“بـيـن الـسّـحـب، في سـمـاء بـغـداد” ــ الـقـسـم الـثّـاني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

رأيـنـا في الـقـسـم الأوّل مـن هـذا الـعـرض كـيـف وصـل جـون إدوارد تـانَـنـت John Edward TENNANT، الّـذي كـان ضـابـطـاً في سـلاح الـطّـيـران الـبـريـطـاني (RFC)،إلى شـطّ الـعـرب في 30 تـمّـوز 1916، وكـيـف صـاحـب قـوّات الـجـنـرال مـود في صـعـودهـا مـن الـبـصـرة نـحـو بـغـداد، وألـقى بـالـقـنـابـل عـلى بـغـداد قـبـل أن تـسـتـطـيـع هـذه الـقـوّات دخـولـهـا، ثـمّ دخـلـهـا في 11 آذار 1917مـع الـجـنـرال مـود عـلى مـتـن سـفـيـنـة بـخـاريـة حـربـيـة، لا مـمـتـطـيـاً صـهـوة جـواد كـمـا صـورتـه لـنـا الـدّعـايـات الـسّـيـاسـيـة الـبـريـطـانـيـة.

ثـمّ اسـتـمـرّ تـانَـنـت يـقـصـف ويـلـقي بـالـقـنـابـل مـع طـيّـاري الـحـرب الآخـريـن لـيـكـتـمـل احـتـلال الـبـريـطـانـيـيـن لـلـعـراق.

تاننت وزملاءه(2)

ونـكـمـل في هـذا الـقـسـم الـثّـاني مـن عـرضـنـا مـا كـتـبـه تـانَـنـت عـن مـا بـعـد الإحـتـلال وحـتّى أواخـر نـيـسـان 1918 عـنـدمـا تـرك الـعـراق.

ونـجـد فـيـه وصـفـاً لـبـغـداد بـعـد الإحـتـلال الـبـريـطـاني، وإنـسـحـاب الأتـراك نـحـو الـشّـمـال، ومـتـابـعـة الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـهـم عـلى ثـلاث جـبـهـات : ديـالى ودجـلـة والـفـرات.

وبـعـد أن عـاد إلى بـلـده كـتـب جـون إدوارد تـانَـنـت أحـداث مـا عـاشـه بـدقّـة مـدهـشـة، مـعـتـمـداً عـلى الـمـلاحـظـات الّـتي كـان قـد سـجّـلـهـا خـلال سـنـوات قـتـالـه وصـاحـبـهـا بـصـور فـوتـوغـرافـيـة كـان قـد الـتـقـط أغـلـبـهـا مـن طـائـرتـه مـحـلّـقـاً في سـمـاء الـعـراق.

ونـشـر في لـنـدن، عـام 1920، كـتـاب : “بـيـن الـسّـحـب في سـمـاء بـغـداد، مـذكّـرات ضـابـط في سـلاح الـطّـيـران

In the clouds above Baghdad : being the records of an air commander

تاننت غلاف

وأذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز مـن جـديـد أنـني أضـع مـا أتـرجـمـه مـن جـمـل الـكـتـاب بـيـن مـعـقـوفـات. وهـذا لا يـعـني أنـني أتـقـبّـل صـحـة سـرده لـلأحـداث، كـمـا تـصـوّره الـبـعـض وكـتـبـه لي، وإنّـمـا أذكـره كـمـا هـو لـيـتـعـرّف الـقـارئ عـلى وجـهـة نـظـر شـاهـد عـيّـان عـاش الـحـرب والأحـداث الّـتي يـتـكـلّـم عـنـهـا.

الـفـصـل الـرّابـع “بـغـداد ومـا بـعـدهـا” :

يـتـكـلّـم تـانَـنـت في هـذا الـفـصـل عـن تـأسـيـس الـمـنـصـور لـمـديـنـة بـغـداد عـام 762 م.، ثـمّ عـن هـرون الـرّشـيـد ومـن جـاء بـعـده حـتّى سـقـوط بـغـداد تـحـت ضـربـات الـمـنـغـول عـام 1258.

ثـمّ يـكـتـب لـقـرّائـه عـن الـمـسـلـمـيـن : عـن الـشّـيـعـة وأهـل الـسّـنّـة، وعـن أبـنـيـة بـغـداد. ويـذكـر أن مـن بـيـن بـعـض زمـلائـه مـن “كـانـوا قـد تـشـبّـعـوا بـحـكـايـات ألـف لـيـلـة ولـيـلـة، وأدّعـوا أنّ آمـالـهـم في رؤيـة مـديـنـة أحـلامـهـم قـد خـابـت. ومـع ذلـك، وبـعـد مـسـيـرة آلاف مـن الأمـيـال في الـفـيـافي الـقـاحـلـة، فـرؤيـة الـمـديـنـة أعـجـبـتـنـا بـقـبـاب مـسـاجـدهـا الـزّرقـاء ومـآذنـهـا الـعـالـيـة الّـتي تـرتـفـع فـوق دورهـا الـمـبـنـيّـة بـالـطّـابـوق، ومـا نـبـصـر بـه مـن بـعـيـد مـن بـريـق ذهـب الـكـاظـمـيـن الـمـتـلامـع مـثـل لـهـب نـار فـوق خـضـرة بـسـاتـيـن الـنّـخـيـل وانـحـنـاء الـنّـهـر يـدور حـولـهـا. وهي ولا شـكّ صـورة رومـانـسـيـة وسـط الـصّـحـراء الّـتي لا حـدود لـهـا”.

تاننت، الكاظمين والعاصفة

وبـعـد أن ذكـر خـضـوع الـبـلـد لـلـفـرس والأتـراك الّـذيـن تـتـابـعـوا عـلى حـكـمـه كـتـب : “ويـبـدو أنّ وصـول الـدّيـمـقـراطـيـة إلى الـمـنـاطـق الّـتي تـقـع عـلى شـرق أوربـا، رغـم تـصـريـحـات الـرئـيـس [الأمـريـكي] ويـلـسـن، وادّعـاءات مـثـيـري الـشّـغـب عـنـدنـا، مـا زال شـديـد الـبـعـد”.

بـغـداد بـعـد الإحـتـلال الـبـريـطـاني :

و كـتـب جـون إدوارد تـانَـنـت : “وقـد رحّـبـت غـالـبـيـة أهـل بـغـداد بـالـقـوّات الـبـريـطـانـيـة، مـاعـدا الّـذيـن كـانـوا يـشـغـلـون وظـائـف عـنـد الأتـراك ويـجـيـعـون الـفـقـراء. وكـانـت سـلـسـلـة الـفـسـاد تـبـدأ في إسـطـنـبـول ويـدفـع ثـمـنـهـا شـحـاذ الـعـرب في الـسّـوق”، “وحـيّـانـا الأرمـن والـيـهـود الـمـتـعـلّـمـون بـفـرح”.

ويـؤكـد عـلى أن نـسـاء بـغـداد تـنـفّـسـن الـصّـعـداء مـن تـخـلـصـهـنّ مـن مـلاحـقـة الـجـنـود الأتـراك ! وعـلى شـروع الـجـنـود بـتـنـظـيـف الـمـديـنـة الّـتي كـانـت نـتـنـة الـرّوائـح …

“ولا شـكّ في أنّـه بـدا غـريـبـاً عـلى كـثـيـر مـن أهـل الـمـديـنـة أن جـيـش الإحـتـلال الـبـريـطـاني لـم يـسـرع إلى الـنّـهـب والـقـتـل والـخـطـف. وعـلى الـعـكـس فـغـر الـبـغـداديـون أفـواهـهـم دهـشـة لـرؤيـة الـجـنـدي، الّـذي عـانى أسـابـيـع طـويـلـة مـن الـسّـيـر الـمـجـهـد ومـن الـقـتـال، يـهـديـهـم آخـر سـيـجـارة بـقـيـت لـه، ويـحـاول مـحـادثـة الـصّـبي الـعـربي الـوسـخ الّـذي يـلـعـب في سـواقي الـقـاذورات”.

“وقـد بـقي أهـل الـمـديـنـة في بـيـوتـهـم في الأيـام الأولى [بـعـد وصـولـنـا]، وأغـلـقـت الأسـواق وهـجـرت، وكـانـت دكـاكـيـن كـثـيـرة قـد نـهـبـهـا الأكـراد وأحـرقـوهـا. وقـد جـرى تـفـتـيـش الـبـيـوت الـواحـد بـعـد الآخـر، وطـلـب مـن أهـل الـمـديـنـة أن يـسـلّـمـوا مـا لـديـهـم مـن أسـلـحـة وإلّا عـوقـبـوا بـالإعـدام. وفـرض حـظـر الـتّـجـوّل إبـتـداءً مـن الـثّـامـنـة مـسـاءً، فـفي الـمـديـنـة  200 ألـف سـاكـن مـن مـخـتـلـف الأعـراق يـنـبـغي مـراقـبـتـهـم، ولا يـمـكـن لأحـد أن يـتـنـبـأ بـمـا يـمـكـن أن يـحـدث”.

وتـوصـل الـبـريـطـانـيـون إلى الـسّـيـطـرة عـلى كـلّ أحـيـاء الـمـديـنـة، وتـشـددوا في قـمـع الـسّـلـب والـنّـهـب : “ونـصـبـت مـشـنـقـتـان في سـاحـة، يـعـلّـق فـيـهـا في الـفـجـر الـمـحـكـوم عـلـيـهـم بـالإعـدام لـيـراهـم أهـل مـديـنـتـهـم ويـدركـوا بـسـرعـة ضـرورة إطـاعـة قـانـون الإنـكـلـيـز”.

إنـسـحـاب الأتـراك نـحـو الـشّـمـال :

وكـتـب : “وقـد انـقـسـم الأعـداء بـعـد احـتـلال بـغـداد إلى ثـلاث قـوّات، انـسـحـبـت الأولى مـنـهـا صـاعـدة وادي الـفـرات والـثّـانـيـة وادي دجـلـة والـثّـالـثـة وادي ديـالى”. ولـم يـكـن لـلـقـوات الـبـريـطـانـيـة إلّا أن تـسـتـعـمـل الـطّـائـرات لـمـراقـبـتـهـم رغـم سـعـة الـمـسـاحـات الّـتي يـنـبـغي مـتـابـعـتـهـا مـن الـجـو وجـهـل الـطّـيـاريـن بـالـمـنـطـقة الّـتي لـم يـكـن لـديـهـم خـرائـط عـنـهـا. كـمـا أنّ الـمـركـز الّـذي كـان يـقـود عـمـلـيـاتـهـم بـقي في شـيـخ سـعـد.

وفي الـثّـالـث عـشـر مـن آذار هـاجـمـت قـطـعـات بـريـطـانـيـة الأتـراك قـرب سـكّـة حـديـد بـغـداد ــ سـامـراء وتـابـعـتـهـم بـعـد يـومـيـن في انـسـحـابـهـم أمـامـهـا نـحـو سـامـراء وسـط عـاصـفـة عـجـاج.

تاننت سامراء

بـيـنـمـا تـقـدّمـت قـطـعـات أخـرى نـحـو بـعـقـوبـة. وتـوجـهـت قـطـعـات ثـالـثـة نـحـو الـفـلـوجـة في 19 آذار 1917، وأخـرجـت مـنـهـا الأتـراك الّـذيـن سـاروا نـحـو الـرّمـادي وتـركـوهـا في الـيـوم الـتّـالي.

وانـسـحـب الأتـراك إلى مـا بـعـد نـهـر ديـالى. وكـتـب تـانَـنـت :

“ورأيـت بـعـقـوبـة لأوّل مـرّة في يـوم ربـيـعي مـشـمـس. وكـان الـبـرتـقـال يـتـلامـع فـوق الأشـجـار. ومـا زلـت أتـذكّـر مـدى سـعـادتي بـرؤيـتـهـا. ويـبـدو لـلـمـرء تـقـريـبـاً أنّـهـا خـارج الـعـراق. وكـان يـنـبـغي لـلـوصـول إلـيـهـا قـطـع 32 مـايـلاً (أكـثـر مـن 50 كـلـم.) عـبـر الـصّـحـراء. وكـنّـا قـد مـررنـا في مـنـتـصـف الـطّـريـق بـقـريـة خـان بـني سـعـد، والّـتي فـيـهـا بـعـض بـيـوت مـن الـطّـيـن وخـان وبـئـر. ولا شـجـر فـيـهـا ولا زرع. وهي الـمـكـان الـوحـيـد الّـذي فـيـه مـاء بـيـن بـغـداد وبـعـقـوبـة، وكـانـت في الـمـاضي مـوقـف اسـتـراحـة عـلى طـريـق خـراسـان”.

“والـعـرب في بـعـقـوبـة يـزرعـون الـخـضـروات ولـديـهـم بـسـاتـيـن أشـجـار فـواكـه، وبـسـاتـيـن نـخـيـل يـمـرّ أمـامـهـا مـاء نـهـر ديـالي الأزرق الـمـثـلـج. وهـو لا يـتـجـاوز في الـصّـيـف عـرض سـاقـيـة، ولـكـن يـمـكـنـه أن يـتـحـوّل في الـشّـتـاء إلى سـيـول مـزمـجـرة تـرتـفـع إلى عـشـريـن قـدم حـسـب كـمـيـات الـثّـلـوج الـذّائـبـة عـلى الـمـرتـفـعـات”.

ويـذكـر تـانَـنـت أنّ طـائـراتـهـم عـانـت مـن أشـعـة الـشّـمـس الـمـحـرقـة وعـواصـف الـعـجـاج ثـمّ مـن الأمـطـار، فـلـم يـكـن لـهـم مـرائـب يـحـفـظـونـهـا بـهـا. ويـتـكـلّـم عـن الـمـنـاوشـات الّـتي حـدثـت بـيـنـهـم وبـيـن الأتـراك فـيـمـا بـعـد خـانـقـيـن وقـصـر شـيـريـن. وعـن تـعـاونـهـم مـع الـقـوّات الـرّوسـيـة الّـتي كـانـت في بـلاد الـفـرس ودخـولـهـم مـعـهـا في قـصـر شـيـريـن. وتـابـع بـالـتّـفـصـيـل مـا حـدث عـلى كـلّ الـجـبـهـات الّـتي حـلـقـت فـيـهـا الـطّـائـرات رغـم الـصّـعـوبـات الّـتي كـانـت تـواجـهـهـا، والّـتي تـقـدّم فـيـهـا الـجـيـش الـبـريـطـاني. فـقـد وصـل إلى مـا فـوق هـيـت عـلى الـفـرات في الـغـرب، ودفـع الـقـوّات الـتّـركـيـة نـحـو جـبـل حـمـريـن في الـشّـرق.

وكـانـت الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي يـلـتـقـطـهـا الـطّـيّـارون تـرسـل إلى مـخـتـبـر الـجـيـش لـتـحـمّـض طـيـلـة كـلّ لـيـلـة، ثـمّ تـجـمـع في مـحـاولـة لإكـمـال خـارطـة لـمـنـاطـق الـقـتـال، ويـعـاد رسـم الـخـرائـط وتـصـحـيـحـهـا كـلّـمـا جـدّ جـديـد.

وصـعـدت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة يـوم 23 نـيـسـان 1917 إلى سـامـراء واحـتـلّـت الـمـحـطّـة : “وكـان الأتـراك قـد أحـرقـوهـا ولـكـنّـهـم لـم يـجـدوا مـا يـكـفي مـن الـوقـت قـبـل انـسـحـابـهـم لـتـخـريـب كـلّ الـقـاطـرات”. وبـعـد قـتـال أسـر فـيـه عـدد كـبـيـر مـن الـجـنـود الأتـراك، سـيـطـرت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة تـمـامـاً عـلى سـامـراء، ووجـدت طـائـراتـهـا أنّ الـفـيـلـق الـتّـركي الـثّـالـث عـشـر اسـتـقـرّ في تـكـريـت.

الـفـصـل الـخـامـس “أيـام مـحـزنـة ومـبـهـجـة” :

أرسـل الـبـريـطـانـيـون طـائـرتـيـن لاسـتـطـلاع الـمـنـطـقـة، وهـاجـمـت أخـريـتـان طـائـرة ألـمـانـيـة فـوق تـكـريـت في يـوم 6 أيّـار، ولـكـنّ الـطّـيّـار الألـمـاني اسـتـطـاع أن يـسـتـديـر ويـتـابـع إحـدى الـطّـائـرتـيـن الـبـريـطـانـيـتـيـن، وأن يـسـقـطـهـا عـلى جـزيـرة وسـط دجـلـة :

“وتـمـكّـن طـيّـارهـا مـن الـخـروج مـنـهـا وهـو يـجـرّ سـاقـه الّـتي هـشـمـتـهـا الـطـلـقـات الـنّـاريـة. وعـبـر رجـال مـن الـعـرب الـنّـهـر سـبـاحـة وسـلـبـوه مـلابـسـه. وبـعـد أن جـاء الأتـراك وضـعـوه عـلى جـلـد مـاعـز مـنـفـوخ وعـبّـروه الـنّـهـر، ثـمّ أخـرجـوه مـن الـمـاء وألـقـوه عـلى حـصـان وجـاءوا بـه إلى تـكـريـت في حـال يـرثى لـهـا”، “وسـحـبـوه مـن مـعـسـكـر إلى مـعـسـكـر بـيـن تـكـريـت والـمـوصـل. ولـم يـسـتـطـع الـسّـيـر عـلى قـدمـيـه إلّا بـعـد تـسـعـة أشـهـر، ووصـل إلى الـقـاهـرة بـعـد سـنـة ونـصـف مـن أسـره”.

وكـان عـلى الـطّـيـاريـن الـبـريـطـانـيـيـن “أن يـراقـبـوا الأعـداء، وأن يـشـاركـوا في أعـداد مـن حـمـلات مـعـاقـبـة عـشـائـر الـعـرب الـمـعـاديـة”، “وأهـل الـمـنـطـقـة مـن الـعـرب لا يـمـكـن الـوثـوق بـهـم، ولا يـمـكـن لأحـد الـخـروج مـن مـعـسـكـر بـريـطـاني مـن غـيـر حـمـايـة”. “وقـد حـاولـوا تـخـريـب سـكّـة سـامـراء الـحـديـديـة وهـاجـمـوا أحـد الـقـطـارات الـمـارّة وخـرّبـوه”، “وقـتـلـوا الـلـيـوتـنـانـت كـولـونـيـل Magniac قـرب الـفـلـوجـة. وعـنـدمـا تـرتـكـب مـثـل هـذه الـجـرائـم، يـؤمـر الـشّـيـخ الـمـسـؤول بـتـسـلـيـم الـمـذنـبـيـن إلى الـقـضـاء. وبـعـد أن نـشـعـل الـنّـار في بـعـض الـقـرى، ونـعـدم بـعـض أبـنـاء الـعـشـائـر، ونـصـادر قـطـعـانـهـم، يـأتـونـا عـادة مـسـتـسـلـمـيـن لـيـنـفّـذوا مـا أمـرنـاهـم بـه”.

“ولـم يـطـع بـعـض أهـل مـنـاطـق الـفـرات وديـالى أوامـر الـبـريـطـانـيـيـن، ولـهـذا كـان مـن الـضّـروري أرسـال حـمـلات مـعـاقـبـة ضـدّهـم. ولأنـنـا لا نـسـتـطـيـع الـسّـيـر نـحـوهـم في الـنّـهـار لـشـدّة الـحـرّ، فـالـقـوّات تـتـحـرّك في الـلـيـل وتـحـيـط بـالـقـرى ثـمّ تـهـاجـمـهـا في الـفـجـر”. وهـو يـذكـر أن الـطّـائـرات كـانـت تـشـارك في هـذه الـعـمـلـيـات :

“وعـنـدمـا تـشـقّ عـشـيـرة عـصـا الـطّـاعـة، تـحـلّـق الـطّـائـرات فـوق كـلّ قـريـة مـن قـراهـا عـلى مـدى 100 مـايـل (أكـثـر مـن 160 كـلـم.) لـتـقـصـفـهـا وتـرمي عـلـيـهـا بـالـقـنـابـل. وهـذه الـعـمـلـيـات الـعـنـيـفـة، الـسّـريـعـة الـتّـنـفـيـذ، تـبـث الـرّعـب في قـلـوب الـعـرب. وبـعـد أن يـذوقـوا طـعـم الـقـنـابـل الـمـتـسـاقـطـة عـلـيـهـم مـن الـسّـمـاء، يـتـحـاشـون أن تـرمى عـلـيـهـم مـرّة ثـانـيـة”.

ويـروي تـانَـنـت كـيـف انـتـقـل مـع زمـيـل لـه لـيـسـكـن في دار في ضـفـة دجـلـة الـيـسـرى :

“وكـانـت مـثـل كـلّ الـدّور هـنـا بـنـاءً مـربّـعـاً في وسـطـه حـوش، نـدخـل إلـيـهـا مـن بـاب واسـع ثـقـيـل. وفـيـهـا حـديـقـة تـظـلـلـهـا الأشـجـار والـنّـخـيـل، وفي وسـطـهـا نـافـورة. ونـنـزل مـنـهـا بـمـمـر مـرصـوف بـالـطّـابـوق نـحـو شـرفـة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر”، “وعـنـدمـا وصـلـنـا في شـهـر آذار كـانـت الـحـديـقـة مـلـيـئـة بـالـورود الـمـتـفـتـحـة. وسـقـطـنـا في دائـرة سـحـر هـذا الـمـكـان”. “وفي كـلّ دور بـغـداد سـراديـب serdabs يـنـزل إلـيـهـا سـاكـنـوهـا في لـهـب الـحـرّ. ونـحـن نـتـعـشى ونـنـام عـلى الـسّـطـح. والـنّـزول إلى الـسّـراديـب لـقـضـاء الـنّـهـار بـذخ لـيـس مـثـلـه بـذخ مـقـارنـة بـالـعـيـش في خـيـام الـمـعـسـكـرات في الـصّـحـراء”. “واشـتـريـنـا مـن الأسـواق مـا أثـثـنـا بـه الـدّار، وشـغّـلـنـا رجـلاً لـلإعـتـنـاء بـالـحـديـقـة وآخـر لـيـخـدمـنـا. وسـكـنـتُ هـذه الـدّار سـنّـة أحـبـبـتـهـا فـيـهـا كـثّـيـراً”.

ونـزل تـانَـنـت في مـنـتـصـف أيّـار بـطـائـرتـه نـحـو الـجـنـوب، ووجـد أنّ الـقـرى الّـتي كـان قـد عـرفـهـا مـثـل شـيـخ سـعـد عـادت، بـعـد أن أخـلاهـا الـبـريـطـانـيـون، إلى مـا كـانـت عـلـيـه، مـسـاكـن قـلـيـلـة وسـط الـفـيـافي الـشّـاسـعـة. ولـكـنّ الـجـيـش اسـتـمـرّ في اسـتـعـمـال الـعـمـارة كـمـديـنـة مـسـتـشـفـيـات، وامـتـدّت خـيـامـهـا بـعـيـداً في أعـمـاق الـفـلاة. وكـان فـيـهـا مـعـسـكـرات نـقـاهـة ومـعـسـكـرات راحـة … ومـدّت بـيـنـهـا وبـيـن الـقـرنـة سـكّـة حـديـديـة لـتـخـفـف مـن ازدحـام سـفـن الـنّـقـل في الـنّـهـر، وأقـيـم فـيـهـا مـطـار لـسـلاح الـطّـيـران”.

وبـعـد أن نـزل تـانَـنـت إلى الـبـصـرة، صـعـد مـن جـديـد نـحـو بـغـداد.

وعـادت الـمـعـارك الـجـوّيـة بـيـن الـبـريـطـانـيـيـن وبـيـن الأتـراك الّـذيـن حـصـلـوا عـلى طـائـرات جـديـدة مـن الألـمـان. وبـدأت في دلي عـبّـاس عـنـدمـا فـتـحـت طـائـرة ألـمـانـيـة الـنّـار عـلى طـائـرة بـريـطـانـيـة وأجـبـرتـهـا عـلى الـهـبـوط.

“وبـعـد أن بـدأ الـحـرّ يـشـتـدّ قـلّـت عـمـلـيـات الأعـداء، وحـتّى عـنـدنـا، دخـل سـبـعـة مـن طـيّـاريـنـا الـمـسـتـشـفى قـبـل أن يـنـتـهي الـشّـهـر”.

وبـقـيـت الـطّـائـرات الـتّـركـيـة بـعـيـداً عـن هـجـمـات الـبـريـطـانـيـيـن في شـمـال الـشّـرق نـحـو كـفـري، وعـلى دجـلـة في تـكـريـت، وعـلى الـفـرات في الـرّمـادي.

وحـلّـق تـانَـنـت في الـرّابـع مـن حـزيـران، مـع زمـيـل لـه مـن الـمـخـابـرات، فـوق دجـلـة عـلى ضـوء الـقـمـر. وقـصـفـتـهـمـا مـدفـعـيـة الأتـراك وهـمـا عـلى ارتـفـاع 4000 قـدم. ولـكـنّ تـانَـنـت اسـتـطـاع أن يـنـزل إلى 1800 قـدم ويـفـتـح عـلـيـهـم نـيـران رشـاشـتـيـه، الـمـركـبـتـيـن عـلى جـانـب الـطّـائـرة، إلى أن نـفـدت ذخـيـرتـه وعـاد إلى مـعـسـكـره. وبـعـد أن مـلأ خـزان الـطّـائـرة في الـواحـدة صـبـاحـاً نـزل نـحـو بـغـداد :

“وظـهـرت أشـكـال الـجـوامـع والـمـآذن واضـحـة الـتّـحـديـد عـلى زرقـة يـاقـوت الـسّـمـاء الـمـتـلألـئـة، بـيـنـمـا عـكـس قـاشـاني الـقـبـاب الـزّرقـاء ضـوء الـقـمـر، وكـانـت الـمـديـنـة تـنـام في هـدوء وسـكـيـنـة. هـل رأيـتُ هـذا في حـلـم أم في الـواقـع ؟”.

ولـم تـكـن الـطّـائـرات تـكـفي لإكـمـال الإحـتـلال، وكـان يـنـبـغي أن تـصـعـد الـسّـفـن نـهـر دجـلـة، ولـكـنّـهـا لـم تـكـن تـسـتـطـيـع كـلّـهـا الـصّـعـود إلى سـامـراء. ثـمّ أنّ الـحـرّ اسـتـمـرّ في الإشـتـداد وسـخـنـت مـيـاه الـنّـهـر وهـبّـت ريـح الـشّـمـال Shamal قـبـل أوانـهـا.

وعـنـدمـا اشـتـدت الـحـرارة في حـزيـران، تـركـت الـقـوّات الـرّوسـيـة مـسـاعـدتـهـا لـلـبـريـطـانـيـيـن عـلى جـبـهـة ديـالى وعـادت إلى قـواعـدهـا في كـرمـنـشـاه.

وفي 22 حـزيـران قـصـفـت طـائـرتـان بـريـطـانـيـتـان سـفـيـنـة تـركـيـة حـوالي 17 كـلـم. شـمـال تـكـريـت وأصـابـت مـؤخـرتـهـا.

وكـتـب تـانَـنـت : “وفي الـثّـالـث مـن تـمّـوز، وصـلـت كـتـيـبـة إلى بـلـدروز لـمـعـاقـبـة عـشـيـرة بـني تـمـيـم الّـتي كـانـت قـد قـامـت بـعـمـلـيـات مـعـاديـة لـنـا مـنـذ وصـولـنـا إلى بـغـداد. وسـانـدتـهـا طـائـرتـان. ووجـدوا أبـنـاء الـعـشـائـر يـنـتـظـرون تـقـدّم جـنـودنـا نـحـوهـم. وألـقـت الـطّـائـرتـان بـقـنـبـلـتـيـن عـلى تـجـمـعـاتـهـم الأكـثـر كـثـافـة، فـتـشـتـت جـمـعـهـم. ثـمّ سـقـطـت سـتّ قـنـابـل أخـرى عـلـيـهـم، فـهـربـوا في كـلّ الإتـجـاهـات. وأشـعـلـت قـنـابـل أخـرى الـنّـيـران في قـريـتـهـم. ولـم يـعـودوا إلـيـهـا بـعـد ذلـك”.

وخـرجـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة مـن الـفـلـوجـة في 8 تـمّـوز واحـتـلّـت الـذبّـان Zibban. وتـقـدمـت في لـيـلـة الـعـاشـر مـن تـمّـوز لـتـحـتـل الـرّمـادي. ووصـلـت في الـرّابـعـة صـبـاحـاً لـتـطـرد الأتـراك مـنـهـا. وفي الـثّـامـنـة صـبـاحـاً وصـلـت درجـات الـحـرارة حـدّاً لا يـطـاق وهـبّـت عـاصـفـة عـجـاج. واسـتـمـرّت درجـات الـحـرارة بـالارتـفـاع، وتـسـاقـط عـدد كـبـيـر مـن الـجـنـود الـبـريـطـانـيـيـن مـرضى بـعـد إصـابـتـهـم بـضـربـات شـمـس بـيـنـمـا كـانـت قـنـابـل الأتـراك تـتـسـاقـط عـلـيـهـم. كـمـا لـم يـسـتـطـع الـطّـيّـارون إكـمـال عـمـلـيـاتـهـم وأنـزلـوا طـائـراتـهـم وهـم يـعـانـون مـن شـدّة الـقـيـظ. ومـع ذلـك تـمـكّـنـت طـائـرة، كـانـت قـد أرسـلـت مـن بـغـداد، مـن قـصـف عـربـة ذخـيـرة تـركـيـة مـتـوجّـهـة إلى هـيـت. وتـوصّـل الـجـنـود الـبـريـطـانـيـون الـمـنـهـكـون إلى الـسّـيـر في الـلـيـل وبـلـوغ ضـفـة الـفـرات لـلـمـبـيـت فـيـهـا. وانـسـحـبـوا في 14 تـمـوّز، يـجـرّون مـرضـاهـم بـيـنـمـا كـان 1500 فـارس مـن خـيـالـة الـعـرب يـطـاردونـهـم إلى أن بـلـغـوا الـفـلـوجـة.

واسـتـمـرّت درجـات الـحـرارة بـالإرتـفـاع إلى أن وصـلـت 123ْ فـهـرنـهـايـت ( 50ْ درجـة ونـصـف) في الـظّـل، وبـلـغـت  136ْ فـ. (حـوالي 58ْ) في داخـل الـخـيـام.

ونـزل تـانَـنـت في 15 تـمّـوز إلى الـبـصـرة لاسـتـقـبـال “سـرب طـائـرات 63” الّـذي أرسـل مـن إنـكـلـتـرة لـمـسـانـدة الـقـوّات في الـعـراق. ولـكـنّـه اسـتـدعي إلى بـغـداد بـعـد أسـبـوعـيـن. وعـنـدمـا وصـل إلى مـطّـار بـغـداد في 11 آب، بـدأت طـائـرتـه بـالـهـبـوط، وفـجـأة أصـيـبـت مـاكـنـتـهـا بـعـطـب وتـوقّـفـت. وحـاول أن يـخـفّـض مـن سـرعـتـهـا ولـكـنّـهـا سـقـطـت مـصـطـدمـة بـالأرض. وخـرج بـمـعـجـزة مـن الـحـادثـة حـيّـاً، وبـجـروح في الـحـنـك والـرّكـبـة أخـاطـهـا لـه الـطّـبـيـب بـعـد ذلـك.

“وكـان يـنـبـغي أن أذهـب إلى الـبـصـرة بـأسـرع مـا يـمـكـن، فـانـطـلـقـت نـحـوهـا في طـائـرة أخـرى. ودفـعـتـني ريـاح نـاسـبـتـني حـتّى وصـلـت الـعـمـارة مـن غـيـر تـوقّـف. وكـانـت ركـبـتي قـد انـتـفـخـت، فـأخـرجـوني مـن طـائـرتي في الـمـطـار وأنـزلـوني، وقـضـيـت بـاقي نـهـاري مـضـطـجـعـاً في خـيـمـة. ولـم تـتـحـسـن حـالـتي، وكـنـت عـاجـزاً عـن الـسّـيـر فـنـقـلـوني إلى الـمـسـتـشـفى”. ووصـل إلى الـبـصـرة بـعـد أسـبـوعـيـن.

ووصـل “سـرب طـائـرات 63” إلى الـبـصـرة يـوم 13 آب. وكـان طـاقـمـه في عـزّ الـشّـبـاب وفي صـحّـة تـامّـة : “ومـا أن وصـلـوا بـالـكـاد، حـتّى أرسـل نـصـفـهـم إلى الـمـسـتـشـفى لـعـجـزهـم عـن تـحـمّـل طـقـس الـبـصـرة”. وبـعـد أيّـام “لـم يـبـق مـن ضـبّـاطـهـم الـثّـلاثـيـن إلّا سـتّـة [في الـبـصـرة]، ومـن الـجـنـود الـمـائـتـيـن إلّا سـبـعـيـن”، “واسـتـلـقى مـن بـقي مـنـهـم في ظـلال حـدائـق الـمـطـار. وكـان، حـتّى مـن يـسـتـطـيـع مـنـهـم الـوقـوف، في حـالـة يـرثى لـهـا. وكـنـت أخـشى أن يـحـدث هـذا، فـحـدث. وقـد قـامـت الـبـصّـرة بـأكـثـر مـا تـسـتـطـيـعـه مـن الـشّـر لـتـخـريـب الـبـشـريـة !”.

ثـمّ يـفـصـل تـانَـنـت الـكـلام في الـمـصـائـب الّـتي حـلّـت بـهـؤلاء “الـمـسـاكـيـن” والآلام الّـتي عـانـوا مـنـهـا. كـمـا نـزلـت إلـيـهـم أيـضـاً سـفـن مـلـيـئـة بـمـرضى لـم يـتـحـمّـلـوا الـحـرّ مـن مـنـاطـق أخـرى عـلى دجـلـة والـفـرات. وامـتـلأت “سـفـن ــ مـسـتـشـفـيـات” أرسـلـت نـحـو الـهـنـد لـكي تـفـرغ مـسـتـشـفـيـات الـبـصـرة الـعـسـكـريـة الّـتي سـرعـان مـا كـانـت تـمـتـلئ بـمـرضى آخـريـن.

وعـلى جـبـهـة ديـالى “سـارت قـطـعـات مـن بـعـقـوبـة وبـلـدروز في لـيـلـة 18 آب، وأجـبـرت الأتـراك عـلى الإنـسـحـاب يـوم 20 آب في جـبـل حـمـريـن، ولـكـنّـهـا لـم تـسـتـطـع مـتـابـعـتـهـم لـشـدّة الـحـرّ”.

أمّـا في الـبـصـرة، فـقـد جـاءهـم الـفـرج عـنـدمـا هـبـطـت درجـات الـحـرارة فـجـأة في 12 أيـلـول إلى 45 درجـة، واسـتـعـاد ضـبـاط وجـنـود “سـرب طـائـرات 63” بـعـض حـيـويـتـهـم، واسـتـطـاعـوا الـوصـول إلى بـغـداد. وأرسـلـت طـائـرتـان يـوم 13 أيـلـول لـتـحـلـقـا فـوق كـربـلاء الّـتي “بـدأ الـعـرب فـيـهـا حـركـات مـشـكـوك بـهـا”. وكـان الـهـدف مـن الـعـمـلـيـة إخـافـتـهـم، ولـكـنّ إحـدى الـطّـائـرتـيـن أصـابـهـا عـطـب وأجـبـر طـيّـارهـا ومـسـاعـده عـلى إنـزالـهـا خـارج الـمـديـنـة. ومـا أشـدّ مـا كـانـت دهـشـتـهـمـا عـنـدمـا رأوا الـعـرب يـتـراكـضـون نـحـوهـم مـرحـبـيـن بـهـم ومـبـتـسـمـيـن لـهـم !.

وحـالـمـا بـدأ الـحـرّ يـخـفّ، قـرر الـجـنـرال مـود الـذّهـاب إلى الـرّمـادي لـيـواجـه الأتـراك ويـحـاول طـردهـم مـنـهـا بـعـد فـشـل الـبـريـطـانـيـيـن في الـمـرّة الـسّـابـقـة. وكـانـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة قـد جـذبـت أعـداداً مـن الـعـرب والأكـراد لـيـقـاتـلـوا في صـفـوفـهـا ويـحـلّـوا مـحـلّ الـجـنـود الّـذيـن صـرعـتـهـم شـدّة الـحـرّ وأرسـلـوا إلى الـهـنـد. وجـلـبـت مـئـات الـكـيـلـومـتـرات مـن الـسّـكـك الـحـديـديـة مـن الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة وركّـبـت بـيـن الـكـوت وبـغـداد وبـعـقـوبـة، كـمـا مـدّ خـطّ آخـر عـبـر الـفـلاة نـحـو الـفـلّـوجـة.

وفي يـوم 25 أيـلـول، لـم تـرجـع طـائـرتـان بـريـطـانـيـتـان مـن رحـلـتـيـهـمـا الإسـتـكـشـافـيـتـيـن إلى قـاعـدتـهـمـا. ثـمّ ظـهـر بـعـد ذلـك أنّ أربـعـة مـن طـائـرات الأعـداء هـاجـمـتـهـا شـمـال تـكـريـت وأصـابـت إحـداهـا وأجـبـرتـهـا عـلى الـهـبـوط، ونـزلـت الـطّـائـرة الـبـريـطـانـيـة الـثّـانـيـة لإسـعـاف راكـبَي الـطـائـرة الأولى ولـكـن الأتـراك داروا حـولـهـم وقـصـفـوهـم، وأحـرقـوا إحـدى الـطـائـرتـيـن إحـراقـاً تـامـاً بـيـنـمـا احـتـرق جـزء مـن الـثّـانـيـة، وأسـروا ركـابـهـمـا الأربـعـة.

وفي نـفـس صـبـاح ذلـك الـيـوم خـرجـت ثـلاث طـائـرات بـريـطـانـيـة مـن بـعـقـوبـة وألـقـت بـأعـداد مـن الـقـنـابـل عـلى ثـلاثـة مـضـارب أعـراب جـنـوب بـغـداد وقـصـفـتـهـا.

وقـد اسـتـطـاع الـجـنـرال مـود في يـوم 29 أيـلـول، وبـعـد إعـدادات دقـيـقـة لـهـجـومـه، هـزم الأتـراك الّـذيـن كـان يـقـودهـم أحـمـد بـك قـرب الـرّمـادي وأسـر 500 3 مـن جـنـودهـم، وغـنـم أعـداداً كـبـيـرة مـن الأسـلـحـة والـذّخـيـرة.

الـفـصـل الـسّـادس “عـلى الـجـبـهـات الـثّـلاث” :

ويـسـتـمـرّ جـون إدوارد تـانَـنـت بـالـكـلام في هـذا الـفـصـل عـن مـا كـان قـد بـدأه في الـفـصـل الـسّـابـق، فـقـد أُرسـل أحـمـد بـك وكـلّ جـنـوده إلى بـغـداد بـعـد أن تـركـت حـامـيـة بـريـطـانـيـة لـحـراسـة الـرّمـادي.

وفي نـفـس الـيـوم، 29 أيـلـول، سـارت كـتـيـبـة الـخـيّـالـة الـبـريـطـانـيـة مـن بـلـدروز، واحـتـلّـت مـنـدلي بـعـد أن هـزمـت الأتـراك، الّـذيـن تـابـعـتـهـم الـطّـائـرات وألـقـت عـلـيـهـم قـنـابـل قـتـلـت أعـداداً مـنـهـم.

وفي 19 تـشـريـن الأوّل، إنـطـلـقـت الـخـيّـالـة الـبـريـطـانـيـة في الـسّـابـعـة والـنّـصـف صـبـاحـاً نـحـو خـانـقـيـن، ولـكـنّ الأتـراك كـانـوا قـد عـبـروا نـهـر ديـالى في الـلـيـل، ولـم يـفـلـحـوا بـعـد أن طـاردوهـم مـدّة طـويـلـة إلّا بـأسـر بـعـض جـنـودهـم.

“وبـردت الـلـيـالي في مـنـتـصـف تـشـريـن الـثّـاني، ولـكـنّ أعـداد الـمـرضى مـا زالـت كـبـيـرة”.

مـعـركـة تـكـريـت :

تاننت، معركة تكريت

وعـلى جـبـهـة دجـلـة، قـرر الـجـنـرال مـود في 25 تـشـريـن الأوّل إرسـال الـفـيـلـق الأوّل مـن سـامـراء شـمـالاً نـحـو الـدّور. وبـعـد أن لـحـقـت بـه قـطـعـات عـسـكـريـة أخـرى، إنـطـلـقـوا في الأوّل مـن تـشـريـن الـثّـاني نـحـو الـدّور، عـلى بـعـد 18 مـايـلاً (حـوالي 29 كـلـم.) مـن سـامـراء. وشـاركـت الـطّـائـرات في الـهـجـوم. ورغـم أنّـهـم فـشـلـوا في مـحـاولـتـهـم لـلإحـاطـة بـالأتـراك، إلّا أنّـهـم أجـبـروهـم عـلى الإنـسـحـاب شـمـالاً، نـحـو قـواعـدهـم في تـكـريـت.

واسـتـمـرّ الـبـريـطـانـيـون في تـقـدّمـهـم نـحـو تـكـريـت. واسـتـطـاع الـفـيـلـق الأوّل والـخـيّـالـة في الـرّابـع مـن تـشـريـن الـثّـاني احـتـلال مـنـطـقـة تـشـرف عـلى الـمـديـنـة. وكـانـت تـحـصـيـنـات الأتـراك قـوّيـة، وأرسـلـوا مـن تـكـريـت ضـدّ مـواقـع الـبـريـطـانـيـيـن طـائـرتـيـن قـصـفـتـهـا. وهـاجـم الـبـريـطـانـيـون مـواقـع الأتـراك في الـيـوم الـتّـالي، ولـكـنّ الأتـراك دافـعـوا عـنـهـا وطـردوهـم، ثـمّ عـادت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـلـهـجـوم وفـتـح عـلـيـهـم الأتـراك نـيـران مـدافـعـهـم الّـتي قـتـلـت أعـداداً مـن الـجـنـود الـبـريـطـانـيـيـن. واسـتـمـرت الـمـعـارك حـامـيـة إلى أن انـسـحـب الأتـراك شـمـالاً ودخـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في تـكـريـت.

ولأنّ الأتـراك ابـتـعـدوا عـن تـكـريـت وسـاروا نـحـو الـفـتـحـة، فـلـم يـتـرك الـبـريـطـانـيـون إلّا قـوّات قـلـيـلـة اعـتـبـروهـا كـافـيـة لـحـمـايـة الـمـديـنـة، وعـاد الـبـاقـون إلى سـامـراء.

وفـاة الـجـنـرال مـود :

تاننت، الجنرال مود

وكـتـب تـانَـنـت : “وفي مـسـاء 17 تـشـريـن الـثّـاني 1917، عـانى الـجـنـرال مـود مـن آلام عـنـيـفـة، وكـان في داره في بـغـداد. وكـان وبـاء الـكـولـيـرا قـد عـاد إلى الـمـديـنـة مـع رجـوع الـبـرد، كـمـا مـاتـت أعـداد مـن الـمـصـابـيـن بـالـجـدري”، “وكـان الـجـنـرال مـود ومـرافـقـوه قـد شـاركـوا في حـفـل مـدرسي في الـمـديـنـة وشـربـوا فـنـاجـيـن قـهـوة كـمـا جـرت عـــه الـعـادة في الـشّـرق”، “وقـد أخـبـروني وأنـا في طـريـقي إلى مـكـتـبي في الـيـوم الـتّـالي أنّ الـجـنـرال كـان مـريـضـاً، ربّـمـا أصـيـب بـالـكـولـيـرا”، “وكـان عـدد مـن الأطـبّـاء يـبـذلـون كـلّ جـهـودهـم لإنـقـاذ حـيـاتـه. ولـكـنّـهـم لـم يـتـوصّـلـوا إلى ذلـك ويـا لـلأسـف، وتـوفي الـجـنـرال في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـن نـفـس الـمـسـاء”. (1)

“وكـانـت هـذه ضـربـة عـنـيـفـة هـزّت صـفـوف الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة بـفـقـدان قـائـدهـم”. ثـمّ خـصـص تـانَـنـت مـقـاطـع طـويـلـة تـكـلّـم فـيـهـا عـن عـلاقـاتـه الـمـسـتـمـرّة بـقـائـده الأعـلى الّـذي كـان يـتـابـع كـلّ صـغـيـرة وكـبـيـرة، وعـن مـكـارم الـجـنـرال … ثـمّ يـذكـر أن الـلـيـوتـنـانـت جـنـرال الـسّـيـر مـارشـال Lieut.-General Sir W. Marshall قـائـد الـفـيـلـق الـثّـالـث، اخـتـيـر قـائـداً أعـلى لـلـقـوّات لـيـحـلّ مـحـل الـجـنـرال مـود.

ويـعـود تـانَـنـت إلى مـتـابـعـة الـعـمـلـيـات الـحـربـيـة، فـقـد نـقـل الأتـراك في جـبـهـة وادي دجـلـة مـطـارهـم إلى شـمـال الـفـتـحـة. وفي يـوم تـشـيـيـع الـجـنـرال، أي 19 تـشـريـن الـثّـاني، حـلّـقـت طـائـرتـان ألـمـانـيـتـان فـوق الـمـواقـع الـبـريـطـانـيـة في كـفـري، ولـكـن لـم تـحـدث مـنـاوشـات بـيـن الـطّـرفـيـن.

كـمـا ازدادت سـيـطـرة الـبـريـطـانـيـيـن عـلى “أخـصـب أراضي الـعـراق”، بـيـن الـحـلّـة والـنّـاصـريـة “مـمـا يـعـني الـحـصـول عـلى كـثـيـر مـن الـحـبـوب لإطـعـام قـوّات الـحـمـلـة”، “وسـكّـان هـذه الـمـنـطـقـة لا يـخـضـعـون لأحـد، ولـم يـتـعـاونـوا أبـداً مـع الأتـراك. ولـقـربـهـم مـن مـديـنـتَي كـربـلاء والـنّـجـف فـهـم شـديـدو الـتّـعـصّـب الـدّيـني”. ويـخـصـص تـانّـنـت مـقـطـعـاً طـويـلاً لـيـشـرح لـقـرائـه أهـمـيـة كـربـلاء والـنّـجـف الـدّيـنـيـة.

أمّـا في جـبـهـة الـفـرات فـقـد احـتـلّ الأتـراك هـيـت. كـمـا تـحـصـنـوا في قـرة تـبـه في وادي ديـالى، وسـيـطـروا عـلى مـمـرات جـبـل حـمـريـن عـلى يـمـيـن الـنّـهـر. وقـرر الـجـنـرال مـارشـال مـهـاجـمـتـهـم في هـذه الـمـنـطـقـة. وانـسـحـب الأتـراك في 3 كـانـون الأوّل. واحـتـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة خـانـقـيـن في 9 كـانـون الأوّل.

“وتـغـيّـر الـجـو في مـنـتـصـف كـانـون الأوّل، ولـم تـكـن الأمـطـار قـد هـطـلـت طـيـلـة الـسّـنـة. وهـا قـد دفـعـت ريـاح جـنـوبـيـة نـحـونـا بـغـيـوم مـتـسـارعـة أسـقـطـت سـيـولاً مـن الأمـطـار، أغـرقـت مـطـارنـا في الـبـصـرة وحـوّلـت بـعـقـوبـة إلى أهـوار. وبـعـد سـنـة مـن الـجـفـاف يـشـعـر الـمـرء بـعـذوبـة قـطـرات الـمـطـر الـمـنـعـشـة تـداعـب وجـهـه إذا مـا عـاد بـعـدهـا إلى داره لـيـجـفـف نـفـسـه. أمّـا في الـصّـحـراء فـالأمـر مـخـتـلـف : نـجـلـس مـرتـجـفـيـن تـحـت الـقـطـرات الـرّطـبـة الّـتي تـتـسـاقـط عـلـيـنـا مـن شـقـوق الـخـيّـام الّـتي كـانـت الـشّـمـس قـد أحـرقـتـهـا وهـرّأتـهـا. ونـقـضي سـاعـات لإيـجـاد طـريـقـة نـحـفـر فـيـهـا سـواقي لـتـسـيـل مـنـهـا الـمـيـاه الـمـتـراكـمـة مـن غـيـر أن نـفـلـح في ذلـك، وتُـغـرق الـمـيـاه الـخـيـام ويـطـفـو عـلـيـهـا كـلّ مـا وضـعـنـاه فـيـهـا. وتـهـبّ عـواصـف مـرعـبـة في الـلـيـل تـقـتـلـع أوتـاد الـخـيـام، ولـنـمـنـعـهـا مـن الـسّـقـوط نـتـراكـض مـثّـل مـجـاذيـب ونـحـاول ربـط حـبـال وتـقـويـة الـعـقـد، ثـم نـعـود إلى أغـطـيـتـنـا الـمـبـتـلّـة ونـحـاول الـنّـوم”.

وخـرجـوا مـن خـيـامـهـم في حـوالي الـرّابـعـة صـبـاحـاً لـيـجـدوا مـرائـب الـطّـائـرات عـلى وشـك الـتّـسـاقـط، وربـطـوا الـطّـائـرات بـحـبـال لـيـثـبّـتـوهـا عـلى الأرض : “وانـبـلـج الـفـجـر عـلى الـبـرّيـة الـغـارقـة بـالـمـيـاه، والـبـرد والـرّطـوبـة والـحـمى. ولا نـجـد مـا نـبـتـلـعـه إلّا سـمـكـة سـرديـن أو اثـنـتـيـن لأنّ الـطّـبـاخ لا يـسـتـطـيـع إيـقـاد الـنّـار”.

واسـتـمـرّت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة والألـمـانـيـة تـقـصـف بـعـضـهـا بـعـضـاً. وفي الـثّـاني عـشـر مـن كـانـون الـثّـاني شـارك تـانَـنـت، الّـذي كـان في الـفـلّـوجـة، في مـطـاردة طـائـرات ألـمـانـيـة نـزلـت مـن هـيـت، وأجـبـروا إحـداهـا عـلى الـهـبـوط وأسـروا الـطّـيّـار ومـسـاعـده.

ثـمّ جـاءت أعـيـاد الـمـيـلاد واحـتـفـلـوا بـهـا في بـغـداد. وكـانـت أكـثـر إبـهـاجـاً مـن تـلـك الّـتي احـتـفـلـوا بـهـا في الـبـراري في الـعـام الـسّـابـق.

وفي لـيـلـة 24 كـانـون الـثّـاني 1917 حـلّـقـت الـطّـائـرات الألـمـانـيـة ــ الـتّـركـيـة في سـمـاء بـغـداد وألـقـت عـلـيـهـا لأوّل مـرّة بـالـقـنـابـل.

الـفـصـل الـسّـابـع، “آخـر الـسّـاعـات الـمـلـيـئـة بـالـمـشـاغـل” :

ويـتـكـلّـم جـون إدوارد تـانَـنـت في آخـر فـصـول كـتـابـه هـذا عـن وصـول الـمـتـطـوّعـيـن إلى الـبـصـرة وصـعـودهـم إلى بـغـداد.

وكـانـوا أسـتـرالـيـيـن ونـيـوزيـلـنـديـيـن وكـنـديـيـن وانـكـلـيـز. وكـوّنـوا مـا اسـمـاه تـانَـنـت بـالـ  “Hush Hush Army”. وكـانـوا خـلـيـطـاً مـن أنـواع غـريـبـة. ولـكـنّـهـم اسـتـمـروا في صـعـودهـم نـحـو الـشّـمـال لـيـقـاتـلـوا الأتـراك أو لـيـحـاربـوا الـبـولـشـفـيـك، واخـتـفـوا بـصـمـت كـمـا وصـلـوا.

ويـخـصـص عـدداً مـن الـصّـفـحـات لـلـحـديـث عـن جـبـهـة بـلاد الـفـرس (أي إيـران كـمـا كـانـت تـسـمى في ذلـك الـحـيـن) وعـن بُـعـد طـهـران عـن بـغـداد. ثـمّ يـتـكـلّـم عـن وصـول سـرب طـائـرات جـديـدة إلى الـبـصـرة. وكـانـت أحـدث الـطّـائـرات الـمـصـنـوعـة في ذلـك الـزّمـن.

في الأهـوار :

ولأنّ “الأهـوار في أسـفـل نـهـر الـفـرات، مـن جـنـوب الـحـلّـة وحـتّى الـنّـاصـريـة، لـم تـكـن قـد رسـمـت لـهـا خـرائـط بـعـد، فـقـد أرسـلـت طـائـرتـان إلى الـكـوفـة لـلـبـدء بـاسـتـطـلاع هـذه الـمـنـطـقـة الّـتي نـكـاد نـجـهـلـهـا. وكـانـت كـلّ هـذه الـمـنـطـقـة في اضـطـرابـات. ولـهـذا أرسـلـت قـوّات لـحـمـايـة الـمـوظـفـيـن الـمـعـزولـيـن في هـذه الأرجـاء وحـمـايـة الـعـشـائـر الّـتي تـتـعـاون مـعـنـا”.

آثـار بـابـل :

“وبـيـنـمـا كـنـت أحـلّـق في طـريـقي إلى الـكـوفـة، أجـبـرني خـلـل في مـاكـنـة طـائـرتي عـلى الـهـبـوط عـلى بُـعـد مـايـل (1,60934 كـلـم.) مـن أطـلال بـابـل. وجـاء عـرب مـسـلّـحـون حـالاً. وكـنـت سـعـيـداً لـوصـول هـؤلاء الـ “شـبّـانـة shabbanas” أو الـمـسـاعـديـن الـمـحـلـيـيـن الّـذيـن نـظّـمـهـم الـقـسـم الـسّـيـاسي [في الـجـيـش]”، “وأعـارني شـيـخ حـصـانـاً صـغـيـراً امـتـطـيـتـه. وصـاحـبـني “الـشّـبّـانـة” إلى الـحـلّـة الّـتي تـقـيـم فـيـهـا حـامـيـة بـريـطـانـيـة لـهـا خـطّ تـلـغـراف”، “وعـدت إلى الـكـوفـة في الـيـوم الـتّـالي”.

“وكـنـت قـد رأيـت في الـطّـريـق مـوقـع بـابـل، الّـذي تـرتـفـع فـيـه مـجـمـوعـة مـن الأطـلال الـمـدفـونـة الّـتي لا تـظـهـر مـنـهـا إلّا أعـالـيـهـا. وقـد بـذل الألـمـان، مـنـذ عـام 1899، جـهـوداً هـائـلـة في إزاحـة الـتّـراب عـنـهـا والـتّـنـقـيـب فـيـهـا، وشـيّـدوا مـتـحـفـاً قـرب الـنّـهـر. (2) وحـالـمـا وصـل الـبـريـطـانـيـون إلى الـحـلّـة، تـكـفّـلـت الـسّـلـطـات الـعـسـكـريـة بـحـمـايـة الـمـتـحـف. ولـولا هـذه الـحـمـايـة لـمـا بـقي فـيـه إلّا الـقـلـيـل. ونـرى عـلى كـلّ طـابـوقـة تـقـريـبـاً نـقـش، سـجّـل في زمـن نـبـوخـذ نـصـر، أو الـسّـلالات الـقـديـمـة الّـتي وجـدت الآن آثـار أبـنـيـتـهـا الـسّـابـقـة لـبـابـل. وأهـم آثـارهـا بـوابـة عـشـتـار الّـتي شـيّـدهـا نـبـوخـذ نـصـر، وتـمـثـال الأسـد الـجـاثـم فـوق رجـل”.

تاننت بيرس نمرود)

“وفي طـريـقـنـا إلى الـكـوفـة مـررنـا بـتـلّ عـلـيـه أطـلال يـذكـر الـعـرب أنّـهـا بـقـايـا “بـرج بـابـل”. “وهـو ولا شـكّ بـنـاء قـديـم”. “وآثـار الأزمـنـة الـمـاضـيـة هـذه، الـمـنـتـصـبـة وحـدهـا في هـذه الـفـيـافي الـقـاحـلـة، تـبـدو في صـمـتـهـا مـنـعـزلـة تـمـامـاً عـن مـسـيـرة الـبـشـريـة. ونـشـعـر، حـتّى ونـحـن نـحـلّـق فـوقـهـا، كـمـا لـو كـنّـا نـدنـس قـدسـيـتـهـا”.

