمـة مـفـردات بـالآشـوريـة وبـجـانـبـهـا  مـقـابـلاتـهـا بـلـغـة مـجـهـولـة لـم يـكـن يـعـرفـهـا أحـد.  

وبـعـد أن قـضى راولـنـسـن أيّـامـاً طـويـلـة في دراسـة الـنّـصّ ومـقـارنـتـه بـالـنّـصـوص الّـتي كـانـت قـد وجـدت في جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، إقـتـرح أنّ تـكـون هـذه الـلـغـة الـمـجـهـولـة : الـلـغـة الأكّـديـة، لأنّـه كـان يـعـرف أنّ دولـة أكّـد كـانـت قـد سـبـقـت الـدّول الـبـابـلـيـة والآشـوريـة.

واقـتـرح في مـقـال نـشـره عـام 1853 أن يـكـون الـنّـاطـقـون بـهـذه الـلـغـة الـمـجـهـولـة هـم الّـذيـن اخـتـرعـوا الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وأخـذهـا عـنـهـم الـبـابـلـيـون والآشـوريـون.(1)

وكـان حـدس هـنـري راولـنـسـن صـحـيـح تـقـريـبـاً. وقـد صـحـحـه جـزئـيـاً جـول أوبـيـر Jules Oppert عـنـدمـا اقـتـرح في مـقـال نـشـره عـام 1869 بـأنّ الـنّـاطـقـيـن بـهـذه الـلـغـة الـمـجـهـولـة كـانـوا : الـسّـومـريـيـن. وأكّـد مـا كـان راولـنـسـن قـد ذكـره مـن أنّـهـم هـم الّـذيـن اخـتـرعـوا الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وأخـذهـا عـنـهـم الـبـابـلـيـون والآشـوريـون.

وقـد جـاء الـتّـفـاوت بـيـنـهـمـا مـن أنّ مـلـوك الـبـابـلـيـيـن كـانـوا يـلـقّـبـون أنـفـسـهـم أيـضـاً : مـلـوك أكّـد وسـومـر، لـيـثـبـتـوا عـراقـة حـقـوقـهـم في الـمـلـكـيـة.

وقـد وجـد عـلـمـاء الآشـوريـات أنّ الأكّـديـيـن كـانـوا مـن الـشـعـوب الـسّـامـيـة وأنّ لـغـتـهـم كـانـت أصـل الـلـهـجـات الّـتي نـطـق بـهـا الـبـابـلـيـون والآشـوريـون واسـتـعـمـلـوهـا في كـتـابـة نـصـوصـهـم مـن الألـف الـثّـالـث إلى الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد، ومـنـهـا جـرت الـعـادة بـوضـع الأكّـديـة الـقـديـمـة والـبـابـلـيـة والآشـوريـة تـحـت الإسـم الـجـامـع : “الـلـغـة الأكّـديـة”.

ومـن كـلّ هـذا أدرك جـول أوبـيـر أن الـنّـاطـقـيـن بـالـلـغـة الـمـجـهـولـة لا يـمـكـن أن يـكـونـوا إذن إلّا سـكـان بـلاد سـومـر.

ولـكـنّ بـعـض “الـعـلـمـاء” الآخـريـن رفـضـوا الإعـتـقـاد بـوجـود شـعـب أقـدم مـن الـسّـامـيـيـن (أي الـبـابـلـيـيـن والآشـوريـيـن) في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. وكـان أكـثـرهـم مـهـاجـمـة لـنـظـريـة “الـسّـومـريـيـن” الـمـسـتـشـرق الـفـرنـسي جـوزيـف هـالـفي Joseph Halevy الّـذي أنـكـر في مـقـال نـشـره عـام 1874 في الـمـجـلـة الآسـيـويـة Journal Asiatique الّـتي كـانـت تـصـدر في بـاريـس، أن تـكـون الـسّـومـريـة لـغـة بـالـمـعـنى الإسـتـعـمـالي لـلـكـلـمـة. واعـتـبـر الـنّـصـوص الّـتي كـتـبـت بـهـا لـغـة رمـوز اسـتـعـمـلـهـا الـكـتّـاب الآشـوريـون لـيـتـفـاهـمـوا بـهـا فـيـمـا بـيـنـهـم، أو لـغـة طـقـوسـيـة يـسـتـعـمـلـونـهـا في أمـور الـدّيـن !

وقـد ردّ عـلـيـه جـول أوبـيـر في مـقـال شـهـيـر نـشـره عـام 1875 في نـفـس الـمـجـلـة.   

واسـتـمـرّت الـمـنـاقـشـات بـيـن الـمـؤيـديـن لـوجـود الـسّـومـريـيـن وبـيـن الـرّافـضـيـن لـه حـتّى عـام 1889، عـنـدمـا أثـبـت عـالـم الآشـوريـات الألـمـاني كـارل بـيـزولـد Carl Bezold صـحـة قـراءة تـعـبـيـر “لِـشـان شـومـري lišan šumeri” في لـوح مـسـمـاري يـضـمّ قـائـمـة مـفـردات سـومـريـة ومـقـابـلاتـهـا بـالأكّـديـة. وكـان هـذا دلـيـلاً قـاطـعـاً عـلى أنّ الـلـسـان الـسّـومـري كـان لـغـة بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة. ثـمّ درسـت الـلـغـة الـسّـومـريـة وصـدرت لـهـا كـتـب قـواعـد قـبـل أن تـصـبـح دراسـتـهـا فـرعـاً مـن عـلـم الآشـوريـات يـسـمى الـمـخـتـصـون بـه بـعـلـمـاء الـسّـومـريـات.

 بـلاد سـومـر :

كـان الـكـتّـاب الـيـونـانـيـون والـرّومـان، وهـم مـراجـع الـمـثّـقـفـيـن الأوربـيـيـن في مـعـرفـة الـمـاضي، يـجـهـلـون تـمـام الـجـهـل بـلاد سـومـر، ولـم تـصـلـهـم أخـبـار الـسّـومـريـيـن، بـل لـم يـكـونـوا قـد سـمـعـوا حـتّى بـاسـمـهـم، ولـهـذا لـم يـذكـروهـم في مـؤلـفـاتـهـم، فـقـد ضـاعـت سـومـر مـن ذاكـرة الـبـشـريـة بـعـد سـقـوط آخـر دولـهـا في الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. كـمـا أنّ كـتّـاب الـتّـوراة والإنـجـيـل كـانـوا يـجـهـلـون وجـودهـا، ولا نـجـد إشـارات إلـيـهـا عـنـدهـم.

وقـد اسـتـعـمـل مـؤلـفـو أسـفـار الـتّـوراة اسـم بـلاد الـكـلـدان الـذّي كـان شـائـعـاً في زمـنـهـم لـيـدلّ عـلى جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. وقـد تـبـعـهـم عـلـمـاء الآشـوريـات في ذلـك عـقـوداً مـن الـزّمـن.

والـكـلـدان أو الـكـلـدانـيـون كـمـا يـعـتـقـد الـمـخـتـصّـون بـالـتّـاريـخ الـقـديـم كـانـوا مـن أقـوام الـسّـامـيـيـن الـرّحـل، وصـلـوا مـن الـغـرب، واسـتـقـرّوا في جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في بـدايـة الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد. وقـد ورد ذكـرهـم لأوّل مـرّة عـام 872 قـبـل الـمـيـلاد في نـصّ نـقـش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة لـلـمـلـك الآشـوري آشـورنـاصـربـال الـثّـاني.

وبـعـد أن تـقـدمـت الـدّراسـات عـن الـسّـومـريـيـن وأدرك الـعـلـمـاء أنّ بـلاد سـومـر سـبـقـت وصـول الـكـلـدانـيـيـن بـأكـثـر مـن ألـفَي سـنـة، تـركـوا اسـتـعـمـال تـعـبـيـر “بـلاد الـكـلـدان” إلى تـعـبـيـر “بـلاد سـومـر” الأكـثـر دقّـة.

إكـتـشـاف بـلاد سـومـر :

ويـعـود الـفـضـل الأكـبـر في اكـتـشـاف بـلاد سـومـر إلى تـنـقـيـبـات الـفـرنـسي إرنـسـت دو سَـرزيـك الّـتي بـدأت عـام 1877. ورغـم أنّ دو سَـرزيـك لـم يـكـن لا عـالـم آثـار ولا عـالـم آشـوريـات، وأنّ الـهـدف مـن حـفـريـاتـه، مـثـل كـلّ حـفـريـات زمـنـه، كـان إخـراج قـطـع أثـريـة مـهـمّـة لإرسـالـهـا إلى مـتـاحـف أوربـا، فـقـد فـتـح ثـغـرة في جـدار الـنـسـيـان الـسّـمـيـك الّـذي أخـفى الـسّـومـريـيـن عـن ذاكـرة الـبـشـريـة. وقـد انـزلـق بـعـده في هـذه الـثّـغـرة عـلـمـاء آثـار وعـلـمـاء آشـوريـات ولـغـويـون وسّـعـوهـا بـتـوصّـلـهـم إلى قـراءة نـصـوص الـسّـومـريـيـن الـمـسـمـاريـة ودراسـة تـاريـخـهـم حـتّى تـوضّـحـت مـعـالـم حـضـارتـهـم الّـتي كـانـت أولى الـحـضـارات الـبـشـريـة.

إرنـسـت دو سَـرزيـك :

يـبـدو لي أنّ حـيـاة إرنـسـت دو سَـرزيـك Ernest de SARZEC تـسـتـحـقّ أن أقـصّـهـا عـلـيـكـم، فـهي خـلـيـط مـن نـشـاط مـسـتـمـرّ لـرجـل دائـم الـحـركـة، ومـن فـضـول دفـعـه لـبـذل جـهـود سـاعـدتـه في تـحـقـيـقـهـا حـيـويـة طـافـحـة وقـوّة بـدنـيـة وعـزيـمـة لـم تـهـدأ حـتّى سـنـة وفـاتـه.

وقـد ولـد دو سَـرزيـك سـنـة 1837 في غـرب فـرنـسـا. وبـعـد أن أنـهى دراسـتـه، سـافـر إلى الـشّـرق عـام 1864 كـمـهـنـدس مـدني، وعـيّـن “مـديـراً لـلـغـاز” في شـركـة لـوبـون La Compagnie Lebon في الإسـكـنـدريـة. ثـمّ انـتـقـل إلى الـقـاهـرة في 1866، وبـقي فـيـهـا حـتّى 1868. وهـنـاك تـعـوّدت أذنـاه عـلى سـمـاع الـعـربـيـة وتـعـلّـمهـا قـلـيـلاً.

وفي عـام 1872، دخـل دو سَـرزيـك الـسّـلـك الـدبـلـومـاسي وعـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في مـديـنـة مـسـاوا Massaouah في الـحـبـشـة، ثـمّ عـيّـن عـام 1875 قـنـصـلاَ لـفـرنـسـا في الـبـصـرة، بـمـرتـب ضـخـم يـصـل إلى سـتّـة آلاف فـرنـك سـنـويـاً.

ولـم يـكـن سـكّـان الـبـصـرة آنـذاك يـتـجـاوزون الـ 14ألـفـاً. وكـانـت الـتّـجـارة الأوربـيـة فـيـهـا تـحـت سـيـطـرة الإنـكـلـيـز، ولا تـصـلـهـا الـسّـفـن الـفـرنـسـيـة إلّا نـادراً. ولـهـذا لـم يـكـن فـيـهـا كـثـيـر مـن الـفـرنـسـيـيـن.

ووجـود هـذه الـوظـيـفـة في الـبـصـرة لا يـمـكـن إلّا أن يـثـيـر الإسـتـغـراب، فـمـا الّـذي كـان يـبـرر وجـودهـا ؟ ولا شـكّ في أنّـه كـان يـكـفي أن يـتـكـفّـل بـأمـور فـرنـسـا عـمـيـل مـحـلي يـعـمـل لـحـسـابـهـا، خـاصّـة وأنّ وظـيـفـة “قـنـصـل فـرنـسـا في الـبـصـرة” كـانـت قـد حـذفـت قـبـل ذلـك في 8 شـبـاط 1842. ولـكـن الـمـهـمّ لـنـا هـو أنّ وزارة الـخـارجـيـة الـفـرنـسـيـة أعـادت هـذه الـوظـيـفـة عـام 1875 وعـيّـنـت لـهـا إرنـسـت دو سَـرزيـك.

وغـادر دو سَـرزيـك مـرسـيـلـيـا، في جـنـوب فـرنـسـا في 19 تـشـريـن الـثّـاني عـام 1876، ووصـل بـعـد شـهـريـن إلى الـبـصـرة، بـعـد أن مـرّ بـالـسّـويـس، في 19 كـانـون الـثّـاني 1877.

وبـعـد أن اسـتـلـم مـنـصـبـه في الـبـصـرة، ذهـب دو سَـرزيـك إلى بـغـداد لـيـقـدّم نـفـسـه إلى قـنـصـلـهـا الـسّـيّـد بـريـتـيـه E. Peretié ، رئـيـسـه الإداري، ثـمّ عـاد إلى الـبـصـرة لـيـكـتـب تـقـريـراً مـفـصّـلاً عـن مـوقـع الـمـديـنـة وجـوّهـا وتـاريـخـهـا وتـجـارتـهـا ومـا يـمـكـن لـلـفـرنـسـيـيـن أن يـنـتـفـعـوا بـه مـنـهـا.

ولـم يـجـد دو سَـرزيـك في الـبـصـرة ما يـشـغـلـه في وظـيـفـتـه، فـبـدأ يـحـاول مـلأ فـراغ أيـامـه الـطّـويـلـة.

ومـنـذ أن أخـرج بـول أمـيـل بـوتـا  Paul Emile BOTTAالآشـوريـيـن مـن غـيـاهـب الـنـسـيـان عـنـدمـا نـقّـب في “دور شـروكـيـن”، قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني في قـريـة خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل في 1842، بـدأت بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن تـشـهـد حـركـة تـنـقـيـبـات أثـريـة، ولـنـقـل حـركـة حـفـريـات، كـان هـدفـهـا الـتـقـاط قـطـع أثـريـة مـهـمـة تـرسـل لـلـمـتـاحـف الأوربـيـة. واشـتـدت هـذه الـحـركـة عـامـاً بـعـد عـام ودخـل الـبـريـطـانـيـون في الـمـعـمـعـة، إلّا أنّ الـمـشـاركـات الـفـرنـسـيـة كـانـت قـد نـدرت مـنـذ 1855.

وكـان نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـبـصـرة ثـمّ قـنـصـلـهـا في بـغـداد الـكـولـونـيـل روبـرت تـايـلـورColonel Robert TAYLOR قـد نـقّـب عـام 1855 في أبـو شـهـريـن، قـرب مـديـنـة أور، وتـعـرّف فـيـه عـلى مـديـنـة إريـدو الـعـريـقـة في الـقـدم، ثـمّ بـدأ حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـثّـانـيـة في الـمـقـيّـر (أور الـقـديـمـة)، ولـكـنّ هـذه الـتّـنـقـيـبـات كـانـت مـحـدودة الأهـمـيّـة، ولـم تـسـاعـدنـا في مـعـرفـة الـسّـومـريـيـن.

وقـد الـتـقى دو سَـرزيـك بـعـد وصـولـه إلى الـبـصـرة بـمـديـر تـلغـراف بـغـداد، مـسـيـو غـلّـوتي Guilloti الّـذي كـان في جـولـة تـفـتـيـشـيـة لـخـطـوط الـتّـلـغـراف. وأخـبـره غـلّـوتي أنّـه قـد رأى بـعـض الـتّـمـاثـيـل الـقـديـمـة مـلـقـاة عـلى سـطـح الأرض في مـنـطـقـة شـطّ الـحيّ (ويـسـمى أيـضـاً شـطّ الـغـرّاف). ولـديـنـا صـيـغـة أخـرى مـن الـحـدث ذكـره أنـدريـه بـارو، نـقـرأ فـيـهـا أنّ أحـد وجـهـاء الـبـصـرة ج. أصـفـر هـو الّـذي أخـبـر دو سَـرزيـك بـأنّ أهـالي مـنـطـقـة شـطّ الـحي وجـدوا آثـاراً قـديـمـة مـن بـيـنـهـا عـدّة تـمـاثـيـل.

فـطـلـب دو سَـرزيـك مـن والي الـبـصـرة أن يـنـبـأ وجـهـاء الـمـنـطـقـة بـقـدومـه لـيـتـأكـد مـن ذلـك بـنـفـسـه. وقـد وجـد دو سَـرزيـك حـقّـاً عـدداً مـن الـتّـمـاثـيـل الـصّـغـيـرة، ورجـع بـهـا إلى الـبـصـرة.

وعـنـدمـا أراد أن يـبـعـثـهـا إلى فـرنـسـا، طـلـب مـنـه الـوالي أن يـتـرك لـه واحـداً مـنـهـا. وقـد ذهـب دو سَـرزيـك بـعـد ذلـك إلى مـوقـع يـسـمـيـه تـلّـو Tello (وربّـمـا كـان هـذا الاسـم تـحـريـفـاً لـ “تـلّ لـوح”)، في مـنـتـصـف الـطـريـق بـيـن دجـلـة والـفـرات. وتـلّـو مـكـان بـيـضـوي الـشّـكـل يـمـتـدّ عـلى أربـعـة كـيـلـومـتـرات مـن شـمـالـه إلى جـنـوبـه وعـلى ثـلاثـة كـيـلـومـتـرات مـن شـرقـه إلى غـربـه، وعـلـيـه عـدّة تـلال. ووجـد دو سَـرزيـك أنّ أهـل الـبـلـد كـانـوا قـد حـفـروا في أحـد تـلالـه. (2)

وهـو يـذكـر أنّـه وجـد في أسـفـل الـتّـلّ أجـزاءً مـن تـمـثـال ضـخـم الـحـجـم، فـقـرر أن يـقـوم بـأولى تـنـقـيـبـاتـه عـلى حـسـابـه الـخـاص فـيـه، بـعـد أن طـلـب الإذن مـن نـاصـر بـاشـا، شـيـخ الـمـنـتـفـق، فـقـد كـان مـوقـع تـلّـو في الأراضي الّـتي يـسـودهـا.

