الـمـتـاجـرة بـالآثـار الـبـابـلـيـة في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

إسـتـلـم الـمـسـتـشـرق الـبـريـطـاني ولـيـام رايـت  W. Wright الّـذي كـان يـدرّس في جـامـعـة كـمـبـردج رسـالـة مـن الـمـسـتـشـرق الألـمـاني الـدّكـتـور سـاخـاو  Sachau  بـعـد عـودتـه مـن جـولـة في شـمـال الـعـراق عـام 1887/1886 يـخـبـره فـيـهـا أنّ أصـدقـاء لـه كـانـوا قـد زاروا نـيـنـوى وبـغـداد واشـتـروا مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الآثـار الآشـوريـة مـن حـارس الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في نـيـنـوى. كـمـا اشـتـروا 300 مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة الـبـابـلـيـة مـن حـارس الـتّـنـقـيـبـات في “أبـو حـبّـة”، جـنـوب بـابـل.

وقـد أبـلـغ مـسـؤولـو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني هـرمـزد رسّـام (1) الّـذي كـان قـد أشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات في الـمـوقـعـيـن وعـيّـن الـحـارسـيـن بـهـذا الأمـر، وطـلـبـوا مـنـه الـتّـحـقـيـق في هـذه الـمـتـاجـرة. وأجـاب هـرمـزد رسّـام أنّ مـا ذكـر عـن شـراء الألـمـان لـلآثـار كـان صـحـيـحـاً ولـكـنّـهـم لـم يـشـتـروهـا مـن حـرّاسـه وإنّـمـا مـن أهـل الـبـلـد.

ولـم يـقـتـنـع مـسـؤولـو الـمـتـحـف بـجـواب هـرمـزد رسّـام فـقـرروا إرسـال والـيـس بـدج Wallis BUDGE إلى الـعـراق لـلـتـحـقـيـق في الأمـر، خـاصـة وأنّـهـم اكـتـشـفـوا أنّ قـطـعـاً أثـريـة وألـواحـاً مـسـمـاريـة أخـرى سـرقـت مـن الـمـواقـع الّـتي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـنـقـب فـيـهـا وخـاصـة في بـابـل، وكـان بـعـضهـا يـبـاع في لـنـدن، عـلى بـعـد خـطـوات مـن الـمـتـحـف !

وكـان مـن بـيـن مـهـمـات والـيـس بـدج أيـضـاً أن يـتـقـرّب مـن مـهـربي الآثـار في الـعـراق لـيـشـتـري مـنـهـم مـا يـسـتـطـيـعـه وبـأسـعـار رخـيـصـة. وكـانـت مـهـمـتـه الـثّـالـثـة أن يـذهـب إلى إسـطـنـبـول لـلـحـصـول عـلى سـمـاح بـتـنـقـيـبـات جـديـدة لـلـحـصـول عـلى قـطـع أثـريـة وألـواح أخـرى.

كـمـا قـام والـيـس بـدج بـنـفـس الـمـهـمـة في مـصـر الّـتي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـعـاني فـيـهـا مـن نـفـس الـمـشـاكـل.  وعـاد إلى لـنـدن بـعـد هـذه الـسّـفـرات بـمـجـمـوعـات كـبـيـرة مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة وبـقـطـع أثـريـة وبـنـصـوص مـصـريـة.

والـيـس بـدج :

واليس بدج

 كـان إرنـسـت ألـفـريـد والـيـس بـدج  Wallis BUDGE قـد درس في جـامـعـة كـمـبـردج الـلـغـات الـشّـرقـيـة : الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة والـحـبـشـيـة والـعـربـيـة مـن 1878 إلى 1883، واسـتـمـرّ يـدرس الـلـغـة الآشـوريـة وحـده بـعـد ذلـك.

وعـيّـن عـام 1883، في قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة (الّـذي تـغـيّـر اسـمـه عـام 1886 لـيـصـبـح : قـسـم الآثـار الـمـصـريـة والآشـوريـة) في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني (2). وبـعـد إحـالـة الـمـسـؤول عـن الـقـسـم، بـيـتـر لـوبـاج ريـنـوف P. L. RENOUF عـلى الـتّـقـاعـد، عـيّـن والـيـس بـدج مـسـاعـداً لـمـسـؤول الـقـسـم، ثـمّ أصـبـح في عـام 1894 مـسـؤولاً عـنـه، وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1924.

وقـد وصـل والـيـس بـدج إلى الـعـراق في زيـارتـه الأولى عـام 1887 بـعـد أن قـضى عـدّة أشـهـر في مـصـر. وغـادر مـصـر عـن طـريـق الـبـحـر الأحـمـر إلى عـدن ثـمّ مـسـقـط وصـعـد الـخـلـيـج إلى الـبـحـريـن والـفـاو ووصـل إلى شـطّ الـعـرب والـبـصـرة. ومـن الـبـصـرة صـعـد إلى بـغـداد ثـمّ ذهـب لـزيـارة بـابـل.

وقـد فـصّـل والـيـس بـدج الـكـلام عـن سـفـراتـه إلى الـعـراق ومـصـر في كـتـاب بـجـزئـيـن صـدر في لـنـدن عـام 1920 بـعـنـوان : “إلى الـنّـيـل ودجـلـة، سـرد سـفـرات في مـصـر ومـا بـيـن الـنّـهـريـن لـصـالـح الـمـتـحـف الـبـريـطـاني بـيـن 1886 و 1913” :

 

الـمـتـاجـرة بـالآثـار الـبـابـلـيـة :

كـتـب والـيـس بـعـد أن زار بـابـل :

“عـنـدمـا عـدنـا إلى الـحـلّـة ذهـبـنـا إلى مـكـان إقـامـتـنـا في دار يـهـودي. وبـعـد قـلـيـل وصـل أهـل الـبـلـد الـواحـد بـعـد الآخـر وجـلـسـوا لـصـق جـدران الـغـرفـة، وأخـرج كـلّ مـنـهـم مـن ثـيـابـه قـطـعـاً أثـريـة.

وعـنـدمـا خـرجـوا في نـهـايـة الأمـسـيـة جـلـب مـضـيّـفـنـا عـدداً مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـهـمـة الّـتي كـان قـد حـصـل عـلى بـعـضـهـا مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة. واشـتـريـت بـعـضـاً مـنـهـا بـأسـعـار مـقـبـولـة، ومـن بـيـنـهـا وزن مـن حـجـر الـبـازلـت بـثـقـل ثـلـثي مـانـا وشـقـل واحـد.

وكـانـت ألـواح الـصـلـصـال الّـتي أرانـا إيـاهـا مـضـيّـفـنـا وأصـحـابـه قـد جـاءت مـن مـوقـعَـيـن [قـرب بـابـل] يـنـقّـب بـهـمـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني : “إبـراهـيـم الـخـلـيـل” و “جـمـجـمـة”. ويـعـود تـاريـخـهـمـا إلى الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة، واخـتـرت كـثــيـراً مـنـهـا واشـتـريـتـهـا.

وبـعـد أن انـتـهـيـنـا مـن الـبـيـع والـشّـراء جـلـسـنـا نـتـحـدّث حـتّى سـاعـة مـتـأخّـرة مـن الـلـيـل عـن تـنـقـيـبـات بـابـل والـمـنـاطـق الـمـجـاورة لـهـا. وكـان [مـضـيّـفي] مـتـلـهـفـاً إلى مـعـرفـة الـتّـاريـخ الـقـديـم لـلـبـلـد لأنّ مـعـلـومـاتـه لـم تـكـن تـتـجـاوز مـا قـرأه عـنـه في الـتّـوراة. ورغـم أنّ أعـداداً مـن كـتـب الـتّـاريـخ نـشـرت عـن الـمـوضـوع فـلـم يـكـن مـن بـيـنـهـا مـا كـتـب بـلـغـة يـحـسـنـهـا. ووجـدت أنّـه فـوق ذلـك كـان يـجـهـل جـهـلاً تـامّـاً كـتـب الـبـلاذري وابـن الأثـيـر والـمـسـعـودي وغـيـرهـم”.

