لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 

رحـلـة الـرّسّـام الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان الأولى إلى الـعـراق :

إخـتـار “مـعـهـد فـرنـسـا L’Institut de France” (الّـذي يـضـمّ كـلّ الأكـاديـمـيـات الـفـرنـسـيـة) عـام 1840 الـرّسّـام أوجـيـن فـلانـدان Eugène Flandin (1) لـلـمـشـاركـة في مـهـمّـة بـاسـم مـلـك فـرنـسـا، لـويـس فـيـلـيـب، يـرأسـهـا إدوار دو سـيـرسي Edouard de Sercey إلى بـلاد الـفـرس لـتـوثـيـق عـلاقـات سـيـاسـيـة واقـتـصـاديـة مـع مـحـمّـد شـاه قـجـر، ولـلـتـعـرف عـلى الـبـلـد ومـا يـجـاوره، ودراسـة الـمـواقـع الأثـريـة والـمـعـالـم الـحـديـثـة في الـمـنـطـقـة.

وضـمّـت الـبـعـثـة أيـضـاً الـمـعـمـاري وعـالـم الآثـار بـاسـكـال كـوسـت                  Pascal COSTE.

وبـعـد عـودة دو سـيـرسي إلى بـاريـس، أكـمـل فـلانـدان وكـوسـت رحـلـتـهـمـا عـبـر الـمـنـطـقـة لـدراسـة مـعـالـمـهـا الأثـريـة، وسـارا في طـرق لا يـعـرفـانهـا وفي جـو مـتـطـرّف في شــدّة بـرودتـه وحـرارتـه وبـيـن أنـاس لا يـفـهـمـان لا لـغـتـهـم ولا عـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم.

ودامـت سـفـرتهـمـا عـامـيـن مـرّا بـهـا بـيـن مـا مـرّا بـأصـفـهـان و شـيـراز و تـبـريـز وبـغـداد الّـتي وصـلاهـا في تـمّـوز عـام 1841، والـمـوصـل وحـلـب والـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) ثـمّ عـادا إلى بـاريـس.

ويـذكـر فـلانـدان وكـوسـت في الـفـصـل الـخـامـس عـشـر مـن الـجـزء الـثّـاني كـتـاب  نـشـراه في بـاريـس عـنـوانـه : “رحـلـة إلى بـلاد فـارس  Voyage en Perse “، (2) عـبـورهـمـا لـلـجـزء الـتّـركي مـن كـردسـتـان ووصـولـهـمـا إلى الـسّـلـيـمـانـيـة وإلى كـفـري ثـمّ إلى بـغـداد عـبـر الـبـاديـة.

Flandin er C

ويـتـكـلّـمـان في الـفـصـل الـسّـادس عـشـر عـن زيـارتـهـمـا لـطـيـسـفـون (الـمـدائـن) ولـسـفـرتـهـمـا إلى بـابـل، ويـتـكـلّـمـان عـن خـرائـب بـابـل وعـن الـحـلّـة ثـمّ عـودتـهـمـا إلى بـغـداد.

ومـن بـغـداد صـعـدا إلى الـمـوصـل فـديـار بـكـر ثـمّ حـلـب وبـيـروت، ثـمّ عـادا إلى فـرنـسـا.

وقـد ألـحـق بـالـكـتـاب ثـلاثـة أجـزاء تـضـمّ الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الّـتي أخـذت عـن رسـوم فـلانـدان وكـوسـت بـعـد أن حـفـرت عـلى الـخـشـب وطـبـعـت.

ونـجـد في ثـانـيـهـا أي في الـجـزء الـرّابـع مـن الـكـتـاب ثـمـانـيـة رسـوم عـن الـعـراق سـأضـعـهـا في أمـاكـنـهـا مـن الـمـقـاطـع الّـتي سـأتـرجـمـهـا مـن الـكـتـاب : واحـد لـجـسـر (ألـتـون كـوبـري)، وثـلاثـة لـطـاق كـسـرى، وأربـعـة لـبـابـل.

رسـوم فـلانـدان لـلـعـراق في رحـلـتـه الأولى ووصـفـه لـه :

بـعـد أن مـرّ فـلانـدان ومـصـاحـبـه كـوسـت بـالـسّـلـيـمـانـيـة، وبـألـتـون كـوبـري الّـذي رسـمـه فـلانـدان :

Flandin voyage Altoon Kopri

نـزلا بـكـفـري : “مـديـنـة صـغـيـرة وسـط الـصّـحـراء، وجـدنـا مـكـانـاً سـنـقـضي فـيـه الـلـيـل في حـوش تـظـلـلـه نـخـلات قـلـيـلـة”. وبـعـد أن أراحـوا خـيـولـهـم غـادراهـا في الـلـيـلـة الـتّـالـيـة نـحـو بـغـداد الّـتي وصـلاهـا في 7 تـمّـوز 18841 (وأتـرجـم في مـا يـلي كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة عـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة) :

“مـنـذ أن تـركـنـا تـبـريـز، قـبـل أربـعـة وثـلاثـيـن يـومـاً، ونـحـن نـسـيـر بـلا تـوقـف. ولـهـذا فـمـا أن كـشـفـت لـنـا أولى أضـواء الـفـجـر مـنـائـر بـغـداد فـوق أفـق الـصّحـراء الـمـهـتـزّ  حـتّى نـهـضـنـا نـحـيي عـاصـمـة الـخـلـفـاء بـسـرور مـا بـعـده سـرور.

وارتـفـعـت الـشّـمـس في هـذا الـيـوم، الـسّـابـع مـن تـمّـوز في سـمـاء شـديـدة الـصّـفـاء عـنـدمـا وصـلـنـا إلى بـاب الـكـاظـم، أي بـاب الـعـبـد (خـلـط بـيـن الـكـاظـم والـخـادم !). ولـم يـكـن الـبـغـداديـون، في هـذه الـسّـاعـة الـمـبـكـرة، قـد اسـتـيـقـظـوا مـن نـومـهـم بـعـد، ولـم نـر في الـدّروب إلّا الـكـراول  Caraouls  أي الـعـسـاسـيـيـن الأتـراك. ولـم نـسـتـطـع الـدّخـول فـقـد كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر أن تـفـتـح أبـواب الـمـديـنـة. وأخـيـراً وصـل الـضّـابـط الـمـسـؤول عـن الـبـوابـة. وبـعـد أن تـوضـأ وأقـام الـصـلاة، فـتـحـهـا ودخـلـنـا”.

ولـم يـجـدا الـقـنـصـل الـفـرنـسي ولا الـمـسـتـشـار في الـمـديـنـة، فـبـحـثـا عـن سـكـن، ووجـدا داراً رخـيـصـة الإيـجـار لأنّـهـمـا قـررا الإقـامـة في بـغـداد حـتّى يـنـتـهي الـقـيـظ، كـمـا كـانـا يـنـويـان زيـارة طـيـسـفـون (الـمـدائـن) وبـابـل.

ومـا أن ارتـاحـا مـن مـتـاعـب الـسّـفـر حـتّى شـرعـا في الـبـحـث عـن آثـار عـاصـمـة الـخـلـفـاء :

“وقـضـيـنـا الأيّـام الأولى في ذرع دروب الـمـديـنـة الـعـجـيـبـة الّـتي كـانـت تـمـثّـل لـنـا في بـدايـة إقـامـتـنـا فـيـهـا الـهـيـبـة الّـتي كـان تـضـفـيـهـا عـلـيـهـا ذكـريـات الـخـلـفـاء وحـضـارة تـلـك الـفـتـرة الإسـلامـيـة الـزّاهـرة. وعـلى الـقـارئ أنّ لا يـنـسى تـأثـيـر حـكـايـات “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” في خـيـالـنـا، نـحـن الأوربـيـيـن.

ولـكـن لـم يـعـد لـبـغـداد مـجـدهـا الـقـديـم، وتـراكـمـت طـبـقـات كـثـيـفـة مـن الأتـربـة غـطـت أسـافـل الـبـنـايـات الّـتي لا تـبـدو فـيـهـا إلّا بـالـكـاد آثـار هـرون الـرّشـيـد.

ونـجـد بـعـد بـحـث طـويـل في زوايـا الأسـواق أو عـلى ضـفـاف الـنّـهـر وسـط أكـوام خـرائـب ضـاعـت حـتّى لـم يـعـد أحـد يـتـذكّـر أسـمـاءهـا بـقـايـا جـدران عـلـيـهـا نـقـوش كـوفـيـة أو مـئـذنـة مـتـسـاقـطـة أو مـا ظـلّ قـائـمـاً مـن بـوابـة مـغـطـاة بـالـقـاشـاني ظـلّـت أجـزاء مـلـوّنـة مـنـهـا مـلـتـصـقـة بـخـلـفـيـة الـجـصّ الـمـتـشـقـق. ولا يـبـدو عـلى الأتـراك أنّـهـم يـبـالـون بـضـيـاع آثـار الـحـضـارة الّـتي كـانـت زاهـرة ونـافـسـت حـضـارة الـبـيـزنـطـيـيـن”.

“وعـلى الـمـسـافـر أن لا يـبـحـث عـن مـاضي الـمـديـنـة، وأن يـكـتـفي بـالـمـديـنـة الـحـالـيـة، أن يـتـأمّـل مـسـاجـدهـا الـجـديـدة وفـنـونـهـا الـحـاضـرة، فـفـيـهـا مـا يـشـبـع فـضـولـه. ثـمّ أنّ نـهـرهـا الـعـربي وسـمـاءهـا الـصّـافـيـة الّـتي تـعـكـس زرقـتـهـا عـلى آجـر قـبـاب مـسـاجـدهـا وعـلى رؤوس نـخـيـلـهـا الـبـالـغـة الـعـلـو سـتُـبـقي بـغـداد حـيّـة في ذاكـرتـه”.

“وبـغـداد مـكـان تـبـادل الـبـضـائـع والـسّـلـع بـيـن الـهـنـد وبـلاد الـفـرس وتـركـيـا، وأسـواقـهـا الـشّـديـدة الإمـتـداد لـهـا أهـمـيـة كـبـيـرة. ونـجـد فـيـهـا مـجـتـمـعـة مـا جـاء مـن مـنـاطـق مـخـتـلـفـة : مـنـتـجـات تـتـنـافـس في الـحـسـن وجـودة الـنّـوعـيـة. وفـيـهـا تُـنـزل حـمـولـتـهـا الـمـراكـب الـصّـاعـدة مـن الـخـلـيـج، والـقـوافـل الـنّـازلـة مـن آسـيـا الـصّـغـرى، وتـلـك الآتـيـة مـن سـوريـا ومـن جـزيـرة الـعـرب. كـلّ آسـيـا تـتـوجـه إلى بـغـداد الّـتي صـارت سـوقـاً شـديـدة الـسّـعـة لـتـجـارة بـالـغـة الـغـنى والـثّـراء، ومـركـز اتـصـالات بـيـن كـلّ شـعـوب هـذا الـجـزء مـن الـعـالـم.

ولـكي يـدرك الـقـارئ مـدى أهـمـيـة الـمـبـادلات الـتّـجـاريـة الّـتي تـجـري في بـغـداد يـكـفـيـنـا أن نـذكـر لـه أنّ فـيـهـا سـتـيـن شـركـة تـجـاريـة أوربـيـة جـاءت مـن كـلّ بـلـدان أوربـا”.

وقـد سـجّـل فـلانـدان بـعـد ذلـك وصـفـاً دقـيـقـاً لـمـديـنـة بـغـداد أنـهـاه بـالـمـقـطـع الـتّـالي عـن ولايـة بـغـداد :

“وبـغـداد مـن غـيـر شـكّ واحـدة مـن الأمـاكـن الأشـدّ أهـمّـيـة في الـقـارة الآسـيـويـة : مـوقـعـهـا عـلى نـهـر يـنـزل نـحـو الـمـحـيـط الـهـنـدي، وعـلى حـدود الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة مـن جـهـة وتـقـريـبـاً عـلى حـدود الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة مـن جـهـة أخـرى، تـحـاذي بـلاد الـفـرس مـن جـانـب وجـزيـرة الـعـرب مـن الـجـانـب الآخـر، يـضـفي عـلـيـهـا أهـمـيـة سـيـاسـيـة لا يـنـازعـهـا فـيـهـا مـنـازع. وفـوق ذلـك فـهي في وسـط مـنـطـقـة لا يـمـكـن تـصـور سـعـة خـيـراتـهـا لـو أعـدنـا لأهـلـهـا هـمّـة الـبـابـلـيـيـن وتـذكـرنـا حـضـارتـهـا الـمـاضـيـة، فـمـن كـركـوك إلى ضـفـاف الـخـلـيـج، ومـن جـبـال زاغـروس إلى الـفـرات تـمـتـد أراضٍ شـاسـعـة تـرويـهـا عـشـرات الأنـهـر، شـقّـت فـيـهـا قـنـوات قـديـمـة. وفي كـلّ مـكـان لا تـنـتـظـر هـذه الأراضي إلّا أن يـزرعـهـا الـزّارعـون ويـعـمّـروهـا، وأن تـسـتـخـرج مـن أعـمـاقـهـا ثـروات تـعـادل ثـروات الـهـنـد والـيـمـن الـسّـعـيـد”.

ونـفـهـم في آخـر هـذا الـمـقـطـع أنّـه يـدعـو الـسّـلـطـات الـفـرنـسـيـة وأصـحـاب رؤوس الأمـوال لـلـمـجئ إلى ولايـة بـغـداد لاسـتـثـمـار ثـرواتـهـا :

“وهـنـا يـمـكـن لـمـلايـيـن الـمـسـتـعـمـريـن أن يـغـتـنـوا مـن إنـتـاج الـسّـكّـر والـقـهـوة والـقـطـن وأحـسـن نـوعـيـات الـقـمـح لـو طـبّـقـوا فـيـهـا عـلـومـهـم الـزّراعـيـة [الـحـديـثـة] ومـعـارف حـضـارة يـحـتـقـرهـا الـبـدو لـقـلّـة حـاجـتـهـم إلـيـهـا”.

وكـتـب فـلانـدان مـلاحـظـاتـه عـن مـشـاريـع الإنـكـلـيـز في ولايـة بـغـداد :

“أدركـت إنـكـلـتـرة أهـمـيـة بـغـداد مـنـذ زمـن طـويـل. وإن لـم تـكـن قـد اسـتـعـمـرت هـذه الـمـنـطـقـة بـعـد فـهي تـبـذل كـلّ جـهـودهـا لـلـتّـوصـل إلى ذلـك. وفي انـتـظـار أن تـنـجـح في جـهـودهـا فـقـد جـعـلـت مـن [بـغـداد] مـركـزاً سـيـاسـيـاً شـديـد الأهـمـيـة، ووضـعـت فـيـه مـنـذ أكـثـر مـن عـشـريـن سـنـة مـقـيـمـاً تـدّل الـمـهـمـات الّـتي عـهـد إلـيـه بـهـا وأهـمـيـة الـمـوظـفـيـن الـمـحـيـطـيـن بـه عـلى مـشـروع إنـكـلـتـرة لـلـتـغـلـغـل في الـبـلـد. ويـكـفي أن نـرى الـمـبـالـغ الّـتي خـصـصـت لـمـهـمـتـه لـنـدرك عـظـمـهـا، كـمـا خـصـصـت لـحـراسـتـه قـطـعـات مـن الـجـنـود الإنـكـلـيـز والـهـنـود Sipayes . ووضـعـت في حـوش مـقـيـمـيـتـه مـدافـع، بـيـنـمـا ربـطـت في الـنّـهـر أمـامـهـا مـجـمـوعـة مـن الـسّـفـن الـبـخـاريـة، لـيـسـتـطـيـع الإتـصـال بـبـومـاي في الـهـنـد، وكـذلـك لـتـقـويـة مـكـانـتـه في داخـل مـديـنـة بـغـداد والّـتي تـمـتـد عـلى ضـفـتي الـنّـهـر. أمّـا فـرنـسـا فـقـد مـثّـلـهـا، حـتّى عـام 1841  مـوظـفـون قـنـصـلـيّـون قـلـيـلـو الـقـيـمـة …”.

ويـكـمـل كـلامـه عـن الـفـرق بـيـن الـمـشـاريـع الـفـرنـسـيـة والإنـكـلـيـزيـة :

“والـبـصـرة، الّـتي هي الأخـرى مـديـنـة مـهـمّـة، والّـتي تـقـع عـلى مـلـتـقى دجـلـة والـفـرات، كـان فـيـهـا قـنـصـل يـمـثـل فـرنـسـا مـنـذ أكـثـر مـن قـرن. وكـان فـيـهـا مـؤسـسـة تـجـاريـة فـرنـسـيـة مـهـمـة ومـكـتـب مـبـادلات، ولـكـن مـصـالـح مـواطـنـيـنـا في هـذه الـمـديـنـة الآن لا يـدافـع عـنـهـا أحـد، ولا يـمـثـلـنـا فـيـهـا إلّا عـمـيـل لا أهـمـيـة لـه يـرتـدي عـمـامـة وثـيـابـاً عـربـيـة، لا فـرق بـيـنـه وبـيـن أي واحـد مـن رؤسـاء raïas الـمـسـيـحـيـيـن. وصـارت دار الـقـنـصـلـيـة خـرابـاً لا يـجـد الـفـرنـسـيـون الّـذيـن يـمـرّون بـالـبـصـرة فـيـهـا لا أمـنـاً لأشـخـاصـهـم ولا حـمـايـة لـمـصـالـحـهـم. وعـلى الـعـكـس مـن ذلـك، شـيّـد الإنـكـلـيـز فـيـهـا بـنـايـة شـديـدة الـضّـخـامـة، مـسـوّرة مـحـصّـنـة، هي في نـفـس الـوقـت مـقـيـمـيـة لـمـسـؤولـيـهـا ولـعـمـلائـهـا، ومـركـزاً لإدارة بـحـريـتـهـا، ومـخـازن يـكـدّسـون فـيـهـا كـلّ مـا يـمـكـنـه أن يـنـفـعـهـم لإعـداد مـشـاريـعـهـم في الـمـسـتـقـبـل. وبـيـنـمـا تـتـلاشـى مـكـانـة فـرنـسـا تـعـظـم مـكـانـة إنـكـلـتـرة. وهـكـذا مـنـذ أواخـر الـقـرن الـمـاضي قـلّـت أهـمـيـة واحـدة مـنـهـمـا عـلى هـذه الـسّـواحـل الـبـعـيـدة بـيـنـمـا أزداد تـوسـع الأخـرى حـتّى شـمـل كـلّ أرجـاء الـعـالـم”.

ورغـم أنّ أوجـيـن فـلانـدان ومـصـاحـبـه لـم يـزورا الـبـصـرة فـقـد كـتـب مـا ذكـرنـاه نـقـلاً عـن الـفـرنـسـيـيـن الّـذيـن ألـتـقـيـا بـهـم في بـغـداد، وهـو ولا شـكّ يـمـثّـل آراءهـم عـن الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة في تـلـك الـفـتـرة.

الـمـدائـن :

Flandin voyage 2

تـرك أوجـيـن فـلانـدان ومـصـاحـبـوه بـغـداد بـعـد غـروب الـشّـمـس مـتّـجـهـيـن نـحـو الـمـدائـن (سـلـمـان بـاك) ووصـلـوهـا بـعـد مـسـيـرة خـمـس سـاعـات، في حـوالي مـنـتـصـف الـلـيـل. ويـذكـر فـلانـدان أنّ الـنّـاس كـانـوا يـسـمـون الإيـوان : “تـخـت كـسـرى” أي عـرش كـسـرى أو “طـاق كـسـرى”.

ولـم تـكـن مـعـرفـتـه بـتـاريـخ الـمـدائـن، أي طـيـسـفـون وسـلـوقـيـة دجـلـة، مـعـرفـة عـمـيـقـة، ولا تـتـجـاوز مـا كـان شـائـعـاً عـنـهـمـا في ذلـك الـحـيـن، ولـكـن الـرّسّـوم الـشّـديـدة الـدّقـة الّـتي نـفّـذهـا فـلانـدان عـن الـطـاق والـتـخـطـيـطـات الـهـنـدسـيـة الّـتي قـام بـهـا بـاسـكـال كـوسـت تـبـقى شـهـادات مـهـمّـة عـن حـال الـطّـاق عـنـدمـا زاراه :

ثـمّ عـادا إلى بـغـداد. وبـعـد أن بـقـيـا فـيـهـا عـدّة أيّـام غـادراهـا مـن جـديـد نـحـو الـحـلّـة، وقـد سـافـرا لـيـلاً لـشـدّة قـيـظ تـمّـوز، وقـطـعـا الـمـسـافـة في خـمـس مـراحـل هـبّـت خـلالـهـا عـواصـف تـراب : الـسّـم  sam. ووصـلا الـحـلّـة بـعـد يـومـيـن.

بـابـل :

Flandin voyage 6 

وبـعـد وصـف دقـيـق ومـفـصّـل لـلـقـنـوات الّـتي كـان الـبـابـلـيـون قـد شـقّـوهـا بـمـهـارة لـيـس بـعـدهـا مـهـارة لـيـحـولـوا الـفـيـافي إلى جـنّـات مـتـنـوعـة الـخـضـرة، وصـل فـلانـدان ومـصـاحـبـوه إلى : “قُـريـة تـهـدمـت أغـلـب دورهـا تُـدعى بـ “الـمـحـاويـل”. ومـا أن تـركـوا الـمـحـاويـل حـتّى أبـصـروا نـحـو الأفـق بـتـلال بـابـل.

وذهـبـوا إلى “تـلّ بـابـل” الّـذي وجـدوا عـلـيـه نـقـوشـاً بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة، ومـنـه رأوا تـلّاً آخـر يـدعي “الـقـصـر” تـسـلـقـاه والـتـقـطـا عـلـيـه ألـواحـاً تـغـطـيـهـا نـقـوش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة :

Flandin voyage

ويـمـكـنـنـا أن نـتـعـرف في الـنّـص الّـذي نـراه في أعـلى الـصّـورة عـلى اسـم الـمـلـك نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني :

Flandin voyage (2)

كـمـا تـسـلـقـا أيـضـاً تـلّ “عـمـران بـن عـلي” وتـلّاً آخـر “عـلى بـعـد ثـمـانـيـة كـيـلـومـتـرات شـرق “الـقـصـر” يـسـمـونـه “El Heimar” عـلـيـه بـقـايـا أبـنـيـة قـديـمـة…

ووجـدا : “تـلّاً واحـداً لـه أهـمـيـة في الـضّـفـة الـيـمـنى مـن الـفـرات، عـلى بـعـد تـسـعـة كـيـلـومـتـرات مـن الـحـلّـة : “بـيـرس نـمـرود Birs-Nemrod أو بـرج نـمـرود  Bourdj-Nemrod،وعـلـيـه الـبـرج الـوحـيـد الّـذي بـقي مـنـتـصـبـاً وسـط هـذا الـخـراب الـشّـامـل”.

Flandin voyage 7

وبـيـرس نـمـرود هـذا كـمـا أظـهـرتـه الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر مـوقـع مـديـنـة بـورسـيـبـا الـقـريـبـة مـن مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة.

ورسـم الـمـعـمـاري بـاسـكـال كـوسـت مـخـطـطـاً لـلـمـوقـع :

Flandin voyage 5

وكـانـت نـتـيـجـة بـحـثـهـمـا : “وهـكـذا نـرى أنّ بـابـل كـانـت أعـظـم مـدن الـدّنـيـا في الأزمـان الـقـديـمـة، وكـانـت رأس واحـدة مـن أوسـع الإمـبـراطـوريـات امـتـداداً كـمـا كـانـت روحـهـا، ولـكـنّ عـظـمـتـهـا نـفـسـهـا هي الّـتي تـسـبـبـت في سـقـوطـهـا، ولـم يـبـقَ مـنـهـا في أيّـامـنـا هـذه أثـر”.

