رحـلـة يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر إلى الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـخـامـس عـشـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شلتبيرجر 2

قـصّـة يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر Johannes SCHILDTBERGER واحـدة مـن أعـجـب الـقـصـص، فـقـد ألـقـت بـه الأقـدار، مـن نـهـايـة الـقـرن الـرّابـع عـشـر إلى بـدايـة الـقـرن الـخـامـس عـشـر، مـن أسـر إلى أسـر ومـن بـلـد إلى بـلـد حـتّى وصـل إلى بـغـداد، الّـتي يـسـمـيـهـا “بـابـل الـجـديـدة “.

ونـصّـه الـقـصـيـر عـن بـغـداد والـعـراق واحـد مـن أقـدم مـا كـتـبـه الأوربـيـون عـنّـا.

يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر :

نـعـرف أنّ يـوهـانـس ولـد قـرب مـيـونـخ في ألـمـانـيـا سـنـة 1380 أو 1381، وأنّـه بـعـد أن الـتـحـق في سـنّ الـرّابـعـة عـشـرة بـخـدمـة أحـد الـنّـبـلاء، تـبـعـه لـيـحـارب الـعـثـمـانـيـن في جـيـش سـيـغـمـونـد، مـلـك الـمـجـر. وقـد جـرح في مـعـركـة نـيـكـوبـولـيـس في 1396 فـأسـره الـعـثـمـانـيـون. ثـمّ أدخـلـوه في كـتـائـب مـشـاة جـيـش الـسّـلـطـان بـايـزيـد مـن 1396 إلى 1402. ويـبـدو أنّـه تـبـع جـيـش الـسّـلـطـان في آسـيـا الـصـغـرى وفي مـصـر.

وبـعـد هـزيـمـة بـايـزيـد في مـعـركـة أنـقـرة في 1402 أمـام جـيـش تـيـمـورلـنـك (تـيـمـورالأعـرج بـالـفـارسـيـة ) أسـر شِـلـتـبـيـرجـر ودخـل في خـدمـة تـيـمـور، وتـبـعـه إلى سـمـرقـنـد. وكـان تـيـمـور قـد فـتـح بـغـداد في 1393، ثـمّ ثـار عـلـيـه أهـلـهـا، فـعـاد إلـيـهـا في 1401 وخـرّبـهـا.

وبـعـد وفـاه تـيـمـورلـنـك في 1405، أصـبـح شِـلـتـبـيـرجـر عـبـداً لابـنـه شـاه رخ ، ثـمّ لابـنـه الآخـر مـيـران شـاه مـن بـعـده ، ثـمّ لأبي بـكـر بـن مـيـران شـاه.

وقـد قـضى عـدّة سـنـوات ( 1417 إلى 1422) في مـضـارب “عـشـيـرة الـذّهـب” الـمـنـغـولـيـة ، وتـبـع أمـيـراً تـتـريـاً يـنـتـمي إلى عـشـيـرة أبي بـكـر بـن مـيـران شـاه إلى سـبـيـريـا الّـتي لـم تـطـأهـا قـدمـا أوربي قـبـلـه ، وإلى جـنـوب روسـيـا، ووصـل إلى جـبـال الأورال والـقـوقـاز. وفي 1426، إسـتـطـاع الـهـرب مـن الأمـيـر الـتّـتـري ومـن أصـحـابـه. ووصـل إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة الّـتي كـانـت عـاصـمـة الـدّولـة الـبـيـزنـطـيـة، ومـنـهـا عـاد إلى بـلـده وأهـلـه في 1427.

وقـد كـتـب شِـلـتـبـيـرجـر سـرداً لـرحـلـتـه :Reisenbuch ، ذكـر فـيـه مـا حـدث لـه ومـا رآه ، إلى جـانـب فـصـول عـن تـاريـخ الـشّـرق في زمـنـه ووصـف لـلـمـنـاطـق الّـتي عـاش فـيـهـا وعـادات أهـلـهـا وتـقـالـيـدهـم مـن الـدّانـوب إلى الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة و روسـيـا والـهـنـد. وذكـر أنّـه ذهـب مـن مـصـر إلى فـلـسـطـيـن وجـزيـرة الـعـرب وبـغـداد وبـلاد الـفـرس.

شلتبيرجر

وصـف شِـلـتـبـيـرجـر لـبـابـل (الـقـديـمـة ) وبـابـل (الـجـديـدة ) :

لا نـعـرف في أيّـة سـنـة زار شِـلـتـبـيـرجـر بـغـداد الّـتي يـسـمـيـهـا بـابـل الـجـديـدة. ويـمـكـنـنـا أن نـسـتـنـتـج أنّ ذلـك حـدث خـلال مـصـاحـبـتـه لـجـيـش تـيـمـور لـنـك، أي بـيـن 1402 و 1405.

ويـؤكـد شِـلـتـبـيـرجـر، عـنـدمـا يـتـكـلّـم عـن بـغـداد (بـابـل الـجـديـدة ) : ” ذهـبـت إلى مـمـلـكـة بـابـل ” و “وقـد رأيـت [ فـيـهـا ] هـذه الـجـنـيـنـة “، كـمـا لـو كـان يـخـشى أن لا يـصـدّقـه الـقـرّاء وأن يـعـتـقـدوا أنّـه كـتـب مـا قـرأه عـنـهـا أو سـمـعـه مـن جـنـود تـيـمـورلـنـك الّـذيـن تـبـعـوا الـفـاتـح في تـخـريـبـهـا.

شلتبيرجر 4

وقـد اعـتـمـدت في هـذا الـمـقـطـع عـلى الـتّـرجـمـة الإنـكـلـيـزيـة، الـمـقـطـع 34 : Of the tower of Babilony that is of such great height. ص. 46 و47 ( ص. 102و 103 مـن الـطّبـعـة الألـمـانـيـة) . وسـأتـرجـم مـا كـتـب يـوهـانـس شــلـتـبـيـرجـر أوّلاً ، ثـمّ أعـلّـق عـلـيـه في الـمـقـطـع الـتّـالي.

نـصّ يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر :

” كـمـا ذهـبـت أيـضـاً إلى مـمـلـكـة بـابـل. وتـدعى بـابـل ويـداتWaydat في لـغـة الـكـفّـار. وبـابـل الـعـظـيـمـة يـحـيـطـهـا سـور يـمـتـدّ خـمـسـة وعـشـريـن فـرسـخـاً leagues ويـعـادل الـفـرسـخ ثـلاثـة أمـيـال إيـطـالـيـة [ أي أربـعـة كـيـلـومـتـرات تـقـريـبـاً ]، وكـان ارتـفـاع الـسّـور مـائـة ذراع وعـرضـه خـمـسـون ذراع ، ويـمـرّ نـهـر الـفـرات في وسـط الـمـديـنـة ، ولـكـنّـهـا الآن خـراب، لـم يـعـد فـيـهـا مـسـاكـن.

وبـرج بـابـل عـلى بـعـد أربـعـة وخـمـسـيـن غـلـوة [ الـغـلـوة تـعـادل 180 مـتـراً ] وأربـعـة غـلـوات تـعـادل مـيـلاً إيـطـالـيـاً.والـبـرج في صـحـراء بـلاد الـعـرب ، في الـطّـريـق الّـتي تـؤدي إلى مـمـمـلـكـة كـلـدة Kalda ،ولا يـمـكـن لأحـد الـذّهـاب إلـيـه بـسـبـب الـتّـنـيـنـات والـثّـعـابـيـن والـزّواحـف الأخـرى الـمـؤذيـة الّـتي تـكـثـر في هـذه الـصّـحـراء. وقـد شـيّـد الـبـرج مـلـك يـدعى في لـغـة الـكـفّـار مـربـرورطـيـرودت Marburtirudt [ …]

ويـنـبـغي عـليّ الآن أن أتـكـلّـم عـن بـابـل الـجـديـدة. ويـفـصـل بـيـن بـابـل الـجـديـدة وبـابـل الـعـظـيـمـة نـهـر يـدعى الـشّـط Schatt . وهـو نـهـرعـريـض فـيـه كـثـيـر مـن الـوحـوش الـمـائـيـة الّـتي تـأتـيـه مـن بـحـر الـهـنـد. وقـرب الـنّـهـر تـنـمـو شـجـرة فـاكـهـة تـدعى الـتّـمـر ولـكـنّ الـكـفّـار يـسـمـونـهـا كـيـنـا Kinna . ولا يـمـكـن لأحـد جـني الـثّـمـار حـتّى تـأتي الـلـقـالـق وتـبـعـد عـنـهـا الـثّـعـابـيـن الّـتي تـعـيـش تـحـتـهـا وفـي داخـلـهـا ، ولـهـذا الـسّـبـب لا يـسـتـطـيـع أحـد جـني هـذه الـثّـمـار الّـتي تـنـضـج مـرتـيـن في الـعـام. ويـجـدر الإشـارة أيـضـاً إلى أن ّ الـنّـاس في مـديـنـة بـابـل يـتـكـلّـمـون لـغـتـيـن : الـعـربـيـة والـفـارسـيـة.

وفي بـابـل أيـضـاً جـنـيـنـة فـيـهـا فـيـهـا كـلّ أنـواع الـحـيـوانـات ، طـولـهـا عـشـرة أمـيـال ويـحـيـطـهـا سـور لـكي لا يـخـرج مـنـهـا حـيـوان. وفي هـذه الـجـنـيـنـة مـكـان مـخـصـص لـلأسـود الّـتي تـسـتـطـيـع الـتّـجـول فـيـه. وقـد رأيـت هـذه الـجـنـيـنـة. والـنّـاس في هـذه الـمـمـلـكـة مـسـالـمـون لايـحـبـون الـحـرب”.

تـعـلـيـق عـلى نـصّ شِـلـتـبـيـرجـر :

لا نـعـرف الـكـثـيـر عـن مـسـتـوى يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر الـثّـقـافي ، ولـكـنـه كـان ولا شـكّ قـد تـابـع تـعـلـيـمـاً مـكّـنـه مـن الـقـراءة والـكـتـابـة بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة الّـتي كـانـت لـغـة ثـقـافـة أوربـا في الـقـرون الـوسـطى، ومـكّـنـه أيـضـاً مـن الـدّخـول في خـدمـة أحـد نـبـلاء بـلـده.

والـنّـصّ الـقـصـيـر الّـذي كـتـبـه عـن الـعـراق شـديـد الأهـمـيـة لأنّـه واحـد مـن أقـدم الـنّـصـوص الأوربـيـة عـن بـابـل وبـغـداد. وفـيـه نـرى بـوضـوح قـلّـة مـعـرفـتـه ومـعـرفـة مـعـاصـريـه بـتـاريـخ الـشّـرق الـمـعـاصـر لـهـم، فـفـيـه خـلـط بـيـن مـعـلـومـات تـاريـخـيـة وبـيـن مـشـاهـدات لـم يـسـتـطـع وضـعـهـا في مـكـانـهـا وإدراك مـغـزاهـا. ولا شـكّ في أنّـه لـم يـتـعـلّـم الـعـربـيـة و لا الـفـارسـيـة خـلال إقـامـتـه الإجـبـاريـة الـطّـويـلـة في الـشّـرق. وكـان في صـحـبـة جـنـود لا يـتـكـلّـمـون واحـدة مـن هـاتـيـن الـلـغـتـيـن. ولـم يـحـصـل عـلى شـئ مـن الـمـعـلـومـات عـن بـغـداد لا مـن أهـلـهـا و لا مـن أصـحـابـه الـجـنـود.

والـمـقـايـيـس الّـتي يـذكـرهـا شِـلـتـبـيـرجـر عـنـد كـلامـه عـن بـابـل الـعـظـيـمـة ، أي بـابـل الـقـديـمـة أخـذهـا مـن كـتـاب الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت (أنـظـر مـقـالي : بـلاد مـابـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت).

وبـرج بـابـل الّـذي يـتـكـلّـم عـنـه حـسـب بـعـده الّـذي ذكـره عـن الـمـديـنـة هـو بـيـرس نـمـرود، والّـذي كـان الـنّـاس يـسـمـونـه مـربـوط نـمـرود أي سـجـن نـمـرود، ومـنـهـا جـاء تـشـويـه شـلـتـبـيـرجـر لـهـذا الإسـم : مـربـرورطـيـرودت Marburtirudt. وهـو الـبـرج الّـذي ذكـره الـحـاخـام الإسـبـاني بـنـيـامـيـن الـتّـدلّي عـنـدمـا تـكـلّـم عـن بـرج بـابـل في نـصّ رحـلـتـه الّـتي مـرّ فـيـهـا بـالـعـراق في 1171م . ولا نـعـرف الـمـصـدر الّـذي أخـذ مـنـه هـذه الـمـعـلـومـات لأنّ كـتـاب بـنـيـامـيـن الـتّـدلّي لم يـكـن قـد نـشـر بـعـد في زمـن شـلـتـبـيـرجـر.

والـشـط ّSchatt الّـذي ذكـره هـو دجـلـة، ولـكـنّـه كـان يـعـتـقـد أنّـه الـفـرات كـمـا قـرأه عـنـد هـيـرودوت فـهـو قـد ألـصـق مـعـلـومـة تـاريـخـيـة عـلى مـشـاهـدة واقـعـيـة لـم يـفـهـمـهـا ، ولـهـذا كـان يـتـصـوّر أنّ بـابـل الـقـديـمـة كـانـت في الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـنّـهـر .

وكـان يـوهـانـس شِـلـتـبـيـرجـر مـتـديّـنـاً كـكـلّ أهـل زمـانـه. وكـان يـعـتـقـد إذن أنّ ديـنـه هـو الـدّيـن الـحـق، وأنّ كـلّ مـن لـم يـكـن مـسـيـحـيـاً فـهـو كـافـر. ولـهـذا وصـف الـمـسـلـمـيـن بـ “الـكـفّـار”.

أمّـا كـيـف تـحـوّل اسـم “بـغـداد” إلى ويـدات Waydat فـهـو يـعـود ولا شـكّ إلى اخـتـلاف الـلـفـظ بـيـن لـغـة وأخـرى.

أمّـا عـن تـسـمـيـة الـتّـمـر بـكـيـنـا Kinna ، فـنـحـن نـجـد في طـبـعـة Penzel لـكـتـاب شـلـتـبـيـرجـر (1813) كـلـمـة كـورنـيـا Kurnia بـدلاً مـن Kinna الّـتي ربّـمـا جـاءت مـن خـورمـا وهـو شـجـر يـشـبـه الـنّـخـيـل وإن كـان مـن فـصـيـلـة مـخـتـلـفـة يـنـمـو في بـلاد فـارس ومـا بـعـد الـقـوقـاز، وربّـمـا هـو الّـذي دعـاه ابـن بـطـوطـة بـالـخـلان.

ولا عـجـب في أن يـجـد شِـلـتـبـيـرجـر أهـل بـغـداد مـسـالـمـيـن لا يـحـبّـون الـحـرب فـقـد كـان غـنـاهـا يـأتـيـهـا مـن أصـحـاب الـصّـنـائـع والـتّـجـار، وربّـمـا لأنّـه زارهـا بـعـد أن أعـاد أحـمـد بـن أويـس الـجـلائـري تـشـيـيـد الـمـديـنـة الّـتي كـان قـد خـرّبـهـا تـيـمـورلـنـك. وكـان قـد سـكـنـهـا كـثـيـرمـن الـفـرس إلى جـانـب الـعـرب .

أمّـا الـجـنـيـنـة الّـتي تـمـلأهـا الـحـيـوانـات فـهي مـن تـقـالـيـد بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. ونـعـرف مـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة أنّ الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال مـثـلاً كـان لـه في قـصـره جـنـيـنـة تـحـتـوي عـلى أنـواع مـن الـحـيـوانـات مـن بـيـنـهـا الأسـود الّـتي تـظـهـره مـنـحـوتـات قـصـره وهـو يـصـارعـهـا.

ويـذكـر زوسـيـمـوس Zosimus في تـاريـخ رومـا Hist. Rom., iii, 23  أنّ جـنـود الإمـبـراطـور الـرّومـاني جـولـيـانـوس وجـدوا فـي بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن جـنـيـنـة مـلـكـيـة جـمـعـت فـيـهـا حـيـوانـات مـتـنـوعـة.

وقـد أخـذ عـنـهـم الـفـرس هـذه الـتّـقـالـيـد فـقـد وجـد جـنـود الـيـونـان الّـذيـن شـاركـوا في حـمـلـة الإمـبـراطـور هـرقـل في 627 م. ضـدّ الـفـرس جـنـيـنـة مـثـلـهـا قـرب قـصـر كـسـرى كـان فـيـهـا أنـواع مـخـتـلـفـة مـن الـحـيـوانـات ذكـروا مـنـهـا الـنّـعـام والـدّبـبـة والـطّـواويـس والأسـود والـنّـمـور …

كـمـا كـان لـلـخـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن مـثـل هـذه الـجـنـائـن. ويـتـكـلّـم بـنـيامـيـن الـتّـوديـلي Benjamin de Tudèle الّـذي زار بـغـداد في 1171 م. في زمـن الـخـلـيـفـة الـمـسـتـضئ بالله عـن جـنـيـنـة حـيـوانـاتـه.

مـا زالـت أربـع مـكـتـبـات تـحـتـفـظ بـأربـع مـخـطـوطـات لـكـتـاب شِـلـتـبـيـرجـر الّـذي طـبـع لأوّل مـرّة في أوغـسـبـورغ في ألـمـانـيـا في حـوالي 1460 م. ثـمّ أعـيـد طـبـعـه عـشـرات الـمـرّات مـن الـقـرن الـخـامـس عـشـر إلى الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

و الـطـبـعـة الّـتي يـعـتـمـد عـلـيـهـا الـبـاحـثـون حـقـقـهـا كـارل ف. نـومـان K. F. Neumann

ونـشـرهـا في 1859: Reisen des Johannes Schiltberger aus München in Europa, Asia und Afrika von 1394 bis 1427, München 1859.

شلتبيرجر 3

وعـنـهـا تـرجـم بـوشـان تـيـفـلـر commander J. Buchan Tefler الـكـتـاب إلى الإنـكـلـيـزيـة ونـشـره في لـنـدن في 1879 : The Bondage and Travels of Johann Schiltberger, a native of Bavaria in Euorpe, Asia and Africa 1396-1427

وقـد اعـتـمـدت عـلى طـبـعـة تـيـفـلـر في تـرجـمـتي لـلـمـقـطـع الّـذي تـكـلّـم فـيـه شـلـتـبـيـرجـر عـن بـغـداد. كـمـا اسـتـفـدّت في الـتّـعـلـيـق عـلـيـه مـن بـعـض الـمـلاحـظـات الـقـيّـمـة الّـتي وضـعـهـا  Professor P. Bruun في نـهـايـة الـكـتـاب.

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

قـفـف دجـلـة وأكـلاكـهـا

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

مـا أشـد مـا كـانـت دهـشـتي عـنـدمـا زرت الـمـتـحـف الألـمـاني Deutsches Museum في مـديـنـة مـيـونـخ München في جـنـوب غـرب ألـمـانـيـا والـمـخـصـص لـلـعـلـوم والـتّـقـنـيـات، فـقـد رأيـت عـدداً مـن الـزّوّار تـحـلّـقـوا حـول قـفّـة مـثـل تـلـك الـقـفـف الّـتي رأيـتـهـا عـلى دجـلـة في صـغـري !

deutmu02

ودرت حـولـهـا مـع الـدّائـريـن وأنـا أتـسـاءل كـيـف وصـلـت إلى الـمـتـحـف ومـن أتى إلـيـه بـهـا !

صور 1453

ولـم تـكـن تـلـك الـمـفـاجـأة الـوحـيـدة فـقـد وجـدت في نـهـايـة الـقـاعـة الـواسـعـة كـلـكـاً مـن أكـلاك دجـلـة مـعـلّـقـاً عـلى الـجـدار بـأخـشـابـه ومـجـاذيـفـه وقِـربـه  الـمـنـفـوخـة !

صور 1457

(أدرت إحـدى الـصّـور لأُري مـن لا يـعـرفـه كـيـف يـطـفـو الـكـلـك عـلى الـمـاء) :

صور 1458

وقـد اغـتـنـمـت فـرصـة رؤيـة الـقـفّـة والـكـلـك في الـغـربـة لأذكـر لـكـم بـعـض مـا رأيـتـه عـنـهـا أيـضـاً في الـمـتـاحـف وفي الـصّـور الـقـديـمـة وبـعـض مـا قـرأتـه عـنـهـا في الـكـتـب وخـاصـة عـنـد الأجـانـب الّـذيـن رأوهـا وركـبـوهـا.

قـفّـة قـصـر سـنـحـاريـب :

لـو شـددنـا رحـالـنـا إلى لـنـدن ودخـلـنـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني The British Museum لـفـتـحـنـا أفـواهـنـا دهـشـة أمـام مـنـحـوتـة جـداريـة عـثـر عـلـيـهـا في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـنـحـاريـب (حـكـم مـن 705 إلى 681 قـبـل الـمـيـلاد) تـمـثّـل قـفّـة واسـعـة الإسـتـدارة عـالـيـة الـحـواف يـسـيّـرهـا رجـلان جـلـسـا في طـرفـيـن مـنـهـا بـمـجـاذيـف تـبـدو مـثـل سـنّـارات ضـخـمـة في نـهـر (فـقـد أظـهـر الـنّـحـات ضـفـتـيـه). وفي جـانـبي الـقـفّـة رجـلان يـصـيـدان الـسّـمـك إمـتـطى كـلّ واحـد مـنـهـمـا قـربـة مـنـفـوخـة.

guffa

وقـد وجـدت رسـمـاً حـفـر عـلى الـخـشـب وطـبـع عـن هـذه الـمـنـحـوتـة ، ونـشـرتـه جـان ديـولافـوا في كـتـاب سـردت فـيـه رحـلـتـهـا إلى الـعـراق في عـام 1887:

Dieulafoy 17

كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة لـتـخـطـيـط رسـمـه عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني هـنـري لَـيـارد لـمـنـحـوتـة وجـدهـا في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـنـحـاريـب أيـضـاً تـمـثّـل كـلـكـاً يـطـفـو عـلى قِـرب مـنـفـوخـة (نـرى مـنـهـا سـبـعـة مـن جـانـبـنـا) يـسـيّـرهـا رجـلان، الـواحـد مـنـهـمـا بـجـانـب الآخـر بـمـجـاذيـف تـبـدو مـثـل سـنّـارات ضـخـمـة في نـهـر (فـقـد أظـهـر الـنّـحـات ضـفـتـيـه), وخـلـفـهـا رجـل يـسـبـح عـلى قـربـة مـنـفـوخـة ويـضـع يـده عـلى مـؤخـرة الـكـلـك.

كلك 2

أقـدم وصـف لـلـقـفـة والـكـلـك :

ولـنـدخـل الآن في مـكـتـبـة ونـفـتـح “تـاريـخ” الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد، بـعـد حـوالي خـمـسـيـن سـنـة مـن سـقـوطـهـا، فـسـنـجـده يـتـكـلّـم عـن الـقـفـف في الـمـقـطـع 194 مـن الـكـتـاب الأوّل مـن مـؤلَـفـه الـشّـهـيـر، وقـفـفـه كـانـت تـنـزل نـهـر الـفـرات إلى بـابـل :

” وسـأذكـر الآن مـا بـدا لـعـيـنيّ أعـجـب مـا في هـذا الـبـلـد بـعـد مـديـنـة بـابـل نـفـسـهـا، فـلـديـهـم مـراكـب يـنـزلـون بـهـا الـنّـهـر حـتّى مـديـنـة بـابـل. وهي مـسـتـديـرة صـنـعـت بـكـامـلـهـا مـن الـجـلـود. وتـصـنـع في أرمـيـنـيـا، شـمـال بـلاد آشـور. هـيـكـلـهـا مـن أغـصـان صـفـصـاف تـغـطى مـن الـخـارج بـجـلـود كـمـا تـغـطى الـقـوارب بـألـواح الـخـشـب. ولـيـس فـيـهـا جـؤجـؤ مـدبـب ولا كـوثـل بـل هي دائـريـة الـشّـكـل كـالـدّروع.