وقـد بـدأ دو سَـرزيـك بـحـمـلـتي تـنـقـيـب : الأولى مـن 5 آذار إلى 11 حـزيـران 1877، والـثّـانـيـة مـن 18 شـبـاط إلى 9 حـزيـران 1878، والّـتي وجـد خـلالـهـا تـمـاثـيـل وألـواح صـلـصـال مـسـمـاريـة وجـزءاً مـن “نـصـب الـنّـسـور” :

وقـد اعـتـقـد أنّـه وجـد في مـوقـع تـلّـو مـديـنـة لـغـش الـسّـومـريـة. وقـد ظـلّ هـذا الـخـطـأ شـائـعـاً لـفـتـرة طـويـلـة. ولـكـنـنـا نـعـرف الآن أنّ دو سَـرزيـك اكـتـشـف مـديـنـة غـرسـو، الـمـركـز الـدّيـني لـدويـلـة لـغـش الـسّـومـريـة، وأنّ مـديـنـة لـغـش تـقـع في تـلّ الـهـبـة، حـوالي عـشـريـن كـلـم. جـنـوب شـرقـهـا.

وعـنـدما عـاد دو سَـرزيـك إلى فـرنـسـا في أواخـر تـمّـوز عـام 1878 لـيـقـضي عـطـلـتـه فـيـهـا، قـدّم تـقـريـراً إلى وزيـر الـخـارجـيـة عـن نـشـاطـاتـه “الأثـريـة” حـول الـبـصـرة، كـمـا جـلـب مـعـه مـا كـان قـد عـثـر عـلـيـه في حـفـريـاتـه. وقـد أثـارت غـرابـة أسـلـوب هـذه الـقـطـع الأثـريـة انـتـبـاه عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن لـم يـكـونـوا قـد رأوا مـثـلها مـن قـبـل. وقـد بـعـثـه الـوزيـر لـمـقـابـلـة لـيـون هـوزيـه Léon Heuzey  الّـذي كـان مـن أعـضـاء “مـعـهـد فـرنـسـا Institut de France ” ومـسـؤولاً عـن قـسـم الآثـار في مـتـحـف الـلـوفـر. واشـتـرت الـدّولـة الـفـرنـسـيـة مـجـمـوعـة الـتّـمـاثـيـل بـ 130 ألـف فـرنـكـاً، وكـان ذلـك مـبـلـغـاً ضـخـمـاً في ذلـك الـزّمـن. وقـد شـجـع هـذا دو سَـرزيـك عـلى الاسـتـمـرار في حـفـريـاتـه.

ورغـم حـذر الـفـرنـسـيـيـن عـرف الـبـريـطـانـيـون بـالـتّـنـقـيـبـات، وبـعـثـوا هـرمـز رسّـام إلى تـلّـو في 24 شـبـاط 1879، وبـقي فـيـه إلى 13 آذار. ورغـم أنّـه لـم يـكـن يـمـتـلـك فـرمـانـا يـسـمـح لـه بـالـتّـنـقـيـب فـقـد جـمـع عـمـالاً حـفـروا لـه في الـمـوقـع وجـمـع ألـواحـاً مـسـمـاريـة وبـعـض الـمـنـحـوتـات مـن فـتـرة حـكـم غـوديـا، أمـيـر لـغـش.

ورجـع دو سَـرزيـك إلى الـبـصـرة في نـهـايـة عام 1879 بـعـد أن مـرّ بـالـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـلـحـصـول عـلى فـرمـان يـسـمـح لـه بـالإسـتـمـرار في حـفـريـاتـه، وحـصـل عـلى احـتـكـار لا يـسـمـح لـغـيـره بـالـتّـنـقـيـب فـيـه !

وبـدأ حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـثّـالـثـة في21 كـانـون الـثّـاني 1880. وفي هـذا الـمـوسـم عـثـر عـلى تـمـاثـيـل غـوديـا، أمـيـر دولـة لـغـش :

وأكـرر الـقـول هـنـا بـأنّ مـعـارف دو سَـرزيـك في عـلـم الآثـار كـانـت مـحـدودة. وعـلى كـلّ حـال فـعـلـم الآثـار نـفـسـه كـان في طـور الـنّـشـوء. وقـد عـانـت مـواقـع بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الأثـريـة في ذلـك الـحـيـن مـن جـهـل الـمـنـقـبـيـن والـحـفّـاريـن وافـتـقـارهـم إلى الـمـنهـجـيـة في أعـمـالهـم.

ولـم يكـن لـدو سَـرزيـك مـعـرفـة بـالـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي. وكـلّ مـا تـركـه لـنـا لا يـتـعـدّى رسـومـاً بـسـيـطـة لـلـمـواقـع الّـتي حـفـرهـا. ولـكـنّـه أضـفى شـيـئـاً مـن الـمـنـهـجـيـة عـلى عـملـه عـنـدمـا طـلـب مـن هـنـري دو سـفـلـيـنـج Henri de Sevelinges أن يـسـاعـده في حـفـريـاتـه. وقـد رسـم دو سـفـلـيـنـج مـخـطـطـاً دقـيـقـاً لـلـموقـع :

كـمـا الـتـقـط عـدداً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة :

وإن جـاء هـذا مـتأخّـراً فـقـد كانـت أغـلـب مـعـالـم الـمـوقـع قـد خـرّبـت.

وبـعـد أن قـام دو سَـرزيـك بـحـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـرّابـعـة مـن 12 كـانـون الأوّل 1880 إلى 15 آذار 1881، بـعـث إلى بـاريـس مـجـمـوعـة مـن الـقـطـع الأثـريـة مـن بـيـنـهـا تـمـاثـيـل غـوديـا وأور بـاو وعـدّة كـسـر مـن “نـصـب الـنّـسـور”.

ثـمّ تـرك دو سَـرزيـك الـبـصـرة مـن جـديـد لـيـقـضي عـطـلـتـه في فـرنـسـا. ووصـلـت الـقـطـع الأثـريـة إلى بـاريـس في أيّـار. وأعـلـنـت أكـاديـمـيـة الـكـتـابـات والـنّـقـوش اكـتـشـافـات تـلّـو في 29 تـمّـوز. ودخـلـت الـقـطـع الأثـريـة في مـجـمـوعـات مـتـحـف الـلـوفـر. ولـعـرض هـذه الـقـطـع أنـشئ في مـتـحـف الـلـوفـر “قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة” :



وبـقي دو سَـرزيـك في فـرنـسـا مـا يـقـارب الـعـشـريـن شـهـراً. وحـصـل عـلى تـعـيـيـنـه قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في بـغـداد، وأسـنـدت إلـيـه “مـهـمّـة عـلـمـيـة”.

وقـد نـشـر لـيـون ألـكـسـنـدر هـوزي في بـاريـس عـام 1882 رسـالـة طـويـلـة كـان دو سـرزيـك قـد بـعـثـهـا لـه عـن حـفـريـاتـه : Léon Alexandre Heuzey, Les fouilles de Chaldée : Communication d’une lettre de M. de Sarzec, Paris, Didier et Cie, 1882.

وعـنـدما عـاد إلى الـعـراق في 1883، عـرف أنّ قـانـونـاً قـد صـدر يـمـنـع الـدّبـلـوماسـيـيـن مـن الـقـيـام بـحـفـريـات أثـريـة في مـواقـع عـمـلـهـم.

وفي عـام 1884 صـدر في بـاريـس كـتـاب كـان قـد ألّـفـه عـن اكـتـشـافـاتـه الأثـريـة بـالإشـتـراك مـع أرتـور أمـيـو Arthur Amiaud وفـرنـسـوا تـورو دانـجـان François Thureau- Dangin : Découverte en Chaldée, Paris, E. Leroux, 1884.

وفي انـتـظـار أن يـسـمـح لـه اسـتـثـنـائـيـاً بـالـتّـنـقـيـب، ذهـب إلى جـنـوب إيـران لـيـقـوم بـمـسـح لـمـواقـعـه الأثـريـة لـمـدّة أربـعـة أشهـر (مـن آذار إلى تـمّـوز 1885). ولـم يـسـتـطـع الـبـدء في حـفـريـاتـه إلّا عـام 1888، وبـعـد مـفـاوضـات طـويـلـة مـع حـمـدي بـك، مـديـر مـتـحـف إسـطـنـبـول. وقـد حـدثـت لـه مـشـاكـل مـع مـفـتـش الآثـار الـتّـركي بـدري بـك الّـذي جـاء لـيـفـتـش الـحـفـريـات. واسـتـطـاع دو سَـرزيـك أن يـبـعـده، ولـكـنّـه لـم يـسـتـطـع الـتّـفـاهـم مـع مـن جـاء بـعـده مـن الـمـفـتـشـيـن.

وبـدأ حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـخـامـسـة، والّـتي تـبـعـهـا بـالـحـمـلـة الـسّـادسـة عـام 1890. ووجـد خـلالـهـمـا نـصـوصـاً ومـنـحـوتـات مـن فـتـرات أكـثـر قـدمـاً مـمـا كـان قـد وجـده حـتّى ذلـك الـحـيـن : مـن فـتـرات حـكـم أور نـانـشي وإي أنـادو وإن تـامـيـنـا وأور كـاغـيـنـا. كـمـا وجـد كـسـراً أخـرى مـن “نـصـب الـنّـسـور”، وجـرّة إن تـامـيـنـا الـفـضّـيـة، الّـتي كـشـفـت ولأوّل مـرّة في تـاريـخ الـتّـنـقـيـبـات عـن مـهـارة الـصّـاغـة الـسّـومـريـيـن الـمـذهـلـة :

وتـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات بـعـد الـحـمـلـة الـسّـادسـة، فـقـد عـيّـن دو سَـرزيـك سـفـيـراً في أنـدونـيـسـيـا، وتـرك الـعـراق. وظـلّ مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات مـن غـيـر حـراسـة فـاشـتـدّ فـيـه الـنّـهـب.

وأعـادت وزارة الـخـارجـيـة الـفـرنـسـيـة دو سَـرزيـك إلى بـغـداد عـام 1893 كـقـنـصـل عـام لـهـا. وبـدأ في نـفـس الـعـام حـمـلـة تـنـقـيـبـات سـابـعـة، تـبـعـهـا بـحـمـلـة ثـامـنـة عـام 1894. وقـد نـقّـب في الـتّـلّ رقـم 5 (Tell V) ووجـد فـيـه أعـداد لا تـحـصى مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة، فـقـد أخـرج مـن بـاطـن الأرض في مـوسـم 1894 أكـثـر مـن ثـلاثـيـن ألـف لـوح، حـتّى أسـمى الـتّـل بـ “تـلّ الألـواح”. وحـالـمـا تـرك دو سَـرزيـك الـمـوقـع أسـرع نـهّـابـو الآثـار بـإخـراج مـا يـقـارب الأربـعـيـن ألـف لـوح مـسـمـاري عـرضـت لـلـبـيـع في بـغـداد والـبـصـرة.

وبـدأت حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات الـتّـاسـعـة في 1895. وقـد أظهـر دو سَـرزيـك غـضـبـه الـشّـديـد في شـبـاط 1895 ، لأنّـه لـم يـسـتـطـع الـبـدء في حـفـريـاتـه قـبـل أن يـصـل الـمـفـتـش يـوسـف أفـنـدي لـيـسـمـح لـه بـذلـك.

وفي 20 شـبـاط، بـعــث بـتـلـغـراف إلى بـاريـس يـذكـر فـيـه أنّ أربـع عـشـائـر مـسـلّـحـة تـمـنـعـه مـن مـواصـلـة الـحـفـريـات في تـلّـو لأنّـهـا تـقـع في أراضـيـهـم، ويـطـلـب تـدخّـل الـسّـلـطـات. ثـمّ بـعـث بـتـلـغـراف آخـر في 12 آذار يـذكـر أنّـهـم هـجـمـوا عـلى الـمـوقـع وقـتـلـوا حـارسـاً وجـرحـوا ثـمـانـيـة آخـريـن.

وقـد تـدهـورت حـالـة دو سَـرزيـك الـصّـحـيـة بـعـد نـهـايـة مـوسـم الـتّـنـقـيـبـات، وعـاد إلى فـرنـسـا في إجـازة مـرضـيـة دامـت ثـلاث سـنـوات، حـتّى عـام 1898. وقـد طـلـب سـفـيـر فـرنـسـا في إسـطـنـبـول أن تـعـطى لـفـرنـسـا بـعـض الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان دو سَـرزيـك قـد عـثـر عـلـيـهـا خـلال هـذه الـحـمـلات. ووهـب الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني لـفـرنـسـا مـجـمـوعـة مـن أهـمّ مـا عـثـر عـلـيـه في مـوقـع تـلّـو والّـتي مـا زالـت في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس : رأس “هـراوة”مِـسـيـلـيـم ومـنـحـوتـات عـائـلـة أور نـانـشي الـقـلـيـلـة الـبـروز وأجـزاء أخـرى مـن نـصـب الـنـسـور وجـرّة إن تـامـيـنـا الـفـضّـيـة، إضـافـة إلى أعـداد كـبـيـرة مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة. 

وفي 1897 عـيّـن غـوسـتـاف رويـيـه Gustave ROUËT نـائـب قـنـصـل لـفـرنـسـا في بـغـداد بـعـد أن بـقي الـمـنـصـب شـاغـراً لـمـدة سـنـتـيـن. ووصـل دو سَـرزيـك بـعـد سـتّـة أشـهـر قـادمـا مـن فـرنـسـا لـيـبـدأ حـمـلـة حـفـريـاتـه الـعـاشـرة : مـن 27 آذار إلى 4 أيّـار 1898. واسـتـطاع نـائـب قـنـصـل بـغـداد أن يـحـصـل لـه مـن الـوالي عـلى عـدد مـن “الـضّـابـطـيـة” لـحـراسـتـه. ووجـد في هـذه الـحـمـلـة تـمـاثـيـل وأنـصـابـاً ونـصـوصـاً مـسـمـاريـة و”خـنـجـر نـحـاس مـن فـتـرة أورـ نـيـنـا، طـولـه 41 سـنـتـم”.

ولـكـنّ ازديـاد تـدهـور حـالـة دو سَـرزيـك الـصّـحـيـة أجـبـره عـلى الـرّجـوع إلى فـرنـسـا في حـزيـران. وفي 1899، رقّـاه وزيـر الـخارجـيـة بـتـعـيـيـنـه وزيـراً مـفـوّضـاً مـطـلـق الـصّـلاحـيـات مـن الـدّرجـة الـثّـانـيـة.

وقـد نـصـحـه أصـدقـاؤه بـتـرك الـتّـنـقـيـبـات، ولـكـنّـه تـرك فـرنـسـا في كـانـون الأوّل 1899، بـصـحـبـة زوجـتـه وابـنـه لـيـشـرع في حـمـلـة حـفـريـاتـه الـحـاديـة عـشـرة. وتـوقّـف في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـيـمـدد صـلاحـيـة فـرمـان الـسّـمـاح بـالـحـفـريـات، ووصـل إلى بـغـداد في 1900، ومـنـها إلى تـلّـو حـيـث بـقي حـتّى شـهـر أيّـار. وقـد حـفـر في تـلّ ك (Tell K) بـئـراً عـمـيـقـة لـيـرى كـلّ الـطّـبـقـات الـتّـاريـخـيـة الّـتي تـراكـمـت عـلى الـمـوقـع قـرنـاً بـعـد قـرن في شـريـحـة عـمـوديـة، ووصـل إلى فـتـرات مـا قـبـل الـتّـاريـخ في قـعـر الـتّـلّ.

كـمـا اكـتـشـف مـكـتـبـة أخـرى والـتـقـط أكـثـر مـن 7000 لـوح طـيـني عـلـيـهـا نـصـوص جـديـدة بـالـمـسـمـاريـة مـن فـتـرة حـكـم غـوديـا وسـلالـة أور الـثّـالـثـة. ثـمّ عـاد إلى فـرنـسـا الّـتي وصـلـهـا في بـدايـة الـصّـيـف.

وقـد صـدرت في بـاريـس عـام 1900 دراسـة عـن سـكـن مـلـكي سـومـري (400 آلاف سـنـة قـبـل الـمـيـلاد) حـسـب الـتّـخـطـيـط الّـذي قـام بـه دو سـرزيـك والـمـلاحـظـات الّـتي أخـذهـا في مـكـان الإكـتـشـاف : Une villa royale chaldéenne vers l’an 4000 avant notre ère, d’après les levés et les notes de M. de Sarzec, Paris, E. Leroux 1900 (96 pages

وكـان دو سَـرزيـك قـد حـصـل عـلى تـمـديـد عـام آخـر لـفـرمـانـه، فـقـد كـان يـنـوي الـرّجـوع إلى تـلّـو لـحـمـلـة ثـانـيـة عـشـرة، ولـكـنّ حـالـتـه الـصّـحـيـة ازدادت تـدهـوراً مـمـا تـطـلّـب إجـراء عـمـلـيـة جـراحـيـة، وتـوفي في مـسـتـشـفى في مـديـنـة بـواتـيـيـه في غـرب فـرنـسـا في أيّـار1901، وكـان يـقـتـرب مـن سـنّ الـتّـاسـعـة والـسّـتـيـن.