وعـنـدمـا اسـتـجـوبـه والـيـس بـدج عـن نـبـش أهـل الـبـلـد عـن الآثـار في بـابـل أجـابـه :

“يـشـتـري تـجّـار مـن الـحـلّـة ومـن أمـاكـن أخـرى، وكـذلـك مـقـاولـو بـنـاء سـمـاحـاً مـن الـسّـلـطـات الـمـحـلّـيـة لـيـسـتـخـرجـوا طـابـوق الأبـنـيـة الأثـريـة، وكـذلـك الـسِّـبـاخ  sibâkh الّـذي يـسـتـعـمـل كـسـمـاد في الـحـقـول. ويـفـضـل الـعـمّـال الّـذيـن يـبـعـثـونـهـم لـذلـك أن يـنـبـشـوا في الـخـنـادق والأنـفـاق الـتّي حـفـرت خـلال تـنـقـيـبـات الـبـعـثـات الأوربـيـة، فـالـحـفـر فـيـهـا أسـهـل عـلـيـهـم، ولأنّـهـم يـجـدون فـيـهـا ألـواح صـلـصـال وأسـطـوانـات حـجـريـة [مـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة] وأحـجـار كـريـمـة … أنـزلـتـهـا الأمـطـار فـيـهـا”.

وأكـمـل مـجـيـبـاً عـلى سـؤالـه : “والأمـر يـجـري عـلى هـذا الـمـنـوال مـنـذ أقـدم الأزمـان، والـنّـاس يـأتـون لأخـذ الـطّـابـوق لأبـنـيـتـهـم مـن بـابـل وبـيـرس [نـمـرود]. وقـد اشـتـرى أبي وجـدّي دائـمـاً الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان يـجـدهـا الـمـنـبّـشـون ويـبـيـعـانـهـا. ثـمّ أن أعـداداً مـن أصـحـاب الـمـراكـب يـعـيـشـون مـن نـقـل هـذا الـطّـابـوق إلى الـقـرى الـمـحـاذيـة لـلـنّـهـر جـنـوبـاً وشـمـالاً”. “وعـنـدمـا كـان الـنّـاس يـجـدون جـزءاً مـن بـنـاء أو جـداراً قـديـمـاً في الـخـرائـب كـانـوا يـتـظـافـرون عـلى هـدمـه مـعـاً ثـمّ يـتـقـاسـمـون الـطّـابـوق حـسـب مـا كـانـوا قـد اتّـفـقـوا عـلـيـه. وتـغـمـض الـسّـلـطـات أعـيـنـهـا مـقـابـل بـخـشـيـش bakhshîsh يـدفـعـونـه لـهـا.  ومـوظـفـو الـمـيـري أنـفـسـهـم يـأخـذون الـطّـابـوق عـنـدمـا يـحـتـاجـون إلـيـه مـثـلـمـا حـدث عـنـد تـشـيـيـد الـسّـد عـلى قـنـاة الـهـنـديـة الّـذي شـيّـد بـكـامـلـه بـطـابـوق نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني الّـذي أخـذ مـن بـابـل”.

وهـنـا أقـطـع سـرد والـيـس بـدج لأذكـر لـكـم مـا رآه الـمـبـشـر هـنـري سـتـيـرن Henry Stern عـنـد زيـارتـه لـبـابـل، وكـان قـد زار الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1844، ثـمّ عـاد إلـيـه عـام 1850 وأقـام فـيـه ثـلاث سـنـوات حـتّى عـام 1853، وكـتـب :

“بـيـنـمـا كـنـت أتـمـعـن الـنّـظـر في هـذه الـخـرائـب الـعـظـيـمـة رأيـت عـدّة فـلاحـيـن مـنـهـمـكـيـن بـمـسـاحـيـهـم بـإخـراج طـابـوق بـقي سـالـمـاً لـم يـتـكـسـر مـن بـيـن أكـوام الـتّـراب والـشّـظـايـا الـمـحـطّـمـة، يـحـمـلـونـه عـلى ظـهـور حـمـيـرهـم حـتّى ضـفـة الـنّـهـر ويـنـقـلـونـه عـلى مـركـب. والأمـر يـجـري عـلى هـذا الـمـنـوال مـنـذ قـرون طـويـلـة، ومـع ذلـك تـبـدو الـتّـلال كـمـا لـو لـم يـؤخـذ مـنـهـا شئ”. (أنـظـر مـقـالي : رحـلـة هـنـري سـتـيـرن إلى الـعـراق ).

وأعـود الآن إلى مـا كـتـب والـيـس بـدج الّـذي سـأل مـضـيّـفـه عـن فـائـدة الـحـرّاس الّـذيـن تـضـعـهـم بـعـثـات الـتّـنـقـيـبـات في الـمـواقـع، فـأجـابـه :

“لا أرى فـائـدة مـنـهـم، فـالـمـواقـع لـيـسـت مـلـكـاً لـهـذه الـبـعـثـات الأجـنـبـيـة، وإنّـمـا سـمـح لـهـا فـقـط أن تـنـقّـب فـيـهـا لـمـدد مـحـددة. ولـيـس لـهـذه الـبـعـثـات الـحـقّ في وضـع حـرّاس في أراضي الـسّـلـطـان. ثـمّ إنّ هـؤلاء الـحـرّاس عـاجـزون عـن مـنـع الآخـريـن مـن الـنّـبـش في الـمـوقـع. الـحـكـومـة فـقـط يـمـكـنـهـا أن تـحـافـظ عـلى الـمـواقـع وتـحـمـيـهـا، ولـهـذا كـان عـلى الـبـعـثـات أن تـطـلـب حـمـايـة الـجـنـود”.

وأكـمـل : “وإذا مـنـع الـنّـاس مـن الـحـفـر لأخـذ الـطّـابـوق مـن بـابـل أو مـن بـيـرس [نـمـرود] فـمـن أيـن يـمـكـنـهـم أخـذه لـتـشـيـيـد مـنـازلـهـم ؟ فـلا يـمـكـن أن يـسـحـب مـنـهـم هـذا الإمـتـيـاز الّـذي تـعـودوا عـلى اسـتـعـمـالـه مـنـذ قـرون طـويـلـة. وجـوامـع الـحـلّـة والـكـوفـة ومـسـجـد حـسـيـن  Masjid Husen ومـسـجـد عـلي Masjid Alî ومـعـابـد الـيـهـود ودار كـلّ يـهـودي وشـيـعي وسـنّي شـيّـدت بـكـامـلـهـا بـطـابـوق بـابـل. وعـنـدمـا اسـتـخـرج الـمـنـقّـبـون الـبـريـطـانـيـيـن في حـوالي 1880 تـمـاثـيـل مـن الـحـجـر الـجـيـري مـن بـاطـن الأرض، حـطّـمـهـا الـنّـاس بـعـدهـم واسـتـعـمـلـوهـا في جـصّ الـبـنـاء. ولـم يـكـن عـلـيـهـم أن يـتـركـوهـا في وسـط الـخـرائـب بـعـد أن اسـتـخـرجـوهـا”.

