هـرمـز رسّـام والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

 

حفريات ليارد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـدأت قـصـتـنـا في عـام 1839، عـنـدمـا قـرر أوسـتـن هـنـري لَـيـارد          Austen Henry Layard،(1) أن يـتـرك إنـكـلـتـرة ويـسـافـر إلى سـيـلان (الّـتي تـغـيّـر اسـمـهـا الآن إلى سـريـلانـكـا) لـيـعـمـل في إدارة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة. وكـان قـد أنـهى دراسـة الـقـانـون في 1833 واشـتـغــل في مـكـتـب مـحـامـاة عـمّـه. واخـتـار لَـيـارد طـريـق الـبـرّ عـبـر آسـيـا. وشـرع في رحـلـتـه بـصـحـبـة صـديـق لـه.

وفي عـام 1840، مـرّ لَـيـارد بـالـمـوصـل، فـتـوقـف لـيـزور مـعـالـمـهـا. والـتـقى بـكـرسـتـيـان رسّـام  Christian Rassam، الّـذي كـان قـد اشـتـغـل مـتـرجـمـاً لـلـيـوتـنـانـت كـولـونـيـل تـشـيـسـنـي Lt. Col. Chesney  في حـمـلـتـه الّـتي قـام بـهـا مـن 1835 إلى 1837 لإسـتـطـلاع مـجـرى الـفـرات. وقـد عـيّـن عـام 1839 في مـنـصـب نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا فـيـهـا. وكـان كـرسـتـيـان مـن إحـدى عـوائـل الـمـوصـل الـكـاثـولـيـكـيـة الـكـلـدانـيـة، وتـزوّج بـانـكـلـيـزيـة اسـمـهـا مـاتـيـلـدا بـادجـر Matilda Badger .

واصـطـحـب كـرسـتـيـان رسّـام مـسـافـرنـا الـبـريـطـاني لـيـريـه الـمـنـاطـق الـمـحـيـطـة بـالـمـديـنـة، وخـاصّـة مـوقـع نـيـنـوى في تـلَّي نـبي يـونـس وقـويـنـجـق، شـرق دجـلـة، مـقـابـل الـمـوصـل.

وبـعـد أن زار الـمـوصـل، نـزل أوسـتـن هـنـري لَـيـارد نـحـو بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة. ومـا أن ابـتـعـد عـدّة فـراسـخ حـتّى أبـصـر بـتـلال نـمـرود الّـتي تـركـت آثـارهـا في نـفـسـه انـطـبـاعـاً قـويّـاً. وتـكـلّـم عـن ذلـك في كـتـابـه “نـيـنـوى وآثـارهـا  Nineveh and its Remains” :

“كـان الـمـسـاء قـد حـلّ عـنـدمـا اقـتـربـنـا مـنـهـا، وكـانـت أمـطـار الـرّبـيـع قـد ألـبـسـت تـلالـهـا خـضـرة بـاذخـة، بـيـنـمـا امـتـدت حـولـهـا مـروج خـصـبـة غـطّـتـهـا أزهـار مـن كـلّ الأنـواع. وحـجـبـت هـذه الـنّـبـاتـات الـغـزيـرة الـثّـراء بـعـضـاً مـن كـسـرات طـابـوق وفـخـار وقـطـع صـخـريـة مـلـسـاء نـقـشـت عـلـيـهـا كـتـابـات مـسـمـاريـة حـادّة الـتّـقـاطـيـع.[…] ومـا زلـنـا نـبـصـر بـخـطّ طـويـل مـن الـتّـلال الـمـتـتـابـعـة يـبـدو أنّـه كـان سـوراً يـشـكّـل مـربـعـاً شـاسـع الأرجـاء. وكـان الـنّـهـر يـجـري قـريـبـاً مـنـهـا : مـيـاهـه فـاضـت مـن كـثـرة ذوبـان الـثّـلـوج عـلى جـبـال بـلاد الأرمـن … وردد الـعـربي الّـذي كـان يـقـود كـلـكي الـصّـغـيـر أدعـيـة عـنـدمـا ارتـمـيـنـا بـعـنـف فـوق سـيـل انـحـدر بـنـا. وبـعـد أن اجـتـزنـاه بـسـلام شـرح لي مـصـاحـبي أنّ هـذا سـبّـبـه سـدّ عـظـيـم كـان قـد شـيّـده نـمـرود، وأنّـنـا يـمـكـن أن نـرى في الـخـريـف، قـبـل أن تـهـطـل أمـطـار الـشّـتـاء، صـخـوره الـضّـخـمـة الـتّـكـعـيـب الّـتي شـيّـد بـهـا تـربـط بـيـنـهـا قـطـع حـديـد، نـراه بـوضـوح فـوق مـسـتـوى الـمـيـاه”. “وقـد أثـارت هـذه الآثـار فـضـولي كـثـيـراً، وقـررت عـنـدهـا أن أعـود لأمـتـحـنـهـا عـن كـثـب إذا مـا سـنـحـت لي الـفـرصـة لـذلـك … هـذه الـخـرائـب الّـتي لا مـثـيـل لـهـا”. (2)

وقـضى أوسـتـن هـنـري لَـيـارد عـدّة أشـهـر في بـلاد الـفـرس، وأقـام بـيـن قـبـائـل الـبـخـتـيـار، وارتـدى زيّـهـم لـيـعــيـش بـيـنـهـم فـتـرة قـصـيـرة :

ليارد بختيار

ثـمّ تـرك مـشـروع الـذّهـاب إلى الهـنـد، وقـرر أن يـزور الـمـواقـع الأثـريـة في الـشّـرق، وأقـام فـتـرة في الـعـراق لـيـتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة.

وعـاد لَـيـارد في 1842 إلى الـمـوصـل، وتـعـرّف عـلى بـول إمـيـل بـوتـا            Paul Emile BOTTA قـنـصـل فـرنـسـا فـيـهـا، والّـذي كـان قـد بـدأ يـبـحـث عـن آثـار مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة في تـلّ قـويـنـجـق.

والـتـقى مـن جـديـد بـكـرسـتـيـان رسّـام الّـذي كـان مـا يـزال يـشـغـل مـنـصـب نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل، وتـعـرّف عـلى أخـيـه الـصـغـيـر هـرمـز. وكـان هـرمـز قـد عـيّـن مـسـاعـداً إداريـا لأخـيـه كـرسـتـيـان. ونـحـن نـعـرف أنّـه ولـد سـنـة 1826، فـقـد كـان إذن في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره. وكـان قـد تـعـلّـم الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في مـدارس الـبـعـثـات الـتّـبـشـيـريـة وتـوصـل إلى إتـقـانـهـا. ويـبـدو أنّـه اشـتـغـل في الـعـام الـسّـابـق كـدلـيـل لـبـعـثـة عـلـمـيـة نـمـسـاويـة في مـيـدان الـنّـبـاتـات في الـمـنـطـقـة.

وفي ذلـك الـعـام : 1842، ذهـب أوسـتـن هـنـري لَـيـارد إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـيـلـتـقي بـالـسّـفـيـر الـبـريـطـاني فـيـهـا، الـسّـيـر سـتـراتـفـورد كـانـنـغ Sir Stratford Canning الّـذي اقـتـرح عـلـيـه أن يـشـتـغـل عـنـده، وكـلّـفـه بـبـعـض الـمـهـمّـات.

خـروج الآشـوريـيـن مـن غـيـاهـب الـنّـسـيـان :

ورغـم أنّ الـعـمّـال الّـذيـن أجّـرهـم بـول إمـيـل بـوتـا، قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل، أجـهـدوا أنـفـسـهـم في الـحـفـر في تـلّ قـويـنـجـق فـلـم يـحـالـفـهـم الـحـظ بـالـعـثـور عـلى شئ. وتـرك بـوتـا هـذا الـتّـلّ، ونـقـل حـفـريـاتـه في مـنـتـصـف آذار 1843 إلى قـريـة خـورسـبـاد الّـتي تـقـع حـوالي 16 كـلـم. شـمـال شـرق الـمـوصـل. (3)

وفي خـورسـبـاد وجـد بـول إمـيـل بـوتـا مـنـحـوتـات جـداريـة، وأزاح الـتّـراب عـن جـزء كـبـيـر مـن قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (الّـذي حـكـم مـن 722 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد)، والـمـسـمى بـ “دور شـروكـيـن” أي حـصـن سـرجـون.

ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر ذهـول الأوسـاط الـعـلـمـيـة في ذلـك الـزّمـن أمـام هـذا الإكـتـشـاف الـهـائـل، فـقـد غـابـت نـيـنـوى والـدّولـة الآشـوريـة في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ سـقـوط الـمـديـنـة عـام 612 قـبـل الـمـيـلاد …  ووجـد بـوتـا آثـارهـا بـعـد أكـثـر مـن 2500 سـنـة ! (3)

وأثـار هـذا الاكـتـشـاف اهـتـمـام أوسـتـن هـنـري لَـيـارد، وحـاول إقـنـاع الـسّـفـيـر الـبـريـطـاني في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة بـضـرورة دخـول بـريـطـانـيـا في مـيـدان الـبـحـث عـن الآثـار الـشّـرقـيـة. وبـعـد أن حـصـل عـلى دعـم مـن هـنـري راولـنـسـن Henry Rawlinson الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في بـغـداد (4) إقـتـنـع الـسّـيـر كـانـنـغ في 1845 بـأن يـمـدّه بـمـا يـكـفي لـلـتّـنـقـيـب مـدّة شـهـريـن.

حـفـريـات أوسـتـن هـنـري لَـيـارد :

واخـتـار لَـيـارد نـمـرود (مـوقـع كـلـح الـقـديـمـة)، وبـدأ حـفـريـاتـه في تـشـريـن الـثّـاني 1845 عـلى تـلّ واسـع، وسـرعـان مـا وجـد عـمـالـه ألـواحـاً حـجـريـة مـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة ومـنـحـوتـات لأسـود مـجـنّـحـة ومـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز لـمـشـاهـد صـيـد ومـعـارك حـربـيـة ومـشـاهـد مـن الـحـيـاة الـيـومـيـة. وبـعـد عـدّة أسـابـيـع وجـد جـداريـات مـنـحـوتـة قـلـيـلـة الـبـروز في قـصـر الـمـلـك الآشـوري أصـرحـدون (680 ـ 669 ق . م.) في جـنـوب غـرب مـوقـع نـمـرود.

وعـنـدمـا حـلّ عـام 1846 اسـتـطـاع كـانـنـغ أن يـقـنـع مـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحـف الـبـريـطـاني  The trustees of the British Museum بـالـتّـكـلـف بـتـمـويـل الـحـفـريـات. ومـدّه الـمـتـحـف بـ 2000 بـاونـد، وهـو مـبـلـغ ضـئـيـل مـقـارنـة بـمـا حـصـل عـلـيـه بـول إمـيـل بـوتـا مـن الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة. ولـم يـكـن لأوسـتـن هـنـري لَـيـارد الإمـكـانـيـات الـمـاديـة لـيـشـغّـل مـعـه مـهـنـدسـاً مـعـمـاريـاً يـسـاعـده عـلى فـهـم تـخـطـيـطـات الأبـنـيـة الّـتي يـحـفـر فـيـهـا، أو رسّـامـاً يـرسـم لـه بـقـايـاهـا ومـا يـعـثـر عـلـيـه مـن قـطـع أثـريـة، فـاسـتـمـرّ في حـفـريـاتـه وحـده، يـنـظّـمـهـا ويـشـرف عـلى الـعـمـال، ويـرسـم بـعـض الـتّـخـطـيـطـات لـلـقـطـع الأثـريـة ورسـومـاً بـالألـوان الـمـائـيـة بـنـفـسـه.

وامـتـدّت الـحـفـريـات نـحـو قـصـر آشـور نـاصـربـال الـثّـاني (883 ـ 859 ق. م.) شـمـال غـرب الـمـوقـع. وكـان الـمـوقـع عـاصـمـة مـمـلـكـتـه الّـتي أسـمـاهـا كـلـح، وإن عـرف بـعـد أن سـقـطـت الـحـضـارة الآشـوريـة في غـيـاهـب الـنّـسـيـان بـ “نـمـرود”.

هـرمـز رسّـام :

وبـعـد أن اتـسـعـت الـتّـنـقـيـبـات احـتـاج لّـيـارد لـمـن يـسـاعـده في الإشـراف عـلـيـهـا فـاخـتـار لـذلـك هـرمـز رسّـام  Hormuzd Rassam  (الّـذي يـسـمي نـفـسـه : هـرمـزد). وهـرمـز هـذا، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، شـقـيـق كـرسـتـيـان رسّـام نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل، وكـان لّـيـارد قـد تـعـرّف عـلـيـه عـنـد أخـيـه عـام 1842.

وكـان هـرمـز قـد بـلـغ الـعـشـريـن مـن عـمـره، يـحـسـن الـعـربـيـة لـغـة أهـل الـبـلـد، والإنـكـلـيـزيـة لـغـة الـمـنـقّـب، والـكـلـدانـيـة لـغـة بـعـض الـعـمّـال الّـذيـن كـانـوا يـحـفـرون في الـمـوقـع. وبـدأ في كـانـون الـثّـاني مـن عـام 1846 بـالـعـمـل مـع أوسـتـن هـنـري لَـيـارد.

وكـتـب لَـيـارد : “وسـكـن هـرمـز رسّـام مـعي”، “وعـهـدت إلـيـه بـمـهـمـة دفـع أجـور الـعـمّـال”. وسـرعـان مـا وجـده لّـيـارد عـونـاً يـمـكـنـه الاعـتـمـاد عـلـيـه، خـاصـة وأنّ ذلـك كـان أرخـصّ بـكـثـيـر مـمـا لـو أتى بـمـسـاعـديـن مـن إنـكـلـتـرة ودفـع لـهـم إلى جـانـب تـكـالـيـف الـسّـفـر مـرتـبـات بـاهـظـة. وعـهـد لَـيـارد لـهـرمـز بـمـهـمـات أخـرى في الـتّـنـقـيـبـات ورسـم الـقـطـع الأثـريـة، فـقـد وجـده رسّـامـاً مـاهـراً.

هـل كـان هـرمـز رسّـام أوّل عـالـم آثـار عـراقي :

نـتـوقـف هـنـا قـلـيـلاً لـنـنـاقـش مـا يـمـكـن أن نـقـرأه في بـعـض الأحـيـان مـن أنّ هـرمـز رسّـام كـان أوّل “عـالـم آثـار” “عـراقي“.

والّـذيـن يـكـتـبـون هـذا لا يـنـتـبـهـون إلى أنّـه اشـتـغـل في مـنـتـصـف الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، أي في فـتـرة لـم يـكـن فـيـهـا عـلـم الآثـار بـمـعـنـاه الـدّقـيـق قـد نـشـأ بـعـد. ولـم يـمـارس أوسـتـن هـنـري لَـيـارد ومـسـاعـده هـرمـز رسّـام إلّا حـفـريـات (بـشـق خـنـادق أو فـتـح أنـفـاق) كـان الـهـدف مـنـهـا اسـتـخـراج قـطـع أثـريـة مـهـمّـة لـتـبـعـث إلى الـمـتـاحـف الأوربـيـة. ولـم يـنـفّـذا مـخـطـطـات دقـيـقـة لـلـمـواقـع الّـتي حُـفـرت ولـم يـسـجّـلا حـتّى الأمـاكـن الّـتي عـثـرا فـيـهـا عـلى الـقـطـع الأثـريـة. وتـركـا مـا لـم يـسـتـحـقّ اهــتـمـامـهـمـا في الـعـراء لـيـخـربـه تـعـاقـب الـفـصـول. وكـان مـا فـعـلاه يـقـتـرب مـن الـسّـلـب والـنّـهـب. ويـنـبـغي أن نـنـتـظـر نـهـايـة ذلـك الـقـرن لـيـبـدأ الألـمـاني روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWEY  ومـسـاعـده فـالـتـر أنـدريـه Walter ANDRAE بـتـنـقـيـبـات أثـريـة حـسـب مـنـاهـج عـلـمـيـة وضـعـا أسـسـهـا في مـوقـع بـابـل. (5)

كـمـا أنّـه لـم يـكـن هـنـاك كـيـان سـيـاسي اسـمـه الـعـراق، بـل ثـلاث ولايـات : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، تـحـت سـيـطـرة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. ولا يـمـكـن ان نـسـنـد لـهـرمـز رسّـام انـتـمـاءً وطـنـيـاً لـم يـكـن لـه. وعـلى كـلّ حـال فـقـد عـاش هـرمـز رسّـام قـبـل أن يـسـتـورد أهـل الـشّـرق الـمـفـاهـيـم الـقـومـيـة والـوطـنـيـة مـن الـغـرب.

ولا شـكّ في أنّـه كـان يـنـتـمي أوّلاً إلى الـجـالـيـة الـكـلـدانـيـة، ثـمّ إلى حـيّـه في الـمـوصـل. أمّـا لّـيـارد فـقـد كـان يـعـتـبـره “مـيـزبـوتـامـيـاً” أي مـن نـسـل سـكّـان بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـدمـاء. وهي نـظـرة رومـانـطـيـقـيـة أكـثـر مـنـهـا واقـعـيـة، فـقـد سـكـن مـا بـيـن الـنّـهـريـن شـعـوب مـخـتـلـفـة مـن أصـول مـتـنـوّعـة، وإن شـاركـت كـلّـهـا في تـكـويـن الـحـضـارات الـسّـومـريـة والـبـابـلـيـة والآشـوريـة.

ونـعـود الآن إلى أوسـتـن هـنـري لَـيـارد، فـقـد عـثـر في حـصـن سـلـمـان أصـر الـثّـالـث عـلى مـا اعـتـبـره أهـمّ اكـتـشـافـاتـه في حـمـلات تـنـقـيـبـاتـه : مـسـلّـة الـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث (حـكـم 858 إلى 824  قـبـل الـمـيـلاد) الـسّـوداء. وقـد نـحـتـت الـمـسـلّـة الـسّـوداء عـام 825 ق.م. أي قـبـل عـام واحـد مـن وفـاة الـمـلـك، وهي تـروي عـلى جـوانـبـهـا الأربـعـة الـمـنـحـوتـة والـمـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة حـمـلات الـمـلـك وانـتـصـاراتـه عـلى أعـدائـه. وهي مـن الـمـسلّات الـقـلـيـلـة الّـتي وجـدت مـكـتـمـلـة لـم يـكـسـر مـنـهـا شئ :

مسلة سلمان أصر

كـمـا عـثـر في أنـحـاء الـمـوقـع عـلى ثـيـران مـجـنـحـة وأسـود مـجـنـحـة وألـواح صـلـصـال كـثـيـرة عـلـيـهـا نـصـوص بـالـمـسـمـاريـة.

واسـتـمـرّ هـرمـز رسّـام في مـعـاونـة لّـيـارد في حـفـريـاتـه في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) في بـدايـة عـام 1847. ثـمّ عـادا إلى مـوقـع نـمـرود وحـفـرا فـيـه حـتّى شـهـر أيّـار. وعـنـدمـا تـحـوّل لَـيـارد إلى تـلَّي نـيـنـوى : نـبي يـونـس وقـويـنـجـق، لـيـسـتـطـلـعـهـمـا، تـبـعـه هـرمـز إلـيـهـمـا.

وخـلال أسـبـوعـيـن مـن الـتّـنـقـيـبـات وجـد لّـيـارد في تـلّ قـويـنـجـق أكـثـر مـن عـشـريـن ألـف لـوح صـلـصـالي نـقـشـت عـلـيـهـا نـصـوص بـالـمـسـمـاريـة. ولـكـنّ اشـتـداد الـحـرارة في حـزيـران أوقـف الـتّـنـقـيـبـات.

وغـادر لَـيـارد الـمـوصـل إلى إنـكـلـتـرة في 24 حـزيـران مـصـطـحـبـاً مـعـه هـرمـز رسّـام. وكـان كـرسـتـيـان، شـقـيـق هـرمـز قـد قـبـل، بـمـسـاعـدة زوجـتـه الإنـكـلـيـزيـة، بـالـتّـعـهـد بـمـصـاريـف إقـامـة هـرمـز في إنـكـلـتـرة وتـكـالـيـف الـدّراسـة الّـتي كـان يـنـوي مـتـابـعـتـهـا فـيـهـا.

وكـانـت الـقـطـع الأثـريـة الّـتي أرسـلـهـا أوسـتـن هـنـري لَـيـارد عـن طـريـق دجـلـة إلى الـبـصـرة في تـمّـوز وكـانـون الأول 1846 وفي آذار ونـيـسـان وحـزيـران 1847 قـد حـمّـلـت عـلى سـفـيـنـة أوصـلـتـهـا إلى إنـكـلـتـرة، واثـارت الإعـجـاب عـنـد وصـولـهـا إلى لـنـدن.

وصول الثيران إلى لندن

وقـد سـاعـد لَـيـارد هـرمـز في قـبـولـه في Magdalen Colleg في أكـسـفـورد. وقـضى هـرمـز في أكـسـفـورد 18 شـهـراً، حـسّـن فـيـهـا لـغـتـه الإنـكـلـيـزيـة قـراءةً وكـتـابـة، ونـجـح في الإمـتـحـانـات الّـتي اجـتـازهـا.

حـمـلـة أوسـتـن هـنـري لَـيـارد الـثّـانـيـة :

ثـمّ طـلـب مـسـؤولـو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـن هـرمـز رسّـام الـعـودة إلى الـمـوصـل لـمـسـاعـدة أوسـتـن هـنـري لَـيـارد في حـمـلـتـه الـثّـانـيـة. وكـان لَـيـارد قـد عـاد إلى الـمـوصـل ووصـلـهـا في الأوّل مـن تـشـريـن الأوّل 1849. ورغـم قـلّـة الـمـبـالـغ الّـتي خـصـصـهـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني لـحـمـلـة الـحـفـريـات الـثّـانـيـة هـذه، فـقـد أرسـل لـه هـذه الـمـرّة رسّـامـاً مـحـتـرفـاً لـرسـم الـمـوقـع والـقـطـع الأثـريـة.

وهـكـذا وصـل فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر Frederick Charles COOPER (6) إلى الـمـوصـل ونـفّـذ عـدداً مـن الـتّـخـطـيـطـات والألـوان الـمـائـيـة في نـيـنـوى ونـمـرود قـبـل أن تـتـدهـور حـالـتـه الـصّـحـيـة ويـعـود إلى إنـكـلـتـرة. وأرسـل تـومـاس س. بـيـل Thomas S. Bell لـيـحـل مـحـلّـه، ولـكـنّ بـيـل مـات غـرقـاً في الـنّـهـر في أيّـار 1851، بـعـد سـتّـة أسـابـيـع مـن بـدايـة عـمـلـه مـع لَـيـارد. وهـكـذا ظـلّ هـرمـز رسّـام مـسـاعـد لَـيـارد الـرّئـيـسي الّـذي لا غـنى لـه عـنـه.

وقـد اغـتـنـم لَـيـارد ومـسـاعـده هـرمـز رسّـام فـرصـة تـرك بـول إمـيـل بـوتـا لـلـمـوصـل عـام 1948، بـعـد أن نـقـل مـن قـنـصـلـيـة الـمـوصـل إلى قـنـصـلـيـة الـقـدس، لـيـحـفـرا في مـوقـع خـورسـبـاد. ولأنّـهـمـا لـم يـعـثـرا عـلى قـطـع أثـريـة جـديـدة فـقـد أخـذا مـا كـان بـوتـا قـد تـركـه في الـخـنـادق بـعـد أن كـان قـد أخـرجـه مـن بـاطـن الأرض. وبـعـث لَـيـارد بـثـمـاني وعـشـريـن قـطـعـة مـنـهـا لـلـمـتـحـف الـبـريـطـاني. كـمـا اغـتـنـمـا هـذه الـفـرصـة لـيـحـفـرا في تـلّ قـويـنـجـق، الّـذي كـان بـوتـا قـد حـصـل عـلى فـرمـان مـن الـبـاب الـعـالي لـيـخُـصـص تـنـقـيـبـه لـه.

ووجـدا في الـجـزء الـجـنـوبي الـغـربي مـن الـتّـلّ قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـنـحـاريـب : “الـقـصـر الّـذي لا ثـاني لـه” بـمـنـحـوتـاتـه الـجـداريـة الـقـلـيـلـة الـبـروز الـشّـديـدة الـجـمـال. وكـان الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال، حـفـيـد سـنـحـاريـب، قـد رمـم قـصـر جـدّه وجـدده وسـكـنـه. ووصـلا إلى حـجـرتـيـن شـديـدتي الـسّـعـة مـلـيـئـتـيـن بـآلاف الألـواح الـمـسـمـاريـة : مـكـتـبـة الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال. (7)

ورغـم كـلّ هـذه الإكـتـشـافـات الـمـذهـلـة، إنـتـهـت الـحـمـلـة نـهـايـة مـؤلـمـة، فـقـد انـهـكـت الـحـرارة الـشّـديـدة جـسـد أوسـتـن هـنـري لَـيـارد ونـقـلـت لـه لـسـعـات الـبـعـوض مـرض الـمـلاريـا، فـتـرك الـمـوصـل نـهـائـيـاً في نـيـسـان 1851، ولـم يـعـد إلـيـهـا بـعـد ذلـك أبـداً. (8) وصـاحـبـه هـرمـز رسّـام إلى إنـكـلـتـرة.

صـراع عـلى الـحـفـر بـيـن الـبـريـطـانـيـيـن والـفـرنـسـيـيـن :

وفي نـفـس الـعـام، صـوّت الـمـجـلـس الـوطـني الـفـرنـسي عـلى تـمـويـل حـمـلـة تـنـقـيـبـات ثـانـيـة في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شَـروكـيـن) في خـورسـبـاد. وكـان بـول إمـيـل بـوتـا كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا قـد قـام بـالـحـمـلـة الأولى في عـامَي 1843ــ 1844. وعـهـد بـالإشـراف عـلى حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات الـثّـانـيـة هـذه إلى فـكـتـور بـلاس Victor Place الّـذي عـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في الـمـوصـل لـيـسـتـطـيـع الـقـيـام بـهـذه الـمـهـمـة. ووصـل فـكـتـور بـلاس إلى الـمـوصـل في 12 كـانـون الـثّـاني 1852.(9)

وفي أواخـر عـام 1852، عـهـد الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى هـرمـز رسّـام بـالـقـيـام بـالـحـفـريـات الّـتي كـان لّـيـارد قـد حـصـل عـلى سـمـاح بـالـقـيـام بـهـا، ولـكـن تـحـت إشـراف الـكـولـونـيـل هـنـري راولـنـسـن Henry Rawlinson، فـلـم يـكـن هـرمـز قـد تـجـاوز الـخـامـسـة والـعـشـريـن مـن عـمـره إلّا بـالـكـاد.

هرمز رسّام

وكـانـت الـدّراسـات الّـتي قـام بـهـا راولـنـسـن عـن الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة شـديـدة الأهـمـيـة، وإلـيـه يـعـود الـفـضـل الأكـبـر في حـلّ طـلاسـمـهـا والـتّـوصـل إلى قـراءتـهـا. ولأنّ هـنـري راولـنـسـن كـان لـغـويـاً لا مـنـقّـب آثـار، فـقـد تـرك مـهـمـة الـحـفـريـات لـهـرمـز رسّـام.

وبـعـد أن وصـل هـرمـز رسّـام إلى الـمـوصـل، إغـتـنـم فـرصـة غـيـاب الـفـرنـسي فـكـتـور بـلاس مـن قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) لـيـصـل مـع عـمّـالـه ويـطـرد حـارس الـمـوقـع ويـقـوم بـحـفـريـات لـحـسـابـه.

أمّـا عـن تـلّ قـويـنـجـق، الّـذي كـانـت الـسّـلـطـات الـعـثـمـانـيـة قـد خـصـصـتـه لـلـفـرنـسـيـيـن، وحـفـر فـيـه أوسـتـن هـنـري لَـيـارد ومـسـاعـده هـرمـز رسّـام مـن غـيـر سـمـاح، بـعـد تـرك بـول إمـيـل بـوتـا لـلـمـوصـل، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، فـقـد تـوصـل الـبـريـطـاني هـنـري راولـنـسـن والـفـرنـسي فـكـتـور بـلاس إلى اتـفـاق يـسـمـح فـيـه مـع ذلـك لـلـبـريـطـانـيـيـن بـالـتّـنـقـيـب ولـكـن في جـانـبـه الـجـنـوبي.

وبـدأ فـكـتـور بـلاس الـتّـنـقـيـب في الـجـانـب الـشّـمـالي. ولـكـنّ هـرمـز رسّـام لـم يـقـبـل بـهـذا الـتّـقـسـيـم، فـقـد أرسـل قـبـل ذلـك بـمـن يـقـوم بـحـفـريـات سـبـر في الـلـيـل في الـجـانـب الـشّـمـالي، وكـان يـعـرف أنّ أرضـه مـلـيـئـة بـالآثـار الـمـهـمّـة، فـأخـذ عـمـالـه لـيـحـفـروا فـيـه نـفـقـاً في الـلـيـل.