وعـلـيـنـا أن لا نـنـسى هـنـا أنّ فـلانـدان وكـوسـت مـرّا بـبـابـل عـام 1841، قـبـل أن تـبـدأ الـتّـنـقـيـبـات الـعـلـمـيـة في الـمـوقـع بـأكـثـر مـن نـصـف قـرن، وأنّ مـعـرفـتـهـمـا بـهـا لـم تـكـن تـتجـاوز مـا كـانـا قـد وجـداه في أسـفـار الـتّـوراة وعـنـد الـمـؤلـفـيـن الـيـونـان والـرّومـان مـن نـصـوص تـمـتـزج الـخـرافـات فـيـهـا بـالأسـاطـيـر.

وبـعـد أن قـضـيـا ثـلاثـة أيّـام في الـحـلّـة، أرادا الـعـودة إلى بـغـداد مـع مـصـاحـبـيـهـم. ولـكـن الـعـشـائـر كـانـت قـد ثـارت ضـدّ الـوالي وامـتـدت الإضـطـرابـات إلى بـغـداد. ولـم يـسـمـح لـهـمـا حـاكـم الـحـلّـة بـتـرك الـمـديـنـة إلّا تـحـت حـراسـة أربـعـيـن فـارس ألـبـاني وأرنـؤوطي. ووصـلا بـغـداد في بـدايـة أيـلـول.

وعـنـدمـا أرادا تـرك بـغـداد، عـلـمـا بـأنّ الـعـشـائـر ثـارت أيـضـاً بـيـن بـغـداد والـمـوصـل مـنـذ شـهـر. وقـد اسـتـطـاع قـنـصـل فـرنـسـا في بـغـداد أقـنـاع بـاشـا كـركـوك الّـذي كـان يـنـوي الـعـودة إلى مـديـنـتـه بـأن يـصـاحـبـه فـلانـدان وكـوسـت.  وهـكـذا تـركـا بـغـداد في الـخـامـس مـن شـهـر أيـلـول.

ووصـلا إلى كـركـوك مـع الـبـاشـا الّـذي أمـر عـدداً مـن فـرسـانـه بـمـصـاحـبـتـهـمـا إلى الـمـوصـل. ومـن الـمـوصـل ذهـبـا إلى حـلـب عـن طـريـق ديـار بـكـر، ثـمّ إلى بـيـروت وفـرنـسـا الّـتي وصـلاهـا في الأوّل مـن كـانـون الأوّل 1841.

مـقـال نـشـره فـلانـدان عـام 1861 عـن رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق :

نـشـر أوجـيـن فـلانـدان عـام 1861 (أي بـعـد عـشـريـن سـنـة مـن زيـارتـه الأولى لـلـعـراق) في مـجـلـة “حـول الـعـالـم  Le tour du monde” الـفـرنـسـيـة (الـقـسـم الـرّابـع، مـن ص. 49 إلى ص. 65)، مـقـالاً عـنـوانـه : “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  Voyage en Mésopotamie”. والـمـقـال بـ 32  صـفـحـة. وفـيـه عـدد مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الـمـأخـوذة مـن رسـومـه.

وقـد تـرجـم هـذا الـمـقـال الأب بـطـرس حـدّاد تـحـت عـنـوان : “رحـلـة في مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ونـشـره عـام 2005، ولـكـنّي كـعـادتي في كـلّ مـقـالاتي، أتـرجـم لـكـم كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة مـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة.

ويـأخـذ الـمـقـال مـا كـان فـلانـدان قـد نـشـره في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق مـن كـتـاب “رحـلـة إلى بـلاد فـارس”، مـع إضـافـات بـسـيـطـة هـنـا وهـنـاك.

ويـعـيـد سـرده في هـذا الـمـقـال لـمـسـيـرتـه مـع بـاسـكـال كـوست ومـصـاحـبـيـهـمـا مـن تـبـريـز إلى الـسّـلـيـمـانـيـة، ووصـولـهـمـا عـن طـريـق كـفـري إلى بـغـداد.

وخـلال وصـفـه لـبـغـداد يـتـكـلّـم عـن مـسـاجـد بـغـداد : “ومـن أجـمـلـهـا جـامـع الـمـيـدان أو مـا يـسـمى بـجـامـع  Ahmet Khiaïa   الّـذي يـغـطـيـه بـكـامـلـه آجـر مـزجـج تـتـشـابـك زخـارفـه بـأشـكـال رائـعـة وبـألـوان زاهـيـة. وهـو يـهـيـمـن عـلى سـاحـة الـمـيـدان الـواسـعـة الّـتي تـنـفـتـح عـلـيـهـا مـقـاهٍ ودكـاكـيـن وخـانـات مـسـافـريـن، والّـتي تـمـتـلئ مـنـذ الـصّـبـاح الـبـاكـر بأعـراب يـحـتـلّـونـهـا لـبـيـع بـطـيـخـهـم الأصـفـر وبـطـيـخـهـم الـسّـنـدي ودجـاجـهـم وأنـواع أخـرى مـمـا يـربّـون ويـجـنـون. وهي أيـضـاً مـحـطّـة وصـول قـوافـل الـشّـمـال أو مـغـادرتـهـا. وفـيـهـا تـنـزّل حـمـولات الـجـمـال في انـتـظـار الـقـوافـل الّـتي تـوصـلـهـا إلى آسـيـا الـصّـغـرى” :

Tour du monde

وكـتـب أوجـيـن فـلانـدان وهـو في جـانـب الـكـرخ :”ويـربـط بـيـن جـزئي الـمـديـنـة جـسـر قـوارب طـويـل جـدّاً فـدجـلـة نـهـر واسـع الـعـرض. ونـشـاهـد بـلا انـقـطـاع قـوافـل تـمـرّ عـلـيـه وخـيّـالـة وجـمـال مـحـمّـلـة وقـطـعـان غـنـم جـلـبـت مـن الأريـاف لإطـعـام سـكـان الـمـديـنـة” :

Tour du monde 3

“ونـجـد مـن جـهـتي الـنّـهـر مـقـاهي تـنـفـتـح طـارمـاتـهـا عـلـيـه يـجـلـس فـيـهـا بـغـداديـون يـدخـنـون في نـارجـيـلات أنـيـقـة أفـضـل أنـواع تـبـغ الـشّـرق وهـم يـحـتـسـون أحـسـن أنـواع قـهـوة مـخـا. وتـمـتـد أنـظـار الـجـالـس في الـمـقـهى عـبـر الـنّـهـر نـحـو الـصّـوب “الـمـقـابـل :

Flandin 2

“ويـمـكـنـنـا مـن هـذه الـجـهـة مـن الـنـهـر أن نـبـصـر قـرب الـمـديـنـة بـأربـع مـآذن مـمـشـوقـة مـغـطـاة بـالآجـر الـمـزجـج تـنـبـثـق مـن بـيـن غـابـات الـنّـخـيـل، وتـعـلـو بـيـنـهـا قـبـتـان يـغـطـيـهـمـا الآجـر الـمـزجـج أيـضـاً تـتـلامـعـان بـزخـارفـهـمـا الـمـتـشـابـكـة. وهـو جـامـع واسـع تـجـمـعـت حـولـه بـيـوت قـريـة يـسـكـن في كـلّ واحـد مـنـهـا تـقـريـبـاً “مُـلّا  molla” أي رجـل ديـن أو زوّار جـاءوا لـلـتّـعـبـد. ويـدعى هـذا الـبـنـاء “مـسـجـد الإمـام مـوسى  Matchid-Imam-Moussa” :

Flandin Imam Moussa 2

ورغـم أنّ فـلانـدان خـصـص مـقـطـعـاً مـن مـقـالـه لـ “قـبـر زبـيـدة”، فـلـم يـضـع رسـمـاً لـه، وإنّـمـا وضـع رسـمـاً لـضـريـح الـشّـيـخ عـمـر :

Tour du monde 2

كـمـا وضـع رسـمـاً يـظـهـر داخـل بـيـت بـغـدادي :

Flandin Méso 4

وفي كـلامـه عـن سـفـرتـه إلى الـحـلّـة وبـابـل وضـع أوجـيـن فـلانـدان رسـمـاً لـلـحـلّـة كـان قـد نـفّـذه عـام 1841 ولـم يـضـع في كـتـابـه عـام 1843، وكـتـب تـحـتـه “صـورة الـحـلّـة عـلى الـفـرات” :

Flandin Hilla 2

وأنـهى مـقـالـه بـمـغـادرة بـغـداد نـحـو الـمـوصـل ووضـع صـورة كـان قـد رسـمـهـا لـلـمـوصـل عـام 1841 ولـم يـضـعـهـا في كـتـابـه :

Flandin Mossoul

وسـنـخـصـص مـقـالـنـا الـمـقـبـل عـن عـودة أوجـيـن فـلانـدان إلى إلى الـمـوصـل في 4 أيّـار 1844، وعـن رسـومـه لـلآثـار الآشـوريـة.

 

مـلـحـق

نـفّـذ الـفـنّـان الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان عـدداً مـن الـرّسـوم والـلـوحـات عـن الـعـراق لـم يـنـشـرهـا في كـتـابـه : “رحـلـة إلى بـلاد فـارس” ولا في مـقـالـه “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ولـكـن مـا زالـت في مـجـمـوعـات الـمـتـاحـف أو في مـقـتـنـيـات بـعـض جـامـعي الأعـمـال الـفـنّـيـة ، مـثـل الـلـوحـة الـزّيـتـيـة (22×38 سـم.) الّـتي رسـمـهـا عـام 1843، بـعـنـوان : “مـشـهـد مـن بـغـداد        Vue de Bagdad” والّـتي يـحـتـفـظ بـهـا مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة مـرسـيـلـيـا (جـنـوب فـرنـسـا) تـحـت رقـم الـجـرد: 156. ولـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى صـورة لـلـوحـة رغـم مـحـاولاتي الـمـتـكـررة.

ولـديـنـا رسـم لـجـانـب الـرّصـافـة كـمـا رآه فـلانـدان مـن الـجـانـب الـمـقـابـل :

138522

و رسـمـان لأوجـيـن فـلانـدان بـالألـوان الـمـائـيـة نـفّـذهـمـا عـام 1841 عـنـوان الأوّل “بـغـداد  Bagdad” (16×5،28 سـم.):

Flandin Bagdad 3

والـثّـاني : “ذكـريـات مـن بـغـداد  Souvenir de Bagdad” (34×24 سـم.) :

Flandin souvenire de Bagdad

ولـوحـة زيـتـيـة رسـمـهـا عـام 1941 أيـضـاً عـنـوانـهـا : “رجـل مـن بـغـداد              Un homme de Bagdad”  (38×27 سـم.) :

Flandin un homme de Bagdad

ووجـدت لـيـثـوغـرافـيـا بـالأبـيـض والأسـود عـنـوانـهـا “الـنّـاعـورة، بـغـداد         Noria ou puits d’arrosage, Bagdad” :

Flandin Noria

وقـد رسـم في نـفـس هـذه الـفـتـرة بـالألـوان الـمـائـيـة والـغـواش (32×23 سـم.) : “نـسـور تـلـتـهـم جـمـلاً   Vautours dévorant un chameau” :

Flandin tableau

وتـحـتـفـظ مـكـتـبـة مـديـنـة مـرسـيـلـيـا في مـجـمـوعـاتـهـا الـتّـراثـيـة بـرسـم نـفّـذه بـاسـكـال كـوسـت يـوم 20 تـمّـوز 1841 : “مـشـهـد لـدجـلـة في بـغـداد” :

Pascal Cost

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  واسـمـه الـكـامـل جـان ــ بـاتـيـسـت أوجـيـن نـابـلـيـون فـلانـدان Jean-Baptiste Eugène Napoléon FLANDIN . ولـد في نـابـولي، في جـنـوب إيـطـالـيـا سـنـة 1809. ودرس الـرّسـم عـلى يـدي الـفـنّـان الـفـرنـسي الـشّـهـيـر هـوراس فـيـرنـيـه Horace Vernet  في بـاريـس، ثـمّ صـاحـب الـجـيـش الـفـرنـسـي كـرسّـام إلى الـجـزائـر عـام 1837.

(2) نـشـر أوجـيـن فـلانـدان وبـسـكـال كـوسـت نـتـائـج بـعـثـتـهـمـا في كـتـاب بـخـمـسـة أجـزاء صـدرت في بـاريـس بـيـن عـامي 1843 و 1854 . إحـتـوى الـجـزءان الأوّل والـثّـاني عـلى الـنّـصّ والأجـزاء الـثّـلاثـة الـتّـالـيـة عـلى الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الـمـأخـوذة مـن الـرّسّـوم :

Voyage en Perse, entrepris par ordre de M. le Ministre des Affaires étrangères, d’après les instructions dressées par l’Institut pendant les années 1840 et 1841, 2 vol. de texte et 3 vol. planches. Paris 1843-1854.

 

خـطـيـبـة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وجـدت قـبـل عـدّة سـنـوات عـنـد بـائـع كـتـب قـديـمـة عـدداً مـن مـجـلّـة بـاريـس مـاتـش (تـلـفـظ بـاري مـاتـش) Paris Match صـدر يـوم الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958.

ورغـم أنـني لا أقـرأ اعـتـيـاديـاً هـذ الـنّـوع مـن الـمـجـلّات الـمـصـورة، خـاصـة وأنّـهـا مـن الـمـجـلّات الـمـعـروفـة بـمـعـاداتـهـا لـقـضـايـانـا، إلّا أنـني اشـتـريـت هـذا الـعـدد الـقـديـم فـقـد كـان فـيـه مـقـال عـن الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني وآخـر عـن خـطـيـبـتـه، وصـور كـثـيـرة تـصـاحـبـهـمـا.

وقـد تـرجـمـت الـمـقـالـيـن ولـكـنّي تـركـتـهـمـا مـع الـمـجـلّـة في أحـد مـلـفّـاتي لـصـعـوبـة نـشـرهـمـا ورقـيـاً مـع الـصـور في ذلـك الـحـيـن. وفـتـحـت الـمـلـف بـالـصّـدفـة في الأسـبـوع الـمـاضي ووجـدت الـمـجـلّـة وتـرجـمـتي لـلـمـقـالـيـن، فـقـررت أن أنـشـر عـنـهـا هـذا الـعـرض.

غـلاف الـمـجـلّـة :

Paris match 485 (238x317)

نـقـرأ عـلى غـلاف مـجـلّـة “بـاري مـاتـش” الـبـاريـسـيـة الّـذي صـدر بـعـد اثـني عـشـر يـومـاً عـلى ثـورة 14 تـمّـوز في الـعـراق :

“بـيـروت، عـمّـان، بـغـداد، مـراسـلـونـا عـلى جـبـهـة الـشّـرق الأوسـط”،

ثـمّ تـحـتـه بـحـروف بـيـضـاء عـلى خـلـفـيـة سـوداء : “كـان يـنـبـغي أن تـتـزوّج الأمـيـرة الـصّـغـيـرة فـاضـلـة Fazilet بـفـيـصـل، مـلـك الـعـراق في شـهـر تـشـريـن الأوّل، ولـكـنّـهـم أُخـبـروهـا بـمـوتـه في غـرفـتـهـا في الـمـعـهـد الإنـكـلـيـزي الّـذي تـدرس فـيـه. وعـلى جـدار الـغـرفـة صـورة خـطـيـبـهـا”.

تـلـمـيـذة في مـعـهـد أسـكـوت :

ونـقـرأ في الـصـفـحـتـيـن 12 و 13 مـقـالاً عـنـوانـه : “في الـقـسـم الـدّاخـلي لـمـعـهـد أسـكـوت Ascot، فـاضـلـة الـرّائـعـة الـجـمـال تـبـكي خـطـيـبـهـا الـمـقـتـول”.

ثـمّ طـبـع مـا تـحـت الـعـنـوان بـالـحـروف الـثّـخـيـنـة : “في مـدرسـة عـلـيـا         high school راقـيـة، كـانـت فـاضـلـة تـتـهـيـأ لـلـزّواج بـمـلـك في الـثّـالـثـة والـعـشـريـن مـن عـمـره : فـيـصـل، مـلـك الـعـراق. وكـانـت في قـاعـة الـدّرس عـنـدمـا أخـبـروهـا بـانـدلاع ثـورة في بـغـداد وبـمـوت مـلـكـهـا. وكـانـت سـتـصـبـح مـلـكـة في تـشـريـن الأوّل”.

ويـبـدأ الـمـقـال (الّـذي أتـرجـمـه كـمـا هـو، مـن غـيـر تـغـيـيـر أسـلـوبـه ولا الـتّـدخـل في مـحـتـواه) والّـذي كـان الـهـدف مـنـه إثـارة فـضـول الـقـارئـات لـشـراء الـمـجـلّـة:

“أسـكـوت. طـبـيـعـة مـغـطـاة بـالـعـشـب الأخـضـر، عـلى بـعـد ثـلاثـة كـيـلـومـتـرات مـن مـيـدان سـبـاق الـخـيـل الـمـشـهـور. وفي أعـمـاق أشـجـار الـصّـنـوبـر الّـتي تـخـفـيـهـا تـنـتـصـب بـنـايـة تـامّـة الـبـيـاض : “Heathfield School”. مـدرسـة بـقـسـم داخـلي لـلـفـتـيـات، فـيـهـا 107 تـلـمـيـذات، و15 مُـدرّسـة وأربـع سـاحـات لـمـمـارسـة الـتّـنـس، وتـكـالـيـفـهـا 150 جـنـيـه ذهـب لـلـفـصـل الـدّراسي الـواحـد.

Fazilet 002 (521x640)

يـوم الإثـنـيـن 14 تـمّـوز، وكـكـلّ صـبـاح يـقـرع الـنّـاقـوس لـيـوقـظ الـفـتـيـات ويـنـهي أحـلامـهـنّ في الـسّـاعـة الـسّـابـعـة والـنّـصـف. ولـكـن هـل هـنـاك نـاقـوس في الـدّنـيـا يـسـتـطـيـع أن يـقـتـل حـلـم فـاضـلـة إبـراهـيـم Fazilet Ibrahim   ؟

وكـانـت فـاضـلـة في صـف الـمـس كـاثـلـيـن دودس، الّـتي كـانـت مـديـرة الـمـعـهـد أيـضـاً. ولا يـحـتـوي هـذا الـصّـف إلّا عـلى ثـمـاني تـلـمـيـذات.

وفـاضـلـة ابـنـة الأمـيـر مـحـمّـد عـلي إبـراهـيـم، ابـن عـم فـاروق، مـلـك مـصـر، وابـنـة الأمـيـرة خـان زادة حـفـيـدة آخـر سـلاطـيـن الـعـثـمـانـيـيـن (يـذكـر الـمـقـال أنّـهـا ابـنـتـه !) لا تـكـتـفي بـجـمـالـهـا، وإنّـمـا كـانـت تـريـد أن تـحـقـق، بـسـنـواتـهـا الـسّـبـعـة عـشـرة وخـضـرة عـيـنـيـهـا مـا سـتـكـتـمـل بـه دراسـتـهـا في Heathfield School : أن تـتـزوّج بـمـلـك، وهـو فـيـصـل مـلـك الـعـراق والـنّـفـط.

وأمـام نـافـذتـهـا الـمـفـتـوحـة عـلى نـسـيـم الـرّيـف الإنـكـلـيـزي وعـلى عـطـور الـعـطـلـة الـمـقـبـلـة، كـانـت فـاضـلـة تـمـشـط شـعـرهـا الـبـنّي، الـذّهـبي الإنـعـكـاسـات في أشـعـة شـمـس الـصّـبـاح. وكـانـت تـجـهـل أنّ عـلى بـعـد خـمـسـة آلاف كـلـم. في بـغـداد الـشّـديـدة الـقـرب مـن قـلـبـهـا، والّـتي ارتـفـعـت الـشـمـس عـالـيـة في سـمـائـهـا الآن، كـانـت الـمـآذن الـمـغـطـاة بـالـقـاشـاني الأزرق تـهـتـزّ بـهـديـر جـمـوع الـرّعـاع الـمـتـدافـعـة.

الـسّـاعـة الـثّـامـنـة. في قـاعـة الأكـل في Heathfield School، حـول pudding ضـخـم الـحـجـم، كـانـت الـفـتـيـات يـتـكـلّـمـن عـن مـشـاريـعـهـنّ بـاقـتـراب الـعـطـلـة، وتـعـطي الـواحـدة مـنـهـنّ لـلأخـرى عـنـوانـهـا وصـورهـا. وكـان عـلى فـاضـلـة، أن تـريـهـنّ مـن جـديـد صـورة تـتـأمّـلـهـا كـلّ واحـدة مـنـهـنّ قـبـل أن تـعـطـيـهـا لـجـارتـهـا، إلـتـقـطـت في مـديـنـة كـان (في جـنـوب فـرنـسـا) في الـعـام الـسّـابـق : نـراهـا “مـعـه” يـمـارسـان الـتّـزلّـج عـلى الـمـاء. كـانـت تـلـك صـورتـهـا الـمـفـضّـلـة. كـان فـيـصـل بـجـانـبـهـا  كـأبـولـو ــ مـلـك (1)، عـلى ابـتـسـامـتـه مـسـحـة مـن الـمـرارة، وتـتـطـايـر خـصـلات شـعـره الأسـود في الـرّيـح.

ومـا أن أبـصـرت بـه يـنـزل مـن يـخـتـه الـنّـاصـع الـبـيـاض الـمـسـمى بـالـمـلـكـة عـالـيـة The Queen Alia، حـتّى أغـرمـت فـاضـلـة بـهـذا الـرّجـل الـقـصـيـر الـقـامـة الـمـفـتـول الـعـضـلات والـمـلئ بـالـحـيـويـة، والّـذي كـان يـحـبّ كـلّ مـا تـحـبّـه هي : الـشّـمـس والـبـحـر والـمـيـكـانـيـك والـجـمـال.

ولـم تـكـن فـاضـلـة تـهـتـمّ بـمـا حـدث قـبـل ذلـك مـن عـلاقـات الـمـلـك الـغـرامـيـة : فـقـد قـضى شـهـر نـيـسـان بـصـحـبـة شـاهـنـاز  Shahnaz، بـنـت مـلـك الـفـرس، وشـهـر تـمّـوز مـع حـزيـمـة  Hazaïma،إحـدى بـنـات عـمّـه الـهـاشـمـيـات، وشـهـر آب بـصـحـبـة فـريـال، بـنـت الـمـلـك فـاروق، وشـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـع لالا عـائـشـة  Lalla Aïcha، بـنـت مـلـك الـمـغـرب (2). مـا كـانـت تـرغـب بـه فـاضـلـة هـو أن تـكـون الأخـيـرة (أي الّـتي سـيـبـقى مـعـهـا إلى آخـر حـيـاتـه).

وقـالـت الـفـتـيـات : “مـا أجـمـلـه !”. وتـضـاحـكـن حـول الـ  pudding. وفي نـفـس الـلـحـظـة، في عـاصـمـتـه الـمـشـتـعـلـة، عـمّـر فـيـصـل مـسـدسـه.

كـان ذلـك آخـر امـتـحـانـات الـسّـنـة الـدّراسـيـة : كـتـابـة مـقـالـة في مـوضـوع تـاريـخي. ووضـعـت فـاضـلـة حـول خـنـصـرهـا اسـتـثـنـائـيـاً خـاتـم الـخـطـوبـة، لـيـجـلـب لـهـا الـحـظ.

Fazilet 001 (712x800)

وعـادت إلى ذاكـرتـهـا أحـداث يـوم 16 أيـلـول 1957 في يـنـيـكـوي  Yenickoy، قـصـر عـائـلـتـهـا الـصّـيـفي قـرب إسـطـنـبـول، والـمـطـلّ عـلى شـواطئ الـبـوسـفـور. كـانـت تـرتـدي فـسـتـانـاً خـفـيـفـاً أصـفـر الـلـون لـيـمـوني، جـالـسـة بـيـن أمّـهـا وأبـيـهـا في ظـلّ شـجـرة بـلـوط، وتـجـيـب عـلى أسـئـلـة الـصّـحـفـيـيـن.

وكـان رئـيـس الـوزراء الـسّـيـد جـودت (3) بـنـفـسـه قـد جـاء لـيـطـلـب يـدهـا لـلـمـلـك حـامـلاً هـذا الـخـاتـم بـزمـردتـه الـهـائـلـة الـحـجـم.

