رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـعـرف أغـلـب الـمـهـتـمـيـن بـتـاريـخ الـعـراق الـحـديـث كـتـاب رحـلـة الـفـرنـسـيـة مـدام ديـولافـوا إلى الـعـراق، أو سـمـعـوا بـه عـلى الأقـل.

وقـد صـدرت في بـغـداد عـام 1958 تـرجـمـة عـلي الـبـصـري لـلـكـتـاب بـعـنـوان : “رحـلـة مـدام ديـولافـوا مـن الـمـحـمّـرة إلى الـبـصـرة وبـغـداد 1299 هـ. 1881 م.”،  لـكـنّـهـا تـرجـمـة عـن الـلـغـة الـفـارسـيـة لا عـن الـلـغـة الـفـرنـسـيـة مـبـاشـرة، فـهي إذن تـرجـمـة عـن تـرجـمـة ! (1)

وقـد وجـدت في الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـاريـس الـنّـصّ الأصـلي لـلـكـتـاب الّـذي نـشـر عـام 1887 بـعـنـوان : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش (سـوسـة)  La Perse, la Chaldée et la Susiane”. وتـكـمـلـة  الـعـنـوان : “سـرد رحـلـة، يـحـتـوي عـلى 336 عـمـلاً طـبـاعـيـاً  Gravures نـفّـذت عـن صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلّـفـة وخـارطـتـيـن” :

ديولافوا 2 (420x640)

وقـد دهـشـت خـلال قـراءتي لـلـكـتـاب بـأنّ نـصّـه قـلـيـل الأهـمـيـة، لا يـسـتـحـق الـمـكـانـة الّـتي أولـيـنـاه إيّـاهـا، فـقـد اخـتـرقـت الـمـؤلـفـة بـصـحـبـة زوجـهـا بـسـرعـة ولايـتي الـبـصـرة وبـغـداد صـعـوداً ونـزولاً بـأقـلّ مـن شـهـريـن، وعـنـدمـا كـانـت لا تـجـد الـوقـت لـتـتـفـحّـص مـا تـمـرّ بـه تـسـتـشـهـد لـقـرائـهـا بـمـا كـتـبـه الـمـؤرخـون أو الـرّحـالـة الّـذيـن سـبـقـوهـا. ورغـم ذلـك نـجـد في كـتـابـهـا بـعـض الـمـلاحـظـات الـثّـاقـبـة، ومـقـاطـع أدبـيـة جـمـيـلـة فـيـهـا كـثـيـر مـن الـشّـاعـريـة.

الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة في الـكـتـاب :

وتـأتي أهـمـيـة الـكـتـاب الـحـقـيـقـيـة مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الـشّـديـدة الـدّقـة والـرّائـعـة الـجـمـال الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا، والّـتي نـرى بـعـضـهـا يـنـشـر هـنـا وهـنـاك مـن غـيـر ذكـر لـمـصـدرهـا في أغـلـب الأحـيـان.

وقـد حُـفـرت هـذه الأعـمـال عـلى الـخـشـب وطـبـعـت عـلى الـورق اعـتـمـاداً عـلى صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلـفـة. وقـد قـام 35 حـفّـاراً فـنّـيـاً مـن الـحـرفـيـيـن بـتـنـفـيـذ هـذه الأعـمـال بـمـهـارة بـالـغـة.

والأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي تـهـمّـنـا تـبـدأ بـرقـم 245 عـنـدمـا دخـلـت جَـيـن ديـولافـوا مـع زوجـهـا ومـصـاحـبـيـهـمـا شـطّ الـعـرب، وتـنـتـهي بـرقـم 305 عـنـدمـا تـركـت مـنـطـقـة الـعـمـارة وعـادت إلى إيـران. وهي سـتّـون عـمـلاً تـسـتـحـق الـتّـأمّـل. ولـن أسـتـطـيـع أن أريـكـم في هـذا الـمـقـال إلّا مـخـتـارات مـنـهـا.

وأودّ أن ألـفـت انـتـبـاه قـرائي إلى أمـريـن : أوّلـهـمـا تـكـالـيـف رحـلـة جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا الـبـاهـظـة ،ومـا أنـفـقـاه مـن مـبـالـغ طـائـلـة عـلى مـصـاحـبـيـهـمـا وخـدمـهـمـا والـحـراس الّـذيـن أحـاطـوهـم وتـكـفّـلـوا بـأمـنـهـم، إضـافـة إلى مـا كـلّـفـه حـفـر الـصّـور وطـبـعـهـا لـيـنـشـر الـكـتـاب، وثـانـيـهـمـا أن يـتـصـوروا آلـة الـتّـصـويـر الـضـخـمـة الـحـجـم الـصّـعـبـة الإسـتـعـمـال في ذلـك الـزّمـن، ومـا تـطـلّـبـه الـتـقـاط الـصّـور مـن جـهـود وتـنـظـيـم ومـن صـبـر لـقـهـر الـمـصـاعـب وتـحـمـل الـمـشـقّـات، ثـمّ مـا تـطـلّـبـه حـفـرهـا وطـبـعـهـا مـن جـهـود الـحـفّـاريـن الّـتي دامـت فـتـرات طـويـلـة، ولـهـذا فـالـكـتـاب رغـم نـواقـصـه كـنـز يـحـتـوي عـلى جـزء مـن تـاريـخـنـا في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر يـنـبـغي أن نـهـتـمّ بـه.

ولـنـبـدأ بـالـكـلام عـن الـمـؤلّـفـة الّـتي سـردت الـرّحـلـة.

مـدام جَـيـن ديـولافـوا :

ديولافوا 3 (508x640)

ولـدت جَـيـن (أو جـان حـسـب الـلـفـظ الـفـرنـسي) هـنـريـيـت مـاغـر سـنـة 1851 في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا، في عـائـلـة غـنـيّـة. وأدخـلـهـا أهـلـهـا ديـر راهـبـات تـلـقّـت فـيـه تـعـلـيـمـاً يـنـاسـب مـسـتـوى طـبـقـتـهـا الإجـتـمـاعـيـة، وتـعـلّـمـت عـدّة لـغـات ومـهـرت في الـرّسـم والـتّـصـويـر.

ثـمّ الـتـقـت بـمـارسـيـل ديـولافـوا الّـذي كـان مـهـنـدسـاً مـشـغـوفـاً بـعـلـم الآثـار، وتـزوّجـا في 1870. وأصـبـح اسـمـهـا جَـيـن (أو جـان) ديـولافـوا  Jane Dieulafoy .

وفي عـام 1879 (وكـانـت في الـثّـامـنـة والـعـشـريـن مـن عـمـرهـا) صـاحـبـت جَـيـن زوجـهـا إلى بـلاد الـفـرس (إيـران الـحـالـيـة) في رحـلـة كـان الـهـدف مـنـهـا دراسـة الـعـلاقـات بـيـن الـفـنـون الـشّـرقـيـة والـفـنـون الـغـربـيـة.

وفي عـامي 1881 و1882 جـابـا أرجـاء بـلاد فـارس (إيـران) وولايـتَي الـبـصـرة وبـغـداد (الـلـتـيـن كـانـتـا تـحـت الـحـكـم الـعـثـمـاني) وقـطـعـا في أربـعـة عـشـر شـهـراً مـا يـقـارب الـسّـتّـة آلاف كـيـلـومـتـر. ونـلاحـظ أنّـهـمـا لـم يـخـصـصـا لـزيـارة الـولايـتـيـن الـعـراقـيـتـيـن إلّا أقـلّ مـن شـهـريـن : مـن 21 تـشـريـن الـثّـاني 1881 إلى 11 كـانـون الـثّـاني 1882.

وكـانـت جَـيـن قـويـة الـشّـخـصـيـة لا تـخـشى شـيـئـاً ولا تـهـاب أحـداً، تـرتـدي مـلابـس  رجـالـيـة وتـعـتـلي صـهـوة حـصـان. وكـانـت تـكـتـب يـومـيـات الـرّحـلـة وتـسـجّـل مـلاحـظـات وتـخـطـط رسـومـاً وتـلـتـقـط  صـوراً فـوتـوغـرافـيـة.

وفي أواخـر عـام 1883 عـادت جَـيـن مـع زوجـهـا إلى بـلاد فـارس لـيـنـقـبـا في مـديـنـة سـوسـة. وقـد أزاحـا الـتّـراب عـن قـصـر الـمـلـك الأخـمـيـني داريـا الأوّل، الّـذي شـيّـد في الـقـرن الـسّـادس قـبـل الـمـيـلاد. وعـادا بـعـد ذلـك إلى بـاريـس بـمـجـمـوعـة آثـار مـا زالـت مـعـروضـة في مـتـحـف الـلـوفـر. ورغـم نـجـاح مـهـمـتـهـمـا فـلـم تـقـتـرح عـلـيـهـمـا الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة مـهـمـات تـنـقـيـبـات أخـرى ولـم يـعـودا بـعـد ذلـك إلى الـشّـرق، واكـتـفـيـا بـالـتّـجـوّل في جـنـوب أوربـا.