وفي 20 كـانـون الأوّل 1853 عـثـر عـلى قـطـع مـن الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز، وجـد في الـلـيـلـة الـتّـالـيـة أنّـهـا مـثـبّـتـة عـلى جـدار يـقـود حـتـمـاً إلى قـصـر. فـاسـتـدعى أعـداداً أخـرى مـن الـعـمـال لـيـوسـعـوا حـفـر الـنّـفـق … وهـكـذا تـوصّـل إلى مـنـحـوتـات مـشـاهـد صـيـد الأسـود في قـصـر الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال :

صيد الأسود آشوربانيبال

وعـنـدهـا قـرر هـرمـز رسّـام أن يـحـتـلّ الـمـوقـع في وضـح الـنّـهـار رغـم احـتـجـاجـات الـفـرنـسي فـكـتـور بـلاس الّـذي لـم يـسـتـطـع أن يـفـعـل شـيـئـاً ضـدّه ! وقـد أرسـل هـرمـز رسّـام أهـمّ هـذه الـمـنـحـوتـات إلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن، ومـا زالـت تـبـهـر زوّاره بـجـمـالـهـا ودقّـة نـحـتـهـا.

هـرمـز رسّـام في عـدن والـحـبـشـة :

وبـعـد انـتـهـاء الـتّـنـقـيـبـات ذهـب هـرمـز رسّـام إلى إنـكـلـتـرة. وسـاعـده لَـيـارد في تـعـيـيـنـه في الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة في عـدن. ثـمّ بـعـث عـام 1864 مـن عـدن إلى الـحـبـشـة يـحـمـل رسـالـة إلى امـبـراطـورهـا مـن الـمـلـكـة فـكـتـوريـا. ولـم تـنـجـح سـفـارتـه، وسـجـن في الـحـبـشـة عـدّة سـنـوات إلى أن سـقـط الإمـبـراطـور عـام 1868.

أمّـا أوسـتـن هـنـري لَـيـارد، فـقـد اشـتـغـل مـنـذ عـودتـه إلى إنـكـلـتـرة بـالـسّـيـاسـيـة، وانـتـخـب في مـجـلـس الـنّـواب ثـمّ عـيّـن وزيـراً لـلـشـؤون الـخـارجـيـة مـرّتـيـن، في 1852 و 1861.

جـورج سـمـيـث وتـنـقـيـبـات نـيـنـوى :

وفي تـشـريـن الـثّـاني مـن عـام 1872، وجـد الـبـريـطـاني جـورج ســمـيـث، في لـوح مـسـمـاري انـكـسـر بـعـضـه (كـان قـد عـثـر عـلـيـه هـرمـز رسّـام في بـقـايـا مـكـتـبـة آشـوربـانـيـبـال في نـيـنـوى) مـقـطـعـاً مـهـمـاً يـروي قـصّـة طـوفـان. وأدرك أنّـه يـحـكي جـزءاً مـن الـقّـصـة الّـتي رواهـا أوتـا نـفـشـتـيـم لـجـلـجـامـش عـن الـطّـوفـان الّـذي أرسـتـلـه الآلـهـة لـعـقـاب الـبـشـر. وأدرك جـورج سـمـيـث أنّـه وجـد أصـل أسـطـورة الـطّـوفـان الّـذي أخـذتـه الـتّـوراة بـعـد ذلـك. وأنّ أوتـا نـفـسـتـيـم هـو الّـذي غـيّـر كُـتّـاب الـتّـوراة اسـمـه إلى نـوح.

وقـد أرسـلـتـه صـحـيـفـة الـ Daily Telegraph الـلـنـدنـيـة  في 1873 إلى مـوقـع نـيـنـوى لـيـبـحـث عـن الـمـقـاطـع الّـتي تـكـمـلـه، ومـوّلـت الـحـمـلـة. ووصـل إلى الـمـوصـل في شـهـر آذار. وحـصـل لـه الـسّـفـيـر الـبـريـطـاني في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة عـلى فـرمـان يـسـمـح لـه بـالـتّـنـقـيـب. ثـمّ بـدأ في نـيـسـان حـفـريـات عـلى تـلّ قـويـنـجـق في الـمـوقـع الّـذي كـان أوسـتـن هـنـري لَـيـارد وهـرمـز رسّـام قـد وجـدا فـيـه مـكـتـبـة آشـوربـانـيـبـال الـثّـاني. وحـالـفـه الـحـظ فـعـثـر في شـهـر أيّـار عـلى مـقـطـع بـسـبـعـة عـشـر سـطـراً مـن نـفـس نـصّ الـطّـوفـان يـكـمـل مـا سـبـق.

وبـعـد أن نـجـح جـورج سـمـيـث في مـهـمـتـه، ولأنّ الـفـرمـان الّـذي كـان قـد حـصـل عـلـيـه مـازال سـاري الـمـفـعـول، فـقـد بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى الـمـوصـل مـن جـديـد عـام 1873.

ووصـل إلى تـلّ قـويـنـجـق في الأوّل مـن كـانـون الـثّـاني 1874لـيـكـمـل تـنـقـيـبـاتـه. وقـام بـحـفـريـات حـتّى شـهـر آذار وجـد فـيـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة، إلى أنّ قـرر والي الـمـوصـل إيـقـافـهـا لانـتـهـاء مـدّة صـلاحـيـة الـفـرمـان.

وطـلـب الـسّـفـيـر الـبـريـطـاني في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة مـن الـبـاب الـعـالي فـرمـانـاً جـديـداً يـسـمـح بـإكـمـال الـتّـنـقـيـبـات لـم يـصـدر إلّا في آذار 1876. وعـنـدمـا أراد جـورج سـمـيـث أن يـشـرع بـهـا كـان فـصـل الـحـرّ قـد بـدأ، ولـم يـجـد عـمـالاً يـقـبـلـون بـالـعـمـل طـيـلـة الـنّـهـار في لـهـب شـمـس الـقـيـظ. وتـرك الـمـوصـل في شـهـر آب ذاهـبـاً إلى حـلـب. وبـعـد أن سـار بـصـحـبـة قـافـلـة تـحـت أشـعـة الـشّـمـس الـمـحـرقـة عـدّة أيّـام، سـقـط مـريـضـاً ونـقـل إلى حـلـب الّـتي مـات فـيـهـا بـعـد أيّـام. (10)

هـرمـز رسّـام والـعـودة إلى الـحـفـريـات :

أمّـا عـن هـرمـز رسّـام، فـقـد اتّـصـل مـن جـديـد، بـعـد عـودتـه مـن الـحـبـشـة إلى إنـكـلـتـرة عـام 1869، بـمـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحـف الـبـريـطـاني. ولـكـنّ مـهـمّـة الـقـيـام بـالـحـفـريـات عـهـدت إلى جـورج سـمـيـث كـمـا سـبـق أن رأيـنـا.

ونـشـر في ذلـك الـعـام تـقـريـراً عـن مـهـمـتّـه في بـلاد الـحـبـشـة الّـتي كـان قـد سـجـن فـيـهـا أربـع سـنـوات :                                                           The British Mission to Theodore, King of Abyssinia

وجـلـس هـرمـز رسّـام في ذلـك الـعـام أمـام الـفـنّـان أرثـر أكـلانـد هـنـت    Arthur Ackland Hunt لـيـرسـم لـه صـورتـه في لـوحـة زيـتـيـة عـلى الـقـمـاش، مـا زالـت في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني :

XCF311214

وبـقي هـرمـز رسّـام في إنـكـلـتـرة وتـزوّج بـانـكـلـيـزيـة، ثـمّ ولـدت ابـنـتـه الـكـبـرى، تـريـزا في 1871، وتـبـعـهـا سـتّـة آخـرون بـعـد ذلـك.

وبـعـد وفـاة جـورج سـمـيـث في آب 1876، قـرر الـمـتـحـف الـبـريـطـاني عـام 1877  أن يـبـعـث إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة بـهـرمـز رسّـام الّـذي أسـرع بـالـقـبـول. وانـطـلـق نـحـو عـاصـمـة الـعـثـمـانـيـيـن في تـشـريـن الـثّـاني مـن نـفـس الـعـام مـحـاولاً الـحـصـول عـلى فـرمـان أهـمّ مـن سـابـقـه يـسـمـح لـه بـالـحـفـر في أكـبـر عـدد مـمـكـن مـن الـمـواقـع. وحـالـفـه حـظٌ لـم يـكـن يـحـلـم بـه، فـقـد عـيّـنـت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة أوسـتـن هـنـري لَـيـارد سـفـيـراً لـهـا في عـاصـمـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. ويـقـال إنّ لَـيـارد اتّـصـل بـالـسّـلـطـان لـلـحـصـول عـلى هـذا الـفـرمـان الإسـتـثـنـائي. وبـانـتـظـار صـدوره، قـرر لَـيـارد أن يـبـعـث هـرمـز رسّـام بـمـهـمّـة ديـبـلـومـاسـيـة إلى أرمـيـنـيـا.

وبـعـد عـودة هـرمـز رسّـام بـدأت الـحـفـريـات في كـانـون الـثّـاني عـام 1878. وقـرر أن يـقـوم بـحـفـريـات في عـدّة مـواقـع في نـفـس الـوقـت وفي أمـاكـن مـتـبـاعـدة. وقـد شـغّـل هـرمـز رسّـام مـعـه ابـن أخـيـه نـمـرود رسّـام Nimrûd Rassam لـيـشـرف عـلى الـحـفـريـات في مـنـطـقـة الـمـوصـل ومـا حـولـهـا.

أمّـا في مـنـطـقـة بـابـل ومـا حـولـهـا فـقـد أسـنـد تـنـفـيـذهـا إلى رؤسـاء عـمّـال أراهـم طـريـقـة حـفـر خـنـادق لـلـوصـول إلى أسـافـل الـجـدران وحـفـر أنـفـاق لـلـتـجـول في أعـمـاق الـمـواقـع. وكـان الـمـطـلـوب مـنـهـم فـقـط أن يـجـدوا أكـبـر أعـداد مـمـكـنـة مـن الـقـطـع الأثـريـة الّـتي يـمـكـن أن تـبـاع أو تـرسـل إلى إنـكـلـتـرة، وتـرك مـا لا يـسـتـحـقّ ذلـك في الـعـراء لـيـخـربـه تـعـاقـب الـفـصـول. ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر أعـداد الـمـواقـع الّـتي خـرّبـت بـهـذه الـطّـريـقـة وكـمـيـات الـقـطـع الأثـريـة الّـتي لا نـعـرف مـن أيـن أخـرجـت ولـم يـعـد مـمـكـنـاً وضـعـهـا في سـيـاق تـاريـخي واضـح.

وقـد بـدأت حـمـلـة هـرمـز رسّـام الأولى في تـلّ قـويـنـجـق في 7 كـانـون الـثّـاني 1878. ووجـد فـيـه حـوالي 2000 لـوح مـسـمـاري (مـن بـيـنـهـا بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش) ومـسـلّـة الـمـلـك آشـور نـاصـربـال، واسـتـمـرّت في مـوقـع نـمـرود الّـذي لـم يـجـد فـيـه كـثـيـراً مـن الـقـطـع الـمـهـمّـة بـعـد أن كـان قـد بـالـغ في نـهـبـه بـصـحـبـة أوسـتـن هـنـري لَـيـارد في الـحـمـلات الـسّـابـقـة.

وحـفـر أيـضـاً في بـلـوات. وتـقـع بـلـوات عـلى بـعـد 25 كـلـم. شـرق الـمـوصـل. ويـذكـر هـرمـز رسّـام أنّـه وجـد فـيـهـا الـبـوابـات الـمـغـطـاة بـطـبـقـات بـرونـزيـة طـرقـت بـالـمـطـرقـة وصـوّرت فـيـهـا مـشـاهـد كـامـلـة. وتـعـود إلى فـتـرة حـكـم الـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث (مـن 883 إلى 859 قـبـل الـمـيـلاد)، ويـمـكـن تـأمّـلـهـا الآن في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني :

بوابات بلوات

ونـزل هـرمـز رسّـام في كـانـون الـثّـاني عـام 1879 إلى مـنـطـقـة بـابـل، وقـام بـاسـتـطـلاعـات في مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة.

ووصـل في شـبـاط 1879 إلى تـلّـو (مـوقـع لـغـش الـقـديـمـة). وكـان الـفـرنـسي إرنـسـت دو سَـرزيـك يـنـقّـب في هـذا الـمـوقـع. (11) وفي فـتـرة لـم يـكـن فـيـهـا دو سَـرزيـك في الـمـوقـع، وصـل إلـيـه هـرمـز رسّـام مـع عـمّـالـه وقـام بـحـفـريـات مـدّة ثـلاثـة أيّـام كـامـلـة مـن غـيـر أن يـطـلـب الإذن مـن أحـد، كـمـا كـتـب ذلـك هـو نـفـسـه، ووجـد قـطـعـاً أثـريـة وألـواحـاً مـسـمـاريـة أخـذهـا وبـعـثـهـا إلى لـنـدن.

وكـان يـشـرف في نـفـس الـوقـت عـلى حـفـريـات في عـدد مـن الـتّـلال الأخـرى شـمـال بـابـل. وفي أواخـر شـهـر كـانـون الأوّل عـام 1880، زار هـرمـز رسّـام تـلَّي “الـدّيـر” و”أبـو حـبّـة”، وقـرر الـقـيـام بـحـفـريـات في تـلّ “أبـو حـبّـة” في كـانـون الـثّـاني 1881. وبـعـد 18 شـهـراً مـن الـعـمـل الـمـسـتـمـرّ، تـوصّـل إلى إزاحـة الـتّـراب عـن 130 غـرفـة مـن بـنـايـات الـمـوقـع ( والّـتي تـقـدّر بـ 300 غـرفـة بـكـامـلـهـا)، كـان مـن بـيـنـهـا 55 غـرفـة مـلـيـئـة بـمـا يـقـدّر بـيـن أربـعـيـن ألـف وخـمـسـيـن ألـف لـوح مـسـمـاري.

وكـان في الـجـانـب الـغـربي مـن الـتّـلّ مـا وصـفـه هـرمـز رسّـام بـ pyramid أي هـرم.  وقـيـل لـه إنّـه كـان يـحـتـوي عـلى مـصـغّـر مـن الـذّهـب لـسـفـيـنـة نـوح. والـحـقـيـقـة أنّ “الـهـرم” الّـذي حـفـر فـيـه كـان زقّـورة إبـابـار الـمـكـرّسـة لـلإلـه شـمـش. ورغـم أنّـه لـم يـجـد الـسّـفـيـنـة الـذّهـبـيـة الـخـرافـيـة فـقـد عـثـر عـلى مـا وضـع في أسـس الـزّقّـورة عـنـد إعـادة تـشـيـيـدهـا في زمـن الـمـلـك الـبـابـلي نـبـو بـولَـصَـر : صـنـدوق مـن الـفـخـار ولـوح الإلـه شـمـش وغـطـاءه :

سيبار لوح شمش

وشـاءت الأقـدار أن لا يـعـبـر هـرمـز رسّـام حـوش الـبـنـايـة ويـحـفـر في الـغـرفـة 355، وأنّ يـكـتـشـفـهـا فـريـق مـن عـلـمـاء الآثـار الـعـراقـيـيـن أشـرف عـلـيـهـم الـدّكـتـور ولـيـد الـجـادر في أواخـر ثـمـانـيـنـات الـقـرن الـمـاضي، فـقـد كـان فـيـهـا مـكـتـبـة مـن الـفـتـرة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخّـرة (حـوالي 635 إلى 550 قـبـل الـمـيـلاد) تـحـتـوي عـلى مـا يـقـارب 800 لـوح مـسـمـاري كـانـت مـصـفـوفـة عـلى رفـوفـهـا. ولـو كـان هـرمـز رسّـام قـد وجـدهـا لأخـذ أفـضـلـهـا وألـقـاهـا في صـنـاديـق مـن غـيـر أن يـدرس الـمـوقـع أو يـسـجّـل أمـاكـنـهـا أو مـحـتـويـاتـهـا بـدقّـة عـلـمـيـة، ولـتـرك مـا لـم يـسـتـحـقّ اهــتـمـامـه في الـعـراء لـيـخـربـه تـعـاقـب الـفـصـول.

ومـع ذلـك، لا يـمـكـنـنـا هـنـا إلّا أن نـشـيـد بـمـا تـوصّـل إلـيـه هـرمـز رسّـام في تـلَّي الـدّيـر وأبـو حـبّـة، فـقـد تـعـرّف فـيـهـمـا عـلى مـوقـعي سـيـبّـار أنـونـيـتـو Sippar-Anunnitu وسـيـبّـار جـخـرورو Sippar-Jahruru الـقـديـمـيـن.

ونـشـر هـرمـز رسّـام عـام 1881 مـقـالاً عـن نـتـائـج حـفـريـاتـه في بـلاد آشـور وبـلاد بـابـل  Recent Assyrian and Babylonian research  (12)، صـدر بـعـد ذلـك في كـتـيـب بـ 38 صـفـحـة :

كتاب هرمز رسام

وتـوقـفـت الـحـفـريـات بـعـد أن انـتـهـت في 25 تـمّـوز 1882 مـدّة صـلاحـيـة فـرمـان الـسّـمـاح بـهـا، ولـم يـجـدد. وعـاد هـرمـز رسّـام إلى إنـكـلـتـرة، وأقـام مـنـذ 1882، مـع زوجـتـه الإنـكـلـيـزيـة وأطـفـالـه في مـديـنـة بـرايـتـون في جـنـوب إنـكـلـتـرة.

هرمز رسّام 2

ونـشـر عـام 1895 كـتـابـاً بـ 48 صـفـحـة عـن جـنّـات عـدن وحـكـمـاء الـتّـوراة والإنـجـيـل

The Garden of Eden and Biblical Sages. (With Map)

وصـدر لـه في نـيـويـورك عـام 1897 كـتـابـه عـن آشـور وبـلاد نـمـرود. وهـو يـقـدّمـه عـلى أنّـه “نـتـائـج حـفـريـاتـه” في نـيـنـوى، آشـور، كـلـح، بـابـل، بـورسـيـبـا … ويـتـضـمـن سـرد سـفـراتـه في مـا بـيـن الـنّـهـريـن وآشـور وآسـيـا الـصّـغـرى وكـردسـتـان …

Asshur and the Land of Nimrod: Being an Account of the Discoveries Made in the Ancient Ruins of Nineveh, Asshur, Sepharvaim, Calah, Babylon, Borsippa, Cuthah, and Van, Including a Narrative of Different Journeys in Mesopotamia, Assyria, Asia Minor, and Koordistan, New York 1897.

Rassam Assyria

ولا يـنـتـمي هـذا الـكـتـاب إلى الـدّراسـات الّـتي تـفـصّـل نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة بـمـنـهـجـيـة عـلـمـيـة، وإنّـمـا هـو سـيـرة ذاتـيـة طـويـلـة بـ 432 صـفـحـة، مـلـيـئـة بـحـكـايـات وأحـداث مـشـوقّـة هـدفـهـا جـذب الـقـراء. ويـمـكـنـنـا مـع ذلـك بـقـراءتـه مـتـابـعـة حـفـريـاتـه مـنـذ أن بـدأهـا مـع أوسـتـن هـنـري لَـيـارد عـام 1846 وإلى أن أنـهـاهـا وحـده عـام 1882.

ووافـت الـمـنـيّـة هـرمـز رسّـام في بـرايـتـون سـنـة 1910.

ـــــــــــــــــــــ

(1)   نـجـد اسـمـه مـكـتـوبـاً بـالـعـربـيـة  : “لايـارد” و “لايـرد”. ويـبـدو لي أنّ “لَـيـارد” أقـرب إلى  الـلـفـظ الإنـكـلـيـزي الـصّـحـيـح. وكـان الأفـضـل أن أكـتـبـه “لَـيَـرد” لـولا أنّ الأذن الـعـربـيـة لا  تـسـتـسـيـغـه.

(2) يـمـكـنـنـا أن نـعـذر لَـيـارد لـقـبـولـه بـأن يـكـون “نـمـرود” شـخـصـيـة تـاريـخـيـة، فـقـد كـان ذلـك  قـبـل أن تـكـتـشـف حـضـارات مـا بـيـن الـنّـهـريـن ونـصـوصـهـا الـتّـاريـخـيـة. وقـد حـيـكـت حـولـهـا أسـاطـيـر جـعـلـت مـن “نـمـرود” مـلـكـاً جـبّـاراً حـكـم في عـدّة مـمـالـك مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

(3)  يـذكـر بـوتـا أنّ قـرويـاً مـن خـورسـبـاد جـاء إلى حـفـريـات قـويـنـجـق لـلـتّـفـرّج، وعـنـدمـا عـرف أنّـهـم يـبـحـثـون عـن آثـار قـديـمـة أخـبـره أنّ في قـريـتـه مـنـحـوتـات عـلى الـحـجـر.  وأرسـل بـوتـا بـعـض عـمـالـه مـع الـرّجـل لـيـتـأكّـد مـن ذلـك. وكـان مـا قـالـه الـرّجـل صـحـيـحـاّ، فـنـقـل بـوتـا حـفـريـاتـه في حـوالي مـنـتـصـف شـهـر آذار 1843 إلى خـورسـبـاد.  أنـظـر مـقـالي : رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

(4)  كـان هـنـري راولـنـسـن، الّـذي اشـتـغـل في خـدمـة شـركـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، قـد تـعـلّـم  الـلـغـات الـفـارسـيـة والـعـربـيـة والـهـنـدوسـتـانـيـة، ثـمّ أرسـل كـمـسـتـشـار عـسـكـري لـشـاه بـلاد الـفـرس، وهـنـاك نـسـخ نـقـوشـاً بـالـمـسـمـاريـة، وخـاصـة نـقـش بـيـهـسـتـون. وعـيّـن عـام  1843 مـسـؤولاً سـيـاسـيـاً في بـغـداد، وقـضى سـنـوات طـويـلـة في دراسـة نـقـش بـيـهـسـتـون وحـلّ طـلاسـمـه حـتّى اسـتـطـاع قـراءتـه. وبـهـذا يـعـود إلى الـفـضـل الأكـبـر في قـراءة الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة.

(5)   أنـظـر مـقـالي : فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

(6)   أنـظـر مـقـالي : رسـوم فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر عـن الـعـراق

(7) يـعـرف قـرّائي ولا شـكّ أنّ الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال (668 إلى 626 قـبـل الـمـيـلاد)، الّـذي كـان شـديـد الـثّـقـافـة ويـحـسـن هـو نـفـسـه قـراءة الـمـسـمـاريـة والـكـتـابـة بـهـا، جـمـع أغـلـب مـا كـتـب خـلال ثـلاثـة آلاف سـنّـة قـبـلـه بـالـسّـومـريـة والأكّـديـة (أي الـبـابـلـيـة ــ الآشـوريـة) مـن مـؤلـفـات عـلـمـيـة وديـنـيـة وأدبـيـة، وأمـر بـنـسـخـهـا وجـمـعـهـا في مـكـتـبـة هـائـلـة في قـصـره. وكـان مـن بـيـنـهـا مـا نـسـمـيـه بـالـصّـيـغـة الـنّـيـنـويـة لـمـلـحـمـة  جـلـجـامـش. ومـن ألـواحـهـا اسـتـطـاع جـورج سـمـيـث قـراءة بـعـض أجـزاء الـمـلـحـمـة بـعـد ذلـك. أنـظـر مـقـالي : كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش

(8)   ربّـمـا كـان سـبـب تـرك أوسـتـن هـنـري لَـيـارد لـحـفـريـاتـه أنّـه لـم يـقـبـل بـالـعـمـل تـحـت أوامـر هـنـري راولـنـسـن الّـذي عـهـد إلـيـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني بـالإشـراف عـلـيـهـا.

(9)   أنـظـر مـقـالي : بـدايـة اسـتـعـمـال الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

(10)   أنـظـر مـقـالي : كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش

(11) أنـظـر مـقـالي :  كـيـف خـرج الـسّـومـريـون مـن غـيـاهـب الـنّـسـيـان

(12)   Journal of the Transactions of the Victoria Institute, 14, 182–225.

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

الـسّـنـوات الـبـغـداديـة لـمـارغـو كـيـرتـيـكـار

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

(نـشـرت هـذا الـمـقـال الـقـصـيـر عـام 2012 كـعـرض سـريـع لـكـتـاب كـانـت مـارغـو كـيـرتـيـكـار قـد نـشـرتـه في الـعـام الـسّـابـق عـن الـسّـنـوات الـبـغـداديـة مـن حـيـاتـهـا، وأعـيـد نـشـره هـنـا لأنّ الـكـتـاب مـا زال يـسـتـحـق الـقـراءة).

كـتـبـت غـابـريـيـل فـون بـيـرنـسـتـورف في تـقـديـمـهـا لـكـتـاب مـارغـو كـيـرتـكـار Margo Kirtikar  أنّـه :

“إحـيـاء لـذكـريـات بـغـداد الّـتي كـانـت، والّـتي يـمـكـنـهـا أن تـعـود كـمـا كـانـت :  مـديـنـة مـتـعـددة الـثّـقـافـات والأعـراق والـلـغـات والأديـان، فـالـكـاتـبـة نـفـسـهـا ولـدت مـسـيـحـيـة، هـنـديـة الأب سـوريـة الأمّ، عـرفـت عـن كـثـب جـالـيـة بـغـداد الـهـنـديـة ودرسـت في مـدرسـة الـرّاهـبـات الـفـرنـسـيـات وتـشـبـعـت بـفـخـر الـعـراقـيـيـن بـمـاضـيـهـم وبـرغـبـتـهـم في الـتّـحـرر والاسـتـقـلال”.

 
وتـذكـر الـكـاتـبـة مـارغـو كـيـرتـيـكـار، وهي مـخـتـصّـة بـالـرّوحـانـيـات ونـالـت شـهـادة دكـتـوراه في مـا بـعـد الـطّـبـيـعـة (الـمـيـتـافـيـزيـقـيـا)، في مـقـدمـة كـتـابـهـا أنّـه سـيـرة ذاتـيـة لـحـيـاتـهـا حـتّى سـنّ الـعـشـريـن كـشـاهـدة عـلى حـيـاة شـعـب ثـريـة بـتـنـوّعـهـا وغـنـيّـة بـانـفـتـاحـهـا، كـتـبـتـه لـتـظـلّ ذكـريـات تـلـك الـفـتـرة حـيّـة في قـلـوب أطفـالـهـا وأحـفـادهـا وفي قـلـوب أبـنـاء الـعـراقـيـيـن وغـيـر الـعـراقـيـيـن الّـذيـن عـاشـوا في بـغـداد ثـمّ أجـبـرتـهـم الـظّـروف عـلى تـركـهـا.

وهي تـقـول :

“ومـع إني سِـعـت (1) في الأرض وسـكـنـت أوطـانـاً واكـتـسـبـت ثـقـافـات، وتـعـلّـمـت وكـبـرت وتـغـيّـرت، فـإنّي لا أسـتـطـيـع أن أنـكـر أصـلي. وتـبـقى بـغـداد حـيّـة في قـلـبي. وإذا مـا جـرحـت بـغـداد وتـألـمـت جـرحـتُ وتـألـمـتُ”.

وهي تـعـيـد وتـكـرر أنّ بـغـداد “كـانـت مـديـنـة مـلـيـئـة بـالـحـركـة والـجـدّ، مـتـقـدمـة سـلـمـيـاً، بـعـد أن خـرجـت مـن فـتـرة كـفـاح الـعـرب لـلـتّـحـرر والـدّفـاع عـن حـقـوقـهـم ضـدّ الـتّـدخّـلات الأجـنـبـيـة ” وأنّ “تـنـوّع الـسّـكـان واخـتـلافـاتـهـم جـزء مـهـم مـن ثـراء الـعـراق ومـن إرثـه الـعـريـق، وإنّ إنـكـار ذلـك سـيـؤدي إلى خـنـق روحـه والـحـدّ مـن طـمـوحـه وتـقـدّمـه”.
وعـنـوان الـكـتـاب الّـذي نـشـرتـه مـارغـو كـيـرتـيـكـار (ويـحـتـوي عـلى 360 ص.) : “بـغـداد في الـمـاضي : عـقـداهـا الـذّهـبـيـان في أربـعـيـنـات [الـقـرن الـمـاضي] وخـمـسـيـنـاتـه                                                                   Once Upon a Time in Baghdad: The Two Golden Decades The 1940s and 1950s

Margo K

وكـمـا لاحـظـت غـابـريـيـل فـون بـيـرنـسـتـورف في تـقـديـمـهـا لـه فـهـو :
“لـيـس سـرداً مـتـتـابـعـاً مـسـتـمـرّاً، وإنّـمـا قـطـع تـتـراكـب وتـتـجـمـع مـثـل رسـوم سـجّـادة شـرقـيـة تـتـداخـل فـيـهـا الأشـكـال والألـوان”.