وسـألـهـا الـصـحـفـيـون : مـتى سـيـعـقـد زواجـكـمـا ؟

ــ في الـخـريـف الـمـقـبـل، أجـابـت الأمّ، وحـتّى ذلـك الـحـيـن سـتـكـمـل فـاضـلـة دراسـتـهـا لـتـسـتـعـدّ لـمـهـنـتـهـا كـمـلـكـة.

أمّـا فـاضـلـة، فـلـم تـسـتـطـع أن تـلـفـظ إلّا أربـع كـلـمـات، مـازالـت تـهـمـس بـهـا لـنـفـسـهـا أمـام ورقـة الإمـتـحـان : “أنـا سـعـيـدة … أنـا سـعـيـدة”.

وفي بـغـداد، في وهـج الـشّـمـس الّـتي تـهـيـج حـتّى الـذّبـاب، سـقـط الـمـلـك الـصـغـيـر الـمـجـعّـد الـشّـعـر تـسـيـل مـنـه الـدّمـاء.

الـسّـاعـة الـعـاشـرة. دخـلـت الـمـس دودس في قـاعـة الـدّرس بـعـد أن اتـصـل بـهـا الـسّـفـيـر الـعـراقي، وهـمـسـت بـكـلـمـات في أذن فـاضـلـة الّـتي لـم تـسـتـطـع ضـبـط دمـوعـهـا.

وعـنـدمـا عـادت إلى غـرفـتـهـا، إرتـمـت فـاضـلـة عـلى سـريـرهـا وانـفـجـرت تـبـكي وفي يـدهـا آخـر رسـائـل فـيـصـل. كـان يـتـكـلّـم فـيـهـا عـن الـقـصـر الّـذي شـيّـده لـهـا عـلى ضـفـة دجـلـة، والّـذي كـلّـف عـشـرة مـلايـيـن بـاونـد : 120 غـرفـة و25 حـمـامـاً و20 نـافـورة تـنـفـث يـومـيـاً  1200 مـتـر مـكـعـب مـن الـمـيـاه في الـحـديـقـة. وعـرشـان جـنـبـاً لـجـنـب. (4)

وكـان يـنـوي أن يـأتي في نـهـايـة الـشّـهـر لـيـصـطـحـبـهـا مـع والـديـهـا في سـفـرة عـبـر بـلـدان أوربـا. وقـد اشـتـرى الـسّـفـيـر الـعـراقي لـذلـك داراً كـبـيـرة وسـط أراضٍ واسـعـة في سـتـانـويـل  Stanwell، قـرب Heathfield School. ووضـع فـيـهـا سـيـارة جـاغـوار تـنـتـظـر وصـولـه.

ونـهـضـت فـاضـلـة فـجـأة، ونـزلـت إلى قـاعـة الـدّرس واسـتـعـادت ورقـة الإمـتـحـان لـتـكـمـلـهـا : “يـنـبـغي أن أكـمـل كـمـا لـو أن شـيـئـاً لـم يـحـدث” قـالـت لـمـس دودس. قـررت أن تـسـتـمـر في تـعـلـيـمـهـا وتـكـمـلـه. ولـكـنّـهـا لـن تـذهـب هـذا الـمـسـاء إلى مـكـتـب الـبـريـد عـلى طـريـق  Maidenhead لـتـرسـل لـه رسـالـتـهـا كـكـلّ يـوم، ولـن يـراهـا زبـائـن الـفـورسـتـر هـوتـيـل تـتـذوّق بـلـذّة كـوب الآيـس كـريـم، ولا تـشـرب عـصـيـر بـرتـقـالـهـا بـعـد أن تـنـتـهي مـن مـمـارسـة لـعـبـة الـتّـنـس.

سـتـدخـل فـاضـلـة هـذا الـمـسـاء في قـاعـة الـمـبـارزات، وسـتـخـتـار سـيـفـاً لـتـتـبـارز بـه في الـحـديـقـة. فـهي تـضـرب بـسـرعـة وبـقـوة لا يـقـاومـهـا في ذلـك مـقـاوم. ولـن يـقـاومـهـا أحـد بـعـد الآن فـقـد كـبـرت فـاضـلـة الـصّـغـيـرة الـرّائـعـة الـجـمـال مـثـلـمـا لا تـكـبـر الـفـتـيـات إلى هـذا الـحـدّ إلّا في  Heathfield School”.

مـجـلّات وجـرائـد أخـرى :

ولـم تـكـن مـجـلّـة “بـاري مـاتـش” الـوحـيـدة الّـتي أسـرعـت بـنـشـر هـذا الـنّـوع مـن الـمـقـالات الـمـثـيـرة، فـقـد نـشـرت مـنـافـسـتـهـا، الـمـجـلّـة الـبـاريـسـيـة الـمـصـورة “أيّـام فـرنـسـا  Jours de France” مـقـالاً عـنـوانـه : “الأسـبـوع الـرّهـيـب الّـذي عـاشـتـه فـاضـلـة، الـخـطـيـبـة الـصّـغـيـرة لـمـلـك الـعـراق”، وصـوراً عـنـهـا هي الأخـرى في نـفـس الـيـوم، الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958، (فـعـطـلـة نـهـايـة الأسـبـوع تـبـدأ يـوم الـسّـبـت وتـسـتـمـر إلى الأحـد، ولـهـذا تـصـدر الـمـجـلّات الـمـصـورة في ذلـك الـيـوم).

Fazilet J. de France

كـمـا نـشـرت كـلّ الـصّـحـف مـقـالات عـنـهـا، لأنّ فـاضـلـة ولـدت في بـاريـس وكـانـت تـتـقـن الـفـرنـسـيـة بـيـن الـلـغـات الّـتي كـانـت تـتـقـنـهـا.

وقـد نـشـرت واحـدة مـن هـذه الـصـحـف : “Nouvelliste Valaisan”  يـوم الإثـنـيـن 21 تـمّـوز مـعـلـومـات أخـذتـهـا عـن مـراسـل وكـالـة الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة  A.F.P.  في لـنـدن يـذكـر فـيـه مـا يـلي :

“بـكـت الأمـيـرة فـاضـلـة (عـمـرهـا 17 سـنـة) بـصـحـبـة دوقـة كـنـت          Duchess of Kent، مـقـتـل خـطـيـبـهـا فـيـصـل، مـلـك الـعـراق، وقـررت أن تـتـرك إنـكـلـتـرة حـيـث تـكـمـل دراسـتـهـا في مـعـهـد  Heathfield School الـرّاقي، قـرب أسـكـوت  Ascot، وتـعـود إلى تـركـيـا هـذا الأسـبـوع. وقـد أبـلـغـهـا سـفـيـر الـعـراق في لـنـدن في الـخـمـيـس الـمـاضي أنّ كـلّ أمـل قـد ضـاع وانـتـهى. وقـد طـلـبـت خـاتـم خـطـبـتـهـا بـزمـردتـه الـضّـخـمـة، والّـذي كـان مـحـفـوظـاً في صـنـدوق مـصـفـح في الـمـعـهـد، ووضـعـته حـول بـنـصـرهـا. ولـم يـرهـا أحـد بـعـد ذلـك، فـقـد أغـلـقـت عـلـيـهـا بـاب غـرفـتـهـا. […] وكـان يـنـبـغي أن تـلـتـقي فـاضـلـة بـخـطـيـبـهـا في عـطـلـة نـهـايـة هـذا الأسـبـوع، فـقـد كـان الـمـلـك فـيـصـل يـنـوي أن يـمـرّ بـإنـكـلـتـرة، بـعـد انـتـهـاء اجـتـمـاعـات حـلـف بـغـداد في إسـطـنـبـول. وكـان في الـنّـيـة أعـداد وجـبـة عـشـاء لـعـشـريـن مـدعـوّاً في الـقـصـر الّـذي تـمـتـلـكـه الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة الـعـراقـيـة في مـقـاطـعـة Surrey جـنـوب لـنـدن، ولـكـنّ الـنّـوافـذ ظـلّـت مـغـلـقـة”.

ونـلاحـظ اخـتـلافـات بـيـن مـعـلـومـات مـجـلّـة بـاري مـاتـش وبـيـن مـراسـل وكـالـة الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة حـول إعـلام الأمـيـرة فـاضـلـة بـمـقـتـل خـطـيـبـهـا. هـل أعـلـمـوهـا بـه بـعـد سـاعـة مـن وقـوعـه أي في الـعـاشـرة مـن صـبـاح يـوم الإثـنـيـن أم بـعـد ثـلاثـة أيّـام، أي في يـوم الـخـمـيـس ؟ وحـول بـقـاء الأمـيـرة فـاضـلـة في مـدرسـتـهـا بـعـد ذلـك أو عـودتـهـا إلى تـركـيـا، وحـول قـصـر الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة. وصـحـيـح أنّ Stanwell  تـقـع في الـ  Surrey ، ولـكـنّ هـل الـمـقـصـود بـه هـو الـقـصـر الّـذي كـان الـوصي عـبـد الإلـه قـد اشـتـراه لـلـعـائـلـة الـمـلـكـيـة أم داراً كـبـيـرة وسـط “بـارك” واسـع اشـتـراه الـسّـفـيـر الـعـراقي لـيـلـتـقي الـمـلـك فـيـصـل بـخـطـيـبـتـه ؟ ويـبـدو أنّ مـعـلـومـات مـجـلّـة بـاري مـاتـش الـبـاريـسـيـة هي الـخـاطـئـة.

كـمـا نـشـرت مـجـلّـة لايـف Life الأمـريـكـيـة مـقـالاً في 28 تـمّـوز 1958 وضـعـت فـيـه صـورة لـفـاضـلـة :

Fazilet

مـاذا نـعـرف عـن الأمـيـرة فـاضـلـة ؟

 

فـاضـلـة Fazilet (أو فـضـيـلـة كـمـا يـكـتـب اسـمـهـا في كـثـيـر مـن الـمـنـشـورات في أيّـامـنـا هـذه)، واسـمـهـا الـكـامـل صـبـيـحـة فـاضـلـة هـانـم سـلـطـان، الإبـنـة الـوحـيـدة لـلأمـيـر مـحـمّـد عـلي بـن مـحّـمـد بـن وحـيـد الّـديـن بـن إبـراهـيـم بـن أحـمـد بـن رفـعـت بـن إبـراهـيـم بـن مـحـمّـد عـلي بـاشـا مـصـر الـكـبـيـر.  وقـد كـان والـدهـا إذن ابـن عـمّ الـمـلـك فـاروق. أمّـا والـدتـهـا فـقـد كـانـت زهـراء خـان زادة Hanzadé سـلـطـان، ابـنـة الأمـيـر عـمـر فـاروق بـن عـبـد الـمـجـيـد الـثّـاني، آخـر خـلـفـاء الـعـثـمـانـيـيـن.

وقـد ولـدت فـاضـلـة في بـاريـس سـنـة 1941.

Fazilet 7

ويـبـدو أنّـهـا تـزوّجـت بـعـد وفـاة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـمـهـنـدس، وأنـجـبـت مـنـه ولـديـن، وأنّـهـا عـمـلـت في ثـمـانـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي في مـنـظـمـة الـيـونـسـكـو.

 

مـقـال مـجـلّـة بـاري مـاتـش  Paris Match الـبـاريـسـيـة عـن الـمـلـك فـيـصـل :

والـمـقـال الّـذي نـشـر في نـفـس عـدد يـوم الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958  ابـتـداءً مـن صـفـحـة 32 عـن “الـمـلـك الـشّـاب يـسـبـح في دمـائـه” يـبـدأ بـمـقـطـع طـبـع بـحـروف ثـخـيـنـة :

“في الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة مـن صـبـاح 14 تـمّـوز كـان مـسـؤولـون يـرتـدون الـمـلابـس الأوربـيـة يـنـتـظـرون في مـطـار إسـطـنـبـول وصـول طـائـرة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني الّـذي سـيـحـضـر مـؤتـمـراً لـلـدّول الـمـشـاركـة في حـلـف بـغـداد. ولـكـنّ الـطـائـرة لـم تـصـل أبـداً. وفي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة وعـشـريـن دقـيـقـة سـمـع الـعـالـم بـأنّ ثـورة انـفـجـرت في الـعـراق، ولـم يـسـتـطـع الـمـلـك الّـذي كـان في الـثّـالـثـة والـعـشـريـن مـن عـمـره أن يـغـادر بـلـده”.

وفـوق الـتّـعـلـيـق صـورة كـتـب تـحـتـهـا : “رمي جـنـود الـحـرس أسـلـحـتـهـم أمـام الـقـصـر الـمـلـكي وهـربـوا”، والـصّـورة تـظـهـر في الـحـقـيـقـة الـمـقـبـرة الـمـلـكـيـة!

Fazilet 005 (605x640)

ونـرى عـلى الـصّـفـحـة الـمـقـابـلـة صـورة بـالألـوان في أسـفـل يـسـارهـا تـعـلـيـق بـحـروف بـيـضـاء عـلى الـخـلـفـيـة الـغـامـقـة :

20 05 2017 009 (617x640)

“الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني في مـكـتـبـه في الـقـصـر، أمـام تـمـثـال نـصـفي لـجـده فـيـصـل الأوّل، الّـذي نـصـبـه عـلى عـرشـه الـكـولـونـيـل لـورنـس الـشّـديـد الـشّـهـرة. وعـلى حـافـة الـمـدفـأة الـجـداريـة صـور : تـشـانـغ كـاي شـك  Tchang Kaï-chek، ومـلـك الـبـاكـسـتـان مـرزا Mirza، وفـيـلـيـب وإلـيـزابـيـث”.

وعـلـيـنـا أن نـضـيـف عـلى مـعـلـومـات الـمـقـطـع تـصـحـيـحـيـن : الأوّل هـو أنّ الـكـولـونـيـل لـورنـس كـان لـه دور في دفـع الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة وأولاده، ومـن بـيـنـهـم فـيـصـل لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916 ، ولـكـن لـم يـكـن لـه عـلاقـة بـارتـقـاء فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق عـام 1921، والـثّـاني أنّ الـصّـورة لا تـظـهـر إلّا جـانـبـاً مـن مـكـتـب الـمـلـك الّـذي كـان فـيـه أيـضـاً أعـداد مـن صـور رؤسـاء الـدّول الآخـريـن، أهـدوهـا لـه ضـمـن عـلاقـاتـهـم الـدّبـلـومـاسـيـة مـعـه.

ونـجـد في صـفـحـتي 34 و 35 صـوراً عـن الـعـراق وعـنـوانـاً بـحـروف ضـخـمـة : “سـقـوط فـيـصـل واشـتـعـال الـعـراق سـيـخـلّان بـتـوازن سـوق الـنّـفـط الـعـالـمي”، ونـصّـاً بـحـروف ثـخـيـنـة :

“يـحـتـلّ الـعـراق مـكـانـة مـهـمّـة في نـفـط الـشّـرق الأوسـط الّـذي يـمـثـل 60 بـالـمـائـة مـن مـخـزون الـنّـفـط في الـعـالـم. وإذا سـقـط هـذا الـمـخـزون، الّـذي يـمـدّ فـرنـسـا بـثـلـث احـتـيـاجـاتـهـا، بـيـدي جـمـال عـبـد الـنّـاصـر فـسـيـخـتـلّ تـوازن سـوق الـنّـفـط الـعـالـمي، وبـهـذا سـيـخـتـلّ الـتّـوازن الّـذي يـجـهـد الـجـمـيـع بـالـمـحـافـظـة عـلـيـه بـيـن الـشّـرق والـغـرب. ولـهـذا يـعـمـل الـغـرب عـلى إيـقـاف الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة في الـشّـرق الأوسـط. وفي قـلـب مـصـادر نـفـطـنـا نـجـد الـعـراق بـآبـار كـركـوك والـمـوصـل والـبـصـرة وأنـابـيـبـه الّـتي تـوصـل الـنّـفـط إلى مـوانئ سـوريـا مـن جـهـة وإلى الـخـلـيـج مـن الـجـهـة الأخـرى”.

ونـلاحـظ أنّ خـوف الـغـرب مـن جـمـال عـبـد الـنّـاصـر في تـلـك الـسّـنـوات دفـعـتـه إلى الإعـتـقـاد بـأنّ عـبـد الـنّـاصـر كـان وراء ثـورة 14 تـمّـوز في الـعـراق.

ووضـعـت الـمـجـلّـة في صـفـحـتي 36 و37 خـارطـة واسـعـة لـمـصـادر الـنّـفـط في الـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط ونـسـب اسـتـهـلاك الـبـلـدان الـغـربـيـة لـه.

ونـرى في الـصّـفـحـة 38 أربـع صـور تـحـيـط عـنـوانـاً ضـخـمـاً : “كـان سـيّـد الـنّـفـط مـخـلـصـاً لإنـكـلـتـرة الّـتي قـضى فـيـهـا سـنـوات مـراهـقـتـه”.

الـصّـورة الأولى لـفـيـصـل وابـن عـمّـه حـسـيـن : “في كـلـيـة هـارو Harrow، أصـبـح أحـدهـمـا مـلـكـاً عـلى الـعـراق والآخـر مـلـكـاً عـلى الأردن” :

Fazilet 006 (442x640)

والـثّـانـيـة لـفـيـصـل وإلـيـزابـيـث الـثّـانـيـة : “الـمـلـكـة تـسـتـقـبـل فـيـصـل في لـنـدن عـام 1956” (5)

Fazilet 007 (379x640)

والـثّـالـثـة مـع مـدرّبـه في الـمـلاكـمـة : “كـان الـمـلـك الـشّـاب، الّـذي تـربّى عـلى الـطّـريـقـة الإنـكـلـيـزيـة، ريـاضـيـاً مـتـحـمّـسـاً” :

Fazilet 008 (640x475)

والـصّـورة الـرّابـعـة لـفـيـصـل مـع حـسـن بـن مـحـمّـد الـخـامـس والّـذي أصـبـح بـعـد ذلـك مـلـك الـمـغـرب بـاسـم الـحـسـن الـثّـاني :

“في عـام 1955، يـسـبـح في Eden Roc عـلى الـرّيـفـيـرا  La côte d’Azur (جـنـوب فـرنـسـا) بـصـحـبـة الأمـيـر مـولاي حـسـن” :

Fazilet 009 (640x581)

ونـرى في الـصّـفـحـة الـمـقـابـلـة صـورة واسـعـة كـتـب في أسـفـلـهـا بـحـروف بـيـضـاء عـلى الـخـلـفـيـة الـغـامـقـة :

“تـحـت خـيـمـتـه في وسـط الـصّـحـراء، كـان الـشّـاب الـغـربي (أي الّـذي تـلـقى تـربـيـة غـربـيـة) والّـذي أصـبـح مـلـكـاً و عـسـكـريـاً يـرغـب في تـوثـيـق عـلاقـاتـه بـشـيـوخ الـنّـفـط الـعـرب الإقـطـاعـيـيـن. ونـراه هـنـا يـسـتـقـبـل الـمـلـك ابـن سـعـود” :

Fazilet 010 (465x640)

وأكـرر في نـهـايـة مـقـالي أنـني لـم أتـرجـم نـصـوص هـذه الـمـجـلّات لـقـيـمـتـهـا الـعـلـمـيـة ولا لـحـقـيـقـتـهـا الـتّـاريـخـيـة، ولـكـن لـنـعـرف كـيـف تـلـقى الـغـربـيـون مـا حـدث في بـلـدنـا.

ــــــــــــــــــ

(1)  كـان أبـولـون  Απολλων  في الـمـيـثـولـوجـيـا الإغـريـقـيـة  إلـه الـنّـور والـجـمـال والـفـنّـون.

(2)  يـلاحـظ الـقـارئ أن كـاتـب الـمـقـال حـوّل الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني إلى سـلـطـان مـن سـلاطـيـن “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” يـغـيّـر امـرأة كـلّ لـيـلـة تـقـريـبـاً !

(3) كـان عـلي جـودت الأيـوبي رئـيـس وزراء الـعـراق في 1957.

(4) لـفـت الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف انـتـبـاهي إلى أنّ هـذا الـقـصـر أصـبـح بـعـد ذلـك “الـقـصـر الـجـمـهـوري” في مـنـطـقـة كـرّادة مـريـم، والّـذي لـم يـسـتـعـمـلـه عـبـد الـكـريـم قـاسـم وإنّـمـا اتـخـذ مـن وزارة الـدّفـاع الـقـديـمـة مـقـرّاً لـلـحـكـم.

(5) قـام الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـأول زيـارة رسـمـيـة إلى إنـكـلـتـرة بـيـن 16 و19 تـمّـوز 1956.

 

 

 

 

 

 

 

 

رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـعـرف أغـلـب الـمـهـتـمـيـن بـتـاريـخ الـعـراق الـحـديـث كـتـاب رحـلـة الـفـرنـسـيـة مـدام ديـولافـوا إلى الـعـراق، أو سـمـعـوا بـه عـلى الأقـل.

وقـد صـدرت في بـغـداد عـام 1958 تـرجـمـة عـلي الـبـصـري لـلـكـتـاب بـعـنـوان : “رحـلـة مـدام ديـولافـوا مـن الـمـحـمّـرة إلى الـبـصـرة وبـغـداد 1299 هـ. 1881 م.”،  لـكـنّـهـا تـرجـمـة عـن الـلـغـة الـفـارسـيـة لا عـن الـلـغـة الـفـرنـسـيـة مـبـاشـرة، فـهي إذن تـرجـمـة عـن تـرجـمـة ! (1)

وقـد وجـدت في الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـاريـس الـنّـصّ الأصـلي لـلـكـتـاب الّـذي نـشـر عـام 1887 بـعـنـوان : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش (سـوسـة)  La Perse, la Chaldée et la Susiane”. وتـكـمـلـة  الـعـنـوان : “سـرد رحـلـة، يـحـتـوي عـلى 336 عـمـلاً طـبـاعـيـاً  Gravures نـفّـذت عـن صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلّـفـة وخـارطـتـيـن” :

ديولافوا 2 (420x640)

وقـد دهـشـت خـلال قـراءتي لـلـكـتـاب بـأنّ نـصّـه قـلـيـل الأهـمـيـة، لا يـسـتـحـق الـمـكـانـة الّـتي أولـيـنـاه إيّـاهـا، فـقـد اخـتـرقـت الـمـؤلـفـة بـصـحـبـة زوجـهـا بـسـرعـة ولايـتي الـبـصـرة وبـغـداد صـعـوداً ونـزولاً بـأقـلّ مـن شـهـريـن، وعـنـدمـا كـانـت لا تـجـد الـوقـت لـتـتـفـحّـص مـا تـمـرّ بـه تـسـتـشـهـد لـقـرائـهـا بـمـا كـتـبـه الـمـؤرخـون أو الـرّحـالـة الّـذيـن سـبـقـوهـا. ورغـم ذلـك نـجـد في كـتـابـهـا بـعـض الـمـلاحـظـات الـثّـاقـبـة، ومـقـاطـع أدبـيـة جـمـيـلـة فـيـهـا كـثـيـر مـن الـشّـاعـريـة.

الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة في الـكـتـاب :

وتـأتي أهـمـيـة الـكـتـاب الـحـقـيـقـيـة مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الـشّـديـدة الـدّقـة والـرّائـعـة الـجـمـال الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا، والّـتي نـرى بـعـضـهـا يـنـشـر هـنـا وهـنـاك مـن غـيـر ذكـر لـمـصـدرهـا في أغـلـب الأحـيـان.

وقـد حُـفـرت هـذه الأعـمـال عـلى الـخـشـب وطـبـعـت عـلى الـورق اعـتـمـاداً عـلى صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلـفـة. وقـد قـام 35 حـفّـاراً فـنّـيـاً مـن الـحـرفـيـيـن بـتـنـفـيـذ هـذه الأعـمـال بـمـهـارة بـالـغـة.

والأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي تـهـمّـنـا تـبـدأ بـرقـم 245 عـنـدمـا دخـلـت جَـيـن ديـولافـوا مـع زوجـهـا ومـصـاحـبـيـهـمـا شـطّ الـعـرب، وتـنـتـهي بـرقـم 305 عـنـدمـا تـركـت مـنـطـقـة الـعـمـارة وعـادت إلى إيـران. وهي سـتّـون عـمـلاً تـسـتـحـق الـتّـأمّـل. ولـن أسـتـطـيـع أن أريـكـم في هـذا الـمـقـال إلّا مـخـتـارات مـنـهـا.

وأودّ أن ألـفـت انـتـبـاه قـرائي إلى أمـريـن : أوّلـهـمـا تـكـالـيـف رحـلـة جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا الـبـاهـظـة ،ومـا أنـفـقـاه مـن مـبـالـغ طـائـلـة عـلى مـصـاحـبـيـهـمـا وخـدمـهـمـا والـحـراس الّـذيـن أحـاطـوهـم وتـكـفّـلـوا بـأمـنـهـم، إضـافـة إلى مـا كـلّـفـه حـفـر الـصّـور وطـبـعـهـا لـيـنـشـر الـكـتـاب، وثـانـيـهـمـا أن يـتـصـوروا آلـة الـتّـصـويـر الـضـخـمـة الـحـجـم الـصّـعـبـة الإسـتـعـمـال في ذلـك الـزّمـن، ومـا تـطـلّـبـه الـتـقـاط الـصّـور مـن جـهـود وتـنـظـيـم ومـن صـبـر لـقـهـر الـمـصـاعـب وتـحـمـل الـمـشـقّـات، ثـمّ مـا تـطـلّـبـه حـفـرهـا وطـبـعـهـا مـن جـهـود الـحـفّـاريـن الّـتي دامـت فـتـرات طـويـلـة، ولـهـذا فـالـكـتـاب رغـم نـواقـصـه كـنـز يـحـتـوي عـلى جـزء مـن تـاريـخـنـا في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر يـنـبـغي أن نـهـتـمّ بـه.

ولـنـبـدأ بـالـكـلام عـن الـمـؤلّـفـة الّـتي سـردت الـرّحـلـة.

مـدام جَـيـن ديـولافـوا :

ديولافوا 3 (508x640)

ولـدت جَـيـن (أو جـان حـسـب الـلـفـظ الـفـرنـسي) هـنـريـيـت مـاغـر سـنـة 1851 في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا، في عـائـلـة غـنـيّـة. وأدخـلـهـا أهـلـهـا ديـر راهـبـات تـلـقّـت فـيـه تـعـلـيـمـاً يـنـاسـب مـسـتـوى طـبـقـتـهـا الإجـتـمـاعـيـة، وتـعـلّـمـت عـدّة لـغـات ومـهـرت في الـرّسـم والـتّـصـويـر.

ثـمّ الـتـقـت بـمـارسـيـل ديـولافـوا الّـذي كـان مـهـنـدسـاً مـشـغـوفـاً بـعـلـم الآثـار، وتـزوّجـا في 1870. وأصـبـح اسـمـهـا جَـيـن (أو جـان) ديـولافـوا  Jane Dieulafoy .

وفي عـام 1879 (وكـانـت في الـثّـامـنـة والـعـشـريـن مـن عـمـرهـا) صـاحـبـت جَـيـن زوجـهـا إلى بـلاد الـفـرس (إيـران الـحـالـيـة) في رحـلـة كـان الـهـدف مـنـهـا دراسـة الـعـلاقـات بـيـن الـفـنـون الـشّـرقـيـة والـفـنـون الـغـربـيـة.

وفي عـامي 1881 و1882 جـابـا أرجـاء بـلاد فـارس (إيـران) وولايـتَي الـبـصـرة وبـغـداد (الـلـتـيـن كـانـتـا تـحـت الـحـكـم الـعـثـمـاني) وقـطـعـا في أربـعـة عـشـر شـهـراً مـا يـقـارب الـسّـتّـة آلاف كـيـلـومـتـر. ونـلاحـظ أنّـهـمـا لـم يـخـصـصـا لـزيـارة الـولايـتـيـن الـعـراقـيـتـيـن إلّا أقـلّ مـن شـهـريـن : مـن 21 تـشـريـن الـثّـاني 1881 إلى 11 كـانـون الـثّـاني 1882.

وكـانـت جَـيـن قـويـة الـشّـخـصـيـة لا تـخـشى شـيـئـاً ولا تـهـاب أحـداً، تـرتـدي مـلابـس  رجـالـيـة وتـعـتـلي صـهـوة حـصـان. وكـانـت تـكـتـب يـومـيـات الـرّحـلـة وتـسـجّـل مـلاحـظـات وتـخـطـط رسـومـاً وتـلـتـقـط  صـوراً فـوتـوغـرافـيـة.

وفي أواخـر عـام 1883 عـادت جَـيـن مـع زوجـهـا إلى بـلاد فـارس لـيـنـقـبـا في مـديـنـة سـوسـة. وقـد أزاحـا الـتّـراب عـن قـصـر الـمـلـك الأخـمـيـني داريـا الأوّل، الّـذي شـيّـد في الـقـرن الـسّـادس قـبـل الـمـيـلاد. وعـادا بـعـد ذلـك إلى بـاريـس بـمـجـمـوعـة آثـار مـا زالـت مـعـروضـة في مـتـحـف الـلـوفـر. ورغـم نـجـاح مـهـمـتـهـمـا فـلـم تـقـتـرح عـلـيـهـمـا الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة مـهـمـات تـنـقـيـبـات أخـرى ولـم يـعـودا بـعـد ذلـك إلى الـشّـرق، واكـتـفـيـا بـالـتّـجـوّل في جـنـوب أوربـا.

وقـد نـشـرت جَـيـن سـرد رحـلـتهـا مـع زوجـهـا في مـجـلّـة أوّلاً ثـمّ، في عـام 1887، في كـتـاب عـنـوانـه : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش (سـوسـة) La Perse, La Chaldée, La Susiane”.

وفي عـام 1890 نـشـرت جَـيـن أوّل روايـاتـهـا الـتّـاريـخـيـة. وقـبـيـل الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى نـشـطـت في الـدّعـوة لإدخـال الـنّـسـاء في الـجـيـش لـيـسـاويـن الـرّجـال في الـدّفـاع عـن الـوطـن. وبـعـد بـدايـة الـحـرب في 1914 عـيّـن زوجـهـا كـولـونـيـلاً  في الـهـنـدسـة الـحـربـيـة،  وأرسـل إلى مـديـنـة الـرّبـاط في الـمـغـرب. وصـاحـبـتـه جَـيـن إلـيـهـا، وشـرعـت في حـمـلـة إزاحـة الـتّـراب عـن بـقـايـا جـامـع حـسـن، ولـكـنّ حـالـتـهـا الـصّـحـيـة تـدهـورت فـأرجـعـت إلى فـرنـسـا الّـتي تـوفـيـت فـيـهـا سـنـة 1916.

سـرد الـرّحـلـة إلى الـعـراق :

وصـلـت جَـيـن ديـولافـوا بـصـحـبـة زوجـهـا مـارسـيـل إلى الـعـشـار قـادمـة مـن بـلاد فـارس عـلى مـركـب. وعـنـدمـا وصـلا إلى شـطّ الـعـرب في 21 تـشـريـن الـثّـاني، كـتـبـت :

“في الـثّـامـنـة (صـبـاحـاً) دخـل مـركـبـنـا في مـصـبّ نـهـر واسـع يـبـدو بـحـراً. هـذا هـو شـطّ الـعـرب الّـذي يـشـكّـلـه الـتـقـاء دجـلـة بـالـفـرات”. “وفي حـوالي الـواحـدة (بـعـد الـظّـهـر) مـررنـا أمـام الـمـحـمّـرة، قـريـة كـبـيـرة تـحـيـطـهـا أسـوار”. ونـزلـوا في ضـيـافـة شـيـخـهـا.

Dieulafoy II

وعـنـدمـا دخـلا شـطّ الـعـرب كـتـبـت :

” 3 كـانـون الأوّل  1881

نُـصـبـت أمـام كـلّ قـريـة خـزانـات مـن الـشّـبـاك في مـاء الـنّـهـر تـسـتـعـمـل كـ “أقـفـاص” لـلأسـمـاك. فـفي بـعـض فـتـرات الـسّـنـة يـصـطـاد الـفـلاحـون كـمـيـات كـبـيـرة مـن الأسـمـاك، ولأنّـهـم لا يـسـتـطـيـعـون أكـلـهـا كـلّـهـا فـهـم يـضـعـون أغـلـبـهـا في هـذه الـشّـبـاك وسـط الـمـاء الـجـاري لـيـحـفـظـوهـا لـلـفـتـرات الّـتي يـقـلّ فـيـهـا الـصّـيـد.

ولـم أرَ أبـداً مـنـاظـر بـمـثـل ثـراء ضـفـاف شـط الـعـرب : أشـجـار نـخـيـل رائـعـة الـجـمـال تـتـشـامـخ كـمـا لـو كـانـت تـتـبـارى في الـقـوة والأنـاقـة، يـغـطي أراضـيـهـا عـشـب كـثّ وتـخـتـرقـهـا هـنـا وهـنـاك قـنـوات تـسـبـح فـيـهـا بـهـدوء قـطـعـان جـامـوس لا تـخـرج مـن الـمـاء إلّا رؤوسـهـا… وعـبـر بـنـا الـبـلـم  belem الـنّـهـر لـيـتـوقـف أمـام أجـمـات مـن نـبـاتـات الـمـوز”.

وكـتـبـت عـنـدمـا وصـلا إلى الـعـشّـار :

ج. ديولافوا 29

“هـا أنـا في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة Venice ، ولـكـن مـديـنـة بـنـدقـيـة في مـدار الـسّـرطـان (2)، سـمـاؤهـا صـافـيـة لا غـيـوم فـيـهـا، تـخـتـفي دورهـا وسـط غـابـات نـخـيـل وأشـجـار يـثـقـلـهـا بـرتـقـالـهـا ونـبـاتـات مـوز واسـعـة الأوراق وسـنـط يـفـوح عـطـر أزهـارهـا. وتـنـحـدر الـمـنـازل أحـيـانـاً نـحـو الـمـاء وتـنـسـحـب أحـيـانـاً وراء رصـيـف ضـيّـق يـحـفّـهـا. وربـطـت أمـام أجـمـل هـذه الـمـنـازل قـوارب نـحـيـلـة أشـدّ أنـاقـة مـن جـنـدولات الـبـنـدقـيـة. وكـان تـحـت قـدميَّ الـخـضـرة والأزهـار والـفـواكـه والـمـيـاه الـمـتـلامـعـة الـهـادئـة الـجـريـان وفـوق رأسي سـمـاء تـنـبـض فـيـهـا نـجـوم بـرّاقـة لا تـعـدّ ولا تـحـصى”.

وعـنـدمـا وصـلا إلى الـبـصـرة :

ج. ديولافوا 27

“تـوقـف بـلـمـنـا أمـام الـضّـفـة. وبـعـد أن عـبـرنـا سـاحـة في وسـطـهـا بـنـاء مـسـقّـف حـفـظـت فـيـه كـمـيـات هـائـلـة مـن الـحـبـوب يـدور حـولـهـا حـرّاس في أيـديـهـم فـوانـيـس، دقّ دلـيـلـنـا عـلى بـاب الـقـنـصـلـيـة [الـفـرنـسـيـة] قـبـل أن تـشـرق الـشّـمـس. وبـعـد وصـولـنـا أبـدلـت مـلابـسي الّـتي كـان قـد بـلـلـهـا الـنـدى كـمـا لـو كـنـت قـد سـبـحـت في مـيـاه قـنـاة الـعـشّـار”.

” 4 كـانـون الأوّل

حـسـبـمـا نـتـجـول في الـبـصـرة في فـتـرة الـمـدّ أو في فـتـرة الـجـزر نـتـمـشى في أرجـاء الـجـنّـة أو نـخـوض في سـواقي الـمـيـاه الـقـذرة ! عـنـدمـا خـرجـت هـذا الـمـسـاء كـان الـمـاء قـد انـسـحـب مـن الـقـنـوات مـظـهـراً طّـيـنـاً نـتـن الـسّـواد وقـاذورات مـن كـلّ الأنـواع. وكـانـت الـقـوارب وسـط هـذه الـزّبـالـة تـبـدو وكـأنّـهـا حـطـام مـراكـب، بـيـنـمـا فـاحـت الـرّوائـح الـكـريـهـة. وجـعـلـنـا كـلّ هـذا نـنـسى مـا كـنّـا قـد رأيـنـاه مـن سـحـر غـابـات الـنّـخـيـل وأشـجـار الـبـرتـقـال.

ج.ديولافوا 30

ونـتـانـة الـقـنـوات وقـت الـجـزر وكـذلـك شـدّة الـحـرارة والـرّطـوبـة هـمـا الـسّـبـبـان الـرّئـيـسـيـان لـلأوبـئـة الّـتي تـصـيـب الـمـديـنـة. ويـنـبـغي أن نـضـيـف إلـيـهـمـا سـبـبـاً ثـالـثـاً هـو لا مـبـالاة الـسّـلـطـات الـتّـركـيـة وإهـمـالـهـا، فـقـد حـطّـمـت الـمـيـاه الـسّـدود شـمـال الـمـديـنـة مـنـذ حـوالي سـتـيـن سـنّـة وطـفـحـت في الـسّـهـول لـتـشـكّـل مـسـتـنـقـعـات شـاسـعـة تـعـيـد مـلأهـا كـلّ عـام فـيـضـانـات الـنّـهـر. ومـنـذ زمـن الـضّـر ذلـك عـمّـت الـحـمى طـيـلـة الـسّـنـة مـهـلـكـة كـثـيـراً مـن أهـل الـبـصـرة وقـراهـا”.

مـلابـس أهـل الـبـصـرة :

ج.ديولافوا 26

“وإن كـانـت الـسّـيـدات الـمـسـيـحـيـات قـد تـركـن جـزءاً مـن ثـيـابـهـنّ الـتّـقـلـيـديـة وتـبـنـيـن الـمـودات الإفـرنـجـيـة فـإنّ رجـالـهـنّ ضـحّـوا تـمـام الـتّـضـحـيـة بـمـلابـسـهـم الـشّـرقـيـة، فـقـد ارتـدوا جـمـيـعـهـم بـنـاطـيـل (بـنـطـرونـات) بـألـوان رصـاصـيـة مـصـفـرّة تـقـتـرب مـن الأحـمـر الـبـنـفـسـجي وسـتـرات شـديـدة الـقـبـح خـيـطـت في قـمـاش يـصـعـب عـلى الـعـيـن تـحـديـد ألـوانـهـا. وهـم يـفـقـدون في ارتـدائـهـم لـهـا الـهـيـبـة والـوقـار الّـتي تـضـفـيـهـا عـلى الـمـسـلـمـيـن الـعـبـاءات الـبـنّـيـة الألـوان أو الـقـهـوائـيـة الـمـخـطـطـة بـخـيـوط الـذّهـب أو بـالـحـريـر وقـطـع الـقـمـاش الـزّاهـيـة الألـوان الّـتي تـغـطي رؤوسـهـم تـحـيـطـهـا عُـقُـل مـن وبـر الـجـمـال أو جـدائـل مـن الـصـوف لـفّـت عـلـيـهـا  خـيـوط مـن الـفـضّـة”.

وكـتـبـت في 6 كـانـون الأوّل عـن تـركـهـمـا لـلـبـصـرة بـعـد أن أصـيـبـا بـحـمـى ألـزمـتـهـمـا الـفـراش: “وهـنـاك خـدمـتـان لـبـواخـر تـربـط الـبـصـرة بـبـغـداد. أولاهـمـا أنـشـأتـهـا شـركـة لِـنـتـش (بـيـت لـنـج) Linch  (والـصـحـيـح أنّ اسـمـهـا يـكـتـب Lynch ) الـلـنـدنـيـة وتـسـيـر أسـبـوعـيـاً بـدون تـأخـيـر. ورغـم أن بـواخـرهـا بـسـيـطـة الـتّـأثـيـث فـهي نـظـيـفـة بـالـقـدر الّـذي تـسـمـح بـه عـادات الـمـسـافـريـن الّـذيـن اعـتـادوا عـلى الـطّـبـخ فـوق الـبـاخـرة، والـثّـانـيـة تـمـلـكـهـا الإدارة الـتّـركـيـة وتـسـيـر مـرّتـيـن في الـشّـهـر. وقـد أسـرعـنـا بـحـجـز مـكـانـيـن عـلى سـفـيـنـة تـركـيـة اسـمـهـا “الـمـوصـل” سـتـغـادر الـبـصـرة هـذا الـصّـبـاح بـتـأخّـر أسـبـوع كـامـل”.

وعـنـدمـا وصـلـت الـقـرنـة صـوّرت فـيـهـا مـنـظـراً مـدهـشـاً :

ج. ديولافوا 20

طـاق كـسـرى :

10 كـانـون الأوّل

ومـن الـسّـفـيـنـة “الـمـوصـل” ذهـبـت مـدام ديـولافـوا مـع زوجـهـا بـقـارب إلى ضـفـة الـنّـهـر لـرؤيـة الـطّـاق، وكـان يـحـيـطـه جـنـاحـاه، قـبـل أن يـنـهـار جـنـاحـه الأيـمـن في يـوم 15 نـيـسـان مـن عـام 1887 :

“شـيّـد طـاق كـسـرى بـأكـمـلـه بـالـطّـابـوق الـسّـمـيـك. واجـهـتـه طـولـهـا 91 مـتـراً وارتـفـاعـهـا 35 مـتـراً، وهي مـسـتـطـيـل هـائـل تـنـفـتـح في وسـطـه قـاعـة مـعـقـودة الـسّـقـف عـرضـهـا 35 مـتـراً. ويـصـل ارتـفـاع هـذه الـقـاعـة الـرّئـيـسـيـة إلى قـمّـة الـبـنـايـة ولـهـذا أطـلـق أهـل الـبـلـد عـلـيـهـا كـلّـهـا “طـاق كـسـرى  Tag Kesra”. وكـان عـلى يـمـيـن هـذه الـقـاعـة وعـلى يـسـارهـا أروقـة تـحـاذيـهـا، كـانـت ولا شـكّ مـخـصـصـة لـلـحـرس ولـلـحـاشـيـة وكـتّـاب الـبـلاط”.

بـغـداد :

ج. ديولافوا 15

” 12 كـانـون الأوّل

وصـلـت سـفـيـنـتـنـا إلى بـغـداد. نـهـضـت في الـفـجـر وفـتـحـت الـبـاب. ومـا أشـدّ مـا كـانـت دهـشـتي عـنـدمـا رأيـت طـبـقـة نـحـيـلـة مـن الـصّـقـيـع تـغـطي خـشـب أرضـيـة الـسّـفـيـنـة وأقـفـاص الـدّجـاج. هـا قـد أتى أوّل صـقـيـع الـشّـتـاء الأبـيـض. مـا أروع طـقـس الـشّـرق ! فـالـشّـتـاء هـنـا لا يـغـطي الأرض بـثـوب الـحـزن. وهـو لا يـغـيّـر إلّا بـالـكـاد مـظـهـر الـطّـبـيـعـة  : وقـد بـدا لي صـقـيـع بـغـداد في وسـط خـضـرة الأشـجـار وكـأنـنـا في ربـيـع مـسـتـمـر.

وقـلـيـلاً فـقـلـيـلاً أشـرقـت الـشّـمـس وأضـاءت الـسّـمـاء ورأيـت عـلى الـضّـفـة الـيـمـنى بـنـايـات الـسّـراي والـقـشـلـة وقـبـاب الـجـوامـع مـن الآجـر الـمـزجـج الّـتي سـرعـان مـا غـطـتـهـا بـقـع صـغـيـرة سـوداء : حـمـام لا يـحـصى ولا يـعـد يـحـطّ عـلـيـهـا لـيـجـفـف ريـشـه حـالـمـا تـرتـفـع الـشّـمـس. وأبـصـرت بـالـمـنـائـر الـمـمـشـوقـة الّـتي تـضـاهي الـنّـخـيـل الـبـاسـقـة حـولـهـا سـمـوّاً نـحـو الـسّـمـاء، والـمـدرسـة [الـمـسـتـنـصـريـة] وبـنـايـات الـجـمـارك الـجـمـيـلـة الّـتي بـدأ يـمـرّ أمـامـهـا يـهـود وأرمـن وعـرب بـمـلابـسـهـم الـكـثـيـرة الألـوان. وأخـيـراً في شـمـال رصـيـف الـمـيـنـاء لـمـحـت في وسـط ضـبـاب دجـلـة حـدائـق رائـعـة الـجـمـال في وسـطـهـا دار الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة. وكـانـت الـطّـبـيـعـة عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة أكـثـر خـضـرة”.

Dieulafoy 34

وتـصـف دار الـقـنـصـلـيـة الـفـرنـسـيـة في بـغـداد :

“شـيّـد دار الـقـنـصـلـيـة بـغـداديـون لـيـسـكـنـهـا بـغـداديـون. وفي وسـط درب ضـيّـق [= دربـونـة] يـنـتـصـب جـدار عـالٍ لا فـتـحـة فـيـه إلّا بـاب يـسـمـح  بـالـكـاد لـفـارس أن يـمـرّ فـيـه عـلى فـرسـه. وبـعـد أن يـمـرّ الـمـرء بـالـمـدخـل يـصـل إلى رواق يـقـيـم فـيـه الـحـرس (الـخـواص  cawas)  الّـذيـن عـهـد إلـيـهـم بـحـمـايـة الـقـنـصـل ومـصـاحـبـتـه في تـنـقّـلاتـه. ويـقـومـون أيـضـاً بـالـتّـسـوق وجـلـب الـضّـروريـات. ونـصـل بـعـدهـا إلى حـوش واسـع تـنـفـتـح عـلـيـه أبـواب الـمـطـابـخ والإسـطـبـلات ومـحـلاّت الـسّـروج وبـاقي غـرف خـدمـة الـدّار. ومـن بـاب فـتـح في جـانـب مـن الـحـوش نـصـل إلى حـوش ثـاني شـيّـدت حـولـه غـرف الـسّـكـن بـشـنـاشـيـلـهـا وبـنـوافـذهـا الـمـغـطـاة بـقـطـع الأخـشـاب والـزّجـاج الـمـتـشـابـكـة الـمـغـطـاة بـنـسـيـج مـحـبّـك أبـيـض وأحـمـر لـيـحـمي الـدّاخـل مـن حـرارة الـشّـمـس الـمـشـتـدّة في وسـط الـنّـهـار.

مـا قـلـتـه يـخـصّ مـخـطـط الـدّار، أمّـا عـن طـريـقـة تـشـيـيـده فـإنّ قـيـظ الـصّـيـف وقـرّ بـرد الـشّـتـاء يـجـبـران الـسّـاكـنـيـن عـلى تـغـيـيـر أمـاكـنـهـم في كـثـيـر مـن الأحـيـان. وهـم يـشـيـدون دوراً يـجـدون فـيـهـا حـلـولاً لـمـشـاكـل الـطّـقـس أربـع مـرّات في الـسّـنـة : وفي كـلّ الـمـسـاكـن غـرف مـعـقـودة الـسّـقـوف حـفـرت عـلى عـمـق ثـلاثـة أمـتـار أو أربـعـة. وفي هـذه الـغـرفـة الّـتي تـسـمـى (سـرداب  sedab) والّـتي تـشـبـه الـزّيـر زمـيـن  zir zamin عـنـد الـفـرس تـنـزل كـلّ الـعـوائـل الـبـغـداديـة مـنـذ أن يـحـلّ الـرّبـيـع مـع أثـاث الـدّار وكـلّ مـا يـحـتـاجـونـه في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة، فـلـو تـركـوا الأثـاث الـخـشـبي في خـارج الـسّـرداب لأكـلـه الـعـث وتـسـاقـط مـن شـدّة الـحـرّ. وعـنـدمـا تـرتـفـع درجـات الـحـرارة يـنـزل الـنّـاس بـسـرعـة في الـسّـراديـب الّـتي يـتـغـيـر الـهـواء فـيـهـا مـارّاً بـالـبـادكـيـر  badguird (وهي الـمـلـقـفـات)، ولا يـخـرجـون مـنـهـا إلّا في الأصـيـل لـيـتـنـفـسـوا هـواءً خـانـق الـحـرارة، فـدرجـات الـحـرارة لا تـهـبـط إلّا قـلـيـلاً بـغـد غـروب الـشّـمـس”.