وقـد نـشـرت جَـيـن سـرد رحـلـتهـا مـع زوجـهـا في مـجـلّـة أوّلاً ثـمّ، في عـام 1887، في كـتـاب عـنـوانـه : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش (سـوسـة) La Perse, La Chaldée, La Susiane”.

وفي عـام 1890 نـشـرت جَـيـن أوّل روايـاتـهـا الـتّـاريـخـيـة. وقـبـيـل الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى نـشـطـت في الـدّعـوة لإدخـال الـنّـسـاء في الـجـيـش لـيـسـاويـن الـرّجـال في الـدّفـاع عـن الـوطـن. وبـعـد بـدايـة الـحـرب في 1914 عـيّـن زوجـهـا كـولـونـيـلاً  في الـهـنـدسـة الـحـربـيـة،  وأرسـل إلى مـديـنـة الـرّبـاط في الـمـغـرب. وصـاحـبـتـه جَـيـن إلـيـهـا، وشـرعـت في حـمـلـة إزاحـة الـتّـراب عـن بـقـايـا جـامـع حـسـن، ولـكـنّ حـالـتـهـا الـصّـحـيـة تـدهـورت فـأرجـعـت إلى فـرنـسـا الّـتي تـوفـيـت فـيـهـا سـنـة 1916.

سـرد الـرّحـلـة إلى الـعـراق :

وصـلـت جَـيـن ديـولافـوا بـصـحـبـة زوجـهـا مـارسـيـل إلى الـعـشـار قـادمـة مـن بـلاد فـارس عـلى مـركـب. وعـنـدمـا وصـلا إلى شـطّ الـعـرب في 21 تـشـريـن الـثّـاني، كـتـبـت :

“في الـثّـامـنـة (صـبـاحـاً) دخـل مـركـبـنـا في مـصـبّ نـهـر واسـع يـبـدو بـحـراً. هـذا هـو شـطّ الـعـرب الّـذي يـشـكّـلـه الـتـقـاء دجـلـة بـالـفـرات”. “وفي حـوالي الـواحـدة (بـعـد الـظّـهـر) مـررنـا أمـام الـمـحـمّـرة، قـريـة كـبـيـرة تـحـيـطـهـا أسـوار”. ونـزلـوا في ضـيـافـة شـيـخـهـا.

Dieulafoy II

وعـنـدمـا دخـلا شـطّ الـعـرب كـتـبـت :

” 3 كـانـون الأوّل  1881

نُـصـبـت أمـام كـلّ قـريـة خـزانـات مـن الـشّـبـاك في مـاء الـنّـهـر تـسـتـعـمـل كـ “أقـفـاص” لـلأسـمـاك. فـفي بـعـض فـتـرات الـسّـنـة يـصـطـاد الـفـلاحـون كـمـيـات كـبـيـرة مـن الأسـمـاك، ولأنّـهـم لا يـسـتـطـيـعـون أكـلـهـا كـلّـهـا فـهـم يـضـعـون أغـلـبـهـا في هـذه الـشّـبـاك وسـط الـمـاء الـجـاري لـيـحـفـظـوهـا لـلـفـتـرات الّـتي يـقـلّ فـيـهـا الـصّـيـد.

ولـم أرَ أبـداً مـنـاظـر بـمـثـل ثـراء ضـفـاف شـط الـعـرب : أشـجـار نـخـيـل رائـعـة الـجـمـال تـتـشـامـخ كـمـا لـو كـانـت تـتـبـارى في الـقـوة والأنـاقـة، يـغـطي أراضـيـهـا عـشـب كـثّ وتـخـتـرقـهـا هـنـا وهـنـاك قـنـوات تـسـبـح فـيـهـا بـهـدوء قـطـعـان جـامـوس لا تـخـرج مـن الـمـاء إلّا رؤوسـهـا… وعـبـر بـنـا الـبـلـم  belem الـنّـهـر لـيـتـوقـف أمـام أجـمـات مـن نـبـاتـات الـمـوز”.

وكـتـبـت عـنـدمـا وصـلا إلى الـعـشّـار :

ج. ديولافوا 29

“هـا أنـا في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة Venice ، ولـكـن مـديـنـة بـنـدقـيـة في مـدار الـسّـرطـان (2)، سـمـاؤهـا صـافـيـة لا غـيـوم فـيـهـا، تـخـتـفي دورهـا وسـط غـابـات نـخـيـل وأشـجـار يـثـقـلـهـا بـرتـقـالـهـا ونـبـاتـات مـوز واسـعـة الأوراق وسـنـط يـفـوح عـطـر أزهـارهـا. وتـنـحـدر الـمـنـازل أحـيـانـاً نـحـو الـمـاء وتـنـسـحـب أحـيـانـاً وراء رصـيـف ضـيّـق يـحـفّـهـا. وربـطـت أمـام أجـمـل هـذه الـمـنـازل قـوارب نـحـيـلـة أشـدّ أنـاقـة مـن جـنـدولات الـبـنـدقـيـة. وكـان تـحـت قـدميَّ الـخـضـرة والأزهـار والـفـواكـه والـمـيـاه الـمـتـلامـعـة الـهـادئـة الـجـريـان وفـوق رأسي سـمـاء تـنـبـض فـيـهـا نـجـوم بـرّاقـة لا تـعـدّ ولا تـحـصى”.

وعـنـدمـا وصـلا إلى الـبـصـرة :

ج. ديولافوا 27

“تـوقـف بـلـمـنـا أمـام الـضّـفـة. وبـعـد أن عـبـرنـا سـاحـة في وسـطـهـا بـنـاء مـسـقّـف حـفـظـت فـيـه كـمـيـات هـائـلـة مـن الـحـبـوب يـدور حـولـهـا حـرّاس في أيـديـهـم فـوانـيـس، دقّ دلـيـلـنـا عـلى بـاب الـقـنـصـلـيـة [الـفـرنـسـيـة] قـبـل أن تـشـرق الـشّـمـس. وبـعـد وصـولـنـا أبـدلـت مـلابـسي الّـتي كـان قـد بـلـلـهـا الـنـدى كـمـا لـو كـنـت قـد سـبـحـت في مـيـاه قـنـاة الـعـشّـار”.

” 4 كـانـون الأوّل

حـسـبـمـا نـتـجـول في الـبـصـرة في فـتـرة الـمـدّ أو في فـتـرة الـجـزر نـتـمـشى في أرجـاء الـجـنّـة أو نـخـوض في سـواقي الـمـيـاه الـقـذرة ! عـنـدمـا خـرجـت هـذا الـمـسـاء كـان الـمـاء قـد انـسـحـب مـن الـقـنـوات مـظـهـراً طّـيـنـاً نـتـن الـسّـواد وقـاذورات مـن كـلّ الأنـواع. وكـانـت الـقـوارب وسـط هـذه الـزّبـالـة تـبـدو وكـأنّـهـا حـطـام مـراكـب، بـيـنـمـا فـاحـت الـرّوائـح الـكـريـهـة. وجـعـلـنـا كـلّ هـذا نـنـسى مـا كـنّـا قـد رأيـنـاه مـن سـحـر غـابـات الـنّـخـيـل وأشـجـار الـبـرتـقـال.

ج.ديولافوا 30

ونـتـانـة الـقـنـوات وقـت الـجـزر وكـذلـك شـدّة الـحـرارة والـرّطـوبـة هـمـا الـسّـبـبـان الـرّئـيـسـيـان لـلأوبـئـة الّـتي تـصـيـب الـمـديـنـة. ويـنـبـغي أن نـضـيـف إلـيـهـمـا سـبـبـاً ثـالـثـاً هـو لا مـبـالاة الـسّـلـطـات الـتّـركـيـة وإهـمـالـهـا، فـقـد حـطّـمـت الـمـيـاه الـسّـدود شـمـال الـمـديـنـة مـنـذ حـوالي سـتـيـن سـنّـة وطـفـحـت في الـسّـهـول لـتـشـكّـل مـسـتـنـقـعـات شـاسـعـة تـعـيـد مـلأهـا كـلّ عـام فـيـضـانـات الـنّـهـر. ومـنـذ زمـن الـضّـر ذلـك عـمّـت الـحـمى طـيـلـة الـسّـنـة مـهـلـكـة كـثـيـراً مـن أهـل الـبـصـرة وقـراهـا”.

مـلابـس أهـل الـبـصـرة :

ج.ديولافوا 26

“وإن كـانـت الـسّـيـدات الـمـسـيـحـيـات قـد تـركـن جـزءاً مـن ثـيـابـهـنّ الـتّـقـلـيـديـة وتـبـنـيـن الـمـودات الإفـرنـجـيـة فـإنّ رجـالـهـنّ ضـحّـوا تـمـام الـتّـضـحـيـة بـمـلابـسـهـم الـشّـرقـيـة، فـقـد ارتـدوا جـمـيـعـهـم بـنـاطـيـل (بـنـطـرونـات) بـألـوان رصـاصـيـة مـصـفـرّة تـقـتـرب مـن الأحـمـر الـبـنـفـسـجي وسـتـرات شـديـدة الـقـبـح خـيـطـت في قـمـاش يـصـعـب عـلى الـعـيـن تـحـديـد ألـوانـهـا. وهـم يـفـقـدون في ارتـدائـهـم لـهـا الـهـيـبـة والـوقـار الّـتي تـضـفـيـهـا عـلى الـمـسـلـمـيـن الـعـبـاءات الـبـنّـيـة الألـوان أو الـقـهـوائـيـة الـمـخـطـطـة بـخـيـوط الـذّهـب أو بـالـحـريـر وقـطـع الـقـمـاش الـزّاهـيـة الألـوان الّـتي تـغـطي رؤوسـهـم تـحـيـطـهـا عُـقُـل مـن وبـر الـجـمـال أو جـدائـل مـن الـصـوف لـفّـت عـلـيـهـا  خـيـوط مـن الـفـضّـة”.