ويـضـعـون في قـعـرهـا تـبـنـاً، ثـمّ يـركـبـونـهـا ويـحـمّـلـونـهـا بـالـبـضـائـع وخـاصـة الـنّـبـيـذ في بـرامـيـل تـصـنـع مـن جـذوع الـنـخـيـل. ولـكي تـسـيـر مـسـتـقـيـمـة إلى الأمـام يـنـبـغي أن يـقـودهـا رجـلان واقـفـان عـلـيـهـا، يـجـذب أحـدهـمـا مـجـذافـه نـحـوه ويـبـعـد الآخـر مـجـذافـه عـنـه. وتـصـنـع هـذه الـمـراكـب بـأحـجـام مـخـتـلـفـة يـمـكـن لأكـبـرهـا أن تـحـمـل خـمـسـة آلاف تـالان [13 طـنّـاً]. ويـوضـع في كـلّ مـركـب مـنـهـا حـمـار حيّ. ويـوضـع عـدد مـن الـحـمـيـر في أكـبـرهـا. وعـنـدمـا يـصـلـون إلى بـابـل ويـنـزلـون بـضـائـعـهـم، يـبـيـع أصـحـابـهـا خـشـب هـيـكـلـهـا وتـبـنـهـا بـالـمـزاد، ويـحـمّـلـون جـلـودهـا عـلى ظهـور الـحـمـيـر ثـمّ يـصـعـدون عـائـديـن إلى أرمـيـنـيـا. والـحـقـيـقـة أنّـه مـن الـمـسـتـحـيـل عـلى مـركـب أن يـصـعـد الـنّـهـر لـشّـدّة نـزول تـيـاراتـه الـسّـريـعـة. ولـهـذا يـصـنـعـون مـراكـبـهـم مـن الـجـلـود بـدلاً مـن الأخـشـاب. وعـنـدمـا يـصـلـون مـع حـمـيـرهـم إلى أرمـيـنـيـا، يـصـنـعـون مـراكـب أخـرى مـثـلـهـا. وهـكـذا هي مـراكـبـهـم عـلى الـمـاء”.

وفي وصـف هـيـرودوت لـقـفّـة زمـانـه عـدّة مـعـلـومـات غـريـبـة لا يـمـكـنـنـا الـتّـأكـد مـنـهـا فـلـيـس لـنـا مـن تـلـك الـفـتـرة إلّا نـصّـه ومـا وجـد في قـصـر سـنـحـاريـب الّـتي سـبـقـتـه بـحـوالي ثـلاثـة قـرون. فـقـد كـانـت الـقـفـف في وصـفـه تـغـطى بـالـجـلـود بـدلاً مـن أن تـطـلى بـالـقـار مـثـل قـفـف دجـلـة الّـتي رأيـتـهـا في بـغـداد.

gofa07

ويـبـدو أنّ مـنـحـوتـة قـصـر سـنـحـاريـب الأولى، إذا تـمـعـنّـا الـنّـظـر فـيـهـا تـصـوّر قـفّـة تـغـطـيـهـا الـجـلـود خـيّـطـت فـيـمـا بـيـنـهـا. كـمـا أنـنـا نـفـهـم أنّ الـتّـجـار كـانـوا يـنـزلـون مـن أرمـيـنـيـا إلى بـابـل عـن طـريـق نـهـر الـفـرات وأنّـهـم لا يـسـتـطـيـعـون صـعـوده “لـشّـدّة نـزول تـيـاراتـه الـسّـريـعـة”.

ونـجـد نـفـس هـذه الـمـعـلـومـات في نـصّ كـتـبـه الـتّـاجـر الإنـكـلـيـزي رالـف فـيـتـش Ralph FITCH في عـام 1583عـن الـمـركـب الّـذي نـزل عـلـيـه نـهـر الـفـرات إلى الـفـلـوجـة :

“ولا يـمـكـن اسـتـعـمـال هـذه الـمـراكـب إلّا مـرّة واحـدة، فـالـتّـيّـار شـديـد ولايـمـكـنـهـم صـعـوده. وهـم يـصـطـحـبـون الـمـسـافـريـن إلى مـديـنـة اسـمـهـا الـفـلـوجـة Feluchia الّـتي يـبـيـعـون فـيـهـا الـمـركـب بـسـعـر بـخـس”.

وقـد كـتـب رالـف فـيـتـش بـعـد أن وصـل إلى بـغـداد عـن الأكـلاك الّـتي لـم يـذكـرهـا هـيـرودوت : “وتـأتـيـهـا كـثـيـر مـن الـسّـلـع مـن أرمـيـنـيـا عـن طـريـق نـهـر دجـلـة عـلى أكـلاك مـن جـلـود مـاعـز مـنـفـوخـة تـثـبـت عـلـيـهـا ألـواح مـن الـخـشـب، وتـحـمّـل عـلـيـهـا الـبـضـائـع. وعـنـدمـا تـصـل وتـنـزل مـنـهـا الـبـضـائـع تـفـرغ الـقـرب الـمـنـفـوخـة مـن الـهـواء، وتـحـمّـل عـلى ظـهـورالـجـمـال إلى أرمـيـنـيـا لـتـسـتـعـمـل مـن جـديـد”.

kalak 2

وصـف تـافـرنـيـيـه لـلـكـلـك في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر :

ولـنـفـتـح الآن كـتـابـاً آخـر سـرد فـيـه الـتّـاجـر الـفـرنـسي جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه رحـلاتـه الـسّـتّ إلى الـشّـرق والّـتي زار الـعـراق خـلالـهـا عـدّة مـرّات. فـقـد انـطـلـق مـن حـلـب مـع قـافـلـة نـحـو الـمـوصـل الّـتي وصـلـهـا في الـثّـاني مـن شـبـاط 1652. ومـنـهـا انـحـدر عـلى مـيـاه دجـلـة في كـلـك نـحـو بـغـداد الّـتي وصـلـهـا في 25 شـبـاط.

ويـتـكـلّـم تـافـرنـيـيـه عـن هـذه الـرّحـلـة في الـفـصـلـيـن الـسّـابـع والـثّـامـن مـن الـكـتـاب الـثـاني، إبـتـداءً مـن صـفـحـة 202:

“وصـلـنـا إلى الـمـوصـل أو نـيـنـوى في الـثّـاني مـن شـبـاط، وبـقـيـنـا فـيـهـا إلى الـخـامـس عـشـر مـن نـفـس الـشّـهـر، فـلـقـد كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر إعـداد الأكـلاك kilets وهي مـراكـب الـبـلـد. وكـنّـا نـحـتـاج إلى أربـعـة مـنـهـا فـقـد كـان في الـقـافـلـة كـثـيـر مـن الـمـسـافـريـن. ولـم يـكـن لأهـل الـبـلـد أكـلاك جـاهـزة فـهـم لا يـشـرعـون في صـنـعـهـا إلّا إذا جـاءهـم رجـال مـعـهـم بـضـائـع يـريـدون تـحـمـيـلـهـا. وعـليّ هـنـا أن أصـف هـذه الأكـلاك : فـهي مـن أخـشـاب مـربـعـة، يـضـعـون طـبـقـتـيـن مـنـهـا حـتّى لا تـبـتـل الـرّجـال والـبـضـائـع، الـواحـدة مـنـهـا فـوق الأخـرى. ولـكـن لـيـتـركـوا مـكـانـاً لـلـمـجـذفـيـن الّـذيـن يـجـلـسـون في كـلّ زاويـة مـن زوايـا الـكـلـك الأربـع فـالـطّـبـقـة الـعـلـيـا أصـغـر بـحـوالي قـدمـيـن مـن الـطّـبـقـة الـسّـفـلى وهي تـعـلـوهـا كـمـنـصّـة. وتـربـط تـحـتـهـا أعـداد مـن الـقـرب الـمـنـفـوخـة حـسـب سـعـة الـكـلـك وحـسـب كـمـيـة الـبـضـائـع الـمـحـمّـلـة عـلـيـه. وتـصـل في بـعـض الأكـلاك إلى 300 قـربـة. وكـان الـكـلـك الّـذي سـافـرت عـلـيـه يـطـفـو فـوق 150 قـربـة. والـقـرب مـن جـلـد الـمـاعـز الّـتي يـعـاد نـفـخـهـا كـلّ صـبـاح وكـلّ مـسـاء. وهـم يـراقـبـونـهـا بـاسـتـمـرار خـشـيـة أن تـثـقـبـهـا الـصـخـور أو الأغـصـان في مـجـرى الـنّـهـر. وكـان كـلـكـنـا يـحـمـل ثـلاثـيـن مـسـافـراً وسـتـيـن قـنـطـاراً مـن الـبـضـائـع حـسـب الـمـيـزان الـحـلـبي أي مـا يـعـادل ثـلاثـة وثـلاثـيـن ألـف رطـل بـاريـسي”.

kalak

نـقـل الـثّـيـران الـمـجـنـحـة عـلى الأكـلاك :

وبـعـد أن أنـهى بـول أمـيـل بـوتـا Paul- Emile BOTTA تـنـقـيـبـاتـه في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني “دور شـروكـيـن” في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل في 1844، إخـتـار أجـمـل الـقـطـع مـن بـيـن مـاكـان قـد عـثـر عـلـيـه، ثـمّ حـمّـلـهـا عـلى أكـلاك نـزلـت بـهـا عـلى نـهـر دجـلـة إلى الـبـصـرة. ومـن الـبـصـرة حـمـلـتـهـا سـفـن إلى مـيـنـاء الـهـافـر في شـمـال فـرنـسـا، ثـمّ وصـلـت عـن طـريـق نـهـر الـسّـيـن إلى بـاريـس. وفي 1 أيّـار 1847، إفـتـتـح مـلـك فـرنـسـا، لـويـس فـيـلـيـب “الـمـتـحـف الآشـوري” الّـذي خـصـصـت لـه قـاعـتـان في داخـل مـتـحـف الـلـوفـر.

1468573_181151722082192_920283700_n

وفي 1845، بـدأ الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد Austen Henry LAYARD تـنـقـيـبـاتـه في تـلّ الـنـمـرود (مـوقـع كـلـح). وبـعـد نـجـاحـه في الـحـصـول عـلى قـطـع أثـريـة مـهـمّـة، طـلـب مـنـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن أن يـنـقـبّ في قـويـنـجـق وفي قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة). وقـد أزاح لَـيـارد الـتّـراب عـن سـتّـة ثـمـاثـيـل ضـخـمـة لأسـود وثـيـران، أراد أن يـبـعـث مـنـهـا بـزوجـيـن إلى لـنـدن : أســد وثـور يـقـارب وزنـهـا عـشـرة أطـنـان. وقـد صـنـعـت لـه آلات بـبـكـرات أدارهـا عـشـرات مـن عـمّـالـه لـتـرفـع وتـحـمّـل عـلى عـربـة بـعـجـلات جـرّهـا 300 رجـل. ثـمّ حـمّـلـت عـلى كـلـك واسـع ربـطـت تـحـتـه 600 قِـربـة مـنـفـوخـة مـن جـلـود الـمـاعـز، ثـمّ حـمّـلـت عـنـد وصـولـهـا إلى الـبـصـرة عـلى سـفـيـنـة نـقـلـتـهـا إلى الـهـنـد ثـمّ حـول أفـريـقـيـا إلى لـنـدن. وعـنـدمـا وصـلـت أمـام الـمـتـحـف الـبـريـطـاني ثـبّـتـت ألـواح مـن الـخـشـب عـلى سـطـح الـسّـلّـم الـضّـخـم الّـذي يـؤدي إلى الـمـدخـل سـحـبـت عـلـيـهـا الـصّـنـاديـق الّـتي تـحـتـوي عـلى الـتّـمـاثـيـل، ثـمّ ركّـبـت تـحـتـهـا عـجـلات صـغـيـرة ودفـعـت حـتّى الأمـاكـن الّـتي وضـعـت فـيـهـا.

ولـديـنـا رسـم بـالألـوان الـمـائـيـة نـفـذّه فـردريـك شـارلـز كـوبـر Frederick Charles Cooper الّـذي كـان قـد صـاحـب حـمـلـة لّـيـارد يـظّـهـر فـيـه نـقـل ثـور مـجـنـح عـلى كـلـك.

كلك 4

وفي 1852، بـدأ فـكـتـور بـلاس Victor PLACE الّـذي كـان قـد عـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في الـمـوصـل تـنـقـيـبـاتـه في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني “دورشـروكـيـن” في خـورســبـاد، قـرب الـمـوصـل، والّـتي اسـتـمـرّت حـتّى عـام 1853. وفي 1855، حـمّـلـت أعـداد كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان فـكـتـور بـلاس قـد وجـدهـا في خـورســبـاد عـلى أكـلاك انـحـدرت عـلى مـيـاه دجـلـة إلى الـبـصـرة لـتـرسـل إلى بـاريـس، ولـكـنّ جـزءاً مـنـهـا غـرق في شــط الـعـرب.

ونـنـهي هـذه الـلـمـحـات الـسّـريـعـة عـن الـقـفـف والأكـلاك بـصـورتـيـن عـن سـبـاق قـفـف Guffa racesجـرى عـلى نـهـر دجـلـة في بـغـداد  شـارك فـيـه عـراقـيـون وأجـانـب

Eldorado- Photo 13

ومـن بـيـنـهـم هـذا الإنـكـلـيـزي وزوجـتـه وكـلـبـهـمـا !

كلك 6

وقـد وجـدت في كـتـاب صـدر عـام 1995 وعـنـوانـه :A History of the British Cavalry, 1816-1919: Mesopotamia, 1914-1918 أي تـاريـخ الـخـيـالـة الـبـريـطـانـيـة بـيـن 1816 و 1919 : الـعـراق 1914ـ1918، ألّـفـتـه مـجـمـوعـة مـن الـمـؤرخـيـن الـبـريـطـانـيـيـن أنّ الـضّـبـاط الإنـكـلـيـز نـظّـمـوا عـلى دجـلـة سـبـاقـات الـقـفـف هـذه بـعـد أن احـتـلّـوا بـغـداد في 1917. ولا شـكّ في أنّـهـا أقـيـمـت خـلال حـكـم الإنـكـلـيـز الـعـسـكـري وحـتّى بـدايـة قـيـام الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في عـام 1921.

رسـوم دونالـد مـاكـسـويـل ولـوحـاتـه عـن الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

تـعـوّد الـكـثـيـر مـنّـا عـلى رؤيـة صـور رسـوم الـبـريـطـاني دونـالـد مـاكـسـويـل Donald  Maxwell ولـوحـاتـه الّـتي تـنـشـر هـنـا وهـنـاك مـن غـيـر ذكـر لاسـم رسّـامـهـا. وبـعـد أن قـرأت كـتـابـه عـن الـعـراق والّـذي يـحـتـوي عـلى هـذه الـرّسـوم بـحـثـت عـمّـا كـتـب عـنـه بـالـلـغـة الـعـربـيـة. ودهـشـت لأنـني لـم أجـد شـيـئـاً يـذكـر :

ولـد دونـالـد مـاكـسـويـل سـنـة 1877 في إنـكـلـتـرة. وبـدأ دراسـتـه لـلـفـنّ في مـدرسـة مـديـنـتـه الـصّـغـيـرة : The Clapham School of Art . وسـافـر بـعـد ذلـك إلى لـنـدن لـيـدرس في The Slade School of Fine Art ، ثـمّ في The Royal College of Art. وقـد بـدأ حـيـاتـه الـمـهـنـيـة يـكـتـب ويـرسـم في مـجـلات عـديـدة.

وقـد شـارك دونـالـد مـاكـسـويـل في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى كـضـابـط في الـبـحـريـة الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة ، ثـمّ كـرسّـام رسـمي . ورسـم خـلال تـلـك الـفـتـرة سـفـن الـبـحـريـة الـبـريـطـانـيـة وعـمـلـيـاتـهـا الـحـربـيـة.

وقـد بـعـثـه الـمـتـحـف الـحـربي The Imperial War Museum في 1919 إلى الـعـراق لـيـنـفـذ رسـومـاً ولـوحـات عـن الـسّـفـن الـحـربـيـة وعـن الـمـلاحـة في دجـلـة والـفـرات.

(c) IWM (Imperial War Museums); Supplied by The Public Catalogue Foundation

ونـبـدأ مـقـالـنـا بـلـوحـة زيـتـيـة يـحـتـفـظ بـهـا الـمـتـحف الـحـربي في لـنـدن. ونـرى فـيـهـا سـفـيـنـتـيـن بـخـاريـتـيـن مـن سـفـن الـبـحـريـة الـبـريـطـانـيـة تـخـتـرقـان نـهـر دجـلـة في بـغـداد. ونـلاحـظ أنّ جـسـر الـقـوارب قـد فُـتـح لـتـمـرّ الـسّـفـيـنـتـان في وسـطـه. ولا بـد أنّـه كـان مـشـهـداً مـألـوفـاً لأنـنـا نـرى بـحـارة الـسّـفـن الـشّـراعـيـة وأصـحـاب الـقـفـف مـنـشـغـلـيـن بـأمـورهـم ، لا يـعـيـرونـهـمـا اهـتـمـامـاً.

وقـد نـشـر دونـالـد مـاكـسـويـل في لـنـدن (دار نـشـر John Lane ) عـام 1921 كـتـابـاً يـسـرد فـيـه رحـلـتـه هـذه إلى الـعـراق كـمـغـامـرات رسّـام (رسـمي) في جـنّـة عـدن، وانـطـبـاعـاتـه الـشّـخـصـيـة عـن الـبـلـد وسـاكـنـيـه :

«  A Dweller in Mesopotamia, being the Adventures of an official Artist in the Garden of Eden. With sketches in colour, monochrome, and line ».

D. Maxwell 18

وصـاحـب نـصّـه بـعـدد مـن الإسـكـتـشـات بـعـدّة ألـوان أو بـلـون واحـد، وبـعـدد مـن الـتـخـطـيـطـات.

ومـاعـدا كـتـابـه هـذا عـن الـعـراق ، فـقـد نـشـر دونـالـد مـاكـسـويـل أكـثّـر مـن ثـلاثـيـن كـتـابـاً تـصـاحـبـهـا رسـومـه عـن رحـلاتـه في أوربـا والـهـنـد وفـلـسـطـيـن.

الـرّحـلـة إلى الـعـراق :

يـبـدأ كـتـاب دونـالـد مـاكـسـويـل عـن الـعـراق بـوصـولـه مـن عَـبـدان (أو عـبـادان) إلى الـبـصـرة الّـتي يـصـفـهـا في فـصـل عـنـوانـه : ” بـنـدقـيـة الـشّـرق The Venice of the East”. ويـعـني بـذلـك أنّ الـبـصـرة تـشـبـه مـديـنـة الـبـنـدقـيـة Venezia في شـمـال شـرق إيـطـالـيـا الـمـعـروفـة بـكـثـرة قـنـوات الـمـاء الّـتي تـخـتـرقـهـا.

D. Maxwell 2

D. Maxwell 3

ثـمّ يـتـكـلّـم في فـصـل ” سـنـدبـاد الـجـنـدي Sinbad the soldier ” عـن أنـواع الـقـوارب والـمـراكـب الّـتي رآهـا فـيـهـا والّـتي تـنـتـمي إلى كـلّ الأمـم وكـلّ الـعـصـور مـن ” قـفّـة زمـن سـنـحـاريـب ” إلى أحـدث الـسّـفـن الـبـخـاريـة. ورسـم سـفـيـنـة شـراعـيـة مـن الّـتي تـدعى بـ ” الـمـهـيـلـة “.

D. Maxwell 6

وفي طـريـقـه صـاعـداً إلى بـغـداد عـن طـريـق الـنّـهـرعـلى مـتـن سـفـيـنـة بـخـاريـة اسـمـهـا شـوشـان ShusHan

D. Maxwell 5

تـوقّـف لـيـرسـم مـشـاهـد مـن الأهـوار : “رسـمـت تـخـطـيـطـاً لـقـريـة يـسـكـنـهـا عـرب الأهـوار في الـمـسـاء. وعـنـدمـا عـدت إلـيـهـا في صـبـاح الـيـوم الـتّـالي لأتـأكّـد مـن بـعـض الـتّـفـاصـيـل … لـم أجـدهـا ! وتـابـعـت تـيّـارات الـمـيـاه حـتّى وجـدتـهـا في الـظّـهـر عـلى بـعـد حـوالي عـشـرة أمـيـال مـن مـكـانـهـا الـسّـابـق”.

D. Maxwell 4

ثـمّ تـكـلّـم عـن قـبـر الـعـزيـر

D. Maxwell 7

والـفـجـر في الـعـمـارة

D. Maxwell 14

ووضـع رسـمـاً لـسـفـيـنـة يـخـاريـة لـنـقـل الـمـسـافـريـن عـلى دجـلـة

D. Maxwell 15

و رسـمـيـن لآثـار بـابـل.

D. Maxwell 10

D. Maxwell 9

وقـد أقـام دونـالـد مـاكـسـويـل في بـغـداد فـتـرة طـويـلـة ووصـفـهـا وصـفـاً مـفـصّـلاً. ووضـع رسـمـاً لـمـآذن الـكـاظـمـيـن الـمـذهّـبـة

D. Maxwell

ولـجـامـع في بـغـداد

D. Maxwell 13

ولـبـغـداد في الـلـيـل

D. Maxwell 12

D. Maxwell 11

كـمـا زار دونـالـد مـاكـسـويـل عـدداً مـن الـمـنـاطـق الـعـراقـيـة ومـدنـهـا وصـعـد نـهـر الـفـرات ورسـم هـيـت

D. Maxwell 16

و”فـوهـات جـهـنـم ” الّـتي تـنـفـث قـاراً ودخـانـاً مـلـتـهـبـاً قـرب الـمـديـنـة.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

“هـرون الـرّشـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارلـمـان” لـوحـة لـيـولـيـوس كـوكـيـرت

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

هرون 3 (6)

كـان الـرّسّـام الألـمـاني يـولـيـوس كـوكـيـرت Julius Köckert (الّـذي ولـد في لايـبـزك في 1827، وتـوفي في مـيـونـيـخ في 1918) مـشـهـوراً في زمـنـه بـرسـم لـوحـات الـحـيـاة الـيـومـيـة والـلـوحـات الـتّـاريـخـيـة. وكـان يـتـقـن مـهـنـتـه كـرّسّـام، ويـمـارسـهـا عـلى الـطّـريـقـيـة الـكـلاسـيـكـيـة الأكـاديـمـيـة. وهـذا يـعـني أنّـه لـم يـأتِ بـأي تـجـديـد ومـن أي نـوع كـان في فـنّ الـرّسـم، مـثـلـه مـثـل آلاف الـرّسّـامـيـن الّـذيـن اخـتـرقـوا تـاريـخ الـفـنّ مـن غـيـر أن يـتـركـوا آثـاراً تـمـيّـزهـم عـن غـيـرهـم.

وقـد رسـم يـولـيـوس كـوكـيـرت في 1864 لـوحـة أسـمـاهـا بـالألـمـانـيـة : Der Kalif Harun al Raschid empfängt im Jahr 786 die Gesandten Karls des Großen in Bagdad أي “هـرون الـرشّـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارل الأكـبـر في بـغـداد عـام 786 م.”. وهي لـوحـة مـا زالـت مـؤسـسـة مـاكـسـيـمـيـلـيـانـوم Räumen der Studienstiftung Maximilianeum في مـيـونـيـخ في ألـمـانـيـا تـحـتـفـظ بـهـا.