وقـد اسـتـمـرّ فـرنـسي آخـر، غـاسـتـون كـرو Gaston Cros في تـنـقـيـبـات غـرسـو، ثـمّ تـبـعـه الأب هـنـري دو جُـنـويّـاك Henri de Genouillac ثـمّ أنـدريـه بـارو André Parrot. وتـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات الـفـرنـسـيـة عـام 1933.

وقـد بـدأ عـالـم الآشـوريـات الـفـرنسي فـرنـسـوا تـورو ـ دانـجـان François Thureau-Dangin بـدراسـة الـنّـصـوص الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في الـتّـنـقـيـبـات وبـقـراءتـهـا، ثـمّ شـكّـل في بـاريـس فـريـق مـن الـعـلـمـاء تـرأسـه جـول أوبـيـر Jules Oppert لإكـمـال قـراءة الـنّـصـوص الـسّـومـريـة ولـدراسـتـهـا.

أهـمـيـة اكـتـشـافـات إرنـسـت دو سَـرزيـك في تـلّـو :

بـعـد أن أزاح بـول إمـيـل بـوتـا الـتّـراب عـن آثـار الآشـوريـيـن عـام 1843 في خـورسـبـاد، قـرب نـيـنـوى، خـرج تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد مـن غـيـاهـب ظـلام الـنّـسـيـان، واكـتـشـف الـعـالـم مـذهـولاً جـزءاً مـن تـاريـخ الـبـشـريـة غـاب عـن ذاكـرتـهـا مـدّة أكـثـر مـن ألـفَي سـنـة. ثـمّ اكـتـشـف الـعـالـم تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات في الألـف الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد بـتـنـقـيـبـات بـابـل.

وقـد وسّـعـت تـنـقـيـبـات دو سَـرزيـك مـعـارفـنـا عـن تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن عـنـدمـا أوصـلـنـا إلى الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد الّـذي كـان الـعـالـم يـجـهـلـه جـهـلاً تـامّـاً قـبـلـهـا، وبـهـذا اكـتـشـف حـضـارة لـم يـكـن أحـد يـتـذكّـرهـا مـنـذ آلاف الـسّـنـيـن : الـحـضـارة الـسّـومـريـة.

وقـد تـوصـل الـعـلـمـاء إلى مـعـرفـة الـلـغـة الـسّـومـريـة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، وصـدرت لـهـا كـتـب قـواعـد قـبـل أن تـصـبـح دراسـتـهـا ودراسـة الـحـضـارة الـسّـومـريـة فـرعـاً مـن عـلـم الآشـوريـات يـسـمى بـعـلـم الـسّـومـريـات. واغـتـنـت الـبـشـريـة بـاسـتـرجـاع أولى فـتـراتـهـا الـتّـاريـخـيـة الّـتي شـهـدت اخـتـراع الـكـتـابـة والّـتي أدخـلـتـهـا في الـحـضـارة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ                                                                                                             (1) كـان عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني هـنـكـس E. Hincks قـد لاحـظ في مـقـال نـشـره في آب 1850 أنّ   الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة لـم تـكـن قـد اخـتـرعـت لـتـسـجـيـل الـلـغـة الأكّـديـة فـهي لا تـفـرق مـثـلاً بـيـن الـتّـاء والـطّـاء والـثّـاء أو بـيـن الـكـاف والـقـاف … إلـخ. مـمـا يـدلّ عـلى أنّـهـا اخـتـرعـت في الأصـل لـكـتـابـة لـغـة مـخـتـلـفـة لا عـلاقـة لـهـا بـالـلـغـات الـسّـامـيـة. ولـم يـدرك أنّـهـا لـغـة لـم تـكـن قـد اكـتـشـفـت بـعـد في زمـنـه فـاقـتـرح أن تـكـون الـكـتـابـة الـفـرعـونـيـة أصـل الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة !

(2) لا شـكّ في أنّ أهـل الـبـلـد قـامـوا بـحـفـريـات في تـلّـو قـبـل أن يـبـدأ دو سَـرزيـك بـتـنـقـيـبـاتـه، فـقـد اشـتـرى جـورج سـمـيـث George Smith عـام 1873 لـحـسـاب الـمـتـحـف الـبـريـطـاني الـنّـصـف الـعـلـوي لـتـمـثـال مـن لـغـش (حـسـب الـنّـصّ الـمـنـقـوش عـلـيـه) ورأس تـمـثـال مـن تـمـاثـيـل غـوديـا (وهـو الآن مـن مـقـتـنـيـات مـتـحـف بـوسـطـن، الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة)، كـمـا اشـتـرى في بـغـداد لـوحـاً مـسـمـاريـاً مـن فـتـرة حـكـم غـوديـا، أمـيـر لـغـش.

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

الـمـدائـن وطـاق كـسـرى

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

مـدائـن دجـلـة :

وصـل جـيـش إسـلامي يـقـوده سـعـد بـن الـوقّـاص في شـهـر صـفـر مـن سـنـة 16 لـلـهـجـرة (637 بـعـد الـمـيـلاد) إلى ضـفـاف دجـلـة، قـرب مـديـنـة سـلـمـان بـاك الـحـالـيـة، أي في جـنـوب شـرق الـمـكـان الّـذي سـتـشـيّـد عـلـيـه بـعـد ذلـك مـديـنـة بـغـداد. وكـان الـخـلـيـفـة عـمـر بـن الـخـطّـاب قـد بـعـثـه نـحـو بـلاد فـارس.

ووجـد سـعـد وجـنـده في هـذا الـمـوضـع عـدّة مـدن كـان بـعـضـهـا مـا زال قـائـمـاً وأكـثـرهـا حـلّ بـهـا الـخـراب. وقـد أسـمـاهـا الـعـرب بـعـد فـتـحـهـا بـ “الـمـدائـن”.

ويـذكـر الـمـؤرخـون أنّـهـا كـانـت خـمـس (أو سـبـع) مـدن مـلـكـيـة، شـيّـدت في فـتـرات تـاريـخـيـة مـخـتـلـفـة ولـكـن الـواحـدة قـرب الأخـرى.

وكـانـت أهـمّ هـذه الـمـدن وأقـدمـهـا سـلـوقـيـة دجـلـة. وقـد قـصـصـت عـلـيـكـم في مـقـال سـابـق (1) كـيـف مـات الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل في الـعـاشـر مـن حـزيـران سـنـة 323 قـبـل الـمـيـلاد، وكـيـف اشـتـدّت الـصّـراعـات بـيـن قـوّاده بـعـد مـوتـه.

وتـقـاسـم الـمـنـتـصـرون مـنـهـم الأراضي الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلـيـهـا، واسـتـقـلّ سـلـوقـوس (ويـكـتـب أيـضـاً : سـلـوقـس) الّـذي أسـمى نـفـسـه بـ “نـيـكـاتـور Σέλευκος Νικάτωρ”، أي الـمـنـتـصـر، بـالـجـزء الـشّـرقي مـن الإمـبـراطـوريـة، والّـذي كـان يـمـتـدّ مـن سـوريـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد فـارس إلى الـهـنـد.

وفي عـام 311 قـبـل الـمـيـلاد (في رأي أكـثـر الـمـؤرخـيـن)، بـدأ سـلـوقـوس بـتـأسـيـس مـديـنـة جـديـدة، اتّـخـذهـا عـاصـمـة لـه، عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة الـغـربـيـة، عـرفـت بـ “سـلـوقـيـة دجـلـة“. (2)

وفي حـوالي مـنـتـصـف الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، إسـتـولى أشـكـانـيـان، الّـذي يـسـمـيـه الـكـتّـاب الإغـريـق بـأرسـاك، وكـان شـيـخ عـشـيـرة مـن عـشـائـر آسـيـا الـوسـطى، عـلى الـمـنـطـقـة بـكـامـلـهـا وأسـس امـبـراطـوريـة واسـعـة بـعـد أن ضـعـفـت دولـة الـسّـلـوقـيـيـن ونـقـلـت عـاصـمـتـهـم إلى أنـطـاكـيـة في سـوريـا. وعـرفـت دولـة أشـكـانـيـان بـالـدّولـة الـفـارثـيـة.

وقـد أسـس مـلـوك الـفـارثـيـيـن الأشـكـانـيـيـن مـديـنـة طـيـسـفـون عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة الـشّـرقـيـة، أي مـقـابـل مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة، لـيـسـكـنـهـا مـلـوكـهـم في فـصـول الـشّـتـاء. ونـجـد أوّل ذكـر لـهـذه الـمـديـنـة في عـام 221 قـبـل الـمـيـلاد. ويـسـمـيـهـا الـمـؤرخـون الـعـرب طـيـسـفـون أو طـوسـفـون أو طـوسـبـون.

وفي عـام 69 بـعـد الـمـيـلاد أسـس الـمـلـك الـفـارثي فـولـوجـيـس الأوّل مـديـنـة يـسـمـيـهـا الـكـتّـاب الإغـريـق فـولـوجـسـيـاس. وقـد أسـسـهـا جـنـوب مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة عـلى الـقـنـاة الـمـلـكـيـة الّـتي كـانـت تـربـط دجـلـة بـالـفـرات.

وفي عـام 224 بـعـد الـمـيـلاد، هُـزم آخـر مـلـوك الـفـارثـيـيـن الأشـكـانـيـيـن. هـزمـه الـفـارسي أردشـيـر بـن سـاسـان واسـتـولى عـلى مـمـتـلـكـاتـه، وأسـس دولـة جـديـدة عـرفـت بـالـدّولـة الـسّـاسـانـيـة.

وقـد اسـتـمـر أردشـيـر، الّـذي عـرف بـعـد ذلـك بـاسـم أردشـيـر الأوّل، بـاتـخـاذ طـيـسـفـون عـاصـمـة لـه بـجـانـب عـواصـم أخـرى، يـسـكـنـهـا في فـصـل الـشّـتـاء. وشـيّـد فـيـهـا قـصـراً واسـع الأرجـاء. ويـبـدو أنّ الـقـصـر الّـذي مـا زال إيـوانـه مـنـتـصـبـاً والـمـعـروف بـطـاق كـسـرى شـيّـده ابـنـه شـابـور (أو سـابـور) الأوّل الّـذي خـلـفـه وارتـقى الـعـرش عـام 240 بـعـد الـمـيـلاد. ولـكـن شـابـور الأوّل مـات سـنـة 272، قـبـل أن يـكـتـمـل بـنـاء الـقـصـر.

ولـم يـكـتـمـل تـشـيـيـد الـقـصـر إلّا في زمـن خـسـرو أنـو شـروان وهـو الّـذي يـسـمـيـه الـمـؤرخـون الـعـرب بـكـسـرى أنـو شـروان (وهـم يـطـلـقـون اسـم كـسـرى عـلى كـلّ مـلـك مـن مـلـوك الـسّـاسـانـيـيـن)، والّـذي حـكـم بـيـن عـامَي 531 و 579 بـعـد الـمـيـلاد.

وقـد أتـمّ كـسـرى أنـو شـروان بـنـاء مـا لـم يـكـتـمـل مـن قـاعـة الـعـرش، كـمـا أضـاف عـلى جـدران الـقـصـر نـقـوشـاً وزخـارف ورسـومـاً، ولـهـذا جـرت الـعـادة عـلى تـسـمـيـة الإيـوان بـطـاق كـسـرى. ولـم يـبـق مـنـه قـائـمـاً في أيـامـنـا هـذه إلّا إيـوان الـقـصـر الـمـلـكي الـمـعـروف بـطـاق كـسـرى وأحـد جـنـاحـيـه.

وقـد رأى أبـو عـبـادة الـولـيـد بـن عـبـيـد الـطّـائي، الـمـعـروف بـالـبـحـتـري في الـقـرن الـعـاشـر الـمـيـلادي الـمـشـاهـد الّـتي صـوّرت عـلى جـدران قـاعـة الـعـرش لـتـمـجـيـد انـتـصـار أنـوشـروان عـلى أعـدائـه الـرّومـان وفـتـحـه لـمـديـنـة أنـطـاكـيـة في سـوريـا وتـخـريـبـهـا، في حـوالي عـام 540، ولـم تـكـن هـذه الـتّـصـاويـر قـد انـمـحـت بـعـد في زمـنـه :

كـمـا أنـشـأ أردشـيـر الـسّـاسـاني في الـنّـصـف الـجـنـوبي لـمـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة (مـقـابـل طـيـسـفـون) مـديـنـة أخـرى في حـوالي 230 بـعـد الـمـيـلاد، أسـمـيـت فَـيـه أردشـيـر، والّـتي عـرّب الـمـؤرخـون الـعـرب اسـمـهـا إلى بـهـرَسـيـر، أو بـهـورَسـيـر، وحُـرّف إلى نـهـر سـيـر.

وبـعـد أن خـرّب جـيـش الـسّـاسـانـيـيـن مـديـنـة أنـطـاكـيـة في سـوريـا في حـوالي 540 بـعـد الـمـيـلاد. أي في زمـن الـمـلـك خـسـرو الأوّل أنـو شـروان، نـقـل أغـلـب سـكـانـهـا إلى الـمـدائـن وشـيّـدت لـذلـك قـرب طـيـسـفـون مـديـنـة فَـيـه أنـطـيـوخ ــ ي خـسـرو، أي أنـطـاكـيـة كـسـرى الّـتي يـسـمـيـهـا الـمـؤرخـون الـعـرب بـرومـيّـة.

أبـاطـرة الـرّومـان والـمـدائـن  :

إسـتـطـاع الإمـبـراطـور الـرّومـاني تـرايـنـوس فـتـح طـيـسـفـون عـام 115 بـعـد الـمـيـلاد، وأخـذهـا مـن أيـدي الـفـارثـيـيـن، كـمـا فـتـحـهـا الإمـبـراطـور الـرّومـاني فـيـروسـوس عـام 162 بـعـد الـمـيـلاد. وفي عـام 201 بـعـد الـمـيـلاد، فـتـحـهـا امـبـراطـور رومـاني آخـر، سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس.

وفي عـام 260 بـعـد الـمـيـلاد دارت مـعـركـة بـيـن جـيـش الإمـبـراطـور الـرّومـاني فـالـريـانـوس وبـيـن جـيـش الـمـلـك الـسّـاسـاني سـابـور الأوّل (شـابـور)، وانـتـصـر فـيـهـا الـسّـاسـانـيـون. كـمـا دارت في طـيـسـفـون عـام 363 بـعـد الـمـيـلاد مـعـركـة بـيـن الإمـبـراطـور الـرّومـاني يـولـيـانـوس الـثّـاني وعـدوه الـفـارسي، وانـتـصـر فـيـهـا الـرّومـان، ولـكـنّ الإمـبـراطـور الـرّومـاني قـتـل فـيـهـا بـعـد ذلـك بـقـلـيـل.

ونـذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز مـن جـديـد بـأنّ سـعـد بـن الـوقّـاص فـتـح الـمـدائـن في عـام 637 عـلى رأس جـيـش كـان الـخـلـيـفـة عـمـر بـن الـخـطّـاب قـد بـعـثـه نـحـو بـلاد فـارس.

عـنـدمـا كـان يـحـيـط بـالـطّـاق جـنـاحـاه :

وصـلـتـنـا أعـداد مـن رسـوم وصـور فـوتـوغـرافـيـة لـطـاق كـسـرى يـحـيـطـه مـن جـانـبـيـه جـنـاحـاه الـشّـمـالي والـجـنـوبي.

ومـن أقـدم الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي نـشـرت عـن طـاق كـسـرى رسـم نـشـره أتـنـسـيـوس كـيـرشـر عـام 1679 في كـتـاب عـن “بـرج بـابـل” : (4)

ولـديـنـا رسـم نـفّـذه الـكـابـتـن الـبـريـطـاني هـارت Capitaine Hart عـام 1824 (5):

ورسـم آخـر نـفّـذه الـرّسّـام الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان Eugène Flandin لـطـاق كـسـرى عـام 1841 : (6)

كـمـا رسـم أوجـيـن فـلانـدان مـع زمـيـلـه الـمـعـمـاري بـاسـكـال كـوسـت تـخـطـيـطـات لـمـوقـعـه ولـجـزئـيـات مـعـمـاريـة فـيـه :

ولـديـنـا عـمـل طـبـاعـي نُـفّـذ عـن تـخـطـيـط رسـمـتـه زوجـة الـمـبـشـر هـنـري هـرون سـتـيـرن Reverand Henry Aaron Stern خـلال أقـامـتـهـمـا في بـغـداد بـيـن 1850 و 1853، ونـشـره هـذا الـمـبـشـر في كـتـاب يـسـرد فـيـه رحـلـتـه، أصـدره في لـنـدن عـام 1854 : (7)

ولـوحـة زيـتـيـة رسـمـهـا إسـكـنـدر سـانـدور زفـوبـودا لـطـاق كـسـرى، ربّـمـا في عـام 1857. أي في الـعـام الـسّـابـق لـمـغـادرتـه لـبـغـداد نـهـائـيـاً (8) :

أو ربّـمـا رسـمـهـا بـعـد ذلـك مـعـتـمـداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة لـلـطّـاق كـان قـد الـتـقـطـهـا بـنـفـسـه.