فـصـول الـسّـنـة الـبـغـداديـة :

ج. يولافوا 9

رغـم قـصـر الـفـتـرة الّـتي أقـامـت فـيـهـا ديـولافـوا في بـغـداد، فـهي تـتـكـلّـم عـن الـطّـقـس في هـذه الـمـديـنـة وعـن تـعـاقـب فـصـول الـسّـنـة فـيـهـا كـمـا لـو كـانـت قـد عـاشـت فـيـهـا سـنـوات طـويـلـة. وهي ولا شـكّ قـد سـجّـلـت مـا سـمـعـتـه مـن الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـت بـهـم ونـقـلـتـه عـنـهـم بـكـلّ نـواقـصـه ومـبـالـغـاتـه :

“والـمـديـنـة مـيّـتـة لا حـركـة فـيـهـا في الـنّـهـار ولـكـنّـهـا تـعـود إلى الـحـيـاة في الـمـغـرب، فـتـجـتـمـع الـنّـسـاء ويـتـزاورن مـتـنـقـلات مـن سـطـح إلى سـطـح، ويـقـضـيـن الـلـيـل في الـثّـرثـرة وهـنّ يـدخـنّ ويـشـربـن الـشـربـت  cherbet. وهـنّ مـجـبـرات، لـيـتـحـاشـيـن الـبـعـوض، عـلى إطـفـاء الأضـواء والـبـقـاء في الـظـلام. ويـجـبـرهـنّ فـصـل الـقـيـظ عـلى فـراغ مـمـل. ويـنـزل الـجـمـيـع في الـفـجـر إلى الـسّـرداب لـيـقـضـوا الـنّـهـار في خـمـود وركـود يـصـيـبـان حـتّى أنـشـط الـنّـاس مـنـهـم.

وعـنـدمـا يـحـلّ الـبـرد يـصـعـد الـنّـاس إلى غـرف الـطّـابـق الأوّل، ورغـم أنّـهـم يـوقـدون الـنّـار في الـمـواقـد فـهـم يـظـلـون يـرتـجـفـون مـن شـدّة الـبـرد وخـاصـة بـعـد أن أضـعـفـتـهـم شـدّة الـحـرّ واسـتـنـزفـت حـيـويـتـهـم.

ج. ديولافوا 3

ولـيـسـت حـال نـسـاء بـغـداد بـأفـضـل في الـشّـتـاء مـنـهـا في الـصّـيـف فـالـطّـرقـات الـضّـيّـقـة  تـتـحـول إلى مـسـتـنـقـعـات وحـول يـصـعـب عـبـورهـا بـتـنّـورات أوربـيـة، وتـغـطـيـهـا قـاذورات مـن كـلّ الأنـواع تـوصـلـهـا أنـابـيـب إلى بـلالـيـع مـفـتـوحـة لـيـس عـلـيـهـا أغـطـيـة حـفـرت أمـام كـلّ دار. وعـنـدمـا تـمـطـر الـسّـمـاء مـدّة طـويـلـة تـمـتـلئ الـبـالـوعـة وتـنـسـكـب أنـابـيـب الـقـاذورات مـبـاشـرة في الـطّـرقـات. والـرّجـال أنـفـسـهـم لا يـخـرجـون في الـمـسـاء إلّا ويـتـقـدمـهـم خـدم يـحـمـلـون مـشـاعـل عـلى ارتـفـاع عـشـريـن سـنـتـمـتـراً مـن الأرض (لـتـنـيـر لـهـم الـدّروب الـمـلـيـئـة بـالـحـفـر والـوحـول). ولا عـجـب في أنّ الـطّـاعـون يـتـفـشى في الـمـديـنـة في هـذا الـفـصـل الـسّئ مـن الـسّـنـة ويـدوم حـتّى أيّـار أو حـزيـران، وعـنـدهـا يـشـتـد الـحـرّ إلى درجـة تـقـتـل الـوبـاء.

والـفـصـل الـوحـيـد الّـذي رحـم الله بـه أهـل بـغـداد الـمـسـاكـيـن هـو الـخـريـف، لـيـخـفـف عـنـهـم عـيـش الـقـهـر والـضّـنـك الّـذي فـرض عـلـيـهـم في ثـلاثـة أربـاع الـسّـنـة الـبـاقـيـة. فـمـازال الـجـو مـعـتـدلاً ومـشـمـسـاً، لا أمـطـار فـيـه ولا عـواصـف.

وتـغـتـنـم الـعـوائـل الـمـيـسـورة الـحـال عـذوبـة الـطّـقـس لـتـضـرب خـيـامـهـا في سـهـول طـيـسـفـون وسـلـوقـيـة.(3) وأحـبّ هـوايـاتـهـم في هـذه الـفـتـرة صـيـد الـخـنـازيـر الـبـرّيـة، وهـو صـيـد شـديـد الإثـارة ولـكـنّـه بـالـغ الـخـطـورة. وغـالـبـاً مـا تـصـيـب الأوربـيـيـن مـن مـطـاردة الـحـيـوان بـالـرّمـاح الّـتي تـرمى عـلـيـه عـلى أرض مـتـعـرجـة مـلـيـئـة بـالـحـفـر جـراح وأضـرار بـالـغـة. ولا تـحـضـر الـنّـسـاء في الـغـالـب هـذا الـصّـيـد الـمـلئ بـالـمـخـاطـر ويـكـتـفـيـن بـإطـلاق الـنّـار عـلى طـائـر الـحـجـل أو عـلى طـيـور الـمـاء الّـتي تـعـج بـهـا ضـفـاف دجـلـة.

ومـا أشـد خـيـبـة أمـل الـمـوظـفـيـن [الأوربـيـيـن] الـمـسـاكـيـن الّـذيـن حـكـم عـلـيـهـم بـالـعـيـش في هـذا الـبـلـد بـعـد أن تـعـوّدوا عـلى تـخـيّـل سـحـره مـن خـلال قـراءتـهـم لـحـكـايـات ألـف لـيـلـة ولـيـلـة ! “.

تـرامـواي الـكـاظـمـيـة :

“ركـبـنـا في الـضّـفـة الـيـمـنى مـن الـنـهـر الـتّـرمـواي الّـذي يـنـبـغي أن يـوصـلـنـا، حـسـب مـا هـو مـكـتـوب، إلى الـكـاظـمـيـن خـلال ربـع سـاعـة أو عـشـريـن دقـيـقـة. ولـكـنّـه تـوقّـف في وسـط الـطّـريـق وطـلـب مـنّـا الـمـسـؤول أن نـنـزل، وأخـبـرنـا بـبـطء شـرقي وخـمـول أنّ الـعـربـة سـتـسـقـط مـن عـلى سـكـتـهـا. وتـنـعـطـف الـسّـكّـة في هـذا الـجـزء مـنـهـا انـعـطـافـة قـوّيـة.

وقـد انـخـسـفـت الأرض تـحـت الـسّـكّـة إلى درجـة أنّ الـعـربـة لـو اسـتـمـرت في مـسـيـرهـا لانـقـذفـت مـنـهـا وسـقـطـت عـلى جـانـبـهـا. وهـذه الـحـالـة تـدوم مـنـذ ثـمـانـيـة عـشـر شـهـراً. فـهـل تـعـتـقـدون أنّ الأتـراك حـاولـوا خـلال هـذه الـسّـنـة والـنّـصـف أن يـصـلـحـوا خـلـل الـسّـكّـة ؟

وبـدلاً مـن ذلـك، وضـعـت الـشّـركـة بـجـانـب الـجـزء الّـذي يـنـبـغي تـصـلـيـحـه عـدداً مـن الـحـمـالـيـن hammals :  وعـنـدمـا تـصـلّ عـربـة يـنـزل مـنـهـا الـرّكّـاب، ويـرفـع الـحـمـالـون الـعـربـة فـوق الـسّـكّـة. ولأنّ الـمـسـافـة بـيـن بـغـداد والـكـاظـمـيـة لا تـتـجـاوز أربـعـة كـيـلـومـتـرات، ولأنّ الـرّكـاب يـضـيـعـون ربـع سـاعـة مـن وقـتـهـم كـلـمـا وصـلـوا إلى هـذا الـجـزء مـن الـسّـكـة، فـقـد بـدأ الـنّـاس يـفـضـلـون قـطـع الـمـسـافـة عـلى أقـدامـهـم بـدلاً مـن ركـوب الـتّـرام.

وأعـتـقـد أن سـاعـتـيـن مـن الـعـمـل كـانـت سـتـكـفي لـردم جـزء الأرض الّـذي انـخـسـف تـحـت الـسّـكـة لـكي تـثّـبـت تـثـبـيـتـاً مـتـيـنـاً !”.

وبـعـد كـلّ هـذا الـجـهـد لـم تـسـتـطـع جَـيـن الـدّخـول “جـامـع الإمـام مـوسى

la mosquée de l’imam Moussa”. وعـنـدمـا قـصّـت مـغـامـراتـهـا عـلى مـهـنـدس الـولايـة الـفـرنـسي، مـسـيـو مـوجِـل Mougel، وعـدهـا أن يـبـعـث لـهـا في الـغـد بـصـورة الـجـامـع الّـتي كـان قـد الـتـقـطـهـا قـبـل ذلـك. فـقـد اسـتـطـاع الـدّخـول فـيـه، رغـم أنّـه كـان مـسـيـحـيـاً، لـيـنـصـب سـاعـة جـديـدة في حـوشـه، واغـتـنـم الـفـرصـة لـيـنـصـب آلـة تـصـويـره عـلى سـطـح يـطـلّ عـلى الـحـوش. وطـبـعـاً فـقـد أرسـل لـهـا بـالـصّـورة في الـيـوم الـتّـالي.

ج. ديولافوا 4

وقـد زارت مـدام ديـولافـوا مـقـابـر الـكـرخ و”قـبـر الـسّـت زبـيـدة” الّـذي هـو في الـحـقـيـقـة قـبـر زمـرد خـاتـون، زوجـة الـمـسـتـضئ بـالله ووالـدة الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله :

ج. ديولافوا 1

وصـوّرت ضـريـح الـشّـيـخ عـمـر الـسّـهـروردي :

ج. ديولافوا 11

وجـامـع الـشّـيـخ عـبـد الـقـادر الـجـيـلاني:

ج. ديولافوا 10

وجـامـع الـمـيـدان :

ج. ديولافوا 7

وأبـدت إعـجـابـهـا بـالـعـبـقـريـة الـمـعـمـاريـة لـمـن شـيّـدوا خـان مـرجـان الّـذي ذكـرتـه بـاسـم خـان الأورتـمـة (أي الـخـان الـمـغـطى) كـمـا كـان مـعـروفـاً في ذلـك الـزّمـن :

Dieulafoy 20

ووضـعـت صـورة لـبـغـداد الـتـقـطـت مـن فـوق سـطـح الـخـان :

Dieulafoy 21

ثـمّ ذكـرت : “وعـلى بـعـد خـطـوات مـن الـخـان مـا زالـت تـنـتـصـب مـنـارة سـوق الـغـزل الـرّائـعـة الـجـمـال بـمـئـذنـتـهـا الـمـحـاطـة بـالـمـقـرنـصـات والّـتي تـمـثّـل عـلى كـلّ خـصـائـص فـنّ الـقـرن الـثّـاني عـشـر” :

Dieulafoy 22

وقـريـبـاً مـنـهـا تـنـتـصـب بـنـايـة مـدرسـة [الـمـدرسـة الـمـسـتـنـصـريـة] الّـتي تـحـولـت إلى مـخـازن لـلـجـمـارك والـمـشـهـورة بـنـقـوشـهـا الـمـكـتـوبـة بـخـط بـديـع :

Dieulafoy 23

ثـمّ تـكـلّـمـت عـن أسـواق بـغـداد، وكـتـبـت في 20 كـانـون الأوّل :

“هـاجـت بـغـداد ومـاجـت فـقـد احـتـرق جـزء مـن الـسّـوق في الـلـيـل. وقـد أطـفـئـت الـنّـيـران بـسـرعـة بـطـريـقـة عـجـيـبـة، وأنـقـذت الـدّكـاكـيـن مـن الـلـهـب ومـن نـهـب الـلـصـوص : فـمـا أن بـدأ الـحـريـق حـتّى تـسـارع الـتّـجّـار بـالـصّـعـود فـوق الـسّـطـوح وكـسّـروا بـالـفـؤوس الـسّـقـوف الـخـشـبـيـة الـمـغـطـاة بـالـتّـراب والّـتي تـحـمى أزقّـة الـسّـوق الـمـمـتـدّة بـيـن الـدّكـاكـيـن مـن حـرارة أشـعـة الـشّـمـس. وانـطـفـأت الـنّـار بـسـقـوط هـذه الـسّـقـوف الـمـغـطـاة بـالـتّـراب عـلـيـهـا. وسـيـنـتـظـر الـتّـجّـار يـومـيـن أو ثـلاثـة لـيـتـأكّـدوا مـن انـطـفـاء مـا يـمـكـن أن يـكـون قـد بـقي مـن جـمـر تـحـت الأنـقـاض، ثـمّ سـيـزيـلـون أكـوام الـخـشـب والـتّـراب ويـنـظّـفـون الأزقّـة، وسـيـعـيـدون تـشـيـيـد الـسّـقـوف ويـفـتـحـون دكـاكـيـنـهـم الّـتي لـم تـصـبـهـا الأضـرار”.

وتـعـجـبّـت مـن ضـخـامـة أسـمـاك دجـلـة :

أسماك بغداد

ووضـعـت جَـيـن ديـولافـوا رسـمـيـن لـبـاب الـطّـلـسـم والـمـنـحـوتـه الّـتي كـانـت تـحـيـطـه. وكـان بـاب الـطّـلـسـم أحـد أبـواب سـور بـغـداد، وبـقي مـنـتـصـبـاً حـتّى يـوم 11 آذار 1917 (4):

ولأنّ جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا لـم يـسـتـطـيـعـا الـذّهـاب لـرؤيـة قـصـور الـمـلـوك الآشـوريـيـن في نـيـنـوى ومـا حـولـهـا “لـبـعـدهـا الـشّـديـد” عـن بـغـداد، فـقـد قـررا الـسّـفـر إلى بـابـل في يـوم 14 كـانـون الأوّل 1881.

ولاحـظـت جَـيـن أنّـهـم حـالـمـا ابـتـعـدوا عـن بـغـداد تـحـوّلـت الـطّـبـيـعـة إلى فـيـافي قـاحـلـة، ورأت “آثـار قـنـوات كـانـت تـخـصّـب هـذه الأراضي في الأزمـان الـقـديـمـة، مـا زلـنـا نـرى مـنـهـا بـقـايـا سـدود تـهـدّمـت”. ولـكي تـثـبـت أنّ تـرك الـرّي وإهـمـال الـزّراعـة لـم يـبـدأ إلّا في الـفـتـرات الأخـيـرة فـقـد اسـتـشـهـدت بـمـا ذكـره الـرّحـالـة الأنـدلـسي ابـن جـبـيـر الّـذي زار الـعـراق في الـقـرن الـثّـاني عـشـر بـعـد الـمـيـلاد :”والـطّـريـق مـن الـحـلّـة إلى بـغـداد أحـسـن طـريـق وأجـمـلـهـا، في بـسـائـط مـن الأرض وعـمـائـر، تـتّـصـل بـهـا الـقـرى يـمـيـنـاً وشـمـالاً […] والأمـن فـيـهـا مـتّـصـل”. (5) وأوصـلـهـا هـذا إلى اسـتـنـتـاج غـريـب: “وهـكـذا نـرى أنّ الـمـسـلـمـيـن بـعـد وصـولـهـم إلى هـذه الأراضي سـرعـان مـا حـوّلـوا ثـرواتـهـا الـهـائـلـة إلى عـدم”.

ويـبـدو لـنـا لأوّل وهـلـة أنّ جـهـلـهـا بـتـاريـخ الـمـنـطـقـة كـان شـديـداً إلى درجـة أنّـهـا لـم تـدرك أنّ ابـن جـبـيـر كـان مـسـلـمـاً هـو نـفـسـه، وتـكـلّـم عـن الـمـنـطـقـة بـعـد خـمـسـة قـرون عـلى وصـول الـمـسـلـمـيـن إلـيـهـا. ولـكـن الـمـسـلـمـيـن الّـذيـن تـقـصـدهـم هـنـا هـم الأتـراك الّـذيـن كـانـت تـكـرهـهـم كـراهـيـة شـديـدة وانـتـقـدتـهـم في كـلّ مـا لـم يـعـجـبـهـا.

وصـوّرت نـهـر الـفـرات عـنـد مـروره بـالـحـلّـة :

Dieulafoy 26

ووصـلـت مـع مـصـاحـبـيـهـا إلى بـابـل بـعـد يـومـيـن مـن مـغـادرتـهـم لـبـغـداد. وكـانـت خـيـبـة أمـلـهـا بـالـغـة فـقـد : “اخـتـرقـتُ الـمـديـنـة مـن غـيـر أن أنـتـبـه إلى وجـودهـا !”. وعـلـيـنـا أن نـشـيـر هـنـا إلى قـلّـة الـمـعـلـومـات عـن الـمـوقـع في زمـنـهـا فـلـم تـبـدأ الـتّـنـقـيـبـات الـجـدّيـة إلّا بـالـبـعـثـات الألـمـانـيـة في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

Dieulafoy 29

وهي تـصـف لـنـا حـال الـحـفـريـات في زمـنـهـا : “تـحـفـر إنـكـلـتـرة الأرض وتـقـلّـبـهـا مـنـذ سـنـوات في مـوقـع قـصـر نـبـوخـذ نـصـر. ويـأتي هـنـا كـلّ عـام مـسـؤول مـن الـمـتـحـف الـبـريـطـاني لـيـراقـب الـتّـنـقـيـبـات، ولـكـنّ مـراقـبـة الـمـوقـع الـيـومـيـة عـهـد بـهـا إلى أرمـني. وقـد أخـذنـا إلـيـه دلـيـلـنـا. وأرانـا هـذا الـرّجـل مـا وجـده في حـفـريـاتـه، فـقـد عـثـر عـمّـالـه مـنـذ سـتّـة أشـهـر عـلى ألـواح صـلـصـال عـلـيـهـا نـصـوص مـسـمـاريـة، وكـسـر لـمـنـحـوتـات تـمـثّـل حـيـوانـات ألـيـفـة، وعـلى أواني مـن الـعـقـيـق وعـلى تـمـاثـيـل مـن الـصـلـصـال بـأسـلـوب إغـريـقي أصـيـل”.

ونـفـهـم مـن هـذا أنّ الأرمـني كـان قـد وصـل إلى الـطّـبـقـة الـسّـلـوقـيـة  (6) مـن الـمـوقـع، وهي طـبـقـة حـديـثـة لا يـعـود تـاريـخـهـا إلى أقـدم مـن الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد.  أمّـا الـمـسـؤول فـقـد كـان والـيـس بـدج  Wallis BUDGE الّـذي بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـنـذ عـام 1877 لـيـنـقّـب في بـابـل. وهـذا الـمـقـطـع بـالـغ الأهـمـيـة لأنـنـا نـرى مـن خـلالـه طـرق “الـتّـنـقـيـبـات” في تـلـك الـفـتـرة.

وتـفـحـصـت “أسـد بـابـل” الّـذي وصـفـتـه : “أسـد مـن حـجـر الـبـازلـت بـصـنـعـة بدائـيـة، شـديـدة الـبـربـريـة”  :

Dieulafoy 30

ووصـلـت جّـيـن مـع مـصـاحـبـيـهـا إلى كـربـلاء 20 كـانـون الأوّل. وبـعـد أن سـمـح لـهـم بـدخـول الـمـديـنـة وقـضـاء الـلـيـل فـيـهـا : “صـعـدتُ إلى الـسّـطـوح، مـكـاني الـمـعـتـاد الّـذي أنـظـر مـنـه. واسـتـطـعـت أخـيـراً أن أبـصـر بـالـمـديـنـة بـكـامـلـهـا. تـنـتـصـب عـلى يـسـاري قـبّـة ضـريـح الـحـسـيـن ومـنـائـره الـمـطـلـيّـة بـالـذّهـب، وعـلى يـمـيـني قـبّـة مـن الآجـر الأزرق الـفـيـروزي، شـيّـدت ولا شـكّ في زمـن أواخـر الـصّـفـويـيـن”.

Dieulafoy 33

ولـم يـسـمـح لـهـم بـأكـثـر مـن ذلـك، فـتـركـوا الـمـديـنـة وعـادوا إلى بـغـداد الّـتي وصـلـوهـا في 22 كـانـون الأوّل.

ثـمّ غـادروا بـغـداد بـعـد ظـهـر يـوم 26 كـانـون الأوّل نـحـو طـيـسـفـون / الـمـدائـن (سـلـمـان بـاك)، وتـأمّـلـت جَـيـن الـفـلاحـيـن يـبـذرون الـشّـعـيـر. وقـضـوا يـومـيـن يـتـفـحّـصـون الـطّـاق بـجـنـاحـيـه (قـبـل أن يـنـهـار جـنـاحـه الأيـمـن عـام 1887) وبـقـايـا الـقـصـر وآثـار الـمـديـنـة الـسّـاسـانـيـة الّـتي كـانـت تـحـيـطـه، وعـبـروا الـنّـهـر لـيـتـفـحّـصـوا بـقـايـا مـديـنـة “سـلـوقـيـة دجـلـة”.

وركـبـوا في 28 كـانـون الأوّل الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة “الـخـلـيـفـة  The Khalifah” (الّـتي كـتـبـتـهـا  Khalifé) نـحـو الـبـصـرة. وكـانـت شـركـة الإخـوة لِـنـتـش (بـيـت لـنـج) The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company قـد اشـتـرت هـذه الـسّـفـيـنـة عـام 1880 وسـيّـرتـهـا عـلى نـهـر دجـلـة بـيـن بـغـداد والـبـصـرة.

ووصـلـوا إلى الـعـمـارة في الأوّل مـن شـهـر كـانـون الـثّـاني 1882،

Dieulafoy 35

وأقـامـوا عـنـد تـاجـر مـسـيـحي اسـمـه عـيـسى قـصّ عـلـيـهـم قـصـصـاً غـريـبـة عـن قـبـيـلـة بـني لام نـقـلـتـهـا جَـيـن ديـولافـوا كـمـا سـمـعـتـهـا ! وحـضـرت مـع زوجـهـا قـدّاسـاً في كـنـيـسـة كـانـت قـد شـيّـدتـهـا الـجـالـيـة الـمـسـيـحـيـة الـكـثـيـرة الأعـداد في الـعـمـارة.

ولـم يـغـادروا الـعـمـارة إلّا في الـسّـابـع مـن كـانـون الـثّـاني مـتّـجـهـيـن نـحـو مـضـارب دويـرج  Douéridj. ومـرّوا بـأطـراف الأهـوار، وقـضـوا لـيـلـة رهـيـبـة تـحت الأمـطـار في الـرّيـاح الـعـاصـفـة:

Dieulafoy 36

ثـمّ اسـتـضـافـهـم شـيـوخ بـني لام  Beni Laam.  وسـجّـلـت جّـيـن ديـولافـوا مـلاحـظـات مـفـصّـلـة عـن طـرق مـعـيـشـتـهـم.

Dieulafoy 31

واتـجـهـت مـع مـصـاحـبـيـهـا في 11 كـانـون الـثّـاني نـحـو دزفـول، قـرب مـديـنـة شـوش في جـنـوب غـرب إيـران.

وهـكـذا انـتـهـت سـفـرة جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا مـارسـيـل في ولايـتَي الـبـصـرة وبـغـداد والّـتي دامـت أقـلّ مـن شـهـريـن .