وكـتـبـت في 6 كـانـون الأوّل عـن تـركـهـمـا لـلـبـصـرة بـعـد أن أصـيـبـا بـحـمـى ألـزمـتـهـمـا الـفـراش: “وهـنـاك خـدمـتـان لـبـواخـر تـربـط الـبـصـرة بـبـغـداد. أولاهـمـا أنـشـأتـهـا شـركـة لِـنـتـش (بـيـت لـنـج) Linch  (والـصـحـيـح أنّ اسـمـهـا يـكـتـب Lynch ) الـلـنـدنـيـة وتـسـيـر أسـبـوعـيـاً بـدون تـأخـيـر. ورغـم أن بـواخـرهـا بـسـيـطـة الـتّـأثـيـث فـهي نـظـيـفـة بـالـقـدر الّـذي تـسـمـح بـه عـادات الـمـسـافـريـن الّـذيـن اعـتـادوا عـلى الـطّـبـخ فـوق الـبـاخـرة، والـثّـانـيـة تـمـلـكـهـا الإدارة الـتّـركـيـة وتـسـيـر مـرّتـيـن في الـشّـهـر. وقـد أسـرعـنـا بـحـجـز مـكـانـيـن عـلى سـفـيـنـة تـركـيـة اسـمـهـا “الـمـوصـل” سـتـغـادر الـبـصـرة هـذا الـصّـبـاح بـتـأخّـر أسـبـوع كـامـل”.

وعـنـدمـا وصـلـت الـقـرنـة صـوّرت فـيـهـا مـنـظـراً مـدهـشـاً :

ج. ديولافوا 20

طـاق كـسـرى :

10 كـانـون الأوّل

ومـن الـسّـفـيـنـة “الـمـوصـل” ذهـبـت مـدام ديـولافـوا مـع زوجـهـا بـقـارب إلى ضـفـة الـنّـهـر لـرؤيـة الـطّـاق، وكـان يـحـيـطـه جـنـاحـاه، قـبـل أن يـنـهـار جـنـاحـه الأيـمـن في يـوم 15 نـيـسـان مـن عـام 1887 :

“شـيّـد طـاق كـسـرى بـأكـمـلـه بـالـطّـابـوق الـسّـمـيـك. واجـهـتـه طـولـهـا 91 مـتـراً وارتـفـاعـهـا 35 مـتـراً، وهي مـسـتـطـيـل هـائـل تـنـفـتـح في وسـطـه قـاعـة مـعـقـودة الـسّـقـف عـرضـهـا 35 مـتـراً. ويـصـل ارتـفـاع هـذه الـقـاعـة الـرّئـيـسـيـة إلى قـمّـة الـبـنـايـة ولـهـذا أطـلـق أهـل الـبـلـد عـلـيـهـا كـلّـهـا “طـاق كـسـرى  Tag Kesra”. وكـان عـلى يـمـيـن هـذه الـقـاعـة وعـلى يـسـارهـا أروقـة تـحـاذيـهـا، كـانـت ولا شـكّ مـخـصـصـة لـلـحـرس ولـلـحـاشـيـة وكـتّـاب الـبـلاط”.

بـغـداد :

ج. ديولافوا 15

” 12 كـانـون الأوّل

وصـلـت سـفـيـنـتـنـا إلى بـغـداد. نـهـضـت في الـفـجـر وفـتـحـت الـبـاب. ومـا أشـدّ مـا كـانـت دهـشـتي عـنـدمـا رأيـت طـبـقـة نـحـيـلـة مـن الـصّـقـيـع تـغـطي خـشـب أرضـيـة الـسّـفـيـنـة وأقـفـاص الـدّجـاج. هـا قـد أتى أوّل صـقـيـع الـشّـتـاء الأبـيـض. مـا أروع طـقـس الـشّـرق ! فـالـشّـتـاء هـنـا لا يـغـطي الأرض بـثـوب الـحـزن. وهـو لا يـغـيّـر إلّا بـالـكـاد مـظـهـر الـطّـبـيـعـة  : وقـد بـدا لي صـقـيـع بـغـداد في وسـط خـضـرة الأشـجـار وكـأنـنـا في ربـيـع مـسـتـمـر.

وقـلـيـلاً فـقـلـيـلاً أشـرقـت الـشّـمـس وأضـاءت الـسّـمـاء ورأيـت عـلى الـضّـفـة الـيـمـنى بـنـايـات الـسّـراي والـقـشـلـة وقـبـاب الـجـوامـع مـن الآجـر الـمـزجـج الّـتي سـرعـان مـا غـطـتـهـا بـقـع صـغـيـرة سـوداء : حـمـام لا يـحـصى ولا يـعـد يـحـطّ عـلـيـهـا لـيـجـفـف ريـشـه حـالـمـا تـرتـفـع الـشّـمـس. وأبـصـرت بـالـمـنـائـر الـمـمـشـوقـة الّـتي تـضـاهي الـنّـخـيـل الـبـاسـقـة حـولـهـا سـمـوّاً نـحـو الـسّـمـاء، والـمـدرسـة [الـمـسـتـنـصـريـة] وبـنـايـات الـجـمـارك الـجـمـيـلـة الّـتي بـدأ يـمـرّ أمـامـهـا يـهـود وأرمـن وعـرب بـمـلابـسـهـم الـكـثـيـرة الألـوان. وأخـيـراً في شـمـال رصـيـف الـمـيـنـاء لـمـحـت في وسـط ضـبـاب دجـلـة حـدائـق رائـعـة الـجـمـال في وسـطـهـا دار الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة. وكـانـت الـطّـبـيـعـة عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة أكـثـر خـضـرة”.

Dieulafoy 34

وتـصـف دار الـقـنـصـلـيـة الـفـرنـسـيـة في بـغـداد :

“شـيّـد دار الـقـنـصـلـيـة بـغـداديـون لـيـسـكـنـهـا بـغـداديـون. وفي وسـط درب ضـيّـق [= دربـونـة] يـنـتـصـب جـدار عـالٍ لا فـتـحـة فـيـه إلّا بـاب يـسـمـح  بـالـكـاد لـفـارس أن يـمـرّ فـيـه عـلى فـرسـه. وبـعـد أن يـمـرّ الـمـرء بـالـمـدخـل يـصـل إلى رواق يـقـيـم فـيـه الـحـرس (الـخـواص  cawas)  الّـذيـن عـهـد إلـيـهـم بـحـمـايـة الـقـنـصـل ومـصـاحـبـتـه في تـنـقّـلاتـه. ويـقـومـون أيـضـاً بـالـتّـسـوق وجـلـب الـضّـروريـات. ونـصـل بـعـدهـا إلى حـوش واسـع تـنـفـتـح عـلـيـه أبـواب الـمـطـابـخ والإسـطـبـلات ومـحـلاّت الـسّـروج وبـاقي غـرف خـدمـة الـدّار. ومـن بـاب فـتـح في جـانـب مـن الـحـوش نـصـل إلى حـوش ثـاني شـيّـدت حـولـه غـرف الـسّـكـن بـشـنـاشـيـلـهـا وبـنـوافـذهـا الـمـغـطـاة بـقـطـع الأخـشـاب والـزّجـاج الـمـتـشـابـكـة الـمـغـطـاة بـنـسـيـج مـحـبّـك أبـيـض وأحـمـر لـيـحـمي الـدّاخـل مـن حـرارة الـشّـمـس الـمـشـتـدّة في وسـط الـنّـهـار.

مـا قـلـتـه يـخـصّ مـخـطـط الـدّار، أمّـا عـن طـريـقـة تـشـيـيـده فـإنّ قـيـظ الـصّـيـف وقـرّ بـرد الـشّـتـاء يـجـبـران الـسّـاكـنـيـن عـلى تـغـيـيـر أمـاكـنـهـم في كـثـيـر مـن الأحـيـان. وهـم يـشـيـدون دوراً يـجـدون فـيـهـا حـلـولاً لـمـشـاكـل الـطّـقـس أربـع مـرّات في الـسّـنـة : وفي كـلّ الـمـسـاكـن غـرف مـعـقـودة الـسّـقـوف حـفـرت عـلى عـمـق ثـلاثـة أمـتـار أو أربـعـة. وفي هـذه الـغـرفـة الّـتي تـسـمـى (سـرداب  sedab) والّـتي تـشـبـه الـزّيـر زمـيـن  zir zamin عـنـد الـفـرس تـنـزل كـلّ الـعـوائـل الـبـغـداديـة مـنـذ أن يـحـلّ الـرّبـيـع مـع أثـاث الـدّار وكـلّ مـا يـحـتـاجـونـه في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة، فـلـو تـركـوا الأثـاث الـخـشـبي في خـارج الـسّـرداب لأكـلـه الـعـث وتـسـاقـط مـن شـدّة الـحـرّ. وعـنـدمـا تـرتـفـع درجـات الـحـرارة يـنـزل الـنّـاس بـسـرعـة في الـسّـراديـب الّـتي يـتـغـيـر الـهـواء فـيـهـا مـارّاً بـالـبـادكـيـر  badguird (وهي الـمـلـقـفـات)، ولا يـخـرجـون مـنـهـا إلّا في الأصـيـل لـيـتـنـفـسـوا هـواءً خـانـق الـحـرارة، فـدرجـات الـحـرارة لا تـهـبـط إلّا قـلـيـلاً بـغـد غـروب الـشّـمـس”.