ولـديـنـا عـمـل طـبـاعي نـفّـذ اعـتـمـاداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة نـشـره الأمـريـكي ولـيـام بـيـري فـوغ William Perry FOGG سـرد رحـلـتـه إلى الـعـراق الّـتي صـدرت عـام 1875 :

ولـديـنـا كـذلـك عـمـل طـبـاعي نـفّـذ اعـتـمـاداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـتـهـا الـفـرنـسـيـة مـدام ديـولافـوا عـام 1881، ونـشـرتـهـا في سـرد رحـلـتـهـا : (9)

وعـمـل طـبـاعي نـفّـذ عـن تـخـطـيـط قـام بـه دنـيـس دو ريـفـويـر Denis de Rivoyre خـلال مـروره بـالـعـراق ، ونـشـر في عـام 1884 في كـتـاب : “الـعـرب الأقـحـاح وبـلادهـم، بـغـداد ومـدن الـفـرات الـمـنـسـيّـة ” (10) :

إنـهـيـار الـجـنـاح الـشّـمـالي لـلـطّـاق في ربـيـع عـام 1887 :

إنـهـار جـنـاح الـطّـاق الـشّـمـالي في 15 نـيـسـان عـام 1887. وهـو مـا سـجّـلـه جـوزيـف مـاتـيـا زفـوبـودا، الـمـعـروف بـيـوسـف الـبـغـدادي في دفـاتـر يـومـيـاتـه (دفـتـر رقـم 30) (11)، وكـان كـاتـبـاً في شـركـة بـيـت لـنـج، ويـعـمـل عـلى بـواخـرهـا بـيـن بـغـداد والـبـصـرة، فـقـد ذكـر في يـومـيـة الـسّـبـت 16 نـيـسـان 1887 :

” قـدمـت الـبـاخـرة “خـلـيـفـة” بـعـد الـزّوال بـربـع سـاعـة. وجـاء إلى بـاخـرتـنـا هـنـري [هـولانـد]، ونـقـل لي خـبـر انـهـيـار طـاق “طـيـسـفـون”. وقـد رأى صـبـاح هـذا الـيـوم واجـهـتـه والـجـدار كـلّـة مـن الـمـدخـل إلى الـبـهـو فـالـشّـمـال قـد سـقـط عـلى الأرض. وسـبـب انـهـيـار هـذ الـقـسـم الـمـتـداعي فـيـضـان الـنّـهـر ووصـول الـمـاء إلـيـه وهـطـول الأمـطـار”.

وهـو يـتـكـلّـم في يـومـيـات كـانـون الأوّل 1889 أي بـعـد عـامـيـن ونـصـف عـلى انـهـيـار جـنـاح الـطّـاق الـشّـمـالي : “وكـان عـلى مـتـن سـفـيـنـتـنـا مـسـيـو مـوجـيـل M. Mougel، [الـمـهـنـدس الـفـرنـسي] وصـالـح أغـا، مـديـر طـيـسـفـون في طـريـقـهـمـا إلى سـلـمـان بـاك فـقـد اسـتـلـمـا أوامـر مـن إسـطـنـبـول لـيـمـتـحـنـا حـالـة طـاق كـسـرى والـتّـرمـيـمـات الّـتي يـمـكـن الـقـيـام بـهـا لـكي لا يـنـهـار، ولـيـمـنـعـا أخـذ الـطّـابـوق مـن الـمـوقـع إلى بـغـداد، ولـيـمـتـحـنـا حـالـة مـسـجـد سـلـمـان بـاك الـفـارسي، لـتـشـيـيـد مـا تـسـاقـط مـنـه وزيـادة الأبـنـيـة لـتـكـويـن قـريـة حـولـه”. (12)

تـنـقـيـبـات طـيـسـفـون :

قـامـت حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات الأولى في طـيـسـفـون 1928/1929 بـحـفـريـات في الـقـصـر الـمـلـكي الّـذي يـعـلـو قـبّـة عـرشـه “طـاق كـسـرى”، وفي داخـل الـمـديـنـة الّـتي يـفـصـلـهـا عـن الـقـصـر في زمـنـنـا هـذا نـهـر دجـلـة، وتـوصـلـت إلى نـتـائـج مـهـمّـة وعـثـرت عـلى كـثـيـر مـن الـقـطـع الأثـريـة. أمّـا الـبـعـثـة الـثّـانـيـة 1931/1932، الّـتي أشـرف عـلـيـهـا كـوهـنـيـل E. KÜHNEL،مـديـر قـسـم الأثـار الإسـلامـيـة في مـتـحـف الـدّولـة في بـرلـيـن (ألـمـانـيـا) بـمـشـاركـة مـتـحـف الـمـتـروبـولـيـتـان Metropolitan Museum of Arts في نـيـو يـورك، فـقـد ركّـزت تـنـقـيـبـاتـهـا عـلى الـمـنـطـقـة الـمـحـيـطـة بـالـقـصـر مـبـاشـرة عـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة لـدجـلـة.

ولـم تـقـم الـبـعـثـة بـتـنـقـيـبـات مـهـمّـة في داخـل الـقـصـر مـاعـدا في غـرب قـاعـة الـعـرش وفي الـحـمـامـات. وهـذه الـحـمـامـات مـخـتـلـفـة في تـنـظـيـمـهـا عـن الـحـمـامـات الـسّـاسـانـيـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في كـيـش Kish رغـم أنـهـا تـتـشـابـه في أشـكـال الأنـابـيـب الّـتي تـجـلـب لـهـا الـمـاء وتـصـرفـه عـنـهـا وفي تـسـخـيـنـه وفي الآبـار الّـتي تـسـتـقى مـنـه.

وقـد وجـدت آثـار فـسـيـفـسـاء مـن قـطـع رخـام صـغـيـرة كـانـت تـغـطي الـجـدران وكـذلـك بـقـايـا رسـوم جـداريـة لـم يـبـق مـنـهـا مـا يـسـتـحـق الـذّكـر. وهي رسـوم بـألـوان خـلـطـت بـالـبـيـض (صـفـاره وبـيـاضـه) عـلى طـبـقـة مـن الـجـبـس (وهـو مـا اسـتـعـمـلـه كـثـيـر مـن الـفـنـانـيـن الإيـطـالـيـيـن حـتّى الـقـرن الـسّـادس عـشـر الـمـيـلادي والّـذي يـدعى بـالـفـرسـكـو Fresco). ويـعـتـبـر مـا وجـد في الـمـنـطـقـة الـمـسـمـاة بـ “الـمـعـرض” أقـدم نـمـاذج وجـدت لـلـرّسـوم الـجـداريـة الـسّـاسـانـيـة.

وقـد أجـريـت أهـم حـفـريـات هـذه الـحـمـلـة في تـلّ الـذّهـب جـنـوب الـطّـاق، والّـذي كـانـت تـحـيـطـه أسـوار مـربـعـة بـ 138 مـتـراً لـكـل جـانـب، ولـكـن نـتـائـجـهـا كـانـت مـحـدودة، في حـيـن أن حـفـريـات تـلّـيـن آخـريـن : أم الـسـعـاتـيـر والـمـعـاريـذ.

تـرمـيـمـات الـطّـاق :

وجـدت لـكـم صـورتـيـن الـتـقـطـتـهـمـا جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell في أولى زيـاراتـهـا لـلـعـراق عـام 1909. الأولى لـطـاق كـسـرى مـن الـخـارج :

والـثّـانـيـة لـداخـل الأيـوان : (13)

كـمـا وجـدت في ألـبـوم صـور يـعـود تـاريـخـه إلى 1919، حـصـلـت عـلـيـه مـكـتـبـة جـامـعـة كـالـيـفـورنـيـا في لـوس أنـجـلـس ودخـل في مـقـتـنـيـاتـهـا، صـورة لـطـاق كـسـرى (14) :

ويـبـدو أنّـه كـان يـعـود إلى ضـابـط بـريـطـاني الـتـقـط الـصّـور خـلال خـدمـتـه في الـعـراق. ونـلاحـظ في هـذه الـصّـور الـحـالـة الـسّـيـئـة لأسـس الـطّـاق ولأسـافـل جـدرانـه.

ونـقـرأ في أمـاكـن عـديـدة أنّ أجـزاءً مـن أسـس الـطّـاق وأسـافـل جـدرانـه رمـمـت في بـدايـة ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، ومـع ذلـك نـجـد صـورة في ألـبـوم نـشـرتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925، بـعـنـوان : Camera Studies in Iraq، ذُكـر فـيـه أنّ الـمـصـوّر الـفـوتـوغـرافي عـبـد الـكـريـم كـان قـد الـتـقـطـهـا في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، وهي صـورة الـتـقـطـت مـن طـائـرة as it looks from an aeroplan (15):

وهـذا يـدلّ عـلى أنّ أسـس الـطّـاق وأسـافـل جـدرانـه كـانـت قـد رمـمـت بـالـطّـابـوق في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، قـبـل أن يـعـاد تـرمـيـمـهـا في بـدايـة الـثّـلاثـيـنـيـات.

كـمـا نـجـد في مـجـمـوعـة صـور ج. إريـك مـاتـسـون وزوجـتـه إديـث Eric and Edith MATSON Photograph Collection (16) إحـدى عـشـرة صـورة الـتـقـطـت لـطـاق كـسـرى عـام 1932، هـذه واحـدة مـنـهـا :

ووجـدت لـكـم بـطـاقـة بـريـديـة طـبـعـهـا هـوري J.S. Hoory ، كـتـب عـلـيـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة Stesiphon Arch Salman Pak : (17)

ولا شـكّ في أنّ الـقـارئ الـعـزيـز لاحـظ الـخـطـأ الإمـلائي، فـقـد أراد الـنّـاشـر أن يـكـتـب Ctesiphon أي طـيـسـفـون، فـكـتـب Stesiphon، مـمـا يـدلّ عـلى قـلّـة مـعـرفـتـه بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة. وعـلى ظـهـر هـذه الـبـطـاقـة طـابـع عـلـيـه خـتـم الـبـريـد بـتـاريـخ 22 آب 34.

ولـديـنـا بـطـاقـة بـريـديـة عـلـيـهـا صـورة الـتـقـطـهـا مـصـور سـتـوديـو إلـدورادو وعـلـيـهـا طـابـع صـدر عـام 1949 : (18)

ولـديـنـا صـورة الـتـقـطـت عـام 1961 نـرى فـيـهـا الـدّعـامـة الّـتي أضـيـفـت أمـام طـرف الـجـنـاح الـجـنـوبي لـتـسـنـده :

وصـورة أخـرى الـتـقـطـهـا الـمـصّـور الـفـوتـوغـرافي الـعـراقي لـطـيـف الـعـاني عـام 1965، ونـرى فـيـهـا الأمـريـكي بـاركـر مـيـلـز وزوجـتـه مـع عـازف الـرّبـابـة الأعـمى : (19)

وفي عـام 1972، قـامـت مـديـريـة الآثـار الـعـامـة بـتـرمـيـم كـامـل لـلـجـنـاح الـجـنـوبي مـن الـطّـاق :

وبـدأت عـام 1975 أعـمـال إعـادة تـشـيـيـد الـجـنـاح الـشّـمـالي (الّـذي كـان قـد انـهـار في ربـيـع عـام 1887).

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : الإسـكـنـد الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/03/07/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%80%d9%83%d9%80%d9%86%d9%80%d8%af%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d9%80%d9%82%d9%80%d8%af%d9%88%d9%86%d9%8a-%d9%8a%d9%80%d9%85%d9%80%d9%88%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d9%80

وأنـظـر كـذلـك مـقـالي : عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة https://sabahalnassery.wordpress.com/2017/01/10/%d8%b9%d9%80%d9%86%d9%80%d8%af%d9%85%d9%80%d8%a7-%d9%83%d9%80%d8%a7%d9%86%d9%80%d8%aa-%d8%b3%d9%80%d9%84%d9%80%d9%88%d9%82%d9%80%d9%8a%d9%80%d8%a9-%d8%af%d8%ac%d9%80%d9%84%d9%80%d8%a9-%d8%a5%d8%ad

(2) كـتـب الـمـؤلـف الـيـونـاني إسـطـرابـون Στράϐων، الّـذي تـوفي حـوالي سـنـة 20 بـعـد الـمـيـلاد، في مـؤلـفـه الـشّـهـيـر الـمـسـمى بـ “الـجـغـرافـيـا” :”وكـانـت هـذه الـمـديـنـة قـديـمـاً مـديـنـة بـابـل، عـاصـمـة بـلاد آشـور [!]، وتـسـمى في أيّـامـنـا هـذه سـلـوقـيـة دجـلـة. وكـانـت قـرب سـلـوقـيـة قـريـة كـبـيـرة تـدعى طـيـسـفـون كـان الـفـارثـيـون قـد اتـخـذوهـا عـاصـمـة لـهـم يـسـكـنـونـهـا في الـشّـتـاء. وبـفـضـل نـمـو سـلـطـة الـفـارثـيـيـن صـارت الـقـريـة مـديـنـة وأحـيـطـت بـالأسـوار وازدادت أعـداد سـكـانـهـا. ولـنـقـاء هـواء طـيـسـفـون اعـتـاد مـلـوك الـفـارثـيـيـن عـلى الإقـامـة فـيـهـا كـلّ شـتـاء، ويـتـركـونـهـا في الـصّـيـف لـيـقـيـمـوا في عـواصـمـهـم الأخـرى”. (الـكـتـاب الـرّابـع، الـفـصـل الأوّل، ص. 16)

(3) ديـوان الـبـحـتـري، الـمـجـلـد الأوّل، تـحـقـيـق : د.عـمـر الـطّـبـاع، بـيـروت 2016.

(4) Turris Babel, Sive Archontologia Qua Primo Priscorum post diluvium hominum vita, mores rerumque gestarum magnitudo, Secundo Turris fabrica civitatumque exstructio, confusio linguarum, & inde gentium transmigrationis, cum principalium inde enatorum idiomatum historia, multiplici eruditione describuntur & explicantur. Amsterdam, Jansson-Waesberge 1679.

(5) ذكـر الـمـبـشـر جـوزيـف وولـف Rev. Joseph Wolff في كـتـاب نـشـره في لـنـدن عـام 1837عـن رحـلـتـه إلى الـشّـرق أنّ الـكـابـتـن هـارت كـان ابـن الـجـنـرال هـارت، وقـد جـاء مـن الـهـنـد مـع الـكـابـتـن كـيـبـل إلى الـبـصـرة عـام 1824 ، ومـنـهـا صـعـد إلى بـغـداد.

(6) أنـظـر مـقـالي : لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق https://sabahalnassery.wordpress.com/2017/05/18/%d9%84%d9%80%d9%88%d8%ad%d9%80%d8%a7%d8%aa-%d8%a3%d9%88%d8%ac%d9%80%d9%8a%d9%80%d9%86-%d9%81%d9%80%d9%84%d8%a7%d9%86%d9%80%d8%af%d8%a7%d9%86-%d9%88%d8%b1%d8%b3%d9%80%d9%88%d9%85%d9%80%d9%87-%d9%81

(7) أنـظـر مـقـالي : رحـلـة هـنـري سـتـيـرن إلى الـعـراق https://sabahalnassery.wordpress.com/2018/01/19/%d8%b1%d8%ad%d9%80%d9%84%d9%80%d8%a9-%d9%87%d9%80%d9%86%d9%80%d8%b1%d9%8a-%d8%b3%d9%80%d8%aa%d9%80%d9%8a%d9%80%d8%b1%d9%86-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%80%d8%b9%d9%80%d8%b1%d8%a7%d9%82

(8) أنـظـر مـقـالي : فـنّـان بـغـدادي مـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر لا يـتـذكّـره أحـد https://almilwana.blogspot.com/2015/04/3-1.html

(9) أنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق https://sabahalnassery.wordpress.com/2017/04/18/%d8%b1%d8%ad%d9%80%d9%84%d9%80%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d9%80%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%81%d9%80%d9%88%d8%a7-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%80%d8%b9%d9%80%d8%b1%d8%a7%d9%82

(10) Les vrais Arabes et leur pays : Bagdad et les villes ignorées de l’Euphrate, Paris 1884.

(11) أنـظـر مـقـالي : دفـاتـر عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة https://sabahalnassery.wordpress.com/2018/09/02/%d8%af%d9%81%d9%80%d8%a7%d8%aa%d9%80%d8%b1-%d8%b9%d9%80%d8%a7%d8%a6%d9%80%d9%84%d9%80%d8%a9-%d8%b2%d9%81%d9%80%d9%88%d8%a8%d9%80%d9%88%d8%af%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%80%d8%a8%d9%80%d8%ba%d9%80%d8%af/

(12) يـعـقـوب سـركـيـس، مـبـاحـث عـراقـيـة في الـجـغـرافـيـة والـتّـاريـخ والآثـار وخـطـط بـغـداد، بـغـداد 1948. وقـد كـتـب جـوزيـف مـاتـيـا زفـوبـودا يـومـيـاتـه بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة، وقـد تـرجـم يـعـقـوب سـركـيـس الـمـقـطـع الّـذي اسـتـشـهـدت بـه.

وذكـر عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني إرنـسـت إلـفـريـد والـيـس بـدج Ernest Alfred Wallis BUDGE في كـتـاب نـشـره في لـنـدن عـام 1920 بـعـنـوان :By Nile and Tigris, A Narrative of Journeys in Egypt and Mesopotamia on Behalf of the British Museum between the years 1886 and 1913أنّـه بـعـد زيـارتـه لـطـيـسـفـون ــ الـمـدائـن، طـلـب مـن الـمـسـتـر هـولانـد A.B. Holland أن يـجـد لـه مـعـلـومـات في بـغـداد عـن تـاريـخ انـهـيـار جـنـاح إيـوان كـسـرى وعـن سـبـبـه : “وأخـبـرني في رسـالـة اسـتـلـمـتـهـا مـنـه مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة أنّ أحـد أصـدقـائـه وجـد في دفـاتـر الـمـرحـوم زفـوبـودا Svoboda أنّ الـطّـاق انـهـار في ربـيـع 1887. وكـان نـهـر دجـلـة قـد فـاض ذلـك الـعـام فـيـضـانـاً شـديـداً وأنّ مـيـاهـه أغـرقـت الأراضي في كـلّ الإتـجـاهـات عـلى مـدى كـيـلـومـتـرات وكـيـلـومـتـرات واجـتـاحـت الإيـوان وأسـقـطـت أحـد جـنـاحـيـه”. (ص. 12)

(13) نـشـرتـهـمـا في لـنـدن عـام 1911 في كـتـاب “مـن مـراد إلى مـراد Amurath to Amurath “.