مـلـحـق

أعـادت دار نـشـر فـيـبـوس Phébus الـبـاريـسـيـة عـام 1990 إصـدار الـكـتـاب في سـلـسـلـة كـتـب جـيـب (بـالـقـطـع الـصّـغـيـر) خـصـصـتـهـا لـسـرديـات الـرّحـلات، وهي تـلاقي نـجـاحـاً كـبـيـراً ونـجـدهـا في كـلّ الـمـكـتـبـات في كـلّ أنـحـاء فـرنـسـا.

ونـشـرت هـذا الـكـتـاب بـجـزئـيـن عـنـوّنـت ثـانـيـه : “الـشّـرق تـحـت الـحـجـاب، مـن شـيـراز إلى بـغـداد 1881ــ1882

L’Orient sous le voile, de Chiraz à Bagdad 1881-1882”.

ووضـعـت فـيـه عـدّة صـور مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا.

وقـد أعـيـد طـبـع الـكـتـاب عـدّة مـرّات مـنـذ ذلـك الـحـيـن، وبـيـعـت مـنـه نـسـخ لا تـعـدّ ولا تـحـصى. ولا يـحـتـوى الـكـتـاب في طـبـعـتـه الـشّـعـبـيـة هـذه إلّا عـلى نـصّ الـسّـرد، فـلـم يـتـكـلّـف الـنّـاشـر عـنـاء كـتـابـة مـقـدمـة لـه ولا هـوامـش لـتـصـحـيـح أخـطـائـه ولا حـتّى بـيـان الـسّـيـاق الـتّـاريـخي الّـذي كـتـب فـيـه. ويـقـرأه الـقـارئ الـحـديـث كـمـلاحـظـات شـاهـدة عـيـان عـن الـعـراق، ويـسـتـقي فـيـه مـعـرفـتـه عـنّـا !

Dieulafoy

ـــــــــ

(1)  “رحـلـة مـدام ديـولافـوا مـن الـمـحـمّـرة إلى الـبـصـرة وبـغـداد 1299 هـ. 1881 م.” تـرجـمـة عـلي الـبـصـري ، وتـقـديـم مـصـطـفى جـواد، بـغـداد 1958. وصـدرت لـهـا طـبـعـة جـديـدة عـن الـدّار الـعـربـيـة لـلـمـوسـوعـات عـام 2007.

(2) تـقـصـد بـهـا مـديـنـة الـبـنـدقـيـة Venezia في إيـطـالـيـا.  أمّـا عـن مـدار الـسّـرطـان فـهـو في الـحـقـيـقـة يـمـرّ  جـنـوب الـخـلـيـج، بـعـيـداً عـن الـعـشّـار.

(3) في الـمـدائـن أي سـلـمـان بـاك قـرب طـاق كـسـرى.

(4) عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرت الـقـوات الـعـثـمانـيـة بـرج بـاب الـطّـلـسـم قـبـل انـســحـابـهـا مـن الـمـديـنـة.  وكـان الـبـرج قـد اسـتـعـمـل لـخـزن بارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد، فـتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجارة بـعـد انـفـجـار الـبـارود الـمـخـزون. ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

(5) أنـظـر مـقـالي : الـعـراقـيـون كـمـا رآهـم الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر

(6) أنـظـر مـقـالي : عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة

نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وجـدت في كـتـاب نـشـره الـمـؤرخ الـبـريـطـاني فـيـلـيـب مـانـسـل  Philip MANSEL  صـورة لـعـبـد الإلـه، الـوصي عـلى عـرش الـعـراق، في نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة.(1)  كـمـا أنّ الـكـاتـب ذكـر مـعـلـومـات كـثـيـرة عـن إنـشـاء هـذا الـنّـادي في عـام 1943.

وقـد أكّـد فـيـلـيـب مـانـسـل عـلى أنّـه اسـتـطـاع الإطّـلاع عـلى وثـائـق الأرشـيـفـات الـبـريـطـانـيـة وأعـتـمـد في بـحـثـه عـلى مـا كـتـبـه سـابـقـوه. وأعـتـقـد أنّ تـرجـمـة بـعـض مـا كـتـبـه عـن ذلـك يـمـكـن أن يـضـيـف أشـيـاء جـديـدة عـلى مـعـارفـنـا عـن تـاريـخـنـا الـحـديـث، ويـمـكـن أن يـثـيـر نـقـاشـاً لـتـوضـيـح مـواقـفـنـا مـنـه. وطـبـعـاً فـلـيـس هـنـاك حـقـائـق مـطـلـقـة لا يـمـكـن مـنـاقـشـتـهـا في مـيـدان الـتّـاريـخ … ومـن الـنّـقـاش يـنـبـثـق الـنّـور !

ذكـر فـيـلـيـب مـانـسـل أنّـه بـعـد وفـاة مـلـك الـعـراق غـازي الأوّل في حـادثـة اصـطـدام سـيـارة عـام 1939، إسـتـطـاعـت زوجـتـه، الـمـلـكـة عـالـيـة أن تـفـرض أخـاهـا عـبـد الإلـه كـوصي عـلى ابـنـهـا ولي الـعـهـد فـيـصـل بـن غـازي بـدلاً مـن الأمـيـر زيـد شـقـيـق الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وأكـبـر رجـال الـعـائـلـة سـنّـاً، والّـذي كـان يـنـبـغي أن تـعـهـد إلـيـه الـوصـايـة.

عالية وفيصل

ولـم يـكـن عـبـد الإلـه إلّا في الـسّـادسـة والـعـشـريـن مـن عـمـره. (2)

عبد الإله وفيصل

وكـان عـبـد الإلـه قـد درس في The Victoria College في الإسـكـنـدريـة، وشـغـف بـحـبّ إنـكـلـتـرة والإنـكـلـيـز وعـاداتـهـم وطـرق حـيـاتـهـم “الـرّاقـيـة”. وكـان لـه في بـغـداد عـدد مـن الأصـدقـاء الإنـكـلـيـز الـمـقـرّبـيـن. وحـتّى سـيـارتـه الـ  Rolls-Royce  كـان يـعـتـني بـهـا “فـيـتـرجي” إنـكـلـيـزي !

وكـان أثـاث مـسـكـنـه في قـصـر الـرحـاب إنـكـلـيـزيـاً، تـتـصـدّره صـورة لـلـعـائـلـة الـحـاكـمـة الـبـريـطـانـيـة أهـديـت خـصـيـصـاً لـه. وكـان عـبـد الإلـه قـد شـيّـد هـذا الـقـصـر في بـغـداد عـام 1937 وأسـمـاه “قـصـر الـرّحـاب” بـاسـم الـقـريـة الـصّـغـيـرة في الـحـجـاز الّـتي جـاءت مـنـهـا عـائـلـة جـدّه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة.

كـمـا اشـتـرى عـبـد الإلـه لـعـائـلـتـه الـمـالـكـة شـقـة في ضـواحي لـنـدن لـقـضـاء فـتـرات طـويـلـة فـيـهـا.

وكـان فـيـصـل بـن غـازي عـنـدمـا تـوفي أبـوه في الـرّابـعـة مـن عـمـره، وبـقي في قـصـر الـزّهـور يـسـكـنـه مـع والـدتـه الـمـلـكـة عـالـيـة. فـأحـاطـه خـالـه عـبـد الإلـه، الـوصيّ عـلـيـه بـمـربـيـة ومـشـرفـة ومـسـؤول تـربـيـة جـاءوا مـبـاشـرة مـن إنـكـلـتـرة. ويـبـدو أنّ مـربـيـتـه مـس بـورلانـد Miss Borland الّـتي ظـلّـت تـعـمـل في الـقـصـر فـتـرة طـويـلـة كـان لـهـا عـلـيـه تـأثـيـر شـديـد.

Faisal II

وبـعـثـه الـوصي عـبـد الإلـه بـعـد ذلـك لـيـدرس في إنـكـلـتـرة، إلى سـانـدرويـد Sandroyd أوّلاً، ثـمّ إلى هـارو Harrow.

Faisal at Harrow 1950

ويـبـدو أنّ فـيـصـل بـن غـازي أحـبّ كـلـيـة هـارو الّـتي كـان أبـوه الـمـلـك غـازي قـد ارتـادهـا في صـبـاه وكـرهـهـا كـراهـيـة شـديـدة.

Faysal II 3

وقـد نـمـا دور الإدارة الـبـريـطـانـيـة في تـسـيـيـر شـؤون الـدّولـة خـلال فـتـرة وصـايـة عـبـد الإلـه، بـعـد أن كـان قـد اضـمـحـلّ في فـتـرة حـكـم الـمـلـك غـازي الأوّل. وأصـبـح مـسـتـشـار الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد سـتـيـوارت بـيـروني  Stewart Perowne مـتـسـلّـطـاً إلى حـدّ أنّ بـعـض الـمـراقـبـيـن الـسّـيـاسـيـيـن أسـمـوا الـعـراق بـمـمـلـكـة بـيـروني : “Perownia”.

وفي عـام 1943، أنـشـأ الـوصي عـبـد الإلـه نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة. ووصـلـت كـلاب الـصّـيـد مـن إنـكـلـتـرة بـالـبـاخـرة، وشُـيّـد لـهـا وِجـار قـرب قـصـر الـزّهـور. وكـانـت تـكـالـيـف إطـعـامـهـا والإعـتـنـاء بـهـا تـؤخـذ مـن مـخـصـصـات إطـعـام جـنـود الـجـيـش الـعـراقي !

وكـان الـوصيّ عـبـد الإلـه يـمـارس صـيـد الـثّـعـالـب وبـنـات آوى (كـمـا يـفـعـل الإنـكـلـيـز في ريـفـهـم !)، يـطـاردهـا بـصـحـبـة ضـبـاط الـحـرس الـمـلـكي وضـبـاط الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق.

عبد الإله 4 001

ونـرى في الـصّـورة مـن الـيـسـار إلى الـيـمـيـن : مـسـتـشـار الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد، سـتـيـوارت بـيـروني  Stewart Perowne، والـلـيـوتـنـات كـولـونـيـل جـيـرالـد دي غـاوري Lieutenant- colonel Gerald de Gaurey الّـذي ألّـف بـعـد ذلـك (في 1961) كـتـابـاً عـن الـحـيـاة الـسّـيـاسـيـة في الـعـراق : Three Kings in Baghdad.

أمّـا الـولـد الـصّـغـيـر الّـذي نـراه مـعـهـم وهـو يـداعـب الـكـلـب فـقـد كـان جـيـمـس مـوس الإبـن  James B. Moose Jr.  إبـن الـمـسـؤول عـن الـشـؤون الأمـريـكـيـة في بـغـداد.

ونـرى عـلى يـمـيـن الـصّـورة الـوصي عـبـد الإلـه أنـيـقـاً مـنـتـصـب الـقـامـة في مـلابـس صـيـده الإنـكـلـيـزيـة.

مـلـحـق

وجـدت في الـعـدد الصّـادر في 2 أيّـارــ مايو 1953 مـن مـجـلّـة الـمـصـور الـقـاهـريـة والّـذي يـحـتـوي عـلى مـقـابـلـة أجراهـا حـبـيـب جـامـاتي مـع الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـمـنـاسـبـة ارتـقـائـه عـرش الـعـراق مـقـطـعـاً يـتـكـلّـم عـن هـوايـة الـمـلـك لـلـصّـيـد :

“الـصّـحـفي : وهـل تـجـيـدون الـفـروسـيـة ؟ الـمـلـك : أجـل، ولـكـنّي أتـجـنـب الـسّـرعـة وأنـا عـلى ظـهـر الـحـصـان كـمـا أتـجـنـبـهـا وأنـا في الـسّـيّـارة. […] “الـصّـحـفي : ومـاذا تـفـضّـلـون بـيـن الـحـيـوانـات الألـيـفـة ؟ “الـمـلـك : الـكـلاب … وقـد وصـلـني مـنـهـا أخـيـراً هـذان الـكـلـبـان، هـديـة مـن مـلـك الأفـغـان. وقـال الـمـلـك فـيـصـل إنّـه يـعـنى أيـضـاً بـكـلاب الـصّـيـد، وإنّـه يـخـرج أحـيـانـاً بـتـلـك الـكـلّاب فـيـصـطـاد الـطّـيـور، ولـكـنّـه لا يـصـطـاد عـلى ظـهـور الـخـيـل ولا بـواسـطـة الـصّـقـور …”.

المصور 1953 4 (3)

المصور 1953 2 (4) (562x800) (450x640)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  Philip MANSEL, Sultans in Splendour, London 1988.

(2)  كـان عـبـد الإلـه وأخـتـه الـمـلـكـة عـالـيـة مـن أبـنـاء عـلي بـن الـحـسـيـن. وكـان عـلي قـد تـوّج مـلـكـاً عـلى مـمـلـكـة الـحـجـاز الـهـاشـمـيـة في أواخـر عـام 1924 خـلـفـاً لأبـيـه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة، ولـكـنّ قـوّات آل سـعـود هـزمـتـه في نـهـايـة عـام 1925، فـتـرك مـكّـة إلى الـهـنـد ثـمّ اسـتـقـرّ في بـغـداد، قـرب أخـيـه الـمـلـك فـيـصـل الأوّل حـتّى وفـاتـه سـنـة 1935.

دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

دار الجنرال مود

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

الـجـنـرال سـتـانـلي مـود يـفـتـح بـغـداد ثـمّ يـمـوت فـيـهـا :

دخـل الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود  Lieutenant General Frederick Stanley MAUDE بـغـداد عـلى رأس قـوّاتـه الـبـريـطـانـيـة في 11 آذار  1917  بـعـد أن انـسـحـبـت الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة مـنـهـا. ولـم يـقـرأ خـطـابـه الـمـوجّـه لـلـبـغـداديـيـن، والـمـعـروف بـ Proclamation of Baghdad، إلّا في 19 آذار.

ثـمّ أكـمـلـت قـوّاتـه مـسـيـرتـهـا نـحـو سـامـراء لـتـكـمـل سـيـطـرتـهـا عـلى ولايـة بـغـداد وعـلى ولايـة الـمـوصـل.

وفي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـن نـفـس الـعـام، أقـيـم حـفـلٌ احـتـفـاءً بـه في مـدرسـة يـهـوديـة : الألـيـانـس الإسـرائـيـلـيـة، قـدمـت فـيـه مـسـرحـيـة هـامـلـت لـشـكـسـبـيـر بـالـعـربـيـة، وشـرب كـلّ الـحـاضـريـن فـنـاجـيـن قـهـوة. وذكـرت الـصّـحـفـيـة الأمـريـكـيـة إلـيـانـور إغـن Eleanor Egan الّـتي حـضـرت الـحـفـل أنّ الـجـنـرال مـود طـلـب حـلـيـبـاً. وجُـلـب لـه حـلـيـب لـم يـسـخـن إلى درجـة الـغـلـيـان، فـأضـافـه إلى قـهـوتـه وشـربـه.

وفي الـيـوم الـتّـالي سـقـط مـريـضـاً، وشـخّـص طـبـيـبـه الـبـريـطـاني حـالـة كـولـيـرا مـن أخـطـر الأنـواع يـبـدو أن عـدواهـا انـتـقـلـت إلـيـه مـن الـحـلـيـب. وسـرت شـائـعـات بـأنّـه سُـمّـم، لأنّ الـكـابـتـن ولـسـن الّـذي وضـع نـفـس الـحـلـيـب في قـهـوتـه في نـفـس الـحـفـل لـم يـصـب بـشئ.

ومـات الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال سـتـانـلي مـود في 18 تـشـريـن الـثّـاني 1917 .

ويـذكـر عـدد مـن الّـذيـن كـتـبـوا عـنـه أنّـه مـات في نـفـس الـدّار الّـتي كـان قـد مـات فـيـهـا الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـز                            Field Marshal Von der Goltz تـسـعـة عـشـر شـهـراً قـبـل ذلـك.(1)

ودفـن الـجـنـرال مـود في الـمـقـبـرة الـعـسـكـريـة الـبـريـطـانـيـة قـرب بـاب الـمـعـظـم (2) :

 

وقـد أقـيـم لـه تـمـثـال مـن الـبـرونـز يـمـثّـلـه بـزيّـه الـعـسـكـري مـمـتـطـيـاً صـهـوة حـصـان، أزيـح عـنـه الـسّـتـار عـام 1923  أمـام دار الـمـنـدوبـيـة الـبـريـطـانـيـة الـسّـامـيـة في الـكـرخ :

وقـد بـقي الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً إلى أن أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة وحـطـمـتـه في 14 تـمّـوز 1958 :

إسقاط تمثال مود

أيـن كـانـت دار الـجـنـرال مـود ؟

ومـا ذكـرنـاه يـثـيـر تـسـاؤلات لـم أجـد عـلـيـهـا بـعـد أجـوبـة أكـيـدة، فـقـد وجـدت في كـتـاب إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت Staudt Ida Donges : “مـذكّـرات أمـريـكـيـة عـن الـتـدريـس والـسّـفـر في الـعـراق مـن 1924 إلى1947” (3) الّـذي سـبـق لي أن كـتـبـت عـنـه مـقـالاً (4)، أنّـهـا سـمـعـت بـعـد وصـولـهـا إلى بـغـداد مـع زوجـهـا في 1924 بـأنّ : “داراً كـبـيـرة فـرغـت قـرب نـادي الـضّـبّـاط الـبـريـطـانـيـيـن، في حيّ حـديـث مـن الـمـديـنـة، تـحـيـطـه غـابـات الـنّـخـيـل. وعـنـدمـا زرتـهـا حـلـت لـعـيـنيّ فـأجـرتـهـا حـالاً وبـلا تـردد. وبـانـتـقـالـنـا إلـيـهـا في الـخـريـف بـدأت حـيـاتـنـا الـعـمـلـيـة حـقّـاً. وكـانـت الـدّار تـنـاسـب تـمـامـاً مـا نـريـد، وإن اعـتـبـر الـبـعـض أنّـهـا بـعـيـدة عـن مـركـز الـمـديـنـة. وقـد أصـبـحـت الآن في وسـط الـمـديـنـة لـشـدّة مـا تـوسـعـت بـغـداد وامـتـدّت. وكـانـت داراً كـبـيـرة فـيـهـا 20 غـرفـة واسـعـة حـول حـوش مـفـتـوح، أمـامـهـا شـرفـات عـريـضـة”.

ثـمّ تـكـمـل إيـدا سـتـاوت : ” وكـان لـهـذا “الـقـصـر” الـمـهـيـب قـصّـة مـدهـشـة، فـقـد اسـتـعـمـلـه الـبـريـطـانـيـون نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم. وكـان الإيـطـالـيـون قـد اتـخـذوه قـنـصـلـيـة لـهـم، ووجـدنـا بـقـايـا رايـتـهـم عـلى الـسّـطـح حـيـنـمـا أجّـرنـا الـقـصـر. وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إخـتـارتـه الـقـيـادة الألـمـانـيـة مـقـرّاً لـهـا. وغـالـبـاً مـا حـذرونـا مـن أنّ شـبـح الـجـنـرال فـون ديـر غـولـتـز كـان يـتـجـوّل في أنـحـائـه”.(5)

وقـد أخـطـأت إيـدا سـتـاوت في بـعـض مـعـلـومـاتـهـا لأنّ فـون ديـر غـولـتـز لـم يـكـن تـحـت أوامـر الـقـيـادة الـعـلـيـا لـلـقـوات الألـمـانـيـة وإنّـمـا كـان يـعـمـل في الـقـوات الـعـثـمـانـيـة، وحـصـل عـلى رتـبـة بـاشـا، ولـهـذا كـان يـدعى بـغـولـتـز بـاشـا. وقـد عـهـد إلـيـه أنـور بـاشـا في 1915 بـالـجـيـش الـخـامـس الـعـثـمـاني. وسـار غـولـتـز بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس إلى جـنـوب بـغـداد وأوقـف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة.  ولـكـنّـه أصـيـب في 1916 بـالـتّـيـفـوئـيـد ومـات مـنـه في بـغـداد.

وإذا كـانـت الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت تـعـرف أنّ الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـز مـات في تـلـك الـدّار فـكـيـف لـم تـسـمـع بـأنّ الـجـنـرال سـتـانـلي مـود مـات فـيـهـا أيـضـاً في 1917 ؟

وهي تـذكـر أنّ الـبـريـطـانـيـيـن اسـتـعـمـلـوه نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم، فـهـل سـكـن الـجـنـرال مـود ومـات في مـا أصـبـح بـعـد ذلـك نـاديـاً لـضـبّـاطـه ؟

تـسـاؤلات كـنـت أودّ أن أجـد عـلـيـهـا أجـوبـة !

ولـم أجـد إلّا صـورة واحـدة يـبـدو أنّـهـا لـلـدّار الّـتي سـكـنـهـا الـجـنـرال مـود في بـغـداد (وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   أنـظـر مـثـلاً : Lawrence Sondhaus, World War One, The Global Revolution, p. 372

(2)  أرسـل لي الـدّكـتـور خـالـد الـسّـلـطـاني بـهـاتـيـن الـصّـورتـيـن. وأقـدّم لـه جـزيـل شـكـري عـلى ذلـك.

(3)  Living in Romantic Baghdad : Un American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924 -1947, New York 2012

(4) أنـظـر مـقـالي :  إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

(5)  الـمـصـدر الـسّـابـق، وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ إيـدا سـتـاوت أكـمـلـت تـألـيـف كـتـابـهـا في 1951.

صـور الـمـوصـل في ألـبـومـات الآبـاء الـدومـنـيـكـان

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كُـتـبـت مـقـالات كـثـيـرة عـن الآبـاء الـدّومـيـنـيـكـان (وهـو لـفـظ أصـحّ مـن : الـدّومـنـيـكـان) في الـعـراق، والـذّيـن كـان مـركـز نـشـاطـاتـهـم  في الـمـوصـل. وغـالـبـاً مـا كـانـت أهـداف كـتّـاب هـذه الـمـقـالات إدانـة أعـمـال الآبـاء الـتّـبـشـيـريـة، أو عـلى الـعـكـس مـن ذلـك، الإشـادة بـدورهـم الإيـجـابي في إدخـال كـثـيـر مـن مـكـونـات الـحـداثـة في مـنـطـقـة الـمـوصـل، والّـتي انـتـشـرت مـنـهـا بـعـد ذلـك في كـلّ أرجـاء الـعـراق مـنـذ الـقـرن الـثّـامـن عـشـر.

وإذا مـا تـابـعـنـا تـاريـخ إنـشـاء الـجـمـاعـة الـدّومـنـيـكـيـة وقـرأنـا بـعـض مـا نـشـروه هـم أنـفـسـهـم عـنـهـا فـسـتـظـهـر لـنـا صـورة أخـرى لـهـم ولـنـشـاطـاتـهـم. وسـأتـكـلّـم عـنـهـم هـنـا بـاخـتـصـار، وسـأعـرض بـعـض صـور ألـبـومـاتـهـم الّـتي جـمـعـوهـا عـن الـمـوصـل.

الـجـمـاعـة الـدّيـنـيـة الـدّومـنـيـكـيـة :

أنـشـئـت “الـجـمـاعـة الـدّيـنـيـة الـدّومـنـيـكـيـة” في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا عـام 1215 م. وقـد حـصـل مـؤسـسـهـا دومـنـيـك وأصـحـابـه مـن بـابـا رومـا، هـنـريـوس الـثّـالـث Honorius III عـلى وثـيـقـة اعـتـراف رسـمـيـة بـالـجـمـاعـة في عـام 1217.

ولأنّ الأوربـيـيـن كـانـوا يـعـتـبـرون الـعـراق مـن بـيـن أقـدم أمـاكـن الـشّـرق الّـتي ظـهـرت فـيـهـا الـمـسـيـحـيـة، فـقـد اتـجـه إلـيـه مـبـشـرو الـجـمـاعـة الـدّومـنـيـكـيـة مـنـذ إنـشـائـهـا.

ويـبـدو أنّ أحـد أصـحـاب الـقـديـس دومـنـيـك، مـؤسـس الـجـمـاعـة، وكـان اسـمـه غـلـيـوم دو مـونـفـيـرا Guillaume de Montferrat قـد وصـل إلى بـغـداد عـام 1235، وتـوصّـل إلى الـدّخـول في بـلاط الـخـلـيـفـة الـمـسـتـنـصـر بـالله.

