حـمّـودي والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـنـدمـا نـقـرأ عـن الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة لا نـجـد غـالـبـاً إلّا أسـمـاء عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أشـرفـوا عـلـيـهـا وأحـيـانـاً أسـمـاء بـعـض مـن سـاعـدوهـم فـيـهـا.

ولا نـجـد إلّا نـادراً أسـمـاء الـعـمّـال الّـذيـن حـفـروا وأزاحـوا الـتّـراب عـن الـمـواقـع الأثـريـة ووجـدوا الـقـطـع الـقـيّـمـة الّـتي كـانـت تـرقـد فـيـهـا. ومـن أشـهـر هـؤلاء ولا شـكّ الـشّـيـخ حـمّـودي.

وقـد رأيـت مـراراً الـصّـورة الـمـشـهـورة الّـتي الـتـقـطـت لأعـضـاء بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات في أور عـام 1929 والّـتي نـرى فـيـهـا حـمّـودي Hammoudi بـيـن مـاكـس مـالـوان Max Mallowan ولـيـونـارد وولي  Leonard Wooley (الّـذي قـاد الـحـمـلـة واكـتـشـف مـقـبـرة أور الـمـلـكـيـة) وزوجـتـه كـاثـريـن  Katharine  والأب إريـك بُـروز  Eric Burrows.

expedition-house-staff

ثـمّ رأيـت عـدداً مـن الـصّـور الـتـقـطـت في مـوقـع أور تـعـرفـت فـيـهـا عـلى حـمّـودي.

وبـحـثـت عـن مـعـلـومـات عـنـه فـلـم أجـد شـيـئـاً إلى أن قـرأت كـتـاب أجـاثـا كـريـسـتي (1) : تـعـال أخـبـرني كـيـف تـعـيـش Come, tell me how you live الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن مـشـاركـتـهـا في تـنـقـيـبـات زوجـهـا عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان في شـمـال مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات، والّـذي تـذكـر فـيـه حـمّـودي (كـتـبـت اسـمـه Hamoudi بـ  M  واحـدة).

ثـمّ وجـدت مـا ذكـره عـالم الآثـار مـاكـس مـالـوانMax Mallowan ، الّـذي كـان زوج أجـاثـا كـريـسـتي، في كـتـابـه : “مـذكّـرات عـن أور  Mesmoires of Ur” :

“في مـا يـخـصّ الـتّـعـامـل مـع الـعـمّـال، كـان الـسّـيـر لـيـونـارد وولي سـعـيـداً بـالإعـتـمـاد عـلى الـشّـيـخ حـمّـودي بـن إبـراهـيـم الّـذي جـعـلـه رئـيـسـاً عـلـيـهـم مـنـذ تـنـقـيـبـاتـه في مـوقـع كـرشـمـيـش Carchemish (قـرب جـرابـلـس في أعـالي الـفـرات) عـام 1912”.

حمودي 6

ويـذكـر مـالـوان أيـضـاً أنّ لـورنـس T.E.Lawrence (الّـذي لـقّـب بـلـورنـس الـعـرب) (2) والّـذي كـان يـنـقّـب مـع لـيـونـارد وولي في مـوقـع كـرشـمـيـش أصـيـب بـحـمى الـتّـيـفـوئـيـد، واعـتـنى بـه الـشّـيـخ مـحـمّـد بـن إبـراهـيـم (حـمّـودي) وعـالـجـه بـشـرب الـلـبـن الـحـامـض لا غـيـر عـدّة أيّـام حـتّى زالـت عـنـه الـحـمّى وعـادت إلـيـه صـحـتـه. كـمـا أنّ لـورنـس حـسّـن لـغـتـه الـعـربـيـة بـالـتـحـدّث بـهـا مـع حـمّـودي الّـذي شـرح لـه عـادات الـعـرب وطـريـقـة حـيـاتـهـم وكـيـفـيـة الـتّـصـرف مـعـهـم  :

حمودي ربيع 1913

(صـورة الـتـقـطـت في ربـيـع عـام 1913، ونـرى حـمّـودي جـالـسـاً في الـصّـف الأوّل، الـثّـاني مـن الـيـمـيـن، ولـورنـس الـثّـالـث مـن الـيـسـار)

وتـوقـفـت تـنـقـيـبـات كـرشـمـيـش بـانـدلاع الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـام 1914. وعـيّـن وولي ولـورنـس في الـمـخـابـرات الـبـريـطـانـيـة.

وبـعـد نـهـايـة الـحـرب، عــاد لـيـونـارد وولي عـام 1919 إلى كـرشـمـيـش لـيـسـتـمـرّ في تـنـقـيـبـاتـه، ووجـد حـمّـودي في انـتـظـاره في الـمـوقـع.

وعـنـدمـا وصـل وولي إلى أور في 2 تـشـريـن الـثّـاني 1922 لـيـشـرع بـتـنـقـيـبـاتـه فـيـهـا، فـرح بـرؤيـة حـمـودي مـن جـديـد، وأصـرّ عـلى تـعـيـيـنـه رئـيـسـاً لـعـمـال الـتّـنـقـيـبـات.

حمودي 31

ثـمّ اسـتـمـرّ بـاسـتـدعـائـه في كـلّ مـوسـم تـنـقـيـبـات لـيـشـرف عـلى الـعـمـل في أور. كـمـا شـغّـل مـعـه أبـنـاءه عـنـدمـا كـبـروا. بـدأ مـنـذ الـمـوسـم الـثّـاني بـتـشـغـيـل ابـنـه يـحـيى، ثـمّ إبـراهـيـم ابـتـداءً بـالـمـوسـم الـخـامـس، ثـمّ عـلاوي مـنـذ الـمـوسـم الـثّـامـن. واسـتـمـروا يـسـاعـدون الـسّـيـر لـيـونـارد وولي حـتّى الـمـوسـم الـثّـاني عـشـر، والّـذي كـان آخـر مـواسـم الـتّـنـقـيـبـات في أور، مـا عـدا إبـراهـيـم الّـذي تـوفي قـبـل بـدايـة الـمـوسـم الـحـادي عـشـر.

ويـقـول عـنـهـم مـاكـس مـالـوان : “تـعـلّـم كـلّ مـنـهـم صـنـعـة أبـيـهـم ومـهـارتـه، وشـكّـل أربـعـتـهـم فـريـقـاً مـكـتـمـل الـتّـنـاسـق”.

ولـديـنـا صـورة الـتّـقـطـت في مـوسـم الـتّـنـقـيـبـات الـرّابـع (1925/26) نـرى في وسـطـهـا يـحـيى يـمـسـك مـسـنـد آلـة الـتّـصـويـر الـثّـلاثي الـقـوائـم، ونـرى إبـراهـيـم عـلى يـسـار الـصّـورة :

يحيى إبن حمودي

حـمّـودي ولـيـونـارد وولي :

كـتـب الـسّـيـر لـيـونـارد وولي عـن حـمّـودي وأبـنـائـه في الـجـزء الـثّـاني الـمـخـصـص لـلـمـقـبـرة الـمـلـكـيـة مـن كـتـابـه عـن “تـنـقـيـبـات أور                  Ur Excavations” :

“كـان حـمّـودي، وهـو مـحـمّـد بـن الـشّـيـخ إبـراهـيـم، رئـيـس عـمّـالي عـنـدمـا عـدت إلى كـرشـمـيـش بـعـد الـحـرب [الـعـالـمـيـة الأولى]، ورئـيـس عـمّـالي في تـنـقـيـبـات الـمـقـبـرة الـمـلـكـيـة [في أور]، وكـانـت مـهـارتـه في الـحـفـر إلى جـانـب نـشـاطـه وحـيـويـتـه ودبـلـومـاسـيـتـه في الـتّـعـامـل مـع الآخـريـن تـجـعـل مـنـه رجـلاً لا يـمـكـن تـقـديـر قـيـمـتـه. وقـد سـاعـده في عـمـلـه أبـنـاؤه يـحـيى وإبـراهـيـم ثـمّ عـلاوي. وكـان أربـعـتـهـم رؤسـاء عـمّـال لا مـثـيـل لـهـم. وقـد عـهـدت لـيـحـيى بـمـهـمـة تـصـويـر [الـمـوقـع والـقـطـع الأثـريـة]، وقـد الـتـقـط أغـلـب الـصّـور خـلال الـعـمـل في الـمـوقـع”.

وكـان حـمّـودي وأبـنـاؤه يـعـدّون مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في أور قـبـل وصـول الـبـعـثـة مـن إنـكـلـتـرة. وكـانـوا يـزيـحـون عـن بـيـت الـبـعـثـة الـتّـراب والـرّمـال الـمـتـراكـمـة عـلـيـهـا، ويـجـمـعـون الـعـمّـال (الّـذيـن كـانـوا مـن رجـال الـعـشـائـر الـمـجـاورة وغـالـبـاً مـا تـكـون أعـدادهـم حـوالي 200 رجـل، وقـد تـصـل إلى 300 رجـل) لـيـمـكـن لـلـيـونـارد وولي ومـسـاعـديـه الـشّـروع في الـعـمـل حـال وصـولـهـم.

ورغـم أنّ لـيـونـارد وولي لا يـتـكـلّـم في الـتّـقـاريـر الّـتي يـنـشـرهـا عـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات عـن الأحـداث الـشّـخـصـيـة، فـقـد ذكـر في تـقـريـره عـن الـمـوسـم الـحـادي عـشـر (عـام 1932) وفـاة إبـراهـيـم، إبـن الـشّـيـخ حـمّـودي. وكـان إبـراهـيـم قـد سـاعـد أبـاه وأخـاه الأكـبـر، يـحـيى، في عـمـلـهـمـا مـدّة سـتّ سـنـوات.

ويـروي وولي في مـقـدمـة الـتّـقـريـر كـيـف أنّـه فـوجئ بـلـقـاء الـشّـيـخ حـمّـودي في بـغـداد بـدلاً مـن أن يـكـون في أور لـيـعـدّ الـمـوقـع. وأعـلـمـه حـمّـودي أنّ ابـنـه إبـراهـيـم مـات فـجـأة. ويـذكـر وولي أنّ الـكـولـيـرا كـانـت قـد تـفـشّـت في الـمـوقـع في الـمـوسـم الـسّـابـق وأنّـه أجـبـر عـلى تـلـقـيـح كـلّ عـمّـالـه، وتـحـاشى بـذلـك أن يـمـوت مـنـهـم أحـد.

ولـديـنـا صـورة الـتـقـطـت عـام 1932 لـتـلـقـيـح الـعـمـال ضـدّ الـكـولـيـرا ونـرى في يـسـارهـا لـيـونـارد وولي وزوجـتـه كـاثـريـن:

Hammoudi 32

حـمّـودي ومـاكـس مـالـوان :

ومـن بـيـن أهـمّ مـا نـعـرفـه عـن الـشّـيـخ حـمّـودي مـا ذكـره مـاكـس مـالـوان  Max Mallowan ، في كـتـابـه : “مـذكّـرات عـن أور  Mesmoires of Ur” :

“يـعـرف الـنّـاس شـيـئـيـن عـنـه : إنّـه كـان مـن عـائـلـة مـعـروفـة، وإنّـه كـان شـريـفـاً لا يـقـبـل الـرّشـوة. وقـد عـلّـمـني هـو نـفـسـه أنّـه يـنـبـغي لـقـيـادة الـعـمّـال أن يـحـبّـوني ويـخـشـونـني في آن واحـد. وكـانـت حـيـويـتـه تـبـثّ الـنّـشـاط في مـن حـولـه، وكـان حـسّـاسـاً يـفـهـم الآخـريـن فـلـم يـكـن يـدفـع الـعـمـال لـيـجـهـدوا أنـفـسـهـم أكـثـر مـن طـاقـتـهـم. وكـان يـعـرف في كـلّ رجـل مـنـهـم مـواطـن ضـعـفـه، ويـسـتـطـيـع أن يـسـخـر مـن الـمـشـاكـس ويـخـفـض مـن قـدر الـمـتـعـالي ويـرفـع قـدر الـمـتـواضـع. وكـان حـاذقـاً في تـقـلـيـد الـحـركـات وتـعـابـيـر الـوجـه لـيـضـحـك عـمـالـه مـتى مـا شـاء أو لـيـشـيـر لـواحـد مـنـهـم أن يـخـجـل مـمـا يـفـعـل. وكـان قـادراً عـلى إعـادة الـهـدوء بـيـن الـرّجـال بـمـزيـج مـن الـسّـخـريـة مـنـهـم وشـتـمـهـم والـثّـنـاء عـلـيـهـم.

الشيخ حمودي 1926

وكـان يـدرك أهـمـيـة الـغـنّـاء ويـقـلّـد بـمـسـحـاة الـعـمـل صـاحـب الـمـشـحـوف وهـو يـدفـع مـشـحـوفـه بـالـمـردي وسـط الـمـيـاه فـتـرتـفـع الأنـغـام مـن أفـواه الـعـمّـال الـعـرب وهـم يـشـعـرون وكـأنّ مـشـاحـيـفـهـم تـنـزلـق عـلى صـفـحـات مـيـاه الأهـوار في هـدوء الـلـيـل.

وكـانـت شـخـصـيـتـه الـقـويـة تـدفـع رجـالـه لـلـعـمـل طـيـلـة الـنّـهـار، مـن شـروق الـشّـمـس إلى غـروبـهـا. وكـان يـربـطـه بـلـيـونـارد وولي تـفـاهـم لـيـس مـثـلـه تـفـاهـم، وارتـبـاط بـيـنـهـمـا يـفـسـره حـمّـودي بـقـولـه : “كـثـيـراً مـا تـقـاسـمـنـا خـبـزنـا مـعـاً”.

Hammoudi 28 29

(صـورة لـفـريـق الـتّـنـقـيـبـات الـتـقـطـت في أور في مـوسـم 1928/ 1929 نـرى في الـصّـف الأوّل مـنـهـا حـمّـودي، الـثّـالـث مـن الـيـسـار، جـالـسـاً بـجـانـب الأب إريـك بُـروز)

حـمّـودي وأجـاثـا كـريـسـتي

ذكـرت في بـدايـة الـمـقـال كـيـف أنـني قـرأت لأوّل مـرّة عـن حـمّـودي في كـتـاب أجـاثـا كـريـسـتي : تـعـال أخـبـرني كـيـف تـعـيـش Come, tell me how you live الّـذي نـشـرتـه عـام 1946، والّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن مـشـاركـتـهـا في تـنـقـيـبـات زوجـهـا عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان في أعـالي الـفـرات، والّـذي تـذكـر فـيـه حـمّـودي (كـتـبـت اسـمـه Hamoudi بـ  M واحـدة) أكـثـر مـن أربـعـيـن مـرّة.

أجاثا كريستي تعال

وهي تـروي مـنـذ الـصّـفـحـة 21 مـن الـكـتـاب، عـنـدمـا وصـلـت إلى بـيـروت ووجـدت زوجـهـا مـاكـس مـالـوان في انـتـظـارهـا، كـيـف أنّـهـم سـيـسـلـكـون طـريـقـهـم بـعـد أيّـام إلى مـوقـع جـقـجـقـة عـلى ضـفـة الـخـابـور لـيـنـقّـبـوا فـيـه ثـلاثـة أشـهـر، وكـيـف سـيـكـون مـعـهـم : “دلـيـل وفـيـلـسـوف وصـديـق، أي حـمّـودي الّـذي كـان رئـيـس عـمّـال تـنـقـيـبـات أور، وصـديـق قـديـم لـزوجي، والّـذي سـيـأتي لـيـسـاعـدنـا بـيـن مـوسمي تـنـقـيـبـات، في أشـهـر الـخـريـف هـذه”.

وكـيـف كـان مـاكـس قـلـقـاً لأنّـه لـم يـجـد حـمّـودي في بـيـروت كـمـا كـان يـتـوقـعـه.

ثـمّ فـجـأة : “إسـتـيـقـاظ مـبـكـر. في الـخـامـسـة صـبـاحـاً، إنـفـتـح بـاب غـرفـتـنـا، وأعـلـن صـوت بـالـعـربـيـة : “وصـل رئـيـس عـمـالـكـم !”.

ودخـل حـمّـودي وولـداه في الـغـرفـة بـالـسّـحـر الـمـتـحـمّـس الّـذي يـمـتـازون بـه، يـمـسـكـون بـأيـديـنـا ويـضـغـطـون بـهـا عـلى جـبـاهـهـم. “شـلـون كـيـفـك ؟  Shlon kefek”،”كـلـش زيـن Kullish zen”،”الـحـمـد لله ! الـحـمـد لله El hamdu lillah ! وبـعـد أن نـفـضـنـا الـنّـعـاس عـن أعـيـنـنـا، تـربّـع حـمّـودي وولـداه عـلى راحـتـهـم عـلى الأرض وشـرعـوا بـتـبـادل الأخـبـار مـع مـاكـس. وأبـعـدني حـاجـز الـلـغـة عـن مـشـاركـتـهـم في الـثّـرثـرة، فـقـد اسـتـعـمـلـت كـلّ مـا كـنـت أعـرفـه مـن الـلـغـة الـعـربـيـة، ولـم يـعـد لـديّ مـنـه الـمـزيـد. وكـان الـنّـعـاس مـا زال يـداعـب أجـفـاني، وودت لـو أنـتـظـر حـمّـودي وولـداه قـلـيـلاً قـبـل أن يـأتـوا في الـفـجـر، ولـكـنّي أدركـت أنّـه كـان بـديـهـيـاً عـنـدهـم أن يـأتـونـا بـأسـرع مـا يـمـكـن.

وطـرد شـرب الـشّـاي الـنّـعـاس مـن عـيـنيّ، ووجـه لي حـمّـودي الـكـلام عـدّة مـرّات، وتـرجـم لي مـاكـس مـا قـال، كـمـا تـرجـم لـه أجـوبـتي. وكـان ثـلاثـتـهـم يـشـعّـون بـهـجـة وسـروراً، وعـنـدهـا أدركـت إلى أي حـدّ كـان هـؤلاء الـنّـاس شـديـدي الـتـشـويـق والإبـتـهـاج”.

وعـنـدمـا بـحـثـوا عـن سـائـق لـيـقـود سـيـارتـهـم إلى الـمـوقـع وجـده لـهـم حـمّـودي، وعـنـدمـا سـألـه مـاكـس كـيـف وجـده : “بـسـهـولـة. كـان واقـفـاً عـلى شـاطئ الـبـحـر، عـاطـلاً لـم يـجـد عـمـلاً وفـرغـت جـيـوبـه تـمـامـاً. وسـيـكـون رخـيـصـاً. وهـكـذا سـنـقـتـصـد في نـفـقـاتـنـا !”. وعـنـدمـا سـألـه مـاكـس إن كـان واثـقـاً أنّ الـرّجـل يـحـسـن الـسّـيـاقـة، وجـد حـمّـودي الـسـؤال غـريـبـاً وأجـابـه : “الـخـبّـاز رجـل يـضـع الـعـجـيـن في الـفـرن ويـخـبـزه. والـسّـائـق رجـل يـجـلـس أمـام الـمـقـود ويـسـوق الـسّـيّـارة !”.

وعـنـدمـا وصـلـوا قـريـة بُـصـيـرة الّـتي لـم يـجـدوا فـيـهـا إلّا آثـاراً رومـانـيـة هـزّ حـمّـودي رأسـه بـخـيـبـة أمـل وهـو يـردد : “مـن زمـان الـرّوم  Min Ziman er Rum”.

وهي تـكـتـب : “كـان حـمّـودي ومـاكـس سـعـيـديـن جـدّاً مـعـاً. وكـانـا يـضـحـكـان ويـغـنـيـان ويـروي الـواحـد مـنـهـمـا قـصـصـاً لـلآخـر. وكـنـت أطـلـب أحـيـانـاً [مـن مـاكـس] أن يـتـرجـم لي عـنـدمـا يـنـطـلـق مـرحـهـمـا قـهـقـهـات. وكـنـت أغـار أحـيـانـاً مـن ذلـك”.

وفي مـكـان آخـر : “كـان حـمّـودي يـعـتـبـر الـسّـيّـارة نـوعـاً مـن الـخـيـل، أقـلّ نـبـلاً ولـكـن أكـثـر خـضـوعـاً. وعـنـدمـا كـنّـا نـجـد مـجـرى مـيـاه يـنـبـغي اجـتـيـازه، كـان حـمّـودي يـصـرخ بـالـسّـائـق : “بـسـرعـة ــ بـسـرعـة، لا تـتـرك لـهـا الـوقـت لـتـنـكـص. أطـلـق عـنـانـهـا ! أطـلـق عـنـانـهـا !”.

وعـنـدمـا وصـلا إلى قـريـة ذهـبـا إلى غـرف وجـدوهـا لـيـقـضـوا فـيـهـا الـلـيـل : “وكـان الـمـسـيـر صـعـبـاً لأنّ الـطّـيـن كـان يـلـتـصـق بـالأقـدام كـفـطـائـر مـسـتـديـرة ثـقـيـلـة تـبـطئ حـركـاتـنـا … وضـحـكـت لـرؤيـة فـطـائـر الـطّـيـن هـذه الـمـلـتـصـقـة بـقـدميّ. كـنـت أحـس بـهـا تـمـامـاً كـمـا لـو كـنـت في حـلـم. وضـحـك حـمّـودي أيـضـاً، وقـال لـمـاكـس : “أحـسـنـت بـاصـطـحـاب الـخـاتـون مـعـنـا،  فـهي تـضـحـك لـكـلّ شئ !”.

ثـمّ تـذكـر أنّ حـمّـودي أكّـد لـهـم أنّ كـلّ شئ سـيـكـون عـلى مـا يـرام، و”كـان يـشـعّ كـالـعـادة بـابـتـسـامـتـه الّـتي لا تـقـاوم”.

و”بـعـد أن أنـهـيـا مـوسـم الـتّـنـقـيـبـات في أور، لـحـق ولـدا حـمّـودي بـنـا. وكـان أكـبـرهـمـا، يـحـيى، طـويـلاً تـعـلـو شـفـتـيـه ابـتـسـامـة واسـعـة مـرحـة، أمّـا عـلّاوي، الأصـغـر، فـقـد كـان وسـيـمـاً، يـبـدو أكـثـر الإثـنـيـن ذكـاءً. ولـكـنّـه كـان حـاد الـطّـبـع، يـتـشـاجـر أحـيـانـاً لأسـبـاب تـافـهـة… وبـعـد أن رتّـب حـمّـودي الأمـور [لـتـبـدأ الـتّـنـقـيـبـات] تـركـنـا وعـاد إلى داره”.

وهـكـذا انـتـهى ذكـر أجـاثـا كـريـسـتي لـحـمّـودي في الـصّـفـحـة 86 مـن كـتـابـهـا.

وقـد وضـعـت في كـتـابـهـا صـورة لـحـمّـودي، مـنـتـصـبـاً بـهـيـبـتـه الـمـعـتـادة :

حمودي 001

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إسـتـعـمـلـت في كـتـابـة هـذا الـنّـص بـعـض الـمـعـلـومـات الّـتي احـتـوى عـلـيـهـا مـقـال بـراد هـافـورد عـن تـنـقـيـبـات وولي، ومـقـال كـيـرا كـيـرشـر عـن الـشّـيـخ حـمّـودي في مـدونـة مـتـحـف Penn  الـتّـابـع لـجـامـعـة بـنـسـلـفـانـيـا في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة.

(1) أنـظـر مـقـالي : أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق

(2)  بـعـد أن أنـهى تـومـاس إدوارد لـورنـس  Thomas Edward LAWRENCE دراسـتـه في جـامـعـة أكـسـفـورد، سـافـر في أوربـا ثـمّ في الـشّـرق الأدنى وشـارك في تـنـقـيـبـات كـرشـمـيـش الأثـريـة، ثـمّ اشـتـغـل خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في الـمـخـابـرات الـبـريـطـانـيـة وأرسـل إلى الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة لـيـعـدّ “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وبـعـد نـهـايـة الـحـرب صـاحـب لـورنـس الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن إلى مـؤتـمـر الـصّـلـح الّـذي عـقـد في فـرسـاي، قـرب بـاريـس عـام 1919. وقـد نـصـب فـيـصـل مـلـكـاً عـلى سـوريـا، ولـكـنّ الـفـرنـسـيـيـن طـردوه مـنـهـا بـعـد تـطـبـيـق مـعـاهـدات سـايـكـس ـ بـيـكـو. وأخـيـراً تـوّج فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق عـام 1921 بـاسـم فـيـصـل الأوّل.

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

Advertisements

الـبـيـت الـتّـراثي كـمـا وصـفـتـه أربـع أجـنـبـيـات

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

ولـدتُ في دار كـبـيـرة عـاشـت فـيـهـا عـدّة أجـيـال قـبـلي، وسـكـن فـيـهـا والـدي وأعـمـامي وعـمّـاتي، لـكـلّ واحـد مـنـهـم جـزء مـنـهـا.

وكـان حـائـطـهـا الـمـطـلّ عـلى الـطّـريـق شـديـد الإرتـفـاع لا نـوافـذ فـيـه، نـدخـل مـنـه إلـيـهـا مـن بـاب خـشـبي كـبـيـر بـضـلـفـيـن (أو درفـتـيـن) يـفـضي إلى مـمـر واسـع وطـويـل يـوصـل إلى الـمـضـيـف مـن جـهـة وإلى بـيـوت الـسّـكـن مـن جـهـة أخـرى. وكـان الـمـضـيـف حـوشـاً واسـعـاً عـلى جـانـب مـنـه غـرف وعـلى الـجـانـب الآخـر قـاعـة نـصـعـد إلـيـهـا بـعـدّة درجـات يـتـقـدّمـهـا إيـوان يـنـفـتـح عـلى الـحـوش، وتـحـتـهـا سـرداب عـمـيـق نـنـزل إلـيـه بـسـلـم تـتـابـع درجـاتـه هـابـطـة، كـان يـخـيـل إلـيـنـا، نـحـن الـصـغـار، أنـهـا لـن تـتـوقـف عـن الـسّـقـوط !

أمّـا جـزء الـدّار الّـذي كـان يـحـوي بـيـوت الـسّـكـن فـكـنّـا نـدخـل إلـيـه مـن يـسـار الـمـمـر مـن بـاب خـشـبي أخـضـر الـلـون بـسـعـة الـبـاب الـخـارجي، يـفـضي هـو الآخـر إلى مـمـر عـلى جـانـبـه بـيـت إحـدى عـمّـاتي ثـمّ بـيـت أحـد أعـمـامي يـوصـلـنـا إلى حـوش شـديـد الـسّـعـة في وسـطـه شـجـرة كـالـبـتـوس (أو أكـالـبـتـوس)، وحـولـه بـيـوت الآخـريـن ومـن ضـمـنـهـم بـيـتـنـا بـغـرف نـومـه ومـطـبـخـه وحـجـرة مـؤونـتـه وسـرداب صـغـيـر تـحـتـهـمـا.

كـمـا كـان عـلى جـانـب مـن الـحـوش الـواسـع مـطـبـخ كـبـيـر يـسـتـعـمـلـه الـجـمـيـع خـاصـة لإعـداد وجـبـات ضـخـمـة لـلـضـيـوف الّـذيـن لـم تـكـن تـخـلـو مـنـهـم الـدّار إلّا نـادراً. كـمـا كـان فـيـه حـمـام يـسـخـن الـمـاء فـيـه مـوقـد يـلـتـهـم كـمـيـات مـذهـلـة مـن الـحـطـب. وكـان في الـدّار دورات مـيـاه في أمـاكـن عـديـدة.

وكـان في جـانـب مـن الـدّار سـلّـم نـصـعـد عـلـيـه إلى الـسّـطـح الـشّـديـد الإمـتـداد، لـكـلّ بـيـت جـزء مـن هـذا الـسّـطـح الّـذي يـطـلّ عـلى سـوق تـكـريـت وعـلى الـسّـراي والـمـدرسـة وتـنـحـدر الـعـيـن مـنـه لـتـصـل إلى دجـلـة.

وعـنـدمـا انـتـقـلـنـا إلى بـغـداد في الـسّـنـة الّـتي دخـلـت فـيـهـا الـمـدرسـة الإبـتـدائـيـة سـكـنّـا في دار واسـعـة هي الأخـرى يـنـفـتـح جـانـبـاهـا الـمـخـصـصـان لـلـسّـكـن عـلى حـوش تـحـيـطـه حـيـطـان شـديـدة الإرتـفـاع في وسـطـه حـديـقـة تـنـبـثـق مـنـهـا نـخـلـة شـاهـقـة الـعـلـو حـولـهـا أعـداد مـن أشـجـار الـنّـارنـج. وكـانـت الـدّار عـلى ضـفـة دجـلـة يـتـقـدم سـطـحـهـا نـحـو الـنّـهـر لـيـصـيـر شـرفـة تـغـطى الـدّرب الّـذي يـفـصـل الـدّار عـنـه.

ثـمّ تـركـنـا هـذه الـدّار أيـضـاً لـنـسـكـن في دور “حـديـثـة” لـم تـعـد تـدور حـولـهـا حـيـطـان عـالـيـة تـفـصـلـهـا عـن الـعـالـم الـخـارجي، ولـم يـعـد في وسـطـهـا حـوش تـحـيـطـه غـرف الـسّـكـن والـمـرفـقـات، وإنّـمـا صـارت تـحـيـطـهـا حـديـقـة لا تـفـصـلـهـا عـن الـشّـارع إلّا حـيـطـان واطـئـة وتـنـفـتـح غـرفـهـا بـنـوافـذ واسـعـة عـلى الـحـديـقـة أو حـتّى تـطـلّ عـلى الـشّـارع !

وكـان تـغـيـيـراً جـذريـاً كـمـا لـو قـلـبـنـا بـطـانـة مـعـطـف ووضـعـنـاهـا إلى الـخـارج وأدخـلـنـا قـمـاش الـمـعـطـف ووضـعـنـاه في الـبـاطـن !

وقـد هـدمـت دارنـا في تـكـريـت عـنـدمـا شـيّـد الـجـسـر الـكـبـيـر الّـذي مـرّ عـلـيـهـا، كـمـا هـدمـت الـدّار الـقـديـمـة الّـتي سـكـنـاهـا في “سـبـع قـصـور” عـنـدمـا حـوّل الـدّرب الـضّـيّـق أمـامـهـا إلى شـارع واسـع يـوصـل إلى الـجـسـر الـمـعـلّـق. وهـكـذا فـقـدتُ بـضـيـاعـهـمـا جـزءاً مـن طـفـولـتي ومـطـلـع صـبـاي لا يـمـكـن أن يـدرك أهـمـيـتـه إلّا مـن كـان قـد عـاش مـثـلي في دور تـراثـيـة قـديـمـة.

وقـد اهـتـمـمـت بـعـد ذلـك بـالـنّـصـوص الّـتي تـتـكـلّـم عـن هـذه الـدّور الّـتي مـا زالـت تـسـكـن ذاكـرتي، والّـتي أتـأسّـف لأنـنـا أبـدلـنـاهـا بـدور عـاديـة نـرى مـثـلـهـا في كـلّ مـكـان، كـمـا لـو كـنّـا أبـدلـنـا مـصـبـاح عـلاء الـدّيـن الـقـديـم بـمـصـبـاح جـديـد بـرّاق ولـكـن لا سـحـر فـيـه !

ووجـدت أعـداداً كـبـيـرة مـن الـقـصـص والـرّوايـات تـدور أجـزاء مـن أحـداثـهـا في مـثـل هـذه الـبـيـوت الـقـديـمـة، وكـتـب مـذكـرات يـحـاول مـؤلـفـوهـا أن يـسـتـرجـعـوا بـعـض مـا تـبـقى لـهـم مـن الـذّكـريـات عـنـهـا. ولـكـنّي اسـتـغـربـت لـقـلّـة الـصّـور الـقـديـمـة الّـتي الـتـقـطـت أو الـلـوحـات الّـتي رسـمـت في داخـلـهـا، كـمـا لـو أنّ حـيـاء أنـاس تـلـك الأزمـان مـنـعـهـم مـن فـضـح تـلـك الأمـاكـن الـمـسـتـورة ونـشـرهـا أمـام أعـيـن كـلّ مـن هـبّ ودب.

وقـد اخـتـرت لـكـم أربـع نـظـرات ألـقـتـهـا أجـنـبـيـات عـلى بـيـوتـنـا الـقـديـمـة : فـرنـسـيـة زارت الـعـراق بـصـحـبـة زوجـهـا في نـهـايـة 1881 وبـدايـة 1882، وأمـريـكـيـة جـاءت إلى بـغـداد مـع زوجـهـا عـام 1924 لـفـتـح مـدرسـة لـلـبـنـيـن، وسـكـنـت في عـدّة بـيـوت بـغـداديـة حـتّى عـام 1947، وإنـكـلـيـزيـة وصـلـت الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1928، ثـمّ عـادت إلـيـه مـراراً وسـكـنـت في بـيـوت بـغـداديـة أسـهـبـت في وصـفـهـا، وانـكـلـيـزيـة أخـرى تـكـلّـمـت عـن بـيـوت عـراقـيـة في روايـتـيـن مـن روايـاتـهـا الـشّـديـدة الـشّـهـرة وفي كـتـب ذكـريـات …

الـفـرنـسـيـة جَـيـن ديـولافـوا  Jane Dieulafoy :

صـاحـبـت جَـيـن (أو جـان حـسـب الـلـفـظ الـفـرنـسي) في عـام 1879 (وكـانـت في الـثّـامـنـة والـعـشـريـن مـن عـمـرهـا) زوجـهـا إلى بـلاد الـفـرس (إيـران الـحـالـيـة) في رحـلـة كـان الـهـدف مـنـهـا دراسـة الـعـلاقـات بـيـن الـفـنـون الـشّـرقـيـة والـفـنـون الـغـربـيـة.

وفي عـامي 1881 و1882 جـابـا أرجـاء بـلاد فـارس، ثـمّ تـجـولا في ولايـتَي الـبـصـرة وبـغـداد (الـلـتـيـن كـانـتـا تـحـت الـحـكـم الـعـثـمـاني)، وقـطـعـا في أربـعـة عـشـر شـهـراً مـا يـقـارب الـسّـتّـة آلاف كـيـلـومـتـر. وخـصـصـا لـزيـارة الـولايـتـيـن الـعـراقـيـتـيـن حـوالي شـهـريـن : مـن 21 تـشـريـن الـثّـاني 1881 إلى 11 كـانـون الـثّـاني 1882.

وقـد نـشـرت جَـيـن سـرد رحـلـتهـا مـع زوجـهـا في مـجـلّـة أوّلاً، ثـمّ أصـدرت عـام 1887،كـتـابـاً عـنـوانـه : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش (سـوسـة) La Perse, La Chaldée, La Susiane”.

ديولافوا 2 (420x640)

وصـلـت جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا مـارسـيـل إلى الـبـصـرة أولا، ثـمّ صـعـدا إلى بـغـداد الّـتي وصـلاهـا في 12 كـانـون الأوّل. ووصـفـت دار الـقـنـصـلـيـة الـفـرنـسـيـة في بـغـداد :

“شـيّـد دار الـقـنـصـلـيـة بـغـداديـون لـيـسـكـنـهـا بـغـداديـون. وفي وسـط درب ضـيّـق [= دربـونـة] يـنـتـصـب جـدار عـالٍ لا فـتـحـة فـيـه إلّا بـاب يـسـمـح بـالـكـاد لـفـارس أن يـمـرّ فـيـه عـلى فـرسـه. وبـعـد أن يـمـرّ الـمـرء بـالـمـدخـل يـصـل إلى رواق يـقـيـم فـيـه الـحـرس (الـخـواص  cawas)  الّـذيـن عـهـد إلـيـهـم بـحـمـايـة الـقـنـصـل ومـصـاحـبـتـه في تـنـقّـلاتـه. ويـقـومـون أيـضـاً بـالـتّـسـوق وجـلـب الـضّـروريـات. ونـصـل بـعـدهـا إلى حـوش واسـع تـنـفـتـح عـلـيـه أبـواب الـمـطـابـخ والإسـطـبـلات ومـحـلاّت الـسّـروج وبـاقي غـرف خـدمـة الـدّار. ومـن بـاب فـتـح في جـانـب مـن الـحـوش نـصـل إلى حـوش ثـاني شـيّـدت حـولـه غـرف الـسّـكـن بـشـنـاشـيـلـهـا وبـنـوافـذهـا الـمـغـطـاة بـقـطـع الأخـشـاب والـزّجـاج الـمـتـشـابـكـة الـمـغـطـاة بـنـسـيـج مـحـبّـك أبـيـض وأحـمـر لـيـحـمي الـدّاخـل مـن حـرارة الـشّـمـس الـشّـديـدة في وسـط الـنّـهـار”.

بيلفيل بغداد

(حـوش بـيـت بـغـدادي. لـوحـة بـالألـوان الـمـائـيـة لأرثـر مـيـلـفـيـل، 1882 ) (2)

“مـا قـلـتـه يـخـصّ مـخـطـط الـدّار، أمّـا عـن طـريـقـة تـشـيـيـده فـإنّ قـيـظ الـصّـيـف وقـرّ بـرد الـشّـتـاء يـجـبـران الـسّـاكـنـيـن عـلى تـغـيـيـر أمـاكـنـهـم في كـثـيـر مـن الأحـيـان. وهـم يـشـيـدون دوراً يـجـدون فـيـهـا حـلـولاً لـمـشـاكـل الـطّـقـس أربـع مـرّات في الـسّـنـة : فـفي كـلّ الـمـسـاكـن غـرف مـعـقـودة الـسّـقـوف حـفـرت عـلى عـمـق ثـلاثـة أمـتـار أو أربـعـة. وفي هـذه الـغـرفـة الّـتي تـسـمـى (سـرداب  sedab)، والّـتي تـشـبـه الـزّيـر زمـيـن  zir zamin عـنـد الـفـرس، تـنـزل كـلّ عـائـلـة بـغـداديـة مـنـذ أن يـحـلّ الـرّبـيـع مـع أثـاث الـدّار وكـلّ مـا يـحـتـاجـونـه في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة، فـلـو تـركـوا الأثـاث الـخـشـبي في خـارج الـسّـرداب لأكـلـه الـعـث وتـسـاقـط مـن شـدّة الـحـرّ. وعـنـدمـا تـرتـفـع درجـات الـحـرارة يـنـزل الـنّـاس بـسـرعـة في الـسّـراديـب الّـتي يـتـغـيـر الـهـواء فـيـهـا مـارّاً بـالـبـادكـيـر  badguird (وهي الـمـلـقـفـات)، ولا يـخـرجـون مـنـهـا إلّا في الأصـيـل لـيـتـنـفـسـوا هـواءً خـانـق الـحـرارة، فـدرجـات الـحـرارة لا تـهـبـط إلّا قـلـيـلاً بـغـد غـروب الـشّـمـس”.

ج. ديولافوا 3

ورغـم قـصـر الـفـتـرة الّـتي أقـامـت فـيـهـا ديـولافـوا في بـغـداد، فـهي تـتـكـلّـم عـن الـطّـقـس في هـذه الـمـديـنـة وعـن تـعـاقـب فـصـول الـسّـنـة فـيـهـا كـمـا لـو كـانـت قـد عـاشـت فـيـهـا سـنـوات طـويـلـة. وهي ولا شـكّ قـد سـجّـلـت مـا سـمـعـتـه مـن الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـت بـهـم ونـقـلـتـه عـنـهـم بـكـلّ نـواقـصـه ومـبـالـغـاتـه :

“والـمـديـنـة مـيّـتـة لا حـركـة فـيـهـا في الـنّـهـار ولـكـنّـهـا تـعـود إلى الـحـيـاة في الـمـغـرب، فـتـجـتـمـع الـنّـسـاء ويـتـزاورن مـتـنـقـلات مـن سـطـح إلى سـطـح، ويـقـضـيـن الـلـيـل في الـثّـرثـرة وهـنّ يـدخـنّ ويـشـربـن الـشـربـت  cherbet. وهـنّ مـجـبـرات، لـيـتـحـاشـيـن الـبـعـوض، عـلى إطـفـاء الأضـواء والـبـقـاء في الـظـلام. ويـجـبـرهـنّ فـصـل الـقـيـظ عـلى فـراغ مـمـل. ويـنـزل الـجـمـيـع في الـفـجـر إلى الـسّـرداب لـيـقـضـوا الـنّـهـار في خـمـود وركـود يـصـيـبـان حـتّى أنـشـط الـنّـاس مـنـهـم”.