فـصـول الـسّـنـة الـبـغـداديـة :

ج. يولافوا 9

رغـم قـصـر الـفـتـرة الّـتي أقـامـت فـيـهـا ديـولافـوا في بـغـداد، فـهي تـتـكـلّـم عـن الـطّـقـس في هـذه الـمـديـنـة وعـن تـعـاقـب فـصـول الـسّـنـة فـيـهـا كـمـا لـو كـانـت قـد عـاشـت فـيـهـا سـنـوات طـويـلـة. وهي ولا شـكّ قـد سـجّـلـت مـا سـمـعـتـه مـن الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـت بـهـم ونـقـلـتـه عـنـهـم بـكـلّ نـواقـصـه ومـبـالـغـاتـه :

“والـمـديـنـة مـيّـتـة لا حـركـة فـيـهـا في الـنّـهـار ولـكـنّـهـا تـعـود إلى الـحـيـاة في الـمـغـرب، فـتـجـتـمـع الـنّـسـاء ويـتـزاورن مـتـنـقـلات مـن سـطـح إلى سـطـح، ويـقـضـيـن الـلـيـل في الـثّـرثـرة وهـنّ يـدخـنّ ويـشـربـن الـشـربـت  cherbet. وهـنّ مـجـبـرات، لـيـتـحـاشـيـن الـبـعـوض، عـلى إطـفـاء الأضـواء والـبـقـاء في الـظـلام. ويـجـبـرهـنّ فـصـل الـقـيـظ عـلى فـراغ مـمـل. ويـنـزل الـجـمـيـع في الـفـجـر إلى الـسّـرداب لـيـقـضـوا الـنّـهـار في خـمـود وركـود يـصـيـبـان حـتّى أنـشـط الـنّـاس مـنـهـم.

وعـنـدمـا يـحـلّ الـبـرد يـصـعـد الـنّـاس إلى غـرف الـطّـابـق الأوّل، ورغـم أنّـهـم يـوقـدون الـنّـار في الـمـواقـد فـهـم يـظـلـون يـرتـجـفـون مـن شـدّة الـبـرد وخـاصـة بـعـد أن أضـعـفـتـهـم شـدّة الـحـرّ واسـتـنـزفـت حـيـويـتـهـم.

ج. ديولافوا 3

ولـيـسـت حـال نـسـاء بـغـداد بـأفـضـل في الـشّـتـاء مـنـهـا في الـصّـيـف فـالـطّـرقـات الـضّـيّـقـة  تـتـحـول إلى مـسـتـنـقـعـات وحـول يـصـعـب عـبـورهـا بـتـنّـورات أوربـيـة، وتـغـطـيـهـا قـاذورات مـن كـلّ الأنـواع تـوصـلـهـا أنـابـيـب إلى بـلالـيـع مـفـتـوحـة لـيـس عـلـيـهـا أغـطـيـة حـفـرت أمـام كـلّ دار. وعـنـدمـا تـمـطـر الـسّـمـاء مـدّة طـويـلـة تـمـتـلئ الـبـالـوعـة وتـنـسـكـب أنـابـيـب الـقـاذورات مـبـاشـرة في الـطّـرقـات. والـرّجـال أنـفـسـهـم لا يـخـرجـون في الـمـسـاء إلّا ويـتـقـدمـهـم خـدم يـحـمـلـون مـشـاعـل عـلى ارتـفـاع عـشـريـن سـنـتـمـتـراً مـن الأرض (لـتـنـيـر لـهـم الـدّروب الـمـلـيـئـة بـالـحـفـر والـوحـول). ولا عـجـب في أنّ الـطّـاعـون يـتـفـشى في الـمـديـنـة في هـذا الـفـصـل الـسّئ مـن الـسّـنـة ويـدوم حـتّى أيّـار أو حـزيـران، وعـنـدهـا يـشـتـد الـحـرّ إلى درجـة تـقـتـل الـوبـاء.

والـفـصـل الـوحـيـد الّـذي رحـم الله بـه أهـل بـغـداد الـمـسـاكـيـن هـو الـخـريـف، لـيـخـفـف عـنـهـم عـيـش الـقـهـر والـضّـنـك الّـذي فـرض عـلـيـهـم في ثـلاثـة أربـاع الـسّـنـة الـبـاقـيـة. فـمـازال الـجـو مـعـتـدلاً ومـشـمـسـاً، لا أمـطـار فـيـه ولا عـواصـف.

وتـغـتـنـم الـعـوائـل الـمـيـسـورة الـحـال عـذوبـة الـطّـقـس لـتـضـرب خـيـامـهـا في سـهـول طـيـسـفـون وسـلـوقـيـة.(3) وأحـبّ هـوايـاتـهـم في هـذه الـفـتـرة صـيـد الـخـنـازيـر الـبـرّيـة، وهـو صـيـد شـديـد الإثـارة ولـكـنّـه بـالـغ الـخـطـورة. وغـالـبـاً مـا تـصـيـب الأوربـيـيـن مـن مـطـاردة الـحـيـوان بـالـرّمـاح الّـتي تـرمى عـلـيـه عـلى أرض مـتـعـرجـة مـلـيـئـة بـالـحـفـر جـراح وأضـرار بـالـغـة. ولا تـحـضـر الـنّـسـاء في الـغـالـب هـذا الـصّـيـد الـمـلئ بـالـمـخـاطـر ويـكـتـفـيـن بـإطـلاق الـنّـار عـلى طـائـر الـحـجـل أو عـلى طـيـور الـمـاء الّـتي تـعـج بـهـا ضـفـاف دجـلـة.

ومـا أشـد خـيـبـة أمـل الـمـوظـفـيـن [الأوربـيـيـن] الـمـسـاكـيـن الّـذيـن حـكـم عـلـيـهـم بـالـعـيـش في هـذا الـبـلـد بـعـد أن تـعـوّدوا عـلى تـخـيّـل سـحـره مـن خـلال قـراءتـهـم لـحـكـايـات ألـف لـيـلـة ولـيـلـة ! “.

تـرامـواي الـكـاظـمـيـة :

“ركـبـنـا في الـضّـفـة الـيـمـنى مـن الـنـهـر الـتّـرمـواي الّـذي يـنـبـغي أن يـوصـلـنـا، حـسـب مـا هـو مـكـتـوب، إلى الـكـاظـمـيـن خـلال ربـع سـاعـة أو عـشـريـن دقـيـقـة. ولـكـنّـه تـوقّـف في وسـط الـطّـريـق وطـلـب مـنّـا الـمـسـؤول أن نـنـزل، وأخـبـرنـا بـبـطء شـرقي وخـمـول أنّ الـعـربـة سـتـسـقـط مـن عـلى سـكـتـهـا. وتـنـعـطـف الـسّـكّـة في هـذا الـجـزء مـنـهـا انـعـطـافـة قـوّيـة.

وقـد انـخـسـفـت الأرض تـحـت الـسّـكّـة إلى درجـة أنّ الـعـربـة لـو اسـتـمـرت في مـسـيـرهـا لانـقـذفـت مـنـهـا وسـقـطـت عـلى جـانـبـهـا. وهـذه الـحـالـة تـدوم مـنـذ ثـمـانـيـة عـشـر شـهـراً. فـهـل تـعـتـقـدون أنّ الأتـراك حـاولـوا خـلال هـذه الـسّـنـة والـنّـصـف أن يـصـلـحـوا خـلـل الـسّـكّـة ؟

وبـدلاً مـن ذلـك، وضـعـت الـشّـركـة بـجـانـب الـجـزء الّـذي يـنـبـغي تـصـلـيـحـه عـدداً مـن الـحـمـالـيـن hammals :  وعـنـدمـا تـصـلّ عـربـة يـنـزل مـنـهـا الـرّكّـاب، ويـرفـع الـحـمـالـون الـعـربـة فـوق الـسّـكّـة. ولأنّ الـمـسـافـة بـيـن بـغـداد والـكـاظـمـيـة لا تـتـجـاوز أربـعـة كـيـلـومـتـرات، ولأنّ الـرّكـاب يـضـيـعـون ربـع سـاعـة مـن وقـتـهـم كـلـمـا وصـلـوا إلى هـذا الـجـزء مـن الـسّـكـة، فـقـد بـدأ الـنّـاس يـفـضـلـون قـطـع الـمـسـافـة عـلى أقـدامـهـم بـدلاً مـن ركـوب الـتّـرام.