ويـبـدأ الـكـتـاب في ربـيـع 1959 بـآخـر وجـبـة فـطـور في فـجـر بـغـداد تـشـرب فـيـه مـارغـو إسـتـكـان شـاي  istikan chai بـيـن صـيـاح الـدّيـكـة ونـداء الـمـؤذن لـلـصّـلاة وحـركـة الـعـائـلـة الّـتي كـانـت تـسـتـعـدّ لـمـصـاحـبـتـهـا إلى الـمـطـار لـتـغـادر لـلـدّراسـة في لـنـدن. وفي الـمـطـار تـجـد الأهـل والأصـدقـاء الّـذيـن جـاءوا لـتـوديـعـهـا … ولـكـنّ عـاصـفـة عـجـاج تـمـنـع الـطّـائـرة مـن الإقـلاع، ويـغـلـق الـمـطـار وتـعـود مـارغـو مـع أهـلـهـا إلى الـدّار.

 
وتـقـفـز في الـفـصـل الـثّـاني (وهـذا مـا نـسـمـيـه بـتـداعي الأفـكـار) إلى عـمـلـيـة “عـاصـفـة الـصّـحـراء” عـام 1990. وكـانـت مـارغـو آنـذاك في مـديـنـة لـوسـيـرن في سـويـسـرة، وحـيـدة، بـعـد طـلاقـهـا، بـعـيـدة عـن بـنـاتـهـا الـمـتـزوّجـات، عـنـدمـا اتـصـلـت بـهـا أخـتـهـا مـن لـنـدن وطـلـبـت مـنـهـا أن تـشـاهـد الـ CNN.

ورأت مـارغـو بـغـداد تـحـتـرق تـحـت قـنـابـل الأمـريـكـان … وبـكـت طـيـلـة الـنّـهـار. ويـعـود بـهـا هـذا، في الـفـصـل الـثّـالـث، إلى بـغـداد مـديـنـة الـسّـلام الـمـفـتـوحـة عـلى الـعـالـم أيـام صـبـاهـا … ثـمّ تـعـود في الـفـصـل الـرّابـع  إلى بـغـداد في نـهـايـة الـثّـلاثـيـنـات : “كـيـف جـاءت الأقـدار بـالـحـبّ في ربـيـع 1939” عـنـدمـا الـتـقى أبـوهـا الـهـنـدي، الّـذي كـان قـد اسـتـقـرّ في بـغـداد بـعـد أسـفـار طـويـلـة بـأمّـهـا الـسّـوريـة.

 
وتـتـكـلّـم في الـفـصـل الـخـامـس عـن مـدرسـة الـرّاهـبـات الـفـرنـسـيـات الّـتي دخـلـتـهـا في 1943، وعـن الـسّـنـوات الّـتي قـضـتـهـا فـيـهـا. ثـمّ تـسـتـمـر مـارغـو في ذكـريـاتـهـا عـن بـغـداد وحـيـاتـهـا الـسّـعـيـدة فـيـهـا حـتّى تـعـود في الـفـصـل الـخـامـس والـعـشـريـن مـع أهـلـهـا إلى مـطـار بـغـداد بـعـد انـتـهـاء عـاصـفـة الـعـجـاج لـتـكـمـل مـا بـدأتـه في الـفـصـل الأوّل … وفي هـذه الـمـرّة أقـلـعـت الـطّـائـرة نـحـو لـنـدن، تـاركـة وراءهـا بـغـداد الـطّـفـولـة والـصّـبـا ومـطـلـع الـشّـبـاب.

 
ولـكـنّ الـكـتـاب لـم يـنـتـه عـنـد ذلـك، فـقـد ألـحـقـت بـه مـارغـو كـيـرتـيـكـار “كـلـمـة مـؤخـرة ” أي “خـاتـمـة”، ومـلـحـق عـن الـمـسـيـحـيـيـن والـكـنـائـس الـعـراقـيـة، وقـامـوس صـغـيـر لـلـكـلـمـات الـعـراقـيـة الّـتي وردت في الـكـتـاب. ثـمّ ذكـرت الـمـراجـع الّـتي اسـتـعـمـلـتـهـا في كـتـابـة نـصّـهـا، وأنـهـت كـتـابـهـا بـألـبـوم صـور عـن حـيـاتـهـا وعـن بـغـداد في “الـعـقـديـن الـذّهـبـيـيـن”.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مـازالـت جـريـدة “الـمـدى” الـعـراقـيـة تـنـشـر هـذا الـمـقـال عـلى صـفـحـاتـهـا الاكـتـرونـيـة بـعـد أن حـذفـت اسـم الـكـاتـب !

(1) أسـتـعـمـل فـعـل سـاع يـسـوع بـمـعـنـاه الـمـعـتـاد في لـغـتي الـيـومـيـة، أي تـجـوّل في كـلّ الأمـاكـن وفي كـلّ الإتـجـاهـات.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

الـمـعـمـاري ج. م. ولـسـن في الـعـراق

Wilson st.

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـعـرف كـلّ الـمـهـتـمّـيـن بـتـاريـخ الـعـراق الـحـديـث مـنـذ انـتـهـاء الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وحـتّى مـنـتـصـف الـقـرن الـعـشـريـن جـيـمـس م. ولـسـن وأهـمـيـتـه في الإدارة الـبـريـطـانـيـة أو في الـحـفـاظ عـلى آثـارنـا أو في تـصـامـيـمـه الـمـعـمـاريـة لـعـدد مـن مـعـالـم الـعـراق مـا زال بـعـضـهـا قـائـمـاً في بـغـداد أو في مـدن أخـرى. وهـو ولا شـكّ واحـد مـن أهـمّ الـبـريـطـانـيـيـن الّـذيـن طـبـعـوا بـصـمـاتـهـم عـلى أجـزاء مـن ذاكـرتـنـا الـبـصـريـة، ويـسـتـحـق أن نُـحـسّـن مـعـرفـتـنـا بـه لـنـعـمّـق مـعـرفـتـنـا بـجـزء مـن تـاريـخـنـا.

ولـيـس هـدفي مـن هـذا الـعـرض الـمـبـسّـط الـسّـريـع إضـافـة مـعـلـومـات أو تـحـلـيـلات جـديـدة إلى مـا أسـهـبـت في ذكـره الـمـقـالات الـكـثـيـرة الّـتي كـتـبـت عـنـه وعـن إنـجـازاتـه في الـعـراق، ولـكـن الـتّـعـريـف بـه لـمـن لـم يـجـدوا بـعـد الـوقـت لـلإطّـلاع عـلـيـهـا أو مـن لـيـسـت لـهـم إمـكـانـيـة الـحـصـول عـلــيـهـا. (1)

وسـأقـتـصـر هـنـا عـلى ذكـر خـمـسـة تـصـامـيـم مـعـمـاريـة نـفـذّت أربـعـة مـنـهـا وبـقي الـخـامـس حـبـراً عـلى ورق.

ج. م. ولـسـن :

وسـنـبـدأ بـسـيـرة جـيـمـس مـولـيـسـون ولـسـن  James Mollison Wilson الّـذي ولـد سـنـة 1887 في إسـكـتـلـنـدة.

وفي عـام 1903، وكـان في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره، دخـل كـمـتـدرّب في مـكـتـب الـمـعـمـاري ولـيـام الـكـسـنـدر في مـديـنـة دانـدي Dundee، شـمـال شـرق إسـكـتـلـنـدة. وبـعـد وفـاة ولـيـام الـكـسـنـدر عـام 1904 وإغـلاق مـكـتـبـه، انـتـقـل إلى مـكـتـب تـومـاس مـارتـن كـابـون وبـقي فـيـه حـتّى عـام 1909، ثـمّ اشـتـغـل كـمـسـاعـد في مـكـتـب تـومـاس وويـلـكي.

وفي عـام 1910 تـرك ج. م. ولـسـن إسـكـتـلـنـدة وذهـب إلى إنـكـلـتـرة. وفي لـنـدن، إشـتـغـل كـمـسـاعـد في مـكـتـب غـيـبـسـن سـكـبـويـذ وغـوردن. وقـد أتـاح لـه هـذا فـرصـة الـدّراسـة في مـدارس الأكـاديـمـيـة الـمـلـكـيـة              The Royal Academy Schools. وبـقي في مـكـتـب غـيـبـسـن حـتّى عـام 1912 أو 1913، ثـمّ اشـتـغـل في مـكـتـب الـسّـيـر لَـتـشـنـس Sir E. L. Lutyens. وقـد صـادف انـضـمـامـه إلى هـذا الـمـكـتـب إطـلاق مـشـروع إنـشـاء عـاصـمـة جـديـدة في الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة : نـيـو دلـهي، أي دلـهي الـجـديـدة، والّـذي شـارك فـيـه لَـتـشـنـس. فـبـعـث إلى الـهـنـد مـع فـريـق الـمـعـمـاريـيـن لـلـعـمـل فـيـهـا تـحـت إشـراف لَـتـشـنـس.

وقـد اسـتـمـر ج. م. ولـسـن بـالـعـمـل مـع لَـتـشـنـس إلى أن جـنّـد في الـجـيـش الـهـنـدي عـام 1915، وخـدم في كـتـيـبـة خـيّـالـة الـبـنـجـاب، وتـرقّى إلى رتـبـة مـيـجـر.

وبـعـد انـتـهـاء الـحـرب عـيّـن الـمـعـمـاري الـمـيـجـر ج. م. ولـسـن عـام 1920 مـديـراً لـلأشـغـال الـمـدنـيـة director of civil works في بـغـداد، وكـان في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره. ثـمّ مـديـراً لـلأشـغـال الـعـمـومـيـة director of public works. وعـيّـن هـارولـد مـاسـون Harold C. Mason مـسـاعـداً لـمـعـمـار الـحـكـومـة لـيـعـمـل تـحـت أوامـره. وكـانـت مـهـمـاتـه تـشـيـيـد مـا يُـسـهّـل عـلى الـسـلـطـات الـبـريـطـانـيـة الإسـتـمـرار في احـتـلال الـعـراق مـثـل تـعـبـيـد الـطّـرق وتـشـيـيـد الـجـسـور وبـنـاء مـكـاتـب الإدارة إضـافـة إلى الـمـدارس والـمـسـتـشـفـيـات … إلـخ.

وبـعـد أن درس ج. م. ولـسـن تـنـظـيـم مـديـنـة بـغـداد الّـذي لـم يـكـن يـتـبـع أي تـخـطـيـط مـعـمـاري، اقـتـرح لـهـا تـصـمـيـمـاً أسـاسـيـاً يـنـطـلـق مـنـه تـوسـيـعـهـا بـطـريـقـة حـديـثـة.

وقـد صـمـم ج. م. ولـسـن عـام 1921 مـسـتـشـفى مـود الـتّـذكـاري في الـبـصـرة، في ذكـرى الـجـنـرال فـردريـك سـتـانـلي مـود                      The memorial to Lt General Sir Frederick Stanley Maude الّـذي كـان قـد فـتـح بـغـداد عـام 1917 ومـات فـيـهـا بـعـد عـدّة أشـهـر .

وقـد حـاول في تـصـمـيـمـه أن يـبـتـعـد عـن الأسـالـيـب الـكـلاسـيـكـيـة الأوربـيـة لـيـسـتـوحي بـعـض خـصـائـص فـنّ الـمـعـمـار الإسـلامي. ولـديـنـا رسـمـه لـلـتّـصـمـيـم الّـذي قـدّمـه :

Wilson memorial

وفي عـام 1923، طـلـبـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة مـن ج. م. ولـسـون  أن يـصـمـم بـلاطـاً مـلـكـيـاً مـتـواضـع الـمـسـاحـة والـعـلـو لـيـكـون مـقـرّ حـكـم الـمـلـك. وشـيّـد هـذا “الـبـلاط الـمـلـكي” في الـكـسـرة، في مـنـطـقـة الـوزيـريـة، قـرب قـصـر شـعـشـوع :

البلاط الملكي في الكسرة

وقـد قـبـل ج. م. ولـسـون عـام 1924 في “جـمـعـيـة الـمـعـهـد الـمـلـكي لـلـمـعـمـاريـيـن الإنـكـلـيـز     Associate of the Royal Institute of British Architects”. وكـان هـدف انـتـمـائـه هـذا إعـداد مـشـروع فـتـح مـكـتـب مـعـمـار مـسـتـقـل. أنـشـأه بـعـد ذلـك عـام 1926.

قـصـر الـمـلـك فـيـصـل الأوّل : 

أودّ أن أذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز هـنـا أنّ الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد في 1921 سـكـن في الـطّـابـق الأوّل مـن بـنـايـة الـسّـراي الّـتي كـانـت مـقـرّ الـوالي في زمـن الـحـكـم الـعـثـمـاني. وكـان مـكـتـب ج. م. ولـسـن في الـطـابـق الأرضي مـن نـفـس الـبـنـايـة. وكـان طـبـيـعـيـاً أن يـعـهـد لـولـسـن بـتـصـمـيـم قـصـر يـلـيـق بـالـمـلـك الـجـديـد عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة. ولـكـنّ الـمـشـروع لـم يـبـدأ إلّا عـام 1926.

وقـدم ولـسـن إلى جـانـب رسـم الـتّـصـمـيـم رسـمـاً رائـع الـجـمـال بـالألـوان الـمـائـيـة :

ولسن القصر الملكي

ونـجـد في هـذا الـتّـصـمـيـم أغـلـب الـخـصـائـص الّـتي تـمـيّـز أسـلـوب ولـسـن الـمـعـمـاري : تـمـاثـل الـجـانـبـيـن الأيـمـن والأيـسـر، وتـقـدّم الـمـدخـل نـحـو الـنّـهـر بـالـنـسـبـة لـبـاقي الـبـنـايـة، والـبـوابـة الـواسـعـة بـثـلاث فـتـحـات مـقـوّسـة الأعـالي، والـقـبّـة الـواسـعـة الـمـنـخـفـضـة الـتّـكـويـر الّـتي تـعـلـو الـمـدخـل تـحـيـطـهـا أربـع قـبـاب صـغـيـرة، ونـوافـذ الـطّـابـق الأوّل الّـتي تـتـقـدّمـهـا شـرفـات تـضـفي عـلـيـهـا ظـلاّ يـحـمـيـهـا في الـصّـيـف، وأجـنـحـة إضـافـيـة خـلـف الـبـنـايـة الـرّئـيـسـيـة …

وعـنـدمـا عـاد ج. م. ولـسـن إلى لـنـدن وعـرض مـشـروعـه عـلى الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة، رفـضـه الـمـسـؤولـون بـحـجـة أنّـه بـالـغ الـتّـكـالـيـف. وعـلى كـلّ حـال فـقـد خـفـضـت مـيـزانـيـة مـديـريـة الأشـغـال الـعـامـة في بـغـداد، وبـقي الـتّـصـمـيـم حـبـراً وألـوانـاً مـائـيـة عـلى الـورق !

وقـد أنـشـأ ولـسـن في لـنـدن ذلـك الـعـام مـع مـاسـون وآخـريـن مـكـتـبـاً مـعـمـاريـاً أسـمـاه ” J.M. Wilson, H.C Mason & Parteners”، وتـرك الـعـراق (2)، ولـكـنّـه اسـتـمـرّ في ارتـبـاطـاتـه مـع الـعـراق، فـقـد أعـجـب الـمـلـك فـيـصـل الأوّل بـمـشـروع الـقـصـر رغـم أنّـه لـم يـنـفّـذ، وعـيّـن ولـسـن مـسـتـشـاراً مـعـمـاريـاً لـلـحـكـومـة الـعـراقـيـة.

جـامـعـة آل الـبـيـت :

قـرر الـمـلـك فـيـصـل الأوّل إنـشـاء “جـامـعـة آل الـبـيـت”. وصـمـم لـهـا ج. م. ولـسـن عـام 1926 بـنـايـات تـتـوسّـطـهـا حـديـقـة واسـعـة تـوصـل إلى بـنـايـات مـسـاكـن الـطّـلّاب. وكـان مـشـروع تـأسـيـس جـامـعـة آل الـبـيـت يـنـصّ عـلى فـتـح كـلـيـات لـعـلـوم الـدّيـن ولـلـعـلـوم والـطّـب والـهـنـدسـة والـحـقـوق، ولـكـن لـم يـفـتـح مـنـهـا إلّا كـلـيـة لـعـلـوم الـدّيـن، ثـمّ أغـلـقـت الـجـامـعـة عـام 1930.

Wilson Al albayt

وقـد اسـتـعـمـل ولـسـن في تـشـيـيـد الـبـنـايـة الـطـابـوق، الّـذي كـان الـمـادة الأسـاسـيـة في الـمـعـمـار الـعـراقي مـنـذ الـسّـومـريـيـن. واسـتـعـمـل تـراكـيـب مـتـشـابـكـة مـن الـطّـابـوق يـبـدو أنّـه اسـتـوحـاهـا مـن أسـالـيـب الـمـعـمـار الـعـبّـاسي وخـاصـة مـن الـجـامـعـة الـمـسـتـنـصـريـة. كـمـا نـجـد فـيـهـا جـزئـيـات اسـتـوحـاهـا مـن “الآرت ديـكـو” واسـتـطـاع إدخـالـهـا لـتـنـاسـب الـجـزئـيـات الـبـاقـيـة. ولا شـكّ في أنّ جـمـال تـشـيـيـد بـنـايـات جـامـعـة آل الـبـيـت يـعـود إلى مـهـارة الأسـطـوات الّـذيـن اعـتـمـد عـلـيـهـم ولـسـن وقـدراتـهـم الـهـائـلـة عـلى اسـتـعـمـال خـبـراتـهـم ومـعـرفـتـهـم الـعـمـيـقـة بـأسـرار الـمـعـمـار الـتّـراثي في خـلـق إبـداعـات جـمـالـيـة لا مـثـيـل لـهـا.

مـكـاتـب مـيـنـاء الـبـصـرة :

بـعـد أن أنـشـئـت شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة الـفـارسـيـة                       The Anglo Persian Oil Company عـام 1909، قـررت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة إنـشـاء الـمـصـفـاة في عـبـدان ومـكـاتـب إدارة الـشّـركـة قـرب الـبـصـرة. وعـهـد لـولـسـن بـتـشـيـيـد هـذه الـمـكـاتـب في بـنـايـة مـركـزيـة تـتـجـمـع حـولـهـا نـشـاطـات الـمـيـنـاء. ورسـم ج. م. ولـسـن عـام 1929 تـصـمـيـمـاً لـقـاعـتـهـا الـرّئـيـسـيـة الّـتي اخـتـار لـهـا الـطّـابـوق كـمـادة بـنـاء، ونـجـد فـيـه أيـضـاً أغـلـب الـخـصـائـص الّـتي تـمـيّـز أسـلـوبـه الـمـعـمـاري الّـذي سـبـق أن رأيـنـاه : تـمـاثـل الـجـانـبـيـن الأيـمـن والأيـسـر، والـبـوابـة الـواسـعـة بـثـلاث فـتـحـات مـقـوّسـة الأعـالي، والـقـبّـة الـواسـعـة الـمـنـخـفـضـة الـتّـكـويـر بـالـقـاشـاني الأزرق الّـتي تـعـلـوهـا.

port offices basra

ونـجـد في داخـلـهـا سـلّـمـاً عـريـضـاً بـإحـدى عـشـرة درجـة يـنـفـصـل بـعـدهـا إلى جـزئـيـن يـفـضي كـل مـنـهـمـا إلى جـانـب مـن جـانـبي الـطّـابـق الأوّل الّـذي يـضـمّ الـمـكـاتـب.

Wilson Basra port

وقـد افـتـتـح الـمـلـك فـيـصـل الأوّل الـبـنـايـة في 1929.

مبنى مديرية الموانئ

وعـهـد إلى ولـسـن عـام 1931 بـتـصـمـيـم مـيـنـاء الـبـصـرة الـجـوّي أي مـطـار الـبـصـرة. وشـاركـه في ذلـك هـارولـد مـاسـون Harold C.Mason الّـذي كـان يـعـمـل تـحـت أوامـره عـنـدمـا كـان مـعـمـاري الـحـكـومـة ومـشـاركـه في مـكـتـب مـعـمـاره الـلـنـدني. وقـد اخـتـيـر أن يـشـيّـد عـلى ضـفـة شـطّ الـعـرب. وكـان الـمـطـار أحـد الـمـواقـف الّـتي كـانـت تـحـتـاجـهـا الـطّـائـرات في رحـلاتـهـا الـطّـويـلـة بـيـن بـريـطـانـيـا والـهـنـد.

ولـديـنـا رسـم لـه بـالألـوان الـمـائـيـة نـفّـذه سـيـرل فـري  Cyril Farey عـام 1937 :

ولسن مطار البصرة

وصـمـمـت لـه قـاعـة انـتـظـار حـديـثـة بـأسـلـوب الـ “آرت ديـكـو” :

Wilson Basra Airport

كـمـا اقـتـرح ج. م. ولـسـن عـام 1935 تـصـمـيـمـاً لـمـشـروع تـشـيـيـد كـنـيـسـة الـقـديـس جـورج في كـرادة مـريـم في بـغـداد في ذكـرى جـنـود الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة الّـذيـن قـتـلـوا في الـشّـرق خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى. وانـتـهى تـشـيـيـدهـا عـام 1937 :

كنيسة القديس جورج

وبـعـد أن نـقـلـت الـحـكـومـيـة الـبـريـطـانـيـة مـلـكـيـة سـكـك الـعـراق الـحـديـديـة إلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة عـام 1936، قـررت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة عـام 1947 تـشـيـيـد مـحـطـة قـطـار عـالـمـيـة في بـغـداد لـتـضـمّ أيـضـاً مـكـاتـب إدارة الـسّـكـك الـحـديـديـة، وعـهـدت إلى ج. م. ولـسـن بـتـصـمـيـم الـمـشـروع. وكـان ولـسـن في الـسّـتـيـن مـن عـمـره وبـلـغ درجـة عـالـيـة مـن الـنّـضـوج الـتّـقـني. وخـطـط بـنـايـة مـركـزيـة ضـخـمـة فـيـهـا قـاعـة الإنـتـظـار وشـراء الـتّـذاكـر، تـعـلـوهـا قـبّـة واسـعـة مـنـخـفـضـة الـتّـكـويـر قـطـرهـا حـوالي 22 مـتـراً. وهـو مـا تـعـودنـا عـلى رؤيـتـه في أغـلـب تـصـامـيـمـه.

محطة بغداد العالمية 2

محطة بغداد العالميةوفـيـهـا مـطـعـم ومـخـازن ومـكـتـب بـريـد وتـلـغـراف ومـصـرفالمحطة العالميةومـن هـذه الـقـاعـة يـمـكـن لـلـمـسـافـر الـوصـول إلى ثـمـانـيـة أرصـفـة يـسـتـقـل قـطـاره مـن أحـدهـا. وقـد تـغـيـر الـتّـصـمـيـم في صـيـغـتـه الـنّـهـائـيـة وأضـيـف إلـيـه بـرجـان وضـعـت عـلـيـهـمـا سـاعـتـان :

محطة بغداد العالمية 3

gare baghdad

وقـد أوقـف ولـسـن نـشـاطـه في عـام 1956، وتـوفي سـنـة 1965.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) يـمـكـن لـلـقـارئ تـوسـيـع مـعـرفـتـه بـالـمـوضـوع بـمـطـالـعـة بـعـض الـمـقـالات الـمـهـمـة وخـاصّـة مـقـالات الـدّكـتـور خـالـد الـسّـلـطـاني في عـدّة مـنـشـورات عـراقـيـة، ومـقـالـه (بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة) :

K. Sultani, ‘Architecture in Iraq between the Two World Wars, 1920–1940’, UR, International Magazine of Arab Culture; London Iraqi Cultural Centre (1982), pp. 93 –105.

ومـقـال إيـان جـاكـسـون عـن الـمـعـمـار خـلال فـتـرة الإنـتـداب الـبـريـطـاني عـلى الـعـراق :

Iain Jackson, The architecture of the British Mandate in Iraq: nation-building and state creation, The Journal of Architecture · May 2016.

ومـقـال بـري جـويـس عـن تـشـيـيـدات بـغـداد :

Barry Joyce, The building of Baghdad, The RIBA Journal, November 2017.

(2) كـتـبـت جـرتـرود بـيـل لأبـيـهـا في 2 تـمّـوز 1926 عـن ج. م. ولـسـن الّـذي كـان قـد صـاحـبـهـا في بـعـض جـولاتـهـا الأثـريـة، وتـولى تـنـظـيـم الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عُـثـر عـلـيـهـا في الـتّـنـقـيـبـات وتـصـنـيـفـهـا لإعـداد الـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد : “لـقـد أخـذت عـلى عـاتـقي مـسـؤولـيـة الـمـتـحـف الـشّـديـدة الأهـمـيـة … وقـد ألـحـحـت مـنـذ أكـثـر مـن سـنـة كـامـلـة عـلى أن يـخـصـصـوا لـه بـنـايـة. وقـد شـغـرت بـنـايـة في الـشّـتـاء الـمـاضي، وأعـطـوهـا لـلـمـتـحـف مـع مـبـلـغ كـبـيـر مـن الـمـال لإعـداده. وقـد بـدأت أوّل مـا بـدأت بـإعـادة بـنـاء الـسّـطـح، ثـمّ تـوقـفـت الأعـمـال مـدّة شـهـريـن عـلى الأقـل بـسـبـب فـيـضـان دجـلـة. ولـو لـم أكـن هـنـا لـمـا خـرجـت كـلّ هـذه الـقـطـع الأثـريـة مـن بـاطـن الأرض، ولـو لـم أضـمـن حـمـايـتـهـا. وقـد نـقـلـوهـا كـيـفـمـا اتـفـق إلى الـمـتـحـف، ولا أحـد غـيـري يـسـتـطـيـع أن يـنـظـمـهـا ويـصـنّـفـهـا بـعـد أن غـادر ج. م. ولـسـون J. M. Wilson الـعـراق”.

أنـظـر مـقـالي : فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الـثّـاني

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الـثّـاني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

مـن تـتـويـج فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق إلى وفـاة جـرتـرود بـيـل :

يـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـن خـلال الـرّسـائـل الّـتي كـتـبـتـهـا الإنـكـلـيـزيـة جـرتـرود لـوثـيـان بـيـل  Gertrude Lowthian Bell لأبـيـهـا ولـزوجـة أبـيـهـا (1) ومـن الـنّـصـوص الأخـري الّـتي تـركـتـهـا، عـلاقـات الـصّـداقـة والـثّـقـة الـمـتـبـادلـة الّـتي ربـطـت بـيـنـهـا وبـيـن الأمـيـر فـيـصـل، ابـن الـحـسـيـن شـريـف مـكّـة، مـنـذ أوّل لـقـاء بـيـنـهـمـا في بـاريـس عـام 1919، ثـمّ عـنـد تـتـويـج الأمـيـر فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق عـام 1921 وحـتّى وفـاة “الـخـاتـون” جـرتـرود في بـغـداد عـام 1926.

وقـد تـكـلّـمـت لـكـم في الـقـسـم الأوّل (2) عـن عـلاقـتـهـمـا الـودّيـة مـنـذ لـقـائـهـمـا الأوّل في بـاريـس عـام 1919 وحـتّى تـتـويـج فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى الـعـراق، وأنـهـيـنـاه بـوصـول الأمـيـر فـيـصـل إلى حـوش الـسّـراي في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب 1921، في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـرتـديـاً الـزّي الـعـسـكـري … وتـوّج مـلـكـاً عـلى الـعـراق. ونـهـضـت الـمـس جـرتـرود بـيـل مـع الـمـدعـويـن وهـتـفـت مـعـهـم : “عـاش الـمـلـك !”.

جـرتـرود بـعـد تـتـويـج فـيـصـل :

وعـادت الـمـس جـرتـرود إلى مـكـتـبـهـا بـعـد انـتـهـاء حـفـل الـتّـتـويـج لـتـتـنـاول الـفـطـور قـبـل أن تـرتـفـع الـشّـمـس في الـسّـمـاء “لـتـحـرق الـمـسـامـيـر في الأبـواب”(3) ثـمّ تـكـمـل الـمـهـمـات الّـتي أوكـلـت إلـيـهـا في الـظّـل بـعـيـداً عـن لـهـب آب. وقـد نـظّـمـت الـمـس جـرتـرود اسـتـقـبـال الـوفـود الّـتي وصـلـت مـن كـلّ مـنـاطـق الـعـراق في الأيّـام الـتّـالـيـة لـمـبـايـعـة فـيـصـل، بـحـيـث تـمـرّ أيـضـاً أمـام الـمـنـدوب الـسّـامي الـبـريـطـاني بـرسي كـوكـس Percy COX لـتـحـيّـيـه وتـحـيّـيـهـا هي أيـضـاً الـواقـفـة بـجـانـبـه.