هرون 7

ولا شـكّ في أنّ يـولـيـوس كـوكـيـرت كـان يـعـرف لـوحـة الـفـنّـان الـفـلامـنـكي الـشّـهـيـر يـعـقـوب يـوردايـنـس Jacob Jordaens : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان”(1)، وأنّـه أراد أن يـصـوّر الـسّـفـارة الّـتي سـبـقـت تـلـك الّـتي بـعـثـهـا الـخـلـيـفـة إلى بـلاط الإمـبـراطـور، أي تـلـك الّـتي كـان الإمـبـراطـور قـد أرسـلـهـا إلى بـلاط الـخـلـيـفـة في بـغـداد قـبـل ذلـك. ولا شـكّ في أنّ يـولـيـوس كـوكـيـرت كـان يـعـرف أيـضـاً مـاكـتـبـه إيـنـهـار، مـؤرّخ شـارلـمـان في “سـيـرة شـارل الأكـبـر”، ومـا ذُكـر أيـضـاً في “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة ” عـن هـذه الـسّـفـارات بـيـن الـخـلـيـفـة الّـذي كـان يـحـكـم كـلّ الـشّـرق وبـيـن “الإمـبـراطـور” الّـذي لـم يـكـن يـحـكـم إلّا جـزءاً صـغـيـراً مـن الـغـرب.

ويـتـذكّـر الـذيـن قـرأوا مـقـالي : “تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد وشـارلـمـان” مـاكـتـبـه إيـنـهـار في “سـيـرة شـارل الأكـبـر” :

“هـرون مـلـك الـفـرس وحـاكـم كـلّ الـشّـرق مـاعـدا الـهـنـد ربـطـتـه بـه [ أي بـشـارلـمـان] صـداقـة صـافـيـة. وكـان يـفـضـل مـودّتـه عـلى كـلّ مـودّات الـمـلـوك وعـظـمـاء الـدّنـيـا، وكـان يـعـتـبـره الـوحـيـد الّـذي يـسـتـحـق تـكـريـمـه وهـدايـاه. وهـكـذا، عـنـدمـا بـعـث شـارل (الأكـبـر) بـرسـلـه يـحـمـلـون الـهـبـات إلى قـبـر الـمـسـيـح الـمـقـدّس [ في الـقـدس]، ذهـبـوا إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور. ولـم يـكـتـفِ مـلـك الـفُـرس بـتـلـبـيـة طـلـبـات الإمـبـراطـور، بـل وهـبـه مـلـكـيـة الـمـكـان، أي مـهـد ديـنـنـا الـمـقـدّس، و وضـعـه تـحـت سـلـطـتـه. وعـنـدمـا ذهـب هـؤلاء الـسّـفـراء إلـيـه يـطـلـبـون مـنـه الـسّـمـاح لـهـم بـالـعـودة إلى بـلـدهـم ، بـعـث مـعـهـم بـسـفـراء مـن عـنـده لـيـصـاحـبـوهـم. وحـمـلـوا مـن الـهـدايـا لـشـارل، مـا عـدا الـثّـيـاب والـعـطـور، أشـيـاء فـاخـرة أخـرى مـمـا يـنـتـجـه الـشّـرق. وكـان هـرون قـد بـعـث قـبـل سـنـوات، مـجـيـبـاً لـطـلـب الإمـبـراطـور، بـالـفـيـل الـوحـيـد الّـذي كـان لـه في ذلـك الـوقـت”.وهـو ولا شـكّ يـتـكـلّـم عـن الـسّـفـارة الأولى الّـتي ذُكـرت في سـنـة 801 مـن الـحـولـيـات.

وفي مـا يـلي مـا ذكـرتـه الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة عـن سـنـة 801 :

“بـعـد أن وصـل شـارل الأكـبـر (شـارلـمـان) إلى بـافي في شـمـال إيـطـالـيـا بـلـغـه الـخـبـر بـوصـول سـفـراء بـعـثـهـم لـه هـرون، مـلـك بـلاد الـفـرس إلى مـيـنـاء بـيـزا (في غـرب إيـطـالـيـا) وبـعـث بـعـض فـرسـانـه لـيـصـطـحـبـوهـم إلـيـه، وقـدّمـوهـم إلـيـه عـنـدمـا كـان في طـريـقـه بـيـن مـديـنـتي فـيـركـوي وإيـفـريـه. وكـان أحـدهـمـا (فـقـد كـانـا إثـنـيـن) فـارسـيـاً مـن الـشّـرق أرسـلـه مـلـك بـلاد الـفـرس، والآخـر سـرزانـيـاً مـن أفـريـقـيـا أرسـلـه الأمـيـر إبـراهـيـم Emir Abraham الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا. وقـد أخـبـرا الإمـبـراطـور بـأنّ إسـحـاق الـيـهـودي الّـذي كـان قـد أرسـلـه قـبـل أربـع سـنـوات إلى مـلـك بـلاد الـفـرس بـصـحـبـة سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond و لانـفـريـد Lanfried قـد عـاد حـامـلاّ هـدايـا عـظـيـمـة ، وأنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد قـد مـاتـا”.

ولـكـنّ الـرّسّـام أخـطـأ في تـاريـخ الحـدث فـقـد وضـع في عـنـوان الـلـوحـة سـنـة 786 ، مـع أنـنـا نـفـهـم مـن نـصّ إيـنـهـار أن الـسّـفـيـريـن بـعـثـا إلى بـغـداد في 797.

وقـد غـيّـر الـرّسّـام تـفـاصـيـل الـحـادثـة الـتّـاريـخـيـة لـتـنـاسـب مـشـروعـه الـفـنّي فـقـد رسـم هـرون الـرّشّـيـد كـأمـيـر “هـنـدي” يـجـلـس عـلى عـرشـه في الـهـواء الـطّـلـق بـيـن أشـجـار جـوز الـهـنـد ونـبـاتـات الـصّـبّـار

هرون 3 (2)

تـرتـمي نـسـاؤه وأطـفـالـه أمـامـه خـوفـاً مـن خـيـل الإفـرنـج الّـتي تـتـقـافـز كـلابـه حـولـهـا.

هرون 3 (3)

ونـلاحـظ أن الـسّـفـيـريـن لـم يـنـزلا عـن جـواديـهـمـا أمـامـه ، بـل أنّ أحـدهـمـا قـد رفـع سـلاحـه أمـام الـخـلـيـفـة !

هرون 3

بـيـنـمـا فـتـح لـه خـدمـهـمـا الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه “الإمـبـراطـور”.

هرون 3 (5)

أمّـا عـن الـرّاهـبـيـن الـلـذيـن وقـفـا أمـام الـخـلـيـفـة ويـقـدّم أحـدهـمـا الـسّـفـيـريـن لـه

هرون 3 (4)

فـقـد خـلـط الـرّسّـام بـيـن هـذه الـسّـفـارة إلى بـغـداد وبـيـن الـسّـفـارة الّـتي بـعـثـهـا الـخـلـيـفـة لـلإمـبـراطـور، وربـمـا كـان هـدف كـوكـيـرت مـن إضـافـتـهـمـا إلى الـلـوحـة اسـتـعـمـال نـفـس تـفـاصـيـل لـوحـة يـعـقـوب يـوردايـنـس.

وتـركـيـب الـلـوحـة مـثـلـث يـنـطـلـق مـن الـخـلـيـفـة ويـكـوّن ضـلـعـيـه الـطـويـلـيـن ذراعُ الـرّاهـب في الـمـسـتـوي الـعـلـوي و ذراع الـمـرأة في الـمـسـتـوى الأسـفـل لـيـلـتـقـيـا في نـقـطـة عـلى خـط الأفـق لـيـضـفي ذلـك عـمـقـاً عـلى لـوحـتـه.

وقـد اسـتـعـمل الـرّسّـام كـلّ الـمـثـيـرات ” الإسـتـشـراقـيـة ” لـجـذب الـمـشـاهـد إلى أجـواء غـريـبـة في مـنـاطـق بـعـيـدة عـنـه بـألـوانـهـا الـحـارّة وأشـخـاصـهـا الـغـامـقي الـبـشـرات ومـلابـسـهـم الّـتي تـثـيـر الـدّهـشـة مـن حـريـر ثـوب الـخـلـيـفـة إلى جـلـد الـحـيـوان الّـذي تـرتـديـه الـمـرأة !

ولا نـجـد في هـذه الـلـوحـة مـا وجـدنـاه عـنـد يـعـقـوب يـوردايـنـس مـن تـصـويـر الـعـظـمـة والـهـيـبـة بـحـركـات مـسـرحـيـة بـاروكـيـة تـبـهـر الـنّـاظـر، بـل نـجـد هـنـا حـركـات مـسـرحـيـة رومـانـطـيـقـيـة مـبـالـغ فـيـهـا لـتـثـيـر عـواطـف الـمـشـاهـد وتـهـيـج فـيـه أحـاسـيـسـة الـوطـنـيـة.

وهـذه الـلـوحـة تـشـبـه آلاف الـلـوحـات الّـتي رسـمـت في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر لا يـمـيـزهـا مـمـيـز عـن غـيـرهـا مـمـا انـتـجـه مـحـتـرفـو الـرسـم بـدقـة تـنـفـيـذهـا الـواقـعي الأكـاديـمي وبـطـريـقـة مـتـواضـع عـلـيـهـا تـقـلّـد الـطّـبـيـعـة تـقـلـيـداً حـرفـيـاً، مـمـلـة في نـقـلـهـا لـكـلّ الـتّـفـاصـيـل والـدّقـائـق والـجـزئـيـات ومـتـعـبـة في إعـادتـهـا وتـكـرارهـا، لا تـجـديـد فـيـهـا ولا خـلـق ولا ابـتـكـار، نـظـلّ أمـامـهـا نـنـظـر إلـيـهـا عـن بـعـد، لا نـدخـلـهـا ولا نـلـتـحـم بـأجـوائـهـا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : « مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد »، لـوحـة لـلـفـنّـان يـوردايـنـس

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

“مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد”، لـوحـة لـلـفـنّـان يـوردايـنـس

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـحـتـفـظ مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة أراس Arras  شـمـال شـرق فـرنـسـا، بـلـوحـة لـلـفـنّـان الـفـلامـنـكي يـعـقـوب يـوردايـنـس Jacob Jordaens عـنـوانـهـا : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان”.

وقـد ولـد يـوردايـنـس في مـديـنـة أنـتـويـرب (في بـلـجـيـكـا الـحـالـيـة) سـنـة 1593 وتـتـلـمـذ عـلى يـدي الـفـنّـان آدم فـان نـورت، ثـمّ انـضـمّ إلى نـقـابـة الـرّسّـامـيـن (نـقـابـة الـقـديـس لـوقـا) كـرسّـام مـحـتـرف.  وامـتـهـن الـرّسـم بـالـزّيـت عـلى الأسـلـوب الـبـاروكي. وكـان الأسـلـوب الـسّـائـد في زمـنـه فـأتـقـنـه، واشـتـهـر حـتّى أصـبـح مـن بـيـن أهـمّ الـفـنّـانـيـن الـفـلامـنـكـيـيـن في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر.

وفي عـام 1663، وكـان في الـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، رسـم يـوردايـنـس لـوحـتـه : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان”، وهي لـوحـة مـتـوسـطـة الـمـقـايـيـس (64.5 × 78 سـنـتـم.)

هرون الرشيد

ونـرى فـيـهـا الإمـبـراطـور شـارلـمـان واقـفـاً في الـطّـرف الأيـمـن مـنـهـا

يورداينس (4)

مـرتـديـاً الـفـراء الـمـرقّـط، ويـظـلـلـه عـبـد بـمـظـلـة واسـعـة وحـولـه نـسـاء بـلاطـه ورجـالـه، وفي يـده صـولـجـان يـشـيـر بـه إلى مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة الّـذيـن احـتـلـوا حـوالي ثـلـث الـلـوحـة في وسـطـهـا ونـسـتـطـيـع أن نـمـيـز ثـلاثـة مـنـهـم يـحـيـونـه

يورداينس

ويـقـدّمـون لـه الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه الـخـلـيـفـة ويـحـمـلـهـا خـدمـهـم الـعـراة الـصّـدور: آنـيـة وسـاعـة وبـيـضـة نـعـامـة ! كـمـا نـرى الـفـيـل الّـذي اصـطـحـبـوه لـشـارلـمـان. ويـحـتـلّ الـطّـرف الأيـسـر مـن الـلـوحـة الـرّاهـبـان الـلـذان صـاحـبـا مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة.

يورداينس (3)

وقـد صـورهـمـا يـوردايـنـس يـحـمـلان جـزءاً مـن الـهـدايـا : الـشّـمـعـدانَـيـن الـمـذهـبَـيـن. ولـكي نـتـعـرف عـلى الـشّـمـعـدانـيـن فـقـد رسـمـهـا والـنّـار والـدّخـان يـنـبـعـثـان مـن أعـلاهـمـا. كـمـا نـرى جـنـديـاً عـلى جـواده مـن بـيـن الـجـنـود الّـذيـن أتـوا بـهـم إلى الـبـلاط ، ونـرى كـذلـك جـمـلـيـن وقـرداً وعـبـداً صـغـيـراً يـحـمـل صـقـراً عـلى يـده الـيـسـرى.

ولـيـس في الـلـوحـة مـا يـمـيـزهـا عـن مـا كـان الـفـنـانـون يـنـتـجـونـه اعـتـيـاديـاً، فـهي واضـحـة الـتّـكـويـن والـتّـركـيـب : صـفّ مـن الأشـخـاص والـحـيـوانـات عـلى شـرفـة مـن قـصـر شـارلـمـان في عـاصـمـتـه آخـن (في شـمـال غـرب ألـمـانـيـا الـحـالـيـة، قـرب الـحـدود الـبـلـجـيـكـيـة ـ الـهـولـنـديـة) كـمـا يـظـهـر ذلـك مـن قـبـة كـنـيـسـة الـقـصـر الـمـسـتـديـرة

يورداينس (2)

والأشـخـاص والـحـيـوانـات عـلى عـدّة مـسـتـويـات : الأعـلى يـمـتـد مـن قـمـة الـمـظـلّـة وقـمـة الـقـبّـة إلى رأسـَي الـجـمـلـيـن، ثـمّ مـسـتـوى الإمـبـراطـور وزوجـتـه الّـذي يـمـتـد فـوق الـهـدايـا وأعلى عـمـامـة الأمـيـر الأفـريـقي ويـكـاد يـمـس رأس الـجـنـدي، ثـمّ مـسـتـوى رجـال الـحـاشـيـة في الـيـمـيـن والـمـبـعـوثـيـن في الـوسـط والـراهـبَـيـن عـلى الـيـسـار، ثـمّ الـمـسـتـوى الأكـثـر انـخـفـاضـاً : مـن الـصّـبي وكـلـبـه ثـمّ حـامـل الـسّـاعـة الـمـنـحـني إلى الـعـبـد الـصّـغـيـر الّـذي يـحـمـل الـصّـقـر.

وتـبـدو الـشّـخـصـيـات والـحـيـوانـات كـمـا لـو كـانـت قـد صـفّـت عـلى خـشـبـة مـسـرح لـيـسـتـطـيـع الـمـتـفـرّج أن يـتـأمّـل الـجـزئـيـات ويـتـجـوّل بـنـظـراتـه عـلـيـهـا. وقـد أراد الـفـنّـان في اسـتـعـمـالـه لـلألـوان أن يـظـهـر ثـراء الـطّـرفـيـن : حـريـر وفـراء بـلاط شـارلـمـان وحـريـر وكـتـان وذهـب بـلاط الـخـلـيـفـة. ويـأتي الـضّـوء مـن يـسـار الـلـوحـة وهـكـذا وضـع بـلاط شـارلـمـان في الـظّـل وعـرض مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة في أشـعـة الـشّـمـس فـقـد كـان الـشّـرق في مـخـيـلـتـه في ذلـك الـزّمـن خـلـيـط مـلـتـهـب مـن أفـريـقـيـا والـهـنـد !

وفي كـلّ حـركـات الأشـخـاص، وحـتّى الـحـيـوانـات مـبـالـغـات مـسـرحـيـة لإظـهـار هـيـبـة شـارلـمـان وتـبـجـيـل الـمـبـعـوثـيـن لـه عـنـدمـا وقـفـوا بـيـن يـديـه، وهـذا مـن أهـم خـصـائـص الأسـلـوب الـبـاروكي ومـمـيـزاتـه : أي أن يـبـهـر الـفـنّـان الـمـشـاهـديـن بـعـظـمة الـمـشـهـد فـيـتـمـلـكـهـم الإعـجـاب. فـلـم يـكـن هـدف الـفـنـان الـبـاروكي إثـارة عـواطـف الـمـشـاهـد أو دغـدغـة أحـاسـيـسـه.

ولاشـكّ في أنّ يـوردايـنـس، الّـذي عـاش بـعـد أكـثـر مـن ثـمـانـيـة قـرون عـلى الـحـدث الّـذي رسـمـه، كـان قـد قـرأ نـصّ إيـنـهـار، مـؤرخ الإمـبـراطـور شـارلـمـان، (1) ولـكـنّـه حـوّر كـثـيـراً مـن تـفـاصـلـيـه لـتـنـاسـب مـشـروعـه الـفـنّي، وهـكـذا مـزج بـيـن مـبـعـوث الـخـلـيـفـة في عـام 801 م. والّـذي وصـل إلى بـلاط شـارلـمـان مـع (الأمـيـر إبـراهـيـم الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا ) والـيـهـودي إسـحـق. وقـد جـلـبـوا مـعـهـم الـفـيـل Abulabaz (أبـو الـعـبّـاس ) الّـذي أهـداه الـخـلـيـفـة لـلإمـبـراطـور  وبـيـن مـبـعـوث الـخـلـيـفـة الّـذي وصـل إلى بـلاط شـارلـمـان في عـام 807 م. بـصـحـبـة راهـبـيـن مـن الـقـدس : (وقـد حـمـلـوا ثـلاثـتـهـم الـهـدايـا : قـمـاش خـيـمـة وسـتـائـر غـرف يـخـلـب جـمـالـهـا الألـبـاب، وهي مـن الـكـتّـان، والـسّـتـائـر وحـبـالـهـا صـبـغـت بـألـوان مـتـنـوعـة … وعـدد مـن مـعـاطـف الـحـريـر لا تـقـدّر أثـمـانـهـا وعـطـور وتـوابـل ومـراهـم، وسـاعـة مـن الـنّـحـاس الـمـطـلي بـالـذّهـب … وشـمـعـدانـيـن كـبـيـريـن مـن الـقـلّـز لـيـس بـعـد جـمـالـهـمـا جـمـال …).

وقـد أضـفى يـوردايـنـس مـغـزى ديـنـيـاً عـلى لـوحـتـه، إسـتـوحـاه مـن لـوحـات فـنـاني عـصـر الـنّـهـضـة الّـتي صـورت الـمـلـوك الـمـجـوس الّـذيـن جـاءوا مـن الـشّـرق، حـسـب الأسـاطـيـرالإنـجـيـلـيـة ، إلى بـيـت لـحـم يـتـبـعـون الـنّـجـمـة الـشّـديـدة الإضـاءة الّـتي ظـهـرت فـوق مـهـد الـمـسـيـح بـعـد ولادتـه. وقـد جـلـبـوا لـه ثـروات الـشّـرق يـرمـونـهـا تـحـت قـدمـيـه وقـدمي أمّـه الـعـذراء شـهـادة عـلى إيـمـانـهـم وطـاعـتـهـم .

وهـكـذا قـلـب يـوردايـنـس في لـوحـتـه الـهـدف الّـذي ابـتـغـاه الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد مـن إرسـالـه لـلـسـفـارتـيـن (في عـامي 801 و 807 م.) إلى بـلاط شـارلـمـان. فـقـد كـان هـرون الـرّشـيـد يـحـكـم جـزءاً كـبـيـراً مـن الـعـالـم الـمـعـروف في زمـنـه، يـمـتـد مـن حـدود الـصّـيـن إلى أقـصى شـمـال أفـريـقـيـا (وإن ضـاعـت مـنـه الأنـدلـس الّـتي كـان الأمـوي عـبـد الـرّحـمـن الـدّاخـل قـد اسـتـولى عـلـيـهـا وأورثـهـا لابـنـه مـن بـعـده)، ولـم يـكـن شـارلـمـان يـحـكـم إلّا بـلـدانـاً قـلـيـلـة الـسّـعـة وقـلـيـلـة الأهـمـيـة. ولا شـكّ في أنّـه هـو الّـذي انـتـفـع مـن إقـامـة عـلاقـات وديـة مـع الـخـلـيـفـة. ويـكـتـب إيـنـهـار، مـؤرخ شـارلـمـان في ” سـيـرة شـارل الأكـبـر” أنّ شـارلـمـان : ” كـان يـفـضّـل مـودتـه [ أي مـودّة هـرون الـرّشـيـد] عـلى كـلّ مـودّات الـمـلـوك وعـظـمـاء الـدّنـيـا ، وكـان يـعـتـبـره الـوحـيـد الّـذي يـسـتـحـق تـكـريـمـه وهـدايـاه. وهـكـذا، عـنـدمـا بـعـث شـارل (الأكـبـر) بـرسـلـه يـحـمـلـون الـهـدايـا إلى قـبـر الـمـسـيـح الـمـقـدّس [ في الـقـدس] ذهـبـوا إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور … “. (2)

وإذا تـأمّـلـنـا لـوحـة يـوردايـنـس نـلاحـظ أنّـه صـوّر مـبـعـوثي هـرون يـرتـمـون خـشـوعـاً وطـاعـة بـيـن يـدي شـارلـمـان، فـجـعـل مـن قـلـيـل الـقـوة عـظـيـمـاً يـبـجّـلـه مـبـعـوثـو حـاكـم أقـوى دولـة في زمـنـه. وهـكـذا يـعـيـد كـلّ قـوم كـتـابـة الـتّـاريـخ لـيـنـاسـب رغـبـاتـهـم وأهـوائـهـم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد و شـارلـمـان

(2)  أنـظـر مـقـالي : « هـرون الـرّشـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارلـمـان » لـوحـة لـيـولـيـوس كـوكـيـرت

 

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد و شـارلـمـان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـشـرتُ هـذا الـمـقـال في عـام 2014 بـمـنـاسـبـة مـرور 1200 عـام عـلى وفـاة الإمـبـراطـور شـارلـمـان في 814 م. وأعـيـد نـشـره هـنـا، فـقـد وجـدت عـدداً مـن الـمـقـالات الّـتي نـشـرت مـن غـيـر أن يـطّـلـع كـاتـبـوهـا عـلى الـنّـصـوص الأسـاسـيـة الّـتي ذكـرت هـذه الأحـداث الـتّـاريـخـيـة.

مـن كـان شـارلـمـان ؟

chrlemagne

إعـتـلى شـارلـمـان (أي شـارل الأكـبـر) عـرش دولـة الإفـرنـج (الّـتي كـانـت أراضـيـهـا تـقـع في غـرب ألـمـانـيـا وشـرق فـرنـسـا الـحـالـيـتـيـن ) في 768 م. ثـمّ اسـتـولى عـلى مـمـلـكـة الـلـومـبـارد في شـمـال إيـطـالـيـا. وقـرر بـعـد ذلـك أن يـعـيـد إنـشـاء الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة (الّـتي كـانـت قـد سـقـطـت في 476 م.). ونـصـب نـفـسـه في 800 م. إمـبـراطـوراً عـلى مـا أسـمـاه بـالإمـبـراطـوريـة الـمـقـدّسـة. وقـد بـارك بـابـا رومـا هـذا الـتّـنـصـيـب. كـان شـارلـمـان إذن مـعـاصـراً لـلـخـلـيـفـة الـعـبّـاسي هـرون الـرشّـيـد الّـذي بـويـع لـه بـالـخـلافـة سـنـة 786 م.