وأعـتـقـد أن سـاعـتـيـن مـن الـعـمـل كـانـت سـتـكـفي لـردم جـزء الأرض الّـذي انـخـسـف تـحـت الـسّـكـة لـكي تـثّـبـت تـثـبـيـتـاً مـتـيـنـاً !”.

وبـعـد كـلّ هـذا الـجـهـد لـم تـسـتـطـع جَـيـن الـدّخـول “جـامـع الإمـام مـوسى

la mosquée de l’imam Moussa”. وعـنـدمـا قـصّـت مـغـامـراتـهـا عـلى مـهـنـدس الـولايـة الـفـرنـسي، مـسـيـو مـوجِـل Mougel، وعـدهـا أن يـبـعـث لـهـا في الـغـد بـصـورة الـجـامـع الّـتي كـان قـد الـتـقـطـهـا قـبـل ذلـك. فـقـد اسـتـطـاع الـدّخـول فـيـه، رغـم أنّـه كـان مـسـيـحـيـاً، لـيـنـصـب سـاعـة جـديـدة في حـوشـه، واغـتـنـم الـفـرصـة لـيـنـصـب آلـة تـصـويـره عـلى سـطـح يـطـلّ عـلى الـحـوش. وطـبـعـاً فـقـد أرسـل لـهـا بـالـصّـورة في الـيـوم الـتّـالي.

ج. ديولافوا 4

وقـد زارت مـدام ديـولافـوا مـقـابـر الـكـرخ و”قـبـر الـسّـت زبـيـدة” الّـذي هـو في الـحـقـيـقـة قـبـر زمـرد خـاتـون، زوجـة الـمـسـتـضئ بـالله ووالـدة الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله :

ج. ديولافوا 1

وصـوّرت ضـريـح الـشّـيـخ عـمـر الـسّـهـروردي :

ج. ديولافوا 11

وجـامـع الـشّـيـخ عـبـد الـقـادر الـجـيـلاني:

ج. ديولافوا 10

وجـامـع الـمـيـدان :

ج. ديولافوا 7

وأبـدت إعـجـابـهـا بـالـعـبـقـريـة الـمـعـمـاريـة لـمـن شـيّـدوا خـان مـرجـان الّـذي ذكـرتـه بـاسـم خـان الأورتـمـة (أي الـخـان الـمـغـطى) كـمـا كـان مـعـروفـاً في ذلـك الـزّمـن :

Dieulafoy 20

ووضـعـت صـورة لـبـغـداد الـتـقـطـت مـن فـوق سـطـح الـخـان :

Dieulafoy 21

ثـمّ ذكـرت : “وعـلى بـعـد خـطـوات مـن الـخـان مـا زالـت تـنـتـصـب مـنـارة سـوق الـغـزل الـرّائـعـة الـجـمـال بـمـئـذنـتـهـا الـمـحـاطـة بـالـمـقـرنـصـات والّـتي تـمـثّـل عـلى كـلّ خـصـائـص فـنّ الـقـرن الـثّـاني عـشـر” :

Dieulafoy 22

وقـريـبـاً مـنـهـا تـنـتـصـب بـنـايـة مـدرسـة [الـمـدرسـة الـمـسـتـنـصـريـة] الّـتي تـحـولـت إلى مـخـازن لـلـجـمـارك والـمـشـهـورة بـنـقـوشـهـا الـمـكـتـوبـة بـخـط بـديـع :

Dieulafoy 23

ثـمّ تـكـلّـمـت عـن أسـواق بـغـداد، وكـتـبـت في 20 كـانـون الأوّل :

“هـاجـت بـغـداد ومـاجـت فـقـد احـتـرق جـزء مـن الـسّـوق في الـلـيـل. وقـد أطـفـئـت الـنّـيـران بـسـرعـة بـطـريـقـة عـجـيـبـة، وأنـقـذت الـدّكـاكـيـن مـن الـلـهـب ومـن نـهـب الـلـصـوص : فـمـا أن بـدأ الـحـريـق حـتّى تـسـارع الـتّـجّـار بـالـصّـعـود فـوق الـسّـطـوح وكـسّـروا بـالـفـؤوس الـسّـقـوف الـخـشـبـيـة الـمـغـطـاة بـالـتّـراب والّـتي تـحـمى أزقّـة الـسّـوق الـمـمـتـدّة بـيـن الـدّكـاكـيـن مـن حـرارة أشـعـة الـشّـمـس. وانـطـفـأت الـنّـار بـسـقـوط هـذه الـسّـقـوف الـمـغـطـاة بـالـتّـراب عـلـيـهـا. وسـيـنـتـظـر الـتّـجّـار يـومـيـن أو ثـلاثـة لـيـتـأكّـدوا مـن انـطـفـاء مـا يـمـكـن أن يـكـون قـد بـقي مـن جـمـر تـحـت الأنـقـاض، ثـمّ سـيـزيـلـون أكـوام الـخـشـب والـتّـراب ويـنـظّـفـون الأزقّـة، وسـيـعـيـدون تـشـيـيـد الـسّـقـوف ويـفـتـحـون دكـاكـيـنـهـم الّـتي لـم تـصـبـهـا الأضـرار”.

وتـعـجـبّـت مـن ضـخـامـة أسـمـاك دجـلـة :

أسماك بغداد

ووضـعـت جَـيـن ديـولافـوا رسـمـيـن لـبـاب الـطّـلـسـم والـمـنـحـوتـه الّـتي كـانـت تـحـيـطـه. وكـان بـاب الـطّـلـسـم أحـد أبـواب سـور بـغـداد، وبـقي مـنـتـصـبـاً حـتّى يـوم 11 آذار 1917 (4):

ولأنّ جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا لـم يـسـتـطـيـعـا الـذّهـاب لـرؤيـة قـصـور الـمـلـوك الآشـوريـيـن في نـيـنـوى ومـا حـولـهـا “لـبـعـدهـا الـشّـديـد” عـن بـغـداد، فـقـد قـررا الـسّـفـر إلى بـابـل في يـوم 14 كـانـون الأوّل 1881.

ولاحـظـت جَـيـن أنّـهـم حـالـمـا ابـتـعـدوا عـن بـغـداد تـحـوّلـت الـطّـبـيـعـة إلى فـيـافي قـاحـلـة، ورأت “آثـار قـنـوات كـانـت تـخـصّـب هـذه الأراضي في الأزمـان الـقـديـمـة، مـا زلـنـا نـرى مـنـهـا بـقـايـا سـدود تـهـدّمـت”. ولـكي تـثـبـت أنّ تـرك الـرّي وإهـمـال الـزّراعـة لـم يـبـدأ إلّا في الـفـتـرات الأخـيـرة فـقـد اسـتـشـهـدت بـمـا ذكـره الـرّحـالـة الأنـدلـسي ابـن جـبـيـر الّـذي زار الـعـراق في الـقـرن الـثّـاني عـشـر بـعـد الـمـيـلاد :”والـطّـريـق مـن الـحـلّـة إلى بـغـداد أحـسـن طـريـق وأجـمـلـهـا، في بـسـائـط مـن الأرض وعـمـائـر، تـتّـصـل بـهـا الـقـرى يـمـيـنـاً وشـمـالاً […] والأمـن فـيـهـا مـتّـصـل”. (5) وأوصـلـهـا هـذا إلى اسـتـنـتـاج غـريـب: “وهـكـذا نـرى أنّ الـمـسـلـمـيـن بـعـد وصـولـهـم إلى هـذه الأراضي سـرعـان مـا حـوّلـوا ثـرواتـهـا الـهـائـلـة إلى عـدم”.

ويـبـدو لـنـا لأوّل وهـلـة أنّ جـهـلـهـا بـتـاريـخ الـمـنـطـقـة كـان شـديـداً إلى درجـة أنّـهـا لـم تـدرك أنّ ابـن جـبـيـر كـان مـسـلـمـاً هـو نـفـسـه، وتـكـلّـم عـن الـمـنـطـقـة بـعـد خـمـسـة قـرون عـلى وصـول الـمـسـلـمـيـن إلـيـهـا. ولـكـن الـمـسـلـمـيـن الّـذيـن تـقـصـدهـم هـنـا هـم الأتـراك الّـذيـن كـانـت تـكـرهـهـم كـراهـيـة شـديـدة وانـتـقـدتـهـم في كـلّ مـا لـم يـعـجـبـهـا.