وفي عـام 1290، وصـل الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي  Fra Ricoldo Pennini da Montecroce  (الّـذي كـان إيـطـالـيـاً مـن مـديـنـة فـلـورنـسـا) إلى الـمـوصـل قـادمـاً مـن شـيـراز.

وقـد جـاء فـرا ريـكـولـدو هـذا إلى الـمـوصـل ضـمـن الـبـعـثـة الّـتي كـان الـبـابـا نـيـقـولا الـرّابـع قـد بـعـثـهـا لـلـتّـبـشـيـر في الـشّــرق. وأقـام في مـديـنـة شـيـراز الّـتي بـشّـر فـيـهـا وتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة.

واتـصـل فـرا ريـكـولـدو  في الـمـوصـل بـالـنّـسـاطـرة، الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم مـنـشـقـيـن عـلى ديـن الـمـسـيـح، ووعـظـهـم ولـكـنّـهـم رفـضـوا اعـتـنـاق الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي.  وذهـب إلى مـعـبـد الـيـهـود ووعـظـهـم وتـنـاقـش مـعـهـم حـول “الـدّيـن الـحـقّ”.

ثـمّ أقـام في ديـر مـار مـتى شـمـال الـمـديـنـة لـيـتـنـاقـش مـع رهـبـانـه مـن الـيـعـاقـبـة الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم هـم الآخـريـن :”عـلى مـذهـب مـنـشـقّ عـلى الـدّيـن يـخـطئ في كـثـيـر مـن الإعـتـقـادات. وهـم لا يـتـبـعـون كـنـيـسـة رومـا”. ولـم يـسـتـطـع إدخـالـهـم في الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي.

ويـمـكـنـكـم قـراءة الـنّـصّ الّـذي كـتـبـه عـن ذلـك في الـمـلـحـق رقـم (1) في نـهـايـة هـذا الـمـقـال.

ثـمّ نـزل فـرا ريـكـولـدو إلى بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة وتـوقّـف في تـكـريـت. وفي بـغـداد اتّـصـل بـالـدّومـنـيـكـان الّـذيـن كـانـوا قـد اسـتـقـروا فـيـهـا. وقـد اسـتـطـاع الـدّخـول في الـمـدرسـتـيـن الـنّـظـامـيـة والـمـسـتـنـصـريـة والـدّراسـة فـيـهـمـا.  وفي بـغـداد شـرع في تـرجـمـة الـقـرآن إلى الـلاتـيـنـيـة.

BNF_MS_ar_384

ويـبـدو أنّـه كـان مـن بـيـن أوائـل الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـوا بـالـصّـابـئـة الـمـنـدائـيـيـن، ومـن أوائـل مـن كـتـب عـنـهـم.  وقـد أقـام في الـعـراق حـوالي عـشـر سـنـوات.

مـعـاهـدة “الإمـتـيـازات” :

وفي عـام 1535 وقّـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني سـلـيـمـان الـقـانـوني مـع مـلـك فـرنـسـا فـرنـسـوا الأوّل مـعـاهـدة تـخـوّل لـفـرنـسـا، ضـمـن “الإمـتـيـازات” الّـتي مـنـحـتـهـا الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـلـدّول الأوربـيـة، إرسـال قـنـاصـل إلى الـولايـات الـعـثـمـانـيـة : حـلـب ودمـشـق والإسـكـنـدريـة وبـغـداد، والـسّـمـاح لـلإرسـالـيـات الـدّيـنـيـة بـدخـول أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـمـارسـة نـشـاطـاتـهـا فـيـهـا، أي فـتـح مـراكـز تـبـشـيـريـة كـاثـولـيـكـيـة فـيـهـا.

وفي عـام 1553، أي بـعـد أكـثـر مـن مـائـتـيـن وخـمـسـيـن سـنـة عـلى زيـارة فـرا ريـكـولـدو لـلـعـراق، ذهـب راهـب مـن ديـر الـرّبـان هـرمـزد (قـرب بـلـدة الـقـوش) إلى رومـا، وكُـرّس فـيـهـا كـأوّل أب لـلـكـنـيـسـة الّـتي أسـمـيـت بـ “الـكـنـيـسـة الـكـلـدانـيـة”.

وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ كـثـيـراً مـن الـمـسـيـحـيـيـن الـعـراقـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـسـمـون بـ “الـنّـسـاطـرة” تـحـوّلـوا إلى الـكـاثـولـيـكـيـة عـام 1445، وأسـمـوا أنـفـسـهـم بـ “الـكـلـدان” إدعـاءً مـنـهـم بـرجـوع أصـولـهـم إلى الـبـابـلـيـيـن الـكـلـدانـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـنـتـسـبـون إلى كـلـدو، إسـم عـدّة قـبـائـل كـانـت لـهـا صـلات قـرابـة بـالآرامـيـيـن، والّـتي كـانـت قـد تـوطّـنـت في مـنـطـقـة الأهـوار، جـنـوب دجـلـة والـفـرات في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد. ثـمّ أنـشـأ الـكـلـدانـيـون الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة، آخـر دول الـعـراق الـقـديـم.

وعـنـدمـا عـاد هـذا الـرّاهـب إلى الـعـراق صـاحـبـه إلـيـهـا مـبـشـران مـن الـدّومـنـيـكـان الـفـرنـسـيـيـن لـمـسـاعـدتـه في مـهـمـتـه.

وفي عـام 1636، أرسـل بـابـا رومـا عـدداً مـن جـمـاعـة الـكـبـوشـيـيـن الـفـرنـسـيـيـن إلى الـمـوصـل، وفـتـحـوا فـيـهـا عـام 1638 مـركـز تـبـشـيـر، في دار تـطـلّ على نـهـر دجـلـة، في حـارة مـار إشـايـا، ولـكـنّـهـم تـركـوا الـمـديـنـة بـعـد أقـل مـن قـرن.

بـدايـة الإرسـالـيـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل :

ذهـب الـقـس خـضـر الـمـوصـلي عـام 1750 مـن الـمـوصـل إلى رومـا حـامـلاً مـعـه عـدداً مـن الـمـخـطـوطـات بـالـسّـريـانـيـة إلى مـكـتـبـة الـفـاتـيـكـان. وقـد دفـع مـجـيـئـه إلى رومـا الـبـابـا بـنـديـكـت الـرّابـع عـشـر إلى أن يـطـلـب مـن الـدّومـنـيـكـان الـفـرنـسـيـيـن أن يـحـلّـوا مـحـلّ الإيـطـالـيـيـن في إرسـالـيـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

وبـهـذا بـدأت رسـمـيّـاً الإرسـالـيـة الـدّومـنـيـكـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن والّـتي كـان مـركـزهـا الـمـوصـل. وكـان هـدفـهـا الأوّل إعـادة مـسـيـحـيي شـمـال الـعـراق “الـمـنـشـقّـيـن عـن الـكـنـيـسـة” إلى “ديـن الـحـق” حـسـب مـعـتـقـدات الـدّومـنـيـكـان أي إلى الـكـنـيـسـة الـكـاثـولـيـكـيـة الّـتي يـرأسـهـا الـبـابـا في رومـا.

وهـكـذا حـصـل دومـنـيـكـو لَـنـزا  Domenico Lanza  في 1756 عـلى فـرمـان مـن الـبـاب الـعـالي الـعـثـمـاني لـيـصـبـح رئـيـس الإرسـالـيـة. ويـذكـر الأب لَـنـزا أنّ عـدد سـكـان الـمـوصـل عـنـدمـا وصـلـهـا كـان حـوالي 300 ألـف سـاكـن. ووصـل بـعـده ذلـك الـعـام عـدد مـن الآبـاء الـفـرنـسـيـيـن.

Les pères Dominicains

وكـانـت الـبـدايـات الـتّـبـشـيـريـة لـلـدّومـنـيـكـان شـديـدة الـصّـعـوبـة، فـقـد تـوفي عـام 1871 واحـد مـن أوائـل الآبـاء الّـذيـن وصـلـوا إلى الـمـوصـل : الأب فـرنـسـوا تـوريـاني  P. François TURIANI، بـعـد أن أصـيـب بـإنـهـاك جـسـدي شـديـد وبـمـرض عـانى مـنـه طـويـلاً، قـبـل أن يـسـتـطـيـع كـسـب شـخـص واحـد إلى الـكـاثـولـيـكـيـة. ودفـن في الـمـقـبـرة الّـتي خـصـصـهـا الـدّومـنـيـكـان لـمـوتـاهـم في مـار يـعـقـوب، قـرب الـمـوصـل :

Dominicains 3

وكـان الآبـاء قـد اخـتـاروا إنـشـاء ديـر لـهـم في مـار يـعـقـوب.

Dominicains 2

وفي 1787، نـشـر الـدّومـنـيـكي مـورزيـو غـارزوني Maurizio Garzoni كـتـابـاً لـقـواعـد الـلـغـة الـكـرديـة ومـفـرداتـهـا، وكـان قـد مـارس الـتّـبـشـيـر بـيـن الأكـراد لـسـنـوات طـويـلـة.

وبـعـد انـدلاع الـثّـورة الـفـرنـسـيـة عـام 1789 م. والإضـطـرابـات الّـتي عـاشـتـهـا أوربـا بـعـد ذلـك تـوقّـفـت أعـمـال الإرسـالـيـة بـيـن 1815  و1840.

وفي 1842، عـيّـن بـول أمـيـل بـوتـا  Paul- Emile BOTTA قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في الـمـوصـل، وبـقي في مـنـصـبـه إلى 1845. (1) وقـد جـرت في تـلـك الـفـتـرة مـحـاولات لـفـتـح مـدارس الإرسـالـيـة الّـتي كـانـت قـد أهـمـلـت، كـمـا أُنـشئ مـركـز تـبـشـيـري في ديـر مـار يـعـقـوب.

وفي عـام 1850، حـدثـت تـغـيـيـرات جـددت جـمـاعـة الـدّومـنـيـكـان وأعـادت لـهـا حـيـويـتـهـا، فـقـرر مـسـؤولـهـا بـعـث إرسـالـيـة جـديـدة إلى الـعـراق. وبُـعـث الـدّومـنـيـكي بـيـسـون  J.-B. Besson في 1856  لـيـدرس وضـعـيـة الـبـلـد والإمـكـانـيـات الـمـتـاحـة في تـلـك الـفـتـرة. وكـان بـيـسـون قـد درس الـفـنّ فـجـلـب مـعـه عـنـد عـودتـه إلى فـرنـسـا عـام 1858 عـدداً مـن الـرّسـوم والـتّـخـطـيـطـات عـن  مـنـطـقـة الـمـوصـل ومـشـاهـد حـيـاة الـقـرى فـيـهـا. وفي أيـلـول مـن نـفـس الـسّـنـة عـهـد إلـيـه بـرئـاسـة إرسـالـيـة الـمـوصـل الـتّـبـشـيـريـة، فـرجـع إلى الـعـراق ومـات في ديـر مـار يـعـقـوب بـعـد أن أصـيـب بـالـتـيـفـوئـيـد عـام 1861.

واشـتـرى آبـاء الـبـعـثـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل عـام 1860 مـطـبـعـة مـتـعـددة الـلـغـات مـن بـاريـس. وبـدأوا في عـام 1862يـطـبـعـون فـيـهـا بـالـعـربـيـة وبـالـسّـريـانـيـة الـكـلـدانـيـة الـكـتـب الّـتي كـانـوا يـحـتـاجـونـهـا في مـدارسـهـم (الّـتي كـانـت ثـلاث مـدارس لـلأولاد واثـنـتـيـن لـلـبـنـات)، بـالـلـغـتـيـن الـعـربـيـة والـسّـريـانـيـة ــ الـكـلـدانـيـة : كـتـب قـراءة وقـواعـد وتـاريـخ وجـغـرافـيـا وحـسـاب، وتـعـلـيـم ديـني …

وقـد اسـتـمـرت الـمـطـبـعـة تـشـتـغـل حـتّى عـام 1915، عـنـدمـا حـطّـمـهـا الأتـراك، وأوقـفـوا أعـمـال نـشـرهـا.

ولـديـنـا صـورة لـعـمـال ورشـة الـتّـجـلـيـد الـمـلـحـقـة بـالـمـطـبـعـة الـتـقـطـت في حـوالي عـام 1860:

Mosul 1890

وفي ذلـك الـعـام، 1862، شُـرع في تـشـيـيـد ديـر جـديـد في الـمـوصـل في داخـلـه كـنـيـسـة واسـعـة مـولـت تـشـيـيـد بـرج نـاقـوسـهـا أوجـيـني، زوجـة إمـبـراطـور فـرنـسـا نـابـلـيـون الـثّـالـث، الّـتي كـانـت تـعـرف الآبـاء الـدّومـنـيـكـان مـنـذ طـفـولـتـهـا عـنـدمـا كـانـت تـقـضي عـطـلـهـا في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا.

Dominicains

وقـد انـتـهى تـشـيـيـد الـدّيـر والـكـنـيـسـة في 1866. وفي 1876، نـصـبـت عـلى بـرج الـدّيـر سـاعـة كـانـت فـرنـسـا قـد أهـدتـهـا لـلإرسـالـيـة :

E. Dominicains Mossul 1880 (640x454)

كـمـا فـتـحـت مـدارس جـديـدة في الـمـوصـل وفي بـعـض قـراهـا.

وقـد وصـلـت في 1873 أولى أخـوات جـمـاعـة زيـارة الـعـذراء مـن مـديـنـة تـور في فـرنـسـا إلى الـمـوصـل لـيـلـتـحـقـن بـالـبـعـثـة الـدّومـنـيـكـيـة فـيـهـا. وهـكـذا حـاول مـبـشـرو الـدّومـنـيـكـان الـتّـغـلـغـل في الـحـيـاة الإجـتـمـاعـيـة لـلـمـوصـل عـن طـريـق فـتـح مـسـتـوصـفـات لـمـعـالـجـة الـمـرضى وفـتـح مـدارس لـتـعـلـيـم الـصّـغـار.

وقـد جـدّ جـديـد في مـهـمـات الـدّومـنـيـكـان في عـام 1878عـنـدمـا طـلـب مـنـهـم الـبـابـا لـيـون الـثّـالـث عـشـر أن يـفـتـحـوا حـلـقـة ديـنـيـة لـيـدرس فـيـهـا كـلـدانـيـون وسـريـان مـن أبـنـاء الـمـنـطـقـة ويـعـمـلـوا بـعـد تـخـرجـهـم مـنـهـا في كـنـائـس هـاتـيـن الـجـالـيـتـيـن :

Séminaire Dominicain

 

كـتـاب الأب دوفـال عـن الإرسـالـيـة الـتّـبـشـيـريـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل :

وفي 1889، نـشــر الأب دوفـال  Duval  كـتـابـاً في بـاريـس عـن الإرسـالـيـة الـتّـبـشـيـريـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل : « La mission des Dominicains à Mossoul »:

الإرسالية الدومنيكية 2 (436x640)

 

يـذكـر فـيـه أنّـهـا كـانـت تـتـألـف مـن 18 أبـاً و 12 أخـتـاً مـن جـمـاعـة تـقـديـم الـعـذراء.

ويـذكـر الأب دوفـال في كـتـابـه أنّ الـمـوصـل : “عـلى ارتـفـاع حـوالي مـائـة وسـتّـة أمـتـار فـوق سـطـح الـبـحـر، يـسـكـنـهـا 57 ألـف سـاكـن مـنـهـم 48 ألف ومـائـتي مـسـلـم، وثـلاثـة آلاف يـهـودي، وسـتّـة آلاف و 500 مـسـيـحي : 2000 كـلـداني كـاثـولـيـكي، و 2000 سـريـاني كـاثـولـيـكي، و 250 كـلـداني “مـا زالـوا في الـضـلال، أي لـم يـعـتـنـقـوا الـكـاثـولـيـكـيـة”، ومـائـتي بـروتـسـتـانـتي، وخـمـسـيـن مـن مـذاهـب أخـرى”.

ونـفـهـم مـن هـذا الـمـقـطـع أنّ الآبـاء الـدّومـنـيـكـان كـانـوا قـد نـجـحـوا في إدخـال أعـداد كـبـيـرة مـن أهـل الـمـوصـل ومـا حـولـهـا في الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي مـنـذ وصـولـهـم عـام 1750.

ويـكـمـل الأب دوفـال : “والـطّـقـس في الـمـوصـل صـحي، وإن كـان حـارّاً، وتـرتـفـع درجـات الـحـرارة في الـصّـيـف إلى 45ْ أو  50ْ في الـظّـل”.

“وأهـل الـمـوصـل عـرب، يـتـكـلّـمـون الـعـربـيـة، مـع أنّ الـلـغـة الـرّسـمـيـة الّـتي يـتـكـلّـمـهـا مـوظـفـو الـولايـة هي الـلـغـة الـتّـركـيـة [وطـبـعـاً فـالـكـاتـب يـقـصـد بـهـا الـلـغـة الـعـثـمـانـيـة]. أمّـا في قـرى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة فـالـمـسـلـمـون والـيـزيـديـة يـتـكـلّـمـون الـكـرديـة، وهي مـن الـلـهـجـات الـفـارسـيـة، ويـتـكـلّـم الـمـسـيـحـيـون لـهـجـة سـريـانـيـة ــ كـلـدانـيـة”.

وكـانـت بـعـثـة الآبـاء الـدّومـنـيـكـان تـنـظّـم دروسـاً تـبـشـيـريـة وتـديـر مـدرسـة بـنـات ذكـر الأب دوفـال أنّـه كـان فـيـهـا 160 تـلـمـيـذة بـيـنـهـنّ 26  مـسـلـمـة. وتـضـمّ أربـعـة أقـسـام : ثـلاثـة لـلـكـاثـولـيـكـيـات وقـسـم لـلـمـسـلـمـات. وتـعـلّـم في كـلّ قـسـم أخـت مـبـشـرة مـعـهـا مـسـاعـدة مـعـلـمـة مـن أهـل الـبـلـد. وتـدرّس فـيـهـا الـلـغـة الـفـرنـسـيـة [إلى جـانـب الـمـواد الأخـرى]”.

وكـان فـيـهـا دار يـتـامى ذكـر الأب دوفـال أنّـهـا : “تـفـتـح أبـوابـهـا لـبـنـات الـفـقـراء وتـعـلـمـهــنّ طـرق الـحـيـاة الـمـسـيـحـيـة لـتـجـعـل مـنـهـنّ مـعـلّـمـات يـشـتـغـلـن إمّـا في مـدارس الـقـرى الّـتي جـئـن مـنـهـا أو مـسـاعـدات مـعـلّـمـات في مـدارس الأخـوات الـدّيـنـيـة”.

كـمـا كـان فـيـهـا قـاعـة لاسـتـقـبـال الـبـنـات يـتـعـلّـمـن فـيـهـا الأعـمـال الـيـدويـة والـقـراءة وأصـول الـدّيـن و”الـتّـاريـخ الـمـقـدّس”.

وقـاعـة لاسـتـقـبـال الأطـفـال، “مـلـجـأ” كـمـا يـسـمـيـهـا الأب دوفـال : “يـرتـادهـا مـائـة وخـمـس بـنـات و 66 ولـداً تـشـرف عـلـيـهـم أخـت مـبـشّـرة ومـسـاعـدتـا تـعـلـيـم، ويـمـارسـون فـيـهـا تـمـاريـن ريـاضـيـة ويـتـعـلـمـون الـقـراءة والـحـسـاب”. وهي “روضـة أطـفـال” يـقـضـون فـيـهـا ثـلاث أو أربـع سـنـوات قـبـل أن يـدخـلـوا في مـدرسـة الأخـوات الـمـبـشّـرات.

وكـان الآبـاء الـدّومـنـيـكـان يـديـرون مـسـتـوصـفـاً طـبـيّـاً سـألـخـص لـكـم قـصّـة تـأسـيـسـه :

أرسـلـت الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة الـبـارون لـوجـون  Le baron LEJEUNE إلى بـلاد الـفـرس في أوائـل خـمـسـيـنـيـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وقـد أصـيـب في سـفـرتـه بـمـرض أنـهـكـه ومـات مـنـه بـعـد عـودتـه إلى بـاريـس. وقـررت والـدة الـبـارون أن تـشـيّـد في ذكـرى ابـنـهـا الـفـقـيـد مـسـتـوصـفـاً طـبـيـاً لـلـمـسـافـريـن إلى الـشّـرق. وقـد اخـتـارت قـبـل وفـاتـهـا سـنـة 1874 أن يـشـيّـد في الـمـوصـل، وأسـمى بـمـسـتـوصـف لـوجـون.

وفي 1902 أصـدر الآبـاء الـدّومـنـيـكـان مـجـلـة ديـنـيـة : “إكـلـيـل الـورود”. وقـد اهـتـمّـت بـأخـبـار الإخـتـراعـات الـحـديـثـة وتـعـريـف الـقـرّاء بـهـا.

ونـشـرت مـطـبـعـة الـدّومـنـيـكـان في الـمـوصـل عـام 1903 كـتـاب “جـمـع مـخـتـارات مـن الآداب الـفـرنـسـيـة”، وكـتـاب الأب شـفـالـيـه الـدّومـيـنـيـكي “الـمـطـالـعـات لـلـنّـصـوص الـفـرنـسـيـة “.

وبـعـد تـفـكـك الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة عـقـب انـتـهـاء الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى ودخـول الـعـراق تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني إزدهـرت الارسـالـيـات مـن جـديـد. واسـتـمـرّت نـشـاطـات الـدّومـنـيـكـان في الـعـراق إلى أن أغـلـقـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة حـلـقـتـهـم الـدّيـنـيـة في 1976 وغـادروا الـبـلـد.

أرشـيـفـات الـصّـور في ديـر الـدّومـنـيـكـان في الـمـوصـل :

تـحـتـوي هـذه الأرشـيـفـات عـلى 76 ألـبـومـاً بـقي مـنـهـا في أيّـامـنـا هـذه حـوالي 8800 صـورة الـتـقـطـت أقـدم صـورة مـنـهـا، وهي صـورة لـلأب بـيـسـون، في أربـعـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

وقـد جـمـع الآبـاء الـدّومـنـيـكـان أوّل ألـبـومـاتـهـم عـام 1900، والّـذي يـحـتـوي في بـدايـتـه عـلى صـور ديـرهـم وكـنـيـسـتـهـم :

Dominicains Mosul 3

وصـور الـمـوصـل مـثـل “جـسـر الـمـوصـل” :

جسر الموصل ÷÷أو “جـسـر الـقـوارب والـمـديـنـة” :

موصلأو “جـسـر الـقـوارب ونـيـنـوى” :

الموصل

وأسـوارهـا (مـثـل الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال)، ومـعـالـمـهـا الّـتي الـتـقـطـت في سـبـعـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وثـمـانـيـنـاتـه.

ثـمّ تـحـوّلـت الـصّـور شـيـئـاً فـشـيـئـاً إلى مـشـاهـد الـتـقـطـهـا الآبـاء الـفـرنـسـيـون لـمـا كـان غـريـبـاً عـلـيـهـم مـن أنـواع الـنّـاس ومـلابـسـهـم وعـاداتـهـم الإجـتـمـاعـيـة، عـلى طـريـقـة مـا كـان يـفـعـلـه الـرّسـامـون الـمـسـتـشـرقـون، مـثـل صـور الـفـقـراء بـمـلابـسـهـم الـرّثـة أو الـشّـحـاذيـن الّـذيـن يـقـرعـون عـلى أبـوابـهـم مـتـسـولـيـن أو “الـنـهـابـيـن الـسّـلابـيـن” عـلى ضـفـة الـنّـهـر.