وقـد كـتـبـت رسـالـة لأبـيـهـا تـصّـف لـه فـيـهـا بـمـرحـهـا الـمـعـتـاد بـعـض رؤوسـاء هـذه الـوفـود وتـنـهـيـهـا بـهـذه الـجـمـل الّـتي تـعـبـر فـيـهـا عـن تـعـلّـقـهـا الـمـزداد بـالـعـراق : “لا أدري كـيـف يـمـكـنـني أن أغـادر هـذا الـبـلـد نـهـائـيـاً […] ومـا زالـت أمـامـنـا أشـغـال مـنـهـكـة سـتـمـلأ فـصـل الـشّـتـاء، الـبـرلـمـان والـقـانـون الأسـاسي. ولـم يـبـقَ لي وقـت فـراغ يـمـكـن أن أفـكّـر فـيـه بـأشـيـاء أخـرى”.

وقـبـل أن يـنـتـهي الأسـبـوع الأوّل الّـذي تـلا الـتّـتـويـج، دعـا الـمـلـك فـيـصـل الـمـس جـرتـرود بـيـل لـيـسـتـشـيـرهـا في تـصـمـيـم الـعـلـم الـجـديـد وفي شـعـار الـمـمـلـكـة.

وكـانـت جـرتـرود، كـمـا رأيـنـا في الـقـسـم الأوّل مـن هـذا الـمـقـال، قـد أعـدّت لـلأمـيـر فـيـصـل سـكـنـاً في جـانـب مـن الـسّـراي بـعـد أن أشـرفـت عـلى تـرمـيـم الـغـرف وصـبـغـهـا. وكـانـت قـد بـدأت بـإعـداد دار لـلـمـلـك تـطـلّ عـلى نـهـر دجـلـة. واكـتـمـلـت الـدّار وانـتـقـل إلـيـهـا الـمـلـك فـيـصـل في شـهـر أيـلـول. وقـد دعـاهـا إلى أوّل حـفـل عـشـاء أقـامـه فـيـهـا. وذهـبـت إلى الـحـفـل بـقـارب عـلى دجـلـة. وكـتـبـت لأبـيـهـا في 11 أيـلـول :

“هـل سـبـق لي أن وصـفـت لـك الـنّـهـر في لـيـلـة صـيـف حـارّة ؟ فـعـنـد غـروب الـشّـمـس يـظـلّ الـضّـبـاب مـعـلـقـاً فـوق الـمـاء كـشـرائـط بـيـضـاء طـويـلـة، ثـمّ تـبـهـت حـمـرة الـشّـفـق، وتـلـتـمـع أضـواء الـمـديـنـة في جـانـبـيـهـا، يـخـتـرقـهـا الـنّـهـر غـامـق الـلـون، هـادئ الـصّـفـحـة تـعـلـو مـيـاهـه انـعـكـاسـات مـلـيـئـة بـالأسـرار […] ويـنـزلـق عـلـيـهـا بـسـكـون “بـلـم” يـنـبـض في مـقـدمـتـه ضـوء خـافـت، ثـمّ عـدّة قـفـف في كـلّ واحـدة مـنـهـا فـانـوس صـغـيـر، مـلـيـئـة إلى أعـلى حـوافّـهـا بـ “رقّي” سـامـراء … وخـفـفـنـا مـن سـرعـة قـاربـنـا لـكي لا يـعـيـقـهـم رذاذ الـمـاء، ولـكي لا تـطـفئ أمـواج حـركـة قـاربـنـا شـمـوع الـقـرابـيـن الّـتي يـرتـفـع لـهـب كـلّ واحـدة مـنـهـا طـافـيـة فـوق قـطـعـة مـن جـريـد الـنّـخـيـل، ألـقـتـهـا فـوق الـمـاء أيـدٍ قـلـقـة تـأمـل بـالـسّـكـيـنـة. وإذا مـا وصـلـت إلى آخـر مـنـازل الـمـديـنـة مـن غـيـر أن تـنـطفئ فـسـيـتـشـافى الـمـريـض أو سـيـولـد الـطّـفـل سـالـمـاً مـعـافى لـيـدخـل في ظـلام هـذا الـعـالـم الـشّـديـد الـحـرارة الـنّـابـض بـالأضـواء الـخـافـتـة … وهـا قـد أوصـلـتـك الآن إلى شـاطئ الـنّـهـر الّـذي تـصـطـف عـلى حـافـتـه الـنّـخـيـل. وصـفـحـة الـمـاء شـديـدة الـسّـكـون تـمـكّـنـك مـن رؤيـة الـعـقـارب فـيـهـا، والـنّـجـوم … نـجـمـة بـنـجـمـة … وهـا قـد وصـلـنـا إلى الـدّرج الّـذي يـصـعـدنـا إلى دار فـيـصـل”.

وكـانـت عـائـلـة فـيـصـل قـد بـقـيـت في مـكّـة. كـتـبـت الـمـس بـيـل، الّـتي كـان الـبـغـداديـون قـد اسـمـوهـا بـالـخـاتـون، لأبـيـهـا في 24 تـمّـوز 1921، أي قـبـل تـتـويـج فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق :

“طـلـب مـنّي فـيـصـل الـحـضـور وتـكـلّـمـنـا طـويـلاً. سـألـتـه عـن زوجـتـه، الّـتي هي ابـنـه عـمّـه واقـتـرحـت عـلـيـه أن تـأتي لـتـشـغـل مـكـانـتـهـا ويـكـون لـهـا بـلاطـهـا [الّـذي تـسـتـقـبـل فـيـه كـمـلـكـة]. وكـان الـخـجـل يـمـنـعـه عـن الـكـلام في هـذا الأمـر، وهـم [أي الـعـرب] دائـمـاً يـحـاولـون تـحـاشي الـكـلام عـن زوجـاتـهـم. ووافـق عـلى أن نـبـدأ بـإعـداد مـجـيـئـهـا”.

ورغـم أنّ الـعـراق نـصـب مـلـكـاً عـلـيـه وشـكّـل حـكـومـة فـهـو لـم يـكـن بـعـد عـضـواً في “عـصـبـة الأمـم”، ولـم يـكـن لـه كـيـان سـيـاسي مـعـتـرف بـه. ولـهـذا طـلـبـت “عـصـبـة الأمـم” مـن بـريـطـانـيـا أن تـعـلـن انـتـدابـهـا عـلى الـعـراق لـتـكـون مـسـؤولـة عـنـه. ولـكـنّ فـيـصـل كـان يـرفـض الإنـتـداب ولـم يـقـبـل بـعـد بـتـوقـيـع مـعـاهـدة مـع بـريـطـانـيـا خـوفـاً مـن إثـارة الـقـوى الـوطـنـيـة ضـدّه.

ومـرّ عـام 1921، ولـم يـسـتـطـع بـرسي كـوكـس إقـنـاع فـيـصـل بـقـبـول الإنـتـداب أو تـوقـيـع الـمـعـاهـدة. ونـفـد صـبـر ونـسـتـون تـشـرتـشـل، وزيـر الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـاني، فـطـلـب مـن بـرسي كـوكـس وفـيـصـل أن يـأتـيـا لـيـعـرضـا عـلـيـه آراءهـمـا في لـنـدن. ولـكـن بـرسي كـوكـس أفـهـمـه أن الأفـضـل الـتّـوصـل إلى حـلّ في بـغـداد بـالإسـتـمـرار في الـتّـفـاوض مـع فـيـصـل. واسـتـمـرّت الـمـنـاقـشـات والـمـفـاوضـات لإيـجـاد حـلّ يـرضي جـمـيـع الأطـراف.

وبـعـد أن ذهـبـت جـرتـرود بـيـل إلى الـقـدس عـام 1922 لـتـقـضي شـهـري نـيـسـان وأيّـار مـع والـدهـا الّـذي كـان قـد أتى مـن لـنـدن، عـادت إلى بـغـداد وشـرعـت في بـدايـة شـهـر تـمـوّز بـإعـداد قـانـون لـحـمـايـة الآثـار الـقـديـمـة في الـعـراق. (4)

وأصـيـب الـمـلـك فـيـصـل في شـهـر آب بـالـتـهـاب حـادّ لـلـزّائـدة الـدّوديـة ألـزمـه الـفـراش. كـتـبـت الـمـس جـرتـرود لأبـيـهـا في 27 آب 1922 : “هـا قـد مـرّت الأيّـام الـعـشـرة الأكـثـر خـطـراً … وقـد ارتـفـعـت حـرارة [الـمـلـك] في الـمـسـاء، ووقـف قـربـه في الـسّـادسـة صـبـاحـاً خـمـسـة أطـبّـاء، إنـكـلـيـزيـان وثـلاثـة مـن الـعـرب، يـتـنـاقـشـون فـيـمـا إذا كـان مـن الـضّـروري إجـراء عـمـلـيـة جـراحـيـة حـالاً. واتـفـقـوا عـلـيـهـا في الـثّـامـنـة، وانـتـهـوا مـن إجـرائـهـا بـنـجـاح في الـحـاديـة عـشـرة”.

واغـتـنـم الـسّـيـر بـرسي كـوكـس الـفـرصـة لـيـتـنـاقـش مـبـاشـرة مـع رئـيـس الـوزراء. وبـعـد مـنـاقـشـات طـويـلـة وقّـعـت حـكـومـة الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في تـشـريـن الأوّل مـعـاهـدة مـع بـريـطـانـيـا تـخـوّل لـبـريـطـانـيـا الإسـتـمـرار بـالإشـراف عـلى الـسّـيـاسـة الـعـراقـيـة لـمـدة عـشـريـن سـنـة. وأعـلـن الـمـلـك فـيـصـل الأوّل تـوقـيـع الـمـعـاهـدة في 13 مـن ذلـك الـشّـهـر، وأمـر بـإعـداد انـتـخـابـات لاخـتـيـار أعـضـاء مـجـلـس لـلـنّـوّاب لـيـصـادقـوا عـلـيـهـا.

وفي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني، عـيّـن الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، بـمـوافـقـة الـحـكـومـة الـعـراقـيـة الـمـس جـرتـرود بـيـل مـديـرة فـخـريـة لـلآثـار الـعـراقـيـة.

وفي نـفـس الـشّـهـر عـيّـن مـارشـال الـقـوات الـجـويـة Air Marshal الـسّـيـر جـون سـالـمـونـد  Sir John Salmond قـائـداً لـلـقـوّات الـجـوّيـة الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة R A F في الـعـراق والّـتي كـانـت مـهـمـتـهـا الـرّئـيـسـيـة قـمـع انـتـفـاضـات الـعـشـائـر.

ووصـل الـسّـيـر هـنـري دوبـس Sir Henry Dobbs في شـهـر كـانـون الأوّل لـيـشـغـل مـنـصـب الـمـنـدوب الـسّـامي في فـتـرة غـيـاب الـسّـيـر بـرسي كـوكـس وذهـابـه إلى لـنـدن. وكـانـت مـهـمـتـه الإشـراف بـاسـم الـدّولـة الـبـريـطانـيـة عـلى شـؤون الأمـن والـعـلاقـات الـخـارجـيـة لـلـمـلـكـة الـعـراقـيـة.

وقـد طـلـب هـنـري دوبـس مـن الـمـس جـرتـرود بـيـل أن تـقـبـل بـالاسـتـمـرار في شـغـل مـنـصـب “أمـيـنـة سـرّ الـشّـؤون الـشّـرقـيـة Oriental secretary”. ولـكـنّـه لـم يـعـد يـدعـوهـا إلى اجـتـمـاع أسـبـوعي لـمـنـاقـشـة مـا يـنـبـغي اتـخـاذه مـن إجـراءات سـيـاسـيـة كـمـا كـان بـرسي كـوكـس قـد اعـتـاد أن يـفـعـلـه. وأدركـت الـمـس جـرتـرود أن دورهـا الـسّـيـاسي قـد بـدأ يـضـعـف.

وقـد كـتـبـت الـمـس جـرتـرود لأبـيـهـا في 29 آذار 1923 أنّـهـا كـانـت تـعـاني مـن الـتـهـاب الـحـنـجـرة : “أصـبـت بـذلـك في 23 آذار الـمـاضي عـنـدمـا تـعـشّـيـت مـع الـمـلـك، في الـلـيـلـة الّـتي جـرفـت الـمـيـاه فـيـهـا جـسـر مـود، وفي الـسّـبـت تـحـطّـمـت الـسّـدّة حـوالي 27 كـلـم. شـمـال بـغـداد، وغـرقـت الآن مـنـطـقـة سـعـتـهـا حـوالي 480 كـلـم. مـربـع تـحـت الـمـاء. ولـم أقـاوم فـضـولي فـامـتـطـيـت صـهـوة فـرسي وذهـبـت لـرؤيـة فـيـضـان الـمـيـاه […] وبـقـيـت طـويـلاً في الـهـواء الـطّـلـق […] وفي صـبـاح الـيـوم الـتّـالي فـقـدت صـوتي !”.

وفي نـيـسـان مـن عـام 1923، وقـع الـسّـيـر بـرسي كـوكـس مـعـاهـدة مـع الـحـكـومـة الـعـراقـيـة تـخـتـصـر مـدّة الإشـراف عـلى الـسّـيـاسـة الـعـراقـيـة الّـذي عـهـد بـه إلى بـريـطـانـيـا مـن عـشـريـن سـنـة إلى خـمـس سـنـوات. وقـد طـلـب الـسّـيـر بـرسي كـوكـس بـعـد ذلـك إحـالـتـه عـلى الـتّـقـاعـد، وتـرك الـعـراق نـهـائـيـاً في أواخـر الـشّـهـر عـائـداً إلى إنـكـلـتـرة. وعـيّـن الـسّـيـر هـنـري دوبـس رسـمـيـاً مـنـدوبـاً سـامـيـاً عـلى الـعـراق.

واقـتـرح الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي في تـمّـوز مـشـروع دسـتـور لـلـمـلـكـة الـعـراقـيـة (صـدر في آذار عـام 1925 بـعـد أن صـادق عـلـيـه المـلـك فـيـصـل الأوّل).

وفي تـمّـوز/ آب رسـم الـفـنّـان جـون سـنـجـر سَـرجـنـت John Singer Sargent صـورة جـرتـرود بـيـل (زيـت عـلى قـمـاش، 91×5،74 سـم.) خـلال عـطـلـتـهـا الّـتي قـضـتـهـا في إنـكـلـتـرة. ومـا زالـت الـلـوحـة مـحـفـوظـة في جـامـعـة أكـسـفـورد Lady Margaret Hall – University of Oxford. وقـد كـان الـفـنـان سَـرجـنـت أمـريـكي الـجـنـسـيـة، ولـد في إيـطـالـيـا وقـضى مـعـظـم حـيـاتـه في أوربـا وتـوفي في لـنـدن :

Sargent, John Singer, 1856-1925; Gertrude Bell

وقـد عـدّلـت الـمـس جـرتـرود بـيـل وصـيّـتـهـا في شـهـر أيـلـول مـن ذلـك الـعـام، أي 1923، لـتـنـصّ عـلى أن يـعـطى بـعـد وفـاتـهـا مـبـلـغ 6000 بـاونـد لـلـمـتـحـف الـبـريـطـاني لـيـنـشـئ مـدرسـة بـريـطـانـيـة لـلآثـار في الـعـراق     A British School of Archaeologie in Iraq. وقـد بـدأت الـمـس بـيـل في شـهـر تـشـريـن الأوّل بـتـكـويـن مـجـمـوعـة آثـار عـرضـت في غـرفـة مـن غـرف الـسّـراي لـتـكـون نـواة لـمـتـحـف عـراقي.

وفي شـبـاط 1924، جـرى أوّل انـتـخـاب في الـعـراق. وافـتـتـح الـمـلـك فـيـصـل الأوّل في آذار أولى جـلـسـات الـمـجـلـس الـوطـني الـعـراقي.

وصـادقـت عـصـبـة الأمـم في شـهـر أيـلـول عـلى مـعـاهـدة تـحـالـف بـيـن بـريـطـانـيـا والـعـراق. وبـعـد أن صـادق عـلـيـهـا الـمـلـك جـورج الـخـامـس في شـهـر تـشـريـن الـثّـاني صـادق عـلـيـهـا الـمـلـك فـيـصـل الأوّل في كـانـون الأوّل.

وبـعـد أن سـيـطـر ابـن سـعـود عـلى مـكّـة في شـهـر تـشـريـن الأوّل، تـنـازل الـحـسـيـن شـريـف مـكّـة (والـد الـمـلـك فـيـصـل الأوّل) عـن عـرش الـحـجـاز لابـنـه الأمـيـر عـلي.

وشـرع فـيـصـل في ذلـك الـعـام، 1924، بـجـلـب أفـراد عـائـلـتـه إلى بـغـداد. فـأتى بـشـقـيـقـه الأصـغـر زيـد. ثـمّ أتى بـعـد ذلـك بـابـنـه الـوحـيـد غـازي. وكـان غـازي في الـثّـانـيـة عـشـرة مـن عـمـره. كـتـبـت جـرتـرود لأبـيـهـا في 20 آب 1924: “لـم يـسـتـطـع الـمـلـك أن يـخـفي فـرحـه بـأنّ [والـده] الـمـلـك حـسـيـن سـمـح لـغـازي بـأن يـتـرك مـكّـة الّـتي كـان قـد احـتـفـظ بـه فـيـهـا حـتّى الآن. وهـو الآن في عـمّـان. وقـد بـعـث جـلالـتـه مـحـسـن بـك لـيـعـود بـه إلى هـنـا”.

وكـتـبـت في 7 تـشـريـن الأوّل : “الـحـدث الـذّي أثـار اهـتـمـام الـجـمـيـع هـنـا يـوم الـسّـبـت كـان وصـول الأمـيـر غـازي. ووجـدتـه أصـغـر مـمـا كـنـت أتـوقـع أن يـكـونـه صـبي بـهـذا الـعـمـر. ولـه نـفـس وجـه أبـيـه الـنّـحـيـف الـحـسّـاس، ونـفـس تـصـرفـاتـه الـسّـاحـرة، وهـيـبـة خـجـولـة تـجـذب إلـيـه مـن يـراه”.

ولأنّ الـمـلـك فـيـصـل كـان يـرتـدي الـمـلابـس الـحـديـثـة في أكـثـر فـتـرات الـنّـهـار فـقـد أراد أن يـعـوّد ابـنـه عـلى ارتـدائـهـا. وأكـمـلـت جـرتـرود في نـفـس الـرّسـالـة : “وفي الـيـوم الـتّـالي، إسـتـدعـاني إلى الـقـصـر لأسـاعـده في اخـتـيـار مـلابـس لـغـازي. وكـان هـنـاك خـيّـاط إنـكـلـيـزي مـن بـومـبـاي الـهـنـد، واخـتـرنـا نـمـاذج لـقـمـصـان صـغـيـرة وبـذلات […] وجـاء غـازي لـتـؤخـذ مـقـايـيـسـه بـخـلـيـط مـن الـخـجـل والـفـرح”.

وبـدأت جـرتـرود بـيـل بـمـعـانـاة مـشـاكـل صـحـيـة، وذكـرت في رسـالـة كـتـبـتـهـا في 22 تـشـريـن الأوّل أنّـهـا أصـيـبـت بـزكـام وحـمى، وأنّ “سـنـدبـاد”، أي الـدّكـتـور سـنـدرسـن Sinderson، طـبـيـب الـمـلـك فـيـصـل، اعـتـنى بـهـا. ثـمّ نـتـج عـن الـزّكـام الـتـهـاب شـعـيـبي. وقـد تـكـررت هـذه الـحـالات بـعـد ذلـك بـيـن الـحـيـن والـحـيـن.

كـمـا طـلـبـت جـرتـرود أن تـرسـل لـغـازي لـعـب مـن إنـكـلـتـرة. وكـتـبـت في 14 كـانـون الأوّل :

“وصـل الـقـطـار والـجـنـود مـن مـخـازن هـارودس Harrods وقـدمـتـهـا لـغـازي. وقـد أعـجـب خـاصّـة بـالـقـطـار. وهـو يـحـبّ كـلّ مـا فـيـه مـاكـنـة. وقـد أدرك طـرق اسـتـعـمـالـهـا بـسـرعـة أشـدّ بـكـثـيـر مـمـا أدركـنـاه كـلّـنـا … وجـلـسـنـا كـلّـنـا عـلى الأرض نـتـابـع مـسـيـر الـقـطـار عـلى الـسّـكّـة، ونـطـلـق صـيـحـات إعـجـاب”.

ووصـلـت الـمـلـكـة، زوجـة الـمـلـك فـيـصـل إلى بـغـداد في 16 كـانـون الأوّل. وكـتـبـت جـرتـرود في 23 كـانـون الأوّل 1924 : “مـا أسـعـدني أن أخـبـرك بـأنّـهـا شـديـدة الـلـطـف. ولـهـا رقّـة وحـسّـاسـيـة الـهـاشـمـيـيـن […] ورأيـت الـبـنـتـيـن الـكـبـيـرتـيـن. وهـمـا مـثـلـهـا تـمـامـاً، وخـجـولـتـان”، “تـصـوّر حـيـاتـهـنّ عـنـدمـا كـنّ حـبـيـسـات في قـصـر مـكّـة، ولـيـس مـعـهـنّ إلّا خـادمـاتـهـنّ وعـبـداتـهـنّ ! ويـكـفـيـهـنّ سـعـادة هـنـا أن يـجـلـسـن في شـرفـة الـدّار ويـنـظـرن إلى جـمـال نـهـر دجـلـة يـجـري أمـامـهـنّ”.

وكـلّـف الـمـلـك فـيـصـل الـمـس جـرتـرود بـإيـجـاد الـخـيّـاطـات ومـسـاعـدة الـمـلـكـة في اخـتـيـار مـلابـسـهـا ومـلابـس نـسـائـهـا لـتـظـهـر في “قـبـولاتـهـا”. وطـلـبـت جـرتـرود مـن خـيّـاطـتـهـا الـخـاصّـة أن تـتـكـلّـف بـإعـداد ثـيـاب الـمـلـكـة. وكـانـت نـسـاء الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة، كـمـا كـتـبـتـه جـرتـرود يـرتـديـن عـبـاءات الـحـريـر الأسـود عـنـدمـا يـخـرجـن مـن الـقـصـر، ولـكـنّـهـنّ يـخـلـعـنـهـا حـالـمـا يـعـدن إلـيـه.

وكـتـبـت في 31 كـانـون الأوّل أنّ الـمـلـك فـيـصـل كـان قـد اسـتـدعـاهـا لـيـخـبـرهـا أنّـه وافـق عـلى اقـتـراحـهـا بـاخـتـيـار زوجـة مـرافـقـه الـشّـخـصي، جـودت بـك، لـتـنـظّـم أمـور نـسـاء الـقـصـر وتـشـرف عـلـيـهـا : “زوجـة جـودت بـك مـن عـائـلـة شـركـسـيـة راقـيـة جـدّاً اسـتـقـرّت في بـغـداد مـنـذ زمـن طـويـل ويـحـتـرمـهـا الـجـمـيـع”، كـمـا اخـتـار الـمـلـك : “الـمـس فـيـرلي Miss Fairley لـتـشـرف عـلى تـربـيـة الأمـيـر غـازي، وتـعـلّـم الـبـنـات الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة ولـعـب الـتّـنـس والـعـادات الأوربـيـة … وهي فـتـاة طـيـبـة وأنـا سـعـيـدة لأنّـهـا وجـدت وظـيـفـة دائـمـة في الـقـصـر”.

وتـوصـل ابـن سـعـود في كـانـون الأول مـن عـام 1925 إلى إنـزال عـلي بـن الـحـسـيـن، شـقـيـق الـمـلـك فـيـصـل، عـن عـرشـه والإسـتـيـلاء عـلى كـلّ الـحـجـاز. وقـد تـرك الـمـلـك عـلي الـحـجـاز مـتـوجـهـاً إلى الـهـنـد، ثـمّ وصـل إلى بـغـداد لـيـقـيـم فـيـهـا بـقـرب أخـيـه الـمـلـك فـيـصـل.

وكـتـبـت جـرتـرود بـيـل لأبـيـهـا في 25 شـبـاط 1925 : “ذهـبـت أمـس إلى الـقـصـر لأتـمـشّى مـع الـمـلـك الّـذي يـحـتـاج إلى ذلـك لـتـحـسـيـن صـحـتـه، ووجـدت الـبـنـات يـتـابـعـن درس مـوسـيـقى وغـازي في درس إنـشـاء في داره الـصـغـيـرة الـخـاصّـة بـه his own little house. وكـان غـازي قـد حـمّـض مـسـوّدات صـور فـوتـوغـرافـيـة في عـلـبـة الـتّـحـمـيـض الّـتي كـنـت قـد أهـديـتـهـا لـه.[…] وهـو يـصـرّ عـلى أن يـكـلّـمـني بـالإنـكـلـيـزيـة، وهـا أرفـق لـك طـيّـه أوّل رسـالـة كـتـبـهـا بـلـغـتـنـا”.

وقـررت جـرتـرود بـعـد أن ضـعـفـت صـحـتـهـا أن تـعـود إلى إنـكـلـتـرة، ووصـلـت إلى لـنـدن في 17 تـمّـوز “في حـالـة إنـهـاك جـسـدي ونـفـسـاني”، كـمـا كـتـبـتـه زوجـة أبـيـهـا. وذكـر لـهـا الأطـبّـاء الّـذيـن فـحـصـوهـا أنّ حـالـتـهـا الـصّـحـيّـة سـبـبـهـا طـقـس الـعـراق، ونـصـحـوهـا بـأن لا تـرجـع إلى بـغـداد، ولـكـنّـهـا مـع ذلـك رجـعـت إلـيـهـا في الـخـريـف.

وصـاحـبـت الـمـلـك فـيـصـل في سـفـرات صـيـد، وزارت الـمـزرعـة الّـتي اشـتـراهـا عـلى بـعـد حـوالي 23 كـلـم مـن خـانـقـيـن. وقـد دعـاهـا الـمـلـك مـع نـخـبـة مـن أصـدقـائـه لـقـضـاء فـتـرة أعـيـاد الـمـيـلاد في الـمـزرعـة. ، وذهـبـت وجـسـدهـا يـلـتـهـب مـن الـحـمى إلى الـمـزرعـة. وكـتـبـت لأبـيـهـا في 30 كـانـون الأوّل 1925 : “عـانـيـت خـلال الأسـبـوع الـمـاضي مـن زكـام حـاد وصـداع، وبـقـيـت يـومـيـن في الـفـراش”.

وقـد أجـابـت جـرتـرود عـلى طـلـب أبـيـهـا بـأن تـعـود إلى إنـكـلـتـرة في رسـالـة بـعـثـتـهـا في 26 أيّـار 1926 إلى زوجـة أبـيـهـا : “أودّ أن لا تـؤاخـذيـني إن قـلـت لـكِ إنـني لا أسـتـطـيـع تـرك قـطـعي الأثـريـة قـبـل أن يـكـتـمـل تـنـظـيـمـهـا وأتـأكّـد مـن جـودة حـراسـتـهـا … ولـيـس ذلـك لأنّي لـسـت مـشـتـاقـة لـرؤيـتـكـمـا، ولـكـنّي أعـرف أنّـك تـفـهـمـيـن أن هـذا يـعـني أن أتـرك كـلّ مـا قـمـت بـه هـنـا، وسـأجـد نـفـسي إن تـركـتـه ضـائـعـة في هـذا الـعـالـم …”.

وكـتـب لـهـا والـدهـا مـن جـديـد مـلـحّـاً عـلى طـلـبـه بـأن تـعـود إلى إنـكـلـتـرة، وأجـابـتـه جـرتـرود في 2 تـمّـوز : “لـقـد أخـذت عـلى عـاتـقي مـسـؤولـيـة الـمـتـحـف الـشّـديـدة الأهـمـيـة … وقـد ألـحـحـت مـنـذ أكـثـر مـن سـنـة كـامـلـة عـلى أن يـخـصـصـوا لـه بـنـايـة. وقـد شـغـرت بـنـايـة في الـشّـتـاء الـمـاضي، وأعـطـوهـا لـلـمـتـحـف مـع مـبـلـغ كـبـيـر مـن الـمـال لإعـداده. وقـد بـدأت أوّل مـا بـدأت بـإعـادة بـنـاء الـسّـطـح، ثـمّ تـوقـفـت الأعـمـال مـدّة شـهـريـن عـلى الأقـل بـسـبـب فـيـضـان دجـلـة. ولـو لـم أكـن هـنـا لـمـا خـرجـت كـلّ هـذه الـقـطـع الأثـريـة مـن بـاطـن الأرض، ولـو لـم أضـمـن حـمـايـتـهـا. وقـد نـقـلـوهـا كـيـفـمـا اتـفـق إلى الـمـتـحـف، ولا أحـد غـيـري يـسـتـطـيـع أن يـنـظـمـهـا ويـصـنّـفـهـا بـعـد أن غـادر ج.م. ولـسـون J.M. Wilson الـعـراق. وكـلّ هـذا يـتـطـلّـب جـهـوداً هـائـلـة، وبـجـانـب هـذا لا أسـتـطـيـع تـرك مـهـمـتي كـأمـيـنـة سـرّ الـشّـؤون الـشّـرقـيـة … ومـا عـدا أشـغـال الـمـتـحـف تـبـقى الـحـيـاة بـاهـتـة”.