والـتـقى جـون إدوارد تـانَـنـت في مـنـتـصـف الـطّـريـق بـيـن الـكـوفـة والـنّـجـف بـطـائـرتي اسـتـطـلاع كـان يـعـرف أحـد طـيّـاريـهـا. وكـتـب : “وبـعـد عـدّة أيّـام قُـتـل أحـدهـمـا في الـنّـجـف بـيـنـمـا حـوصـر الآخـر إلى جـاءت قـوّات لـتـنـقـذه. وضـرب جـنـودنـا الـحـصـار عـلى الـنّـجـف، وقـطـعـت عـنـهـا الـمـيـاه. ولـم يـجـد سـكـانـهـا مـا يـشـربـونـه إلّا مـاء آبـار الـمـديـنـة الـمـالـح”. وبـعـد أيـام اسـتـسـلـمـت وسـلّـمـت الـمـسـؤولـيـن عـن قـتـل الـطّـيّـار لـيـعـاقـبـوا.

تاننت، النجف

وعـادت الـمـعـارك عـلى جـبـهـة الـفـرات في مـنـتـصـف شـبـاط، فـقـد قـوّى الأتـراك مـراكـزهـم حـول هـيـت. وقـرر الـجـنـرال مـارشـال مـهـاجـمـتـهـم مـن جـديـد. وكـان هـدف الـعـمـلـيـة احـتـلال هـيـت والـبـقـاء فـيـهـا لـقـطـع طـريـق هـيـت ــ تـكـريـت الـصّـحـراوي، الّـذي يـربـط الـفـرات بـدجـلـة، عـلى الأتـراك، “والإسـتـيـلاء عـلى آبـار الـقـار الّـتي اشـتـهـرت بـهـا الـمـنـطـقـة”. وسـارت كـتـيـبـة بـريـطـانـيـة نـحـوهـا في 19 شـبـاط 1918. “وخـلال أسـبـوع واحـد، ألـقـيـت ثـلاثـة أطـنـان مـن الـقـنـابـل ودارت الـطّـائـرات 9000 مـرّة لـتـقـصـف مـواقـع الأعـداء”، وخـاصـة مـطـار الألـمـان في هـيـت. وأجـبـر الألـمـان عـلى نـقـل طـائـراتـهـم إلى حـديـثـة تـحـت الأمـطـار والـغـيـوم الـواطـئـة.

كـمـا قـامـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة بـعـمـلـيـات في أعـالي نـهـر الـكـارون ضـدّ عـشـائـر الـبـخـتـيـار.

وفي 8 آذار، أخـلى الأتـراك هـيـت إخـلاءً تـامّـاً واحـتـلّـهـا الـبـريـطـانـيـون. وكـتـب تـانّـنـت : “تـنـتـصـب هـيـت، عـنـدمـا نـنـظـر إلـيـهـا مـن الـبـاديـة، مـثـل قـلـعـة قـديـمـة، فـهي عـلى تـلّ تـراكـمـت عـلـيـه آثـار الـمـدن الـمـتـتـابـعـة الّـتي انـدثـرت الـواحـدة بـعـد الأخـرى، مـثـلـمـا في مـوقـع بـابـل. وربّـمـا كـانـت رائـحـة هـيـت أسـوء روائـح أي مـكـان آخـر في الـعـالـم”، “وأوّل أسـبـاب ذلـك مـنـابـع الـقـار الّـتي تـغـلي فـقـاعـاتـهـا الـمـلـتـهـبـة، وتـنـبـعـث مـنـهـا روائـح كـبـريـتـيـة تـثـقـل الـجـو تـشـبـه روائـح الـبـيـض الـمـتـعـفّـن. ولـكـنـنـا نـشّـمّ، عـنـدمـا نـقـتـرب مـن الـمـديـنـة، روائـح أنـتـن مـنـهـا : بـقـايـا عـظـام مـتـعـفـنـة ووحـول آسـنـة وقـاذورات تـراكـمـت حـول الـحـيـطـان وفي الأزقّـة الـمـعـتـمـة”، “وهـنـاك غـابـة نـخـيـل خـارج الـمـديـنـة، وعـنـدمـا نـنـظـر إلـيـهـا والـفـرات يـجـري وسـطـهـا والـمـديـنـة الـبـديـعـة الـتّـكـويـن خـلـفـهـا مـن بـعـيـد، تـبـدو لـنـا وكـأنّـهـا سـحـريـة خـرجـت مـن حـكـايـة أسـطـوريـة”.

تاننت، هيت

وتـابـعـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة الأتـراك شـمـال هـيـت في 9 آذار، وألـقـت عـلـيـهـم بـالـقـنـابـل طـيـلـة الـنّـهـار إلى أن اخـتـفـوا تـمـامـاً في صـخـور الـتّـلال الـمـحـاذيـة لـلـفـرات وانـسـحـبـوا إلى خـان بـغـدادي. وأوقـفـت الـعـواصـف والأمـطـار الـعـمـلـيـات الـعـسـكـريـة.

ونـظّـم الـبـريـطـانـيـون حـيـاتـهـم في بـغـداد لـيـتـمـتـعـوا بـعـطـل نـهـايـة الأسـبـوع : “سـبـاق خـيـل، ومـبـاريـات بـولـو، واسـتـعـراضـات خـيـول، ومـبـاريـات غـولـف وكـرة قـدم ومـلاكـمـة … إلـخ”، “وحـتّى الـقـائـد الـعـام نـفـسـه تـرأس فـريـق بـولـو، ودامـت الـمـبـاريـات الـرّيـاضـيـة والـمـسـابـقـات أربـعـة أيّـام لـم تـرَ الـمـديـنـة مـثـلـهـا مـن قـبـل”.

وقـررت الـقـيـادة الـبـريـطـانـيـة مـطـاردة الأتـراك في وادي الـفـرات والـتّـقـدم نـحـو خـان بـغـدادي.

الأتـراك يـأسـرون تـانَـنـت :

وغـادر تـانَـنـت، بـصـحـبـة طـيّـار آخـر، الـمـاجـور هـوبـرت، في صـبـاح 25 آذار بـغـداد مـحـلّـقـاً نـحـو هـيـت، ثـمّ اسـتـمـرّا صـاعـدَيـن نـحـو الـشّـمـال لاسـتـطـلاع مـواقـع الأتـراك. “وكـان الـجـوّ بـارداً، وريـح الـشّـمـال تـدفـع غـيـومـاً سـوداء مـمـطـرة”. وحـلّـقـا وسـط عـاصـفـة لـم يـخـرجـا مـنـهـا إلّا بـعـد أن اجـتـازا هـيـت. وأكـمـلا نـحـو الـشّـمـال، وعـنـدهـا بـدأت الـمـدفـعـيـة الـتّـركـيـة تـطـلـق عـلى طـائـرتـهـمـا قـذائـف أصـابـت إحـداهـا جـهـاز تـبـريـد الـمـاكـنـة، وأجـبـر تـانَـنـت عـلى الـهـبـوط في وسـط الـقـوّات الـتّـركـيـة !

وتـراكـض الـجـنـود نـحـوهـمـا وقـبـضـا عـلـيـهـمـا. وأخـذوهـمـا إلى لـيـوتـنـانـت ــ كـولـونـيـل اسـتـقـبـلـهـمـا بـأدب. ثـمّ أركـبـوهـمـا عـلى حـصـانـيـن ونـزلـوا بـهـمـا إلى الـوادي The Wadi. وبـعـد مـسـيـرة طـويـلـة وصـلا بـيـن يـدي نـظـمي بـك، قـائـد قـوّات جـبـهـة الـفـرات الّـذي لـم يـكـن يـتـكـلّـم لا الإنـكـلـيـزيـة ولا الـفـرنـسـيـة، ووجـد مـتـرجـمـاً لـلـحـديـث مـعـهـمـا، واخـبـرهـمـا أنّـه كـان يـنـوي إبـقـاءهـمـا مـعـه في الـمـعـسـكـر يـومـيـن أو ثـلاثـة.

تاننت، الأسر

ولاحـظ تـانّـنـت أنّ الـضّـبّـاط الألـمـان لـم يـكـونـوا يـخـتـلـطـون بـالأتـراك أبـداً بـل يـكـتـفـون بـإلـقـاء الأوامـر عـلـيـهـم. وقـد نـقـلـوهـمـا في الـلـيـل إلى الـسّـراي the serai في قـريـة حـديـثـة، “في جـزيـرة وسـط الـفـرات”.

وفي الـخـامـسـة مـن صـبـاح الـيـوم الـتّـالي سـمـعـا أصـوات الـقـذائـف والـطّـلـقـات الـنّـاريـة، وجـاءهـمـا الأمـر بـالإسـتـعـداد لـمـغـادرة الـمـكـان حـالاً، وألـقـوهـمـا في عـربـة انـطـلـقـت مـسـرعـة وسـط الـفـوضى الـتّـامّـة. ووصـلـوا في حـوالي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة إلى عـانـة. وجـاء عـدد مـن الـضّـبـاط لـيـتـفـرّجـوا عـلـيـهـمـا “أغـلـبـهـم مـن الـعـرب”.

ثـمّ جـاء أمـر آخـر بـمـغـادرة الـمـكـان مـن جـديـد وأركـبـوا كـلّ واحـد مـنـهـمـا عـلى جـمـل وانـطـلـقـوا يـحـرسـهـمـا إثـنـا عـشـر تـرتـريـاً Tartars يـمـشـون مـعـهـمـا. وبـعـد أن سـاروا سـاعـات طـويـلـة وصـلـت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة فـوقـهـمـا وقـصـفـت كـلّ مـا حـولـهـمـا ثـمّ ذهـبـت، واسـتـمـرّا في الـسّـيـر مـع حـراسـهـمـا إلى مـا بـعـد حـلـول الـلـيـل ووصـلـوا إلى حـصـن مـبـنيّ بـالـلِـبـن.

وعـنـدـا اسـتـيـقـظ تـانَـنـت في صـبـاح 28 آذار 1918، رأى الـمـكـان مـلـيـئـاً بـالأتـراك والألـمـان الّـذيـن تـركـوا عـانـة هـاربـيـن مـنـهـا. وعـرف أنّـهـم كـانـوا مـتـوجّـهـيـن نـحـو حـلـب.

وفي الـضّـحى، في حـوالي الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة نـزلـوا إلى الـفـرات لـيـسـتـحـمّـوا، وعـنـدهـا سـمـعـا جـنـديـاً يـصـيـح : “سـيّـارة !”. فـأركـبـوهـمـا عـلى جـمـلـيـهـمـا وعـادا لـلـمـسـيـر. وعـنـدمـا اقـتـربـت أصـوات الـقـصـف وإطـلاق الـنّـار مـنـهـم تـنـاثـر حـرّاسـهـم في كـلّ الإتـجـاهـات تـحـت الـنّـيـران الـمـنـهـمـرة عـلـيـهـم، وركـض تـانَـنـت ورفـيـقـه نـحـو الـنّـهـر وألـقـيـا بـنـفـسـيـهـمـا في الـمـاء، ومـن هـنـاك أخـرجـهـم الـجـنـود الـبـريـطـانـيـون. ورجـعـوا مـعـهـم إلى هـيـت.

وبـعـد ثـلاثـة أسـابـيـع، صـدر أمـر بـإرجـاعـه إلى إنـكـلـتـرة مـع مـجـمـوعـة يـتـرأسـهـا. ولـكـنّ الأوامـر تـغـيّـرت عـنـد وصـولـهـم إلى الـبـصـرة، وأرسـلـوه لـلـعـمـل في قـيـادة جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة :

“وكـان مـؤسـفـاً أن أجـمـع أمـتـعـتي وأن أودّع داري الـصّـغـيـرة في بـغـداد، وأن أتـرك كـلّ أصـحـابي. فـأيـن أنـتـم الآن يـا رفـاقي الـقـدمـاء ؟”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

(2) أنـظـر مـقـالي : فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

“بـيـن الـسّـحـب، في سـمـاء بـغـداد”ــ الـقـسـم الأوّل

تانَنت غلاف

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

أنـارت أشـعـة الـشّـمـس مـكـتـبي وأضـاءت كـومـة كـتـب قـد كـدّسـتـهـا في جـانـب مـنـه ونـسـيـتـهـا، فـظـهـرت بـوضـوح كـثـافـة الـغـبـار الـمـتـراكـم عـلـيـهـا. وحـمـلـتـهـا بـيـن ذراعيَّ إلى طـاولـة في الـحـديـقـة، وبـدأت أنـفـض عـنـهـا الـغـبـار وأتـصـفّـحـهـا. وكـنـت قـد اشـتـريـتـهـا، لا أتـذكّـر مـتى، عـنـد بـاعـة كـتـب قـديـمـة، ثـمّ تـركـتـهـا تـرقـد في زاويـة مـن مـكـتـبي مـا شـاءت لـهـا الأقـدار أن تـرقـد … وكـان مـن بـيـنـهـا كـتـاب كـنـت أنـوي قـراءتـه مـنـذ زمـن طـويـل ولـكـنّ بـعـض الـمـشـاغـل عـاقـتـني عـن ذلـك في حـيـنـهـا، ونـسـيـتـه في وسـط الـكـومـة الـمـتـكـدّسـة.

ورغـم قـلّـة شـغـفي بـالـنّـصـوص الـمـنـشـورة عـن الـحـروب فـقـد جـلـسـت في جـانـب مـشـمـس مـن حـديـقـتي وبـدأت بـقـراءتـه. والـكـتـاب مـذكّـرات كـتـبـهـا جـون إدوارد تـانَـنـت  John Edward TENNANT ، الّـذي كـان ضـابـطـاً في سـلاح الـطّـيـران الـبـريـطـاني (RFC)، وقـاتـل في الـعـراق بـيـن عـامَي 1916 و 1918.

وقـد صـاحـب قـوّات الـجـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود  F. S. MAUDE في صـعـودهـا مـن الـبـصـرة نـحـو بـغـداد، وألـقى بـالـقـنـابـل عـلى بـغـداد قـبـل أن تـسـتـطـيـع هـذه الـقـوّات دخـولـهـا في 11 آذار 1917. (1) ثـمّ اسـتـمـرّ يـقـصـف ويـلـقي بـالـقـنـابـل مـع طـيّـاري الـحـرب الآخـريـن حـتّى اكـتـمـل احـتـلال الـبـريـطـانـيـيـن لـلـعـراق.

وبـعـد أن عـاد إلى بـلـده كـتـب أحـداث مـا عـاشـه بـدقّـة مـدهـشـة، مـعـتـمـداً عـلى الـمـلاحـظـات الّـتي كـان قـد سـجّـلـهـا خـلال سـنـوات قـتـالـه وصـاحـبـهـا بـصـور فـوتـوغـرافـيـة كـان قـد الـتـقـط أغـلـبـهـا مـن طـائـرتـه مـحـلّـقـاً في سـمـاء الـعـراق.

وقـد اكـتـشـفـت في هـذا الـكـتـاب كـنـوزاً مـن الـمـعـلـومـات عـن هـذه الـفـتـرة الـمـهـمّـة مـن تـاريـخ بـلـدنـا. ولـم أجـد بـعـد، رغـم مـحـاولاتي الـمـتـكـررة، مَـن كـتـب عـنـه بـالـلـغـة الـعـربـيـة أو تـرجـم بـعـض مـا فـيـه، فـقـررت أن أسـجـل بـعـض الـمـلاحـظـات، وأقـدّم لـكـم عـنـه هـذا الـعـرض الـبـسـيـط.

ولأنّ الـكـتـاب طـويـل، بـمـائـتـيـن وتـسـع وثـمـانـيـن صـفـحـة (289 ص.)، فـسـأعـرضـه عـلـيـكـم بـقـسـمـيـن :

يـبـدأ الأوّل بـوصـول تـانَـنـت إلى شـطّ الـعـرب في 30 تـمّـوز 1916، ويـنـتـهى بـاحـتـلال بـغـداد في 11 آذار 1917، ويـكـمـل الـثّـاني مـا كـتـبـه تـانَـنـت عـن مـا بـعـد الإحـتـلال وحـتّى أواخـر نـيـسـان 1918 عـنـدمـا تـرك الـعـراق.

جـون إدوارد تـانَـنـت John Edward TENNANT:

وسـأبـدأ، قـبـل أن أعـرض مـا في الـكـتـاب، بـالـقـلـيـل الّـذي وجـدتـه عـن حـيـاة كـاتـبـه جـون إدوارد تـانَـنـت الّـذي ولـد في إسـكُـتـلـنـدة سـنـة 1890، ودخـل الـكـلـيـة الـبـحـريـة الـمـلـكـيـة. وقـاتـل في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في فـرنـسـا. ووصـل إلى الـعـراق عـام 1916. ثــمّ أصـبـح طـيّـاراً ورفّـع إلى رتـبـة لـيـوتـنـانـت  2e lieutenant  في سـلاح الـطّـيـران الـبـريـطـاني         (RFC)     Royal Flying Corps .

وقـاتـل ضـدّ الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة والألـمـانـيـة في الـعـراق وإيـران. ورفّـع إلى رتـبـة كـولـونـيـل وكـوفئ لـخـدمـتـه الـمـتـمـيّـزة، ونـال نـيـشـان (مـدالـيـة) “الـصّـلـيـب الـعـسـكـري Military Cross (MC)”.

وقـد جـذبـتـه الـحـيـاة الـسّـيـاسـيـة بـعـد الـحـرب، ورشّـح عـام 1926 لـيـدخـل في الـبـرلـمـان الـبـريـطـاني، ولـكـن يـبـدو أنّـه لـم يـشـغـل مـنـاصـب مـهـمّـة. والـحـقـيـقـة هي أنـني لـم أجـد عـنـه الـكـثـيـر مـا عـدا أنّـه اشـتـهـر بـكـتـاب ذكـريـاتـه عـن الـحـرب الّـذي نـشـره في لـنـدن عـام 1920 : “بـيـن الـسّـحـب في سـمـاء بـغـداد، مـذكّـرات ضـابـط في سـلاح الـطّـيـران” (2)

تاننت غلاف

وتـوفي جـون إدوارد تـانَـنـت سـنـة 1941 في حـادثـة سـقـوط طـائـرة كـان يـقـودهـا، وكـان في الـحـاديـة والـسّـتـيـن مـن عـمـره.

بـيـن الـسّـحـب، في سـمـاء بـغـداد :

يـتـكـلّـم تـانَـنـت في كـتـابـه هـذا عـن مـسـانـدة الـقـوّات الـجـويّـة لـعـمـلـيـات الـبـحـريـة الـبـريـطـانـيـة الـحـربـيـة في نـهـرّي دجـلـة والـفـرات، والّـتي نـتـج عـنـهـا احـتـلال بـغـداد في 11 آذار 1917.

ومـن بـيـن مـا حـدث لـه، يـتـكـلّـم عـن إسـقـاط الأتـراك لـطـائـرتـه DH4 ، وأسـرهـم لـه. ويـصـاحـب الـنّـصّ حـوالي 40 صـورة الـتـقـط بـعـضـهـا مـن طـائـرتـه.

ويـبـدأ الـكـتـاب بـربـاعـيـة مـن ربـاعـيـات عـمـر الـخـيّـام (الّـذي ولـد سـنـة 1048 وتـوفي سـنـة 1131 م.)، بـتـرجـمـة إدوارد فـيـتـزجـيـرالـد Edward Fitzgerald لـهـا مـن الـفـارسـيـة إلى الإنـكـلـيـزيـة (3)، كـمـا وضـع تـانَـنـت ربـاعـيـة مـن ربـاعـيـات الـخـيّـام في بـدايـة كـلّ فـصـل مـن فـصـول الـكـتـاب.

الـفـصـل الأوّل : نـحـو الـشّـرق :

غـادرت بـاخـرتـه مـيـنـاء بـلايـمـوث في آخـر يـوم مـن أيّـام حـزيـران عـام 1916، تـقـلّـه نـحـو الـشّـرق الـبـعـيـد، لـيـقـاتـل في أرض لـم يـرهـا مـن قـبـل أبـداً. واخـتـرقـت الـبـاخـرة الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط ووصـلـت إلى بـورسـعـيـد في تـمّـوز. وبـلـغـت درجـات الـحـرارة مـا يـقـارب الـ 38ْ.

وكـان آلاف مـن الـجـنـود الـبـريـطـانـيـيـن قـد انـتـشـروا في تـلـك الـفـتـرة بـيـن بـورسـعـيـد وبـيـن مـديـنـة الـسّـويـس لـيـمـنـعـوا الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة مـن الـوصـول إلى مـصـر. وكـان الـبـريـطـانـيـون قـد أوقـفـوا تـقـدّمـهـا في الـعـريـش.

ثـمّ اجـتـازت الـبـاخـرة الـبـحـر الأحـمـر إلى عـدن، ووصـلـت إلى بـومـبـاي في الـهـنـد (والّـتي أصـبـح اسـمـهـا الآن مـومـبـاي). وغـادرهـا تـانَـنـت في الـثّـلاثـاء 25 تـمّـوز بـصـحـبـة 1600 جـنـدي هـنـدي وأربـعـيـن ضـابـطـاً مـن قـوّات الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة نـحـو مـسـقـط، ومـنـهـا صـعـدوا إلى الـبـصـرة. ووصـلـوا إلى شـطّ الـعـرب في 30 تـمّـوز.

وعـنـدمـا وصـل إلى الـبـصـرة كـتـب : “هـذا الـمـكـان مـشـهـور بـطـقـسـه، تـخـنـق حـرارتـه الـرّطـبـة الـرّئـتـيـن وتـثـقـل عـلـيـهـمـا […] تـنـهـكـنـا في الـنّـهـار ولا تـخـفّ في الـلـيـل، فـلـيـس هـنـاك هـواء مـنـعـش في صـيـف الـبـصـرة”.

وقـد لاحـظ أنّ “سـكّـان الـبـصـرة جـمـوع جـاءت مـن كـلّ أرجـاء الـدّنـيـا”، “ومـثـلـمـا في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة، يـسـلـك الـنّـاس قـنـوات الـمـاء لـلـتّـنـقّـل، هـنـا بـالـبـلـم bellum بـدلاً مـن جـنـدول الـبـنـدقـيـة. وركـبـنـاه قـاصـديـن أسـواق نـهـر الـعـشّـار، ومـررنـا أمـام صـفّ مـن الـمـقـاهي وقـاعـات الـرّقـص    dancing saloons”.

وقـد وصـل جـون إدوارد تـانَـنـت في فـتـرة كـانـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة تـلاقي فـيـهـا صـعـوبـات، خـاصّـة وأنّ “الـكـوت كـانـت قـد اسـتـسـلـمـت في 23 نـيـسـان”، وهـو يـشـيـر هـنـا إلى اسـتـسـلام الـقـوات الـبـريـطـانـيـة بـعـد أن ضـرب الـجـيـش الـعـثـمـاني الـحـصـار أمـام الـكـوت. (1)

ووجـد مـركـز الـقـوّات الـجـوّيـة في الـتّـنّـومـة، في الـجـانـب الـمـقـابـل لـمـيـنـاء الـبـصـرة : “مـجـمـوعـة مـن أكـواخ صـنـعـت مـن سـعـف الـنّـخـيـل وقـلـيـل مـن الـمـرائـب الّـتي بـنـيـت بـالـطّـابـوق وسـقّـفـت بـالـصـفـيـح، في وسـط الـصّـحـراء”، “ولا يـمـكـن أن نـشـتـغـل إلّا في الـفـجـر، فـحـرارة الـشّـمـس لا يـمـكـن تـحـمـلّـهـا بـعـد الـتّـاسـعـة”، “وتـسـاقـط عـدد كـبـيـر مـن الـعـامـلـيـن هـنـا مـرضى وامـتـلأت الـمـسـتـشـفـيـات بـهـم”.

وانـطـلـق تـانَـنـت في فـجـر الـيـوم الـتّـالي، 4 آب، لاسـتـطـلاع الـمـنـطـقـة مـع زمـلاء لـه بـمـركـب بـخـاري، وصـعـدوا إلى الـقـرنـة. ولاحـظ أنّـه : “لـيـس في دجـلـة والـفـرات تـمـاسـيـح ولـكـن أسـمـاك قـرش تـصـعـد فـيـهـمـا وسـلاحـف تـسـبـح بـالـمـئـات”.

ومـرّوا في الـمـسـاء بـقـبـر الـعـزيـر الأزرق الـقـبّـة، وأنـزلـوا الأنـكـر في وسـط الـمـاء لـيـنـامـوا “ولـكـنّ وعـوعـة بـنـات آوى (4) مـنـعـتـنـا مـن الـنّـوم طـيـلـة الـلـيـل”. ووصـلـوا بـعـد ظـهـر الـغـد إلى مـديـنـة الـعـمـارة لـيـروا تـحـضـيـرات إنـشـاء قـاعـدة جـوّيـة فـيـهـا. “والـعـمـارة مـديـنـة كـبـيـرة، مـنـازلـهـا مـبـنـيـة عـلى طـريـقـة الـعـرب هـنـا، أي بـالـلِـبـن. ويـربـط بـيـن ضـفـتي الـنّـهـر جـسـر مـن الـقـوارب شـيّـده الأتـراك قـبـل أن يـغـادروهـا. وسـوقـهـا مـشـهـور بـصـنـعـة الـفـضّـة. وفـيـهـا كـثـيـر مـن الـيـهـود والـعـرب والـفـرس والأكـراد والـهـنـود. وقـد حـوّلـت أحـدى دورهـا إلى نـادي لـلـضّـبـاط، ويـمـكـنـنـا هـنـا أن نـجـلـس في الـطّـارمـة في الـمـسـاء ونـرتـشـف كـأس ويـسـكي مـنـعـش الـبـرودة بـالـصّـودا”.

“وفي يـوم 3 حـزيـران 1915، صـعـد اثـنـان وعـشـرون بـحّـاراً وجـنـديـاً بـريـطـانـيـاً الـنّـهـر في سـفـيـنـة مـسـلّـحـة إلى الـعـمـارة وأجـبـروا 700 جـنـدي مـن حـامـيـة تـركـيـة عـلى الإسـتـسـلام. ولـم تـصـل كـتـيـبـة الـنـورفـولـك             The Norfolk Regiment لـتـسـنـدهـم في اسـتـيـلائـهـم عـلى الـمـديـنـة إلّا في الـغـد”.

ثـمّ وصـلـوا إلى عـلي الـغـربي Ali-Gharbi : “مـجـمـوعـة مـن أكـواخ الـعـرب وخـيـام مـعـسـكـر بـريـطـاني صـغـيـر، ولـيـس فـيـهـا شـجـرة واحـدة”. ثـمّ عـبـروا الـبـاديـة بـسـيّـارة إلى شـيـخ سـعـد Sheikh Saad، وهي قـريـة عـلى بـعـد عـشـريـن مـايـل (أكـثـر مـن 32 كـلـم. بـقـلـيـل) مـن عـلي الـغـربي. “وكـان كـلّ مـا يـفـرّق بـيـن عـلي الـغـربي وشـيـخ سـعـد خـيـام سـريـة سـلاح الـطّـيـران وخـيـام بـعـض الـجـنـود الآخـريـن” :

الـفـصـل الـثّـاني : “أرض رمـال وشـمـس وأسى …” :

ويـتـكـلّـم في هـذا الـفـصـل عـن مـطـار الألـمـان في شُـمـران، عـلى بـعـد عـدّة أمـيـال مـن الـكـوت، وعـن طـائـراتـهـم الـ Fokker و الـ  Albatross. وعـن مـهـاجـمـة ثـلاث مـن الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة لـلـمـعـسـكـر، وكـان تـانَـنـت يـقـود إحـداهـا، وعـن كـيـف مـرّ مـن بـيـن نـيـران مـدافـع الـمـعـسـكـر الـمـضـادة لـلـطّـائـرات قـبـل أن يـرمي بـقـنـابـلـه عـلى الـمـرائـب.

ويـخـصـص مـقـاطـع طـويـلـة لـلـكـلام عـن زمـلائـه الـجـدد الّـذي كـانـوا قـد قـاتـلـوا في بـقـاع مـخـتـلـفـة مـن الـعـالـم مـنـذ بـدايـة الـحـرب قـبـل أن يـأتـوا إلى عـلي الـغـربي.

ويـذكـر أنّ “الـعـرب” كـانـوا مـصـدر قـلـق لـهـم “فـالـحـرب كـانـت بـيـن الـبـريـطـانـيـيـن والأتـراك، ولـكـن الـعـرب كـانـوا يـحـيـطـون بـهـم، يـدورون حـول مـعـسـكـراتـهـم مـثـل بـنـات آوى، والـويـل والـثّـبـور لـمـن يـجـدونـه وحـده مـن الـبـريـطـانـيـيـن أو مـن الأتـراك. وكـان عـلـيـنـا أن نـحـصّـن مـعـسـكـراتـنـا ونـحـيـطـهـا بـالأسـلاك الـشّـائـكـة ونـدافـع عـنـهـا فـالـنّـهـابـون الـسّـلّابـون يـحـومـون حـول حـمـانـا كـلّ لـيـلـة […] ويـمـكـن لـلـبـدوي أن يـقـطـع الأسـلاك ويـمـرّ أمـام الـحـرس ويـسـرق بـنـدقـيـة مـن تـحـت وسـادة جـنـدي مـن غـيـر أن يـوقـظـه، وهـو مـا يـبـدو مـن الـمـعـجـزات الّـتي لا تـعـقـل. وقـد أضـفـنـا عـلى الأسـلاك أسـلاكـاً، وثـبّـتـنـا عـلـيـهـا قـنـابـل جـاهـزة لـلإنـفـجـار إذا مـا مـسّـهـا أحـد، ومـع ذلـك يـتـسـلـل هـؤلاء الـلـصـوص الـعـرب في ضـوء الـقـمـر ويأخـذون أسـلـحـة وذخـيـرة. وقـد حـذروني بـأنّـهـم لا يـتـرددون عـن الـضّـرب بـخـنـاجـرهـم الـطّـويـلـة. وقـد فـقـد عـدد مـن الـطّـيـبـيـن أرواحـهـم بـهـذه الـضّـربـات. ويـنـام أغـلـبـنـا والـمـسـدس بـيـده”.

“والـعـرب عـلى ضـفـة شـطّ الـحي، وهي مـنـطـقـة كـثـيـفـة الـسّـكّـان، يـسـانـدون الأتـراك ويـعـادونـنـا. ويـلـتـجـأ الـلـصـوص مـنـهـم إلى حـصـن قـصـب Gussab’s Fort. وقـد قـصـفـنـاه عـدّة مـرّات. وبـعـد أن سـقـطـت عـلى مـن كـان فـيـه بـعـض الـقـنـابـل، هـربـوا نـحـو عـدد مـن قـرى الـمـنـطـقـة. وكـلّ هـؤلاء الأعـراب مـسـلـحـون ويـمـتـطـون خـيـولاً، وعـنـدمـا يـقـاتـلـون بـتـنـظـيـم يـصـبـحـون أعـداءً يـنـبـغي الإحـتـيـاط مـنـهـم فـهـم شـديـدو الـشّـراسـة، بـالـغـو الـمـكـر”. وهـو يـسـتـعـمـل كـلـمـة بـدو Buddoos كـمـرادف لـكـلـمـة عـرب Arabs.

وكـان مـعـسـكـر الـبـريـطـانـيـيـن في شـيـخ سـعـد يـقـع بـيـن مـسـتـشـفـيـيـن. وكـان أحـدهـمـا مـخـصـصـاً لـمـرضى الـكـولـيـرا. وكـان أغـلـب جـنـود الـمـعـسـكـر مـصـابـون بـالـحـمى : “فـلـم يـكـن هـنـاك طـعـام طـازج، ولا يـحـصـل أحـد عـلى أكـثـر مـن نـصـف وجـبـة. والـلـحـم ذاب في الـمـعـلـبـات، ويـسـيـل في الـصّـحـون عـنـدمـا يـسـكـب مـنـهـا. ولـم يـكـن لـديـنـا مـاء مـنـعـش إلّا في قـربـة تـعـلّـق في الـخـيـمـة طـيـلـة الـلـيـل، ويـنـبـغي شـربـه قـبـل أن تـرتـفـع الـشّـمـس في الـسّـمـاء […] ويـصـبـح كـلّ سـائـل شـديـد الـسّـخـونـة في الـنّـهـار، وتـشـتـدّ حـرارة الـكـؤوس حـتّى لا يـمـكـن أخـذهـا بـالـيـد”، “ونـسـتـعـمـل مـعـلـبـات الـفـواكـه لـتـحـاشي الإصـابـة بـالإسـقـربـوط، ولـكـن فـائـدتـهـا مـحـدودة، فـالإسـقـربـوط والـيـرقـان شـديـدا الإنـتـشـار. ويـصـمـد الـجـنـود الـبـريـطـانـيـون كـالـعـادة رغـم كـلّ هـذا، بـيـنـمـا يـتـسـاقـط الـجـنـود الـهـنـود مـرضى ومـوتى كـالـذّبـاب”.

ونـلاحـظ أنّـه نـادراً مـا يـذكـر الـجـنـود الـهـنـود مـع أنّ أعـدادهـم كـانـت كـبـيـرة في الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة.

وكـتـب جـون إدوارد تـانَـنـت أنّ الـطّـريـقـة الـوحـيـدة لـرسـم خـرائـط مـنـطـقـة مـعـاديـة كـانـت تـصـويـرهـا مـن الـجـو : “وبـدأنـا بـتـصـويـر أربـعـيـن مـايـلاً مـربـعـاً (مـا يـقـارب 64 كـلـم. ونـصـف) حـول الـكـوت. وقـد اسـتـمـرّ الـتّـعـرّف عـلى كـلّ أرجـاء الـجـبـهـة يـومـيـاً، وأرسـلـنـا لـتـصـويـر كـوت الـحي والـعـزيـزيـة ومـنـدلي”.

تاننت دجلة

وقـد صـرعـتـه الـحـمى في أواخـر شـهـر آب، ونـقـل إلى دار عـرب حـوّلـت إلى مـسـتـشـفى في الـعـمـارة، ثـمّ نـقـل إلى قـصـر شـيـخ “بـيـت نـعـمـة Beit Naama” عـلى بـعـد حـوالي خـمـسـة أمـيـال (أكـثـر مـن ثـمـانـيـة كـلـم. بـقـلـيـل) جـنـوب الـبـصـرة كـان الـجـيـش قـد حـوّلـه إلى دار نـقـاهـة لـلـضّـبّـاط.

وبـدأت الـحـرارة تـخـفّ في تـشـريـن الأوّل. وفي بـدايـة هـذا الـشّـهـر، رُبـط سـلاح الـطّـيـران الـبـريـطـاني  (RFC) في الـعـراق  بـسـريـة الـشـرق الأوسـط Middle East Brigade الّـتي كـان يـتـرأسـهـا الـجـنـرال سـومـون، والّـتي كـانـت تـضـمّ أيـضـاً مـصـر وسـالـونـيـك وفـلـسـطـيـن وشـرق أفـريـقـيـا. وبـهـذا ازدادت إمـكـانـيـات الـتّـعـرّف والـتّـصـويـر الّـتي كـانـت الـطّـائـرات تـقـوم بـهـا في الـعـراق لـمـتـابـعـة حـركـات الـجـيـش الـعـثـمـاني. ووصـلـتـه الأخـبـار عـن مـا كـان زمـلاؤه يـقـومـون بـه : “وكـنّـا نـراقـب أيـضـاً بـانـتـبـاه شـديـد الـعـرب الـمـحـيـطـيـن بـمـعـسـكـراتـنـا، وحـالـمـا نـتـعـرّف عـلى خـطـر يـهـددنـا، كـنّـا نـقـصـفـهـم ونـرمي عـلـيـهـم بـالـقـنـابـل. وكـانـت نـتـائـجـهـا أنّـهـا غـالـبـاً مـا كـانـت تـجـبـر أهـل الـعـشـائـر عـلى طيّ خـيـامـهـم وتـرك الـمـنـطـقـة”.

وتـرك تـانَـنـت دار الـنّـقـاهـة في أواخـر تـشـريـن الأوّل ووصـل إلى الـبـصـرة الّـتي قـابـل فـيـهـا الـلـيـوتـنـانـت جـنـرال  ف. س. مـود الّـذي كـان قـد عـيّـن خـلـفـاً لـلـيـوتـنـانـت جـنـرال الـسّـيـر بـرسي لَـيـك قـائـداً عـامـاً لـلـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق General Officer Commanding-in-Chief.

ثـمّ صـعـد إلى الـنّـاصـريـة، فـقـد كـان مـصـمـمـاً عـلى الإسـتـمـرار في خـدمـة بـريـطـانـيـا و”الـقـضّـيـة الـعـظـمى  the Great Cause” رغـم كـلّ الـصّـعـوبـات !

وبـدت لـه الـنّـاصـريـة جـنـيـنـة مـقـارنـة بـشـيـخ سـعـد. وكـانـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة فـيـهـا تـعـيـش بـرغـد، وتـأكـل لـحـمـاً طـازجـاً وخـضـروات وفـواكـه، وتـصـلـهـم كـمـيـات كـبـيـرة مـن الأسـمـاك الّـتي يـصـيـدهـا أهـل الـبـلـد.

“وكـانـت الـقـطـعـات الـبـريـطـانـيـة قـد عـادت مـن مـعـارك دارت عـلى بـعـد سـتّـة أمـيـال (أكـثـر مـن 9 كـلـم. ونـصـف) في شـمـال شـرق الـمـديـنـة، هـزمـت فـيـهـا خـمـسـة آلاف مـن الـعـرب، قـتـلـت مـنـهـم 436 رجـلاً وجـرحـت 800 آخـريـن”.

وكـتـب : “وعـنـدمـا اخـتـار الـرّجـل الأبـيـض the white man أنّ يـلـج هـذه الـمـنـاطـق الّـتي خـلـق طـقـسـهـا لـبـشـر مـخـتـلـفـيـن عـنـه كـان عـلـيـه حـتـمـاً أن يـدفـع ثـمـن ذلـك. فـالـحـرّ والأمـراض تـضـعـف الـدّم، ولـم يـكـن مـمـكـنـاً لأغـلـبـنـا الـعـمـل سـبـعـة أيّـام في الأسـبـوع. وبـعـد أن صـرعـتـني الـحـمى والـدّيـزنـتـري وارتـمـيـت في خـيـمـتي في قـريـة عـرب، نـقـلـوني بـسـيـارة إسـعـاف الـمـعـسـكـر إلى سـفـيـنـة بـخـاريـة لـتـنـزل بي الـنّـهـر”. وكـان ذلـك في وسـط شـهـر تـشـريـن الأوّل. وأنـزلـوه في شـيـخ سـعـد ونـقـلـوه إلى “مـسـتـشـفى في الـصّـحـراء” ولـكـنّـه لا يـتـذكّـر مـا جـرى لـه. وبـعـد أن عـادت لـه قـواه، أرسـلـوه إلى الـجـبـهـة مـن جـديـد.

وبـدأ الـجـوّ يـبـرد في أمـسـيـات أواخـر تـشـريـن الأوّل بـيـنـمـا اسـتـمـرت الـحـرارة مـرتـفـعـة في الـنّـهـار : “وتـهـبـط درجـات الـحـرارة مـبـاشـرة عـشـريـن درجـة، ويـصـل الـفـرق بـيـن الـنّـهـار والـلـيـل مـن 35ْ إلى أربـع درجـات ونـصـف !”. وقـتـل اثـنـان مـن زمـلائـه ودفـنـا عـلى ضـفـة الـنّـهـر.

وفي 25 تـشـريـن الـثّـاني، رأى أحـد زمـلائـه وهـو يـسـتـطـلـع الـمـنـطـقـة بـطـائـرتـه مـجـمـوعـة مـن الـخـيّـالـة يـصـاحـبـون عـربـات تـجـرّهـا الـبـغـال تـتـجـه نـحـو الـجـنـوب بـمـحـاذاة شـطّ الـحي. ونـزل نـحـوهـم وقـصـفـهـم، وتـشـتـت الـشّـمـل في كـلّ الإتـجـاهـات. وقـد ذُكـر في تـقـريـر كـتـب بـعـد ذلـك أنّـه قـتـل تـسـعـة مـنـهـم وجـرح أعـداداً أخـرى، وظـهـر بـعـد ذلـك أنّ الـعـربـات كـانـت مـحـمّـلـة بـالـذّخـيـرة والـعـتـاد، وأعـيـدت إلى الـكـوت”.

وقـد ازدادت أعـداد الـقـوات الّـتي تـصـل إلى جـنـوب الـعـراق. وفي بـدايـة تـشـريـن الـثّـاني، حـوّل مـركـز قـيـادة الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق مـن الـبـصـرة إلى قـريـة عـرب أطـلـقـوا عـلـيـهـا اسـم “الـقـريـة الـبـيـضـاء” كـمـرحـلـة في تـقـدم الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة نـحـو بـغـداد.

تانت نقل الجنود

الـفـصـل الـثّـالـث : “الـمـعـارك الّـتي فـتـحـت بـغـداد” :

يـتـكـلّـم جـون إدوارد تـانَـنـت في هـذا الـفـصـل عـن اجـتـمـاع شـارك فـيـه تـرأسـه الـجـنـرال مـود الّـذي أمـر فـيـه بـالـتّـحـرّك يـوم 12 كـانـون الأوّل “بـعـد ثـمـانـيـة أشـهـر مـن الـسّـكـون”. وتـحـرّك الـفـيـلـق الـثّـالـث في الـلـيـل عـلى الـضّـفـة الـيـمـنى لـلـنّـهـر.

وقـصـف تـانَـنـت مـع طـيّـاريـن مـن زمـلائـه الـجـسـر الّـذي يـربـط مـعـسـكـر الأتـراك في شُـمـران بـالـضّـفـة الـمـقـابـلـة، وقـرى مـحـيـطـة بـمـعـسـكـر شُـمـران.

وقـد اسـتـمـر الـفـيـلـق الـثّـالـث في تـقـدمـه نـحـو شـمـال الـغـرب إلى يـوم 18 كـانـون الأوّل مـحـاصـراً مـوقـع الأتـراك في الـحي، وقـد اسـتـطـاعـت طـائـراتـه ومـدفـعـيـتـه تـحـطـيـم جـسـر الـحي وقـصـف مـعـسـكـر الأتـراك  كـلّ لـيـلـة. وقـصـفـت في لـيـلـة 18 كـانـون الأوّل سـفـيـنـة، وسـمـعـوا أنّـهـا كـانـت تـقـلّ خـلـيـل بـاشـا قـائـد الـقـوّات الـتّـركـيـة، وهـو مـا لـم يـكـن صـحـيـحـاً، ثـمّ قـصـفـت مـعـسـكـر شُـمـران الّـذي هـربـت كـثـيـر مـن قـوّاتـه كـمـا قـصـفـت سـفـنـهـم. واسـتـمـرت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة في قـصـف كـلّ مـواقـع الأتـراك ومـسـانـديـهـم مـن عـشـائـر الـعـرب في كـلّ الـمـنـطـقـة. ومـع ذلـك فـقـد دافـع الأتـراك عـن مـواقـعـهـم : “وكـان الـجـنـرال مـود يـأمـل في أنّ تـخـريـب وسـائـل نـقـلـهـم سـتـجـبـر خـلـيـل بـاشـا عـلى الـتّـحـرك ولـكـنّ خـلـيـل بـاشـا ثـبّـت قـواتـه في أمـاكـنـهـا”.

وهـاجـمـت الـخـيّـالـة الـبـريـطـانـيـة في يـوم 24 كـانـون الأوّل حـصـن قـصـب Gussab’s Fort الّـذي كـان بـأيـدي الـعـرب وأحـرقـتـه.

وصـعـدت طـائـرة اسـتـكـشـاف بـريـطـانـيـة الـنّـهـر حـتّى بـغـداد، وكـانـت تـلـك أولّ مـرّة، مـنـذ مـعـركـة طـيـسـفـون، تـحـلّـق فـيـهـا طـائـرة بـريـطـانـيـة في سـمـاء بـغـداد : “وعـاد [الـطّـيّـار] لـيـصـف لـنـا حـدائـقـهـا وبـسـاتـيـنـهـا وخـضـرتـهـا، ومـحـطّـة قـطـارهـا وخـطـوط الـتّـرامـوي وبـنـايـاتـهـا. وبـدت لـنّـا شـديـدة الـتّـحـضّـر مـقـارنـة بـهـذه الـصّـحـراء”.

وتـكـلّـم تـانَـنـت عـن احـتـفـالـهـم بـأعـيـاد الـمـيـلاد كـعـائـلـة سـعـيـدة مـتـمـاسـكـة الأعـضـاء. وقـد أرادوا الإسـراع في عـمـلـيـاتـهـم الـحـربـيـة قـبـل أن تـبـدأ الأمـطـار بـالـهـطـول وتـبـدأ فـيـضـانـات دجـلـة. وهـبّـت ريـاح جـنـوبـيـة عـاصـفـة وهـطـلـت أمـطـار شـديـدة خـلال آخـر أسـابـيـع كـانـون الأوّل 1916 وأوائـل كـانـون الـثّـاني 1917، وأغـرقـت الـمـنـطـقـة. وارتـفـع مـسـتـوى مـيـاه الـنّـهـر ثـمـانـيـة أقـدام في خـلال أسـبـوعـيـن، وصـار هـمّـهـم أن يـنـقـذوا مـعـسـكـراتـهـم الّـتي تـهـدمـت بـعـض مـرائـبـهـا :

“وهـنـاك فـتـرتـان يـفـيـض فـيـهـمـا دجـلـة والـفـرات : تـبـدأ الأولى مـنـهـمـا في حـوالي ثـاني أسـبـوع مـن تـشـريـن الـثّـاني والّـتي تـسـبـبـهـا الأمـطـار، والـثّـانـيـة في نـيـسـان بـعـد أن تـذوب ثـلـوج الـقـوقـاس، وهي أعـنـف الـفـتـرتـيـن، ويـمـكـن أن تـدوم حـتّى حـزيـران”. “ثـمّ تـنـخـفـض الـمـيـاه لـتـصـل إلى أوطـأ مـسـتـويـاتـهـا في آب وأيـلـول وتـشـريـن الأوّل”. “ومـن الـصّـعـب عـلى الـرّجـل الأبـيـض الـمـضـطـهـد في جـحـيـم قـيـظ الـعـراق أن يـتـصـور سـيـول الـمـاء الـهـائـلـة تـتـراكـض نـازلـة مـن الـقـمـم الـجـلـيـديـة الّـتي عـلى بـعـد آلاف الأمـيـال عـنـه”.

تاننت مطار في الأمطار2)

وقـطـعـت الـفـيـضـانـات اتـصـالات الـبـريـطـانـيـيـن بـالـحي، بـيـنـمـا اسـتـطـاع الأتـراك تـقـويـة مـعـسـكـراتـهـم في الـضّـفـة الـمـقـابـلـة مـن دجـلـة. واسـتـمـرت الـمـنـاوشـات بـيـن الـمـتـعـاديـن.

“ووصـلـت ثـلاث طـائـرات في 20 كـانـون الـثّـاني فـوق بـغـداد وقـصـفـت الـقـلـعـة وخـرّبـت ورشـة عـمـل فـيـهـا وبـعـض الـمـسـاكـن”. واسـتـمـرت الـمـعـارك في شـطّ الـحي في شـبـاط.

“وكـان مـن عـادات الـجـنـرال مـود أن يـعـاني مـن نـفـس الـظّـروف الّـتي يـعـاني مـنـهـا بـاقي الـجـنـود، رافـضـاً وسـائـل الـرّاحـة والامـتـيـازات الـخـاصّـة بـمـنـصـبـه الـعـالي”.

وبـعـد شـهـريـن مـن الـقـتـال الـمـسـتـمـرّ اسـتـطـاعـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة إبـعـاد الأتـراك عـن ضـفـة دجـلـة الـيـمـنى. وقـرر الـجـنـرال مـود عـبـور الـنّـهـر نـحـوهـم، وأمـر بـأن تـقـصـف الـطّـائـرات مـعـسـكـراتـهـم مـن جـديـد. وهـو يـعـتـرف كـعـسـكـري بـأنّ “دفـاع الأتـراك كـان يـدعـو لـلإعـجـاب”.

وبـعـد أن خـطـط الـجـنـرال مـود الـعـمـلـيـة بـدقـة، عـبـر جـنـوده نـهـر دجـلـة، الّـذي كـانـت مـيـاهـه قـد فـاضـت، في لـيـلـة 22 شـبـاط، وهـاجـمـوا مـعـسـكـرات الأتـراك بـعـد أن قـصـفـتـهـا الـطّـائـرات، بـيـنـمـا هـاجـم الـفـيـلـق الـثّـالـث مـن جـهـة الـكـوت وقـصـف الـمـديـنـة.

وهـاجـمـت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة مـعـسـكـرات الأتـراك في فـجـر 23 شـبـاط، وسـار الـمـشـاة نـحـوهـا بـيـنـمـا كـانـت الـمـدفـعـيـة تـضـرب مـن جـهـة الـنّـهـر الـمـقـابـلـة. وبـعـد تـسـاقـط أعـداد مـن الـبـريـطـانـيـيـن قـتـلى، اسـتـطـاعـوا مـدّ جـسـر عـلى دجـلـة. وتـرك الأتـراك مـعـسـكـراتـهـم خـلال الـلـيـل بـيـنـمـا تـقـدّم الـفـيـلـق الأوّل الـبـريـطـاني لـيـفـرغ الـخـنـادق مـن الـجـرحى ومـن جـثـث الـقـتـلى. وبـعـد أن انـتـهى مـدّ الـجـسـر عـبـرت بـاقي الـقـوّات مـع الـمـدفـعـيـة.

وأمـر خـلـيـل بـاشـا قـوّاتـه بـالـهـجـوم ولـكـن بـعـد أن فـات الأوان فـقـد اسـتـمـرت قـوّات الـجـنـرال مـود بـالـتّـقـدّم، وأسـرت ألـفـاً وسـتـمـائـة تـركي مـع مـعـدّاتـهـم وأسـلـحـتـهـم وذخـيـرتـهـم. واسـتـمـرت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة بـمـلاحـقـة الـقـوات الـمـنـسـحـبـة وقـصـفـهـا. وقـد رمى مـن تـبـقى مـن الأتـراك بـمـعـداتـهـم في الـنّـهـر وأكـمـلـوا انـسـحـابـهـم بـأسـرع مـا يـمـكـنـهـم.

وتـابـعـت سـفـن الـحـرب الـبـريـطـانـيـة سـفـن الأتـراك وأغـرقـت بـعـضـهـا بـيـنـمـا سـحـبـت نـحـو الـضّـفـة سـفـيـنـة “الـبـصـرة Busrah” الّـتي كـان عـلى مـتـنـهـا أتـراك وألـمـان مـن بـيـنـهـم 700 جـريـح. واسـتـولى الـبـريـطـانـيـون عـلى ثـلاث سـفـن تـركـيـة وأسـروا ألـف جـنـدي. ورفـع الـعـلـم الـبـريـطـاني فـوق الـكـوت الّـتي خـلـت مـن سـكـانـهـا !

ووصـلـت الـخـيّـالـة الـبـريـطـانـيـة إلى الـعـزيـزيـة في الأوّل مـن شـهـر آذار، بـعـد أن انـسـحـب الأتـراك نـحـو بـغـداد. ثـمّ وصـل إلـيـهـا الـجـنـرال مـود وقـوّاده وبـاقي قـطـعـات الـجـيـش.

وكـانـت مـشـكـلـة الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة الآن ابـتـعـادهـا الـشّـديـد عـن قـواعـدهـا في شـيـخ سـعـد الّـتي تـربـطـهـا بـالـبـصـرة، وأصـبـح الـحـصـول عـلى الـطّـعـام صـعـبـاً، وعـانى الـجـنـود مـن الـجـوع. وكـانـت أسـلاك الـتّـلـغـراف قـد انـقـطـعـت بـعـد انـسـحـاب الأتـراك، فـنـشـر الـجـنـود الـبـريـطـانـيـون أخـشـاب الأعـمـدة الّـتي كـانـت تـسـنـدهـا، وأشـعـلـوا فـيهـا الـنّـار لـيـطـبـخـوا عـلـيـهـا الـقـلـيـل الّـذي بـقي لـهـم لـيـسـدّ رمـقـهـم في وجـبـة الـعـشـاء.

وظـلّ الـجـنـرال مـود يـنـتـظـر الأوامـر مـن لـنـدن، إلى أن وصـلـتـه في الـرّابـع مـن آذار. وكـانـت تـنـصّ عـلى ضـرورة الـتّـقـدّم نـحـو بـغـداد. وبـدأ الـفـيـلـق الأوّل في الـغـد بـالـصّـعـود نـحـو بـغـداد. وحـلّـق تـانَـنـت بـطـائـرتـه حـتّى نـهـر ديـالى. وهـبّـت عـاصـفـة عـجـاج في الـيـوم الـتّـالي اظـلـمّـت لـهـا الـسّـمـاء وأعـاقـت الـتّـقـدّم. ولـم يـتـقـدّم الـفـيـلـق الـثّـالـث وفـصـيـلـة الـخـيّـالـة أكـثـر مـن حـوالي عـشـريـن كـيـلـومـتـراً.

“واقـتـربـنـا مـن طـاق كـسـرى الـشّـاهـق، الّـذي شـيّـده الإنـسـان في الـمـاضي، وهـو الـبـنـاء الـوحـيـد وسـط هـذه الـفـيـافي الـمـنـبـسـطـة الّـتي لا شـجـر فـيـهـا”.

وقـرر الـجـنـرال مـود أن يـبـعـث بـمـهـنـدسـيَـن لـيـضـعـوا الـمـتـفـجـرات تـحـت خـطّ الـسّـكـة الـحـديـدية مـن بـغـداد إلى سـامـراء ويـمـنـعـوا بـذلـك الأتـراك مـن نـقـل أسـلـحـتـهـم وذخـيـرتـهـم. وقـد ركـب الـمـهـنـدسـان في طـائـرتـيـن حـطّـتـا قـرب الـخـطّ وشـرعـا في تـثـبـيـت الـمـتـفـجـرات عـلى الـسّـكّـة : “وكـان هـنـاك قـريـة عـرب عـلى بـعـد حـوالي 700 م.، وحـالـمـا رأوا ضـابـطـيـنـا، كـرّ نـحـوهـمـا خـيّـالـة مـن الـعـرب ، فـاسـتـلـقـيـا عـلى الأرض وأدركـا أنّ مـن الـمـسـتـحـيـل إكـمـال عـمـلـهـمـا وأنّ مـتـفـجـراتـهـمـا لـن تـكـفي لـنـسـف الـسّـكـة، ورجـعـا راكـضَـيـن نـحـو الـطّـائـرتـيـن والـعـرب يـطـلـقـون عـلـيـهـمـا الـرّصـاص”.

ودخـلـت الـمـدفـعـيـة والـبـارجـات الـمـسـلّـحـة في مـنـاوشـات مـع الأتـراك الّـذيـن كـانـوا في الـجـهـة الـمـقـابـلـة مـن نـهـر ديـالى. وحـاولـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة عـبـور ديـالى في الـسّـابـع مـن آذار. وقـبـل أن تـبـدأ بـتـركـيـب أول جـسـر قـوارب انـثـالـت عـلـيـهـا طـلـقـات الأتـراك الـنّـاريـة. وسـقـط الـجـسـر الـثّـاني في الـمـاء وجـرفـتـه الـتّـيـارات الـسّـريـعـة وقـتـل الـجـنـود الـخـمـسـة عـشـر الّـذيـن كـانـوا عـلـيـه، وفـجـرت قـنـابـل الأتـراك الـجـسـر الـثّـالـث وتـسـاقـط شـظـايـا مـع الـجـنـود. ولـم يـفـلـح الـبـريـطـانـيـون في مـدّ الـجـسـر لـلـمـرّة الـرّابـعـة ثـمّ الـخـامـسـة.

وأرسـلـت الـطّـائـرات في الـغـد، الـثّـامـن مـن آذار، لـتـحـديـد مـواقـع الـقـوّات الـتّـركـيـة أمـام بـغـداد. وكـان نـهـر ديـالى يـبـدو صـعـب الـعـبـور. ولـكـنّ الـبـريـطـانـيـيـن حـوّلـوا أمـاكـنـهـم نـحـو الـجـنـوب قـلـيـلاً ومـدّوا جـسـراً عـبـر عـلـيـه الـفـيـلـق الأوّل وفـصـيـلـة الـخـيّـالـة، وعـبـرت بـاقي الـقـوّات في تـلـك الـلـيـلـة، واسـتـمـرت الـمـعـارك حـامـيـة الـوطـيـس. وكـتـب تـانَـنـت : “وسـتـتـذكّـر الأجـيـال الـمـقـبـلـة عـبـور نـهـر ديـالي …” !