وصـوّرت نـهـر الـفـرات عـنـد مـروره بـالـحـلّـة :

Dieulafoy 26

ووصـلـت مـع مـصـاحـبـيـهـا إلى بـابـل بـعـد يـومـيـن مـن مـغـادرتـهـم لـبـغـداد. وكـانـت خـيـبـة أمـلـهـا بـالـغـة فـقـد : “اخـتـرقـتُ الـمـديـنـة مـن غـيـر أن أنـتـبـه إلى وجـودهـا !”. وعـلـيـنـا أن نـشـيـر هـنـا إلى قـلّـة الـمـعـلـومـات عـن الـمـوقـع في زمـنـهـا فـلـم تـبـدأ الـتّـنـقـيـبـات الـجـدّيـة إلّا بـالـبـعـثـات الألـمـانـيـة في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

Dieulafoy 29

وهي تـصـف لـنـا حـال الـحـفـريـات في زمـنـهـا : “تـحـفـر إنـكـلـتـرة الأرض وتـقـلّـبـهـا مـنـذ سـنـوات في مـوقـع قـصـر نـبـوخـذ نـصـر. ويـأتي هـنـا كـلّ عـام مـسـؤول مـن الـمـتـحـف الـبـريـطـاني لـيـراقـب الـتّـنـقـيـبـات، ولـكـنّ مـراقـبـة الـمـوقـع الـيـومـيـة عـهـد بـهـا إلى أرمـني. وقـد أخـذنـا إلـيـه دلـيـلـنـا. وأرانـا هـذا الـرّجـل مـا وجـده في حـفـريـاتـه، فـقـد عـثـر عـمّـالـه مـنـذ سـتّـة أشـهـر عـلى ألـواح صـلـصـال عـلـيـهـا نـصـوص مـسـمـاريـة، وكـسـر لـمـنـحـوتـات تـمـثّـل حـيـوانـات ألـيـفـة، وعـلى أواني مـن الـعـقـيـق وعـلى تـمـاثـيـل مـن الـصـلـصـال بـأسـلـوب إغـريـقي أصـيـل”.

ونـفـهـم مـن هـذا أنّ الأرمـني كـان قـد وصـل إلى الـطّـبـقـة الـسّـلـوقـيـة  (6) مـن الـمـوقـع، وهي طـبـقـة حـديـثـة لا يـعـود تـاريـخـهـا إلى أقـدم مـن الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد.  أمّـا الـمـسـؤول فـقـد كـان والـيـس بـدج  Wallis BUDGE الّـذي بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـنـذ عـام 1877 لـيـنـقّـب في بـابـل. وهـذا الـمـقـطـع بـالـغ الأهـمـيـة لأنـنـا نـرى مـن خـلالـه طـرق “الـتّـنـقـيـبـات” في تـلـك الـفـتـرة.

وتـفـحـصـت “أسـد بـابـل” الّـذي وصـفـتـه : “أسـد مـن حـجـر الـبـازلـت بـصـنـعـة بدائـيـة، شـديـدة الـبـربـريـة”  :

Dieulafoy 30

ووصـلـت جّـيـن مـع مـصـاحـبـيـهـا إلى كـربـلاء 20 كـانـون الأوّل. وبـعـد أن سـمـح لـهـم بـدخـول الـمـديـنـة وقـضـاء الـلـيـل فـيـهـا : “صـعـدتُ إلى الـسّـطـوح، مـكـاني الـمـعـتـاد الّـذي أنـظـر مـنـه. واسـتـطـعـت أخـيـراً أن أبـصـر بـالـمـديـنـة بـكـامـلـهـا. تـنـتـصـب عـلى يـسـاري قـبّـة ضـريـح الـحـسـيـن ومـنـائـره الـمـطـلـيّـة بـالـذّهـب، وعـلى يـمـيـني قـبّـة مـن الآجـر الأزرق الـفـيـروزي، شـيّـدت ولا شـكّ في زمـن أواخـر الـصّـفـويـيـن”.

Dieulafoy 33

ولـم يـسـمـح لـهـم بـأكـثـر مـن ذلـك، فـتـركـوا الـمـديـنـة وعـادوا إلى بـغـداد الّـتي وصـلـوهـا في 22 كـانـون الأوّل.

ثـمّ غـادروا بـغـداد بـعـد ظـهـر يـوم 26 كـانـون الأوّل نـحـو طـيـسـفـون / الـمـدائـن (سـلـمـان بـاك)، وتـأمّـلـت جَـيـن الـفـلاحـيـن يـبـذرون الـشّـعـيـر. وقـضـوا يـومـيـن يـتـفـحّـصـون الـطّـاق بـجـنـاحـيـه (قـبـل أن يـنـهـار جـنـاحـه الأيـمـن عـام 1887) وبـقـايـا الـقـصـر وآثـار الـمـديـنـة الـسّـاسـانـيـة الّـتي كـانـت تـحـيـطـه، وعـبـروا الـنّـهـر لـيـتـفـحّـصـوا بـقـايـا مـديـنـة “سـلـوقـيـة دجـلـة”.

وركـبـوا في 28 كـانـون الأوّل الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة “الـخـلـيـفـة  The Khalifah” (الّـتي كـتـبـتـهـا  Khalifé) نـحـو الـبـصـرة. وكـانـت شـركـة الإخـوة لِـنـتـش (بـيـت لـنـج) The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company قـد اشـتـرت هـذه الـسّـفـيـنـة عـام 1880 وسـيّـرتـهـا عـلى نـهـر دجـلـة بـيـن بـغـداد والـبـصـرة.

ووصـلـوا إلى الـعـمـارة في الأوّل مـن شـهـر كـانـون الـثّـاني 1882،

Dieulafoy 35

وأقـامـوا عـنـد تـاجـر مـسـيـحي اسـمـه عـيـسى قـصّ عـلـيـهـم قـصـصـاً غـريـبـة عـن قـبـيـلـة بـني لام نـقـلـتـهـا جَـيـن ديـولافـوا كـمـا سـمـعـتـهـا ! وحـضـرت مـع زوجـهـا قـدّاسـاً في كـنـيـسـة كـانـت قـد شـيّـدتـهـا الـجـالـيـة الـمـسـيـحـيـة الـكـثـيـرة الأعـداد في الـعـمـارة.

ولـم يـغـادروا الـعـمـارة إلّا في الـسّـابـع مـن كـانـون الـثّـاني مـتّـجـهـيـن نـحـو مـضـارب دويـرج  Douéridj. ومـرّوا بـأطـراف الأهـوار، وقـضـوا لـيـلـة رهـيـبـة تـحت الأمـطـار في الـرّيـاح الـعـاصـفـة:

Dieulafoy 36

ثـمّ اسـتـضـافـهـم شـيـوخ بـني لام  Beni Laam.  وسـجّـلـت جّـيـن ديـولافـوا مـلاحـظـات مـفـصّـلـة عـن طـرق مـعـيـشـتـهـم.

Dieulafoy 31

واتـجـهـت مـع مـصـاحـبـيـهـا في 11 كـانـون الـثّـاني نـحـو دزفـول، قـرب مـديـنـة شـوش في جـنـوب غـرب إيـران.

وهـكـذا انـتـهـت سـفـرة جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا مـارسـيـل في ولايـتَي الـبـصـرة وبـغـداد والّـتي دامـت أقـلّ مـن شـهـريـن .

مـلـحـق

أعـادت دار نـشـر فـيـبـوس Phébus الـبـاريـسـيـة عـام 1990 إصـدار الـكـتـاب في سـلـسـلـة كـتـب جـيـب (بـالـقـطـع الـصّـغـيـر) خـصـصـتـهـا لـسـرديـات الـرّحـلات، وهي تـلاقي نـجـاحـاً كـبـيـراً ونـجـدهـا في كـلّ الـمـكـتـبـات في كـلّ أنـحـاء فـرنـسـا.

ونـشـرت هـذا الـكـتـاب بـجـزئـيـن عـنـوّنـت ثـانـيـه : “الـشّـرق تـحـت الـحـجـاب، مـن شـيـراز إلى بـغـداد 1881ــ1882

L’Orient sous le voile, de Chiraz à Bagdad 1881-1882”.

ووضـعـت فـيـه عـدّة صـور مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا.

وقـد أعـيـد طـبـع الـكـتـاب عـدّة مـرّات مـنـذ ذلـك الـحـيـن، وبـيـعـت مـنـه نـسـخ لا تـعـدّ ولا تـحـصى. ولا يـحـتـوى الـكـتـاب في طـبـعـتـه الـشّـعـبـيـة هـذه إلّا عـلى نـصّ الـسّـرد، فـلـم يـتـكـلّـف الـنّـاشـر عـنـاء كـتـابـة مـقـدمـة لـه ولا هـوامـش لـتـصـحـيـح أخـطـائـه ولا حـتّى بـيـان الـسّـيـاق الـتّـاريـخي الّـذي كـتـب فـيـه. ويـقـرأه الـقـارئ الـحـديـث كـمـلاحـظـات شـاهـدة عـيـان عـن الـعـراق، ويـسـتـقي فـيـه مـعـرفـتـه عـنّـا !

Dieulafoy

ـــــــــ

(1)  “رحـلـة مـدام ديـولافـوا مـن الـمـحـمّـرة إلى الـبـصـرة وبـغـداد 1299 هـ. 1881 م.” تـرجـمـة عـلي الـبـصـري ، وتـقـديـم مـصـطـفى جـواد، بـغـداد 1958. وصـدرت لـهـا طـبـعـة جـديـدة عـن الـدّار الـعـربـيـة لـلـمـوسـوعـات عـام 2007.

(2) تـقـصـد بـهـا مـديـنـة الـبـنـدقـيـة Venezia في إيـطـالـيـا.  أمّـا عـن مـدار الـسّـرطـان فـهـو في الـحـقـيـقـة يـمـرّ  جـنـوب الـخـلـيـج، بـعـيـداً عـن الـعـشّـار.