وافـتـتـحـت في 14 حـزيـران 1926 أولى قـاعـات الـمـتـحـف الـعـراقي الّـتي كـانـت جـرتـرود بـيـل قـد أشـرفـت عـلى إعـدادهـا.

وفي مـسـاء الأحـد 11 تـمّـوز 1926،عـادت جـرتـرود إلى دارهـا وقـد أنـهـكـتـهـا حـرارة الـجـوّ الـشّـديـدة، وكـانـت قـد سـبـحـت بـعـد الـظّـهـر. واسـتـلـقـت في الـفـراش طـالـبـة مـن خـادمـتـهـا مـاري أن تـوقـظـهـا في الـسّـادسـة صـبـاحـاً. ولأنّ مـاري كـانـت قـلـقـة مـن سـوء حـالـة جـرتـرود الـصـحـيـة فـقـد دخـلـت غـرفـتـهـا خـلال الـلـيـل ووجـدتـهـا قـد فـارقـت الـحـيـاة.

ولـم يـكـن الـمـلـك فـيـصـل في الـعـراق في تـلـك الـفـتـرة، وكـان أخـوه الـمـلـك عـلي يـحـكـم نـيـابـة عـنـه خـلال غـيـابـه. وقـد أمـر الـمـلـك عـلي حـالاً بـإعـداد تـشـيـيـع عـسـكـري يـلـيـق بـالـخـاتـون. ولـفّ تـابـوتـهـا بـالـعـلـمـيـن الـبـريـطـاني والـعـراقي بـعـد ظـهـر يـوم 12 تـمّـوز ووضـع عـلى سـيّـارة تـبـعـهـا الـمـلـك عـلي ورئـيـس الـوزراء والـمـنـدوب الـسّـامي وكـلّ الـمـسـؤولـيـن الـسّـيـاسـيـيـن والـعـسـكـريـيـن وأعـداد كـبـيـرة مـن أهـل بـغـداد، ودفـنـت في الـمـقـبـرة الـبـريـطـانـيـة الّـتي كـانـت آنـذاك خـارج أسـوار بـغـداد.

وأقـيـم عـلى روحـهـا قـدّاس في لـنـدن، في كـنـيـسـة الـقـدّيـسـة مـارغـريـت في الـويـسـت مـنـسـتـر. وشـارك الـوزراء في إحـيـاء ذكـراهـا في الـبـرلـمـان الـبـريـطـاني.

وقـد نـشـرت Dame Florence، زوجـة والـد الـمـس في شـهـر آب في لـنـدن : “رسـائـل جـرتـرود بـيـل The Letters of Gertrude Bell “، وأقـامـت حـفـلـة عـشـاء في ذكـراهـا في لـنـدن دعـت إلـيـهـا الـمـلـك فـيـصـل الأوّل ورئـيـس الـوزراء جـعـفـر الـعـسـكـري والـسّـيـر بـرسي كـوكـس وزوجـتـه والـسّـيـر هـنـري دوبـس وزوجـتـه …

وفي عـام 1930،أزاح الـمـلـك فـيـصـل الـسّـتـار عـن لـوحـة بـرونـزيـة يـعـلـوهـا تـمـثـال نـصـفي في الـمـتـحـف الـعـراقي في ذكـرى جـرتـرود بـيـل. (5)

وفي عـام 1932، أسـس الـمـتـحـف الـبـريـطـاني “الـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لـلآثـار في الـعـراق  The British School of Archaeologie in Iraq تـنـفـيـذاً لـوصـيـة جـرتـرود بـيـل الّـتي كـانـت قـد خـصـصـت 6000 بـاونـد لـذلـك. وقـد أضـاف والـدهـا الـسّـيـر هـيـو بـيـل عـلـيـهـا 4000 بـاونـد.

وفي عـام 1947، ضـمـنـت الـخـزيـنـة الـبـريـطـانـيـة تـكـالـيـف الـبـعـثـة الأثـريـة الّـتي أرسـلـتـهـا الـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لـلآثـار في الـعـراق، وأنـشـأت لـهـا مـركـزاً في بـغـداد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إعـتـمـدت في كـتـابـة هـذا الـمـوضـوع عـلى عـدد مـن الـمـصـادر مـن أهـمـهـا رسـائـل جـرتـرود بـيـل :

The Letters of Gertrude Bell, selected by Lady Bell, DBE, first publication, Ernest Benn Limited, London, September 1927

وكـتـاب جـورجـيـنـا هـويـل عـن جـرتـرود بـيـل :

A Woman in Arabia, The Writings of the Queen of the Desert

(2) أنـظـر مـقـالي : فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

(3) يـقـول الـعـراقـيـون : “آب الـلـهّـاب، يـحـرق الـمـسـامـيـر في الأبـواب”.

(4) أنـظـر مـقـالي : بـدايـة اهـتـمـام الـعـراقـيـيـن بـآثـارهـم الـقـديـمـة

(5)  أنـظـر مـقـالي :  تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

أسـد بـابـل

توما أسد بابل

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

سـمـعـت عـنـدمـا كـنـت صـبـيـاً أنّ رأس أسـد بـابـل الـصّـخـري حـطّـمـه الـمـنـقّـبـون الألـمـان بـحـثـاً عـن الـذّهـب الّـذي ظـنّـوا أنّـه كـان يـحـتـويـه، ثـمّ أكّـد لـنـا مـدرس الـتّـاريـخ في الـسّـنـة الـخـامـسـة الـثّـانـويـة ذلـك بـإسـهـاب وبـتـفـاصـيـل دقـيـقـة، فـسـلّـمـت بـالأمـر واعـتـبـرتـه مـن الـحـقـائـق الـتّـاريـخـيـة الّـتي لا تـقـبـل الـمـنـاقـشـة. وقـد نـقـلـتـه أنـا نـفـسي بـعـد ذلـك إلى تـلامـيـذي عـنـدمـا بـدأت أدرّس.

ومـا أشـدّ مـا كـانـت دهـشـتي عـنـدمـا اكـتـشـفـت بـعـد ذلـك أنـني تـعـلّـمـت اخـتـلاقـات لا صـحـة لـهـا، وأنّ رأس أسـد بـابـل كـان قـد تـحـطّـم قـبـل أكـثـر مـن قـرن مـن بـدء الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل !  (1)

إخـراج أسـد بـابـل مـن بـاطـن الأرض :

نـجـد أوّل ذكـر لأسـد ضـخـم الـحـجـم نـحـت في صـخـر الـغـرانـيـت وعـثـر عـلـيـه في مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة في مـقـال نـشـره الـفـرنـسي جـوزيـف دو بـوشـام Joseph de Beauchamp عـام 1790 في جـريـدة الـعـلـمـاء Journal des Savants في بـاريـس. (2)

وكـان بـعـض أهـل الـحـلّـة قـد ذكـروا لـه أنـهـم كـانـوا قـد وجـدوا صـنـمـاً مـدفـونـاً في بـاطـن الأرض. وبـعـد أن أخـذوه إلى الـمـكـان وحـفـروه لـه مـيّـز في أعـمـاق الـحـفـرة تـمـثـال أسـد.

وكـتـب الـبـريـطـاني كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش Claudius James RICH   الّـذي تـعـودنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـكـلـوديـوس جـيـم  ريـج (3) عـام 1817 سـرد رحـلـتـه الـثّـانـيـة الّـتي كـان قـد قـام بـهـا قـبـل ذلـك واسـتـطـلـع خـلالـهـا مـوقـع بـابـل. ونـشـر الـنّـص في لـنـدن في الـعـام الـتّـالي 1818 تـحـت عـنـوان :  Memoir on the Ruins of Babylon, Volume 2

ويـذكـر كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش في ص. 24 مـن كـتـابـه :

“واكـتـشـفـت مـا لـم يـسـتـطـع بـوشـام أن يـراه بـوضـوح، وفـهـم مـن أهـل الـبـلـد أنّـه صـنـم. وأخـبـروني بـنـفـس الـشّئ، وأنّ رجـلاً عـجـوزاً مـن الـعـرب عـثـر عـلـيـه عـنـدمـا كـان يـحـفـر. وبـعـد أن رآه دفـنـه مـن جـديـد.

وبـعـثـت مـن يـأتي لي بـهـذا الـرّجـل الّـذي أراني الـمـكـان. واكـتـريـت عـدداً مـن الـرّجـال لـيـحـفـروه. وبـعـد أن جـهـدوا في عـمـلـهـم يـومـاً كـامـلاً أزاحـوا مـا يـكـفي مـن الـتّـراب، ورأيـنـا أسـداً هـائـل الـحـجـم عـلى قـاعـدة، مـنـحـوتـاً في نـوع سئ مـن الـغـرانـيـت الـرّمـادي بـصـنـعـة رديـئـة. وكـانـت في فـمـه فـتـحـة دائـريـة يـمـكـن لـلـمـرء أن يـدخـل فـيـهـا قـبـضـتـه”.

وقـد رآه الـكـابـتـن الـبـريـطـاني جـورج كـيـبـل Captain George Keppel عـام 1824. وقـد فـصّـل في وصـف ذلـك في كـتـابـه الّـذي نـشـره في فـيـلادلـفـيـا عـام 1827 (ص. 122) (4). وبـعـد أن تـكـلّـم عـن شـجـرة وسـط الـخـرائـب، كـتـب :                                                                                         “وقـرب هـذه الـشّـجـرة، رأيـنـا آثـاراً لـتـمـثـال كـان قـد أبـصـر بـه بـوشـام وريـتـش Beauchamp and Rich ، ولـكـنّـهـمـا لـم يـتـمـعـنـا الـنّـظـر إلـيـه عـن كـثـب  Had been imperfectly seen. وطـلـبـنـا مـن رجـالـنـا الـبـدء في الـحـفـر. وبـعـد سـاعـتـيـن، وجـدوا مـنـحـوتـة هـائـلـة الـحـجـم مـن رخـام أسـود تـمـثّـل أسـداً جـاثـمـاً عـلى رجـل. وكـان الـتّـمـثـال مـكـتـمـلاً عـنـدمـا رآه ريـتـش، ولـكّـنـه تـحـطّـم الآن. وطـول الـقـاعـدة مـثـل ارتـفـاع الـتّـمـثـال وعـرضـه مـقـايـيـسـهـا تـسـعـة أقـدام.

“وربّـمـا اسـتـطـعـت اقـتـراح تـفـسـيـر، فـربّـمـا كـان هـذا يـمـثـل دانـيـال في جُـبّ الأسـود (5) وأنّ هـذا الـتّـمـثـال كـان مـنـتـصـبـاً أمـام بـوابـة الـقـصـر أو أمـام الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة. فـمـن الـطّـبـيـعي أن نـتـصـور أن مـعـجـزة مـثـل تـلـك الـمـعـجـزة لا يـمـكـن إلّا أن يـحـتـفـل بـهـا الـبـابـلـيـون خـاصـة وأنّ دانـيـال أصـبـح بـعـدهـا حـاكـم الـمـديـنـة”.

ومـن هـذا نـرى أنّ رأس الأسـد تـحـطّـم بـيـن عـامي 1817، الّـذي رآه فـيـه ريـتـش كـامـلاً، و 1824 الّـذي رآه فـيـه كـيـبـل مـحـطّـمـاً. كـمـا نـلاحـظ أنّ كـيـبـل كـان يـعـتـبـر الأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة حـقـائـق تـاريـخـيـة.

وقـد وضـع كـيـبـل في كـتـابـه رسـمـاً لأسـد بـابـل أكـمـل فـيـه بـالـتّـنـقـيـط الـجـزء الـمـحـطّـم كـمـا تـصـوّره :

lion Keppel

وذكـر روبـرت مـيـنـيـان Robert Mignan في ص. 186 مـن كـتـابـه “سـفـرات في بـلاد الـكـلـدان Travels in Chaldea” الـذي نـشـر في لـنـدن عـام 1829، أنّـه رأى، عـنـدمـا زار بـابـل في 1827 : “أسـداً مـطـروحـاً عـلى جـانـبـه الأيـمـن، وتـحـتـه رجـل سـاجـد prostrate، عـلى قـاعـدة طـولـهـا تـسـعـة أقـدام 9 feet، وعـرضـهـا ثـلاثـة أقـدام، مـنـحـوت في صـخـر الـغـرانـيـت. والـتّـمـثـال وقـاعـدتـه مـنـحـوتـان بـأسـلـوب شـديـد الـبـدائـيـة very barbarous. وقـد حـطّـم الـنّـاس رأسـه مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة، دفـعـهـم لـذلـك عـنـف هـمـجي. فـقـد رأى مـسـتـر ريـتـش Mr. Rich الأسـد مـكـتـمـلاً عـنـدمـا زار بـابـل. ولاحـظ أنّـه كـان في فـمـه فـتـحـة دائـريـة واسـعـة يـمـكـن لـلـمـرء أن يـدخـل فـيـهـا قـبـضـتـه”. (6)

وقـد وصـل الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد Austen Henry Layard إلى بـابـل في عـام 1850 لـيـقـوم فـيـهـا بـبـعـض الـحـفـريـات الأثـريـة. وكـان قـد نـقّـب في بـلاد آشـور مـنـذ عـام 1845.  وقـد رأى لَـيـارد أسـد بـابـل وكـتـب عـنـه :

“والأسـد الّـذي وصـفـه ريـتـش Rich مـا زال مـدفـونـاً إلى نـصـفـه وسـط أنـقـاض الـخـرائـب. والـحـيـوان جـاثـم عـلى رجـل يـرفـع ذراعـيـه، مـمـا خـيّـل لـبـعـض الـمـسـافـريـن بـأنّـه يـمـثـل دانـيـال في جـبّ الأسـود. والـتّـمـثـال مـنـحـوت في صـخـر الـبـازلـت الأسـود. وهـو إمّـا أن يـكـون قـدّ نـفّـذه بـدائي لـيـس لـه بـراعـة في الـفـنّ أو أنّ نـحّـاتـه لـم يـكـمـل عـمـلـه. وهـو لا يـسـتـحـق أن يـخـرج مـن مـكـانـه” (8)

ومـع ذلـك أخـرجـه مـن مـكـانـه عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أرسـلـتـهـم الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة في بـعـثـة عـلـمـيـة لـلـتّـنـقـيـب عـن آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن   (Expédition scientifique en Mésopotamie). وكـان يـتـرأسـهـم فـولـجـنـس فـريـنـيـل Fulgence Fresnel . وقـد وصـلـوا إلى بـابـل في تـمّـوز 1851. وبـعـد أن أخـرجـوا أسـد بـابـل مـن تـحـت أنـقـاض الـخـرائـب، نـفّـذ لـه فـلـيـكـس تـومـا  Félix Thomas، الّـذي صـاحـب الـبـعـثـة كـمـهـنـدس مـعـمـاري، رسـمـيـن بـالـقـلـم الـرّصـاص عـلى ورق مـقـوّى (18×25 سـم.)، واحـد لـكـلّ مـن جـانـبـيـه. وأُلـحـق الـرّسـمـان بـالـتّـقـريـر رقـم 11 الّـذي أرسـلـتـه الـبـعـثـة إلى بـاريـس (7) :

img488

ومـرّ الـجـغـرافي الـفـرنـسي غـلـيـوم لـوجـان Guillaume LEJEAN في عـام 1862 بـالـعـراق في طـريـقـه إلى الـهـنـد. وزار بـابـل، ورأى الأسـد مـدفـونـاً إلى نـصـفـه في بـاطـن الأرض.

وفي عـام 1867 نـشـر مـقـالاً في مـجـلـة “حـول الـعـالـم Tour du Monde” الـبـاريـسـيـة عـنـوانـه : “سـفـرة في بـلاد بـابـل Voyage dans la Babylonie”. وقـد وضـع فـيـه عـمـلاً غـرافـيـكـيـاً نـفّـذه A. de Bar إعـتـمـاداً عـلى رسـم خـطـطـه الـمـؤلـف في الـمـوقـع :

وعـنـدمـا زار الأمـريـكي ولـيـام بـيـري فـوغ William Perry FOGG الـعـراق عـام 1874 ذهـب إلى بـابـل ورأى خـرائـب زقـورة بـيـرس نـمـرود (مـوقـع بـيـرسـبـا الـقـديـمـة). وظـنّ، مـثـل عـدد مـن الـغـربـيـيـن قـبـلـه، أنّـهـا بـقـايـا (مـجـدل بـابـل) أي بـرج بـابـل الّـذي ذكـرتـه الأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة.

وذكـر في الـصّـفـحـة 273 مـن كـتـابـه الّـذي نـشـره في لـنـدن في الـعـام الـتّـالي (9) :

“ومـا زلـنـا نـرى مـطـروحـاً عـلى الأرض أسـد صـخـري ضـخـم كـان قـد وصـفـه ريـتـش Rich. وهـو غـائـر إلى نـصـفـه في الـتّـراب. وقـد تـصـوّر بـعـض مـن رأوه أنّـه يـمـثّـل دانـيـال في جُـبّ الأسـود فـهـو يـجـثـم عـلى رجـل مـدّ ذراعـيـه”.

ووضـع عـمـلاً طـبـاعـيـاً لـم يـنـفّـذ اعـتـمـاداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة، فـقـد كـان أسـد بـابـل كـمـا ذكـر مـدفـونـاً إلى نـصـفـه في الـتّـراب. ولا شـكّ في أنّـه اعـتـمـد عـلى رسـوم نـشـرت قـبـلـه لـلـتّـمـثـال :

فوغ أسد بابل

وعـنـدمـا زارت الـفـرنـسـيـة جـان ديـولافـوا Jane Dieulafoy بـابـل في 25 كـانـون الأوّل مـن عـام 1881 مـع زوجـهـا عـالـم الآثـار مـارسـيـل ديـولافـوا، رأت أسـد بـابـل الّـذي كـان يـرقـد عـلى جـانـبـه في حـفـرة، ووصـفـتـه بـأنّـه : “أسـد مـن حـجـر الـبـازلـت نـحـت بـصـنـعـة بـدائـيـة، شـديـدة الـبـربـريـة، مـدفـون وسـط أنـقـاض الـخـرائـب”.

ووضـعـت في كـتـابـهـا الّـذي نـشـرتـه عـام 1887 عـمـلاً طـبـاعـيـاً نـفّـذ اعـتـمـاداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة كـانـت قـد الـتـقـطـتـهـا لـه (10) :

Lion de Babylone

وقـد وصـلـت أوّل بـعـثـة تـنـقـيـبـات أثـريـة ألـمـانـيـة إلى بـابـل عـام 1899. وكـان يـتـرأسـهـا روبـرت كـولـدفـيـه Robert Koldeway. ووجـدت تـمـثـال الأسـد في الـحـفـرة. وأخـرجـه عـمـال الـتّـنـقـيـبـات مـنـهـا.

 

ولـديـنـا صـورة فـوتـوغـرافـيـة لـعـمـال الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة يـشـيـدون مـنـصّـة يـثـبّـتـون عـلـيـهـا الأسـد بـعـد أن أخـرجـوه مـن بـاطـن الأرض :

وصـورة أخـرى لـعـالـم الآثـار الألـمـاني روبـرت كـولـدفـيـه مـمـتـطـيـاً الأسـد :

كولدفيه على أسد بابل

ونـلاحـظ في هـذه الـصّـورة اكـتـمـال تـشـيـيـد الـمـنـصّـة الـواطـئـة الّـتي ثـبّـت عـلـيـهـا الـتّـمـثـال.

ولـديـنـا رسـم بـالألـوان الـمـائـيـة عـلى ورق (25،5 × 35،5 سـم.) نـفّـذه عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه Walter Andrae عـام 1902. وكـان روبـرت كـولـدفـيـه قـد اخـتـار فـالـتـر أنـدريـه لـيـسـاعـده في تـنـقـيـبـات بـابـل.

ويـظـهـر الأسـد في يـسـار الـجـزء الـعـلـوي مـن الـرّسـم كـمـا وضـع في مـكـانـه فـوق “تـلّ الـقـصـر” بـيـنـمـا نـلاحـظ أنّ جـدران الـقـصـر قـد أزيـحـت مـن حـولـهـا أطـنـان مـن الـتّـراب، فـقـد كـان الـتّـلّ الّـذي يـغـطـيـهـا يـرتـفـع إلى مـسـتـوى الأسـد :

ويـذكـر فـالـتـر أنـدريـه أنّ طـول الـتّـمـثـال حـوالي مـتـريـن ونـصـف، وأنّ طـولـه يـعـادل ارتـفـاعـه تـقـريـبـاً. ويـرتـكـز الـتّـمـثـال عـلى قـاعـدة صـخـريـة يـجـثـم الأسـد فـوقـهـا عـلى رجـل مـسـتـلـقٍ تـحـتـه. (11)

ولا شـكّ في أنّ الـبـعـثـة الألـمـانـيـة أكـمـلـت إخـراج تـمـثـال الأسـد مـن بـاطـن الأرض ونـصـبـه واقـفـاً وتـشـيـيـد الـمـنـصّـة الـواطـئـة الّـتي ثـبّـت عـلـيـهـا بـيـن عـام وصـولـهـا إلى بـابـل في 1899 وبـيـن عـام 1902 الّـذي نـفّـذ فـيـه فـالـتـر أنـدريـه هـذا الـرّسـم.

وتـظـهـر الـصّـور الّـتي تـنـتـمي إلى مـجـمـوعـة الأمـريـكي إريـك مـاتـسـون Eric Matson (12) ، والّـتي الـتـقـطـت عـام 1932، الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً عـلى قـاعـدة عـالـيـة تـرتـفـع حـوالي مـتـريـن، شـيّـدت بـالإسـمـنـت :

ويـعـود تـشـيـيـد هـذه الـقـاعـدة إذن إلى الـفـتـرة الّـتي كـان الـبـريـطـانـيـون يـشـرفـون خـلالـهـا عـلى الآثـار الـعـراقـيـة. وهـنـاك مـشـاريـع في أيّـامـنـا هـذه لـتـرمـيـمـهـا، فـقـد أصـبـحـت بـقـدرة قـادر جـزءاً مـن “مـعـالـم تـاريـخـنـا الـحـضـاري” !

مـتى نـحـت الأسـد :

لـم يـتّـفـق الـمـخـتـصّـون عـلى تـاريـخ نـحـت الـتّـمـثـال، فـبـيـنـمـا يـعـتـقـد بـعـضـهـم أنّـه لا يـمـكـن أن يـكـون مـن فـتـرة أقـدم مـن بـدايـة الـتّـاريـخ الـمـيـلادي لـرداءة صـنـعـتـه وسـوء نـحـتـه، ولـهـذا لا يـمـكـن أن يـقـارن بـالـمـنـحـوتـات الـبـابـلـيـة الـبـاهـرة الـصّـنـعـة. وعـلى كـلّ حـال فـأسـلـوبـه، إن كـان لـه أسـلـوب، مـخـتـلـف عـن أسـالـيـب الـنّـحـت الـبـابـلي.

ويـعـتـقـد الـكـثـيـرون مـنـهـم في أيّـامـنـا هـذه أنّ تـاريـخ نـحـتـه يـمـكـن أن يـعـود إلى الـقـرن الـتّـاسـع أو الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، ربّـمـا إلى فـتـرة ازدهـار الـدّولـة الـحـيـثـيـة. جـلـبـه نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني أو أحـد الـمـلـوك الّـذيـن حـكـمـوا بـعـده كـغـنـيـمـة حـرب عـاد بـهـا مـن مـنـطـقـة الأنـاضـول إلى بـابـل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يـجـد الـقـارئ عـنـدمـا يـبـحـث عـن “أسـد بـابـل” عـلى الانـتـرنـت مـقـالاً في “ويـكـيـبـيـديـا” يـبـدأ بـخـطـأيـن : ” وهو تمثال لأسد عثر عليه في مدينة بابل الأثرية في العراق في سنة 1776 من قبل بعثة حفريات أثرية ألمانية”. والـحـقـيـقـة أنّ الـتّـمـثـال عـثـر عـلـيـه أهـل الـبـلـد وذكـره الـفـرنـسي جـوزيـف دو بـوشـام في عـام 1790، أمّـا أوّل بـعـثـة تـنـقـيـبـات أثـريـة ألـمـانـيـة فـقـد بـدأت أعـمـالـهـا في بـابـل عـام 1899 !  ونـجـد نـفـس الـخـطـأيـن في نـفـس الـمـقـال الـمـتـرجـم إلى الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة !

(2) عـيّـن بـيـيـر جـوزيـف دو بـوشـام Pierre- Joseph de BEAUCHAMP عـام 1781 في مـنـصـب “كـبـيـر قـسـسـة” بـابـل، أي الـمـسـؤول الـدّيـني الـعـام لـبـغـداد. وقـد وصـل إلى بـغـداد في 1782.

وفي خـلال سـنـواتـه الـعـشـر الّـتي قـضـاهـا في الـعـراق تـوصّـل إلى نـتـائـج مـهـمـة في عـلـم الـفـلـك، فـقـد رصـد في بـغـداد مـثـلاً مـرور عـطـارد أمـام الـشّـمـس. وكـان حـدثـاً نـادراً لـم يـرصـد في بـاريـس. كـمـا رسـم خـارطـة لـمـجـرى دجـلـة والـفـرات مـن أعـلى ديـار بـكـر حـتّى الـبـصـرة.

وقـد تـجـوّل في مـوقـع بـابـل ومـا حـولـه وجـمـع مـعـلـومـات مـن الـنّـاس، وسـجّـل خـطـوط طـول مـوقـع الـحـلّـة وعـرضـه بـآلات كـانـت حـديـثـة في ذلـك الـزّمـان. وهـكـذا شـكّ في أن يـقـع “بـرج بـابـل” في “تـلّ بـابـل”. ورسـم خـارطـة لـمـنـطـقـة بـابـل.

ويـذكـر دو بـوشـام في مـقال نـشـره في جـريـدة الـعـلـمـاء عـام 1790، (ص. 208) أنّ بـنّـاءً مـن أهـل مـنـطقـة بـابـل أخـبـره أنّـه كـان قـد وجـد صـدفـة في خـرائـبـهـا غـرفـة يـغـطي جـدرانـهـا طـابـوق مـزجـج عـلـيـه رسـوم بـقـرة وشـمـس وقـمـر. ويـذكـر إبـصـاره بـتـمـثـال أسـد في أعـمـاق حـفـرة.

(3)  كـان ريـتـش قـد عـيّـن في 1807 وكـيـلاً عـامـاً لـشـركـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد، وقـنـصـلاً لـبـريـطـانـيـا فـيـهـا. وظـلّ في مـنـصـبـه إلى 1821 خـلال ولايـات سـلـيـمـان بـاشـا وسـعـيـد بـاشـا وداود بـاشـا، وتـجـوّل بـيـن بـغـداد وكـردسـتـان وإيـران، وزار أطـلال بـابـل ونـيـنـوى ودرسـهـا بـمـنـهـجـيـة مـتـمـعـنـة، وقـام بـقـيـاسـات دقـيـقـة.

وقـد قـام بـأوّلى زيـاراتـه لـبـابـل في 1811. وكـان يـريـد أن يـرسـم مـخـطـطـاً لـلـمـديـنـة لـيـضـع عـلـيـه أمـاكـن مـعـالـمـهـا الـمـشـهـورة.

وقـد كـتـب نـتـائـج أبـحـاثـه في بـغـداد عـام 1812، ونـشـرهـا في كـتـاب في الـنّـمـسـا، في 1813: « Memoir on the Ruines of Babylon »، ثـمّ أعـاد طـبـعـه في لـنـدن في 1816. وربّـمـا كـانـت الـخـارطـة الّـتي رسـمـهـا ريـتـش لـمـوقـع بـابـل أهـمّ مـا حـقـقـه في هـذه الـفـتـرة فـقـد كـانـت أوّل خـارطـة دقـيـقـة رسـمـت في الـمـوقـع نـفـسـه وكـثـيـراً مـا اسـتـعـمـلهـا مـن جـاءوا بـعـده.

وقـد أدرك ريـتـش أنّ دراسـة آثـار بـابـل تـتـطـلّـب وقـتـاً وجـهـوداً طـويـلـة فـاكـتـفى بـوصـفـهـا ورسـمـهـا ولـم يـفـرض نـظـريـات عـنـهـا ونـتـائـج قـاطعـة.

ودفـعـت قـراءة كـتـاب ريـتـش عـن بـابـل كـثـيـراً مـن الأوربـيـيـن لـزيـارة الـمـوقـع، وقـد تـرك لـنـا بـعـضهـم نـصـوصـاً ورسـومـاً عـنـه.