Harun_Al-Rashid_and_the_World_of_the_Thousand_and_One_Nights

عـلاقـات شـارلـمـان بـهـرون الـرّشـيـد :

يـشـكّ كـثـيـر مـن الـمـؤرخـيـن الّـذيـن درسـوا هـذه الـفـتـرة بـصـحـة قـيـام عـلاقـات ودّيـة بـيـن شـارلـمـان وهـرون الـرّشـيـد. ويـحـتـجـون عـلى ذلـك بـعـدم وجـود أدنى إشـارة لـهـذه الـعـلاقـات عـنـد الـمـؤرخـيـن الـعـرب الـقـدمـاء الّـذيـن تـكـلّـمـوا بـالـتـفـصـيـل عـن كـلّ مـا حـدث خـلال فـتـرة خـلافـة الـرّشـيـد. ومـع ذلـك فـقـد ذكـر إيـنـهـار، مـؤرّخ شـارلـمـان، في كـتـابـه “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni ” تـبـادل سـفـراء بـيـن الـخـلـيـفـة والإمـبـراطـور. كـمـا ذكـرت “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum ” الّـتي سـجّـلـت حـوادث فـتـرة حـكـم شـارلـمـان سـنـة بـسـنـة، سـفـارة بـعـثـهـا شـارلـمـان إلى بـلاط الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد في بـغـداد وسـفـارتـيـن بـعـثـهـمـا هـرون الـرّشـيـد إلى بـلاط الإمـبـراطـور في آخـن. ولا يـمـكـنـنـا تـجـاهـل هـذه الـنّـصـوص. ومـن الـصّـعـب اعـتـبـار كـلّ مـا ورد فـيـهـا تـلـفـيـقـاً كـان الـهـدف مـنـه تـقـويـة مـكـانـة شـارلـمـان بـجـعـلـه كـفـؤاً لـلـخـلـيـفـة الّـذي كـان يـحـكـم جـزءاً كـبـيـراً مـن الـعـالـم يـمـتـدّ مـن حـدود الـهـنـد إلى أقـصى شـمـال أفـريـقـيـا.

مـن كـان إيـنـهـار؟

Eginhard1

درس إجـيـنـهـار Eginhard (أو إيـنـهـار Einhard) في مـدرسـة قـصـر شـارلـمـان. وهي الـمـدرسـة الّـتي أنـشـاهـا الإمـبـراطـور في عـاصـمـتـه آخـيـن لـتـكـويـن إداريـيـن يـمـكـن أن يـعـتـمـد عـلـيـهـم. ولـنـبـاهـة إيـنـهـار وتـمـيّـزه عـلى الآخـريـن، قـرّبـه شـارلـمـان حـتّى صـار مـن بـيـن مـسـتـشـاريـه. وجـعـل مـنـه مـؤرّخـه الـشّـخـصي. وبـعـد مـوت شـارلـمـان، أبـقـاه ابـنـه لـويـس الـتّـقي (ويـسـمى أيـضـاً بـلـويـس الـحـلـيـم ) قـربـه في الـبـلاط وطـلـب مـنـه أن يـؤلّـف كـتـابـاً عـن حـيـاة أبـيـه فـكـتـب : “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni “. كـمـا كـتـبـت في زمـن لـويـس الـتّـقي بـن شـارلـمـان حـولـيـات الـمـلـوك الإفـرنـج : بـيـبـان الـقـصـيـر وشـارلـمـان بـن بـيـبـان ولـويـس بـن شـارلـمـان سـنـة بـسـنـة. وقـد عـرف هـذا الـمـؤلَـف بـ “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum ” الّـتي أسـمـيـت أيـضـاً بـ “حـولـيـات إيـنـهـار” لأنّ الإعـتـقـاد كـان سـائـداً بـأنّـهـا مـن تـألـيـف إيـنـهـار. ولـكـنّ بـعـض الـدّراسـات الـحـديـثـة الّـتي نـشـرت في الـسّـنـوات الأخـيـرة تـشـكّ في إسـنـاد تـألـيـف الـحـولـيـات إلـيـه. والّـذي يـهـمـنـا مـن كـلّ هـذا هـو أنّ هـذه الـنّـصـوص تـكـاد أن تـكـون مـعـاصـرة لـلأحـداث الّـتي تـتـكـلّـم عـنـهـا.

سـيـرة شـارل الأكـبـر :

Éginhard_Vita_Caroli_magni_imperatoris-Lettrine_V_historiée_Charlemagne_assis

كـتـب إيـنـهـار “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni ” بـعـد مـوت شـارلـمـان، ربّـمـا بـيـن 829 و836 م. في زمـن حـكـم لـويـس الـتّـقي، إبـن شـارلـمـان. ويـبـدو أنّ لـويـس هـو الّـذي طـلـب مـنـه أن يـكـتـبـهـا لـحـفـظ مـكـارم أبـيـه. ونـجـد في هـذه الـسّـيـرة الـمـقـطـع الـتّـالي :

“هـرون مـلـك الـفـرس وحـاكـم كـلّ الـشّـرق مـاعـدا الـهـنـد ربـطـتـه بـه [ أي بـشـارلـمـان] صـداقـة صـافـيـة. وكـان يـفـضـل مـودّتـه عـلى كـلّ مـودّات الـمـلـوك وعـظـمـاء الـدّنـيـا. وكـان يـعـتـبـره الـوحـيـد الّـذي يـسـتـحـق تـكـريـمـه وهـدايـاه. وهـكـذا، عـنـدمـا بـعـث شـارل (الأكـبـر) بـرسـلـه يـحـمـلـون الـهـبـات إلى قـبـر الـمـسـيـح الـمـقـدّس [ في الـقـدس]، ذهـبـوا إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور. ولـم يـكـتـفِ مـلـك الـفـرس بـتـلـبـيـة طـلـبـات الإمـبـراطـور، بـل وهـبـه مـلـكـيـة الـمـكـان، أي مـهـد ديـنـنـا الـمـقـدّس، و وضـعـه تـحـت سـلـطـتـه. وعـنـدمـا ذهـب هـؤلاء الـسّـفـراء إلـيـه لـيـأذن لـهـم بـالـعـودة إلى بـلـدهـم، بـعـث مـعـهـم بـسـفـراء مـن عـنـده لـيـصـاحـبـوهـم وحـمـلـوا مـن الـهـدايـا لـشـارل، مـا عـدا الـثّـيـاب والـعـطـور، أشـيـاء فـاخـرة أخـرى مـمـا يـنـتـجـه الـشّـرق. وكـان هـرون قـد بـعـث قـبـل سـنـوات ، مـجـيـبـاً لـطـلـب الإمـبـراطـور، بـالـفـيـل الـوحـيـد الّـذي كـان لـه في ذلـك الـوقـت ”

الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة :

تـتـكـلّـم الـحـولـيـات عـن أمـور تـتـعـلّـق بـهـرون الـرّشـيـد في الـسّـنـوات 801 و 802 و 807 و 810. وهي تـصـفـه أيـضـاً بـمـلـك بـلاد الـفـرس لأنّ الأوربـيـيـن في ذلـك الـزّمـن لـم يـكـونـوا يـعـرفـون الـشّـرق إلّا مـن خـلال مـا كـان قـد كـتـبـه الإغـريـق (الـيـونـانـيـون الـقـدمـاء) والـرّومـان. وكـانـت مـعـرفـتـهـم بـالـشّـرق الـمـعـاصـر لـهـم مـحـدودة جـدّاً. وكـانـوا يـعـتـقـدون أنّ خـلـيـفـة بـغـداد مـن سـلالـة أكـاسـرة الـفـرس الّـذيـن كـتـب عـنـهـم الإغـريـق والـرّومـان.

كـمـا أسـمـت الـحـولـيـات هـرون في الـكـلام عـمّـا حـدث في سـنـة 810 بـمـلـك “الـسّـرزانـيـيـن”.  و”الـسّـرزانـيـون” اسـم كـان يـطـلـقـه الأوربـيـون عـلى الـمـسـلـمـيـن “الـشّـرقـيـيـن” تـفـريـقـاً لـهـم عـن “الـمـور” أو “الـمـوريـيـن” أي سـكـان بـلاد الـمـغـرب في شـمـال أفـريـقـيـا والّـذيـن أسـمـاهـم الـعـرب، بـعـد الـفـتـح الإسـلامي، بـالـبـربـر.

وقـد تـرجـمـتُ الـمـقـاطـع الـتّـالـيـة مـن الـطّـبـعـة الّـتي حـقـقـهـا ونـشـرهـا M.Guizot في 1824، وقـارنـتـهـا بـالـطـبـعـة الّـتي حـقـقـهـا ونـشـرهـا A. Teulet في 1840.

ونـعـرف مـن قـراءة أحـداث سـنـة 801 م. أنّ شـارلـمـان كـان قـد بـعـث قـبـل ذلـك بـأربـع سـنـوات أي في سـنـة 797 م. بـسـفـارة إلى بـلاط الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد في بـغـداد تـتـألّـف مـن سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond ولانـفـريـد Lanfried بـصـحـبـة يـهـودي اسـمـه إسـحـق، وأنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد كـانـا قـد مـاتـا وعـاد إسـحـق إلى أوربـا بـصـحـبـة سـفـيـر بـعـثـه هـرون الـرشـيـد (مـلـك بـلاد الـفـرس !) وآخـر بـعـثـه أمـيـر مـن الـمـغـرب، وأنّـهـم عـبـروا الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط مـن أفـريـقـيـا (أي تـونـس) إلى إيـطـالـيـا حـامـلـيـن هـدايـا الـخـلـيـفـة ومـن ضـمـنـهـا فـيـل. وهـذا هـو نـصّ الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة :

سـنـة 801 :

بـعـد أن وصـل شـارل الأكـبـر (شـارلـمـان) إلى بـافي في شـمـال إيـطـالـيـا بـلـغـه الـخـبـر بـوصـول سـفـراء بـعـثـهـم لـه هـرون، مـلـك بـلاد الـفـرس إلى مـيـنـاء بـيـزا (في غـرب إيـطـالـيـا)، وبـعـث بـعـض فـرسـانـه لـيـصـطـحـبـوهـم إلـيـه، وقـدّمـوهـم إلـيـه عـنـدمـا كـان في طـريـقـه بـيـن مـديـنـتي فـيـركـوي وإيـفـريـه. وكـان أحـدهـمـا (فـقـد كـانـا إثـنـيـن) فـارسـيـاً مـن الـشّـرق أرسـلـه مـلـك بـلاد الـفـرس، والآخـر سـرزانـيـاً مـن أفـريـقـيـا أرسـلـه الأمـيـر إبـراهـيـم Emir Abraham الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا. وقـد أخـبـرا الإمـبـراطـور بـأنّ إسـحـاق الـيـهـودي الّـذي كـان قـد أرسـلـه قـبـل أربـع سـنـوات إلى مـلـك بـلاد الـفـرس بـصـحـبـة سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond و لانـفـريـد Lanfried قـد عـاد حـامـلاً هـدايـا عـظـيـمـة، وأنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد قـد مـاتـا. وعـنـدهـا بـعـث الإمـبـراطـور كـاتـب الـعـدل إرشـيـنـبـالـد Erchenbald إلى لـيـغـوريـا لـيـعـدّ سـفـنـاً يـحـمّـل عـلـيـهـا الـفـيـل الّـذي جـلـبـه إسـحـق والـهـدايـا الأخـرى. في شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن هـذه الـسّـنـة وصـل إسـحـق الـيـهـودي مـن أفـريـقـيـا ومـعـه الـفـيـل إلى مـيـنـاء فـنـدريـس، وقـضى الـشّـتـاء في فـيـركـوي لأنّـه لـم يـسـتـطـع اخـتـراق جـبـال الألـب الّـتي كـانـت تـغـطّـيـهـا الـثّـلـوج.

سـنـة 802 :

وفي 20 تـمّـوز مـن هـذه الـسّـنـة وصـل إسـحـق مـصـطـحـبـاً الـفـيـل لـلإمـبـراطـور والـهـدايـا الأخـرى الّـتي بـعـثـهـا لـه مـلـك الـفـرس. وكـان اسـم الـفـيـل أبـو الـعـبّـاس Abulabaz “. وتـذكـر الـحـولـيـات في أحـداث سـنـة 807 م. وصـول سـفـيـر آخـر بـعـثـه هـرون الـرشّـيـد إلى شـارلـمـان والـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا الـخـلـيـفـة لـلإمـبـراطـور. وفي مـا يـلي نـصّ الـحـولـيـات : ”

سـنـة 807 :

وصـل مـبـعـوث مـلـك بـلاد فـارس إلى بـلاط الإمـبـراطـور بـصـحـبـة راهـبـيـن جـاءا بـه مـن الـقـدس. وكـان تـومـا، بـطـريـارك الـقـدس قـد عـهـد لـهـمـا بـهـذه الـمـهـمـة. واسـمـا الـرّاهـبـيـن فـلـيـكـس وجـورج وكـان جـورج أبـاً في جـبـل الـزّيـتـون، وهـو مـن أصـل ألـمـاني واسـمـه الـحـقـيـقي إنـجـلـبـالـد. وقـد حـمـلـوا ثـلاثـتـهـم لـشـارل الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه مـلـك بـلاد فـارس والّـتي تـتـكـوّن مـن قـمـاش خـيـمـة [ ويـعـني بـهـا ولا شـك نـوعـاً مـن الـسّـرادق الّـتي يـسـتـقـبـل بـهـا الـمـلـوك ضـيـوفـهـم] وسـتـائـرغـرف واسـعـة الـمـقـايـيـس يـخـلـب جـمـالـهـا الألـبـاب. وهي مـن الـكـتّـان. والـسّـتـائـر وحـبـالـهـا صـبـغـت بـألـوان مـتـنـوّعـة. وكـان مـن بـيـن هـدايـا مـلـك بـلاد فـارس عـدد مـن مـعـاطـف الـحـريـر لا تـقـدّر أثـمـانـهـا ، وعـطـور وتـوابـل ومـراهـم، وسـاعـة مـن الـنّـحـاس الـمـطـلي بـالـذّهـب، صـنـعـت بـفـنّ يـثـيـر الإعـجـاب، وبـحـيـل [ مـيـكـانـيـكـيـة] يـحـركـهـا الـمـاء تُـعـلـم عـن تـتـابـع الإثـنـتي عـشـرة سـاعـة. وعـنـدمـا تـحـلّ كـلّ سـاعـة تـسـقـط كـريّـات مـن الـقّـلـز بـعـددهـا عـلى صـنـج وضـع تـحـتـهـا وتـقـرع بـسـقـوطـهـا عـدد الـضّـربـات الـمـطـلـوبـة. وعـنـدمـا تـدقّ الـسّـاعـة الـثّـانـيـة عـشـرة تـنـفـتـح اثـنـتـا عـشـرة نـافـذة يـخـرج مـنـهـا اثـنـا عـشـر فـارسـاً. وبـقـوة الإهـتـزاز الّـتي يـحـدثـهـا خـروجـهـم تـنـغـلـق الـنّـوافـذ خـلـفـهـم. وفي هـذه الـسّـاعـة أشـيـاء كـثـيـرة أخـرى تـدعـو لـلإعـجـاب، ولـكـن يـنـقـصـنـا الـمـكـان هـنـا لـنـوفـيـهـا حـقـهـا. وكـان مـن بـيـن الـهـدايـا شـمـعـدانـان كـبـيـران مـن الـقُـلـز لـيـس بـعـد جـمـالـهـمـا جـمـال. وقـد جـلـبـت كـلّ هـذه الأشـيـاء لـلإمـبـراطـور في قـصـره في آخـيـن. وقـد أبـقي بـقـربـه الـسّـفـيـر والـرّاهـبـيـن فـتـرة مـن الـزّمـن ثـمّ أرسـلـهـمـا إلى إيـطـالـيـا لـيـبـحـروا مـنـهـا [عـائـديـن إلى الـشّـرق].

وذكـرت الـحـولـيـات في الـمـقـطـع الأخـيـر الّـذي يـتـعـلّـق بـهـاتـيـن الـسّـفـارتـيـن عـن الـفـيـل (أبـو الـعـبّـاس) الّـذي كـان قـد ارسـلـه الـخـلـيـفـة هـديـة لـلإمـبـراطـور مـع الـيـهـودي إسـحـاق سـنـة 801 م.

سـنـة 810 :

“الـفـيـل الّـذي كـان قـد بـعـثـه لـه هـرون، مـلـك الـسّـرزانـيـيـن، مـات مـوتـاً مـفـاجـئـاً”.

وهـنـا يـنـتـهي ذكـرالـحـولـيـات لـمـا يـتـعـلّـق بـهـرون الـرّشـيـد، فـقـد مـات الـخـلـيـفـة في سـنـة 809. وشـغـلـت الـحـرب الّـتي تـقـاتـل فـيـهـا ابـنـاه الأمـيـن والـمـأمـون عـلى الـعـرش الـدّولـة الـعـبـاسـيـة عـن شـؤون الـعـالـم الـخـارجـيـة.

الـخـلاصـة :

إذا مـا أردنـا أن نـرتـب تـرتـيـبـاً زمـنـيـاً الأحـداث الّـتي ذكـرهـا إنـيـهـار في “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni ” ومـا ذكـرتـه “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum “، وهـمـا الـمـصـدران الـوحـيـدان الـمـعـاصـران لـهـذه الأحـداث فـسـنـتـوصـل إلى مـا يـلي :

أراد شـارلـمـان سـنـة 797 م. أن يـفـرض سـلـطـتـه عـلى مـديـنـة الـقـدس الّـتي اعـتـبـر أنّـهـا تـخـضـع لـه بـصـفـتـه حـاكـم “الإمـبـراطـوريـة الـمـقـدّسـة”. ولـيـتـوصـل إلى ذلـك أرسـل مـبـعـوثـيـن : سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond و لانـفـريـد Lanfried يـحـمـلان الـهـبـات إلى قـبـر الـمـسـيـح . وفي الـقـدس عـرفـا أنّ الـمـديـنـة تـخـضـع لـلـخـلـيـفـة الـعـبّـاسي هـرون الـرشـيـد. وهـكـذا ذهـبـا بـصـحـبـة يـهـودي اسـمـه إسـحـاق “إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور”. وقـد لـبّى الـخـلـيـفـة طـلـب شـارلـمـان و “وهـبـه مـلـكـيـة الـمـكـان ووضـعـه تـحـت سـلـطـتـه”.

ولـم يـصـلـنـا مـن الـنّـصـوص الـتّـاريـخـيـة أو مـن الـوثـائـق مـا يـثـبـت ادعـاء كـاتـب الـنّـصّ مـن أنّ هـرون الـرّشـيـد وهـب مـلـكـيـة الـقـدس لـشـارلـمـان أو أنّـه وضـعـهـا تـحـت سـلـطـتـه. ويـبـدو هـذا الـمـقـطـع كـدعـايـة سـيـاسـيـة هـدفـهـا مـسـانـدة ادعـاء شـارلـمـان بـأنّـه امـبـراطـور كـلّ الـمـسـيـحـيـيـن.

ثـمّ تـذكـر الـحـولـيـات أنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد قـد مـاتـا. ولا نـعـرف مـتى ولا أيـن ولا كـيـف مـاتـا. وقـد سـمـع شـارلـمـان بـذلـك سـنـة 801 م. عـنـدمـا وصـل سـفـيـر مـن هـرون بـصـحـبـة سـفـيـر آخـر “أرسـلـه الأمـيـر إبـراهـيـم Emir Abraham الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا”. ولا شـكّ في أنّـهـمـا عـبـرا الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط مـن أفـريـقـيـا، أي مـن تـونـس الّـتي كـان يـسـمـيـهـا الـجـغـرافـيـون الـعـرب “إفـريـقـيـة”.

وهـنـا نـذكّـر الـقـارئ بـأنّ الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد واجـه تـمـرد قـبـائـل الـبـربـر في “إفـريـقـيـة” ومـا إلى غـربـهـا حـتّى الـمـغـرب الأقـصى. ولـيـتـخـلـص مـن هـذه الإضـطـرابـات ويـكـرّس جـهـوده وقـواتـه لـمـواجـهـة الـبـيـزنـطـيـيـن في الـشّـمـال وأعـداء الـدّولـة في شـرق الـفـرات فـقـد عـيّـن سـنـة 800 م. إبـراهـيـم بـن الأغـلـب عـامـلاً عـلى إفـريـقـيـة ومـا بـعـدهـا حـتّى الـمـغـرب الأقـصى يـحـكـمـهـا كـمـا يـشـاء عـلى أن يـدفـع لـه عـلى ذلـك مـبـلـغـاً مـن الـمـال. وهـكـذا خـرجـت بـلاد الـمـغـرب مـن سـلـطـة الـدّولـة الـعـبـاسـيـة لـتـدخـل في حـكـم الأغـالـبـة.

أمّـا عـن بـلاد فـاس وأمـيـرهـا إبـراهـيـم فـقـد اخـتـلـطـت الأحـداث والـسّـنـوات عـنـد كـاتـب الـحـولـيـات. ونـحـن نـعـرف أنّ إدريـس بـن عـبـدالله، حـفـيـد الـحـسـن بـن عـلي بـن أبي طـالـب هـرب مـن الـعـبـاسـيـيـن والـتـجـأ عـنـد قـبـائـل الـبـربـر في الـمـغـرب الأقـصى في حـوالي سـنـة 788 م. ويـقـال إنّـه شـيّـد عـلى ضـفـة نـهـر فـاس مـا أصـبـح بـعـد ذلـك مـديـنـة فـاس. وبـعـد أن تـوفي في حـوالي 793 م. خـلـفـه ابـنـه إدريـس الـثّـاني عـلى “الـدّولـة” الّـتي أنـشـأهـا واتـخـذ مـن فـاس عـاصـمـة لـه. وهـكـذا نـرى أن إبـراهـيـم الّـذي تـذكـره الـحـولـيـات لا يـمـكـن أن يـكـون أمـيـر بـلاد فـاس في سـنـة 801 م. ولا شـكّ في أنّ كـاتـب الـحـولـيـات يـتـكـلّـم عـن إبـراهـيـم بـن الأغـلـب الّـذي أرسـل هـرون سـفـيـره عـنـده لـيـبـعـث مـعـه مـصـاحـبـاً يـعـرف أوربـا ويـتـكـلّـم الـلـغـة الـلاتـيـنـيـة لـيـسـهـل لـه مـهـمـتـه.

وهـكـذا وصـل سـفـيـر هـرون بـصـحـبـة مـبـعـوث إبـراهـيـم إلى مـيـنـاء بـيـزا في إيـطـالـيـا، ثـمّ وصـل بـعـدهـمـا الـيـهـودي إسـحـاق مـصـطـحـبـاً الـفـيـل الّـذي بـعـثـه هـرون هـديـة لـشـارلـمـان. ولأنّـه وصـل في شـهـر تـشـريـن الـثّـاني لـم يـسـتـطـع اخـتـراق جـبـال الألـب الّـتي كـانـت تـغـطـيـهـا الـثّـلـوج. ولـم يـسـتـطـع مـواصـلـة مـسـيـره نـحـو عـاصـمـة شـارلـمـان في الـشّـمـال إلّا بـعـد انـتـهـاء الـشّـتـاء، ووصـل مـع الـفـيـل في شـهـر تـمّـوز مـن سـنـة 802 م.