(3) في الـمـدائـن أي سـلـمـان بـاك قـرب طـاق كـسـرى.

(4) عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرت الـقـوات الـعـثـمانـيـة بـرج بـاب الـطّـلـسـم قـبـل انـســحـابـهـا مـن الـمـديـنـة.  وكـان الـبـرج قـد اسـتـعـمـل لـخـزن بارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد، فـتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجارة بـعـد انـفـجـار الـبـارود الـمـخـزون. ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

(5) أنـظـر مـقـالي : الـعـراقـيـون كـمـا رآهـم الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر

(6) أنـظـر مـقـالي : عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وجـدت في كـتـاب نـشـره الـمـؤرخ الـبـريـطـاني فـيـلـيـب مـانـسـل  Philip MANSEL  صـورة لـعـبـد الإلـه، الـوصي عـلى عـرش الـعـراق، في نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة.(1)  كـمـا أنّ الـكـاتـب ذكـر مـعـلـومـات كـثـيـرة عـن إنـشـاء هـذا الـنّـادي في عـام 1943.

وقـد أكّـد فـيـلـيـب مـانـسـل عـلى أنّـه اسـتـطـاع الإطّـلاع عـلى وثـائـق الأرشـيـفـات الـبـريـطـانـيـة وأعـتـمـد في بـحـثـه عـلى مـا كـتـبـه سـابـقـوه. وأعـتـقـد أنّ تـرجـمـة بـعـض مـا كـتـبـه عـن ذلـك يـمـكـن أن يـضـيـف أشـيـاء جـديـدة عـلى مـعـارفـنـا عـن تـاريـخـنـا الـحـديـث، ويـمـكـن أن يـثـيـر نـقـاشـاً لـتـوضـيـح مـواقـفـنـا مـنـه. وطـبـعـاً فـلـيـس هـنـاك حـقـائـق مـطـلـقـة لا يـمـكـن مـنـاقـشـتـهـا في مـيـدان الـتّـاريـخ … ومـن الـنّـقـاش يـنـبـثـق الـنّـور !

ذكـر فـيـلـيـب مـانـسـل أنّـه بـعـد وفـاة مـلـك الـعـراق غـازي الأوّل في حـادثـة اصـطـدام سـيـارة عـام 1939، إسـتـطـاعـت زوجـتـه، الـمـلـكـة عـالـيـة أن تـفـرض أخـاهـا عـبـد الإلـه كـوصي عـلى ابـنـهـا ولي الـعـهـد فـيـصـل بـن غـازي بـدلاً مـن الأمـيـر زيـد شـقـيـق الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وأكـبـر رجـال الـعـائـلـة سـنّـاً، والّـذي كـان يـنـبـغي أن تـعـهـد إلـيـه الـوصـايـة.

عالية وفيصل

ولـم يـكـن عـبـد الإلـه إلّا في الـسّـادسـة والـعـشـريـن مـن عـمـره. (2)

عبد الإله وفيصل

وكـان عـبـد الإلـه قـد درس في The Victoria College في الإسـكـنـدريـة، وشـغـف بـحـبّ إنـكـلـتـرة والإنـكـلـيـز وعـاداتـهـم وطـرق حـيـاتـهـم “الـرّاقـيـة”. وكـان لـه في بـغـداد عـدد مـن الأصـدقـاء الإنـكـلـيـز الـمـقـرّبـيـن. وحـتّى سـيـارتـه الـ  Rolls-Royce  كـان يـعـتـني بـهـا “فـيـتـرجي” إنـكـلـيـزي !

وكـان أثـاث مـسـكـنـه في قـصـر الـرحـاب إنـكـلـيـزيـاً، تـتـصـدّره صـورة لـلـعـائـلـة الـحـاكـمـة الـبـريـطـانـيـة أهـديـت خـصـيـصـاً لـه. وكـان عـبـد الإلـه قـد شـيّـد هـذا الـقـصـر في بـغـداد عـام 1937 وأسـمـاه “قـصـر الـرّحـاب” بـاسـم الـقـريـة الـصّـغـيـرة في الـحـجـاز الّـتي جـاءت مـنـهـا عـائـلـة جـدّه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة.

كـمـا اشـتـرى عـبـد الإلـه لـعـائـلـتـه الـمـالـكـة شـقـة في ضـواحي لـنـدن لـقـضـاء فـتـرات طـويـلـة فـيـهـا.

وكـان فـيـصـل بـن غـازي عـنـدمـا تـوفي أبـوه في الـرّابـعـة مـن عـمـره، وبـقي في قـصـر الـزّهـور يـسـكـنـه مـع والـدتـه الـمـلـكـة عـالـيـة. فـأحـاطـه خـالـه عـبـد الإلـه، الـوصيّ عـلـيـه بـمـربـيـة ومـشـرفـة ومـسـؤول تـربـيـة جـاءوا مـبـاشـرة مـن إنـكـلـتـرة. ويـبـدو أنّ مـربـيـتـه مـس بـورلانـد Miss Borland الّـتي ظـلّـت تـعـمـل في الـقـصـر فـتـرة طـويـلـة كـان لـهـا عـلـيـه تـأثـيـر شـديـد.

Faisal II

وبـعـثـه الـوصي عـبـد الإلـه بـعـد ذلـك لـيـدرس في إنـكـلـتـرة، إلى سـانـدرويـد Sandroyd أوّلاً، ثـمّ إلى هـارو Harrow.

Faisal at Harrow 1950

ويـبـدو أنّ فـيـصـل بـن غـازي أحـبّ كـلـيـة هـارو الّـتي كـان أبـوه الـمـلـك غـازي قـد ارتـادهـا في صـبـاه وكـرهـهـا كـراهـيـة شـديـدة.

Faysal II 3

وقـد نـمـا دور الإدارة الـبـريـطـانـيـة في تـسـيـيـر شـؤون الـدّولـة خـلال فـتـرة وصـايـة عـبـد الإلـه، بـعـد أن كـان قـد اضـمـحـلّ في فـتـرة حـكـم الـمـلـك غـازي الأوّل. وأصـبـح مـسـتـشـار الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد سـتـيـوارت بـيـروني  Stewart Perowne مـتـسـلّـطـاً إلى حـدّ أنّ بـعـض الـمـراقـبـيـن الـسّـيـاسـيـيـن أسـمـوا الـعـراق بـمـمـلـكـة بـيـروني : “Perownia”.

وفي عـام 1943، أنـشـأ الـوصي عـبـد الإلـه نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة. ووصـلـت كـلاب الـصّـيـد مـن إنـكـلـتـرة بـالـبـاخـرة، وشُـيّـد لـهـا وِجـار قـرب قـصـر الـزّهـور. وكـانـت تـكـالـيـف إطـعـامـهـا والإعـتـنـاء بـهـا تـؤخـذ مـن مـخـصـصـات إطـعـام جـنـود الـجـيـش الـعـراقي !

وكـان الـوصيّ عـبـد الإلـه يـمـارس صـيـد الـثّـعـالـب وبـنـات آوى (كـمـا يـفـعـل الإنـكـلـيـز في ريـفـهـم !)، يـطـاردهـا بـصـحـبـة ضـبـاط الـحـرس الـمـلـكي وضـبـاط الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق.

عبد الإله 4 001

ونـرى في الـصّـورة مـن الـيـسـار إلى الـيـمـيـن : مـسـتـشـار الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد، سـتـيـوارت بـيـروني  Stewart Perowne، والـلـيـوتـنـات كـولـونـيـل جـيـرالـد دي غـاوري Lieutenant- colonel Gerald de Gaurey الّـذي ألّـف بـعـد ذلـك (في 1961) كـتـابـاً عـن الـحـيـاة الـسّـيـاسـيـة في الـعـراق : Three Kings in Baghdad.

أمّـا الـولـد الـصّـغـيـر الّـذي نـراه مـعـهـم وهـو يـداعـب الـكـلـب فـقـد كـان جـيـمـس مـوس الإبـن  James B. Moose Jr.  إبـن الـمـسـؤول عـن الـشـؤون الأمـريـكـيـة في بـغـداد.

ونـرى عـلى يـمـيـن الـصّـورة الـوصي عـبـد الإلـه أنـيـقـاً مـنـتـصـب الـقـامـة في مـلابـس صـيـده الإنـكـلـيـزيـة.