بيرس نمرود بدج

وعـنـدمـا ألـحّ والـيـس بـدج في اسـتـجـواب مـضـيّـفـه أجـابـه أنّـه لـم يـمـارس الـحـفـر لأخـذ الـطّـابـوق فـقـد أصـبـحـت تـكـالـيـف ذلـك أكـثـر مـمـا كـانـت عـلـيـه في الـمـاضي، فـقـد أخـذ الـنّـاس الـطّـابـوق الّـذي كـان قـريـبـاً مـن سـطـح الأرض ويـنـبـغي الآن الـحـفـر عـمـيـقـاً لـلـوصـول إلـيـه، ثـمّ أن كـثـيـراً مـن الـطّـابـوق تـكـسّـر لـقـلـة عـنـايـة الـنّـاس في جـمـعـه ولـم يـعـد لـه قـيـمـة. والـسّـبـب في ذلـك أن الـجـدران شـيّـدت بـطـبـقـات مـن الـقـار وضـعـت بـيـن الـطّـابـوق تـربـط بـيـنـه ربـطـاً وثـيـقـاً ولـهـذا يـصـعـب فـصـل طـابـوقـة عـن أخـرى فـيـتـحـطـم كـثـيـر مـنـهـا. والـنّـاس يـحـتـاجـون إلى آلات أفـضـل لـلـقـيـام بـهـذا الـعـمـل ولـكـن لا يـمـكـن شـراؤهـا فـلا أحـد في الـحـلّـة يـعـرف كـيـف يـصـنـعـهـا. وقـد سـمـع أنّ الإفـرنـجـيـيـن  Franjîs يـسـتـعـمـلـون نـوعـاً مـن الـبـارود لإسـقـاط الـجـدران. وذكـر أن بـعـض أصـدقـائـه رأوا الـمـهـنـدس الـفـرنسي الـعـالي [ويـقـصـد بـه مـوجـيـل Moujel ] يـسـتـعـمـل هـذا الـبـارود عـنـدمـا جـمـع الـطّـابـوق الّـذي أصـلـح بـه سـدّة [الـهـنـديـة]. وقـد سـاعـدوه في ذلـك، ودفـع لـهـم أجـرهـم “بـكـرم الأمـراء”.

ثـمّ أخـبـره أنّـه لا يـعـرف شـيـئـاً عـن الـقـطـع الأثـريـة، وسـألـه عـن أي نـوع مـن الآثـار كـان يـبـحـث وكـيـف يـمـكـنـه أن يـعـرف أنّـهـا أصـلـيـة ولـيـسـت مـزيـفـة :

“فـشـرحـت لـه حـسـب مـا اسـتـطـعـت بـلـغـتي الـعـربـيـة الـضّـعـيـفـة الـفـرق بـيـن ألـواح الـصّـلـصـال الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة والـبـابـلـيـة الـمـتـأخّـرة ووصـفـت لـه الأسـطـوانـات والأخـتـام … إلـخ. الّـتي كـنّـا نـبـحـث عـنـهـا. وذكـرت لـه أسـمـاء بـعـض الـمـواقـع الّـتي عـثـر فـيـهـا عـلى ألـواح مـسـمـاريـة، وألـحـحـت عـلـيـه أن يـبـدأ بـالاتـصـال بـسـكـان ضـفـاف شـطّ الـحي. وبـالـمـقـابـل أعـطـاني أسـمـاء الأشـخـاص الّـذيـن كـان يـعـمـل مـعـهـم في بـغـداد ولـنـدن ووعـدني أن يـبـعـث لي عـن طـريـقـهـم بـالـقـطـع الأثـريـة الّـتي أراني إيـاهـا هـذا الـمـسـاء. وقـد وفى لي بـوعـده وبـعـث بـمـجـمـوعـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة إلى لـنـدن واشـتـرتـهـا مـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحف الـبـريـطـاني. وكـان مـن بـيـن مـا طـلـبـت مـنـه أن يـبـحـث عـنـهـا أخـتـام مـن الـهـيـمـاتـيـت (حـجـر الـدّم) الّـتي نـقـشـت عـلـيـهـا تـصـاويـر آلـهـة بـابـل الـقـديـمـة ومـشـاهـد أسـطـوريـة … إلـخ. وقـد أجـابـني أنّـه رغـم أنّ أعـداداً كـبـيـرة مـنـهـا وجـدت في الـتّـلـول tulûl فـإنّـهـا نـادراً مـا تـصـل إلى الـمـدن لأنّ الـفـلاحـيـن يـحـتـفـظـون بـهـا ويـرتـدونـهـا كـتـعـاويـذ. والـرّجـال مـثـل الـنّـسـاء يـدخـلـون في ثـقـوبـهـا خـيـوط قـنّـب ويـربـطـونـهـا تـحـت أذرعـهـم الـيـمـنى. وبـعـد أن تـحـتـك الأخـتـام بـمـلابـسـهـم الـمـلـيـئـة بـالـرّمـل والـغـبـار عـدّة سـنـوات تـفـقـد الـتّـصـاويـر الـمـنـقـوشـة عـلـيـهـا أشـكـالـهـا ولا يـمـكـن قـراءة كـتـابـاتـهـا الـمـسـمـاريـة”.

ويـكـمـل والـيـس بـدج قـائـلاً : “ولا شـكّ في أنّـه لا يـمـكـن إيـقـاف الـحـفـريـات الّـتي نـعـتـبـرهـا “غـيـر شـرعـيـة”. ويـبـدو أكـيـداً أنّـه لا حـقّ لـنـا في وضـع حـراسـنـا في أمـاكـن الـتّـنـقـيـبـات، وهي ضـدّ حـقـوقـهـم الّـتي ورثـوهـا مـنـذ زمـن طـويـل. وأدركـت مـمـا ذكـره مـضـيّـفي أنّ الـخـنـادق والأنـفـاق الّـتي حـفـرهـا الـمـنـقـبـون الـبـريـطـانـيـون الأوائـل تـسـاعـد الـبـاحـثـيـن عـن الـطّـابـوق الّـذيـن يـنـبـشـون فـيـهـا وتـسـهـل لـهـم عـمـلـهـم. ولا يـمـكـنـنـا إلّا أن نـأسـف عـنـدمـا نـفـكّـر بـأنّ مـا فـعـلـه راولـنـسـن ومـن تـبـعـوه سـبّـب إسـقـاط جـدران قـصـور بـابـل وسـرقـة طـابـوقـهـا. ومـن الـواضـح أنّ هـنـاك مـتـاجـرة مـنـظـمـة بـالـقـطـع الأثـريـة. وإذا لـم تـسـتـطـع حـكـومـة بـغـداد [الـعـثـمـانـيـة] إيـقـافـهـا، فـكـيـف يـمـكـن لأجـنـبي أن يـفـعـل ذلـك؟ وحـتّى لـو كـان مـن الـسّـهـل عـلى حـمـدي بـك ووزراء إسـطـنـبـول تـشـريـع قـوانـيـن، فـهـل كـانـوا سـيـسـتـطـيـعـون تـطـبـيـقـهـا في مـنـطـقـة تـبـعـد عـنـهـم بـحـوالي ألـفي كـيـلـومـتـر ؟”.

“ومـنـذ زيـارتي لـلـحـلّـة، بـدأ انـتـبـاه أهـل الـبـلـد يـزداد عـنـدمـا يـحـفـرون ويـجـدون ألـواحـاً مـسـمـاريـة، ويـبـذلـون جـهـداً لـكي لا يـكـسـروهـا بـمـعـاولـهـم، لا لأنّـهـم يـقـدّرون قـيـمـتـهـا الـتّـاريـخـيـة ولـكـن لأني لا أشـتـريـهـا مـنـهـم إذا تـكـسّـرت أجـزاء مـنـهـا”.

ويـكـمـل والـيـس بـدج : “وتـركـنـا الـحـلّـة في فـجـر الـيـوم الـتّـالي عـائـديـن إلى جـمـجـمـة لـنـسـتـطـلـع خـرائـب بـابـل. ويـبـدو أن الـكـلّ بـدأوا يـعـرفـون أنـنـا نـشـتـري قـطـعـاً أثـريـة، فـفي عـدّة أمـاكـن، أوقـفـنـا رجـال، وحـتّى أطـفـال وألـحـوّا عـلـيـنـا لـشـراء ألـواح مـسـمـاريـة يـحـمـلـونـهـا في أيـديـهـم. واشـتـريـت عـدداً مـن الألـواح الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة بـأثـمـان زهـيـدة وعـدّة قـطـع كـبـيـرة مـن نـصّ أصـرحـدون الأسـطـواني دفـعـت مـجـيـدي (3) majîdî  لـكـلّ واحـد مـنـهـا”.