وتـتـكـلّـم حـولـيـات سـنـة 807 م. عـن سـفـيـر آخـر بـعـثـه “مـلـك بـلاد الـفـرس” أي هـرون الـرّشـيـد إلى بـلاط شـارلـمـان مـرّ بـالـقـدس وجـاء بـصـحـبـة راهـبـيـن مـنـهـا إلى أوربـا. ولا شـكّ في أنّـهـم عـبـروا الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط مـن “إفـريـقـيـة” إلى إيـطـالـيـا لأنّ الـمـقـطـع يـذكـر أنّـهـم عـادوا إلى الـشّـرق عـن هـذه الـطّـريـق. وقـد جـلـبـوا مـعـهـم إلى قـصـر شـارلـمـان في آخـيـن هـدايـا الـخـلـيـفـة الّـتي بـعـثـهـا مـن بـغـداد ومـن بـيـنـهـا : الـسّـتـائـر وحـبـالـهـا ومـعـاطـف الـحـريـر وعـطـور وتـوابـل ومـراهـم، وسـاعـة مـن الـنّـحـاس الـمـطـلي بـالـذّهـب أثـارت الـعـجـب والإعـجـاب وشـمـعـدانـان كـبـيـران مـن الـقُـلـز لـيـس بـعـد جـمـالـهـمـا جـمـال.

ولا يـذكـر الـنّـصّـان خـدم الـسّـفـراء ولا تـابـعـيـهـم ولا كـيـف تـنـقّـلـوا وحـمـلـوا هـدايـاهـم، فـهـمـا يـركـزّان عـلى الأحـداث الـرّئـيـسـيـة.

وإذا مـا قـارنّـا بـيـن نـصّ “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni  “ونـصّ “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum ” نـجـد اخـتـلافـاً وتـفـاوتـاً بـيـنـهـمـا، فـنـحـن نـفـهـم مـن “سـيـرة شـارل الأكـبـر” أنّ عـلاقـات هـرون بـشـارلـمـان كـانـت قـد بـدأت قـبـل أن يـبـعـث الإمـبـراطـور بـسـفـارة إلى الـخـلـيـفـة في بـغـداد وأنّ الـخـلـيـفـة كـان قـد بـعـث إلى الإمـبـراطـور مـجـيـبـاً لـطـلـبـه بـالـفـيـل الـوحـيـد الّـذي كـان لـه في ذلـك الـوقـت. ويـذكـر الـنّـصّ أنّ سـفـراء شـارلـمـان عـادوا إلى بـلاطـه مـع سـفـراء بـعـثـهـم هـرون لـيـصـاحـبـوهـم ويـحـمـلـوا هـدايـا الـخـلـيـفـة. ولا يـذكـر الـنّـصّ كـم كـان عـدد الـسّـفـراء. بـيـنـمـا نـجـد في نـصّ الـحـولـيـات أنّ سـفـيـري شـارلـمـان كـانـا قـد مـاتـا قـبـل أن يـصـل سـفـيـر هـرون إلى بـلاط شـارلـمـان في 801 م. بـصـحـبـة مـبـعـوث الأمـيـر إبـراهـيـم، وأنّ الـفـيـل وصـل بـعـدهـم . أمّـا الـهـدايـا الـمـشـهـورة فـقـد بـعـثـت مـع سـفـيـر آخـر بـعـد ذلـك بـسـبـع سـنـوات أي في سـنـة 807 م.

ويـمـكـنـنـا أن نـدرك مـن هـذه الإخـتـلافـات في سـرد الأحـداث لـمـاذا يـشـكّ بـعـض الـمـؤرّخـيـن في صـحـة مـا ذكـر في الـنّـصّـيـن. ولـكـنـنـا مـع ذلـك نـعـتـقـد أنّ الـخـلـيـفـة والإمـبـراطـور تـبـادلا الـسّـفـراء. ومـن الـصـعـب عـلـيـنـا أن نـتـصـوّر أنّ إيـنـهـار أو أي كـاتـب آخـر قـد اسـتـطـاع اخـتـلاق كـلّ هـذه الأحـداث بـتـفـاصـيـلـهـا وجـزئـيـاتـهـا فـقـط لـيـرفـع مـن مـنـزلـه سـيّـده ويـجـعـل مـنـه نـدّاً لـلـخـلـيـفـة الّـذي كـان يـحـكـم جـزءاً كـبـيـراً مـن الـعـالـم.

ويـعـزي الـمـؤرّخـون الّـذيـن يـقـبـلـون بـصـحـة مـا جـاء في الـنّـصّـيـن عـلاقـات الـخـلـيـفـة بـالإمـبـراطـور إلى الـمـصـالـح الـمـشـتـركـة بـيـنـهـمـا، فـقـد كـانـت تـجـمـعـهـمـا الـعـداوة اتـجـاه الـدّولـة الـبـيـزنـطـيـة في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة، واتـجـاه الـخـلافـة الأمـويـة في الأنـدلـس. ولـكـنـنـا مـع ذلـك لا نـعـرف شـيـئـاً عـن مـعـاهـدات وقّـعـت بـيـنـهـمـا، وحـتّى إن كـان هـنـاك مـعـاهـدات.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

روايـة : “مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad” لأجـاثـا كـريـسـتي.

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

they 1

تـكـلّـمـنـا في مـقـال “أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق” عـن حـيـاة الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie وذكـرنـا كـيـف وصـلـت إلى الـعـراق وزارت مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في أور، ثـمّ كـيـف تـزوّجـت بـعـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN، وكـيـف سـاعـدتـه في عـدد مـن الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا في نـيـنـوى ونـمـرود. وتـكـلّـمـنـا عـن الـكـتـب الّـتي تـذكـر فـيـهـا أجـاثـا كـريـسـتي الـعـراق أو تـقـصّ فـيـهـا تـجـربـتـهـا الـعـراقـيـة.

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في أربـعـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”،الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان: “جـريـمـة في الـعـراق”(1)، و« They Came to Baghdad » الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان : “مـوعـد في بـغـداد”. وفي كـتـابَـيـن تـسـرد فـيـهـمـا ذكـريـاتـهـا : “تـعـال اخـبـرني كـيـف تـعـيـش « Come, Tell Me How You Live الّـذي صـدر في 1946. والـعـنـوان مـقـتـبـس مـن نـصّ لـويـس كـارول “مـن خـلال الـمـرآة”. وسـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : « An Autobiography » الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، أي بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976. وهي تـذكّـر أنّـهـا بـدأت الـكـتـاب في 2 نـيـسـان 1950 في دار بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود، وأنـهـتـه في إنـكـلـتـرة في 11 تـشـريـن الأوّل 1965. وقـد اسـتـعـمـلـت في كـتـابـتـه صـفـحـات مـن يـومـيـات ومـلاحـظـات كـانـت قـد كـتـبـتـهـا خـلال سـنـوات حـيـاتـهـا.

وقـد سـبـق أن خـصـصـنـا مـقـالاً لـروايـة أجـاثـا كـريـسـتـي : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”. ونـخـصـص هـذا الـمـقـال الـثّـالـث لـروايـتـهـا : “مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad”.

They Came to Baghdad :

they 4

نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي روايـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق : « They Came to Baghdad » في 1951، أي بـعـد عـامـيـن مـن مـشـاركـتـهـا في تـنـقـيـبـات نـمـرود مـع زوجـهـا الـثّـاني مـاكـس مـالـوان.

وقـد تـرجـمـت هـذه الـرّوايـة إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان “مـوعـد في بـغـداد”. ورغـم أنّ كـلـمـة “تـرجـمـة” ذكـرت عـلى غـلاف الـكـتـاب، فـهـو تـلـخـيـص أكـثـر مـنـه تـرجـمـة كـامـلـة ودقـيـقـة لـلـنّـصّ الأصـلي. ويـبـدو أن هـنـاك تـرجـمـة أخـرى تـحـت عـنـوان “لـقـاء في بـغـداد”.

وهـذه الـرّوايـة عـلى عـكـس سـابـقـتـهـا : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia” الّـتي نـشـرتـهـا أجـاثـا كـريـسـتي في 1936، مـلـيـئـة بـوصـف أمـاكـن في الـعـراق. ونـلـتـقي فـيـهـا بـعـدد مـن “الـعـراقـيـيـن”. وهي في الـحـقـيـقـة لـيـسـت روايـة بـولـيـسـيـة بـالـمـعـنى الـمـتـعـارف عـلـيـه : أي جـريـمـة غـامـضـة يـجـد لـهـا الـحـلّ مـحـقـق ذكي يـسـتـنـتـج مـن أحـداثـهـا الـمـبـعـثـرة كـيـفـيـة حـدوثـهـا ويـتـوصـل إلى كـشـف الـمـجـرم الّـذي قـام بـهـا. ولـنـقـل إنّ هـذه الـرّوايـة تـقـتـرب كـثـيـراً مـن روايـات الـتـجـسـس فـفـيـهـا تـآمـر ضـدّ أمـن الـبـشـريـة ومـجـرمـون يـحـاولـون الـسّـيـطـرة عـلـيـهـا. وقـد اسـتـغـلّـت الـكـاتـبـة خـوف الـغـربـيـيـن مـن انـدلاع حـرب عـالـمـيـة ثـالـثـة لـتـألـيـفـهـا.

وهـدفـنـا في هـذا الـمـقـال لـيـس تـلـخـيـص الـرّوايـة تـلـخـيـصـاً دقـيـقـاً أو كـتـابـة نـقـد أدبي لـنـصّـهـا، فهي تـنـتـمي إلى نـوع مـن الـنّـصـوص الـمـشـوقـة الـحـبـكـة الـسّـهـلـة الـقـراءة الـمـوجـهـة لـلـجـمـهـور الـواسـع. وإنّـمـا هـدفـنـا أن نـتـابـع وصـفـهـا لـلـعـراق والـعـراقـيـيـن والـصّـور الّـتي تـظـهـرهـا عـنـهـم. ولا شـكّ في أنّ كـتـابـات أجـاثـا كـريـسـتي شـاركـت في تـرسـيـخ بـعـض “الـكـلـيـشـيـهـات” عـنّـا في أذهـان الـغـربـيـيـن لـسـبـبـيـن : لأنّ هـذه الـصّـور تـتـسـلـل إلى الـمـخـيـلـة وتـبـقى في الـذّاكـرة بـصـورة لا إراديـة مـن خـلال مـتـابـعـة الأحـداث الـمـشّـوقـة، ولأنّ هـذه الـكـتـب نـشـرت ومـا زالـت تـنـشـر بـطـبـعـات مـتـنـوعـة وبـلـغـات مـخـتـلـفـة وبـأعـداد هـائـلـة مـن الـنّـسـخ. فـتـأثـيـرهـا يـتـجـاوز بـمـئـات الـمـرّات تـأثـيـر الـدّراسـات الـرّصـيـنـة الّـتي يـؤلـفـهـا بـاحـثـون تـصـعـب قـراءتـهـم.

كـمـا أنـني لـن أثـقـل عـلى الـقـارئ بـتـصـحـيـح كـلّ الأخـطـاء الّـتي ارتـكـبـتـهـا الـكـاتـبـة في كـلامـهـا عـن الـعـراق والـعـراقـيـيـن فـهي لـم تـكـن تـتـكـلّـم الـعـربـيـة ولـم تـعـمّـق مـعـارفـهـا بـالـمـجـتـمـع الـعـراقي وبـتـاريـخ الـبـلـد. وأنـا مـتـأكّـد أنّ الـقـارئ سـيـجـد هـذه الأخـطـاء بـنـفـسـه وسـيـضـحـك مـن بـعـضـهـا. وسـأتـرجـم الـمـقـاطـع الّـتي تـهـمـنـا في هـذا الـمـقـال مـبـاشـرة مـن الـنّـص الإنـكـلـيـزي. وسـيـبـدأ كـلّ اسـتـشـهـاد مـأخـوذ مـن الـرّوايـة بـمـعـقـوفـتـيـن (“) وسـيـنـتـهي بـمـعـقـوفـتـيـن (“).

they 6

تـبـدأ الـرّوايـة بـخـروج الـكـابـتـن كـروسـبي Captain Crospieمـن أحـد الـمـصـارف : “والـشّـارع الّـذي كـان فـيـه الـكـابـتـن كـروسـبي يـدعى بـشـارع الـبـنـك Bank Street  لأنّ أغـلـب بـنـوك الـمـديـنـة تـقـع فـيـه. وكـان في داخـل الـبـنـك شـئ مـن الـبـرودة والـعـتـمـة، أو بـالأحـرى شئ مـن الـعـفـونـة. وكـانـت ضـربـات عـدد كـبـيـر مـن الآلات الـكـاتـبـة تـتـعـالى في خـلـفـيـتـه. أمّـا في خـارجـه، فـقـد كـانـت الـشّـمـس حـارّة. وكـان الـغـبـار الـمـتـطـايـر يـمـلأ شـارع الـبـنـك، وكـانـت الـضّـوضـاء فـيـه شـديـدة مـتـنـوعـة الـمـصـادر: أصـوات الـمـنـبـهـات الـمـلـحّـة، وصـيـاح بـاعـة الـسّـلـع الـمـخـتـلــفـة. وكـان هـنـاك مـشـاجـرات حـامـيـة بـيـن أعـداد مـن الـنّـاس يـبـدو عـلـيـهـم أن بـعـضـهـم عـلى وشـك قـتـل الـبـعـض الآخـر ولـكـنـهـم كـانـوا في الـحـقـيـقـة أصـدقـاء أحـبّـاء، وأعـداد مـن الـرّجـال والـصّـبـيـان والأطـفـال يـبـيـعـون كـلّ أنـواع الـنـبـاتـات والـحـلـويـات والـبـرتـقـال والـمـوز والـمِـنـشـفـات والأمـشـاط وأمـواس الـحـلاقـة وسـلـع أخـرى يـدورون بـهـا في الـشـوارع عـلى صـواني. وكـان هـنـاك أيـضـاً أصـوات تـنـحـنـح الـنّـاس الـمـسـتـمـر وبـصـاقـهـم، ويـعـلـو فـوق ذلـك كـلّـه عـويـل سـوّاق الـحـمـيـر والـخـيـل الـمـقـهـور الـمـرتـفـع الـنّـبـرات في وسـط هـديـر الـسّـيّـارات وصـيـاح الـمـشـاة : “بـالـك! بـالـك ! Balek ! Balek ! “. كـانـت الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة صـبـاحـاً في مـديـنـة بـغـداد. أوقـف الـكـابـتـن كـروسـبي صـبـيـاً كـان يـركـض بـسـرعـة وعـلى ذراعـه حـمـولـة جـرائـد واشـتـرى واحـدة مـنـهـا. وبـعـد أن خـرج مـن شـارع الـبـنـك دخـل في شـارع الـرّشـيـد، وهـو شـارع بـغـداد الـرّئـيـسي، يـخـتـرقـهـا عـلى مـدى أربـعـة مـايـلات (سـتّ كـيـلـومـتـرات ونـصـف تـقـريـبـاً) مـحـاذيـاً نـهـر دجـلـة. وألـقى الـكـابـتـن كـروسـبي نـظـرات سـريـعـة عـلى عـنـاويـن أخـبـار الـجـريـدة، ووضـعـهـا تـحـت إبـطـه. وبـعـد أن سـار حـوالي مـائـتي يـاردة (183 مـتـراً تـقـريـبـاً) إسـتـدار لـيـدخـل في درب ضـيّـق يـفـضي إلى خـان أو حـوش كـان في جـانـبـه الـمـقـابـل بـاب عـلـيـه لافـتـة نـحـاسـيـة دفـعـه فـانـفـتـح داخـلاً في مـكـتـب. ونـهـض مـوظـف شـاب عـراقي طـويـل نـظـيـف ومـهـنـدم مـن وراء آلـتـه الـكـاتـبـة واتـجـه نـحـوه مـبـتـسـمـاً مـرحّـبـاً “.

ويـدخـل الـكـابـتـن كـروسـبي في مـكـتـب مـسـتـر داكـيـن. ونـعـرف أنّ الـكـابـتـن كـروسـبي وصـل إلى بـغـداد عـائـداً مـن كـركـوك، وأنّ هـمّـه وهـمّ الـمـسـتـر داكـيـن كـان مـراقـبـة اجـتـمـاع سـرّي سـيـعـقـد في بـغـداد. وتـسـاءل الـكـابـتـن كـروسـبي هـل يـنـوي الـدّكـتـاتـور الـكـبـيـر (ويـعـني بـه رئـيـس قـوّة أوربـيـة عـظـيـمـة) أن يـأتي إلى بـغـداد. ونـعـرف أنّ كـارمـايـكـل Carmichael وجـد مـعـلـومـات بـعـثـهـا عـن طـريـق صـلاح حـسـن Salah Hassan بـشـفـرة سـرّيـة.

وبـعـد أن تـركـه الـكـابـتـن كـروسـبي هـمـس مـسـتـر داكـيـن لـنـفـسـه : “جـاءوا إلى بـغـداد They Came to Baghdad “. وعـلى ورقـة رسـم دائـرة كـتـب تـحـتـهـا “بـغـداد” وحـولـهـا خـطـط صـور جـمـل وطـائـرة وبـاخـرة وقـطـار صـغـيـر يـنـفـث دخـانـاً تـتـجـه كـلّـهـا نـحـو الـدّائـرة. وفي زاويـة رسـم شـبـكـة عـنـكـبـوت وكـتـب في وسـطـهـا آنـا شـيـل Anna Scheel ، ووضـع تـحـتـهـا عـلامـة اسـتـفـهـام كـبـيـرة.

they 5

ونـجـد الـشّـقـراء آنـا شـيـل في الـفـصـل الـتّـالي تـعـمـل في فـرع نـيـويـورك لـوكـالـة بـنـكـيـة عـالـمـيـة، وتـطـلـب إجـازة لـتـذهـب إلى لـنـدن.

وتـدخـل في الـرّوايـة شـخـصـيـة أخـرى: فـيـكـتـوريـا جـونـزVictoria Jones ، شـابـة لـنـدنـيـة فـقـدت عـمـلـهـا والـتـقـت في حـديـقـة عـامـة بـشـاب اسـمـه إدوارد أخـبـرهـا إنّـه ذاهـب إلى بـغـداد لـيـعـمـل في مـكـتـبـة. وتـقـرر فـيـكـتـوريـا أن تـتـبـعـه لأنّـهـا وقـعـت في حـبّـه. وتـجـد عـن طـريـق وكـالـة عـمـل امـرأة كـانـت تـريـد أن تـسـافـر إلى بـغـداد ولـكـنّـهـا كـسـرت ذراعـهـا وتـحـتـاج إلى مـن يـصـاحـبـهـا لـمـسـاعـدتـهـا.

ونـجـد في الـفـصـل الـخـامـس : “الـقـارب الّـذي كـان قـد تـرك الأهـوار قـبـل يـومـيـن” يـشـقّ طـريـقـه بـهـدوء في مـيـاه شـطّ الـعـرب : “كـان الـتّـيـار قـويّـاً، ولـم يـكـن الـرّجـل الـعـجـوز يـحـتـاج إلى جـهـد كـبـيـر لـيـقـوده. كـانـت حـركـاتـه رصـيـنـة يـبـدو مـغـمـض الـعـيـنـيـن وهـو يـغـنّي بـعـذوبـة تـحـت أنـفـاسـه غـنـاءً عـربـيـاً حـزيـنـاً يـردده بـاسـتـمـرار:

أسـري بـالـلـيـل يـا يـمـلي (جـمـلي)                      Asri bi lel ya yamali

حـظي عـلـيـك يـا ابـن عـلي                             Hadhi alek ya Ibn Ali

وهـكـذا وصـل عـبـدُل سـلـيـمـان Abdul Suleiman (1)، رجـل مـن عـرب الأهـوار إلى الـبـصـرة. وكـان مـعـه رجـل آخـر في الـقـارب، في مـلابـسـه الّـتي يـرتـديـهـا خـلـيـط مـن الـغـرب والـشّـرق، فـعـلى دشـداشـة مـقـلّـمـة كـان يـرتـدي ثـوبـاً مـهـتـرئ الـقـمـاش خـاكي الـلـون، ومـعـطـف قـديـم ربـط حـول يـاقـتـه لـفـافـاً أحـمـر بـهـت لـونـه. وعـلى رأسـه يـشـمـاغ أبـيـض وأسـود وعـقـال. وشـرع هـو الآخـر يـدنـدن نـفـس الـنّـغـمـات. كـان يـبـدو شـبـيـهـاً بـآلاف الأشـخـاص في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، ولـم يـكـن هـنـاك مـا يـدلّ عـلى أنّـه إنـكـلـيـزي يـحـمـل في طـيّـات قـلـبـه سـرّاً يـمـكـن أن يـغـيـر وجـه الـعـالـم”.

ونـعـرف أنّـه كـان قـد اجـتـاز بـلاداً كـثـيـرة ونـجـا مـن مـطـاردات كـثـيـريـن كـانـوا يـريـدون قـتـلـه : “هـنـري كـارمـايـكـل. عـمـيـل سـرّي بـريـطـاني في حـوالي الـثّـلاثـيـن مـن عـمـره. بـنّي الـشّـعـر غـامـق الـعـيـنـيـن. يـتـكـلّـم الـلـغـات الـعـربـيـة والـكـرديـة والـفـارسـيـة والأرمـنـيـة والـهـنـدوسـتـانـيـة والـتّـركـيـة ولـهـجـات جـبـلـيـة عـديـدة”.

“ويـتـمـتـم الـعـجـوز الـعـربي مـن غـيـر أن يـديـر رأسـه : الـوقـت يـقـتـرب يـا ابـني، بـارك الله فـيـك May Allah prosper you .

ــ : عـد إلى الأهـوار يـا أبي، لا أريـد أن يـصـيـبـك أذى.

ــ : هـذا أمـر الله، كـلّ شئ بـيـديـه That is as Allah decrees. It is in his hand.

ــ : إن شـاء الله In shâ Allâh. وقـد ودّ في تـلـك الـلـحـظـة لـو كـان دم شـرقي يـسـيـل في عـروقـه بـدلاً مـن الـدّم الـغـربي، لـكي لا يـهـتـم بـاحـتـمـالات الـنّـجـاح أو الـفـشـل، وأن لا يـحـسـب ويـعـيـد حـسـاب دورالـحـظ والـمـصّـدفـات، ولـكي يـتـوقـف عـن الـتّـفـكـيـر في هـل أحـكـم خـطـتـه وفي نـتـائـجـهـا، ولـكي يـلـقي بـالـمـسـؤولـيـة عـلى الـرّحـمـن All Merciful الـحـكـيـم All Wise. إن شـاء الله In shâ Allâh، سـأنـجـح في خـطـتي”. “ودخـل الـقـارب بـهـدوء في الـمـمـر الـمـائي الّـذي تـعـمـق في ضـفـة الـنّـهـر، وكـانـت مـربـوطـة فـيـه كـلّ أنـواع الـمـراكـب، ومـراكـب أخـرى كـانـت تـسـبـقـهـمـا أو تـتـبـعـهـمـا. وكـان الـمـشـهـد رائـعـاً كـمـا لـو كـان في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة تـقـريـبـاً It was lovely, almost venetian scene”.

“ورفـع كـارمـايـكـل أسـفـل دشـداشـتـه الـمـقـلّـمـة بـيـده وصـعـد الـدّرجـات الـحـجـريـة الـمـنـزلـقـة نـحـو الـرّصـيـف. ووجـد حـولـه الـمـشـاهـد الـمـألـوفـة. الأولاد الـصّـغـار وبـاعـة الـبـرتـقـال تـربّـعـوا بـجـانـب صـواني سـلـعـهـم، وقـطـع لـزجـة مـن كـعـك وحـلـويـات، وصـواني مـن قـيـاطـيـن الأحـذيـة وأمـشـاط رخـيـصـة وقـطـع مـن الـمـطـاط. ومـارة يـبـصـقـون بـضـوضـاء مـن حـيـن إلى حـيـن يـتـمـشـون وحـبّـات مـسـابـحـهـم تـتـسـاقـط مـتـضـاربـة بـيـن أيـديـهـم. وفي الـرّصـيـف الـمـقـابـل الّـذي تـنـفـتـح عـلـيـه واجـهـات الـمـخـازن والـبـنـوك، نـرى أفـنـديـة effendis شـبـاب مـسـرعـيـن نـحـو أشـغـالـهـم، يـرتـدون مـلابـس أوربـيـة خـفـيـفـة أرجـوانـيـة الألـوان. وكـان هـنـاك أوربـيـون أيـضـاً، إنـكـلـيـز وأجـانـب”.