(14) أنـظـر مـقـالي : بـغـداد 1919 https://sabahalnassery.wordpress.com/2017/01/01/%d8%a8%d9%80%d8%ba%d9%80%d8%af%d8%a7%d8%af-1919/

(15) أنـظـر مـقـالي : ألـبـوم صـور نـشـرتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925 https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/05/12/%d8%a3%d9%84%d9%80%d8%a8%d9%80%d9%88%d9%85-%d8%b5%d9%80%d9%88%d8%b1-%d9%86%d9%80%d8%b4%d9%80%d8%b1%d8%aa%d9%80%d9%87-%d8%b4%d9%80%d8%b1%d9%83%d9%80%d8%a9-%d8%ad%d9%80%d8%b3%d9%80%d9%88-%d8%a5%d8%ae/

(16) أنـظـر مـقـالي : صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/06/30/%d8%b5%d9%80%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%80%d8%b9%d9%80%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%80%d8%ac%d9%80%d9%85%d9%80%d9%88%d8%b9%d9%80%d8%a9-%d8%a5%d8%b1%d9%8a%d9%80%d9%83-%d9%85%d9%80%d8%a7/

(17) أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (4) https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/09/02/%d8%b5%d9%80%d9%88%d8%b1-%d8%b9%d9%80%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%80%d8%b9%d9%80%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%85%d9%80%d9%86-%d8%a8%d9%80%d8%af%d8%a7%d9%8a%d9%80%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%82%d9%80%d8%b1%d9%86-3/

(18) أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (2) https://sabahalnassery.wordpress.com/2015/10/07/%d8%b5%d9%80%d9%88%d8%b1-%d8%b9%d9%80%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%80%d8%b9%d9%80%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%85%d9%80%d9%86-%d8%a8%d9%80%d8%af%d8%a7%d9%8a%d9%80%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%82%d9%80%d8%b1%d9%86-2/

(19) أنـظـر مـقـالي : https://www.facebook.com/314092668739220/photos/rpp.314092668739220/603635733118244/?type=3&theater

يـومـيـات بـغـداد سـنـة 1831

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـيـن الـطّـاعـون وفـيـضـان دجـلـة والإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة :

عـنـدمـا نـقـرأ عـن الأحـداث الّـتي جـرت في بـغـداد خـلال الـسّـنـة الـرّهـيـبـة 1831، وعـن الـمـصـائـب الّـتي حـلّـت بـأهـلـهـا ومـحـقـت أغـلـبـهـم، يـتـمـلـكـنـا الـذّهـول أمـام قـدرة الإنـسـان عـلى تـحـمّـل الـنّـكـبـات، وأمـام قـدرتـه عـلى مـقـاومـة الأقـدار وإعـادة لـمّ شـمـل مـن بـقي مـن الأحـيـاء حـولـه وإعـادة تـشـيـيـد داره وبـذل كـلّ جـهـوده في كـسـب قـوتـه مـن جـديـد …

وبـدلاً مـن أن يـهـجـر الـمـديـنـة أهـلـهـا ويـتـركـوهـا لـلـخـراب، عـادوا إلـيـهـا لـيـدفـنـوا فـيـهـا مـوتـاهـم ويـشـيـدوا مـا تـهـدّم مـنـهـا … وعـادت الـحـيـاة إلـيـهـا وكـأنّ شـيـئـاً لـم يـحـدث.

وشـاءت الـصّـدفـة أن يـقـيـم في بـغـداد تـلـك الـسّـنـة مـبـشـر انـكـلـيـزي اسـمـه أنـطـوني نـوريـس غـروفـس Anthony N. Groves ، وأنّ يـكـتـب هـذا الـمـبـشّـر يـومـيـاتـه الّـتي نـشـرت في كـتـاب في لـنـدن في الـعـام الـتّـالي. (1)

ومـن قـراءة هـذه الـيـومـيـات يـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـا حـدث في تـلـك الـسّـنـة الـرّهـيـبـة يـومـاً بـعـد يـوم تـقـريـبـاً. وتـأتي أهـمـيـة هـذه الـيـومـيـات مـن أنّـهـا نـصّ تـاريـخي بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة، أي أنّـهـا شـهـادة شـاهـد عـيـان سـجّـل مـا عـاشـه ومـا رآه ومـا سـمـعـه بـنـفـسـه.

وأنـطـوني غـروفـس هـذا كـان مـبـشـراً بـروتـسـتـانـتـيـاً إنـكـلـيـزيـاً، ولـد سـنـة 1795، ودرس طـبّ الأسـنـان ثـمّ بـدأ بـمـمـارسـتـه، وتـزوّج. وفي عـام 1826 درس الـلاهـوت لـيُـكـرّس كـرجـل ديـن، ودخـل في الـجـمـعـيـة الـتّـبـشـيـريـة. ولـكـنّـه تـرك الـكـنـيـسـة الأنـغـلـيـكـانـيـة وجـمـعـيـتـهـا الـتّـبـشـيـريـة وتـقـرّب مـن جـمـاعـة بـروتـسـتـانـتـيـة.

وفي عـام 1829، سـافـر غـروفـس إلى بـغـداد بـصـحـبـة زوجـتـه وولـداهـمـا وعـدد مـن أصـدقـائـه، وأقـامـوا فـيـهـا. ثـمّ لـحـق بـهـم أصـدقـاء آخـرون في الـعـام الـتّـالي.

وبـدأ وبـاء الـطّـاعـون في بـغـداد في آذار 1831، كـمـا عـانـت الـمـديـنـة مـن فـيـضـان نـهـر دجـلـة مـمـا نـتـج عـنـه مـوت أعـداد كـبـيـرة مـن سـكـانـهـا، وعـانـت مـن الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة.

وقـد مـاتـت زوجـة الـمـبـشـر غـروفـس مـن الـطّـاعـون ثـم مـاتـت طـفـلـتـهـمـا الّـتي كـانـت قـد ولـدت في بـغـداد.

وبـعـد أن تـرك بـغـداد، أكـمـل غـروفـس مـهـمـتـه الـتّـبـشـيـريـة في الـهـنـد مـن عـام 1833 إلى أن أجـبـرتـه حـالـتـه الـصّـحـيـة الـمـتـدهـورة عـلى الـعـودة إلى إنـكـلـتـرة في 1852، وتـوفي فـيـهـا في الـسّـنـة الـتّـالـيـة، 1853.

يـومـيـات أنـطـوني غـروفـس :

تـبـدأ يـومـيـات غـروفـس في 2 نـيـسـان 1930، وتـنـتـهي في 7 تـشـريـن الـثّـاني 1931. وهي تـمـلأ 288 صـفـحـة مـن الـكـتـاب الّـذي يـحـتـوي عـلـيـهـا: “يـومـيـات إقـامـة في بـغـداد خـلال عـامَي 1830 و 1831” :

Groves

وقـد سـجّـل غـروفـس في يـومـيـاتـه خـاصـة مـا يـتـعـلّـق بـمـهـمـتـه الـتـبـشـيـريـة والـمـدرسـة الّـتي فـتـحـتـهـا، وعـلاقـاتـه بـرجـال الـدّيـن الآخـريـن. كـمـا ذكـر الـتّـقـاريـر الّـتي كـتـبـوهـا عـن مـهـمـاتـهـم. ولـكـنّـه ذكـر مـع ذلـك مـا كـان يـحـدث حـولـه مـن أمـور الـمـديـنـة وأهـلـهـا، وهـو الـجـزء الّـذي يـهـمـنـا في هـذا الـعـرض.

وسـأخـتـار لـكـم فـيـمـا يـلي أهـمّ الـمـقـاطـع الّـتي يـمـكـنـهـا أن تـسـاعـدنـا في مـتـابـعـة الأحـداث. وسـأبـدأ بـالـمـقـاطـع الّـتي يـتـكـلّـم فـيـهـا عـن مـدرسـتـه الـتّـبـشـيـريـة وتـلامـيـذه عـام 1830 :

“بـغـداد، 2 نـيـسـان 1830،  بـدأنـا نـعـاني مـن ضـيـق غـرفـة دروسـنـا الّـتي لا تـتـسـع لـكـلّ الأطـفـال. ولـهـذا يـنـبـغي إضـافـة غـرفـة أخـرى. ويـأتي عـنـدنـا الآن ثـمـانـيـة وخـمـسـون صـبـيـاً وتـسـع بـنـات …

12 حـزيـران، أخـبـرني الـمـلّا Moolah الّـذي يـعـلـمـني الـلـغـة الـعـربـيـة والّـذي أعـلـمـه الإنـكـلـيـزيـة أنّـه سـيـبـعـث ابـنـه إلى إنـكـلـتـرة بـعـد عـامـيـن أو ثـلاثـة لـيـكـمـل دراسـتـه لـلإنـكـلـيـزيـة. […] وبـدأت مـعـرفـتي بـالـعـربـيـة تـتـحـسـن لأنّي أسـتـعـمـلـهـا مـع الأولاد الّـذيـن أعـلـمـهـم الإنـكـلـيـزيـة. وهـم يـأتـون لي بـجـمـل عـربـيـة. وحـسـب مـقـدرتي، أشـرح لـهـم مـعـانـيـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة. وعـنـدمـا لا أسـتـطـيـع ذلـك أكـتـبـهـا لأطـلـب مـسـاعـدة الـمـلّا في الـيـوم الـتّـالي. كـمـا أنّي أعـطـيـهـم كـلـمـات عـربـيـة وأطـلـب مـنـهـم تـرجـمـتـهـا إلى الإنـكـلـيـزيـة. وقـد تـوصـلـت إلى إدخـال الـتّـعـابـيـر في ذاكـرتي وتـرسـيـخـهـا فـيـهـا لأجـدهـا بـتـلـقـائـيـة عـنـدمـا أحـتـاج إلـيـهـا. ومـيـزة الـجـمـل الّـتي يـأتي لي بـهـا الأولاد أنّـهـا مـمـا يـسـتـعـمـلـون في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة، وهـذه الـلـغـة الـعـامـيـة شـديـدة الإخـتـلاف عـن الـعـربـيـة الـمـكـتـوبـة”.

ويـكـتـب عـن الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة الّـتي بـدأت تـتـوتـر :

26 حـزيـران، سـمـعـنـا هـذ الـيـوم أنّ سـكـان الـمـديـنـة مـن الـمـحـمّـديـيـن (أي الـمـسـلـمـيـن) يـنـتـقـدون الـسّـلـطـان [الـعـثـمـاني] وبـاشـا بـغـداد لإدخـالـهـمـا الـعـادات الأوربـيـة [في الـمـنـطـقـة]. وهـم يـعـتـقـدون أنّـهـمـا اعـتـنـقـا الـمـسـيـحـيـة. وقـد سـأل أحـدهـم الـسـيـد زفـوبـودا Swoboda عـن صـحـة مـا يـقـال مـن أنّ الـمـسـجـد الـقـديـم الـقـريـب مـن هـنـا سـيـحـول إلى كـنـيـسـة، وهـل أنّ ضـرب الـطّـبـول كـلّ مـسـاء عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة يـعـني أنّ الـبـاشـا اعـتـنـق الـدّيـن الـمـسـيـحي ؟ ويـقـولـون إنّ لـبـس الـزّي الـعـسـكـري الـجـديـد حـرام haram”.

وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ الـسّـيـد زفـوبـودا الّـذي يـذكـره أنـطـوني غـروفـس هـنـا هـو أنـطـون زفـوبـودا Antone Svodoba الّـذي ولـد سـنـة 1796 م. في أوربـا الـشّـرقـيـة الّـتي كـانـت جـزءاً مـن الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ـ الـمـجـريـة، واشـتـغـل بـالـتّـجـارة. وقـد عـمـل في فـيـيـنـا (الـنّـمـسـا)، ثـمّ جـاء مـن فـيـيـنـا عـن طـريـق الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) إلى بـغـداد. (أنـظـر مـقـالي : دفـاتـر عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة). وسـيـذكـره أنـطـوني غـروفـس ثـلاث مـرّات أخـرى في يـومـيـاتـه هـذه.

19 آب،  سـمـعـنـا مـن يـؤكـد بـأنّ جـمـاعـات مـن الأعـراب، بـيـن 20 ألـف و 30 ألـف رجـل وصـلـوا أمـام أبـواب الـمـديـنـة. ولـلـبـاشـا جـيـش ولـكـنّـه عـلى بـعـد 39 كـلـم مـن هـنـا. ولـه كـتـيـبـة أخـرى تـحـت أوامـر ضـابـط إنـكـلـيـزي عـلى بـعـد حـوالي عـشـريـن كـلـم. ويـبـدو أنّ مـطـالـبـات هـؤلاء الـعـرب الـرّئـيـسـيـة خـلـع الـبـاشـا. ولـيـس مـسـتـحـيـلاً أن يـوافـقـهـم الـبـاب الـعـالي عـلى ذلـك […] وقـرر الـبـاشـا أنّ لا يـولي انـتـبـاهـاً لـعـشـائـر الـعـرب. وقـد عـادت كـلّ كـتـائـب جـنـده إلى بـغـداد مـا عـدا الـكـتـيـبـة الّـتي يـقـودهـا مـسـتـر لـيـتـل جـون Littlejohn الّـتي بـقـيـت بـعـيـداً عـنـهـا. وهـنـاك بـوادر خـوف مـلأ قـلـب الـبـاشـا مـن صـراع سـيـقـود إلى خـلـعـه مـن الـولايـة. وهـو مـا يـبـدو مـحـتـمـلاً بـعـد أن غـضـب الـبـاب الـعـالي عـلـيـه عـنـدمـا رفـض مـسـاعـدتـه مـادّيـاً”.

وأتـوقّـف هـنـا لأذكّـر قـرّائي بـالـوضـع الـسّـيـاسي لـبـغـداد في تـلـك الـفـتـرة :

كـان داود بـاشـا آخـر الـمـمـالـيـك الّـذيـن حـكـمـوا بـغـداد. ودامـت فـتـرة حـكـمـه مـن 1817 إلى 1831.

داود باشا 2

ونـحـن نـعـرف مـن الـمـصـادر الـتّـاريـخـيـة أنّ الـبـاشـا عـلي رضـا دخـل بـغـداد في 14 أيـلـول، وأنـهى بـذلـك حـكـم الـمـمـالـيـك الّـذي دام حـوالي 82 عـامـاً. وقـد أمـر عـلي رضـا بـاشـا بـقـتـل كـلّ الـمـمـالـيـك الـجـيـورجـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـحـمـون داود بـاشـا، ولـكـنّـه أرسـل داود بـاشـا إلى إسـطـنـبـول تـنـفـيـذاً لأمـر الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني.

وفي حـديـثـه عـن الـكـولـيـرا الّـتي قـتـلـت أعـداداً كـبـيـرة مـن سـكـان كـركـوك :

“وقـتـلـت في الـبـصـرة قـبـل عـامـيـن 1500 مـن سـكـانـهـا الّـذيـن كـانـت أعـدادهـم 6000، مـمـا تـرك كـثـيـراً مـن الـدّور فـارغـة وكـثـيـراً مـن الـمـراكـب تـطـفـو وحـدهـا عـلى سـطـح الـنّـهـر مـن هـنـا إلى هـنـاك بـعـد أن فـقـدت مـالـكـيـهـا. وعـنـدمـا يـمـوت أحـد في الـدار يـتـركـه الآخـرون ويـغـلـقـون عـلـيـه الـبـاب ويـهـربـون.

24 أيـلـول، سـمـعـنـا أن ضـحـايـا وبـاء الـكـولـيـرا وصـلـوا في كـركـوك إلى مـائـة شـخـص في الـيـوم. ولـكـنّ الـوبـاء تـوقّـف الآن.

وفي يـومـيـات 1831 كـتـب أنـطـوني غـروفـس :

20 آذار 1831،  إسـتـدعى الـبـاشـا عـشـيـرتـيـن مـن الـعـرب لـتـسـانـداه في صـراعـه الـمـقـبـل [مـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني] وأسـكـنـهـمـا في بـغـداد في الـضّـفـة الـمـقـابـلـة مـن دجـلـة. ولـعـداوة بـيـنـهـمـا، بـدأتـا تـتـقـاتـلان في الـلـيـلـة الـمـاضـيـة، واسـتـمّـرتـا في الـقـتـال حـتّى هـذا الـصّـبـاح. وقـد طـردت واحـدة مـنـهـمـا مـن بـغـداد.

28 آذار، أعـتـقـد أنّ وبـاء الـطّـاعـون وصـل ولا شـكّ إلى بـغـداد. واسـتـعـدّ الـمـاجـور تـايـلـور وكـلّ الـعـامـلـيـن في الـمـقـيـمـيـة الـبـريـطـانـيـة لـتـرك الـمـديـنـة والإلـتـجـاء إلى كـردسـتـان. وقـد اقـتـرحـوا عـلـيـنـا أن نـصـاحـبـهـم.