(4) Personnal Narrative of a journey from India to England by Bussorah, Bagdad, the ruines of Babylone … in the year 1824. Philadelphia, 1827

(5) يـذكـر سِـفـر دانـيـال الّـذي أضـيـف إلى أسـفـار الـعـهـد الـقـديـم، أي الـتّـوراة ومـا ألـحـق بـهـا أنّ نـبـوخـذ نـصـر ألـقى دانـيـال في جُـبّ الأسـود فـلـم تـمـسّـه بـسـوء، ثـمّ اسـتـطـاع اكـتـسـاب ثـقـة الـمـلـك بـمـعـرفـتـه لـتـفـسـيـر الأحـلام. وجـعـلـه نـبـوخـذ نـصـر حـاكـمـاً … وهـذه الأسـاطـيـر لـيـس لـهـا أصـل تـاريـخي. وقـد تـوصـلـت الـدّراسـات الـحـديـثـة إلى أنّ الـسِّـفـر أضـيـف في حـوالي عـام 150 قـبـل الـمـيـلاد، وكـتـب أغـلـب نـصّـه بـالـلـغـة الآرامـيـة.

(6) Captain Robert MAGNAN, Travels in Chaldea, including a journey from Bassora to Bagdad, Hillah and Babylon, performed on Foot in 1827, with Observations on the Site of Babel, Seleucia and Ctesiphon, London, Henry Colburn and R. Bentley 1829.

(7) Expédition scientifique en Mésopotamie exécutée par ordre du gouvernement de 1851 à 1854 par mm. Fulgence Fresnel, Félix Thomas et Jules Oppert publiée sous les auspices de son excellence m. le ministre d’état par Jules Oppert Relation du voyage et résultats de l’expédition, Paris 1863.

(8) Austen Henry Layard ,Discoveries Among the Ruins of Nineveh and Babylon: With Travels in Armenia … London 1853, p.412

(9) William Perry FOGG,  Arabistan, or The Land of Arabian Nights,Travels Through Egypt, Arabia, and Persia To Baghdad, London 1875.

وأنـظـر مـقـالي : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

(10) Jane Dieulafoy, La Perse, le Chaldée et la Susiane, Paris 1887.

وأنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

(11) Boehmer, Bilder eines Ausgräbers, Berlin 1989.

وأنـظـر مـقـالي : فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

(12) أنـظـر مـقـالي : صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب وتـشـكـيـل الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة عـام 1921

عبد الرحمن النقيب

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـيـنـمـا كـانـت الـقـوى الأوربـيـة الـكـبـرى الّـتي انـتـصـرت في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى تـستـعـدّ لـلـمـشـاركـة في مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، صـرّح الـرّئـيـس الأمـريـكي وودرو ولـسـن  Woodrow Wilson أنّـه يـأمـل أن يـمـنـح لـلـشّـعـوب الّـتي خـسـرت دولـهـا الـحـرب الـحـق في تـقـريـر مـصـيـرهـا. ولـم يـكـن لـلـدّول الأوربـيـة إلّا أن تـظـهـر احـتـرامـهـا لـقـرار الـرّئـيـس الأمـريـكي.

ولأنّ الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة كـانـت تـجـهـل كـلّ مـا يـتـعـلّـق بـسـكّـان الـولايـات الـعـثـمـانـيـة الـثـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، الّـتي كـانـت تـنـوي أن تـوحّـدهـا في دولـة، فـقـد طـلـبـت مـن الـكـولـونـيـل الـسّـيـر أرنـولـد ولـسـن Sir Arnold Wilson الّـذي كـان قـد عـيّـن عـام 1918 مـنـدوبـاً لـلإدارة الـمـدنـيـة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد خـلـفـاً لـلـسّـيـر بـرسي كـوكـس Sir Percy Cox، أن يـسـتـفـتي آراء الـنّـاس في الـولايـات الـثّـلاث.

ولـم يـكـن الـكـولـونـيـل ولـسـن مـتـحـمّـسـاً لـمـبـدأ حـقّ تـقـريـر الـمـصـيـر، وكـان يـفـضّـل عـلـيـه اسـتـعـمـار الـعـراق وربـطـه بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، فـتـكـلّـفـت جـرتـرود بـيـل  Gertrude Bell (1)، سـكـرتـيـرة الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في بـغـداد بـتـنـفـيـذ الإسـتـفـتـاء. وكـانـت جـرتـرود بـيـل ضـدّ فـكـرة اسـتـعـمـار الـعـراق، وكـانـت تـدافـع عـن مـشـروع إنـشـاء دولـة مـوحّـدة لـلـولايـات الـثّـلاث لـهـا اسـتـقـلالـهـا الـذّاتي ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني.

وقـررت أن يـجـري الإسـتـفـتـاء بـاخـتـيـار 75 مـنـدوبـاً تـنـتـخـبـهـم الـمـدن الـكـبـرى والـجـمـاعـات الـدّيـنـيـة الـرّئـيـسـيـة، ثـمّ تـطـرح عـلـيـهـم ثـلاثـة أسـئـلـة : هـل يـرتـضـون بـإنـشـاء دولـة مـوحّـدة مـن كـردسـتـان شـمـالاً وإلى الـبـصـرة جـنـوبـاً ؟ وأن يـتـرأسـهـا أمـيـر عـربي ؟ وهـل لـديـهـم مـرشـحـون لـهـذا الـمـنـصـب ؟

وكـانـت أجـوبـتـهـم مـتـعـارضـة مـا عـدا إجـمـاعـهـم عـلى ضـرورة إنـشـاء دولـة واحـدة تـضـمّ الـولايـات الـثـلاث. وكـان عـلى جـرتـرود بـيـل أن تـكـتـب تـقـريـراً مـفـصّـلاً عـن نـتـائـج الإسـتـفـتـاء عـنـونـتـه : “حـقّ تـقـريـر الـمـصـيـر في مـا بـيـن الـنّـهـريـن   Self-Determination in Mesopotamia”.ولـتـكـمـل الإسـتـفـتـاء قـررت أن تـبـادر إلى الإلـتـقـاء بـوجـهـاء الـعـراق  ورجـالـه الـمـهـمّـيـن لـتـسـتـشـيـرهـم في مـشـروع إنـشـاء دولـة مـوحّـدة.

لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب :

عبد الرحمن النقيب 2

وهـكـذا حـصـلـت الـمـس في 6 شـبـاط 1920 عـلى مـوعـد لـزيـارة الـسّـيّـد عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي الـكـيـلاني، نـقـيـب أشـراف بـغـداد.

وأودّ أن أشـيـر هـنـا إلى أهـمـيـة عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب في الـوضـع الـسّـيـاسي لـلـعـراق في فـتـرة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى ومـا بـعـدهـا. ويـكـفـيـني لـذلـك أن أذكـر لـقـاء الألـمـاني سْـفـيـن أنـديـرس هـيـديـن       Sven Anders Hedin  بـه عـام 1916. وقـد رسـم لـه هـيـديـن تـخـطـيـطـاً وضـعـتـه في بـدايـة هـذا الـمـقـال، ويـعـدّ مـن بـيـن الـصّـور الـنّـادرة الّـتي وصـلـتـنـا لـلـنّـقـيـب. (2)

ودام لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب سـاعـة ونـصـف. وقـد سـجّـلـت الـمـس مـا جـرى في هـذا الـلـقـاء في مـلـحـق أرسـلـتـه مـع الـتّـقـريـر إلى مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، ومـا زال مـحـفـوظـاً في أرشـيـفـات الـخـارجـيـة الـبـريـطـانـيـة.

وقـد قـررت أن أتـرجـمـه بـأقـرب مـا يـمـكـن مـن الـنّـصّ الأصـلي، وأن لا أحـذف مـنـه شـيـئـاً، ولا حـتّى الـمـقـاطـع الّـتي يـمـكـنـهـا أن تـثـيـر حـسـاسـيـات وطـنـيـة أو قـومـيـة أو ديـنـيـة أو طـائـفـيـة.

سـجّـلـت جـرتـرود بـيـل في الـمـلـحـق الّـذي أرسـلـتـه إلى مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، كـمـا سـبـق أن ذكـرت، لـقـاءهـا بـنـقـيـب أشـراف بـغـداد في 6 شـبـاط 1920 :

“ذهـبـت إلى دار الـنّـقـيـب في الـمـوعـد الّـذي حـدده لي صـبـاح هـذا الـيـوم، الـسّـادس مـن شـبـاط لأودّعـه قـبـل أن أغـادر بـغـداد إلى إنـكـلـتـرة بـعـد غـد. ووصـلـت مـبـكّـرة فـاسـتـقـبـلـني ابـنـه، الـسّـيّـد هـاشـم، وجلـسـت أحـادثـه دقـائـق طـويـلـة قـبـل أن يـأتي الـنّـقـيـب بـنـفـسـه. وقـد انـتـقـل الـنّـقـيـب مـنـذ الإحـتـلال إلى الـدّار الـمـواجـهـة لـتـكـيـة عـبـد الـقـادر، فـهـو شـيـخ الـتّـكـيـة. أمّـا داره الّـتي يـسـكـنـهـا اعـتـيـاديـاً، والّـتي تـطـلّ عـلى الـنّـهـر جـوار دار الـمـنـدوب الـسّـامي فـقـد أفـرغـت لأمـور أمـنـيـة بـعـد أن طـلـبـت مـوافـقـتـه عـلى ذلـك.

“وتـرتـيـب داره شـديـد الـبـسـاطـة. والـغـرفـة الّـتي يـسـتـقـبـل فـيـهـا زائـريـه في الـطّـابـق الأرضي، تـنـفـتـح نـوافـذهـا عـلى حـديـقـة وسـط حـوش، فـيـهـا أشـجـار بـرتـقـال. ووضـعـت لـصـق جـدران الـغـرفـة أرائـك مـنـتـصـبـة الـخـلـفـيـات صـلـبـة، يـغـطـيـهـا قـمـاش قـطـني أبـيـض. وخـصـصـت إحـدى زوايـا الـغـرفـة بـمـحـاذاة نـافـذة مـن نـوافـذهـا لـجـلـوس الـنّـقـيـب، وأمـامـه طـاولـة صـغـيـرة يـغـطـيـهـا شـرشـف أبـيـض وعـلـيـهـا كـتـب. وجـدران الـغـرفـة مـطـلـيـة بـجـصّ أبـيـض، ولـيـس في الـغـرفـة مـا يـجـذب الأنـظـار إلّا نـظـافـتـهـا الـنّـاصـعـة.

والـنّـقـيـب رجـل مـسـنّ حـنـت ظـهـره الـسّـنـيـن، ويـبـدو أنّ الـرّومـاتـيـزم أصـاب مـفـاصـلـه، يـرتـدي ثـوبـاً طـويـل الـذّراعـيـن يـنـزل إلى قـدمـيـه، مـن قـمـاش أبـيـض في الـصّـيـف، وأسـود في الـشّـتـاء. ويـنـفـتـح أعـلى ثـوبـه عـلى قـمـيـص أبـيـض تـحـتـه. ويـحـزم خـصـره بـقـطـعـة قـمـاش بـيـضـاء عـريـضـة، وعـلى رأسـه عـمـامـة بـيـضـاء لـفّـهـا حـول “فـيـنـة” حـمـراء.

وانـسـحـب الـسّـيّـد هـاشـم عـنـدمـا دخـل أبـوه الـنّـقـيـب الّـذي أمـر بـأن لا يـسـمـح لأحـد بـالـدّخـول خـلال لـقـائـنـا. وعـنـدهـا أخـبـرتـه أنـني سـأغـادر بـغـداد بـأسـرع مـمـا كـنـت أنـوي، فـقـد دعـيـت إلى بـاريـس. وأشـرت إلى أنّ هـنـاك بـعـض الـتّـفـاصـيـل الّـتي تـتـعـلـق بـالـقـرارات الّـتي سـتـتـخـذ بـشـأن الـحـدود مـثـلاً والّـتي أحـتـاج إلـيـهـا ولا يـعـرفـهـا إلّا وجـهـاء الـبـلـد. وذكـرت لـه عـلى سـبـيـل الـمـثـال مـسـألـة “مـتـصـرفـلـيـق” (3) ديـر الّـتي طـلـب رئـيـس بـلـديـتـهـا الـسّـابـق (4) أن تـضـمّ إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وسـألـتـه عـن رأيـه في ذلـك. وأجـابـني أنّـه رأى هـذا الـرّجـل، ويـعـرف أخـاه وهـو مـن وجـهـاء ديـر، وأنّـهـمـا جـاءا أمـس يـطـلـبـان نـصـيـحـتـه. ولأنّ الـمـجـلـس كـان غـاصّـاً بـالـزّائـريـن، ولـم يـرد أن يـجـيـبـهـمـا أمـام الـجـمـيـع فـقـد طـلـب مـنـهـمـا أن يـعـودا في الـغـد (أي في هـذا الـيـوم) لـيـتـركـا لـه الـوقـت لـلـتّـفـكـيـر في الأمـر : “وهـو يـنـتـظـر الآن أن أدخـلـه في الـغـرفـة. ولأنـنـا نـتـحـدث الآن فـيـمـا بـيـنـنـا بـثـقـة مـتـبـادلـة، فـسـأخـبـركِ بـجـوابي الّـذي سـأجـيـبـه بـه. سـأقـول لـه : “يـا ابـني، أصـبـت في قـرارك بـأن تـدخـل مـنـطـقـتـك تـحـت الـسّـلـطـة الـبـريـطـانـيـة، فـالـبـريـطـانـيـون مـعـروفـون في كـلّ أرجـاء الـعـالـم بـعـدلـهـم وإنـصـافـهـم”. وأكـمـل الـنّـقـيـب : “ولـكـنّي سـأصـارحـكِ بـأنـني لا أحـبّ الـفـرنـسـيـيـن”. (ولا بـد أن نـفـهـم أنّـه كـان مـتـأكّـداً مـن أنّ فـرنـسـا سـتـسـيـطـر عـلى سـوريـا وإلى حـدود دولـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن)، وأكـمـل “نـعـم، أنـا مـعـجـب بـمـعـارفـهـم وبـثـقـافـتـهـم، ولـكـنّي لا أحـبّ حـكـومـتـهـم. ولا يـخـفى عـلـيـنـا أنّ إدارتـهـم تـظـلـم سـكّـان الـجـزائـر الـمـحـمّـديـيـن. هـذه أمـور مـعـروفـة. وأنـا أرغـب في إبـعـاد فـرنـسـا أكـثـر مـا يـمـكـن عـن الـوصـول إلى بـغـداد. وأنـا أقـول هـذا لـكِ أنـتِ فـقـط يـا خـاتـون صـاحـب (5) وأرجـوك أن تـعـذري صـراحـتي. وأنـا أخـشى صـراعـاً لا مـفـرّ مـنـه بـيـن فـرنـسـا وبـريـطـانـيـا. فـعـنـدمـا يـضـع الـبـريـطـانـيـون أقـدامـهـم في مـكـان مـا لا يـتـركـونـه أبـداً. مـا يـمـسـكـون بـه يـشـدّون قـبـضـاتـهـم عـلـيـه. وسـيـواجـهـون طـمـوحـات الـفـرنـسـيـيـن وغـيـرتـهـا مـنـهـم، ولـن يـتـركـوا الـمـنـطـقـة ولـو دارت حـرب بـيـنـهـمـا خـمـسـيـن سـنـة. وأنـا درويـش darwish  ولا تـعـنـيـني أمـور الـحـيـاة الـدّنـيـا. ولـكـنّي جـرّبـت طـويـلاً الـنّـاس وأمـورهـم وأعـرض عـلـيـكِ مـخـاوفي كـمـا هي”.

“وبـعـد أن فـصّـل الـحـديـث في هـذا الـمـوضـوع وأطـال الـتّـفـصـيـل (فـالـنّـقـيـب رجـل يـحـبّ الـكـلام) سـألـني، كـعـادتـه في سـؤالي كـلّـمـا زرتـه، مـتى نـأمـل بـرجـوع الـسّـيـر بـرسي كـوكـس Sir Percy Cox [إلى بـغـداد]. واسـتـطـرد : “يـا خـاتـون، في إنـكـلـتـرة مـئـات، بـل آلاف مـن الـقـادريـن عـلى أن يـكـونـوا سـفـراء في بـلاد الـفـرس، ولـكـن لا أحـد مـنـهـم يـمـكـنـه أن يـحـلّ مـحـل الـسّـيـر بـرسي كـوكـس في الـعـراق. أهـل الـعـراق يـعـرفـونـه ويـحـبّـونـه ويـثـقـون بـه. وهـو رجـل جـرّب الـحـيـاة، وفـوق ذلـك تـقـيّـمـه لـنـدن وتـعـتـمـد عـلـيـه. وسـيـكـون الـنّـاطـق بـاسـمـنـا، فـإذا مـا أرادت الـحـكـومـة [الـبـريـطـانـيـة] أن تـعـرف مـا نـريـد فـسـيـكـون قـادراً عـلى مـدّهـا بـالـمـعـلـومـات الـضّـروريـة وسـتـقـبـل آراءه. وأشـهـد بـالله أنّـه لـو كـان الـسّـيـر بـرسي كـوكـس هـنـا لـمـا احـتـجـنـا إلى اسـتـفـتـاء آراء الـنّـاس عـن مـا يـودّونـه في الـمـسـتـقـبـل. وهي فـكـرة غـريـبـة سـبـبـت هـذا الـهـيـجـان الّـذي لـم يـهـدأ بـعـد في الـمـدن. وأنـتِ تـعـرفـيـن أنـني لـم أشـارك فـيـه، ومـنـعـت أهـلي وأقـاربي مـن الـمـشـاركـة فـيـه. وكـان ابـني، الـسّـيّـد مـحـمـود أوّل مـن رفـض تـعـيـيـنـه في الـمـجـلـس the Majlis. وكـنـت قـد طـلـبـت مـنـه أن يـبـتـعـد عـن ذلـك. وجـاءني كـثـيـر مـن الـنّـاس يـطـلـبـون مـنّي الـنّـصـيـحـة أو يـلـحّـون عـليّ لأقـبـل آراءهـم. وأجـبـتـهـم بـأنّ الإنـكـلـيـز فـتـحـوا هـذا الـبـلـد، وأنـفـقـوا أمـوالـهـم وسـكـبـوا دمـاءهـم عـلى أرضـه، وارتـوى تـرابـه بـدمـاء الإنـكـلـيـز والأسـتـرالـيـيـن والـكـنـديـيـن والـهـنـود الـمـسـلـمـيـن وعـبـدة الأصـنـام. أ فـلـيـس لـهـم الـحـقّ بـالـتّـمـتـع بـمـا كـسـبـوه ؟ وقـد سـيـطـر غـزاة آخـرون في الـمـاضي عـلى هـذا الـبـلـد، وكـمـا وقـع تـحـت سـيـطـرتـهـم فـسـيـقـع تـحـت سـيـطـرة الإنـكـلـيـز، وسـتـمـتـدّ سـيـطـرتـهـم عـلـيـه. قـومـك يـا خـاتـون قـوم عـظـيـم، واسـع الـثّـراء، شـديـد الـقـوّة. وأيـن قـوتـنـا نـحـن ؟ فـإن أردنـا مـثـلاً أن يـحـكـمـنـا الإنـكـلـيـز ولـم يـرد الإنـكـلـيـز أن يـحـكـمـونـا، فـكـيـف يـمـكـنـنـا أن نـجـبـرهـم عـلى ذلـك ؟ وإن أردنـا أن يـحـكـمـنـا آخـرون غـيـرهـم وقـرر الإنـكـلـيـز أن يـبـقـوا لـيـحـكـمـونـا، فـكـيـف يـمـكـنـنـا أن نـطـردهـم ؟ وأنـا أعـتـرف لـكـم بـأنّـكـم انـتـصـرتـم. أنـتـم الـحـاكـمـون ونـحـن الـرّعـيـة. وإن سـألـتـيـني عـن رأيي فـسـأجـيـب أنـني أرتـضي أن أكـون مـن رعـيـة الـمـنـتـصـر”.

“وتـلـطّـف الـنّـقـيـب مـعي في مـا يـخـصّـني : “وأنـتِ يـا خـاتـون، لـديـك إدراك ومـعـرفـة بـأمـور الـحـكـم. ولـهـذا أصـارحـك بـأنـني أحـبـبـت حـكـم الأتـراك كـمـا كـانـوا يـحـكـمـون في الـمـاضي. ولـو أمـكـنـنـا الـعـودة إلى حـكـم سـلاطـيـنـهـم كـمـا كـانـوا في مـاضي مـجـدهـم لـمـا اخـتـرنـا حـكّـامـاً غـيـرهـم. ولـكـن لـيـلـعـن الله حـكـومـة تـركـيـا الـحـالـيـة ويـخـزيـهـا … لـقـد مـات الأتـراك الأقـحـاح وانـتـهى حـكـمـهـم، ولـهـذا يـسـعـدني أن أكـون مـن رعـيـتـكـم. وأنـتِ الآن ذاهـبـة إلى لـنـدن، وسـتـقـابـلـيـن [الـمـلـك] الـعـظـيـم وسـتـتـحـدثـيـن مـعـه. عـلـيـك أن تـقـولي لـه : دع الـسّـيـر بـرسي كـوكـس يـعـود إلى الـعـراق لـيـنـهي الـحـكـم الـعـسـكـري. سـتـرتـكـب إنـكـلـتـرة خـطـأ عـظـيـمـاً إن أبـقـت الـحـكـم الـعـسـكـري. لا أقـول هـذا ضـدّ الـقـائـد الـعـام، فـهـو نـبـيـل يـظـهـر نـبـلـه عـلى وجـهـه. وقـد ذهـبـت لـمـقـابـلـتـه مـع أن هـذا لـيـس مـن عـادتي. نـعـم، ذهـبـت لـمـقـابـلـة الـسّـيـر ولـيـام مـارشـال (وكـان صـعـبـاً عـلى الـنّـقـيـب أن يـلـفـظ اسـمـه لـفـظـاً صـحـيـحـاً) عـنـدمـا رجـاني الـسّـيـر بـرسي كـوكـس أن أذهـب لـلـقـائـه. ولـيـس مـن الـلـيـاقـة أن أرفـض رجـاءه. وكـنـت قـد ذهـبـت قـبـلـهـا لـمـقـابـلـة مـود Maude. يـكـنّ بـلـدكِ لـمـود احـتـرامـاً عـمـيـقـاً، ونـلـهـج نـحـن لـه بـالـحـمـد أيـضـاً. كـان مـحـبـوبـاً في بـغـداد. ولـكـن في أيّـام الـسّـلـم هـذه، يـنـبـغي أن يـكـون الـحـكـم بـأيـدي رجـال الـدّولـة لا بـأيـدي الـعـسـكـر. يـمـكـنـكـم أن تـبـقـوا الـجـيـش هـنـا لـلـمـحـافـظـة عـلى الأمـن، ولـكـنّ الـجـيـش لا يـنـبـغي أن يـحـكـم. هـذا مـا عـلـيـك أن تـقـولـيـه : “نـريـد أن يـحـكـمـنـا الـسّـيـر بـرسي كـوكـس”، ولـكـن لا تـقـولي لـه، مـع أنّ ذلـك صـحـيـح، إنّـكِ أصـبـحـت أنـتِ نـفـسـكِ بـغـداديـة، وإنّ اسـتـقـرار الـعـراق وازدهـاره يـشـغـل بـالـكِ كـلّـه، لانّ هـذا سـيـقـلـل مـن أهـمـيـة دفـاعـكِ عـن الـعـراق في لـنـدن ويـقـلـل مـن انـتـفـاعـنـا بـكِ”.

“وبـعـد أن انـتـهى الـنّـقـيـب مـن تـحـذيـره لي، عـاد إلى مـوضـوع حـقـوق الـشّـعـوب في تـقـريـر مـصـيـرهـا Self-determination : “مـا كـلّ هـذا الـهـراء، ومـا قـيـمـتـه ؟ أنـا أُرجـع هـذا لأمـريـكـا، ومـصـدره ولـسـن. فـهـل يـعـرف الـشّـيـخ ولـسـن shaikh Wilson الـشّـرق وأهـلـه ؟ وهـل يـعـرف طـرق عـيـشـنـا وعـاداتـنـا الـفـكـريـة ؟ وأنـتـم يـا إنـكـلـيـز، تـحـكـمـون مـنـذ ثـلاثـة قـرون في آسـيـا، وحـكـمـكـم مـثـال يـنـبـغي أن يـقـلّـده الـكـلّ. تـابـعـوا طـرقـكـم في الـحـكـم ولا تـتـبـعـوا إرشـادات الـشّـيـخ ولـسـن أو نـصـائـح آخـر غـيـره. ولـتـرشـدكـم الـمـعـرفـة والـتّـجـربـة.

“وبـفـتـحـه لـلـمـوضـوع بـهـذه الـطّـريـقـة لـم يـعـد صـعـبـاً عـليّ أن أسـتـرجـع مـع الـنّـقـيـب مـا حـدث في بـغـداد، فـقـال : “أغـلـب مـن عـلا ضـجـيـجـهـم ضـدّكـم نـاس لا أهـمـيـة لـهـم ولا شـرف. لـيـس لـحـمـدي الـبـاجـة جي Ramdi Pachahji أدنى أهـمـيـة.  وفـوق ذلـك فـهـو مـجـنـون majnun. ومـن سـمـع قـبـل الآن بـجـعـفـر أبـو تـمّـن Ja’far Abu Timmam ؟ فـهـو لـيـس مـن أشـراف الـبـلـد. ولـكـنّي حـذرتـكِ مـن الـشّـيـعـة، مـع أنّـه لـيـس لي عـداء نـحـو الـشّـيـعـة”، أسـرع يـطـمـئـنـني. وقـد احـتـطـت بـالـحـذر حـتّى لا يـظـهـر عـلى وجـهي الـشّـكّ فـيـمـا قـالـه، : “وهـم يـحـبّـوني ويـحـتـرمـوني ويـعـتـبـروني شـيـخـاً لـهـم. ولـكـن اقـرأي صـفـحـات الـتّـاريـخ وسـتـجـديـن أن مـا يـمـيـزهـم هـو تـقـلّـبـهـم … إمـتـزجـت فـيـهـم الـوثـنـيـة بـالـتّـقـيـة، وهـو مـا لا يـتـرك مـكـانـاً لـلـثّـقـة بـهـم”.

“وأخـبـرت الـنّـقـيـب بـعـد ذلـك بـأنّـه كـان لـديـنـا قـائـمـة كـامـلـة بـأسـمـاء كـلّ مـن حـرّضـوا عـلى الإضـطـرابـات الـمـعـاديـة لـبـريـطـانـيـا، وأنّـه، بـطـلـب مـن الأشـراف، أوقـفـنـا 6 أو 7 مـنـهـم. ولـكـنّي لـم أتـذكـر مـن مـنـهـم حـكـم عـلـيـه بـالـنّـفي. وكـان في جـيـبي مـسـودّة الـقـائـمـة بـصـيـغـتـهـا الأولـيـة، قـبـل اكـتـمـالـهـا. وأثـار ذلـك فـضـولـه الـشّـديـد وسـألـني أن أعـلـمـه بـأسـمـاء مـن أوقـفـوا.

وكـانـت الـقـائـمـة تـبـدأ بـعـبـد الـوهّـاب الـنّـائـب وشـيـخ سـعـيـد، ولـكـنّي لـم أذكـرهـمـا لـه لأنّـه لـم تـتـخـذ بـعـد إجـراءات ضـدّهـم. وقـرأت بـاقي الأسـمـاء عـلى الـنّـقـيـب. وكـان بـيـنـهـم اثـنـان لـم يـكـن يـعـرفـهـمـا، وكـان قـد سـمـع بـواحـد ولـكـنّـه لا يـعـرف عـنـه شـيـئـاً. وكـان يـعـرف أحـد الـبـاقـيـن : شـطـور شـصـيـبـه shatur Chasibah الّـذي وصـفـه بـأنّـه شـقي مـحـتـال Rogue. وتـذكّـرت أنّ هـذا الـرّجـل لـم يـكـن مـن بـيـن الّـذيـن كـنـت أنـوي حـبـسـهـم. وطـلـب مـنّي الـنّـقـيـب أن أبـلـغ مـفـوّض الـتّـمـثـيـل الـمـدني الـبـريـطـاني the Acting Civil Commessioer بـأن لا يـسـمـح لـشـاهـر Shahir  بـالـبـقـاء في بـغـداد. ثـمّ طـويـت بـعـد ذلـك ورقـتي وقـلـت لـه إنّ كـلّ هـؤلاء عـرفـوا بـتـحـريـضـهـم [ضـدّ الإنـكـلـيـز] في مـقـاهي الـمـديـنـة كـلّ مـسـاء، وبـهـذا يـخـلّـون بـالأمـن. وأضـفـت أنّ هـنـاك رجـلـيـن آخـريـن أكـثـر خـطـراً بـسـبـت أهـمـيـتـهـمـا وسـمـعـتـهـمـا. وأشـرت إلى عـبـد الـوهّـاب الـنّـائـب وشـيـخ سـعـيـد. ولـمـكـانـتـهـمـا بـيـن رجـال أهـل الـسّـنـة يـسـتـحـيـل عـلـيـنـا أن نـلـزمـهـمـا الـصّـمـت تـمـامـاً. وأنـصـت إليّ الـنّـقـيـب بـتـركـيـز شـديـد ثـمّ فـكـر لـحـظـات طـويـلـة قـبـل أن يـجـيـب : “كـلّا، لا يـمـكـنـكـم أن تـرمـوهـمـا في الـسّـجـن أو تـنـفـوهـمـا، ولـكـنّي مـتـأكّـد مـن أنّ الـكـولـونـيـل ولـسـن Colonel Wilson سـيـوافـقـني عـلى مـا سـأفـعـل : سـأطـلـب مـنـهـمـا أن يـأتـيـا وسـأثـبـت لـهـمـا قـلّـة جـدوى تـصـرفـاتـهـمـا. وأنـا أعـرف أنّـهـمـا فـعـلا مـا فـعـلا بـدوافـع ديـنـيـة، وأنّـهـمـا اسـتـعـمـلا الـدّيـن لإثـبـات آرائـهـمـا، وأنـا الـمـرجـع الـمـوثـوق بـه هـنـا في كـلّ مـا يـخـصّ شـؤون الـدّيـن”.