“وهـكـذا وصـل هـذا الأجـنـبي إلى وسـط الـمـديـنـة وبـلـغ الـجـسـر فـوق الـقـنـاة، وعـبـره مـسـتـديـراً ودخـل الـسّـوق. وكـانـت الـضّـجـة والـضّـوضـاء في كـلّ مـكـان، يـمـشي فـيـهـا رجـال عـشـائـر بـعـنـفـوان يـدفـعـون كـلّ مـن في طـريـقـهـم، وتـخـتـرقـهـا حـمـيـر مـحـمّـلـة يـصـيـح سـوّاقـهـا بـخـشـونـة : ” بـالـك! بـالـك ! Balek ! Balek ! “. وأطـفـال يـتـعـاركـون ويـولـولـون ثـمّ يـتـراكـضـون عـنـدمـا يـمـرّ أوربـيـون ويـصـيـحـون بـأمـل : بـقـشـيـش مـدام. بـقـشـيـش .مـسـكـيـن ــ مـسـكـيـن Baksheesh, madame. Baksheesh. Meskin-meskin…. وهـنـا تـبـاع مـنـتـوجـات الـغـرب والـشّـرق مـعـاً، جـنـبـاً إلى جـنـب. قـدور مـن الألـمـنـيـوم، وأكـواب ومـواعـيـنـهـا وأبـاريـق شـاي، ومـصـنـوعـات الـصـفـافـيـر، وفـضّـيـات مـن مـديـنـة الـعـمـارة، وسـاعـات رخـيـصـة، وأكـواز مـطـلـيـة بـالـمـيـنـا، ومـطـرّزات وسـجـاد فـارسي زاهي الـتّـصـامـيـم، ومـعـاطـف مـسـتـعـمـلـة وبـنـاطـيـل وكـنـزات أطـفـال صـوفـيـة وألـحـفـة مـبـطـنـة مـصـنـوعـة مـحـلّـيـاً وزجـاج مـصـابـيـح مـرسـوم بـالألـوان وأكـوام مـن الـجـرار والـصـحـون الـفـخـاريـة. كـلّ بـضـائـع الـحـضـارة الـحـديـثـة الـرّخـيـصـة إلى جـانـب الـمـنـتـوجـات الـمـحـلّـيـة”.

وسـار كـارمـايـكـل في مـسـالـك مـعـتـمـة إلى أن وصـل إلى حـوش خـان حـولـه عـدّة دكـاكـيـن: “ذهـب كـارمـايـكـل إلى واحـد مـنـهـا عـلّـقـت أمـامـه فـروات ferwahs ـ مـعـاطـف مـن جـلـود الـغـنـم تـأتي مـن الـشّـمـال. وقـف يـقـلـبّـهـا بـاهـتـمـام. وكـان صـاحـب الـدّكـان يـقـدّم قـهـوة لـزبـون. وكـان الـزّبـون رجـلاً طـويـل الـقـامـة مـلـتـحِ مـهـيـب الـمـظـهـر، يـلـبـس لـفّـة خـضـراء حـول فـيـنـتـه، مـمـا يـدل عـلى أنّـه حـاج Hajji ذهـب إلى مـكّـة. وظـلّ كـارمـايـكـل واقـفـاً يـتـلـمـس الـفـروة وسـأل ــ: بـيـش هـذا؟ Besh hadha ?.

ــ : بـسـبـعـة دنـانـيـر.

ــ : غـالي.

وقـال الـحـاج The Hajji : إبـعـث الـسـجـاجـيـد إلى خـاني.

ــ : أكـيـد. تـمـشي غـداً ؟

ــ : في الـفـجـر، إلى كـربـلاء.

وقـال كـارمـايـكـل ــ : كـربـلاء، هـذه مـديـنـتي. صـار لي خـمـس عـشـرة سـنـة مـنـذ أن زرت قـبـر الـحـسـيـن. وأجـاب الـحـاج The Hajji : هـذه مـديـنـة مـقـدّسـة.

وأدار صـاحـب الـدّكـان رأسـه وقـال لـكـارمـايـكـل : هـنـاك فـروات أرخـص في الـدّاخـل.

ــ : أحـتـاج إلى فـروة بـيـضـاء مـن الـشّـمـال.

ــ : عـنـدي مـنـهـا في الـحـجـرة الـخـلـفـيـة “.

وكـانـت كـلـمـتـا “فـروة” و “كـربـلاء” كـلـمـتي الـسّـر، ولـكـنّ كـارمـايـكـل وجـد شـخـصـاً لـم يـتـوقـعـه في الـدّاخـل، واسـتـطـاع الـنّـجـاة مـن مـحـاولـة لـقـتـلـه. وأدرك في هـربـه أنّ الـسّـر كـان قـد تـسـرّب. ولـم يـبـق لـه، وهـو الّـذي كـان يـريـد تـحـاشي ذلـك، إلّا أن يـذهـب إلى الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة في الـبـصـرة.

ونـجـد في الـفـصـل الـسّـادس ريـشـارد بـيـكـر الّـذي وصـل بـالـبـاخـرة إلى الـبـصـرة في طـريـقـه إلى تـلّ أسـود، مـوقـع مـديـنـة مـوريـك الـقـديـمـة. ورغـم أنّ هـنـاك “تـل أسـود” حـقـيـقي في سـوريـا ولـكـنّـه لـم يـنـقـب إلّا في 1967. أمّـا مـوريـك فهي مـديـنـة خـيـالـيـة تـمـامـاً.

وقـد جـاء بـيـكـر إلى الـقـنـصـلـيـة لـيـقـابـل الـقـنـصـل، وجـلـس بـجـانـب كـارمـايـكـل ولـكـنّـه لـم يـتـعـرف عـلـيـه في مـلابـسـه الّـتي سـبـق أن وصـفـنـاهـا رغـم أنّـهـمـا كـانـا في نـفـس الـمـدرسـة في صـغـرهـمـا. وضـرب كـارمـايـكـل حـبّـات مـسـبـحـتـه بـاعـثـاً لـه رسـالـة بـشـفـرة الـمـورس. وكـان في قـاعـة الإنـتـظـار إنـكـلـيـزي آخـر حـاول أن يـطـلـق الـنّـار عـلى كـارمـايـكـل ولـكـن ريـشـارد بـيـكـر ضـرب بـيـده عـلى مـسـدسـه وأسـقـطـه. واسـتـطـاع كـارمـايـكـل أن يـضـع ورقـة في جـيـب بـيـكـر قـبـل أن يـهـرب.

وتـصـل الـشّـابـة الإنـكـلـيـزيـة فـيـكـتـوريـا جـونـز بـالـطـائـرة إلى طـرابـلـس [الـغـرب] في الـفـصـل الـسّـابـع. وتـغـدق الـمـرأة الّـتي كـسـرت ذراعـهـا والّـتي تـصـاحـبـهـا فـيـكـتـوريـا عـلـيـهـا بـنـصـائـحـهـا. وتـنـهـيـهـا بـهـذه الـجـمـل : “وفي الـحـقـيـقـة لـيـس هـنـاك شئ نـظـيـف إن كـنـت تـدركـيـن مـا أقـول. وأنـا أنـتـبـه دائـمـاً إلى مـا أأكـل، فـالـقـذارة في الأسـواق والـشّـوارع شئ لا يـمـكـن أن تـصـدقـيـه. وهـذه الـخـرق الـبـالـيـة الـوسـخـة الّـتي يـرتـديـهـا الـنّـاس. وبـعـض دورات الـمـيـاه. هي لا تـسـتـحـق أن تـدعى بـهـذا الإسـم !”. وتـسـتـمـر الـسّـفـرة مـن طـرابـلـس إلى الـقـاهـرة فـبـغـداد.

وعـنـدمـا وصـلـت فـيـكـتـوريـا إلى بـغـداد : “كـان انـطـبـاعـهـا وهي تـتـنـفـس الـعـجـاج الأصـفـر الـحـار الـخـانـق سـيـئـاً. ومـن الـمـطـار إلى فـنـدق تـيـو، هـاجـمـت أذنـيـهـا ضـوضـاء مـسـتـمـرّة لا تـتـوقّـف. مـنـبـهـات سـيّـارات مـسـتـمـرة بـتـتـابـع جـنـوني، وأصـوات تـتـصـايـح، وصـفّـارات حـادّة، ثـمّ ارتـفـاع مـنـبـهـات سـيّـارات تـصـمّ الآذان ولا داعي لـهـا”. وبـعـد أن وصـلـت إلى الـفـنـدق (الّـذي يـطـلّ عـلى دجـلـة) وقـد أصـابـهـا الـصـدّاع ورأسـهـا يـدور، ذهـبـت إلى الـفـراش : “جـلـسـت فـيـكـتـوريـا عـلى حـافـة الـسّـريـر ومـسـحـت بـيـدهـا عـلى شـعـرهـا. وشـعـرت بـه مـلـبّـداً بـالـتّـراب وشـعـرت بـبـشـرة وجـهـهـا مـحـرقـة تـؤلـمـهـا. ونـظـرت إلى نـفـسـهـا في الـمـرآة. غـيّـر الـعـجـاج لـون شـعـرهـا الـغـامـق إلى لـون بـنّي مـحـمـرّ غـريـب. وسـحـبـت طـرفـاً مـن الـسّـتـارة ونـظـرت مـن خـلال الـشّـرفـة الـفـارغـة إلى الـنّـهـر. ولـم تـر مـن دجـلـة إلّا ضـبـابـاً أصـفـر كـثـيـفـاً. وقـالـت لـنـفـسـهـا وهي عـلى حـافّـة انـهـيـار عـصـبي عـمـيـق : مـا أبـغـض هـذا الـمـكـان”.

ولـكـنّـهـا “بـعـد أن اغـتـسـلـت وتـغـدّت ونـامـت الـقـيـلـولـة مـدّة طـويـلـة، خـرجـت فـيـكـتـوريـا مـن غـرفـتـهـا إلى الـشّـرفـة ونـظـرت إلى دجـلـة. كـانـت عـاصـفـة الـعـجـاج قـد هـدأت. وبـدلاً مـن الـضّـبـاب الأصـفـر رأت نـوراً بـاهـتـاً ومـيّـزت عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة أشـكـالاً رقـيـقـة لـنـخـيـل ودور شـيّـدت هـنـا وهـنـاك”.

ثـمّ عـرفـت فـيـكـتـوريـا أنّ الـشّـاب إدوارد الّـذي كـانـت قـد أغـرمـت بـه وجـاءت مـن أجـلـه إلى بـغـداد، يـعـمـل في جـمـعـيـة “غـصـن الـزّيـتـون”. وسـألـت فـيـكـتـوريـا تـيـو، صـاحـب الـفـنـدق عـن عـنـوان الـجـمـعـيـة، ولأنّـهـا لا تـعـرف بـغـداد فـقـد اقـتـرح عـلـيـهـا أن تـركـب سـيّـارة إجـرة. وعـنـدمـا سـألـتـه إن كـان الـسّـائـق يـعـرف الـمـكـان أجـابـهـا : “كـلّا، هـم لا يـعـرفـون مـوقـع أي مـكـان ! يـنـبـغي أن تـقـولي لـلـسّـائـق : يـمـيـن، يـسـار، تـوقـف، أكـمـل طـريـقـك ــ تـدّلـيـنـه عـلى الـمـكـان. وقـالـت فـيـكـتـوريـا : الأفـضـل إذن أن أسـيـر”.

“ووصـلـت إلى شـارع الـرّشـيـد واسـتـدارت يـمـيـنـاً. وكـانـت بـغـداد عـلى عـكـس مـا كـانـت تـتـصـوره عـنـهـا تـمـامـاً. شـارع رئـيـسي مـزدحـم مـكـتـظ بـالـنّـاس، وسـيـارات تـقـرع مـنـبـهـاتـهـا بـعـنـف، ونـاس يـتـصـايـحـون، وبـضـائـع أوربـيـة في واجـهـات الـمـحـلّات، وبـصـاق في كـلّ مـكـان حـولـهـا بـعـد نـحـنـات مـلـحّـة وعـالـيـة. ولـم تـجـد شـخـصـيـات شـرقـيـة غـريـبـة وغـامـضـة، فـأغـلـبـيـة الـنّـاس يـرتـدون مـلابـس غـربـيـة رخـيـصـة ومـهـتـرئـة، سـتـرات جـيـش وقـوّات جـوّيـة قـديـمـة. وتـبـدو الأشـكـال الـمـتـفـوّطـة والـمـرتـديـة عـبـاءات سـوداء الّـتي نـلـمـحـهـا هـنـا وهـنـاك ضـائـعـة في وسـط هـذا الـخـلـيـط مـن الـمـلابـس الأوربـيـة. وجـاءت نـحـوهـا مـتـسـولات يـولـولـن ويـبـكـيـن ــ نـسـاء يـحـمـلـن أطـفـالاً وسـخـيـن بـيـن أذرعـهـنّ. ولـم يـكـن الـرّصـيـف تـحـت قـدمـيـهـا مـسـطّـح الـمـسـتـوى وكـان فـيـه بـيـن الـحـيـن والـحـيـن حـفـر مـفـتـوحـة. وأكـمـلـت طـريـقـهـا وقـد اجـتـاحـهـا فـجـأة شـعـور بـالـغـربـة والـضّـيـاع بـعـيـداً عـن بـلـدهـا. هـنـا لا يـحـس الـمـسـافـر بـسـحـر الـسّـفـر، ولـكـنّـه يـحـسّ فـقـط بـالـفـوضى. ثـمّ وصـلـت إلى جـسـر فـيـصـل وتـجـاوزتـه مـسـتـمـرة في سـيـرهـا. وقـد أثـار الـخـلـيـط الـغـريـب مـمـا تـعـرضـه واجـهـات الـمـحـلّات فـضـولـهـا رغـمـاً عـنـهـا : أحـذيـة أطـفـال وألـبـسـة صـوفـيـة ومـعـجـون أسـنـان ومـسـتـحـضـرات تـجـمـيـل ومـصـابـيـح كـهـربـائـيـة وأكـواب فـرفـوري وصـحـون، وضـعـت جـنـبـاً لـجـنـب. وشـيـئـاً فـشـيـئـاً دخـلـت في دائـرة سـحـرهـا، سـحـر هـذه الـبـضـائـع الـمـتـنـوعـة الّـتي جـاءت مـن كـلّ أنـحـاء الـعـالـم لـتـشـبـع رغـبـات هـذا الـخـلـيـط الـغـريـب مـن الـنّـاس ولـتـسـد حـاجـاتـهـم”.

ولـم تـجـد أحـداً يـسـتـطـيـع أن يـدلّـهـا عـلى طـريـقـهـا، لا أصـحـاب الـمـحـلّات ولا الـشّـرطـة الّـذيـن رأتـهـم : “يـحـركـون أذرعـهـم بـعـنـفـوان ويـطـلـقـون صـفـاراتـهـم”، ولا صـاحـب الـمـكـتـبـة الّـتي “عـرضـت في واجـهـتـهـا بـعـض الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة”. ثـمّ أكـمـلـت طـريـقـهـا وعـنـدهـا : “هـاجـمـت أذنـيـهـا أصـوات رهـيـبـة لـضـربـات مـطـارق عـنـيـفـة جـاءت مـن زقـاق مـعـتـم”. وتـذكـرت مـا أخـبـروهـا بـه مـن إنّ مـكـتـب “غـصـن الـزّيـتـون” كـان قـرب سـوق الـصّـفـافـيـر. “ودخـلـتـه فـيـكـتـوريـا. وسـحـرهـا سـوق الـصّـفـافـيـر، نـارالـلـحـام والـمـعـدن الـذّائـب وطـريـقـة صـنـع الأوعـيـة كـانـت اكـتـشـافـاً عـجـيـبـاً لـسـاكـنـة لـنـدن الـصّـغـيـرة هـذه الّـتي لـم تـرَ قـبـل ذلـك إلّا بـضـائـع مـكـتـمـلـة الـتّـصـنـيـع مـعـروضـة لـلـبـيـع. وتـجـولـت في الـسّـوق ثـمّ تـركـتـهـا لـتـمـرّ أمـام أغـطـيـة خـيـل مـخـطـطـة زاهـيـة الألـوان وألـحـفـة فـرش قـطـنـيـة مـبـطّـنـة. وتـبـدو الـمـنـتـوجـات الأوربـيـة هـنـا مـخـتـلـفـة الـمـظـهـر تـحـت هـذه الـسّـقـوف الـمـعـتـمـة الـمـنـعـشـة الـبـرودة، لـهـا مـيـزة الـسّـلـع الـقـادمـة مـن مـا وراء الـبـحـار وفـيـهـا شئ مـن الـغـرابـة والـنّـدرة. بـالات مـن الأقـمـشـة الـرّخـيـصـة الـزّاهـيـة الألـوان تـبـهـج الأعـيـن. وبـيـن الـحـيـن والـحـيـن نـسـمـع صـيـحـات : بـالـك! بـالـك ! Balek ! Balek ! لـتـمـرّ حـمـيـر أو بـغـال تـتـمـايـل عـلى ظـهـورهـا الأحـمـال. ويـتـسـارع نـحـوهـا أولاد صـغـار ربـطـت صـوانـيـهـم بـأشـرطـة تـدور حـول أعـنـاقـهـم :see, lady,elastic, good elastic, English elastic. Comb, English comb ? . وتُـرمى الـسّـلـع عـلـيـهـا، تـكـاد تـمـسّ أنـفـهـا بـصـيـحـات تـرجـوهـا أن تـشـتـريـهـا. وسـارت فـيـكـتـوريـا في حـلـم سـعـيـد. هـذه هي حـقّـاً رؤيـة الـدّنـيـا. وفي كـلّ مـنـعـطـف مـن مـمـرات هـذا الـعـالـم الـمـسـقّـف الـمـنـعـش الـبـرودة تـكـتـشـف أشـيـاء لـم تـتـوقّـعـهـا : زقـاق الـخـيّـاطـيـن وفي أيـديـهـم إبـر الـخـيـاطـة وخـلـفـهـم صـور لـخـيـاطـة رجـالـيـة أوربـيـة، ثـمّ صـفـوف مـن سـاعـات وحـلي رخـيـصـة. وأكـوام مـن الـقـطـيـفـة وأقـمـشـة مـطـرزة بـخـيـوط مـعـدنـيـة غـالـيـة، ثـمّ تـفـقـد حـظـهـا مـن هـذا وتـجـد نـفـسـهـا في مـمـرات مـلابـس أوربـيـة مـسـتـعـمـلـة مـبـتـذلـة ومـحـكـوكـة، سـتـر بـهـتـت ألـوانـهـا تـدعـو لـلـرّثـاء ومـعـاطـف طـويـلـة مـبـعـثـرة هـنـا وهـنـاك. وتـلـمـح بـيـن الـحـيـن والـحـيـن انـفـتـاحـاً عـلى حـوش تـرى فـوقـه جـزءاً مـن الـسّـمـاء. ثـمّ امـتـد أمـام عـيـنـيـهـا مـشـهـد بـائـعي سـراويـل رجـالـيـة جـلـسـوا مـتـربّـعـيـن بـهـيـبـة وسـط زوايـاهـم الـمـربّـعـة الـصـغـيـرة وعـلى رؤوسـهـم الـعـمـائـم. “بـالـك Balek ! ” وجـاء حـمـار ثـقـيـل الأحـمـال مـن خـلـفـهـا أجـبـرهـا عـلى أن تـلـتـجـأ إلى زقـاق ضـيّـق رأت في أعـلاه شـريـطـاً مـن الـسّـمـاء. وسـارت فـيـه لـتـجـد فـيـه مـا كـانـت تـبـحـث عـنـه”.

وعـنـدمـا سـألـت عـن إدوارد في مـكـتـب “غـصـن الـزّيـتـون” أخـبـروهـا أنّـه كـان في مـهـمـة في الـبـصـرة.

وتـتـكـلّـم الـكـاتـبـة عـن الـنّـادل يـسـوع Jesusالّـذي كـان يـعـمـل في فـنـدق تـيـو الّـذي أقـامـت فـيـه فـيـكـتـوريـا. ويـسـوع هـذا كـان شـخـصـيـة حـقـيـقـيـة الـتـقـت بـه أجـاثـا كـريـسـتي. وكـان مـسـيـحـيـاً كـلـدانـيـاً مـن شـمـال الـعـراق يـعـمـل في نـادلاً في فـنـدق. ويـذكـره أيـضـاً Archibald Bulloch Roosevelt, Jr. الّـذي كـان مـلـحـقـاً عـسـكـريـاً أمـريـكـيـاً في بـغـداد خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة في كـتـابـه : For Lust of Knowing: Memoirs of an Intelligence Officer .

وفي الـمـسـاء، بـيـنـمـا كـانـت فـيـكـتـوريـا تـتـهـيـأ لـلـنّـوم انـفـتـح بـاب غـرفـتـهـا عـلى مـصـراعـيـه وانـسـلّ إلـيـهـا رجـل أغـلـق بـعـده الـبـاب بـالـمـفـتـاح وطـلـب مـنـهـا أن تـخـفـيـه بـسـرعـة، فـأخـفـتـه تـحـت الـسّـريـر. ثـمّ سـمـعـت دقّـات عـلى الـبـاب فـقـد جـاء رجـال الـشّـرطـة. وعـنـدمـا ذهـبـت فـيـكـتـوريـا إلى الـبـاب لاحـظـت لـفـاف الـرّجـل الأحـمـر فـحـشـرتـه في جـرّار. وبـعـد أن أخـبـرتـهـم أنّـهـا لـم تـرَ أحـداً ذهـب رجـال الـشّـرطـة لـيـدقّـوا عـلى بـاب الـغـرفـة الـمـجـاورة. وعـنـدمـا ابـتـعـدوا أخـرجـت فـيـكـتـوريـا الـرّجـل الـمـخـتـبئ ولاحـظـت عـلـيـه بـقـعـة حـمـراء مـن الـدّمـاء. وقـبـل أن يـمـوت بـيـن يـديـهـا نـطـق بـثـلاث كـلـمـات : لـوسـيـفـر Lucifer ، الـبـصـرة Basrah ، واعـتـقـدت أنّ الأخـيـرة كـانـت لافـارج Lafarge.

ثـمّ ذهـبـت فـيـكـتـوريـا إلى الـبـصـرة بـحـثـاً عـن إدوارد، وكـان ذلـك في الـشّـتـاء، ولـبـسـت ثـوبـاً صـيـفـيـاً فـطـقـس الـبـصـرة يـذكّـرهـا بـشـهـر حـزيـران في لـنـدن. وبـعـد أن وجـدت إدوارد ذهـبـا يـتـجـولان في الـمـديـنـة : “تـتـوقـف كـلّ الأشـغـال في سـاعـات مـنـتـصـف الـنّـهـار. وخـرج إدوارد وفـيـكـتـوريـا بـعـد الـغـداء لـيـتـمـشـيـا في الـمـديـنـة ويـطّـلـعـا عـلى مـعـالـمـهـا. وقـد أعـجـبـت فـيـكـتـوريـا بـالـنّـهـر، شـطّ الـعـرب بـضـفـافـه الّـتي تـغـطـيـهـا غـابـات الـنّـخـيـل. وأحـبّـت مـراكـب الـعـرب الـسّـريـعـة الّـتي تـشـبـه قـوارب مـديـنـة الـبـنـدقـيـة (الـجـنـدولات) والّـتي ربـطـت عـلى جـانـبي الـقـنـاة في الـمـديـنـة. ثـمّ تـجـوّلا في الـسّـوق وتـأمّـلا صـنـاديـق الـعـرس الـمـصـنـوعـة في الـكـويـت والـمـدقـوقـة فـيـهـا مُـقـطّـعـات نـحـاسـيـة، وسـلـع أخـرى تـجـذب أعـيـن الـنّـاظـريـن”. وقـصّـت فـيـكـتـوريـا عـلى إدوارد مـا حـدث لـهـا في الـفـنـدق في بـغـداد ومـوت الـرّجـل الـغـريـب في غـرفـتـهـا. ونـعـرف أنّ آنـا شـيـل سـتـأتي إلى بـغـداد.