“وذهـبـنـا في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن شـبـاط إلى تـلّ جـمـجـمـة […] لـنـرى الـجـزء الّـذي كـان قـد نـقّـبـه هـرمـزد رسّـام. وكـان بـعـض أهـل الـمـنـطـقـة يـعـرفـون مـوقـعـه فـقـادونـا إلـيـه حـالاً. ووجـدنـا رجـالاً يـحـفـرون في كـلّ مـكـان، لا بـحـثـاً عـن الـطـابـوق، كـمـا تـصـورنـا، بـل عـن الألـواح الـمـسـمـاريـة. وطـلـبـنـا مـقـابـلـة الـحـارس الّـذي كـان يـنـبـغي أن يـكـون في الـمـوقـع أو قـربـه، ولـكـن لـم يـكـن هـنـاك حـارس. واسـتـغـرب أهـل الـبـلـد مـن سـؤالـنـا وأخـبـرونـا أنّـهـم لـم يـروا أبـداً حـارسـاً ولا عـسـاسـاً في الـمـكـان وأنّ لـكـلّ مـنـهـم الـحـق في الـحـفـر في أيـن مـكـان كـان مـن الـخـرائـب، يـأخـذون مـنـهـا الـسّـبـاخ لـحـقـولـهـم والـطّـابـوق لـبـنـاء مـنـازلـهـم، إلّا إذا مـنـعـهـم مـن ذلـك حـاكـم الـحـلّـة الـتّـركي. ثـمّ ذهـب أحـدهـم وعـاد بـسـلّـة مـلـيـئـة بـألـواح مـن الـفـتـرة الـفـارسـيـة والـفـتـرات الـمـتـأخّـرة.

لوح مسماري بدج

وعـنـدمـا سـألـنـاهـم لـمـاذا يـحـفـرون في الـلـيـل وهـم يـسـتـطـيـعـون الـحـفـر في الـنّـهـار، أجـابـونـا أنّـهـم يـحـفـرون في الـظّـلام لأخـذ الألـواح الـمـسـمـاريـة لأنّ قـيـمـتـهـا أكـبـر مـن قـيـمـة الـطّـابـوق. ويـشـتـريـهـا مـنـهـم مـوظـفـون في الـحـلّـة يـأخـذونـهـا خـفـيـة إلى بـغـداد ويـبـيـعـونـهـا لـتـجـار يـصـدرونـهـا إلى إنـكـلـتـرة. واشـتـريـنـا مـنـهـم كـلّ الألـواح الّـتي في الـسّـلّـة بـبـضـعـة قـروش لـلّـوح الـواحـد. وسـمـعـنـا نـفـس هـذا الـكـلام خـلال تـجـوالـنـا فـيـمـا حـول جـمـجـمـة، ورأيـنـا بـعـضـاً مـن أهـل الـبـلـد يـحـمـلـون ألـواحـاً كـسّـرت ضـربـات الـمـعـاول بـعـض أجـزائهـا ولا تـسـتـحـق الـشّـراء”.

ويـتـكـلّـم عـن تـنـقـيـبـات هـرمـزد رسـام الّـتي قـام بـهـا لـحـسـاب الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في تـلال “أبـو حـبّـة (مـوقـع مـديـنـة سـيـبـار الـقـديـمـة)” والّـتي كـان قـد بـدأهـا قـبـل أن يـحـصـل عـلى سـمـاح مـن الـسّـلـطـات الـتّـركـيـة الّـتي أجـبـرتـه عـلى إيـقـافـهـا بـعـد أن حـفـر ثـلـث الـمـوقـع. وقـد سـمـع والـيـس بـدج أنّ الـمـسـؤول الـتّـركي اسـتـولى عـلى أعـداد كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة في الـمـوقـع وبـاعـهـا لـتـجّـار الآثـار. ومـنـذ ذلـك الـحـيـن نـظّـم هـؤلاء الـتّـجـار حـفـريـاتـهـم في “أبـوحـبّـة” بـأنـفـسـهـم وبـعـثـوا مـا وجـدوه إلى لـنـدن”.

“وتـلال “أبـو حـبّـة” أربـعـة، ثـلاثـة مـنـهـا كـبـيـرة والـتّـل الـرّابـع صـغـيـر […] وفي عـدّة أمـاكـن مـنـهـا نـبـشـت الأرض وحـفـرت في سـفـوح الـتّـلال أنـفـاق لأنّ هـدف الـسّـيّـد رسّـام كـان الـعـثـور عـلى قـطـع أثـريـة بـأسـرع مـا يـمـكـن وبـأقـلّ الـتّـكـالـيـف”. “ووجـد في أحـد هـذه الـتّـلال بـقـايـا مـئـات مـن الـحُـجـر الـصّـغـيـرة الّـتي كـان فـيـهـا كـلّـهـا ألـواح مـسـمـاريـة مـن صـلـصـال لـم يـفـخـر وخـاصـة مـن فـتـرة حـكـم الـمـلـك الـبـابـلي نـبـو نـيـد (مـن 556 إلى 538 قـبـل الـمـيـلاد). وقـد وضـعـهـا أهـل الـبـلـد في الـنّـار لـيـحـولـوهـا إلى فـخـار صـلـب ولـكـنّـهـا تـكـسّـرت وتـسـاقـطـت شـظـايـا”.

وقـد وجـد والـيـس بـدج الـحـارس الّـذي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـدفـع لـه راتـبـاً لـحـراسـة الـمـوقـع وعـرف مـنـه أنّـه كـان هـو نـفـسـه يـجـمـع الآثـار الّـتي كـان أهـل الـبـلـد يـنـبـشـون الـتّـلال بـحـثـاً عـنـهـا ويـحـمـلـهـا إلى بـغـداد لـيـبـيـعـهـا لـه شـقـيـقـاه فـيـهـا.

وعـنـدمـا سـألـه كـيـف يـسـتـطـيـع عـبـور جـسـر الـقـوارب مـن غـيـر أن يـشـتـبـه بـه مـوظـفـو الـجـمـرك  gumruk، شـرح لـه  أنّـه كـان يـرتـدي مـعـطـفـاً واسـعـاً يـنـزل إلى قـدمـيـه خـاط في بـطـانـتـه صـفـوفـاً مـن الـجـيـوب الـصـغـيـرة يـضـع فـيـهـا الألـواح. أمّـا في مـا يـخـصّ الـقـطـع الأثـريـة الـكـبـيـرة فـيـدخـلـهـا لـه أصـدقـاء يـصـاحـبـون قـافـلـة ويـضـعـونـهـا في داخـل الـسّـلـع وفي بـعـض الأحـيـان يـسـاعـده أصـدقـاء إيـرانـيـون يـجـلـبـون تـوابـيـت الـمـوتى لـتـدفـنّ في كـربـلاء”.

وكـتـب والـيـس بـدج في الـنّـهـايـة : “وخـلاصـة الأمـر هـو أنـني وجـدت مـا طـلـب مـنّي راولـنـسـن أن أجـده، ولـكـن الـواضـح أنـنـا لـن نـسـتـطـيـع إيـقـاف الـتّـهـريـب”.

وعـاد مـتـأسّـفـاً إلى الـكـلام عـن آلاف الألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي كـانـت تـتـحـطـم وتـتـهـشـم بـاسـتـمـرار : “وحـتّى الّـذيـن يـحـفـرون في وضـح الـنّـهـار يـكـسّـرون الألـواح بـمـعـاولـهـم ويـحـطـمـونـهـا بـمـسـاحـيـهـم فـمـا بـالـك بـالّـذيـن يـحـفـرون خـفـيـة في ظـلام الـلـيـل”.

“والـمـتـاجـرون بـالألـواح أيـضـاً لا يـعـتـنـون بـهـا في نـقـلـهـم لـهـا، فـأحـد هـؤلاء الـمـهـربـيـن مـثـلاً مـلأ بـهـا عـدّة صـنـاديـق وأرسـلـهـا مـع قـافـلـة تـوصـلـهـا إلى دمـشـق لـتـحـمّـل عـلى بـاخـرة مـن بـيـروت. ووصـلـت الـقـافـلـة إلى دمـشـق بـعـد أربـعـة أو خـمـسـة أسـابـيـع، وعـنـدمـا فـتـحـت الـصّـنـاديـق وجـد فـيـهـا شـظـايـا ألـواح مـحـطّـمـة لـقـلـة عـنـايـة مـرسـلـهـا بـتـغـلـيـفـهـا لـلـحـفـاظ عـلـيـهـا. ووضـعـهـا مـهـرب آخـر في بـالات مـن الـصـوف لـيـخـرجـهـا مـن الـبـلـد، وعـنـدمـا أدخـلـوا الـبـالات في مـكـائـن لـتـضـغـط قـبـل تـصـديـرهـا طـحـنـت الألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي تـحـولـت إلى دقـيـق يـتـطـايـر. وحـتّى الـمـوظـفـون الأتـراك لا يـولـون اهـتـمـامـاً بـالألـواح الـمـصـادرة مـن الـمـهـربـيـن والّـتي يـرسـلـونـهـا إلى الـمـتـحـف الـعـثـمـاني في إسـطـنـبـول، فـغـالـبـاً مـا تـصـل حـطـامـاً لا نـفـع مـنـه”.