“وعـنـدمـا يـحـلّ الـبـرد يـصـعـد الـنّـاس إلى غـرف الـطّـابـق الأوّل، ورغـم أنّـهـم يـوقـدون الـنّـار في الـمـواقـد فـهـم يـظـلـون يـرتـجـفـون مـن شـدّة الـبـرد وخـاصـة بـعـد أن أضـعـفـتـهـم شـدّة الـحـرّ واسـتـنـزفـت حـيـويـتـهـم”.

(أنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق ).

 

الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت  Ida Donges Staudt :

قـبـلـت إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت مـع زوجـهـا Calvin في عـام 1924مـهـمـة فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد The Americain School for Boys . وكـانـت في الـتّـاسـعـة والأربـعـيـن مـن عـمـرهـا، فـقـد ولـدت في 1875.

ودامـت “مـغـامـرة” إيـدا وزوجـهـا ثـلاث وعـشـريـن سـنـة (إلى عـام 1947)، سـكـنـا خـلالـهـا عـدّة بـيـوت بـغـداديـة. كـمـا زارا أمـاكـن كـثـيـرة مـن الـعـراق، فـقـد نـزلا عـن طـريـق دجـلـة إلى الـبـصـرة، وزارا كـربـلاء والـنّـجـف وصـعـدا إلى كـردسـتـان وتـجـولا في الـبـاديـة لـلـقـاء الـبـدو.

وقـد بـدأت إيـدا بـكـتـابـة ذكـريـاتـهـا عـن الـعـراق بـعـد رجـوعـهـا إلى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة، وأكـمـلـتـهـا في 1951، أي قـبـل سـنـة مـن وفـاتـهـا (في 1952)، ولـكـنّ نـصّـهـا لـم يـنـشـر إلّا في 2012 تـحـت عـنـوان : الـعـيـش في بـغـداد الـرّومـانـسـيـة : مـذكّـرات أمـريـكـيـة عـن الـتـدريـس والـسّـفـر في الـعـراق مـن 1924 إلى 1947

Living in Romantic Baghdad: An American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924-1947.Edited by John Joseph, New York, Syracuse University Press 2012.

living-240

أقـامـت إيـدا وزوجـهـا عـنـد وصـولـهـمـا إلى بـغـداد في فـنـدق، ثـمّ وجـدا داراً أجـراهـا :

“كـانـت الـدّار وسـط حيّ الـنّـصـارى الـشّـديـد الإزدحـام، وكـانـت قـد شـيّـدت، كـكـلّ دور ذلـك لـزّمـان، حـول حـوش مـفـتـوح، ولـكـنّـهـا كـانـت تـفـتـقـر إلى مـرافـق كـثـيـرة ، وكـانـت تـكـتـفي بـالـقـلـيـل لـتـسـتـطـيـع أن تـتـقـوقـع عـلى نـفـسـهـا احـتـمـاءً مـن شـدّة الـحـرّ الّـذي بـدأ يـتـقـدّم بـخـطى واسـعـة.

كـلّ دار في بـغـداد تـقـريـبـاً تـمـتـلـك سـردابـاً serdab، وهي غـرفـة تـحـت مـسـتـوى الـحـوش تـنـخـفـض فـيـهـا درجـات الـحـرارة. وقـبـل أن تـصـل الـمـراوح الـكـهـربـائـيـة كـان الـسّـرداب الـمـلـجـأ الـوحـيـد مـن الـقـيـظ.

ولـكـنّ دارنـا لـلأسـف لـم يـكـن فـيـهـا سـرداب، ولـم يـكـن فـيـهـا تـحـت الأرض إلّا الـمـطـبـخ الّـذي كـان بـلا نـافـذة، ولـم يـكـن فـيـه إلّا مـوقـد فـحـمي حـقـيـر وثـقـب في أرضـيـتـه لـيـسـيـل فـيـه الـمـاء. وقـد بـذلـت كـلّ مـا كـان بـوسـعي لـنـسـتـطـيـع الـعـيـش في هـذه الـدّار عـنـدمـا بـدأت درجـات الـحـرارة تـتـقـافـز صـاعـدة، ولـكـنّي فـشـلـت، وكـاد هـذا أن يـحـطّـمـني”.

وتـحـوّلا إلى دار أخـرى في حـزيـران :

“وضـعـت دار كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر تـحـت تـصـرّفـنـا مـؤقّـتـاً، وكـانـت داراً قـد شـيّـدت لـراحـة سـاكـنـيـهـا. وتـمـتّـعـنـا بـهـا تـمـام الـتّـمـتـع، وفـيـهـا بـدأنـا حـيـاتـنـا الـبـغـداديـة بـدايـة حـقـيـقـيـة.

كـنّـا نـنـزل وسـط الـنّـهـار إلى سـرداب مـنـعـش الـبـرودة، وكـنّـا نـجـد في الـمـسـاء راحـة وسـحـراً في الـجـلـوس في الـشّـرفـة أمـام الـنّـهـر نـتـأمّـل الأضـواء تـنـبـض فـوق جـسـر الـقـوارب وعـلى ضـفـتي دجـلـة الـمـظـلـلـة، وكـنّـا نـنـام الـلـيـل عـلى الـسّـطـح تـحـت سـمـاء عـمـيـقـة الـزّرقـة مـطـعـمـة بـالـنّـجـوم. وكـانـت أوّل هـديـة نـتـلـقـاهـا في الـصّـبـاح رؤيـة الـنّـهـر عـنـدمـا تـلـمـس أولى أشـعـة الـشّـمـس أبـنـيـة الـصّـوب الـمـقـابـل”.

ثـمّ سـمـعـت إيـدا بـأنّ : “داراً كـبـيـرة فـرغـت قـرب نـادي الـضّـبّـاط الـبـريـطـانـيـيـن، في حيّ حـديـث مـن الـمـديـنـة، تـحـيـطـهـا غـابـات الـنّـخـيـل، وعـنـدمـا زرتـهـا حـلـت لـعـيـنيّ فـأجـرتـهـا حـالاً وبـلا تـردد.

وبـانـتـقـالـنـا إلـيـهـا في الـخـريـف بـدأت حـيـاتـنـا الـعـمـلـيـة حـقّـاً. وكـانـت الـدّار تـنـاسـب تـمـامـاً مـا نـريـد، وإن اعـتـبـر الـبـعـض أنّـهـا بـعـيـدة عـن مـركـز الـمـديـنـة، وقـد أصـبـحـت الآن في وسـط الـمـديـنـة لـشـدّة مـا تـوسـعـت بـغـداد وامـتـدّت”.

“وكـانـت داراً كـبـيـرة فـيـهـا 20 غـرفـة واسـعـة حـول حـوش مـفـتـوح، أمـامـهـا شـرفـات عـريـضـة. وعـلى واحـدة مـن هـذه الـشّـرفـات يـمـكـن لـ 300 ولـد أن يـجـلـسـوا، وكـنّـا نـعـقـد فـيـهـا اجـتـمـاعـاتـنـا في الـصّـبـاح، وفـيـهـا كـانـت تـجـري بـعـض الـنّـشـاطـات الـمـدرسـيـة. وكـان في الـدّار أيـضـاً سـراديـب مـعـقـودة الـسّـقـوف، وكـانـت غـرفـهـا عـالـيـة الـسّـقـوف ولـهـذا قـررنـا أنّ سـعـتـهـا تـكـفي لاتـخـاذهـا سـكـنّـاً لـنـا ومـدرسـة لـتـلامـيـذنـا. وقـد أحـسـسـت بـنـفـسي سـيّـدة مـن الـطّـبـقـة الـعـلـيـا وأنـا أتـمـخـتـر في  أنـحـاء هـذا الـقـصـر qasr . وأنـا أعـتـقـد حـقّـاً أنّـهـا غـيّـرتـني وأجـبـرتـني عـلى أن أتـصـرف حـسـب مـا يـتـطـلـبـه مـنّي الـسّـكـن في قـصـر. فـفي هـذه الـدّار الـكـبـيـرة يـمـتـلئ الـمـرء هـيـبـةً فـيـتـصـرّف بـهـيـبـة. وقـد أضـفى عـليّ ذلـك، وأنـا الـبـسـيـطـة الأصـل، مـظـهـر سـيـادة كـنـت أحـتـاج إلـيـه لإدارة الـمـدرسـة”.

“وقـد قـال لي صـديـق في يـوم مـن الأيّـام : “أنـتِ لـن تـغـيّـري الـشّـرق، ولـكـنّ الـشّـرق سـيـغـيـرك!”. ولـم يـكـن هـذا صـحـيـحـاً تـمـامـاً، فـقـد جـاء الـتّـغـيـيـر مـن الـجـانـبـيـن.

وكـان في وسـط الـحـوش الـمـفـتـوح حـديـقـة مـثـمـنـة الأضـلاع تـنـتـصـب فـيـه أشـجـار وتـتـفـتـح فـيـهـا زهـور. وكـان زوجي يـسـمـيـهـا بـالـغـابـة لأنّ شـجـرة زيـتـون مـدّت أغـصـانـهـا في كـلّ الإتـجـاهـات بـجـانـب شـجـرتي نـارنـج وشـجـرتي دفـلى تـزهـر واحـدة أزهـاراً حـمـراء، والأخـرى أزهـاراً بـيـضـاء. وكـان فـيـهـا أيـضـاً نـخـلـة، ولـفـتـرة مـن الـزّمـن كـان فـيـهـا شـجـرة مـوز تـتـفـتـح أوراقـهـا الـواسـعـة سـاحـرة الـمـلـمـس.

وخـلال تـلـك الـسّـنـوات كـان الـجـلـوس فـيـهـا في الأمـسـيـات مـريـحـاً ومـنـعـشـاً، وكـان زوجي يـسـمـيـهـا : “غـابـة الـبـيـت “.

“وكـان لـهـذا “الـقـصـر” الـمـهـيـب قـصّـة مـدهـشـة، فـقـد اسـتـعـمـلـه الـبـريـطـانـيـون نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم. وكـان الإيـطـالـيـون قـد اتـخـذوه قـنـصـلـيـة لـهـم، ووجـدنـا بـقـايـا عـلـمـهـم عـلى الـسّـطـح حـيـنـمـا أجّـرنـا الـقـصـر، وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إخـتـارتـه الـقـيـادة الألـمـانـيـة مـقـرّاً لـهـا. وغـالـبـاً مـا حـذرونـا مـن أنّ شـبـح الـجـنـرال فـون ديـر غـولـتـز كـان يـتـجـوّل في أنـحـائـه”(3).

(أنـظـر مـقـالي : إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947 ).

 

الإنـكـلـيـزيـة فـريـا م. سـتـارك  Freya Madeline STARK :

 ولـدت فـريـا مـادلـيـن ســتـارك في بـاريـس، فـرنـسـا سـنـة 1893 مـن أبـويـن بـريـطـانـيـيـن. وكـان أبـوهـا روبـرت قـد درس الـرّسـم  في رومـا، والـتـقى بـأمّـهـا فـلـورا الّـتي كـانـت قـد نـشـأت وتـرعـرعـت في فـلـورنـسـا، والّـتي كـانـت هي أيـضـاً رسّـامـة وعـازفـة بـيـانـو.

وكـانـت فـريـا مـنـذ طـفـولـتـهـا سـيـئـة الـصّـحـة تـقـضي سـاعـات طـويـلـة مـن أيـامـهـا في الـقـراءة. وتـكـلّـمـت الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة والإيـطـالـيـة في فـتـرة مـبـكـرة مـن حـيـاتـهـا. ودخـل الـشّـرق في مـخـيـلـتـهـا مـنـذ سـنّ الـتّـاسـعـة عـنـدمـا أهـدتـهـا إحـدى عـمـاتـهـا تـرجـمـة “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة Arabian Nights  “.

وفي سـنـوات طـفـولـة فـريـا تـوتـرت الـعـلاقـات بـيـن أمّـهـا وأبـيـهـا، وتـركـت أمّـهـا الـدّار مـصـطـحـبـة أطـفـالـهـا وذهـبـت لـتـعـيـش في شـمـال إيـطالـيـا.

وعـمـلـت فـريـا كـمـمـرضـة في إيـطالـيـا خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، ثـمّ عـادت في نـهـايـتـهـا إلى بـيـت أمّـهـا. واستـمـرت تـقـرأ رحـلات الأوربـيـيـن إلى الـشّـرق مـمـا دفـعـهـا إلى دراسـة الـلـغـة الـعـربـيـة.

فـريـا تـتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة :

وجـدت فـريـا راهـبـاً كـبـوشـيـاً كان قـد عـاش ثـلاثـيـن سـنـة في بـيـروت قـبـل أن يـعـود إلى إيـطـالـيـا ويـدخـل ديـراً في San Remo. ولـمـدة سـنـوات سـارت فـريـا مـن الـحـقـل الّـذي كـانـت تـعـمـل فـيـه سـاعـة كـامـلـة لـتـصـل إلى أقـرب مـحـطة قـطـار ثـمّ تـركـب الـقـطـار الـمـغـادر إلى سـان ريـمـو، عـدّة مـرّات في الأسـبـوع. وقـضـت سـنـوات طـويـلـة تـتـابـع دروس الـرّاهـب وتـحـفـظ الأفـعـال الـعـربـيـة وتـصـرفـهـا.

ثـمّ سـافـرت إلى لـنـدن عـام 1926، وكـانـت في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـرهـا ووجـدت أسـتـاذاً مـصـريـاً لـيـسـاعـدهـا في دراسـتـهـا لـلـعـربـيـة.

فـريـا تـسـافـر إلى الـشّـرق وتـصـل إلى الـعـراق :

وفي 1927 تـركـت فـريـا أمّـهـا والـحـقـل نـهـائـيـاً لـتـعـود إلى لـنـدن وتـدخـل في مـعـهـد الـدّراسـات الـشّـرقـيـة London school of Oriental Studies . وعـنـدمـا جـمـعـت مـا يـكـفي مـن الـنّـقـود لـشـراء بـطـاقـة سـفـر عـلى بـاخـرة، إسـتـقـلـتـهـا في خـريـف ذلـك الـعـام نـحـو بـيـروت، ثـمّ ذهـبـت إلى دمـشـق وزارت جـبـل الـدّروز.

وفي 25 تـشـريـن الـثّـاني 1929 وصـلـت فـريـا إلى بـغـداد الّـتي كـانـت مـديـنـة مـتـعـددة الـلـغـات والـثّـقـافـات والأعـراق.

وقـد اسـتـفـزت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن، عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا، كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات.

وعـمـلـت فـريـا مـحـررة في جـريـدة  Baghdad Times  في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلك في كـتـاب نـشـرتـه في The Times Press Ltd. في بـغـداد تـحـت عـنـوان إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة Baghdad sketches، (وقـد اسـتـعـمـلـت كـلـمـة  sketches  هـنـا بـمـعـنـاهـا الـفـنّي أي الـتـخـطـيـطـات الـسّـريـعـة الّـتي يـنـفّـذهـا الـرّسـام).

وفي 1938 نـشـرت طـبـعـة ثـانـيـة مـن كـتـابـهـا “إسـكـتـشـات بـغـداديـة” بـعـد أن أضـافـت ثـمـانـيـة فـصـول كـتـبـتـهـا خـلال سـفـرة كـانـت قـد قـامـت بـهـا قـبـل ذلـك بـقـلـيـل.

F S 9

كـمـا أنّـهـا أعـدّت في أواخـر سـنـوات حـيـاتـهـا مـخـتـارات مـن رسـائـلـهـا الّـتي كـانـت قـد كـتـبـتـهـا إلى أهـلـهـا ومـعـارفـهـا طـيـلـة حـيـاتـهـا والّـتي كـانـت قـد احـتـفـظـت بـنـسـخ مـنـهـا ونـشـرتـهـا في ثـمـانـيـة أجـزاء، مـن 1974 إلى 1982.

تـتـكـلّـم فـريـا م. سـتـارك في رسـائـلـهـا عـن “أحـيـاء الـمـسـلـمـيـن” في بـغـداد، وتـعـني بـهـا الأحـيـاء الـبـغـداديـة الـشّـعـبـيـة. وهي تـفـرّق بـيـنـهـا وبـيـن الأحـيـاء الـحـديـثـة الّـتي كـان الأجـانـب وخـاصـة الإنـكـلـيـز يـسـكـنـون فـيـهـا. وقـد ذكـرنـا كـيـف أنّـهـا اخـتـارت أن تـسـكـن في دار في حي بـغـدادي أصـيـل لـتـخـتـلـط بـالـنّـاس ولـتـحـسـن لـغـتـهـا الـعـربـيـة، وهـو مـا اسـتـفـزّ الإنـكـلـيـز.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 2 تـشـريـن الـثّـاني  1929 :

“أعـتـقـد أنـني وجـدت داراً هـذا الـيـوم : ثـلاث غـرف وسـطـح وسـرداب. وقـد أعـيـد صـبـغـهـا بـالأبـيـض وقـضـبـان الـنّـوافـذ ومـا حـول الـنّـوافـذ بـالأزرق. وخـشـب بـابـهـا مـلـتـمـع يـعـلـوه قـوس، ولـه قـبـضـة نـحـاسـيـة. والـسّـطـح مـحـاط بـصـفـائـح حـديـد    مـتـمـوّجـة corrugated Iron  فـيـه فـتـحـات نـسـتـطـيـع أن نـنـظـر مـن خـلالـهـا مـن غـيـر أن يـرانـا أحـد مـن الـخـارج. ولـيـس عـلى الـنّـوافـذ زجـاج، ولـكـنـني أسـتـطـيـع أن أرى [مـن الـنّـافـذة ] شـجـرة تـعـجـبـني كـثـيـراً تـخـرج رأسـهـا مـن حـديـقـة الـجـامـع”.

وتـقـصّ فـريـا في الـفـصـل الـثّـالـث مـن كـتـابـهـا “إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة” الّـذي ألّـفـتـه بـعـد ثـلاث سـنـوات مـن كـتـابـة رسـالـتـهـا لأبـيـهـا، كـيـف أنّـهـا تـجـوّلـت في الـمـديـنـة ودخـلـت لابـيـرنـث الـدّروب الـضّـيـقـة الـمـتـلـوّيـة. وأبـصـرت بـدار فـارغـة، جـدرانـهـا مـن الـطّـابـوق وعـلـيـهـا لافـتـة بـالـعـربـيـة تـذكـر أنّـهـا لـلـبـيـع.

ولـكـنّ الّـذي جـذب نـظـرهـا كـانـت الـدّار الـمـجـاورة الّـتي رأت فـيـهـا “مـلّا” عـجـوزاً جـلـس مـتـربّـعـاً يـعـلّـم عـشـريـن أو ثـلاثـيـن طـفـلاً الـقـراءة. ولـم يـكـن لـهـم إلّا مـا يـقـارب الـعـشـرة مـصاحـف، فـتـجـمّـعـوا حـولـهـا : ثـلاثـة أو أربـعـة حـول كـلّ مـصـحـف، يـرددون بـأصـواتـهـم الـطـفـولـيـة آيـاتٍ قـرآنـيـة. وبـيـن الـحـيـن والـحـيـن، يـصـل طـفـل ويـخـلـع نـعـلـيـه لـيـدخـل في الـحـلـقـة، بـيـنـمـا يـنـهـض مـن أصـابـه الـمـلـل مـنـهـم لـيـتـجـوّل بـيـن الـنّـبـاتـات والـزّهـور، ثـمّ يـعـود إلى مـكـانـه بـعـد ذلـك. وكـان الـمـلّا أبـيـض الـعـمـامـة طـلى لـحـيـتـه بـالـحـنّـاء، وعـلى وجـهـه الـعـجـوز مـلامـح الـطّـيـبـة، ولـم يـكـن يـبـدو عـلى تـلامـيـذه أنّـهـم يـخـشـونـه.

وقـد أعـجـب فـريـا الـنّـظـر إلـيـهـم  فـقـررت الـسّـكـن في الـدّار الـمـجـاورة الـمـعـروضـة لـلـبـيـع. ثـمّ جـاءهـا صـديـق الـدّبـاغ (الّـذي كـانـت قـد الـتـقـت بـه في دمـشـق) إلى فـنـدقـهـا، واسـمـه نـوري فـلان Nuri Fulan (لا شـكّ في أنّـهـا غـيّـرت اسـم مـنـيـر الـوكـيـل إلى نـوري فـلان تـحـاشـيـاً لـلـمـشـاكـل)، وسـاعـدهـا في تـأجـيـر هـذه الـدّار.

عـنـدمـا دخـلـت مـن الـبـاب الـخـشـبي الـمـصـبـوغ بـالأزرق الـفـاتـح والّـذي تـزيـنـه قـبـضـة ومـطـرقـة نـحـاسـيـتـان، وجـدت في وسـط الـدّار حـوشـاً صـغـيـراً مـعـتـمـاً، ومـن الـجـهـة الـمـقـابـلـة غـرفـة صـغـيـرة أُريـد لـهـا أن تـكـون مـطـبـخـاً، فـيـهـا طـاولـة وبـريـمـز Primus stove وحـبّ لـلـمـاء. وكـان هـذا كـلّ مـافي الـدّار مـن أثـاث. ووجـدت سـلّـمـاً صـعـدت عـلـيـه إلى غـرفـة.

ولـتـأثـيـث الـدّار ذهـبـت فـريـا إلى مـا كـان يـعـرف بـسـوق الـحـرامـيّـة            thieves’ bazar لـتـشـتـري كـلّ مـا تـحـتـاجـه، ووجـدت حـمـالاً كـرديـا أدهـشـهـا عـنـدمـا وضـع كـلّ مـا اشـتـرتـه عـلى ظـهـره وتـبـعـهـا إلى الـدّار. وتـروي كـيـف رحّـب بـهـا جـيـرانـهـا واسـتـقـبـلـوهـا بـحـفـاوة وسـاعـدوهـا.

رسـالـة فـريـا إلى Herbert Young  في 8  تـشـريـن الـثّـاني :

“أجّـرت الـدّار. وقـد اقـتـرحـت عـليّ امـرأة طـيـبـة لا أعـرفـهـا أن تـعـيـرني حـصـانـاً لأتـنـقّـل عـلـيـه. أذهـب كـلّ صـبـاح إلى مـدرسـة أتـعـلّـم فـيـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة في صـفّ فـيـه سـتّ وعـشـرون بـنـتـاً يـتـقـافـزن جـمـيـعـاً لإعـارتي كـتـبـهـنّ وأقـلامـهـنّ وأوراقـهـنّ، ويـغـدقـن عـليّ الـنّـصـائـح ويـنـصـتـن إليّ وأنـا أقـرأ بـبـطء شـديـد جـمـلاً مـن كـتـاب الـقـراءة ـ الـمـسـتـوى الـثّـالـث، ثـمّ يـصـحـحـن أخـطـائي”.

رسـالـة فـريـا إلى Venitia في 24 تـشـريـن الـثّـاني :

“بـائـع الـخـضـروات الّـذي يـعـيـش في دكـانـه الـصّـغـيـر الـمـفـتـوح (لـيـس لـه واجـهـة) مـقـابـل داري، بـاع لي يـشـمـاغـه الأبـيـض والأسـود لأغـطّي بـه طـاولـة الـشّـاي عـنـدمـا أسـتـقـبـل الـنّـاس في داري”.

“لـن أبـقى مـدّة طـويـلـة في هـذه الـدّار. كـلّ أشـبـاح سـاكـنـيـهـا نـهـضـوا مـن قـبـورهـم : إنـبـعـثـت روائـحـهـم طـلّ الـلـيـل حـتّى أكـاد أخـتـنـق ولا أسـتـطـيـع الـتّـنـفـس، وبـدأت أبـحـث عـن مـسـكـن أقـلّ تـسـمـمـاً”.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 27 تـشـريـن الـثّـاني :

“في غـرفـتي الـجـديـدة شـرفـة وأربـع نـوافـذ كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر، ولـكـنّـهـا فـارغـة بـاردة بـعـيـدة. وأقـصـر الـطّـرق إلى [مـركـز الـمـديـنـة ]أن أعـبـر الـنّـهـر بـقـارب مـن هـذا الـجـانـب، وبـعـد ذلـك أمـرّ بـهـذا الـشّـارع الـقـبـيـح الّـذي بـلّـطـوه، والّـذي يـخـتـرق بـغـداد مـسـتـقـيـمـاً لا يـتـعـرّج، تـقـلـيـداً مـزيّـفـاً لـشـوارع أوربـا(4). ثـم ّ أتـركـه مـتـجـهـة إلى مـدرسـتي في آخـر دروب ضـيّـقـة. وكـلّ يـوم أدور إلى الـيـسـار عـنـدمـا أصـل إلى جـامـع الـحـيـدرخـانـة بـطـابـوقـه الـمـزجـج الأصـفـر والأزرق، وأمـرّ أمـام عـدد مـن الـبـدويـات الـجـالـسـات الـقـرفـصـاء أمـام سـلال فـيـهـا أرغـفـة خـبـز مـسـطّـحـة، وأمـام مـجـمـوعـة مـن الـحـمـالـيـن الأكـراد بـعـمـامـات مـن قـمـاش الـقـطـن الـمـخـطـط بـالأحـمـر، ويـرتـدون سـتـرات مـن لـبـد ثـخـيـن”.

(أنـظـر مـقـالي : فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق ).

 

الإنـكـلـيـزيـة أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie :

ولـدت أجـاثـا في 1890، في عـائـلـة بـريـطـانـيـة مـيـسـورة الـحـال مـن الـطّـبـقـة الـوسـطى. قـد رفـضـت أمّـهـا أن تـدخـلـهـا في مـدرسـة، وفـضّـلـت أن تـتـولى تـعـلـيـمـهـا في الـدّار، مـمـا تـرك لـلـطّـفـلـة الـصّـغـيـرة وقـتـاً لـتـنـمـيـة حـبّـهـا لـلـقـراءة وحـبّـهـا لـلـحـيـوانـات بـدلاً مـن الـلـعـب مـع الأطـفـال الآخـريـن. وعـنـدمـا بـلـغـت سـن الـحـاديـة عـشـرة تـوفي والـدهـا. وقـد ذكـرت بـعـد ذلـك أنّ طـفـولـتـهـا انـتـهـت بـوفـاة والـدهـا. وسـاءت حـالـة الـعـائـلـة الـمـاديـة. ودخـلـت أجـاثـا في الـعـام الـتّـالي مـدرسـة لأوّل مـرّة في حـيـاتـهـا، ولـكـنّـهـا وجـدت الـنّـظـام الّـذي لـم تـكـن قـد تـعـودت عـلـيـه صـعـبـاً. وقـد أرسـلـت في سـن الـخـامـسـة عـشـرة إلى بـاريـس، فـرنـسـا، وغـيّـرت الـمـدرسـة الـدّاخـلـيـة ثـلاث مـرّات قـبـل أن تـنـهي دراسـتـهـا وتـعـود إلى إنـكـلـتـرة في 1910، وكـانـت في الـعـشـريـن مـن عـمـرهـا.

وقـد اكـتـشـفـت عـنـد عـودتـهـا إلى إنـكـلـتـرة أنّ أمّـهـا كـانـت مـريـضـة وأنّ الأطـبّـاء نـصـحـوهـا بـتـغـيـيـر الـجـو والـذّهـاب إلى بـلـد طـقـسـه جـاف وسـاخـن، فـصـاحـبـت أجـاثـا أمّـهـا إلى الـقـاهـرة.

وفي1912، إلـتـقـت أجـاثـا بـأرشـيـبـولـد كـريـسـتي  Archibald Christie  الّـذي أرسـل لـلـقـتـال في فـرنـسـا عـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في 1914، فـتـطـوعـت أجـاثـا لـلـخـدمـة في مـسـتـشـفى. وتـزوّجـا في نـهـايـة عـام 1914، وأخـذت اسـم زوجـهـا وأصـبـحـت : أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie .

وقـد نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي حـتّى عـام وفـاتـهـا في 1976 : 79 روايـة بـولـيـسـيـة ومـجـمـوعـة قـصـصـيـة، و 19 مـسـرحـيـة أشـهـرهـا : مـصـيـدة الـفـئـران. كـمـا نـشـرت سـتّ روايـات تـحـت اسـم مـسـتـعـار: Mary Westmacott .

وبـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة).

ومـاعـدا أعـمـالـهـا الـرّوائـيـة والـقـصـصـيـة والـمـسـرحـيـة، نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتـي أربـعـة كـتـب مـن بـيـنـهـا سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة  An Autobiography الّـتي صـدرت في 1977 ، أي بـعـد عـام مـن وفـاتـهـا ، وكـتـاب                          Come, Tell Me How You Live  الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن عـدّة بـعـثـات تـنـقـيـب شـاركـت فـيـهـا مـع زوجـهـا الـثّـاني عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN.

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق :

بـعـد أن طـلّـقـت Archibald  في 1928، سـافـرت أجـاثـا كـريـسـتي إلى الـعـراق في 1929، وزارت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريّـة في أور والّـتي كـان يـشـرف عـلـيـهـا  لـيـونارد  وولي Leonard WOOLLEY . ورغـم أنّ وولي كـان يـرفـض دخـول الـسّـواح إلى الـمـوقـع، فـقـد قـبـل أن يـسـتـقـبـل أجـاثـا كـريـسـتي لأنّ زوجـتـه كـاثـريـن كـانـت مـن الـمـعـجـبـات بـروايـاتهـا.

وفي الـعـام الـتّـالي 1930، بـعـثـت لـهـا كـاثـريـن بـدعـوة ثـانـيـة لـتـزور الـمـوقـع . وطـلـبـت  مـن عـالـم الآثـار، الّـذي كـان في وقـتـهـا مـبـتـدءاً، مـاكـس مـالـوان   Max MALLOWANأن يـكـون دلـيـلاً لـلـكـاتـبـة في زيـارتـهـا لـلـمـوقـع. وعـنـدمـا قـطـعـت أجـاثـا   كـريـسـتي زيـارتـهـا لـتـعـود إلى إنـكـلـتـرة بـعـد أن جـاءهـا خـبـر مـرض ابـنـتـهـا، صـاحـبـهـا مـالـوان ، ثـم عـاد إلى أور. وذهـب مـالـوان مـن جـديـد بـعـد عـدّة أشـهـر إلى إنـكـلـتـرة لـيـطـلـب مـن أجـاثـا أن تـتـزوّجـه، وقـبـلـت . وكـانـت أجـاثـا في الأربـعـيـن مـن عـمـرهـا.

وقـرر مـالـوان أن يـتـرك الـتّـنـقـيـبـات في أور لـيـبـحـث عـن مـوقـع يـمـكـن لأجـاثـا أن تـصـاحـبـه فـيـه. وبـدءا في 1931/ 1932 مـوسـم تـنـقـيـبـاتـهـمـا الأوّل في نـيـنـوى، وقـد شـاركـت فـيـهـا أجـاثـا كـمـسـاعـدة تـنـظّـف الـقـطـع الأثـريـة وتـرمـمـهـا وتـصـنّـفـهـا، كـمـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـرعـلـيـهـا في الـمـوقـع. ثـمّ مـوّل الـمـتـحـف الـبـريـطـاني تـنـقـيـبـات في مـوقـع تـلّ عـربـجـيـة Tell Arpachiyah ، بـدأ مـالـوان بـالإشـراف عـلـيـهـا في ربـيـع 1933، وبـقـيـت أجـاثـا مـع زوجـهـا في نـيـنـوى إلى عـام 1934.

وفي 1947 عـيّـن مـالـوان مـديـراً لـلـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لآثـارالـعـراق               British School of Archaeology in Iraq وأشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الّـتي نـظّـمـتـهـا الـمـدرسـة بـالإشـتـراك مـع الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في مـوقـع نـمـرود والّـتي اسـتـمـرت عـدّة مـواسـم مـن 1948/ 1949 وإلى 1958. وقـد وجـدت في هـذه الـحـمـلات مـنـحـوتـات عـاجـيـة، ويـذكـر مـالـوان أنّ أجـاثـا هي الّـتي نـصـحـتـه أن يـخـرج هـذه الـقـطـع مـن مـخـابـئـهـا تـدريـجـيـاً حـتّى لا تـجـفّ في الـهـواء الـسّـاخـن وتـتـكـسـر.

(أنـظـر مـقـالي : أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق ).

وتـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في ثـلاثـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”،الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان: “جـريـمـة في الـعـراق”، و« They Came to Baghdad » الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان : “مـوعـد في بـغـداد” و “لـقـاء في بـغـداد”.

وفي سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة الّـتي تـسـرد فـيـه ذكـريـاتـهـا : « An Autobiography » الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، أي بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976.

الـسّـيـرة الـذّاتـيـة :

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن دارهـا الـبـغـداديـة في نـهـايـة الـكـتـاب تـقـريـبـاً، في سـردهـا لأحـداث سـنـة 1948:

” ولـم أتـكـلّـم بـعـد عـن دارنـا في بـغـداد، فـقـد كـانـت لـنـا دار تـركـيـة قـديـمـة في الـصّـوب الـغـربي لـدجـلـة.

Aga 001

وكـان الـنّـاس يـتـعـجـبـون مـن غـرابـة ذوقـنـا ومـن مـحـبـتـنـا لـهـا، ومـن رفـضـنـا لـلـسّـكـن في واحـدة مـن هـذه “الـصّـنـاديـق” الـحـديـثـة. ولـكـنّ دارنـا الـتّـركـيـة كـانـت مـبـهـجـة، مـنـعـشـة الـبـرودة بـحـوشـهـا ونـخـلاتـهـا الّـتي تـرتـفـع ويـمـس سـعـفـهـا أطـراف الـشّـرفـة.

Aga 003

وكـان خـلـف دارنـا غـابـات نـخـيـل تـرويـهـا الـسّـواقي، وصـرائـف بـالـغـة الـصّـغـر صـنـعـت مـن صـفـائـح قـصـديـر (تـنـكـات بـنـزيـن) ركّـب بـعـضـهـا عـلى بـعـض، يـلـعـب حـولـهـا أطـفـال بـمـرح وسـعـادة. وكـانـت الـنّـسـاء يـدخـلـنـهـا ويـخـرجـن مـنـهـا ويـنـزلـن إلى الـنّـهـر لـغـسـل صـحـونـهـنّ وقـدورهـنّ. يـعـيـش الأغـنـيـاء والـفـقـراء في بـغـداد خـدّاً عـلى خـدّ.

ومـا أشـدّ مـا تـوسـعـت [الـمـديـنـة] مـنـذ أن رأيـتـهـا لأوّل مـرّة. وأغـلـب الـبـنـايـات الـحـديـثـة شـديـدة الـقـبـح، ولا تـنـاسـب الـطّـقـس هـنـا. نـسـخـت مـن مـجـلّات حـديـثـة، فـرنـسـيـة أو ألـمـانـيـة أو إيـطـالـيـة. ولـم يـعـد الـنّـاس يـسـتـطـيـعـون فـيـهـا الـنّـزول إلى سـرداب sirdab مـنـعـش الـبـرودة في أيّـام الـقـيـظ، ولـم تـعـد الـنّـوافـذ طـاقـات صـغـيـرة في أعـالي الـجـدران لـتـحـمـيـهـم مـن أشـعـة الـشّـمـس الـمـلـتـهـبـة.

وربّـمـا تـحـسّـنـت أنـابـيـب الـمـيـاه فـيـهـا (وهي لا يـمـكـن أن تـكـون أسـوء مـمـا كـانـت عـلـيـه)، مـع أنـني لـسـت مـتـأكّـدة مـن ذلـك. فـأنـابـيـب الـمـيـاه الـحـديـثـة تـبـدو جـيّـدة الـنّـوعـيـة، وفي الـحـمّـامـات أحـواض أرجـوانـيـة أو سـحـلـبـيـة الألـوان، ولـكـنّ مـجـاري الـصّـرف تـحـتـاج إلى تـحـسـيـنـات ضـروريـة. وقـد كـانـت تـرتـمي في دجـلـة في مـاضي الـزّمـان، ولـكـنّـهـا لـم تـعـد تـكـفي كـمـيـات الـمـيـاه الّـتي تـنـدفـع نـحـوهـا وتـتـجـمـع في أيّـامـنـا هـذه”. (4)

جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

وتـجـري أحـداث روايـة “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”، الّـتي نـشـرت عـام 1936، في مـوقـع تـنـقـيـبـات أثـريـة لـلـبـحـث عـن مـديـنـة آشـوريـة كـبـيـرة “مـثـل نـيـنـوى شـيـئـاً مـا”، إسـمـه تـلّ يـاريـمـجـه Tell Yarimjah، قـرب مـديـنـة اسـمـهـا الـحـسـنـيـة Hassanieh، تـبـعـد مـسـافـة مـسـيـرة يـوم ونـصـف مـن بـغـداد.

ويـسـكـن الـمـنـقّـبـون في دار شـيّـدت وسـط الـمـوقـع في وسـطـهـا حـوش حـولـه غـرف الـسّـكـن وخـزن الـقـطـع الأثـريـة يـعـلـوه سـطـح يـنـامـون عـلـيـه.

(أنـظـر مـقـالي : روايـة « جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia  » لأجـاثـا كـريـسـتي. ).