29 آذار، زار الـدّكـتـور Beagrie ومـسـتـر مـونـتـفـيـوري Montefiore  أمـس عـدداً مـن الـمـرضى. وهـمـا يـعـتـقـدان أنّـهـم أصـيـبـوا بـالـطّـاعـون وإن لـم يـكـونـا مـتـأكّـديـن مـن ذلـك تـمـامـاً. وقـد تـأكّـدا مـن ذلـك هـذا الـيـوم. وصـاحـبـتُ مـسـتـر مـونـتـفـيـوري في زيـاراتـه، ووجـدنـا أنّ عـدد الـمـصـابـيـن بـالـطّـاعـون وصـل الآن إلى عـشـريـن، وتـتـزايـد أعـدادهـم سـاعـة بـعـد سـاعـة.

1 نـيـسـان، مـا زالـت أعـداد الـمـصـابـيـن بـالـطّـاعـون تـتـزايـد وإن خـفّـت سـرعـتـهـا. وكـلّ الّـذيـن مـاتـوا مـن الـطّـاعـون حـتّى الآن هـم مـن الـمـسـلـمـيـن والـيـهـود. وقـد ذهـبـت أعـداد مـن الـيـهـود إلى الـبـصـرة هـربـاً مـن الـوبـاء. والأكـراد الّـذيـن جـلـبـوا الـطّـاعـون مـعـهـم مـن كـردسـتـان، هـربـوا أيـضـاً مـن الـمـديـنـة. وتـتـجـه قـافـلـة مـن الـمـسـيـحـيـيـن نـحـو الـمـوصـل الّـتي كـانـوا قـد هـربـوا مـنـهـا قـبـل ثـلاث أو أربـع سـنـوات خـوفـاً مـن الـطّـاعـون.

3 نـيـسـان، غـادرت مـجـمـوعـات كـبـيـرة مـن الـيـهـود بـغـداد هـذا الـصّـبـاح هـربـاً مـن الـطّـاعـون، كـمـا غـادرهـا الـمـسـيـحـيـون مـسـرعـيـن في كـلّ الإتـجـاهـات.

4 نـيـسان، يـبـدو أن أعـداد مـوتى الـطّـاعـون لـم تـرتـفـع في الـيـومـيـن أو الـثّـلاثـة الأخـيـرة، ربّـمـا لا أكـثـر مـن 150 في الـيـوم الـواحـد.

7 نـيـسـان، سـمـعـنـا أنّ الأعـداء سـيـصـلـون إلى بـغـداد خـلال ثـلاثـة أيّـام، وأنّ الـبـاشـا سـيـغـادرهـا مـع “حـريـمـه”.  ولا نـدري هـل لـيـواجـه أعـداءه أم لـيـهـرب مـنـهــم. والأرجـح، الّـذي يـوافـق طـبـعـه، أنّـه سـيـهـرب مـنـهـم، ولـكـن إلى أيـن ؟ فـإن أخـذ مـعـه أمـوالـه فـسـيـتـبـعـه مـن سـيـنـهـبـونـه، وإذا تـركـهـا فـلـن يـسـتـطـيـع أم يـذهـب بـعـيـداً لأنّـه سـيـفـقـد قـوّتـه مـن غـيـر مـال وسـيـنـقـلـب عـلـيـه الـمـقـرّبـون مـنـه.

9 نـيـسـان، سـاد هـدوء مـطـلـق عـلى بـغـداد، كـالـهـدوء الّـذي يـسـبـق الـعـاصـفـة. وبـدأ جـيـرانـنـا يـعـدّون دفـاعـهـم ويـؤجّـرون رجـالاً مـسـلـحـيـن لـحـراسـة دورهـم. ولـم يـغـادر الـبـاشـا الـمـديـنـة كـمـا كـان يـنـوي فـعـلـه أمـس. وسـمـعـنـا أن خـبـر تـفـشي وبـاء الـطّـاعـون أوقـف تـقـدّم أعـداء الـبـاشـا. وقـد تـحـصّـن الـبـاشـا في الـقـلـعـة في انـتـظـار أن يـصـلـه أمـر مـن الاسـتـانـة، ولـكـنّ كـلّ الّـذيـن حـولـه ضـدّه ولا يـودّون إلّا مـجئ أعـدائـه.

10 نـيسـان، يـتـفـق الـجـمـيـع عـلى أن أعـداد ضـحـايـا الـطّـاعـون في جـانـب الـرّصـافـة خـلال الأسـبـوعـيـن الأخـيـريـن وصـلـت إلى حـوالي 7000. ولا يـعـرف الـنّـاس الـمـسـاكـيـن مـاذا يـنـبـغي أن يـفـعـلـوا : فـإذا ظـلّـوا في الـمـديـنـة مـاتـوا مـن الـطّـاعـون وإذا خـرجـوا نـهـبـهـم الأعـراب، وإن أفـلـتـوا مـنـهـم فـسـيـعـانـون أيـضـاً مـن أضـرار فـيـضـان دجـلـة الّـذي أغـرق الآن كـلّ الأراضي الـمـحـيـطـة بـبـغـداد. ويـقـال إنّ الـفـيـضـان خـرب حـتّى الآن ألـفي مـسـكـن في جـانـب الـكـرخ.

12 نـيـسـان، بـلـغـت أعـداد مـوتى الـطّـاعـون مـبـلـغـاً رهـيـبـاً، فـقـد وصـلـت أعـدادهـم أولّ أمـس إلى 1200.

13 نـيـسـان، دخـل وبـاء الـطّـاعـون عـنـد جـيـرانـنـا الّـذيـن أخـرجـوا مـن مـنـازلـهـم مـا يـقـارب الـثّـلاثـيـن جـثّـة. وبـدأوا يـتـصـرفـون تـصـرفـاً غـريـبـاً، فـبـدلاً مـن أن يـعـزلـوا أنـفـسـهـم بـعـضـهـم عـن بـعـض لـتـحـاشي الـوبـاء فـقـد بـدأوا يـتـجـمـعـون ويـلـتـصـقـون الـواحـد بـالآخـر بـأكـثـر مـا يـسـتـطـيـعـون.

15 نـيـسـان، أعـداد مـوتى الـطّـاعـون مـا زالـت مـريـعـة : 1800. ومـمـا يـزيـد الأخـطـار أنّ الـجـثـث تـركـت في داخـل الـمـنـازل، فـقـد هـرب الـنّـاس وتـركـوا مـوتـاهـم مـن غـيـر أن يـدفـنـوهـم. وقـد ألـحّ بـعـض الـشّـبـاب في أحـد أحـيـاء بـغـداد عـلى دفـن مـوتـاهـم وتـوصّـلـوا إلى ذلـك مـمـا دفـع آخـريـن في أحـيـاء أخـرى إلى بـذل نـفـس الـجـهـود، وتـوصّـل الـجـمـيـع إلى دفـن كـلّ الـمـوتى في لـيـلـة أمـس.

16 نـيـسـان، إرتـفـعـت أعـداد الـمـوتى أمـس ووصـلـت حـدّاً لـم تـبـلـغـه مـن قـبـل […] سـكـان بـغـداد لا يـمـكـن أن يـتـجـاوزوا 80 ألـفـاً، وقـد هـرب نـصـفـهـم مـن الـمـديـنـة. ولـهـذا فـإنّ مـوت ألـفي شـخـص في الـيـوم لـن يـبـقي كـثـيـراً مـنـهـم خـلال فـتـرة قـصـيـرة.

19 نـيـسـان، مـا زال الـنّـاس يـمـوتـون بـأعـداد كـبـيـرة كـلّ يـوم. وبـيـن جـنـود الـبـاشـا، مـات في بـعـض الـكـتـائـب الّـتي تـضـمّ 700 جـنـدي أكـثـر مـن 500.

20 نـيـسـان، مـازالـت الـحـالـة بـنـفـس الـسّـوء، ومـا زال مـسـتـوى مـيـاه دجـلـة يـرتـفـع. وإذا مـا اسـتـمـر في الإرتـفـاع فـسـتـغـرق الـمـيـاه هـذ الـجـانـب مـن الـمـديـنـة كـمـا أغـرقـت الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـنّـهـر، وسـيـضـيـف هـذا بـؤسـاً عـلى بـؤس الـنّـاس الـمـسـاكـيـن.

22 نـيـسـان، تـوصـلـت إلى الـخـروج مـن الـمـقـيـمـيـة هـذ الـيـوم مـحـاولاً إنـقـاذ بـعـض الأشـيـاء الّـتي اكـتـسـحـتـهـا الـمـيـاه والّـتي مـلأت كـلّ الـسّـراديـب. وقـد هـالـني مـنـظـر الـمـديـنـة الـمـرعـب، وصـعـوبـة الـحـصـول عـلى الـنّـجـدة مـن أي نـوع كـان وبـمـقـابـل أي ثـمـن.

24 نـيـسـان، مـا زال وبـاء الـطّـاعـون يـهـاجـمـنـا بـعـنـف شـديـد، وقـتـل خـادمَي جـارنـا. […] وقـد حـفـرت قـبـور جـوار دارنـا. ولـم يـعـد في الـمـديـنـة قـمـاش قـطـن، والـنّـاس يـطـوفـون في أرجـائـهـا بـحـثّـاً عـن بـعـض أذرعـة مـنـه لـيـكـفّـنـوا بـهـا مـوتـاهـم. ولا نـسـتـطـيـع الـحـصـول عـلى الـمـاء بـأي ثـمـن، وعـلى كـلّ حـال لـم نـعـد نـرى بـاعـة الـمـاء. وقـد مـات خـلال هـذا الـشّـهـر أكـثـر مـن 30 ألـف  شـخـص.

25 نـيـسـان، أجـبـرت الـيـوم عـلى الـخـروج مـن الـمـقـيـمـيـة بـعـد أن أسـقـطـت مـيـاه الـفـيـضـان جـداراً مـنـهـا، ولـم أجـد إلّا مـشـاهـد مـوت وخـراب. ولـم أرَ احـداً في الـدّروب مـاعـدا مـن يـحـمـل جـثّـة لـيـدفـنـهـا أو مـن أصـيـب هـو نـفـسـه بـالـطّـاعـون. وأمـام أعـداد مـن الأبـواب ألـقـيـت أكـوام ثـيـاب نـزعـت عـن الـمـوتى. ولـم يـعـد مـكـان حـول الـجـامـع يـدفـن فـيـه الـمـوتى فـحـفـرت الـقـبـور في كـلّ مـكـان مـن الـدّروب، وفي الإصـطـبـلات الّـتي خـلـت مـن خـيـولـهـا الـمـقـتـولـة.

وارتـفـع مـسـتـوى الـمـيـاه، وسـتـفـيـض عـمّـا قـريـب لـتـغـرق الـمـديـنـة. وقـد بـعـث الـبـاشـا مـن يـطـلـب مـن الـمـاجـور أن يـربـط مـركـبـه قـرب الـسّـراي [لـيـخـرجـه مـن الـمـديـنـة] إذا مـا فـاضـت مـيـاه دجـلـة.

مـات أمـس بـائـع قـمـاش قـطـن الأكـفـان الّـذي يـسـكـن عـلى بـعـد بـابـيـن مـن دارنـا. وكـان قـد رفـع أسـعـار الـواحـد مـنـهـا مـن 45 قـرشـاً إلى 95 قـرشـاً. وازدادت أسـعـار الـصّـابـون أربـعـة أضـعـاف. واسـتـطـعـت مـلأ كـلّ جـرار دارنـا بـمـاء اشـتـريـتـه عـشـريـن مـرّة أكـثـر مـن سـعـره.

26 نـيـسـان، لـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى تـعـداد الـمـوتى مـنـذ عـدّة أيّـام، ولـكـنّ الـشّـاويـش الّـذي يـعـمـل عـنـد الـمـاجـور ذهـب لـيـزور الـبـاشـا هـذ الـصّـبـاح. وكـان الـبـاشـا في حـالـة ذعـر شـديـد، يـريـد أن يـتـرك الـمـديـنـة ولـكـن لا يـعـرف كـيـف. وقـد ذكـر لـه الـضّـابـط الـمـسـؤول عـن تـعـداد الـمـوتى أنّ أعـدداهـم بـلـغـت 5000 في الـيـوم الـواحـد، لـكـنّـهـا انـخـفـضـت أمـس إلى 3000 وانـخـفـضـت أيـضـاً هـذا الـيـوم. ولـكـن يـبـدو لي أن ذلـك لا يـعـقـل ولا يـصـدق. وقـد عـاقـت الـمـيـاه الّـتي فـاضـت الـنّـاس عـن الـهـروب. ونـرى أطـفـالاً تـركـوا وحـدهـم بـلا مـعـيـل يـسـوعـون في الـدّروب والـطّـرقـات.

وقـد قـتـل الـطّـاعـون نـصـف جـنـود الـبـاشـا وعـدداً كـبـيـراً مـن عـبـيـده الـجـيـورجـيـيـن الّـذيـن هـم في نـفـس الـوقـت مـن مـقـرّبـيـه الـمـخـلـصـيـن.

27 نـيـسـان، أنـسـانـا الـفـيـضـان هـذا الـيـوم وبـاء الـطّـاعـون، فـقـد انـهـار جـزء مـن سـور شـمـال شـرق الـمـديـنـة في الـلـيـلـة الـمـاضـيـة ودخـلـت مـنـه سـيـول الـمـيـاه إلى الأحـيـاء الـسّـكـنـيـة. وقـد غـرقـت مـحـلّـة الـيـهـود وتـسـاقـطـت 200  دار مـنـهـا. كـمـا انـهـار جـزء مـن سـور الـقـلـعـة.

28 نـيـسـان، جـرف الـفـيـضـان 7000  دار مـن طـرف الـمـديـنـة إلى طـرفـهـا الآخـر، ودفـن الـمـرضى والـمـحـتـضـريـن والـمـوتى والأصـحـاء في نـفـس الـقـبـر الـواسـع الـفـوهـة. ومـن اسـتـطـاعـوا الـخـلاص هـربـوا مـن دورهـم الـمـنـهـارة حـامـلـيـن مـا اسـتـطـاعـوا أخـذه والـتـجـأوا في دور هـرب أهـلـهـا مـن الـطّـاعـون الّـذي كـان قـد حـلّ فـيـهـا.

ورأيـت هـذا الـيـوم أعـدداً مـن الـمـوتى في الـطّـرقـات لـم أرَ مـثـلـهـا مـن قـبـل، وازدادت أعـداد الـجـثـث الّـتي لـم تـدفـن. وتـسـاقـط سـراي الـبـاشـا أكـوامـاً مـن الـخـرائـب. ورغـم تـلـهـفـه عـلى تـرك الـمـديـنـة فـهـو لا يـجـد مـن يـقـود لـه مـركـبـه، فـلـم يـعـد أحـد يـخـشـاه ولـن يـفـعـل لـه أحـد ذلـك مـحـبـة بـه !

29 نـيـسـان، هـرب الـبـاشـا مـن الـمـديـنـة بـصـحـبـة سـائـس خـيـلـه وأفـراد عـائـلـتـه الـمـقـربـيـن. وبـقـيـت خـرائـب قـصـره مـفـتـوحـة الأبـواب مـن غـيـر أن يـدخـلـه أحـد لـيـأخـذ مـنـه شـيـئـاً. ومـا زال وبـاء الـطّـاعـون يُـسـقـط ضـحـايـاه في كـلّ مـكـان. وقـد انـخـفـض مـسـتـوى الـمـاء قـلـيـلاً، ولـكـن يـبـدو الآن أنّ الأعـراب الـمـحـيـطـيـن بـالـمـديـنـة سـيـهـاجـمـونـهـا حـالـمـا سـيـنـخـفـض مـسـتـوى الـمـيـاه تـمـامـاً لـيـسـلـبـوا مـا بـقي فـيـهـا ويـنـهـبـوه.

30 نـيـسـان، ظـهـر أنّ كـلّ مـا سـمـعـنـاه عـن هـرب الـبـاشـا مـن الـمـديـنـة لا صـحـة لـه. وقـد حـاول لـمـدّة عـدّة أيّـام أن يـهـرب وربـط عـدّة مـراكـب قـرب الـسّـراي، وقـد أغـرق الـفـيـضـان قـصـره وهـربـت خـيـولـه مـن الإصـطـبـلات، ولـكـنّـه عـنـدمـا رأى مـدى مـعـانـاة الـنّـاس أمـر بـفـتـح أحـد مـخـازن حـبـوبـه لـهـم. وقـد انـخـفـضـت الـمـيـاه هـذا الـيـوم بـأكـثـر مـن ذراع، ونـعـتـقـد أن الـخـطـر الّـذي كـان يـهـددنـا قـد انـتـهى.

4 أيّـار، كـان الـجـو في الـيـومـيـن أو الـثـلاثـة الأخـيـرة لـطـيـفـاً، وأشـرقـت الـشّـمـس وارتـفـعـت الـحـرارة. وقـلّـت أعـداد الـمـصـابـيـن بـالـطّـاعـون. وقـد مـرّ ثـلاثـة أو أربـعـة مـن بـاعـة الـمـاء بـعـد انـقـطـاع دام عـشـرة أيّـام، وبـدأنـا نـرى الـنّـاس يـخـرجـون قـلـيـلاً إلى الـشّـوارع.

5 أيّـار،  يـبـدو لي مـن خـلال الـمـعـلـومـات الّـتي حـصـلـت عـلـيـهـا أنّ الـوبـاء قـتـل ثـلـثي سـكّـان الـمـديـنـة. وأصـبـحـت الـمـديـنـة في حـالـة يـرثى لـهـا، ولـم يـبـقَ حـول الـبـاشـا إلّا أربـعـة مـن عـبـيـده الـجـيـورجـيـيـن الّـذيـن كـانـوا أكـثـر مـن مـائـة. وقـد سـمـعـت هـذه الـلـيـلـة ولأوّل مـرّة مـنـذ ثـلاثـة أسـابـيـع صـوت الـمـؤذن يـدعـو لـلـصّـلاة.