وفي بـعـثـتـه الـثّـالـثـة زار والـيـس بـدج إسـطـنـبـول والـمـوصـل وبـغـداد في 1888ــ1889 لـلـتّـحـقـيـق في سـرقـات الآثـار الآشـوريـة، وهـو مـا سـأخـصـص لـه مـقـالاً قـادمـاً.

الـدّكـتـور إدغـار جـيـمـس بـانـكـس والآثـار الـعـراقـيـة :

وأنـهي مـقـالي بـذكـر قـصّـة إدغـار جـيـمـس بـانـكـس Edgar James BANKS الّـذي وصـل إلى بـغـداد في عـام 1898 لـيـشـغـل مـنـصـب قـنـصـل الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة في بـغـداد. وكـانـت هـذه الـقـنـصـلـيـة قـد أنـشـئـت عـدّة سـنـوات قـبـل ذلـك عـنـدمـا بـعـث هـنـري هـايـز إلى بـغـداد في 1889.

وفي بـغـداد شـرع بـانـكـس بـشـراء مـئـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة (الـرّقـم الـطّـيـنـيـة) مـن الـمـتـاجـريـن بـالآثـار. وخـلال إقـامـتـه في إسـطـنـبـول عـام 1900، إشـتـرى عـدّة مـئـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة مـن مـهـربي الآثـار، وعـاد بـهـا إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة.

وقـد أشـرف الـدّكـتـور بـانـكـس في  1904/1903 عـلى تـنـقـيـبـات بـسـمـايـة (مـوقـع مـديـنـة أدب الـقـديـمـة) في جـنـوب بـابـل.

الدكتور بانكس

(الـدّكـتـور بـانـكـس بـالـمـلابـس الـعـربـيـة)

وبـعـد عـودتـه إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، عـيّـن عـام 1909أسـتـاذاً لـلـغـات الـشّـرقـيـة والآثـار في جـامـعـة تـولـيـدو في الأوهـايـو.

وبـدأ يـسـافـر في كـلّ أنـحـاء الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة يـلـقي فـيـهـا مـحـاضـرات مـثـيـرة يـمـزج فـيـهـا بـيـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة والأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة والأنـاجـيـلـيـة الّـتي تـؤمـن بـهـا كـثـيـر مـن الأوسـاط الأمـريـكـيـة.

وكـان يـغـتـنـم فـرص هـذه الـمـحـاضـرات لـيـعـرض ألـواحـاً مـسـمـاريـة (قـدّرت بـأكـثـر مـن 11،000 لـوح ) كـان قـد اشـتـرى بـعـضـهـا مـن مـهـربي الآثـار في الـشّـرق، وجـلـب بـعـضـهـا مـن تـنـقـيـبـاتـه، ويـبـيـعـهـا إلى الـمـتـاحـف والـمـكـتـبـات والـجـامـعـات والـمـعـاهـد الـدّيـنـيـة.

وكـان أهـم مـا بـاعـه الـدّكـتـور بـانـكـس لـوح يـعـود إلى فـتـرة تـتـراح بـيـن 1900 إلى 1700 قـبـل الـمـيـلاد، إشـتـراه مـنـه جـورج بـلـمـبـتـون G. Plimpton  فـيـمـا اشـتـراه في 1922 أو 1923، ثـمّ أهـداه إلى جـامـعـة كـولـومـبـيـا في 1936، ولـهـذا يـعـرف بـ Plimpton 322، عـلـيـه نـصّ ريـاضـيـات بـابـلي بـأرقـام مـسـمـاريـة عـلى أربـعـة أعـمـدة بـخـمـسـة عـشـر سـطـراً، يـشـرح فـيـه عـالـم الـرّيـاضـيـات الـبـابـلي جـزءاً مـمـا عُـرف بـعـد ذلـك بـقـرون بـ “مـبـرهـنـة فـيـثـاغـورس”، أي أنّ الـعـالـم الـرّيـاضي الـبـابـلي كـان قـد وجـد جـزءاً مـن الـمـبـرهـنـة عـدّة قـرون قـبـل أن يـولـد فـيـثـاغـورس !

(أنـظـر مـقـالي : مـغـامـرات الـدّكـتـور بـانـكـس )

ومـا ذكـرتـه لـكـم لـيـس إلّا جـزءاً صـغـيـراً مـن الـمـتـاجـرة بـآثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي نـتـجـت عـن الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة ومـا تـبـعـهـا مـن اهـتـمـام الأوربـيـيـن بـالآثـار الّـتي اكـتـشـفـتـهـا، والّـتي مـا زالـت مـزدهـرة إلى أيّـامـنـا هـذه. وسـنـعـود إلى هـذا الـمـوضـوع في مـقـالات أخـرى قـادمـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  ولـد هـرمـزد رسّـام Hormuzd Rassam في الـمـوصـل سـنـة 1826 في عـائـلـة كـاثـولـيـكـيـة كـلـدانـيـة. وكـان أخـوه كـرسـتـيـان رسّـام نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل.

وعـنـدمـا كـان في الـعـشـريـن مـن عـمـره اشـتـغـل مـع أوسـتـن هـنـري لَـيـارد Austen Henry Layard الّـذي بـدأ أولى حـمـلات تـنـقـيـبـاتـه في نـيـنـوى بـيـن 1845 و1847. وقـد سـاعـده لَـيـارد لـلـذّهـاب إلى إنـكـلـتـرة والـدّراسـة في Magdalen Colleg في أكـسـفـورد الّـتي قـضى فـيـهـا 18 شـهـراً، ثـمّ عـاد إلى الـمـوصـل لـيـسـاعـد لَـيـارد في حـمـلـتـه الـثّـانـيـة في 1849ــ1851. وبـعـد أن عـاد لَـيـارد إلى إنـكـلـتـرة أكـمـل هـرمـزد رسّـام الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود وفي تـلّ قـويـنـجـق مـن 1852 إلى 1854. وقـد تـوصـل إلى اكـتـشـافـات مـهـمـة كـالـعـثـور عـلى ألـواح مـن مـلـحـمـة جـلـجـامـش اسـتـطـاع عـالـم الآشـوريـات الـبـريـطـاني جـورج سـمـيـث قـراءتـهـا بـعـد ذلـك. (أنـظـر مـقـالي : كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش )

وبـعـد انـتـهـاء الـتّـنـقـيـبـات ذهـب هـرمـزد رسّـام إلى إنـكـلـتـرة. وسـاعـده لَـيـارد في تـعـيـيـنـه في الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة في عـدن. ثـمّ بـعـث عـام 1864 إلى الـحـبـشـة يـحـمـل رسـالـة إلى امـبـراطـورهـا مـن الـمـلـكـة فـكـتـوريـا. ولـم تـنـجـح سـفـارتـه وسـجـن في الـحـبـشـة عـدّة سـنـوات إلى أن سـقـط الإمـبـراطـور عـام 1868.

وبـعـد عـودتـه إلى إنـكـلـتـرة بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـن جـديـد لـيـشـرف عـلى تـنـقـيـبـات أثـريـة في نـيـنـوى. ثـمّ أقـام مـنـذ 1882 في مـديـنـة بـرايـتـون في جـنـوب إنـكـلـتـرة حـتّى وفـاتـه فـيـهـا سـنـة 1910.