أمّـا في روايـة “مـوعـد في بـغـداد  They Came to Baghdad” الّـتي نـشـرت عـام 1951، فـنـجـد إشـارات إلى بـيـوت تـراثـيـة بـغـداديـة. وذهـبـت فـيـكـتـوريـا، بـطـلـة الـرّوايـة، تـبـحـث عـن بـيـت الـمـلـك عـلي Beit Melik Ali” الّـذي ضـرب لـهـا إدوارد مـوعـداً أمـامـه. وبـعـد أن سـألـت عـن الـعـنـوان وجـدت داراً كـبـيـرة تـطـلّ عـلى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة. ودهـشـت عـنـدمـا أوصـلـهـا درب ضـيّـق إلى الـنّـهـر :

“إسـتـدارت إلى الـيـمـيـن وسـارت بـتـمـهـل بـمـحـاذاة الـسّـدّة الـعـالـيـة. كـانـت الـسّـدّة في بـعـض أجـزائـهـا قـد هـدّمـهـا الـمـاء، ولـم تـكـن في بـعـض الأحـيـان قـد رمـمـت أو أعـيـد بـنـاؤهـا. وكـان أمـام إحـدى الـدّور درجـات لـو سـلـكـهـا الـمـرء في لـيـل مـظـلـم لأودت بـه في الـمـاء. نـظـرت فـيـكـتـوريـا إلى الـمـاء تـحـتـهـا واسـتـمـرّت في سـيـرهـا، ثـمّ تـوسّـع الـدّرب وصـار مـبـلـطـاً بـالـحـجـارة. وكـان يـبـدو أنّ الـدّور الـمـمـتـدّة عـلى يـمـيـنـهـا تـخـفي أسـرارهـا بـغـيـرة، لا يـمـكـن ألـقـاء نـظـرات داخـلـهـا ولا عـلى سـاكـنـيـهـا. ولـكـنّـهـا وجـدت أحـيـانـاً بـابـاً مـفـتـوحـاً نـظـرت مـن خـلالـه فـسـحـرهـا الـتّـنـاقـض بـيـن الـخـارج والـدّاخـل. وتـسـلـلـت نـظـراتـهـا في حـوش دار تـتـوسـطـه نـافـورة تـنـفـث مـاءهـا وحـولـهـا مـقـاعـد وثـيـرة وكـراسي، ونـخـلات بـاسـقـة في حـديـقـة وراء الـحـوش تـبـدو مـثـل ديـكـورات مـن الـقـمـاش عـلى خـشـبـة مـسـرح. وعـنـدمـا تـسـلـلـت نـظـراتـهـا في داخـل دار أخـرى كـان لـهـا نـفـس مـظـهـر الأولى الـخـارجي لـمـحـت مـمـرات مـظـلـمـة وأكـوام نـفـايـات في وسـطـهـا خـمـسـة أطـفـال أو سـتّـة وسـخـيـن بـمـلابـس رثّـة يـلـعـبـون بـهـا. ثـمّ وصـلـت إلى غـابـة نـخـيـل كـثـيـفـة، ومـرّت بـدرجـات سـلّـم عـلى يـسـارهـا تـفـضي إلى الـنّـهـر، ورأت رجـلاً عـربـيـاً جـالـسـاً في بـلـم بـدائي لـه مـجـذافـان يـصـيـح نـحـوهـا ويـحـرك ذراعـيـه في الـهـواء. لا بـدّ أنّـه كـان يـسـألـهـا إن كـانـت تـريـد الـعـبـور إلى الـصّـوب الـمـقـابـل. وخـيّـل إلـيـهـا أنّـهـا كـانـت في مـقـابـل فـنـدقـهـا، وإن كـان صـعـبـاً الـتّـعـرف عـلى الأشـكـال الـمـعـمـاريـة لـلـبـنـايـات عـبـر الـنّـهـر، وبـنـايـات الـفـنـادق تـتـشـابـه فـيـمـا بـيـنـهـا. ثـمّ بـلـغـت طـريـقـاً تـؤدّي خـلال غـابـات الـنّـخـيـل إلى داريـن عـالـيـتـيـن عـلى واجـهـتـيـهـمـا شـرفـات. وكـان خـلـفـهـمـا دار ضـخـمـة شـيّـدت مـبـاشـرة عـلى ضـفـة الـنّـهـر حـولـهـا حـديـقـة وحـيـطـان. وكـان الـدّرب الـمـحـاذي لـلـنّـهـر يـمـرّ وسـط مـا لا بـدّ أنّـهـا دار الـمـلـك عـلي”.

“وبـعـد أن مـرّت أمـام مـدخـلـهـا وصـلـت بـعـد دقـائـق إلى مـكـان بـالـغ الـوسـاخـة، وحـجـبـت الـنّـهـر نـخـيـل. وكـان الـمـكـان مـسـوّراً بـأسـلاك شـائـكـة صـدئـة. وكـان عـلى يـمـيـنـهـا دور خـربـة وسـط حـيـطـان مـن الـطّـيـن وصـرائـف حـولـهـا أطـفـال يـلـعـبـون في الـقـذارة وأسـراب ذبـاب تـتـطـايـر فـوق أكـوام الـزّبـالـة”.

وفي مـقـطـع آخـر مـن الـرّوايـة، غـابـت فـيـكـتـوريـا عـن وعـيـهـا بـعـد أن خـدرهـا أعـداؤهـا. وعـنـدمـا اسـتـيـقـظـت :  “كـانـت في غـرفـة صـغـيـرة ولـكـن عـالـيـة جـدّاً، صـبـغـت بـلـون رصـاصي فـاتـح مـزرقّ يـثـيـر الـكـآبـة. وكـانـت أرضـيـتـهـا مـن الـطّـيـن. ويـبـدو أنّ الأثـاث الـوحـيـد فـيـهـا كـان الـفـراش الّـذي اسـتـلـقـت عـلـيـه، وقـد رمـيـت فـوقـه سـجـادة وسـخـة وطـاولـة آيـلـة لـلـسـقـوط فـوقـهـا صـحـن واسـع تـسـاقـطـت مـنـه الـمـيـنـا الّـتي طـلي بـهـا ودلـو مـن الـزّنـك تـحـتـهـا. وكـان فـيـهـا نـافـذة ثـبّـت عـلـيـهـا مـن الـخـارج نـوع مـن الـمـشـبّـك الـخـشـبي. ونـهـضـت فـيـكـتـوريـا بـحـذر شـديـد مـن الـفـراش وشـعـرت بـالأرض تـدور حـولـهـا وبـصـداع في رأسـهـا واقـتـربـت مـن الـنّـافـذة. واخـتـرقـت نـظـراتـهـا الـمـشـبّـك الـخـشـبي بـلا عـائـق ورأت حـديـقـة خـلـفـهـا نـخـيـل. وكـانـت الـحـديـقـة مـلـيـحـة حـسـب الـمـعـايـيـر الـشّـرقـيـة، وإن كـانـت سـتـبـدو حـقـيـرة في نـظـر سـكـان ضـواحي الـمـدن الإنـكـلـيـزيـة. وكـان فـيـهـا كـثـيـر مـن الأزهـار الـبـرتـقـالـيـة الـلـمـعـان وأشـجـار أوكـالـبـتـوس يـغـطي أوراقـهـا الـغـبـار وبـعـض أشـجـار الـطّـرفـاء الـهـزيـلـة الأغـصـان”. ثـمّ عـرفـت بـعـد ذلـك أنّـهـا كـانـت في مـنـدلي.

وبـعـد مـغـامـرات طـويـلـة تـعـود فـيـكـتـوريـا إلى بـغـداد :

“اخـتـرقـوا بـالـسّـيّـارة ضـواحي بـغـداد. واسـتـدارت بـهـم الـسّـيّـارة لـتـدخـل في شـارع جـانـبي تـحـفّـه دور حـديـثـة شـيّـدت بـأسـلـوب أوربي مـزيّـف فـيـهـا شـرفـات وتـحـيـطـهـا حـدائـق”.

(أنـظـر مـقـالي : روايـة : « مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad » لأجـاثـا كـريـسـتي. ).

مـلـحـق

وجـدت في سـرد ولـتـر هـاريـس   Walter B. HARRIS لـرحـلـتـه مـن “بـاتـوم إلى بـغـداد From Batum to Baghdad”، الّـذي نـشـره عـام 1896، وصـفـاً لـلـبـيـت الـبـغـدادي (6):

 

W. Harris

“الـشّـكـل الـمـعـتـاد لـلـبـيـت في بـغـداد يـتـوسـطـه حـوش تـنـفـتـح عـلـيـه غـرف الـسّـكـن والـمـرفـقـات، وتـغـرس فـيـه أشـجـار أحـيـانـاً. وغـالـبـاً مـا تـطـلّ عـلى الـحـوش طـارمـات تـتـقـدم غـرف الـطّـابـق الـعـلـوي، تـرتـكـز عـلى أعـمـدة (دلـكـات) خـشـبـيـة في أعـلاهـا تـيـجـان مـنـحـوتـة. وتـنـفـتـح غـرف هـذا الـطّـابـق عـلى الـطّـارمـات، وعـمـومـاً، لـيـس إلّا لـواحـدة مـنـهـا شـنـاشـيـل تـطـلّ عـلى الـدّرب.

و نـجـد أحـيـانـاً في الـدّور الـكـبـيـرة عـدّة أحـواش يـنـفـتـح الـواحـد مـنـهـا عـلى الآخـر، وغـالـبـاً مـا نـجـد حـديـقـة صـغـيـرة أو عـدّة حـدائـق. والـغـرف فـيـهـا أكـثـر إضـاءة وأنـقى هـواءً فـقـد فـتـحـت فـيـهـا نـوافـذ واسـعـة تـغـطـيـهـا شـنـاشـيـل مـعـقّـدة الـتّـشـكـيـلات أو مـشـبـكـات خـشـبـيـة بـسـيـطـة.

وأجـمـل هـذه الـدّور الّـتي رأيـتـهـا في بـغـداد كـانـت مـسـكـن الـقـنـصـل الـعـام [الـبـريـطـاني] الّـتي كـانـت الأصـل قـصـراً لـعـربي مـن الأغـنـيـاء، والّـتي أصـبـحـت الآن، كـمـا أظـنّ، مـلـكـاً لأحـد الـهـنـود.

فوغ 12

(حـوش دار الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في بـغـداد. رسـم غـرافـيـكي مـأخـوذ مـن صـورة الـتـقـطـهـا ولـيـام بـيـري فـوغ عـام 1874) (7)

وهي بـنـاء مـدهـش ابـتـلـع عـدّة دور مـخـتـلـفـة الـسّـعـة فـتـح بـعـضـهـا عـلى أخـرى، بـيـنـمـا انـعـزل بـعـضـهـا وسـط حـدائـق، وتـطـلّ سـطـوحـهـا عـلى نـهـر دجـلـة.

وحـول أحـد أحـواشـهـا، الّـذي كـان في زمـن مـمـتـلـكـيـهـا مـن الـمـسـلـمـيـن مـخـصـصـاً لـلـحـريـم، غـرف جـمـيـلـة احـتـفـظـت لـحـسـن الـحـظ بـنـقـوشـهـا ورسـومـهـا. وهـنـا يـمـكـن لـلـمـرء تـأمّـل بـداعـة وحـسـن صـنـعـة الـمـنـجـزات الـعـربـيـة والـعـربـيـة ــ الـفـارسـيـة.

وقـد جـوّفـت في جـدران أغـلـب هـذه الـغـرف طـاقـات بـأشـكـال مـتـنـوّعـة تـسـتـعـمـل مـثّـلـمـا تـسـتـعـمـل الـدّوالـيـب عـنـدنـا لـحـفـظ الـمـمـتـلـكـات، تـسـتـرهـا عـن الأعـيـن سـتـائـر مـن الـحـريـر ومـن أقـمـشـة مـطـرّزة.  وفـوق هـذه الـخـبـايـا الـصـغـيـرة الأحـجـام تـمـتـدّ إفـريـزات مـن أسـالـيـب مـخـتـلـفـة مـن الـتّـصـويـر، رسـمـت فـيـهـا أحـيـانـاً وبـخـطـوط جـريـئـة أزهـار زاهـيـة الألـوان، وطـعّـمـت أحـيـانـاً بـقـطـع بـالـغـة الـصّـغـر مـن الـمـرايـا. وغـالـبـاً مـا تـنـقـش سـقـوفـهـا الـجـصّـيـة بـتـشـكـيـلات مـقـولـبـة بـارزة تـطـعّـم بـقـطـع زجـاجـيـة صـغـيـرة تـبـدو لـلـعـيـن كـجـواهـر بـرّاقـة. ويـنـتـج عـن كـلّ هـذا شـبـه بـجـلـود الـثّـعـابـيـن.

ولا يـمـكـن لأيّ وصـف أن يـعـطي فـكـرة ولـو تـقـريـبـيـة عـن رقّـة هـذا الأسـلـوب مـن الـتّـزيـيـن ودقـتـه وجـمـالـه. ويـكـفي صـنّـاعـهـا ثـنـاءً أنّ أعـمـالـهـم الـبـديـعـة الـدّقـيـقـة الـتّـنـفـيـذ مـا زالـت بـاقـيـة كـمـا هي، يـمـرّ عـلـيـهـا الـزّمـن ولا يـصـيـبـهـا بـضـرر.

ولا شـكّ في أنّ الـدّار الـعـربـيـة الـقـديـمـة الّـتي أجـرّتـهـا الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة جـوهـرة مـن الـجـواهـر. وقـد عـززت ذكـريـاتي الـجـمـيـلـة عـنـهـا أريـحـيـة سـاكـنـيـهـا : الـكـولـونـيـل مـوكـلـر  Mockler  وزوجـتـه، وضـيـافـتـهـمـا لي. وكـانـت مـتـعـة عـظـيـمـة حـقـاً لي، بـعـد أن أقـضي نـهـاري مـشـغـولاً بـزيـارة أحـيـاء الـمـديـنـة الـشّـرقـيـة ومـعـالـمـهـا، أن أقـضي الأمـسـيـة بـصـحـبـتـهـمـا الـمـشـوقـة.

وكـنّـا نـجـلـس بـعـد الـعـشـاء في شـرفـة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر، نـسـتـنـشـق هـواء الـلـيـل الـمـنـعـش. ونـرى بـعـيـداً، عـبـر دجـلـة، أضـواءً مـنـعـزلـة مـتـفـرّقـة تـأتـيـنـا مـن أحـيـاء بـغـداد الـقـديـمـة”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  لـوحـة بـدايـة الـمـقـال لـلـورنـا سـلـيـم.

(2) لـوحـة بـالألـوان الـمـائـيـة رسـمـهـا أرثـر مـيـلـفـيـل لـحـوش بـيـت بـغـدادي عـام 1882. (أنـظـر مـقـالي :رسـوم أرثـر مـيـلـفـيـل لـبـغـداد في الـقـرن الـتّـاسـع عـشر ).

(3)  الـحـقـيـقـة أنّ مـا ذكـرتـه إيـدا هـنـا تـنـقـصـه الـدّقـة. فـفـون ديـر غـولـتـز Von der Goltz (ويـنـبـغي أن نـلـفـظـه غـولـتـس) الّـذي تـكـلّـمـت عـنـه لـم يـكـن جـنـرالاً عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد بـل مـارشـالاً (أي مـشـيـراً)، وهـو لـم يـكـن تـحـت أوامـر الـقـيـادة الـعـلـيـا لـلـقـوات الألـمـانـيـة وإنّـمـا كـان يـعـمـل في الـقـوات الـعـثـمـانـيـة. وهـذه قـصـتـه مـخـتـصـرة :

وصـل غـولـتـز إلى الاسـتـانـة في 1883 لـيـعـمـل مـسـتـشـاراً عـسـكـريـاً عـنـد الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد الـثّـاني، ثـمّ عـيّـن مـديـراً عـامـاً لـلـمـدارس الـعـسـكـريـة الـعـثـمـانـيـة، وحـصـل عـلى رتـبـة بـاشـا، ولـهـذا يـدعى بـغـولـتـز بـاشـا. وفي 1898، عـاد إلى ألـمـانـيـا ورقّي إلى رتـبـة مـارشـال في الـجـيـش الألـمـاني، وأحـيـل عـلى الـتّـقـاعـد في 1911. وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـاد إلى الاسـتـانـة في 1915 وعـيّـن مـسـتـشـاراً عـسـكـريـاً مـن جـديـد. وقـد عـهـد إلـيـه أنـور بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس الـعـثـمـاني. وسـار غـولـتـز بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس إلى جـنـوب بـغـداد وأوقـف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة الّـتي كـان يـقـودهـا طـاونـزنـد Charles Townshend نـحـو بـغـداد، وحـاصـرهـم في كـوت الإمـارة. وفي 1916، أصـيـب فـون ديـر غـولـتـز بـالـتّـيـفـوئـيـد ومـات مـنـه في بـغـداد.

وقـد كـتـب لي الأسـتـاذ أحـمـد إبـراهـيـم أنّـه دفـن في بـغـداد : “حيث اني رأيت قبره في مقبرة الجنود الالمان الواقعة في الباب الشرقي (مقابل تانكي الماء بالضبط) بظهر كنيسة الارمن .. وهو قبر غاية في الفخامة منقوش عليه اسم الجنرال باللغة العثمانية والالمانية .. اضافة الى ان المقبرة تحتوي على 67 قبر لجنود المان اغلبهم قضوا في الحرب العالمية الاولى ..” وأرسـل لي صـورة جـنـازة الـجـنـرال :

جنازة

(4) تـقـصـد بـه شـارع الـرّشـيـد.

(5) ص. 546 ــ 547.

ويـذكـر جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا في كـتـابـه : “شـارع الأمـيـرات” أنّـه تـعـرّف عـلى مـاكـس مـالـوان عـن طـريـق روبـرت هـامـلـتـون الّـذي كـان قـد شـارك في تـنـقـيـبـات مـالـوان، وأنّـه اسـتـلـم دعـوة لـزيـارة مـاكـس مـالـوان وزوجـتـه أجـاثـا كـريـسـتـي في دارهـمـا في بـغـداد : “سـألـت [هـامـلـتـون] : “أيـن الـدّار؟”. قـال : “إنّـهـا دار الـمـلـك عـلي. أتـعـرفـهـا؟ في كـرادة مـريـم، عـلى شـاطئ الـنّـهـر مـبـاشـرة. إنّـهـا دار تـركـيـة تـعـود إلى الـعـهـد الـعـثـمـاني. ومـن أجـمـل بـيـوت بـغـداد الـقـديـمـة”، “وقـد كـانـت لـمـدّة مـا في الـعـشـريـنـات مـسـكـنـاً لـلـمـلـك عـلي، أخي الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، فـأطـلـق اسـمـه عـلى الـدّار”.

والـغـريـب أنّ أجـاثـا كـريـسـتـي، الّـتي كـانـت تـعـرف بـيـت الـمـلـك عـلي وتـكـلّـمـت عـنـهـا في روايـتـهـا “مـوعـد في بـغـداد” لـم تـذكـر في مـذكـراتـهـا أنّ دارهـا كـانـت “بـيـت الـمـلـك عـلي”.

ويـصـف جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا دار أجـاثـا كـريـسـتي الـبـغـداديـة : “دخـلـت بـوابـة الـدّار إلى بـاحـتـهـا الـمـتـمـيـزة بـطـرازهـا الـبـغـدادي الـعـثـمـاني. والـبـاحـة مـحـفـوفـة بـالأشـجـار والأوراد في وسـط بـنـاء مـن طـابـقـيـن يـصـعـد إلى الأعـلى مـنـهـمـا بـدرج خـشـبي خـارجي يـؤدي إلى شـرفـة ضـيّـقـة طـويـلـة تـمـتـد مـع امـتـداد الـواجـهـة الـدّاخـلـيـة، وتـطـلّ عـلـيـهـا أبـواب الـغـرف الـعـلـيـا. صـعـدت الـدّرج الـخـشـبي وعلى كـلّ درجـة أصـيـص مـزروع”.

(6) مـن صـفـحـة 311 إلى صـفـحـة 313.

(7) رسـم غـرافـيـكي مـأخـوذ مـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـهـا ولـيـام فـوغ في 1874 ونـشـرهـا في 1875. أنـظـر مـقـالي : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ .

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـظّـمـت مـديـريـة الآثـار الـعـامـة عـام 1964 مـعـرضـاً ضـمّ أعـدداً كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد لـيـقـام في عـدد مـن الـمـدن الأوربـيـة.

وقـد أقـيـم الـمـعـرض في مـديـنـة كـولـونـيـا  Köln، ألـمـانـيـا، في مـتـحـف  Rautenstrauch-Joest-Museum، مـن 27 حـزيـران إلى 20 أيـلـول عـام 1964 تـحـت عـنـوان : “كـنـوز مـن الـعـراق، مـن أقـدم الـعـصـور إلى الـفـتـرة الإسـلامـيـة Schätze aus dem Irak, von der Frühzeit bis zum Islam

كولونيا

وفي مـديـنـة تـوريـنـو  Torino، إيـطـالـيـا، في مـتـحـف تـوريـنـو الـمـدني  Museo Civico di Torino، في أيّـار 1965، تـحـت عـنـوان : “روائـع أعـمـال مـتـحـف بـغـداد، سـتّـة آلاف عـام مـن فـنـون بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن                                      Capolavori del Museo di Baghdad, 6 millenni di Arte Mesopotamica

Torino

وأقـيـم خـلال شـهـري حـزيـران وتـمّـوز 1965 في لـشـبـونـة، الـبـرتـغـال، في الـمـتـحـف الـوطـني لـلـفـنـون الـقـديـمـة  Museu Nacional de Arte Antiga، تـحـت عـنـوان : “ذخـائـر مـتـحـف بـغـداد مـن الـعـصـور الـقـديــمـة حـتى الإسـلام  Tesouros do museu de Bagdade :desde os Tempos Primitivos à Epoca Muçulmana،

لشبونة

وأصـدرت مـؤسـسـة كـالـوسـت كـولـبـنـكـيـان  Fundaçao Calouste Gulbenkian في لـشـبـونـة دلـيـلاً لـلـمـعـرض.

ووصـل الـمـعـرض إلى بـاريـس، وأقـيـم في مـتـحـف الـلـوفـر تـحـت عـنـوان :             « Trésors du Musée de Bagdad des origines à l’Islam »،وبـقي فـيـه شـهـريـن : مـن 28 كـانـون الـثّـاني إلى 28 آذار عـام 1966. (1)

trésors

وعـرضـت فـيـه 242  قـطـعـة أثـريـة مـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد، وأضـيـف إلـيـهـا عـشـر قـطـع أثـريـة مـن بـيـن أهـمّ مـا يـمـلـكـه مـتـحـف الـلـوفـر.

وتـنـقـسـم هـذه الـقـطـع إلى عـدّة مـجـمـوعـات : مـن الـفـتـرات الـسّـومـريـة والـبـابـلـيـة والآشـوريـة، ومـن الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة، ومـن الـحـضـر (حـضـرة شـمـس)، ومـن الـفـتـرة الإسـلامـيـة.

دلـيـل مـعـرض بـاريـس :

نـشـر دلـيـل لـلـمـعـرض الـلـوفـري بـ 130 صـفـحـة مـن الـقـطـع الـمـتـوسّـط ضـمّ خـارطـة لـمـواقـع الـعـراق الأثـريـة

كنوز 001 (473x640)

وعـدداً كـبـيـراً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة بـالأبـيـض والأسـود. ونـجـد في آخـر الـدّلـيـل جـدولاً بـأربـع طـيّـات يـحـتـوي عـلى الـتّـواريـخ الـمـهـمـة لـمـنـاطـق الـعـراق.

ويـبـدأ الـدّلـيـل بـمـقـدمـة بـثـمـاني صـفـحـات كـتـبـهـا عـالـم الآثـار الـمـعـروف أنـدريـه بـارو André PARROT  الّـذي كـان قـد نـقّـب في عـدّة مـواقـع مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وأصـبـح في تـلـك الـفـتـرة مـفـتـشـاً عـامـاً لـلـمـتـاحـف في فـرنـسـا ومـسـؤولاً عـن بـعـثـات الـتّـنـقـيـب الـفـرنـسـيـة في الـعـراق.

ويـشـيـر بـارو في بـدايـة مـقـدمـتـه إلى دور الـدّكـتـور فـيـصـل الـوائـلي، الـمـديـر الـعـام لـلآثـار في الـعـراق، في تـنـظـيـم الـمـعـرض الّـذي لاقى نـجـاحـاً كـبـيـراً في عـدّة مـدن أوربـيـة قـبـل أن يـصـل إلى فـرنـسـا. ولإهـمـيـة هـذه الـمـقـدمـة فـسـأتـرجـم لـكـم أجـزاءً كـثـيـرة مـنـهـا :

“تـتـابـعـت فـتـرات حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن مـن الألـف الـخـامـس، بـل مـن الألـف الـسـادس قـبـل الـمـيـلاد وحـتّى الـقـرن الـثّـامـن عـشـر بـعـد الـمـيـلاد، أي عـلى مـدى ثـمـانـيـة آلاف سـنـة اسـتـمـرت فـيـهـا الـنّـشـاطـات الـبـشـريـة. وقـد كـان لـلـسّـومـريـيـن أهـمـيـة لا شـكّ فـيـهـا في إنـشـاء أولى هـذه الـحـضـارات ثـمّ في الـتّـأثـيـر عـلى مـا جـاء بـعـدهـا، وإن كـنّـا لا نـعـرف مـتى وصـلـوا إلى هـذه الـمـنـطـقـة. ويـبـدو لـنـا أنّـهـم وصـلـوا عـلى أغـلـب الإحـتـمـالات في حـوالي مـنـتـصـف الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، تـلـك الـفـتـرة الّـتي تـمـيّـزت بـإنـجـازات لـم يـسـبـق لـهـا مـثـيـل، وبـاخـتـراع الـكـتـابـة. وقـد اسـتـمـرّ تـقـدّمـهـم عـلى كـلّ الـشّـعـوب الّـتي حـولـهـم أكـثـر مـن خـمـسـة عـشـر قـرنـاً، ولا شـكّ في أنّ اخـتـفـاءهـم في بـدايـة الألـف الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد يـبـقى مـن بـيـن أكـبـر الألـغـاز الـتّـاريـخـيـة.

إنـتـهـت عـنـد ذلـك الـفـتـرة الّـتي قـادوا فـيـهـا الـتّـقـدم الـبـشـري، ولـكـنّ تـأثـيـرهـم اسـتـمـرّ زمـنـاً طـويـلاً بـعـد ذلـك. ولـقـد قـام الـذّيـن جـاءوا بـعـدهـم وحـلّـوا مـحـلّـهـم بـمـنـجـزات رائـعـة ولـكـنّـهـا لـم تـتـجـاوز مـا كـان قـد حـقـقـه الـسّـومـريـون الّـذيـن شـقّـوا لـهـم الـطـريـق، وفي كـلّ الـمـيـاديـن : الـمـعـمـار والـنّـحـت والـمـصـنـوعـات الـمـعـدنـيـة … “.

“والـمـعـرض الّـذي وصـلـنـا في بـاريـس يـعـيـد إلى الـحـيـاة جـزءاً مـن الـتّـاريـخ الّـذي كـان قـد غـار في غـيـاهـب الـمـاضي، وكـان قـد غـار أيـضـاً في أعـمـاق تـراب أرض دجـلـة والـفـرات.

وعـلـيـنـا أن نـذكّـر هـنـا أنّ فـرنـسـا كـان لـهـا فـضـل الـمـبـادرة في إعـادة هـذا الـمـاضي إلى الـحـيـاة، وأنّ بـول إمـيـل بـوتـا Paul-Emile BOTTA، قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل الّـتي تـقـع عـلى دجـلـة، كـان أوّل مـن شـرع في اكـتـشـافـه عـام 1842 عـنـدمـا حـفـر عـلى تـلّ قـويـنـجـق الّـذي تـرقـد نـيـنـوى تـحـت تـرابـه. ولأنّ حـفـريـاتـه لـم يـنـتـج عـنـهـا مـا كـان يـأمـل أن يـجـده فـقـد نـقـل عـمّـالـه إلى تـلّ آخـر يـبـعـد عـنـه بـعـدّة كـيـلـومـتـرات : خـورسـبـاد، الّـذي كـان بـعـض الـفـلاحـيـن قـد أخـبـروه أنّـه سـيـجـد فـيـه مـبـغـاه. وكـان مـا أخـبـروه بـه صـحـيـحـاً.

ولـم يـكـتـشـف بـوتـا في خـورسـبـاد آثـار نـيـنـوى كـمـا كـان يـعـتـقـد، وإنّـمـا دور شـروكـيـن، قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (الّـذي حـكـم في الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد). ووجـد في هـذا الـقـصـر الـمـلـكي أروع مـجـمـوعـة مـن الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز يـمـكـن لـمـنـقّـب أن يـحـلـم بـهـا. وهـكـذا اكـتـشـف الآشـوريـيـن”. (2)

“وكـان مـتـحـف الـلـوفـر أوّل مـتـحـف أوربي عـرض في الأوّل مـن أيّـار عـام 1847 أعـداداً كـبـيـرة مـن آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، ومـن بـيـنـهـا ثـوريـن مـجـنـحـيـن أثـارا عـجـب الـزّوار وإعـجـابـهـم. ومـا زالـت هـذه الـقـطـع مـعـروضـة في مـتـحـف الـلـوفـر”.

“وقـد سـار آخـرون حـالاً في الـدّرب الّـذي شـقّـه بـول إمـيـل بـوتـا، فـشـرع الإنـكـلـيـزي لَـيـارد  LAYARD  في حـفـريـات (دامـت مـن 1847 إلى 1849) في ثـلاث عـواصـم مـلـكـيـة آشـوريـة : في قـويـنـجـق (مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوى)، وفي نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح)، وفي قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور).

وقـد فـقـد بـوتـا وظـيـفـتـه كـقـنـصـل في الـمـوصـل بـعـد ثـورة 1848، وحـلّ فـكـتـور بـلاس  Victor PLACE  مـحـلّـه. وقـام فـكـتـور بـلاس بـحـفـريـات في خـورسـبـاد، ثـمّ في قـويـنـجـق (مـن 1852 إلى 1855)، في نـفـس الـوقـت الّـذي كـان فـيـه لَـيـارد ثـمّ هـرمـزد رسّـام RASSAM يـنـقّـبـان لـحـسـاب الـمـتـحـف الـبـريـطـاني (مـن 1849 إلى 1854)”.

“ثـمّ نـزل اهـتـمـام الـمـنـقّـبـيـن نـحـو جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، فـنـقّـب فـريـنـيـل  Frensel، قـنـصـل فـرنـسـا في بـغـداد، في مـوقـع بـابـل عـام 1852. ولـكـنّ انـكـلـيـزيَـيـن ذهـبـا أبـعـد مـنـه : حـفـر لـوفـتـوس  Loftusفي الـوركـاء،، ونـقّـب قـنـصـل  بـريـطـانـيـا في الـبـصـرة تـيـلـور Taylor في الـمـقـيّـر (مـوقـع أور الـقـديـمـة) في 1854/ 1855”.

“وكـان هـدف الـتّـنـقـيـبـات في ذلـك الـزّمـن إيـجـاد قـطـع أثـريـة لإرسـالـهـا لـلـمـتـاحـف. وكـانـت إنـكـلـتـرة وفـرنـسـا تـسـتـعـمـلان مـوظـفـيـهـا الّـذيـن يـعـمـلـون في الـبـلـد، أي الـدّبـلـومـاسـيـيـن، وخـاصـة الـقـنـاصـل. وطـبـعـاً لـم تـكـن الـنّـتـائـج دائـمـاً عـلى الـمـسـتـوى الـمـطـلـوب”.

“ونـجـد قـنـصـلاً آخـر لـفـرنـسـا في الـبـصـرة، إرنـسـت دو سَـرزيـك، نـقّـب عـام 1877 في تـلّـو (تـلّ لـوح)، مـوقـع لـغـش الـقـديـمـة الّـتي عُـثـر فـيـهـا عـلى مـجـمـوعـة مـن الـتّـمـاثـيـل تـذكـر الـنّـقـوش الـمـسـمـاريـة الّـتي تـغـطّـيـهـا أنّـهـا تـمـثّـل غـوديـا. وكـان اكـتـشـافـاً عـظـيـمـاً لـحـضـارة “جـديـدة” لـم يـكـن أحـد يـعـرف عـنـهـا شـيـئـاً، أسـمـيـت أولاً بـالـحـضـارة “الـكـلـدانـيـة”، قـبـل أن يـدرك الـعـلـمـاء أنّـهـا في الـحـقـيـقـة : “الـحـضـارة الـسّـومـريـة”.

وبـعـد أن اكـتـشـفـنـا الآشـوريـويـيـن، هـا نـكـتـشـف الـسّـومـريـيـن الّـذيـن انـتـشـلـنـاهـم مـن الـنّـسـيـان لـيـدخـلـوا في مـيـدان الـدّراسـات الـتّـاريـخـيـة”.

“وقـد أثـار هـذا اهـتـمـام بـلـدان أخـرى تـسـارعـت لـلـحـصـول عـلى نـصـيـبـهـا مـن الـتّـنـقـيـبـات، فـنـقّـب الأمـريـكـان في نِـفـر (مـوقـع نـيـبـور الـقـديـمـة) في 1889، والألـمـان في بـابـل عـام 1899  وفي قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) في 1903، وفي الـوركـاء عـام 1912. ونـحـن لا نـذكـر هـنـا إلّا أهـم الـتّـنـقـيـبـات الّـتي اسـتـمـرّت حـتّى بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى.

واسـتـمـرّت فـرنـسـا تـهـتـم بـآثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، فـبـعـد وفـاة دو سـرزيـك عـام 1901، أرسـلـت الـكـابـتـن كـرو Cros إلى لـغـش مـن 1903 إلى 1909. ثـمّ وصـل عـالـم الآشـوريـات هـنـري دو جـنـويّـاك  Henri de Genouillac إلى كـيـش في 1912”. (*)

“وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب، أوقـفـت كـلّ الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة مـا عـدا تـنـقـيـبـات الألـمـاني كـولـدفي Koldewey الّـذي اسـتـمـرّ يـحـفـر في بـابـل حـتّى عـام 1917.

وبـعـد اتـفـاقـيـات وقـف الـسّـلاح الّـتي وقـعـت في مـوردوس في تـشـريـن الأوّل عـام 1918 ثـمّ تـوقـيـع مـعـاهـدات الـصّـلـح، قـطّـع الـبـريـطـانـيـون والـفـرنـسـيـون أوصـال الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. ووضـع الـعـراق تـحـت انـتـداب بـريـطـاني قـبـل أن يـحـصـل عـلى اسـتـقـلالـه عـام 1933.

وصـار الـعـراق الـمـكـان الّـذي تـرغـب كـلّ الـبـلـدان بـالـتّـنـقـيـب فـيـه. واسـتـخـرجـت ثـروات أثـريـة جـديـدة مـن بـاطـن أرضـه”.

“وقـد شـهـدت فـتـرة مـا بـيـن الـحـربـيـن (1919ــ 1939) تـنـقـيـبـات أكـثـر تـنـظـيـمـاً وبـمـنـهـجـيـة عـلـمـيـة أكـثـر دقّـة. وبـعـد الـقـنـاصـل والـدّبـلـومـاسـيـيـن وعـلـمـاء الآشـوريـات، وصـل مـنـقّـبـون مـخـتـصّـون بـالآثـار.

وكـان الألـمـان قـد افـتـتـحـوا فـتـرة الـتّـنـقـيـبـات الـعـلـمـيـة بـمـهـنـدسـيـن مـعـمـاريـيـن أشـرفـوا عـلـيـهـا : كـولـدفي Koldewey في بـابـل، و أنـدريـه Andrae في مـديـنـة آشـور، و يـوردان Jordan في الـوركـاء. وقـد قـامـوا بـالـكـشـف الـمـوسّـع والـكـامـل لـكـلّ مـوقـع بـدلاً مـن الـحـفـر لإيـجـاد قـطـع أثـريـة تـرسـل إلى الـمـتـاحـف.

وقـد عـاد كـلّ بـلـد تـقـريـبـاً إلى الـمـواقـع الّـتي كـان قـد تـركـهـا خـلال الـحـرب [الـعـالـمـيـة الأولى]، فـعـاد الإنـكـلـيـز إلى مـوقـع أور والـمـنـطـقـة الـمـحـيـطـة بـه عـام 1918، والألـمـان إلى الـوركـاء عـام 1928، والـفـرنـسـيـون إلى لـغـش عـام 1929. ولـكـنّ فـرنـسـا الّـتي كـانـت قـد حـصـلـت عـلى الإنـتـداب عـلى سـوريـا ولـبـنـان حـوّلـت اهـتـمـامـهـا إلـيـهـمـا وقـلّ حـضـورهـا في الـعـراق”.

“وكـان سـبـب عـودتـنـا إلى تـلّ لـوح (لـغـش) عـام 1929 هـو أنّ لـصـوصـاً حـفـروا في الـمـوقـع عـام 1925 ونـهـبـوا كـثـيـراً مـن الـقـطـع الأثـريـة، ومـن بـيـنـهـا عـدّة تـمـاثـيـل لـغـوديـا. ولـم نـكـن نـسـتـطـيـع عـنـدهـا أن نـتـرك مـوقـعـاً بـمـثـل ثـرائـه مـهـمـلاً يـعـثـو بـه الـسّـرقـة. ورغـم أنّ تـنـقـيـبـاتـنـا مـنـذ ذلـك الـعـام لـم تـكـلـل بـنـجـاح كـبـيـر، فـقـد كـان مـن واجـبـنـا الـقـيـام بـهـا. ومـع ذلـك فـقـد أجـبـرنـا عـام 1933 عـلى تـرك الـمـوقـع لأنّـه عـهـد إلـيـنـا بـالـتّـنـقـيـب في مـوقـع مـهـمّ آخـر : سـنـكـرة (مـديـنـة لارسـا الـقـديـمـة)”.

“ومـع ذلـك فـلـم يـكـن جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـوحـيـد الّـذي اسـتـحـقّ اهـتـمـام الـمـنـقّـبـيـن، فـقـد عـادت بـعـثـة انـكـلـيـزيـة ــ أمـريـكـيـة لـلـتّـنـقـيـب في كـيـش عـام 1923، ونـقّـبـت جـامـعـة بـنـسـلـفـانـيـا في فـارة (مـوقـع شـوربـاك) عـام 1931، وحـفـر الـمـعـهـد الـشّـرقي  The Oriental Institute لـجـامـعـة شـيـكـاغـو في شـرق بـغـداد، في مـنـطـقـة ديـالى. وهي مـنـطـقـة كـان قـد حـفـرهـا الـلـصـوص ونـهـبـوهـا. وقـد شـرع فـرانـكـفـورت Frankfort مـنـذ عـام 1930 بـالإشـراف عـلى تـنـقـيـبـات في عـدّة مـواقـع : تـلّ أسـمـر (مـوقـع أشـنـونـة)، وخـفـاجـة، وإشـجـالي (مـوقـع نـيـربـتـوم)  وتـلّ غـراب. وهي مـواقـع مـا زالـت مـلـيـئـة بـالـثّـروات الأثـريـة”.

“وقـد حـظـت “مـنـطـقـة الآشـوريـيـن” بـنـفـس الـعـنـايـة. واخـتـار مـنـقّـبـون أمـريـكـان يـورغـان تـبـه (مـوقـع نـوزي الـقـديـمـة)، وتـبـه كـورا، وتـلّ بـيـلا (3). كـمـا اخـتـار آخـرون يـعـمـلـون لـحـسـاب الـمـعـهـد الـشّـرقي  The Oriental Institute لـجـامـعـة شـيـكـاغـو الـتّـنـقـيـب عـام 1928 في خـورسـبـاد. وعـاد الإنـكـلـيـز إلى نـيـنـوى في 1929، وإلى تـلّ عـربـجـيـه في 1933. وقـد سـبـرت أغـوار كـثـيـر مـن الـمـواقـع بـمـنـهـجـيـة عـلـمـيـة مـن شـمـال الـعـراق إلى جـنـوبـه”.

“وقـد تـوصـلـت هـذه الـجـهـود إلى نـتـائـج مـخـتـلـفـة في أهـمـيـتـهـا. ونـبـدأ بـالإكـتـشـاف الّـذي أثـار اهـتـمـامـاً بـالـغـاً في الـعـالـم : إزاحـة الـتّـراب عـن “مـقـابـر أور الـمـلـكـيـة” الّـتي اسـتـخـرج لـيـونـارد وولي Leonard WOOLLEY مـن 1927 إلى 1929  كـنـوزهـا، وخـاصـة أعـمـالـهـا الـصّـيـاغـيـة الّـتي تـجـاوزت كـلّ مـا اكـتـشـف قـبـلـهـا وحـتّى “كـنـوز” تـوت عـنـخ آمـون”.

“أمّـا عـلى الـمـسـتـوى الـعـلـمي فـمـا حـقـقـه الـمـنـقّـبـون الألـمـان (يـوردان ونـولـدكـه وهـايـنـريـش) في مـوقـع الـوركـاء وضـع أسـس تـسـلـسـل تـواريـخ فـتـرات مـا قُـبـيـل الـتّـاريـخ : الـعُـبـيـد والـوركـاء وجـمـدة نـصـر)”.