6 أيّـار،  إنـخـفـض مـسـتـوى الـمـيـاه كـثـيـراً هـذا الـيـوم، كـمـا رأيـت رجـلاً يـحـمـل قـطـعـة لـحـم طـازج.

7 أيّـار،  إزدادت أعـداد الـلـصـوص في كـلّ مـكـان، وبـلـغـتـنـا أخـبـار مـن الـمـوصـل بـأن بـاشـا جـديـد وصـلـهـا، وهـو يـنـتـظـر أن يـنـتـهي وبـاء الـطّـاعـون لـيـسـتـمـر في تـقـدّمـه نـحـو بـغـداد. وانــخـفـض مـسـتـوى الـمـيـاه بـسـرعـة، وبـدأ الـرّز يـأتـيـنـا مـن الـضّـفـة الـمـقـابـلـة.

15 و16 أيّـار،   يـبـدو أن حـالات الإصـابـة بـالـطّـاعـون بـدأت تـقـلّ، واسـتـمـر مـسـتـوى الـمـيـاه بـالإنـخـفـاض.

20 أيّـار،  مـنـذ أمـس أو أوّل أمـس، لاحـظـت أنّ تـرابـاً بـدأ يـتـسـاقـط مـن شـقّ في جـدار غـرفـتـنـا. ولأنّ الـسّـراديـب مـا زالـت غـارقـة في الـمـيـاه فـقـد قـررت أن نـخـرج كـلّ حـوائـجـنـا مـن هـذه الـغـرفـة، فـفـيـهـا كـلّ مـا نـمـلـك مـن مـلابـس وأمـتـعـة. ومـا كـدنـا نـنـتـهي مـن إفـراغـهـا حـتّى تـسـاقـطـت جـدرانـهـا كـومـة ركـام.

21 أيّـار،  حـاول لـصـوص لـيـلـة أمـس ولـثـلاث مـرّات أن يـكـسـروا أقـفـال بـابـنـا الـخـارجي ولـم يـفـلـحـوا. تـعـجّ كـلّ أرجـاء الـمـديـنـة بـهـم الآن. وصـل بـاشـا الـمـوصـل إلى بـغـداد هـذا الـيـوم.

31 أيّـار،  لا أدري هـل سـتـحـلّ مـشـكـلـة مـن سـيـكـون بـاشـا لـبـغـداد أم لا، ولـكـنّ يـبـدو أن الـبـاشـا الـحـالي سـيـبـقى في مـكـانـه، ولا يـبـدو أنّ بـاشـا حـلـب يـرغـب بـالـمـجئ إلى هـذه الـمـديـنـة الّـتي خـربـت لـيـحـل مـحـلـه. ثـمّ أنّ الـبـاشـا الـحـالي أرسـل [إلى إسـطـنـبـول] بـمـبـلـغ كـبـيـر مـن الـمـال سـيـقـبـلـه [الـسّـلـطـان] ولا شـكّ.

5 حـزيـران،  إنـتـشـرت شـائـعـات بـأنّ بـاشـا حـلـب سـيـصـل خـلال الأيّـام الـقـادمـة.

9 حـزيـران،  أخـبـرني تـاجـر ألـمـاني، الـسّـيـد زفـوبـودا Mr. Swoboda، أنّ أكـثـر مـن 15000 شـخـص مـاتـوا، بـعـضـهـم أصـيـبـوا بـالـطّـاعـون وبـعـضـهـم الآخـر بـسـقـوط  دورهـم عـلـيـهـم في الـلـيـلـة الّـتي فـاض فـيـهـا نـهـر دجـلـة وأغـرق الـمـديـنـة. وأخـبـرني الـسّـيـد زفـوبـودا انّـه لـن يـأمـل بـفـتـخ خـانـه his khan مـن جـديـد قـبـل اثـني عـشـر شـهـراً. وسـبـب ذلـك لا يـعـود فـقـط إلى وبـاء الـطّـاعـون ولـكـنّ لأنّ تـجّـار الـمـديـنـة الأغـنـيـاء، وخـاصـة الـيـهـود كـانـوا قـد تـركـوهـا، وكـذلـك خـوفـاً مـن مـجئ عـلي بـاشـا مـن حـلـب.

10 حـزيـران،  ضـربـت الـمـدافـع في الـقـلـعـة في الـلـيـلـة الـمـاضـيـة مـعـلـنـة أخـبـاراً سـارّة، فـقـد وصـل رسـول مـن الـسّـلـطـان يـخـبـره بـثـبـيـتـه لـه في بـاشـالـيـق بـغـداد. [ولـكـنّـهـا كـانـت أخـبـاراً كـاذبـة الـهـدف مـنـهـا خـداع أهـل الـمـديـنـة].

11 حـزيـران،  بـدلاً مـن الـفـرمـان الّـذي يـثـبّـت داود بـاشـا في مـنـصـبـه سـمـعـنـا الـيـوم أصـوات مـدفـع الـبـاشـا الـجـديـد. وبـعـد أن صـعـدنـا إلى الـسّـطـح في الـمـسـاء لـنـتـمـشّى قـلـيـلاً، سـمـعـنـا الـمـدفـع ورأيـنـا نـيـران الـبـنـادق، فـعـرفـنـا أن الـصّـراع [حـول الـسّـلـطـة] بـدأ في الـمـديـنـة. وفي حـوالي الـثّـامـنـة مـسـاءً سـمـعـنـا جـمـوعـاً غـفـيـرة تـتـصـايـح أمـام الـسّـراي. وسـرعـان مـا وصـلـتـنـا أنـبـاء دخـولـهـم في الـسّـراي وقـبـضـهـم عـلى الـبـاشـا. وبـعـد ذلـك سـاد الـهـدوء مـا عـدا أصـوات طـلـقـات بـنـادق حـرّاس الـمـنـازل يـطـاردون الـلـصـوص.

12 حـزيـران،  مـرّ الـبـاشـا الـمـخـلـوع أمـام دارنـا مـحـاطـاً بـجـنـود قـادوه إلى دار صـالـح بـك، الـرّجـل الـوحـيـد الّـذي مـا زال حـيّـاً مـن الأسـرة الـحـاكـمـة قـبـلـه والّـتي كـان قـد أطـاح بـهـا.

نـهـبـت دار فـرنـسي كـان يـدرّب جـنـود الـبـاشـا عـلى الـمـنـاهـج الـعـسـكـريـة الأوربـيـة، وكـاد أن يـقـتـل لـولا أنّـه أعـلـن إسـلامـه. وكـان يـتـبـع قـبـل أن يـسـلـم الـمـذهـب الـرّومـاني الـكـاثـولـيـكي.

ودخـل بـاشـا الـمـوصـل بـصـحـبـة شـيـخ أعـراب في الـمـديـنـة. وهـمـا الآن في الـسّـراي. والـحـقـيـقـة أنّ وبـاء الـطّـاعـون مـحـق كـلّ إمـكـانـيـات الـمـقـاومـة، فـقـد مـات كـلّ جـنـود داود بـاشـا وكـلّ أتـبـاعـه، وحـتّى هـو، رغـم أنّـه شـفى تـقـريـبـاً مـن إصـابـتـه بـالـطّـاعـون، مـا زال في حـالـة ضـعـف لا يـقـوى فـيـهـا عـلى شـئ. وعـنـدمـا مـرّ أمـام دارنـا هـذا الـصّـبـاح كـان سـتّـة رجـال يـسـنـدونـه لـكي لا يـسـقـط عـن جـواده. ولـم يـقـتـلـوه بـعـد. وقـد طـلـب أن يـأتـوا لـه بـابـنـه لـيـراه فـبـعـثـوا مـن يـأتي بـه حـالاً.

14 حـزيـران،  الـرّجـال الّـذيـن وصـلـوا إلى الـحـكـم بـدأوا يـتـشـاجـرون الآن بـيـنـهـم، بـعـضـهـم يـريـدون قـتـل داود بـاشـا وبـعـضـهـم يـريـدون أن يـطـلـقـوا سـراحـه، وبـدأ مـنـاصـروهـم يـتـقـاتـلـون في كـلّ الإتـجـاهـات.

وقـد رمي بـاشـا الـمـوصـل في الـحـبـس، وأشـعـلـت الـنّـار في جـزء مـن الـسّـراي الّـذي نـهـب. وقـتـل مـن جـنـود بـاشـا الـمـوصـل مـن قـتـل وهـرب الـبـاقـون. وكـان بـاشـا الـمـوصـل قـد جـاء إلى بـغـداد لـيـعـدّ وصـول عـلي، بـاشـا حـلـب الّـذي يـقـال إنّ الـسّـلـطـان عـيـنـه خـلـفـاً لـداود بـاشـا. وقـد أعـلـن في طـرقـات بـغـداد أنّ داود يـبـقى بـاشـا بـغـداد، ويـحـكـم صـالـح بـك بـدلاً عـنـه كـقـائـمـقـام kaimacam إلى أن يـتـشـافى ويـتـعـافى.

15 حـزيـران،  وصـلـتـنـا أخـبـار بـأنّ بـاشـا الـمـوصـل قـتـل لـيـلـة أمـس”.

ولـم يـكـتـب غـروفـس شـيـئـاً حـتّى يـوم 26 حـزيـران :

26 حـزيـران،  يـبـدو الآن أنّ داود بـاشـا تـنـازل عـن مـنـصـبـه لـصـالـح بـك، لا نـدري هـل بـرغـبـة أم بـرهـبـة. واسـتـولى صـالـح بـك عـلى الـخـزيـنـة وعـلى كـلّ مـا في الـسّـراي. ومـع ذلـك فـهـو يـذهـب كـلّ يـوم إلى داود بـاشـا الـعـجـوز لـيـطـلـب مـنـه رأيـه ونـصـائـحـه.

الـخـمـيـس 28 حـزيـران،  يـبـدو أنّ في هـذا الـبـلـد مـا يـكـفي مـن الـقـوّة لـيـخـرّب نـفـسـه بـنـفـسـه.

1 تـمّـوز،  تـقـدّم جـنـود بـاشـا الـمـوصـل الـمـقـتـول نـحـو أبـواب الـمـديـنـة ولـكـنّـهـم ردّوا عـنـهـا وقـتـل بـعـضـهـم. وازدادت أسـعـار كـلّ الـمـواد الـغـذائـيـة الـضّـروريـة مـن ضـعـف مـا كـانـت عـلـيـه إلى عـشـرة أضـعـافـه، فـقـد أفـسـد الـفـيـضـان الـغـلال، وقـتـل الـطّـاعـون مـن يـمـكـنـهـم أن يـحـصـدوا مـا تـبـقى مـنـهـا، وخـرّبـت الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة مـا خـرّبـت.

الـثّـلاثـاء 5 تـمّـوز،  مـا زالـت الـمـديـنـة في حـالـة فـوضى. وجـاءني بـعـض الـسّـلابـيـن الـنّـهـابـيـن “الـنّـامـوسـزيـة” إلى الـدّار وطـلـبـوا عـرقـاً arrack، ثـمّ خـرجـوا بـعـد أن تـوعـدوني بـقـطـع رأسي. ولـكـن ذلـك لـم يـكـن إلّا “نـفـخـاً”. واعـتـقـدوا أنّي مـن نـوع الـدّراويـش dervishs  لأنّي لا أشـرب الـعـرق، ولا أمـلـك أسـلـحـة ولـيـس في داري حـرس .

9 تـمّـوز،  تـحـرّك الـمـقـاتـلـون الّـذيـن في خـارج الـمـديـنـة نـحـونـا هـذا الـيـوم، ونـسـمـع الآن ضـربـات الـمـدفـع الـمـسـتـمـرّة. وأُخـبـرنـا أنّـهـم عـلى مـسـيـرة نـصـف سـاعـة مـن الـمـديـنـة.

الأحـد 10 تـمّـوز،  لـم نـسـمـع طـيـلـة الـلـيـل إلّا الـطّـلـقـات الـنّـاريـة وإلّا قـرع الـطّـبـول وصـيـاح الـنّـاس. ووصـل بـاشـا حـلـب إلى حـوالي مـسـيـرة سـاعـة مـن الـمـديـنـة. ويـبـدو أنّـه لا يـنـوي مـهـاجـمـتـهـا وإنّـمـا لـيـسـيـطـر عـلى مـن أخـذوا الـحـكـم هـنـا ويـخـضـعـهـم لـسـلـطـتـه.

14 تـمّـوز،  لـم نـسـمـع مـنـذ الـثّـامـن [مـن هـذا الـشّـهـر] إلّا طـلـقـات الـبـنـادق الآتـيـة مـن الـقـلـعـة وضـوضـاء الـعـسـكـر في الـلـيـل.

18 تـمّـوز،  صـارت أصـوات الـمـدفـع والـطـلـقـات في هـذه الأيّـام الـثـلاثـة تـشـبـه ضـوضـاء حـرب. وبـدأت الـحـرارة تـشـتـدّ، وسـردابـنـا الّـذي كـان مـلـجـأنـا في الـصّـيـف الـمـاضي مـا زال مـلـيـئـاً بـالـمـاء بـارتـفـاع ثـلاثـة أقـدام. وإذا أضـفـنـا إلى ذلـك أسـراب الـبـعـوض الّـتي نـتـجـت عـن فـيـضـان الـنّـهـر والـمـيـاه الـرّاكـدة الّـتي تـركـهـا حـولـه يـمـكـن أن نـدرك لـمـاذا يـسـتـحـيـل تـقـريـبـاً عـلى الإنـسـان أن يـنـام.

22 تـمّـوز،  مـن الأفـضـل أن نـتـكـلّـم عـربـيـة مـنـحـطّـة يـفـهـمـهـا الـجـمـيـع مـن أن نـتـكـلّـم عـربـيـة فـصـحى لا يـفـهـمـهـا إلّا الـمـلالي Mollahs. فـإن لـم يـتـكـلّـم الـمـرء عـامـيـة تـخـتـلـط فـيـهـا الـكـلـمـات الـتّـركـيـة بـالـفـارسـيـة وبـالـعـربـيـة فـلـن يـفـهـمـه أحـد، ومـع ذلـك تـطـغي فـيـهـا الـكـلـمـات الـعـربـيـة عـلى كـلـمـات الـلـغـتـيـن الأخـريـتـيـن.

23 تـمّـوز،  أرسـل لي الـبـاشـا سـمـكـة، مـع تـحـيـاتـه وطـلـب بـأن أطـبـخـهـا وأبـعـثـهـا لـه : وهـو بـهـذه الـطّـريـقـة يـجـمـع مـا يـوضـع عـلى مـائـدتـه، فـمـن يـطـبـخ لـه صـحـن رز ومـن يـبـعـث لـه بـصـحـن كـبـاب  kebaub وآخـر يـرسـل لـه بـالـخـبـز، لأنّـه لـم يـعـد لـه خـدم يـقـومـون بـذلـك. وهـذه هي الـمـرّة الأولى الّـتي أكـرمـني فـيـهـا بـهـذا الـطّـلـب. وعـنـدمـا بـعـثـت لـه بـالـسّـمـكـة مـطـبـوخـة أرسـل لي يـطـلـب بـعـض الـخـسـتـاوي kustawee  لـيـأكـلـه مـع الـسّـمـك.

28 تـمّـوز،  لـم تـصـبـنـا ضـربـات مـدفـع الـمـحـاصـريـن ولا نـيـرانـهـم بـضـرر حـتّى الآن. وقـد مـرّت قـذيـفـتـا مـدفـع فـوق رؤوسـنـا، سـقـطـت إحـداهـمـا عـلى سـقـف دار عـائـلـة عـرب في نـفـس دربـنـا، وكـان أفـرادهـا نـيـامـاً، وعـنـدمـا انـفـجـرت قـتـلـت مـنـهـم ثـلاثـة. كـمـا مـرّت فـوق رؤوسـنـا طـلـقـات بـنـادق كـثـيـرة، أزّت إحـداهـا قـريـبـاً مـني لـتـضـرب الـحـائـط، وأحـنـيـت رأسي لـتـمـرّ أخـرى فـوقـه. وتـركـنـا الـسّـطـح هـربـاً مـن الأخـطـار وحـاولـنـا أن نـنـام في الـغـرف الّـتي كـدنـا أن نـخـتـنـق فـيـهـا مـن الـحـرّ.

بـدأت الـمـجـاعـة تـفـتـك بـفـقـراء الـمـديـنـة فـقـد ارتـفـعـت أسـعـار كـلّ مـا هـو ضـروري لـلـمـعـيـشـة مـن أربـعـة إلى سـتّـة أضـعـاف، هـذا إذا مـا أمـكـن الـحـصـول عـلـيـهـا، فـلـم يـعـد هـنـاك بـيـع ولا شـراء وأغـلـقـت كـلّ الـدكـاكـيـن أبـوابـهـا. وهـنـاك نـاس تُـقـتـل في الـشّـوارع ولا أحـد يـوقـف أحـداً.

31 تـمّـوز،  إسـتـمـرّ الـقـتـال أمـس مـن الـفـجـر إلى بـعـد الـظّـهـر، ولـكـنّ أحـداً لـم يـسـتـطـع الـدّخـول في الـمـديـنـة.

2 آب،  وصـلـتـنـا أخـبـار مـن الـحـجـاج في مـكّـة والـمـديـنـة تـؤكّـد عـلى أنّ أعـداد ضـحـايـا الـطّـاعـون والـكـولـيـرا لا تـعـدّ ولا تـحـصى. وكـثـيـر مـن الأسـر الّـتي هـربـت مـن الإضـطـرابـات هـنـا وفـضـلـت الـذّهـاب لـلـحـج وجـدت الـمـوت أمـامـهـا.