(2)  ولـد إرنـسـت إلـفـريـد والـيـس بـدج  Sir Ernest Alfred Wallis BUDGE في إنـكـلـتـرة عـام 1857.

وبـدأ اهـتـمـامـه بـالـلـغـات قـبـل أن يـبـلـغ الـعـاشـرة مـن عـمـره، ولـكـنـه أجـبـر عـلى تـرك الـمـدرسـة في سـنّ الـثّـانـيـة عـشـرة لـيـكـسـب قـوتـه كـكـاتـب في مـكـتـب تـوثـيـق عـقـود.

وقـد اغـتـنـم كـلّ أوقـات فـراغـة لـيـدرس الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة، ووجـد رجـلاً يـحـسـن هـذه الـلـغـات إسـمـه تـشـارلـز سـيـجـر تـطـوع لـمـساعـدتـه عـلى ذلـك. ثـمّ بـدأ في 1872بـالـتـردد عـلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن والإهـتـمـام بـالـلـغـة الآشـوريـة.

وقـدمـه سـيـجـر إلى الـمـسـؤول عـن قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة صـمـوئـيـل بـرش Samuel BIRCH وإلى مـساعـده عـالـم الآشـوريـات جـورج سـمـيـث George Smith . وقـد سـاعـده سـمـيـث في تـعـلّـم قـراءة الـمـسـمـاريـة، كـمـا سـمـح لـه بـرش بـدراسـة الألـواح الـمـسـماريـة في مـكـتـبـه. وقـرأ والـيـس بـدج نـصـوص الـمـنـقـبـيـن مـثـل الـكـتـب الّـتي نـشـرهـا أوسـتـن هـنـري لَـيـارد .

وقـد قـضى والـيـس بـدج كـلّ أوقـات فـراغـه مـن عـام 1869 إلى عـام 1878 في دراسـة الـلـغـة الآشـوريـة، وكـان يـذهـب في ظهـر كـلّ يـوم، أي في وقـت الـغـداء الّـذي كان يـسـمـح لـه فـيـه بـالـتّـوقـف عـن الـعـمـل، إلى كـاتـدرائـيـة سـانـت بـول لـيـغـتـنـم الـهـدوء فـيـهـا لـلـدّراسـة، حـتّى لاحـظـه عـازف الأرغـون فـيـهـا، وعـرف بـشـغـفـه بـالـدّراسـة، فـاتـصّـل بـصـاحـب الـمـكـتـب الّـذي يـعـمـل فـيـه والـيـس بـدج وأخـبـره بـمـثـابـرة مـوظـفـه الـشّـاب عـلى الـدّراسـة.

وكـان صـاحـب الـمـكـتـب عـضـواً في الـبـرلـمـان، فـتـكـلّـم مـع رئـيـس الـوزراء غـلادسـتـون عـن رغـبـة بـدج بـدراسـة الـلـغـات الـشّـرقـيـة … وهـكـذا أرسـل بـدج إلى جـامـعـة كـمـبـردج مـن 1878 إلى 1883، ودرس فـيـهـا الـلـغـات الـشّـرقـيـة : الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة والـحـبـشـيـة والـعـربـيـة. واسـتـمـر يـدرس الـلـغـة الآشـوريـة وحـده بـعـد ذلـك.

وفي عـام 1883، عـيّـن والـيـس بـدج في قـسـم الآثـار الـمـصـريـة والآشـوريـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني وشـرع يـدرس، في أوقـات فـراغـه، الـلـغـة الـمـصـريـة الـقـديـمـة بـمـسـاعـدة صـمـوئـيـل بـرش واسـتـمـر في ذلـك حـتّى وفـاة بـرش عـام 1885. وعـنـدمـا عـيّـن ريـنـوف  RENOUF  خـلـفـاً لـبـرش، أكـمـل بـدج دراسـة الـلـغـة الـمـصـريـة الـقـديـمـة مـعـه إلى أن تـرك ريـنـوف الـمـتـحـف الـبـريـطاني عـام 1891. وقـد عـيّـن والـيـس بـدج بـعـد إحـالـة ريـنـوف عـلى الـتّـقـاعـد مـسـاعـداً لـمـسـؤول الـقـسـم، ثـمّ أصـبـح في عـام 1894 مـسـؤولاً عـنـه، وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1924.

ونـشـر والـيـس بـدج في 1914 كـتـابـاً يـحـتـوي عـلى 53 صـورة مـمـتـازة الـنّـوعـيـة لـتـمـاثـيـل وجـداريـات مـنـحـوتـة مـن زمـن آشــور نـاصـربـال مـع نـصـوص شـرح، ونـشـر دلـيـل الـمـجـمـوعـات الـبـابـلـيـة والآشـوريـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني.

(3) ضـرب الـرّيـال الـمـجـيـدي في زمـن الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني عـبـد الـمـجـيـد (حـكـم مـن 1839 إلى 1861). وكـان الـمـجـيـدي مـن الـفـضّـة ويـسـاوي 20 قـرشـاً. وكـانـت قـيـمـتـه خُـمـس الـلـيـرة الـذّهـبـيـة.

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـرن كـامـل مـضى عـلى دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917، ومـا نـتـج عـن ذلـك مـن تـغــيـيـرات سـيـاسـيـة مـا زلـنـا نـعـاني مـن آثـارهـا، ومـن تـغـيـيـرات جـذريـة في طـرق حـيـاة الـعـراقـيـيـن الـمـاديـة والـفـكـريـة والـثّـقـافـيـة.

بـريـطـانـيـون وعـثـمـانـيـون :

 يـنـبـغي عـلـيـنـا أوّلاً أن نـضـفي مـعـاني واضـحـة ودقـيـقـة عـلى الـكـلـمـات الّـتي نـسـتـعـمـلـهـا في هـذا الـعـرض الـسّـريـع :

فـغـالـبـاً مـا يـسـتـعـمـل الـكـتّـاب والـصـحـفـيـون كـلـمـة “الإنـكـلـيـز” كـمـرادف لـكـلـمـة “الـبـريـطـانـيـيـن”، في حـيـن أنّ “إنـكـلـتـرة” مـمـلـكـة في بـريـطـانـيـا. وبـريـطـانـيـا تـضـمّ أيـضـاً إسـكـتـلـنـدة وإيـرلـنـدة وبـلاد الـويـلـز. والـجـنـود الـبـريـطـانـيـون الّـذيـن احـتـلّـوا الـعـراق قـبـل الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وخـلالـهـا لـم يـكـونـوا إنـكـلـيـزاً فـقـط وإنـمـا جـاءوا مـن كـلّ أرجـاء “بـريـطـانـيـا الـعـظـمى” ومـن “الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة”.

كـمـا يـسـتـعـمـلـون كـلـمـة “الأتـراك” كـمـرادف لـكـلـمـة “الـعـثـمـانـيـيـن” مـع أنّ الأتـراك كـانـوا قـلّـة في أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، وكـانـت أصـول جـنـود “الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة” مـن كـلّ أراضي الـدّولـة ومـن بـيـنـهـا ولايـات الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل.

ونـحـن نـسـتـعـمـل كـلـمـة “الـعـراق” مـع أنّـه لـم يـكـن هـنـاك كـيـان سـيـاسي بـهـذا الإسـم في تـلـك الـحـقـبـة الـزّمـنـيـة، وإنّـمـا كـان هـنـاك ثـلاث ولايـات عـثـمـانـيـة : ولايـات الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل، وكـان يـحـكـمـهـا ولاة “عـثـمـانـيـون”.

الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق :

بـدأت “حـمـلـة بـلاد مـابـيـن الـنّـهـريـن  The Mesopotamian Campaign” عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في 1914، قـبـل أن تـبـدأ الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى (بـدأت الـحـرب يـوم 28 تـمّـوز)، واحـتـلّـت الـبـصـرة وضـفـاف دجـلـة والـفـرات، لـحـمـايـة مـصـالـح شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة ــ الـفـارسـيـة Anglo-Persian Oil Company الّـتي كـانـت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة قـد وقـعـت مـعـهـا عـقـداً لـتـزويـد قـوّاتـهـا الـبـحـريـة بـالـوقـود. وقـد امـتـدّت عـمـلـيـات “الـحـمـايـة” هـذه إلى مـنـطـقـة الأهـوار وأطـراف الـصّـحـراء.