“وهـكـذا احـتـلـت فـتـرات دامـت آلاف الـسّـنـيـن أمـاكـنـهـا في الـتّـسـلـسـل الـتّـاريـخي. وحـمـت الـنّـقـاشـات حـول تـأريـخ حـكـم حـمـورابي، فـقـد كـان مـسـلّـمـاً بـه أنّـه كـان في حـوالي 2000 قـبـل الـمـيـلاد. ولـكـنّ نـتـائـج تـنـقـيـبـات مـوقـع مـاري (عـلى الـفـرات) غـيّـر آراءنـا وأجـبـرنـا عـلى الـنّـزول إلى الـقـرن الـثّـامـن عـشـر عـلى الأقّـل. كـمـا تـغـيّـر اسـم الـفـتـرة الّـتي كـان الإنـكـلـيـز والأمـريـكـان يـدعـونـهـا بـالـسّـلالات الأولى Early Dynastic، وهي فـتـرة سـومـريـة طـويـلـة، فـقـد فـضّـل الـفـرنـسـيـون تـسـمـيـتـهـا بـالـفـتـرة “مـا قـبـل الـسّـرجـونـيـة” لأنّـهـا سـبـقـت فـتـرة حـكـم سـرجـون الأكّـدي الّـذي أسـس سـلالـة جـديـدة في مـديـنـة أكـادي في حـوالي مـنـتـصـف الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد”.

“وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة، أوقـفـت أعـمـال الـبـعـثـات الأثـريـة رسـمـيـاً، ولـكـنّ بـعـض الـمـنـقّـبـيـن الأوربـيـيـن والأمـريـكـان الّـذيـن لـم يـشـاركـوا في الـحـرب اسـتـمـرّوا في تـنـقـيـبـاتـهــم.

وأطـلـقـت مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة الـعـراقـيـة تـنـقـيـبـات جـديـدة : الـعُـقـيـر مـن 1940 إلى 1942، وعـقـرقـوف في 1939، وخـاصـة تـلّ حـسـونـة 1943/ 1944 الّـتي اكـتـشـف فـؤاد سـفـر خـلالـهـا فـتـرة أقـدم مـمـا كـنّـا نـعـرفـه، والّـتي أسـمـيـت بـفـتـرة حـسّـونـة والّـتي وضـعـت في الـتّـسـلـسـل الـتّـاريـخي زمـنـاً طـويـلاً قـبـل فـتـرات الـعُـبـيـد وسـامـراء وحـلـف. وهـكـذا تـنـظّـمـت فـتـرة مـا قُـبـيـل الـتّـاريـخ مـن الألـف الـخـامـس إلى الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد اسـتـمـرّ تـوسـيـع مـعـرفـتـنـا بـالـتّـاريـخ الـقـديـم بـاكـتـشـاف بـريـدوود Braidwood لـقـلـعـة جـرمـو ومـطّـرة، والّـذي وصـل فـتـرة مـا قُـبـيـل الـتّـاريـخ بـفـتـرة مـا قـبـل الـتّـاريـخ مـن خـلال فـتـرة مـا قـبـل الـفـخـاريـات، أي قـبـل اخـتـراع آنـيـة الـفـخـار”.

الـقـطـع الأثـريـة الـمـعـروضـة :

عـرضـت في الـمـعـرض، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، 242  قـطـعـة أثـريـة مـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد، مـن الـقـطـع الـصـغـيـرة أو الـمـتـوسـطـة الأحـجـام الّـتي أمـكـن نـقـلـهـا، وأضـيـف إلـيـهـا عـشـر قـطـع أثـريـة مـن بـيـن أهـمّ مـا يـمـلـكـه مـتـحـف الـلـوفـر.

وتـنـقـسـم هـذه الـقـطـع إلى عـدّة مـجـمـوعـات : مـن الـفـتـرات الـسّـومـريـة والـبـابـلـيـة والآشـوريـة، ومـن الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة، ومـن الـحـضـر (حـضـرة شـمـس)، ومـن الـفـتـرة الإسـلامـيـة.

ورغـم صـعـوبـة اخـتـيـار عـدد مـحـدود مـن روائـع الأعـمـال هـذه، فـسـأحـاول أن أريـكـم في مـا يـلي أهـمّـهـا تـحـت أرقـامـهـا في الـدّلـيـل. ووضـعـت إلى جـانـب بـعـض صـور الـدّلـيـل (بـالأبـيـض والأسـود) صـوراً بـالألـوان أخـذتـهـا مـن مـصـادر أخـرى :

n°2

كنوز 003 (800x645)

جـرّة مـفـرغـة عـنـقـهـا فـوق ظـهـر الـحـيـوان الّـذي تـمـثّـلـه (ربّـمـا قـنـفـذ). وقـد اعـتـبـر عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني مـالـوان Mallowan أنّ هـذا الـنّـوع مـن الأواني ظـهـر في فـتـرة تـلّ حـلـف. ويـعـود تـاريـخ الـجـرّة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في تـل عـربـجـيـة إلى الألـف الـخـامـس أو الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد. ويـبـدو أنّـهـا كـانـت تـمـلأ بـسـائـل يـسـتـعـمـل في الـطّـقـوس الـدّيـنـيـة.

N°9

 

إنـاء دائـري الـشّـكـل بـعـنـق طـويـل صـنـع مـن الـفـخـار الـبـنّي الـغـامـق رسـمـت عـلـيـه خـطـوط هـنـدسـيـة، في أعـلاه فـتـحـة دائـريـة. يـعـود تـاريـخـه إلى فـتـرة الـعُـبـيـد الـعـلـيـا، حـوالي نـهـايـة الألـف الـخـامـس أو بـدايـة الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في إريـدو (تـلّ أبـو شـهـريـن).

N°10

إنـاء عـلـيـه رسـوم أوراق نـفـل بـالـبـنّي الـغـامـق، حـوالي نـهـايـة الألـف الـخـامـس أو بـدايـة الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد. عـثـر عـلـيـه في إريـدو (تـلّ أبـو شـهـريـن). وقـد اسـتـعـمـل هـذا الـنّـوع مـن الـرّسـوم عـلى الآنـيـة مـنـذ فـتـرة مـا قـبـل الـعُـبـيـد.

N°19

كنوز 009

تـمـثـال لـرجـل عـاري مـن فـتـرة الـعُـبـيـد الـثّـالـثـة، حـوالي 4000  قـبـل الـمـيـلاد. إرتـفـاعـه 14 سـم. مـن الـصّـلـصـال الـمـائـل إلى الـخـضـرة، عـثـر عـلـيـه في إريـدو (تـلّ أبـو شـهـريـن). عـيـنـاه مـشـقـوقـتـا الإنـتـفـاخ. وفـوق رأسـه آثـار قـار، وألـصـقـت عـلى كـتـفـيـه وذراعـيـه كُـريّـات مـن الـصّـلـصـال، ويـمـسـك في يـده الـيّـسـرى بـعـصـا.

N°20

كنوز 010

تـمـثـال لامـرأة عـاريـة، رأسـهـا يـشـبـه رأس سـحـلـيـة (أو عـظـايـة) مـن فـتـرة تـلّ الـعـبـيـد الـثّـالـثـة، الـنّـصـف الأوّل مـن الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد. عـثـر عـلـيـه في أور. مـن الـصّـلـصـال الـفـاتـح الـلـون، صـوّر شـعـر الـمـرأة بـطـبـقـات مـن الـقـار. عـثـر عـلى الـتّـمـثـال في أحـد قـبـور مـديـنـة أور بـجـانـب جـثـمـانـيـن دفـنـا فـيـه.

N°23

 

تـمـثـال لـرأس امـرأة عـرفـت بـ “سـيّـدة الـوركـاء”، مـن حـجـر الـبَـلـق، مـن فـتـرة جـمـدة نـصـر، حـوالي نـهـايـة الألـف الـرّابـع أو بـدايـة الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في مـعـبـد الإيـانـا في مـديـنـة الـوركـاء. ولا نـعـرف هـل هـو جـزء مـن مـنـحـوتـة جـداريـة أم مـن تـمـثـال. ولا شـكّ في أنّـه كـان مـثـبّـتـاً عـلى جـدار فـقـد ثـقـبـت في جـزئـه الـخـلـفي أربـعـة ثـقـوب. ومـن الـمـحـتـمـل أن الـفـراغـات الّـتي فـتـحـت في أعـلى الـرّأس وفي الـحـاجـبـيـن والـعـيـنـيـن كـانـت مـرصـعـة بـالأحـجـار الـكـريـمـة، كـمـا نـلاحـظ ثـقـبـيـن في الأذنـيـن كـانـت تـثـبـت فـيـهـمـا الأقـراط. ونـوعـيـة الـنّـحـت اسـتـثـنـائـيـة لا شـبـيـه لـهـا في تـلـك الـفـتـرات الـتّـاريـخـيـة.

N°24

 

مـسـلّـة صـيـد الأسـود، وجـدت في مـعـبـد الإيـنـانـا في الـوركـاء، مـن نـهـايـة الألـف الـرّابـع أو بـدايـة الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. إرتـفـاعـهـا 78 سـم. قـطـعـة مـن حـجـر الـبـازلـت الـبـركـاني الأسـود، عـلـيـهـا مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز تـمـثـل مـلـكـاً يـصـيـد الأسـود : مـشـهـدان يـعـلـو الـواحـد مـنـهـمـا الآخـر، يـمـثّـل أعـلاهـمـا “الـمـلـك” تـخـتـرق حـربـتـه أسـداً، وفي أسـفـلـهـمـا يـرمي بـسـهـام مـن قـوسـه عـلى أسـديـن جـريـحـيـن أصـابـهـمـا.

N°26

 

إنـاء مـن الـحـجـر الـكـلـسي الـرّمـادي الـلـون مـن فـتـرة جـمـدة نـصـر، نـهـايـة الألـف الـرّابـع أو بـدايـة الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في مـعـبـد سـيـن في خـفـاجـة، رصّـع بـقـطـع مـن الـصّـدف ومـن حـجـر الـكـلـس عـلى شـريـطـيـن أفـقـيـيـن وشـرائـط عـمـوديـة في وسـطـهـا عـدد مـن الأشـكـال الـدّائـريـة الّـتي تـدعى بـ “أعـيـن الـثّـيـران” وأزهـار بـثـمـاني بـتـلات.

N°43

كنوز 016 (395x800)

تـمـثـال مـن حـجـر الـكـلـس مـن الـفـتـرة مـا قـبـل الـسّـرجـونـيـة : الـنّـصـف الأوّل مـن الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في نـيـبـور. يـصـوّر رجـلاً واقـفـاً عـاري الـصـدر يـرتـدي تـنّـورة “الـكـونـاكـِس”. نـراه عـاقـداً يـديـه، وهـو مـا يـمـثّـل الـصّـلاة أمـام إلـه عـنـد الـعـراقـيـيـن الـقـدمـاء. وكـانـت عـيـنـاه مـرصـعـتـيـن بـالـصّـدف والـقـار، ولـكـنّ إحـداهـمـا فـقـدت الـتّـرصـيـع،  ولـم يـجـد الـمـنـقّـبـون قـدمي الـتّـمـثـال.

N°44

كنوز 017 (325x800)

تـمـثـال مـن حـجـر الـبَـلـق، مـن الـفـتـرة مـا قـبـل الـسّـرجـونـيـة : الـنّـصـف الأوّل مـن الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في خـفـاجـة، يـصـوّر امـرأة واقـفـة تـرتـدي ثـوبـاً طـويـلاً يـصـل إلى مـا فـوق قـدمـيـهـا، ويـكـشـف عـن كـتـفـهـا الأيـمـن. رصّـعـت عـيـنـاهـا بـالـصّـدف والـقـار. نـراهـا عـاقـدة يـديـهـا، وهـو مـا يـمـثّـل الـصّـلاة أمـام إلـه عـنـد الـعـراقـيـيـن الـقـدمـاء.

N°48

 

تـمـثـال مـن الـنّـحـاس، مـن الـفـتـرة مـا قـبـل الـسّـرجـونـيـة : الـنّـصـف الأوّل مـن الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، وجـد في الـمـعـبـد الـبـيـضـوي في خـفـاجـة. إرتـفـاعـه 53 سـم. وقـد وجـد في الـمـعـبـد ثـلاثـة مـن هـذه الـتّـمـاثـيـل.

يـمـثـل كـاهـنـاً عـاريـاً طـويـل الـلـحـيـة، واقـفـاً فـوق قـاعـدة عـلى أربـع ركـائـز. عـقـد يـديـه في عـبـادة طـقـوسـيـة، وعـلى رأسـه قـاعـدة كـان يـوضـع عـلـيـهـا إنـاء، ربّـمـا لـحـرق الـبـخـور. وعـلى ظـهـره نـقـش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة. ورغـم أنّ الـنّـحـاس الـمـسـتـعـمـل في صـبّـه شـديـد الـصّـفـاء فـإنـنـا نـلاحـظ عـيـوبـاً في الـصّـبّ.

N°54

كنوز 001 (729x800)

لـوح مـن الـحـجـر مـثـقـوب الـوسـط لـيـثـبّـت عـلى جـدار في مـعـبـد إلـه يـهـدى لـه. مـن الـفـتـرة مـا قـبـل الـسّـرجـونـيـة، الـنّـصـف الأوّل مـن الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. عـرض الـجـزء الـمـنـحـوت (مـن غـيـر الـجـوانـب) 20 سـم. وارتـفـاعـه 20 سـم.

نـحـت عـلى ثـلاثـة مـسـتـويـات. في الأعـلى رجـل وامـرأتـه بـيـد كـلّ مـنـهـمـا كـوب، يـمـلأهـمـا سـاقـيـان مـن جـرّة عـالـيـة في وسـطـهـمـا. وفي وسـط الـمـنـحـوتـة كـبـشـان سـقـطـا عـلى الأرض وعـلى ظـهـريـهـمـا سـهـمـان (هـل ضـحي بـهـمـا لـلآلـهـة ؟)، وفي أسـفـل الـمـنـحـوتـة عـجـلان يـرتـعـان وسـط الـنـبـاتـات، يـدعـو الـرّجـل بـهـمـا مـن الآلـهـة أن تـبـارك في قـطـعـانـه.

N°101

كنوز 007 (407x800)

تـمـثـال مـن حـجـر الـبـازلـت مـن الـفـتـرة الـسّـومـريـة الـحـديـثـة، حـوالي 2130 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في إريـدو (تـلّ أبـو شـهـريـن)، يـصـوّر أسـداً مـنـتـصـبـاً، ركّـز الـنّـحـات فـيـه اهـتـمـامـه عـلى رأس الـحـيـوان الّـذي نـحـتـه دائـريـاً (أي يـمـكـن رؤيـتـه مـن كـلّ الـجـوانـب) مـركّـزاً فـيـه عـلى فـمـه الـمـفـتـوح وأنـيـابـه، في حـيـن أنّـه حـفـر تـفـاصـيـل بـاقي جـسـمـه حـفـراً مـسـطّـحـاً قـلـيـل الـبـروز.

N°103

كنوز 009 (641x800)

رأس تـمـثـال مـن حـجـر الـكـلـس، مـن فـتـرة سـلالـة أور الـثّـالـثـة، حـوالي 2124 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في الـوركـاء، لـرجـل مـمـتـلئ الـوجـه حـلـيـقـه، كـانـت عـيـنـاه مـرصـعـتـيـن ولا شـكّ بـالـصّـدف والـقـار، عـلى رأسـه “جـراويـة” لـم يـظـهـر عـلـيـهـا الـنّـحـات تـفـاصـيـلـهـا.

N°104

 

تـمـثـال مـن الـفـتـرة الـسّـومـريـة الـحـديـثـة، حـوالي 2130 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في أور. إرتـفـاعـه 14 سـم. يـمـثّـل الإلـهـة بـاو زوجـة الإلـه نـيـن غـرسـو جـالـسـة. وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى قـلّـة الـمـنـحـوتـات الّـتي تـمـثـل آلـهـة أو أشـخـاصـاً جـالـسـيـن في فـنـون بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

وقـد نـحـتـت عـلى جـانـبي الـعـرش الّـذي تـجـلـس عـلـيـه صـورتـيـن لأوزتـيـن، فـالأوزة حـيـوانـهـا الّـذي يـرمـز بـه إلـيـهـا (لأنّ بـاو كـانـت إلـهـة الـبـيـوت والـحـقـول). وتـضـفي الـخـطـوط الـمـسـتـقـيـمـة والـمـنـحـنـيـة والـمـسـتـديـرة والـمـتـمـوّجـة وحـدة في الأسـلـوب واكـتـمـالاً في تـصـمـيـم الـتّـمـثـال، مـن شـعـر الإلـهـة الـمـجـعّـد الـسّـاقـط جـدائـلاً عـلى كـتـفـيـهـا وإلى قـلادتـهـا الـمـلـتـفّـة حـول عـنـقـهـا سـبـع لـفّـات وإلى ثـوبـهـا الـمـخـطـط الـنّـازل طـبـقـة فـوق طـبـقـة حـتّى أصـابـع قـدمـيـهـا الـلـذيـن مـثّـل كـلّ مـنـهـمـا بـخـمـسـة خـطـوط مـتـوازيـة. ولا شـكّ في أنّ عـيـنـيـهـا كـانـتـا مـرصـعـتـيـن في الأصـل بـالـصـدف الـمـلـصـق عـلى قـار.

N°105

كنوز 011 (614x800)

تـمـثـال مـن الـبـرونـز وحـجـر الـكـلـس مـمـا كـان يـوضـع في أسـس الأبـنـيـة، بـاسـم الـمـلـك أور نـامـو، مـن فـتـرة سـلالـة أور الـثّـالـثـة، حـوالي 2124 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في الـوركـاء. جـزؤه الأعـلى يـمـثّـل الـمـلـك حـامـلاً سـلّـة الـبـنّـائـيـن، والأسـفـل مـدبـب عـلـيـه إهـداء الـمـعـبـد الّـذي شـيّـده لـلإلـهـة إيـنـانـا. ونـجـد نـفـس الـنّـصّ مـكـرراً عـلى الـلـوح الّـذي بـجـانـبـه.

N°107

 

تـمـثـال مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور لـرجـل يـحـمـل سـلاحـاً، مـن الـفـتـرة الـسّـومـريـة الـحـديـثـة، حـوالي 2130 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في تـلّـو (تـلّ لـوح). إرتـفـاعـه 19 سـم. يـمـثّـل رجـلاً طـويـل الـلـحـيـة جـدل أسـفـلـهـا جـدائـل، يـرتـدي “دشـداشـة” تـسـقـط عـلى قـدمـيـه، ونـوع مـن “الـجـراويـة” الـمـلـفـوفـة حـول رأسـه، ويـحـمـل في يـده الـيـسـرى سـلاحـاً يـشـبـه فـأسـاً، وربّـمـا كـان في يـده الـيـمـنى سـلاح آخـر. ونـلاحـظ تـمـلّـك الـصّـانـع الـمـذهـل لـفـنّـه واقـتـصـاده الـمـدهـش في الـتّـفـاصـيـل.

N°108

 

تـمـثـال مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور لامـرأة، مـن الـفـتـرة الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة، حـوالي 1894 إلى 1595 قـبـل الـمـيـلاد، لا نـعـرف أيـن عـثـر عـلـيـه. إرتـفـاعـه 18 سـم. يـمـثّـل امـرأة عـاريـة واقـفـة، صـوّر الـصّـانـع شـعـرهـا وعـيـنـيـهـا ونـهـديـهـا وسـرّتـهـا بـكـريـات طـيـنـيـة ألـصـقـهـا أو ضـغـط عـلـيـهـا، وبـخـطـوط حـفـرهـا في الـطّـيـن.

N°114

كنوز 015 (696x800)

لـوح مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور مـقـوّس الأعـلى مـن فـتـرة سـلالـة بـابـل الأولى، حـوالي 1894 إلى 1595 قـبـل الـمـيـلاد. عـثـر عـلـيـه في إشـجـالي (قـرب تـلّ أسـمـر). عـلـيـه نـحـت قـلـيـل الـبـروز لإلـهـة صـوّرت مـواجـهـة تـغـطّـيـهـا ثـيـاب مـعـقّـدة الـتّـزيـيـن وحـلي كـثـيـرة (أقـراط وعـقـود). ويـدلّ الـقـرنـان فـوق رأسـهـا عـلى ألـوهـيـتـهـا عـنـد الـعـراقـيـيـن الـقـدمـاء.

N°121

 

طـابـوقـة مـزجـجـة  مـن الـفـتـرة الآشـوريـة الـحـديـثـة، الـقـرن الـثّـامـن أوالـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـهـا بـيـن أعـداد كـبـيـرة مـن الـطّـابـوق الـمـزجـج في مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة، صـوّر عـلـيـهـا رجـلان مـلـتـحـيـان يـرتـدي أحـدهـمـا ثـوبـاً طـويـلاً بـيـنـمـا يـرتـدي الآخـر قـمـيـصـاً تـبـدو تـحـتـه ركـبـتـاه.

N°122

كنوز 002 (800x568)

رأس سـريـر مـن الـعـاج مـن الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في الـمـخـازن الّـتي حـفـظـت فـيـهـا غـنـائـم الـحـروب في حـصـن الـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث في نـمـرود. عـرضـه 60 سـم. وهـو مـن خـمـسـة أجـزاء مـسـتـطـيـلـة عـلـيـهـا مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز. يـمـثـل الـجـزء الـمـركـزي رجـلاً مـلـتـحٍ جـالـسـاً عـلى مـقـعـد تـغـطـيـه وسـادة تـتـدلى حـواشـيـهـا الّـتي تـصـوّر حـبّـات صـنـوبـر. ويـرتـدي الـرّجـل ثـوبـاً طـويـلاً تـتـدلى مـن أسـفـلـه حـواشي مـعـقـودة، ويـحـمـل في يـده الـيـمـنى طـاسـة وأمـامـه زهـرتـا لـوتـس، ويـحـيـطـه مـن جـانـبـيـه حـيـوانـان خـرافـيـان مـركـبـان مـن رأس طـائـر وزوجـان مـن الأجـنـحـة، ثـمّ رجـلان يـحـمـل كـلّ مـنـهـمـا حـيـوانـاً عـلى كـتـفـيـه.

N°145

كنوز 008 (454x800)

تـمـثـال مـن حـجـر الـبَـلـق عـثـر عـلـيـه في الـحـضـر (حـضـرة شـمـس)، مـن الـقـرن الأوّل أو الـثّـاني بـعـد الـمـيـلاد، يـصـوّر إلـهـاً (؟) جـالـسـاً عـلى عـرش يـزيـنـه عـلى جـانـبـيـه أسـدان واقـفـان. يـرتـدي ثـوبـاً مـطـرّزاً يـصـل إلى ركـبـتـيـه وسـروالاً مـطـرّزاً شـدّ أسـفـلـه فـوق قـدمـيـه، وألـقى عـلى كـتـفـه الأيـسـر بـشـال مـطـرّز الـحـواشي. وعـيـنـاه مـرصـعـتـان.

N°147

 

نـحـت بـارز عـلى حـجـر كـلـسي يـمـثـل ثـلاث إلـهـات فـوق أسـد، مـن الـفـتـرة الـفـارثـيـة : مـن الـقـرن الأوّل إلى الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في الـحـضـر (حـضـرة شـمـس). إرتـفـاعـه 115 سـم.

نـرى في وسـط الـمـنـحـوتـة الإلـهـة أثـيـنـا (الّـتي يـسـمـيـهـا الـعـرب الـلات)، فـوق رأسـهـا خـوذة وعـلى صـدرهـا صـورة مـنـحـوتـة لـرأس وحـش الـغـرغـون. وتـقـبـض في يـدهـا الـيـمـنى عـلى سـيـف نـحـيـل وطـويـل بـيـنـمـا تـتـكئ يـدهـا الـيـسـرى عـلى درع.

ورغـم أسـلـوب هـذه الـمـنـحـوتـة الإغـريـقي، وهـو أسـلـوب كـان قـد سـاد مـنـذ وصـول الـسّـلـوقـيـيـن إلى الـعـراق الـقـديـم في الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، فـهي لـيـسـت مـن عـمـل نـحّـات إغـريـقي، لأنّ الـتّـقـالـيـد الإغـريـقـيـة الـصّـحـيـحـة تـضـع في يـد الإلـهـة الـيـسـرى صـورة الـنّـصـر الـمـجـنـح. فـهـو إذن مـن صـنـع نـحّـات مـن الـحـضـر كـان يـقـلّـد الأسـلـوب الإغـريـقي.

وكـانـت أثـيـنـا إلـهـة الـحـرب عـنـد الإغـريـق، ومـن هـنـا جـاء مـزجـهـا عـنـد عـرب مـديـنـة الـحـضـر (حـضـرة شـمـس) بـإلـهـتـهـم الـلات. ويـمـكـن أن تـكـون الإلـهـتـان الـمـحـيـطـتـان بـهـا مـن آلـهـة عـرب الـحـضـر.

ونـجـد عـلى الـمـنـحـوتـة بـقـايـا قـار ومـسـامـيـراً مـن الـفـضّـة تـدلّ عـلى أنّـهـا كـانـت مـغـطـاة بـطـبـقـة مـن مـعـدن ثـمـيـن : ذهـب أو فـضّـة.

N°149

 

تـمـثـال مـن الـرّخـام عـثـر عـلـيـه في الـحـضـر (حـضـرة شـمـس)، مـن الـقـرن الأوّل أو الـثّـاني بـعـد الـمـيـلاد، يـصـوّر إلـهـاً مـلـتـحـيـاً بـجـنـاحـيـن، يـمـسـك بـيـده الـيـمـنى سـكـيـنـاً ويـقـبـض بـيـده الـيـسـرى عـلى قـرن كـبـش، بـيـنـمـا يـتـلـوى ثـعـبـان خـلـف رأسـه وفـوق جـنـاحـيـه. ربّـمـا كـان يـصـور طـقـوس تـضـحـيـة ديـنـيـة.

N°160

كنوز 027 (800x618)

ثـقـل مـيـزان عـلى شـكـل بـطّـة مـن الـرّخـام الـبـنّي، مـن الـفـتـرة الـسّـومـريـة الـحـديـثـة، حـوالي 2130 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد. عـلى جـنـاح الـبـطّـة الأيـمـن كـتـابـة بـالـمـسـمـاريـة تـنـصّ عـلى أنّ هـذا الـثّـقـل يـزن 20 مـيـنـاً، (الـمـيـن 60 شـقِـل، والـشّـقِـل الـواحـد يـعـادل حـوالي 11 غـرام فـضّـة).

N°228

كنوز 032 (590x800)

قـطـعـة مـكـسـورة مـن مـنـحـوتـة تـزيـنـيـة جـداريـة، عـثـر عـلـيـهـا في سـامـراء، الـعـصـر الـعـبـاسي، الـقـرن الـتّـاسـع بـعـد الـمـيـلاد.

N°229

كنوز 002 (601x640)

قـطـعـة مـسـدّسـة مـن مـنـحـوتـة تـزيـنـيـة جـداريـة، عـثـر عـلـيـهـا في سـامـراء، مـن الـعـصـر الـعـبـاسي، الـقـرن الـتّـاسـع بـعـد الـمـيـلاد، نـحـتـت فـيـهـا أغـصـان وأراق وعـنـاقـيـد.

N° 233

كنوز 033 (574x800)

جـرّة مـاء مـن الـفـخـار مـن الـعـصـر الـعـبّـاسي، الـقـرن الـعـاشـر بـعـد الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـهـا في تـلّ قـرب سـنّ الـذّبّـان. إرتـفـاعـهـا 75 سـم. عـلـيـهـا نـقـوش وتـصـاويـر حـيـوانـات : أسـد يـطـارد غـزالـة ؟

N° 235

كنوز 036 (447x800)

جـرّة كـبـيـرة ارتـفـاعـهـا 67 سـم. بـثـلاثـة مـقـابـض، مـن الـفـتـرة الإسـلامـيـة، الـقـرن الـحـادي عـشـر أو الـثّـاني عـشـر، لا نـعـرف أيـن عـثـر عـلـيـهـا.

نـرى عـلى الـمـقـبـض الأوسـط مـنـهـا صـورة امـرأة، كـمـا نـرى عـلى جـانـبـيـه وأسـفـلـه أربـعـة رؤوس نـحـتـت بـارزة وسـط خـطـوط مـلـتـويـة وأغـصـان وأوراق نـبـاتـات.

 

مـلـحـق

يـمـكـن لـلـقـارئ أن يـجـد مـعـلـومـات عـن كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي في الـمـنـشـورات الـتّـالـيـة :

– Yusuf Ghanima, A guide to the ‘Iraq Museum collections, Gov. Press, Baghdad 1942 (141 p).

فـرج بـصـمـةجي، كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي، بـغـداد، مـطـبـعـة الـحـكـومـة 1960،

– Faraj Basmachi, Treasures of the Iraq museum, Al Jumhuriya press, Baghdad 1976 (426 p.)

 

– Guide-book to the Iraq Museum, Directorate Genral of Antiquites, Baghdad 1976, (134 p.)

كـمـا أقـيـم مـعـرض لـمـخـتـارات مـن كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي في مـتـحـف الـفـن والـتّـاريـخ لـمـديـنـة جـنـيـف في سـويـسـرة  Musée d’art et d’histoire de Genève، مـن 10 كـانـون الأوّل 1977 إلى 12 شـبـاط 1978، تـحـت عـنـوان : كـنـوز مـتـحف بـغـداد، 7000 سـنـة مـن تـاريـخ مـا بـيـن الـنّـهـريـن                   Trésores du Musée de Bagdad : 7000 ans d’histoire mésopotamienne.

وصـدر دلـيـل لـلـمـعـرض  بـ 152 صـفـحـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كـانـت لـجـنـة الـشّـرف تـضـمّ مـن الـجـانـب الـعـراقي وزيـر الـثّـقـافـة والإعـلام الـدّكـتـور مـحـمّـد نـاصـر ووزيـر الـمـعـارف الـدّكـتـور خـضـيـر عـبـد الـغـفـور ووزيـر الـخـارجـيـة الـدّكـتـور عـدنـان الـبـاجـجي وسـفـيـر الـعـراق في فـرنـسـا حـكـمـت سـلـيـمـان، ومـن الـجـانـب الـفـرنـسي : وزيـر الـثّـقـافـة، الـكـاتـب الـشّـهـيـر أنـدريـه مـالـرو، ووزيـر الـخـارجـيـة كـوف دو مـورفـيـل، وسـفـيـر فـرنـسـا في الـعـراق جـاك دومـاركـيـه.

(*) أنـظـر مـقـالي في جـريـدة الـمـدى : http://almadapaper.net/ar/news/474053/%D9%85%D8%AC%D9%80%D9%85%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A8%D8%A7%D8%B1-

(2) أنـظـر مـقـالي : رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

(3) يـورغـان تـبـه قـرب كـركـوك وتـلّ بـيـلا عـلى بـعـد حـوالي 15 كـلـم. شـمـال شـرقي نـيـنـوي مـن مـدن الـمـيـتـانـيـيـن.

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

الـجـنـاح الـعـراقي في مـعـرض بـاريـس الـعـالـمي عـام 1937

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شـارك الـعـراق في مـعـرض عـالـمي أقـيـم في بـاريـس مـن 25 أيّـار إلى 25 تـشـريـن الـثـاني عـام 1937، أسـمي : “الـمـعـرض الـعـالـمي لـلـفـنـون والـتّـقـنـيّـات الـمـطـبّـقـة عـلى الـحـيـاة الـحـديـثـة  L’exposition internationale des arts et techniques appliqués à la vie moderne”.

Expo 1937

وكـان تـحـضـيـر هـذا الـمـعـرض الـعـالـمي قـد بـدأ عـام 1934، ولـكـنّ الـحـالـة الإقـتـصـاديـة الـصّـعـبـة في تـلـك الـفـتـرة أعـاقـت تـنـفـيـذه. وعـنـدمـا وصـل الـيـسـار الـفـرنـسي إلى الـحـكـم عـام 1936 وشـكّـلـت حـكـومـة “الـجـبـهـة الـشّـعـبـيـة” بـرئـاسـة لـيـون بـلـوم تـبـنّـت الـحـكـومـة الـجـديـدة هـذا الـمـشـروع لـيـكـون لـقـاء سـلام بـيـن الـشّـعـوب.

وقـد افـتـتـح الـمـعـرض يـوم 25 أيّـار 1937، وضـمّ 55 جـنـاحـاً، واحـد لـكـلّ دولـة مـشـاركـة ومـن ضـمـنـهـا فـرنـسـا (بـمـسـتـعـمـراتـهـا ومـحـمـيـاتـهـا مـثـل الـجـزائـر والـمـغـرب وتـونـس). وطـبـعـاً فـقـد خـصـص جـنـاح لـمـمـلـكـة الـعـراق يـقـع بـيـن الـمـدرسـة الـعـسـكـريـة وبـرج إيـفـيـل. (1)

Expo 37

وقـد عـهـد بـتـصـمـيـم الـجـنـاح الـعـراقي إلى الـمـعـمـاري الـفـرنـسي ألـبـيـر لابـراد Albert LAPRADE وسـاعـده الـمـعـمـاري  لـيـون بـزان Léon BAZIN.

وعـيّـنـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة الـمـعـمـاري أحـمـد مـخـتـار مـسـتـشـاراً مـعـمـاريـاً لـلـمـشـروع، وأرسـلـتـه إلى بـاريـس لـيـشـرف عـلى تـنـفـيـذه مـع الـمـعـمـاريَـيـن الـفـرنـسـيَـيـن.

Irak 1937 9

وكـان أحـمـد مـخـتـار إبـراهـيـم قـد حـصـل عـلى شـهـادة في الـهـنـدسـة الـمـعـمـاريـة مـن جـامـعـة لـيـفـربـول في إنـكـلـتـرة عـام 1935 (أو 1936 ؟). وبـهـذا كـان أوّل عـراقي يـحـصـل عـلى مـثـل هـذه الـشّـهـادة مـن جـامـعـة أوربـيـة.  وبـعـد رجـوعـه إلى بـغـداد عـيّـن في 1937 مـسـؤولاً مـعـمـاريـاً لـلـحـكـومـة. وكـان أوّل عـراقي يـشـغـل هـذا الـمـنـصـب. (2)

كـمـا أوفـدت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة مـيـر بـصـري، الّـذي كـان يـعـمـل في غـرفـة تـجـارة بـغـداد إلى الـمـفـوضـيّـة الـعـراقـيـة في بـاريـس لـمـسـاعـدة الـدّكـتـور عـبـد الإلـه حـافـظ في إنـشـاء الـجـنـاح. (3)

ولـديـنـا عـدد مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة تـظـهـر الـجـنـاح مـن عـدّة جـوانـب :

ويـذكـر الـتّـقـديـم الّـذي نـشـر لـلـمـعـرض بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة أنّ : “الـجـنّـاح الـعـراقي يـعـيـد إلى الـحـيـاة إحـدى عـجـائـب الـدّنـيـا الـسّـبـع : جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة. الـمـدخـل يـحـرسـه أسـدان مـجـنـحـان، ويـوصـلـنـا إلى صـالـة الـشّـرف الّـتي يـنـتـصـب في وسـطـهـا مـجـسّـم مـصـغّـر لـبـابـل صـنـع طـبـقـاً لـكـلّ الـمـعـطـيـات الـعـلـمـيـة الـحـديـثـة عـن الـمـوقـع. ونـصـل بـعـدهـا إلى حـوش تـحـيـطـه أعـمـدة في وسـطـه تـمـثـال شـارلـمـان لـيـذكّـرنـا بـأنّـه اسـتـلـم كـهـديـة أوّل سـاعـة [صـنـعـت في الـتّـاريـخ]، والّـتي كـانـت مـن روائـع الأعـمـال الـتـقـنـيّـة الّـتي اخـتـرعـت في الـعـراق.

ونـجـد عـلى مـنـصّـات الـعـرض مـنـتـوجـات الـبـلـد : حـبـوب الـحـنـطـة والـشّـعـيـر، وأنـواع الـتّـمـور، والـعـسـل والـلـوز والـتّـبـغ ونـبـيـذ الـمـوصـل الـشّـهـيـر والأسـتـراخـان   astrakan (فـرو الـحـمـلان الـصّـغـيـرة) والـصّـوف.

وعـرض في الـطّـابـق الأوّل كـلّ مـا يـتـعـلّـق بـثـروات الـنّـفـط وبـإنـجـازات الـتّـصـنـيـع.

ونـجـد في الـطّـابـق الأرضي كـمـا في الـطّـابـق الأوّل ديـورامـات  Dioramas (وهي واجـهـات زجـاجـيـة خـلـفـهـا مـجـسّـمـات) تـظّـهـر الإنـجـازات الـضّـخـمـة والـمـهـمّـة الّـتي حـقـقـهـا الـعـراق مـنـذ اسـتـقـلالـه”.

ولـديـنـا أعـداد مـن الـرّسـوم والـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة لـبـنـايـة الـجـنـاح. ونـرى بـوضـوح أنّ أعـلى الـبـنـايـة لا يـمـثّـل زقـوّرة كـمـا قـرأتـه في عـدّة أمـاكـن وإنّـمـا جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة بـعـدّة طـبـقـات ونـلاحـظ الأشـجـار الّـتي غـرسـت فـيـهـا. (4)

وقـد نـشـر بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة : “دلـيـل الـجـنـاح الـعـراقي  Guide du pavillon de l’Irak”، وزّع عـلى زوّار الـجـنـاح.

Expo 1937 4

الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة عـام 1937 :

كـمـا نـشـر مـلـف عـلى شـكـل كـتـيـب بـأربـع وعـشـريـن صـفـحـة مـن الـقـطـع الـمـتـوسّـط، عـلى غـلافـه شـعـار مـمـلـكـة الـعـراق وعـنـوان الـمـلـفّ :  Monographie sur l’Irak.

المملكة العراقية 1937

وتـعـني كـلـمـة “مـونـوغـرافي” أو “مـونـوغـرافـيـا” دراسـة مـخـصـصـة لـمـوضـوع واحـد، وهي هـنـا دراسـة مـكـرّسـة لـلـعـراق :

ونـجـد في الـصّـفـحـة الأولى صـورة لـ : “جـلالـة غـازي الأوّل، مـلـك الـعـراق” :

المملكة الع 1937

وفي الـصّـفـحـة الـثّـالـثـة صـورة لـ : “جـلالـة الـمـرحـوم فـيـصـل الأوّل، مـلـك الـعـراق، تـوفي في بـيـرن، في الـثّـامـن مـن أيـلـول 1933” :

المملكة العر 1937

ويـحـتـوي الـمـلـف، مـا عـدا الـمـقـدمـة، عـلى 19 فـصـلاً قـصـيـراً، لا يـتـجـاوز بـعـضـهـا عـدّة أسـطـر تـصـاحـبـهـا جـداول وإحـصـائـيـات. ولأهـمـيـة الـمـعـلـومـات الّـتي يـحـتـويـهـا الـمـلّـف سـأتـرجـم لـكـم أهـمّ مـا ورد فـيـه ولـكـنّ بـدون أغـلـب الـجـداول والإحـصـائـيـات.

الـمـقـدّمـة :

تـذكـر الـمـقـدمـة الّـتي تـحـتـوي عـلى 33 سـطـراً، وكـتـبـت في آذار 1937، أنّ الـمـلـفّ طـبـع لـيـعـطي لـزوّار الـجـنـاح الـعـراقي في الـمـعـرض فـكـرة عـامـة عـن الـبـلـد. فـ “الـعـراق دولـة جـديـدة أنـشـئـت عـنـد تـقـسـيـم الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى. وقـد اعـتـرف بـاسـتـقـلالـه أوّلاً بـمـعـاهـدة الـتّـحـالـف الّـتي وقّـعـهـا مـع بـريـطـانـيـا الـعـظـمى عـام 1930، ثـمّ بـعـد ذلـك بـقـبـول عـضـويـتـه في عـصـبـة الأمـم. وهـو مـا يـمـنـحـه الـحـدّ الأعـلى مـن الـضّـمـانـات الـعـالـمـيـة”.