“وفي الـتّـاسـع مـن آذار، ألـقـت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة 47 قـنـبـلـة عـلى مـحـطـة الـقـطـار [في بـغـداد]، وعـلى الـمـطـار وعـلى الـقـوات الـتّـركـيـة، وفـجّـرت قـطـاراً في الـكـاظـمـيـن”، وهـاجـم الـفـيـلـق الأوّل وفـصـيـلـة الـخـيّـالـة الـمـواقـع الـتّـركـيـة في جـنـوب غـرب بـغـداد وأخـذتـهـا مـنـهـم، ولـكـن الأتـراك دافـعـوا عـن خـطّ مـواقـعـهـم الـثّـاني طـيـلـة الـلـيـل وقـتـلـوا أعـداداً كـبـيـرة مـن الـمـهـاجـمـيـن الـبـريـطـانـيـيـن”.

ويـعـتـبـر الـكـولـونـيـل تـانَـنـت أنّ الأتـراك دافـعـوا بـشـراسـة عـن مـواقـعـهـم يـومَي الـتّـاسـع والـعـاشـر مـن آذار لـيـأخّـروا وصـول الـبـريـطـانـيـيـن فـتـسـتـطـيـع قـواتـهـم في بـغـداد تـحـمـيـل أكـثـر مـا يـمـكـن مـن مـعـدّاتـهـا وإرسـالـهـا شـمـالاً قـبـل أن تـتـرك الـمـديـنـة.

وكـتـب : “وهـا نـحـن نـقـرع عـلى أبـواب مـديـنـة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة الّـتي كـانـت لـقـواتـنـا حـلـمـاً دام سـنـتـيـن”. ولـم يـسـتـطـع الـجـنـود الـنّـوم في تـلـك الـلـيـلـة وهـم يـبـصـرون بـبـسـاتـيـن بـغـداد ومـنـائـرهـا مـن بـعـيـد.

ووصـلـت عـاصـفـة الـعـجـاج، الّـتي كـانـت تـهـبّ مـنـذ خـمـسـة أيّـام، ذروتـهـا في الـعـاشـر مـن آذار. “وكـان الأعـداء (أي الأتـراك) قـد أخـلـوا مـواقـعـهـم عـلى ضـفـة دجـلـة الـيـمـنى واحـتـمـوا في خـطّ مـن الـخـنـادق أمام جـسـر حـديـدي شـيّـد لـعـبـور قـطـار خـفـيـف فـوق قـنـاة عـلى بـعـد مـايـلـيـن (أكـثـر مـن ثـلاثـة كـلـم.) جـنـوب بـغـداد”. وعـنـدمـا خـفّـت الـعـاصـفـة، وجـدت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة في الـثّـانـيـة صـبـاحـاً أنّ الأتـراك أخـلـوا مـواقـعـهـم بـجـانـب الـجـسـر الـحـديـدي.

إحـتـلال الـجـيـش الـبـريـطـاني لـمـديـنـة بـغـداد :

وفي الـسّـادسـة إلّا ربـعـاً مـن صـبـاح 11 آذار أسـرعـت فـصـيـلـة الـ Black Watch الإسـكـتـلـنـديـة في سـيـرهـا واحـتـلـت مـحـطّـة بـغـداد. ودخـلـت قـطـعـات بـريـطـانـيـة أخـرى في الـجـانـب الـمـقـابـل مـن دجـلـة بـعـد ذلـك بـقـلـيـل. وكـان الأتـراك قـد تـركـوا الـمـديـنـة في ظـلام الـلـيـل وكـثـافـة عـجـاج الـعـاصـفـة. وحـطّـت طـائـرتـان بـريـطـانـيـتـان في الـضّـحى في الـمـطـار الّـذي كـان قـد شـيّـده الألـمـان، وصـعـدت الـسّـفـن الـمـسـلـحـة الـنّـهـر بـحـثـاً عـن الأفـخـاخ.

تاننت 11 آذار)

وتـبـعـتـهـا الـسّـفـيـنـة الّـتي كـان فـيـهـا الـجـنـرال مـود.

“وكـان الـجـو لـطـيـفـاً بـعـد أن خـفّـت الـعـاصـفـة، ودخـلـنـا ونـحـن نـمـخـر عـبـاب مـيـاه الـنّـهـر بـيـن بـسـاتـيـن الـنّـخـيـل كـمـا لـو كـنّـا نـدخـل في عـالـم آخـر بـعـد هـذه الأشـهـر الـطّـويـلـة الّـتي قـضـيـنـاهـا في الـمـعـانـاة وسـط الـفـلاة”.

“وكـان الأتـراك قـد حـاولـوا إعـاقـة مـسـيـرنـا بـوضـع سـلاسـل حـديـديـة سـمـيـكـة عـبـر الـنّـهـر، ولـكـنّـهـم لـم يـجـدوا الـوقـت، في انـسـحـابـهـم الـسّـريـع، إلّا لـتـثـبـيـتـهـا مـن جـانـب واحـد فـقـط”.

“وكـنّـا عـلى مـتـن الـسّـفـيـنـة مـع الـجـنـرال مـود عـنـدمـا مـرّت عـبـر مـنـحـنى الـنّـهـر الّـذي أوصـلـهـا إلى جـزئـه الّـذي يـقـسـم الـمـديـنـة في وسـطـهـا إلى نـصـفـيـن. وتـكـالـبـت جـمـوع أهـل الـبـلـد عـلى الـضّـفـاف وقـد جـاءوا مـرتـديـن مـلابـس الأعـيـاد ورافـعـيـن بـوقـار أعـلامـاً بـيـضـاء”.

ورفـع الأعـلام الـبـيـضـاء تـدلّ عـلى أنّـهـم مـسـالـمـيـن لا أسـلـحـة بـأيـديـهـم، مـمـا يـعـني اسـتـسـلام أهـل الـبـلـد وخـضـوعـهـم.

وتـتـمـلـكـنـا الـدّهـشـة هـنـا عـنـدمـا نـرى أنّ الـجـنـرال مـود دخـل بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة بـيـنـمـا تـعـوّدنـا عـلى رؤيـة صـوره مـمـتـطـيـاً صـهـوة جـواده وهـو يـقـود قـواتـه داخـلاً بـغـداد مـن بـاب الـمـعـظـم ! (1)

وكـتـب تـانَـنـت : “وتـوقـفـت الـسّـفـيـنـة أمـام دار الـمـقـيـم الـبـريـطـاني الـقـديـمـة، وربـطـت عـلى الـضّـفـة. وكـان الأتـراك قـد حـوّلـوهـا إلى مـسـتـشـفى. وكـانـت بـمـحـاذاتـهـا الـقـنـصـلـيـة الأمـريـكـيـة الّـتي كـان يـرفـرف فـوق سـطـحـهـا عـلـمـهـا “الـمـخـطط والـمـنـجّـم”. ونـزلـت مـع الـطّـبـيـب  O’Riordan، ودخـلـنـا الـمـسـتـشـفى بـصـعـوبـة لـشّـدة روائـحـهـا الـنّـتـنـة، ومـررنـا مـن سـريـر إلى سـريـر نـتـفـحـصّ مـن عـلـيـهـا، وكـان بـعـضـهـم قـد مـاتـوا وبـعـضـهـم مـا زالـوا أحـيـاء. وكـان بـعـضـهـم يـحـبـون عـلى الأرض لا يـسـتـطـيـعـون الـسّـيـر. ولـم يـكـن هـنـاك شئ مـن الـمـتـطـلـبـات الـصّـحـيـة، فـقـد أهـمـل هـؤلاء الـجـرحى والـمـرضى في الأيّـام الأخـيـرة […] وخـرجـنـا نـحـو أشـعـة الـشّـمـس لـنـتـنـفـسّ الـهـواء الـمـنـعـش”.

ومـن الـمـؤسـف أنّ جـون إدوارد تـانَـنـت تـرك الـجـنـرال مـود أمـام دار الـمـقـيـمـيـة، ولـم يـكـمـل مـعـه الـمـسـيـر في بـغـداد. فـقـد كـنّـا نـودّ مـعـرفـة مـا فـعـلـه الـجـنـرال مـود بـعـد ذلـك.

ويـكـمـل تـانَـنـت بـعـد أن تـرك الـجـنـرال مـود : “وعـبـرتُ الـنّـهـر نـحـو الـمـطـار بـيـن مـحـطّـة الـقـطـار ومـحـطّـة الـبـث الـلاسـلـكي. وكـانـت هـذه الـمـحـطـة شـديـدة الـقـدرة عـلى الـبـث، وقـبـل عـدّة أيّـام فـقـط، اكـتـمـل فـيـهـا مـدّ خـطّ اتـصـالات بـيـن بـرلـيـن ودار الـسّـلام في مـسـتـعـمـرات أفـريـقـيـا الـشّـرقـيـة الألـمـانـيـة. وقـد خـربّـوهـا تـمـام الـتّـخـريـب قـبـل أن يـتـركـوهـا : فـجّـروا بـنـايـتـهـا الـمـركـزيـة الّـتي تـطـايـر سـقـفـهـا شـظـايـا وحـطّـمـوا الآلات، وتـنـاثـرت بـقـايـا أصـابـع الـدّيـنـامـيـت في كـلّ مـكـان. أمّـا سـقـف مـحـطّـة الـقـطـار فـلـم يـكـن قـد تـهـدّم تـمـامـاً، ولـكـنّ أغـلـب الـقـاطـرات قـد خـرّبـت بـعـد أن فـجّـرت بـالـدّيـنـامـيـت. […] وكـان كـلّ مـا فـيـهـا قـد جـلـب مـن ألـمـانـيـا”.

“ووجـدنـا في الـمـطـار حـطـام طـائـرة تـركـهـا الـطّـيـارون الألـمـان […] وجـلـس عـدد مـن الـعـرب الـقـرفـصـاء في زاويـة بـكـسـل وبـلا مـبـالاة يـحـيـطـهـم جـنـود بـريـطـانـيـون يـوجـهـون نـحـوهـم أسـلـحـتـهـم، فـقـد امـسـكـوا بـهـم وهـم يـحـاولـون إطـلاق الـنّـار عـلى بـعـض جـنـودنـا قـرب الـنّـهـر”.

“وقـد شـددت الـحـراسـة عـلى كـلّ مـداخـل الـمـديـنـة، وقـطـعـت الـشّـوارع ووضـعـت فـيـهـا مـخـافـر اسـتـعـداداً لـحـراسـتـهـا في الـلـيـل. وكـان الـعـرب والأكـراد قـد نـهـبـوا الأسـواق وأشـعـلـوا حـرائـق فـيـهـا، فـقـد حـلـت الـفـوضى وسـاد الـرّعـب بـعـد إخـلاء الأتـراك لـلـمـديـنـة. ولـحـسـن الـحـظ وصـلـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـتـعـيـد الـنّـظـام ولـتـمـنـع الـلـصـوص الـمـجـرمـيـن مـن نـهـب كـلّ الـمـديـنـة وقـتـل أهـلـهـا”.

“وكـان الأتـراك قـد خـيّـمـوا عـلى ضـفـة الـنّـهـر، عـلى بـعـد 14 مـايـلاً (حـوالي 23 كـلـم.) شـمـال بـغـداد، وانـسـحـبـت فـصـيـلـة أخـرى مـنـهـم نـحـو بـعـقـوبـة. وكـانـت خـيـالـتـنـا في الـكـاظـمـيـن Khazimain، خـارج بـغـداد، ولـكـنـهـا لـم تـلـحـق بـالأتـراك، وخـيّـم بـاقي جـنـودنـا حـول بـغـداد”.

“وفـكّـرنـا بـبـاعـة الـجـرائـد مـن الـصّـبـيـان يـعـلـنـون الأنـبـاء صـائـحـيـن، وبـهـيـجـان الـنّـاس عـنـد سـمـاعـهـا في الـطّـرف الـبـعـيـد مـن الـعـالـم، في إنـكـلـتـرة”.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917

(2) In the clouds above Baghdad : benig the records of an air commander, London, Cecil Palmer 1920.

(3) يـعـرف الـكـثـيـر مـن قـرّائي ولا شـكّ أن تـرجـمـة Edward Fitzgerald لـربـاعـيـات عـمـر الـخـيّـام تـعـتـبـر عـمـلاً أدبـيـاً بـحـدّ ذاتـهـا، ونـجـد بـعـضـهـا في الـمـخـتـارات الّـتي تـنـشـر عـن الأدب الإنـكـلـيـزي.

(4) قـال ابـن الـرّومي :

كـأنّيَ مـا نـبّـهـتُ صـحـبي لـشـأنـهـم   إذا مـا ابـنُ آوى آخـرَ الـلـيـلِ وعـوعـا

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

ولـيـمـة تـدشـيـن قـصـر الـمـلـك آشـورنـاصـربـال

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـثـر في حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـامـت بـهـا “الـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لـلآثـار في الـعـراق  the British School of Archaeology in Iraq” عـام 1951 في نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـحُ أو كـلـخُ الـقـديـمـة) جـنـوب الـمـوصـل، عـلى لـوح مـن الـحـجـر ارتـفـاعـه مـتـر و27 سـنـتـم.، عـلـيـه نـصّ بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة بـ 154 سـطـر، يـصـف تـشـيـيـد الـمـلـك آشـورنـاصـربـال الـثّـاني (حـكـم مـن 883 إلى 859 قـبـل الـمـيـلاد) لـقـصـره الـشّـديـد الـفـخـامـة والـضّـخـامـة في عـاصـمـتـه الـجـديـدة كـلـحُ.

Stèle 3

ويـفـصّـل نـصّ الـنّـقـش الـكـلام عـن ولـيـمـة تـدشـيـن الـقـصـر الّـتي قـدّمـهـا آشـورنـاصـربـال الـثّـاني لـتـكـريـم إلـهـه آشـور، وآلـهـتـه الآخـريـن، والّـتي اسـتـضـاف فـيـهـا أعـداداً كـبـيـرة مـن الـمـدعـويـن أكـرمـهـم فـيـهـا بـمـا لا يـعـد ولا يـحـصى مـن الأطـعـمـة والأشـربـة. (1)

وقـد نـقـش الـنّـصّ عـلى الـحـجـر،

حـول مـنـحـوتـة قـلـيـلـة الـبـروز تُـظـهـر الـمـلـك واقـفـاً وفـوقـه رمـز الإلـه آشـور، كـبـيـر آلـهـتـه، ورمـوز الآلـهـة الآخـريـن (2). ولـم يـكـن لـولـيـمـة الـولائـم هـذه مـثـيـل مـن قـبـل.

لوح وليمة آشورناصربال

 

قـصـر آشـورنـاصـربـال الـثّـاني :

وقـبـل أن أتـكـلّـم لـكـم عـن هـذه الـولـيـمـة يـنـبـغي عـلـيـنـا أوّلاً أنّ نـتـذكّـر أنّ مـلـوك الآشـوريـيـن شـيّـدوا قـصـوراً لـهـم في مـديـنـة آشـور (مـوقـع قـلـعـة الـشّـرقـاط الـحـالـيـة)، أولى عـواصـهـم، مـنـذ الألـف الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد. ولـكـنّ اشـتـداد قـوّة دولـتـهـم في الـقـرن الـتّـاسـع قـبـل الـمـيـلاد وامـتـداد سـيـطـرتـهـا عـلى مـنـاطـق شـاسـعـة حـول دجـلـة والـفـرات اسـتـدعى تـشـيـيـد مـعـالـم مـعـمـاريـة بـضـخـامـة لـم يـسـبـق لـهـا مـثـيـل.

وقـد تـرك الـمـلـك آشـورنـاصـربـال الـثّـاني مـديـنـة آشـور، واخـتـار مـوقـع مـديـنـة صـغـيـرة كـانـت قـد خـرّبـت، اسـمـهـا كـلـحُ أو كـلـخُ (مـوقـع نـمـرود الـحـالي جـنـوب الـمـوصـل). وشـيّـد فـوق مـرتـفـعـاتـهـا، ابـتـداءً مـن عـام 878 قـبـل الـمـيـلاد، قـصـراً بـالـغ الـضّـخـامـة والـفـخـامـة أصـبـح نـمـوذجـاً لـلـقـصـور الـمـلـكـيـة الّـتي شـيّـدهـا الـمـلـوك الّـذيـن خـلـفـوه. فـقـد وضـع بـتـشـيـيـده لـهـذا الـقـصـر الـقـواعـد الـمـعـمـاريـة الّـتي اتّـبـعـت بـعـده :

“أنـا، آشـور نـاصـربـال […] إخـتـرت كـلـحُ، وحـوّلـت تـلّـهـا الـقـديـم. حـفـرتـه إلى مـسـتـوى الـمـيـاه وشـيّـدت أرضـيـة شـديـدة الـسّـعـة، مـسـطـحـة ومـرتـفـعـة [شـيّـدت عـلـيـهـا الـقـصـر] وزيّـنـتـه بـأخـشـاب الـبـقـس وأخـشـاب شـجـر الـتّـوت والأرز والـسّـرو”، وبـأنـواع أخـرى مـن الأشـجـار الـنّـادرة الـثّـمـيـنـة الـعـطـرة الأخـشـاب .

وقـد اسـتُـعـمـلـت هـذه الأخـشـاب الـثّـمـيـنـة الـنّـادرة، الّـتي جـلـب أغـلـبـهـا مـن مـنـاطـق بـعـيـدة، لـتـسـقـيـف قـاعـات الـقـصـر وغـرفـه ولـنـجـارة الأبـواب الـضّـخـمـة الّـتي غـطـيـت في أغـلـب أجـزائـهـا بـالـبـرونـز والـمـعـادن الـثّـمـيـنـة.

وكـانـت أهـمّ تـخـطـيـطـات هـذا الـقـصـر الـمـعـمـاريـة انـقـسـامـه إلى جـزأيـن، شـيّـد كـلّ مـنـهـمـا حـول حـوش مـركـزي : الـبـابـانـو، وهـو مـركـز الـحـكـم، والـبـيـتـانـو، وهـو سـكـن الـمـلـك، فـقـد كـان قـصـر الـمـلـك الآشـوري مـكـان إقـامـتـه ومـركـز حـكـمـه في نـفـس الـوقـت.

كلحُ

ونـحـتـت مـن الـحـجـر أُسـود وثـيـران مـجـنـحـة هـائـلـة الأحـجـام بـرؤوس بـشـريـة لـتـحـرس أبـواب الـقـصـر وأبـواب قـاعـة الـعـرش الّـتي تـقـع في وسـط جـزأي الـقـصـر، والّـتي كـان الـمـلـك يـعـقـد فـيـهـا مـجـالـس حـكـمـه. وغـطّـيـت جـدرانـهـا بـألـواح واسـعـة مـن الـحـجـر الـمـنـحـوت نـحـتـاً قـلـيـل الـبـروز. وثـبّـتـت الألـواح عـلى جـدران مـن الـلِـبـن والـطّـابـوق.

وصـوّرت في الـمـنـحـوتـات مـشـاهـد رمـزيـة تـجـسّـد سـلـطـة الـمـلـك وقـوتـه ومـهـابـتـه، ومـشـاهـد سـرديـة لـحـروبـه وانـتـصـاراتـه، كـمـا نـجـد فـيـهـا مـشـاهـد ديـنـيـة وطـقـوسـيـة. وكـذلـك مـشـاهـد صـيـده لـلأسـود والـثّـيـران الـوحـشـيـة.

آشورناصربال

وكـان قـصـر الـمـلـك آشـورنـاصـربـال الـثّـاني أوّل الـقـصـور الآشـوريـة الّـتي زيّـنـت جـدرانـهـا بـألـواح واسـعـة مـن الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز. ومـع ذلـك تـتـمـلـكـنـا الـدّهـشـة والإعـجـاب أمـام هـذه الأعـمـال الـفـنّـيـة الّـتي تـوصّـل فـيـهـا الـنّـحـاتـون إلى تـمـلـك بـاهـر لـفـنّـهـم وإلى إيـجـاد أسـالـيـب مـتـكـامـلـة بـالـغـة الإبـداع لـم يـسـبـقـهـم إلـيـهـا سـابـق ولا شـبـيـه لـهـا في فـنـون الـمـنـاطـق الأخـرى. فـهي قـد بـلـغـت الـكـمـال ولـم تـكـن قـد بـدأت إلّا بـالـكـاد !

ولـكي تـزدهـر عـاصـمـتـه الـجـديـدة كـان يـنـبـغي أن تـزدهـر الـمـنـطـقـة حـولـهـا والـرّيـف الـمـحـيـط بـهـا، فـأمـر الـمـلـك بـحـفـر قـنـاة تـأتي بـالـمـيـاه مـن الـزّاب الأعـلى لـتـسـقي الـبـسـاتـيـن الّـتي أمـر بـغـرس أشـجـارهـا. كـمـا أمـر بـزرع كـروم يـسـتـعـمـل نـبـيـذه في طـقـوس الـمـعـابـد. ويـذكـر نـصّ الـنّـقـش عـدداً كـبـيـراً مـن الـنـبـاتـات الأخـرى الّـتي أمـر الـمـلـك بـزرعـهـا.

وفي داخـل عـاصـمـتـه الـجـديـدة، وبـمـقـربـة مـن قـصـره، أمـر آشـورنـاصـربـال الـثّـاني بـتـشـيـيـد مـعـبـد جـديـد لـلإلـهـيـن إنـلـيـل ونـيـنـورتـا، ومـعـابـد صـغـيـرة لـحـوالي عـشـرة مـن الآلـهـة الآخـريـن، زيّـنـت كـلّـهـا بـأخـشـاب الأرز الـمـغـطـاة بـالـبـرونـز. وغـطّـيـت تـمـاثـيـل الآلـهـة بـطـبـقـات مـن الـمـعـادن الـثّـمـيـنـة.

وأنـشـأ في مـديـنـتـه الـجـديـدة أيـضـاً حـدائـق واسـعـة وضـع فـيـهـا حـيـوانـات ونـبـاتـات جـاءت مـن كـلّ أرجـاء دولـتـه الـمـمـتـدّة الأطـراف ومـن الـمـنـاطـق الّـتي حـارب فـيـهـا خـارج دولـتـه.

وهـو يـفـتـخـر بـتـوسـيـعـه لأراضي دولـتـه وبـإكـثـار رعـيـتـه بـإسـكـان أسـرى الـبـلـدان الـمـفـتـوحـة في كـلـح وفي أنـحـاء بـلاد آشـور الأخـرى. وهـو بـهـذا قـد اسـتـمـرّ فـيـمـا بـدأه سـابـقـوه، أي أنّـه لـم يـعـامـل الأسـرى كـسـجـنـاء بـل انـتـفـع مـن قـوى شـبّـانـهـم في تـنـفـيـذ الأعـمـال الـشّـاقـة ومـن مـهـارة صـنّـاعـهـم ومـن مـعـارف الـمـتـعـلـمـيـن مـنـهـم.

لـوح وصـف الـولـيـمـة :

أودّ أن أذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز أوّلاً بـأنّ عـلـمـاء الآشـوريـات واجـهـوا صـعـوبـات في قـراءة بـعـض أجـزاء هـذا الـنّـصّ، وهـم يـواجـهـونـهـا في قـراءة أغـلـب الـنّـصـوص الـمـكـتـوبـة بـالـلـغـة الأكّـديـة وبـالـمـسـمـاريـة. ولـهـذا نـجـد اخـتـلافـات في تـرجـمـاتـهـم، سـأحـاول أن أوافـق بـيـنـهـا حـسـب اسـتـطـاعـتي. كـمـا لـم يـتّـفـقـوا عـلى تـحـديـد الـسّـنـة الّـتي دشّـن فـيـهـا قـصـر آشـورنـاصـربـال الـثّـاني في كـلـحُ، والّـتي نـقـش فـيـهـا هـذا الـنّـصّ، فـمـنـهـم مـن يـقـتـرح عـام 879 قـبـل الـمـيـلاد، ومـنـهـم مـن يـقـتـرح عـامـاً بـيـن 874 و 866، ومـنـهـم مـن يـقـتـرح عـام 864، أي خـمـس سـنـوات قـبـل وفـاة الـمـلـك.

ويـشـتـمـل لـوح تـشـيـيـد الـمـلـك آشـورنـاصـربـال الـثّـاني لـقـصـره الـشّـديـد الـضّـخـامـة في عـاصـمـتـه الـجـديـدة كـلـح، والّـذي يـتـكـلّـم فـيـه عـن ولـيـمـة تـدشـيـن الـقـصـر، عـلى عـدّة أقـسـام :

نقش آشورناصربال

يـبـدأ الـقـسـم الأوّل بـتـعـريـف الـمـلـك الآشـوري بـنـفـسـه لـلـذيـن سـيـجـدون الـنّـصّ بـعـده مـن الأجـيـال الـتّـالـيـة. وقـد أدخـل آشـورنـاصـربـال الـثّـاني في كـلّ نـصـوصـه مـقـدمـات طـويـلـة يـعـرّف فـيـهـا بـنـفـسـه لـم يـكـن سـابـقـوه يـسـتـعـمـلـونـهـا :

آشورناصربال الثاني 2

“أنـا، آشـورنـاصـربـال، ولي الإلـه آشـور، ومـصـطـفى الإلـهـيـن إنـلـيـل ونـيـنـورتـا، وخـلـيـل الإلـهـيـن أنـو ودَغـان، والـمـدافـع عـن حـرمـة الآلـهـة الـعـظـام”. وكـان أوّل مـن اسـتـعـمـل تـعـبـيـر “إشّـاك آشـور” أي “ولي الإلـه آشـور” أو “نـائـبـه عـلى الأرض”. ثـمّ تـبـع ذلـك بـألـقـابـه الـفـخـريـة :

“أنـا الـمـلـك الـعـظـيـم الـجـبّـار (شـارّو دانـو)، مـلـك الـدّنـيـا (شـارّو كـيـشّـاتي) ومـلـك بـلاد آشـور، إبـن تـوكـولـتي نـيـنـورتـا، الـمـلـك الـعـظـيـم الـجـبّـار، مـلـك الـدّنـيـا ومـلـك بـلاد آشـور، إبـن أداد نـيـراري الـمـلـك الـعـظـيـم الـجـبّـار، مـلـك الـدّنـيـا ومـلـك بـلاد آشـور …”.

وبـعـد أن أطـنـب في تـمـجـيـد دولـتـه والافـتـخـار بـهـا، ذكـر مـراحـل تـأسـيـس عـاصـمـتـه الـجـديـدة كـلـحُ، وكـيـف قـرر، هـو آشـورنـاصـربـال الّـذي وهـبـه الإلـه إيـا، إلـه الأعـمـاق وإلـه الـحـكـمـة، إدراكـاً واسـعـاً وذكـاءً لا حـدود لـه، أن يـعـيـد تـشـيـيـد مـديـنـة كـلـحُ ويـتـخـذهـا عـاصـمـة لـه. فـشـيّـد قـصـراً زيّـنـه بـأنـدر الـتّـحـف الّـتي كـان قـد غـنـمـهـا في حـمـلاتـه الـحـربـيـة، وجـلـب الأسـرى مـن الـبـلـدان الـمـفـتـوحـة لـيـسـكـنـهـم في عـاصـمـتـه الـجـديـدة.

ولـيـمـة تـدشـيـن قـصـر كـلـح :

يـخـصـص نـصّ الـنـقـش حـوالي خـمـسـيـن سـطـراً لـتـفـصـيـل الـكـلام عـن ولـيـمـة الـولائـم الّـتي  أقـامـهـا الـمـلـك آشـورنـاصـربـال الـثّـاني، والّـتي دعـا إلـيـهـا أوّلاً كـلّ الآلـهـة وعـلى رأسـهـم آشـور :

“وعـنـدمـا دشّـن آشـورنـاصـربـال، مـلـك بـلاد آشـور، قـصـر الـبـهـجـة والـحـكـمـة الـمـتـكـامـلـة في مـديـنـة كـلـحُ، وجـه الـدّعـوة لآشـور، كـبـيـر الآلـهـة، ولآلـهـة كـلّ الـبـلـدان [لـيـشـاركـوا في الـولـيـمـة]”.

فـالـولـيـمـة كـانـت إذن، أوّلاً وقـبـل كـلّ شئ، لـتـكـريـم الآلـهـة. ثـمّ فـصّـل الـكـلام في ذكـر الـمـدعـوّيـن مـن الـبـشـر :

“عـنـدمـا دشّـنـت قـصـري في مـديـنـة كـلـحُ، دعـوت 574 69 (سـتّـة وتـسـعـيـن ألـفـاً وخـمـسـمـائـة وأربـعـة وسـبـعـيـن) رجـلاً وامـرأة مـن كـلّ الـبـلـدان : مـنـهـم 5000 (خـمـسـة آلاف) مـن الـوجـهـاء الـمـبـعـوثـيـن مـن الـبـلـدان الـمـجـاورة”. ويـذكـر أسـمـاء الـبـلـدان الاثـنَي عـشـر الـمـحـيـطـة بـبـلاد آشـور والّـتي أرسـلـت هـؤلاء الـمـنـدوبـيـن عـنـهـا.

“و 16000 (سـتّـة عـشـر ألـفـاً) مـن سـكـان كـلـحُ، و 1500 (ألـفـاً وخـمـسـمـائـة) مـن مـوظـفي قـصـري. ومـجـمـوعـهـم : 574 69، دعـوتـهـم مـن كـلّ أرجـاء الـدّنـيـا، ومـن عـاصـمـتي كـلـحُ”.

“ولـمـدّة عـشـرة أيّـام كـامـلـة، أطـعـمـتـهـم وسـقـيـتـهـم وأمـرت أن يـسـتـحـمّـوا وأن يُـمـسـح عـلـيـهـم بـالـزّيـوت الـمـعـطّـرة، وأكـرمـتـهـم قـبـل أن أرجـعـهـم إلى دورهـم وبـلادهـم سـالـمـيـن”.

ورغـم أنّ الـنّـصّ لا يـذكـر الـمـوسـيـقى والـغـنـاء فـنـحـن نـعـرف مـن الـمـنـحـوتـات الآشـوريـة ومـن نـصـوص ولائـم مـلـوك آشـور الآخـريـن أنّ الاحـتـفـالات لا تـخـلـو مـنـهـمـا عـادة.

ولـيـس في الـنّـصـوص الـمـلـكـيـة الآشـوريـة مـا يـشـبـه نـصّـنـا هـذا، فـهـو الـوحـيـد مـن بـيـنـهـا الّـذي يـذكـر قـائـمـة طـويـلـة بـالـمـأكـولات والـمـشـروبـات الّـتي قـدّمـت في هـذه الـولـيـمـة، والّـتي سـأخـتـصـرهـا تـحـاشـيـاً لـلـمـلـل.

وقـد أمـر الـمـلـك لـيـطـعـم آلـهـتـه وضـيـوفـه بـذبـح آلاف مـن الأبـقـار والـعـجـول والأغـنـام وصـغـارهـا، وألـف مـن الـظّـبـاء والـغـزلان وألـف مـن الـبـطّ وخـمـسـمـائـة مـن الأوز وآلاف مـن الـكـوركـو (أوز؟) ومـن طـيـور الـمـيـسـوكـو والـقـريـبـو وحـمـام الـسّـكـنـانـونـو، ومـن الـعـصـافـيـر وصـغـار الـطّـيـور، بـعـضـهـا صـيـدت وبـعـضـهـا مـدجّـنـة، وعـشـرة آلاف مـن الأسـمـاك.

ثـمّ يـذكـر الـنّـصّ عـشـرة آلاف رغـيـف خـبـز ومـثـلـهـا مـن الـبـيـض، وعـشـرة آلاف جـرّة مـن الـبـيـرة. وكـانـت الـبـيـرة تـصـنـع مـن الـشّـعـيـر.

كـمـا يـذكـر الـنّـصّ عـشـرة آلاف زِقّ مـن الـنّـبـيـذ. وكـان الـنـبـيـذ الـعـادي يـوضـع في زقّ (زقّـو) والـنـبـيـذ الـمـزّو في جـرّة (دوغ شـاب)، وطـبـعـاً فـلا بـدّ أنّ “الـزّقـو” و”الـدّوغ شـاب” كـانـتـا وحـدتَي قـيـاس لـلـكـمـيـة، ولـكـنـنـا الآن لا نـعـرف بـالـضّـبـط هـذه الـكـمـيـة. ونـحـن نـعـرف مـن الـنّـصـوص الآشـوريـة أنّ كـمـيـات مـن الـبـيـرة والـنـبـيـذ كـانـت تـقـدّم لـلآلـهـة في الـطـقـوس الـدّيـنـيـة ولـلـبـشـر في ولائـم الأعـيـاد.

ويـذكـر الـنّـصّ أيـضـاً صـحـون مـن حـبـوب الـحـنـطـة والـشّـعـيـر الـمـطـبـوخـة أو الـمـشـويّـة وحـبـوب مـمـلّـحـة وآنـيـة مـن حـبـوب الـشّـيـعـو في زيـت الـسّـمـسـم، ومـن الـزّيـوت والـبـصـل والـثّـوم والـزّعـتـر والـتّـوابـل والـعـسـل والـجـبـن والـلـبـن، وخـضـروات قـدّمـت لـلـمـدعـوّيـن ومـطـيّـبـات وجـد الـمـخـتـصّـون صـعـوبـات في تـحـديـد مـعـاني بـعـضـهـا. ولا شـكّ في أنّ فـواكـه ومـقـبّـلات قـدّمـت، قـطـفـت مـن الأشـجـار الّـتي كـان آشـورنـاصـربـال الـثّـاني قـد أمـر بـزرعـهـا، والّـتي ذكـرهـا في بـدايـة نـصّ الـنّـقـش، مـثـل الـجـوز والـفـسـتـق والـبـنـدق والأعـنـاب والـتّـيـن والـزّيـتـون. كـمـا وضـعـت كـمّـيـات مـن الـتّـمـر جـلـبـت مـن الـجـنـوب.

ولا نـعـرف مـن الـنّـصّ أنـواع الـصـحـون الّـتي قـدّمـت لـلـمـدعـويـن ولا طـريـقـة طـبـخـهـا.

ويـبـدو جـرد كـمـيـات الـمـأكـولات والـمـشـروبـات هـذا قـوائـم حـسـابـات سـجّـلـت لـتـبـريـر الـنّـفـقـات الـهـائـلـة الّـتي تـطـلّـبـهـا إعـداد الـولـيـمـة. ونـلاحـظ أنّ الأرقـام في غـالـبـيـتـهـا أرقـام كـامـلـة، لـيـس فـيـهـا أجـزاء، أي أنّـهـا تـكـتـفي بـذكـر الآلاف. وغـالـبـاً مـا تـكـمـل الـعـدد إلى الألـف الأعـلى،(3) أو الـمـئـات أو الـعـشـرات.

هـل في قـائـمـة الـمـأكـولات مـا يـكـفي لإطـعـام الـمـدعـوّيـن ؟

إذا مـا فـهـمـنـا مـن الـنّـصّ أنّ مـا يـقـارب الـسّـبـعـيـن ألـف مـدعـوّ تـنـاولـوا وجـبـتـيـن فـقـط في الـيـوم، أكـلـوا وشـربـوا فـيـهـا مـا يـكـفـيـهـم ولـمـدّة عـشـرة أيّـام، أي أنّـهـم تـنـاولـوا أكـثـر مـن 000 400 1 (مـلـيـون وأربـعـمـائـة ألـف وجـبـة)، فـكـمـيـات الـمـأكـولات والـمـشـروبـات الـمـذكـورة في الـنّـصّ تـبـدو إذن قـلـيـلـة جـدّاً، لا تـكـفي لإشـبـاعـهـم وارتـوائـهـم. وهـذا مـا وجـده بـعـض الـمـخـتـصّـيـن بـالـدراسـات الآشـوريـة، كـعـادتـهـم في تـدقـيـق الـمـعـلـومـات بـحـسـابـات لـلـتّـأكـد مـن صـحـة الأرقـام الّـتي تـذكـرهـا الـنّـصـوص. (4)

ووجـدوا أنّ الـطـعـام لـو قـسّـم عـلى الـمـدعـويـن فـلـن يـحـصـل كـلّ ألـف وثـمـانـيـن مـدعـو مـنـهـم إلّا عـلى لـحـم بـقـرة واحـدة، وكـلّ اثـنـيـن وثـمـانـيـن مـنـهـم عـلى لـحـم خـروف واحـد، ولـتـقـاسـم مـائـة وأربـعـون مـنـهـم بـيـضـة واحـدة !

وحـتّى لـو قـلـلـنـا عـدد الـوجـبـات إلى أقـلّ مـا يـمـكـن واعـتـبـرنـا أنّ الـمـدعـوّيـن تـتـابـعـوا عـلى الـمـوائـد وتـنـاول كـلّ مـنـهـم وجـبـة واحـدة خـلال الأيّـام الـعـشـرة فـلـن نـتـوصـل إلى إشـبـاعـهـم !

وقـد فـهـم بـعـض الـدّارسـيـن لـهـذا الـنّـصّ أنّ كـلّ الـمـدعـوّيـن لـم يـأكـلـوا عـلى نـفـس الـمـوائـد ولا كـلّ الـوجـبـات، ولـم يُـكـرّمـوا بـنـفـس الأكـلات، بـل خُـصّ الـنّـبـلاء مـنـهـم بـالـطّـيـبـات واكـتـفى الآخـرون بـبـسـيـط الـطّـعـام.

ولـم يـكـن هـدف الـكـتّـاب الّـذيـن ألّـفـوا الـنّـصّ لآشـورنـاصـربـال الـثّـاني أن يـصـفـوا الـولـيـمـة بـدقّـة ولـكـن أن يـشـيـدوا بـكـرم الـمـلـك الّـذي لا حـدود لـه والّـذي تـجـاوز كـلّ مـا فـعـلـه الـمـلـوك مـن قـبـلـه، فـهـو لـيـس نـصّـاً تـاريـخـيـاً بـل نـصّ دعـايـة سـيـاسـيـة أظـهـر هـيـمـنـة مـلـك آشـور عـلى أرجـاء الـدّنـيـا الـمـعـروفـة في زمـنـه، والّـتي بـعـث لـه مـلـوكـهـا بـمـنـدوبـيـن عـنـهـم يـقـدمـون لـه طـاعـتـهـم.

ويـنـبـغي عـلـيـنـا، لـنـعـمـق مـعـرفـتـنـا بـهـذا الـنّـصّ، أن نـقـارنـه بـنـصـوص تـدشـيـن قـصـور الـمـلـوك الآشـوريـيـن الّـذيـن جـاءوا بـعـده، وخـاصـة قـصـر سـرجـون الـثّـاني في دور شَـروكـيـن، وقـصـر سـنـحـاريـب “الّـذي لا ثـاني لـه”، وقـصـر آشـوربـانـيـبـال الـثّـاني في نـيـنـوى … وهـو مـا سـيـكـون مـوضـوع مـقـال آخـر ربّـمـا سـأنـشـره في يـوم مـا. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عـنـدمـا أوقـف هـنـري أوسـتـن لًـيـارد تـنـقـيـبـاتـه في نـمـرود عـام 1851، كـان لـوح ولـيـمـة آشـورنـاصـربـال الـثّـاني يـرقـد تـحـت الأرض عـلى بـعـد عـدّة أمـتـار فـقـط مـن آخـر مـكـان حـفـريـاتـه. وبـقي الـلـوح تـحـت الـتّـراب قـرنـاً آخـر مـن الـزّمـن قـبـل أن يُـعـثـر عـلـيـه في حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات الـبـريـطـانـيـة الّـتي أشـرف عـلـيـهـا مـاكـس مـالـوان Max Mallowane ، زوج كـاتـبـة الـرّوايـات الـبـولـيـسيـة أجـاثـا كـريـسـتي، في عـام 1951.

(2) نـشـر د.ج. وايـزمـان D.J. Wiseman نـصّ الـنّـقـش في الـعـدد الـرّابـع عـشـر مـن دوريـة Iraq الـصّـادر عـام 1952، مـن صـفـحـة 23 فـمـا بـعـدهـا.

(3) مـا زلـنـا نـسـتـعـمـل الألـف والآلاف لـنـدلّ عـلى الـكـمـيـات الـهـائـلـة الّـتي لا تـعـدّ ولا تـحـصى، ونـذكـر مـشـاركـة آلاف مـن الـنّـاس في الـمـظـاهـرات أو مـقـتـل آلاف مـن الـمـدنـيـيـن في بـعـض الـمـعـارك الـدّامـيـة. ولـديـنـاً طـبـعـاً الـ “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” …

(4) أنـظـر مـثـلاً مـقـال ل. مـارتي L. Marti : “ولـيـمـة آشـور نـاصـربـال الـثّـاني Le banquet d’Assurnasirpal II” الّـذي نـشـره في Journal Asiatique 299.2, 2011.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الـعـراق في رسـوم تـشـارلـز ولـيـام كَـيـن وأعـمـالـه الـطّـبـاعـيـة

 

كين جني التمر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شـرع يـوسـف غـنـيـمـة، عـنـدمـا عـيّـن مـديـراً لـلآثـار الـقـديـمـة عـام 1943 بـإنـشـاء “قـاعـة الـصّـور The Picture Gallery ” في بـغـداد. وذكـر أنّ الـهـدف مـنـهـا كـان تـكـويـن : “مـجـمـوعـة ثـابـتـة مـن لـوحـات زيـتـيـة ورسـوم مـصـنـوعـة في الـعـراق”. وأضـاف أنّ الـمـديـريـة كـانـت قـد اشـتـرت بـعـضـهـا : “مـن الـمعـارض الـفـصـلـيـة والـدّوريـة الّـتي أقـامـهـا الـرّسّـامـون الـعـراقـيـون في بـغـداد، وتـمّـت هـذه الـمـجـمـوعـة بـابـتـيـاع بـعـض إنـتـاج فـنـانـيـن أجـانـب أقـامـوا مـؤقـتـاً في بـغـداد”.

وقـد كـانـت فـكـرتـه في ذلـك الـوقـت تـكـويـن قـاعـة لـلـفـنّ الـمـنـتـج في الـعـراق، سـواء كـان الـفـنّـانـون عـراقـيـيـن أو أجـانـب. وهي ولا شـك أوسـع مـمـا وصـلـت إلـيـه فـيـمـا بـعـد أي مـتـحـفـاً لـلـفـنـانـيـن الـعـراقـيـيـن فـقـط. ولا شـكّ في أنّ مـشـروعـه كـان شـديـد الـحـداثـة في الـفـكـرة والـمـضـمـون، ويـدلّ عـلى سـعـة فـكـريـة تـتـخـطى جـمـع إنـتـاج الـفـنـانـيـن الـعـراقـيـيـن فـقـط وتـتـعـدّاهـا إلى جـمـع إنـتـاج كـلّ الـفـنـانـيـن الّـذيـن عـمـلـوا في الـعـراق. ولـكـنّ الـمـشـروع لـم يـكـتـب لـه الـنّـجـاح. ولا نـدري مـاذا حـدث لـكـلّ الأعـمـال الـفـنّـيـة الّـتي اشـتـرتـهـا مـديـريـة الآثـار لـوضـعـهـا في “قـاعـة الـصّـور”، ولا أيـن صـارت. (1)

وقـد فـكّـرت بـأن أتـابـع مـا أراد يـوسـف غـنـيـمـة أن يـحـقـقـه، وأن أوسـع فـكـرتـه بـجـمـع بـعـض أعـمـال فـنـانـيـن عـالـمـيـيـن أنـتـجـوا أعـمـالاً فـنّـيـة عـن الـعـراق، سـواء كـانـوا قـد نـفّـذوهـا في الـعـراق أو في الـخـارج. وذلـك لـتـكـويـن “قـاعـة صـور” افـتـراضـيـة، فـلـيـس لـدي الإمـكـانـيـات الـمـاديـة لـشـراء بـعـض الـلـوحـات ولا حـتّى بـعـض نـسـخ الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الأصـلـيـة الّـتي تـعـرض في قـاعـات الـفـنّ.

وقـد سـبـق لي أن نـشـرت عـدّة مـقـالات عـن رسـوم ولـوحـات وأعـمـال طـبـاعـيـة أنـتـجـهـا فـنّـانـون أجـانـب عـن الـعـراق، أرجـو أن يـكـون مـن بـيـن قـرائي مـن طـالـع بـعـضـهـا. (2)

وقـد وجـدت أخـيـراً صـوراً لـرسـوم الـبـريـطـاني تـشـارلـز ولـيـام كَـيـن لـلـعـراق ولأعـمـالـه الطّـبـاعـيـة عـنـه، وددت أن أتـقـاسـمـهـا مـعـكـم. وسـأبـدأ بـذكـر مـا وجـدتـه عـن حـيـاتـه وعـن أعـمـالـه الـفـنّـيّـة.

تـشـارلـز ولـيـام كَـيـن Charles William Cain :

ولـد سـنـة 1893، ودرس في مـدرسـة كـمـبـرويـل لـلـفـنـون Camberwell School of Arts  الـمـلـحـقـة بـجـامـعـة لـنـدن، ثـمّ اشـتـغـل كـرسّـام “كـومـيـكـس” في جـريـدة “نـجـمـة جـوهـانـسـبـورع The Johannesburg Star ” إلى أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، فـقـاتـل في صـفـوف الـجـيـش في الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة والـعـراق. وبـقي في الـجـيـش حـتّى نـهـايـة الـحـرب.

كَـيـن في الـعـراق :

وقـد أتـيـحـت لـه الـفـرصـة في الـعـراق لـرسـم لـوحـات زيـتـيـة وألـوان مـائـيـة وأعـداد كـبـيـرة مـن الـتّـخـطـيـطـات لـدجـلـة ولـبـعـض مـعـالـم بـغـداد والـبـصـرة ولـبـيـوتـهـمـا الـقـديـمـة وأحـيـائـهـمـا ولـمـشـاهـد كـانـت جـديـدة عـلـيـه.

الـعـودة إلى إنـكـلـتـرة بـعـد الـحـرب :

ورجـع تـشـارلـز ولـيـام كَـيـن إلى إنـكـلـتـرة بـعـد انـتـهـاء الـحـرب، ثـمّ سـجّـل في 1920ــ 1921 “كـلـيـة الـفـنـون الـمـلـكـيـة The Royal College of Art ” في لـنـدن لـيـكـمـل دراسـتـه فـيـهـا.

وقـد اشـتـرى “مـتـحـف الإمـبـراطـوريـة الـحـربي The Imperial War Museum” في لـنـدن بـعـد قـلـيـل مـن انـتـهـاء الـحـرب ثـلاثـيـن رسـمـاً مـن رسـومـه. وقـد وجـدت لـكـم صـور أربـعـة مـنـهـا مـا زالـت في هـذا الـمـتـحـف :

ثـلاثـة رسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة لـنـسـاء عـراقـيـات أطـلـق عـلـيـهـا نـفـس الإسـم، A Woman’s Head, Mesopotamia”   ورسـمـهـا عـام 1918 :

ورسـم بـالألـوان الـمـائـيـة قـام بـه عـام 1918 لـمـنـظـر طـبـيـعي أسـمـاه : “مـمـر في جـبـل  A Mountain Pass, Mesopotamia” :

Cain montagne pass 1918

كـمـا أنّ لـديـنـا لـوحـة بـالألـوان يـمـكـن أن تـكـون تـخـطـيـطـاً تـحـضـيـريـاً لـلـوحـة لـم أجـد صـيـغـتـهـا الـنّـهـائـيـة :

كين ألوان

وأنـتـج تـشـارلـز ولـيـام كَـيـن في عـشـريـنـات الـقـرن الـمـاضي وثـلاثـيـنـاتـه أعـداداً كـبـيـرة مـن الـلـوحـات الـزّيـتـيـة والألـوان الـمـائـيـة، كـمـا نـفّـذ 74 عـمـلاً طـبـاعـيـاً غـرافـيـكـيـاً drypoint engraver . وقـد نـفّـذ أوّل هـذه الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة عـام 1921، وطـبـعـهـا كـلّـهـا عـنـد غـرَيـتـوريـكـس Greatorex في لـنـدن.

وأخـذ تـشـارلـز ولـيـام كَـيـن أغـلـب مـواضـيـع أعـمـالـه مـن رسـوم كـان قـد قـام بـهـا في الـعـراق وبـلاد الـفـرس والـهـنـد وبـورمـا خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى.

وقـد وجـدت أعـداداً كـبـيـرة مـن صـور هـذه الأعـمـال، ولـكـنّي لـن أسـتـطـيـع أن أريـهـا لـكـم كـلّـهـا لـكي لا أطـيـل هـذا الـعـرض إطـالـة مـمـلّـة. وسـأكـتـفي بـمـخـتـارات مـنـهـا.

ومـن بـيـن أولى هـذه الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة : “الـمـيـنـاء، الـبـصـرة The Port, Basrah” الّـذي نـفّـذه عـام 1921 عـن رسـم كـان قـد خـطـطـه في الـعـراق، ويـحـتـفـظ مـتـحـف فـيـكـتـوريـا وألـبـرت  V&A في لـنـدن بـنـسـخـة مـنـه :

 

كين ميناء البصرة

و”جـسـر الـقـوارب Bridge of boats, Baghdad” (10.5×21.6). نـفّـذه عـام 1921. ويـمـتـلـك مـتـحـف فـيـكـتـوريـا وألـبـرت  V&Aفي لـنـدن نـسـخـة مـنـه :

جسر القوارب

و”الـشّـادوف The Cherad” الّـذي نـفّـذه عـام 1922، ويـمـتـلـك مـتـحـف كـلـيـفـلانـد  The Cleveland Museum of Art، في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة بـنـسـخـة مـنـه :

كين الشادوف

و”تـحـمـيـل الـتّـمـر، نـهـر دجـلـة Loading Dates, River Tigris  “، نـفّـذه عـام 1925، (17.9×24 سـم.) :

تحميل التمر

 

ونـفّـذ كَـيـن عـام 1926 عـمـلاً طـبـاعـيـاً drypoint  (299×424 سـم.)  عـن رسـم كـان قـد قـام بـه في الـعـراق، وأسـمـاه “قـفـف  Gufas” :

كين قفف في دجلة

ونـفّـذ عـام 1928 عـمـلاً طـبـاعـيـاً drypoint (107×214 سـم.) أسـمـاه “عـقـرقـوف Akar-Kuf “. ويـمـتـلـك مـتـحـف فـيـكـتـوريـا وألـبـرت  V&Aفي لـنـدن نـسـخـة مـنـه   :

عقر قوف

ووجـدت لـه ثـلاثـة أعـمـال عـن طـاق كـسـرى، إعـتـمـد في اثـنـيـن مـنـهـا عـلى نـفـس الـتّـخـطـيـط الّـذي يـظـهـره قـرب مـدخـلـه وغـيّـر بـعـض تـفـاصـيـلـهـمـا :

بـيـنـمـا وسّـع الـتّـكـويـن في الـعـمـل الـثّـالـث وأضـفى عـلـيـه عـمـقـاً وأنـزل خـطّ الأفـق إلى حـوالي ثـلـث ارتـفـاع الـلـوحـة. وأضـاف أربـعـة مـن بـنـات آوى في يـمـيـن مـقـدمـة الـمـشـهـد :

كين طاق كسرى

و”صـيـد الـسّـمـك في نـهـر دجـلـة Fishing on the River Tigris” (200×276 سـم.) نـفّـذه عـام 1929. ويـمـتـلـك مـتـحـف فـيـكـتـوريـا وألـبـرت  V&A في لـنـدن نـسـخـة مـنـه :

صيد الأسماك في دجلة

و”في انـتـظـار عـبـور الـنّـهـر Waiting to Pass River Tigris”، (105×215 مـم.) :

 

كين العبارة

و”نـهـر الـبـصـرة Basrah Creek”،(29.2×43.6) :

البصرة

و”الـكـفـل، بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Kifl, Mesopotamia”. يـمـتـلـك”مـتـحـف الإمـبـراطـوريـة الـحـربي The Imperial War Museum” في لـنـدن نـسـخـة مـنـه :

charles-william-cain كفل 4

كـمـا نـفّـذ عـمـلـيـن عـن “قـبـر الـعـزيـر Ezera’s tombe”  :

كين قبر العزيرEzera's tombe قبر الـعـزيـر كين

و”الـجِـمـال، بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن   The Shamal, Mesopotamia”، (10.5×21,5 سـم.) :

كين الجمال

وقـد كـوّن في بـعـض أعـمـالـه الـطّـبـاعـيـة مـشـاهـد اسـتـنـد فـيـهـا عـلى تـخـطـيـطـاتـه الـدّقـيـقـة الّـتي كـان قـد نـفّـذهـا في الـعـراق، بـعـد أن أضـفى عـلـيـهـا مـسـحـة الـغـرابـة الّـتي كـان يـمـيـل إلـيـهـا هـواة الـفـنّ الأوربـيـون. وأضـاف عـلى أعـداد مـنـهـا عـنـاويـن تـوحي بـأجـواء شـرقـيـة مـصـطـنـعـة مـزج فـيـهـا الأمـاكـن الّـتي كـان قـد خـطـطـهـا بـدّقـة وأشـخـاص رسـمـهـم اعـتـمـاداً عـلى تـخـطـيـطـات كـان قـد قـام لأنـاس في الـعـراق لـيـخـلـق مـنـهـا في ذهـن الـرّائي تـخـيـلات سـرديـة ربّـمـا ذكـرتـه بـحـكـايـات ألـف لـيـلـة ولـيـلـة الّـتي شـغـف بـهـا الأوربـيـون مـنـذ زمـن طـويـل،

مـثـل الـعـمـل الـطّـبـاعي الّـذي نـفّـذه في عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي وأسـمـاه “مـشـاهـد شـرقـيـة Oriental scenes ” (38×25.5 سـم.) ونـرى فـيـه “الـعـرضـحـالـجي” جـالـسـاً عـلى الأرض وأمـامـه طـاولـة واطـئـة يـكـتـب عـلـيـهـا بـيـنـمـا جـلـسـت امـرأتـان مـتـلـفـعـتـان بـالـسّـواد أمـامـه وبـقـيـت الـثّـالـثـة واقـفـة. وفي يـد إحـداهـمـا رسـالـة تـتـأمّـلـهـا :

كين العرضحالجي 2

و “خـادمـات، بـغـداد Handmaidens, Baghdad”، (37,7×25.1)، وقـد طـبـعـت مـنـه 50 نـسـخـة. ونـرى فـيـه خـادمـتـيـن تـنـشّـفـان فـتـاة عـاريـة بـعـد أن اغـتـسـلـت في الـنّـهـر بـجـانـب الـدّار، تـحـت شـنـاشـيـل مـفـتـوحـة :

كين الخادمات 3

و”بـغـداد، خـطـوات هـامـسـة   Baghdad, Whispering Steps”، (37.7×25 سـم.). ولـديـنـا طـبـعـتـان مـن هـذا الـعـمـل، يـمـتـلـك”مـتـحـف الإمـبـراطـوريـة الـحـربي The Imperial War Museum” في لـنـدن نـسـخـة مـن أولاهـمـا :

كين همسات السلم 3

وأضـاف عـلى الـثّـانـيـة الّـتي يـمـتـلـك مـتـحـف فـيـكـتـوريـا وألـبـرت V&A في لـنـدن نـسـخـة مـنـهـا، نـافـذة بـسـتّـة قـضـبـان : ونـرى فـيـه ثـلاث نـسـاء يـنـزلـن عـلى سـلّـم مـن بـيـت بـغـدادي نـحـو الـنّـهـر، تـتـهـامـس اثـنـتـان مـنـهـمـا، بـيـنـمـا تـتـقـدم قـفّـة تـقـود امـرأة رابـعـة نـحـو الـسّـلّـم. ويـمـكـن لـلـرّائي أن يـتـصـوّر أنّ الـثّـلاثـة سـيـلـحـقـون بـالـرّابـعـة في الـقـفّـة أو أنّ الـرّابـعـة سـتـنـزل مـن الـقـفّـة لـتـلـحـق بـهـنّ. ويـمـكـنـه أن يـتـصـوّر مـاذا يـفـعـلـن هـنـا في الـلـيـل وحـدهـنّ ولـمـاذا يـتـهـامـسـنَ :

كين همسات السلم 4

و”الـسّـقـاء، بـغـداد   The Water Carrier, Baghdad”، (38×25.2 سـنـتـم.)، وقـد طـبـعـت مـنـه 76 نـسـخـة. ويـمـتـلـك “مـتـحـف الإمـبـراطـوريـة الـحـربي    The Imperial War Museum” في لـنـدن نـسـخـة مـنـه. ونـرى في الـرّسـم ثـلاث نـسـاء أمـام دار عـلى ضـفـة دجـلـة، إمـتـطـت إحـداهـنّ حـمـاراً بـيـنـمـا اقـتـرب الـسّـقـاء مـنـهـنّ :

 

Cain W.P.