وبـعـد أن عـادا إلى بـغـداد ضـرب إدوارد مـوعـداً لـفـيـكـتـوريـا عـلى ضـفـة دجـلـة “أمـام بـيـت الـمـلـك عـلي Beit Melik Ali”. وبـعـد أن سـألـت عـن الـعـنـوان وجـدت داراً كـبـيـرة تـطـلّ عـلى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة. ودهـشـت عـنـدمـا أوصـلـهـا درب ضـيّـق إلى ضـفـة الـنّـهـر : “إسـتـدارت إلى الـيـمـيـن وسـارت بـتـمـهـل بـمـحـاذاة الـسّـدّة الـعـالـيـة. كـانـت الـسّـدّة في بـعـض أجـزائـهـا قـد هـدّمـهـا الـمـاء، ولـم تـكـن في بـعـض الأحـيـان قـد رمـمـت أو أعـيـد بـنـاؤهـا. وكـان أمـام إحـدى الـدّور درجـات لـو سـلـكـهـا الـمـرء في لـيـل مـظـلـم لأودت بـه في الـمـاء. نـظـرت فـيـكـتـوريـا إلى الـمـاء تـحـتـهـا واسـتـمـرّت في سـيـرهـا، ثـمّ تـوسّـع الـدّرب وصـار مـبـلـطـاً بـالـحـجـارة. وكـان يـبـدو أنّ الـدّور الـمـمـتـدّة عـلى يـمـيـنـهـا تـخـفي أسـرارهـا بـغـيـرة، لا يـمـكـن ألـقـاء نـظـرات داخـلـهـا ولا عـلى سـاكـنـيـهـا. ولـكـنّـهـا وجـدت أحـيـانـاً بـابـاً مـفـتـوحـاً نـظـرت مـن خـلالـه فـسـحـرهـا الـتّـنـاقـض بـيـن الـخـارج والـدّاخـل. وتـسـلـلـت نـظـراتـهـا في حـوش دار تـتـوسـطـه نـافـورة تـنـفـث مـاءهـا وحـولـهـا مـقـاعـد وثـيـرة وكـراسي، ونـخـلات بـاسـقـة في حـديـقـة وراء الـحـوش تـبـدو مـثـل ديـكـورات مـن الـقـمـاش عـلى خـشـبـة مـسـرح. وعـنـدمـا تـسـلـلـت نـظـراتـهـا في داخـل دار أخـرى كـان لـهـا نـفـس مـظـهـر الأولى الـخـارجي لـمـحـت مـمـرات مـظـلـمـة وأكـوام نـفـايـات في وسـطـهـا خـمـسـة أطـفـال أو سـتّـة وسـخـيـن بـمـلابـس رثّـة يـلـعـبـون بـهـا. ثـمّ وصـلـت إلى غـابـة نـخـيـل كـثـيـفـة، ومـرّت بـدرجـات سـلّـم عـلى يـسـارهـا تـودي إلى الـنّـهـر، ورأت رجـلاً عـربـيـاً جـالـسـاً في بـلـم بـدائي لـه مـجـذافـان يـصـيـح نـحـوهـا ويـحـرك ذراعـيـه في الـهـواء. لا بـدّ أنّـه كـان يـسـألـهـا إن كـانـت تـريـد الـعـبـور إلى الـصّـوب الـمـقـابـل. وخـيّـل إلـيـهـا أنّـهـا كـانـت في مـقـابـل فـنـدقـهـا، وإن كـان صـعـبـاً الـتّـعـرف عـلى الأشـكـال الـمـعـمـاريـة لـلـبـنـايـات عـبـر الـنّـهـر، وبـنـايـات الـفـنـادق تـتـشـابـه فـيـمـا بـيـنـهـا. ثـمّ بـلـغـت طـريـقـاً تـؤدّي خـلال غـابـات الـنّـخـيـل إلى داريـن عـالـيـتـيـن عـلى واجـهـتـيـهـمـا شـرفـات. وكـان خـلـفـهـمـا دار ضـخـمـة شـيّـدت مـبـاشـرة عـلى ضـفـة الـنّـهـر حـولـهـا حـديـقـة وحـيـطـان. وكـان الـدّرب الـمـحـاذي لـلـنّـهـر يـمـرّ وسـط مـا لا بـدّ أنّـهـا دار الـمـلـك عـلي”. “وبـعـد أن مـرّت أمـام مـدخـلـهـا وصـلـت بـعـد دقـائـق إلى مـكـان بـالـغ الـوسـاخـة، وحـجـبـت الـنّـهـر نـخـيـل. وكـان الـمـكـان مـسـوّراً بـأسـلاك شـائـكـة صـدئـة. وكـان عـلى يـمـيـنـهـا دور خـربـة وسـط حـيـطـان مـن الـطّـيـن وصـرائـف حـولـهـا أطـفـال يـلـعـبـون في الـقـذارة وأسـراب ذبـاب تـتـطـايـر فـوق أكـوام الـزّبـالـة”.

ووجـدت فـيـكـتـوريـا إدوارد وبـجـانـبـه سـيّـارة، وأخـبـرهـا أنّـه سـيـقـودهـا إلى بـابـل.

” ـ : إلى بـابـل ، صـاحـت فـيـكـتـوريـا، مـا أحـلى سـمـاع هـذا، حـقّـاً إلى بـابـل؟ واسـتـدارت الـسّـيـارة نـحـو الـيـسـار ودخـلا في طـريـق واسـعـة الـعـرض جـيّـدة الـتّـبـلـيـط.

ــ : نـعـم، ولـكـنّ لا تـأمـلي الـكـثـيـر، فـبـابـل لـم تـعـد كـمـا كـانـت عـلـيـه، إن فـهـمـتِ مـا أقـصـد.

وهـمـهـمـت فـيـكـتـوريـا :

كـم مـن مـايـل لـنـصـل إلى بـابـل ؟

ثـلاث عـشـريـنـات وعـشـرة.

هـل سـأصـلـهـا عـلى ضـوء الـشّـمـعـة ؟

نـعـم، وتـعـوديـن عـلـيـه أيـضـاً.

وكـنـت أغـني هـذا عـنـدمـا كـنـت طـفـلـة. سـحـرتـني بـابـل دائـمـاً. وهـا نـحـن نـذهـب إلـيـهـا حـقّـاً”.

“ــ : تـبـدو هـذه الـسّـيـارة عـلى وشـك الـتّـسـاقـط .

ــ : وهي ربّـمـا سـتـتـسـاقـط. فـكـل شئ فـيـهـا مـهـتـرئ بـالـتّـأكـيـد. ولـكـنّ هـؤلاء الـعـراقـيـيـن لا مـثـيـل لـهـم عـنـدمـا يـربـطـون أجـزاءهـا بـسـلـك ويـنـطـقـون عـلـيـهـا : إن شـاء الله Inshallah، فـتـتـحـرّك وتـسـيـر.

ــ : يـقـولـون إن شـاء الله دائـمـاً، ألـيـس كـذلـك؟

ــ وهـل هـنـاك أحـسـن مـن أن نـتـخـلـص مـن الـمـسـؤولـيـة ونـلـقـيـهـاعـلى [الله] الـقـادرAlmighty “.

” وتـقـافـزت بـهـمـا الـسّـيـارة عـلى الـطـريـق الـمـلـيـئـة بـالـحـفـر وتـمـايـلـت تـضـرب هـنـا وهـنـاك أكـوام الـتّـراب. وكـان الـغـبـار يـرتـفـع كـغـيـوم حـولـهـمـا. وكـانـت شـاحـنـات مـلـيـئـة بـالـعـرب تـسـيـر وسـط الـطّـريـق، لا يـلـقي سـائـقـوهـا بـالاً لـقـرع الـمـنـبـهـات خـلـفـهـم. ومـرّا أمـام حـدائـق حـولـهـا حـيـطـان ومـجـمـوعـات مـن الـنّـسـاء والأطـفـال والـحـمـيـر. وكـان كـلّ هـذا جـديـداً عـلى فـيـكـتـوريـا و جـزءاً مـن الـسّـحـر الّـذي شـمـلـهـا وهي جـالـسـة بـجـانـب إدوارد في طـريـقـهـا إلى بـابـل. ووصـلا إلى بـابـل بـعـد سـاعـتـيـن وقـد اهـتـزّ جـسـمـاهـمـا وغـطـتـهـمـا الـكـدمـات. وخـاب أمـل فـيـكـتـوريـا أمـام الـخـرائـب : أكـوام مـن الـطّـيـن والـطّـابـوق الّـتي لـم تـدرك بـقـايـا مـاذا كـانـت، فـقـد كـانـت تـتـوقّـع رؤيـة أعـمـدة وأقـواس مـثـلـمـا رأتـه في الـصّـور عـن بـعـلـبـك. ولـكـنّ خـيـبـة أمـلـهـا خـفّـت قـلـيـلاً فـقـلـيـلاً وسـارا فـوق أكـوام مـن الـطّـابـوق يـتـبـعـان دلـيـلاً يـريـهـمـا الـمـكـان. واسـتـمـعـت بـنـصـف أذنـهـا إلى شـروحـه الـمـفـصّـلـة، ولـكـن عـنـدمـا مـرّا بـطـريـق الـمـسـيـرات مـتـجـهـيـن نـحـو بـوابـة عـشـتـار بـآثـار حـيـوانـاتـهـا الـخـرافـيـة، تـمـلـكـهـا فـجـأة شـعـور بـعـظـمـة الـمـاضي ورغـبـة في مـعـرفـة مـا كـانـت عـلـيـه هـذه الـمـديـنـة الـواسـعـة الـشّـمـوخ، والّـتي تـسـتـلـقي الآن أمـامـهـا مـهـمـلـة لا حـيـاة فـيـهـا. وبـعـد أن دفـعـت مـا كـان تـديـن بـه لـهـذه الآثـار، جـلـسـت بـجـانـب أسـد بـابـل مـع إدوارد يـأكـلان مـا كـان قـد جـلـبـه مـعـه. وتـركـهـمـا الـدّلـيـل مـبـتـسـمـاً وهـو يـحـثّـهـمـا عـلى زيـارة الـمـتـحـف بـعـد الأكـل.

ــ : وهـل يـنـبـغي ذلـك ؟ قـالـت فـيـكـتـوريـا مـبـتـسـمـة، قـطـع أثـريـة أمـامـهـا شـروح مـكـتـوبـة وضـعـت في دوالـيـب، ولا يـبـدو عـيـهـا أنّـهـا حـقـيـقـيـة. ذهـبـت إلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـرّة. وهـو مـريـع ويـوجـع الأقـدام.

ــ : الـمـاضي مـضـجـر دائـمـاً، قـال إدوارد، والـمـسـتـقـبـل أهـم مـنـه.

ــ : هـذا لـيـس مـضـجـراً، قـالـت فـيـكـتـوريـا وهـي تـحـرك يـدهـا الـمـمـسـكـة بـالـسّـانـدويـتـش نـحـو مـشـهـد جـدران الـطّـابـوق، هـنـاك شـعـور بـالـعـظـمـة …”.

ولأنّ شعـرهـا أصـبـح بـلـون الـصّـدأ مـن تـراكـم الـتّـراب عـلـيـه بـعـد عـودتـهـا مـن بـابـل فـقـد ذهـبـت فـيـكـتـوريـا إلى امـرأة أرمـنـيـة لـتـغـسـل لـهـا شـعـرهـا بـالـشّـامـبـو. وخـلال غـسـل شـعـرهـا شـمّـت رائـحـة ذكّـرتـهـا بـالـمـسـتـشـفى وغـابـت عـن وعـيـهـا. وعـنـدمـا اسـتـيـقـظـت : “كـانـت في غـرفـة صـغـيـرة ولـكـن عـالـيـة جـدّاً، صـبـغـت بـلـون رصـاصي فـاتـح مـزرقّ يـثـيـر الـكـآبـة. وكـانـت أرضـيـتـهـا مـن الـطّـيـن. ويـبـدو أنّ الأثـاث الـوحـيـد فـيـهـا كـان الـفـراش الّـذي اسـتـلـقـت عـلـيـه، وقـد رمـيـت فـوقـه سـجـادة وسـخـة وطـاولـة آيـلـة لـلـسـقـوط فـوقـهـا صـحـن واسـع تـسـاقـطـت مـنـه الـمـيـنـا الّـتي طـلي بـهـا ودلـو مـن الـزّنـك تـحـتـهـا. وكـان فـيـهـا نـافـذة ثـبّـت عـلـيـهـا مـن الـخـارج نـوع مـن الـمـشـبّـك الـخـشـبي. ونـهـضـت فـيـكـتـوريـا بـحـذر شـديـد مـن الـفـراش وشـعـرت بـالأرض تـدور حـولـهـا وبـصـداع في رأسـهـا واقـتـربـت مـن الـنّـافـذة. واخـتـرقـت نـظـراتـهـا الـمـشـبّـك الـخـشـبي بـلا عـائـق ورأت حـديـقـة خـلـفـهـا نـخـيـل. وكـانـت الـحـديـقـة مـلـيـحـة حـسـب الـمـعـايـيـر الـشّـرقـيـة، وإن كـانـت سـتـبـدو حـقـيـرة في نـظـر سـكـان ضـواحي الـمـدن الإنـكـلـيـزيـة. وكـان فـيـهـا كـثـيـر مـن الأزهـار الـبـرتـقـالـيـة الـلـمـعـان وأشـجـار أوكـالـبـتـوس يـغـطي أوراقـهـا الـغـبـار وبـعـض أشـجـار الـطّـرفـاء الـهـزيـلـة الأغـصـان.

وكـان طـفـل صـغـيـر عـلى وجـهـه أوشـام زرقـاء وعـلـيـه كـثـيـر مـن الأسـورة والـخـلاخـل يـتـقـافـز ويـتـمـايـل ضـاربـاَ كـرتـه ويـغـني بـأنـيـن أخـن عـالٍ ويـبـدو صـوتـه وكـأنّـه يـخـرج مـن “مـزمـار قـربـة” بـعـيـد”.

وبـعـد أن دارت في غـرفـتـهـا وفـكّـرت طـويـلاً : “سـمـعـت في الـخـارج أصـوات خـطـوات تـقـتـرب وصـريـر مـفـتـاح في قـفـل صـدئ، وتـرنـح الـبـاب عـلى مـصـراعـه مـنـفـتـحـاً ودخـل رجـل عـربي an Arab. كـان يـحـمـل صـيـنـيـة مـعـدنـيـة عـلـيـهـا صـحـون. وكـان يـبـدو مـرحـاً وابـتـسـم بـكـلّ فـمـه وبـزهـو وتـكـلّـم بـعـربـيـة لـم تـفـهـمـهـا ووضـع الـصّـيـنـيـة. وفـتـح فـمـه وأشـار إلـيـه وإلى بـلـعـومـه مـن الأعـلى إلى الأسـفـل وخـرج ثـمّ أقـفـل الـبـاب وراءه. واقـتـربـت فـيـكـتـوريـا مـن الـصّـيـنـيـة. وكـان عـلـيـهـا وعـاء فـيـه رز، وشئ يـبـدو مـثـل أوراق كـرنـب مـلـفـوفـة ورغـيـف خـبـز عـربي واسـع. وكـذلـك إنـاء مـاء وكـأس. وبـدأت فـيـكـتـوريـا بـشـرب كـأس مـاء مـلـيـئـة ثـمّ شـرعـت في تـذوّق الـرّز والـخـبـز وأوراق الـكـرنـب الّـتي حـشـيـت بـلـحـم مـثـروم لـه طـعـم لـم تـتـعـود عـلـيـه. وعـنـدمـا أنـهـت كـلّ مـا كـان في الـصّـيـنـيـة شـعـرت بـنـفـسـهـا في حـالـة أحـسـن”.

ونـلاحـظ أنّ الـكـاتـبـة في وصـفـهـا لـلـدّولـمـة اسـتـعـمـلـت كـلـمـة “ورق الـكـرنـب Cabbage leaves” وهي تـتـكـلّـم عـن الـسِّـلـق، مـع أن كـلـمـة سِـلـق مـوجـودة في الإنـكـلـيـزيـة : “Chard”.

“وعـاد سـجّـانـهـا في الـمـسـاء يـحـمـل صـيـنـيـة طـعـام أخـرى. وصـاحـبـتـه هـذه الـمـرّة امـرأتـان. وكـانـتـا مـتـلـفـعـتـيـن بـسـواد صـدئ، مـحـجـبـتي الـوجـه. ولـم تـدخـلا الـغـرفـة بـل بـقـيـتـا أمـام الـبـاب. وكـان بـيـن ذراعي إحـداهـمـا طـفـل. وكـانـتـا واقـفـتـيـن تـتـضـاحـكـان وإنّ أحـسّـت فـيـكـتـوريـا أنّ أعـيـنـهـمـا كـانـت تـتـفـحـصـهـا مـن خـلال بـرقـعـيـهـمـا الـخـفـيـفـيـن. وقـد كـان مـمـتـعـاً لـهـمـا وشـديـد الـفـكـاهـة أن تـسـجـن امـرأة أوربـيـة هـنـا. وحـاولـت فـيـكـتـوريـا أن تـكـلّـمـهـمـا بـالإنـكـلـيـزيـة وبـالـفـرنـسـيـة ولـكـنّـهـمـا اسـتـمـرتـا بـالـتّـضـاحـك. وفـكـرت بـغـرابـة أن لا تـسـتـطـيـع الـتّـفـاهـم مـع أشـخـاص مـن جـنـسـهـا (الأنـثـوي). ونـطـقـت بـبـطء وبـصـعـوبـة شـديـدة واحـدة مـن الـجـمـل الـقـلـيـلـة الّـتي حـفـظـتـهـا : الـحـمـد لله El hamdu lillah”.  وقـوبـلـت جـمـلـتـهـا بـسـيـل مـن الـكـلـمـات الـعـربـيـة وهـزّت الـمـرأتـان رأسـيـهـمـا بـحـيـويـة وعـنـفـوان. وتـقـدمـت فـيـكـتـوريـا نـحـوهـمـا ولـكـنّ الـخـادم الـعـربي(أو هـل كـان لـه مـهـمـة أخـرى؟) رجـع إلى الـخـلـف وأوقـفـهـا. وأشـار لـلـمـرأتـيـن أن تـخـرجـا وتـبـعـهـمـا خـارجـاً هـو الآخـر وأغـلـق الـبـاب وقـفـلـه بـالـمـفـتـاح. وكـان قـد نـطـق قـبـل أن يـخـرج بـكـلـمـة كـررهـا عـدّة مـرّات : بـكـرة … بـكـرة Bukra-Bukra . كـانـت فـيـكـتـوريـا قـد سـمـعـت الـكـلـمـة مـن قـبـل، وهي تـعـني غـداً “.

وجـلـسـت فـيـكـتـوريـا لـتـفـكّـر في وسـيـلـة تـهـرب بـهـا مـن سـجـنـهـا. وبـيـنـمـا كـانـت تـمـتـحـن كـلّ الـسّـبـل الـمـمـكـنـة تـذكّـرت الـصّـيـنـيـة فـأكـلـت كـلّ مـا عـلـيـهـا وشـربـت مـاء ومـلأت كـأسـاً وضـعـتـهـا عـلى الـطّـاولـة الـصّـغـيـرة الـقـلـيـلـة الـثّـبـات. ومـسّـت الـطّـاولـة فـاهـتـزّت وانـسـكـب الـمـاء وتـحـولـت الأرضـيـة الـطّـيـنـيـة الّـتي سـقـط عـلـيـهـا الـمـاء إلى بـقـعـة وحـل… ووجـدت فـيـكـتـوريـا سـبـيـل الـهـروب !

نـظـرت مـن ثـقـب الـمـفـتـاح فـوجـدتـه مـسـدوداً، أي أنّ الـمـفـتـاح بـقي فـيـه. وخـلـعـت حـذاءهـا وأخـرجـت غـطـاءه الـجـلـدي مـن داخـلـه ولـفّـتـه حـتّى صـار اسـطـوانـيـاً. ثـمّ سـكـبـت الـمـاء تـحـت الـبـاب وأزاحـت الـطـيـن لـتـحـفـر بـالـمـلـعـقـة ثـغـرة تـدخـل فـيـهـا يـدهـا. وأدخـلـت لـفّـة الـجـلـد في فـتـحـة الـقـفـل ودفـعـتـهـا فـسـقـط الـمـفـتـاح، ومـدّت يـدهـا مـن خـلال الـثّـغـرة الّـتي حـفـرتـهـا في أرضـيـة الـطّـيـن ووصـلـت أصـابـعـهـا إلى الـمـفـتـاح الـسّـاقـط في الـخـارج وقـبـضـت عـلـيـه وجـرّتـه نـحـوهـا إلى الـدّاخـل !

وعـنـدمـا خـرجـت مـن الـغـرفـة وجـدت : “قـطـعـة مـن قـمـاش أسـود مـمـزق لا شـكـل لـهـا مـكـومـة قـرب الـبـاب الـخـارجي. وفـكّـرت أنّـهـا كـانـت عـبـاءة (عـبـةAba ) سـتـنـفـعـهـا لـتـغـطّي بـهـا مـلابـسـهـا الأوربـيـة”. وعـادت إلى الـغـرفـة تـنـتـظـر أن يـحـلّ الـلـيـل. وعـنـدمـا حـلّ الـلـيـل، تـركـت غـرفـتـهـا والـدّار والـقـريـة : “وبـعـد ذلـك بـقـلـيـل وصـلـت إلى مـكـان فـسـيـح يـجـري فـيـه جـدول مـلئ بـالـوحـل عـلـيـه جـسـر مـحـدودب مـتـداعٍ يـوصـل إلى درب يـؤدي إلى فـلاة شـاسـعـة الأطـراف. واسـتـمـرت فـيـكـتـوريـا تـركـض حـتّى انـقـطـعـت أنـفـاسـهـا”. وكـانـت تـعـرف أنّ “امـرأة عـربـيـة فـاضـلـة تـلـبـس عـبـاءة مـهـمـا كـانـت مـلابـسـهـا مـهـتـرئـة وحـقـيـرة يـحـتـرمـهـا الـجـمـيـع، ولا يـمـكـن لـرجـل أن تـخـول لـه أخـلاقـه أن يـتـحـرش بـهـا ويـكـلّـمـهـا”. وسـارت طـويـلاً حـتّى لاقـت سـيّـارة : “يـسـوقـهـا عـربي وبـجـانـبـه رجـل بـمـلابـس أوربـيـة” وأوقـفـتـهـا فـيـكـتـوريـا وشـرحـت لـلإنـكـلـيـزي : “خـطـفـوني، قـالـت لـه مـقـطـوعـة الأنـفـاس، ذهـبـت لـيـغـسـلـوا لي شـعـري بـالـشّـامـبـو وخـدروني بـالـكـلـوروفـورم، وعـنـدمـا اسـتـيـقـظـت وجـدت نـفـسي في بـيـت عـربي في قـريـة هـنـاك، وأشـارت نـحـو الأفـق” . وسـألـهـا الإنـكـلـيـزي : “في مـنـدلي ؟” وطـبـعـاً لـم تـكـن فـيـكـتـوريـا تـعـرف أنّـهـا كـانـت في مـنـدلي. ولأنّـه لاحـظ أنّ شـفـتـيـهـا تـشـقـقـتـا مـن الـجـفـاف والـعـطـش فـقـد نـادى الـسّـائـق : “عـبـدُل.” وأجـاب الآخـر: “صـاحـب ؟” “وبـعـد أن أعـطـاه الأوامـر بـالـعـربـيـة ركـض [الـسّـائـق] نـحـو الـسّـيـارة ورجـع ومـعـه قـنـيـنـة تـرمـوس كـبـيـرة وكـوب مـن الـبـاكـلـيـت”. ونـعـرف أنّ الإنـكـلـيـزي كـان عـالـم الآثـار ريـشـارد بـيـكـر، ويـصـطـحـبـهـا مـعـه إلى مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة في “تـلّ أسـود” الّـذي كـان كـمـا شـرحـه لـهـا مـوقـعـاً عـاديـاً “أغـلـبـه مـن الـفـتـرة الآشـوريـة الـمـتـأخّـرة، وقـلـيـل مـن الـفـتـرة الـبـارثـيـة مـع بـعـض الأسـس مـن الـفـتـرة الـقـاسـيّـة”.