“أمّـا عـن اقـتـصـاده، فـسـتـضـمـن لـه ثـروات أرضـه ومـا في بـاطـن أرضـه ازدهـاراً لا شـكّ فـيـه. وهـو مـا زال بـلـداً فـتـيّـاً، يـمـتـلـك مـصـادر غـنى هـائـلـة لـم يـشـرع في اسـتـخـراجـهـا إلّا بـالـكـاد. وإذا مـا أخـذنـا بـنـظـر الإعـتـبـار آبـار نـفـطـه فـقـط، فـهي تـكـفي وحـدهـا لـتـؤمّـن لـه واردات لا يـمـكـنـنـا بـعـد الـتّـنـبـؤ بـمـدى أهـمـيـتـهـا. ومـالـيـة الـبـلـد فـائـضـة، تـنـظّـم بـاسـتـمـرار ولا تـشـكـو مـن عـجـز، وخـزيـنـتـه تـمـتـلـك أرصـدة وذخـائـر مـؤمّـنـة”.

“وقـد غـيّـرت ظـروف مـا بـعـد الـحـرب هـذا الـبـلـد الـفـتي جـذريّـاً ومـنـحـتـه امـتـيـازاً سـيـاسـيـاً واقـتـصـاديـاً عـلى دول الـشّـرق الأوسـط، كـمـا حـقـق تـقـدمـاً اجـتـمـاعـيـاً عـظـيـمـاً”.

“وأخـرجـتـه طـرق الـمـواصـلات الـحـديـثـة مـن عـزلـتـه الـمـاضـيـة، وأصـبـحـت بـغـداد الآن لا تـبـعـد إلّا بـ 48 سـاعـة عـن بـاريـس بـالـطـائـرة. وتـطـورت الـطّـرق الـبـريـة : خـمـسـة أيّـام مـن بـاريـس إلى بـغـداد بـقـطـار Simplon-Orient-Taurus-Express، مـمـا يـسـمـح لـلـبـلـد بـالاتـصـال بـالـعـالـم، ويـفـتـحـه لـكـلّ الـمـسـافـريـن مـن كـلّ أرجـاء الـكـرة الأرضـيـة. وقـد سـجّـلـت مـخـافـر الـحـدود الـعـراقـيـة عـام 1935 وصـول 105 آلاف مـسـافـر مـن سـبـعـيـن جـنـسـيـة مـخـتـلـفـة”.

“وفي ظـروف الأزمـة الـحـالـيـة، والـتّـضـعـضـع الإقـتـصـادي والـبـطـالـة الـمـتـفـشّـيـة الّـتي اجـتـاحـت الـعـالـم، يـبـقى الـعـراق واحـداً مـن الـبـلـدان الـنّـادرة الّـتي تـؤمّـن إمـكـانـيـات نـجـاح وعـائـدات مـهـمّـة لـرؤوس الأمـوال الّـتي تـبـحـث عـن اسـتـثـمـارات أكـيـدة”.

“ولـفـتـح آفـاق اقـتـصـاديـة جـديـدة، وإنـشـاء مـشـاريـع زراعـيـة ومـصـانـع وشـركـات مـواصـلات ونـقـل ومـؤسـسـات مـالـيـة ضـروريـة لـتـنـمـيـة هـذه الأراضي الـشـاسـعـة الـشّـديـدة الـخـصـوبـة، نـحـتـاج إلى مـسـتـثـمـريـن يـأتـون بـصـحـبـة خـبـراء وتـقـنـيـيـن لـيـشـكـلـوا نـواة تـتـجـمـع حـولـهـا رؤوس الأمـوال الـمـحـلّـيـة”.

“ويـمـكـن أن تـقـام كـثـيـر مـن الـمـشـاريـع، وفي كـلّ الـمـيـاديـن : الـزّراعـة والـصّـنـاعـة والـتّـجـارة والـنّـقـل والـمـواصـلات وتـعـبـيـد الـطّـرق والـبـنـاء والـتّـشـيـيـد في الـمـدن … إلـخ. ومـسـانـدة الـحـكـومـة الـعـراقـيـة تـتـوجـه لـكـلّ الـمـشـاريـع الـصّـالـحـة، ولـكـلّ مـن يـرغـب في بـذل جـهـوده لـلـمـشـاركـة في تـطـويـر اقـتـصـاد هـذا الـبـلـد الّـذي يـهـدف إلى الـوصـول في الـزّمـن الـحـاضـر إلى مـكـانـتـه الّـتي كـان يـحـتـلّـهـا في الـمـاضي”.

ويـتـكـلّـم الـفـصـل الأوّل عـن حـدود الـعـراق وعـن مـسـاحـتـه (50 ألـف و 453 كـلـم. مـربـع) وعـن سـكّـانـه (ثـلاثـة مـلايـيـن وسـتـمـائـة ألـف نـسـمـة)

ويـعـرض الـفـصـل الـثّـاني إدارة الـعـراق وحـكـومـتـه، فـهـو : “مـمـلـكـة دسـتـوريـة وراثـيـة”. والـسّـلـطـة الـتّـشـريـعـيـة أسـنـدت لـ “بـرلـمـان وطـني يـتـكـوّن مـن مـجـلـسـيـن : الـنّـواب والـشّـيـوخ”. أمّـا الـسّـلـطـة الـتّـنـفـيـذيـة فـيـتـكـلّـف بـهـا “مـجـلـس الـوزراء الـمـسـؤول أمـام الـبـرلـمـان بـمـجـلـسـيـه”.

ولـكـنّـه لا يـذكـر الـسّـلـطـة الـقـضـائـيـة، هـل هي مـسـتـقـلّـة أم تـابـعـة لـلـحـكـومـة ؟ (4)

ويـحـكـم الـعـراق : “جـلالـة الـمـلـك غـازي الأوّل الّـذي خـلـف عـام 1933 أبـاه الـمـرحـوم الـمـلـك فـيـصـل الأوّل (تـوفي في بـيـرن) إبـن الـمـلـك حـسـيـن، الّـذي كـان مـلـك الـحـجـاز، وشـقـيـق عـبـد الله أمـيـر شـرق الأردن”.

“وتـنـقـسـم الـمـمـلـكـة إداريـاً إلى 14 لـواء، وعلى رأس كـلّ لـواء مـتـصـرّف يـسـتـلـم أوامـره مـن وزيـر الـدّاخـلـيـة”.

“والـعـربـيـة هي الـلـغـة الـرّسـمـيـة، ولـكـنّ الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة واسـعـتـا الإسـتـعـمـال في مـيـدان الأعـمـال والـمـبـادلات الـتّـجـاريـة مـع دول الـعـالـم”.

ومـدن الـعـراق الـرّئـيـسـيـة :

بـغـداد : الـعـاصـمـة، وتـقـع عـلى نـهـر د  جـلـة (سـكـانـهـا 340 ألـف نـسـمـة)،

الـمـوصـل : مـركـز اسـتـخـراج نـفـط، عـلى نـهـر دجـلـة (سـكـانـهـا 240 ألـف نـسـمـة)،

الـبـصـرة : مـيـنـاء عـلى شـطّ الـعـرب (سـكـانـهـا 119 ألـف نـسـمـة)،

الـسّـلـيـمـانـيـة : مـركـز زراعـة الـتّـبـغ (سـكـانـهـا 63 ألـف نـسـمـة)،

كـركـوك : آبـار نـفـط بـدأ اسـتـخـراجـه  (سـكـانـهـا 65 ألـف نـسـمـة)،

كـربـلاء  : مـديـنـة مـقـدّسـة  (سـكـانـهـا 70 ألـف نـسـمـة)،

الـنّـجـف  : نـفـس الـشّئ  (سـكـانـهـا  50 ألـف نـسـمـة)”.

الـنّـقـود

الـعـمـلـة في الـعـراق هي الـدّيـنـار الـعـراقي الّـذي يـعـادل الـبـاونـد الإسـتـرلـيـني الإنـكـلـيـزي. والـدّيـنـار ألـف فـلـس، والـنّـقـود الـمـتـداولـة قـطـع مـعـدنـيـة وأوراق مـصـرفـيـة :

الـقـطـع الـمـعـدنـيـة : 200 فـلـس و 50 فـلـس و 20 فـلـس مـن الـفـضّـة، 10 فـلـوس و 4 فـلـوس مـن مـعـدن الـنّـيـكـل، فـلـسـان وفـلـس واحـد مـن الـنّـحـاس.

الـمـعـادلات بـالـنّـقـود الإنـكـلـيـزيـة  : الـدّيـنـار يـعـادل بـاونـد إسـتـرلـيـني  pound sterling. وخـمـسـون فـلـسـاً تـعـادل شـلـنـغ shilling، وأربـعـة فـلـوس و 166 تـعـادل بـني penny.

ولـجـنـة الـنّـقـود الـعـراقـيـة  Iraq Currency Board الّـتي مـقـرّهـا في لـنـدن، يـحـق لـهـا إصـدار عـمـلات ورقـيـة : 100 ديـنـار، و 10 دنـانـيـر، و 5 دنـانـيـر، وديـنـار واحـد، ونـصـف ديـنـار، وربـع ديـنـار يـمـكـن تـحـويـلـهـا إلى بـاونـدات اسـتـرلـيـنـيـة وفـقـاً لـقـانـون عـام 1931 الّـذي أبـدل بـهـا “روبـيـة” الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة الّـتي أدخـلـتـهـا قـوّات الإحـتـلال الـبـريـطـانـيـة خـلال الـحـرب [الـعـالـمـيـة الأولى] والّـتي اسـتـمـرّ اسـتـعـمـالـهـا حـتّى 1 نـيـسـان 1931.

وقـد جـرى الـتّـغـيـيـر مـن عـمـلـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة إلى الـعـمـلـة الـوطـنـيـة الـعـراقـيـة بـبـطء واقـتـضى وقـتـاً طـويـلاً لـتـحـاشي الإضـطـرابـات الـمـالـيـة. وقـد حـددت نـسـبـة الإبـدال الـنّـقـدي لـلـروبـيـة بـخـمـسـة وسـبـعـيـن فـلـسـاً مـمـا سـهّـل الـحـسـابـات.

وتـقـدّر كـمـيـة الـنّـقـود الـهـنـديـة الّـتي كـانـت مـسـتـعـمـلـة في الـبـلـد قـبـل إصـدار الـنّـظـام الـنّـقـدي الـجـديـد بـ 39 مـلـيـونـاً وتـسـعـمـائـة وثـمـانـيـة وثـلاثـيـن ألـف روبـيـة أي مـا يـعـادل ثـلاثـة مـلايـيـن بـاونـد اسـتـرلـيـني تـقـريـبـاً.

وقـد أصـدرت الـحـكـومـة قـرارات خـاصـة تـتـعـلّـق بـاسـتـعـمـال الـنّـقـود الـهـنـديـة لـشـراء بـاونـدات أسـتـرلـيـنـيـة دخـلـت الـخـزيـنـة كـرصـيـد تـأمـيـن لـقـيـمـة الـعـمـلـة الـعـراقـيـة الـجـديـدة.

ولـم يـتـوقـف تـداول الـرّوبـيـة نـهـائـيـاً إلّا في تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1933، عـنـدمـا صـدر قـانـون بـسـحـبـهـا وبـمـنـع اسـتـعـمـالـهـا.

وقـد اسـتـمـرّ اسـتـعـمـال الـلـيـرة الـذّهـبـيـة الـعـثـمـانـيـة وخـاصـة بـيـن عـرب الـعـشـائـر الّـذيـن لـم تـفـلـح الـمـحـاولات في فـرض الـرّوبـيـة الـهـنـديـة عـلـيـهـم. ولـكـن نـتـج عـن زيـادة الـطّـلـب عـلى الـذهـب في أوربـا بـيـع كـمـيـات كـبـيـرة مـن هـذه الـلـيـرات وتـصـديـرهـا، وبـيـنـمـا لـم تـكـن قـيـمـة الـلـيـرة الّـذهـبـيـة قـبـل انـهـيـار الـبـاونـد الإسـتـرلـيـني تـتـجـاوز 12 روبـيـة، أصـبـحـت الآن تـبـاع في الـسّـوق الـمـحـلـيـة بـعـشـريـن روبـيـة، أي مـا يـعـادل ديـنـاراً ونـصـف.

الـبـنـوك الـرّئـيـسـيـة :

الـبـنـك الـعـثـمـاني : الّـذي لـه مـقـرّان في بـاريـس ولـنـدن، ولـه فـروع في الـعـراق، في بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، والّـذي لـه الـنّـصـيـب الأكـبـر في الـمـعـامـلات والـمـبـادلات مـع الـخـارج.

: The Eastern Bank, Ltd

مـقـره في لـنـدن، وفـروعـه في الـعـراق في بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل وكـركـوك والـحـلّـة والـعـمـارة. مـعـامـلات ومـبـادلات مـالـيـة مـحـلّـيـة وعـالـمـيـة.

: The Imperial Bank of Iran

والّـذي كـان اسـمـه بـنـك بـلاد فـارس، مـقـرّه في لـنـدن، وإدارتـه في طـهـران، وفـروعـه في الـعـراق في بـغـداد والـبـصـرة، ويـخـتـص بـالـجـزء الأكـبـر مـن الـمـعـامـلات مـع إيـران.

الـبـنـك الـزّراعي الـصّـنـاعي :

مـؤسـسـة حـكـومـيـة أنـشـئـت عـام 1936 لـتـنـمـيـة الـزّراعـة والـصّـنـاعـة. يـمـنـح قـروضـاً ويـتـكـفّـل بـالـوسـاطـة في مـبـادلات الـمـنـتـوجـات الـزّراعـيـة والـصّـنـاعـيـة.

الـبـورصـة :

أنـشـئـت “بـورصـة الـتّـجـارة” عـام 1936، وربـطـت بـوزارة الـمـالـيـة. وتـرتـبـط نـشـاطـاتـهـا بـالـمـنـتـوجـات الـزّراعـيـة، وهي تـشـرف عـلى عـمـلـيـات الـبـيـع والـشّـراء بـيـن الـمـزارعـيـن الـمـنـتـجـيـن وتـجّـار الـجـمـلـة.

الـمـوازيـن والـمـقـايـيـس :

أصـبـح الـنّـظـام الـمـتـري الـعـشـري إجـبـاريـاً في الـعـراق مـنـذ عـام 1931، ولـكـن نـظـام الـمـقـايـيـس الإنـكـلـيـزيـة وبـعـض الأنـظـمـة الـمـحـلّـيـة مـا زالـت تـسـتـعـمـل إلى جـانـبـه.

طـرق الـمـواصـلات :

الـمـسـالـك الـبـحـريـة : مـيـنـاء الـبـصـرة،

الـبـصـرة بـوابـة الـعـراق الـبـحـريـة. ويـمـتـد مـيـنـاؤهـا، الّـذي شـيّـد بـطـريـقـة حـديـثـة بـعـد الـحـرب، مـن الـخـلـيـج إلى مـا يـقـارب 170 كـلـم. صـعـوداً في شـطّ الـعـرب. ويـحـفـر قـاع الـشّـطّ ويـنـظّـف بـاسـتـمـرار لـتـمـرّ بـه سـفـن كـبـيـرة. وتـمـرّ بـالـمـيـنـاء بـانـتـظـام سـفـن تـجـاريـة تـابـعـة لـعـدّة خـطـوط بـحـريـة عـالـمـيـة.

وتـتـكـفّـل خـدمـات سـفـن الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة  The British India بـتـأمـيـن الـخـطّ الـرئـيـسي بـيـن الـبـصـرة وبـومـبـاي في الـهـنـد. ومـيـنـاء بـومـبـاي مـركـز مـهـمّ تـمـرّ بـه سـفـن كـلّ الـشّـركـات الـبـحـريـة الأوربـيـة تـقـريـبـاً. ولإغـلـب هـذه الـشّـركـات خـدمـات نـقـل مـبـاشـرة بـيـن الـبـصـرة والـمـوانئ الأوربـيـة وخـاصـة الإنـكـلـيـزيـة.

وتـسـتـعـمـل ثـلاث شـركـات يـابـانـيـة مـهـمّـة مـيـنـاء الـبـصـرة، وقـد فـتـحـت شـركـة نـقـل هـولـنـديـة في الـفـتـرة الأخـيـرة خـطّـاً بـيـن جـاوة ــ سـنـغـافـورة ــ الـبـصـرة.

وتـمـرّ حـوالي ألـف سـفـيـنـة ضـخـمـة بـمـيـنـاء الـبـصـرة سـنـويـاً ومـن ضـمـنـهـا سـفـن خـزّانـات شـركـات الـنّـفـط، تـنـقـل حـوالي سـتّـة مـلايـيـن طـنّ مـن الـسّـلـع والـبـضـائـع والـمـنـتـوجـات.

وتـجـد كـلّ الـسّـفـن الـكـبـيـرة دائـمـاً في مـدخـل الـمـيـنـاء سـفـيـنـة قـيـادة تـتـقـدّمـهـا لـتـدلّـهـا عـلى أرصـفـة تـفـريـغ الـحـمـولات. وقـد شـيّـدت الأرصـفـة بـأخـشـاب الـسّـاج الـشّـديـدة الـصّـلابـة والّـتي اسـتـوردت مـن الـهـنـد الـصّـيـنـيـة (الّـتي كـانـت تـحـت الـسّـيـطـرة الـفـرنـسـيـة) ومـن سـيـام، وتـمـتـدّ 5000  قـدم بـمـحـاذاة الـبـحـر وبـعـمـق 26 قـدمـاّ.

وتـصـل خـطـوط الـسّـكـك الـحـديـديـة مـبـاشـرة إلى أرصـفـة الـمـيـنـاء الّـتي عـلـيـهـا رافـعـات بـخـاريـة يـمـكـنـهـا تـفـريـغ عـشـريـن سـفـيـنـة في نـفـس الـوقـت، مـمـا يـسـهّـل نـقـلاً مـبـاشـراً وسـريـعـاً لـلـبـضـائـع بـالـقـطـارات نـحـو كـلّ أرجـاء الـعـراق وشـمـال إيـران.

والـمـكـوس الّـتي تـجـبى في الـمـيـنـاء هي حـوالي 100 فـلـس عـلى طـنّ الـبـضـائـع الـمـسـتـوردة، و25 فـلـسـاً عـلى طـنّ الـبـضـائـع الـمـصـدّرة.

الـسّـكـك الـحـديـديـة :

يـمـتـلـك الـعـراق  ألـفـاً و 800 كـلـم. مـن الـسّـكـك الـحـديـديـة تـتـكـلّـف بـهـا إدارة “الـسّـكـك الـحـديـديـة لـلـدّولـة الـعـراقـيـة” الـمـرتـبـطـة بـوزارة الإقـتـصـاد والـمـواصـلات.

ويـربـط الـخـطّ الـرّئـيـسي بـغـداد بـالـبـصـرة. ومـن بـغـداد يـصـعـد خـطّ آخـر بـمـحـاذاة دجـلـة إلى الـبـيـجي. وقـد بـدأ في الـفـتـرة الأخـيـرة مـشـروع إكـمـال الـخـطّ مـن الـبـيـجي إلى تـل كـوشـك. وسـيـتـحـقـق اتّـصـال مـبـاشـر بـ      Simplon-Orient-Taurus-Express ، لـلـتّـوصـل إلى خـطّ مـسـتـمـرّ مـن الـبـصـرة ــ بـغـداد ــ الـمـوصـل ــ حـلـب ــ إسـطـنـبـول ــ أوربـا، بـاتّـبـاع مـا كـان يـنـبـغي أن يـحـقـقـه الـمـشـروع الألـمـاني “Bagdad-Bahn” : بـرلـيـن ــ إسـطـنـبـول بـغـداد. (6)

أمّـا عـن مـشـروع خـطّ الـسّـكـك الـحـديـديـة عـبـر الـصّـحـراء مـن بـغـداد إلى حـيـفـا (في فـلـسـطـيـن) فـقـد تـرك تـمـامـاً.

وهـنـاك خـطّ آخـر يـوصـل بـغـداد بـخـانـقـيـن بـاتّـجـاه الـحـدود الإيـرانـيـة، ومـن خـانـقـيـن يـتـجـه خـطّ آخـر إلى كـركـوك.

طـريـق الـصّـحـراء :

تـربـط بـغـداد بـسـوريـا، ومـنـهـا إلى مـوانئ الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط  خـدمـات لـنـقـل الـمـسـافـريـن بـالـسّـيّـارات وبالـبـاصـات، ولـنـقـل الـبـضـائـع بـالـشّـاحـنـات. وتـدوم الـسّـفـرة بـيـن 22 و 30 سـاعـة. وتـغـادر وسـائـل الـنّـقـل بـغـداد مـرتـيـن في الأسـبـوع، كـمـا تـصـلـهـا مـن الإتـجـاه الـمـعـاكـس مـرتـيـن في الأسـبـوع أيـضـاً. وتـسـتـمـر هـذه الـخـدمـات نـحـو إيـران عـن طـريـق خـانـقـيـن وقـصـر شـيـريـن وهـمـدان ثـمّ طـهـران. وتـدوم الـسّـفـرة مـن بـغـداد إلى طـهـران يـومـيـن ونـصـف تـقـريـبـاً (1000 كـلـم.).

وقـد تـنـامى عـدد الـمـسـافـريـن في الـعـراق بـنـسـب مـدهـشـة، فـلـم يـكـن يـزور الـعـراق قـبـل الـحـرب إلّا أقـلّ مـن 1000 مـسـافـر، بـيـنـمـا يـمـرّ الآن بـمـخـافـر الـحـدود أكـثـر مـن مـائـة ألـف مـسـافـر مـن مـخـتـلـف الـجـنـسـيـات. وتـنـامى نـقـل الـمـسـافـريـن عـلى طـريـق سـوريـا ــ الـعـراق حـتّى أصـبـحـت الـطّـريـق الّـتي اخـتـارهـا أكـثـر الـسّـوّاح (ثـلاثـون ألـف مـسـافـر عـام 1935).

الـمـسـالـك الـنّـهـريـة :

تـنـقـل أعـداد مـن الـسّـفـن الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع بـيـن الـبـصـرة وبـغـداد عـن طـريـق شـطّ الـعـرب ونـهـر دجـلـة. ويـمـكـن لـلـبـواخـر والـسّـفـن الـشّـراعـيـة الـصّـعـود مـن بـغـداد إلى الـمـوصـل عـن طـريـق دجـلـة في فـتـرات طـويـلـة مـن الـسّـنـة. ويـمـكـن أيـضـاً الـمـلاحـة عـلى جـزء مـن نـهـر الـفـرات.

وتـتـكـفّـل بـنـقـل الـمـسـافـريـن بـيـن الـبـصـرة وبـغـداد أربـع شـركـات لـلـنـقـل الـنّـهـري.

الـخـطـوط الـجـوّيـة :

أصـبـحـت بـغـداد مـركـزاً مـهـمّـاً لـلـنـقـل الـجـوي بـفـضـل مـوقـعـهـا الـجـغـرافي بـيـن أوربـا وآسـيـا. ويـتـوقّـف في مـطـارهـا الّـذي زوّد بـأحـدث الـمـعـدّات شـهـريّـاً حـوالي مـائـة طـائـرة نـقـل لـلـمـسـافـريـن أو لـلـبـريـد، مـن غـيـر أن نـدخـل في حـسـابـنـا أعـداداّ كـبـيـرة مـن الـطّـائـرات الـخـصـوصـيـة.

وتـحـطّ في مـطـار بـغـداد طـائـرات ثـلاثـة خـطـوط جـوّيـة عـالـمـيـة مـهـمّـة ذهـابـاً وإيـابـاً :

أ . الـخـطـوط الـجـوّيـة الـفـرنـسـيـة   Compagnie Air- France :

الـخـدمـة الأسـبـوعـيـة مـرسـيـلـيـا ــ سـايـغـون. تـغـادر الـطّـائـرات مـرسـيـلـيـا (فـرنـسـا) يـوم الـخـمـيـس وتـصـل إلى بـغـداد يـوم الـسّـبـت.

ب . الـخـطـوط الـجـوّيـة الإمـبـريـالـيـة  Imperial Airways :

مـرتـيـن في الأسـبـوع : لـنـدن ــ الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة ــ سـنـغـافـورة ــ أسـتـرالـيـا، تـغـادر الـطّـائـرات لـنـدن يـومَي الأربـعـاء والـسّـبـت وتـصـل إلى بـغـداد يـومَي الـسّـبـت والـثّـلاثـاء.

ج .  K.L.M. :

مـرتـيـن في الأسـبـوع بـيـن أمـسـتـردام والـهـنـد الـهـولـنـديـة، تـغـادر الـطّـائـرات أمـسـتـردام يـومَي الأربـعـاء والـسّـبـت، وتـصـل إلى بـغـداد يـومَي الـجـمـعـة والإثـنـيـن.

وهـنـاك خـطّ رابـع شـرعـت شـركـة لـوفـت هـانـزا Lufthansa الألـمـانـيـة في إنـشـائـه بـيـن بـرلـيـن ــ بـغـداد ــ كـابـل (أفـغـانـسـتـان).

كـمـا أنّ هـنـاك خـطّـان في داخـل الـشّـرق الأدنى : بـغـداد ـ دمـشـق، وتـقـوم بـه الـخـطـوط الـجـويـة الـفـرنـسـيـة، وبـغـداد ــ فـلـسـطـيـن ــ مـصـر وتـقـوم بـه الـخـطـوط الـجـويـة الـمـصـريـة  Misr Airworks.

وفي الـبـصـرة مـطـار حـديـث جـدّاً تـحـطّ فـيـه الـطّـائـرات والـطّـائـرات الـمـائـيـة، وتـمـرّ بـه أحـيـانـاً طـائـرات الـخـطـوط الـجـوّيـة الـعـالـمـيـة الـثّـلاث. والـبـصـرة بـمـوقـعـهـا عـلى طـريـق الـهـنـد والـشّـرق الأقـصى لـهـا مـطـار يـمـكـن اعـتـبـاره لـشـدّة حـداثـتـه وجـودة مـعـدّاتـه مـن بـيـن أفـضـل مـطـارات الـعـالـم. وعـبّـدت أرصـفـة الـهـبـوط  والإقـلاع فـيـه بـالأسـفـلـت. وهي أطـول الأرصـفـة في الـشّـرق وأعـرضـهـا وأشـدّهـا مـقـاومـة لأسـوء الإضـطـرابـات الـجـوّيـة. وفـيـه أيـضـاً حـوض لـهـبـوط الـطّـائـرات الـمـائـيـة مـرتـبـط بـبـاقي الـمـطـار عـبـر مـمـرّات مـسـقّـفـة. وفي داخـل الـمـطـار فـنـدق حـديـث لـيـقـضي فـيـه الـمـسـافـرون الـلـيـل.

الإتـصـالات الـلاسـلـكـيـة :

حـقـق الـعـراق مـنـذ عـام 1922 إتـصـالات لاسـلـكـيـة بـالـعـالـم عـبـر شـبـكـة شـركـة مـاركـوني الـمـعـتـرف بـهـا عـالـمـيـاً والـمـسـتـقـرّة في مـصـر               The Marconi Radio Telegraph Company of Egypt S.A.E.

وتـنـقـل الإدارة الـعـراقـيـة الـبـرقـيـات مـن بـغـداد إلى مـحـطـة مـاركـوني في الـقـاهـرة، ومـن هـنـاك تـرسـلـهـا الـشّـركـة بـخـدمـاتـهـا في الـدّول الأوربـيـة وبـارتـبـاطـهـا بـالـشّـركـة الـعـالـمـيـة « Cable and Wireless Limited » إلى الـجـهـات الـمـرسـلـة لـهـا في كـلّ أرجـاء الـعـالـم.

الإتـصـالات الـهـاتـفـيـة :

تـقـوم نـفـس شـركـة مـاركـوني بـالاتـصـالات الـهـاتـفـيـة بـيـن الـعـراق وبـلـدان أوربـا. ويـمـرّ الـعـراق بـمـحـطـة الـقـاهـرة الّـتي تـحـوّل اتـصـالاتـه الـهـاتـفـيـة إلى أروبـا.

وارادت الـدّولـة الـرّئـيـسـيـة :

تـشـكّـل الـمـكـوس الّـتي تـجـبى عـلى حـدود الـدّولـة عـلى الـبـضـائـع والـمـسـافـريـن الـواردات الـرّئـيـسـيـة الّـتي تـدخـل في خـزيـنـة الـدّولـة. وهي في ازديـاد مـسـتـمـر، فـقـد كـانـت في 1931/1932 : مـلـيـونـاً و 858 ألـف و 384 ديـنـاراً، ووصـلـت في 1935/1936 إلى : مـلـيـونـيـن و543 ألـف و206 ديـنـار، وهي تـمـثّـل نـصـف الـعـائـدات. وكـانـت الـمـكـوس عـلى الـنّـشـاطـات الـزّراعـيـة ومـن بـيـنـهـا أربـاح تـأجـيـر الأراضي الـحـكـومـيـة تـدرّ قـبـل 12 سـنـة مـا يـقـارب 30 بـالـمـائـة الـواردات، ولـكـنّـهـا لا تـدرّ الآن أكـثـر مـن 18 بـالـمـائـة إلى عـشـريـن بـالـمـائـة.

إنـفـاقـات الـدّولـة الـرّئـيـسـيـة :

مـا عـدا مـشـاريـع الأشـغـال الـمـهـمّـة ذات الـمـنـافـع الـعـمـومـيـة (جـسـور، أبـنـيـة، مـسـتـشـفـيـات، سـدود وأعـمـال ري) يـعـود الـجـزء الأكـبـر مـن الـنّـفـقـات إلى وزارة الـدّفـاع، ثـمّ تـأتي الـشّـرطـة بـعـدهـا وتـنـفـق 12 بـالـمـائـة مـن الـعـائـدات، أمّـا وزارة الـمـعـارف الـعـمـومـيـة فـلا تـأتي إلّا في الـمـرتـبـة الـثّـالـثـة، رغـم أنّ نـفـقـاتـهـا في ارتـفـاع مـسـتـمـر.

الـحـالـة الإقـتـصـاديـة :

يـعـتـمـد اقـتـصـاد الـعـراق الـحـديـث عـلى ثـلاثـة مـوارد أسـاسـيـة : الـزّراعـة وتـربـيـة الـمـواشي ومـرور الـبـضـائـع والأشـخـاص.

ويـتـوصـل إلى الـتّـوازن في مـيـدان الـزّراعـة بـفـضـل مـبـيـعـات الـتّـمـور إلى الـبـلـدان الأجـنـبـيـة، فـالـتّـمـور تـشـكّـل أهـمّ مـصـدرات الـعـراق، وكـذلـك بـفـضـل تـصـديـر الـشّـعـيـر إلى إنـكـلـتـرة.

وتـأتي الـواردات في مـيـدان تـربـيـة الـحـيـوانـات مـن تـصـديـر الـصّـوف الـمـسـتـعـمـل أغـلـبـه في صـنـع الـسّـجـاجـيـد في الـخـارج، ويـسـتـعـمـل الـقـلـيـل الـبـاقي في إنـتـاج أنـواع مـن الأقـمـشـة.

أمّـا مـرور الـبـضـائـع فـهـو في أغـلـبـه نـحـو إيـران، ولـكـنّ كـمـيـة الـمـكـوس الّـتي تـجـبى عـلـيـه انـخـفـضـت انـخـفـاضـاً كـبـيـراً في الـسّـنـوات الأخـيـرة، بـعـد أن بـذلـت الـحـكـومـة الإيـرانـيـة جـهـودهـا لإخـراج تـجـارتـهـا مـن تـبـعـيـتـه لـلـعـراق. وقـد شـقّـت إيـران عـام 1929 طـريـقـاً عـريـضـة لـتـسـلـكـهـا الـشّـاحـنـات الـثّـقـيـلـة مـن مـيـنـاءيـهـا في الأهـواز والـمـحـمّـرة نـحـو طـهـران. كـمـا أنـشـأت في بـنـدر شـابـور عـلى الـخـلـيـج، جـنـوب شـرق شـطّ الـعـرب، مـيـنـاءً جـديـداً سـيـصـل إلـيـه الـخـطّ الـحـديـدي الّـذي بـدأ تـشـيـيـده والّـذي سـيـخـتـرق إيـران مـن الـجـنـوب إلى الـشّـمـال.

الـتّـجـارة الـخـارجـيـة :

يـسـتـورد الـعـراق أكـثـر مـمـا يـصـدّر، ولـكـنّ الـخـلـل الـشّـديـد في الـتّـوازن الـتّـجـاري تـخـفـفـه الأربـاح الـمـجـنـيّـة مـن مـرور الـبـضـائـع والأشـخـاص، ومـا يـنـفـقـه الـزّوّار الأجـانـب لـلـمـدن الـدّيـنـيـة الـشّـيـعـيـة، ومـا تـنـفـقـه قـوّات الـجـيـش الـبـريـطـاني، وشـركـات الـنّـفـط الأجـنـبـيـة الّـتي تـعـمـل في الـعـراق.

الـمـسـتـوردات :

يـسـتـورد الـعـراق خـاصّـة : الأقـمـشـة الـقـطـنـيـة والـحـديـد ومـعـادن أخـرى، والـمـكـائـن والـسّـكّـر والـمـلابـس والـسّـيّـارات وقـطـع غـيـاراتـهـا، والـشّـاي والأقـمـشـة الـصّـوفـيـة والأخـشـاب والـبـنـزيـن والـزّيـوت والـمـواد الـكـيـمـيـائـيـة والأدويـة والإسـمـنـت والـمـطـاط (ومـن ضـمـنـه إطـارات الـعـجـلات)، والـصّـنـاديـق الـخـشـبـيـة لـلـتّـمـور، والـصّـابـون والـحـيـوانـات (الـحـيّـة) والـحـريـر الـطـبـيـعي والـورق، والـورق الـمـقـوّى والـمـنـاديـل والـيـشـامـغ  Yachmaghs.

والـبـلـدان الّـتي تـسـتـوردهـا مـنـهـا هي : بـريـطـانـيـا الـعـظـمى والـيـابـان وإيـران والـهـنـد الـبـريـطـانـيـة والـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة وألـمـانـيـا وبـلـجـيـكـا وهـولـنـدة وجـاوة وسـوريـا ومـصـر وتـشـيـكـوسـلـوفـاكـيـا وفـرنـسـا وإيـطـالـيـا والـسّـويـد والإتـحـاد الـسّـوفـيـيـتي ورومـانـيـا وسـيـلان وتـركـيـا وأسـتـرالـيـا والـنّـمـسـا وسـويـسـرة والـجـزيـرة الـعـربـيـة والـدنـمـارك والـنّـرويـج وفـلـسـطـيـن وشـرق الأردن وبـولـنـدة والـصّـيـن والـيـونـان وبـلـدان أخـرى.

الـصّـادرات :

يـصـدر الـعـراق : الـتّـمـور والـحـبـوب (الـحـنـطـة والـشّـعـيـر) والـجـلـود (الـمـدبـوغـة وغـيـر الـمـدبـوغـة) والـزّيـوت وعـرق الـسّـوس والأمـعـاء والـمـصـاريـن والـبـذور والـقـطـن الـخـام والـعـفـنـص.

والـبـلـدان الّـتي تـصـدّر إلـيـهـا هي : بـريـطـانـيـا الـعـظـمى والـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة والـهـنـد الـبـريـطـانـيـة وفـلـسـطـيـن وشـرق الأردن وإيـران وسـوريـا والـجـزيـرة الـعـربـيـة وفـرنـسـا وألـمـانـيـا ومـصـر والـجـزائـر والـمـغـرب وكـنـدا وبـلـجـيـكـا وأسـتـرالـيـا وإيـطـالـيـا ونـيـوزيـلـنـدة ومـوانئ الـسّـودان وتـركـيـا وتـونـس وبـلـدان أخـرى.

الـزّراعـة :

مـسـاحـة الأراضي الـخـصـبـة تـقـدّر بـ 92 ألـف كـلـم. مـربـع (مـسـاحـة الـعـراق بـكـامـلـه : 453 ألـف و 500 كـلـم. مـربـع). وتـنـقـسـم إلى نـوعـيـن يـمـكـن تـنـمـيـة الـزّراعـة فـيـهـمـا بـنـجـاح :

أ . مـنـاطـق الـشّـمـال الّـتي تـهـطـل عـلـيـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الأمـطـار والّـتي تـرويـهـا أيـضـاً روافـد وجـداول تـنـحـدر مـن الـجـبـال، ويـمـكـن أيـضـاً أن تـسـقى بـمـكـائـن الـرّي. ومـسـاحـتـهـا حـوالي 41 ألـف كـلـم. مـربـع.

ب . مـنـاطـق الـجـنـوب الّـتي تـحـتـاج إلى الـرّي. وهي أراضي غـريـنـيـة تـقـع بـيـن نـهـري دجـلـة والـفـرات، ومـسـاحـتـهـا حـوالي   51 ألـف كـلـم. مـربـع.

وتـمـتـد مـنـطـقـة زراعـة الـنّـخـيـل بـيـن بـغـداد والـبـصـرة. وحـول الـبـصـرة تـقـع أهـمّ وأوسـع غـابـات الـنّـخـيـل. وتـعـتـبـر تـجـارة الـتّـمـور مـن مـوارد الـعـراق الـرّئـيـسـيـة، ويـنـتـج في الـبـلـد  %80  مـن الـتّـمـور الـمـسـتـهـلـكـة في الـعـالـم. وتـقـدّر عـائـدات تـصـديـر الـتّـمـور بـمـلـيـونَي بـاونـد إسـتـرلـيـني سـنـويـاً.

ومـن أهـم الإنـتـاجـات الـزّراعـيـة في الـعـراق الـحـبـوب (الـقـمـح والـذّرة الـبـيـضـاء والـشّـعـيـر والـرّز والـدُّخـن والـذّرة الـصّـفـراء)، والـفـواكـه مـثـل الـتّـمـور والـنّـارنـج والـبـرتـقـال … إلـخ، والـكـروم والـتّـبـغ والـعـفـنـص وعـرق الـسّـوس … إلـخ، والـقـطـن.

وتـنـبـت عـلى أرض الـعـراق مـا يـقـارب الـثّـلاثـيـن مـلـيـون نـخـلـة، تـنـتـج كـلّ واحـدة مـنـهـا بـيـن 60 و70 كـلـغـم. سـنـويـاً. ويـصـل إنـتـاج الـتّـمـور الـسّـنـوي بـأنـواعـهـا الـمـخـتـلـفـة إذن إلى مـائـتي ألـف طـنّ، 150 ألـف طـنّ مـنـهـا يـنـتـج في مـنـطـقـة الـبـصـرة.

تـربـيـة الـمـواشي :

أنـواع الـحـيـوانـات الّـتي تـشـكّـل قـطـعـان الـمـواشي في الـعـراق هي الأغـنـام والأبـقـار والـجـامـوس والـخـيـول والـجـمـال.

والـقـطـعـان الأكـثـر أهـمـيـة مـن بـيـنـهـا هي الأغـنـام (ثـلاثـة عـشـر مـلـيـون رأس) والّـتي تـنـتـج صـوفـاً جـيـد الـنّـوعـيـة. وتـقـدر كـمـيـة الـصّـوف الـمـنـتـج سـنـويـاً بـحـوالي 35 ألـف بـالـة. كـلّ بـالـة مـنـهـا تـزن 150 كـلـغـم. وهي تـنـتـج في مـعـظـمـهـا في مـنـطـقـة الـمـوصـل، وتـصـدر ثـلاثـة أخـمـاسـهـا إلى الـخـارج، بـيـنـمـا يـسـتـعـمـل الـبـاقي الـصّـنـاعـة الـمـحـلـيـة. ويـصـدّر جـزء مـنـه بـعـد تـصـنـيـعـه الـمـحـلي إلى الـخـارج، وخـاصـة إلى سـوريـا وفـلـسـطـيـن.