و”الـعـودة The Return “، (31.3×37.2 سـنـتـم.)، طـبـعـت مـنـه 90 نـسـخـة. ونـرى فـيـه رجـلاً مـمـتـطـيـاً صـهـوة فـرسـه يـعـود إلى داره (راجـعـاً مـن الـحـجّ ؟) ووراءه طـفـل عـلى الـسّـرج، يـقـود فـرسـه رجـل ويـنـتـظـره أمـام الـبـاب رجـل آخـر يـنـحـني أمـامـه مـحـيـيـاً، وتـحـيـطـه نـسـاء وطـفـل وكـلاب صـيـد.

وتـجـذب أنـظـارنـا مـنـحـوتـة في داخـل الـقـوس الأعـلى فـوق الـبـاب تـصـور ثـعـبـانَـيـن إلـتـفّـا عـلى نـفـسـيـهـمـا ثـلاث لـفّـات :

كين العودة إلى الدار

ونـجـد نـفـس مـنـحـوتـة الـثّـعـبـانـيـن ولـكـن مـع أسـديـن وفي نـفـس الـمـوضـع فـوق بـاب دار بـغـداديـة الـتـقـطـت لـهـا صـورة مـشـهـورة : (3)

باب بغداد

و”بـيـت حـسـن Hassan’s House”، (38×25 سـم.). يـمـتـلـك “مـتـحـف الإمـبـراطـوريـة الـحـربي The Imperial War Museum” في لـنـدن نـسـخـة مـنـه. ونـرى في الـرّسـم ثـلاث نـسـاء يـتـقـدمـن نـحـو بـاب بـيـت يـفـتـحـه لـهـنّ رجـل :

كين بيت حسن

و”الـنّـافـذة الـمـفـتـوحـة The Open Window”، (175×124 مـلـم.)ونـرى فـيـه امـرأة واقـفـة مـحـجـّـبـة، مـلـفـعـة بـالـسّـواد تـرفـع رأسـهـا نـحـو نـافـذة مـفـتـوحـة وكـأنـمـا تـنـتـظـر أن يـطـلّ مـنـهـا أحـد :

كين النافذة المفتوحة

و”الـبـاب الـمـغـلـق The Closed Door”، (30.5×37.2 سـنـتـم.). وطـبـعـت مـنـه 90 نـسـخـة. وفـيـه امـرأة مـلـفـعـة بـالـسّـواد نـرى مـنـهـا ظـهـرهـا تـقـف أمـام بـاب مـوصـد في درب شـبـه مـظـلـم لـيـس فـيـه أحـد :

كين الباب المغلق

ونـنـهي مـخـتـاراتـنـا مـن أعـمـال تـشـارلـز ولـيـام كَـيـن بـ “مـشـهـد عـلى سـطـح في بـغـداد Scene on a roof in Baghdad”، (25.5×37.5)، ويـحـتـفـظ مـتـحـف فـيـكـتـوريـا وألـبـرت V&A في لـنـدن بـنـسـخـة مـنـه :

On a Roof of Baghdadكين

.وقـد عـرض تـشـارلـز ولـيـام كَـيـن لـوحـاتـه في الأكـاديـمـيـة الـمـلـكـيـة       the Royal Academy  في لـنـدن، وفي صـالـون Salon بـاريـس، وأصـبـح مـن مـشـاهـيـر الـفـنّـانـيـن الـبـريـطـانـيـيـن الـمـسـتـشـرقـيـن، حـتّى وفـاتـه سـنـة 1962.

ومـا زالـت عـدّة مـتـاحـف، مـثـل الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن أو مـتـحـف فـكـتـوريـا وألـبـرت تـحـتـفـظ بـأعـداد مـن أعـمـال كَـيـن في مـقـتـنـيـاتـهـا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : إنـشـاء « قـاعـة الـصّـور » في بـغـداد عـام 1943

(2) نـشـرت عـدّة مـقـالات مـجـمـوعـة مـن أعـمـال الـفـنّـانـيـن الأجـانـب عـن الـعـراق :

الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي نـفّـذت عـن صـور كـانـت الـفـرنـسـيـة جَـيـن ديـولافـوا قـد الـتـقـطـتـهـا في الـعـراق : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي نـفّـذت عـن رسـوم خـطـطـهـا الـفـنّـان الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان عـن بـغـداد والـمـدائـن في رحـلـتـه الأولى :  لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

ثـمّ تـلـك الّـتي نـفّـذت عـن رسـوم لـلآثـار الآشـوريـة في رحـلـتـه الـثّـانـيـة : رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي نـفّـذت عـن رسـوم خـطـطـهـا الـفـنّـان الـبـريـطـاني الـكـبـيـر ولـيـام تُـرنـر لـبـابـل ولـلـمـوصـل (نـشـر في مـدونـة “الـمِـلْـوَنـة”) : https://almilwana.blogspot.com/2017/01/normal-0-21-false-false-false-fr-x-none.html

الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي نـفّـذت عـن صـور كـانـت قـد الـتـقـطـت في الـعـراق ونـشـرهـا الأمـريـكي ولـيـام بـيـري فـوغ : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

الـرّسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة الّـتي نـفّـذهـا الـفـنّـان الإسـكـتـلـنـدي أرثـر مـيـلـفـيـل في بـغـداد : رسـوم أرثـر مـيـلـفـيـل لـبـغـداد في الـقـرن الـتّـاسـع عـشر

الـرّسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة الّـتي نـفّـذهـا عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه في بـابـل وفي قـلـعـة الـشّـرقـاط. وكـان فـالـتـر أنـدريـه يـمـتـلـك قـدرات فـنّـيـة عـالـيـة :  فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

رسـوم الـفـنّـان الـبـريـطـاني دونالـد مـاكـسـويـل ولـوحـاتـه عـن الـعـراق :  رسـوم دونالـد مـاكـسـويـل ولـوحـاتـه عـن الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن

شـارع الـرّشـيـد كـمـا رأتـه الـفـنّـانـة الـبـريـطـانـيـة مـاري بـاركـر : شـارع الـرّشـيـد كـمـا رأتـه مـاري بـاركـر في 1930

رسـوم الـفـنّـان الـبـريـطـاني أرشـيـبـولـد روس تـومـاس عـن الـعـراق وبـعـض أعـمـالـه الـطّـبـاعـيـة الّـتي نـفّـذهـا عـنـهـا  (نـشـر في مـدونـة “الـمِـلْـوَنـة”) : https://almilwana.blogspot.com/2015/03/2-lithograph-archibald-ross-thomas.html

(3) وهي واحـدة مـن مـجـمـوعـة صـور الـتـقـطـهـا الأسـتـاذ أحـمـد إبـراهـيـم ونـشـر بـعـضـهـا عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة. وكـتـب لي الأسـتـاذ أحـمـد إبـراهـيـم أنّ : “الـبـاب مـدخـل بـنـاء كـبـيـر، أخـبـرني شـاغـلـوه أنّـه كـان مـعـبـداً يـهـوديـاً (تـوراة) مـكـانـه في مـحـلـة الـتّـوراة (تـحـت الـتّـكـيـة) قـرب مـرقـد قـاضي الـحـاجـات، مـسـافـة خـمـس دقـائـق مـشـيـاً مـن سـوق الـشّـورجـة”.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

قـطـع أثـريـة مـن الـعـراق الـقـديـم في جـنـوب فـرنـسـا

أبو سوان 001

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

ركـبـتُ سـيّـارتي الـصّـغـيـرة في صـبـاح يـوم مـشـمـس مـن ربـيـع 2002 وتـوجـهـت إلى مـديـنـة أجـن Agen في جـنـوب غـرب فـرنـسـا الّـتي وصـلـتـهـا بـعـد عـدّة سـاعـات. وكـان هـدف سـفـرتي زيـارة مـعـرض نـظّـمـه مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة في هـذه الـمـديـنـة الـبـالـغـة الـصّـغـر لـمـجـمـوعـة قـطـع أثـريـة كـان قـد أهـداه إيـاهـا كـمـيـل أبـو صـوان Camille Aboussouan.

وكـنـت قـد قـرأت أنّ الـمـجـمـوعـة تـحـتـوي عـلى قـطـع أثـريـة مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. وكـان هـذا يـكـفي لـشـدّ الـرِّحـال وتـحـمّـل مـصـاعـب الـسّـفـر.
وكـانـت الـقـطـع الـمـعـروضـة تـضـمّ تـمـاثـيـل نـسـاء وحـيـوانـات وعـربـات مـصـغّـرة مـن الـطّـيـن الـمـفـخـور، ومـسـمـار تـأسـيـس وألـواح صـلـصـال عـلـيـهـا نـصـوص بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة، وحـلي وزجـاجـيـات وآنـيـة، إلى جـانـب أسـلـحـة وأدوات بـرونـزيـة وقـطـع نـقـود، تـعـود إلى فـتـرة تـتـراوح بـيـن الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد والـقـرن الـثّـالـث عـشـر بـعـد الـمـيـلاد.

affiche_une
وبـعـد أن تـأمّـلـت الـقـطـع الـمـعـروضـة وسـجّـلـت بـعـض الـمـلاحـظـات عـنـهـا، اشـتـريـت دلـيـل الـمـعـرض، وهـو عـلى شـكـل كـتـاب ضـخـم واسـع الـمـقـايـيـس يـضـمّ صـوراً لأهـمّ قـطـع الـمـجـمـوعـة ووصـف لـهـا. وعـرفـت مـن قـراءتـه وقـراءة مـقـالات مـخـتـلـفـة كـتـبـت عـن الـمـجـمـوعـة قـصـتـهـا وقـصـة جـامـعـهـا كـمـيـل أبـو صـوان :

أبو صوان 3

ثـمّ شـاءت الـصّـدفـة أن أمـرّ بـمـديـنـة أجـن في شـهـر آب الـمـاضي وأنّ أزور الـقـاعـة الّـتي خـصـصـت لـهـذه الـمـجـمـوعـة، والّـتي لـم تـكـن قـد أُكـمـلـت بـعـد في زيـارتي الأولى، فـقـررت كـتـابـة هـذا الـنّـصّ الـصّـغـيـر عـنـهـا. (*)

 
كـمـيـل أبـو صـوّان ومـجـمـوعـة مـقـتـنـيـاتـه :

وسـأبـدأ بـالـكـلام لـكـم عـن كـمـيـل الّـذي كـان أبـوه الـلـبـنـاني، نـجـيـب أبـو صـوّان، قـد درس الـقـانـون في إسـطـنـبـول. وفـيـهـا الـتـقى بـفـتـاة فـرنـسـيـة، جـاءت مـع أمّـهـا مـن مـنـطـقـة الـجـيـرس في جـنـوب غـرب فـرنـسـا إلى عـاصـمـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، وتـزوّجـهـا.

وكـانـت هـذه الـفـرنـسـيـة عـازفـة بـيـانـو ومـن تـلامـيـذ الـمـوسـيـقـار الـشّـهـيـر شـارل غـونـو. وعـيّـن نـجـيـب أبـو صـوّان وزيـراً بـعـد عـودتـه إلى لـبـنـان، ثـمّ مـسـؤولاً عـن إدارة الآثـار الـلـبـنـانـيـة. وهـكـذا تـربى ابـنـهـمـا كـمـيـل في جـوّ تـطـغي عـلـيـه الـثّـقـافـة الـفـرنـسـيـة وفي دار تـعـجّ بـالـقـطـع الأثـريـة. وكـانـت هـذه بـدايـة شـغـفـه بـالآثـار وشـرائـه وجـمـعـه لـكـل مـا كـان يـجـده مـنـهـا. كـمـا بـدأ أيـضـاً بـجـمـع أعـداداً كـبـيـرة مـن الـكـتـب.

وقـد بـدأ كـمـيـل أبـو صـوان حـيـاتـه الـمـهـنـيـة مـحـامـيـاً في بـيـروت، وكـان إلى جـانـب ذلـك كـاتـبـاً، ونـشـر نـصـوصـاً شـعـريـة، كـمـا نـشـر أوّل تـرجـمـة لـكـتـاب جـبـران خـلـيـل جـبـران “الـنّـبي” مـن لـغـتـه الأصـلـيـة، أي الإنـكـلـيـزيـة، إلى الـلـغـة الـفـرنـسـيـة. وبـدأ في عـام 1945 بـإصـدار مـجـلـة “دفـاتـر الـشّـرق Les Cahiers de l’Est”.

وأصـبـح كـمـيـل أبـو صـوّان في عـام 1950 مـديـراً لـمـتـحـف نـيـكـولا سـرسـق في بـيـروت.ثـمّ اشـتـغـل في الـسّـلـك الـدّبـلـومـاسي حـتّى عـيّـن في سـبـعـيـنـات الـقـرن الـمـاضي سـفـيـراً لـلـبـنـان في مـنـظـمـة الـيـونـسـكـو.

وقـد رأيـنـا كـيـف بـدأ في مـطـلـع شـبـابـه بـجـمـع أعـداد كـبـيـرة مـن الـكـتـب. وصـارت لـه بـمـرور الـسّـنـيـن مـكـتـبـة ضـخـمـة تـضـمّ حـوالي 12 ألـف كـتـاب مـن بـيـنـهـا كـتـب نـادرة ووثـائـق مـهـمـة عـرضـهـا عـلى الـحـكـومـة الـلـبـنـانـيـة الّـتي رفـضـت شـراءهـا، فـكـلّـف دار بـيـع عـالـمـيـة وجـدت لـه مـشـتـريـن تـلـقـفـوهـا بـسـرعـة.

وخـلال فـتـرة الـحـرب الـمـدنـيـة الـلـبـنـانـيـة بـدأ يـفـكّـر بـإخـراج مـجـمـوعـة مـقـتـنـيـاتـه الأثـريـة، الّـتي كـان قـد بـدأهـا أيـضـاً في مـطـلـع شـبـابـه، وإرسـالـهـا إلى فـرنـسـا.

وتـضـمّ الـمـجـمـوعـة قـطـعـاً أثـريـة مـن الـشّـرق الأدنى (وخـاصـة مـن سـوريـا ولـبـنـان والـعـراق) تـعـود إلى فـتـرات تـتـراوح تـاريـخـيـاً بـيـن الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد وإلى زمـن الـحـروب الـصّـلـيـبـيـة (الـقـرنـيـن الـثّـاني عـشـر والـثّـالـث عـشـر بـعـد الـمـيـلاد)، رغـم أنّـه مـن الـصّـعـب تـحـديـد تـاريـخ الـكـثـيـر مـنـهـا بـالـضـبـط أو الـمـواقـع الّـتي عـثـر عـلـيـهـا فـيـهـا، فـقـد كـان كـمـيـل أبـو صـوّان قـد اشـتـراهـا مـن بـائـعي “إنـتـيـكـات” أو مـهـرّبي آثـار ومـن مـشـاركـيـن في حـمـلات إنـقـاذ أثـريـة. ويـعـتـقـد بـعـض مـن اهـتـمـوا بـدراسـة هـذه الـمـجـمـوعـة أنّ تـمـاثـيـل الـنّـسـاء والـحـيـوانـات والـعـربـات الـمـصـغّـرة مـن الـطّـيـن الـمـفـخـور مـثـلاً جـاءت مـن حـمـلات الـتّـنـقـيـبـات الإنـقـاذيـة عـنـد تـشـيـيـد سـدّ الـفـرات في شـرق سـوريـا، فـقـد عـرضـت أعـداد كـبـيـرة مـنـهـا في أسـواق الأثـريـات في تـلـك الـفـتـرة.

وقـد قـرر كـمـيـل أبـو صـوّان في أواخـر سـنـوات حـيـاتـه، أن يـهـدي مـجـمـوعـة مـقـتـنـيـاتـه الأثـريـة هـذه إلى مـتـحـف فـرنـسي. واخـتـار في الـبـدايـة مـتـحـف مـديـنـة أوش Auch الـبـالـغـة الـصّـغـر والّـتي تـقـع في مـنـطـقـة الـجـيـرس (جـنـوب غـرب فـرنـسـا). وكـانـت أمّـه الـفـرنـسـيـة قـد ولـدت في هـذه الـمـنـطـقـة. ولـكـنّـه أُقـنـع في الـنّـهـايـة بـإهـدائـهـا إلى مـتـحـف أجـن.

أبو صوان 2

وهـكـذا أهـدى كـمـيـل أبـو صـوان جـزءاً مـن مـجـمـوعـتـه إلى مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة أجـن عـام 1998. وفي عـام 2000 أهـداه مـا تـبـقى مـنـهـا. وبـهـذا حـصـل هـذا الـمـتـحـف الـمـغـمـور عـلى أكـثـر مـن 1600 قـطـعـة أثـريـة مـن الـشّـرق الأدنى، مـمـا جـعـلـه يـقـفـز فـجـأة لـيـحـتـل الـمـرتـبـة الـثّـالـثـة بـيـن الـمـتـاحـف الـفـرنـسـيـة الّـتي تـمـتـلـك مـثـل هـذه الـقـطـع : بـعـد مـتـحـف الـلـوفـر الـبـاريـسي ومـتـحـف لـيـون.

أبوصوان أجن 2

وتـوفي كـمـيـل أبـو صـوّان عـام 2013 في الـمـديـنـة الّـتي كـانـت أمّـه قـد ولـدت فـيـهـا، في مـنـطـقـة الـجـيـرس في جـنـوب فـرنـسـا.
آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في هـذه الـمـجـمـوعـة :
أوّل مـا يـجـذب أنـظـار الـزّائـر مـسـمـار تـأسـيـس ضـخـم عـلـيـه نـصّ تـأسـيـس بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة. ولا شـكّ في أنّـه أهـمّ قـطـع هـذه الـمـجـمـوعـة :

أبو سوان 001

وهـو مـن الـطّـيـن الـمـفـخـور، طـولـه 6،13 سـنـتـم. وقـطـر رأسـه 9،5 سـنـتـم. ويـذكـر الـنّـص الـمـكـتـوب عـلـيـه تـأسـيـس غـوديـا، أمـيـر لـغـش، لـمـعـبـد الإلـه نـيـن غـرسـو. (1)

وقـد قـدّر الـمـؤرخـون زمـن حـكـم غـوديـا تـقـريـبـيـاً بـيـن 2150 و 2125 قـبـل الـمـيـلاد. ونـلاحـظ أنّ دلـيـل الـمـعـرض قـلـل مـن قـدم فـتـرة حـكـمـه فـوضـعـهـا في الـقـرن الـثّـامـن عـشـر قـبـل الـمـيـلاد.
ونـذكّـر الـقـارئ هـنـا أنّ الـمـعـابـد الـسّـومـريـة كـانـت تـشـيّـد بـالـلـبـن وبـالـطـابـوق الـمـفـخـور، ولـهـذا كـانـت تـحـتـاج إلى تـرمـيـم مـسـتـمـر وإعـادة بـنـاء. ولـكي تـتـذكّـره الأجـيـال الـتّـالـيـة، كـان الأمـيـر أو الـمـلـك الـمـشـيّـد لـهـا يـدفـن تـحـت أبـوابـهـا وفي الـجـدران مـسـامـيـر فـخـاريـة عـلـيـهـا نـصـوص تـأسـيـس يـذكـر فـيـهـا اسـمـه.

كـمـا نـذكّـر الـقـارئ أنّ الإمـبـراطـوريـة الأكّـديـة كـانـت قـد سـقـطـت في الـقـرن الـثّـامـن عـشـر قـبـل الـمـيـلاد وتـبـعـتـهـا فـتـرة مـظـلـمـة في بـلاد سـومـر. وفي نـهـايـة هـذه الـفـتـرة، اسـتـقـلّـت دويـلـة لـغـش. ولـكي يـثـبـت أمـيـرهـا غـوديـا أهـمـيـتـه وأهـمـيـة دويـلـتـه فـقـد شـرع في تـرمـيـم كـلّ الـمـعـابـد الـقـديـمـة وتـشـيـيـد مـعـابـد جـديـدة لـكـلّ آلـهـة الـبـلاد، وخـاصـة لِـنـيـن غـرسـو (الّـذي يـعـني ربّ غـرسـو) حـامي مـديـنـة غـرسـو، عـاصـمـة دويـلـتـه.

وكـان الـمـعـبـد يـشـتـمـل عـلى بـنـايـات مـتـعـددة لـعـبـادة الإلـه وأفـراد عـائـلـتـه. وقـد وجـد الـمـنـقـبّــون مـئـات مـن هـذه الـمـسـامـيـر في جـدران الـمـعـبـد الـواسـع، لا تـظـهـر مـنـهـا إلّا رؤوسـهـا.
كـمـا تـضـمّ الـمـجـمـوعـة أربـعـة عـشـر لـوحـاً مـن الـصّـلـصـال عـلـيـهـا نـصـوص مـسـمـاريـة (رقّـمـت مـن A إلى N) درسـهـا عـالـم الآشـوريـات الـفـرنـسي دوران J.-M. DURAND وتـرجـمـهـا.

وأقـدم هـذه الألـواح عـلـيـه نـصّ بـالـكـتـابـة الـصّـوريـة مـا قـبـل الـمـسـمـاريـة، يـعـود تـاريـخـه إلى بـدايـة الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد :

لوح أجن

ولـوحـان مـسـمـاريـان مـن فـتـرة سـلالـة أور الـثّـالـثـة في مـنـتـصـف الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، والألـواح الـبـاقـيـة مـن الـفـتـرة الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة (بـيـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر والـثّـامـن عـشـر ق. م.). ووجـد أنّ ثـلاثـة مـنـهـا جـاءت مـن مـوقـع أور في بـلاد سـومـر. وتـحـتـوى نـصـوصـهـا عـلى إحـصـاء إداري وعـقـود بـيـع وشـراء وهـبـات.

أبوصوان أجن
ويـذكـر دلـيـل هـذه الـمـجـمـوعـة الأثـريـة أنّ كـثـيـراً مـن الـقـطـع الـفـخـاريـة أو الـمـعـدنـيـة جـاءت مـن سـوريـا أو مـن مـنـطـقـة الـفـرات الـسّـوريـة. وهـو في الـحـقـيـقـة يـسـتـعـمـل تـقـسـيـمـات حـديـثـة لا يـعـود تـاريـخـهـا إلّا إلى نـهـايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، لـيـتـكـلّـم عـن آثـار تـنـتـمي إلى حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن (دجـلـة والـفـرات) الّـتي كـانـت مـمـتـدة الـسّـعـة، وكـانـت تـنـتـمي إلى نـفـس الـمـنـطـقـة قـبـل أن تـقـسّـم وتـخـلـق لـهـا حـدود مـصـطـنـعـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) نـشـرت هـذا الـمـقـال عـام 2014، وأعـيـد نـشـره هـنـا، أوّلاً لأنّ قـطـع الـمـجـمـوعـة الأثـريـة مـا زالـت في مـتـحـف مـديـنـة أجـن، وثـانـيـاً لأنّ الـمـوقـع الإلـكـتـروني لـجـريـدة الـمـدى الـعـراقـيـة مـا زال يـنـشـر هـذا الـمـقـال بـعـد أن حـوّره قـلـيـلاً وحـذف اسـم الـكـاتـب. وقـد وجـدت مـواقـع أخـرى أخـذتـه عـنـه، وبـدون ذكـر اسـم الـكـاتـب، مـثـل وكـالـة SNG الاخـبـاريـة، ومـوسـوعـة هـذا الـيـوم لـلأخـبـار/ أخـبـار الـعـراق … ومـع شـديـد الأسـف لا يـجـد الـقـارئ عـلى صـفـحـات الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة الآن إلّا هـذه الـصّـيـغـة الـمـبـتـورة. ولـهـذا قـررت نـشـر الـنّـصّ الأصـلي مـن جـديـد.

(1)   أنـظـر مـقـالي في مـدونـة “الـمِـلـوَنـة” : تـمـاثـيـل غـوديـا، أمـيـر لـغـش

https://almilwana.blogspot.com/2018/07/normal-0-21-false-false-false-fr-x-none.html

 

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

بـغـداد كـمـا صـوّرهـا كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون

كارتييه بريسون 1

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـنـدمـا كـنـت تـلـمـيـذاً في الـثّـانـويـة، ثـمّ طـالـبـاً في الـجـامـعـة، سـمـعـت زمـلائي يـتـكـلّـمـون عـن أجـانـب رأوهـم يـلـتــقـطـون صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـلأكـواخ والـصّـرائـف ولـفـقـراء أحـيـاء بـغـداد … وعـن كـيـف أنّـهـم كـانـوا يـطـردونـهـم، أو رأوا مـن يـطـردهـم مـنـهـا. ولـطـالـمـا افـتـخـر زمـيـل كـان لي في الـجـامـعـة بـأنّـه حـطّـم آلات تـصـويـر أجـنـبي كـان يـلـتـقـط صـوراً في أحـيـاء فـقـيـرة وعـنّـفـه وطـلـب مـنـه أن يـذهـب لـيـصـوّر جـوانـب بـغـداد “الـمـتـقـدّمـة” مـثـل الـشّـوارع الـعـريـضـة والـعـمـارات الـعـالـيـة بـدلاً مـن الإلـحـاح عـلى إظـهـار جـوانـبـهـا “الـمـتـخـلّـفـة”.

وتـسـاءلـت عـنـدمـا رأيـت صـور الـمـصّـور الـفـوتـوغـرافي الـشّـهـيـر هـنـري كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون Henri Cartier- Bresson  لـبـغـداد إن كـان هـو الآخـر قـد طـورد في شـوارعـهـا في مـنـتـصـف الـقـرن الـمـاضي، وهـل حـطّـمـوا لـه آلات تـصـويـره ؟

ولـكـن يـبـدو أنّـه، كـمـصـوّر فـوتـوغـرافي شـهـيـر كـان يـعـمـل لـحـسـاب وكـالـة أنـبـاء مـعـروفـة، حـصـل عـلى مـرافـقـيـن سـهّـلـوا لـه عـمـلـه. ويـبـدو أيـضـاً مـن تـصـرفـات أهـل بـغـداد الّـذيـن صـوّرهـم أنّـهـم كـانـوا مـتـعـوديـن عـلى رؤيـة الأجـانـب، وربّـمـا أيـضـاً لأنّـهـم لـم يـكـونـوا قـد عـرفـوا بـعـد الـشّـعـارات “الـثّـوريـة” الّـتي تـأثّـر بـهـا شـبـاب جـيـلـنـا.

وأعـتـقـد أنّ عـليّ أوّلاً أن أتـكـلّـم عـن هـذا الـمـصـوّر الـشّـهـيـر لـيـرى مـن لـم يـسـمـع بـه بـعـد أهـمـيـتـه الـبـالـغـة في تـاريـخ فـنّ الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي الـعـالـمي.

هـنـري كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون :

ولـد كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون  قـرب بـاريـس سـنـة 1908. وبـعـد حـصـولـه عـلى الـبـكـلـوريـا عـام 1926، تـابـع دروس الـفـنّـان أنـدريـه لـوت في مـرسـمـه، والـتـقى بـالـسّـريـالـيـيـن. وقـضى سـنـة 1930 في سـاحـل الـعـاج في أفـريـقـيـا.

ثـمّ قـرر في الـعـام الـتّـالي أن يـتـرك الـرّسـم ويـكـرّس حـيـاتـه لـلـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي. وسـافـر في عـام 1932 في أرجـاء أوربـا ونـشـر صـوره في الـمـجـلاّت الـمـخـتـصّـة. وفي الـعـام الـتّـالي أقـام أوّل مـعـارضـه في نـيـو يـورك.

واشـتـغـل في الـتّـصـويـر الـسّـيـنـمـائي، وخـاصّـة في ثـلاثـة مـن أفـلام الـمـخـرج جـان رنـوار (إبـن الـرّسّـام الـشّـهـيـر أوغـسـط رنـوار).

كـمـا اشـتـغـل في تـصـويـر الأنـبـاء، وعـمـل لـحـسـاب وكـالات مـهـمـة مـثـل مـاغـنـوم، فـشـهـد سـحـق الـجـنـرال فـرانـكـو لـلـمـقـاومـيـن مـن أنـصـار الـجـمـهـوريـة الإسـبـانـيـة عـام 1937، وخـدم خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة كـمـصـور في الـجـيـش، وشـهـد تـحـريـر بـاريـس عـام 1945.

وقـد أقـام في الـشّـرق مـدّة ثـلاث سـنـوات، مـن عـام 1948 إلى 1950، صـوّر خـلالـهـا الـمـهـاتـمـا غـانـدي بـضـعـة سـاعـات فـقـط قـبـل اغـتـيـالـه، ثـمّ شـارك في تـشـيـيـعـه، وشـهـد عـن كـثـب مـسـيـرة مـاو تـسي تـونـغ الـمـنـتـصـرة نـحـو بـكـيـن … وتـوقّـف في بـغـداد في طـريـق عـودتـه إلى فـرنـسـا.

وقـد الـتـقـط هـنـري كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون  أيـضـاً أعـداداً مـن صـور الأدبـاء والـفـنّـانـيـن مـثـل ولـيـام فـولـكـنـر وبـول كـلـوديـل وجـان بـول سـارتـر وسـيـمـون دو بـوفـوار وألـبـيـر كـامـو وفـرنـسـوا مـوريـاك وألـبـرتـو جـاكـومـتّي وهـنـري مـاتـيـس وبـابـلـو بـيـكـاسـو وبـيـيـر بـونـار … والّـتي تـعـدّ مـن بـيـن أهـمّ الـصّـور الـتّي الـتـقـطـت لـهـم.

وقـد عـاد هـنـري كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون عـام 1974، وكـان في الـسّـادسـة والـسّـتـيـن مـن عـمـره، إلى حـبّـه الأوّل : إلى الـرّسـم، وأقـام عـدّة مـعـارض لأعـمـالـه. وتـوفي سـنـة 2004.

هـنـري كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون في بـغـداد عـام 1950 :

أوّل مـا نـلاحـظـه عـلى الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـهـا كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون في بـغـداد، كـصـوره الأخـرى الّـتي الـتـقـطـهـا في أرجـاء الـعـالـم كـمـصـور أنـبـاء، أنّـهـا، رغـم اهـتـمـامـه بـجـانـبـهـا الـفـنّي، تـبـقى تـسـجـيـلـيـة. وهـو يـحـاول قـدر اسـتـطـاعـتـه أن تـكـون صـوره مـوضـوعـيـة مـحـايـدة لـيـس هـدفـهـا تـجـمـيـل  الـمـشـاهـد الـمـصـورة أو تـقـبـيـحـهـا أو أضـفـاء طـابـع مـحـبـب أو مـكـروه أو درامي أو مـأسـوي عـلـيـهـا، أي أن يُـظـهـر الـعـالـم كـمـا هـو.

وقـد بـدأ كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون حـال وصـولـه إلى بـغـداد بـالـتـقـاط صـور لـلـمـديـنـة، مـثـل صـورة الـدّور الـمـطـلّـة عـلى ضـفـة دجـلـة في الـصّـبـاح :

IRAQ. 1950.  THIS PHOTO MAY NOT BE CROPPED OR TRIMMED IN REPRODUCTION.

ولـكـنّـه كـان يـفـضـل تـصـويـر الـنّـاس عـلى تـصـويـر مـعـالـم الـمـديـنـة. وقـد حـاول الـتـقـاط صـور “طـبـيـعـيـة” يـخـتـلـس لـحـظـات لا يـنـتـبـه الـنّـاس إلـيـه فـيـهـا لـيـظـهـرهـم كـمـا كـانـوا في حـيـاتـهـم الـيّـومـيـة، مـثـل الـصّـورة الّـتي تـحـاول فـيـهـا امـرأتـان عـبـور شـارع الـرّشـيـد بـيـنـمـا انـهـمـك شـرطـيـا الـمـرور بـالـحـديـث بـيـنـهـمـا مـن غـيـر أن يـعـيـراهـمـا انـتـبـاهـاً :

كارتييه بريسون 1

أو الـلـحـظـة الّـتي اخـتـارهـا لـمـسـاومـة في الـسّـوق بـيـن بـائـع ومـشـتـري يـحـمـل بـيـده سـتـرةً يـتـفـحـصّـهـا بـعـنـايـة. ونـلاحـظ دقّـة تـركـيـب الـمـشـهـد الّـذي صـوّره كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون بـاخـتـيـار زاويـة الـتّـصـويـر الـمـنـاسـبـة وضـوء الـشـمـس الـمـحـيـط بـالـشّـخـصـيـن بـيـنـمـا غـرقـت بـاقي الـصّـورة في ظـل يـتـكـاثـف كـلّـمـا ابـتـعـد عـنـهـمـا ويـضـفي عـلـيـهـا كـثـيـراً مـن الـعـمـق :

كارتييه بريسون 4

أو الـرّجـال الّـذيـن صـوّرهـم مـن الـخـلـف وهـم يـنـظـرون إلى صـور في واجـهـة “خـدمـة الإسـتـعـلامـات الأمـريـكـيـة the United States information Service” :

IRAQ. 1950. THIS PHOTO MAY NOT BE CROPPED OR TRIMMED IN REPRODUCTION.

أو صـورة الـشّـيـخ بـجـانـب سـيّـارتـه الـفـاخـرة الـلـمـعـان وهـو يـتـكـلّـم مـع الـشّـرطي الّـذي يـحـرس الـمـوقـف :

IRAQ. 1950. THIS PHOTO MAY NOT BE CROPPED OR TRIMMED IN REPRODUCTION.

أو صـورة الـرّجـل الـعـجـوز الـمـلـتـحي وعـلى رأسـه “فـيـنـة” وهـو يـشـتـري مـن بـائـع طـمـاطـم، وحـولـه رجـال ونـسـاء يـمـرّون في الـسّـوق :

كارتييه بريسون 11

كـمـا أنّـه صـوّر مـشـاهـد ارتـضى الأشـخـاص أن يـمـثّـلـوا أدوارهـم فـيـهـا بـتـواطـؤ مـثـل الـحـلّاق الـمـنـهـمـك في عـمـلـه بـيـنـمـا يـنـظـر الـزّبـون الّـذي يـنـتـظـر دوره (أو هـل هـو صـبـيـه ؟) إلى عـدسـة آلـة الـتّـصـويـر. وقـد ذكّـر الـمـصـوّر أنّـه الـتـقـطـهـا في حي الـيـهـود في بـغـداد :

IRAQ. 1950.  Bagdad. THIS PHOTO MAY NOT BE CROPPED OR TRIMMED IN REPRODUCTION.

أو أنـاس ارتـضـوا أن يـصـورهـم، مـثـل الـرّجـال والـنّـسـاء الـواقـفـيـن عـلى رصـيـف في شـارع الـرّشـيـد يـنـتـظـرون بـاص الأمـانـة :

 

IRAQ. 1950.  THIS PHOTO MAY NOT BE CROPPED OR TRIMMED IN REPRODUCTION.

أو الـشّـابـة الّـتي أظـهـرت وجـهـهـا والـمـرأتـان الـمـتـحـجـبـتـان وهـن يـسـرنَ في الـشّـارع :

كارتييه بريسون 6

أو الـرّجـال والـنّـسـاء فـيـمـا أسـمـاه بـ “حيّ الـيـهـود”، جـلـسـوا فـيـمـا يـبـدو سـوقـاً عـلى قـارعـة الـطّـريـق. ورغـم أنّ بـعـضـهـم كـانـوا يـنـظـرون إلى عـدسـة الـمـصـوّر فـلـم يـبـدُ عـلى أغـلـبـهـم أدنى انـتـبـاه لـه أو اهـتـمـام بـه :

IRAQ. 1950.  Bagdad. THIS PHOTO MAY NOT BE CROPPED OR TRIMMED IN REPRODUCTION.

أو صـورة رجـال أمـام مـكـتـب الـخـطـوط الـجـويـة يـشـتـرون بـطـاقـات سـفـر “لـلـحـج إلى مـكّـة” :

IRAQ. 1950.  Bagdad. THIS PHOTO MAY NOT BE CROPPED OR TRIMMED IN REPRODUCTION.

أو صـورة الـشّـاب الـكـردي الـمـمـشـوق الـقـدّ بـمـلابـسـه الـتّـقـلـيـديـة وهـو يـضـحـك لـلـمـصـور بـمـرح. ونـلاحـظ الـزّي الـرّسـمي الـصّـيـفي لـلـشّـرطي الـقـصـيـر الـسّـمـيـن الّـذي يـسـيـر بـجـانـبـه. كـمـا نـلاحـظ الـواجـهـة الـمـغـلـقـة لـوكـالـة “كـوك لـلأسـفـار” في شـارع الـرّشـيـد :

IRAQ. 1950. THIS PHOTO MAY NOT BE CROPPED OR TRIMMED IN REPRODUCTION.

أو صـورة رجـال جـلـسـوا في مـقـهى عـلى رصـيـف يـنـظـرون إلى مـارّة أمـامـهـم وإلى بـاعـة مـتـجـوّلـيـن. ولا يـظـهـر عـلى وجـوه أغـلـبـهـم أدنى اهـتـمـام بـعـدسـة الـمـصـوّر :

IRAQ. 1950.  Bagdad. THIS PHOTO MAY NOT BE CROPPED OR TRIMMED IN REPRODUCTION.

 

ونـنـهي عـرضـنـا الـسّـريـع هـذا بـالـصّـورة الـشّـديـدة الـشّـهـرة الّـتي الـتـقـطـهـا كـارتـيـيـه ــ بـريـسـون لـطـاق كـسـرى، والّـتي نـرى فـيـهـا عـازف الـرّبـابـة الأعـمى واقـفـاً يـمـسـك بـعـصـاه ولـكـن مـن غـيـر ربـابـتـه ولا الـصّـبي الّـذي يـقـوده :

كارتييه بريسون 2

ونـلاحـظ أيـضـاً الـزّاويـة الّـتي اخـتـارهـا لـتـركـيـب الـمـشـهـد، والّـتي تـظـهـر ارتـفـاع الـطّـاق الـشّـاهـق الّـذي أمـالـه قـلـيـلاً نـحـو الـيـسـار بـيـنـمـا أمـال الـرّجـل نـحـو الـيـمـيـن، خـالـقـاً بـذلـك حـركـة شـبـه دائـريـة لـيـتـحـاشى جـمـود الـصّـور الـعـاديـة. كـمـا اخـتـار لـيـشـدد مـن تـأثـيـر الـعـلـو والـحـركـة لـحـظـة مـن الـنّـهـار اشـتـدّ فـيـهـا الـتّـضـاد بـيـن الـضّـوء والـظّـل.

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

هـل شـرّع حـمـورابي أقـدم قـانـون في تـاريـخ الـعـالـم ؟

Hammurabi article 165

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كـثـيـراً مـا سـألـت طـلّابي أو زمـلائي أو مـن كـان حـولي مـن الـمـثـقـفـيـن أو مـن الـمـتـعـلّـمـيـن عـن مـا يـعـرفـونـه عـن حـمـورابي. وكـانـت أجـوبـة الّـذيـن سـمـعـوا بـه مـنـهـم لا تـتـغـيـيـر : “شـرّع أوّل قـانـون في تـاريـخ الـبـشـريـة”.

ورغـم افـتـخـاري بـأنّ شـهـرة الـمـلـك الـبـابـلي قـد اخـتـرقـت الآفـاق، ودامـت أربـعـة آلاف سـنـة بـعـد مـوتـه، وأنّ أنـاسـاً يـسـكـنـون في أطـراف الـعـالـم الـبـعـيـد عـن بـابـل قـد سـمـعـوا بـه، إلّا أنّ مـا يـعـرفـونـه عـنـه لـيـس صـحـيـحـاً تـمـامـاً، فـحـمـورابي لـم يـشـرّع أقـدم قـوانـيـن الـبـشـريـة.

ولـنـبـدأ أوّلاً بـالـكـلام عـن مـا يـعـرفـه الـمـخـتـصّـون بـالـتّـاريـخ الـقـديـم عـن الـفـتـرة الّـتي مـهّـدت لارتـقـاء حـمـورابي عـرش بـابـل، قـبـل أن نـتـكـلّـم عـنـه وعـن شـرائـعـه.

الـعـمّـوريـون :

تـقـدّمـت قـبـائـل مـن الـرّحّـل، في نـهـايـة الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، مـن غـرب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، أي مـن جـهـة سـوريـا وفـلـسـطـيـن، ونـزلـت نـهـر الـفـرات نـحـو الـجـنـوب ثـمّ صـعـدت إلى شـمـالـهـا، وجـلـبـت مـعـهـا آلـهـتـهـا مـثـل داغـان وأداد.

وكـانـت مـدن جـنـوب مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الـقـرنـيـن الأوّل والـثّـاني مـن الألـف الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد في صـراع دائـم، تـحـاول الـواحـدة مـنـهـا أن تـسـيـطـر عـلى الأخـريـات، مـمـا أضـعـفـهـا كـلّـهـا، وتـرك الـمـجـال لـقـبـائـل الـعـمـوريـيـن الـرّحّـل بـالـتّـغـلـغـل في الـمـنـطـقـة والإسـتـقـرار فـيـهـا. وقـد ازدادت أعـدادهـم شـيـئـاً فـشـيـئـاً واشـتـدّت قـوّتـهـم حـتّى سـيـطـروا عـلى بـعـض أجـزائـهـا.

وقـد اسـتـقـرّت واحـدة مـن قـبـائـل الـعـمّـوريـيـن الـرّحّـل هـذه في حـوالي سـنـة 1890 قـبـل الـمـيـلاد في قـريـة صـغـيـرة عـلى الـفـرات سـتـصـبـح بـعـد ذلـك مـديـنـة بـابـل. وكـانـت في ذلـك الـحـيـن مـجـمـوعـة دور لا أهـمـيـة لـهـا، لـم يـكـن حـولـهـا أسـوار ولـم يـكـن لـهـا إلـه يـحـمـيـهـا.

وقـد وسّـع الـعـمّـوريـون هـذه الـقـريـة وشـيّـدوا حـولـهـا أسـواراً، وجـعـلـوا مـن آلـهـتـهـم حـمـاةً لـهـا، ونـصـبـوا أنـفـسـهـم مـلـوكـاً عـلـيـهـا. وخـلال حـكـم ثـالـث مـلـوكـهـم، شُـيّـد لـلإلـه مـردوخ مـعـبـد فـيـهـا.

وصـارت بـابـل مـديـنـة قـوّيـة خـلال حـكـم الـمـلـك سـيـن مـوبـالـيـط الّـذي مـدّ سـيــطـرتـه حـولـهـا وسـيّـطـر عـلى سـيـبـار (1) وكـيـش (2) وبـورسـيـبـا. (3) وقـد حـاول الـسّـيـطـرة عـلى لارسـا (4) ولـكـنّـه هـزم أمـام أسـوارهـا، مـمـا أوقـف طـمـوحـاتـه الـتّـوسّـعـيـة.

وعـنـدمـا مـات سـيـن مـوبـالـيـط في بـابـل، كـان مـلـك عـمّـوري آخـر، شـمـشي أداد الأوّل، قـد ارتـقى عـرش بـلاد آشـور. وكـان هـو الآخـر يـحـاول الـسّـيـطـرة عـلى مـا بـيـن الـنّـهـريـن. وبـعـد أن فـرض طـاعـتـه عـلى مـديـنـة نـيـنـوى وعـلى مـديـنـة آشـور (مـوقـع قـلـعـة الـشّـرقـاط الـحـالـيـة)، إنـطـلـق مـسـتـولـيـاً عـلى مـنـاطـق الـفـرات الأوسـط، وصـعـد عـلى نـهـر دجـلـة حـتّى مـمـلـكـة مـاري الّـتي فـتـحـهـا.

حـمـورابي :

رسم للدكتور صباح الناصري

(رسـم بـالأحـبـار الـصّـيـنـيـة لـلـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري)

 

خـلـف سـيـن مـوبـالـيـط عـلى عـرش بـابـل ابـنـه حـمـورابي. وأدرك حـمـورابي قـوّة مـلـك آشـور، شـمـشي أداد الأوّل، فـرجـاه أن يـقـبـل بـعـقـد مـعـاهـدة مـعـه اتـقـاءً لـشّـرّه. ولـكـنّ الأمـور تـغـيّـرت بـعـد مـوت مـلـك آشـور، وضـعـفـت الـدّولـة الآشـوريـة تـحـت حـكـم خـلـفـه.

وبـدأ حـمـورابي حـمـلاتـه الـتّـوسّـعـيـة بـتـأنٍ وحـذر، مـتـحـايـلاً عـلى بـعـض حـكّـام الـمـدن الأخـرى ومـخـادعـاً بـعـضـهـم الآخـر، ومـسـتـعـمـلاً الـقـوّة عـنـدمـا يـسـتـطـيـع ذلـك، حـتّى انـتـصـر عـلى كـلّ مـنـافـسـيـه. وقـد تـوصّـل خـلال أقـلّ مـن خـمـس وعـشـريـن سـنـة إلى تـكـويـن دولـة مـمـتـدّة الأطـراف دامـت بـعـده أكـثـر مـن ألـف سـنـة.

وكـان مـلـوك بـابـل يـسـمـون كـلّ سـنـة مـن سـنـوات حـكـمـهـم بـاسـم حـدث مـهـمّ يـقـع فـيـهـا. وهـكـذا يـمـكـنـنـا مـتـابـعـة أحـداث سـنـوات حـكـم حـمـورابي الّـذي دام 42 سـنـة تـقـريـبـاً.

سـنـوات حـكـم حـمـورابي :

يـسـتـعـمـل عـلـمـاء الآشـوريـات مـدداً مـخـتـلـفـة لـتـأريـخ الأحـداث الّـتي وقـعـت في الألـف الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد (وتـشـتـدّ الأمـور تـعـقـيـداً في تـحـديـد أحـداث الألـف الـثّـالـث ثـمّ الـرّابـع …). وهي مـدد “نـسـبـيـة” تـقـاس الـواحـدة مـنـهـا مـقـارنـة بـالأخـرى، خـاصّـة وأنّـه مـن الـصّـعـب تـحـديـد الـوقـائـع الـفـلـكـيـة الّـتي ذكـرهـا الـكُـتّـاب الـبـابـلـيـون لـتـأريـخ أحـداثـهـم مـثـل الـكـسـوف والـخـسـوف واقـتـراب الـكـواكـب مـن بـعـضـهـا أو مـن الـكـرة الأرضـيـة أو ابـتـعـادهـا عـنـهـا أو الـتـقـائـهـا … فـهي تـتـكـرر مـن حـقـبـة زمـنـيـة إلى حـقـبـة أخـرى.

وفي مـا يـخـصّ حـمـورابي، تـعـوّد الـمـؤرخـون عـلى أن يـخـتـاروا لـبـدايـة حـكـمـه بـيـن الـمـدّة الـطـويـلـة جـدّاً (أي سـنـة 1900 قـبـل الـمـيـلاد) أو الـمـدّة الـطّـويـلـة (1848 ق. م.) أو الـمـدّة الـمـتـوسّـطـة (1792 ق. م.) أو الـمـدّة الـقـصـيـرة (1728 ق. م.) أو الـمـدّة الـقـصـيـرة جـدّاً (1700 ق. م.). وهـكـذا نـرى أنّـه حـكـم في فـتـرة زمـنـيـة تـقـع بـيـن الـقـرن الـعـشـريـن والـقـرن الـثّـامـن عـشـر قـبـل الـمـيـلاد.

مـسـلّـة حـمـورابي :

code Hammurabi

عـثـر الـمـنـقّـبـون الـفـرنـسـيـون عـام 1901، في حـمـلـة حـفـريـاتـهـم في مـوقـع مـديـنـة شـوشـة الـقـديـمـة، الّـتي كـانـت عـاصـمـة الـدّولـة الـعـيـلامـيـة، في جـنـوب إيـران، عـلى ثـلاث قـطـع صـخـريـة كـسـرت ودفـنـت في بـاطـن الأرض. وعـنـدمـا ركّــبـوهـا وجـدوا أنّـهـا تـشـكّـل مـسـلّـة كـامـلـة ارتـفـاعـهـا مـتـران ونـصـف، في أعـلاهـا نـحـت قـلـيـل الـبـروز لـمـك واقـف أمـام الإلـه شـمـش (الّـذي تـنـبـثـق مـن كـتـفـيـه أشـعـتـه)،

code Hammurabi 2

ونـقـش عـلـيـهـا بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وبـالـلـغـة الأكّـديـة (5) نـصّ مـتـتـابـع لا تـنـقـصـه إلّا سـبـعـة أعـمـدة طُـرقـت وهـشّـمـت.

وعـنـدمـا اسـتـطـاعـوا قـراءة الـنّـصّ أدركـوا أنّـه كـان عـلى هـذه الـمـسـلّـة الـصّـيـغـة الـنّـهـائـيـة لـقـانـون حـمـورابي، وأنّ الـمـلـك الـواقـف أمـام الإلـه شـمـش كـان الـمـلـك حـمـورابي وهـو يـقـدّم قـانـونـه لـلإلـه لـيـبـاركـه.          وأدركـوا أنّ الـعـيـلامـيـيـن نـقـلـوهـا كـغـنـيـمـة حـرب إلى عـاصـمـتـهـم شـوشـة في الـقـرن الـثّـاني عـشـر قـبـل الـمـيـلاد، بـعـد أن فـتـحـوا بـابـل وخـرّبـوهـا.

ويـبـدو أنّ مـلـكـهـم أراد إعـادة اسـتـعـمـالـهـا لـيـنـقـش عـلـيـهـا نـصّـاً في تـمـجـيـده. ومـن هـذا جـاء طـرق جـزء مـن كـتـابـتـهـا. ولـكـنّ مـشـروعـه لـم يـكـتـمـل، ربّـمـا لافـتـقـاره إلى صُـنّـاع يـحـسـنـون الـنّـقـش ومـتـعـلـمـيـن يـحـسـنـون الـكـتـابـة، أو ربّـمـا تـحـطّـمـت الـمـسـلّـة خـلال طـرق جـزء مـن الـنّـص وتـهـشـيـمـه، أو ربّـمـا لـمـوتـه وإهـمـال خـلـفـه لـمـشـروعـه.

وقـد شـارك الأب جـان فـنـسـنـت شـيـل Jean-Vincent Scheil في الـحـمـلـة عـنـدمـا عُـثـر عـلى الـمـسـلّـة. وكـان قـبـلـهـا قـد شـارك في تـنـقـيـبـات بـابـل. وكـان يـحـسـن قـراءة الـمـسـمـاريـة. ونـقـل الأب شـيـل الـمـسـلّـة إلى بـاريـس عـام 1902، (ومـا زالـت حـتّى الآن في مـتـحـف الـلـوفـر)، وكـرّس لـقـراءتـهـا سـتّـة أشـهـر حـتّى اسـتـطـاع تـرجـمـة الـنّـصّ بـكـامـلـه ونـشـره في نـفـس الـعـام. (6)

وقـد وجـد الـمـخـتـصّـون في نـسـخ أخـرى مـن قـانـون حـمـورابي، عـلى قـطـع صـخـريـة أو عـلى ألـواح مـن الـصّـلـصـال، مـا يـكـمـل بـعـض الأعـمـدة الـسّـبـعـة الـنّـاقـصـة حـتّى لـم يـعـد يـنـقـص الـنّـصّ إلّا خُـمـسـه تـقـريـبـاً.

قـانـون حـمـورابي :

يـحـتـوي “قـانـون حـمـورابي” عـلى مـجـمـوعـة مـن الـتّـشـريـعـات الّـتي أصـدرهـا هـو نـفـسـه خـلال سـنـوات حـكـمـه، أو عـلى أحـكـام مـن الـعـرف الـشّـائـع تـبـنّـاهـا، أو عـلى بـنـود مـن تـشـريـعـات قـديـمـة أعـاد اسـتـعـمـالـهـا. وكـان يـنـتـمي إلى صـنـف “الـقـوانـيـن الـمـكـتـمـلـة” أي الّـتي كـانـت في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن تـضـمّ ثـلاثـة أقـسـام : مـقـدمـة، ثـمّ بـنـود الـقـوانـيـن، ثـمّ خـاتـمـة.

وتـؤكّـد الـمـقـدمـة عـلى تـقـوى الـمـلـك الّـذي اخـتـارتـه الآلـهـة لـحـكـم رعـيـتـه وألـهـمـتـه تـشـريـع قـوانـيـن لـهـم، بـيـنـمـا تـهـدد الـخـاتـمـة بـالـعـقـوبـات الإلـهـيـة مـن تـخـوّل لـه نـفـسـه، مـمـن سـيـخـلـفـون الـمـلـك، بـتـغـيـيـر هـذه الـقـوانـيـن أو إلـغـائـهـا.

Code Hammurabi 3

 

مـن شـرّع أقـدم قـانـون في تـاريـخ الـبـشـريـة إذن ؟

أقـدم قـانـون وصـلـنـا نـصّـه هـو قـانـون الـمـلـك الـسّـومـري أور نـامـو، مـؤسـس سـلالـة أور الـثّـالـثـة. وتـذكـر “الـقـائـمـة الـمـلـكـيـة الـسّـومـريـة” أنّـه حـكـم 18 سـنـة (مـن حـوالي 2112  ق.م. إلى حـوالي 2095  ق.م.). ولـكـنّ الـنّـصـوص الـمـكـتـوبـة الّـتي وصـلـتـنـا لا تـذكـر إلّا ثـمـاني سـنـوات فـقـط مـن حـكـمـه.

ولا نـعـرف إلّا الـقـلـيـل جـدّاً عـن أصـلـه وعـن الـسّـلالـة الّـتي أسـسـهـا، والّـتي حـكـمـت خـلال مـا نـسـمـيـه بـ “الـفـتـرة الـسّـومـريـة الـحـديـثـة”، أي بـعـد سـقـوط الـدّولـة الأكّـديـة.

ولـم يـكـن أور نـامـو، في بـدايـة حـكـمـه، قـد بـسـط هـيـمـنـتـه بـعـد عـلى الـوركـاء ولا عـلى غـرسـو (عـاصـمـة مـمـلـكـة لـغـش) ولا عـلى أُمّـة. ولا نـعـرف في أيّـة سـنـة بـالـضّـبـط بـدأ بـالـسّـيـطـرة عـلى أور والـوركـاء، ولا مـتى كـرّسـه كـهّـان مـديـنـة نـيـبـور، عـاصـمـة سـومـر الـدّيـنـيـة، كـحـاكـم عـلى بـلاد سـومـر.

وقـد أعـاد أور نـامـو تـنـظـيـم مـدن سـومـر، وأعـاد لـهـا قـوّتـهـا بـعـد أن كـان سـرجـون الأكّـدي قـد أسـقـطـهـا لـتـأسـيـس دولـتـه. وقـد أولى أور نـامـو اهـتـمـامـاً كـبـيـراً بـإصـلاح قـنـوات الـرّي وطـرق الـمـواصـلات والـتّـجـارة. ووصـلـتـنـا عـدّة أنـاشـيـد في تـمـجـيـده.

وقـد وصـلـتـنـا سـبـعـة وثـلاثـون بـنـداً مـن بـنـود قـانـونـه الّـذي كـتـبـه بـالـمـسـمـاريـة وبـالـلـغـة الـسّـومـريـة. وقـد عـثـر عـام 1902 عـلى أوّل لـوح طـيـني يـحـتـوي عـلى جـزء مـن نـسـخـة مـنـه كـتـبـت في الـقـرن الـثّـامـن عـشـر قـبـل الـمـيـلاد (7).

قانون أور نامو

والـقـانـون الـثّـاني في الـقـدم هـو قـانـون الـمـلـك لـيـبِـت عـشـتـار (8) الّـذي كـان خـامـس مـلـوك سـلالـة إيـسِـن الـسّـومـريـة الأولى. وقـد حـكـم مـن حـوالي 1934  ق.م. إلى حـوالي 1924  ق.م. وقـد واجـهـت إيـسِـن خـلال فـتـرة حـكـمـه مـنـافـسـة دولـة لارسـا الّـتي اسـتـولـت عـلى مـديـنـة أور وقـطـعـت عـلى إيـسِـن طـريـق الـتّـجـارة نـحـو الـخـلـيـج.

وقـد وجـد الـمـنـقّـبـون ألـواحـاً صـلـصـالـيـة لأنـاشـيـد في تـمـجـيـده. كـمـا وجـد قـانـونـه الـمـكـتـوب بـالـلـغـة الـسّـومـريـة، والّـذي سـبـق قـانـون حـمـورابي بـحـوالي قـرن ونـصـف.