“وشـكـرت الـنّـقـيـب شـكـراً جـزيـلاً عـلى اقـتـراحـه وأكّـدت لـه أنّ الـكـولـونـيـل ولـسـن سـيـرتـضي بـذلـك شـاكـراً. وفـعـلاً بــعـث لـه رسـالـة بـذلـك في الـيـوم الـتّـالي.

“ولأنّ حـديـثـنـا كـان حـديـث صـديـقـيـن حـمـيـمـيـن فـقـد تـجـرأت، وأنـا أعـتـذر مـنـه، عـلى تـوجـيـه سـؤال شـخـصي لـه. وكـان هـو الّـذي وجـهـني، مـن غـيـر أن يـقـصـده، إلى طـرح مـسـألـة تـرشـيـح الـشّـريـف أو واحـد مـن أبـنـائـه لـمـنـصـب أمـيـر عـلى مـا بـيـن الـنّـهـريـن Amir of Mesopotamia. وأجـابـني : “أنـا مـن أقـربـاء الـشّـريـف، ونـحـن مـن نـفـس الأرومـة ولـنـا نـفـس الـعـقـائـد الـدّيـنـيـة، ولـكـنّي لـن أقـبـل أبـداً بـاخـتـيـار الـشّـريـف أو أحـد أبـنـائـه كـأمـيـر، فـالـحـجـاز شئ والـعـراق شئ آخـر، ولا يـربـط بـيـنـهـمـا إلّا الـعـقـيـدة. فـسـيـاسـتـنـا وتـجـارتـنـا وزراعـتـنـا مـخـتـلـفـة … والـحـجـاز دار الإسـلام الـمـقـدّسـة، ويـنـبـغي أن تـبـقى أرضـاً مـنـفـصـلـة مـسـتـقـلّـة لـيـنـتـفـع بـهـا كـلّ الـمـسـلـمـيـن، مـثـلـمـا هـو الأمـر في الـقـدس، الـمـديـنـة الـبـالـغـة الـتّـقـديـس لـلـمـسـلـمـيـن والـمـسـيـحـيـيـن … ولا بـد لـلـقـوى الـكـبـرى أن تـحـافـظ عـلى حـقـوق الـمـسـلـمـيـن والـمـسـيـحـيـيـن فـيـهـا وأن تـحـمي مـراقـدهـا الـمـقـدّسـة. أمّـا عـن حـكـم مـا بـيـن الـنّـهـريـن فـأنـتِ تـعـرفـيـن مـدى كـراهـيـتي لـلإدارة الـتّـركـيـة الـحـالـيـة. ومـع ذلـك أفـضّـل ألـف مـرّة أن يـعـود الأتـراك إلى الـعـراق مـن أن يـحـكـمـنـا الـشّـريـف أو أبـنـاؤه”.

“وهـنـا قـلـتُ لـه : “لـو أصـبـح ضـروريـاً، لأسـبـاب لا يـمـكـن أن نـتـنـبّـأ بـهـا بـعـد، أن نـضـع أمـيـراً عـلى دولـة الـعـراق، فـهـل تـقـبـل أنـتَ هـذه الـمـسـؤولـيـة بـمـسـاعـدتـنـا ودعـمـنـا وبـهـذا تـتـحـاشى أن نـخـتـار أمـيـراً حـجـازيـاً لـذلـك”.

“كـانـت يـدي عـلى الـجـانـب الـخـشـبي لـلإريـكـة، فـطـبـطـب عـلـيـهـا مـرتـيـن أو ثـلاث بـأصـابـعـه، وانـحـنى نـحـوي، وقـال ضـاحـكـاً : “كـيـف لـكِ أن تـوجـهي لي مـثـل هـذا الـطّـلـب ؟ أنـا درويـش. أ لا تـحـمـيـني ثـيـابي ؟”، وأمـسـك كـعـادتـه بـجـبـتـه الـسّـوداء وهـزّهـا. “وأن أصـبـح رئـيـسـاً سـيـاسـيـاً لـلـدولـة يـعـارض مـبـادئي الـدّيـنـيـة. وفي زمـن سـلـفي، عـبـد الـقـادر، كـان الـخـلـفـاء الـعـبـاسـيـون يـسـتـشـيـرونـه كـمـا تـسـتـشـيـروني أنـتِ وزمـلاؤك، ولـكـنّـه لـم يـكـن حـتـمـاً لـيـقـبـل أن يـشـارك في تـسـيـيـر أمـور الـحـيـاة الـدّنـيـا. ولـن أقـبـل بـذلـك، لا أنـا ولا أحـد مـن نـسـلي. وجـوابي هـذ يـرتـكـز عـلى اعـتـقـاداتي الـدّيـنـيـة. ولـكـنّي سـأعـطـيـكِ جـوابـاً آخـر يـعـتـمـد عـلى دوافـع شـخـصـيـة. فـأنـا رجـل مـسـنّ، وأودّ أن أقـضي الـسّـنـوات الـخـمـس أو الـسّـتّ الّـتي بـقـيـت لي مـن حـيـاتي في الـتّـفـكـيـر والـدّرس. وعـنـدمـا جـئـتِ هـذا الـيـوم، تـركـتـكِ تـنـتـظـريـن. كـنـتُ مـشـغـولاً بـكـتـبي. وهي هـمّي الّـذي لا هـمّ لي غـيـره”. وتـوقّـف عـن الـكـلام، وبـقـيـت صـامـتـة أنـا أيـضـاً فـقـد أثّـرت بي كـلـمـاتـه تـأثـيـراً عـمـيـقـاً. ولـكـن يـبـدو أنّ جـوابـه لـم يـكـن مـكـتـمـلاً فـرفـع صـوتـه مـن جـديـد، وخـرجـت الـكـلـمـات مـن فـمـه بـبـطء : “ولـن أغـيـر رأيي إلّا إذا كـان ذلـك لإنـقـاذ الـعـراق مـن الـخـراب الـتّـام”.

“ودام لـقـاؤنـا سـاعـة ونـصـف. وبـعـد أن اعـتـذرت مـنـه عـن تـوجـيـه سـؤالي الأخـيـر لـه نـهـضـت لأودّعـه. وقـبـل أن يـتـركـني أخـرج مـن الـغـرفـة، تـلـطّـف مـعي وعـبّـر لي عـن مـودتـه الـشّـخـصـيـة لي وذكّـرني بـأنّ صـداقـتـنـا تـدوم مـنـذ سـنـوات طـويـلـة، مـنـذ سـنـوات مـا قـبـل الـحـرب. وأكّـدت لـه عـلى اعـتـزازي الـعـمـيـق بـهـذه الـصّـداقـة وشـكـرتـه عـلى ثـقـتـه بي وصـراحـتـه مـعي في حـديـثـنـا. وأجـابـني أنّـه يـودّ أن أعـتـبـره أبـاً ثـانـيـاً لي، ويـرغـب في أن نـلـتـقي قـريـبـاً. وودعـني بـ “مـع الـسّـلامـة go in peace”.(6)

عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب وتـشـكـيـل الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة :

وفي شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن ذلـك الـعـام، أي بـعـد تـسـعـة أشـهـر عـلى لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرحـمـن الـنّـقـيـب، عـاد الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس إلى بـغـداد كـمـنـدوب سـامي لـبـريـطـانـيـا في الـعـراق. وقـررت بـريـطـانـيـا بـعـد أن ثـار الـعـراقـيـون ضـدّ الإحـتـلال أن تـغـيـر ســيـطرتـهـا عـلى الـعـراق إلى شـكـل غـيـر مـبـاشـر. واسـتـطـاع الـمـنـدوب الـسـامي بـمـسـاعـدة جـرتـرود إقـنـاع الـسّـيـد عـبـدالـرّحـمـن الـكـيـلاني الـنّـقـيـب (نـقـيـب أشـراف بـغـداد) بـتـشـكـيـل حـكـومـة انـتـقـالـيـة (مـؤقـتـة).

وفي شـهـر آذار مـن عـام 1921، عـقـد في الـقـاهـرة مـؤتـمـر تـرأسـه ونـسـتـون تـشـرشـل، وزيـر الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـانـيـة. ووصـلـت جـرتـرود بـيـل إلى الـقـاهـرة في 12 آذار، لـتـشـارك في أعـمـالـه مـع بـعـض الـعـراقـيـيـن، ومـن بـيـنـهـم جـعـفـر الـعـسـكـري.

وكـان تـشـرتـشـل يـأمـل في أنّ يـسـهـل وضـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، عـلى عـرش الـعـراق عـلاقـات بـريـطـانـيـا بـالـحـجـاز ويـوفـر لـدافـع الـضّـرائـب الـبـريـطـاني حـلّاً رخـيـصـاً يـتـحـاشى الـحـلـول الـعـسـكـريـة الّـتي تـكـلّـفـه غـالـيـاً.

وكـانـت نـتـائـج مـؤتـمـر الـقـاهـرة انـتـصـار آراء لـورنـس وجـرتـرود بـيـل. وكـانـت جـرتـرود قـد أقـنـعـت بـرسي كـوكـس بـتـرك مـشـروع ربـط الـعـراق بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة كـمـسـتـعـمـرة تـحـت هـيـمـنـتـهـا، وبـجـمـع ولايـات الـعـراق الـعـثـمـانـيـة الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل لـتـكـوّن مـمـلـكـة تـتـمـتـع بـالـحـكـم الـذّاتي ولـكـن تـحـت إشـراف مـنـدوب سـامي بـريـطـاني.

وبـعـد أن حـصـل تـشـرتـشـل عـلى مـوافـقـة الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة بـنـصـب فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق وبـقـبـول الـفـرنـسـيـيـن لـه عـلى شـرط أن لا يـطـالـب بـعـرش سـوريـا، بـدأ الـبـريـطـانـيـون الـمـفـاوضـات مـع فـيـصـل. وقـبـل فـيـصـل بـعـرش الـعـراق وبـإنـشـاء إمـارة مـا بـعـد الأردن لأخـيـه عـبـد الله مـقـابـل تـنـازل أبـيـه حـسـيـن، شـريـف مـكـة، عـن مـطـالـبـتـه بـفـلـسـطـيـن.

ولـتـمـيـهـد قـبـول الـعـراقـيـيـن بـالأمـيـر فـيـصـل، تـشـكّـلـت الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة، وتـرأسـهـا عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي، نـقـيـب أشـراف بـغـداد. وكـان الـهـدف مـنـهـا إنـشـاء مـجـلـس تـأسـيـسي وتـنـظـيـم انـتـخـابـات نـوّاب لـه. واسـتـمـر بـرسي كـوكـس في نـفـس الـوقـت بـإرسـال طـائـرات الـقـوات الـجـويـة الـمـلـكـيـة RAF  لـقـصـف الـعـشـائـر الـثّـائـرة عـلى الـسّـيـطـرة الـبـريـطـانـيـة في جـنـوب الـعـراق وشـمـالـه.

وبـعـد أن قـمـعـت الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة ثـورة الـعـشـائـر، أعـلـن بـرسي كـوكـس الـعـفـو الـعـام (7) مـحـاولاً بـذلـك أن يـسـود الـسّـلام لإكـمـال مـخـطـطـه.

واخـتـار أعـضـاء الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي في بـغـداد الأمـيـر فـيـصـل، لـيـنـصـب مـلـكـاً عـلى الـعـراق.  ووجـهـوا لـه دعـوة لـلـمـجئ إلى الـعـراق.

وفي 19 حـزيـران 1921 أخـبـر عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب مـجـلـس الـوزراء في بـغـداد بـقـرب وصـول الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة، وبـضـرورة الإسـراع بـالإسـتـعـداد لاسـتـقـبـالـه وإيـجـاد سـكـن مـنـاسـب لـه، واخـتـار خـمـسـة مـن وزرائـه لـلـقـائـه عـنـد وصـولـه إلى الـبـصـرة.

ووصـل الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة في 23 حـزيـران. ومـنـهـا وصـل إلى بـغـداد بـالـقـطـار الّـذي طـلـبـت جـرتـرود بـيـل تـزيـيـنـه بـأعـلام الـدّولـة الـجـديـدة.

وبـعـد أن دعـا الـمـنـدوب الـسّـامي بـرسي كـوكـس الأمـيـر فـيـصـل إلى ولـيـمـة عـشـاء، أولـم عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب ولـيـمـة لـلأمـيـر فـيـصـل في الـثّـامـن مـن تـمّـوز، ودعـا إلـيـهـا الـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن ووجـهـاء الـبـلـد.

وبـعـد أن صـدّق وزراء الـحـكـومـة الـمـؤقـتـة بـالإجـمـاع عـلى اخـتـيـار فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق قـرر بـرسي كـوكـس وجـرتـرود بـيـل إجـراء اسـتـفـتـاء، وطـبـعـا اسـتـمـارات تـصـويـت عـلـيـهـا سـؤال واحـد : “هـل تـقـبـلـون بـفـيـصـل كـمـلـك وحـاكـم لـلـعـراق ؟”، ووزعـت عـلى أعـداد كـبـيـرة مـن رؤسـاء الـعـشـائـر وعـلى 300 مـن وجـهـاء الـمـدن. وبـعـد سـتّـة أسـابـيـع، أعـلـنـت الـنّـتـائـج في صـالـح فـيـصـل.

وبـدأ الأمـيـر فـيـصـل الـعـمـل عـلى تـشـكـيـل مـجـلـس وزراء يـتـرأسـه عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب، وقـرر أن يـجـتـمـع أعـضـاؤه مـبـاشـرة بـعـد تـتـويـجـه مـلـكـاً.

وفي فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب 1921 كـان عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب مـن بـيـن الـ 1500 مـدعـو الّـذيـن اجـتـمـعـوا في حـوش الـسّـراي. وكـمـا كـتـبـت الـمـس جـرتـرود بـيـل : “وصـل فـيـصـل في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـرتـديـاً الـزّي الـعـسـكـري … وبـعـد ذلـك قـام الـسّـيّـد حـسـيـن (8) وقـرأ الـبـيـان الّـذي كـتـبـه بـرسي كـوكـس والّـذي ذكـر فـيـه أنّ 96 بـالـمـائـة مـن سـكّـان مـا بـيـن الـنّـهـريـن اخـتـاروا فـيـصـل مـلـكـاً عـلـيـهـم … ونـهـضـنـا جـمـيـعـاً وهـتـفـنـا : “عـاش الـمـلـك !”، ثـمّ حـيّـتـه طـلـقـات 21 بـنـدقـيـة مـعـاً”.

ــــــــــــــــــ

(1) إسـتـعـمـلـت تـعـريـب اسـم Gertrude Bell  إلى”جـرتـرود بـيـل” مـتـابـعـاً الإسـتـعـمـال الـشّـائـع، مـع أن اسـمـهـا كـتـب في الـلـوحـة الـتّـذكـاريـة الّـتي نـصـبـت لـهـا في الـمـتـحـف الـعـراقي “كـرتـرود بـل” : أنـظـر مـقـالي :    تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

وأنـظـر مـقـالي : فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

(2) ونـشـره في كـتـابـه : “بـغـداد، بـابـل، نـيـنـوى  Bagdad, Babylon, Ninive” الّـذي صـدر في لايـبـزك عـام 1918.

(3) Mutasarrifliq هي الـمـتـصـرفـيـة بـالـلـغـة الـعـثـمـانـيـة، كـمـا كـانـت الـمـنـطـقـة الّـتي يـحـكـمـهـا الـبـاشـا : الـبـاشـالـيـق.

(4)   Ex-Rais Baladiyah.

(5)  Khatoun Sahib ، ونـعـرف أنّ الـبـغـاددة كـانـوا يـسـمـون الـمـس بـيـل بـالـخـاتـون. ولـكـن كـلـمـة صـاحـب تـبـدو غـريـبـة فـهـي كـلـمـة يـسـتـعـمـلـهـا الـهـنـود عـنـدمـا يـخـاطـبـون الـبـريـطـانـيـيـن، وتـعـني “سـيّـد”.

(6) يـمـكـن قـراءة الـنّـصّ الأصـلي بـكـامـلـه في كـتـاب Georgina Howell عـن جـرتـرود بـيـل :    A Women in Arabia ، مـن ص.197 إلى ص. 203.

(7) مـا عـدا الـعـراقـيـيـن الّـذيـن قـتـلـوا أو شـاركـوا في قـتـل ضـبـاط بـريـطـانـيـيـن.

(8)  وهـو الـسّـيّـد حـسـيـن أفـنـان، أمـيـن سـرّ الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

قـصـر الأخـيـضـر

 

الأخـيـضر صورة شاملة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـعـد أن زار الإيـطـالي بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه Pietro DELLA VALLE  في 18 حـزيـران 1625 تـلّ الـمـقـيّـر  Muqueijer، مـوقـع مـديـنـة أور الـقـديـمـة، قـادمـاً مـن الـبـصـرة، سـار مـع مـصـاحـبـيـه بـمـحـاذاة الأهـوار. وكـتـب في 24 حـزيـران : “رأيـنـا طـيـلـة الأيّـام الـمـاضـيـة عـلى يـمـيـنـنـا، ومـن بـعـيـد، جـزائـر Gevazir  أهـوار بـلاد الـكـلـدان”. وأبـصـروا في 26 حـزيـران عـلى يـمـيـنـهـم مـن بـعـيـد : “بـمـشـهـد عـلي Mesched Ali في الـمـكـان الّـذي كـانـت فـيـه الـكـوفـة Kufa في الـمـاضي”.

وفي حـوالي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة مـن صـبـاح 29 حـزيـران 1625 تـوقّـفـوا لـيـسـتـريـحـوا : “قـرب بـقـايـا بـنـاء قـديـم مـربـع الـشّـكـل شـيّـد بـالـطّـابـوق. ونـرى في كـلّ ضـلـع مـن أضـلاع الـمـربـع ثـلاثـة عـشـر بـرجـاً مـحـصّـنـاً تـحـسّـنـهـا أقـواس وأشـيـاء أخـرى. ورأيـنـا في داخـل الـبـنـاء قـاعـات وحـجـر كـثـيـرة بـعـضـهـا يـعـلـو بـعـض عـدّة طـوابـق [في وسـطـهـا] قـاعـة قـلـيـلـة الـسّـعـة لا يـمـكـن اعـتـبـارهـا حـوشـاً إلّا إذا مـا كـانـت بـلا سـقـف مـن الأصـل. والـعـرب يـسـمـون هـذا الـبـنـاء الأخـيـضـر Cair Chaider. ولا أدري هـل شـيّـد هـذا الـبـنـاء كـقـصـر أو كـمـعـبـد أو كـحـصـن. ومـع ذلـك فـانـا أعـتـقـد أنّـه كـان قـصـراً”. (1)

والـغـريـب في الأمـر أنّ هـذه كـانـت أوّل إشـارة مـكـتـوبـة إلى قـصـر الأخـيـضـر بـاسـمـه الّـذي نـعـرفـه لـه في أيّـامـنـا هـذه. ولا نـدري بـأيّ اسـم ذكـر الـمـؤرخـون الـعـرب هـذا الـبـنـاء الـضـخـم الّـذي بـهـر كـلّ مـن رآه، ولا كـيـف أشـيـر إلـيـه في “مـعـاجـم الـبـلـدان” أو في كـتـب “الـمـسـالـك” الّـتي تـتـبـعـت كـلّ طـرق الـدّولـة الـعـبـاسـيـة وفـصّـلـت في وصـف حـتّى أصـغـر الـقـرى الّـتي لـم تـكـن لـهـا أدنى أهـمـيـة.

وفي عـام 1638، أي بـعـد ثـلاث عـشـرة سـنـة عـلى مـرور الإيـطـالي ديـلّا فـالـيـه، مـرّ الـتّـاجـر الـفـرنـسي جـان بـاتـيـسـت تـافـرنـيـيـه JeanBaptiste Tavernier بـالأخـيـضـر عـنـدمـا نـزل في رحـلـتـه الـثّـانـيـة إلى الـشّـرق مـن حـلـب عـن طـريـق عـانـة ثـمّ بـمـحـاذاة الـفـرات حـتّى الـكـوفـة والـبـصـرة. وكـتـب :

“وظـهـر أمـامـنـا قـصـر كـبـيـر شـيّـد بـكـامـلـه بـالـطّـابـوق. وتـبـدو هـذه الـمـنـطـقـة مـنـعـزلـة. و[أظـنّ] أنّ الـطّـابـوق صـنـع في أكـوار أشـعـلـت بـالـتّـبـن، فـلـيـس هـنـاك عـشـب ولا أغـصـان نـبـاتـات ولا أشـجـار عـلى امـتـداد 15 أو 20 فـرسـخـاً حـولـهـا في كـلّ الإتـجـاهـات. وقـيـاس كـلّ طـابـوقـة مـربّـعـة نـصـف قـدم، وسـمـكـهـا سـتّـة أصـابـع.

وفي هـذا الـقـصـر ثـلاثـة أحـواش واسـعـة. وحـول كـلّ مـنـهـا أربـعـة أبـنـيـة حـسـنـة بـطـابـقـيـن مـن الأقـواس الـواحـد مـنـهـمـا فـوق الآخـر. ومـع أنّ الـقـصـر مـا زال مـكـتـمـلاً (لـم يـخـرب) فـهـو مـهـجـور لا يـسـكـنـه أحـد. والـعـرب الّـذيـن لا يـهـمـهـم الـتّـاريـخ ويـجـهـلـونـه تـمـام الـجـهـل لـم يـسـتـطـيـعـوا إخـبـاري بـمـن شـيّـده ولا مـتى ولا كـيـف شـيّـد وبـكـلّ مـا كـنـت أودّ مـعـرفـتـه.

وأمـام بـاب الـقـصـر حـوض واسـع وجـدول مـاء جـفّ مـاءه. وقـد رصـف قـاع الـجـدول بـالـطّـابـوق وكـذلـك سـقـفـه الـواطئ الّـذي عـقـد بـمـسـتـوى الأرض. ويـعـتـقـد الـعـرب أنّـه قـنـاة حـفـرت لـجـلـب الـمـاء مـن الـفـرات. ولا أدري كـيـف يـمـكـن ذلـك مـع أنّ الـفـرات عـلى بـعـد أكـثـر مـن عـشـريـن فـرسـخـاً.

وبـعـد مـسـيـرة أربـعـة أيّـام مـن تـركـنـا لـلـقـصـر وصـلـنـا إلى قـريـة لا أهـمـيـة لـهـا كـانـت تـسـمى في الـمـاضي بـالـكـوفـة Cufa، ويـسـمـونـهـا الآن مـشـهـد عـلي Meched-Ali”.  (2)

ونـلاحـظ أنّ تـافـرنـيـيـه قـدّر بـعـد قـصـر الأخـيـضـر عـن الـفـرات بـأكـثـر مـن عـشـريـن فـرسـخـاً فـرنـسـيـاً أي مـا يـقـارب الـمـائـة كـلـم.

الأخيضر من جنوب الشرق

ويـنـبـغي أن نـنـتـظـر أكـثـر مـن قـرن بـعـد ذلـك لـيـمـرّ بـه الـتّـاجـر الإنـكـلـيـزي ولـيـام بـيـوَس William Beawes عـام 1745 خـلال سـفـرتـه مـن إنـكـلـتـرة إلى الـهـنـد، والّـتي نـزل فـيـهـا مـن حـلـب عـن طـريـق الـفـرات إلى الـنّـجـف ثـمّ الـبـصـرة. وكـتـب في سـرده لـهـذه الـسّـفـرة :

“31 آب،

تـوقّـفـنـا قـرب بـقـايـا حـصـن واسـع، ومـذاق الـمـاء هـنـا أكـثـر عـذوبـة مـن كـلّ مـا شـربـنـاه في الأيّـام الـقـلـيـلـة الـمـاضـيـة. وقـد وجـدنـاه بـكـمـيـات أكـبـر مـمـا في أمـاكـن الـبـاديـة الأخـرى، مـمـا جـعـلـني أعـتـقـد أنّ هـذا الـبـنـاء الـمـحـصّـن شـيّـده تـجّـار كـانـت تـجـارتـهـم تـجـبـرهـم عـلى الـمـرور مـن هـنـا لـيـسـتـطـيـعـوا تـأمـيـن الـمـاء في هـذه الـمـرحـلـة مـن أسـفـارهـم، أو شـيّـده بـعـض أعـراب الـبـاديـة لـيـدافـعـوا عـن أنـفـسـهـم مـن هـجـمـات أعـراب آخـريـن، أو (وهـو مـا يـبـدو لي أكـثـر احـتـمـالاً) لـيـبـتـزوا مـن الـتّـجّـار مـا أمـكـنـهـم مـقـابـل تـزويـدهـم [بـالـمـاء]”. (3)

 ومـرّ بـه الإنـكـلـيـزي غـيـلارد روبـرتـس Gaylard Roberts عـام 1748 في طـريـقـه مـن الـهـنـد إلى الـبـصـرة ثـمّ إلى حـلـب وإنـكـلـتـرة. (4)

ورغـم أن الألـمـاني كـارسـتـن نـيـبـور Carsten Niebuhr، الّـذي كـان قـد بـعـثـه مـلـك الـدّنـمـارك مـع فـريـق مـن الـعـلـمـاء لاكـتـشـاف بـلاد الـعـرب، صـعـد في عـام 1765 وحـده (بـعـد أن مـات كـلّ رفـاقـه) عـن طـريـق الـفـرات مـن الـبـصـرة إلى “مـشـهـد عـلي Mesched Ali” والـكـوفـة، ثـمّ إلى “مـشـهـد حـسـيـن Mesched Hösein “، كـربـلاء. وغـادر كـربـلاء في 30 كـانـون الأوّل مـتّـجـهـاً إلى الـحـلّـة وبـابـل، وغـادر الـحـلّـة في 5 كـانـون الـثّـاني 1766 في طـريـقـه إلى بـغـداد، فـهـو لـم يـذهـب إلى الأخـيـضـر بـنـفـسـه وإنّـمـا نـقـل مـا كـان قـد كـتـبـه عـنـه مـسـافـر إنـكـلـيـزي لـم يـذكـر اسـمـه.

كـتـب كـارسـتـن نـيـبـور بـالـلـغـة الألـمـانـيـة، وأتـرجـم لـكـم الـمـقـطـع مـبـاشـرة مـن الـنّـصّ الأصـلي :

“وجـدت في يـومـيـات مـسـافـر إنـكـلـيـزي نـزل مـن حـلـب إلى الـبـصـرة أنّـه مـرّ عـلى مـسـيـرة 44 سـاعـة جـنـوب شـرق هـيـت بـمـديـنـة (Stadt) مـهـجـورة تـمـامـاً في وسـط الـصّـحـراء، تـرتـفـع أسـوارهـا 50 قـدمـاً وسـمـكـهـا 40 قـدمـاً. وعـرض كـلّ جـانـب مـن هـذه الأسـوار 700 قـدمـاً. ورأى ثـقـوبـاً مـفـتـوحـة فـيـهـا. وفي داخـل هـذه الـمـديـنـة أو الـقـلـعـة الـواسـعـة قـصـر صـغـيـر. وسـمـعـت بـعـد ذلـك أنّ الـعـرب يـسـمـونـهـا        El Khader، وأنّـهـا عـلى بـعـد مـسـيـرة عـشـرة أو اثـني عـشـر فـرسـخـاً مـن مـشـهـد عـلي Meshed Ali”. (5)

وفي عـام 1790، مـرّ بـه الـمـيـجـر جـون تـايـلـور maj. John Taylor الّـذي كـان يـعـمـل في مـقـر بـومـبـاي، أحـد مـقـرّات شـركـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، في طـريـقـه مـن إنـكـلـتـرة إلى حـلـب ثـمّ إلى الـبـصـرة، ومـنـهـا إلى الـهـنـد. وكـتـب :

” 4 كـانـون الـثّـاني،

وبـعـد أن حـمّـلـنـا أمـتـعـتـنـا عـلى الـجـمـال انـطـلـقـنـا في الـسّـادسـة والـنّـصـف صـبـاحـاً، واجـتـزنـا بـاديـة مـنـبـسـطـة الـخـلاء، وعـبـرنـا واديـاً كـان نـهـر يـجـري فـيـه في الـمـاضي. وفي الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة رأيـنـا عـلى يـمـيـنـنـا، عـلى بـعـد حـوالي نـصـف مـايـل [حـوالي 850 مـتـراً]، بـقـايـا حـصـن صـغـيـر مـربـع الـشّـكـل يـسـمـيـه الـعـرب الأخـيـضـر  Ula Kayder”.    (6)

وقـد زاره الـمـسـتـشـرق الـفـرنـسي لـويـس مـاسـيـنـيـون Louis Massignon عـام 1908. وكـان في ذلـك الـوقـت طـالـبـاً في الـمـعـهـد الـفـرنـسي لـلـدراسـات الـشّـرقـيـة في الـقـاهـرة. وقـد بـعـث إلى أكـاديـمـيـة الـخـطـوط والآداب في بـاريـس بـتـقـريـر عـن قـصـر الأخـيـضـر نـشـر في تـقـاريـر جـلـسـاتـهـا لـعـام 1909. وكـان قـد رسـم لـه مـخـطـطـاً مـفـصـلاً والـتـقـط لـه صـوراً فـوتـوغـرافـيـة.(7).