الـصّـنـاعـات الـتّـحـويـلـيـة :

كـانـت الـصّـنـاعـات الـعـراقـيـة في غـالـبـيـتـهـا بـدائـيـة. وكـانـت مـنـظـمـة حـول الـنّـواة الـعـائـلـيـة ولا تـنـتـج إلّا لـسـد حـاجـة الإسـتـهـلاك الـمـحـلي، مـثـل الـحـيـاكـة (حـريـر وصـوف وقـطـن) والـدّبـاغـة والـصّـيـاغـة والـرّخـامـيـات (الـمـرمـر).

ولاهـتـمـام الـحـكـومـة الـعـراقـيـة بـخـفـض نـسـبـة اسـتـيـراد الـسّـلـع الـمـصـنّـعـة مـن الـخـارج فـقـد شـجّـعـت خـاصـة الـتّـنـمـيـة الإقـتـصـاديـة لـلـبـلـد. وقـد شُـرّع قـانـون لـتـشـجـيـع إنـشـاء الـشّـركـات الـصّـنـاعـيـة بـإعـفـائـهـا مـن دفـع الـضّـرائـب ومـن دفـع الـجـمـارك عـلى الـبـضـائـع والآلات الّـتي تـحـتـاجـهـا.

وقـد بـدأ مـنـذ عـدّة سـنـوات ظـهـور صـنـاعـات تـحـويـلـيـة بـدأت تـنـمـو بـصـورة مـسـتـمـرّة.

وإلى جـانـب الـشّـركـات الـصّـنـاعـيـة الـخـاصّـة والّـتي تـزداد أعـدادهـا بـفـضـل الـقـوانـيـن الّـتي تـحـمـيـهـا، فـقـد شـاركـت الـحـكـومـة مـبـاشـرة في إنـشـاء مـصـانـع جـديـدة وفي اسـتـخـراج الـثّـروات الـمـعـدنـيـة… إلـخ.

والـصّـنـاعـات الـمـوجـودة حـالـيـاً هي : مـعـامـل الـنّـسـيـج وإنـتـاج الـسـجـائـر والـجـلـود الـمـدبـوغـة والـصّـابـون والـطّـابـوق. وتـسـعى الـحـكـومـة أيـضـاً إلى إنـشـاء مـعـامـل جـديـدة لـلـنـسـيـج الـصّـوفي والـقـطـني والـحـريـر الـصّـنـاعي، ومـعـمـل لإنـتـاج الإسـمـنـت.

ثـروات مـا في بـاطـن الأرض :

يـحـتـوي بـاطـن أرض الـعـراق عـلى ثـروات لـم يـسـتـخـرج مـنـهـا بـعـد إلّا الـقـلـيـل.  ويـبـدو أنّ فـيـه كـمـيـات مـهـمّـة مـن الـكـبـريـت والـنّـحـاس والـفـضّـة والـقـار والـجـبـس.

وتـقـع كـركـوك في وسـط مـنـطـقـة في أعـمـاقـهـا مـخـزون نـفـط سـيـسـتـخـرج ويـصـدر في الـمـسـتـقـبـل عـن طـريـق الـخـلـيـج الّـذي أنـشـئـت فـيـه حـقـول اسـتـثـمـار شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة ــ الإيـرانـيـة  The Anglo-Iranian Oil Co.

وقـد تـأسـسـت ثـلاث شـركـات مـنـحـتـهـا الـحـكـومـة الـعـراقـيـة امـتـيـازات اسـتـثـمـار نـفـط الـبـلـد :

: Iraq Petroleum Company

وهي شـركـة أسـسـت بـعـد عـقـد مـعـاهـدات سـان ريـمـو (عـام 1920)، وكـان أسـمـهـا في الأصـل « The Turkish Petroleum Company ». وقـد شـاركـت في تـأسـيـسـهـا مـالـيـاً أربـع مـجـمـوعـات أجـنـبـيـة : فـرنـسـيـة وانـكـلـيـزيـة وهـولـنـديـة وأمـريـكـيـة، كـلّ واحـدة بـنـسـبـة  % 23,75،  واحـتـفـظ بـالـخـمـسـة بـالـمـائـة الـبـاقـيـة الـسّـيّـد كـولـبـنـكـيـان  Gulbenkian، صـاحـب الإمـتـيـاز الأصـلي.

وتـمـتـد مـنـطـقـة امـتـيـازاتـهـا عـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة لـدجـلـة عـلى مـسـاحـة تـقـارب 90 ألـف كـلـم. مـربـع. وتـدوم الإمـتـيـازات 75 عـامـاً إبـتـداءً بـعـام 1924.

وقـد نـقـلـت أنـابـيـب الـنّـفـط  The Pipe-line،ثـلاثـة مـلايـيـن و 500 ألـف الّـتي دشـنـت في كـانـون الـثّـاني عـام 1935، خـلال هـذه الـسّـنـة  طـنّـاً مـن الـنّـفـط الـخـام نـحـو مـيـنـاء طـرابـلـس ومـيـنـاء حـيـفـا عـلى الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط. وكـانـت الـكـمـيـة الـمـصـدرة في الـعـام الـمـاضي، 1936، قـد بـلـغـت  ثـلاثـة مـلايـيـن و 900 ألـف طـنّ، أي مـا يـقـارب الـحـجـم الأقـصى لإمـكـانـيـات الأنـابـيـب الّـتي لا يـمـكـنـهـا نـقـل أكـثـر مـن أربـعـة مـلايـيـن طـنّ. ولـمـواجـهـة زيـادة الإنـتـاج والـتّـصـديـر نـحـو طـرابـلـس وحـيـفـا فـقـد بـدأ الـعـمـل عـلى إنـشـاء أنـابـيـب إضـافـيـة تـعـادل الـمـوجـودة حـالـيـاً.

وتـدفـع الـشّـركـة لـلـحـكـومـة الـعـراقـيـة عـائـدات royality تـصـل إلى 4 شـلـنـغـات Shillings  ذهـبـيـة عـلى كـلّ طـنّ مـصـدر. وقـد اسـتـلـم الـعـراق عـام 1935 مـبـلـغ  700 ألـف جـنـيـه إسـتـرلـيـني ذهـبي.

: Khanaqin Oil C° LTD

وهـذه الـشّـركـة فـرع مـن شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة ــ الإيـرانـيـة                   The Anglo-Iranian Oil Co، وتـسـتـخـرج الـنّـفـط عـلى الـحـدود الإيـرانـيـة وتـمـتـلـك مـصـافي تـوفـر لـلـعـراق اسـتـهـلاكـه الـمـحـلّي . وتـقـوم شـركـة الـرّافـديـن  The Rafidain Oil Company LTD الـتّـابـعـة لـشـركـة خـانـقـيـن بـتـوزيـعـه في الـعـراق.

وقـد بـلـغ إنـتـاج شـركـة خـانـقـيـن عـام 1935 :  92،000 طـنّـاً.

 : Mosul Oil Fields LTD

وهي شـركـة مـرتـبـطـة بـشـركـة تـنـمـيـة الـنّـفـط الـبـريـطـانـيـة                     The British Oil Development (B.O.D.).  وقـد أنـشـئـت لاسـتـثـمـار الـنّـفـط عـلى الـضّـفـة الـشّـرقـيـة لـدجـلـة بـمـشـاركـة مـجـمـوعـة مـن الـشّـركـات الـعـالـمـيـة. وقـد دفـعـت لـلـحـكـومـة الـعـراقـيـة خـلال الـسّـنـة الـمـالـيـة 1936/ 1937 : 300 ألـف بـاونـد إسـتـرلـيـني. وسـتـسـمـر في دفـع هـذا الـمـبـلـغ سـنـويـاً إلى أن تـبـدأ بـتـصـديـر مـا اسـتـخـرجـتـه، وعـنـدهـا سـتـدفـع 4 شـلـنـغـات Shillings  ذهـبـيـة عـلى كـلّ طـنّ مـصـدر.

وقـد بـلـغ إنـتـاجـهـا عـام 1936 حـوالي  17 ألـف طـنّ، اسـتـعـمـلـت لـسـدّ احـتـيـاجـات الـشّـركـة واحـتـيـاجـات الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في تـعـبـيـد الـطّـرق.

وقـد اشـتـرت شـركـة Iraq Petroleum Company جـزءاً كـبـيـراً مـن شـركـة الـمـوصـل، وسـتـسـتـطـيـع الأشـراف عـلى نـشـاطـاتـهـا في الـعـراق.

الـصّـحـة الـعـامـة :

لـم يـكـن لـلـتّـنـظـيـم الـصّـحي في الـعـراق في زمـن الـعـثـمـانـيـيـن وجـود إلّا عـلى الـورق، وأهـمـلـت الـصّـحـة الـعـامـة في الـبـلـد لـمـدّة قـرون طـويـلـة.

وكـان مـن بـيـن أوّل الإنـجـازات الّـتي قـامـت بـهـا قـيـادة الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة بـعـد احـتـلالـهـا لـلـعـراق خـلال الـحـرب [الـعـالـمـيـة الأولى] تـنـظـيـم خـدمـات الـصّـحـة الـعـامـة بـكـلّ الإمـكـانـيـات الـمـتـاحـة في مـدن الـبـلـد الـرّئـيـسـيـة. وقـد فـتـحـت مـنـشـآت صـحـيـة في كـلّ مـدن الـعـراق وفي بـعـض الـقـرى عـيّـن فـيـهـا مـوظـفـون صـحـيّـون عـلى درجـة كـبـيـرة مـن الـكـفـاءة (أطـبـاء ومـمـرضـون) مـن انـكـلـيـز وانـكـلـيـز ــ هـنـود وهـنـود وعـراقـيـيـن.

وقـد تـجـاوزت الـنّـتـائـج  كـلّ الـتّـوقـعـات الـمـأمـولـة خـلال الـ 15 سـنـة الأخـيـرة، وتـغـيـرت حـالـة الـبـلـد الـصّـحـيـة تـغـيـيـراُ كـامـلاً.

ويـمـتـلـك الـعـراق حـالـيـاً :

27  مـسـتـشـفى ،

177 مـسـتـوصـفـاً ثـابـتـاً أو مـتـنـقّـلاً، ومـؤسـسـات مـتـخـصـصـة :

في بـغـداد :

مـعـهـد بـاثـولـوجي (مـخـتـص بـعـلـم الأمـراض)،

عـيـادتـان لـطّـبّ الـعـيـون،

مـخـتـبـر طـبّي مـركـزي،

فـرع لـمـعـهـد بـاسـتـور،

عـيـادة تـلـقـيـح لـمـفـاوي،

مـعـهـدان لـلـطّـب الإشـعـاعي،

مـخـتـبـر كـيـمـيـائي،

مـسـتـوصـف لـلأمـراض الـزُّهَـريـة،

مـسـتـوصـف لـلأمـراض الـرّئـويـة.

في الـبـصـرة :

عـيـادة لـطّـبّ الـعـيـون،

مـخـتـبـر بـاثـولـوجي (مـخـتـص بـعـلـم الأمـراض).

في الـعـمـارة :

عـيـادة تـلـقـيـح لـمـفـاوي.

وهـنـاك في بـغـداد مـلـجـأ مـركـزي لـلأمـراض الـعـقـلـيـة. ونـجـد مـسـتـشـفـيـات لـلأمـراض الـمـعـديـة في مـدن الـبـلـد الـمـهـمّـة.

وفي الـعـراق حـالـيـاً 273  طـبـيـبـاً  :

168 طـبـيـبـاً مـنـهـم يـعـمـلـون في مـسـتـشـفـيـات مـديـريـة الـصّـحـة الـعـامـة، و23 يـعـمـلـون في مـسـتـشـفـيـات الـجـيـش الـعـراقي، و77 طـبـيـبـاً يـعـمـلـون في عـيـادات خـاصّـة.

ونـجـد تـوزيـعـاً كـافـيـاً في أنـحـاء الـبـلاد لـلأطـبـاء الّـذيـن يـعـمـلـون في عـيـاداتـهـم الـخـاصّـة (وأغـلـبـهـم تـخـرّجـوا مـن كـلـيـات الـطّـبّ الأوربـيـة أو الأمـريـكـيـة) ولـلـصّـيـادلـة.

والـجـديـر بـالـذّكـر أنّ لـكـلّ الأطـبـاء الـحـقّ في الـعـمـل في عـيـادات خـاصـة وفي فـتـحـهـا وامـتـلاكـهـا بـاسـتـثـنـاء حـوالي عـشـرة اخـتـصـاصـيـيـن إنـكـلـيـز وعـراقـيـيـن وظـفـتـهـم الـحـكـومـة لـلـقـيـام بـمـهـام إداريـة أو بـالإشـراف عـلى مـخـتـبـرات الـدّولـة.

حـالـة الـطّـقـس :

نـجـد في الـمـلـفّ جـدولـيـن لـدّرجـات الـحـرارة في كـلّ شـهـر مـن أشـهـر الـسّـنـة ولـنـسـبـة الـرّطـوبـة وكـمـيـات الأمـطـار الـهـاطـلـة، خـصـص الأوّل لـمـديـنـة بـغـداد والـثّـاني لـلـبـصـرة.

وقـد ذكـر في الأوّل أنّ درجـات الـحـرارة لا تـنـخـفـض إلى أقـلّ مـن ثـلاث درجـات ونـصـف في بـغـداد في شـهـر كـانـون الـثّـاني، ولا تـرتـفـع إلى أكـثـر مـن 43 درجـة ونـصـف في شـهـر تـمّـوز !

أمّـا درجـات الـحـرارة في الـبـصـرة فـتـتـراوح بـيـن  سـتّ درجـات في شـهـر كـانـون الـثّـاني  و 42 درجـة ونـصـف في شـهـر آب !

كـمـا نـجـد في آخـر صـفـحـة مـن الـمـلّـف خـارطـة لـمـوقـع الـجـنـاح في الـمـعـرض، بـيـن الـمـدرسـة الـحـربـيـة وبـرج إيـفـل.

المملكة العرا 1937

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يـعـرف مـحـبّـو الـفـنّ هـذا الـمـعـرض لـسـبـب آخـر، فـقـد شـاركـت فـيـه حـكـومـة الـجـمـهـوريـة الإسـبـانـيـة بـجـنـاح عـرض فـيـه الـفـنّـان بـابـلـو بـيـكـاسـو لـوحـتـه الـشّـهـيـرة الـواسـعـة الـمـقـايـس : “غـرنـيـكـا”.

(2)  صـمـم الـمـعـمـاري أحـمـد مـخـتـار في بـغـداد بـنـايـة سـيـنـمـا الـفـردوس عـام 1941.

(3)  كـان الـوزيـر الـمـفـوض في ذلـك الـحـيـن عـلي جـودت الأيـوبي.

(4) نـجـد تـصـويـر جـنـائـن بـابـل الـمـعـلـقـة بـمـثّـل هـذا الـشّـكـل عـنـد عـدد مـن الـفـنّـانـيـن. أنـظـر مـقـالي :   لـوحـة « بـابـل » لـلـفـنّـان كـوبـكـا

(5)  مـا يـمـيـز الـنـظّـام الـدّيـمـقـراطي عـن الـنّـظـام الإسـتـبـدادي خـاصّـة هـو الـفـصـل بـيـن  الـسّـلـطـات الـثـلاث : الـتّـشـريـعـيـة والـتّـنـفـيـذيـة والـقـضـائـيـة. وكـلّ واحـدة مـن هـذه الـسّـلـطـات الـثّـلاث مـسـتـقـلّـة لا تـخـضـع لـواحـدة مـن الـسّـلـطـتـيـن الأخـريـتـيـن.

(6)  لـم يـنـفّـذ مـن الـمـشـروع الألـمـاني قـبـل انـدلاع الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إلّا أجـزاء قـلـيـلـة، وكـان خـطّ بـغـداد ــ سـامـراء قـد انـتـهى إنـشـاؤه عـنـدمـا احـتـلّ الـبـريـطـانـيـون الـعـراق عـام 1917.

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري  ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال

الـعـراق في صـور وكـالـة رول Rol

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وكـالـة مـارسـيـل رول لـتـصـويـر الأنـبـاء :

شـارك الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي الـفـرنـسي مـارسـيـل رول Marcel ROL  عـام 1903 مـع تـريـسـكـا في إنـشـاء شـركـة تـصـويـر أسـمـيـاهـا : “رول وتـريـسـكـا  Rol & Tresca”. ثـمّ أنـشـأ في بـاريـس في 5 كـانـون الأوّل 1904 “وكـالـة تـصـويـر فـوتـوغـرافي لـلأنـبـاء”  أسـمـاهـا : “مـارسـيـل رول وشـركـاؤه   Marcel Rol & Cie”.

وكـانـت شـركـتـه تـبـعـث مـصـوريـهـا في أنـحـاء الـعـالـم لالـتـقـاط صـور لأهـمّ الأحـداث الّـتي تـجـري فـيـه، وتـبـيـعـهـا بـعـد ذلـك إلى الـجـرائـد والـمـجـلّات الّـتي تـحـتـاجـهـا مـثـل مـجـلـتَي “الـسّـيّـارة   L’Auto” و “الـحـيـاة في الـهـواء الـطّـلـق  La Vie au Grand Air” ومـجـلّات وجـرائـد رائـجـة أخـرى.

وفي نـفـس الـعـام، أنـشـأ الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي الـفـرنـسي لـويـس مُـريـس    Louis Meurisse وكـالـة أسـمـاهـا : “وكـالـة سـريـعـة  Agence Rapide”، تـحـوّل اسـمـهـا عـام 1909 إلى “وكـالـة مُـريـس  Agence Meurisse”.

وقـد تـوفي مـارسـيـل رول عـام 1905 في حـادثـة اصـطـدام بـعـد أن الـتـقـط صـوراً لـسـبـاق سـيّـارات.

وفي عـام 1938، إتّـحـدت  وكـالـة رول مـع وكـالـتَـيـن لـلـتـصـويـر: وكـالـة “مُـريـس Meurisse” ووكـالـة « Mondial Photo Presse ». وصـار اسـم الـوكـالـة الـجـديـدة : SAFARA  أي “خـدمـات وكـالات الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة والـتّـحـقـيـقـات الـصّـحـفـيـة الـمـوحّـدة  Service des Agences Françaises d’Actualités et de Reportages Associées”.

ومـا زالـت في أرشـيـفـاتـهـا آلاف مـن هـذه الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـهـا مـصـورو رول ومُـريـس والـوكـالات الأخـرى.

وقـد وجـدت في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق مـن هـذه الأرشـيـفـات صـوراً كـثـيـرة  بـالأسـود والأبـيـض حـاولـت تـصـنـيـفـهـا حـسـب الأمـاكـن الّـتي الـتـقـطـت فـيـهـا أو حـسـب مـواضـيـعـهـا أو حـسـب الـسّـنـوات الّـتي الـتـقـطـت بـهـا، وهي ولا شـكّ إضـافـة مـهـمّـة إلى مـجـامـيـع الـصّـور الّـتي لـديـنـا عـن تـاريـخ الـعـراق.

وقـد تـركـت جـانـبـاً أعـداداً كـبـيـرة مـن الـصّـور الّـتي الـتـقـطـت خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى لـقـطـعـات الـجـيـش الـبـريـطـاني وأعـوانـه الـهـنـود وصـور أسـلـحـتـه ومـعـداتـه مـمـا نـجـد مـثـلـه في كـلّ مـكـان، واخـتـرت لـكـم ثـلاث مـجـمـوعـات :

 

صـور بـغـداد :

نـبـدأ هـذا الـقـسـم بـصـورة لـبـغـداد الـتـقـطـت مـن أعـلى بـرج سـاعـة الـقـشـلـة. ونـرى في مـقـدمـتـهـا جـزءاً مـن الـسّـراي. نـجـدهـا في الأرشـيـفـات مـرتـيـن، ذكـر في الـمـرّة الأولى أنّـهـا إلـتـقـطـت عـام 1915، وفي الـمـرّة الـثّـانـيـة أنّـهـا الـتـقـطـت عـام 1923 : (*)

بغداد 1923

وصـورة أخـرى لـبـغـداد عـام 1916 (**) :

بغداد 1916

وصـورة لـجـسـر الـقـوارب الـقـديـم عـام 1917 :

بغداد 1917

وصـورة سـفـيـنـة بـخـاريـة تـنـقـل أربـع قـاطـرات بـخـاريـة عـلى نـهـر دجـلـة نـحـو بـغـداد، وتـصـاحـبـهـا سـفـيـنـة نـقـل ركـاب عـام 1917 :

قاطرات على دجلة

وصـورة “دار الـجـنـرال مـود” الّـذي دخـل بـغـداد عـلى رأس الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في 11 آذار 1917، ومـات فـيـهـا يـوم 18 تـشـريـن الـثّـاني 1917 (1) (***) :

دار الجنرال مود

وصـورة الـتـقـطـت عـام 1917 لـمـطـعـم في بـغـداد يـرتـاده الـضّـبـاط الـبـريـطـانـيـون وجـده مـصـوّر الـوكـالـة مـسـلّـيـاً : “روضـة هـايـد بـارك رسـتـوران  Hyde Park Restaurant” :

روضة هايد بارك

كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة لـرجـال ونـسـاء في قـفّـة قـرب شـاطئ دجـلـة 1918 :

في القفة

 

صـور جـوّيـة لـبـعـض مـدن الـعـراق :

وجـدت تـسـع صـور الـتـقـطـهـا مـصـورو الـوكـالـة الـفـوتـوغـرافيـون مـن طـائـرة حـلّـقـت فـوق عـدد مـن مـدن الـعـراق في عـام 1922،

نـبـدأهـا بـصـورتـيـن لـلـحـلّـة :

وصـورة لـمـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة. ونـلاحـظ مـواضـع الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـامـت بـهـا الـبـعـثـة الألـمـانـيـة الّـتي قـادهـا كـولـدفي Koldewey  عـامَي 1897 و1898، ومـواضـع الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا الألـمـاني أنـدريـه   Andrae وزمـلاؤه فـيـتـسـل  Wetzel  ورويـتـر  Reuther  وبـودنـسـيـغ  Buddensieg  مـن 1899 إلى 1914 :

موقع بابل 1923

وصـورة لـلـديـوانـيـة :

الديوانية 1923

والـسـمـاوة :

السماوة 1923

والـكـفـل :

الكفل 1923

والـرّمـيـثـة :

الرميثة 1923

والـكـوفـة :

الكوفة 1923

والـرّمـادي :

الرمادي 1923

كـمـا أنّ لـديـنـا صـور الـتـقـطـت في الـرّمـادي عـام 1918 :

الرمادي

وصـورة لـجـسـر الـقـوارب في الـمـوصـل عـام 1923 :

الموصل جسر القوارب

 

صـور الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن الّـذي أصـبـح فـيـصـل الأوّل، مـلـك الـعـراق :

نـجـد خـمـس صـور جـاءت مـن أرشـيـفـات وكـالـة رول، وصـورة سـادسـة مـن أرشـيـفـات وكـالـة مُـريـس.

لـديـنـا أوّلاً صـورة لـلأمـيـر فـيـصـل بـالـمـلابـس الـعـربـيـة الـتـقـطـت عـام 1919  في بـاريـس عـنـدمـا أرسـلـه والـده الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة لـيـمـثّـلـه في مـؤتـمـر فـرسـاي الّـذي عـقـد بـعـد نـهـايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى :

فيصل في فرساي

ثـمّ صـورتـان الـتـقـطـتـا في نـفـس الـوقـت في عـام 1919 وفي نـفـس الـمـكـان نـرى فـيـهـمـا الأمـيـر فـيـصـل بـصـحـبـة لـويـد جـورج  LIoyd George  رئـيـس وزراء بـريـطـانـيـا الّـذي أرسـل إلى فـرسـاي (قـرب بـاريـس) لـيـمـثـل بـلـده في مـؤتـمـر الـصّـلـح، ومـع الـجـنـرال ألـنـبي  Allenby الّـذي أخـذ الـقـدس مـن الـعـثـمـانـيـيـن في 1917 وقـاد الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـشّـرق الأدنى والّـذي نـرى زوجـتـه أيـضـاً في يـمـيـن الـصّـورتـيـن.

نـرى الأمـيـر فـيـصـل في أولاهـمـا واجـمـاً مـنـتـصـبـاً بـهـيـبـة :

فيصل في فرساي 2وفي ثـانـيـتـهـمـا ضـاحـكـاً وهـو يـتـكـلّـم مـع لـويـد جـورج، وهي الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال .

ولـديـنـا صـورتـان الـتـقـطـتـا عـام 1920  لـفـيـصـل  بـمـلابـس عـسـكـريـة، وقـد وضـع الـعـقـال حـول خـوذة حـديـديـة أمـام كـنـيـسـة وسـتـمـنـسـتـر                     Westminster Abbey في لـنـدن. نـراه في أولاهـمـا  يـسـيـر بـجـانـب عـسـكـري بـريـطـاني وخـلـفـه تـحـسـيـن قـدري الّـذي كـان قـد رافـقـه إلى مـؤتـمـر فـرسـاي في الـعـام الـسّـابـق وأصـبـح مـرافـقـه الـخـاص. ويـرتـدي تـحـسـيـن قـدري الـزّي الـعـسـكـري أيـضـاً (2) :

فيصل في لندن

ونـرى فـيـصـل في الـثّـانـيـة مـبـتـسـمـاً وهـو يـضـع أكـلـيـل زهـور عـلى زهـور أخـرى :

فيصل في لندن 2

ويـبـدو أنّ الـصـورتـيـن الـتـقـطـتـا في الـشّـتـاء، أي عـنـدمـا كـان فـيـصـل مـلـكـاً عـلى سـوريـا، فـالـفـرنـسـيـون لـم يـخـلـعـوه عـن عـرش سـوريـا إلّا في صـيـف 1920.

والـصـورة الـسّـادسـة الـتـقـطـت في مـحـطـة الـشّـمـال  Gare du Nord  في بـاريـس عـام 1930.  وكـان فـيـصـل عـنـدهـا قـد تـوّج مـلـكـاً عـلى الـعـراق مـنـذ تـسـع سـنـوات بـاسـم فـيـصـل الأوّل. ونـراه شـديـد الأنـاقـة بـمـلابـس مـدنـيـة أوربـيـة، وعـلى يـمـيـنـه تـحـسـيـن قـدري الّـذي كـان رئـيـس تـشـريـفـاتـه في ذلـك الـحـيـن، يـرتـدي مـعـطـفـاً فـاتـح الـلـون، وحـولـهـمـا كـبـار مـسـؤولي الـدّولـة الـفـرنـسـيـة. ولا نـعـرف هـل وصـل الـمـلـك فـيـصـل إلى فـرنـسـا في زيـارة رسـمـيـة أم أنّـه غـيّـر قـطّـاره فـيـهـا صـاعـداً إلى لـنـدن أو راجـعـاً مـنـهـا :

فيصل الأول في باريس

ـــــــــــــــــــــــ

(*)لـفـت الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف انـتـبـاهي إلى أنّ الـصّـورتـيـن الـمـخـتـلـفـتي الإضـاءة هـمـا في الـحـقـيـقـة طـبـعـتـيـن لـنـفـس الـصّـورة.

(**) أرسـل لي الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف بـالـتّـعـلـيـق الـتّـالي عـلى هـذه الـصـورة : “الـقـبّـة على يـسـار الـصّـورة لـكـنـيـسـة الـلاتـيـن في الـشّـورجـة، والـتـقـطـت مـن أعـلى مـنـارة سـوق الـغـزل، وهـذا مـا يـفـسـر عـلـو مـسـتـوى الـتّـصـويـر وارتـفـاعـه عـن مـسـتـوى الأرض. وقـد هـدمـت جـمـيـع الـبـيـوت والأبـنـيـة الـظّـاهـرة بـيـن مـوقـع الـمـصـور وقـبـة الـكـنـيـسـة في مـنـتـصـف الـخـمـسـيـنـات في إطـار الـهـدم والـقـطـع الّـتي جـرت لـشـق شـارع الـجـمـهـوريـة الّـذي افـتـتـح عـام 1957”.

(***) كـتـب الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف أنّ الـبـعـض أشـار إلى أنّ الـمـنـزل الّـذي ذكـر أنّـه “دار الـجـنـرال مـود” كـان في الأصـل مـلـكـاً لأحـد الـوجـهـاء مـن عـائـلـة الـكـيـلاني، أو مـكـان إقـامـة آخـر ولاة الـعـثـمـانـيـيـن في بـغـداد، ومـكـانـه في شـارع الـرّشـيـد مـقـابـل سـيـنـمـا ومـسـرح الـنّـجـاح (سـيـنـمـا روكـسي سـابـقـاً). وقـد رمـم وأصـبـح مـتـحـفـاً لـمـقـتـنـيـات وهـدايـا الـزّعـيـم عـبـد الـكـريـم قـاسـم.

(1)  أنـظـر مـقـالي : دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

(2)  أنـظـر مـقـالي :حـفـلـة في حـديـقـة قـصـر الـمـلـك

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

 

 

رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وقّـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني سـلـيـمـان الـقـانـوني مـع مـلـك فـرنـسـا فـرنـسـوا الأوّل مـعـاهـدة عـام 1535 تـخـوّل لـفـرنـسـا، ضـمـن “الإمـتـيـازات” الّـتي مـنـحـتـهـا الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـلـدّول الأوربـيـة، إرسـال قـنـاصـل إلى الـولايـات الـعـثـمـانـيـة: حـلـب ودمـشـق والإسـكـنـدريـة  وبـغـداد، والـسّـمـاح لـلإرسـالـيـات الـدّيـنـيـة بـدخـول أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـمـارسـة نـشـاطـاتـهـا فـيـهـا، أي فـتـح مـراكـز تـبـشـيـريـة كـاثـولـيـكـيـة فـيـهـا.

إنـشـاء نـيـابـة قـنـصـلـيـة فـرنـسـيـة في الـمـوصـل :

وهـكـذا أنـشـأت الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة عـام 1842 نـيـابـة قـنـصـلـيـة في الـمـوصـل، وكـان الـهـدف مـنـهـا “تـأسـيـس مـركـز آثـار في الـشّـرق”. ونـقـل بـول إمـيـل بـوتـا Paul Emile Botta مـن الإسـكـنـدريـة إلى الـمـوصـل لـيـشـغـل مـنـصـب “نـائـب قـنـصـل فـرنـسـا” فـيـهـا.(2)

WP_Paul-Émile_Botta

وكـان الـمـسـتـشـرق وعـالـم الآثـار جـول مـوهـل  Jules Mohl ، سـكـرتـيـر الـجـمـعـيـة الآسـيـويـة في بـاريـس قـد نـصـحـه، قـبـل الـتـحـاقـه بـمـنـصـبـه في الـمـوصـل، بـأن يـهـتـمّ بالـجـانـب الأثـري مـن مـهـمـتـه. وتـابـع جـول مـوهـل بـعـد ذلـك تـنـقـيـبـات بـوتـا مـن مـكـتـبـه  الـبـاريـسي.

وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ مـديـنـة الـمـوصـل تـقـع عـلى ضـفـة دجـلـة الـغـربـيـة :

فلاندان الموصل 4

وعـنـدمـا عـبـر بـول إمـيـل بـوتـا الـنّـهـر في ذلـك الـزّمـن وصـل إلى سهـل عـلـيـه تـلّان تـغـطـيـهـمـا الـمـسـاكـن. ومـن شـكـل الأرض حـزر أسـواراً خـمـاسـيـة الأضـلاع تـمـتـدّ عـلى حـوالي ثـلاثـة كـيـلـومـتـرات مـحـيـطـة بـالـتّـلّـيـن :

Felix Jones 2

قـويـنـجـق في الـشّـمـال والـنّـبي يـونـس في الـجـنـوب :

فلاندان نبي يونس

وكـان بـول إمـيـل بـوتـا قـد قـرأ كـلّ مـا اسـتـطـاع الـعـثـور عـلـيـه عـن مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة، عـاصـمـة الآشـوريـيـن، الّـتي ضـاعـت ذكـريـاتـهـا في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ سـقـوطـهـا في 612 قـبـل الـمـيـلاد، واخـتـفـت آثـارهـا في أعـمـاق الأرض تـحـت أكـوام الـتّـراب.

ولـم تـكـن الـمـراجـع الّـتي وجـدهـا تـتـجـاوز الـنّـصـوص الـتّـوراتـيـة ونـصـوص الـكـتّـاب الـيـونـانـيـيـن والـرّومـان والّـتي غـالـبـاً مـا تـخـتـلـط الـخـرافـات فـيـهـا بـالأسـاطـيـر.

وقـد ضـاعـت الـمـعـرفـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة الّـتي كـان الآشـوريـون قـد سـجّـلـوا بـهـا تـاريـخـهـم، ولـم يـعـد يـقـرأهـا أحـد مـنـذ قـرون طـويـلـة، وتـحـولـت إلى طـلاسـم يـحـيـطـهـا الإبـهـام والـغـمـوض.

بـول إمـيـل بـوتـا يـكـتـشـف آثـار الآشـوريـيـن :

حـاول أغـلـب الأوربـيـيـن الّـذيـن مـرّوا بـالـمـوصـل مـنـذ الـقـرن الـثّـاني عـشـر أن يـتـعـرّفـوا عـلى مـوقـع نـيـنـوى وعـلى بـقـايـا أسـوارهـا، فـعـبـروا دجـلـة وزاروا تـلّ قـويـنـجـق وتـلّ الـنّـبي يـونـس، وسـجـلّـوا مـلاحـظـاتـهـم الّـتي نـشـرهـا كـثـيـر مـنـهـم، ولـكـنّ بـول إمـيـل بـوتـا قـرر أن يـفـعـل أكـثـر مـن سـابـقـيـه، وأن يـقـوم بـحـفـريـات لـلـبـحـث عـن آثـارهـا.  وجـمـع عـدداً مـن الـعـمـال لـلـشّـروع في ذلـك.

وبـدأ عـمّـال بـوتـا يـحـفـرون في تـلّ قـويـنـجـق في ضـفـة نـهـر دجـلـة الـمـقـابـلـة لـلـمـوصـل، ولـكـنّ الـحـظ لـم يـحـالـفـه بـالـعـثـور عـلى شئ، فـتـرك هـذا الـتّـلّ ونـقـل حـفـريـاتـه في حـوالي مـنـتـصـف آذار 1843 إلى قـريـة خـورسـبـاد الّـتي تـقـع حـوالي 16 كـلـم. شـمـال شـرق الـمـوصـل. (3)

وفي خـورسـبـاد وجـد بـول إمـيـل بـوتـا مـنـحـوتـات جـداريـة، وأزاح الـتّـراب عـن جـزء كـبـيـر مـن قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (الّـذي حـكـم مـن 722 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد)، والـمـسـمى بـ “دور شـروكـيـن” أي حـصـن سـرجـون.

وأرسـل بـوتـا في الـخـامـس مـن شـهـر نـيـسـان رسـالـة إلى جـول مـوهـل في بـاريـس يـخـبـره فـيـهـا بـذلـك. وقـرأهـا مـوهـل أمـام أعـضـاء الـجـمـعـيـة الآسـيـويـة وأكـاديـمـيـة الـنّـقـوش والآداب.

ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر ذهـول الأوسـاط الـعـلـمـيـة في ذلـك الـزّمـن أمـام هـذا الإكـتـشـاف، فـقـد غـابـت نـيـنـوى والـدّولـة الآشـوريـة في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ سـقـوطـهـا عـام 612 قـبـل الـمـيـلاد  …  ووجـد بـوتـا آثـارهـا بـعـد أكـثـر مـن 2500 سـنـة !

وقـد كـتـب بـول إمـيـل بـوتـا إلى بـاريـس طـالـبـاً أن يـبـعـث لـه بـرسّـام لـيـرسـم الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز والـمـدوّرة والـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا.

وكـان طـبـيـعـيـاً أن تـخـتـار الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة رسـامـاً لـه مـعـرفـة بـالـمـنـطـقـة. واخـتـارت أوجـيـن فـلانـدان الّـذي عـاد في 1842 مـن بـعـثـتـه مـع بـسـكـال كـوسـت في بـلاد فـارس، والّـتي زار فـيـهـا الـعـراق كـمـا سـبـق أن رأيـنـا في مـقـال سـابـق. (4) وكـان أوجـيـن فـلانـدان الـرّسّـام الـمـنـاسـب لـيـشـغـل هـذه الـمـهـمّـة، فـكـلّـف بـهـا.

كـمـا بـعـثـت الـحـكـومـة لـبـول إمـيـل بـوتـا بـثـلاثـة آلاف فـرنـك ذهـب لـيـمـوّل الـتّـنـقـيـبـات، وطـلـبـت مـن سـفـيـر فـرنـسـا في الاسـتـانـة (إسـطـنـبـول) أن يـحـصـل لـه عـلى فـرمـان سـمـاح مـن الـسّـلـطـان بـمـتـابـعـة الـتّـنـقـيـبـات وتـوسـيـعـهـا، فـقـد كـانـت الـمـوصـل ولايـة يـحـكـمـهـا والي عـثـمـاني.

وفي بـدايـة شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1843، أصـدر بـاشـا الـمـوصـل أمـراً بـإيـقـاف الـتّـنـقـيـبـات، وانـتـظـر بـول إمـيـل بـوتـا وصـول أوجـيـن فـلانـدان لـيـأتي لـه مـن الاسـتـانـة بـالـفـرمـان الـجـديـد الّـذي كـان قـد طـلـبـه لـيـجـبـر الـبـاشـا عـلى الـسّـمـاح لـه بـإكـمـال حـفـريـاتـه.

رحـلـة أوجـيـن فـلانـدان الـثّـانـيـة إلى الـمـوصـل :

Flandin 7

وصـل أوجـيـن فـلانـدان  Eugène FLANDIN لـلـمـرّة الـثّـانـيـة إلى الـمـوصـل في 4 أيّـار 1844، وهـو مـا يـقـصّـه في الـقـسـم الـثّـاني مـن مـقـالـه : “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  Voyage en Mésopotamie”، الّـذي نـشـره عـام 1861 (أي بـعـد 18 سـنـة مـن وصـولـه إلى الـمـوصـل) في مـجـلـة “حـول الـعـالـم  Le tour du monde” الـفـرنـسـيـة (الـقـسـم الـرّابـع، مـن ص. 49 إلى ص. 65). (5)

وقـد تـرجـم الأب بـطـرس حـدّاد هـذا الـمـقـال تـحـت عـنـوان : “رحـلـة في مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ونـشـره عـام 2005، ولـكـنّي كـعـادتي في كـلّ مـقـالاتي، أتـرجـم لـكـم كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة مـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة.

كـتـب أوجـيـن فـلانـدان :  “كـنـت قـد عـدت مـن بـلاد فـارس وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن مـنـذ أشـهـر فـقـط. ولـم أجـد إلّا بـالـكـاد الـوقـت الـكـافي لأرتـاح مـن أتـعـاب سـفـرة دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـيـن شـهـراً، عـنـدمـا هـاجـت أوسـاط عـلـمـاء الآثـار ومـاجـت بـخـبـر لـم يـكـن يـتـوقـعـه أحـد : إكـتـشـف مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوى الـعـريـقـة في الـقـدم !