ليبت عشتار

 

وإلى جـانـب هـذه الـقـوانـيـن الـثّـلاثـيـة الأجـزاء (قـوانـيـن أور نـامـو وقـانـون لـيـبِـت عـشـتـار وقـانـون حـمـورابي) وصـلـتـنـا نـصـوص قـانـونـيـة قـديـمـة، مـن أهـمّـهـا :

* قـوانـيـن إشـنـونـة الّـتي كـتـبـت عـدّة عـشـرات مـن الـسّـنـيـن قـبـل قـانـون حـمـورابي، والّـتي لـديـنـا مـنـهـا ثـلاثـة ألـواح عـلـيـهـا حـوالي سـتـيـن بـنـداً،

* والـقـوانـيـن الآشـوريـة الّـتي سـجّـلـت في الـقـرن الـثّـاني عـشـر قـبـل الـمـيـلاد، ولـكـنّ أصـولـهـا تـعـود إلى فـتـرات زمـنـيـة أقـدم كـثـيـراً.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تـلّ “أبـوحـبّـة” الـحـالي. (2) تـلّ الأحـيـمـر الـحـالي. (3)  مـوقـع بـيـرس نـمـرود الـحـالي.

(4) تـلّ سـنـكـرة الـحـالي.

(5) الـلـغـة الأكّـديـة أقـدم الـلـغـات الـسّـامـيـة الّـتي وصـلـتـنـا نـصـوص مـكـتـوبـة مـنـهـا. وأقـدم أنـواعـهـا “الأكّـديـة الـقـديـمـة” الّـتي اسـتـعـمـلـهـا الـمـلـك سـرجـون الأكّـدي بـعـد أن أسـس دولـتـه الّـتي كـانـت عـاصـمـتـهـا مـديـنـة “أكّـد”، والّـتي لـم يـجـد الـمـنـقّـبـون بـعـد مـوقـعـهـا. وقـد فـرض سـرجـون الأكّـدي لـغـتـه كـلـغـة رسـمـيـة في أرجـاء دولـتـه الـمـمـتـدّة الأطـراف.

وقـد اسـتـعـمـل الأكّـديـون لـكـتـابـة لـغـتـهـم الـمـسـمـاريـة (الّـتي كـانـت قـد اخـتـرعـت لـكـتـابـة الـلـغـة الـسّـومـريـة، الـمـخـتـلـفـة عـنـهـا تـمـام الإخـتـلاف). وقـد اسـتـمـرّ الـبـابـلـيـون والآشـوريـون، الّـذيـن كـانـوا مـن الـسّـامـيـيـن أيـضـاً، بـاسـتـعـمـال الأكّـديـة كـلـغـة رسـمـيـة وأدبـيـة، كـمـا اسـتـمـرّوا بـاسـتـعـمـال الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة.

(6) نـشـر نـصّ الـمـسـلّـة وتـرجـمـتـه إلى الـلـغـة الـفـرنـسـيـة في الـجـزء الـرّابـع مـن : نـصـوص بـعـثـة بـلاد فـارس

Mémoires de la délégation en Perse, tome IV, Paris 1902

(7) الـلـوح مـحـفـوظ في مـتـحـف إسـطـنـبـول لـلآثـار                                         (Istanbul arkeologi müzeleri, Ni. 3191).

(8) ونـجـد مـن يـكـتـب اسـمـه بـالـلـغـة الـعـربـيـة : لـبـت عـشـتـار أو لـبـث عـشـتـار …

 

©    حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

دوس بـاسـوس في الـعـراق

دوس باسوس

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـرأت عـنـدمـا كـنـت في مـطـلـع شـبـابي، كـكـلّ زمـلائي مـن مـحـبّي الأدب الـعـالـمي، بـعـض روايـات ولـيـام فـولـكـنـر وجـون شـتـايـنـبـك وإرنـسـت هـمـنـغـواي. وكـنـت قـد وجـدت قـبـل ذلـك، في مـكـتـبـة أخي الـكـبـيـر سـامي، بـعـض روايـات مـارك تـويـن وبـيـرل بـك. ولـكـنّي لـم أقـرأ روايـات جـون دوس بـاسـوس John Dos Passos، الّـذي كـان هـو الآخـر أمـريـكـيـاً، بـل لـم أسـمـع بـه، إلّا بـعـد ذلـك بـسـنـوات طـويـلـة.

وكـنـت في تـلـك الـفـتـرة قـد تـجـاوزت الـمـرحـلـة الّـتي كـنـت أحـتـاج فـيـهـا إلى الـتّـرجـمـات الـعـربـيـة، فـقـرأتـه مـبـاشـرة في نـصـوصـه الأصـلـيـة. ومـا زلـت أتـذكّـر أيـام الـصّـيـف الـطـويـلـة الّـتي قـضـيـتـهـا جـالـسـاً في حـديـقـتي أقـرأ روايـة Three soldiers الّـتي نـشـرهـا عـام 1921 ضـدّ الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى ونـتـائـجـهـا الـمـخـربـة لـلـعـالـم، ثـمّ روايـة Manhattan Transfer  (1925) الّـتي جـلـبـت لـه الـشّـهـرة، ثـمّ ثـلاثـيـة U.S.A. الّـتي نـشـرهـا بـيـن 1930 و 1936.

وقـد تـذبـذبـت أسـالـيـب كـتـابـة جـون دوس بـاسـوس بـيـن الـواقـعـيـة وتـقـنـيـات تـيـار الـوعي وتـداعي الـذّاكـرة والـحـوارات الـدّاخـلـيـة الـوجـدانـيـة.

وغـالـبـاً مـا كـنـت أعـيـد قـراءة جـمـلـه مـرتـيـن أو ثـلاث، ثـمّ أعـيـد قـراءة الـفـصـل كـامـلاً لأتـعـمّـق تـراكـيـبـه الـمـعـقّـدة وتـلابـسـات سـرده الـمـتـراكـب وإشـاراتـه الّـتي لا تـنـتـهي إلى نـصـوص قـديـمـة وحـديـثـة يـنـبـغي مـعـرفـتـهـا لـمـتـابـعـتـه.

ويـمـكـن لـلـقـارئ الـعـزيـز أن يـتـصـور دهـشـتي عـنـدمـا سـألـني أحـد أصـدقـائي في يـوم مـا إن كـنـت قـد قـرأت “قـطـار الـشّـرق الـسّـريـع”. وتـصـوّرت أنّـه خـلـط بـيـن أسـمـاء الـكـتـب، وأنّـه كـان يـتـكـلّـم عـن “جـريـمـة في قـطـار الـشّـرق الـسّـريـع”، ولـكـنّـه أكّـد لي : “قـطـار الـشّـرق الـسّـريـع لـدوس بـاسـوس”. “دوس بـاسـوس ؟”، سـألـتـه بـدهـشـة. فـأكّـد لي مـن جـديـد : “نـعـم، لـلـكـاتـب الأمـريـكي جـون دوس بـاسـوس”.

وعـرفـت أنّ دوس بـاسـوس سـافـر إلى إسـطـنـبـول بـقـطـار الـشّـرق الـسّـريـع في عـام 1921، وأنّـه زار بـلاد الأرمـن وبـلاد الـفـرس (إيـران الـحـالـيـة) ووصـل إلى بـغـداد عـن طـريـق خـانـقـيـن وزار بـابـل وسـامـراء، ثـمّ صـعـد إلى دمـشـق مـارّاً بـالـرّمـادي …

وبـحـثـت عـن الـكـتـاب فـلـم أجـده في الـمـكـتـبـات، فـطـلـبـتـه مـن الـخـارج واسـتـلـمـتـه بـعـد أن دفـعـت ثـمـنـه غـالـيـاً وتـكـالـيـف نـقـلـه. وجـلـسـت أقـرأه. ولـم يـكـن سـرده لـرحـلـتـه أسـهـل مـن أسـلـوبـه في كـتـابـة روايـاتـه. وأخـيـراً قـررت أن أكـتـب عـنـه هـذا الـعـرض.

جـون دوس بـاسـوس :

دوس باسوس 2

وسـأبـدأ بـالـكـلام عـن دوس بـاسـوس، فـسـتـسـاعـدنـا مـعـرفـة سـيـرتـه في تـحـسـيـن مـعـرفـتـنـا بـأدبـه وبـمـا كـتـبـه عـن الـعـراق.

ولـد جـون دوس بـاسـوس عـام 1896، وعـرف كـكـاتـب ورسّـام ومـنـاضـل سـيـاسي. وتـقـرّب مـن الـشّـيـوعـيـيـن الأمـريـكـان في عـشـريـنـات الـقـرن الـمـاضي وثـلاثـيـنـاتـه، مـمـا جـلـب لـه بـعـض الـمـشـاكـل مـع الـسّـلـطـات الـسّـيـاسـيـة :

دوس باسوس والشرطة

ولـكـنّـه ابـتـعـد عـن الـيـسـار بـعـد ذلـك. وقـد نـشـر أكـثـر مـن أربـعـيـن كـتـابـاً مـنـهـا روايـات ومـسـرحـيـات ومـجـمـوعـات شـعـريـة وسـيـر ذاتـيـة ومـذكّـرات … ونـفّـذ أكـثـر مـن أربـعـمـائـة عـمـل فـنّي : تـخـطـيـطـات ورسـوم بـالأقـلام وبـالـحـبـر وبـالألـوان الـمـائـيـة ولـوحـات زيـتـيـة، ومـنـهـا صـورتـيـه الـشّـخـصـيـتـيـن الـلـتـيـن وضـعـتـهـمـا في هـذا الـمـقـال. (1).

“قـطـار الـشّـرق الـسّـريـع” :

قطار الشّرق السّريع

الـكـتـاب صـغـيـر بـ 149 صـفـحـة. صـدرت طـبـعـتـه الأولى عـام 1922. وهـو سـرد لـرحـلـة  A Travel Memoir قـام بـهـا دوس بـاسـوس إلى الـشّـرق عـام 1921، عـنـدمـا كـان في الـخـامـسـة والـعـشـريـن مـن عـمـره.

وقـد قـسّـم الـكـتـاب إلى 14 قـسـمـاً، في كـلّ مـنـهـا فـصـول قـصـيـرة جـدّاً لا تـتـجـاوز الـصّـفـحـة أو الـصـفـحـة والـنّـصـف. وسـأكـتـفي هـنـا بـعـرض مـوضـوعي لـلـكـتـاب وبـتـرجـمـة الأجـزاء الّـتي يـتـكـلّـم فـيـهـا عـن الـعـراق، فـلـيـس هـدفي الـقـيـام بـدراسـة نـقـديـة لـنـصّـه الأدبي ولا بـتـحـلـيـل لـلـنـظـرة الّـتي ألـقـاهـا هـذا الـكـاتـب الأمـريـكي عـلى فـتـرة مـهـمّـة مـن تـاريـخـنـا الـحـديـث.

ويـبـدأ الـكـتـاب بـفـصـل : “الإتّـجـاه نـحـو الـشّـرق Eastward”. ولا نـجـد عـنـده، مـنـذ الـبـدايـة، سـرداً مـفـصّـلاً واضـحـاً يـمـكـنـنـا مـتـابـعـتـه بـسـهـولـة، بـل صـور واسـتـطـرادات شـاعـريـة مـتـنـاثّـرة عـلـيـنـا أن نـنـظـمـهـا ذهـنـيـاً لـنـشـاركـه في تـكـويـن الـسّـرد. ونـدخـل في جـوّ غـريـب فـيـه رجـال يـغـنّـون أغـانٍ عـبـثـيـة، طـفـولـيـة اخـتـلـطـت فـيـهـا كـلـمـات إسـبـانـيـة بـانـكـلـيـزيـة، يـسـتـنـدون عـلى حـافّـة بـار ويـشـربـون قـنـاني “مـاديـرا” لـيـقـاومـوا غـثـيـان الـبـحـر وسـط ريـاح عـاصـفـة عـاتـيـة. ويـنـام الـكـاتـب لـيـسـتـيـقـظ في ضـوء الـقـمـر، بـعـد هـدوء الـرّيـح … وتـكـمـل الـبـاخـرة طـريـقـهـا نـحـو الـشّـرق.

وبـعـد أن اخـتـرقـت بـاخـرتـه الـمـحـيـط الأطـلـسي واجـتـازت بـحـر الـمـانـش، وصـلـت إلى بـحـر الـشّـمـال وتـوقّـفـت في مـيـنـاء أوسـتـانـد، في شـمـال بـلـجـيـكـا. ومـنـهـا ركـب الـقـطـار.

ويـمـرّ في الـفـصـل الـثّـالـث بـمـديـنـة الـبـنـدقـيـة Venice الّـتي يـصـفـهـا صـوريـاً بـلـقـطـات شـبـه فـوتـوغـرافـيـة مـلـوّنـة تـتـتـابـع وتـتـفـجّـر، وسـمـعـيـاً بـأصـوات الـمـوسـيـقى والأغـاني الّـتي يـصـفـهـا لـنـا، وشـمّـيـاً بـالـرّوائـح الـمـنـبـعـثـة مـن الـمـديـنـة والـمـيـاه الّـتي تـخـتـرقـهـا وتـحـيـط بـهـا …

ويـمـرّ الـقـطـار في الـفـصـل الـرّابـع بـأوروبـا الـشّـرقـيـة، ويـجـتـاز بـلـغـاريـا وجـزء مـن بـلاد الـيـونـان. ويـصـف دوس بـاسـوس مـصـاحـبـيـه في الـقـطـار بـضـربـات فـرشـاة سـريـعـة وحـادّة … ولاحـظ يـومـاً بـعـد يـوم ازديـاد جـفـاف الـطّـبـيـعـة واشـتـداد كـثـافـة شـوارب مـوظـفي الـمـحـطّـات بـيـنـمـا قـلّـت جـودة نـوعـيـة زيّـهـم الـرّسـمي … إلى أن وصـل إلى إسـطـنـبـول في تـمّـوز 1921.

وبـعـد أن زار إسـطـنـبـول، نـزل إلى أنـقـرة، ثـمّ اسـتـمـرّ نـحـو بـلاد الـقـوقـاز. وفي تـبـلـيـسي، عـاصـمـة جـورجـيـا، الـتـقى بـالـسّـيـدّ The Sayyid. ويـشـرح لـقـارئـه الـغـربي أنّـه يـعـني رجـلاً مـن نـسـل الـرّسـول أو مـن نـسـل عـلي بـن أبي طـالـب   (Descendant of the Prophet or of Ali, son of Abu Talib). وكـان هـذا الـسّـيّـد يـتـكـلّـم بـالـتّـركـيـة وبـالـفـارسـيـة ويـحـمـل جـواز سـفـر دبـلـومـاسي. ونـعـرف بـعـد ذلـك أنّـه درس الـطّـبّ في فـرنـسـا ويـتـكـلّـم الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة. ويـسـتـمـر جـون دوس بـاسـوس والـسّـيّـد في سـفـرتـهـمـا نـحـو يـريـفـان في أرمـيـنـيـا ثـمّ إلى بـحـر قـزويـن ويـنـزلان نـحـو بـلاد الـفـرس (إيـران الـحـالـيـة).

ومـن قـصـر شـيـريـن وصـل دوس بـاسـوس إلى الـحـدود، ومـنـهـا ركـب الـقـطـار إلى خـانـقـيـن. ويـلـتـقي في الـقـطـار بـانـكـلـيـزي يـعـمـل قـرب الـمـوصـل، ويـحـدثـه عـن الـيـزيـديـة، “عـبـدة الـشّـيـطـان   devil-worshippers” وعـن ضـريـح الـشّـيـخ عـدي.

ويـتـكـلّـم في الـفـصـل الـتّـاسـع عـن : سـكّـة حـديـد بـغـداد Baghdad Bahnhof. وفـيـه أربـعـة أقـسـام، وسـأتـرجـم كـلّ مـقـطـع عـلى حـدة، وأضـعـه بـيـن مـعـقـوفـات، ثـمّ أحـاول تـوضـيـح مـا غـمـض فـيـه قـبـل أن أنـتـقـل إلى الـمـقـطـع الـتّـالي :

  1. “مـلائـكـة عـلى عـجـلات Angels on Weels” :

“أجـلـس في الـحـديـقـة أمـام الـبـار الأمـريـكي عـلى ضـفـة دجـلـة، تـحـت نـخـيـلات هـزيـلـة. وفي أسـفـل الـضّـفـة الـطّـيـنـيـة الـرّمـاديـة الـلـون يـجـري الـنّـهـر، في ضـوء الـمـسـاء، ولـونـه يـشـبـه تـقـريـبـاً لـون قـشـور الـبـرتـقـال. وكـان عـربي، أدخـل أسـفـل دشـداشـتـه في حـزامـه، يـقـلي عـلى نـار سـعـف الـنّـخـيـل شـرائـح بـطـاطـس في مـقـلاة هـائـلـة الـحـجـم فـيـهـا دهـن يـغـلي. وحـالـمـا يـخـرجـهـا مـن الـدّهـن يـضـعـهـا في صـحـون ويـقـدّمـهـا لانـكـلـيـز يـلـبـسـون الـخـاكي جـلـسـوا مـرتـخـيـن، يـشـربـون بـيـرة يـابـانـيـة ويـتـكـلّـمـون عـن الـمـلاريـا والـدّزنـتـري. وتـمـرّ قـوارب مـسـتـديـرة مـن الـقـصـب الـمـحـاك الـمـغـطى بـالـجـلـود (أنـظـر Xenophon) فـوق مـيـاه الـنّـهـر الـمـتـدفـقـة وتـدور حـول نـفـسـهـا. ومـن حـيـن إلى حـيـن، تـنـبـثـق “دوبـة” عـلى مـقـدمـتـهـا فـانـوس مـن تـحـت جـسـر الـقـوارب الّـذي ركّـب بـنـفـس طـريـقـة تـركـيـب الـجـسـر الّـذي عـبـر عـلـيـه قـيـصـر فـوق نـهـر الـرّان. وتـنـعـكـس صـفـرة آخـر الـنّـهـار الـمـشـتـعـلـة عـلى الـبـيـرة الـيـابـانـيـة في الـكـأس مـثـل مـصـبـاح اضـطـرمـت شـمـعـتـه، وتـنـطـلـق تـاركـة الـلـيـل وراءهـا … وفـوانـيـس الأبـلام الـمـسـرعـة وأضـواء الـجـسـر وعـمـق الـسّـمـاء الـكـلـدانـيـة الـمـطـرّزة بـالـنّـجـوم”.

ونـلاحـظ أنّـه عـنـدمـا تـكـلّـم عـن الـقـوارب الـمـسـتـديـرة، اسـتـشـهـد في وصـفـهـا بـالـكـاتـب الـيـونـاني كـزيـنـفـون، مـن غـيـر أن يـنـتـبـه إلى أنّ قـفـف دجـلـة الّـتي كـانـت أمـام عـيـنـيـه مـخـتـلـفـة عـن تـلـك الّـتي وصـفـهـا كـزيـنـفـون في الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، ويـبـدو أنّـه لـم يـكـن يـعـرف الـنّـصّ الّـذي كـتـبـه هـيـرودوت عـنـهـا قـبـل ذلـك في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد. (2)

كـمـا نـلاحـظ نـعـتـه لـسـمـاء بـغـداد بـالـكـلـدانـيـة. وهـو مـا جـاءه مـن ثـقـافـتـه الـمـشـبـعـة بـالـمـراجـع الـتّـوراتـيـة. فـقـد كـتـب مـؤلـفـو الـعـهـد الـقـديـم (أي الـتّـوراة والأسـفـار الّـتي تـبـعـتـهـا) نـصـوصـهـم بـعـد مـا يـسـمى بـ “سـبي بـابـل”. وهـم لـم يـكـونـوا قـد سـمـعـوا بـالـسّـومـريـيـن ولا بـالأكـديـيـن الّـذيـن كـانـوا قـد سـقـطـوا في غـيـاهـب الـنّـسـيـان، ولـم يـعـرفـوا إلّا الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخّـرة الّـتي أسـسـهـا كـلـدانـيـون وصـلـوا مـن غـرب مـا بـيـن الـنّـهـريـن. ولـهـذا اعـتـبـر دوس بـاسـوس أنّ كـلّ الـعـراق الـقـديـم كـان كـلـدانـيـاً، وأنّ سـمـاء بـغـداد كـانـت كـلـدانـيـة !

ويـكـمـل :

“ومـن بـعـيـد، عـبـر الـنّـهـر، يـصـلـنـا صـفـيـر قـاطـرة وضـجـيـج ربـط عـربـات الـشّـحـن. سـكـك بـغـداد الـحـديـديـة. ويـتـعـالى بـسـخـريـة، مـن وراء الأفـق الـطّـيـني، صـفـيـر الـقـاطـرات الّـتي تـحـرق زيـوتـهـا. أواه، سـكّـة حـديـد بـغـداد Baghdad Bahnhof الّـتي لـن تـكـتـمـل أبـداً، والّـتي كـانـت سـتـربـط الـسّـلـطـان شـاه مـولاي غـلـيـوم خـان بـاشـا بـمـمـتـلـكـاتـه الـشّـرقـيـة”.

ويـكـمـل سـخـريـتـه مـن الـقـيـصـر الألـمـاني، الـمـشـبـعـة بـالـخـوف الّـذي تـمـلّـك الـغـربـيـيـن خـلال الـحـرب مـن أن يـتـوصّـل الألـمـان إلى الـسّـيـطـرة عـلى الـشّـرق، وأن يـسـتـعـمـلـوا لـذلـك خـطّ حـديـد بـرلـيـن ــ بـغـداد الّـذي كـانـوا يـنـون إكـمـال إنـشـائـه …

وهـنـا أذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز بـأنّ مـشـروع خـط حـديـدي يـربـط بـيـن بـرلـيـن وبـغـداد اقـتُـرح مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، وأنّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـنـح امـتـيـازاً عـام 1903 لـشـركـة ألـمـانـيـة لـتـنـفـيـذه، وأنّ الألـمـان بـدأوا عـام 1912 بـالـعـمـل عـلى خـط الـسّــكّـة الـحـديـديـة الـعـريـض مـن بـغـداد بـاتـجـاه الـشّـمـال بـعـد وضـع الـحـجـر الأسـاس في مـحـطـة “بـغـداد Bagdad” في جـانـب الـكـرخ. ولـكـنّ الـخـطّ لـم يـتـقـدّم كـثـيـراً عـنـدمـا بـدأت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، ولـم يـكـن قـد تـجـاوز بـغـداد ــ سـامـراء عـنـدمـا وصـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة أمـام أسـوار بـغـداد في آذار 1917. (3)

ويـكـمـل :

“ــ طـيّـب، قـال الـرّجـل الـقـادم مـن Illinois والّـذي جـاء إلى هـنـا لـيـشـتـري أحـشـاء ومـصـاريـن لـصـنـع الـصّـصـج في مـعـمـلـه في شـيـكـاغـو ــ وربّـمـا في شـيـكـاغـو الـشّـرق الأدنى في يـوم مـن الأيّـام … يـبـقى أنّـه يـنـبـغي أن يـصـلـهـا الـنّـمـو والإزدهـار قـبـل أن أسـتـثـمـر هـنـا في الـعـقـارات … ــ مـا أدري، هـل سـيـحـالـفـني الـحـظ لـلـحـصـول عـلى بـعـض قـطـع الأراضي قـرب الـمـحـطّـة، أضـاف الأرمـني الّـذي جـاء مـن St Louis … “.

وهـنـا نـلاحـظ أن الأمـريـكـان كـانـوا قـد وصـلـوا إلى الـعـراق قـبـلـه بـفـتـرة طـويـلـة بـحـثـاً عـن مـواد أوّلـيـة لـصـنـاعـاتـهـم وأسـواق جـديـدة لـتـرويـجـهـا.

ويـكـمـل :

“ونـفـدت شـرائـح الـبـطـاطـس الـمـقـلـيّـة. ومـلـلـنـا مـن الـبـيـرة الـيـابـانـيـة. وبـدأ في داخـل الـبـار تـحـضـيـر الـكـوكـتـيـلات. وهـا قـد بـقـيـت وحـدي تـحـت الـنّـخـيـلات الـهـزيـلـة. ومـن بـعـيـد، يـأتـيـني صـفـيـر الـقـاطـرات الـسّـاخـر الـمـجـنـون”.

ثـمّ يـكـمـل بـرؤيـة حـزقـيـال لـمـلائـكـة عـلى عـجـلات كـمـا تـرويـه الـتّـوراة. ونـلاحـظ مـن جـديـد أنّ جـون دوس بـاسـوس، رغـم كـلّ أفـكـاره الـيـسـاريـة في تـلـك الـفـتـرة، كـان مـتـشـبّـعـاً تـمـام الـتّـشـبّـع بـالـنّـصـوص الإنـجـيـلـيـة ــ الـتّـوراتـيـة الّـتي كـان يـرجـع إلـيـهـا بـاسـتـمـرار لـمـقـارنـة الـمـاضي بـالـحـاضـر. وهـو لـم يـقـرأ، كـمـا يـبـدو، دراسـات تـاريـخـيـة عـنـدمـا أعـدّ رحـلـتـه الـشّـرقـيـة، ولـم يـولِ الـمـواقـع الأثـريـة أدنى اهـتـمـام، مـاعـدا بـابـل الـتّـوراتـيـة.

  1. مـيـاه بـابـل Waters of Babylon :

“أوقـف الـمـهـنـدس الإسـكـتـلـنـدي الـشّـديـد الـلـطـف الـقـطـار الـذّاهـب إلى الـكـوت لأسـتـطـيـع الـنّـزول في بـابـل. والـطـريـق الـوحـيـدة في هـذا الـسّـهـل الـرّمـادي الـلـون يـشـكّـلـهـا شـعـاعـا شـمـس. ونـرى في كـلّ الإتـجـاهـات تـلال حـصى وتـراب وشـظـايـا فـخـار يـمـكـن أن نـتـصّـورهـا كـبـقـايـا أسـوار أو بـنـايـات أو زقّـورات. ولا بـد أنّ هـذا كـان الـ 125th Street.”

ويـسـتـشـهـد بـنـبـوة إرمـيـا في الـتّـوراة عـن خـراب بـابـل، ثـمّ يـسـتـشـهـد بـنـبـوة أشـعـيـاء، ثـمّ يـكـمـل :

“ــ صـبـاح الـخـيـر  Morgen  (بـالـلـغـة الألـمـانـيـة)، قـال قـائـد جـمـاعـة مـن الـصّـبـيـان الـمُـتـربي الـوجـوه بـمـلابـس رثّـة والّـذي أراد أن يـقـودني في مـركـز الـمـديـنـة ــ صـبـاح الـخـيـر Bonjour (بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة)، بـابـل تـعـرفـني … لا أحـد مـثـلي. وارتـفـع صـيـاح الآخـريـن في كـورس : فـلـوس Floos، مـسـتـر meester، ورقـصـوا حـولي بـراحـات أيـدٍ مـفـتـوحـة، لا شـكّ في أنّـهـم الـوحـوش الّـذيـن ذكـرهـم أشـعـيـاء. وهـكـذا شـرعـنـا في تـسـلّـق أكـوام مـن الـنّـفـايـات عـدّة سـاعـات تـحـت شـمـس الـظّـهـيـرة إلى أن وصـلـنـا إلى أحـيـاء الـ        Times Square ، إلى بـوابـة الأسـد  وأسـس الـقـاعـات الّـتي يـعـتـقـد أنّـهـا كـانـت تـلـك الّـتي أقـام فـيـهـا بـلـتـزار Baltazar ولـيـمـتـه الـشّـهـيـرة”.

“وفي الـنّـهـايـة، وبـعـد أن سـال الـعـرق مـنّي مـتـصـبـبـاً وامـتـلأ فـاهي بـالـتّـراب سـقـطـت جـالـسـاً تـحـت نـخـلـة أمـام جـدول مـن مـاء راكـد كـان [فـيـمـا مـضى] الـمـجـرى الـرّئـيـسي لـلـفـرات”.

ويـسـتـمـرّ في ذكـر مـا كـان قـد قـرأه عـن إرمـيـا في الـتّـوراة.

“ومـا أشـدّ مـا أودّ الآن شـرب كـأس بـيـرة، دمـدمـت لـنـفـسي بـصـوت يـكـاد أن يـكـون مـسـمـوعـاً. وجـلـس الـصّـبـيـان حـولي وقـد مـدّوا أيـديـهـم الـمـفـتـوحـة نـحـوي ــ كـأس بـيـرة Glas bier، صـاح رئـيـسـهـم بـجـمـاعـتـه  ــ حـالاً subito (بـالـلـغـة الإيـطـالـيـة)، وركـض نـحـو بـيـوت الـقـريـة الـطّـيـنـيـة وسـط الـنّـخـيـل”.

“وعـاد بـعـد قـلـيـل بـقـنـيـنـة بـيـرة  Münchner Exportbier، بـاردة تـلامـعـت عـلـيـهـا قـطـرات مـاء مـنـعـشـة، وبـعـض الـتّـمـر في فـوطـة ورديـة. لـقـد كـان حـتـمـاً واحـداً مـن مـخـلـوقـات إرمـيـا الـعـجـيـبـة. لـم يـكـن ذلـك سـرابـاً. وبـعـد أن شـربـت كـلّ مـا في الـقـنـيـنـة قـال الـصّـبي راجـيـاً : أخـرى Noch einmal (بـالـلـغـة الألـمـانـيـة) وانـطـلـق راكـضـاً لـيـأتـيـني بـقـنـيـنـة أخـرى. وعـنـدمـا انـتـعـشـت بـهـذه الـ Münchner بـدأت الـجـنـائـن الـمـعـلـقـة تـنـتـفـض خـارجـة مـن الـتّـراب. وعـاد بـعـل ومـردوخ جـالـسَـيـن في حـجـرتـيـهـمـا الـلـتـيـن تـغـطي جـدرانـهـمـا الـنـجـوم في أعـالي زقـورتـيـهـمـا الـنّـاطـحـتي الـسّـحـاب. وبـدأت فـتـيـات عـشـتـار الـعـذبـات الأصـوات يـنـشـدن وسـط الـنّـخـيـل. وكـنّ يـغـنـيـن : “ألـمـانـيـا، ألـمـانـيـا فـوق الـجـمـيـع Deutschland, Deutschland, über alles “.

ولا شـكّ في أنّ الـقـارئ الـعـزيـز لاحـظ الـمـقـارنـات الّـتي قـام بـهـا جـون دوس بـاسـوس بـيـن بـابـل، مـديـنـة الـعـالـم الـقـديـم الـعـظـيـمـة، وبـيـن نـيـويـورك، مـديـنـة الـعـالـم الـجـديـد، فـهـو يـتـعـرّف في بـابـل عـلى الـ 125th Street، ويـجـد أحـيـاء الـ Times Square، وتـصـبـح الـزّقـورات نـاطـحـات سـحـاب. كـمـا لاحـظ ولا شـكّ خـوف الـكـاتـب الـغـربي مـن اسـتـمـرار الـتّـأثـيـر الألـمـاني عـلى الـشّـرق رغـم أنّ ألـمـانـيـا خـسـرت الـحـرب، فـهـو يـذكـر مـاركـة الـبـيـرة الألـمـانـيـة الّـتي اسـتـوردت مـن مـديـنـة مـيـونـخ في غـرب ألـمـانـيـا، ويـجـعـل عـذارى عـشـتـار يـغـنـيـن الـنّـشـيـد الألـمـاني.

  1. إعـلان الإسـتـقـلال Declaration of Independence :

“وكـمـا في رومـا الـقـديـمـة، يـجـمـع وقـت الـفـجـر الـنّـاس في بـغـداد. وقـادني دلـيـلي مـتـثـائـبـاً في دروب مـتـتـابـعـة مـا زال بـرد الـلـيـل عـالـقـاً فـيـهـا، وعـبـر أقـواس سـقـوف مـتـهـاويـة ومـمـرّات بـيـن جـدران طـيـنـيـة مـتـشـقـقـة إلى أن وصـلـنـا إلى عـدّة درجـات صـاعـدة فـتـحـت في كـثـافـة جـدار. وعـنـدمـا وصـلـنـا إلى أعـلى الـدّرجـات، إنـتـظـرت في غـرفـة مـعـتـمـة بـيـنـمـا أكـمـل دلـيـلي داخـلاً مـن بـاب تـركي مـطـعّـم الأخـشـاب. وعـاد بـعـد قـلـيـل وادخـلـني في حـجـرة يـغـطي أرضـيـتـهـا الـسّـجّـاد. ــ والـشّـيـخ مـا اسـمـه Whatshisname  ؟ ومـسّـد الـهـواء بـيـده ــ شـويّـة … شـويّـة Shwaya … Shwaya  “.

ونـلاحـظ مـنـذ الـبـدايـة تـعـاطـف جـون دوس بـاسـوس مـع الـشّـيـخ الّـذي كـان يـنـتـظـره والّـذي لـم يـكـن يـريـد ذكـر اسـمـه لـحـمـايـتـه، واسـمـاه بـالـشّـيـخ مـا اسـمـه Whatshisname ?، أي الـشّـيـخ فـلان.

“وجـلـسـنـا أمـام نـافـذة، يـجـري نـهـر دجـلـة تـحـتـهـا مـتـدفّـقـاً بـنّي الـلـون.       ــ في الـعـراق هـذه الأيّـام، أكـمـل [دلـيـلي]، يـتـعـرض الـوطـني إلى الـمـخـاطـر … كـنّـا سـعـداء بـمـسـاعـدة الإنـكـلـيـز عـلى مـحـاربـة الأتـراك. ولـكـنّ الأمـور تـغـيّـرت الآن، والإنـكـلـيـز مـثـل رجـل الـبـحـر الـعـجـوز : كـانـوا في الـبـدايـة شـديـدي الـخـفّـة ثـمّ ازداد ثـقـلـهـم يـومـاً بـعـد يـوم. وعـنـدمـا يـعـارضـهـم رجـل ذو شـأن … يـدعـوه كـوكـوس Cokus لـتـنـاول الـشّـاي مـعـه … ويـسـتـيـقـظ في صـبـاح الـيـوم الـتّـالي وهـو في طـريـقـه إلى سـيـلان. وهـذا الـرّجـل الّـذي سـنـلـتـقي بـه هـذا الـصّـبـاح مـن الأعـيـان، وهـو شـديـد الـخـوف مـن أن يـدعـوه لـتـنـاول الـشّـاي”.

وكـوكـوس هـذا، كـمـا فـهـم قـارئي الـعـزيـز، هـو الـسّـيـر بـرسي كـوكـس      Sir Percy Cox، الّـذي تـرأس الإدارة الـمـدنـيـة الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق. والـشّـيـخ الّـذي سـيـلـتـقي بـه جـون دوس بـاسـوس يـخـشى أن يـدعـوه بـرسي كـوكـس لـتـنـاول الـشّـاي ثـمّ يـنـفـيـه إلى سـيـلان (الّـتي أصـبـح اسـمـهـا الآن سـريـلانـكـا) في الـيـوم الـتّـالي.

ويـكـمـل :

“ثـمّ قـادنـا صـبي عـلى رأسـه مـنـديـل أحـمـر إلى قـاعـة مـسـتـطـيـلـة بـسـيـطـة الـمـظـهـر يـغـطي الـسّـجّـاد أرضـيـتـهـا حـولـهـا وسـادات مـسـتـطـيـلـة. وبـعـد الأخـذ والـرّد والـمـمـنـويـات mamnouning جـلـسـنـا لـصـق الـجـدار  في آخـر الـقـاعـة، قـرب رجـل عـجـوز يـلـبـس جـبّـة لـهـا لـون الـحـمـام الـرّمـادي، وبـلـحـيـة جـمـيـلـة ذهـبـيـة وفـضّـيـة. وشـربـنـا الـقـهـوة وشـرع بـعـدهـا يـحـدّثـني، عـن طـريـق الـدّلـيـل [الّـذي يـتـرجـم بـيـنـنـا]. كـان يـتـكـلّـم بـصـوت خـافـت دافئ وقـد خـفـض عـيـنـيـه، ومـن حـيـن إلى حـيـن، يـنـزل أصـابـعـه الـسّـمـراء الـنّـحـيـلـة أمـام لـحـيـتـه ولـكـن مـن غـيـر أن يـمـسّـهـا. وعـنـدمـا كـان يـتـوقّـف لـيـتـرك لـدلـيـلي الـوقـت لـيـتـرجـم، يـلـقي عـلـيـنـا عـلـيـنـا بـنـظـرات ثـاقـبـة، ولاحـظـت أنّ عـيـنـيـه كـانـتـا زرقـاوتـيـن”.

ونـلاحـظ في هـذا الـمـقـطـع أنّ جـون دوس بـاسـوس، بـعـد أن سـمـع كـلـمـة “مـمـنـون” تـعـاد وتـكـرر في بـغـداد طـيـلـة الـنّـهـار، اخـتـرع كـلـمـة mamnouning الّـتي حـاولـت تـرجـمـتـهـا بـ “الـمـمـنـونـيـات”.

ويـكـمـل :

“وقـد سـمـع أنّـه كـان لـنـا في أمـريـكـا الـشّـيـخ واشـيـطـن Sheikh Washiton الّـذي ألّـف كـتـابـاً أعـلـن فـيـه اسـتـقـلال أمـريـكـا عـن الإنـكـلـيـز Inglizi قـبـل سـنـوات طـويـلـة. ومـن ذلـك الـحـيـن، شـرعـنـا بـاتّـبـاع أوامـر الـنّـبي كـالإيـمـان بـإلـه واحـد وبـتـحـريـم الـنّـبـيـذ. وهـذا مـا نـمـدح عـلـيـه. والآن، وسـط لـعـب الأوربـيـيـن بـالـبـارود (أي الـحـرب) أرسـلـنـا لـهـم شـيـخـاً عـظـيـمـاً آخـر، الـمـسـتـر فـلـسـون Meester Veelson، الّـذي أعـلـن في بـاريـس Baries تـصـريـحـاً بـأربـعـة عـشـر بـنـداً يـنـصّ عـلى أنّ كـلّ الـشّـعـوب [يـنـبـغي أن تـكـون] حـرّة، مـتـسـاويـة ومـسـتـقـلّـة. وهـذا مـا يـمـدح عـلـيـه أيـضـاً. ولـكـنّ الله شـاء أن يـفـرّق الـنّـاس في شـعـوب وقـبـائـل بـدلاً مـن خـلـق أمّـة واحـدة في الـعـالـم”.

“وأمّـة الـعـرب، أي الـمـؤمـنـون مـن سـكـان بـغـداد ودمـشـق، أسـعـدهـم أن يـسـاعـدوا الإنـكـلـيـزي   the Inglizi  والـفـرنـسـاوي Farnsawi  لـيـطـردوا الـعـثـمـاني   Osmanli الـطّـاغـيـة الـمـضـطـهـد. وهـم يـودّون الآن أن يـعـيـشـوا في سـلام ومـودّة مـع كـلّ الـعـالـم حـسـب مـا ورد في تـصـريـحـات مـسـتـر فـلـسـون Meester Veelson. ولـكـنّ الـحـلـفـاء لـم يـتـبـعـوا تـصـريـحـات مـسـتـر فـلـسـون ولا مـبـادئ الـشّـيـخ جـوريـج واشـيـطـن  Sheikh Jurij Washiton. وهـذا مـا لا يـحـمـدون عـلـيـه. فـالـفـرنـسـيـون طـاردوا الـوطـنـيـيـن الـعـرب وسـجـنـوهـم في دمـشـق، وخـان الإنـكـلـيـز وعـودهـم، وهـم يـحـاولـون الآن اسـتـعـبـاد شـعـب الـعـراق. ويـعـتـقـد الإنـكـلـيـز أنّـهـم يـسـتـطـيـعـون مـعـامـلـة عـرب بـغـداد والـبـصـرة ودمـشـق كـمـا عـامـلـوا شـعـب الـهـنـد. وسـيـعـرفـون ولا شـكّ أن طـبـيـعـة الـعـرب أقـوى مـن ذلـك. وهـم يـحـاولـون خـداعـهـم بـتـكـويـن مـمـالـك زائـفـة مـع أن أجـهـل حـمّـال في الـسّـوق يـعـرف أنّـه لـيـس لـفـيـصـل ولا لـعـبـد الله، ولا حـتّى لـمـلـك الـحـجـاز نـفـسـه الّـذي يـسـيـطـر عـلى الـمـدن الـمـقـدّسـة، مـن سـلـطـان إلّا بـمـسـانـدة بـنـادق الإنـكـلـيـز”.

ورغـم أنّ جـون دوس بـاسـوس يـظـهـر هـنـا مـدى سـعـة اطّـلاع هـذا الـشّـيـخ عـلى الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة في زمـنـه فـقـد حـاول نـقـل لـفـظـه لـلأسـمـاء الأجـنـبـيـة : جـورج واشـنـطـن والـرّئـيـس ويـلـسـن وبـاريـس …

ويـكـمـل :

“ويـنـبـغي عـلى الأمـريـكي أن يـخـبـر أهـل بـلـده بـأنّ شـعـب الـعـراق سـيـسـتـمـرّ في الـنّـضـال لـنـيـل حـريـتـه حـسـب تـصـريـحـات الـشّـيـخ واشـطـن ومـسـتـر فـلـسـون. وقـد فـشـلـت الـثّـورة الأخـيـرة لأنّـهـا كـانـت سـيـئـة الإعـداد، ولـكـن في الـمـرّة الـقـادمـة … وارتـفـع صـوتـه قـلـيـلاً”.

“وعـنـدمـا نـهـضـنـا لـنـودّعـه صـاحـبـنـا إلى الـبـاب. وطـلـبـت مـن دلـيـلي أن يـسـألـه عـن الإسـتـفـتـاء. وضـحـك الـرّجـل الـعـجـوز. نـعـم، وزّعـوا أوراقـاً في الأسـواق، ولـكـنّـهـم طـبـعـوهـا وعـلـيـهـا الـتّـصـويـت لـلإنـتـداب. وهـكـذا سـيـصـوّت الـجـهـلـة لـصـالـح الـحـكـومـة مـن غـيـر أن يـعـرفـوا أنّـهـم صـوّتـوا. ولـم يـصـوّت إلّا الـيـهـود وبـعـض الـجـهـلـة. فـكـيـف لـعـاقـل يـقـرأ ويـكـتـب ويـفـهـم الـقـوانـيـن أن يـهـيـن نـفـسـه بـهـذا الـتّـصـويـت ؟

أواه، يـا حـقّ تـقـريـر الـمـصـيـر، كـيـف نـصـل إلـيـك ؟”.

وأذكّـر قـارئي الـعـزيـز هـنـا بـأنّ بـريـطـانـيـا، بـعـد أن تـركـت مـشـروع ربـط الـعـراق كـمـسـتـعـمـرة بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، قـررت إعـطـاءه حـكـمـاً ذاتـيـاً وفـرض انـتـدابـهـا عـلـيـه. وقـررت أن تُـجـري اسـتـفـتـاءً، وأن يـجـري هـذا الإسـتـفـتـاء بـاخـتـيـار 75 مـنـدوبـاً تـنـتـخـبـهـم الـمـدن الـكـبـرى والـجـمـاعـات الـدّيـنـيـة الـرّئـيـسـيـة، ثـمّ تـطـرح عـلـيـهـم ثـلاثـة أسـئـلـة : هـل يـرتـضـون بـإنـشـاء دولـة مـوحّـدة مـن كـردسـتـان شـمـالاً وإلى الـبـصـرة جـنـوبـاً ؟ وأن يـتـرأسـهـا أمـيـر عـربي ؟ وهـل لـديـهـم مـرشـحـون لـهـذا الـمـنـصـب ؟

ولـديـنـا هـنـا رؤيـة لـهـذا الإسـتـفـتـاء تـخـتـلـف تـمـامـاً عـن رؤيـة رجـل آخـر مـن أعـيـان بـغـداد، وأعـني بـه عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب، والّـتي عـرضـتـهـا في مـقـال سـابـق. (4) فـبـيـنـمـا وافـق عـلـيـه نـقـيـب أعـيـان بـغـداد وارتـضى أن يـشـكـل حـكـومـة مـؤقـتـه لـيـطـبّـق نـتـائـجـه، رفـضـه ونـدد بـه هـذا الـشّـيـخ “فـلان” الّـذي لـم يـذكـر الـكـاتـب اسـمـه لـكي لا تـتـعـرف عـلـيـه الـسّـلـطـات الـعـسـكـريـة الـبـريـطـانـيـة.

4 مـغـامـرات مـنـهـكـة بـصـحـبـة قـنـصـل Misadventures with a Consul :

“وصـلـت مـع مـمـثـل الـنّـسـر الـصّـارخ (أي الـقـنـصـل الأمـريـكي)، بـعـد كـثـيـر مـن الـصّـعـوبـات والـعـراقـيـل إلى سـامـراء في سـاعـة مـتـأخّـرة. وكـنّـا قـد قـدنـا سـيـارة الـفـورد مـن الـظّـهـر إلى الـمـسـاء عـلى سـهـل مـحـصـب لا يـنـبـت عـلـيـه شئ. أرض خـربـتـهـا الأنـهـار، نـمـرّ فـيـهـا بـاسـتـمـرار بـتـلال خـرائـب مـدن وأبـراج. وكـان الـظّـلام قـد حـلّ تـقـريـبـاً عـنـدمـا عـبـرنـا الـنّـهـر عـلى الـعـبّـارة الـصّـعـبـة الـقـيـادة ورأيـنـا مـن بـعـيـد شـكـل الـزّقـورة الـعـظـيـمـة، الّـتي تـشـبـه بـرج بـابـل في الـرسّـوم الّـتي تـزيـن كـتـب “الـتّـوراة والإنـجـيـل” الـقـديـمـة. ووجـدنـا الـمـسـتـشـار يـتـبـعـنـا بـسـيـارة كـبـيـرة سـريـعـة لـيـعـرف مـاذا نـفـعـل هـنـا. واصـطـحـبـنـا إلى دار الـقـائـمـقـام Kaimakom  لـنـقـضي الـلـيـل في غـرف انـتـهي بـالـكـاد مـن تـأثـيـثـهـا بـأسـلـوب  chintzy الأوربي. وكـان الـعـشـاء فـاخـراً. وبـلـغـت الـسّـهـرة قـمـتـهـا عـنـدمـا قـام الـقـائـمـقـام، وكـان شـديـد الـنـشـوة بـمـا شـرب مـن كـحـول (وهـو مـا يـحـرمـه الـقـرآن) لـيـمـسـح عـلى شـعـورنـا بـزيـوت الـبـرِلَـنـتـيـن الـمـعـطـرة. وكـان مـمـثـل الـنّـسـر الـصّـارخ رجـلاً شـديـد طـول الـقـامـة، ولـم يـشـرب ولـم يـدخّـن. جـلـس مـسـتـقـيـم الـظّـهـر مـثـل مـسـمـار ثـبّـت في الأرض، في يـده كـأس عـرق لـم يـقـرّب شـفـتـيـه مـنـهـا. وسـال عـلى وجـهـه الـزّيـت الـمـعـطّـر بـيـنـمـا كـان الـقـائـمـقـام يـغـسـل لـه شـعـره بـالـشّـامـبـو. وتـابـع الـمـسـتـشـار، الّـذي كـان قـد جـلـب قـنـيـنـة ويـسـكي لـيـشـربـهـا، عـمـلـيـة الـغـسـل بـمـرح، وألـقى بـظـهـره عـلى خـلـفـيـة الـكـرسي مـحـمّـر الـوجـه احـمـرار عـرف “عـلي شـيـش”. كـان عـشـاءً رائـعـاً”.

وقـد لاحـظ قـارئي الـعـزيـز ولاشـكّ أنّ جـون دوس بـاسـوس، رغـم كـلّ ثـقـافـتـه الـعـمـيـقـة، ظـنّ أن مـئـذنـة جـامـع سـامـراء الـمـلـويّـة كـانـت زقــورة عـظـيـمـة، ذكّـرتـه بـ “بـرج بـابـل” في الـرسّـوم الّـتي تـزيـن كـتـب “الـتّـوراة والإنـجـيـل” الـقـديـمـة.

ويـكـمـل :

“وأضـعـنـا طـريـقـنـا تـمـامـاً عـنـدمـا عـدنـا إلى بـغـداد بـعـد ظـهـر الـيـوم الـتّـالي. وعـنـدمـا حـلّ الـلـيـل لـم يـبـق في خـزّان سـيـارتـنـا مـن وقـود. وتـوقّـفـنـا في طـريـق في مـكـان مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات. وبـعـد مـنـاقـشـات طـويـلـة وأخـذ وردّ، لأنّ الـمـخـاطـر تـحـيـق بـمـن في الـعـراء خـارج الـمـدن، تـركـنـا مـمـثـل الـنّـسـر الـصّـارخ يـأكـل رقّـيـة وانـطـلـقـنـا نـبـحـث عـن قـريـة لا يـحـتـمـل وجـودهـا لـنـشـتـري ربّـمـا غـالـون بـنـزيـن”.

وبـعـد أن اسـتـشـهـد بـمـقـطـع مـن الـتّـوراة، أكـمـل :

“وشـرعـت بـصـحـبـة خـادم الـقـنـصـل، عـبـد الله، في الـسّـيـر بـحـثـاً عـن غـالـون بـنـزيـن. وكـان عـبـدالله أسـمـر قـلـق الـوجـه مـنـحـني الـخـطـوات، وانـعـطـفـنـا نـحـو الـيـسـار نـحـو ضـوء خـافـت ربّـمـا الـتـمـع مـن قـريـة. وكـنّـا نـسـيـر عـلى أرض مـلـيـئـة بـالـحـفـر. وكـان في الـسّـمـاء نـجـوم  ولـكـنّـهـا لـم تـكـن تـضئ شـيـئـاً. وشـعـرنـا بـريـح مـتـربـة خـفـيـفـة الـبـرودة تـمـسّ وجـهـيـنـا بـيـن الـحـيـن والـحـيـن. ولـم يـكـن في الـرّيـح شئ مـن الـرّوائـح.

وسـرنـا ثـمّ سـرنـا في عـراء لا شـكـل لـه ولا لـون ولا رائـحـة مـثـل حـلـزون اخـتـفى في قـوقـعـتـه. ووضـع عـبـد الله يـده عـلى ذراعي، وتـوقّـفـنـا حـالاً. كـانـت الأرض تـنـزلـق نـازلـة تـحـت أقـدامـنـا. وتـذكّـرت أنّي رأيـت مـنـجـمـاً أو حـفـرة لاسـتـخـراج الـجـيـر في طـريـقـنـا أمـس. ووصـلـنـا إلى بـصـيـص ضـوء وسـط الـعـتـمـة، وشـمـمـنـا رائـحـة دخـان خـشـب مـحـتـرق. وانـزلـقـنـا مـتـدافـعـيـن نـحـو قـاع طـيـنـيـة، عـبـد الله أمـامي وأنـا أتـبـعـه حـسـب اسـتـطـاعـتي. وتـوقّـفـنـا أمـام كـور طـابـوق يـشـتـعـل. ودارت دوامـات الـدّخـان حـولـنـا. ولـم نـجـد أحـداً فـتـسـلـقـنـا مـن جـديـد نـحـو الـسّـهـل، وسـمـعـنـا نـبـاح كـلاب مـتـشـردة. وعـنـدمـا اقـتـربـنـا مـن الـقـريـة، شـمّـت الـكـلاب روائـحـنـا فـأسـرعـت نـحـونـا وتـعـالى عـواءهـا. ومـيّـزت أعـيـنـنـا بـعـض أكـواخ الـطّـيـن فـسـرنـا بـيـنـهـا تـتـبـعـنـا زمـجـرة الـكـلاب وعـنـف نـبـاحـهـا”.

“وأخـرج رجـل عـجـوز رأسـه مـن بـاب والـنّـعـاس يـمـلأ عـيـنـيـه وأشـار لـنـا إلى آثـار الـدّرب الـمـوصـل إلى الـكـاظـمـيـن. وتـبـعـنـا آثـار الـطّـريـق فـتـرة طـويـلـة إلى أن تـلاشـت وتـعـثـرنـا عـلى وعـورة أرض الـسّـهـل مـن جـديـد. وحـطّ ذلـك مـن عـزائـمـنـا.  ولا نـدري كـم مـن الـزّمـن بـقـيـنـا نـسـيـر، ربّـمـا سـاعـة، قـبـل أن نـصـل إلى سـكّـة حـديـديـة، فـأكـمـلـنـا سـيـرنـا بـمـحـاذاتـهـا. سـكّـة حـديـد بـغـداد Baghdd Bahn الـعـزيـزة ! ثـمّ وصـلـنـا إلى مـحـطّـة. ولـكـنّـهـا كـانـت مـظـلـمـة لا ضـوء فـيـهـا. ومـنـهـا تـنـطـلـق طـريـق أخـرى شـرقـاً، فـتـبـعـنـاهـا. ومـرّت وسـط مـعـسـكـر جـنـود هـنـود كـانـوا يـرقـصـون عـلى صـوت الـمـزامـيـر والـطّـبـول، حـول لـهـب يـتـعـالى مـن نـار أضـرمـت. الـكـاظـمـيـن، قـال عـبـد الله وهـو يـضـع يـداً عـلى كـتـفي بـيـنـمـا مـدّ الأخـرى نـحـو الأفـق”.

“وأثـرنـا ضـجـيـجـاً يـوقـظ حـتّى الـمـوتى أمـام بـاب الـقـنـصـلـيـة الـفـارسـيـة في الـكـاظـمـيـن. وبـعـد فـتـرة، خـرج الـقـنـصـل بـنـفـسـه وفي قـدمـيـه خـفَّـيـن بـيـتـيـيـن مـدعـومـاً بـخـدمـه. ولا شـكّ في أنّـه تـصـوّر أنّ الـ Inglizi الـغـدّار جـاء لـيـقـتـلـه.  وعـنـدمـا سـمـع بـالـصـعـوبـات الّـتي كـان يـعـاني مـنـهـا زمـيـلـه الـمـسـؤول عـن الـنّـسـر الـصّـارخ هـزّ يـديـه وصـاح بـأن تـجـلـب لـه سـيـارتـه الـلـيـمـوزيـن. وأسـرعـنـا عـلى الـطـريـق، وتـوقـفـنـا عـنـدمـا تـلاشـت آثـار الـطـريـق عـلى حـافـة الـحـفـرة الـعـمـيـقـة. وهـزّ سـائـق الـقـنـصـل رأسـه بـيـن يـديـه، فـهـو لا يـسـتـطـيـع الـتّـقـدّم. وهـكـذا عـدنـا إلى الـسّـيـر مـن جـديـد، نـتـدافـع عـبـر الأخـاديـد والـحـفـر إلى أن وصـلـنـا يـنـهـكـنـا الـتّـعـب إلى مـكـان كـور الـطّـابـوق، يـحـمـل كـلّ مـنـا غـالـون بـنـزيـن. وبـعـد بـحـث طـويـل، وجـدنـا آثـار سـيـارة الـفـورد عـلى الـطّـريـق. وبـدأنـا نـصـيـح بـأعـلى مـا اسـتـطـعـنـا،  فـأجـابـنـا عـواء الـكـلاب مـن وراء الأفـق. والـتـقـط عـبـدالله مـن عـلى الأرض قـشـرة رقّي. كـانـت الـسّـيـارة قـد ذهـبـت. ولا شـكّ في أنّ هـذا هـو الـمـكـان الّـذي كـانـت فـيـه. وتـقـبّـل عـبـد الله هـذا الـقـضـاء والـقـدر وبـدأ يـجـمـع بـبـطء أجـزاء قـشـرة الـرّقّـيـة، وأمـعـنّـا الـنّـظـر فـيـهـا في ضـوء الـنّـجـوم. نـعـم، كـانـت هي نـفـسـهـا الّـتي كـان الـقـنـصـل الـصّـاحـب  Consul Sahib يـأكـلـهـا عـنـدمـا تـركـنـاه.  ذهـبـت الـسّـيّـارة، ربّـمـا حـمـلـهـا مـقـاتـلـون غـزاة. وجـلـس عـبـد الله الـقـرفـصـاء بـجـانـب الـطّـريـق، وسـيـنـتـظـر هـنـا حـتّى الـصّـبـاح. تـركـتـه جـالـسـاً وبـجـانـبـه غـالـونَي الـبـنـزيـن، وشـرعـت بـالـسّـيـر نـحـو بـغـداد”.