جـرتـرود بـيـل في قـصـر الأخـيـضـر :

قـامـت جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell عـام 1909، بـأولى رحـلاتـهـا إلى الـعـراق، والّـتي دامـت خـمـسـة أشـهـر. ونـزلـت فـيـهـا مـن حـلـب إلى هـيـت، ثـمّ اقـتـفـت مـجـرى الـفـرات إلى كـربـلاء فـبـغـداد. ومـن بـغـداد صـعـدت إلى الـمـوصـل، ومـن الـمـوصـل إلى زاخـو فـديـار بـكـر وقـونـيـا.

وقـد رأت في مـوقـع الأخـيـضـر، حـوالي 190 كـلـم. جـنـوب غـرب كـربـلاء، قـصـراً شـاسـعـاً بـالـغ الـجـمـال، كـان قـد احـتـفـظ بـكـثـيـر مـن بـقـايـاه. وكـتـبـت لأبـيـهـا في 26 آذار 1909 :

“حـصـن عـظـيـم، قـلـعـة، قـصـر مـتـرامي الأطـراف، وأكـثـر مـن هـذا … 155 مـتـراً عـرضـاً و170 مـتـراً طـولاً تـحـيـطـهـا أسـوار مـمـتـدّة تـتـخـلـلـهـا أبـراج دائـريـة. وتـمـلأ حـوالي ثـلـث مـسـاحـتـه غـرف رائـعـة الـجـمـال حـول أحـواش تـتـبـعـهـا غـرف حـول أحـواش أخـرى … سـقـوفـهـا مـعـقـودة بـالـحـجـر الـمـقـطـوع، وتـعـلـوهـا قـبـاب. ويـغـطي جـدرانـهـا وسـقـوفـهـا جـصّ مـنـقـوش لـيـس بـعـد حـسـنـه حـسـن … وسـراديـب وغـرف عـالـيـة فـوق حـجـرات، بـعـضـهـا شـيّـدت بـأعـمـدة. ولـم أجـد خـارطـة تـشـيـر إلـيـه ولا كـتـاب نـشـر عـنـه. وقـد أعـلـمـني الـعـرب أنّ أجـنـبـيـاً جـاء إلى الـقـصـر في الـعـام الـمـاضي وتـفـحّـصـه عـدّة أيّـام”.

والأجـنـبي الّـذي تـقـصـده كـان الـمـسـتـشـرق الـفـرنـسي لـويـس مـاسـيـنـيـون Louis Massignon.

وتـنـهي الـرّسـالـة بـرأيـهـا عـن تـاريـخ تـشـيـيـده : “وبـاخـتـصـار، فـهـو أفـضـل مـثـال عـلى أروع مـا أنـتـجـه الـفـنّ الـسّـاسـاني … وأنـا أضـع زمـن تـشـيـيـده في نـفـس الـفـتـرة الّـتي شـيّـدت فـيـهـا طـيـسـفـون، ولـكـنّي أعـتـقـد أنّـه لـم يـشـيـد لـلـسّـاسـانـيـيـن بـل لأمـراء بـني لـخـم”.

الأخيضر من شمال الغرب

واعـتـقـدت أنّـهـا اكـتـشـفـت قـصـراً لـم يـره أحـد قـبـلـهـا. ونـشـرت في الـعـام الـتّـالي مـقـالاً عـنـه.

وعـنـدمـا صـدر كـتـابـهـا “مـن مـراد إلى مـراد Amurath to Amurath” في لـنـدن عـام 1911، (8) والّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن سـفـرتـهـا عـام 1909 إلى الـعـراق، خـصـصـت جـرتـرود بـيـل لـقـصـر الأخـيـضـر فـصـلـيـن صـغـيـريـن تـصـاحـبـهـمـا 23 صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـالأبـيـض والأسـود (وهي الصّـور الّـتي وضـعـتـهـا في هـذا الـمـقـال مـاعـدا صـورة الـعـنـوان والـصـورة الأخـيـرة بـالألـوان) وأربـعـة مـخـطـطـات مـعـمـاريـة لـلـمـوقـع كـامـلاً ولـطـوابـقـه. وهي تـقـصّ في الأوّل مـن هـذيـن الـفـصـلـيـن كـيـف اكـتـشـفـت الـقـصـر (مـن صـفـحـة 140 إلى صـفـحـة 147) :

“وبـعـد أن امـتـطـيـنـا صـهـوات خـيـولـنـا ثـلاث سـاعـات وسـط الـفـيـافي الـمـتـرامـيـة الأطـراف، أبـصـرنـا في وهـج الـشّـمـس بـكـتـلـة كـبـيـرة تـبـدو جـزءاً مـن مـعـالـم الـطـبـيـعـة. وتـحـددت أشـكـالـهـا شـيـئـاً فـشـيـئـاً كـلّـمـا ازداد اقـتـرابـنـا مـنـهـا. وسـألـت عـنـهـا أحـد الـمـرافـقـيـن zaptiehs.

وأجـابـني : “هـذا هـو الـخـيـضـر It is Kheidir”.

فـصـحـت [بـمـصـاحـبي الـمـخـلـص] : “يـالله، فـتّـوح Yallah, Fattuh”، وأطـلـقـت لـفـرسي الـعـنـان.

“ومـن بـيـن كـلّ الـتّـجـارب الـعـجـيـبـة الّـتي لاقـيـتـهـا في طـريـقي، لا يـمـكـن أن أنـسى الـلـحـظـة الّـتي رأيـت فـيـهـا “خـيـضـر”. كـانـت أسـواره الـمـحـصّـنـة تـرتـفـع مـن الـرّمـال كـمـا لـو لـم تـمـرّ عـلـيـهـا الـقـرون تـقـريـبـاً، تـقـطـع خـطّ أفـق الـفـلاة بـأبـراجـهـا الـضّـخـمـة الـمـحـصّـنـة، ضـاربـة بـأسـسـهـا الـثّـابـتـة في بـاطـن الأرض، كـمـا لـو كـانـت مـن روائـع أعـمـال الـطّـبـيـعـة لا مـن عـمـل الإنـسـان.

“واقـتـربـنـا مـنـه مـن جـهـة الـشّـمـال الّـتي يـلـتـصـق فـيـهـا [بـسـوره الـخـارجي] بـنـاء واطئ يـمـتـدّ إلى وادي لـبـيـعـة Wâdî Lebai’ah.

“ولـحـق بي أحـد الـمـرافـقـيـن عـنـدمـا وصـلـت إلى أوّل الـحـجـر الـمـعـقـودة الـسّـقـوف وأشـار لي إلى رجـل في ثـوب طـويـل أبـيـض وأسـود كـان واقـفـاً في بـوابـة الـسّـور الـشّـمـالي. وتـقـدم الـرّجـل بـخـطـوات بـطـيـئـة نـحـونـا في صـمـت حـرارة الـنّـهـار.

وقـال : الـسّـلام عـلـيـكـم، Peace be upon you”، وأجـابـه مـرافـقي : “وعـلـيـكـم الـسّـلام، شـيـخ عـلي And upon you peace, Sheikh ‘Ali، هـذه الـسّـيّـدة إنـكـلـيـزيـة”.

فـقـال الـشّـيـخ عـلي : “مـرحـبـاً يـا سـيّـدة خـان (خـاتـون ؟) my lady khan، تـفـضّـلي، أدخـلي وارتـاحي”. وقـادني في مـمـر قـصـيـر نـحـو قـبّـة صـغـيـرة […] ثـمّ وصـلـنـا إلى قـاعـة واسـعـة مـعـقـودة الـسّـقـف جـلـس فـيـهـا إعـراب حـول رمـاد نـار.

الأخيضر ركن حوش

وأكـمـل الـشّـيـخ عـلي : “يـا خـاتـون، هـذه قـلـعـة الـنّـعـمـان بـن الـمـنـذر”.

“وفـكّـرت إن كـان هـذا قـصـر بـني لـخـم أم لا، فـهـو الـقـصـر الّـذي كـنـت أحـلـم بـالـعـثـور عـلـيـه. وهـو يـنـتـمي بـهـنـدسـتـه الـمـعـمـاريـة إلى مـجـمـوعـة أبـنـيـة مـن الـزّمـن الـسّـاسـاني سـبـق أن عـرفـنـاهـا، ويـنـتـمي تـاريـخـيـاً إلى الـقـصـور الـمـعـروفـة في زمـن الـجـاهـلـيـة”.

ثـمّ تـدخـل جـرتـرود بـيـل في عـرض طـويـل لأهـمـيـة الـحـيـرة وقـصـورهـا في انـتـقـال الـعـرب مـن الـبـداوة إلى الـحـضـارة. وهي تـشـرح لـنـا أنّ أهـل الـبـلـد حـرّفـوا الأخـيـضـر Ukhaeidir إلى خـيـضـر Kheidir. وأنّ بـقـاءه قـائـمـاً رغـم مـرور الـقـرون يـعـود إلى أن الـصّـحـراء أحـاطـت بـه وإلى بـعـده عـن الـقـرى، ولـهـذا لـم يـسـكـنـه أحـد. […]

“والأعـراب الـمـقـيـمـيـن في الـقـصـر الآن جـاءوا قـبـل عـامـيـن مـن الـجـوف ونـجـد. وقـال لي عـلي إنّـهـم “هـاربـيـن مـن حـكـم ابـن رشـيـد”. وكـانـت الـهـوادج الـخـشـبـيـة الّـتي سـافـرت فـيـهـا الـنّـسـاء عـلى ظـهـور الإبـل مـكـدّسـة في أحـد الـمـمـرات وأعـاقـتـنـا عـن عـبـوره. ورأيـت حـوالي عـشـريـن عـائـلـة تـقـيـم عـلى أرضـيـات غـرف مـعـقـودة الـسّـقـوف سـكـنـهـا أمـراء في الـمـاضي”.

الأخيضر حجرة

ثـمّ تـتـكـلّـم عـن أحـدهـم، واسـمـه غـانـم : “أخـذ ربـابـتـه وعـزف عـلى وتـرهـا الـوحـيـد أنـغـام نـحـيـب […] وقـال غـانـم : “يـا خـاتـون، سـأنـشـد لـك أنـشـودة الأخـيـضـر”. ولـكـنّي أجـبـتـه : “بـل انـصـت لـبـيـت شـعـر الأخـيـضـر :

بـلـيـنـا ومـا تـبـلى الـنّـجـوم الـطّــوالـع   وتـبـقى الـجـبـال بـعـدنـا والـمـصـانـع  (9)

“وهـمـهـم مـعـاشي : “الله  allah !” بـيـنـمـا كـان يـدور مـالـئـاً بـصـمـت فـنـاجـيـن الـقـهـوة. وهـا أنّ بـيـت لـبـيـد [بـن ربـيـعـة] يـبـهـر الـحـاضـريـن كـمـا كـان قـد بـهـر الـحـاضـريـن في ولـيـمـة الـخـلـيـفـة”.

وتـصـف في الـفـصـل الـثّـاني مـنـهـمـا الـقـصـر (مـن صـفـحـة 147 إلى صـفـحـة 158) :

الأخيضر برج زاوية

“والـقـصـر مـسـتـطـيـل مـن أسـوار تـتـخـلـلـهـا أبـراج مـسـتـديـرة مـحـصـنـة، أربـعـة مـنـهـا، واحـد في كـلّ زاويـة، أكـثـر ضـخـامـة مـن الأخـرى. وفي داخـل هـذه الأسـوار بـنـاء مـسـتـطـيـل الـشّـكـل تـحـيـطـه أفـنـيـة مـن ثـلاث جـهـات […] ويـتّـكئ عـلى الـسّـور الـشّـمـالي مـرتـفـعـاً عـلى ثـلاثـة طـوابـق.

الأخيضر داخل البوابة الشمالية

ويـلـحـق بـه بـنـاء يـحـتـوي عـلى أربـع عـشـرة حـجـرة مـسـقـوفـة وحـوش صـغـيـر في طـرفـه الـجـنـوبي”. […] “وفي شـمـال غـرب الـقـصـر بـنـاء صـغـيـر يـسـمـيـه الـعـرب “الـحـمّـام the Bath”[…] “والـعـرب يـؤكّـدون أنّـهـم يـجـدون مـاءً أجـاجـاً عـنـدمـا يـحـفـرون فـيـه. وهـنـاك بـئـر مـاء أجـاج أيـضـاً في حـوش الـقـصـر”. “وكـان مـاء شـرب الأخـيـضـر يـأتي مـن وادي لـبـيـعـة”.

وتـفـصّـل جـرتـرود بـيـل في وصـف الـقـصـر في عـدّة صـفـحـات تـعـززهـا صـور فـوتـوغـرافـيـة قـبـل أن تـقـتـرح ثـلاثـة احـتـمـالات لـتـاريـخ تـشـيـيـده :

“1. إلى الـفـتـرة الـسّـاسـانـيـة، أو حـكـم بـني لـخـم حـتّى الـفـتـح الإسـلامي.

  1. إلى مـا بـعـد الـفـتـح الإسـلامي بـمـائـة وخـمـسـيـن عـامـاً.
  2. إلى الـفـتـرة الـعـبّـاسـيـة، أي إلى مـا بـعـد 750 م.”

وعـنـدمـا عـادت جـرتـرود بـيـل إلى مـوقـع الأخـيـضـر عـام 1911 لـتـكـمـل الـمـخـطـوطـة الّـتي كـانـت قـد كـتـبـت مـنـهـا 168 صـفـحـة تـصـاحـبـهـا 166 صـورة فـوتـوغـرافـيـة، خـاب أمـلـهـا في أن تـكـون مـكـتـشـفـة الـمـوقـع الـوحـيـدة، وعـرفـت أنّ عـالـم آثـار ألـمـاني درس الـمـوقـع لـمـدة سـنـتـيـن في غـيـابـهـا، وأنّ كـتـابـه عـن الـقـصـر كـان عـلى وشـك الـصّـدور.

وكـان عـالـم الآثـار الألـمـاني هـذا أوسـكـار ريـوتـيـر oskar Reuther .  وقـد نـشـر كـتـابـه :  Ocheïdir، في لايـبـزك عـام 1912.

وكـان هـذا الألـمـاني عـالـم مـخـتـصّ بـالآثـار، ولـم تـكـن جـرتـرود بـيـل مـخـتـصّـة بـهـا، ومـع ذلـك قـررت أن تـنـشـر كـتـابـهـا ولـو كـان الـثّـاني عـن الأخـيـضـر. وصـدر عـام 1914 (10)

وقـد خـصـصـت الـفـصـل الأوّل مـن كـتـابـهـا لـوصـف بـنـاء الـقـصـر. والـمـقـايـيـس الّـتي أخـذتـهـا والـمـخـطـطـات الّـتي رسـمـتـهـا لا تـخـتـلـف عـن وصـف مـاسـيـنـيـون وريـوتـيـر لـه وهي هي تـقـريـبـاً. ولاحـظـت جـرتـرود بـيـل أنّ الـسّـور الـخـارجي الـمـحـصّـن شـيّـد بـعـد تـشـيـيـد الـقـصـر بـسـنـوات.

الأخيضر بوابة تفضي من حوش إلى حوش

وهـذا الـسّــور الـمـربّـع الـمـحـصّـن يـمـتـدّ كـلّ واحـد مـن جـوانـبـه 170 مـتـراً. وفي داخـلـه الـقـصـر الـمـحـصّـن (116 × 82 مـتـراً). وقـد شـيّـد خـارج الـتّـحـصـيـن وداخـلـه بـالأحـجـار الــمـقـطـوعـة، تـتـخـلـلـه أبـراج دائـريـة مـلـصـقـة بـه بـثـلاثـة أربـاعـهـا، وتـنـفـتـح بـه أبـواب أربـعـة، واحـد في وسـط كـلّ جـانـب.

الأخيضر مخطط

ويـفـضي بـاب الـقـصـر الـمـحـصّـن إلى مـدخـل عـقـد سـقـفـه بـالـحـجـارة، نـدخـل مـن يـمـيـنـه إلى مـسـجـد بـقـبـلـة مـسـتـطـيـلـة، ومـن يـمـيـنـه إلى أقـسـام سـكـن يـمـكـن أن تـكـون مـخـصـصـة لإقـامـة قـوّات الـحـراسـة.

ومـن هـذا الـمـدخـل نـصـل إلى مـمـرّ يـحـيـط بـجـزئـه الـمـركـزي الّـذي هـو حـوش اسـتـقـبـال وغـرفـه الـمـلـحـقـة بـه.

الأخيضر القاعة الكبيرة

وعـلى كـلّ مـن جـانـبي الـحـوش بـيـتـان يـفـصـلـهـمـا الـمـمـرّ عـنـه. ولـكّـل مـن هـذه الـبـيـوت الأربـعـة بـابـه الـخـاص الـمـفـضي إلى الـمـمـرّ. ولـيـس هـنـاك اتّـصـال آخـر بـيـن الـبـيـوت.

وفي وسـط كـلّ واحـد مـن هـذه الـبـيـوت حـوش (27 × 32 مـتـراً).

وبـهـذا يـقـتـرب مـخـطـط قـصـر الأخـيـضـر مـن مـعـمـار الـقـصـور الأمـويـة الـمـتـأخّـرة مـثـل قـصـر “الـمـشـتى” الّـذي نـجـد فـيـه أيـضـاً الـمـسـجـد قـرب الـمـدخـل وحـوش الإسـتـقـبـال والـبـيـوت الّـتي تـحـيـطـه.

وتـتـكـلّـم في الـفـصـلـيـن الـثّـاني والـثّـالـث والـرابـع عـن الـمـعـالـم الأثـريـة مـن قـصـور وقـلاع يـمـكـن أن تـعـتـبـر أصـولاً اسـتـوحـاهـا فـنّ الـمـعـمـار الإسـلامي عـامّـة في بـدايـاتـه أو كـانـت مـن أوائـل إنـتـاجـاتـه.

وتـخـصّـص الـفـصـول الـتّـالـيـة لـبـدايـات فـنّ عـمّـارة الـقـصـور الإسـلامـيـة، عـن الـواجـهـات والـمـسـاجـد الّـتي تـضـمّـهـا. ثـمّ تـفـتـح الـنّـقـاش عـن تـاريـخ تـشـيـيـد الأخـيـضـر. وهي تـقـتـرح أن يـكـون بـيـن 711 و 750 م. وهي لا تـعـتـقـد أنّ تـشـيـيـد الـقـصـر يـمـكـن أن يـتـعـدّى بـدايـة الـعـصـر الـعـبـاسي أي 750 ، لأنّـهـا تـعـتـبـر أنّ الـعـبـاسـيـيـن فـقـدوا هـوايـة الـصّـيـد في الـبـوادي الّـتي كـان يـمـارسـهـا الأمـويـون، والّـتي شـيّـدوا لأجـلـهـا قـصـور صـيـد في الـبـاديـة.

ومـع ذلـك، يـعـتـبـر كـثـيـر مـن الـمـخـتـصـيـن الآن أنّ تـاريـخ تـشـيـيـده يـعـود إلى الـنّـصـف الـثّـاني مـن الـقـرن الـثّـامـن بـعـد الـمـيـلاد، وأنّـه شـيّـد لـعـيـسى بـن مـوسى، حـفـيـد أبي الـعـبّـاس الـسّـفّـاح، أوّل خـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن. ولا بـد انّـه كـان قـصـر صـيـد في وسـط الـبـاديـة يـسـكـنـه فـتـرة وجـيـزة مـن الـسّـنـة، بـعـيـداً عـن طـرق الـتّـجـارة وعـن طـرق الـمـواصـلات.

الأخيضر حوش وطوابقه الثلاثة

“دومـة الـجـنـدل” أم “دومـة الـحـيـرة” :

وتـخـصـص جـرتـرود بـيـل صـفـحـتـيـن كـامـلـتـيـن مـن كـتـابـهـا (156/ 157) عـمّـا ذكـره يـاقـوت الـحـمـوي في “مـعـجـم الـبـلـدان”. والـمـؤرخـون الـعـرب يـذكـرون في حـديـثـهـم عـن فـتـح خـالـد بـن الـولـيـد لـلـعـراق عـام 12 لـلـهـجـرة (633/ 634 م.) “عـيـن الـتّـمـر”. ويـحـدد يـاقـوت مـوقـعـهـا في “شـفـاثـا”، والّـتي يـمـكـن أن تـكـون قـريـة شـتـاتـة الـحـالـيـة قـرب الأخـيـضـر. وكـان يـسـكـنـهـا عـرب نـصـارى قـاومـوا جـيـش خـالـد.

ويـذكـر الـمـؤرخـون، وهـو مـا تـنـاقـلـه بـعـضـهـم عـن بـعـض أنّ خـالـداً سـار بـعـد ذلـك لـفـتـح “دومـة الـجـنـدل” وقـتـل سـيّـدهـا الأكـيـدر الـكـنـدي. وهـو مـا يـبـدو غـريـبـاً لأنّ جـيـش خـالـد فـتـح “دومـة الـجـنـدل” قـبـل أن يـصـعـد إلى الـحـيـرة فـهي عـلى طـريـقـه مـن الـمـديـنـة إلى الـحـيـرة. ويـمـكـن أن يـكـونـوا قـد قـصـدوا “دومـة الـحـيـرة”، ثـمّ حـرّف الإسـم مـن نـاسـخ إلى نـاسـخ.

ويـذكـر يـاقـوت روايـتـيـن مـخـتـلـفـتـيـن عـن تـشـيـيـد “دومـة الـحـيـرة” الّـتي كـانـت قـرب “عـيـن الـتّـمـر”، وكـانـت بـقـايـا قـلـعـتـهـا مـعـروفـة في زمـانـه، أي الـقـرن الـثّـالـث عـشر الـمـيـلادي.

وحـسـب الـرّوايـة الأولى الّـتي ذكـرهـا يـاقـوت : بـعـث الـنّـبي خـالـداً لـفـتـح “دومـة الـجـنـدل”. وعـقـد صـلـحـاً بـعـد فـتـحـهـا مـع أكـيـدر الـكـنـدي سـيّـد الـدّومـة. ولـكـنّ أكـيـدر نـكـث الـعـهـد بـعـد وفـاة الـنّـبي، وهـرب نـحـو الـحـيـرة وشـيّـد لـه حـصـنـاً في “عـيـن الـتّـمـر” اسـمـاه “الـدّومـة”، وهـو الـحـصـن الّـذي أخـذه خـالـد عـام 12 هـ.

ويـذكـر يـاقـوت في الـرّوايـة الـثّـانـيـة الّـتي نـقـلـهـا أنّ أكـيـدر الـكـنـدي كـان قـد شـيّـد “دومـة الـحـيـرة” أوّلاً. ولأنّـه كـان يـذهـب لـلـصّـيـد في الـبـاديـة، في جـنـوب غـربـهـا فـقـد شـيّـد “دومـة الـجـنـدل” وأسـمـاهـا بـاسـم قـلـعـتـه الأولى.

ورغـم أنّـه مـن الـصّـعـب تـصـديـق هـاتـيـن الـرّوايـتـيـن، فـمـن الـمـمـكـن أن تـكـون بـقـايـا الـحـصـن الّـذي تـكـلّـم يـاقـوت عـن بـقـايـاه في زمـنـه بـقـايـا قـصـر الأخـيـضـر.

ويـبـدو أنّ الـدّكـتـور مـصـطـفى جـواد كـان يـعـتـقـد أنّ “حـصـن عـيـن الـتّـمـر” هـو الأخـيـضـر، وأنّـه مـن أصـل سـاسـاني لأنّ أسـلـوبـه وطـراز مـعـمـاره يـخـتـلـف عـن الـطّـرز الـعـربـيـة الإسـلامـيـة. ولـم أفـلـح في الـعـثـور عـلى مـقـالـه.

الأخـيـضـر بـعـد جـرتـرود :

وفي عـام 1930، زارت كـاتـبـة الـرّوايـات الـبـولـيـسـيـة الـبـريـطـانـيـة الـشّـهـيـرة  أجـاثـا كـريـسـتي  Agatha Christie مـع زوجـهـا عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN  قـصـر الأخـيـضـر عـنـدمـا زارا الـنّـجـف، وقـد سـبـحـا في بـحـيـرة قـربـه. ولـكـنّـهـمـا لـم يـنـشـرا عـنـه شـيـئـاً.

وفي كـتـابـه الـشّـهـيـر عـن الـمـعـمـار الإسـلامي الّـذي صـدر عـام 1932     (11)، إقـتـرح كـريـسـويـل K.A.C. Creswell  لـتـشـيـيـده سـنـة 778 م.  والـحـقـيـقـة أنّ كـريـسـويـل لـم يـزر الأخـيـضـر الّا في 1954، ونـشـر عـن زيـارتـه لـه مـقـالاً قـصـيـراً في مـجـلّـة سـومـر. (12)

ويـحـق لـنـا هـنـا أن نـتـسـاءل لـمـاذا لـم تـشـرع جـرتـرود بـيـل عـنـدمـا كـانـت مـسـؤولـة عـن الآثـار في مـمـلـكـة الـعـراق في الـنّـصـف الأوّل مـن عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، وحـتّى وفـاتـهـا عـام 1926، بـتـرمـيـم قـصـر الأخـيـضـر، أو بـإزالـة الأنـقـاض الـمـتـراكـمـة فـيـه عـلى الأقـل. وكـيـف لـم تـصـطـحـب الـمـلـك فـيـصـل الأوّل لـزيـارتـه، وهي الّـتي كـانـت تـريـد أن يـرى مـعـالـم الـبـلـد الّـذي “اخـتـاره سـكـانـه لـيـحـكـمـهـم”. (13)

وبـدأت أعـمـال إزالـة الأنـقـاض والـتّـرمـيـم في أواخـر ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، واسـتـمـرّت عـام 1940. وبـدأت مـديـريـة الآثـار الـعـامـة عـام 1960 حـمـلـة جـديـدة لإزاحـة الأنـقـاض، وقـامـت بـبـعـض الـحـفـريـات وبـتـرمـيـمـات في بـعـض أجـزائـه. وقـامـت في عـام 1962 بـحـمـلـة ثـانـيـة، ثـمّ اسـتـمـرت في عـدّة مـواسـم في سـتـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي وسـبـعـيـنـيـاتـه.

 

الأخيضر بعد الترميم

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) Pietro DELLA VALLE, Viaggi, vol. 4, p. 256.

(2) Les six voyages de Jean-Baptiste Tavernier, vol. 1, p. 149.

(3) William Beawes, Accunt of a Journey from Basra to Aleppo in 1745 Printed in Hakluyt, Second Series,N° I.XIII (edit D. Carruthers)

(4) Gaylard Roberts, Accunt of a Journey from Basra to Aleppo in 1748. Printed in Hakluyt, Second Series,N° I.XIII (edit D. Carruthers), chap. ii. Pp. 43-47.

(5) Carsten Niebuhr, Reisebeschreibung, vol. ii., p. 225

(6) Travels from England to India in 1789, by the way of the Tyrol, Venice, Scandaroon, Aleppo and over the great desart to Bassora ; with instructions for travellers and an account of the expence of travelling, etc. by maj. John Taylor. London, Carpenter, 1799. Vol. 1, p. 247.

(7) Bulletin de l’Acad. Des Inscr. et Belles-Lettres, Mars 1909.

(8) Gertrud Lowthian Bell, Amurath to Amurath, London, Heinemann, 1911.

(9) يـذكـر عـلـمـاء الـلـغـة أنّ الـمـصـانـع في بـيـت لـبـيـد تـعـني أبـراج الـحـصـون.

(10) Gertrud Lowthian Bell, Palace and Mosque at al Ukhaidir. A study in early mohammadan architecure. Oxford 1914.

(11) K.A.C.  Creswell, Early Muslim Architecture, II, 1932. pages 50 – 100.

(12) K.A.C.  Creswell , A visit to Ukhaider and Kûfa, Sumer, X 1954. N°2, pp. 143-149.

(13) أنـظـر مـقـالي : “فـيـصـل وجـرتـرود”  : فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.