ولـم يـعـد عـالـم يـهـتـم بـتـاريـخ الـفـنّ أو بـالـتّـاريـخ الـقـديـم يـسـتـقـر في مـكـانـه انـفـعـالاً : فـسـيـمـلأ هـذا الإكـتـشـاف الّـذي كـاد الـعـلـمـاء يـفـقـدون الأمـل في مـجـيـئـه ثـغـرة في الـمـعـارف الـبـشـريـة، وربّـمـا سـيـقـلـب ظـهـراً عـلى عـقـب أنـظـمـة مـعـرفـيـة سُـلّـم بـصـحـتـهـا ! وقـد قـوبـل الإكـتـشـاف بـفـرح مـا بـعـده فـرح، فـهـو سـيـثـبـت أو سـيـنـفي نـصـوصـاً ومـعـلـومـات عـن الـمـاضي نـقـلـت جـيـلاً بـعـد جـيـل مـن غـيـر أن يـمـحّـص حـقـيـقـتـهـا أحـد.

إكـتـشـفـت نـيـنـوى إذن ! وكـان قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل، بـول إمـيـل بـوتـا، هـو الـمـنـقـب الّـذي أسـعـده الـحـظ  بـالـعـثـور عـلى آثـار الـمـوقـع. وقـد كـان يـعـرف أهـمـيـة مـا عـثـر عـلـيـه وإن لـم يـكـن قـد أدرك بـعـد مـدى قـيـمـتـه الـحـقـيـقـيـة.

ولـكي تـنـجـلي هـذه الـحـضـارة الآشـوريـة الّـتي خـربـت وانـدثـرت مـنـذ كـلّ هـذه الـقـرون الـطّـويـلـة، والّـتي لـم يـسـبـر إلـحـاح الـرّحالـة في تـفـحـص بـقـايـا آثـارهـا واسـتـطـلاعـهـا شـيـئـاً مـن أسـرارهـا، فـقـد كـان يـنـبـغي الإسـتـمـرار في الـتّـنـقـيـب، ثـمّ الإهـتـمام بـدراسـة ما يـخـرج مـن بـاطـن الأرض دراسـة مـتـأنـيـة مـتـعـمّـقـة.

وكـانـت الـمـوصـل بـعـيـدة، في قـلـب الـشّـرق، فـبـلاد آشـور تـجـاور بـلاد الـفـرس، وكـان الإعـتـقـاد سـائـداً بـأنّ الـفـنّ الـنّـيـنـوي لابـد أن يـشـبـه الـفـنّ الـفـارسـي. وكـان طـبـيـعـيـاً أن يـقـع اخـتـيـار مـن سـيـدرس آثـار خـرائـب نـيـنـوى عـلى مـن تـعـوّد عـلى الأسـفـار الـطّـويـلـة واكـتـسـب خـبـرة وسـط خـرائـب آسـيـا الـقـديـمـة.

وهـكـذا اخـتـارني هـؤلاء الّـذيـن أخـذوا مـسـؤولـيـة الإشـراف عـلى الإكـتـشـاف الـجـديـد. وشـرّفـني اخـتـيـاري لـهـذه الـمـهـمـة فـغـادرت بـاريـس مـن جـديـد نـحـو ضـفـاف دجـلـة في أوّل كـانـون الأوّل مـن عـام 1843. ووصـلـت الـسّـفـيـنـة الّـتي أقـلّـتـني إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) في الـخـامـس عـشـر مـن ذلـك الـشّـهـر.

ولـم يـكـن سـهـلاً الـقـيـام في تـركـيـا بـتـنـقـيـبـات مـثـل تـلـك الّـتي جـئـت لـهـا. وكـان لـهـذه الـصّـعـوبـة ســبـبـان : الأوّل إنّ الـشّـرقـيـيـن كـانـوا يـعـتـقـدون أنّ الأوربـيـيـن يـأتـون لـلـبـحـث عـن خـزائـن ذهـب دفـنـت في بـاطـن الأرض. والـثّـاني إنّ الأتـراك والـعـرب كـانـوا يـعـتـقـدون أنّ الآثـار الـمـطـمـورة في بـاطـن الأرض، وخـاصـة الـمـنـحـوتـة مـنـهـا، كـانـت ولاشـك مـن عـمـل الـشّـيـطـان وتـخـرج مـن جـهـنـم : “Allah ! Djehennâm … Div … Djinn … Allah !،  كـانـوا يـرددون بـرعـب. وكـان تـعـصـبـهـم يـجـعـل مـن الأبـحـاث الأثـريـة كـفـراً، ثـمّ أنّـهـم لـبـخـلهـم لـم يـكـونـوا يـصـدقـون أن يـكـون لـهـذه الأبـحاث دافـع آخـر غـيـر الـجـشـع”.

“ولـتـحـاشـي الـمـصـاعـب الّـتي تـعـرقـل الـتّـنـقـيـبـات، كـان يـنـبـغي الـحـصـول عـلى فـرمـان يـصـدره الـبـاب الـعـالي لـيـجـبـر بـاشـا الـمـوصـل عـلى تـسـهـيـل أعـمـالـنـا. ولـكـن كـان هـنـاك مـا يـعـقّـد أيـضـاً الـحـصـول عـلى الـفـرمـان، فـقـد أيـقـظـت الإكـتـشـافـات الـجـديـدة قـرب الـمـوصـل الـتّـنـافـس بـيـن مـمـثـلي الـحـكـومـات الأوربـيـة في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول). وكـان حـسـن حـظ الـفـرنـسـيـيـن الّـذيـن سـيـأخـذون ثـروات أثـريـة شـديـدة الأهـمـيـة قـد أثـار حـسـد سـفـراء الـدّول الأخـرى فـتـدخّـلـوا لـدى الـبـاب الـعـالي لـعـرقـلـة الـمـهـمـة الّـتي أنـيـط لي بـهـا. ومـع ذلـك فـقـد فـلـحـنـا في إزالـة هـذه الـمـصـاعـب وصـدر الـفـرمـان الـمـوجـه لـقـنـصـل [فـرنـسـا] في الـمـوصـل، فـشـرعـت في الـسّـفـر لأصـل إلى هـذه الـمـديـنـة بـأسـرع مـا يـمـكـنـني عـن طـريـق سـوريـا”.

وهـكـذا تـرك فـلانـدان إسـطـنـبـول عـن طـريـق الـبـحـر إلى بـيـروت :

“وفـيـهـا أعـددت قـافـلـتي الـصّـغـيـرة : خـادم [إيـطـالي] مـن جـنـوة يـتـكـلّـم الإيـطـالـيـة والـتّـركـيـة والـيـونـانـيـة، وطـبّـاخ مـاروني، وسـائـس كـلـداني كـاثـولـيـكي وثـلاثـة بـغّـالـيـن عـرب كـنـت قـد اكـتـريـت مـنـهـم عـشـرة مـن الـبـغـال وهـم في نـفـس الـوقـت أدلّـتي عـلى الـطّـريـق”.

وقـد سـار فـلانـدان ومـصـاحـبـوه بـمـحـاذاة سـاحـل الـبـحـر مـن بـيـروت إلى طـرابـلـس، ثـمّ تـوجـهـوا نـحـو شـمـال الـشّـرق إلى حـمـاة فـحـلـب. ووصـلـوا إلى الـمـوصـل في أوائـل أيّـار.

وبـعـد أن فـصّـل أوجـيـن فـلانـدان في الـكـلام عـن الـمـوصـل وسـكـانـهـا وأديـانـهـا، خـصـص مـقـاطـع طـويـلـة مـن سـرده لـلـيـزيـديـة. ثـمّ وصـف الـجـانـب الـشّـرقي لـدجـلـة، الـمـقـابـل لـلـمـوصـل بـتـلّـيـه : قـويـنـجـق في الـشّـمـال والـنّـبي يـونـس في الـجـنـوب :

“لـم يـكـن هـنـاك أمـل في أن نـجـد نـيـنـوى [الـقـديـمـة] لا في قـويـنـجـق ولا في نـبي يـونـس، فـقـد أنـهى سـكـان الأزمـان الـحـالـيـة تـخـريـب مـا كـان قـد بـدأه الـغـزاة في الأزمـان الـمـاضـيـة … ولـكـنّ الأقـدار شـاءت أن تـكـشـف أسـرار الـمـاضي في قـريـة صـغـيـرة، بـعـيـدة عـن طـرق الـقـوافـل، يـجـهـلـهـا الـمـسـافـرون ولـم يـسـمـع بـهـا عـلـمـاء الآثـار : حـوالي خـمـسـيـن مـنـزلاً تـكـالـبـت في أعـلى تـلّ يـرتـفـع حـوالي اثـني عـشـر أو ثـلاثـة عـشـر مـتـراً فـوق مـسـتـوى الـسّـهـول الـمـحـيـطـة بـه، وتـدعى هـذه الـقـريـة خـورسـبـاد.(6) سـكـانـهـا أكـراد اخـتـلـطـت دمـاؤهـم بـدمـاء عـربـيـة، وتـبـعـد حـوالي سـتّـة عـشـر كـيـلـومـتـراً عـن الـمـوصـل”.

index

“وأوّل مـا يـدلّ عـلى أنّ الـتّـل لـيـس طـبـيـعـيـاً وأنّـه نـتـج عـن تـخـريـب أبـنـيـة تـراكـمـت بـقـايـاهـا هـو أنّـه مـنـعـزل لـيـس بـجـنـبـه تـلّ آخـر […] وكـان أوّل مـا دلّ عـلى مـا يـحـويـه مـن كـنـوز أحـجـار مـقـطـوعـة واسـعـة عـريـضـة اسـتـعـمـلـهـا أحـد سـكـان الـقـريـة أرضـيـة لـداره.

وكـان يـنـبـغي الـتّـاكّـد مـن ذلـك، فـضـربـت مـعـاول [عـمـال بـوتـا] الأرض الـصـلـبـة … ويـا لـلـمـفـاجـأة ! يـا لـحـسـن الـحـظ هـذا الّـذي لـم يـحـلـم بـه أحـد ! فـقـد ظـهـر رأسٌ مـنـحـوتٌ رائـع الـجـمـال … وكـان يـنـبـغي الإسـتـمـرار في الـحـفـر، واتـسـعـت الـقـطـعـة الـحـجـريـة الّـتي أزيـح عـنـهـا الـتّـراب وبـدا الـرأس مـلـتـصـقـاً بـجـسـد، وأزيـح الـتّـراب عـن مـنـحـوتـات أخـرى … ولـم يـعـد هـنـاك شـكّ، فـهي مـجـمـوعـة مـن مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز كـانـت تـغـطي جـداراً حـفـرت الـمـعـاول جـانـبـاً مـنـه. ويـكـفي أن يـمـتـد الـنّـظـر عـلى سـعـة الـتّـلّ لـيـدرك الـمـنـقّـب كـمـيـات الـمـنـحـوتـات الـمـدفـونـة في أرجـائـه. فـكـيـف سـيـخـرجـهـا والـتّـلّ تـغـطـيـه مـسـاكـن الـقـريـة ؟”

“وأمـكـن لـلـمـنـقّـب الـحـصـول عـلى فـرمـان يـعـوّض الـسّـكـان عـن فـقـد دورهـم بـالـمـال ويـبـعـدهـم عـن الـقـريـة.

ولـم يـكـن ذلـك مـمـكـنـاً لـولا أنّ أهـل الـقـريـة أنـفـسـهـم كـانـوا يـودّون إبـدال مـسـاكـنـهـم الـمـنـعـزلـة بـمـسـاكـن في أسـفـل الـوادي قـرب نـهـر صـغـيـر يـجـري فـيـه. فـقـبـلـوا مـبـالـغ الـمـال الّـتي دفـعـت لـهـم وهـدّمـوا بـيـوتـهـم الـطيـنـيـة وأخـذوا مـا فـيـهـا مـن أخـشـاب ومـواد يـمـكـن اسـتـعـمـالـهـا، ثـمّ ذهـبـوا يـشـيـدون بـيـوتـاً طـيـنـيـة قـرب الـنّـهـر.

وكـان يـنـبـغي إيـجـاد أعـداد كـبـيـرة مـن الـعـمـال الآخـريـن لإنـجـاز هـذه الـحـفـريـات الـواسـعـة”.

وهـنـا يـذكـر فـلانـدان أن الـمـسـلـمـيـن لـم يـقـبـلـوا بـالـمـشـاركـة في الـتّـنـقـيـبـات خـوفـاً مـن الـجـنّ، ويـقـصّ كـيـف أنّ مـجـمـوعـات مـن الـمـقـاتـلـيـن الأكـراد يـتـرأسـهـا بـدر خـان بـك كـانـت قـد هـاجـمـت عـام 1842عـشـائـر مـسـيـحـيـة تـسـكـن الـجـبـال ودفـعـتـهـا لـلـهـرب والـلـجـوء إلى الـمـوصـل.

وهـكـذا اتّـصـل بـهـم بـول إمـيـل بـوتـا وشـغّـل أشـدّهـم قـوّة وعـزمـاً في تـنـقـيـبـات تـلّ خـورسـبـاد. وهـو يـسـمـيـهـم بـالـكـلـدان.

Flandin Méso Khosobad 3

قـصـر الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني :

فلاندان مخطط

بـدأت الـتّـنـقـيـبـات في شـهـر أيّـار ودامـت سـتّـة أشـهـر : “إرتـفـعـت درجـات الـحـرارة في أكـثـر مـن ثـلاثـة أشـهـر مـنـهـا إلى سـتّ وأربـعـيـن درجـة في الـظّـلّ، وهـبـت طـيـلـتـهـا ريـاح الـسّـمـوم الآتـيـة مـن الـصّـحـراء”.

واسـتـطـاع الـعـمـال خـلال هـذه الأشـهـر الـسّـت أن يـكـشـفـوا عـن جـزء مـن قـصـر كـبـيـر. وحـاول بـوتـا عـنـدمـا طـلـب مـنـهـم أن يـحـفـروا في أمـاكـن مـتـفـرّقـة مـن الـمـوقـع أن يـجـد الـمـقـايـيـس الـخـارجـيـة لـلـقـصـر.

botta 2

ورغـم أن بـول إمـيـل بـوتـا وأوجـيـن فـلانـدان شـاركـا في اكـتـشـاف الآثـار الّـتي حـقـقـت طـفـرة هـائـلـة في مـعـرفـتـنـا بـالـحـضـارة الآشـوريـة، فـقـد كـانـا في ذلـك الـحـيـن، مـثـل كـلّ مـعـاصـريـهـم يـجـهـلـون الـتّـاريـخ الـحـقـيـقي لـبـلاد آشـور … ونـسـتـغـرب أن يـتـكـلّـم فـلانـدان عـن الـمـلـك الأسـطـوري نـيـنـوس، الّـذي اخـتـلـقـه الـكـتّـاب الإغـريـق، كـمـا لـو كـان الـمـؤسـس الـحـقـيـقي لـمـديـنـة نـيـنـوى !

وكـانـت نـتـيـجـة هـذه الـتّـنـقـيـبـات اكـتـشـاف : “تـسـع قـاعـات وجـدت كـامـلـة لـم يـصـبـهـا ضـرر بـجـدرانـهـا الـمـنـتـصـبـة، وسـتّ قـاعـات تـهـدّم بـعـض جـدرانـهـا، وعـدد كـبـيـر مـن الـواجـهـات والأبـواب تـغـطـيـهـا كـلّـهـا مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز وكـتـاب مـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة”. “وكـلّ الـجـدران الـخـارجـيـة والـدّاخـلـيـة تـغـطّـيـهـا الـمـنـحـوتـات : مـشـاهـد صـوّرتـهـا أزامـيـل نـحـاتـيـن يـسـتـحـقـون إعـجـابـنـا”.

botta 3

“وشـيّـدت الـجـدران بـالـلِـبـن الـمـجـفـف تـحـت أشـعـة الـشّـمـس، وطـلـيـت بـالـقـار قـبـل أن تـغـطى بـألـواح واسـعـة مـن حـجـر الـجـبـس : إرتـفـاعـهـا ثـلاثـة أمـتـار وعـرضـهـا مـتـران أو ثـلاثـة. وفي عـدد مـن الـقـاعـات، قـسّـمـت الألـواح إلى شـريـطـيـن أفـقـيـيـن عـلـو كـلّ مـنـهـمـا حـوالي مـتـر و 20 سـم. صـوّرت فـيـهـا أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـخـاص ارتـفـاعـهـا حـوالي الـمـتـر. ويـفـصـل بـيـن الـشّـريـطـيـيـن نـصـوص مـنـقـوشـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة تـمـتـدّ  بـيـن طـرفي الألـواح. وفي قـاعـات أخـرى كـمـا في الـواجـهـات تـحـتـلّ الـمـنـحـوتـات الـجـدار بـكـامـلـه، وهي أكـثـر بـروزاً لـتـنـاسـب ضـخـامـة تـكـويـنـاتـهـا. وتـقـطـع بـعـض هـذه الـجـدران بـيـن الـحـيـن والـحـيـن أبـواب.

ونـجـد عـلى جـوانـب الأبـواب الـرئـيـسـيـة ثـيـرانـاً مـجـنـحـة ضـخـمـة بـرؤوس بـشـريـة، يـصـل ارتـفـاعـهـا إلى سـتّـة أمـتـار […] وقـد وجـدنـا مـنـهـا حـوالي عـشـريـن ثـوراً”.

Botta 28

“وفي الـدّاخـل عـلى جـدران الـقـاعـات نـوعـان مـن الـمـنـحـوتـات : الـضّـخـمـة الّـتي تـشـبـه مـنـحـوتـات الـجـدران الـخـارجـيـة،

والأقـلّ ضـخـامـة في شـريـطـيـن أفـقـيـيـن تـفـصـل بـيـنـهـمـا نـقـوش الـكـتـابـات”.

indexR7J4UZE9

“ومـا عـثـرنـا عـلـيـه لـيـس إلّا أسـافـل الـجـدران، وفـوق الألـواح الـمـنـحـوتـة كـانـت طـبـقـة أعـلى لـم نـعـثـر مـنـهـا عـلى شئ في أمـاكـنـهـا، ولـكـن قـطـعـاً مـحـطّـمـة الـتـقـطـت عـلى أرضـيـة الـقـاعـات تـدلّ عـلى أنّـهـا كـانـت مـن الـطّـابـوق الـمـزجـج الّـذي يـمـثّـل أجـزاءً مـجـمّـعـة لـرسـوم زاهـيـة الألـوان تـشـبـه الـمـشـاهـد الـمـنـحـوتـة أو لـشـرائـط زخـرفـيـة تـتـتـابـع فـيـهـا أشـكـال زهـور وأغـصـان مـورقـة”.  “وبـالـرّغـم مـن أنـني لـسـت مـتـأكّـداً مـن أنّ كـلّ جـدران قـصـر خـورسـبـاد كـانـت مـلـوّنـة، فـيـحـتـمـل أنّ تـكـون أجـزاء مـن مـنـحـوتـاتـهـا قـد لـوّنـت. وقـد وجـدنـا بـقـايـا أصـبـاغ، خـاصّـة عـلى صـور أسـلـحـة الـمـقـاتـلـيـن وألـجـمـة الـخـيـول وسـروجـهـا”.

ثـمّ يـسـتـمـر في عـرض آرائـه عـن أسـبـاب بـقـاء أجـزاء مـن الأصـبـاغ وزوال أجـزاء أخـرى، ويـعـزي ذلـك إلى تـنـوّع الـمـواد الّـتي اسـتـخـرجـت مـنـهـا الأصـبـاغ الـطّـبـيـعـيـة، وإلى اخـتـلاف قـدراتـهـا عـلى مـقـاومـة مـرور الـزّمـن.

وقـضى فـلانـدان سـتّـة أشـهـر يـرسـم بـدون تـوقّـف رغـم قـسـاوة الـطّـقـس كـلّ مـنـحـوتـات جـدران قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شـروكـيـن) في خـورسـبـاد الـقـلـيـلـة الـبـروز والـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان بـوتـا قـد عـثـر عـلـيـهـا.

إنـتـهـاء حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات :

وفي أواخـر شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1844، إعـتـبـر بـول إمـيـل بـوتـا أنّـه أكـمـل عـمـلـه، وأنّـه وجـد مـا كـان قـد أراد أن يـكـشـف عـنـه في قـصـر خـورسـبـاد، فـقـرر أن يـوقـف تـنـقـيـبـاتـه. وتـرك أوجـيـن فـلانـدان الـمـوصـل في 9  تـشـريـن الـثّـاني عـائـداً إلى بـاريـس.

وقـد وصـل فـلانـدان إلى بـاريـس يـحـمـل مـائـتـيـن وعـشـريـن رسـمـاً أظـهـرت لـلـعـلـمـاء ولـلـمـسـؤولـيـن أهـمـيـة اكـتـشـافـات بـول إمـيـل بـوتـا.

وطـلـب الـمـلـك لـويـس فـيـلـيـب نـفـسـه رؤيـة الـرّسـوم، وقـدّمـهـا لـه فـلانـدان. وأمـر الـمـلـك بـأن تـرسـل مـن مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في خـورسـبـاد أهـم الـقـطـع الأثـريـة لـتـعـرض في الـمـتـحـف الـمـلـكي، أي مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.

وقـد اسـتـمـر فـلانـدان يـرسـم في فـرنـسـا بـيـن الـحـيـن والآخـر لـوحـات يـسـتـوحـيـهـا مـن ذكـريـاتـه عـن رحـلـتـيـه إلى الـعـراق، كـمـا رأيـنـا في مـقـالـنـا الـسّـابـق، إلى أن تـوفي في مـديـنـة تـور سـنـة  1889.

نـقـل الـقـطـع الأثـريـة مـن خـورسـبـاد إلى بـاريـس :

قـضى بـول إمـيـل بـوتـا شـتـاء 1844/ 1845 في اخـتـيـار أكـثـر مـا يـمـكـن مـن أجـمـل الـقـطـع الأثـريـة لـتـبـعـث إلى الـمـتـحـف في بـاريـس. وقـدّر أن مـا وجـده يـمـكـن أن يـمـلأ ثـلاث أو أربـع قـاعـات كـامـلـة مـن الـمـتـحـف. ولـكـن صـعـوبـات الـنّـقـل وتـكـالـيـفـه الـبـاهـظـة أجـبـرتـه عـلى تـرك أعـداد كـبـيـرة مـنـهـا. ويـبـدو أنّـه تـرك ثـوريـن مـجـنـحـيـن لـم يـسـتـطـع أخـذهـمـا.

وقـد صـنـعـت عـربـات كـبـيـرة تـحـت إشـراف بـوتـا حـمّـلـت عـلـيـهـا الـقـطـع الأثـريـة، ومـن بـيـنـهـا ألـواح حـجـريـة واسـعـة الـمـقـايـيـس تـغـطـيـهـا مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز، وثـيـران مـجـنّـحـة، وأوصـلـتـهـا إلى ضـفـة دجـلـة. ثـمّ حـمّـلـت عـلى أكـلاك واسـعـة مـن الـخـشـب تـطـفـو عـلى مـئـات مـن الـقِـرب الـمـصـنـوعـة مـن جـلـود الـمـاعـز، نـزلـت بـهـا عـلى دجـلـة إلى الـبـصـرة.

وفي الـبـصـرة، حـمّـلـت الـقـطـع الأثـريـة عـلى سـفـيـنـة بـخـاريـة فـرنـسـيـة اسـمـهـا الـ “كـورمـوران  Le Cormoran”  يـوم 1 حـزيـران 1946. ووصـلـت إلى مـيـنـاء الـهـافـر في شـمـال فـرنـسـا في الـسّـابـع مـن كـانـون الأوّل. ومـنـهـا حـمّـلـت تـحـت إشـراف بـوتـا عـلى سـفـيـنـة نـهـريـة نـزلـت بـهـا عـلى نـهـر الـسّـيـن إلى بـاريـس. وفي بـاريـس نـقـلـت إلى مـتـحـف الـلـوفـر الّـذي وصـلـتـه في الـسّـاعـة الـثّـانـيـة مـن بـعـد ظـهـر الـثّـاني والـعـشـريـن مـن كـانـون الـثّـاني 1847.

إفـتـتـاح أوّل مـتـحـف آشـوري :

وفي 1 أيّـار 1847، إفـتـتـح مـلـك فـرنـسـا، لـويـس فـيـلـيـب “الـمـتـحـف الآشـوري Le musée assyrien، الّـذي خـصـصـت لـه قـاعـتـان في داخـل مـتـحـف الـلـوفـر.

Les antiquitÈs assyriennes dans la moitiÈ nord de l'aile de la Colonnade

وكـان بـول إمـيـل بـوتـا في بـاريـس في شـهـر شـبـاط عـام 1848 عـنـدمـا انـدلـعـت الـثّـورة الّـتي  أطـاحـت بـالـمـلـك لـويـس فـيـلـيـب وأعـلـنـت الـجـمـهـوريـة الـثّـانـيـة. ولـمـواقـفـه الـمـحـافـظـة خـلال هـذه الـثّـورة، سـحـبـت مـنـه قـنـصـلـيـة الـمـوصـل الّـتي كـان يـنـوي الـعـودة إلـيـهـا لإكـمـال تـنـقـيـبـاتـه، ونـقـل إلى الـقـدس، ثـمّ إلى طـرابـلـس الـغـرب.

وأهـمـلـت حـكـومـة الـجـمـهـوريـة الـثّـانـيـة الـشّـرق وآثـاره. ولـم يـعـيّـن خـلـف لـه في قـنـصـلـيـة الـمـوصـل إلّا في 1855، أي في زمـن الإمـبـراطـوريـة الـثّـانـيـة، عـنـدمـا أرسـل عـالـم الآثـار فـكـتـور بـلاس Victor PLACE  لـيـكـمـل الـتّـنـقـيـبـات في خـورسـبـاد. وسـنـتـكـلّـم عـنـه في مـقـال قـادم.

بـوتـا يـنـشـر كـتـاب : “مـعـالـم نـيـنـوى” :

monument de N.

وفي عـام 1849، صـدر عـن الـمـطـبـعـة الـوطـنـيـة في بـاريـس الـجـزء الأوّل مـن نـتـائـج تـنـقـيـبـات بـول إمـيـل بـوتـا  في قـصـر الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني : “دور شـروكـيـن”  في خـورسـبـاد بـعـنـوان : “مـعـالـم نـيـنـوى، إكـتـشـفـهـا ووصـفـهـا ب. إ. بـوتـا، وأخـذ مـقـايـيـسـهـا ورسـمـهـا أ. فـلانـدان                           Monument de Ninive découvert et décrit par M.P.E.Botta, mesuré et dessiné par M.E.Flandin” (7)

وكـان بـوتـا قـد اشـتـغـل عـلى إعـداد أجـزائـه الـخـمـسـة مـنـذ سـنـوات طـويـلـة.

ويـأتي عـنـوان الـكـتـاب مـن أنّ بـوتـا كـان يـعـتـقـد أنّـه اكـتـشـف قـصـر الـمـلـك في نـيـنـوى، في حـيـن أنـنـا نـعـرف الآن أن خـورسـبـاد كـانـت خـارج نـيـنـوى، وأنّ سـرجـون الـثّـاني شـيّـد قـصـره فـيـهـا لـيـبـتـعـد قـلـيـلاً عـن الـعـاصـمـة.

وقـد احـتـوى الـكـتـاب الـواسـع الـمـقـايـيـس (58×40 سـم.) عـلى الـرّسـوم الـرّائـعـة الـجـمـال لـلـمـوقـع ولـلـمـنـحـوتـات الـجـداريـة الـقـلـيـلـة الـنّـتـوء الّـتي كـان أوجـيـن فـلانـدان قـد نـفّـذهـا في أمـاكـنهـا. وحـفـرت هـذه الـرّسـوم عـلى الـخـشـب وطـبـعـت كـأعـمـال غـرافـيـكـيـة شـديـدة الـدّقـة في داخـل الـكـتـاب.

كـتـب بـول إمـيـل بـوتـا في مـقـدمـة الـكـتـاب : “أرسـلـت لي الـحـكـومـة بـرسّـام شـديـد الـمـهـارة لـكي يـنـفّـذ رسـومـاً بـالـغـة الـدّقّـة لـلآثـار، وحـتّى تـلـك الّـتي لا يـمـكـن إنـقـاذهـا والّـتي سـيـصـيـبـهـا الـخـراب، وبـهـذه الـرّسـوم سـيـسـتـطـيـع عـلـمـاء الآثـار دراسـتـهـا”.

واحـتـوى الـجـزء الـثّـاني عـلى تـكـمـلـة رسـوم أوجـيـن فـلانـدان لـلـمـنـحـوتـات الـجـداريـة والـتّـمـاثـيـل الـصّـغـيـرة :

ومـا تـحـدّى الـزّمـن مـن الـقـطـع الأثـريـة الّـتي احـتـفـظـت بـألـوانـهـا :

وقـد ضـاع كـثـيـر مـن هـذه الـمـنـحـوتـات والـقـطـع الـفـنّـيـة لـمـا مـرّت بـه مـن أهـوال مـنـذ تـلـك الـفـتـرة، ولـم يـبـقَ لـنـا مـنـهـا إلّا رسـوم أوجـيـن فـلانـدان الـمـذهـلـة بـدقّـتـهـا وجـمـالـهـا.

أمّـا الـجـزءان الـثّـالـث والـرّابـع فـقـد نـشـر فـيـهـمـا بـول إمـيـل بـوتـا الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة الّـتي كـان قـد عـثـر عـلـيـهـا في الـمـوقـع، رغـم أنّ الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة لـم تـكـن قـد حـلّـت طـلاسـمـهـا بـعـد.

Botta cunéiforme

كـتـب بـول إمـيـل بـوتـا في مـقـدمـة الـكـتـاب : “نـسـخـتُ كـلّ الـنـقـوش الـمـسـمـاريـة الّـتي أشـرفـت عـلى حـفـرهـا وطـبـعـهـا، وهي 190 نـقـشـاً طـبـعـت غـرافـيـكـيـاً عـلى 220 صـفـحـة. وقـد عـنـيـت بـأخـذ بـصـمـات ورقـيـة لـهـا كـلّـمـا أمـكـنـني ذلـك، أي 135 مـرّة. وهي بـنـفـس وضـوح ودقّـة الـنّـقـوش الأصـلـيـة، وأعـانـتـني بـعـد رجـوعي إلى بـاريـس عـلى تـصـحـيـح مـا كـنـت قـد نـسـخـتـه مـنـهـا في أمـاكـنـهـا”.

والـبـصـمـات الـورقـيـة الّـتي يـتـكـلّـم عـنـهـا بـوتـا طـريـقـة بـسـيـطـة لـلـحـصـول عـلى نـسـخ طـبـق الأصـل : تـلـصـق عـلى الـنّـقـش الـحـجـري أوراق مـبـتـلّـة طـبـقـة بـعـد طـبـقـة لـتـصـل إلى سـمـك مـعـيّـن. وبـعـد أن تـجـفّ تـتـحـوّل إلى مـا يـشـبـه الـورق الـمـقـوّى فـتـخـلـع مـن عـلى الـنـقـش. ويـظـهـر عـلـيـهـا بـارزاً كـلّ مـا هـو غـائـر عـلى الـنّـصّ وغـائـراً كـلّ مـا هـو بـارز عـلـيـه، وتـسـتـعـمـل كـقـالـب يـمـلأ بـمـادة سـائـلـة تـصـبـح بـعـد أن تـصـلـب نـسـخـة طـبـق الأصـل.

Botta 001

ومـا زالـت قـوالـب الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة هـذه في قـسـم الآثـار الـقـديـمـة مـن الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـاريـس.

وقـد كـرّس بـول إمـيـل بـوتـا الـجـزء الـخـامـس مـن الـكـتـاب لـلـكـلام عـن مـوقـع الـقـصـر ومـخـطــطـه الـهـنـدسي وعـن الـمـنـحـوتـات والـنّـقـوش الـمـسـمـاريـة الّـتي كـان قـد عـثـر عـلـيـهـا ونـشـرهـا في الأجـزاء الأربـعـة الأولى مـن الـكـتـاب.

وأتـذكّـر الـمـرّة الأولى الّـتي فـتـحـتُ فـيـهـا الـجـزء الأوّل مـن هـذا الـكـتـاب الـواسـع الـمـقـايـيـس بـعـد أن وضـعـتـه لي مـوظـفـة الـمـكـتـبـة عـلى طـاولـة خـصـصـتـهـا لي ومـسـحـت الـغـبـار الـمـتـراكـم عـلـيـه بـخـرقـة نـظـيـفـة… كـان ذلـك في بـدايـة ثـمـانـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، وكـنـت واقـفـاً لأسـتـطـيـع فـتـح غـلافـه الـمـغـطّى بـقـمـاش سـمـيـك غـامـق الـخـضـرة ولألـقي نـظـراتي مـن فـوق وأرى الـصّـفـحـات بـأكـمـلـهـا … وفـتـحـت الـكـتـاب مـن وسـطـه تـقـريـبـاً وبـقـيـت مـتـسـمّـراً في مـكـاني مـنـبـهـراً بـرسـم فـلانـدان لـمـنـحـوتـة قـلـيـلـة الـبـروز … ورأيـت امـرأة تـقـف بـجـانـبي وتـتـأمّـل مـثـلي بـصـمـت الـرّسـم الـرّائـع. وسـألـتـني بـصـوت خـافـت عـن هـذا الـكـتـاب “الـمـذهـل”. فـتـحـتُ لـهـا الـصّـفـحـة الأولى لـتـقـرأ الـعـنـوان. ثـمّ عـرفـت أنّـهـا كـانـت الـمـسـؤولـة عـن قـسـم الـكـتـب الـقـديـمـة في الـمـكـتـبـة، مـكـتـبـة مـديـنـة صـغـيـرة في وسـط فـرنـسـا اسـمـهـا لـيـمـوج. ولـم تـكـن الـمـكـتـبـة الـجـامـعـيـة تـمـتـلـك نـسـخـة مـنـه. قـالـت لي الـمـسـؤولـة إنّـهـا لـم تـكـن تـتـصـور أنّ مـكـتـبـتـهـا تـمـتـلـك مـثـل هـذا “الـكـنـز”.  وأخـبـرتـهـا أنّ مـا أمـامـنـا لـم يـكـن إلّا الـجـزء الأوّل مـن أجـزاء “الـكـنـز” الـخـمـسـة، وأنّ الـمـوظـفـة الّـتي جـلـبـتـه لي كـانـت قـد أخـبـرتـني أنّـه لـم يـنـزل مـن رفـوفـه مـنـذ سـنـوات طـويـلـة ولـم يـفـتـحـه أحـد.

وجـعـلـني هـذا أفـكّـر في حـال الـثّـقـافـة في كـلّ مـكـان وفي كـلّ الأزمـان، وكـيـف قـضى بـوتـا سـنـوات مـن الـجـهـد الـمـتـواصـل لإخـراج الـقـصـر مـن تـحـت أكـوام الـتّـراب ثـمّ نـسـخ الـنّـقـوش، وكـيـف قـضى فـلانـدان أشـهـراً عـانى بـهـا مـن أتـعـاب الـسّـفـر ومـن أتـعـاب الـعـمـل ومـن شـدّة الـحـرّ وضـربـات الـشّـمـس وعـواصـف الـتّـراب الـخـانـقـة، وكـيـف قـضى حـرفـيـو الـطّـبـاعـة مـا لا يـحـصى مـن الاشـهـر في حـفـر الـرّسـوم عـلى الـخـشـب وتـحـبـيـرهـا ثـمّ طـبـعـهـا عـلى الـورق لـلـوصـول إلى نـشـر كـتـاب صـدر بـدقّـة وجـمـال لـيـس بـعـدهـمـا دقّـة وجـمـال … وكـانـت نـتـيـجـة كـلّ هـذا أن تـبـقى أغـلـب نـسـخـه تـرقـد عـلى رفـوف الـمـكـتـبـات لا يـفـتـحـهـا أحـد ولا تـقـطـع أنـفـاس أحـد انـبـهـاراً …

ولا أدري كـم مـن قـرائي سـيـصـل إلى هـذ الـمـقـطـع ويـشـاركـني  رثـائي لـحـال الـمـعـرفـة في كـلّ زمـان ومـكـان …

مـلـحـق

حـوش خـورسـبـاد في مـتـحـف الـلـوفـر الآن :

بـعـد سـنـوات مـن الـعـمـل لـتـحـديـث مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس وتـوسـيـعـه، فـتـح  “مـتـحـف الـلـوفـر الـكـبـيـر  Le grand Louvre” أبـوابـه في صـيـغـتـه الـجـديـدة عـام 1993.

وقـد خـصـصـت فـيـه قـاعـة فـسـيـحـة كـانـت حـوشـاً سُـقّـف بـزجـاجـيـات واسـعـة أسـمي : “حـوش خـورسـبـاد  La cour Khorsabad”. وكـان الـهـدف مـنـه أن تـوضـع الـمـنـحـوتـات الـضّـخـمـة، وخـاصّـة الـثّـيـران الـمـجـنّـحـة في مـكـان يـوحي بـهـيـبـة قـاعـات الـقـصـور الآشـوريـة الـشّـديـدة الـضّـخـامـة، وأن يـضـيـئـهـا نـور الـنّـهـار الـنّـافـذ مـن زجـاجـيـات الـسّـقـف.

حوش خرسباد

ومـا زالـت أتـوقـف في كـلّ مـرّة أذهـب فـيـهـا لـزيـارتـهـا لأتـأمّـلـهـا في غـربـتـهـا، يـمـرّ أمـامـهـا الـسّـوّاح وزوّار الـمـتـحـف الّـذيـن يـجـهـل أغـلـبـهـم عـنـهـا كـلّ شئ، يـلـتـقـطـون أمـامـهـا صـوراً ويـمـضـون مـسـرعـيـن، وأتـصـوّرهـا وهي تـتـذكّـر بـأسى الـزّمـن الّـذي كـانـت تـنـتـصـب فـيـه شـامـخـة عـلى أبـواب قـصـر الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني “سـيّـد جـهـات الـدّنـيـا الأربـع” ويـقـطـع جـمـالـهـا وهـيـبـتـهـا أنـفـاس الـمـارّيـن بـهـا انـبـهـاراً وخـشـيـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  واسـمـه الـكـامـل جـان ــ بـاتـيـسـت أوجـيـن نـابـلـيـون فـلانـدان Jean-Baptiste Eugène Napoléon FLANDIN . ولـد في نـابـولي، في جـنـوب إيـطـالـيـا سـنـة 1809.  ودرس الـرّسـم عـلى يـدي الـفـنّـان الـفـرنـسي الـشّـهـيـر هـوراس فـيـرنـيـه Horace Vernet  في بـاريـس، ثـمّ صـاحـب الـجـيـش الـفـرنـسـي كـرسّـام إلى الـجـزائـر عـام 1837.

(2) نـشـر أوجـيـن فـلانـدان وبـسـكـال كـوسـت نـتـائـج بـعـثـتـهـمـا في كـتـاب بـخـمـسـة أجـزاء صـدرت في بـاريـس بـيـن عـامي 1843 و 1854 . إحـتـوى الـجـزء الأوّل عـلى الـنّـصّ والأجـزاء الأربـعـة الـتّـالـيـة عـلى الـرّسّـوم :

Voyage en Perse, entrepris par ordre de M. le Ministre des Affaires étrangères, d’après les instructions dressées par l’Institut pendant les années 1840 et 1841, 1 vol. de texte et 4 vol. planches. Paris 1843-1854.