“وأن تـسـيـر عـلى طـرق مـتـربـة، وتـركّـز انـتـبـاهـك عـلى مـتـابـعـة الآثـار الّـتي حـفـرتـهـا عـلـيـهـا الـعـجـلات يـبـدو مـثـل أن تـسـيـر في حـلـم لا تـتـذكّـره. وكـثـرة الـنّـجـوم الّـتي لـم تـتـعـوّد عـلى رؤيـتـهـا. وكـان الـسّـهـل شـديـد الـعـتـمـة بـالـغ الـعـراء رغـم كـلّ هـذه الـنّـجـوم. ولـكـنّـه كـان مـكـتـظـاً تـحـت هـذا الـفـراغ : أصـوات تـرتـعـش تـحـت هـذا الـصّـمـت، تـتـهـيـأ لـلإنـبـثـاق في عـواء الـكـلاب الـمـتـشـردة الـمـجـنـون … “.

وهـنـا يـكـمـل أيـضـاً بـاسـتـشـهـاد مـن نـصّ تـوراتي.

ويـسـرد في الـفـصـل الـعـاشـر الّـذي عـنـونـه : صـحـراء دمـشـق الـحـجـريـة  The stony Desert of Damascus سـفـرتـه مـن بـغـداد إلى دمـشـق عـبـر الـبـاديـة :

“… وبـعـد أن ابـتـلـعـنـا الـ prairie oyster  وشـربـنـا آخـر قـطـرات الـويـسـكي، سـمـعـنـا طـلـقـات نـاريّـة جـاءت مـن مـكـان مـا في طـرف الـمـديـنـة. وعـنـدمـا صـعـدت لأنـام سـمـعـت بـيـن ضـربـات قـطـرات الـمـطـر عـلى الـجـدار الـطّـيـني طـلـقـات نـار بـيـن الـحـيـن والـحـيـن هـزّت رتـابـة وقـع الـقـطـرات ورجّـتـهـا مـثـل زجـاج يـتـكـسّـر”.

“وتـسـلـلـت الأخـبـار في وقـت الـفـطـور، مـع الـبـيـض والـبـيـكـن، بـقـيـام غـارة عـلى الـسّـراي، مـقـرّ الـحـكـم، مـمـا أخـلّ بـالأمـن. وقـال الـمـسـتـشـار : لا أهـمـيـة لـذلـك، أنـا أعـرف مـن قـام بـهـا، وهـو مـن أحـسـن أصـدقـائي. سـأقـبـض عـلـيـه وأحـبـسـه قـبـل نـهـايـة الـنّـهـار. وربّـمـا كـان هـؤلاء الـمـلاعـيـن مـن أهـل الـبـلـد الـمـجـنـديـن يـسـانـدونـه. سـأنـهـيـهـا. ومـا أن انـتـهـيـنـا مـن ارتـشـاف آخـر أكـواب الـشّـاي حـتّى دخـل شـاب يـتـمـخـتـر. كـان يـرتـدي عـبـاءة رقـيـقـة مـن وبـر الـجـمـال وعـلى رأسـه عـقـال agal وردي الـلـون يـبـدو ثـمـيـنـاً لـفّـت حـولـه خـيـوط الـذّهـب، وكـان مـن ثـقـلـه الـبـالـغ يـثـيـر الـسّـخـريـة مـائـلاً عـلى رأسـه مـن جـهـة إلى جـهـة. وقـال بـهـيـبـة إنّـه ابـن نـقـيـب الـمـديـنـة the naqib of Madina وقـريـب الـمـلـك فـيـصـل Malik Feisul، وسـرد مـا شُـرح لي بـعـد ذلـك أنّـه كـان وصـفـاً مـنـفـعـلاً لـمـقـاومـة رجـال مـضـارب الـقـوافـل الـبـطـولـيـة لـلـمـهـاجـمـيـن. وأخـبـرنـا أنّ الـجـو كـان شـديـد الـرّطـوبـة لـكي تـبـدأ الـجـمـال بـالـسّـيـر، وأنّـه كـان عـلـيـنـا أن نـقـضي يـومـاً آخـر في تـأمّـل حـيـطـان الـطّـيـن الـمـتـسـاقـطـة وبـسـاتـيـن الـرّمـادي … بـكـرة إن شـاء الله Bukra insh’allah.”

ونـفـهـم أنّـه وصـل إلى الـرّمـادي بـسـيّـارة لـيـصـاحـب قـافـلـة سـتـنـطـلـق مـنـهـا نـحـو دمـشـق عـبـر الـبـاديـة.

“وبـعـد ذلـك، قـررنـا، أنـا والـطّـيّـار ورجـل الـمـخـابـرات، أن نـذهـب لـزيـارة الـشّـاب ذي الـعـقـال الـوردي الـمـتـلامـع في خـيـمـتـه. وقـد جـعـلـوني أمـتـطي حـصـان الـقـيـادة الّـذي زيّـن لـجـامـه بـكـريـات حـمـراء مـن الـصّـوف. وفي داخـل الـخـيـمـة، الّـتي كـانـت خـيـمـة انـكـلـيـزيـة اشـتـراهـا في بـغـداد، جـلـسـنـا عـلى فـروات غـنـم نـشـرب الـشّـاي ونـأكـل حـلـويـات تـركـيّـة. وفـتـحـتُ بـيـن يـديّ قـائـمـة كـلـمـاتي الـعـربـيـة الّـتي أحـرص عـلـيـهـا كـمـا لـو كـانـت ورقـة أدعـيـة. وشـيـئـاً فـشـيـئـاً أسـرع رجـال شـديـدو سـمـرة الـوجـوه بـالـدّخـول، وسـلّـمـوا سـريـعـاً وبـأدب ثـمّ جـلـسـوا صـامـتـيـن. رائـحـة فـروات الـغـنـم الـكـثـيـفـة. وأومـضـت في الـضّـوء أعـيـن وأسـنـان وأصـابـع أقـدام سـمـراء عـلى أطـراف الـسّـجـادة الـفـارسـيـة وأيـدي نـحـيـلـة جـافـة سـاكـنـة في طـيّـات الـعـبـاءات abas.  ورجـل طـويـل الـقـامـة أسـود الـلـحـيـة يـقـدّم اسـتـكـانـات الـشّـاي. (5) وعـرفـنـا أنّ الـشّـاب ذا الـعـقـال الـوردي الـمـتـلامـع  كـان الـسّـيّـد مـحـمّـد، وقـام لـيـضـع في اسـتـكـانـاتـنـا بـيـديـه حـلـيـبـاً مـكـثّـفـاً [شـديـد الـحـلاوة] دلـيـلاً عـلى حـسـن ضـيـافـتـه لـنـا. ثـمّ انـطـلـقـنـا إلى الـهـواء الـطّـلـق مـن جـديـد بـعـد كـثـيـر مـن الإنـحـنـاءات والـمـعـانـقـات مـن الـجـانـبـيـن.

وعـدنـا بـعـد رجـوعـنـا [إلى الـنّـادي الـبـريـطـاني] لـلـجـلـوس عـلى كـراسي نـشـرب الـويـسـكي ونـتـنـاول الـغـداء. ورأيـنـا مـن جـديـد بـعـد الـظّـهـر الـسّـيّـد مـحـمّـد الّـذي لا يـعـرف الـكـلـل، واصـطـحـبـني إلى الـمـقـهى ومـحـل بـيـع الـسّـجـائـر في الـسّـوق الـصّـغـيـرة الـمـبـنـيـة بـالـطّـابـوق قـرب مـجـرى الـفـرات”.

“وتـربـعـنـا عـلى تـخـت قـصـب يـبـتـسـم الـواحـد مـنّـا لـلآخـر مـن غـيـر أن نـنـبـس بـبـنـت شـفـة مـثـل قـرديـن، ونـتـابـع الـذّبـاب الـمـتـلامـع في ضـوء الـشّـمـس والـمـتـطـايـر فـوق الـدّرب الـطّـيـني أمـامـنـا، ونـرتـشـف مـن فـنـاجـيـن بـالـغـة الـصّـغـر قـهـوة بـسـواد الـلـيـل يـعـطّـرهـا عـشـب [عـبـقي] مـا. عـشـب الـتّـواني الّـمـسـقـط في خـدر الـنّـعـاس الـحـلـو ــ الـمـرّ بـانـتـظـار أن يـحـمّـل الـفـحـم عـلى الـبـاخـرة وأن يـجـفّ طـيـن الـطّـرق وأن تـعـود مـيـاه الـنّـهـر إلى مـجـاريـهـا الـمـعـتـادة وأن تـبـدأ الـقـافـلـة بـالـمـسـيـر. غـداً إن شـاء الله insh’allah  سـنـبـدأ مـسـيـرنـا نـحـو دمـشـق عـبـر الـبـاديـة”.

“ومـا هـذا الـذّي جـاءنـا يـصـفـر بـإنـهـاك ويـفـرقـع ويـتـقـافـز فـوق الآثـار الـعـمـيـقـة الّـتي تـركـهـا مـرور الـعـجـلات، وفـوق الـحـفـر ؟ سـيّـارة الـفـورد الـصّـدئـة الّـتي اخـتـرقـت بي، مـن بـغـداد إلى هـنـا، تـكـاثـفـات الـوحـل الـمـمـتـدّة بـيـن الـنّـهـريـن. ونـفـد صـبـر الـسّـيّـد The Sayyid مـع الـسّـيّـارة، وبـعـد مـنـاقـشـات طـويـلـة وعـريـضـة تـحـركـت بـنـا تـحـت زخـات مـطـر تـضـرب زجـاجـهـا، وهي تـتـرنّـح وتـتـمـايـل فـوق حـفـر الـطـريـق وتـسـعـل وتـعـطـس عـبـر مـسـالـك ضـيّـقـة، فـتـشـيـع الـذّعـر بـيـن عـجـائـز الـنّـسـاء والـدّجـاج، وتـصـهـل خـيـول مـحـاولـة كـسـر ألـجـمـتـهـا. […] وأخـيـراً، وبـعـد أن درنـا مـرتـيـن حـول حـيـطـان الـرّمـادي وبـسـاتـيـنـهـا ومـقـابـرهـا الـمـتـهـدّمـة أطـلـق الـمـحـرّك آخـر انـفـجـاراتـه الـمـحـمـومـة ورأيـنـا الـتـواءات دخـان نـفـثـهـا قـبـل أن يـتـوقّـف. وخـلـع الـسّـائـق طـربـوشـه وهـو يـكـاد يـبـكي، وانـطـلـقـت ضـحـكـات الـجـمـيـع. واغـتـنـمـت الـفـرصـة لأنـسـلّ عـبـر فـتـحـة في الـحـائـط قـادتـنـي لـنـادي الـضّـبـاط الـبـريـطـانـيـيـن، وجـلـسـت أقـرأ The Strand  في انـتـظـار وقـت الـويـسـكي والـصّـودا”.

“وبـعـد أن تـعـشّـيـنـا وتـكـلّـمـنـا عـن مـشـاريـع الـرّي، إنـطـلـقـتُ بـصـحـبـة رجـلـيـن يـحـمـلان فـانـوسـيـن بـحـثـاً عـن مـضـارب الـقـافـلـة. وهـبـت ريـح مـشـبـعـة بـقـطـرات مـطـر ضـربـت وجـوهـنـا وهـزّت أضـواء الـفـانـوسـيـن تـطـفـأهـمـا بـيـن الـحـيـن والـحـيـن، وكـنّـا نـخـشى أنّ نـهـاجـم كـلّـمـا انـفـرج سـواد الـلـيـل الـكـثـيـف قـلـيـلاً. وسـمـعـنـا بـعـد قـلـيـل رجـلاً يـغـنّي، وأوصـلـت الـرّيـح رغـاء الـجـمـال وروائـحـهـا الـقـويّـة”.

“وتـركـني خـادمـا الـبـريـطـانـيـيـن أمـام خـيـمـتي وأوكـلاني لـرجـل وسـخ مـتـذلـل اسـمـه فـهـد، وضـع الـشّـراشـف والأغـطـيـة عـلى فـراشي بـعـنـايـة بـالـغـة وانـحـنى أمـامي قـبـل أن يـخـرج، ثـمّ دخـل شـاب مـعـوجّ الأنـف اسـمـه صـالـح، يـرتـدي مـعـطـفـاً عـسـكـريـاً يـتـكـلّـم بـلـكـنـة عـامـيـة لـنـدن وقـال لي :

Me speak bloody English, messboy bloody English camp. Me boy take care seecamels

وتـوقّـف، ثـمّ كـرر جـمـلـه بـأدب وبـمـرح. وقـاطـعـتـه سـائـلاً : هـل سـنـبـدأ مـسـيـرنـا غـداً ؟ فـرفـع عـيـنـيـه نـحـو الـسّـمـاء وغـرغـر في فـمـه : إن شـاء الله، وتـركـني.

وجـلـست عـلى سـريـري أنـظـر حـولي. كـان داخـل الـخـيـمـة قـرمـزيّـاً، وزيـنـت أطـرافـهـا بـرسـوم قـلـوب وألـمـاس. وكـانـت مـسـتـديـرة الأعـلى تـرتـكـز عـلى عـمـود واحـد في وسـطـهـا، وتـنـزل أطـرافـهـا إلى الأرض لـتـشـكّـل مـسـدسـاً ثـبّـت بـأوتـاد. وشـعـرت بـنـفـسي وكـأنـني دودة في داخـل زهـرة فـوشـيـا كـبـيـرة. وهـطـلـت الأمـطـار تـضـرب الـسّـقـف. وخـلـعـت مـلابـسي بـبـطء وأنـا أنـصـت إلى رغـاء الـجـمـال وهـديـرهـا. وهـا قـد انـتـهـيـنـا أخـيـراً مـن الـمـسـتـعـمـرات والـويـسـكي والـصـودا وجـريـدة The Strand  والأكـل الـمـعـلّـب  والـبـار الأمـريـكي عـلى ضـفـة دجـلـة … والـتـفـفـت في بـطـانـيـة تـبـريـز الـمـخـطـطـة  وأطـفـأت الـشّـمـعـة. واشـتـدّ وقـع الـمـطـر عـلى أعـلى الـخـيـمـة. وسـمـعـت أصـوات الـحـراس يـنـادي بـعـضـهـم الـبـعـض الآخـر حـول الـمـضـارب. وتـنـاهى إلى سـمـعي مـن بـعـيـد صـوت طـلـقـات نـاريـة. وارتـفـع غـنـاء رجـل قـرب خـيـمـتي وكـأنـه يـخـلـع مـن حـنـجـرتـه صـوتـاً ضـعـيـفـاً يـدور ويـدور. وكـان يـغـني شـيـئـاً مـا عـن عـلي أصـغـر   Ali Asgar، عـلي أفـقـر Ali Afgar  الّـذي مـات في كـربـلاء. وقـد تـعـرّفـت عـلى كـلـمـة مـيّـت Miut  لأنـنـا كـنّـا قـد مـررنـا في طـريـقـنـا مـن بـغـداد بـجـسـد صـبي هـنـدي مـلـقى عـلى قـارعـة الـطّـريـق. كـان مـسـتـلـقـيـاً عـلى ظـهـره وعـلى شـفـتـيـه ابـتـسـامـة مـتـحـجّـرة. وبـعـد أن ألـقى عـلـيـه جـاسـم بـنـظـرة، عـاد إلى الـسّـيّـارة وقـال : Miut، وأكـمـلـنـا طـريـقـنـا. وبـقـيـت أسـتـمـع إلى الـغـنـاء ورغـاء الـجـمـال وضـربـات قـطـرات الـمـطـر عـلى الـخـيـمـة حـتّى انـزلـقـت في الـنّـوم”.

ثـمّ خـصـص جـون دوس بـاسـوس مـقـطـعـاً طـويـلاً مـن الـفـصـل الـعـاشـر لـكـلّ يـوم مـن الأيّـام الـسّـبـعـة والـثّـلاثـيـن الّـتي اسـتـغـرقـتـهـا رحـلـتـه إلى دمـشـق.

وقـد وجـد في الـيـوم الأوّل نـاقـتـه الـذّلـول delull، (وهي كـلـمـة جـاءت مـن الـشّـعـر الـجـاهـلي). وكـان اسـمـهـا مـلـك Malek. ولـكي يـبـعـد عـن نـفـسـه الـمـخـاطـر كـأوربي، فـقـد ارتـدى عـبـاءة و ismak ، وربّـمـا يـعـني بـه “يـشـمـاغ”. وشـرعـت الـقـافـلـة بـرحـلـتـهـا نـحـو كُـبـيـسـة. وبـاتـوا لـيـلـتـهـم قـرب مـجـرى مـاء في شِـعـب مـحـمـودي  Sheib Mahmodi. وأبـصـروا في الـيـوم الـثّـاني فـوق الأفـق نـحـو الـشّـمـال بـبـقـع دخـان أسـود يـرتـفـع مـن مـنـابـع قـار كـبـيـسـة.

ويـكـتـب في الـيـوم الـثّـالـث :

“وبـعـد أن سـار الـرّكـب سـاعـتـيـن رأيـنـا نـخـيـلاً في شِـعـب ضـحـل الـمـاء ووصـلـنـا إلى مـيـنـاء صـحـراوي صـغـيـر : كُـبـيـسـة، الّـتي تـكـورت عـلى نـفـسـهـا بـيـن حـيـطـان طـيـن بـيـن حـواف صـخـريـة وتـلال رمـلـيـة. وأخـذونـا لـزيـارة الـمـديـر وأضـعـنـا جـزءاً كـبـيـراً مـن نـهـارنـا بـيـن الـمـمـنـونـيـات mamnouning وشـرب الـقـهـوة والـمـجـامـلات. ورأيـنـا أطـفـالاً يـلـعـبـون أمـام بـاب الـمـديـنـة مـع غـزالـة مـدجّـنـة. ونـقـلـونـا إلى دار شـيـخ بـديـن وظـريـف أطـعـمـنـا وجـبـة رائـعـة مـن الـبـيـض والـرّز والـتّـمـر الـمـقـلي والـدّجـاج. وخـرج الـشّـيـخ الـبـديـن مـعـنـا لـيـخـيـف الـبـدو بـحـضـوره الـمـهـيـب. ــ  كـلّـنـا أصـدقـاء. قـال وهـو يـضـرب عـلى صـدره بـيـديـه. وبـعـد أن أذاقـوني تـسـعـة أو عـشـرة أنـواع مـن الـتّـمـور، لـم يـتـركـوني أذهـب إلى الـسّـوق بـل أرسـلـوا مـن يـشـتـري لي بـكـلّ مـا طـلـبـتـه. وكـان كـلّ هـؤلاء الأعـيـان حـولي يـحـاولـون إرضـائي. وانـسـلـلـت بـعـد ذلـك أحـمـل كـتـابـاً وتـسـلـقـت مـرتـفـعـاً صـخـريـاً قـادني إلى حـوض عـمـيـق مـلئ بـمـاء مـعـدني يـفـور ويـغـلي، يـخـرج مـن شـرخ في صـخـرة. وتـصـورت وكـأني كـنـت في مـكـان مـا مـن سـيـنـاء، كـان يـهـوه يـرتـاده في قـديـم الأزمـان”.

وبـعـد أن تـركـوا كُـبـيـسـة، إسـتـمـرّوا في مـسـيـرهـم نـحـو الـشّـام.

ونـنـهي عـرضـنـا الـسّـريـع هـذا بـمـا كـتـبـه جـون دوس بـاسـوس عـن تـجـربـتـه الـشّـرقـيـة، وعـن حـال الـدّنـيـا الـعـجـيـبـة :

“يـمـكـنـك أن تـسـافـر، وأنـتّ لا تـحـمـل إلّا اسـم الله the name of Allah  كـحـقـائـب ومـؤنـة، مـن سـور الـصّـيـن الـعـظـيـم إلى نـهـر الـنّـيـجـر، ولا يـسـاورك الـشّـكّ في أن تـحـصـل عـلى قـوت يـومـك وأن تـحـصـل في كـثـيـر مـن الأحـيـان عـلى مـا يـكـفـيـك مـن مـال، إذا مـا ارتـضـيـت فـقـط أن تـعـفّـر جـبـهـتـك بـالـتّـراب خـمـس مـرّات في الـيـوم، وأن تـتـرك جـانـبـاً أنـانـيـة الـغـرب وبـهـرجـتـه. ومـع ذلـك فـالـغـرب يـتـغـلـغـل ويـغـزو  …”.

ـــــــــــــ

(1)  لـم أجـد لـه رسـومـاً لـرحـلـتـه الـشّـرقـيـة مـا عـدا رسـم غـلاف كـتـاب “قـطـار الـشّـرق الـسّـريـع”.

(2)   أنـظـر مـقـالي :  بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت

وكـذلـك مـقـالي :  قـفـف دجـلـة وأكـلاكـهـا

(3)  أنـظـر مـقـالي :  صـور مـحـطـة قـطـار بـغـداد 1917

(4) أنـظـر مـقـالي :  عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب وتـشـكـيـل الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة عـام 1921

(5)  Little swell-bottomed glasses of tea.

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

فـهـارس الـمـقـالات الـمـنـشـورة في مـدونـة “بـيـن دجـلـة والـفـرات” 2015 ــ 2019

قـائـمـة تـحـتـوي عـلى الـمـقـالات الّـتي نـشـرت في مـدونـة “بـيـن دجـلـة والـفـرات” بـيـن آذار (مـارس) 2015  وكـانـون الأوّل (ديـسـمـبـر) 2019. وقـد رتّـبـت تـرتـيـبـاً زمـنـيـاً حـسـب مـواضـيـعـهـا مـن الأقـدم تـاريـخـيـاً وإلى الأكـثـر حـداثـة. وتـجـدون في بـدايـة كـلّ تـلـخـيـص عـنـوان الـمـقـال بـالـلـون الأحـمـر وقـد خـطّ تـحـتـه خـطّ. ويـمـكـنـكـم الـضّـغـط عـلى الـعـنـوان لـقـراءة الـمـقـال بـكـامـلـه، فـالـعـنـوان هـو الـرّابـط الّـذي يـوصـل إلى الـمـقـال الأصـلي  :

 

الـعـرب وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد

Karkar

تـأتي مـعـرفـتـنـا بـتـاريـخ الـعـرب في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد خـاصـة مـن الـنّـصـوص الآشـوريـة والـبـابـلـيـة الـحـديـثـة الّـتي كـانـت تـسـتـعـمـل الـلـغـة الأكّـديـة (بـالـلـهـجـتـيـن الـبـابـلـيـة والآشـوريـة) والـمـسـجـلـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة، مـنـذ أوّل ذكـر لـهـم سـنـة  853 قـبـل الـمـيـلاد، وحـتّى سـقـوط مـديـنـة بـابـل عـام 539 قـبـل الـمـيـلاد تـحـت ضـربـات الـفـرس الأخِمـيـنـيـيـن …

 

بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت

هيرودوت

يـعـتـبـر الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي عـاش في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد “أبـا الـتّـاريـخ”، ويـعـتـبـر كـتـابـه أقـدم كـتـاب في الـتّـاريـخ، ألّـفـه بـعـد أن سـافـر في أنـحـاء واسـعـة مـن الـعـالـم الـمـعـروف في زمـانـه لـيـعـرّف مـعـاصـريـه مـن الإغـريـق عـلى مـا يـجـرى حـولـهـم. وهـو يـذكـر أنّـه زار بـابـل ومـنـاطـق أخـرى مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن بـيـن مـا زار مـن بـلاد، أي بـعـد أقـلّ مـن قـرن عـلى سـقـوط بـابـل تـحـت ضـربـات جـيـش الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني كـورش (الأكـبـر) في 539 قـبـل الـمـيـلاد. وهـو يـخـصـص مـقـاطـع طـويـلـة مـن الـكـتـاب الأوّل لـلـكـلام عـن بـلاد بـابـل وعـادات أهـلـهـا وتـقـالـيـدهـم، وعـن ثـورة الـبـابـلـيـيـن عـلى الإحـتـلال الـفـارسي …

 

جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة

جنائن سميراميس 1683

لـم تـذكّـر الـنّـصـوص الـبـابـلـيـة الّـتي سُـجّـلـت بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة جـنـائـن مـعـلـقـة في بـابـل، ولـم يـجـد الـمـنـقـبـون خـلال حـمـلات الـتّـنـقـيـبـات الـمـتـتـالـيـة في مـوقـع بـابـل الـقـديـمـة (مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وطـيـلـة الـقـرن الـعـشـريـن) أثـراً لـهـذه الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة. فـكـيـف تـكـوّنـت هـذه الأسـطـورة عـنـد الإغـريـق (أي الـيـونـانـيـيـن الـقـدمـاء) ومـقـلـديـهـم الـرّومـان ؟ وكـيـف دخـلـت ضـمـن “عـجـائـب الـدّنـيـا الـسّـبـع” الّـتي صـنّـفـوهـا ؟

 

قـصّـة بـابـلـيـة في فِـلـم قـديـم

Intolerance 1916

أخـرج الأمـريـكي د. غـريـفـيـث D.W.Griffith  فِـلـم : (الـتّـعـصّـب : صـراع الـحـبّ عـبـر الـعـصـور Intolerance : Love’s Struggle Throughout the Ages) في 1916. ويـنـقـسـم الـفِـلـم إلى أربـعـة أجـزاء، يـمـثّـل كـلّ جـزء مـنـهـا فـتـرة زمـنـيـة مـخـتـلـفـة. ويـتـكـلّـم الـجـزء الـبـابـلي مـن الـفـلـم : The Fall of Babylone عـن سـقـوط عـاصـمـة الإمـبـراطـوريـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة تـحـت ضـربـات جـيـش كـورش الـكـبـيـر (أو كـيـروش) الـفـارسـي الإخـمـيـني في عـام 539 قـبـل الـمـيـلاد …

 

تـمـثـالان لآشـوربـانـيـبـال وجـلـجـامـش في سـان فـرانـسـيـسـكـو وسـيـدني

آشوربانيبال سان فرنسيسكو 2

نـصـب تـمـثـال آشـوربـانـيـبـال في The Civic Center في سـان فـرانـسـيـسـكـو، كـالـيـفـورنـيـا (الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة) عـام 1988، وتـمـثـال “جـلـجـامـش” في جـانـب مـن حـديـقـة جـامـعـة سـيـدني The University of Sydney في أسـتـرالـيـا عـام 2000. ولـكـن هـل هـمـا يـمـثّـلان حـقّـاً آشـوربـانـيـبـال وجـلـجـامـش ؟

 

أسـد بـابـل

توما أسد بابل

نـجـد أوّل ذكـر لأسـد ضـخـم الـحـجـم نـحـت في صـخـر الـغـرانـيـت وعـثـر عـلـيـه في مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة في مـقـال نـشـره الـفـرنـسي جـوزيـف دو بـوشـام عـام 1790 في جـريـدة الـعـلـمـاء في بـاريـس. وكـان بـعـض أهـل الـحـلّـة قـد ذكـروا لـه أنـهـم كـانـوا قـد وجـدوا صـنـمـاً مـدفـونـاً في بـاطـن الأرض. وبـعـد أن أخـذوه إلى الـمـكـان وحـفـروه لـه مـيّـز في أعـمـاق الـحـفـرة تـمـثـال أسـد … وسـجّـل الـبـريـطـاني كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش عـام 1817 في سـرد رحـلـتـه الـثّـانـيـة أنّـه اكـتـرى عـدداً مـن الـرّجـال حـفـروا يـومـاً كـامـلاً وأزاحـوا الـتّـراب عـن : “أسـد هـائـل الـحـجـم عـلى قـاعـدة، مـنـحـوتـاً في نـوع سئ مـن الـغـرانـيـت الـرّمـادي بـصـنـعـة رديـئـة. وكـانـت في فـمـه فـتـحـة دائـريـة يـمـكـن لـلـمـرء أن يـدخـل فـيـهـا قـبـضـتـه” …

 

لـوحـة «سـوق الـزّواج الـبـابـلي» لإدويـن لـونـغ

سوق الزواج البابلي

رسـم الـفـنّـان الإنـكـلـيـزي إدويـن لـونـغ Edwin LONG  عـام 1872 لـوحـة أسـمـاهـا : سـوق الـزّواج الـبـابـلي. وقـد وجـد إدويـن لـونـغ مـوضـوع لـوحـتـه في كـتـاب الـمـؤرّخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد، أي بـعـد أن سـقـطـت الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخّـرة وعـاصـمـتـهـا بـأيـدي الـفـرس الإخـمـيـنـيـيـن …

 

لـوحـة « سـمـيـرامـيـس تـشـيّـد مـديـنـة بـابـل » لإدغـار دُغـا

Dega 3

بـدأ الـفـنـان الـفـرنـسي إدغـار دُغـا عـام 1860 بـرسـم لـوحـة أسـمـاهـا “سـمـيـرامـيـس تـشـيّـد مـديـنـة بـابـل”، ولـكـنّـه تـركـهـا عـام 1862 مـن غـيـر أن تـكـتـمـل. ونـرى فـيـهـا الـمـلـكـة الأسـطـوريـة سـمـيـرامـيـس عـلى شـرفـة تـتـأمّـل مـديـنـة بـابـل الّـتي شُـرع في تـشـيـيـدهـا في الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـفـرات، تـصـاحـبـهـا نـسـاء بـلاطـهـا وخـلـفـهـنّ جـواد يـجـرّ عـربـة الـمـلـكـة الّـتي لا نـرى مـنـهـا إلّا مـقـدمـتـهـا. وقـد رسـم الـحـصـان والـعـربـة الـمـلـكـيـة الّـتي يـجـرّهـا تـمـامـاً مـثـلـمـا رآهـا في مـنـحـوتـات قـصـر سـرجـون الـثّـاني الّـتي كـان بـول إمـيـل بـوتـا، قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل، قـد عـثـر عـلـيـهـا في تـنـقـيـبـاتـه وبـعـثـهـا إلى مـتـحـف الـلـوفـر.

 

كـيـف خـرج الـسّـومـريـون مـن غـيـاهـب الـنّـسـيـان

كيف خرج السومريون من النسيان

بـعـد أن أزاح الـفـرنـسي بـول إمـيـل بـوتـا الـتّـراب عـن آثـار الآشـوريـيـن عـام 1843 في خـورسـبـاد، قـرب نـيـنـوى، خـرج تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد مـن غـيـاهـب ظـلام الـنّـسـيـان، واكـتـشـف الـعـالـم مـذهـولاً جـزءاً مـن تـاريـخ الـبـشـريـة غـاب عـن ذاكـرتـهـا مـدّة أكـثـر مـن ألـفَي سـنـة. ثـمّ اكـتـشـف الـعـالـم تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات في الألـف الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد بـتـنـقـيـبـات بـابـل. وقـد وسّـعـت تـنـقـيـبـات الـفـرنـسي إرنـسـت دو سَـرزيـك في بـلاد سـومـر (بـدأت عـام 1877) مـعـارفـنـا عـن تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن عـنـدمـا أوصـلـنـا إلى الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد الّـذي كـان الـعـالـم يـجـهـلـه جـهـلاً تـامّـاً قـبـلـهـا. وبـهـذا اكـتـشـف حـضـارة لـم يـكـن أحـد يـتـذكّـرهـا مـنـذ آلاف الـسّـنـيـن : الـحـضـارة الـسّـومـريـة. وقـد تـوصـل الـعـلـمـاء بـعـد ذلـك إلى مـعـرفـة الـلـغـة الـسّـومـريـة، وصـدرت لـهـا كـتـب قـواعـد قـبـل أن تـصـبـح دراسـتـهـا ودراسـة الـحـضـارة الـسّـومـريـة فـرعـاً مـن “عـلـم الآشـوريـات” يـسـمى بـ”عـلـم الـسّـومـريـات”. واغـتـنـت الـبـشـريـة بـاسـتـرجـاع أولى فـتـراتـهـا الـتّـاريـخـيـة الّـتي شـهـدت اخـتـراع الـكـتـابـة والّـتي أدخـلـتـهـا في الـحـضـارة …

 

الـمـتـاجـرة بـالآثـار الـبـابـلـيـة في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر

بلمبتون 322

قـرر مـسـؤولـو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن عـام 1887 إرسـال والـيـس بـدج إلى الـعـراق لـلـتـحـقـيـق في أمـر سـرقـات الـقـطـع الأثـريـة، خـاصـة وأنّـهـم اكـتـشـفـوا أنّ قـطـعـاً أثـريـة وألـواحـاً مـسـمـاريـة أخـرى سـرقـت مـن الـمـواقـع الّـتي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـنـقـب فـيـهـا وخـاصـة في بـابـل، وكـان بـعـضهـا يـبـاع في لـنـدن، عـلى بـعـد خـطـوات مـن الـمـتـحـف ! ووجـد والـيـس بـدج أن سـرقـات الـقـطـع الأثـريـة والـمـتـاجـرة بـهـا بـلـغـت حـدّاً لا يـتـصـوّره الـعـقـل …




لـوحـة « بـابـل » لـلـفـنّـان كـوبـكـا

كوبكا، بابل

رسـم الـفـنّـان الـتّـشـيـكي فـرانـتـيـشـيـك كـوبـكـا في 1906 لـوحـة زيـتـيـة أسـمـاهـا : “بـابـل”، تـصـوّر مـديـنـة بـابـل في الـصّـبـاح، فـقـد بـدأت أشـعـة الـشّـمـس تـنـيـر الـجـنـائـن الـمـعـلـقـة عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـفـرات. ونـرى في مـقـدمـة الـلـوحـة مـجـمـوعـة مـن الـنّـاس أمـام مـدخـل الـجـسـر: سـائـسَي خـيـل يـجـرّ كـلّ مـنـهـمـا جـواديَـن مـسـرجـيـن عـلى ظـهـورهـمـا أقـمـشـة (أو جـلـود ؟) ثـريّـة الـنّـقـوش، وخـلـفـهـمـا رجـل يـجـرّ حـمـاراً. كـمـا نـرى رجـالاً يـنـتـظـرون مـتّـكـئـيـن عـلى حـافـة الـجـسـر بـجـانـب حـارس يـرفـع رمـحـه، ورجـالاً آخـريـن قـادمـيـن نـحـوه. ونـرى عـلى الـجـسـر رجـالاً يـحـمـلـون لـوحـاً مـن الـخـشـب يـضـعـونـه كـعـارضـة عـلى ركـائـز الـجـسـر في جـانـبـيـه، وخـلـفـهـم رجـال آخـرون يـحـمـلـون ألـواحـاً أخـرى. ولـكـن مـاذا يـعـني كـلّ هـذا ؟

 

سـردنـبـال، أو كـيـف شُـوّهـت صـورة آشـوربـانـيـبـال لـمـدة قـرون طـويـلـة

سردنبال

روى الـكـتّـاب الـيـونـانـيـون حـكـايـات مـشـوهـة عـن الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال نـقـلـوهـا، كـمـا يـبـدو، عـن الـفـرس، بـعـد أن حـوّروا اسـمـه إلى سـردنـبـال Sardanapalus. وقـد أخـذهـا عـنـهـم الـكـتّـاب الـرّومـان، واسـتـمـرت في أوربـا في الـقـرون الـوسـطى وعـصـر الـنّـهـضـة وحـتّى الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر عـنـدمـا رسـم الـفـنّـان الـفـرنـسي أوجـيـن دولاكـروا عـام 1827 لـوحـتـه الـشّـهـيـرة : “مـوت ســردنـبـال” …

 

مـجـمـوعـة آثـارعـراقـيـة قـديـمـة يـعـلـوهـا الـغـبـار في مـتـحـف فـرنـسي صـغـيـر

نص غوديا 001

نـقّـب الـفـرنـسي، الأب دو جُـنـويّـاك Abbé de Genouillac في تـلّـو (تـلّ لـوح) أي مـوقـع مـديـنـة لـغـش/ غـرسـو الـقـديـمـة مـن عـام 1929 إلى عـام 1931، لـحـسـاب مـتـحـف الـلـوفـر و وزارة الـتّـعـلـيـم الـعـام الـفـرنـسـيـة. وقـد أهـدى قـبـل وفـاتـه إلى مـتـحـف الآثـار Musée des Antiquités في مـديـنـة روان Rouen في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي، شـمـال فـرنـسـا، مـجـمـوعـة تـحـتـوي عـلى 650 قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـن مـا كـان قـد عـثـر عـلـيـه في تـنـقـيـبـاتـه في الـعـراق أو مـا اشـتـراه مـن مـهـربي الآثـار. والـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن هـذه الـقـطـع نـصـوص بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة. ومـا زالـت هـذه الـقـطـع تـرقـد في هـذا الـمـتـحـف …

 

مـغـامـرات الـدّكـتـور بـانـكـس

الدكتور بانكس

نـقّـب الـدكـتـور إدغـار جـيـمـس بـانـكـس  في 1903/ 1904 في بـسـمـايـة (مـوقـع مـديـنـة أدب الـقـديـمـة). وفي 1909 عـيّـن أسـتـاذاً لـلـغـات الـشّـرقـيـة والآثـارفي جـامـعـة تـولـيـدو في الأوهـايـو. وبـدأ يـسـافـر في كـلّ أنـحـاء الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة يـلـقي فـيـهـا مـحـاضـرات مـثـيـرة يـمـزج فـيـهـا بـيـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة والأسـاطـيـرالـتّـوراتـيـة والأنـاجـيـلـيـة الّـتي تـؤمـن بـهـا كـثـيـر مـن الأوسـاط الأمـريـكـيـة. وكـان يـغـتـنـم فـرص هـذه الـمـحـاضـرات لـيـعـرض ألـواحـاً مـسـمـاريـة (قـدّرت بـأكـثـر مـن 11،000 لـوح) كـان قـد اشــتـرى بـعـضـهـا مـن مـهـربي الآثـار في الـشّـرق، وجـلـب بـعـضـهـا مـن تـنـقـيـبـاتـه، ويـبـيـعـهـا إلى الـمـتـاحـف والـمـكـتـبـات والـجـامـعـات والـمـعـاهـد الـدّيـنـيـة …

 

بـدايـة اسـتـعـمـال الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

ترانشان 1

وصل الـفـرنـسي فـكـتـور بـلاس إلى الـمـوصـل عـام 1952 لـيـقـوم بـحـمـلـة تـنـقـيـبـات ثـانـيـة في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شَـروكـيـن) في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل. (وكـان بـول إمـيـل بـوتـا قـد قـام بـالـحـمـلـة الأولى في عـامَي  1843ــ 1844). وصـاحـبـه الـمـهـنـدس الـفـرنـسي  جـبـرائـيـل تـرانـشـان الّـذي الـتـقـط مـجـمـوعـات مـن الـصّـور يـظـهـر فـيـهـا الـعـمـال والـمـشـرفـون عـلى الـتّـنـقـيـبـات في كـلّ مـرحـلـة مـن مـراحـل عـمـلـهـم الـمـتـتـابـعـة. وتـحـتـفـظ الأرشـيـفـات الـوطـنـيـة الـفـرنـسـيـة بـ 51  صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـالأبـيـض والأسـود الـتـقـطـهـا تـرانـشـان …

 

كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش

جلجامش 8

وجـد الإنـكـلـيـزي جـورج سـمـيـث عـام 1872، في لـوح مـسـمـاري انـكـسـر بـعـضـه، (كـان قـد عـثـر عـلـيـه في بـقـايـا مـكـتـبـة آشـوربـانـيـبـال في نـيـنـوى) مـقـطـعـاً مـهـمـاً يـحـكي قـصّـة طـوفـان. وقـد ذكـر بـعـد ذلـك أنّـه حـالـمـا فـهـم مـحـتـوى الـلـوح الـفـخـاري الّـذي كـان يـقـرأه نـهـض مـن كـرسـيـه في مـكـتـبـه مـنـتـفـضـاً وانـطـلـق نـحـو الـقـاعـة في حـالـة انـفـعـال شـديـد وبـدأ يـخـلـع مـلابـسـه أمـام نـظـرات الـحـاضـريـن الـمـذهـولـة. وكـان الـمـقـطـع يـحـكي جـزءاً مـن الـقّـصـة الّـتي رواهـا أوتـا نـفـسـتـيـم لـجـلـجـامـش عـن الـطّـوفـان الّـذي أرسـلـتـه الآلـهـة لـعـقـاب الـبـشـر، وكـيـف اسـتـثـنـوه هـو، أوتـا نـفـسـتـيـم مـن بـيـن كـلّ الـبـشـر، وطـلـبـوا مـنـه أن يـصـنـع سـفـيـنـة أركـب عـلـيـهـا أهـلـه وأخـذ مـعـه مـن كـلّ حـيـوان اثـنـيـن. ثـمّ كـيـف أطـلـق، بـعـد أن انـتـهى الـطّـوفـان، حـمـامـة لـتـجـد الـيـابـسـة وتـحـطّ عـلـيـهـا. وأدرك سـمـيـث مـن قـراءة الـلـوح الـمـكـسـور أنّـه وجـد أصـل حـكـايـة الـطّـوفـان الّـتي نـقـلـهـا كُـتّـاب الـتّـوراة بـعـد ذلـك. وأنّ أوتـا نـفـسـتـيـم هـو الّـذي غـيّـروا اسـمـه إلى نـوح …

 

رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

botta1849bd1

أزاح الـفـرنـسي بـول إمـيـل بـوتـا عـام 1943، الـتّـراب عـن جـزء كـبـيـر مـن قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (الّـذي حـكـم مـن 722 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد)، والـمـسـمى بـ “دور شـروكـيـن” أي حـصـن سـرجـون، في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل، بـعـد أن غـابـت نـيـنـوى والـدّولـة الآشـوريـة في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ سـقـوطـهـا عـام 612 قـبـل الـمـيـلاد  …  ووجـد بـوتـا آثـارهـا بـعـد أكـثـر مـن 2500 سـنـة ! ووصـل الـرّسّـام أوجـيـن فـلانـدان مـن بـاريـس إلى الـمـوصـل في 1844 لـيـرسـم الـقـطـع الأثـريـة والـمـنـحـوتـات الـجـداريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا بـوتـا …

 

قـفـف دجـلـة وأكـلاكـهـا

قفف دجلة

عُـثـر عـلى مـنـحـوتـة جـداريـة في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـنـحـاريـب (حـكـم مـن 705 إلى 681 قـبـل الـمـيـلاد) تـمـثّـل قـفّـة واسـعـة الإسـتـدارة عـالـيـة الـحـواف يـسـيّـرهـا رجـلان جـلـسـا في طـرفـيـن مـنـهـا بـمـجـذافـيـن في نـهـر (فـقـد أظـهـر الـنّـحـات ضـفـتـيـه). وفي جـانـبي الـقـفّـة رجـلان يـصـيـدان الـسّـمـك إمـتـطى كـلّ واحـد مـنـهـمـا قـربـة مـنـفـوخـة. ونـجـد أقـدم وصـف لـهـا في كـتـاب الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد، بـعـد حـوالي خـمـسـيـن سـنـة مـن سـقـوطـهـا …

 

كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي

لشبونة

نـظّـمـت مـديـريـة الآثـار الـعـامـة عـام 1964 مـعـرضـاً ضـمّ أعـدداً كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد لـيـقـام في عـدد مـن الـمـدن الأوربـيـة. وقـد أقـيـم الـمـعـرض في مـديـنـة كـولـونـيـا  Köln، ألـمـانـيـا، وفي مـديـنـة تـوريـنـو  Torino، إيـطـالـيـا، وفي لـشـبـونـة، الـبـرتـغـال، وبـقي شـهـريـن في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس. ونـشـر دلـيـل لـلـمـعـرض الـلـوفـري بـ 130 صـفـحـة احـتـوى عـلى عـدد كـبـيـر مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة بـالأبـيـض والأسـود …

 

الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل

الإسكندر

تـرك الإسـكـنـدر مـقـدونـيـا، في شـمـال الـيـونـان، عـام 334 قـبـل الـمـيـلاد مـتـوجّـهـاً نـحـو آسـيـا. وبـعـد أن فـتـح مـدن الـفـنـيـقـيـيـن ثـمّ مـصـر أكـمـل طـريـقـه نـحـو الـشّـرق وعـبـر الـفـرات، ثـمّ دجـلـة، وهـزم داريـا الـثّـالـث، آخـر الـمـلـوك الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن، قـرب اربـيـل. ونـزل بـعـد ذلـك إلى بـابـل، الّـتي أقـام فـيـهـا شـهـراً قـبـل أن يـكـمـل مـسـيـره نـحـو أقـصى الـشّـرق. وبـعـد عـودتـه مـن الـشّـرق تـوقّـف مـن جـديـد في بـابـل عـام 323 ق. م.. وفـيـهـا أصـابـتـه حـمى لـم تـفـارقـه إلى أن مـات … ولـم يـكـن قـد بـلـغ الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره  …

 

الـمـدائـن وطـاق كـسـرى

طاق كسرى ستيرن

عـنـدمـا وصـل جـيـش سـعـد بـن الـوقّـاص عـام 637 م. إلى ضـفـاف دجـلـة، قـرب مـديـنـة سـلـمـان بـاك الـحـالـيـة، وجـد في هـذا الـمـوضـع عـدّة مـدن كـان بـعـضـهـا مـا زال قـائـمـاً وأكـثـرهـا حـلّ بـهـا الـخـراب. وقـد أسـمـاهـا الـعـرب بـعـد فـتـحـهـا بـ “الـمـدائـن”. ويـذكـر الـمـؤرخـون أنّـهـا كـانـت خـمـس (أو سـبـع) مـدن مـلـكـيـة، شـيّـدت في فـتـرات تـاريـخـيـة مـخـتـلـفـة ولـكـن الـواحـدة قـرب الأخـرى. وكـانـت أقـدم هـذه الـمـدن “سـلـوقـيـة دجـلـة” الّـتي شـيّـدهـا سـلـوقـوس عـام 311 قـبـل الـمـيـلاد، و”طـيـسـفـون” الّـتي أسـسـهـا  مـلـوك الـفـارثـيـيـن الأشـكـانـيـيـن عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة الـشّـرقـيـة، أي مـقـابـل مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة، لـيـسـكـنـهـا مـلـوكـهـم في فـصـول الـشّـتـاء. والّـتي نـجـد أوّل ذكـر لـهـا في عـام 221 قـبـل الـمـيـلاد  …

 

عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة

سلوقية تل عمر

بـعـد مـوت الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل سـنـة 324 قـبـل الـمـيـلاد، إشـتـدّت الـصّـراعـات بـيـن قـوّاده. وتـقـاسـم الـمـنـتـصـرون مـنـهـم الأراضي الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلـيـهـا الإسـكـنـدر … واسـتـقـلّ سـلـوقـوس بـالـجـزء الـشّـرقي مـن الإمـبـراطـوريـة، والّـذي كـان يـمـتـدّ مـن سـوريـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد فـارس إلى الـهـنـد. وفي عـام 311  قـبـل الـمـيـلاد، بـدأ سـلـوقـوس بـتـأسـيـس مـديـنـة جـديـدة لـه عـلى نـهـر دجـلـة، مـقـابـل مـديـنـة طـيـسـفـون. وأصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة، بـعـد أن أسـسـهـا سـلـوقـوس، واحـدة مـن أهـمّ عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة …

 

عـنـدمـا كـانـت حـدود الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة تـصـل إلى دجـلـة

septime sever

قـام الـرّومـان عـام 92 قـبـل الـمـيـلاد، أي تـحـت حـكـم الإمـبـراطـور أوغـسـطـس، بـأوّل مـحـاولـة لـعـبـور الـفـرات، ولـكـنّـهـا فـشـلـت. وفي بـدايـة عـام  116 بـعـد الـمـيـلاد، دخـل الإمـبـراطـور  الـرّومـاني تـريـانـوس في “سـلـوقـيـة دجـلـة” واحـتـلّ “طـيـسـفـون”. ثـمّ  اسـتـمـرّ  في مـسـيـرتـه نـحـو الـجـنـوب، وتـوقّـف في بـابـل لـيـزور الـقـصـر الّـذي مـات فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني.  وفي عـام 198 وصـل الإمـبـراطـور الـرّومـاني سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس أمـام طـيـسـفـون وفـتـحـهـا. وأنـشـا ”ولايـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن” الـرّومـانـيـة …

 

تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد وشـارلـمـان

Eginhard1

نـصـب شـارلـمـان، مـلـك دولـة الإفـرنـج، نـفـسـه في 800 م. إمـبـراطـوراً عـلى مـا أسـمـاه بـالإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة الـمـقـدّسـة. وتـروي الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الإفـرنـجـيـة أنّ شـارلـمـان كـان قـد بـعـث عـام 797 م. بـسـفـارة إلى بـلاط الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد في بـغـداد. وبـعـث لـه الـخـلـيـفـة بـسـفـارة حـمـلـت لـه هـدايـا مـن ضـمـنـهـا سـاعـة مـائـيـة وفـيـل …

 

«مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد»، لـوحـة لـلـفـنّـان يـوردايـنـس

هرون الرشيد

رسـم الـفـنّـان الـفـلامـنـكي يـعـقـوب يـوردايـنـس عـام 1663 لـوحـة عـنـوانـهـا : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان”. ونـرى فـيـهـا الإمـبـراطـور شـارلـمـان واقـفـاً مـرتـديـاً الـفـراء الـمـرقّـط، ويـظـلـلـه عـبـد بـمـظـلـة واسـعـة وحـولـه نـسـاء بـلاطـه ورجـالـه، وفي يـده صـولـجـان يـشـيـر بـه إلى ثـلاثـة مـن مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة الّـذيـن يـقـدّمـون لـه الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه هـرون الـرّشـيـد، ويـحـمـلـهـا خـدمـهـم الـعـراة الـصّـدور : آنـيـة وسـاعـة وبـيـضـة نـعـامـة ! كـمـا نـرى الـفـيـل الّـذي أتـوا بـه لـشـارلـمـان. ويـحـتـلّ الـطّـرف الأيـسـر مـن الـلـوحـة الـرّاهـبـان الـلـذان صـاحـبـا مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة …

 

«هـرون الـرّشـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارلـمـان» لـوحـة لـيـولـيـوس كـوكـيـرت

هرون 3 (6)

رسـم الألـمـاني يـولـيـوس كـوكـيـرت في 1864 لـوحـة أسـمـاهـا : “هـرون الـرشّـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارل الأكـبـر في بـغـداد عـام 786 م.” لـيـصـوّر الـسّـفـارة الّـتي أرسـلـهـا الإمـبـراطـور شـارلـمـان إلى بـلاط الـخـلـيـفـة في بـغـداد، والّـتي قـرأ وصـفـهـا في “سـيـرة شـارل الأكـبـر” الّـتي كـتـبـهـا إجـيـنـهـار، مـؤرّخ شـارلـمـان. ولـكـنّ الـرّسّـام أخـطـأ في تـأريـخ الـحـدث فـقـد وضـع في عـنـوان الـلـوحـة سـنـة 786، مـع أنـنـا نـفـهـم مـن نـصّ إجـيـنـهـار أنّ الـسّـفـيـريـن بـعـثـا إلى بـغـداد في 797 …

 

مـقـتـل آخـر خـلـفـاء بـغـداد كـمـا رواه أوربـيـان

مقتل آخر الخلفاء

ذكـر الـتّـاجـر الـبـنـدقي مـاركـو بـولـو في سـرده لـرحـلـتـه إلى الـصّـيـن والـمـعـروف بـ “كـتـاب الـعـجـائـب” قـصـة إجـاعـة هـولاكـو لـلـخـلـيـفـة الـمـسـتـعـصـم بـالله بـعـد أن طـلـب مـنـه أن يـأكـل ذهـبـه، وجـعـل الـخـلـيـفـة يـمـوت جـوعـاً. ونـجـد نـفـس هـذه الـحـكـايـة عـن مـوت آخـر خـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن في نـصّ كـتـبـه الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو الّـذي زار الـمـوصـل وبـغـداد وأقـام فـيـهـمـا في أواخـر الـقـرن الـثّـالـث عـشـر الـمـيـلادي… ولـكـن مـن أيـن جـاءت هـذه الـحـكـايـة ؟ …

 

الـعـراقـيـون كـمـا رآهـم الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر

الإدريسي

تـرك ابـن جُـبـيـر مـديـنـة قـرطـبـة في الأنـدلـس عـام 1183 لـيـحـج إلى مـكّـة. ووصـل في عـام 1184، في خـلافـة الـمـسـتـضئ بـأمـر الله، مـن الـمـديـنـة إلى الـكـوفـة، ثـمّ مـرّ بـالـحـلّـة في طـريـقـه إلى بـغـداد. ومـع أنّ مـدّة إقـامـتـه في بـغـداد لـم تـتـجـاوز ثـلاثـة عـشـر يـومـاً فـقـد خـصـص مـقـطـعـاً طـويـلاً مـن كـتـابـه في وصـف الـبـغـداديـيـن، وأطـلـق عـلـيـهـم أحـكـامـاً قـاطـعـة رغـم قـلّـة مـعـرفـتـهـم لـهـم واخـتـلاطـه بـهـم …

 

الـعـراق في رحـلـة ابـن بـطـوطـة

إبن بطوطة 4

تـرك ابـن بـطّـوطـة مـديـنـتـه طـنـجـة، في الـمـغـرب، مـتـوجّـهـاً إلى مـكّـة لـلـحـج، ثـمّ زار الـعـراق في 1326. وبـعـد أن وصـل مـع الـركـب إلى الـنّـجـف سـافـر إلى الـبـصـرة، ثـمّ مـرّ بـالأهـوار قـبـل أن يـصـل إلى واسـط. ومـنـهـا ذهـب إلى الـكـوفـة فـالـحـلّـة فـبـغـداد. وصـعـد إلى الـمـوصـل وديـار بـكـر. ولا يـجـد قـارئ رحـلـة ابـن بـطّـوطـة في مـا دونـه عـن هـذه الـسّـفـرة مـا يـسـتـحـق الـذّكـر، فـهـو قـد نـقـل خـاصـة مـا كـتـبـه ابـن جُـبـيـر قـبـلـه بـعـد أن غـيّـر بـعـض جـمـلـه، ولـم يـضـف عـلـيـه إلّا الـقـلـيـل …

 

 رحـلـة يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر إلى الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـخـامـس عـشـر

شلتبيرجر

قـصّـة الألـمـاني يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر واحـدة مـن أعـجـب الـقـصـص، فـقـد ألـقـت بـه الأقـدار، مـن نـهـايـة الـقـرن الـرّابـع عـشـر إلى بـدايـة الـقـرن الـخـامـس عـشـر، مـن أسـر إلى أسـر ومـن بـلـد إلى بـلـد حـتّى وصـل إلى بـغـداد، الّـتي يـسـمـيـهـا “بـابـل الـجـديـدة “ بـيـن 1402 و 1405. ورغـم أنّـه لـم يـتـرك لـنـا عـنّـهـا إلّا نـصّـاً قـصـيـراً فـهـو مـع ذلـك شـديـد الأهـمـيـة …

 

وصـول أوائـل الـتّـجّـار الإنـكـلـيـز إلى الـعـراق في الـقـرن الـسّـادس عـشـر

ralph-fitch-1550-16111

تـرك سـتّـة مـن الـتّـجّـار الإنـكـلـيـز لـنـدن في شـبـاط 1583 مـتّـجـهـيـن نـحـو الـشّـرق. وصـاحـبـهـم رسّـام. ويـبـدو أنّ الـتّـاجـر الأكـثـر أهـمـيـة بـيـنـهـم كـان جـون نـيـوبـري فـقـد عـهـدت إلـيـه الـمـلـكـة إلـيـزابـيـث الأولى بـرئـاسـتـهـم وبـمـهـمـة حـمـل رسـالـتـهـا إلى الإمـبـراطـور الـمـغـولي جـلال الـدّيـن مـحـمّـد أكـبـر شـاه، ورسـالـتـهـا إلى مـلـك الـصّـيـن. ووصـلـت سـفـيـنـتـهـم إلى طـرابـلـس الـشّـرق. ومـنـهـا ذهـبـوا إلى حـلـب ثـمّ الـبـيـرا عـلى الـفـرات. وهـناك وجـدوا مـركـبـاً أنـزلـهـم إلى الـفـلـوجـة بـأسـبـوع واحـد. وفي الـفـلـوجـة إكـتـروا مـا يـقـارب الـمـائـة حـمـار لـيـحـمـلـوا عـلـيـهـا مـا جـلـبـوه مـن سـلـع، وتـوجـهـوا نـحـو بـغـداد الّـتي كـانـوا يـسـمـونـهـا مـثـل كـلّ مـعـاصـريـهـم : “بـابـل الـجـديـدة”. وقـد زاروا في طـريـقـهـم عـقـرقـوف (الّـتي ظـنّـوهـا بـابـل) وزقـورتـهـا الّـتي اعـتـبـروهـا “بـرج بـابـل” … ثـمّ نـزلـوا إلى الـبـصـرة وأكـمـل بـعـضـهـم طـريـقـهـم عـبـر الـخـلـيـج …