وبـعـد بـدايـة الـحـرب، أرسـل “مـكـتـب الـهـنـد” الـبـريـطـاني قـطـعـات مـسـلّـحـة مـن “جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـاني” لـحـمـايـة عـبـدان وشـطّ الـعـرب. وكـان الـجـيـش الـرّابـع الـعـثـمـاني يـحـمي ولايـة الـبـصـرة الّـتي كـانـت تـابـعـة لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة آنـذاك.

وفي الـخـامـس مـن تـشـريـن الـثّـاني عـام 1914، أعـلـنـت بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا الـحـرب عـلى الـدّولـة الـعـثّـمـانـيـة. وقـد أجـابـت حـكـومـة “جـمـعـيـة الإتـحـاد والـتّـرقي” بـإعـلانـهـا الـحـرب عـلـيـهـمـا في 14 تـشـريـن الـثّـاني.

وبـدأ الـهـجـوم الـبـريـطـاني بـقـصـف مـيـنـاء الـفـاو في 6 تـشـريـن الـثّـاني.

وقـد بـعـث حـاكـم الـكـويـت الـشّـيـخ مـبـارك الـصّـبـاح بـمـجـمـوعـة مـن رجـالـه لـمـسـانـدة الـبـريـطـانـيـيـن. كـمـا هـاجـم رجـالـه الـقـوات الـعـثـمـانـيـة في عـدّة أمـاكـن. وغـيّـر رايـتـه مـزيـلاً مـنـهـا الـنّـجـمـة والـهـلال، رمـز الـعـثـمـانـيـيـن وأبـدلـهـا بـرايـة حـمـراء في وسـطـهـا كـلـمـة “كـويـت”.

(صـورة مـبـارك الـصّـبـاح قـبـل الـحـرب، وصـورة رايـتـه الـجـديـدة)

واكـتـمـل احـتـلال الـبـصـرة الـنّـهـائي في 22 مـن ذلـك الـشّـهـر. وطـاردت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة الـقـوات الـعـثـمـانـيـة حـتّى الـقـرنـة وأسـرت حـاكـم الـبـصـرة الـعـثـمـاني وحـوالي ألـف رجـل مـن جـنـوده.

وفي 1915 بـدأ أعـضـاء مـن جـمـعـيـة ” الـفـتـاة” بـعـقـد اتـصـالات مـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة لـلـقـيـام بـحـركـة ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وقـد تـبـنّى الإنـكـلـيـز هـذا الـمـشــروع ودفـعـوا حـسـيـن، شـريـف مـكّـة وأولاده لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى”.

وفي نـيـسـان 1915، عـيّـن مـكـتـب الـهـنـد الـبـريـطـاني الـجـنـرال جـون نـيـكـسـون  John Nixon لـيـشـرف عـلى الـعـمـلـيـات الـعـسـكـريـة. وقـرر جـون نـيـكـسـون أن يـطـلـق عـمـلـيـة الـصّـعـود نـحـو بـغـداد. وهـكـذا أمـر تـشـارلـز تـاونـزنـد (يـكـتـب أيـضـاً طـاونـزنـد أو طـونـزنـد) Charles TOWNSHEND بـأن يـتـوجـه بـقـواتـه نـحـو الـكـوت.

وصـعـد تـاونـزنـد دجـلـة مـع قـوات قـلـيـلـة الـعـدد ونـجـح في هـزم عـدد مـن الـقـطـعـات الـعـثـمـانـيـة، وتـجـاوز الـكـوت نـحـو بـغـداد، ولـكـنّ الـعـثـمـانـيـيـن شـكّـلـوا في 5 تـشـريـن الأوّل جـيـشـاً سـادسـاً عـيّـنـوا لـقـيـادتـه الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـس  Field Marchal Von Der Goltz.

وفي 2 تـشـريـن الـثّـاني الـتـقـت قـوات تـاونـزنـد وقـوات فـون ديـر غـولـتـس في مـعـركـة طـيـسـفـون (سـلـمـان بـاك). وانـتـهـت الـمـعـركـة بـانـسـحـاب الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة. وطـاردتـهـا الـقـوات الـعـثـمـانـيـة حـتّى حـاصـرتـهـا في الـكـوت. وبـدأ الـحـصـار في 7 كـانـون الأوّل، ولـم يـسـتـطـع الـبـريـطـانـيـون كـسـر الـحـصـار رغـم مـحـاولاتـهـم الـمـتـكـررة

جنود بريطانيون

(جـنـدي بـريـطـاني مـن فـصـيـلـة شـمـال سـتـفـوردشـر بـمـعـداتـه الـثّـقـيـلـة)

وتـوفي الـفـيـلـد مـرشـال فـون ديـر غـولـتـس بـعـد إصـابـتـه بـالـكـولـيـرا في 19 نـيـسـان 1916. وفي 24 نـيـسـان هـاجـمـت الـقـوات الـعـثـمـانـيـة الـكـوت ودخـلـت الـمـديـنـة، واسـتـسـلـم تـشـارلـز تـاونـزنـد وجـنـوده بـعـد خـمـسـة أيّـام :

جندي هندي بعد حصار الكوت

(جـنـدي هـنـدي مـن قـوّات الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة بـعـد الـحـصـار)

Townshend

(تـاونـزنـد في وسـط الـصّـورة بـعـد اسـتـسـلامـه في الـكـوت بـيـن ضـبّـاط عـثـمـانـيـيـن)

وبـعـد فـشـل الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـوصـول إلى الـكـوت لـفـك الـحـصـار، ثـمّ هـزيـمـتـهـا فـيـهـا، بـذلـت جـهـوداً كـبـيـرة لـتـحـسـيـن الـمـواصـلات بـيـن قـطـعـاتـهـا، ووسـعـت مـيـنـاء الـبـصـرة لاسـتـقـبـال أعـداد أكـثـر مـن الـبـواخـر ولـتـفـريـغـهـا بـسـرعـة كـمـا عـبّـدت الـطّـرق حـول الـمـديـنـة، وسـيّـرت سـفـنـاً بـخـاريـة في دجـلـة.

كـمـا شـكّـلـت إدارة لـلـسـكـك الـحـديـديـة بـعـد أن بـدأ الـمـاجـور فـردريـك كـول  Major Frederick Cole  وكـتـيـبـتـه الـهـنـديـة بـتـشــيـيـد خـط حـديـدي مـن الـبـصـرة بـاتـجـاه بـغـداد، وبـعـثـت حـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة إلى الـبـصـرة بـعـدد مـن عـربـات الـقـطـار.

وهـكـذا أمـكـن لـلـجـيـش الـبـريـطـاني أن يـجـلـب إلى جـبـهـة الـعـراق بـأعـداد أكـبـر مـن الـجـنـود والـمـعـدّات الـحـربـيـة وأن يـتـهـيـأ لـلـصـعـود نـحـو بـغـداد.

وبـدأت “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916 بـعـد أن وعـد الـبـريـطـانـيـون الـحـسـيـن، شــريـف مـكّـة، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا بـإنـشـاء مـمـلـكـة عـربـيـة لـه ولأولاده. ولـكـن بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا وقـعـتـا في 16 أيّـار مـن نـفـس الـعـام مـعـاهـدات سـايـسكـس ــ بـيـكـو لـتـقـسـيـم ولايـات الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـيـنـهـمـا مـن غـيـر أن تـعـلـمـا شـريـف مـكّـة بـذلـك.

وفي نـفـس الـعـام، 1916، وصـلـت الـمـس جـرتـرود بـيـل Gertrude BELL إلى الـبـصـرة بعـد أن قـضـت عـامـاً في الـمخـابـرات الـبـريـطـانـيـة في الـقـاهـرة.