(2) كـان بـوتـا في الأربـعـيـن مـن عـمـره عـنـدمـا وصـل إلى الـمـوصـل، فـقـد ولـد سـنـة 1802، ودرس الـطّـبّ والـعـلـوم الـطّـبـيـعـيـة وشـغـف بـدراسـة الـلـغـات. وقـد شـارك عـنـدمـا كـان في الـرّابـعـة والـعـشريـن مـن عـمـره، في رحـلـة عـلـمـيـة حـول الـعـالـم مـع الـقـبـطـان دوهـو سـيـلي Duhaut -Cilly  دامـت ثـلاث سـنـوات، ثـمّ عـيّـن قـنـصـلاً في الإسـكـنـدريـة عـام 1833، وحـسّـن فـيـهـا مـعـرفـتـه بـالـلـغـة الـعـربـيـة، وبـدأ يـهـتـمّ بـالآثـار الـقـديـمـة. وسـافـر بـوتـا في مـصـر والـيـمـن ولـبـنـان بـحـثـاً عـن أنـواع نـبـاتـيـة وحـيـوانـيـة يـبـعـثـهـا لـمـتـحـف الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي في بـاريـس.

(3) ذكـر بـوتـا أنّ قـرويـاً مـن خـورسـبـاد جـاء إلى حـفـريـات قـويـنـجـق لـلـتّـفـرّج، وعـنـدمـا عـرف أنّـهـم يـبـحـثـون عـن آثـار قـديـمـة أخـبـره أنّ في قـريـتـه مـنـحـوتـات عـلى الـحـجـر. وأرسـل بـوتـا بـعـض عـمـالـه مـع الـرّجـل لـيـتـأكّـد مـن ذلـك. وكـان مـا قـالـه الـرّجـل صـحـيـحـاّ، فـنـقـل بـوتـا حـفـريـاتـه في حـوالي مـنـتـصـف شـهـر آذار 1843 إلى خـورسـبـاد.

(4)  أنـظـر مـقـالي : لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

(5) Voyage en Mésopotamie par Eugène Flndin, chrgé de mission archéologique à Mossoul 1843-1845, dans: Le tour du monde, nouveau journal des voyages,deuxième semestre, Paris 1861, Pages 66- 80

(6) كـتـب الـيـعـقـوبي في “مـعـجـم الـبـلـدان” اسـم هـذه الـقـريـة : “خُـرُسـتـابـاذ”، ووصـفـهـا بـأنّـهـا : “قـريـة مـن شـرقي دجـلـة وأعـمـال نـيـنـوى ذات مـيـاه وكـروم كـثـيـرة، شـربـهـا مـن فـضـلـة مـيـاه رأس الـنّـاعـور الـمـسـمـاة بـالـزّرّاعـة، إلى جـانـبـهـا مـديـنـة قـديـمـة يـقـال لـهـا صـرعـون خـراب”.

وذكـر الـيـعـقـوبي عـن صـرعـون : “مـديـنـة كـانـت قـديـمـة في أعـمـال نـيـنـوى خـيـر أعـمـال الـمـوصـل، خـربـت ويـزعـمـون أنّ فـيـهـا كـنـوزاً قـديـمـة. يـحـكى أنّ جـمـاعـة وجـدوا فـيـهـا مـا اسـتـغـنـوا بـه، ولـهـا حـكـايـة وذكـر في الـسّـيـر الـقـديـمـة”.

(7) Paul- Emile BOTTA, Monument de Ninive découvet et décrit par M. P.- E. Botta, mesuré et dessine par M. E. Flandin. ( 5 volumes), Paris, Imprimerie nationale, 1849- 1850

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

 

لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 

رحـلـة الـرّسّـام الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان الأولى إلى الـعـراق :

إخـتـار “مـعـهـد فـرنـسـا L’Institut de France” (الّـذي يـضـمّ كـلّ الأكـاديـمـيـات الـفـرنـسـيـة) عـام 1840 الـرّسّـام أوجـيـن فـلانـدان Eugène Flandin (1) لـلـمـشـاركـة في مـهـمّـة بـاسـم مـلـك فـرنـسـا، لـويـس فـيـلـيـب، يـرأسـهـا إدوار دو سـيـرسي Edouard de Sercey إلى بـلاد الـفـرس لـتـوثـيـق عـلاقـات سـيـاسـيـة واقـتـصـاديـة مـع مـحـمّـد شـاه قـجـر، ولـلـتـعـرف عـلى الـبـلـد ومـا يـجـاوره، ودراسـة الـمـواقـع الأثـريـة والـمـعـالـم الـحـديـثـة في الـمـنـطـقـة.

وضـمّـت الـبـعـثـة أيـضـاً الـمـعـمـاري وعـالـم الآثـار بـاسـكـال كـوسـت                  Pascal COSTE.

وبـعـد عـودة دو سـيـرسي إلى بـاريـس، أكـمـل فـلانـدان وكـوسـت رحـلـتـهـمـا عـبـر الـمـنـطـقـة لـدراسـة مـعـالـمـهـا الأثـريـة، وسـارا في طـرق لا يـعـرفـانهـا وفي جـو مـتـطـرّف في شــدّة بـرودتـه وحـرارتـه وبـيـن أنـاس لا يـفـهـمـان لا لـغـتـهـم ولا عـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم.

ودامـت سـفـرتهـمـا عـامـيـن مـرّا بـهـا بـيـن مـا مـرّا بـأصـفـهـان و شـيـراز و تـبـريـز وبـغـداد الّـتي وصـلاهـا في تـمّـوز عـام 1841، والـمـوصـل وحـلـب والـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) ثـمّ عـادا إلى بـاريـس.

ويـذكـر فـلانـدان وكـوسـت في الـفـصـل الـخـامـس عـشـر مـن الـجـزء الـثّـاني كـتـاب  نـشـراه في بـاريـس عـنـوانـه : “رحـلـة إلى بـلاد فـارس  Voyage en Perse “، (2) عـبـورهـمـا لـلـجـزء الـتّـركي مـن كـردسـتـان ووصـولـهـمـا إلى الـسّـلـيـمـانـيـة وإلى كـفـري ثـمّ إلى بـغـداد عـبـر الـبـاديـة.

Flandin er C

ويـتـكـلّـمـان في الـفـصـل الـسّـادس عـشـر عـن زيـارتـهـمـا لـطـيـسـفـون (الـمـدائـن) ولـسـفـرتـهـمـا إلى بـابـل، ويـتـكـلّـمـان عـن خـرائـب بـابـل وعـن الـحـلّـة ثـمّ عـودتـهـمـا إلى بـغـداد.

ومـن بـغـداد صـعـدا إلى الـمـوصـل فـديـار بـكـر ثـمّ حـلـب وبـيـروت، ثـمّ عـادا إلى فـرنـسـا.

وقـد ألـحـق بـالـكـتـاب ثـلاثـة أجـزاء تـضـمّ الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الّـتي أخـذت عـن رسـوم فـلانـدان وكـوسـت بـعـد أن حـفـرت عـلى الـخـشـب وطـبـعـت.

ونـجـد في ثـانـيـهـا أي في الـجـزء الـرّابـع مـن الـكـتـاب ثـمـانـيـة رسـوم عـن الـعـراق سـأضـعـهـا في أمـاكـنـهـا مـن الـمـقـاطـع الّـتي سـأتـرجـمـهـا مـن الـكـتـاب : واحـد لـجـسـر (ألـتـون كـوبـري)، وثـلاثـة لـطـاق كـسـرى، وأربـعـة لـبـابـل.

رسـوم فـلانـدان لـلـعـراق في رحـلـتـه الأولى ووصـفـه لـه :

بـعـد أن مـرّ فـلانـدان ومـصـاحـبـه كـوسـت بـالـسّـلـيـمـانـيـة، وبـألـتـون كـوبـري الّـذي رسـمـه فـلانـدان :

Flandin voyage Altoon Kopri

نـزلا بـكـفـري : “مـديـنـة صـغـيـرة وسـط الـصّـحـراء، وجـدنـا مـكـانـاً سـنـقـضي فـيـه الـلـيـل في حـوش تـظـلـلـه نـخـلات قـلـيـلـة”. وبـعـد أن أراحـوا خـيـولـهـم غـادراهـا في الـلـيـلـة الـتّـالـيـة نـحـو بـغـداد الّـتي وصـلاهـا في 7 تـمّـوز 18841 (وأتـرجـم في مـا يـلي كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة عـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة) :

“مـنـذ أن تـركـنـا تـبـريـز، قـبـل أربـعـة وثـلاثـيـن يـومـاً، ونـحـن نـسـيـر بـلا تـوقـف. ولـهـذا فـمـا أن كـشـفـت لـنـا أولى أضـواء الـفـجـر مـنـائـر بـغـداد فـوق أفـق الـصّحـراء الـمـهـتـزّ  حـتّى نـهـضـنـا نـحـيي عـاصـمـة الـخـلـفـاء بـسـرور مـا بـعـده سـرور.

وارتـفـعـت الـشّـمـس في هـذا الـيـوم، الـسّـابـع مـن تـمّـوز في سـمـاء شـديـدة الـصّـفـاء عـنـدمـا وصـلـنـا إلى بـاب الـكـاظـم، أي بـاب الـعـبـد (خـلـط بـيـن الـكـاظـم والـخـادم !). ولـم يـكـن الـبـغـداديـون، في هـذه الـسّـاعـة الـمـبـكـرة، قـد اسـتـيـقـظـوا مـن نـومـهـم بـعـد، ولـم نـر في الـدّروب إلّا الـكـراول  Caraouls  أي الـعـسـاسـيـيـن الأتـراك. ولـم نـسـتـطـع الـدّخـول فـقـد كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر أن تـفـتـح أبـواب الـمـديـنـة. وأخـيـراً وصـل الـضّـابـط الـمـسـؤول عـن الـبـوابـة. وبـعـد أن تـوضـأ وأقـام الـصـلاة، فـتـحـهـا ودخـلـنـا”.

ولـم يـجـدا الـقـنـصـل الـفـرنـسي ولا الـمـسـتـشـار في الـمـديـنـة، فـبـحـثـا عـن سـكـن، ووجـدا داراً رخـيـصـة الإيـجـار لأنّـهـمـا قـررا الإقـامـة في بـغـداد حـتّى يـنـتـهي الـقـيـظ، كـمـا كـانـا يـنـويـان زيـارة طـيـسـفـون (الـمـدائـن) وبـابـل.

ومـا أن ارتـاحـا مـن مـتـاعـب الـسّـفـر حـتّى شـرعـا في الـبـحـث عـن آثـار عـاصـمـة الـخـلـفـاء :

“وقـضـيـنـا الأيّـام الأولى في ذرع دروب الـمـديـنـة الـعـجـيـبـة الّـتي كـانـت تـمـثّـل لـنـا في بـدايـة إقـامـتـنـا فـيـهـا الـهـيـبـة الّـتي كـان تـضـفـيـهـا عـلـيـهـا ذكـريـات الـخـلـفـاء وحـضـارة تـلـك الـفـتـرة الإسـلامـيـة الـزّاهـرة. وعـلى الـقـارئ أنّ لا يـنـسى تـأثـيـر حـكـايـات “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” في خـيـالـنـا، نـحـن الأوربـيـيـن.

ولـكـن لـم يـعـد لـبـغـداد مـجـدهـا الـقـديـم، وتـراكـمـت طـبـقـات كـثـيـفـة مـن الأتـربـة غـطـت أسـافـل الـبـنـايـات الّـتي لا تـبـدو فـيـهـا إلّا بـالـكـاد آثـار هـرون الـرّشـيـد.

ونـجـد بـعـد بـحـث طـويـل في زوايـا الأسـواق أو عـلى ضـفـاف الـنّـهـر وسـط أكـوام خـرائـب ضـاعـت حـتّى لـم يـعـد أحـد يـتـذكّـر أسـمـاءهـا بـقـايـا جـدران عـلـيـهـا نـقـوش كـوفـيـة أو مـئـذنـة مـتـسـاقـطـة أو مـا ظـلّ قـائـمـاً مـن بـوابـة مـغـطـاة بـالـقـاشـاني ظـلّـت أجـزاء مـلـوّنـة مـنـهـا مـلـتـصـقـة بـخـلـفـيـة الـجـصّ الـمـتـشـقـق. ولا يـبـدو عـلى الأتـراك أنّـهـم يـبـالـون بـضـيـاع آثـار الـحـضـارة الّـتي كـانـت زاهـرة ونـافـسـت حـضـارة الـبـيـزنـطـيـيـن”.

“وعـلى الـمـسـافـر أن لا يـبـحـث عـن مـاضي الـمـديـنـة، وأن يـكـتـفي بـالـمـديـنـة الـحـالـيـة، أن يـتـأمّـل مـسـاجـدهـا الـجـديـدة وفـنـونـهـا الـحـاضـرة، فـفـيـهـا مـا يـشـبـع فـضـولـه. ثـمّ أنّ نـهـرهـا الـعـربي وسـمـاءهـا الـصّـافـيـة الّـتي تـعـكـس زرقـتـهـا عـلى آجـر قـبـاب مـسـاجـدهـا وعـلى رؤوس نـخـيـلـهـا الـبـالـغـة الـعـلـو سـتُـبـقي بـغـداد حـيّـة في ذاكـرتـه”.

“وبـغـداد مـكـان تـبـادل الـبـضـائـع والـسّـلـع بـيـن الـهـنـد وبـلاد الـفـرس وتـركـيـا، وأسـواقـهـا الـشّـديـدة الإمـتـداد لـهـا أهـمـيـة كـبـيـرة. ونـجـد فـيـهـا مـجـتـمـعـة مـا جـاء مـن مـنـاطـق مـخـتـلـفـة : مـنـتـجـات تـتـنـافـس في الـحـسـن وجـودة الـنّـوعـيـة. وفـيـهـا تُـنـزل حـمـولـتـهـا الـمـراكـب الـصّـاعـدة مـن الـخـلـيـج، والـقـوافـل الـنّـازلـة مـن آسـيـا الـصّـغـرى، وتـلـك الآتـيـة مـن سـوريـا ومـن جـزيـرة الـعـرب. كـلّ آسـيـا تـتـوجـه إلى بـغـداد الّـتي صـارت سـوقـاً شـديـدة الـسّـعـة لـتـجـارة بـالـغـة الـغـنى والـثّـراء، ومـركـز اتـصـالات بـيـن كـلّ شـعـوب هـذا الـجـزء مـن الـعـالـم.

ولـكي يـدرك الـقـارئ مـدى أهـمـيـة الـمـبـادلات الـتّـجـاريـة الّـتي تـجـري في بـغـداد يـكـفـيـنـا أن نـذكـر لـه أنّ فـيـهـا سـتـيـن شـركـة تـجـاريـة أوربـيـة جـاءت مـن كـلّ بـلـدان أوربـا”.

وقـد سـجّـل فـلانـدان بـعـد ذلـك وصـفـاً دقـيـقـاً لـمـديـنـة بـغـداد أنـهـاه بـالـمـقـطـع الـتّـالي عـن ولايـة بـغـداد :

“وبـغـداد مـن غـيـر شـكّ واحـدة مـن الأمـاكـن الأشـدّ أهـمّـيـة في الـقـارة الآسـيـويـة : مـوقـعـهـا عـلى نـهـر يـنـزل نـحـو الـمـحـيـط الـهـنـدي، وعـلى حـدود الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة مـن جـهـة وتـقـريـبـاً عـلى حـدود الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة مـن جـهـة أخـرى، تـحـاذي بـلاد الـفـرس مـن جـانـب وجـزيـرة الـعـرب مـن الـجـانـب الآخـر، يـضـفي عـلـيـهـا أهـمـيـة سـيـاسـيـة لا يـنـازعـهـا فـيـهـا مـنـازع. وفـوق ذلـك فـهي في وسـط مـنـطـقـة لا يـمـكـن تـصـور سـعـة خـيـراتـهـا لـو أعـدنـا لأهـلـهـا هـمّـة الـبـابـلـيـيـن وتـذكـرنـا حـضـارتـهـا الـمـاضـيـة، فـمـن كـركـوك إلى ضـفـاف الـخـلـيـج، ومـن جـبـال زاغـروس إلى الـفـرات تـمـتـد أراضٍ شـاسـعـة تـرويـهـا عـشـرات الأنـهـر، شـقّـت فـيـهـا قـنـوات قـديـمـة. وفي كـلّ مـكـان لا تـنـتـظـر هـذه الأراضي إلّا أن يـزرعـهـا الـزّارعـون ويـعـمّـروهـا، وأن تـسـتـخـرج مـن أعـمـاقـهـا ثـروات تـعـادل ثـروات الـهـنـد والـيـمـن الـسّـعـيـد”.

ونـفـهـم في آخـر هـذا الـمـقـطـع أنّـه يـدعـو الـسّـلـطـات الـفـرنـسـيـة وأصـحـاب رؤوس الأمـوال لـلـمـجئ إلى ولايـة بـغـداد لاسـتـثـمـار ثـرواتـهـا :

“وهـنـا يـمـكـن لـمـلايـيـن الـمـسـتـعـمـريـن أن يـغـتـنـوا مـن إنـتـاج الـسّـكّـر والـقـهـوة والـقـطـن وأحـسـن نـوعـيـات الـقـمـح لـو طـبّـقـوا فـيـهـا عـلـومـهـم الـزّراعـيـة [الـحـديـثـة] ومـعـارف حـضـارة يـحـتـقـرهـا الـبـدو لـقـلّـة حـاجـتـهـم إلـيـهـا”.

وكـتـب فـلانـدان مـلاحـظـاتـه عـن مـشـاريـع الإنـكـلـيـز في ولايـة بـغـداد :

“أدركـت إنـكـلـتـرة أهـمـيـة بـغـداد مـنـذ زمـن طـويـل. وإن لـم تـكـن قـد اسـتـعـمـرت هـذه الـمـنـطـقـة بـعـد فـهي تـبـذل كـلّ جـهـودهـا لـلـتّـوصـل إلى ذلـك. وفي انـتـظـار أن تـنـجـح في جـهـودهـا فـقـد جـعـلـت مـن [بـغـداد] مـركـزاً سـيـاسـيـاً شـديـد الأهـمـيـة، ووضـعـت فـيـه مـنـذ أكـثـر مـن عـشـريـن سـنـة مـقـيـمـاً تـدّل الـمـهـمـات الّـتي عـهـد إلـيـه بـهـا وأهـمـيـة الـمـوظـفـيـن الـمـحـيـطـيـن بـه عـلى مـشـروع إنـكـلـتـرة لـلـتـغـلـغـل في الـبـلـد. ويـكـفي أن نـرى الـمـبـالـغ الّـتي خـصـصـت لـمـهـمـتـه لـنـدرك عـظـمـهـا، كـمـا خـصـصـت لـحـراسـتـه قـطـعـات مـن الـجـنـود الإنـكـلـيـز والـهـنـود Sipayes . ووضـعـت في حـوش مـقـيـمـيـتـه مـدافـع، بـيـنـمـا ربـطـت في الـنّـهـر أمـامـهـا مـجـمـوعـة مـن الـسّـفـن الـبـخـاريـة، لـيـسـتـطـيـع الإتـصـال بـبـومـاي في الـهـنـد، وكـذلـك لـتـقـويـة مـكـانـتـه في داخـل مـديـنـة بـغـداد والّـتي تـمـتـد عـلى ضـفـتي الـنّـهـر. أمّـا فـرنـسـا فـقـد مـثّـلـهـا، حـتّى عـام 1841  مـوظـفـون قـنـصـلـيّـون قـلـيـلـو الـقـيـمـة …”.

ويـكـمـل كـلامـه عـن الـفـرق بـيـن الـمـشـاريـع الـفـرنـسـيـة والإنـكـلـيـزيـة :

“والـبـصـرة، الّـتي هي الأخـرى مـديـنـة مـهـمّـة، والّـتي تـقـع عـلى مـلـتـقى دجـلـة والـفـرات، كـان فـيـهـا قـنـصـل يـمـثـل فـرنـسـا مـنـذ أكـثـر مـن قـرن. وكـان فـيـهـا مـؤسـسـة تـجـاريـة فـرنـسـيـة مـهـمـة ومـكـتـب مـبـادلات، ولـكـن مـصـالـح مـواطـنـيـنـا في هـذه الـمـديـنـة الآن لا يـدافـع عـنـهـا أحـد، ولا يـمـثـلـنـا فـيـهـا إلّا عـمـيـل لا أهـمـيـة لـه يـرتـدي عـمـامـة وثـيـابـاً عـربـيـة، لا فـرق بـيـنـه وبـيـن أي واحـد مـن رؤسـاء raïas الـمـسـيـحـيـيـن. وصـارت دار الـقـنـصـلـيـة خـرابـاً لا يـجـد الـفـرنـسـيـون الّـذيـن يـمـرّون بـالـبـصـرة فـيـهـا لا أمـنـاً لأشـخـاصـهـم ولا حـمـايـة لـمـصـالـحـهـم. وعـلى الـعـكـس مـن ذلـك، شـيّـد الإنـكـلـيـز فـيـهـا بـنـايـة شـديـدة الـضّـخـامـة، مـسـوّرة مـحـصّـنـة، هي في نـفـس الـوقـت مـقـيـمـيـة لـمـسـؤولـيـهـا ولـعـمـلائـهـا، ومـركـزاً لإدارة بـحـريـتـهـا، ومـخـازن يـكـدّسـون فـيـهـا كـلّ مـا يـمـكـنـه أن يـنـفـعـهـم لإعـداد مـشـاريـعـهـم في الـمـسـتـقـبـل. وبـيـنـمـا تـتـلاشـى مـكـانـة فـرنـسـا تـعـظـم مـكـانـة إنـكـلـتـرة. وهـكـذا مـنـذ أواخـر الـقـرن الـمـاضي قـلّـت أهـمـيـة واحـدة مـنـهـمـا عـلى هـذه الـسّـواحـل الـبـعـيـدة بـيـنـمـا أزداد تـوسـع الأخـرى حـتّى شـمـل كـلّ أرجـاء الـعـالـم”.

ورغـم أنّ أوجـيـن فـلانـدان ومـصـاحـبـه لـم يـزورا الـبـصـرة فـقـد كـتـب مـا ذكـرنـاه نـقـلاً عـن الـفـرنـسـيـيـن الّـذيـن ألـتـقـيـا بـهـم في بـغـداد، وهـو ولا شـكّ يـمـثّـل آراءهـم عـن الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة في تـلـك الـفـتـرة.

الـمـدائـن :

Flandin voyage 2

تـرك أوجـيـن فـلانـدان ومـصـاحـبـوه بـغـداد بـعـد غـروب الـشّـمـس مـتّـجـهـيـن نـحـو الـمـدائـن (سـلـمـان بـاك) ووصـلـوهـا بـعـد مـسـيـرة خـمـس سـاعـات، في حـوالي مـنـتـصـف الـلـيـل. ويـذكـر فـلانـدان أنّ الـنّـاس كـانـوا يـسـمـون الإيـوان : “تـخـت كـسـرى” أي عـرش كـسـرى أو “طـاق كـسـرى”.

ولـم تـكـن مـعـرفـتـه بـتـاريـخ الـمـدائـن، أي طـيـسـفـون وسـلـوقـيـة دجـلـة، مـعـرفـة عـمـيـقـة، ولا تـتـجـاوز مـا كـان شـائـعـاً عـنـهـمـا في ذلـك الـحـيـن، ولـكـن الـرّسّـوم الـشّـديـدة الـدّقـة الّـتي نـفّـذهـا فـلانـدان عـن الـطـاق والـتـخـطـيـطـات الـهـنـدسـيـة الّـتي قـام بـهـا بـاسـكـال كـوسـت تـبـقى شـهـادات مـهـمّـة عـن حـال الـطّـاق عـنـدمـا زاراه :

ثـمّ عـادا إلى بـغـداد. وبـعـد أن بـقـيـا فـيـهـا عـدّة أيّـام غـادراهـا مـن جـديـد نـحـو الـحـلّـة، وقـد سـافـرا لـيـلاً لـشـدّة قـيـظ تـمّـوز، وقـطـعـا الـمـسـافـة في خـمـس مـراحـل هـبّـت خـلالـهـا عـواصـف تـراب : الـسّـم  sam. ووصـلا الـحـلّـة بـعـد يـومـيـن.

بـابـل :

Flandin voyage 6 

وبـعـد وصـف دقـيـق ومـفـصّـل لـلـقـنـوات الّـتي كـان الـبـابـلـيـون قـد شـقّـوهـا بـمـهـارة لـيـس بـعـدهـا مـهـارة لـيـحـولـوا الـفـيـافي إلى جـنّـات مـتـنـوعـة الـخـضـرة، وصـل فـلانـدان ومـصـاحـبـوه إلى : “قُـريـة تـهـدمـت أغـلـب دورهـا تُـدعى بـ “الـمـحـاويـل”. ومـا أن تـركـوا الـمـحـاويـل حـتّى أبـصـروا نـحـو الأفـق بـتـلال بـابـل.

وذهـبـوا إلى “تـلّ بـابـل” الّـذي وجـدوا عـلـيـه نـقـوشـاً بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة، ومـنـه رأوا تـلّاً آخـر يـدعي “الـقـصـر” تـسـلـقـاه والـتـقـطـا عـلـيـه ألـواحـاً تـغـطـيـهـا نـقـوش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة :

Flandin voyage

ويـمـكـنـنـا أن نـتـعـرف في الـنّـص الّـذي نـراه في أعـلى الـصّـورة عـلى اسـم الـمـلـك نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني :

Flandin voyage (2)

كـمـا تـسـلـقـا أيـضـاً تـلّ “عـمـران بـن عـلي” وتـلّاً آخـر “عـلى بـعـد ثـمـانـيـة كـيـلـومـتـرات شـرق “الـقـصـر” يـسـمـونـه “El Heimar” عـلـيـه بـقـايـا أبـنـيـة قـديـمـة…

ووجـدا : “تـلّاً واحـداً لـه أهـمـيـة في الـضّـفـة الـيـمـنى مـن الـفـرات، عـلى بـعـد تـسـعـة كـيـلـومـتـرات مـن الـحـلّـة : “بـيـرس نـمـرود Birs-Nemrod أو بـرج نـمـرود  Bourdj-Nemrod،وعـلـيـه الـبـرج الـوحـيـد الّـذي بـقي مـنـتـصـبـاً وسـط هـذا الـخـراب الـشّـامـل”.

Flandin voyage 7

وبـيـرس نـمـرود هـذا كـمـا أظـهـرتـه الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر مـوقـع مـديـنـة بـورسـيـبـا الـقـريـبـة مـن مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة.

ورسـم الـمـعـمـاري بـاسـكـال كـوسـت مـخـطـطـاً لـلـمـوقـع :

Flandin voyage 5

وكـانـت نـتـيـجـة بـحـثـهـمـا : “وهـكـذا نـرى أنّ بـابـل كـانـت أعـظـم مـدن الـدّنـيـا في الأزمـان الـقـديـمـة، وكـانـت رأس واحـدة مـن أوسـع الإمـبـراطـوريـات امـتـداداً كـمـا كـانـت روحـهـا، ولـكـنّ عـظـمـتـهـا نـفـسـهـا هي الّـتي تـسـبـبـت في سـقـوطـهـا، ولـم يـبـقَ مـنـهـا في أيّـامـنـا هـذه أثـر”.

وعـلـيـنـا أن لا نـنـسى هـنـا أنّ فـلانـدان وكـوسـت مـرّا بـبـابـل عـام 1841، قـبـل أن تـبـدأ الـتّـنـقـيـبـات الـعـلـمـيـة في الـمـوقـع بـأكـثـر مـن نـصـف قـرن، وأنّ مـعـرفـتـهـمـا بـهـا لـم تـكـن تـتجـاوز مـا كـانـا قـد وجـداه في أسـفـار الـتّـوراة وعـنـد الـمـؤلـفـيـن الـيـونـان والـرّومـان مـن نـصـوص تـمـتـزج الـخـرافـات فـيـهـا بـالأسـاطـيـر.

وبـعـد أن قـضـيـا ثـلاثـة أيّـام في الـحـلّـة، أرادا الـعـودة إلى بـغـداد مـع مـصـاحـبـيـهـم. ولـكـن الـعـشـائـر كـانـت قـد ثـارت ضـدّ الـوالي وامـتـدت الإضـطـرابـات إلى بـغـداد. ولـم يـسـمـح لـهـمـا حـاكـم الـحـلّـة بـتـرك الـمـديـنـة إلّا تـحـت حـراسـة أربـعـيـن فـارس ألـبـاني وأرنـؤوطي. ووصـلا بـغـداد في بـدايـة أيـلـول.

وعـنـدمـا أرادا تـرك بـغـداد، عـلـمـا بـأنّ الـعـشـائـر ثـارت أيـضـاً بـيـن بـغـداد والـمـوصـل مـنـذ شـهـر. وقـد اسـتـطـاع قـنـصـل فـرنـسـا في بـغـداد أقـنـاع بـاشـا كـركـوك الّـذي كـان يـنـوي الـعـودة إلى مـديـنـتـه بـأن يـصـاحـبـه فـلانـدان وكـوسـت.  وهـكـذا تـركـا بـغـداد في الـخـامـس مـن شـهـر أيـلـول.

ووصـلا إلى كـركـوك مـع الـبـاشـا الّـذي أمـر عـدداً مـن فـرسـانـه بـمـصـاحـبـتـهـمـا إلى الـمـوصـل. ومـن الـمـوصـل ذهـبـا إلى حـلـب عـن طـريـق ديـار بـكـر، ثـمّ إلى بـيـروت وفـرنـسـا الّـتي وصـلاهـا في الأوّل مـن كـانـون الأوّل 1841.

مـقـال نـشـره فـلانـدان عـام 1861 عـن رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق :

نـشـر أوجـيـن فـلانـدان عـام 1861 (أي بـعـد عـشـريـن سـنـة مـن زيـارتـه الأولى لـلـعـراق) في مـجـلـة “حـول الـعـالـم  Le tour du monde” الـفـرنـسـيـة (الـقـسـم الـرّابـع، مـن ص. 49 إلى ص. 65)، مـقـالاً عـنـوانـه : “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  Voyage en Mésopotamie”. والـمـقـال بـ 32  صـفـحـة. وفـيـه عـدد مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الـمـأخـوذة مـن رسـومـه.

وقـد تـرجـم هـذا الـمـقـال الأب بـطـرس حـدّاد تـحـت عـنـوان : “رحـلـة في مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ونـشـره عـام 2005، ولـكـنّي كـعـادتي في كـلّ مـقـالاتي، أتـرجـم لـكـم كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة مـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة.

ويـأخـذ الـمـقـال مـا كـان فـلانـدان قـد نـشـره في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق مـن كـتـاب “رحـلـة إلى بـلاد فـارس”، مـع إضـافـات بـسـيـطـة هـنـا وهـنـاك.

ويـعـيـد سـرده في هـذا الـمـقـال لـمـسـيـرتـه مـع بـاسـكـال كـوست ومـصـاحـبـيـهـمـا مـن تـبـريـز إلى الـسّـلـيـمـانـيـة، ووصـولـهـمـا عـن طـريـق كـفـري إلى بـغـداد.

وخـلال وصـفـه لـبـغـداد يـتـكـلّـم عـن مـسـاجـد بـغـداد : “ومـن أجـمـلـهـا جـامـع الـمـيـدان أو مـا يـسـمى بـجـامـع  Ahmet Khiaïa   الّـذي يـغـطـيـه بـكـامـلـه آجـر مـزجـج تـتـشـابـك زخـارفـه بـأشـكـال رائـعـة وبـألـوان زاهـيـة. وهـو يـهـيـمـن عـلى سـاحـة الـمـيـدان الـواسـعـة الّـتي تـنـفـتـح عـلـيـهـا مـقـاهٍ ودكـاكـيـن وخـانـات مـسـافـريـن، والّـتي تـمـتـلئ مـنـذ الـصّـبـاح الـبـاكـر بأعـراب يـحـتـلّـونـهـا لـبـيـع بـطـيـخـهـم الأصـفـر وبـطـيـخـهـم الـسّـنـدي ودجـاجـهـم وأنـواع أخـرى مـمـا يـربّـون ويـجـنـون. وهي أيـضـاً مـحـطّـة وصـول قـوافـل الـشّـمـال أو مـغـادرتـهـا. وفـيـهـا تـنـزّل حـمـولات الـجـمـال في انـتـظـار الـقـوافـل الّـتي تـوصـلـهـا إلى آسـيـا الـصّـغـرى” :

Tour du monde

وكـتـب أوجـيـن فـلانـدان وهـو في جـانـب الـكـرخ :”ويـربـط بـيـن جـزئي الـمـديـنـة جـسـر قـوارب طـويـل جـدّاً فـدجـلـة نـهـر واسـع الـعـرض. ونـشـاهـد بـلا انـقـطـاع قـوافـل تـمـرّ عـلـيـه وخـيّـالـة وجـمـال مـحـمّـلـة وقـطـعـان غـنـم جـلـبـت مـن الأريـاف لإطـعـام سـكـان الـمـديـنـة” :

Tour du monde 3

“ونـجـد مـن جـهـتي الـنّـهـر مـقـاهي تـنـفـتـح طـارمـاتـهـا عـلـيـه يـجـلـس فـيـهـا بـغـداديـون يـدخـنـون في نـارجـيـلات أنـيـقـة أفـضـل أنـواع تـبـغ الـشّـرق وهـم يـحـتـسـون أحـسـن أنـواع قـهـوة مـخـا. وتـمـتـد أنـظـار الـجـالـس في الـمـقـهى عـبـر الـنّـهـر نـحـو الـصّـوب “الـمـقـابـل :

Flandin 2

“ويـمـكـنـنـا مـن هـذه الـجـهـة مـن الـنـهـر أن نـبـصـر قـرب الـمـديـنـة بـأربـع مـآذن مـمـشـوقـة مـغـطـاة بـالآجـر الـمـزجـج تـنـبـثـق مـن بـيـن غـابـات الـنّـخـيـل، وتـعـلـو بـيـنـهـا قـبـتـان يـغـطـيـهـمـا الآجـر الـمـزجـج أيـضـاً تـتـلامـعـان بـزخـارفـهـمـا الـمـتـشـابـكـة. وهـو جـامـع واسـع تـجـمـعـت حـولـه بـيـوت قـريـة يـسـكـن في كـلّ واحـد مـنـهـا تـقـريـبـاً “مُـلّا  molla” أي رجـل ديـن أو زوّار جـاءوا لـلـتّـعـبـد. ويـدعى هـذا الـبـنـاء “مـسـجـد الإمـام مـوسى  Matchid-Imam-Moussa” :

Flandin Imam Moussa 2

ورغـم أنّ فـلانـدان خـصـص مـقـطـعـاً مـن مـقـالـه لـ “قـبـر زبـيـدة”، فـلـم يـضـع رسـمـاً لـه، وإنّـمـا وضـع رسـمـاً لـضـريـح الـشّـيـخ عـمـر :

Tour du monde 2

كـمـا وضـع رسـمـاً يـظـهـر داخـل بـيـت بـغـدادي :

Flandin Méso 4

وفي كـلامـه عـن سـفـرتـه إلى الـحـلّـة وبـابـل وضـع أوجـيـن فـلانـدان رسـمـاً لـلـحـلّـة كـان قـد نـفّـذه عـام 1841 ولـم يـضـع في كـتـابـه عـام 1843، وكـتـب تـحـتـه “صـورة الـحـلّـة عـلى الـفـرات” :

Flandin Hilla 2

وأنـهى مـقـالـه بـمـغـادرة بـغـداد نـحـو الـمـوصـل ووضـع صـورة كـان قـد رسـمـهـا لـلـمـوصـل عـام 1841 ولـم يـضـعـهـا في كـتـابـه :

Flandin Mossoul

وسـنـخـصـص مـقـالـنـا الـمـقـبـل عـن عـودة أوجـيـن فـلانـدان إلى إلى الـمـوصـل في 4 أيّـار 1844، وعـن رسـومـه لـلآثـار الآشـوريـة.

 

مـلـحـق

نـفّـذ الـفـنّـان الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان عـدداً مـن الـرّسـوم والـلـوحـات عـن الـعـراق لـم يـنـشـرهـا في كـتـابـه : “رحـلـة إلى بـلاد فـارس” ولا في مـقـالـه “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ولـكـن مـا زالـت في مـجـمـوعـات الـمـتـاحـف أو في مـقـتـنـيـات بـعـض جـامـعي الأعـمـال الـفـنّـيـة ، مـثـل الـلـوحـة الـزّيـتـيـة (22×38 سـم.) الّـتي رسـمـهـا عـام 1843، بـعـنـوان : “مـشـهـد مـن بـغـداد        Vue de Bagdad” والّـتي يـحـتـفـظ بـهـا مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة مـرسـيـلـيـا (جـنـوب فـرنـسـا) تـحـت رقـم الـجـرد: 156. ولـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى صـورة لـلـوحـة رغـم مـحـاولاتي الـمـتـكـررة.

ولـديـنـا رسـم لـجـانـب الـرّصـافـة كـمـا رآه فـلانـدان مـن الـجـانـب الـمـقـابـل :

138522

و رسـمـان لأوجـيـن فـلانـدان بـالألـوان الـمـائـيـة نـفّـذهـمـا عـام 1841 عـنـوان الأوّل “بـغـداد  Bagdad” (16×5،28 سـم.):

Flandin Bagdad 3

والـثّـاني : “ذكـريـات مـن بـغـداد  Souvenir de Bagdad” (34×24 سـم.) :

Flandin souvenire de Bagdad

ولـوحـة زيـتـيـة رسـمـهـا عـام 1941 أيـضـاً عـنـوانـهـا : “رجـل مـن بـغـداد              Un homme de Bagdad”  (38×27 سـم.) :

Flandin un homme de Bagdad

ووجـدت لـيـثـوغـرافـيـا بـالأبـيـض والأسـود عـنـوانـهـا “الـنّـاعـورة، بـغـداد         Noria ou puits d’arrosage, Bagdad” :

Flandin Noria

وقـد رسـم في نـفـس هـذه الـفـتـرة بـالألـوان الـمـائـيـة والـغـواش (32×23 سـم.) : “نـسـور تـلـتـهـم جـمـلاً   Vautours dévorant un chameau” :

Flandin tableau

وتـحـتـفـظ مـكـتـبـة مـديـنـة مـرسـيـلـيـا في مـجـمـوعـاتـهـا الـتّـراثـيـة بـرسـم نـفّـذه بـاسـكـال كـوسـت يـوم 20 تـمّـوز 1841 : “مـشـهـد لـدجـلـة في بـغـداد” :

Pascal Cost

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  واسـمـه الـكـامـل جـان ــ بـاتـيـسـت أوجـيـن نـابـلـيـون فـلانـدان Jean-Baptiste Eugène Napoléon FLANDIN . ولـد في نـابـولي، في جـنـوب إيـطـالـيـا سـنـة 1809. ودرس الـرّسـم عـلى يـدي الـفـنّـان الـفـرنـسي الـشّـهـيـر هـوراس فـيـرنـيـه Horace Vernet  في بـاريـس، ثـمّ صـاحـب الـجـيـش الـفـرنـسـي كـرسّـام إلى الـجـزائـر عـام 1837.

(2) نـشـر أوجـيـن فـلانـدان وبـسـكـال كـوسـت نـتـائـج بـعـثـتـهـمـا في كـتـاب بـخـمـسـة أجـزاء صـدرت في بـاريـس بـيـن عـامي 1843 و 1854 . إحـتـوى الـجـزءان الأوّل والـثّـاني عـلى الـنّـصّ والأجـزاء الـثّـلاثـة الـتّـالـيـة عـلى الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الـمـأخـوذة مـن الـرّسّـوم :

Voyage en Perse, entrepris par ordre de M. le Ministre des Affaires étrangères, d’après les instructions dressées par l’Institut pendant les années 1840 et 1841, 2 vol. de texte et 3 vol. planches. Paris 1843-1854.

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.