 

قـصـر الأخـيـضـر

Ukhaidir

مـن أكـثـر الأمـور غـرابـة أنّ نـجـد أوّل إشـارة إلى قـصـر الأخـيـضـر، بـاسـمـه الّـذي نـعـرفـه لـه في أيّـامـنـا هـذه، في سـرد الإيـطـالي بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه لـرحـلـتـه إلى الـعـراق عـنـدمـا مـرّ بـه في 29 حـزيـران  1625. ولا نـدري بـأيّ اسـم ذكـر الـمـؤرخـون الـعـرب هـذا الـبـنـاء الـضـخـم الّـذي بـهـر كـلّ مـن رآه، ولا كـيـف أشـيـر إلـيـه في “مـعـاجـم الـبـلـدان” أو في كـتـب “الـمـسـالـك” الّـتي تـتـبـعـت كـلّ طـرق الـدّولـة الـعـبـاسـيـة وفـصّـلـت في وصـف حـتّى أصـغـر الـقـرى الّـتي لـم تـكـن لـهـا أدنى أهـمـيـة … ومـاذا نـعـرف حـقّـاً عـن هـذا الـحـصـن أو الـقـصـر ؟

 

كـتـاب تـأبـيـن الـبـغـداديـة سـتّ مـعـاني زوجـة ديـلّا فـالـيـه

معاني 2

وصـل شـاب إيـطـالي في الـثّـلاثـيـن مـن عـمـره، اسـمـه بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه إلى بـغـداد في شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1616. وفي كـانـون الأوّل، تـزوّج بـبـغـداديـة اسـمـهـا مـعـاني الـجـويـري. وبـعـد أن زار بــيـيـتـرو بـابـل، سـافـر إلى بـلاد الـفـرس والـهـنـد مـصـطـحـبـاً مـعـه زوجـتـه الّـتي تـوفـيـت خـلال الـسّـفـرة. وعـاد بـيـيـتـرو بـجـثـمـان زوجـتـه الـمـحـنّـط الّـذي وضـع في صـنـدوق مـصـفّـح بـالـرّصـاص إلى إيـطـالـيـا، لـيـدفـنـهـا في رومـا عـام 1626. وأقـيـم لـهـا حـفـل تـأبـيـن في بـدايـة عـام 1627. وقـد نُـشـر بـهـذه الـمـنـاسـبـة كـتـاب بـالـلـغـة الإيـطـالـيـة، بـمـائـة وخـمـسـيـن صـفـحـة، عـنـوانـه : “حـفـل تـأبـيـن الـسّـيّـدة سـتّي مـعـاني الـجـويـري ديـلّا فـالـيـه الّـذي أقـيـم في رومـا عـام 1627″ …

 

رحـلات الـفـرنـسي تـافـرنـيـيـه الـسّـتّ إلى الـشّـرق في الـقـرن الـسّابـع عـشـر

tavernier

قـام الـتّـاجـر الـفـرنـسي جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه بـسـتّ رحـلات إلى الـشّـرق مـن عـام 1631 إلى عـام  1668. وقـد مـرّ بـالـعـراق في ثـلاث مـن هـذه الـرّحـلات. مـرّ بـبـغـداد مـروراً سـريـعـاً في رحـلـتـه الأولى. ومـرّ بـالـمـوصـل في رحـلـتـه الـثّـالـثـة. ونـزل دجـلـة عـلى كـلـك مـن الـمـوصـل إلى بـغـداد، ثـمّ أكـمـل طـريـقـه إلى الـبـصـرة في رحـلـتـه الـرّابـعـة. وهـو يـسـرد مـا حـدث لـه في رحـلاتـه الـسّـتّ في كـتـاب صـدر في بـاريـس عـام  1676 …

 

جـان أوتّـيـر في الـعـراق

جان أوتير

وصـل الـسّـويـدي جـان أوتّـيـر، “مـبـعـوث” مـلـك فـرنـسـا، لـويـس الـرّابـع عـشـر إلى الـشّـرق، إلى الـبـصـرة في 19 حـزيـران 1739. وبـقي فـيـهـا حـوالي أربـع سـنـوات، أولاً بـدون لـقـب رسـمي ثـمّ كـقـنـصـل لـفـرنـسـا ووكـيـل لـشـركـة بـلاد الـهـنـد. وقـد غـادرهـا في أيّـار 1743 …

 

رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري إلى الـعـراق

borgm_00620

دخـل عـبـد الـكـريـم بـن أكـيـبـات بـن مـحـمـد بـلاكي الـكـشـمـيـري في خـدمـة طـهـمـاسـب قـولي خـان الّـذي اسـتـولى عـلى الـحـكـم في بـلاد فـارس تـحـت اسـم نـادر شـاه، خـلال حـمـلـة حـربـيـة قـام بـهـا نـادر شـاه في الـهـنـد. وصـاحـبـه عـبـد الـكـريـم في طـريـق عـودتـه إلى بـلاد فـارس في 1739 م. وحـصـل مـن الـشّـاه عـلى إذن بـمـصـاحـبـة رئـيـس أطـبـائـه إلى مـكّـة.  وقـد مـرّ عـبـد الـكـريـم خـوجـة وأصـحـابـه في طـريـقـهـم إلى مـكّـة بـقـزويـن ثـمّ بـبـغـداد. وزاروا كـربـلاء والـنّـجـف والـكـوفـة قـبـل أن يـعـودوا إلى بـغـداد لـيـكـمـلـوا مـسـيـرهـم إلى مـكّـة والـمـديـنـة عـن طـريـق حـلـب ودمـشـق …

 

رحـلـة عـالـم طـبـيـعـيـات مـن زمـن الـثّـورة الـفـرنـسـيـة إلى الـعـراق

أولفيييه

بـعـد انـدلاع الـثّـورة الـفـرنـسـيـة في 1789، اخـتـارت حـكـومـة الـجـمـهـوريـة الـجـديـدة في 1792، عـالـم الـطّـبـيـعـيـات غـلـيـوم أنـطـوان أولـيـفـيـيـه، مـبـعـوثـاً إلى الـدّولـة الـعـثـمانـيـة بـصـحـبـة عـالـم طـبـيـعـيـات آخـر : جـان غـلـيـوم بـروغـيـيـر. وقـد وصـلا إلى بـغـداد في 26 نـيـسـان 1796، وأقـامـا فـيـهـا إلى 18 أيّـار. وزارا مـنـاطـق أخـرى مـن الـعـراق. ونـجـد في الـكـتـاب الّـذي نـشـره أولـيـفـيـه عـام 1802 عـن رحـلـتـه مـعـلـومـات لا تـعـدّ ولا تـحـصى عـن الـعـراق في ذلـك الـزّمـن …

 

يـومـيـات بـغـداد سـنـة 1831

بغداد 1831

وصـل الـمـبـشـر الإنـكـلـيـزي أنـطـوني نـوريـس غـروفـس إلى بـغـداد عـام 1829. وكـان في بـغـداد طـيـلـة سـنـة 1831 الـرّهـيـبـة بـالـمـصـائـب الّـتي حـلّـت بـأهـلـهـا (وبـاء الـطّـاعـون وفـيـضـان دجـلـة والإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة) والّـتي مـحـقـت أغـلـبـهـم. وقـد كـتـب الـمـبـشّـر غـروفـس يـومـيـات مـفـصّـلـة يـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـن قـراءتـهـا مـا حـدث في تـلـك الـسّـنـة يـومـاً بـعـد يـوم تـقـريـبـاً. وتـأتي أهـمـيـة هـذه الـيـومـيـات مـن أنّـهـا نـصّ تـاريـخي بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة، أي أنّـهـا شـهـادة شـاهـد عـيـان سـجّـل مـا عـاشـه ومـا رآه ومـا سـمـعـه بـنـفـسـه  …

 

لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

فلاندان الرحلة الأولى

شـارك الـرّسّـام الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان في سـفـارة إلى بـلاد الـفـرس لـتـوثـيـق عـلاقـات سـيـاسـيـة واقـتـصـاديـة مـع مـحـمّـد شـاه قـجـر، ولـلـتـعـرف عـلى الـبـلـد ومـا يـجـاوره، ودراسـة الـمـواقـع الأثـريـة والـمـعـالـم الـحـديـثـة في الـمـنـطـقـة. وبـعـد انـتـهـاء الـمـهـمـة أكـمـل فـلانـدان بـصـحـبـة  الـمـعـمـاري وعـالـم الآثـار بـاسـكـال كـوسـت دراسـتـهـمـا لـلـمـعـالـم الأثـريـة في رحـلـة دامـت عـامـيـن مـرّا بـهـا بـيـن مـا مـرّا بـأصـفـهـان و شـيـراز وتـبـريـز وبـغـداد الّـتي وصـلاهـا في تـمّـوز عـام 1841، وزارا الـمـدائـن وبـابـل، ثـمّ الـمـوصـل وحـلـب وإسـطـنـبـول، ثـمّ عـادا إلى بـاريـس. ونـجـد في الـكـتـاب الّـذي نـشـراه عـن الـرّحـلـة عـدداً مـن الـرّسـوم الـرّائـعـة الـجـمـال عـن الـعـراق  …

 

بـيـت لـنـج

بيت لنج

تـشـارك ثـلاثـة مـن الإخـوة لِـنـتـش (لـنـج) : سـتـيـفـن وهـنـري بـلـوس وتـومـاس كـيـر في لـنـدن عـام 1841 في إنـشـاء شـركـة “لِـنـتـش إخـوان الـمـحـدودة  Lynch Brothers’ Limited” الّـتي سـجّـلـت في هـذه الـمـديـنـة. وقـد أنـشئ لـهـا فـرع في الـبـصـرة أسـمـوه Lynch Brothers & Co.، وفـرع في بـغـداد أسـمـوه Stephen Lynch Company Ltd. وكـانـت الـشّـركـة تـسـتـورد الـبـضائـع مـن إنـكـلـتـرة إلى الـبـصـرة عـن طـريـق الـبـحـر، ثـمّ تـنـقـلـهـا إلى بـغـداد عـبـر دجـلـة.  ثـمّ أنـشـأ سـتـيـفـن لِـنـتـش عـام 1858، مـؤسـسـة مـصـرفـيـة في لـنـدن وبـغـداد. وفي عـام 1860 سـمـح الـبـاب الـعـالي لـشّـركـة Lynch Brothers بـنـقـل الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع عـلى الـنّـهـريـن : دجـلـة والـفـرات. وسـجّـلـت الـشّـركـة في سـجـلّ الـتّـجـارة في إنـكـلـتـرة في 1861، وأصـبـح اسـمـهـا The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company …

 

رحـلـة هـنـري سـتـيـرن إلى الـعـراق

ستيرن

إنـضـمّ الألـمـاني هـنـري سـتـيـرن إلى الـجـمـعـيـة الـلـنـدنـيـة لـنـشـر الـدّيـن الـمـسـيـحي بـيـن الـيـهـود. وهـكـذا أصـبـح : الـمـوقّـر هـنـري سـتـيـرن. وقـد أرسـلـتـه الـجـمـعـيـة إلى الـقـدس عـام 1844، ومـنـهـا سـافـر إلى الـعـراق عـام 1846، ثـمّ في عـام 1848. وفي أواخـر عـام 1849 عـاد إلى لـنـدن الّـتي بـقي فـيـهـا فـتـرة قـصـيـرة، ثـمّ غـادرهـا مـن جـديـد إلى بـغـداد في حـزيـران 1850. وبـقي في بـغـداد ثـلاث سـنـوات، مـن 1950 إلى 1953. وهـو مـا يـتـكـلّـم عـنـه في كـتـاب نـشـره في لـنـدن عـام 1854 …

 

هـرمـز رسّـام والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

هرمز رسّام

بـدأ الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد عـام 1845 حـفـريـات في نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح الـقـديـمـة)، جـنـوب الـمـوصـل. وبـعـد أن اتـسـعـت تـنـقـيـبـاتـه احـتـاج لـمـن يـسـاعـده في الإشـراف عـلـيـهـا فـاخـتـار لـذلـك هـرمـز رسّـام، شـقـيـق كـرسـتـيـان رسّـام نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل. واسـتـمـرّ هـرمـز رسّـام في مـعـاونـة لّـيـارد في حـفـريـاتـه في قـلـعـة الـشّـرقـاط عـام 1847، ثـمّ في حـمـلـتـه الـثّـانـيـة عـام 1849. ثـمّ عـهـد الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى هـرمـز رسّـام بـالإشـراف عـلى حـفـريـات أخـرى …

 

رسـوم فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر عـن الـعـراق

مدخل قصر نمرود كوبر

قـام الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد بـحـفـريـات في عـاصـمـتـيـن مـن عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة : نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح الـقـديـمـة)، وتـلّ قـويـنـجـق (في مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوي الـقـديـمـة) بـيـن 1845 و 1851. وقـد أرسـلـت لـه مـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إبـتـداءً مـن عـام 1849 عـدداً مـن الـرّسّـامـيـن لـيـسـاعـدوه في مـهـمـتـه. وكـان مـن بـيـنـهـم فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر  الّـذي سـاعـد لَـيـارد في حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الأثـريـة الـثّـانـيـة في 1849ــ1850 في نـمـرود ونـيـنـوى وفي مـواقـع أخـرى . ولـم يـكـتـفِ كـوبـر بـرسـم الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز والـقـطـع الأخـرى الّـتي أزيـح عـنـهـا الـتّـراب بـل رسـم تـخـطـيـطـات بـأقـلام مـتـنـوّعـة ورسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة لـمـشـاهـد مـن مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات، ولـلـنّـاس في الـمـنـاطـق الـتّي زارهـا …

 

مـرور الـنّـمـسـاويـة إيـدا فـايـفِـر بـالـعـراق عـام 1848

Pfiefer

قـامـت الـنّـمـسـاويـة إيـدا لـورا فـايـفـر بـخـمـس رحـلات بـدأتـهـا في سـنّ الـخـامـسـة والأربـعـيـن، واسـتـغـرقـت سـتّـة عـشـر عـامـاً. وأكـمـلـت خـلالـهـا دورتـيـن حـول الـعـالـم. وكـانـت تـسـافـر وحـدهـا وبـإمـكـانـيـات مـالـيـة مـحـدودة. وتـعـود مـن كـلّ رحـلـة بـنـبـاتـات وحـشـرات وفـراشـات تـهـديـهـا لـمـتـحـف الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي في فـيـيـنـا، ومـازالـت في مـجـمـوعـاتـه. كـمـا نـشـرت سـرد رحـلاتـهـا في كـتـب مـنـذ الـرّحـلـة الأولى عـام 1842 إلى الـرّحـلـة الـخـامـسـة عـام 1858. وقـد وصـلـت إلى الـبـصـرة عـام 1848 قـادمـة مـن الـهـنـد، وزارت الـمـدائـن وبـغـداد وبـابـل، وصـعـدت مـع قـافـلـة إلى الـمـوصـل عـن طـريـق دلّي عـبّـاس وكـفـري وكـركـوك وألـتـون كـوبـري وأربـيـل. ثـمّ أكـمـلـت طـريـقـهـا إلى راونـدوز وإلى بـلاد فـارس، وصـعـدت نـحـو تـركـيـا …

 

دفـاتـر عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة

Alex. J. Svoboda 10

بـدأت عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة بـوصـول الـتّـاجـر الـمـجـري أنـطـون زفـوبـودا إلى بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر واسـتـقـراره فـيـهـا. وقـد تـزوّج أنـطـون عـام 1825 بـبـغـداديـة مـسـيـحـيـة مـن عـائـلـة أرمـنـيـة، وأنـجـب مـنـهـا أحـد عـشـر ولـداً وبـنـتـاً.  وقـد بـدأ ابـنـه جـوزيـف مـاتـيـا في1861ـ 1862 بـكـتـابـة دفـاتـر يـومـيـات، واسـتـمـر في كـتـابـتـهـا إلى 1908. وقـد سـجّـل فـيـهـا حـيـاتـه الـيّـومـيـة وحـيـاة أقـربـائـه، وكـلّ سـفـراتـه عـلى سـفـن بـيـت لـنـج الـبـخـاريـة الّـتي كـان يـعـمـل عـلـيـهـا كـمـا سـجّـل الأحـداث الّـتي جـرت في تـلـك الـفـتـرة. وقـد كـتـبـهـا كـلّـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة  … كـمـا كـتـب إسـكـنـدر ريـشـارد، إبـن جـوزيـف مـاتـيـا، دفـاتـر يـومـيـات مـدّة سـنـوات طـويـلـة  …

 

رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

عربستان

وصـل الأمـريـكي ولـيـام بـيـري فـوغ  عـلى مـتـن سـفـيـنـة بـخـاريـة إلى الـبـصـرة عـن طـريـق الـمـحـمـرة عـام 1874. ثـمّ صـعـد إلى بـغـداد وإلى الـمـوصـل لـيـزور نـيـنـوى  ويـتـأمّـل آثـارهـا. وقـام بـرحـلـة إلى مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة، ومـرّ بـكـربـلاء ووصـف مـعـالـمـهـا. ونـشر سرد رحـلـتـه إلى الـشـرق عـام 1875 في لـنـدن تـحـت عـنـوان : ”عـربـسـتـان أو “بـلاد ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” وهي رحـلات عـبـر مـصـر وجـزيـرة الـعـرب وبـلاد الـفـرس نـحـو بـغـداد”. ويـحـتـوي الـكـتـاب عـلى مـجـمـوعـة رائـعـة مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة عـن الـعـراق.

 

رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

ج. ديولافوا 8

سـافـرت الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا مـع زوجـهـا في الـعـراق لـمـدة أقـلّ مـن شـهـريـن. وصـلا إلى شـطّ الـعـرب في 21 تـشـريـن الـثّـاني 1881، وبـقـيـا في الـبـصـرة حـوالي أسـبـوعـيـن، ثـمّ صـعـدا إلى بـغـداد، وذهـبـا لـزيـارة بـابـل وأكـمـلا طـريـقـهـمـا إلى كـربـلاء. ونـزلا عـن طـريـق الـعـمـارة، ومـرّا بـأطـراف الأهـوار قـبـل أن يـسـتـمـرّا عـائـديـن إلى بـلاد فـارس … ونـشـرت ديـولافـوا عـام 1887 سـرد الـرحّـلـة في كـتـاب : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش”، الّـذي يـحـتـوي عـلى 336 عـمـلاً طـبـاعـيـاً نـفّـذت عـن صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلّـفـة. وهي أعـمـال شـديـدة الـدّقـة، رائـعـة الـجـمـال …

 

أربـع عـشـرة طـلـقـة في مـسـدس جـان !

أربع عشرة طلقة ...

سـافـرت الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا  مـع زوجـهـا في الـعـراق مـن أواخـر عـام 1881 إلى بـدايـة عـام 1882. وهي تـذكـر أنّـهـمـا في إحـدى سـفـراتـهـمـا أنـزلا أمـتـعـتـهـمـا عـلى ضـفـة الـنّـهـر وبـقـيـت تـحـرسـهـا لـوحـدهـا : ”عـنـدمـا جـاء ثـمـانـيـة مـن الأعـراب الـرُّحّـل عـلى الـضّـفـة الـخـالـيـة … “.

 

رسـوم أرثـر مـيـلـفـيـل لـبـغـداد في الـقـرن الـتّـاسـع عـشر

melville IV

وصـل الـرّسّـام الاسـكـتـلـنـدي أرثـر مـيـلـفـيـل إلى بـغـداد عـام 1882 وبـقي فـيـهـا شـهـراً رسـم خـلالـه لـوحـة بـالألـوان الـمـائـيـة كـلّ يـوم تـقـريـبـاً عـن مـعـالـم الـمـديـنـة الـمـعـمـاريـة ومـشـاهـد الـحـيـاة الـيـومـيـة فـيـهـا وعـن نـاسـهـا. ومـازالـت بـعـض هـذه الـرّسـوم في الـمـتـاحـف أو في مـجـمـوعـات خـاصـة …

 

الـكـاتـبـة الـفـرنـسـيـة جـان كـيـفـيـر، زوجـة سـلـيـمـان بـك غـزالـة

غزالة 7

بـعـد أن أنـهى عـبـد الأحـد سـلـيـمـان غـزالـة دراسـة الـطّـبّ في بـاريـس، عـيّـن عـام 1887 طـبـيـب صـحّـة في ولايـة بـغـداد. وقـد غـادر بـغـداد بـعـد ذلـك إلى الاسـتـانـة، وشـرع في مـمـارسـة الـطّـب فـيـهـا، ثـمّ عـيّـن في سـيـنـاء والأنـاضـول وحـلـب. ويـبـدو أنّـه سـافـر إلى بـاريـس مـن جـديـد في تـلـك الـفـتـرة. لـيـخـتـصّ في طـبّ الـعـيـون، ونـال اخـتـصـاصـه عـام 1890. وعـيّـن عـام 1895 مـفـتـشـاً صـحـيّـاً في لـيـبـيـا. وفي عـام 1897، سـافـر عـبـد الأحـد سـلـيـمـان غـزالـة مـن جـديـد  إلى بـاريـس وتـزوّج بـفـرنـسـيـة اسـمـهـا جـان كـيـفـيـر Jeanne Kieffer، وعـاد بـهـا إلى الاسـتـانـة. وكـانـت جـان كـيـفـيـر قـد بـدأت نـشـاطـاً أدبـيـاً دام طـيـلـة حـيـاتـهـا نـشـرت خـلالـه أكـثـر مـن 35 كـتـابـاً مـنـهـا قـصـص وروايـات وشـعـر، ومـنـهـا كـتـب تـاريـخ، ومـنـهـا أحـداث شـهـدتـهـا وروتـهـا. وكـلّـهـا بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة. نـشـرتـهـا بـاسـمـهـا، أو باسـم مـسـتـعـار : غي دافـلـيـن  …

 

صـور الـمـوصـل في ألـبـومـات الآبـاء الـدومـنـيـكـان

Dominicains 7

يـبـدو أنّ أحـد أصـحـاب الـقـديـس دومـنـيـك، مـؤسـس “الـجـمـاعـة الـدّيـنـيـة الـدّومـنـيـكـيـة”، وكـان اسـمـه غـلـيـوم دو مـونـفـيـرا قـد وصـل إلى بـغـداد عـام 1235، وتـوصّـل إلى الـدّخـول في بـلاط الـخـلـيـفـة الـمـسـتـنـصـر بـالله. وفي عـام 1290، وصـل الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي  إلى الـمـوصـل ثـمّ إلى بـغـداد، واتّـصـل بـالـدّومـنـيـكـان الّـذيـن كـانـوا قـد اسـتـقـروا فـيـهـا. وقـد اسـتـطـاع الـدّخـول في الـمـدرسـتـيـن الـنّـظـامـيـة والـمـسـتـنـصـريـة والـدّراسـة فـيـهـمـا. وفي بـغـداد شـرع في تـرجـمـة الـقـرآن إلى الـلاتـيـنـيـة. وفي عـام 1535، وقّـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني سـلـيـمـان الـقـانـوني مـع مـلـك فـرنـسـا فـرنـسـوا الأوّل مـعـاهـدة تـخـوّل لـفـرنـسـا، ضـمـن “الإمـتـيـازات” الّـتي مـنـحـتـهـا الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـلـدّول الأوربـيـة، بـعـث إرسـالـيـات ديـنـيـة إلى أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـمـارسـة نـشـاطـاتـهـا فـيـهـا، أي فـتـح مـراكـز تـبـشـيـريـة كـاثـولـيـكـيـة فـيـهـا. وبـدأت الإرسـالـيـة الـدّومـنـيـكـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن والّـتي كـان مـركـزهـا الـمـوصـل نـشـاطـاتـهـا رسـمـيـاً عـام 1750 …

 

فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

أندريه مدخل قرية عانة (613x800)

إخـتـار عـالـم الآثـار الألـمـاني روبـرت كـولـدفـيـه مـعـمـاريـاً شـابـاً اسـمـه فـالـتـر أنـدريـه لـيـسـاعـده في تـنـقـيـبـاتـه الأثـريـة في بـابـل والّـتي بـدأت في آذار 1899. وتـعـلّـم فـالـتـر أنـدريـه مـن كـولـدفـيـه طـريـقـة رسـم الآثـار والـقـطـع الأثـريـة. وفي عـام 1904 أرسـل روبـرت كـولـدفـيـه مـسـاعـده فـالـتـر أنـدريـه لـيـنـقّـب في قـلـعـة الـشّـرقـاط، مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة. وقـد اسـتـمـرت تـنـقـيـبـات فـالـتـر أنـدريـه فـيـهـا إلى عـام 1914. وقـد سـجّـل فـالـتـر أنـدريـه خـلال كـلّ إقـامـتـه في الـعـراق مـا كـان يـراه حـولـه بـتـخـطـيـطـات وبـرسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة رائـعـة الـجـمـال …

 

كـيـف شـيّـد فـالـتـر أنـدريـه بـوابـة عـشـتـار في مـتـحـف بـرلـيـن

أندريه بوابة عشتار برلين 2

مـا زال زوّار مـتـحـف بـرلـيـن يـتـأمـلـون بـذهـول الـبـوابـة الـمـتـلامـعـة الـزّرقـة بـثـيـرانـهـا وتـنـيـنـاتـهـا. ويـعـتـقـد كـثـيـر مـنـهـم أنّ الـمـنـقـبـيـن خـلـعـوا الـبـوابـة مـن بـابـل ونـصـبـوهـا في بـرلـيـن ! ولـكـن كـيـف اسـتـطـاع الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه تـجـمـيـع كـسـر الـطّـابـوق الـمـزجـج الألـوان الّـذي وجـده مـحـطّـمـاً مـتـنـاثـراً لـيـعـيـد تـشـكـيـل صـور الـثّـيـران والـحـيـوانـات الـخـرافـيـة (الـتّـنـيـنـات) الّـتي كـانـت تـغـطي جـدران بـوابـة عـشـتـار والأسـود الـمـتـتـابـعـة عـلى جـانـبي درب الـمـسـيـرات ؟ والّـذي تـطـلّـب سـنـوات طـويـلـة مـن الـعـمـل الـمـسـتـمـرّ …

 

“إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” والـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة

أندريه إسماعين إبن جاسم 1908 (800x500)

إلـتـقى فـالـتـر أنـدريـه في بـابـل بـاسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم عـنـدمـا نـقّـب مـع روبـرت كـولـدفـيـه في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وعـنـدمـا ذهـب فـالـتـر أنـدريـه لـيـنـقّـب في قـلـعـة الـشّـرقـاط، تـبـعـه إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم، واشـتـغـل كـرئـيـس عـمّـال في تـنـقـيـبـاتـه. وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـام 1914 تـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات، وتـرك فـالـتـر أنـدريـه الـعـراق عـائـداً إلى ألـمـانـيـا، ورجـع إسـمـاعـيـن إلى أهـلـه في الـحـلّـة. ولـكـنّ فـالـتـر أنـدريـه عـاد إلى الـعـراق عـام 1915 كـضـابـط في الـجـيـش الألـمـاني (الّـذي كـان يـقـاتـل بـجـانـب الـجـيـش الـعـثـمـاني)، فـأسـرع إسـمـاعـيـن لـلـقـائـه وتـبـعـه كـمـا يـتـبـعـه ظـلّـه حـتّى عـام 1918 مـعـرضـاً نـفـسـه لـكـلّ مـخـاطـر سـنـوات الـحـرب …

 

مـن نـيـويـورك إلى بـغـداد عـام 1914

img257 (558x800)

نـشـرت مـجـلّـة الـنّـاشـيـونـال جـيـوغـرافـيـك الأمـريـكـيـة في عـددهـا الـصّـادر في شـهـر كـانـون الأوّل 1914، مـقـالـيـن عـن الـعـراق، عـنـوان الأوّل مـنـهـمـا : “الـمـكـان الّذي عـاش فـيـه آدم وحـواء”، الّـذي كـتـبـه فـردريـك سِـمـبِـك وشـاركـت فـيـه زوجـتـه مـرغـريـت. وقـد غـادرا نـيـويـورك في نـهـايـة عـام 1913 وأقـامـا في الـعـراق سـنـة، وتـكـلّـمـا في الـمـقـال عـن بـغـداد خـاصّـة، وزارت مـرغـريـت “حـريـم” رجـل غـنّي … وأهـمّ مـا في الـمـقـال الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي تـصـاحـبـه. وقـد الـتـقـط فـردريـك سِـمـبِـك بـنـفـسـه عـدداً مـنـهـا بـيـنـمـا أخـذ غـالـبـيـهـا مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood.

 

صـور قـديـمـة لـبـغـداد في كـتـاب حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة

حبيب شيحة

نـشـر الـسّـوري حـبـيـب شـيـحـة، في الـقـاهـرة عـام 1908، كـتـابـاً بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة عـن “ولايـة بـغـداد”، خـصـص قـسـمـه الأوّل لـتـاريـخ بـغـداد، والـثّـاني لـولايـة بـغـداد “الـحـالـيـة” أي في زمـنـه. ويـحـتـوي الـكـتـاب عـلى 12 صورة فـوتـوغـرافـيـة، واحـدة مـنـهـا عـن “مـقـهى قـرب بـغـداد”. ونـلاحـظ عـلى يـمـيـن هـذه الـصّـورة جـدار الـمـقـهى الـمـغـطى بـالـرّسـوم (بـطـل الـمـشـهـد رجـل مـلـتـحي يـمـسـك بـقـرن حـيـوان خـرافي (عـفـريـت) وعـلى يـمـيـنـه أسـد) …

 

دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917

Entering-Baghdad

تـقـدمـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في 1914، قـبـل أن تـبـدأ الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، واحـتـلّـت الـبـصـرة وضـفـاف دجـلـة والـفـرات، لـحـمـايـة مـصـالـح شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة ــ الـفـارسـيـة. وفي 1915، تـوجّـه تـشـارلـز تـاونـزنـد بـقـواتـه نـحـو الـكـوت، ولـكـنّ الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة هـزمـتـهـم. وعـيّـن الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود عـام 1916 عـلى رأس الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق. واسـتـلـم في شـهـر كـانـون الأوّل 1917 أمـراً بـالـمـسـيـر نـحـو بـغـداد. ودخـل الـجـنـرال مـود وجـنـوده بـغـداد في 11 آذار …

 

دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

دار الجنرال مود

دخـل الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود بـغـداد عـلى رأس قـوّاتـه الـبـريـطـانـيـة في 11 ذار 1917، ومـات فـيـهـا في 18 تـشـريـن الـثّـاني مـن نـفـس الـعـام. وتـذكـر أغـلـب الـمـصـادر الّـتي لـديـنـا عـنـه أنّـه سـكـن في دار بـغـداديـة خـلال هـذه الأشـهـر. وهي الّـتي مـات فـيـهـا. وتـذكـر أيـضـاً أنّـهـا نـفـس الـدّار الّـتي كـان قـد مـات فـيـهـا الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـس تـسـعـة عـشـر شـهـراً قـبـل ذلـك. وديـر غـولـتـس هـو الّـذي هـزم الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـكـوت عـنـدمـا كـان يـقـود الـجـيـش الـعـثـمـاني …

 

صـور مـحـطـة قـطـار بـغـداد 1917

محطة قطار بغداد

فـكّـر الألـمـان مـنـذ سـبـعـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر بـمـدّ خـطّ سـكـك حـديـديـة بـيـن بـرلـيـن وأراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـكي تـتـوصـل ألـمـانـيـا إلى الـتّـغـلـغـل في مـنـاطـق الـشّـرق. ولـكـنّ الـمـفـاوضـات لـفـتـح خـطّ بـرلـيـن ــ بـغـداد، اسـتـغـرقـت زمـنـاً طـويـلاً. ولـم يـشـرع الألـمـان في الـعـمـل عـلى خـط الـسّــكّـة الـحـديـديـة الـعـريـض مـن بـغـداد بـاتـجـاه الـشّـمـال إلّا عـام 1912، بـعـد وضـع الـحـجـر الأسـاس في مـحـطـة بـغـداد في جـانـب الـكـرخ. ولـم يـكـن الـخـطّ قـد تـجـاوز بـغـداد ــ سـامـراء عـنـدمـا وصـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة أمـام أسـوار بـغـداد في آذار 1917 …

 

مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم في بـغـداد

باب الطلسم 1914

وصـلـتـنـا رسـوم وصـور فـوتـوغـرافـيـة لـبـاب الـحـلـبـة في بـغـداد ولـلـمـنـحـوتـات الّـتي كـانـت تـحـيـط بـه والّـتي تـأمّـلـهـا الـبـغـداديـون قـرونـاً طـويـلـة قـبـل تـدمـيـره في 11 آذار 1917. وكـانـت الـعـامـة تـسـمـيـه “بـاب الـطّـلـسـم” لـغـمـوض مـعـاني مـنـحـوتـاتـه الّـتي كـان يـصـعـب عـلـيـهـم إدراك مـغـزاهـا بـعـد أن أنـسـاهـم إيـاهـا مـرور الـقـرون. وعـنـدمـا نـتـأمّـل نـحـن، في زمـانـنـا هـذا، الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـت لـهـذه الـمـنـحـوتـات والـرّسـوم الّـتي خـطـطـت لـهـا، نـحـسّ بـهـذا الـغـمـوض الّـذي كـان يـحـيـط بـهـا. وتـدفـعـنـا الـرّغـبـة في إدراك مـغـزاهـا ومـعـانـيـهـا إلى مـحـاولـة تـحـلـيـلـهـا ومـقـارنـتـهـا بـمـا وصـلـنـا مـن مـنـحـوتـات أخـرى عـلّـنـا نـتـوصـل إلى تـحـسـيـن مـعـرفـتـنـا بـهـا، وبـجـزء مـن تـراثـنـا الّـذي ضـاع مـنّـا بـضـيـاعـهـا …

 

الـعـراق في صـور وكـالـة رول Rol

فيصل في فرساي 3

أنـشـأ الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي الـفـرنـسي مـارسـيـل رول في بـاريـس عـام 1904 “وكـالـة تـصـويـر فـوتـوغـرافي لـلأنـبـاء”  أسـمـاهـا : “مـارسـيـل رول وشـركـاؤه”. وكـانـت تـبـعـث مـصـوريـهـا في أنـحـاء الـعـالـم لالـتـقـاط صـور لأهـمّ الأحـداث الّـتي تـجـري فـيـه، وتـبـيـعـهـا بـعـد ذلـك إلى الـجـرائـد والـمـجـلّات الّـتي تـحـتـاجـهـا. وقـد وجـدت في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق مـن هـذه الأرشـيـفـات صـوراً كـثـيـرة  بـالأسـود والأبـيـض حـاولـت تـصـنـيـفـهـا حـسـب الأمـاكـن الّـتي الـتـقـطـت فـيـهـا أو حـسـب مـواضـيـعـهـا أو حـسـب الـسّـنـوات الّـتي الـتـقـطـت بـهـا …

 

مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد

مكنزي

وصـل الإسـكـتـلـنـدي كـيـنـيـث مـكـنـزي إلى بـغـداد بـعـد نـهـايـة الـحـرب عـام 1918. ويـبـدو أنّ هـمـفـري بـومـان الّـذي كـان مـديـراً لـلـمـعـارف في بـغـداد مـن 1918 إلى 1920 هـو الّـذي اقـتـرح عـلـيـه أن يـأتي إلى بـغـداد لـفـتـح مـكـتـبـة فـيـهـا عـنـدمـا الـتـقى بـه في لـنـدن. وقـد فـتـح مـكـنـزي أوّلاً، مـكـتـبـة “حـكـومـيـة” في بـنـايـة الـسّـراي. وبـعـد تـأسـيـس الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة عـام 1921، حـصـل كـيـنـيـث مـكـنـزي عـلى احـتـكـار مـن وزارة الـمـعـارف لاسـتـيـراد الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة لـلـمـدارس الـعـراقـيـة. وبـعـد أن انـتـهى عـقـده مـع الـحـكـومـة اشـتـرى مـكـنـزي الـمـكـتـبـة مـنـهـا وحـوّلـهـا إلى  “MacKenzie & MacKenzie bookshop” …

 

رسـوم دونـالـد مـاكـسـويـل ولـوحـاتـه عـن الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن

دونالد ماكسويل

شـارك الـرّسّـام الـبـريـطـاني دونـالـد مـاكـسـويـل في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى كـضـابـط في الـبـحـريـة الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة، ثـمّ كـرسّـام رسـمي . ورسـم خـلال تـلـك الـفـتـرة سـفـن الـبـحـريـة الـبـريـطـانـيـة وعـمـلـيـاتـهـا الـحـربـيـة. وقـد بـعـثـه الـمـتـحـف الـحـربي عـام 1919 إلى الـعـراق لـيـنـفـذ رسـومـاً ولـوحـات عـن الـسّـفـن الـحـربـيـة وعـن الـمـلاحـة في دجـلـة والـفـرات. وقـد نـشـر دونـالـد مـاكـسـويـل في لـنـدن عـام 1921 كـتـابـاً يـسـرد فـيـه رحـلـتـه. وصـاحـب نـصّـه بـعـدد كـبـيـر مـن الإسـكـتـشـات بـعـدّة ألـوان أو بـلـون واحـد، وبـعـدد مـن الـتـخـطـيـطـات …

 

بـغـداد 1919

بغداد 19

حـصـلـت مـكـتـبـة جـامـعـة كـالـيـفـورنـيـا في لـوس أنـجـلـس عـلى ألـبـوم صـور يـعـود تـاريـخـه إلى 1919. ويـحـتـوي عـلى حـوالي 185 صـورة فـوتـوغـرافـيـة و 25 بـطـاقـة بـريـديـة عـلـيـهـا تـعـلـيـقـات بـخـطّ  الـيّـد. ويـبـدو أنّـه كـان يـعـود إلى ضـابـط بـريـطـاني الـتـقـط الـصّـور خـاصّـة في بـغـداد والـبـصـرة، ولـكـن أيـضـاً في سـلـمـان بـاك وبـابـل والـنّـجـف والـكـوفـة … وتـصـوّر مـشـاهـد مـتـنـوّعـة مـثـل حـيـاة الـعـراقـيـيـن الـيـومـيـة والـمـقـاهي وقـوارب وقـفـف دجـلـة والـجـسـور وضـبـاط الـجـيـش الـبـريـطـاني والـجـوامـع والـكـنـائـس وجـني الـتّـمـر مـن عـلى الـنّـخـيـل …

 

أوغـسـطـس إدويـن جـون يـرسـم صـورة الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن

5063900310_8635a394f4_o

كـان الـفـنّـان أوغـسـطـس إدويـن جـون قـد أجّـر مـرسـمـاً في بـاريـس عـام 1919 عـنـدمـا جـاء إلـيـهـا الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن لـيـنـوب عـن أبـيـه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة في مـؤتـمـر الـصّـلـح. وقـد طـلـب مـنـه إدويـن جـون أن يـجـلـس أمـامـه لـيـرسـمـه. ووافـق الأمـيـر فـيـصـل (الّـذي أصـبـح بـعـد ذلـك مـلـكـاً عـلى سـوريـا، ثـمّ مـلـكـاً عـلى الـعـراق تـحـت اسـم فـيـصـل الأوّل). وكـان الـكـولـونـيـل لـورنـس بـصـحـبـة الأمـيـر فـيـصـل. والـحـقـيـقـة أنّ أدويـن جـون رسـم لـوحـتـيـن لـفـيـصـل مـا زالـت الأولى مـنـهـمـا في مـتـحـف أشـمـولـيـان في جـامـعـة أكـسـفـورد، والـثّـانـيـة في مـتـحـف بـرمـنـغـهـام …

 

فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

فيصل وجرترود

إلـتـقـت الـبـريـطـانـيـة جـرتـرود بـيـل بـالأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن في بـاريـس عـام 1919. ويـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـن خـلال الـرّسـائـل الّـتي كـتـبـتـهـا الـمـس بـيـل لأبـيـهـا ولـزوجـة أبـيـهـا، ومـن الـنّـصـوص الأخـري الّـتي تـركـتـهـا، عـلاقـات الـصّـداقـة والـثّـقـة الـمـتـبـادلـة الّـتي ربـطـت بـيـنـهـا وبـيـن الأمـيـر فـيـصـل مـنـذ هـذا الـلـقـاء، ودورهـا في اخـتـيـاره لـعـرش الـعـراق وتـتـويـجـه مـلـكـاً عـلـيـه في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب عـام 1921 تـحـت اسـم “فـيـصـل الأوّل” …

 

فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الـثّـاني

Sargent, John Singer, 1856-1925; Gertrude Bell

قـبـل أن يـنـتـهي الأسـبـوع الأوّل الّـذي تـلا تـتـويـجـه في آب عـام 1921، دعـا الـمـلـك فـيـصـل الـمـس جـرتـرود بـيـل لـيـسـتـشـيـرهـا في تـصـمـيـم الـعـلـم الـجـديـد وفي شـعـار الـمـمـلـكـة. وكـانـت جـرتـرود قـد أعـدّت لـلأمـيـر فـيـصـل سـكـنـاً في جـانـب مـن الـسّـراي وبـدأت بـإعـداد دار لـلـمـلـك تـطـلّ عـلى نـهـر دجـلـة. وكـانـت عـائـلـة الـمـلـك فـيـصـل قـد بـقـيـت في مـكّـة. وشـرع فـيـصـل في عـام 1924، بـجـلـب أفـراد عـائـلـتـه إلى بـغـداد. فـأتى بـشـقـيـقـه الأصـغـر زيـد، ثـمّ أتى بـعـد ذلـك بـابـنـه الـوحـيـد غـازي الّـذي كـان في الـثّـانـيـة عـشـرة مـن عـمـره …

 

عـنـدمـا كـانـت سـيّـارات نـيـرن تـنـقـل الـمـسـافـريـن عـبـر الـبـاديـة

Nairn XII

قـاتـل الأخـوان نـورمـان وجـيـرالـد نـيـرن في صـفـوف الـقـوات الـنـيـوزيـلـنـديـة في الـجـيـش الـبـريـطـاني خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى. وشـاركـا في مـعـارك الـشّـرق الأدنى، ثـمّ بـقـيـا في الـمـنـطـقـة بـعـد انـتـهـاء الـحـرب. وفي 1919 فـتـحـا مـحـلّاً في بـيـروت لـبـيـع سـيّـارات مـن مـخـلّـفـات الـحـرب. ثـمّ اسـتـعـمـلا، في 1920، الـسّـيّـارات الّـتي لـم يـسـتـطـيـعـا بـيـعـهـا لـنـقـل الـمـسـافـريـن بـيـن بـيـروت وحـيـفـا، وكـذلـك لـنـقـل الـبـريـد. وقـامـا بـعـدّة رحـلات عـبـر الـبـاديـة بـيـن بـغـداد ودمـشـق وتـوصـلا إلى اخـتـيـار الـطّـريـق والـسّـيّـارات الـقـادرة عـلى سـلـكـهـا لـنـقـل الـبـريـد. وبـعـد أن حـالـفـهـمـا الـنّـجـاح، وسّـعـا إعـمـال شـركـتـهـمـا لـتـضـمّ نـقـل الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع …

 

حـمّـودي والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

Hammodi 3

عـنـدمـا نـقـرأ عـن الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة لا نـجـد غـالـبـاً إلّا أسـمـاء عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أشـرفـوا عـلـيـهـا وأحـيـانـاً أسـمـاء بـعـض مـن سـاعـدوهـم فـيـهـا. ولا نـجـد إلّا نـادراً أسـمـاء الـعـمّـال الّـذيـن حـفـروا وأزاحـوا الـتّـراب عـن الـمـواقـع الأثـريـة ووجـدوا الـقـطـع الـقـيّـمـة الّـتي كـانـت تـرقـد فـيـهـا. ومـن أشـهـر هـؤلاء ولا شـكّ الـشّـيـخ حـمّـودي. وقـد اشـتـغـل حـمّـودي، وهـو مـحـمّـد بـن الـشّـيـخ إبـراهـيـم، كـرئـيـس عـمّـال خـاصّـة مـع لـيـونـارد وولي ومـاكـس مـالـوان. وكـان مـالـوان زوج الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة الـشّـهـيـرة أجـاثـا كـريـسـتي، الّـتي ذكـرت حـمّـودي عـدّة مـرّات في كـتـابـهـا: “تـعـال أخـبـرني كـيـف تـعـيـش” …

 

الـمـعـمـاري ج. م. ولـسـن في الـعـراق

المعماري ولسن

بـعـد أن شـارك الـمـعـمـاري الإسـكـتـلـنـدي جـيـمـس مـولـيـسـون ولـسـن في تـشـيـيـد عـاصـمـة جـديـدة في الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة : نـيـو دلـهي، أي دلـهي الـجـديـدة، جـنّـد في جـيـش الـهـنـد عـام 1915، وخـدم في كـتـيـبـة خـيّـالـة الـبـنـجـاب، وتـرقّى إلى رتـبـة مـيـجـر. وبـعـد انـتـهـاء الـحـرب، عـيّـن عـام 1920 مـديـراً لـلأشـغـال الـمـدنـيـة في بـغـداد، وكـان في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره. ثـمّ مـديـراً لـلأشـغـال الـعـمـومـيـة. وصـمـم عـام 1921 مـسـتـشـفى مـود الـتّـذكـاري في الـبـصـرة، و“الـبـلاط الـمـلـكي” في الـكـسـرة عـام 1923، ثـمّ جـامـعـة آل الـبـيـت في بـغـداد، و مـكـاتـب مـيـنـاء الـبـصـرة، ومـيـنـاء الـبـصـرة الـجـوّي أي مـطـار الـبـصـرة. ولـكـن أهـمّ إنـجـازاتـه كـانـت ولا شـكّ “مـحـطّـة قـطـار بـغـداد الـعـالـمـيـة” الّـتي صـمـمـهـا عـام  1947 …

 

عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب وتـشـكـيـل الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة عـام 1921

عبد الرحمن النقيب

عـهـدت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة لـجـرتـرود بـيـل، سـكـرتـيـرة الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في بـغـداد بـتـنـفـيـذ اسـتـفـتـاء حـول مـشـروع إنـشـاء دولـة مـوحّـدة لـلـولايـات الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، يـكـون لـهـا اسـتـقـلالـهـا الـذّاتي ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني. ولـتـكـمـل الإسـتـفـتـاء، قـررت الـمـس بـيـل أن تـبـادر إلى الإلـتـقـاء بـوجـهـاء الـعـراق ورجـالـه الـمـهـمّـيـن لـتـسـتـشـيـرهـم في الأمـر. وقـد سـجّـلـت جـرتـرود بـيـل في الـمـلـحـق الّـذي أرسـلـتـه إلى مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس نـصّ لـقـاءهـا بـالـسّـيّـد عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي الـكـيـلاني، نـقـيـب أشـراف بـغـداد في 6 شـبـاط 1920 …

 

إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

المدرسة الأمريكية

قـبـلـت الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت  Ida Staudt مـع زوجـهـا عـام 1924 مـهـمّـة فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد The Americain School for Boys، وكـانـت في الـتّـاسـعـة والأربـعـيـن مـن عـمـرهـا. وأقـامـت مـع زوجـهـا في بـغـدادالّـتي أحـبّـتـهـا كـثـيـراً إلى عـام 1947، وهـو مـا تـرويـه في كـتـابـهـا :

Living in Romantic Baghdad: An American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924-1947

 

ألـبـوم صـور نـشـرتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925

Hasso Brs 6

نـشـرت شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925 ألـبـوم صـور بـعـنـوان : Camera Studies in Iraq. وقـد ذُكـر فـيـه أنّ الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي  أ. كـريـم A. Kerim كـان قـد الـتـقـط الـصّـور في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي. والـمـقـصـود بـه عـبـد الـكـريـم إبـراهـيـم يـوسـف تـبـوني الّـذي كـان مـسـيـحـيـاً كـلـدانـيـا مـن الـبـصـرة، سـافـر إلى الـهـنـد في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر ودرس في بـومـبـاي. وقـد اشـتـرى هـنـاك آلـة تـصـويـر عـاد بـهـا إلى الـبـصـرة وفـتـح اسـتـوديـو تـصـويـر فـيـهـا …  ويـحـتـوي الألـبـوم  عـلى 73 صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـلـون بـنّي، طـبـعـت 35 صـورة مـنـهـا كـلّ واحـدة عـلى صـفـحـة كـامـلـة، والـبـاقـيـة صـورتـيـن أو أربـعـة في كـلّ صـفـحـة …

 

مـحـلّات أوروزدي بـاك في بـغـداد

أورزدي باك 2

إغـتـنـت عـائـلـة بـاخ الـيـهـوديـة مـن الـتّـجـارة في الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ـ الـمـجـريـة، ثـمّ تـشـاركـت مـع عـائـلـة يـهـوديـة أخـرى مـن أصـل نـمـسـاوي مـجـري : أوروزدي. واتّـفـق ولـدا أوروزدي مـع ابـنَي مـوريـس بـاخ عـلى تـسـمـيـة شـركـتـهـم : “أوروزدي ــ بـاخ”. وقـد فـتـح الـشّـركـاء الأربـعـة في بـاريـس عـام 1888 الـمـكـتـب الـرّئـيـسي لـشـركـتـهـم الـتّـجـاريـة بـعـد أن غـيّـروا كـتـابـة اسـم بـاخ Bach الألـمـاني (الّـذي يـلـفـظ  “بـاك” بـالـفـرنـسـيـة ) إلى Back، وأصـبـح اسـم الـشّـركـة : Orosdi- Back  … وقـد افـتـتـح مـحـل كـبـيـر لأوروزدي بـاك في بـغـداد في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، ثـمّ آخـر في الـبـصـرة  …

 

عـنـدمـا كـانـت الـرّطـبـة حـصـنـاً في وسـط الـصّـحـراء

الرطبة

حـفـرت آبـار في وسـط الـصّـحـراء الـعـراقـيـة ــ الـسّـوريـة، كـان يـسـتـقي مـنـهـا الـبـدو الـرّحـل، تـحـيـطـهـا تـلال في وسـطـهـا وادٍ جـاف. ودعـيـت الآبـار بـالـرّطـبـة، ثـمّ تـحـوّل الإسـم إلى “الـرُّطـبـة”. وصـارت طـرق الـقـوافـل تـمـرّ بـهـا وتـتـقـاطـع عـنـدهـا. وأنـشـأ الـبـريـطـانـيـون فـيـهـا قـاعـدة جـوّيـة ومـطـاراً عـسـكـريـاً فـيـه مـحـطـة إذاعـة لـلـمـراسـلات الـعـسـكـريـة. كـمـا كـانـت طـائـرات الـخـطـوط الـجـوّيـة لـلإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة تـتـوقّـف فـيـهـا في طـريـقـهـا إلى الـهـنـد. وفي عـام 1927 شـيّـدوا فـيـهـا حـصـنـاً : بـنـايـة مـربـعـة واسـعـة لـيـس لـجـدرانـهـا نـوافـذ تـنـفـتـح عـلى الـخـارج. في زوايـهـا الأربـع أربـعـة أبـراج. وألـصـق بـأحـد أضـلاعـهـا بـنـاء مـثـلـث زاويـتـه الـمـدبـبـة مـوجـهـة نـحـو الـخـارج لـيـقـاوم ريـاح الـفـيـفـاء ورمـالـهـا …

 

بـدايـة اهـتـمـام الـعـراقـيـيـن بـآثـارهـم الـقـديـمـة

بداية اهتمام العراقيين بآثارهم

أنـشـأ الـجـيـش الـبـريـطـاني في 1918 وظـيـفـة لآثـاري يـلـحـق بـه، مـهـمـتـه مـراقـبـة آثـار الـبـلـد وحـمـايـتـهـا، وكـذلـك الإشــراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات فـيـه. وقـد اسـتـولـت سـكـرتـيـرة الـشـؤون الـشّـرقـيـة الـمـس جـيـرتـرود بـيـل عـلى إدارة الآثـار. وشـرعـت بـكـتـابـة مـسـودة لـنـصّ قـانـوني لـتـنـظـيـم الـتّـنـقـيـبـات أرادت إصـداره. وقـد تـبـنّـت الـمـس بـيـل مـنـذ عـام 1923 مـشـروع تـأسـيـس مـتـحـف وطـني عـراقي لـحـفـظ الـمـجـمـوعـات الأثـريـة الّـتي تـراكـمـت عـامـاً بـعـد عـام في قـاعـات الـسّـراي الـقـديـمـة. وفـتـح الـمـتـحـف أبـوابـه لـلـزوّار في حـزيـران 1926. وفي عـام 1936،صـدر قـانـون آثـار جـديـد يـنـصّ عـلى أن يـحـتـفـظ الـعـراق بـكـلّ الـقـطـع الأثـريـة الّـتي لـم يـعـثـر مـنـهـا إلّا عـلى نـسـخـة واحـدة، أمّـا إذا كـانـت مـتـعـددة الـنّـسـخ فـيـتـقـاسـمـهـا مـع الـمـنـقـبـيـن …

 

تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

تمثال جرترود

تـبـنّـت الـمـس جـرتـرود بـيـل مـنـذ عـام 1923 مـشـروع تـأسـيـس مـتـحـف وطـني عـراقي لـحـفـظ الـمـجـمـوعـات الأثـريـة الّـتي تـراكـمـت عـامـاً بـعـد عـام في قـاعـات الـسّـراي الـقـديـمـة. وشُـيّـدت لـه بـنـايـة في مـنـطـقـة “عـلاوي الـحـلّـة”. وفـتـح الـمـتـحـف أبـوابـه لـلـزوّار في حـزيـران 1926. وتـوفـيـت (الـخـاتـون)، كـمـا كـان الـبـغـداديـون يـسـمـون الـمـس جـرتـرود بـيـل، في بـغـداد عـام 1926. وقـد نـصـبـت في ذكـراهـا، في مـدخـل الـمـتـحـف الـعـراقي،  لـوحـة مـن الـبـرونـز فـوقـهـا تـمـثـال لـهـا. وعـلى الـلـوحـة نـصّ بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في نـصـفـهـا الأيـسـر، وتـرجـمـتـه إلى الـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصـف الأيـمـن، أزاح الـمـلـك فـيـصـل الأوّل الـسّـتـارة عـنـه …

 

حـرامي بـغـداد

حرامي بغداد 1924 (2)

مـن بـيـن الأفـلام الّـتي أخـرجـت عـن حـرامي بـغـداد نـجـد أربـعـة أ لـهـا نـفـس الـعـنـوان : The Thief of Baghdad، أخـرجـت في سـنـوات 1924 و 1940 و 1961 و 1978، مـا عـدا الـفِـلـم الألـمـاني الّـذي أخـرج في 1952 كـصـيـغـة مـحـلـيـة لـفِـلـم 1940، والـفِـلـم الـهـنـدي الّـذي أخـرج في  1977… وكـلّ هـذه الأفـلام سـاذجـة الـمـحـتـوى بـسـيـطـة الـعـرض، هـدفـهـا تـسـلـيـة الـمـشـاهـد ونـقـلـه إلى أجـواء غـريـبـة عـجـيـبـة، لا عـمـق فـيـهـا ولا ابـتـكـار رغـم الـنّـجـاح الـسّـاحـق الّـذي لاقـتـه …

 

شـارع الـرّشـيـد كـمـا رأتـه مـاري بـاركـر في 1930

شارع الرشيد باركر

رسـمـت الإنـكـلـيـزية مـاري بـاركـر عـام 1930 لـوحـة “شـارع الـرّشـيـد”. وجـمـعـت فـيـهـا في نـفـس الـمـكـان وفي نـفـس الـوقـت كـلّ الـمـشـاهـد الـغـريـبـة عـلـيـهـا الّـتي رأتـهـا في شـوارع بـغـداد …

 

رابـنـدرانـاث طـاغـور في بـغـداد

2طاغور

بـعـث مـلـك الـعـراق فـيـصـل الأوّل بـدعـوة لـشـاعـر الـهـنـد الـكـبـيـر رابـنـدرانـاث طـاغـور  لـزيـارة الـعـراق. وأقـام طـاغـور في بـغـداد مـن 19 إلى 30 آيّـار 1932. وقـد أقـيـمـت لـه ولائـم، ودعي إلى احـتـفـالات وزار مـعـالـم الـمـديـنـة، وأعـدّ لـه الـمـلـك سـفـرة إلى مـضـارب عـشـيـرة أعـراب وأكـل الـهـبـيـط مـعـهـم … وقـد سـجّـل طـاغـور سـرد رحـلـتـه في كـتـاب نـشـره بـعـد عـودتـه إلى الـهـنـد …

 

خـارطـتـان لـمـديـنـة بـغـداد 1929 و1933

خارطة بغداد 1929 (2) (640x577)

أصـدرت مـديـريـة الأشـغـال الـعـمـومـيـة في بـغـداد عـام 1929 خـارطـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة لـمـديـنـة بـغـداد طـبـعـت في لـنـدن. وظـهـرت نـفـس الـخـارطـة تـقـريـبـاً مـع تـغـيـيـرات طـفـيـفـة وبـالألـوان في دلـيـل كـوك Cook الـسّـيـاحي لـسـنـة 1934. ويـمـكـنـنـا أن نـزور أحـيـاء بـغـداد كـمـا كـانـت في ذلـك الـزمـن ومـعـالـمـهـا الّـتي كـانـت مـا تـزال قـائـمـة بـمـتـابـعــتـنـا لـهـا عـلى الـخـارطـة …

 

صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون

Matson Ir 57

تـضـمّ مـجـمـوعـة صـور ج. إريـك مـاتـسـون و زوجـتـه إديـث  أكـثـر مـن 22 ألـف زجـاجـيـة ومـسـودّة صـور وشـفـافـيـات كـان قـد بـدأهـا قـسـم الـتّـصـويـر لـلـمـسـتـعـمـرة الأمـريـكـيـة في الـقـدس، ثـمّ أكـمـلـتـهـا “خـدمـات مـاتـسـون الـتّـصـويـريـة”. وتـضـمّ الـمـجـمـوعـة أيـضـاً أكـثـر مـن ألـف صـورة مـطـبـوعـة وأحـد عـشـر ألـبـوم صـور. ونـجـد في هـذه الـمـجـمـوعـة أعـداداً كـبـيـرة مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي ذُكـر في تـصـنـيـفـهـا أنّـهـا الـتـقـطـت في الـعـراق عـام 1932، ولا شـكّ أنّ في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق صـور أقـدم دخـلـت في الـمـجـمـوعـة واخـتـلـطـت بـصـور 1932 …

 

حـفـلـة في حـديـقـة قـصـر الـمـلـك

Maston F 29

مـن بـيـن الـصّـور الّـتي تـضـمّـهـا مـجـمـوعـة الأمـريـكي إريـك مـاتـسـون وزوجـتـه إيـديـث عـن الـعـراق، نـجـد 29 صـورة مـنـهـا الـتـقـطـت أمـام “قـصـر” الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وفي حـديـقـتـه، في 6 تـشـريـن الأوّل 1932. وقـد جـرت في ذلـك الـيـوم، احـتـفـالات بـدخـول الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في “عـصـبـة الأمـم” انـتـهـت بـحـفـلـة في “قـصـر” الـمـلـك، أي “الـبـلاط الـمـلـكي” في الـكـسـرة، وفي حـديـقـتـه الـواسـعـة. ويـمـكـنـنـا مـن تـحـلـيـل تـفـاصـيـل صـور إريـك مـاتـسـون الّـتي الـتـقـطـت في ذلـك الـيـوم اقـتـراح تـرتـيـب زمـني لـهـا يـبـدأ مـن الـصّـبـاح ويـنـتـهي وقـت الـغـروب  …

 

صـور عـن الـعـراق في دعـايـة لـشـركـة فـرنـسـيـة عـام 1936

pupier irak 1

أصدرت شـركـة بـوبـيـه الـفـرنـسـيـة لـلـشـوكـولاتـة  La chocolatterie Pupier عـام 1936 ألـبـومـاً دعـائـيـاً مـصـوّراً لـقـارة آسـيـا، خـصـصـت فـيـه صـفـحـة لـلـعـراق وضـعـت فـيـهـا تـسـعـة رسـوم بـالألـوان …

 

الـجـنـاح الـعـراقي في مـعـرض بـاريـس الـعـالـمي عـام 1937

الجناح العراقي

شـارك الـعـراق في مـعـرض عـالـمي أقـيـم في بـاريـس مـن 25 أيّـار إلى 25 تـشـريـن الـثـاني عـام 1937، أسـمي : “الـمـعـرض الـعـالـمي لـلـفـنـون والـتّـقـنـيـات الـمـطـبّـقـة عـلى الـحـيـاة الـحـديـثـة”. وقـد عـهـد بـتـصـمـيـم الـجـنـاح الـعـراقي إلى الـمـعـمـاري الـفـرنـسي ألـبـيـر لابـراد، وسـاعـده الـمـعـمـاري لـيـون بـزان. وعـيّـنـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة الـمـعـمـاري أحـمـد مـخـتـار مـسـتـشـاراً مـعـمـاريـاً لـلـمـشـروع، وأرسـلـتـه إلى بـاريـس لـيـشـرف عـلى تـنـفـيـذه. وقـد نـشـر بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة : “دلـيـل الـجـنـاح الـعـراقي” الّـذي وزّع عـلى زوّار الـجـنـاح. كـمـا نـشـر مـلـف عـلى شـكـل كـتـيـب بـأربـع وعـشـريـن صـفـحـة يـحـتـوي عـلى مـعـلـومـات شـديـدة الأهـمـيـة عـن الـعـراق في تـلـك الـسّـنـوات …

 

« تـان تـان » والـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

tintin couverture

نـشـر الـرّسّـام هـيـرجـيـه بـيـن أيـلـول 1939 وأيّـار 1940 قـصّـة سـرديّـة بـرسـوم في خـانـات مـتـتـابـعـة في مـجـلّـة “صـغـيـر الـقـرن الـعـشـريـن ” الـبـلـجـيـكـيـة  تـحـت عـنـوان : “تـان تـان في بـلاد الـذّهـب الأسـود”. وكـانـت رسـومـهـا بـالأبـيـض والأسـود. ثـمّ أعـاد نـشـرهـا في مـجـلّـة “تـان تـان” ولـكـن بـالألـوان هـذا الـمـرّة بـيـن 1948 و1950. ونـشـر قـصّـتـه الـمـرسـومـة هـذه بـالألـوان في ألـبـوم عـام 1950. ويـذهـب فـيـهـا بـطـلـهـا الـصّـحـفي الـشّـاب “تـان تـان” ومـعـه كـلـبـه الـصّـغـيـر “مـيـلـو” لـلـتـحـقـيـق في قـضـيـة : قـوّة أجـنـبـيـة تـريـد الـسّـيـطـرة عـلى آبـار الـنّـفـط وعـلى مـخـزونـه في الـعـالـم لـتـسـتـطـيـع احـتـكـاره في حـالـة انـدلاع حـرب … ونـجـد في أحـد رسـوم الألـبـوم صـورة طـفـل مـنـقـولـة بـتـفـاصـيـلـهـا وجـزئـيـاتـهـا عـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة لـفـيـصـل بـن غـازي، الّـذي تـوّج بـعـد ذلـك تـحـت اسـم فـيـصـل الـثّـاني، مـلـك الـعـراق  …

 

نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة

club de chasse

أنـشـأ الـوصي عـبـد الإلـه عـام 1943 “نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي” في الـحـارثـيـة. ووصـلـت كـلاب الـصّـيـد مـن إنـكـلـتـرة بـالـبـاخـرة، وشُـيّـد لـهـا وِجـار قـرب قـصـر الـزّهـور. وكـان الـوصيّ عـبـد الإلـه يـمـارس صـيـد الـثّـعـالـب وبـنـات آوى (كـمـا يـفـعـل الإنـكـلـيـز في ريـفـهـم !)، يـطـاردهـا بـصـحـبـة ضـبـاط الـحـرس الـمـلـكي وضـبـاط الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق …

 

إنـشـاء “قـاعـة الـصّـور” في بـغـداد عـام 1943

Picture G.