ولـديـنـا صـور عـن بـاعـة عـلى قـارعـة الـطّـريـق :

Mission Dominicaine

وعـن غـسّـالات الـثّـيـاب عـلى ضـفـة دجـلـة :

الموصل 2

وعـن بـئـر في الـبـرّيـة :

Dominicains 5

وعـن أكـلاك دجـلـة :

Dominicains 18

وعـن طـحـن الـقـمـح في مـار يـعـقـوب :

Dominicains 12

وعـن شـيـخـيـن مـن الـيـزيـديـة :

Dominicains 20

ومـع أنـنـا لا نـعـرف أسـمـاء أغـلـب الّـذيـن الـتـقـطـوا هـذه الـصّـور فـإنّ بـعـضـهـا يـحـمـل أسـمـاء مـصـوريـهـا وبـهـذا يـمـكـن تـرتـيـبـهـا زمـنـيـاً وإلى مـا بـعـد مـنـتـصـف الـقـرن الـعـشـريـن.

ويـبـدو أنّ نـعّـوم الـصّـائـغ، تـعـلّـم فـنّ الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي عـنـد الآبـاء الـدّومـنـيـكـان قـبـل أن يـصـبـح أحـد رواد هـذا الـفـنّ في الـعـراق.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1)   أذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ بـول إمـيـل بـوتـا بـدأ يـنـقّـب في قـويـنـجـق، عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـمـوصـل عـام 1942 بـحـثـاً عـن آثـار نـيـنـوى الـقـديـمـة، ثـمّ تـرك قـويـنـجـق عـام  1843 ونـقـل تـنـقـيـبـاتـه إلى قـريـة خـورسـبـاد الّـتي اكـتـشـف فـيـهـا آثـار “دور شـروكـيـن” : قـصـرالـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني الّـذي يـعـود تـاريـخـه إلى الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد. وهـكـذا “اكـتـشــف” بـوتـا الـحـضـارة الآشـوريـة الّـتي كـانـت قـد ضاعـت في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ ســقـوط  “الـدّولـة الآشـوريـة الـحـديـثـة” قـبـل خـمـسـة وعـشـريـن قـرنـاً.

 

مـلـحـق (1)

وصـف فـرا ريـكـولـدو لـلـمـوصـل وعـلاقـاتـه بـالـنّـسـاطـرة والـيـعـاقـبـة :

كـتـب فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي  Fra Ricoldo Pennini da Montecroce  الّـذي كـان قـد وصـل إلى الـمـوصـل عـام 1290 سـرد رحـلاتـه بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة، بـعـنـوان :  Itinerarium أو Liber peregrinationis . وهـو نـصّ قـصـيـر لا يـتـجـاوز 79 صـفـحـة.

وفي مـا يـلي وصـفـه لـلـمـوصـل. ويـتـكـلّـم فـيـه عـن عـلاقـاتـه بـالـنّـسـاطـرة والـيـعـاقـبـة. وقـد تـرجـمـت لـكـم الـمـقـطـع (ص. 38 ومـا بـعـدهـا) مـن الـنّـصّ الأصـلي :

“مـن بـلاد الأكـراد Curtes سـرنـا مـسـافـة طـويـلـة،  ووصـلـنـا إلى نـيـنـوى  الـمـديـنـة الـكـبـيـرة الّـتي أرسـل إلـيـهـا يـونـس الـنّـبي والـمـبـشّـر، كـمـا ذكـر ذلـك الـكـتـاب الـمـقـدّس. وهي مـديـنـة عـظـيـمـة واسـعـة الإمـتـداد، تـقـع عـلى دجـلـة، أحـد أنـهـار الـجـنّـة [تـعـتـبـر الـتّـوراة دجـلـة والـفـرات مـن أنـهـار الـجـنّـة الأربـعـة]. وهـنـاك رأيـنـا الـتّـل الّـذي عـاش وبـشّـر عـلـيـه يـونـس، والـنّـبـع الّـذي كـان يـشـرب مـنـه ومـا زال يـدعى بـنـبـع يـونـس حـتّى الآن. وكـانـت مـديـنـة نـيـنـوى هـذه قـد خـرّبـت بـكـامـلـهـا، ومـع ذلـك مـا زلـنـا نـرى بـعـض أسـوارهـا الّـتي بـقـيـت. وقـد أعـيـد تـشـيـيـدهـا بـعـد ذلـك عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـنّـهـر، وتـسـمى في أيّـامـنـا هـذه : الـمـوصـل  Monsal. ومـلـوك الـمـديـنـة مـسـيـحـيـون، مـن الـنّـسـاطـرة الـمـنـشـقّـيـن عـلى ديـن الـمـسـيـح. وقـد انـصـتـوا بـاهـتـمـام شـديـد إلى وعـظـنـا وتـفـصـيـلـنـا في الـكـلام عـن عـقـيـدتـنـا، ولـكـنّـهـم رفـضـوا اعـتـنـاق مـذهـبـنـا الـكـاثـولـيـكي، وظـلّـوا في جـهـلـهـم يـرتـعـون.

وفي هـذه الـمـديـنـة كـثـيـر مـن الـيـهـود، وقـد نـاقـشـنـاهـم في مـعـبـدهـم، وفـنّـدنـا آراءهـم وأفـحـمـنـاهـم  في مـنـاقـشـات أمـام الـنّـاس الّـذيـن جـاءوا يـسـتـمـعـون إلـيـنـا.

وقـرب مـديـنـة نـيـنـوى الّـتي تـسـمى الآن الـمـوصـل عـلى نـهـر دجـلـة ديـر مـشـهـور عـالي الـمـقـام يـدعى بـديـر الـقـديـس مـتـاي (مـار مـتى) وفـيـه مـركـز كـنـيـسـة بـطـريـك الـيـعـاقـبـة. والـيـعـاقـبـة في الـشّـرق عـلى مـذهـب مـنـشـقّ عـلى الـدّيـن يـخـطئ في كـثـيـر مـن الإعـتـقـادات. وهـم لا يـتـبـعـون كـنـيـسـة رومـا. ويـدّعـون أنّ في هـذا الـدّيـر 300 راهـب. ووجـدنـاهـم شـديـدي الـزّهـد يـقـيـمـون كـثـيـراً مـن الـصّـلـوات الـطّـويـلـة. وقـدّاسـهـم بـطئ يـدوم وقـتـاً طـويـلاً، يـظّـلـون فـيـه واقـفـيـن، لا يـريـد أحـد مـنـهـم خـلالـه أن يـجـلـس.

وهـم كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا خـارجـون عـلى الـدّيـن مـنـشـقـون، يـؤمـنـون بـأنّ الـمـسـيـح لـيـس لـه إلّا جـوهـر واحـد وطـبـيـعـة ومـشـيـئـة كـلّـهـا إلـهـيـة. وهـذا ضـلال لا يـوافـق عـقـيـدتـنـا الـكـاثـولـيـكـيـة، لأنّ لـلـمـسـيـح إلى جـانـب جـوهـره وطـبـيـعـتـه الإلـهـيـة طـبـيـعـة ومـشـيـئـة بـشـريـة. وتـنـصّ عـقـيـدتـنـا عـلى أن الـمـسـيـح إلـه حـق وفي نـفـس الـوقـت إنـسـان حـقـيـقي … [ثـمّ يـسـتـمـرّ في ذكـر الـفـروق بـيـن مـعـتـقـداتـهـم وأعـمـال عـدّة صـفـحـات]. (ص. 38 ومـا بـعـدهـا).

مـلـحـق (2)

إلـتـقـط “الأخ” رفـائـيـل الـنّـيـنـوي  Frère Raphaël (de Ninive) عـام 1904 صـوراً نـشـرتـهـا “الإرسـالـيـة الـكـبـوشـيـة في أرمـيـنـيـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” في ألـبـوم وضـعـت في آخـره صـورتـيـن لـبـعـض وسـائـل نـقـل ذلـك الـزّمـان. وقـد طـبـعـت الـصّـورتـان أيـضـاً كـبـطـاقـتـيـن بـريـديـتـيـن.

واحـدة لـلـتّـخـتـروان  Takhtarouan، وذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة أنّـه : وسـيـلـة نـقـل شـائـعـة لـلـسّـفـر في أنـحـاء بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

والـثّـانـيـة لـلـمـحـفّـة  Mahhaffa، وذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة أنّـهـا : نـوع مـن الـسّـلال تـثـبّـت عـلى ظـهـر بـغـل تـسـتـعـمـل لـلـسّـفـر في أنـحـاء بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

كـمـا وجـدت لـكـم بـطـاقـة بـريـديـة طـبـعـهـا الـكـبـوشـيـون ذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـبـهـا أنـهـا تـصـور : رعـاة غـنـم أكـراد في “صـحـراء: بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

Capucins 2

 

عـنـدمـا كـانـت الـرّطـبـة حـصـنـاً في وسـط الـصّـحـراء

rutba-6

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

في وسـط الـصّـحـراء الـعـراقـيـة ــ الـسّـوريـة، حـفـرت آبـار كـان يـسـتـقي مـنـهـا الـبـدو الـرّحـل، تـحـيـطـهـا تـلال في وسـطـهـا وادٍ جـاف. ودعـيـت الآبـار بـالـرّطـبـة، ثـمّ تـحـوّل الإسـم إلى “الـرُّطـبـة”. وصـارت طـرق الـقـوافـل تـمـرّ بـهـا وتـتـقـاطـع عـنـدهـا.

حـصـن الـرُّطـبـة :

وخـلال فـتـرة الإنـتـداب الـبـريـطـاني عـلى الـعـراق أدرك الـبـريـطـانـيـون أهـمـيـة مـوقـع آبـار الـرّطـبـة : Rutbah Wells  كـمـا كـانـوا يـسـمـونـهـا آنـذاك، وأنـشـأوا فـيـه قـاعـدة جـوّيـة ومـطـاراً عـسـكـريـاً فـيـه مـحـطـة إذاعـة لـلـمـراسـلات الـعـسـكـريـة. كـمـا كـانـت طـائـرات الـخـطـوط الـجـوّيـة لـلإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة The Imperial Airways  تـتـوقّـف فـيـه في طـريـقـهـا إلى الـهـنـد.

وفي عـام 1927 شـيّـدوا فـيـه حـصـنـاً : Rutbah Fort، بـنـايـة مـربـعـة واسـعـة لـيـس لـجـدرانـهـا نـوافـذ تـنـفـتـح عـلى الـخـارج. في زوايـهـا الأربـع أربـعـة أبـراج. وألـصـق بـأحـد أضـلاعـهـا بـنـاء مـثـلـث زاويـتـه الـمـدبـبـة مـوجـهـة نـحـو الـخـارج لـيـقـاوم ريـاح الـفـيـفـاء ورمـالـهـا.

سـيّـارات نـيـرن والـرّطـبـة :

ذكـرنـا في مـقـال سـابـق (1) كـيـف اسـتـطـاع الأخـوان نـورمـان وجـيـرالـد نـيـرن Norman and Gerald Nairn (وأصـلـهـمـا مـن نـيـوزيـلـنـدة) تـوقـيـع عـقـد مـع الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق وفـلـسـطـيـن، ومـع الـسّـلـطـات الـفـرنـسـيـة في سـوريـا لـنـقـل الـبـريـد بـيـن حـيـفـا وبـغـداد. وتـعـهـدّا بـإيـصـالـه بـمـدّة لا تـتـجـاوز الـيـومـيـن والـنّـصـف. وبـدأت أولى سـفـرات الـشّـركـة الّـتي أسـسـاهـا لـذلـك في نـهـايـة عـام 1923.

وبـعـد أن حـالـفـهـمـا الـنّـجـاح في مـهـمـتـهـمـا، وسّـعـا أعـمـال شـركـتـهـمـا لـتـشـمـل نـقـل الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع، واشـتـريـا بـاصـات كـاديـلاك تـتـسـع لـنـقـل سـبـعـة مـن الـرّكّـاب إلى جـانـب خـزّان مـاء واحـتـيـاطي وقـود، صـمـمـت خـصـيـصـاً لـقـطـع مـسـافـات طـويـلـة عـبـر الـبـراري الـقـاحـلـة.

وكـانـت الـبـاصـات تـسـيـر مـجـتـمـعـة، ثـلاثـة مـعـاً في الـغـالـب يـصـاحـبـهـا دلـيـل مـن الـبـدو يـتـبـع آثـار الـطّـريـق. وكـانـت الـطّـريـق إلى بـغـداد تـعـبـر الـفـرات في الـفـلـوجـة.

ثـمّ بـدأت الـشّـركـة بـاسـتـخـدام بـاصـات كـبـيـرة تـوفّـر بـعـض وسـائـل الـرّاحـة لـلـمـسـافـريـن، وزودت بـعـجـلات مـن نـوع جـديـد تـتـحـمـل قـسـاوة الـجـو وسـوء حـالـة الـطّـريـق.

وعـنـدمـا تـدهـورت الـحـالـة الأمـنـيـة عـلى هـذه الـطّـريـق، حـوّلـت الـشّـركـة مـسـيـر سـيّـاراتـهـا إلى الـطّـريـق الـجـنـوبـيـة مـن حـيـفـا إلى الـقـدس فـعـمـان ثـمّ الـرّطـبـة وبـغـداد.

وقـد سـمـحـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـسـيّـارات الأخـوَيـن نـيـرن بـالـتّـوقّـف بـالـرّطـبـة لـلـتّـزود بـالـوقـود، واسـتـعـمـال الـحـصـن لـلإسـتـراحـة بـيـن مـراحـل الـسّـفـرات.

وفـتـح الأخـوان نـيـرن في الـحـصـن نـزل اسـتـراحـة عـرف بـاسـم                   The Rutba Rest House، يـسـتـطـيـع الـمـسـافـرون فـيـه تـنـاول وجـبـات طـعـام عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة وقـضـاء الـلـيـل في أسـرّة مـريـحـة.

وكـانـت سـيّـارات نـيـرن تـقـطـع الـمـسـافـة بـيـن دمـشـق وبـغـداد (843 كـلـم.) بـأربـع وعـشـريـن سـاعـة. ولـم تـكـن تـتـوقّـف إلّا مـرّتـيـن : في الـرّطـبـة في حـوالي مـنـتـصـف الـطّـريـق، ثـمّ في الـرّمـادي. ولـم يـكـن عـلى الـحـدود مـخـفـر تـفـتـيـش ولا جـمـارك، وإنّـمـا كـانـت الـجـمـارك في الـرّمـادي.

وبـعـد اكـتـشـاف الـبـريـطـانـيـيـن لـلـنّـفـط الـعـراقي واسـتـخـراجـه في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن، مـرّت بـالـرّطـبـة أنـابـيـب نـفـط الـمـوصـل ــ حـيـفـا.

فـريـا م. سـتـارك في الـرّطـبـة :

إخـتـرقـت الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة فـريـا مـادلـيـن سـتـارك Freya Madeline STARK بـاديـة الـشّـام مـن دمـشـق إلى بـغـداد عـام 1929، وذكـرت في رسـالـة كـتـبـتـهـا إلى أخـتـهـا فـيـفـا Viva  في 26 تـشـريـن الأوّل 1929 :

“وصـلـنـا الـرّطـبـة عـلى ضـوء الـنّـجـوم، ورأيـنـا نـوراً يـشـع مـن بـعـيـد مـن فـوق الـجـدران الّـتي لـيـس لـهـا نـوافـذ ـ أربـعـة أبـراج وبـوابـة وشـرطي مـن أبـنـاء الـعـشـائـر بـوجـهـه الـعـربي الـوحـشي وبـنـجـمـة عـلى جـبـيـنـه، يـرتـدي مـعـطـفـاً أحـمـر طـويـلاً وبـيـده بـنـدقـيـة، يـنـتـصـب أمـام الـبـوابـة الـمـوصـدة.

11745858_495278620640042_2795898238070758125_n

وكـان هـذا الـمـكـان يـبـدو شـبـيـهـاً بـذلـك الّـذي أخـرجـه الـجـنّي مـن الـعـدم عـنـدمـا فـرك الـمـصـبـاح [الـسّـحـري].

وجـاء الـعـشـاء بـعـد ذلـك : سـمـك سـالـمـون ومـايـونـيـز وكـسـتـر وجـلي. ووجـدنـا عـلى الـجـدران أخـبـاراً وإعـلانـات عـن نـادي الـغـولـف في الـمـنـطـقـة، وسـمـعـنـا الـضّـبـاط الإنـكـلـيـز يـثـرثـرون عـن مـشـتـريـاتـهـم أو عـن صـيـدهـم ومـا إلى ذلـك، ويـبـدون لـطـفـاء مـقـارنـة بـالـضّـبـاط الـفـرنـسـيـيـن في سـوريـا.

وفي الـسّـاعـة الـواحـدة، فـتـحـت لـنـا الـبـوابـة، وسـرعـان مـا اخـتـفـت أضـواء الـرّطـبـة وراءنـا. ووصـلـنـا الـرّمـادي في الـثّـامـنـة [صـبـاحـاً] ومـررنـا بـالـجـمـارك. وبـعـد مـسـيـرة ثـلاث سـاعـات أخـرى أبـصـرنـا دجـلـة في الـثّـانـيـة [بـعـد الـظّـهـر]، ثـمّ اهـتـزّ تـحـتـنـا جـسـر الـقـوارب الـعـائـم في بـغـداد”. (2)

ولـديـنـا عـدد مـن الـصّـور تـنـتـمي إلى مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون E. Matson، الـتـقـطـت عـام 1932. وهي مـحـفـوظـة الآن في مـكـتـبـة الـكـونـغـرس الأمـريـكي. (3)

matson-rt-1

rutba-2

rutba

matson-rt-2

rutba-4

 

matson-rt-4

matson-rt-3

 

هـنـري مـورتـون في الـرّطـبـة :

وبـعـد 22 عـامـاً عـلى مـرور فـريـا سـتـارك بـالـرّطـبـة مـرّ بـهـا الـكـاتـب الـبـريـطـانـي هـنـري ف. مـورتـون Henry V. Morton. ووصـف الـلـيـلـة الّـتي قـضـاهـا فـيـهـا في كـتـابـه : “الـشّـرق الأوسـط  Middle East”  الّـذي نـشـر في لـنـدن عـام 1941 :

“رأيـت الـعـلـم الـعـراقي [عـنـدمـا وصـلـنـا] يـرفـرف فـوق الـبـوابـة، وصـاريـة الـلاسـلـكي تـرتـفـع نـحـو الـسّـمـاء مـن أحـد أبـراج الـحـصـن […] بـيـنـمـا كـان خـفـيـر مـسـلّـح بـزي رسـمي أزرق يـسـيـر أمـامـه جـيـئـة وذهـابـاً”.

“وكـان الـحـوش في الـدّاخـل مـدهـشـاً بـضـجـيـجـه وصـخـبـه مـقـارنـة بـالـصّـحـراء الـسـاكـنـة حـولـه”. “وانـفـتـح بـاب خـرج مـنـه رجـل قـصـيـر الـقـامـة يـرتـدي سـتـرة بـيـضـاء وسـألـني بـالإنـكـلـيـزيـة  : “هـل تـودّ أن تـغـتـسـل وتـمـشـط شـعـرك يـا سـيـدي ؟ لـديـنـا مـاء سـاخـن”. وتـبـعـتـه إلى غـرفـة نـصـبـت فـيـهـا حـوالي عـشـريـن مـغـسـلـة أعـدّت لـلـمـسـافـريـن. وكـان بـجـانـب كـلّ واحـدة مـنـهـا إنـاء مـعـدني مـطـلّي بـالـمـيـنـا مـلئ بـالـمـاء الـسّـاخـن وفـوقـه مـنـشـفـة نـظـيـفـة لـفّـت بـعـنـايـة. وكـان هـنـاك صـابـون إنـكـلـيـزي وأعـداد مـن الأمـشـاط وفـرشـات الـشّـعـر الـنـظـيـفـة”.

“ورأيـت لافـتـة كـتـب عـلـيـهـا “غـرفـة اسـتـراحـة”. فـتـحـت الـبـاب ورأيـت مـشـهـداً مـدهـشـاً حـقّـاً، كـان في الـغـرفـة أعـداد مـن طّـاولات الـخـيـزران الـصّـغـيـرة، وجـلـس رجـال ونـسـاء في مـقـاعـد مـن الـخـيـزران حـول مـدفـأة. وكـان أغـلـبـهـم مـن الإنـكـلـيـز، يـدخـن بـعـضـهـم سـجـائـر ويـرتـشـف آخـرون أكـواب شـاي. وغـامـرت بـالـجـلـوس بـجـانـب انـكـلـيـزيـة كـانـت تـرتـدي الـتّـويـد وتـقـرأ مـجـلّـة إنـكـلـيـزيـة”.

“كـان هـذا نـزل الإسـتـراحـة الّـذي فـتـحـتـه شـركـة نـيـرن لـزبـائـنـهـا في طـريـقـهـم مـن الـشّـرق إلى الـغـرب أو مـن الـغـرب إلى الـشّـرق، وكـانـت هـذه الـغـرفـة تـفـضي إلى غـرفـة طـعـام صـغـيـرة : كـانـت الـشّـراشـف الّـتي تـغـطـيـهـا واسـعـة تـنـزل حـتّى مـسـتـوى الأرضـيـة تـقـريـبـاً. ووضـعـت الـسّـكـاكـيـن والـشّـوكـات بـعـنـايـة شـديـدة …”.  (4)

rutba-1941

(صـورة لـحـصـن الـرّطـبـة الـتـقـطـت عـام 1941)

وفي الـثّـاني مـن أيّـار مـن ذلـك الـعـام، 1941، دخـلـت الـقـوات الـعـراقـيـة الـمـوالـيـة لـرشـيـد عـالي الـكـيـلاني الـحـصـن وسـيـطـرت عـلـيـه فـقـصـفـتـه طـائـرات الـقـوات الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة .R.A.F وفي الـعـاشـر مـن أيّـار أعـادت الـقـوات الـمـوالـيـة لـلـبـريـطـانـيـيـن احـتـلالـه.

وقـد اسـتـمـرت سـيّـارات نـيـرن تـتـوقـف في حـصـن الـرّطـبـة لـيـتـنـاول الـمـسـافـرون وجـبـة عـشـاء أوربـيـة في الـ Rutba Rest House ، ولـيـقـضـوا فـيـه لـيـلـة مـريـحـة حـتّى عـام 1956 عـنـدمـا أوقـفـت الـشّـركـة أسـفـارهـا بـيـن دمـشـق وبـغـداد.

وبـقي الـحـصـن مـنـتـصـبـاً إلى أن خـرّب في 1990/ 1991. وقـد احـتـلّـتـه الـقـوات الأمـريـكـيـة بـعـد غـزو عـام 2003، قـبـل أن يُـسـلّـم إلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 2010.

ــــــــــــــــــــــ

(1)  أنـظـر مـقـالي : “عـنـدمـا كـانـت سـيّـارات نـيـرن تـنـقـل الـمـسـافـريـن عـبـر الـبـاديـة ”  https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/05/19/%D8%B9%D9%80%D9%86%D9%80%D8%AF%D9%85%D9%80%D8%A7-%D9%83%D9%80%D8%A7%D9%86%D9%80%D8%AA-%D8%B3%D9%80%D9%8A%D9%91%D9%80%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D9%80%D9%8A%D9%80%D8%B1%D9%86-%D8%AA%D9%80%D9%86/

(2)  أنـظـر مـقـالي : “فـريـا مـادلـيـن سـتـارك والـعـراق”  https://sabahalnassery.wordpress.com/2015/04/14/%D9%81%D9%80%D8%B1%D9%8A%D9%80%D8%A7-%D9%85%D9%80%D8%A7%D8%AF%D9%84%D9%80%D9%8A%D9%80%D9%86-%D8%B3%D9%80%D9%80%D8%AA%D9%80%D8%A7%D8%B1%D9%83-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B9%D9%80%D8%B1%D8%A7%D9%82/

(3) أنـطـر مـقـالي : “صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون”   https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/06/30/%D8%B5%D9%80%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B9%D9%80%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%80%D8%AC%D9%80%D9%85%D9%80%D9%88%D8%B9%D9%80%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%8A%D9%80%D9%83-%D9%85%D9%80%D8%A7/

(4)  Henry Vollam MORTON, Middle East : a record of travel in the countries of Egypte, Palestine, Iraq, Turkey and Greece , London 1941.