3 آب،  بـيـنـمـا كـنـت مـسـتـلـقـيـاً عـلى سـريـري عـلى الـسّـطـح لـيـلـة أمـس، مـرّت فـوق رأسي خـمـس طـلـقـات نـاريـة، فـألـقـيـت نـفـسي عـلى الأرض خـشـيـة أن تـصـيـبـني الـسّـادسـة.

9 آب،  حـدثـت مـنـاوشـات بـيـن الـجـنـود وبـيـن سـكـان الـمـديـنـة، واسـتـمـر إطـلاق الـنّـيـران مـدّة طـويـلـة لا بـد أن يـكـون قـد سـقـط مـنـهـا كـثـيـر مـن الـقـتـلى. وقـد تـحـصّـن جـيـرانـنـا وسـط الـدّرب قـرب بـاب دارنـا.

13 آب،  هـاجـمـت عـشـائـر الـعـرب الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـمـديـنـة هـذا الـيـوم، ولـكـنّـهـا مـنـعـت مـن دخـولـه. والـبـصـرة مـثـل بـغـداد في حـالـة حـصـار.

19 آب،  تـجـمـعـت أعـداد مـن الـفـقـراء أمـام أبـواب الـمـديـنـة يـطـلـبـون بـاكـيـن أن يـسـمـح لـهـم بـالـخـروج لـكي لا يـمـوتـوا جـوعـاً فـيـهـا، ولـكـنّ الأبـواب لـم تـفـتـح لـهـم. وقـد ارتـفـعـت الأسـعـار ولـم يـعـد الـبـنـاؤون والـنّـجـارون والـحـرفـيـون الآخـرون يـجـدون عـمـلاً مـنـذ بـدايـة وبـاء الـطّـاعـون. ويـفـقـد صـنّـاع يـدويـون أعـمـالـهـم كـلّ يـوم مـن غـيـر أن يـجـدوا مـا يـقـتـاتـون بـه. وإلى جـانـب ذلـك، هـاجـم الأعـراب كـلّ دار يـعـتـقـدون أنّـهـا تـحـتـوي عـلى حـبـوب أو رز. وفي نـيـتـنـا أن نـدفـن في بـاطـن الأرض صـنـدوقـاً صـغـيـراً فـيـه رز ودقـيـق وتـمـر، لـكي لا يـنـهـب ونـسـتـطـيـع أن نـقـتـات مـنـه لـمـدّة عـدّة أيّـام.

23 آب،  خـرج [الـجـنـود] مـن الـمـديـنـة لـيـردوا عـشـائـر الـعـرب الـمـوالـيـة لـعـلي، بـاشـا حـلـب، الّـذيـن انـسـحـبـوا بـعـد أن قـتـل مـنـهـم 100 رجـل، وقـطـعـت رؤوس 150 كـانـوا قـد أسـروا. ولا شـكّ في أنّ بـغـداد خـربـت الآن، ولـو سـمـح لـسـكـانـهـا الّـذيـن جـاءوا مـن الـقـرى الـمـجـاورة ولـكـلّ مـن يـودّ تـركـهـا بـالـخـروج لـمـا بـقي فـيـهـا أحـد.

29 آب،  دخـل بـعـض الـنّـهـابـيـن الـسّـلابـيـن في دارنـا لـيـلـة أمـس وأخـذوا مـنّـا مـا قـيـمـتـه حـوالي عـشـرة بـاونـدات بـيـنـمـا كـنّـا نـيـامـاً فـوق الـسّـطـح. وحـدثـت مـنـاوشـات عـنـيـفـة مـن الـفـجـر إلى حـوالي الـظّـهـر بـيـن الّـذيـن في داخـل الـمـديـنـة وبـيـن مـن في خـارجـهـا. وكـان الـنّـصـر لـمـن في خـارجـهـا.

30 آب،  شـيـدّ سـكّـان الـمـديـنـة أبـوابـاً تـحـمي كـلّ الـطّـرقـات مـن الـلـصـوص الّـذيـن يـنـهـبـونـهـا كـلّ لـيـلـة ومـن أعـدائـهـم إذا مـا اسـتـطـاعـوا دخـول بـغـداد.

وقـد خـرج الّـذيـن في داخـل الـمـديـنـة مـن جـديـد لـيـهـاجـمـوا عـشـائـر الـعـرب الـمـوالـيـن لـعـلي بـاشـا، ولـيـنـهـبـوهـم ويـشـعـلـوا الـنّـيـران في خـيـامـهـم. ثـمّ عـادوا بـالـغـنـائـم إلى الـمـديـنـة. وكـان مـن بـيـنـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـحـريـر كـان قـد سـلـبـهـا الـعـرب مـن قـوافـل كـانـت آتـيـة إلى بـغـداد مـن بـلاد الـفـرس في وقـت وبـاء الـطّـاعـون.

1 و 2 أيـلـول،  أرسـل الـبـاشـا يـطـلـب حـضـوري لـفـحـص دمّـلـة في إصـبـع قـدمـه نـتـج عـنـهـا فـقـدانـه لـجـزء مـنـه. وقـد اسـتـقـبـلـني بـلـطـف وتـرحـاب، وهـو بـلا شـكّ أكـثـر مـن الـتـقـيـت بـهـم في الـشّـرق أدبـاً. وهـو بـطـبـعـه بـسـيـط الـتّـصـرفـات، كـثـيـر الإتّـزان […] وقـد أهـداني ثـلاث خـيـارات طـازجـة مـمـا يـسـتـحـيـل الـحـصـول عـلـيـه في أيّـامـنـا هـذه.

6 أيـلـول،  يـبـدو أنّ بـعـض الـمـال بـدأ يـخـرج مـن خـزيـنـة الـبـاشـا، فـخـنـجـره kanjaar، الـمـطـعّـم بـالـمـاس، عـرض لـلـبـيـع. وقـصـر الـبـاشـا، أو بـالأحـرى مـا بـقي مـنـه مـن خـرائـب مـلئ بـالأرنـؤطـيـة، وهـم مـن الـجـنـود الـمـرتـزقـة، يـقـضـون وقـتـهـم في صـنـع الـعـرق وشـربـه، وفي الـدّق عـلى جـدران الـقـصـر وهـم يـتـنـصـتـون أمـلاً في إيـجـاد أصـوات خـبـايـا مـفـرغـة خـبـأ الـبـاشـا فـيـهـا بـعـض خـزائـنـه. والـمـعـتـاد في هـذه الـبـلاد أن يـخـبئ الـنّـاس أمـوالـهـم في داخـل الـجـدران.

7 أيـلـول،  مـا زالـت الأسـعـار تـرتـفـع، وآلام الـفـقـراء تـزداد : إن تـركـوا الـمـديـنـة سـلـب مـا بـقي لـهـم وأرجـعـوا إلـيـهـا وإن بـقـوا فـيـهـا مـا تـوا مـن الـجـوع. ولـم يـبـق شئ حـتّى مـن الـتّـمـر الّـذي أطـعـم الـنّـاس والـقـطـعـان خـلال الأسـابـيـع الـثّـلاثـة الـمـاضـيـة. وقـد عـرض الـبـاشـا هـذا الـيـوم حـلي زوجـتـه لـلـبـيـع.

10 أيـلـول،  دخـل الـلـصـوص مـسـاء أوّل أمـس في مـنـزل أحـد أبـنـاء الـبـاشـا وقـتـلـوا ثـلاثـة مـن خـدمـه. وتـعـرض لـلـبـيـع أشـيـاء ثـمـيـنـة يـعـرف الـجـمـيـع أنّـهـا سـرقـت مـن الـبـاشـا ولا أحـد يـعـيـر لـذلـك اهـتـمـامـاً. ويـقـتـل نـاس في الـطّـرقـات مـن غـيـر أن يـقـف أحـد لـيـرى مـن الـقـاتـل ومـن الـمـقـتـول، بـل يـبـتـعـد الـجـمـيـع بـأسـرع مـا يـمـكـنـهـم لـيـنـقـذوا أنـفـسـهـم.

12 أيـلـول،  سـمـح لـلـفـقـراء بـتـرك الـمـديـنـة. ويـتـركـهـا يـومـيـاً مـا يـقـارب 500 أو 600 شـخـص. ولـم يـعـد فـيـهـا مـا يـأكـل مـا عـدا لـحـم الـجـامـوس ولـحـم الـجـمـال الّـتي ارتـفـعـت أسـعـارهـا بـمـا يـقـارب عـشـريـن ضـعـفـاً.

وصـلـتـني الـيـوم أخـبـار مـن الـمـيـدان (وفي هـذا الـحي يـسـكـن رؤسـاء الأتـراك) بـأنّـهـم قـرروا الإنـتـظـار خـمـسـة أيّـام أخـرى، وإنّ لـم يـأتِ عـجـيـل، شـيـخ عـشـائـر الـمـنـتـفـك، أو آخـر مـثـلـه لـيـعـيـنـوهـم فـسـيـقـطـعـون رأس داود بـاشـا ورأس الـقـائـمـقـام صـالـح بـك، ويـرسـلـونـهـمـا لـعـلي بـاشـا، فـلـم تـعـد الـمـديـنـة تـتـحـمّـل وضـعـهـا الـحـالي.

15 أيـلـول،  إرتـفـع صـيـاح في الـلـيـل بـأنّ جـنـود عـلي بـاشـا دخـلـوا الـمـديـنـة، وهـا نـسـمـع بـأنّ داود بـاشـا هـرب مـن دار صـالـح بـك في الـلـيـل وحـاول دخـول الـقـلـعـة ولـكـنّ الـجـنـود لـم يـفـتـحـوا لـه الـبـاب. وقـد قـبـض عـلـيـه أهـل الـمـيـدان.

وقـد رفـعـت الـعـلـم الإنـكـلـيـزي عـلى داري لـيـعـلـم جـنـود عـلي بـاشـا بـأنـني أجـنـبي ولا عـلاقـة لي بـمـا يـجـري.

وخـرجـت زوجـات الـبـاشـا يـقـبـلـن أيـدي الـمـارّة ويـتـضـرعـن بـهـم بـأن يـسـتـروهـنّ. ولـكـن الـجـمـيـع كـانـوا خـائـفـيـن وابـتـعـدوا عـنـهـنّ. ودخـل عـلي بـاشـا الـمـديـنـة مـحـاولاً تـهـدئـة الأمـور.

الـجـمـعـة 16 أيـلـول،  جـمـع عـلي بـاشـا كـلّ رؤسـاء الـجـيـورجـيـيـن في مـعـسـكـره. وعـنـدمـا وصـل الـبـاشـا الـمـخـلـوع نـهـض يـحـيـيـه ويـعـانـقـه، وأخـبـره أنّ الـسّـلـطـان أمـر بـأن لا يـمـسـه أحـد بـسـوء، وأنّ أحـداً لـن يـمـس صـالـح بـك بـسـوء هـو الآخـر. ولـم يـأمـر عـلي بـاشـا إلى تـلـك الـلـحـظـة بـقـتـل أحـد. وزال الـخـوف عـن الـنّـاس، ووجـد الـنّـاس مـا يـأكـلـون، فـالـطـحـيـن الّـذي كـان يـبـاع يـوم الأربـعـاء بـ 250 قـرشـاً انـخـفـض يـوم الـخـمـيـس إلى 40 قـرشـاً، وظـهـرت الـخـضـروات في الأسـواق وكـنّـا لـم نـرهـا مـنـذ خـمـسـة أشـهـر وبـأي ثـمـن كـان.

18 أيـلـول،  يـقـال إنّ كـلّ مـنـاطـق الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل وديـار بـكـر ومـرديـن والـرّهـا وحـلـب دخـلـت تـحـت سـيـطـرة عـلي بـاشـا. وتـحـت حـكـم داود بـاشـا كـانـت كـلّ الـمـواد الـغـذائـيـة مـحـتـكـرة، ويـبـدو أنّ عـلي بـاشـا عـازم عـلى تـغـيـيـر هـذه الـحـالـة. وقـد أعـلـن أمـس أنّ أوقـيـة oke الـلـحـم لا يـنـبـغي أن تـبـاع بـأكـثـر مـن قـرشـيـن، وإن بـاعـهـا أحـد بـأغـلى مـن هـذا الـسّـعـر فـسـيـعـلّـق جـسـده عـلى الـخـطـاطـيـف الّـتي يـعـلـق عـلـيـهـا الـلـحـم. وقـد قـبـض عـلى قـصّـاب قـرب الـمـيـدان بـاع لـحـمـه بـثـلاثـة قـروش فـعـلّـق جـسـده عـلى الـخـطـاطـيـف حـالاً.

21 أيـلـول،  لـيـس هـنـاك اهـتـمـام أكـبـر ولا احـتـرام أكـثـر مـمـا أولاه عـلي بـاشـا لـسـابـقـه داود بـاشـا، فـقـد أمـنـه عـلى حـيـاتـه لأنّ الـسّـلـطـان نـفـسـه أمـر بـذلـك. ولـكـنّ الـسّـلـطـان طـلـب مـن داود بـاشـا أن يـسـتـعـد لـلـذهـاب إلى إسـطـنـبـول في الـغـد أو بـعـد الـغـد لـلـحـضـور بـيـن يـديـه. وسـتـذهـب مـعـه زوجـاتـه وابـنـه الـبـكـر، حـسـن بـك.

وقـد اسـتـغـرب الأتـراك هـنـا مـن خـلـع ثـيـاب الـجـنـود الـطـويـلـة والـعـمـائـم وإبـدالـهـا بـالـزّي الـعـسـكـري الأوربي، وهـم يـقـولـون إنّ عـلي بـاشـا نـفـسـه يـرتـدي الـمـلابـس الأوربـيـة، فـهـو لا يـخـتـلـف إذاً عـن داود بـاشـا. ولـم يـعـد شـرب الـخـمـر مـمـنـوعـاً يـمـارسـه الـنّـاس خـفـيـة، بـل يـقـدم الـنّـبـيـذ والـكـحـول عـلى الـصّـواني في الأمـاكـن الـعـامـة.

11 تـشـريـن الأوّل،  قـتـل كـلّ الـمـمـالـيـك الـجـيـوجـيـيـن الّـذيـن كـانـوا قـد أفـلـتـوا مـن الـطّـاعـون في بـغـداد، وانـتـهـت فـتـرة حـكـمـهـم.

14 تـشـريـن الأوّل، سـاد الـهـدوء عـلى الـمـديـنـة. ويـنـتـظـر الـنّـاس مـا سـتـأتي لـهـم بـه الأيّـام الـمـقـبـلـة. مـات غـالـبـيـة سـكّـان الـمـديـنـة واغـتـنى عـدد كـبـيـر مـن الأحـيـاء، إمّـا بـمـا ورثـوه مـن أقـاربـهـم الـمـوتى وإمّـا بـالـنّـهـب والـسّـلـب.

17 تـشـريـن الأوّل، عـاد عـدد مـن تـلامـيـذنـا الـكـبـار بـعـد أن كـانـوا قـد هـربـوا مـن الـمـديـنـة مـع أهـالـيـهـم.

18 تـشـريـن الأوّل، سـمـعـت الـيـوم أنّـه لـن يـعـيـن أسـقـف رومـاني كـاثـولـيـكي بـدلاً مـن الّـذي مـات، ولـن يـرسـل قـنـصـل فـرنـسي، بـل يـبـدل بـعـمـيـل مـحـلّي. وأبـدى الـبـاشـا الـجـديـد رغـبـتـه في تـوطـيـد عـلاقـتـه بـنـا. وقـد سـألـني إن كـنـت أحـتـاج لـمـسـاعـدات مـن أيّ نـوع كـان. وعـلي بـاشـا كـان قـد سـافـر إلى الـنّـمـسـا والـمـجـر وهـو يـقـرأ الـجـرائـد الأوربـيـة ويـرتـدي مـلابـس أوربـيـة مـا عـدا الـقـبـعـة.

ومـا زلـنـا نـشـتـري الـمـواد الـغـذائـيـة بـثـلاثـة أضـعـاف أسـعـارهـا بـسـبـب الـفـيـضـان الّـذي دمّـر الـغـلال فـلـم يـحـصـد مـنـهـا شئ وبـأسـبـاب أخـرى.

27 تـشـريـن الأوّل، تـزداد الأمـور اسـتـقـراراً يـومـاً بـعـد يـوم، وعـادت الـسّـلـع الـغـذائـيـة إلى الأسـواق وانـخـفـضـت الأسـعـار شـيـئـاً فـشـيـئـاً. وفـتـحـت الـطّـرق أيـضـاً وعـاد إلـيـهـا الأمـن. وسـمـعـنـا بـأنّ طـريـق الـبـاديـة أصـبـحـت مـأمـونـة.

7 تـشـريـن الـثّـاني، أخـشى أن تـكـون أكـبـر الـصّـعـوبـات الّـتي تـواجـهـني الآن الـحـصـول عـلى مـعـلّـم لـغـة عـربـيـة فـقـد قـتـل الـطّـاعـون أعـداداً كـبـيـرة مـن الـمـلالي.

وهـنـا يـتـوقـف غـروفـس عـن كـتـابـة يـومـيـاتـه.

وكـتـب آخـر رسـائـلـه مـن بـغـداد في 16 كـانـون الـثّـاني 1832 والّـتي يـذكـر فـيـهـا أنّ الـحـمى ألـزمـتـه الـفـراش فـلا يـسـتـطـيـع الـذّهـاب إلى حـلـب. ولا نـعـرف في أي يـوم تـرك بـغـداد لـيـذهـب إلى حـلـب.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـتـوني غـروفـس، يـومـيـات إقـامـة في بـغـداد خـلال عـامَي 1830 و 1831. لـنـدن 1832،  Anthony N.Groves, Journal of a Residence at Bagdad, during the years 1830 and 1831, London MDCCCXXXII (1832)

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.