وفي الـطـريـق الـوعـرة رأيـا رجـلـيـن يـتـجـهـان نـحـو الـسّـيّـارة : “كـان أحـدهـمـا يـحـمـل عـلى ظـهـره نـوعـاً مـن الـمـصـطـبـة الـخـشـبـيـة، والآخـر شـيـئـاً مـن الـخـشـب بـحـجـم الـبـيـانـو الّـذي يـدعى بـالـبـيـانـو الـمـنـتـصـب. ونـاداهـمـا ريـشـارد فـسـلّـمـا عـلـيـه وعـلى وجـهـيـهـمـا كـلّ عـلامـات الـفـرح. وقـدّم لـهـمـا سـجـائـر وبـدا عـلـيـهـم أنّـهـم يـعـرفـونـه وهـو يـعـرفـهـم.

وكـان الـرّجـلان يـحـمـلان “صـنـدوق دنـيـا” ومـصـطـبـة خـشـبـيـة وقـدمـا عـرضـاً لـفـكـتـوريـا وريـشـارد (أنـظـر مـقـالي : “صـنـدوق الـدّنـيـا كـمـا وصـفـتـه أجـاثـا كـريـسـتي” في الأرشـيـفـات أبـريـل 2015). ثـمّ : “ودّع الـجـمـع بـعـضـهـم الـبـعـض بـتـعـابـيـر ودّيـة وتـمـنـيـات بـالـصّـحـة والـسّـلامـة والـدّعـاء لـهـم بـبـركـة الله وحـفـظـه. وتـفـرّق الـشّـمـل، فـتـوجـه ريـشـارد وفـيـكـتـوريـا نـحـو الـسّـيّـارة بـيـنـمـا أكـمـل الـرّجـلان طـريـقـهـمـا خـلال الـبـاديـة. وسـألـت فـيـكـتـوريـا : “إلى أيـن يـذهـبـان؟” وأجـاب ريـشـارد : “يـكـمـلان سـفـرهـمـا في أرجـاء الـبـلاد. إلـتـقـيـت بـهـم أوّل مـرّة في الأردن، وكـانـا مـتّـجـهـيـن مـن الـبـحـر الـمـيّـت إلى عـمّـان. وهـمـا يـذهـبـان الآن إلى كـربـلاء، يـسـلـكـون طـرقـاً لا يـرتـادهـا إلّا قـلّـة مـن الـنّـاس لـيـعـرضـا صـورهـمـا في الـقـرى الـمـنـعـزلـة”. وقـالـت فـيـكـتـوريـا: “ربّـمـا سـتـتـوقـف سـيّـارة في الـطّـريـق لـيـركـبـوا فـيـهـا”. وضـحـك ريـشـارد : “وربّـمـا لـن يـقـبـلـوا الـرّكـوب فـيـهـا. وقـد أوقـفـت سـيّـارتي مـرةً لأُركِـب رجـلاً عـجـوزاً كـان يـسـيـر مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد. وسـألـتـه كـم كـان يـتـوقـع أن يـدوم سـيّـره حـتّى يـصـل، فـأجـابـني : حـوالي شـهـريـن. ورجـوتـه أن يـركـب ووعـدتـه أنّـه سـيـصـل إلى بـغـداد في الـمـسـاء، ولـكّـنـه شـكـرني رافـضـاً. شـهـران عـلى الـطّـريـق هـو كـلّ مـا كـان يـنـاسـب وقـع قـدمـيـه، والـزّمـن لا يـعـني شـيـئـاً هـنـا. وعـنـدمـا تـدخـل هـذه الـفـكـرة في ذهـن الإنـسـان يـجـد سـعـادة غـريـبـة في الـتّـمـتـع بـهـا”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : “نـعـم، يـمـكـنـني أن أفـهـم هـذا”. وقـال ريـشـارد : “الـعـرب لا يـفـهـمـون قـلّـة صـبـر الـغـربـيـيـن واسـتـعـجـالـهـم لإنـهـاء مـا يـقـومـون بـه، ويـعـتـبـرون أنّ عـادتـنـا في الـوصـول حـالاً إلى مـا نـريـد أن نـقـول خـلال الـحـديـث مـعـهـم يـنـقـصـهـا الأدب. فـيـنـبـغي أن يـجـلـس الـمـرء ويـثـرثـر لـمـدة سـاعـة [قـبـل أن يـصـل إلى هـدفـه] أو حـتّى أن يـجـلـس ولا يـفـتـح فـمـه”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : سـيـكـون هـذا غـريـبـاً لـو فـعـلـنـاه في مـكـتـب في لـنـدن. فـيـه مـضـيـعـة لـلـوقـت”. قـال ريـشـارد : “نـعـم، ولـكـنّ هـذا يـرجـعـنـا إلى الـتّـسـاؤل : مـاهـو الـوقـت؟ ومـاذا يـعـني تـضـيـيـعـه؟”.

وبـعـد ذلـك سـألـتـه فـيـكـتـوريـا عـن مـكـان الـتّـنـقـيـبـات : “تـلّ أسـود؟ في وسـط الـفـلاة. سـتـريـن الـزّقـورة Zigcurat بـعـد قـلـيـل. ولـكـنّ أنـظـري إلى الـيـمـيـن. هـنـاك، إلى الـمـكـان الّـذي أشـيـر إلـيـه”. سـالـت فـيـكـتـوريـا : “هـل هـذه غـيـوم ؟ لا يـمـكـنـهـا أن تـكـون جـبـالاً”. أجـابـهـا ريـشـارد : “بـلى، هـذه جـبـال كـردسـتـان الـمـغـطـاة بـالـثّـلـوج”.

وعـنـدمـا وصـلا إلى مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات، قـدّم ريـشـارد فـيـكـتـوريـا عـلى أنّـهـا الـمـسـاعـدة الـجـديـدة، وهـو مـا كـانـت قـد ادّعـتـه، وبـدأت الـعـمـل مـعـهـم.

وفي يـوم سـألـت فـيـكـتـوريـا ريـشـارد : “أنـت تـتـقـن الـعـربـيـة، ألـيـس كـذلـك؟ لـو ارتـديـت مـلابـسـهـم فـهـل سـيـظـنـون أنّـك عـربي مـثـلـهـم ؟” فـهـزّ رأسـه نـافـيـاً : “لا، هـذا يـحـتـاج إلى إعـداد طـويـل جـدّاً. وأنـا لا أعـتـقـد أنّ إنـكـلـيـزيـاً اسـتـطـاع أبـداً أن يـنـجـح في تـقـمـص شـخـصـيـة عـربي، مـهـمـا بـقي مـعـهـم لـسـنـوات طـويـلـة”. وسـألـتـه فـيـكـتـوريـا : “ولـورنـس ؟” فـأجـابـهـا : “لا أعـتـقـد أنّ لـورنـس اسـتـطـاع في يـوم مـن الأيّـام أن يـخـدعـهـم لـيـعـتـبـروه عـربـيـاً مـنـهـم”. وأخـبـرهـا أنّ الـوحـيـد الّـذي اسـتـطـاع أن يـنـجـح في ذلـك كـان كـارمـايـكـل الّـذي يـدعى بـالـفـقـيـر Fakir لأنّـه ولـد في الـشّـرق الّـذي كـان أبـوه يـعـمـل فـيـه. وقـصّ عـلـيـهـا كـيـف أنّـه الـتـقى بـه مـتـنـكـراً في زي عـربي في الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة في الـبـصـرة. وأخـبـرتـه فـيـكـتـوريـا أنّ كـارمـايـكـل قـد مـات مـقـتـولاً في فـنـدق تـيـو في بـغـداد.

ثـمّ تـركـا الـمـوقـع في شـاحـنـة في صـبـاح يـوم مـن الأيّـام وانـطـلـقـا نـحـو بـغـداد : “وكـان يـبـدو غـريـبـاً [لـهـا] أن تـسـلـك هـذه الـطّـريـق مـن جـديـد، وتـتـجـاوز الـحـمـيـر والـشّـاحـنـات الـمـغـبـرّة. وبـعـد ثـلاث سـاعـات تـقـريـبـاً وصـلا إلى ضـواحي بـغـداد. وأنـزلـتـهـمـا الـشّـاحـنـة أمـام فـنـدق تـيـو”.

والـتـقـت فـيـكـتـوريـا بـإدوارد مـن جـديـد. وبـعـد ذلـك : “قـاد إدوارد سـيـارتـه نـحـو الـجـنـوب عـبـر بـغـداد، مـارّاً بـطـريـق عـريـضـة، ثـمّ تـركـهـا سـالـكـاً طـريـقـاً وسـط غـابـات الـنّـخـيـل وتـمـايـلـت الـسّـيّـارة تـضـرب أطـراف الـطّـريـق وسـواقي الـرّي. ووصـلا أخـيـراً وبـصـورة لـم تـتـوقـعـهـا إلى حـرجـة أشـجـار صـغـيـرة تـحـيـطـهـا وتـخـتـرقـهـا سـواقي الـرّي. وكـانـت أشـجـار الـحـرجـة، وغـالـبـهـا مـن أشـجـار الـلـوز والـمـشـمـش، قـد بـدأ يـغـطـيـهـا الـنّـوار. وكـان مـكـان حـلـم. وخـلـف الـحـرجـة بـقـلـيـل كـان نـهـر دجـلـة يـجـري هـادئـأً. وخـرجـا مـن الـسّـيـارة يـسـيـران وسـط الأشـجـار الـمـتـفـتـحـة الـنّـوار. وتـنـفـسـت فـكـتـوريـا بـعـمـق وهي تـقـول : “مـا أروع هـذا ! كـأنـني عـدت إلى إنـكـلـتـرة في الـرّبـيـع. وكـان الـجـو عـذب الـحـرارة. وجـلـسـا عـلى جـذع شـجـرة كـانـت قـد سـقـطـت عـلى الأرض وفـوق رأسـيـهـمـا يـتـدلى الـنّـوار الـمـتـورّد”.

وأخـبـرت فـيـكـتـوريـا حـبـيـبـهـا إدوارد بـكـلّ مـا جـرى لـهـا. ثـمّ تـوضـحـت الـحـقـيـقـة أمـام عـيـنـيـهـا وأدركـت أنّ إدوارد كـان مـحـرك الـمـؤامـرة الّـتي كـانـت تـحـاك، فـهـو لـوسـيـفـر Lucifer الـمـلاك الّـذي طـرد مـن الـسّـمـاء الّـذي ذكـره كـارمـايـكـل قـبـل أن يـمـوت. وأنّـه هـو الّـذي خـدعـهـا ونـظّـم مـجـيـئـهـا إلى بـغـداد لـيـسـتـعـمـلـهـا في مـهـمـة لـم تـكـتـشـفـهـا بـعـد. وعـنـدمـا صـارحـت إدوارد بـذلـك أخـبـرهـا عـن مـشـروعـه : “يـنـبـغي لـلأمـور الـقـديـمـة أن تـتـحـطّـم، وأن تـنـدلـع حـرب شـامـلـة وتـامّـة تـحـطّـم كـلّ شـئ وتـخـرج مـنـهـا سـمـاء جـديـدة وأرض جـديـدة. وعـنـدهـا سـيـمـسـك شـبـاب مـثـلـه (مـن مـا فـوق مـسـتـوى الـبـشـر الـعـاديـيـن) بـزمـام الأمـور لـيـخـلـقـوا عـالـمـاً جـديـداً”. وأخـبـرهـا أنّ آنـا شـيـل لـديـهـا وثـائـق تـكـشـف الـمـؤامـرة وسـتـجـلـبـهـا إلى الـلـقـاء الّـذي سـيـعـقـد في بـغـداد ولـهـذا يـنـبـغي الـتّـخـلـص مـنـهـا.

ثـمّ : “اخـتـرقـوا بـالـسّـيّـارة ضـواحي بـغـداد. واسـتـدارت بـهـم الـسّـيّـارة لـتـدخـل في شـارع جـانـبي تـحـفّـه دور حـديـثـة شـيّـدت بـأسـلـوب أوربي مـزيّـف فـيـهـا شـرفـات وتـحـيـطـهـا حـدائـق”. وأخـذهـا إلى دار حـبـسـت فـيـهـا لـتـعـدّ لـدور سـتـمـثّـلـه. وغـيّـر لـون شـعـرهـا ومـلابـسـهـا لـكي تـؤخـذ آنـا شـيـل وتـحـلّ فـيـكـتـوريـا مـحـلـهـا فـهي تـشـبـهـهـا تـمـامـاً. وهـكـذا أخـذوهـا إلى دمـشـق لـتـركـب الـطّـائـرة الّـقـادمـة مـن لـنـدن بـاتـجـاه بـغـداد، وفي مـطـار بـغـداد كـان عـلـيـهـا أن تـصـبـح آنـا شـيـل بـعـد أن تـخـطـف آنـا شـيـل : “ولـم تـكـن الـسّـفـرة [بـالـطّـائـرة بـيـن دمـشـق وبـغـداد] طـويـلـة. ونـظـرت فـيـكـتـوريـا لـلـمـرة الـثّـانـيـة مـن الـجـو ورأت مـخـطـط الـمـديـنـة تـحـتـهـا يـقـسـمـهـا نـهـر دجـلـة إلى نـصـفـيـن وكـأنـه خـطّ عـريـض مـن الـذّهـب. وبـعـد يـومـيـن، سـيـجـتـمـع هـنـا مـسـؤولـو الإيـديـولـوجـيـتـيـن الـلـتـيـن تـتـقـاسـمـان الـعـالـم لـيـتـنـاقـشـوا في أمـور الـمـسـتـقـبـل”. وفـهـمـت أنّـهـا مـجـبـرة عـلى إكـمـال مـهـمـتـهـا لـتـنـجـح الـمـؤامـرة الّـتي تـهـدف إلى مـنـع عـقـد الـلـقـاء. ولـكـنّ داكـيـن ورجـال الـمـخـابـرات الـبـريـطـانـيـة كـانـوا قـد تـابـعـوا كـلّ مـا كـان يـجـري عـن كـثـب، وأوقـفـوا إدوارد وأنـقـذوا فـيـكـتـوريـا !

ونـقـرأ في الـفـصـل الـرّابـع والـعـشـريـن أنّ : “تـنـظـيـم بـغـداد قـد تـغـيّـر. يـحـفّ رجـال الـشّـرطـة بـالـشّـوارع، وجـاءت شـرطـة عـالـمـيـة مـن الـخـارج. وأخـيـراً بـدأ الإجـتـمـاع الّـذي لـم يـسـبـق لـه مـثـيـل”. وبـدأ الـكـلام عـن الـمـشـاريـع الـتّـخـريـبـيـة لـرجـال حـاكـوا مـؤامـرة ضـدّ الـمـؤتـمـر وضـدّ الـبـشـريـة. وأخـبـرهـم داكـيـن أنّ هـنـري كـارمـايـكـل : “كـان قـد جـمـع بـراهـيـن قـاطـعـة وبـعـثـهـا عـن طـريـق صـديـقـيـه (صـاحـبَي صـنـدوق الـدّنـيـا) لـيـحـفـظـهـا لـه صـديـق آخـرــ رجـل يـبـجـلـه كـلّ الـعـراق ويـحـتـرمـه. وقـد شـرفـنـا بـقـبـولـه الـمـجئ هـنـا هـذا الـيـوم، وأعـني بـه الـشّـيـخ حـسـيـن الـزّيـارة الـكـربـلائي Sheikh Hussein el Ziyara of Kerbela”.

“والـشّـيـخ حـسـيـن الـزّيـارة مـعـروف في الـعـالـم الإسـلامي كـرجـل ديـن وشـاعـر. ويـعـتـبـره الـكـثـيـرون مـن الأولـيـاء. وقـد وقـف الآن مـهـيـبـاً بـلـحـيـتـه الـمـضـمّـخـة بـالـحـنّـاء، تـغـطي قـمـيـصـه الـرّصـاصي الـمـوشّى بـحـواشٍ مـن الـذهـب الـمـقـصّـب عـبـاءة هـفـافـة حـيـاكـتـهـا رقـيـقـة شـفـافـة. وتـحـيـط بـرأسـه قـطـعـة قـمـاش خـضـراء لـفّ حـولـهـا عـدّة لـفّـات عـقـال ثـقـيـل مـن الـذّهـب. ويـضـفي عـلـيـه كـلّ هـذا مـظـهـر بـتـريـاركـة الـتّـوراة. وتـكـلّـم بـصـوت جـهـوري وعـمـيـق: “كـان هـنـري كـارمـايـكـل صـديـقي. عـرفـتـه طـفـلاً ودرس مـعي قـصـائـد كـبـار الـشّـعـراء. وجـاء رجـلان إلى كـربـلاء. رجـلان يـجـوبـان بـقـاع الأرض بـصـنـدوق دنـيـا : إنـسـانـان بـسـيـطـان طـيـبـا الإيـمـان، أعـطـيـاني حـزمـة كـان صـديـقي الإنـكـلـيـزي كـارمـايـكـل قـد طـلـب مـنـهـمـا أن يـوصـلاهـا لي لأحـفـظـهـا إلى أن أعـيـدهـا لـكـارمـايـكـل نـفـسـه أو لـرسـول مـنـه يـعـرف كـلـمـة الـسّـر”.

” وقـال دانـكـيـن : “يـا سـيّـد Sayyid، نـظـم الـشّـاعـر الـعـربي الـمـتـنـبّي، الّـذي يـسـمى أحـيـانـا “مـدّعي الـنّـبـوّة” والّـذي عـاش قـبـل ألـف سـنـة قـصـيـدة لـلأمـيـر سـيـف الـدّولـة في حـلـب قـال فـيـهـا:

” زدْ هِـشَّ بِـشَّ تـفـضّـلْ أدنِ سَـرِّ صِـلِ  Zid hashshi bashshi tafaddal adni surra sili”

“ونـاول الـشّـيـخ حـسـيـن الـزّيـارة الـحـزمـة لـدانـكـيـن مـبـتـسـمـاً: “أقـول كـمـا قـال الأمـيـر سـيـف الـدّولـة : لـتـنـال مـبـغـاك …”. وقـال داكـيـن : “هـا هي يـاسـادتي الأفـلام الـمـصـغـرة (مـيـكـروفـيـلـم) الّـتي كـان كـارمـايـكـل قـد جـلـبـهـا مـعـه كـبـراهـيـن عـلى مـا اكـتـشـفـه”.

ونـقـطـع كـلام الـكـاتـبـة في الـرّوايـة هـنـا لـنـلاحـظ الأخـطـاء الـلـفـظـيـة الّـتي ارتـكـبـتـهـا في كـتـابـة كـلـمـات شـطـر بـيـت الـمـتـنـبّي بـالـحـروف الـلاتـيـنـيـة (وهي الـحـروف الّـتي تـسـتـعـمـلـهـا الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في الـكـتـابـة). وهـذا يـعـود بـالـتّـأكـيـد إلى ضـعـف الـمـسـتـوى الـلـغـوي لـلـذي أعـانـهـا عـلى ذلـك، وهـو إمّـا عـراقي قـلـيـل الـمـعـرفـة بـالـلـغـة الـعـربـيـة وإمّـا مـسـتـشـرق لا يـحـسـنـهـا.  والـحـقـيـقـة أنّ هـذا الـشّـطـر عـجـز بـيـت اشـتـهـر لأنّ الـشّـاعـر اسـتـعـمـل فـيـه 14 فـعـل أمـر مـتـتـالـيـة. وهـو بـكـامـلـه :

أقِـلْ أنِـلْ اقـطـعْ احـمـلْ عَـلِّ سَـلِّ أعِـدْ     زِدْ هِـشَّ بِـشَّ تـفـضَّـلْ أدنِ سَـرِّ صِـلِ

وقـد قـرأ هـذا الّـذي سـاعـد الـكـاتـبـة الّـتي تـجـهـل الـلـغـة الـعـربـيـة : هَـشِّ بَـشِّ Hashshi bashshi بـدلاً مـن هِـشَّ بِـشَّ، وسُـرَّ surra بـدلاً مـن سَـرِّ. وكـان يـكـفـيـه أن يـفـتـح أيّـة طـبـعـة لـديـوان الـمـتـنـبّي لـيـتـأكـد مـن الـقـراءة الـصّـحـيـحـة.

وطـبـعـاً فـالـرّوايـة تـنـتـهي بـحـلّ طـلاسـم آخـر كـلـمـات كـارمـايـكـل وهـو يـحـتـضـر في غـرفـة فـيـكـتـوريـا في الـفـنـدق : ونـكـتـشـف أنّ الـشّـيـطـان Lucifer كـان الـعـقـل الـمـفـكّـر لـلـمـجـمـوعـة الإرهـابـيـة، وأنّـه لـم يـكـن إلّا حـبـيـب فـيـكـتـوريـا الـكـاذب إدوارد. وأنّ الـبـصـرة مـديـنـة في جـنـوب الـعـراق، إلـتـقى فـيـهـا كـارمـايـكـل بـإدوارد. وأنّ Lefarge كـان في الـحـقـيـقـة Defarge ، شـخـصـيـة في روايـة تـشـارلـز ديـكـنـز “قـصّـة مـديـنـتـيـن”، ويـدل عـلى شـاهـد رئـيـسي رأى الأحـداث وحـول عـنـقـه لـفّـاف، وأنّ كـارمـايـكـل سـجّـل عـلى هـذا الـلـفـاف الأحـمـر أسـمـاء الـمـجـرمـيـن. ونـكـتـشـف أنّ الـجـمـعـيـة الإجـرامـيـة كـانـت تـنـوي إنـتـاج سـلاح رهـيـب يـدمّـر الـعـالـم، وكـانـت تـريـد أن تـوقـف كـارمـايـكـل قـبـل أن يـصـل إلى بـغـداد ويـكـتـشـف خـطـطـهـا. ولا يـنـبـغي أن نـنـسى أنّ الـرّوايـة نـشـرت في 1951، في فـتـرة كـان الـنّـاس فـيـهـا يـخـافـون مـن انـدلاع حـرب جـديـدة.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) نـجـد اسـم عـبـدُل Abdul مـرتـيـن في هـذه الـرّوايـة. وهـو يـأتي مـن سـوء تـقـطـيـع لـفـظي لـلإسـم الـمـركّـب مـن عـبـد وأحـد أسـمـاء الله الـحـسـنى مـثـل : عـبـد الـبـاقي أو عـبـد الـغـفّـار … إلـخ. فـهـو إذن تـقـلـيـص عـبـد وأداة الـتّـعـريـف (ألـ).

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.