أنـشـأت مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة عـام 1943 “قـاعـة الـصّـور The Picture Gallery” ونـشـرت “دلـيـل قـاعـة الـرّسـوم الـوطنـيـة لـسـنـة 1943” بـالـلـغـتـيـن الـعـربـيـة والإنـكـلـيـزيـة. ونـقـرأ فـيـه أنّ الـمـديـريـة كـانـت قـد بـدأت بـجـمـع “الـصّـور الـمـعـروضـة في هـذه الـقـاعـة” مـنـذ أكـثـر مـن سـنـتـيـن، وأنّـهـا تـضـمّ “صـور أشـخـاص ومـنـاظـر رسـمـت بـالـزّيـت أو بـالألـوان الـمـائـيـة أو بالـقـلـم الـرّصاص أو بـالـفـحـم عـدا مـا تـتـضـمّـنـه مـن الـرّسـوم الأولـيـة (اسـكـتـشـات) الـمـخـطوطـة بـالـمـداد”. والّـتي اخـتـيـرت “إمّـا لـمـزايـاهـا الـفـنّـيـة أو لأهـمـيـتـهـا، إذ تـمـثّـل طـبـيـعـة الـبـلاد وتـصـوّر أخـلاق أهـلـهـا”. وكـان الـهـدف مـن إنـشـاء الـقـاعـة : “أن تـكـون مـلـحـقـاً لـمـتـحـف الأزيـاء الـوطـنـيـة الـمـجـاور لـهـا” …

 

مـلـعـب لـو كـوربـوزيـيـه الـرّيـاضي في بـغـداد

لوكوربزييه 5

بـعـد أن أنـشئ “مـجـلـس الإعـمـار” في بـغـداد عـام 1950، تـبـنّـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 1955 مـشـروع تـوسـيـع مـديـنـة بـغـداد وتـحـديـثـهـا. وقـد طـلـبـت مـن أهـمّ الـمـعـمـاريـيـن الـعـالـمـيـيـن في تـلـك الـفـتـرة وأشـهـرهـم الـمـشـاركـة فـيـه. وهـكـذا رسـم الـمـعـمـاري الأمـريـكي فـرانـك لـويـد رايـت مـخـطـطـاً عـامـاً لـمـركـز الـمـديـنـة، كـمـا صـمـم دار أوبـرا، وصـمـم الـمـعـمـاري الألـمـاني فـالـتـيـر غـروبـيـوس، مـؤسـس الـبـاوهـاوس، مـديـنـة جـامـعـيـة شـاسـعـة … أمّـا الـمـعـمـاري الـسّـويـسـري  الـمـشـهـور بـاسـم لـو كـوربـوزيـيـه  فـقـد عـهـد إلـيـه بـتـصـمـيـم مـديـنـة أولـمـبـيـة في بـغـداد تـضـمّ مـلـعـبـاً ريـاضـيـاً مـفـتـوحـاً (5000 مـقـعـد) ومـلـعـبـاً مـغـلـقـاً (أي مـسـقّـفـاً) وهـو مـايـسـمى بـالـجـمـنـازيـوم (3500 مـقـعـد) ومـسـبـحـاً أولـمـبـيـاً لـخـمـسـة آلاف مـشـاهـد …  وشـيّـد الـمـلـعـب الـرّيـاضي الّـذي صـمـمـه لـوكـوربـوزيـيـه بـعـد خـمـسـة وعـشـريـن عـامـاً، أي في عـام 1980 ! …

 

خـطـيـبـة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

Fazilet 4 (640x640)

نـشـرت مـجـلّـة “بـاري مـاتـش” الـبـاريـسـيـة في عـددهـا الّـذي صـدر بـعـد اثـني عـشـر يـومـاً عـلى ثـورة 14 تـمّـوز 1958 في الـعـراق : “بـيـروت، عـمّـان، بـغـداد، مـراسـلـونـا عـلى جـبـهـة الـشّـرق الأوسـط”، ثـمّ تـحـتـه بـحـروف بـيـضـاء عـلى خـلـفـيـة سـوداء : “كـان يـنـبـغي أن تـتـزوّج الأمـيـرة الـصّـغـيـرة فـاضـلـة Fazilet بـفـيـصـل، مـلـك الـعـراق في شـهـر تـشـريـن الأوّل، ولـكـنّـهـم أُخـبـروهـا بـمـوتـه في غـرفـتـهـا في الـمـعـهـد الإنـكـلـيـزي الّـذي تـدرس فـيـه. وعـلى جـدار الـغـرفـة صـورة خـطـيـبـهـا”. ونـقـرأ في الـصـفـحـتـيـن 12 و 13 مـقـالاً عـنـوانـه : “في الـقـسـم الـدّاخـلي لـمـعـهـد أسـكـوت Ascot، فـاضـلـة الـرّائـعـة الـجـمـال تـبـكي خـطـيـبـهـا الـمـقـتـول” …

 

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (1) :

Abdulaly 2

أنـشـأ هـنـدي مـن الـرّعـايـا الـبـريـطـانـيـيـن في الـعـراق، عـبـدُ الـعـلي آدمـس مـؤسـسـة أسـمـاهـا “عـبـدُالـعـلي اخـوانـا” (إخـوان). وكـان لـهـا نـشـاطـات مـتـنـوعـة في بـغـداد. وقـد طـبـعـت الـمـؤسـسـة بـطـاقـات بـريـديـة عـن صـور لـلـعـراق وبـاعـتـهـا خـلال سـنـوات طـويـلـة …

 

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (2) :

إلدرورادو

وصـلـتـنـا أعـداد كـبـيـرة مـن صـور الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الّـتي طـبـعـهـا اسـتـوديـو إلدورادو لـلـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي Eldorado Photo Studio، والّـذي كـان لـه مـحـل في شـارع الـرّشـيـد في بـغـداد في الـنّـصـف الأوّل مـن الـقـرن الـعـشـريـن. وكـانـت هـذه الـبـطـاقـات تـوضـع في ظـروف (وهـذا الـجـمـع أصـحّ مـن “مـظـاريـف”). كـمـا كـان يـعـرض لـلـبـيـع مـجـمـوعـات مـخـتـارة Selected Photogaphs يـضـعـهـا في ظـروف كـبـيـرة. وتـصـوّر أغـلـب الـبـطـاقـات مـعـالـم بـغـداد، وتـصـور بـعـضـهـا أسـواق بـغـداد، وطـاق كـسـرى، والـبـصـرة والـعـشّـار …

 

صـور عـن الـعـراق (3) :

زفوبودا

وصـلـتـنـا صـور لـبـطـاقـات بـريـديـة عـن الـعـراق طـبـعـهـا إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا. وهـو يـنـتـمي إلى عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة الّـتي بـدأت بـوصـول الـتّـاجـر الـمـجـري أنـطـون زفـوبـودا إلى بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر واسـتـقـراره فـيـهـا. وقـد تـزوّج أنـطـون عـام 1825 بـبـغـداديـة مـسـيـحـيـة مـن عـائـلـة أرمـنـيـة، وأنـجـب مـنـهـا أحـد عـشـر ولـداً وبـنـتـاً.  ويـبـدو أنّ إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا هـو إسـكـنـدر ريـشـارد، إبـن جـوزيـف مـاتـيـا، الإبـن الـثّـاني لأنـطـون زفـوبـودا .وقـد ولـد إسـكـنـدر ريـشـارد في بـغـداد سـنـة 1878…

 

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (4) :

Hoory 75

وصـلـتـنـا أعـداد مـن الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الّـتي كُـتـب في أسـفـل يـمـيـن حـاشـيـتـهـا (إطـارهـا) بـالـحـروف الـمـطـبـعـيـة :  J.S. Hoory , Baghdad. كـمـا كـتـب في أسـفـل يـسـار حـاشـيـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة وبـالـحـروف الـمـطـبـعـيـة وصـف الـمـشـهـد الّـذي تـصـوّره. وأُضـيـف عـلى كـثـيـر مـنـهـا تـعـلـيـق مـخـطـوط بـالـعـربـيـة، في داخـل الـصّـورة ولـيـس عـلى الإطـار. وأغـلـب هـذه الـبـطـاقـات الـبـريـديـة تـصـوّر مـشـاهـد مـن مـديـنـة بـغـداد ومـا حـولـهـا أو الـمـوصـل أو كـركـوك أو أربـيـل أو الـبـصـرة، ومـعـالـمـهـا الـدّيـنـيـة والـمـدنـيـة …

 

فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق

فريا ستارك

وصـلـت الـبـريـطـانـيـة فـريـا مـادلـيـن سـتـارك إلى بـغـداد عـام 1929. وقـد اسـتـفـزت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا الـعـربـيـة الّـتي كـانـت قـد تـعـلّـمـتـهـا في مـعـهـد الـدّراسـات الـشّـرقـيـة في لـنـدن. كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات. وعـمـلـت مـحـررة في Baghdad Times في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلـك في كـتـاب نـشـرتـه تـحـت عـنـوان “إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة « Baghdad sketches  … وفي أواخـر سـنـوات حـيـاتـهـا، أعـدّت مـخـتـارات مـن رسـائـلـهـا الّـتي كـتـبـتـهـا إلى أهـلـهـا ومـعـارفـهـا طـيـلـة حـيـاتـهـا والّـتي كـانـت قـد احـتـفـظـت بـنـسـخ مـنـهـا ونـشـرتـهـا في ثـمـانـيـة أجـزاء، مـن 1974 إلى 1982. ونـجـد فـيـهـا مـعـلـومـات لا تـقـدر قـيـمـتـهـا عـن الـحـيـاة في الـعـراق عـنـدمـا عـاشـت فـيـه …

 

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق

British author (Agatha Christie) have breakfast on the balcony from hotel (Maud) to its owner (Mikhail Zia) Baghdad.

جـاءت الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة أجـاثـا كـريـسـتي إلى الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1929، وزارت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريّـة في أور. والـتـقـت بـعـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان، الّـذي أغـرم بـهـا وتـزوّجـهـا. وقـد صـاحـبـت أجـاثـا زوجـهـا مـاكـس إلى الـمـواقـع الأثـريـة، وبـدءا في 1931/ 1932 مـوسـم تـنـقـيـبـاتـهـمـا الأوّل في نـيـنـوى، ثـمّ اسـتـمـرّا في ذلـك سـنـوات طـويـلـة كـانـت تـكـتـب خـلالـهـا روايـاتـهـا الـبـولـيـسـيـة الـشّـديـدة الـشـهـرة، وتـنـشـرهـا في لـنـدن. وكـان لـهـمـا في بـغـداد دار تـركـيـة قـديـمـة في الـصّـوب الـغـربي لـدجـلـة … وتـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في أربـعـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : روايـة “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” وروايـة «They Came to Baghdad»، وفي كـتـابَـيـن تـسـرد فـيـهـمـا ذكـريـاتـهـا : “تـعـال اخـبـرني كـيـف تـعـيـش الّـذي صـدر في 1946، وسـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : «An Autobiography» …

 

روايـة «جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia» لأجـاثـا كـريـسـتي.

murder 2

نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي روايـتـهـا الـبـولـيـسـيـة الأولى هـذه الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق في 1936. والـقـصّـة تـرويـهـا مـمـرضـة جـاءت إلى بـغـداد تـصـاحـب امـراة إنـكـلـيـزيـة. ولـكـنّـهـا، بـعـد انـتـهـاء مـهـمـتـهـا، قـبـلـت أن تـعـتـني بـانـكـلـيـزيـة أخـرى، لـويـز زوجـة عـالـم الآثـار الـسّـويـدي الـدّكـتـور إريـك لايـنـدر في مـوقـع تـنـقـيـبـات أثـريـة. وتـحـدث جـريـمـة ، ويـنـبـغي إيـجـاد الـقـاتـل …

 

روايـة : «مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad» لأجـاثـا كـريـسـتي.

they 5

نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي روايـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق : «They Came to Baghdad» في 1951. وهـذه الـرّوايـة مـلـيـئـة بـوصـف أمـاكـن في الـعـراق. ونـلـتـقي فـيـهـا بـعـدد مـن “الـعـراقـيـيـن”. وهي في الـحـقـيـقـة لـيـسـت روايـة بـولـيـسـيـة بـالـمـعـنى الـمـتـعـارف عـلـيـه : أي جـريـمـة غـامـضـة يـجـد لـهـا الـحـلّ مـحـقـق ذكي يـسـتـنـتـج مـن أحـداثـهـا الـمـبـعـثـرة كـيـفـيـة حـدوثـهـا ويـتـوصـل إلى كـشـف الـمـجـرم الّـذي قـام بـهـا. ولـنـقـل إنّ هـذه الـرّوايـة تـقـتـرب كـثـيـراً مـن روايـات الـتـجـسـس فـفـيـهـا تـآمـر ضـدّ أمـن الـبـشـريـة ومـجـرمـون يـحـاولـون الـسّـيـطـرة عـلـيـهـا. وقـد اسـتـغـلّـت الـكـاتـبـة خـوف الـغـربـيـيـن مـن انـدلاع حـرب عـالـمـيـة ثـالـثـة لـتـألـيـفـهـا …

 

«صـنـدوق الـدّنـيـا» كـمـا وصـفـتـه أجـاثـا كـريـسـتي

صندوق الدنيا

تـصـف أجـاثـا كـريـسـتي في روايـتـهـا : “مـوعـد في بـغـداد  They Came to Baghdad” الّـتي صـدرت عـام 1951، كـيـف الـتـقـت بـطـلـة الـقـصّـة بـرجـلـيـن يـحـمـلان “صـنـدوق الـدّنـيـا” : وهي آلـة مـن الـخـشـب بـداخـلـهـا صـور يـمـكـن رؤيـتـهـا مـن خـلال ثـقـبـيـن فـيـهـا …

 

سـريـالي مـن بـغـداد

s.alexandrian

ولـد لـوسـيـان إسـكـنـدريـان في بـغـداد. وأصـيـب في طـفـولـتـه بـمـرض أصـاب سـاقـيـه، مـمـا دفـع والـديـه لإرسـالـه إلى فـرنـسـا عـنـد جـدتـه، أمّ أمّـه، ولـم يـكـن قـد بـلـغ الـسّـادسـة مـن عـمـره. وفي عـام 1947، وكـان في سـنّ الـعـشـريـن، إلـتـقى في بـاريـس بـأنـدريـه بـرُتـون، رئـيـس الـحـركـة الـسّـريـالـيـة … وبـدأت عـلاقـاتـه بـالـحـركـات الـطّـلائـعـيـة، الأدبـيـة مـنـهـا والـفـنّـيـة الّـتي نـشـر عـنـهـا أعـداداً مـن الـكـتـب بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة بـاسـمـه الأدبي : “سـاران ألـكـسـنـدريـان” …

 

مـن يـتـذكّـر دزمـونـد سـتـيـوارت ؟

دزموند ستيوارت

حـصـل دزمـونـد سـتـيـوارت عـلى الـمـاجـسـتـيـر في الآداب مـن جـامـعـة أوكـسـفـورد في نـهـايـة الـعـام الـدّراسـي 1948. وفي خـريـف ذلـك الـعـام وصـل إلى بـغـداد بـعـد أن تـعـاقـد مـع كـلـيـة الآداب لـيـدرّس فـيـهـا الأدب الإنـكـلـيـزي.  ونـشـر في 1952 : The Memoirs of Alcibiades،وهي رغـم عـنـوانـهـا سـيـرة ذاتـيـة روائـيـة عـن حـيـاتـه في الـعـراق. كـمـا نـشـر أشـهـر كـتـبـه عـن الـعـراق، وهي روايـتـه : The Unsuitable Englishman. ونـشـر كـتـبـاُ ومـقـالات أخـرى عـن الـعـراق والأدب الـعـراقي … كـمـا عـاش في بـيـروت والـقـاهـرة وزار مـخـيـمـات الـلاجـئـيـن الـفـلـسـطـيـنـيـيـن وكـتـب كـتـبـاً تـاريـخـيـة وقـام بـتـرجـمـات …

 

ثـلاثـة بـريـطـانـيـيـن في أهـوار جـنـوب الـعـراق

Thesiger XXIII

وصـل الـبـريـطـاني ولـفـريـد ثـيـسـجـر إلى الأهـوار في أواخـر عـام 1951، وسـقـط حـالاً في دائـرة سـحـرهـا. ثـمّ أقـام فـيـهـا عـدّة مـرّات ولـمـدة أشـهـر طـويـلـة حـتّى حـزيـران 1958. وفي بـدايـة 1952، إلـتـقى بـغـافـن يـونـغ الّـذي كـان بـريـطـانـيـاً هـو الآخـر، ويـعـمـل في شـركـة في الـبـصـرة بـولـفـريـد ثـيـسـجـر الّـذي تـحـدّث لـه عـن الأهـوار، فـذهـب إلـيـهـا يـونـغ مـعـه. ثـمّ رجـع إلـيـهـا عـدّة مـرّات بـعـد ذلـك وأقـام فـيـهـا فـتـرات طـويـلـة، إلى أن تـرك عـمـلـه وغـادر الـعـراق. كـمـا أنّ ولـفـريـد ثـيـسـجـر  اصـطـحـب مـعـه إلى الأهـوار في 1956 عـالـم الـطّـبـيـعـيـات الإسـكـتـلـنـدي غـافـن مـاكـسـويـل …

 

الـبـيـت الـتّـراثي كـمـا وصـفـتـه أربـع أجـنـبـيـات

البيت التراثي

أربـع نـظـرات ألـقـتـهـا أجـنـبـيـات عـلى بـيـوتـنـا الـقـديـمـة : فـرنـسـيـة زارت الـعـراق بـصـحـبـة زوجـهـا في نـهـايـة 1881 وبـدايـة 1882، وأمـريـكـيـة جـاءت إلى بـغـداد مـع زوجـهـا عـام 1924 لـفـتـح مـدرسـة لـلـبـنـيـن، وسـكـنـت في عـدّة بـيـوت بـغـداديـة حـتّى عـام 1947، وإنـكـلـيـزيـة وصـلـت الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1928، ثـمّ عـادت إلـيـه مـراراً وسـكـنـت في بـيـوت بـغـداديـة أسـهـبـت في وصـفـهـا، وانـكـلـيـزيـة أخـرى شـديـدة الـشّـهـرة سـكـنـت بـيـتـاً بـغـداديـاً يـطـلّ عـلى دجـلـة، وتـكـلّـمـت عـن بـيـوت عـراقـيـة في روايـتـيـن مـن روايـاتـهـا وفي كـتـب ذكـريـات …

 

الـسّـنـوات الـبـغـداديـة لـمـارغـو كـيـرتـيـكـار

Margo K

نـشـرت مـارغـو كـيـرتـيـكـار عـام 2011، كـتـاب ذكـريـات بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة عـن : “بـغـداد في الـمـاضي : عـقـداهـا الـذّهـبـيـان في أربـعـيـنـات [الـقـرن الـمـاضي] وخـمـسـيـنـاتـه”. ويـبـدأ الـكـتـاب في ربـيـع 1959 عـنـدمـا كـانـت مـارغـو تـسـتـعـد لـمـغـادرة بـغـداد لـلـدّراسـة… ولـكـنّ عـاصـفـة عـجـاج تـمـنـع الـطّـائـرة مـن الإقـلاع وتـعـود مـع أهـلـهـا إلى الـدّار. ثـمّ تـتـكـلّـم عـن “كـيـف جـاءت الأقـدار بـالـحـبّ في ربـيـع 1939” عـنـدمـا الـتـقى أبـوهـا الـهـنـدي، الّـذي كـان قـد اسـتـقـرّ في بـغـداد بـعـد أسـفـار طـويـلـة بـأمّـهـا الـسّـوريـة … وتـسـتـمـرّ مـارغـو في ذكـريـاتـهـا عـن بـغـداد وحـيـاتـهـا الـسّـعـيـدة فـيـهـا …

 

ديـوك إلـيـنـغـتـون في بـغـداد عـام 1963

إلينغتون

مـرّ ديـوك إلـيـنـغـتـون بـبـغـداد عـام 1963، وأقـام حـفـلـة “مـوسـيـقى جـاز ” مـع فـرقـتـه في قـاعـة الـخـلـد، يـوم 12 تـشـريـن الـثّـاني. وكـانـت مـحـطـة تـلـفـزيـون بـغـداد قـد اسـتـعـدّت لـنـقـل جـزء مـن الأمـسـيـة، ولـكـنّـهـا قـررت بـعـد ذلـك تـغـيـيـر بـرامـجـهـا وبـث الأمـسـيـة بـكـامـلـهـا ابـتـداءً مـن الـسّـاعـة الـسّـابـعـة والـنّـصـف مـسـاءً. وفي الـيـوم الـتّـالي، حـدثـت اضـطـرابـات سـيـاسـيـة في بـغـداد، وطـلـبـت سـكـرتـاريـة الـدّولـة لـلـشـؤون الـخـارجـيـة، أي وزارة الـخـارجـيـة الأمـريـكـيـة، مـن ديـوك إلـيـنـغـتـون وفـرقـتـه أن يـتـركـوا بـغـداد بـأسـرع مـا يـمـكـنـهـم. وألـغـيـت الـحـفـلـة الـمـوسـيـقـيـة الـثّـانـيـة الّـتي كـان يـنـبـغي أن تـقـام في مـسـاء يـوم 13 تـشـريـن الـثّـاني …

 

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذه الـمـقـالات.

 

سـريـالي مـن بـغـداد

s.alexandrian

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنـاصـري

سـمـعـت لأوّل مـرّة بـاسـم سـاران ألـكـسـنـدريـان Sarane Alexandrian عـنـدمـا اسـتـضـافـه أولـيـفـيـه جـيـرمـان تـومـا عـام 1990 في بـرنـامـجـه : “عـالـم الـوجـدان” الّـذي كـان يـقـدّمـه عـلى مـوجـات “فـرانـس كـلـتـور”، مـحـطّـة الإذاعـة الـفـرنـسـيـة الـمـخـصـصـة لـلـثّـقـافـة، بـعـد أن كـان ألـكـسـنـدريـان قـد أصـدر سـيـرتـه الـذّاتـيـة : “الـمـغـامـرة بـذاتـهـا L’Aventure en soi”.(1)

 

l'aventure en soi

 

وكـان الـسّـؤال الأوّل الّـذي وجـهـه لـه جـيـرمـان تـومـا : “ألـكـسـنـدريـان، تـقـول إنّـك عـراقي. مـاذا يـنـبـغي لـلـمـرء أن يـفـعـل لـيـكـون عـراقـيـاً ؟”، فـأجـابـه ألـكـسـنـدريـان : “أن يـولـد في الـعـراق”. وقـد ادّعى خـلال هـذه الـمـقـابـلـة أنّ أبـاه كـان طـبـيـب الـمـلـك فـيـصـل الأوّل الـخـاصّ.

وشـاءت الـصّـدفـة أن أسـتـمـع إلـيـه مـرّة أخـرى في الـعـام الـتّـالي، 1991، في مـقـابـلـة مـع إيـزابـيـل رابـيـنـو في بـرنـامـجـهـا : “ذاكـرة الـقـرن الـعـشـريـن” مـن نـفـس مـحـطّـة الإذاعـة الـثّـقـافـيـة الـفـرنـسـيـة. وقـد ذكـر ألـكـسـنـدريـان خـلالـهـا أنّ أبـاه قـدّمـه، عـنـدمـا كـان في الـسّـنـة الأولى مـن عـمـره، إلى الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، وأنّ الـمـلـك وضـع يـده الـيـمـنى عـلى رأسـه كـمـا كـان مـلـوك أوربـا في الـقـرون الـوسـطى يـفـعـلـون لـتـكـريـس الـفـرسـان. (2)

وقـد دفـعـني ذلـك لـقـراءة أهـمّ كـتـبـه والـبـحـث عـن كـلّ الـمـعـلـومـات الّـتي يـمـكـن إيـجـادهـا عـنـه، وخـاصّـة عـن عـلاقـتـه بـالـحـركـة الـسّـريـالـيـة (3) الّـتي اتّـصـل بـهـا في مـرحـلـتـهـا الـثّـانـيـة ولـفـتـرة قـصـيـرة جـدّاً مـن الـزّمـن.

وقـد وجـدت في مـكـتـبـة صـديـق لي كـتـابـاً بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة صـدر مـنـذ سـنـوات، ولـم أنـتـبـه إلى صـدوره في وقـتـهـا، كـتـبـه كـريـسـتـوف دوفـان Christophe Dauphin، وعـنـوانـه : “سـاران ألـكـسـنـدريـان أو الـتّـحـدّي الـكـبـيـر لـلـمـخـيّـلـة”

 

المغامرة بذاتها

وقـد أضـافـت قـراءة هـذا الـكـتـاب مـعـلـومـات جـديـدة إلى مـا كـنـت قـد وجـدتـه عـنـه.

ثـمّ قـرأت في الـسّـنـوات الأخـيـرة عـدّة مـقـالات يـبـالـغ فـيـهـا كـتّـابـهـا أهـمـيـة دوره في الـحـركـة الـسّـريـالـيـة إلى حـدّ أن بـعـضـهـم جـعـلـه الـذّراع الأيـمـن لأنـدريـه بـرُتـون !

فـمـن كـان سـاران ألـكـسـنـدريـان، ومـا عـلاقـتـه بـالـحـركـة الـثّـقـافـيـة الـفـرنـسـيـة الّـتي خـاض مـعـتـركـهـا طـيـلـة حـيـاتـه، ومـا عـلاقـاتـه الـثّـقـافـيـة بـالـعـراق الّـذي ولـد فـيـه ؟

وهـل يـكـفي أن يـولـد سـاران ألـكـسـنـدريـان في بـغـداد لـيـعـتـبـر عـراقـيـاً ؟

ولـد سـاران في بـغـداد في 15 حـزيـران سـنـة 1927. وكـان أبـوه وارطـان إسـكـنـدريـان، أو فـارتـان ألـكـسـنـدريـان Vartan Alexandrian كـمـا يـكـتـبـه سـاران بـالـفـرنـسـيـة، مـن عـائـلـة إسـكـنـدريـان الأرمـنـيـة الّـتي اسـتـقـرت في بـغـداد مـنـذ الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وقـد درس وارطـان الـطّـبّ في إسـطـنـبـول وتـخـصـص بـطـبّ الأسـنـان، وفـتـح عـيـادة في شـارع الـرّشـيـد حـسـب مـا ذكـره ابـنـه سـاران. ووجـدت صـورة ذكـرت بـعـض الـمـقـالات الـمـنـشـورة عـنـه أنّـهـا صـورة أبـيـه في عـيـادتـه :

vartan alex.

وقـد وجـدت فـعـلاً ذكـراً لـطـبـيـب أسـنـان اسـمـه وارطـان إسـكـنـدريـان في قـوائـم أطـبـاء الأسـنـان مـن أرمـن بـغـداد. وكـتـب عـنـه سـاران : “كـان أبي، عـنـدمـا ولـدت، في الـتّـاسـعـة والـعـشـريـن مـن عـمـره. وكـان طـبـيـبـاً حـاذقـاً مـتـمـلـكـاً لأسـرار مـهـنـتـه الّـتي اكـتـسـبـهـا في إسـطـنـبـول وبـاريـس ولـنـدن. وكـان يـتـكـلّـم الـعـربـيـة والـفـرنـسـيـة والإنـكـلـيـزيـة والـتّـركـيـة والأرمـنـيـة”.

وقـد ذكـر سـاران ألـكـسـنـدريـان بـعـد ذلـك في سـيـرتـه الـذّاتـيـة وفي مـقـابـلات صـحـفـيـة وإذاعـيـة أنّ أبـاه كـان طـبـيـب الـمـلـك فـيـصـل الأوّل الـخـاص، وهـو مـا لـم أجـد مـا يـثـبـتـه. فـربّـمـا كـان قـد عـالـج الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، ولـكـنّي لـم أجـد اسـمـه في قـوائـم أطـبّـاء الـمـلـك الّـتي عـثـرت عـلـيـهـا.

وفي بـاريـس تـزوّج وارطـان إسـكـنـدريـان بـفـرنـسـيـة اسـمـهـا مـرغـريـت كـولان Marguerite Colin، وعـاد بـهـا إلى بـغـداد، وأنـجـبـت لـه سـنـة 1927 ولـداً اسـمـاه لـوسـيـان Lucien. وذكـر كـاتـبـنـا في سـيـرتـه الـذّاتـيـة أنّ سـاران اسـم أطـلـقـتـه عـلـيـه مـربـيـتـه الـهـنـديـة. وهـو يـعـني في لـغـتـهـا الـمـحـلّـيـة “أمـيـر” :

Alexandrian

وسـأسـتـمـرّ هـنـا في اسـتـعـمـال اسـمـه الأدبي الّـذي اخـتـاره لـنـفـسـه : “سـاران ألـكـسـنـدريـان” بـدلاً مـن “لـوسـيـان إسـكـنـدريـان” كـمـا سـجّـل في الأوراق الـرّسـمـيـة.

وفي طـفـولـتـه في بـغـداد، ظـهـرت عـلى جـانـب أنـف سـاران ومـا يـجـاوره مـن خـدّه الأيـمـن “حـبّـة بـغـداد”، حـفـرتـهـمـا وتـركـت عـلى وجـهـه نـدبـتـيـن حـمـلـهـمـا طـيـلـة حـيـاتـه. ثـمّ أصـيـب بـعـدهـا بـمـرض أصـاب سـاقـيـه، مـمـا دفـع والـديـه لإرسـالـه إلى فـرنـسـا عـنـد جـدتـه، أمّ أمّـه. ولـم يـكـن قـد بـلـغ الـسّـادسـة مـن عـمـره.

في بـاريـس :

ودخـل سـاران الـمـدرسـة الإبـتـدائـيـة في بـاريـس. وكـتـب عـن تـلـك الـفـتـرة : “وتـمـلـكـني الـجـزع والـغـمّ، كـمـا لـو كـنـت يـتـيـم الأبـويـن، مـنـعـزلاً بـيـن جـنـسـيـتـيـن، وقـد اسـتـولى الـعـجـز عـلى نـصـف جـسـدي”.

ومـع ذلـك فـفـرنـسـا لـم تـكـن غـريـبـة عـلـيـه تـمـامـاً. ولا شـكّ في أنّـه تـكـلّـم الـفـرنـسـيـة مـع أمّـه مـنـذ نـعـومـة أظـفـاره، ومـع أبـيـه أيـضـاً. فـقـد كـان أبـوه، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، يـحـسـن إلى جـانـب الأرمـنـيـة، لـغـتـه الأمّ، الـعـربـيـة والـفـرنـسـيـة والإنـكـلـيـزيـة والـتّـركـيـة.

ويـحـقّ لـنـا هـنـا أن نـتـسـاءل هـل لـعـب سـاران الـطّـفـل مـع أتـرابـه في أزقّـة بـغـداد ؟ وهـل تـكـلّـم الـعـامـيـة الـبـغـداديـة ؟ أو هـل كـان يـفـهـمـهـا عـلى الأقـل ؟ وهـو ولا شـكّ لـم يـتـعـلـم قـراءة الـلـغـة الـعـربـيـة وكـتـابـتـهـا، فـقـد تـرك بـغـداد قـبـل أن يـدخـل الـمـدرسـة.

وقـد جـاء أبـواه مـن بـغـداد إلى فـرنـسـا لـزيـارتـه في 1935، واصـطـحـبـا مـعـهـمـا أخـتـه الـصّـغـيـرة “بـولـيـت” الّـتي كـانـت قـد ولـدت في 1933، أي بـعـد مـغـادرتـه لـبـغـداد بـقـلـيـل.

سـنـوات الـحـرب :

وفي صـيـف 1939، وكـان في الـثّـانـيـة عـشـرة مـن عـمـره، اصـطـحـبـتـه جـدّتـه إلى قـريـة صـغـيـرة في مـنـطـقـة الـلـيـمـوزان، في وسـط فـرنـسـا، لـيـقـضـيـا فـيـهـا الـعـطـلـة الـصّـيـفـيـة. ولـكـنّ الـحـرب انـدلـعـت في الأوّل مـن أيـلـول، فـلـم يـرجـعـا إلى بـاريـس، وبـقـيـا في الـقـريـة. ثـمّ بـعـثـتـه جـدتـه إلى مـديـنـة لـيـمـوج الـقـريـبـة مـنـهـا لـيـدرس في أهـم مـدارسـهـا، “مـتـوسِّـطـة وثـانـويـة غي لـوسـاك”.

وفي 1943، إلـتـقى الـصّـبي الّـذي كـان في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره بـالـفـنّـان الألـمـاني راؤول هـوسـمـان Raoul Haussmann الّـذي سـاعـده عـلى اكـتـشـاف الـحـركـة الـدّادائـيـة. (4) وكـان هـوسـمـان الّـذي كـان قـد الـتـجـأ هـو الآخـر إلى هـذه الـقـريـة، في الـسّـابـعـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره.  وكـان في شـبـابـه، أي في 1918، قـد أسـس نـاديـاً دادائـيـاً في بـرلـيـن، بـعـد سـنـتـيـن فـقـط مـن تـأسـيـس تـرسـتـان تـزارا Tristan Zara لـلـحـركـة الـدّادائـيـة في زيـورخ (سـويـسـرة) عـام 1916.

وذكـر ألـكـسـنـدريـان عـدّة مـرّات أنّـه شـارك في تـلـك الـفـتـرة في الـمـقـاومـة ضـدّ الإحـتـلال الألـمـاني لـفـرنـسـا.

في بـاريـس بـعـد الـحـرب :

عـاد سـاران إلى بـاريـس بـعـد نـهـايـة الـحـرب، ودخـل ثـانـويـة “كـونـدورسـيـه” الّـتي كـانـت مـن بـيـن أهـمّ ثـانـويـات بـاريـس. وحـصـل عـلى شـهـادة الـبـكـلـوريـا في 1946. ثـمّ شـرع في مـتـابـعـة دروس في تـاريـخ الـفـنّ في مـدرسـة الـلـوفـر. وبـدأ يـنـشـر أشـعـاراً في مـجـلّات أدبـيـة ويـرتـاد الـنّـوادي والـمـقـاهي الّـتي يـلـتـقي فـيـهـا الأدبـاء. وقـد سـاءت عـلاقـاتـه بـأبـيـه في هـذه الـفـتـرة، فـقـد كـان أبـوه يـنـوي إدخـالـه في كـلـيـة الـطّـبّ لـيـجـعـل مـنـه رجـلاً مـحـتـرمـاً.

ونـحـن نـعـرف أنّ سـاران لـم يـرجـع أبـداً إلى بـغـداد مـنـذ أن تـركـهـا في طـفـولـتـه، قـبـل أن يـبـلـغ الـسّـادسـة مـن عـمـره. ويـبـدو أنّ ذكـريـاتـه عـن بـغـداد كـانـت بـاهـتـة الـمـعـالـم والألـوان، فـإنّ مـا كـتـبـه عـنـهـا بـعـد ذلـك يـشـبـه كـثـيـراً مـا كـتـبـه الـرّحّـالـة الأجـانـب الّـذيـن زاروا الـعـراق في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر ! بـل ربّـمـا نـقـل عــنـهـم بـعـض مـا كـتـبـه. فـهـو قـد كـتـب في سـيـرتـه الـذّاتـيـة مـثـلاً أنّـه ولـد في : “بـغـداد الّـتي تـتـوّجـهـا هـالـة مـن الـغـبـار، يـحـيـطـهـا حـزام مـن غـابـات نـخـيـل هـزيـلـة. وفي وسـط مـكـعـبـات مـن الـمـعـمـار الـطّـيـني نـبـصـر بـمـعـالـم مـثـل الـقـصـر الـعـبـاسي، والـجـامـع الأزرق (!؟) وبـرج الـطّـلّـسـم. وكـانـت تـبـدو في ذلـك الـزّمـن مـديـنـة ريـفـيـة لـم يـكـن فـيـهـا أكـثـر مـن مـائـة وخـمـسـيـن سـاكـنـاً”.

ونـذكّـر الـقـارئ هـنـا أنّ بـاب الـحـلـبـة هـو الّـذي كـانـت الـعـامّـة تـسـمـيـه بـاب الـطّـلّـسـم. وقـد اسـتـعـمـل بـرجـه لـخـزن بـارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن. وعـنـدمـا تـقـدّمـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـره الـعـثـمـانـيـون قـبـل انـسـحـابـهـم مـن الـمـديـنـة في 11 آذار 1917. وتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجـارة بـعـد انـفـجـار الـبـارود الـمـخـزون، ولـم يـبـق مـنـه اثـر. ولـم يـكـن سـاران ألـكـسـنـدريـان يـعـرف إذن أنّ الـبـرج انـفـجـر قـبـل ولادتـه بـعـشـر سـنـوات.

ولـم تـكـن بـغـداد “مـديـنـة ريـفـيـة” في 1927، عـام ولادة سـاران ألـكـسـنـدريـان، فـقـد كـان فـيـهـا مـتـحـف لـلآثـار الـقـديـمـة، وافـتـتـح فـيـهـا فـرع لـلـرّيـاضـيـات في دار الـمـعـلـمـيـن الـعـالـيـة. وتـأسـسـت فـيـهـا كـلـيـة الـطّـب.

ألـكـسـنـدريـان والـحـركـة الـسّـريـالـيـة :

وفي عـام 1947، وكـان في الـعـشـريـن مـن عـمـره، قـرر سـاران الـكـسـنـدريـان مـقـابـلـة أنـدريـه بـرُتـون André Breton.

Breton_Caricature

وكـان بـرُتـون وقـتـهـا شـديـد الـشّـهـرة، يـؤمّـه الـنّـاس مـن كـلّ صـوب وحـدب. وكـان يـتـرأس الـجـمـاعـة الـسّـريـالـيـة لا يـنـازعـه في ذلـك مـنـازع مـنـذ مـا يـقـارب الـخـمـسـة وعـشـريـن عـامـاً، فـقـد انـفـصـل بـرُتـون وأصـحـابـه عـن الـحـركـة الـدّادائـيـة في بـدايـة الـعـشـريـنـيـات، وأطـلـق في 1924 “بـيـان الـسّـريـالـيـة” الـشّـهـيـر :

manif. du sur

وبـدأ سـاران ألـكـسـنـدريـان مـحـاولاتـه لـلـتّـقـرّب مـن أنـدريـه بـرُتـون بـكـتـابـة رسـالـة لـه. وبـعـث مـعـهـا نـسـخـة مـن نـصّـه عـن “الـشّـعـر والـمـوضـوعـيـة”. ويـبـدو أنّ أنـدريـه بـرُتـون، الّـذي كـان يـريـد جـذب الـشّـبـاب إلى جـمـاعـتـه الّـتي بـدأت الـشّـيـخـوخـة تُـصـلّـب شـرايـيـنـهـا، أجـاب عـلى رسـالـتـه بـعـد يـومـيـن فـقـط وأنّـه امـتـدح نـصّـه. وهـكـذا اسـتـطـاع سـاران ألـكـسـنـدريـان أن يـقـابـل قـطـب الـسّـريـالـيـة الأعـظـم بـعـد عـدّة أيّـام.

وفي 1948، إلـتـقى سـاران ألـكـسـنـدريـان بـالـفـنّـان فـكـتـور بـرونـر Victor Brauner الّـذي كـان قـد انـضـمّ إلى الـحـركـة الـسّـريـالـيـة مـنـذ سـنـوات وأصـبـح مـن بـيـن الـفـنّـانـيـن الـسّـريـالـيـيـن الـمـهـمّـيـن :

gravure Brauner

وانـجـذب إلـيـه سـاران ألـكـسـنـدريـان وصـار يـدور في مـداره، حـتّى أصـبـح الـنّـاطـق بـاسـم “الـحـركـة الـمـضّـادة هـ. Contre-group H” الّـتي تـشـكّـلـت حـول فـكـتـور بـرونـر.

وفي نـفـس الـعـام، عـهـد أنـدريـه بـرُتـون إلى سـاران ألـكـسـنـدريـان بـالـمـشـاركـة في إدارة سـكـرتـاريـة “الـقـضّـيـة La Cause” مـع جـورج حـنـيـن وهـنـري بـاسـتـور. كـمـا شـارك في إصـدار مـجـلّـة “نـيـون Néon” :

NEON-n--2-fevrier-1948

الّـتي صـدر مـنـهـا خـمـسـة أعـداد، والّـتي صـارت لـسـان الـشّـبّـان الـمـجـدديـن الّـذيـن انـضـمّـوا إلى الـحـركـة الـسّـريـالـيـة. وهـكـذا أصـبـح سـاران ألـكـسـنـدريـان في الـخـطّ الأوّل مـن حـركـة الـشّـبـاب الـسّـريـالـيـيـن الّـتي بـدأت تـرفـض تـشـكـيـل اعـتـقـادات مـتـحـجّـرة مـبـنـيّـة عـلى أفـكـار مـتـصـلّـبـة وتـفـضّـل عـلـيـهـا مـمـارسـة تـجـارب مـحـسـوسـة مـتـجـددة.

وأدرك أنـدريـه بـرُتـون خـطـر مـمـارسـات الـشّـبـاب عـلى اسـتـمـرار سـلـطـتـه الـمـطـلـقـة عـلى الـجـمـاعـة الـسّـريـالـيـة، فـقـرر، في تـشـريـن الـثّـاني مـن ذلـك الـعـام، 1948، أن يـطـرد الـفـنّـان الـشّـيـلي ألـبـيـرتـو مـاتّـا Alberto Matta مـنـهـا (5) :

matta

ورفـض الـفـنّـان فـكـتـور بـرونـر أن يـوقّـع عـلى الـحـكـم، وانـفـصـل عـن الـحـركـة الـسّـريـالـيـة مـع ألـبـيـرتـو مـاتّـا. وتـبـعـهـمـا كـلّ أعـضـاء “الـجـمـاعـة الـمـضـادّة هـ.” ومـن ضـمـنـهـم سـاران ألـكـسـنـدريـان.

وطـبـعـاً، فـقـد أصـدر أنـدريـه بـرُتـون حـكـمـاً بـطـردهـم جـمـيـعـاً مـن الـحـركـة الـسّـريـالـيـة !

وفي عـام 1949، تـحـوّلـت “الـجـمـاعـة الـمـضّـادة هـ.” إلى “الـجـمـاعـة الـلامـتـنـاهـيـة Le groupe Infini”، واشـتـدّ انـشـقـاقـهـا عـن الـسّـريـالـيـيـن، واسـتـمـرت تـحـت هـذا الاسـم حـتّى عـام 1966.

ومـن هـذا نـرى أن عـلاقـة سـاران ألـكـسـنـدريـان بـالـحـركـة الـسّـريـالـيـة كـانـت قـصـيـرة جـدّاً : أقـلّ مـن سـنـتـيـن بـيـنـمـا دامـت  الـحـركـة أكـثـر مـن أربـعـيـن سـنّـة، وأنّ دوره فـيـهـا كـان مـحـدود الأهـمـيـة.

مـقـالات سـاران ألـكـسـنـدريـان وكـتـبـه :

نـشـر سـاران ألـكـسـنـدريـان بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة عـدداً كـبـيـراً مـن الـمـقـالات الأدبـيـة، ومـقـالات عـن الـفـنّ، وأعـداداً مـن الـقـصـص الـقـصـيـرة والـرّوايـات والـمـسـرحـيـات. كـمـا نـشـر عـدّة سـيـر لـفـنـانـيـن عـاصـرهـم، ودراسـات عـن مـواضـيـع مـخـتـلـفـة، مـن أشـهـرهـا،

“الـسّـريـالـيـة والـحـلـم” 1974 :

¨le surréalisme et le rêve

و”الإشـتـراكـيـة الـرّومـانـطـيـقـيـة”، 1979 :

le socialisme romantique

و”تـاريـخ الـفـلـسـفـة الـغـيـبـيـة”، 1983 :

س. ألكسندريان

وسـيـرتـه الـذّاتـيـة “الـمـغـامـرة بـذاتـهـا”، 1990 :

l'aventure en soi

 

وقـد صـدرت تـرجـمـة عـربـيـة لـكـتـابـه “جـورج حـنـيـن رائـد الـسّـوريـالـيـيـن الـعـرب”، قـام بـهـا كـمـيـل قـيـصـر داغـر. (6)

ووافـتـه الـمـنـيـة سـنـة 2009 في داره قـرب بـاريـس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) L’aventure en soi : autobiographie. Paris, Mercure de France 1990 (449 pages)

(2) عـنـدمـا كـان الـشّـاب في أوربـا في الـقـرون الـوسـطى يـخـتـار أن يـكـرس حـيـاتـه لـحـمـايـة قـيـم الـفـروسـيـة و”الـدفـاع عـن الأرامـل والـيـتـامى”، فـقـد كـان يـركـع أمـام الـمـلـك الّـذي يـضـرب كـتـفـه بـصـفـحـة سـيـفـه ويـدخـلـه في طـبـقـة الـفـرسـان. وعـنـدمـا أرسـلـت الـمـقـال إلى صـحـيـفـة عـراقـيـة عـام 2013، لـم يـفـهـم رئـيـس الـتّـحـريـر الـمـقـصـود فـحـوّر : “لـتـكـريـس الـفـرسـان” إلى “لـتـكـريـم الـفـرسـان”.

(3) مـن الـصّـعـب كـتـابـة الإسـم الـفـرنـسي  surréalisme  بـالـحـروف الـعـربـيـة، فـلـيـس لـديـنـا في لـغـتـنـا مـا يـقـارب لـفـظ حـرف الـ U بـالـفـرنـسـيـة. وهـو تـقـريـبـاً بـيـن الـواو والـيـاء، ونـتـوصـل إلى إخـراج هـذا الـصّـوت بـاسـتـدارة الـشّـفـتـيـن وابـتـلاع الـهـواء إلى داخـل الـحـلـقـوم. والـلـفـظ الـصّـحـيـح لـلإسـم إذن بـيـن “الـسّـوريـالـيـة” و “الـسّـيـريـالـيـة” ! وقـد الـتـقـيـت بـعـراقي يـقـيـم في فـرنـسـا مـنـذ أكـثـر مـن أربـعـيـن سـنـة ولـم يـتـوصـل بـعـد إلى إخـراج صـوت حـرف الـ U هـذا مـن حـنـجـرتـه !

وتـعـني كـلـمـة surréalisme واقـعـاً أسـمى مـن واقـع عـالـمـنـا الـعـادي الّـذي لا يـتـجـاوز مـظـاهـر الأشـيـاء، ولـلـوصـول إلـيـه في كـلّ مـيـاديـن الأدب الـنّـثـري والـشـعـري والـفـنّ الـتّـصـويـري والـمـوسـيـقي … يـسـتـعـمـل الـسّـريـالـيـون الـتّـعـبـيـر الـعـفـوي الـتّـلـقـائي لـسـبـر أعـمـاق الـذّات والـتّـوصـل إلى إشـراقـات تـنـبـعـث مـن الـلاوعي ومـن الأحـلام …

(4)    Sarane Alexandrian ou Le grand défi de l’imaginaire, L’Age d’homme, Lausanne 2006.

(4) الـحـركـة الـدّادائـيـة dadaïsme حـركـة أدبـيـة وفـنّـيـة أطـلـقـهـا تـريـسـتـان تـزارا عـام 1916 في زيـورخ (سـويـسـرة)، وكـانـت تـهـدف إلى قـلـب الـمـفـاهـيـم الـتّـقـلـيـديـة لـلأدب والـفـنّ بـاسـتـعـمـال الـسّـخـريـة والإسـتـفـزاز.

(5)  نـظّـم الـمـركـز الـثّـقـافي الـعـراقي في لـنـدن عـام 1980 مـعـرضـاً عـالـمـيـاً عـنـوانـه “بـيـنـالي غـرافـيـك الـعـالـم الـثّـالـث        Graphic Art of the Third World Biennale”، وتـرأس ألـبـرتـو مـاتـا الـلـجـنـة الـتّـحـكـيـمـيـة لاخـتـيـار أفـضـل الأعـمـال الـمـعـروضـة. وكـان الـفـنّـان رافـع الـنّـاصـري عـضـواً في الـلـجـنـة.

أنـظـر : “رافـع الـنّـاصـري، حـيـاتـه وفـنّـه”، الـمـؤسـسـة الـعـربـيـة لـلـدّراسـات والـنّـشـر 2010، ص. 77.

(6) مـنـشـورات الـجـمـل 1999 (192 ص.)

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.