وعـيّـن الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود                         Lieutenant General Frederick Stanley MAUDE عـلى رأس الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق،

مود 2

ووصـل مـن مـصـر مـع كـتـيـبـتـه إلى الـبـصـرة في أواخـر عـام 1916(1). واسـتـلـم في شـهـر كـانـون الأوّل 1917 أمـراً بـالـمـسـيـر نـحـو بـغـداد واحـتـلال مـا لـم يـكـن قـد احـتـل بـعـد مـن ولايـة الـبـصـرة ثـمّ ولايـتَي بـغـداد والـمـوصـل.

وألـقى الـجـنـرال مـود أوامـره بـبـدء الـهـجـوم في 13 كـانـون الأوّل. وتـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة عـلى ضـفـتي دجـلـة، وتـسـاقـطـت مـراكـز الـدّفـاع الـعـثـمـانـيـة أمـامـهـا.

وبـعـد أن اسـتـعـادت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة (بـمـسـاعـدة قـطـعـات هـنـديـة) الـكـوت مـن أيـدي الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة في 24 شـبـاط :

Tuck XXXXV

(نـصـب شـيّـده الأتـراك في الـكـوت قـبـل أن يـعـيـد الـبـريـطـانـيـون احـتـلالـهـا) (2)

دخـلـت طـيـسـفـون (سـلـمـان بـاك) بـعـد ذلـك بـعـدّة أيّـام،

بريطانيون أمام طاق كسرى (280x180)

ووصـلـت قـرب بـغـداد في 5 آذار. وقـد حـاول والي بـغـداد خـلـيـل بـاشـا إيـقـافـهـا أمـام نـهـر ديـالى ولـكـنّ قـوات الـجـنـرال مـود سـلـكـت طـريـقـاً أخـرى وعـادت إلى مـنـطـقـة ديـالى الّـتي احـتـلـتـهـا في 10 آذار، ثـمّ تـوجـهـت نـحـو بـغـداد، فـانـسـحـب خـلـيـل بـاشـا ثـمّ ركـب الـقـطـار تـاركـاً بـغـداد نـحـو سـامـراء.

ودخـلـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة (الّـتي شـكّـل أغـلـبـهـا جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـاني) في بـغـداد يـقـودهـا الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود في 11 آذار. (3)

مود في بغداد

ونـرى في الـصّـورة جـنـود الـفـوج الأوّل لـكـتـيـبـة هـامـبـشـر الـرّابـعـة                 The 1st Division of the 4th Hampshire Regiment، يـدخـلـون مـن بـاب الـمـعـظـم (بـاب الـسّـلـطـان) ويـسـيـرون في جـادّة خـلـيـل بـاشـا (خـلـيـل بـاشـا جـادة سي، الّـتي أصـبـحـت بـعـد ذلـك  The New Street ثـمّ شـارع الـرّشـيـد) بـيـن مـجـمـوعـات مـن أهـل الـمـديـنـة.

وقـد تـسـاءلـت عـنـدمـا تـفـحـصّـت هـذه الـصّـورة عـن مـن الـتـقـطـهـا بـعـد أن أعـدّ الـمـشـهـد، فـلا يـمـكـن أن تـكـون قـد الـتـقـطـت عـفـويـاً في زمـن كـانـت آلات الـتّـصـويـر فـيـه ضـخـمـة وثـقـيـلـة وتـحـتـاج الـصّـور الّـتي تـلـتـقـطـهـا إلى تـهـيـئـة وإعـداد، كـمـا تـسـاءلـت لـمـاذا كـان الـنّـاس يـنـظـرون إلى عـدسـة الـمـصـوّر بـدلاً مـن أن يـنـظـروا إلى الـجـنـرال وجـنـوده، ومـن وضـع الـمـنّـصـة الّـتي نـراهـا عـلى يـمـيـن الـصّـورة، حـتّى وجـدت الـجـواب في الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة في الأرشـيـفـات الـحـكـومـيـة لـلـمـمـلـكـة الـمـتّـحـدة. (4)

فـقـد ذكـرت هـذه الأرشـيـفـات أنّ الـفـوج الّـذي نـراه خـلـف الـجـنـرال مـود كـان مـخـيّـمـاً خـارج بـغـداد. وبـعـد أن دخـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد واسـتـولـت عـلى كـلّ الـمـديـنـة، اسـتـلـم هـذا الـفـوج أمـراً بـالـدّخـول فـيـهـا. وجُـمـع الـنّـاس عـلى جـانـبي الـطّـريـق لالـتـقـاط هـذه الـصّـورة لـكي تـنـشـر لأغـراض دعـائـيـة وتـسـتـعـمـل لإظـهـار قـوة الـجـيـش الـبـريـطـاني وانـتـصـاراتـه في الـحـرب، ولكي تـظـهـر “الـحـفـاوة” الّـتي اسـتـقـبـلـه الـعـراقـيـون بـهـا لـيـخـلـصـهـم مـن “الإضـطـهـاد الـعـثـمـاني”.

كـمـا أنّ لـديـنـا عـدّة صـور لـلـجـنـود الـبـريـطـانـيـيـن (ومـن بـيـنـهـم الـهـنـود) في بـغـداد عـام 1917 الـتـقـطـهـا الـكـولـونـيـل مـاك كـلـيـفـرتي Colonel A. H. McCleverty  مـن فـصـيـلـة The 2nd Queen Victoria’s Own Rajput Light Infantry جـمـعـت في ألـبـوم يـحـتـوي عـلى 103 مـنـهـا يـحـتـفـظ بـه مـتـحـف الـجـيـش الـوطـني  The National Army Museum في لـنـدن،  إخـتـرت لـكـم مـنـهـا صـورة لـلـقـطـعـات الـهـنـديـة تـسـيـر في شـارع الـرّشـيـد                          Indian troops marching through New Street :

القوات الهندية في شارع الرشيد

والـهـنـود يـنـقـلـون الـمـعـدّات عـلى ظـهـور الـحـمـيـر                                     Indian donckey transport, New Street :

Mc 5

والـهـنـود يـنـقـلـون الـمـعـدّات عـلى ظـهـور الـبـغـال

Indian troops and pack mule transport marching through New street :

باب المعظم 6

وصـور أخـرى لـلـجـنـود في بـغـداد :

 

ولـم يـقـرأ الـجـنـرال سـتـانـلي مـود خـطـابـه الـمـوجّـه لـلـبـغـداديـيـن، والـمـعـروف بـ  Proclamation of Baghdad ، إلّا في 19 آذار، أي بـعـد ثـمـانـيـة أيّـام مـن دخـولـه الى بـغـداد. وهـذا مـطـلـعـه بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وتـرجـمـتـه الّـتي نـشـرت بـالـلـغـة الـعـربـيـة :

 

ونـنـهي عـرضـنـا الـسّـريـع هـذا بـغـلاف مـجـلـة الـحـرب الـمـصـورة                     The War Illustrared  الّـتي صـدرت في لـنـدن في 24 آذار 1917 وعـلـيـهـا تـصـويـر خـيـالي لـلـجـنـرال مـود في طـريـقـه إلى بـغـداد :

with general Maude (3)

ــــــــــــــــــــــــ

(1) تـذكـر مـسـز سـتـوارت مـنـزيـس أنّـه وصـل إلى الـبـصـرة في شـهـر شـبـاط أو آذار 1916، وهـو مـا لا يـطـابـق مـجرى الأحـداث :

.Sir Stanley Maude & Others Memoirs By Mrs Stuart Menzies, London 1920

(2) بـطـاقـة بـريـديـة نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك الـلـنـدنـيـة. أنـظـر مـقالي :بـطـاقـات بـريـديـة عـن الـعـراق نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك في لـنـدن

(3) عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرت الـقـوات الـعـثـمانـيـة بـرج بـاب الـطّـلـسـم قـبـل انـســحـابـهـا مـن الـمـديـنـة.  وكـان الـبـرج قـد اسـتـعـمـل لـخـزن بارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد، فـتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجارة بـعـد انـفـجـار الـبـارود الـمـخـزون. ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

(4) (www.nationalarchives.gov.uk › … › First World War)

 

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.