مـلـحـق

وجـدت في الـعـدد الصّـادر في 2 أيّـارــ مايو 1953 مـن مـجـلّـة الـمـصـور الـقـاهـريـة والّـذي يـحـتـوي عـلى مـقـابـلـة أجراهـا حـبـيـب جـامـاتي مـع الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـمـنـاسـبـة ارتـقـائـه عـرش الـعـراق مـقـطـعـاً يـتـكـلّـم عـن هـوايـة الـمـلـك لـلـصّـيـد :

“الـصّـحـفي : وهـل تـجـيـدون الـفـروسـيـة ؟ الـمـلـك : أجـل، ولـكـنّي أتـجـنـب الـسّـرعـة وأنـا عـلى ظـهـر الـحـصـان كـمـا أتـجـنـبـهـا وأنـا في الـسّـيّـارة. […] “الـصّـحـفي : ومـاذا تـفـضّـلـون بـيـن الـحـيـوانـات الألـيـفـة ؟ “الـمـلـك : الـكـلاب … وقـد وصـلـني مـنـهـا أخـيـراً هـذان الـكـلـبـان، هـديـة مـن مـلـك الأفـغـان. وقـال الـمـلـك فـيـصـل إنّـه يـعـنى أيـضـاً بـكـلاب الـصّـيـد، وإنّـه يـخـرج أحـيـانـاً بـتـلـك الـكـلّاب فـيـصـطـاد الـطّـيـور، ولـكـنّـه لا يـصـطـاد عـلى ظـهـور الـخـيـل ولا بـواسـطـة الـصّـقـور …”.

المصور 1953 4 (3)

المصور 1953 2 (4) (562x800) (450x640)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  Philip MANSEL, Sultans in Splendour, London 1988.

(2)  كـان عـبـد الإلـه وأخـتـه الـمـلـكـة عـالـيـة مـن أبـنـاء عـلي بـن الـحـسـيـن. وكـان عـلي قـد تـوّج مـلـكـاً عـلى مـمـلـكـة الـحـجـاز الـهـاشـمـيـة في أواخـر عـام 1924 خـلـفـاً لأبـيـه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة، ولـكـنّ قـوّات آل سـعـود هـزمـتـه في نـهـايـة عـام 1925، فـتـرك مـكّـة إلى الـهـنـد ثـمّ اسـتـقـرّ في بـغـداد، قـرب أخـيـه الـمـلـك فـيـصـل الأوّل حـتّى وفـاتـه سـنـة 1935.

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

دار الجنرال مود

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

الـجـنـرال سـتـانـلي مـود يـفـتـح بـغـداد ثـمّ يـمـوت فـيـهـا :

دخـل الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود  Lieutenant General Frederick Stanley MAUDE بـغـداد عـلى رأس قـوّاتـه الـبـريـطـانـيـة في 11 آذار  1917  بـعـد أن انـسـحـبـت الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة مـنـهـا. ولـم يـقـرأ خـطـابـه الـمـوجّـه لـلـبـغـداديـيـن، والـمـعـروف بـ Proclamation of Baghdad، إلّا في 19 آذار.

ثـمّ أكـمـلـت قـوّاتـه مـسـيـرتـهـا نـحـو سـامـراء لـتـكـمـل سـيـطـرتـهـا عـلى ولايـة بـغـداد وعـلى ولايـة الـمـوصـل.

وفي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـن نـفـس الـعـام، أقـيـم حـفـلٌ احـتـفـاءً بـه في مـدرسـة يـهـوديـة : الألـيـانـس الإسـرائـيـلـيـة، قـدمـت فـيـه مـسـرحـيـة هـامـلـت لـشـكـسـبـيـر بـالـعـربـيـة، وشـرب كـلّ الـحـاضـريـن فـنـاجـيـن قـهـوة. وذكـرت الـصّـحـفـيـة الأمـريـكـيـة إلـيـانـور إغـن Eleanor Egan الّـتي حـضـرت الـحـفـل أنّ الـجـنـرال مـود طـلـب حـلـيـبـاً. وجُـلـب لـه حـلـيـب لـم يـسـخـن إلى درجـة الـغـلـيـان، فـأضـافـه إلى قـهـوتـه وشـربـه.

وفي الـيـوم الـتّـالي سـقـط مـريـضـاً، وشـخّـص طـبـيـبـه الـبـريـطـاني حـالـة كـولـيـرا مـن أخـطـر الأنـواع يـبـدو أن عـدواهـا انـتـقـلـت إلـيـه مـن الـحـلـيـب. وسـرت شـائـعـات بـأنّـه سُـمّـم، لأنّ الـكـابـتـن ولـسـن الّـذي وضـع نـفـس الـحـلـيـب في قـهـوتـه في نـفـس الـحـفـل لـم يـصـب بـشئ.

ومـات الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال سـتـانـلي مـود في 18 تـشـريـن الـثّـاني 1917 .

ويـذكـر عـدد مـن الّـذيـن كـتـبـوا عـنـه أنّـه مـات في نـفـس الـدّار الّـتي كـان قـد مـات فـيـهـا الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـز                            Field Marshal Von der Goltz تـسـعـة عـشـر شـهـراً قـبـل ذلـك.(1)

ودفـن الـجـنـرال مـود في الـمـقـبـرة الـعـسـكـريـة الـبـريـطـانـيـة قـرب بـاب الـمـعـظـم (2) :

 

وقـد أقـيـم لـه تـمـثـال مـن الـبـرونـز يـمـثّـلـه بـزيّـه الـعـسـكـري مـمـتـطـيـاً صـهـوة حـصـان، أزيـح عـنـه الـسّـتـار عـام 1923  أمـام دار الـمـنـدوبـيـة الـبـريـطـانـيـة الـسّـامـيـة في الـكـرخ :

وقـد بـقي الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً إلى أن أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة وحـطـمـتـه في 14 تـمّـوز 1958 :

إسقاط تمثال مود

أيـن كـانـت دار الـجـنـرال مـود ؟

ومـا ذكـرنـاه يـثـيـر تـسـاؤلات لـم أجـد عـلـيـهـا بـعـد أجـوبـة أكـيـدة، فـقـد وجـدت في كـتـاب إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت Staudt Ida Donges : “مـذكّـرات أمـريـكـيـة عـن الـتـدريـس والـسّـفـر في الـعـراق مـن 1924 إلى1947” (3) الّـذي سـبـق لي أن كـتـبـت عـنـه مـقـالاً (4)، أنّـهـا سـمـعـت بـعـد وصـولـهـا إلى بـغـداد مـع زوجـهـا في 1924 بـأنّ : “داراً كـبـيـرة فـرغـت قـرب نـادي الـضّـبّـاط الـبـريـطـانـيـيـن، في حيّ حـديـث مـن الـمـديـنـة، تـحـيـطـه غـابـات الـنّـخـيـل. وعـنـدمـا زرتـهـا حـلـت لـعـيـنيّ فـأجـرتـهـا حـالاً وبـلا تـردد. وبـانـتـقـالـنـا إلـيـهـا في الـخـريـف بـدأت حـيـاتـنـا الـعـمـلـيـة حـقّـاً. وكـانـت الـدّار تـنـاسـب تـمـامـاً مـا نـريـد، وإن اعـتـبـر الـبـعـض أنّـهـا بـعـيـدة عـن مـركـز الـمـديـنـة. وقـد أصـبـحـت الآن في وسـط الـمـديـنـة لـشـدّة مـا تـوسـعـت بـغـداد وامـتـدّت. وكـانـت داراً كـبـيـرة فـيـهـا 20 غـرفـة واسـعـة حـول حـوش مـفـتـوح، أمـامـهـا شـرفـات عـريـضـة”.

ثـمّ تـكـمـل إيـدا سـتـاوت : ” وكـان لـهـذا “الـقـصـر” الـمـهـيـب قـصّـة مـدهـشـة، فـقـد اسـتـعـمـلـه الـبـريـطـانـيـون نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم. وكـان الإيـطـالـيـون قـد اتـخـذوه قـنـصـلـيـة لـهـم، ووجـدنـا بـقـايـا رايـتـهـم عـلى الـسّـطـح حـيـنـمـا أجّـرنـا الـقـصـر. وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إخـتـارتـه الـقـيـادة الألـمـانـيـة مـقـرّاً لـهـا. وغـالـبـاً مـا حـذرونـا مـن أنّ شـبـح الـجـنـرال فـون ديـر غـولـتـز كـان يـتـجـوّل في أنـحـائـه”.(5)

وقـد أخـطـأت إيـدا سـتـاوت في بـعـض مـعـلـومـاتـهـا لأنّ فـون ديـر غـولـتـز لـم يـكـن تـحـت أوامـر الـقـيـادة الـعـلـيـا لـلـقـوات الألـمـانـيـة وإنّـمـا كـان يـعـمـل في الـقـوات الـعـثـمـانـيـة، وحـصـل عـلى رتـبـة بـاشـا، ولـهـذا كـان يـدعى بـغـولـتـز بـاشـا. وقـد عـهـد إلـيـه أنـور بـاشـا في 1915 بـالـجـيـش الـخـامـس الـعـثـمـاني. وسـار غـولـتـز بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس إلى جـنـوب بـغـداد وأوقـف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة.  ولـكـنّـه أصـيـب في 1916 بـالـتّـيـفـوئـيـد ومـات مـنـه في بـغـداد.

وإذا كـانـت الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت تـعـرف أنّ الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـز مـات في تـلـك الـدّار فـكـيـف لـم تـسـمـع بـأنّ الـجـنـرال سـتـانـلي مـود مـات فـيـهـا أيـضـاً في 1917 ؟

وهي تـذكـر أنّ الـبـريـطـانـيـيـن اسـتـعـمـلـوه نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم، فـهـل سـكـن الـجـنـرال مـود ومـات في مـا أصـبـح بـعـد ذلـك نـاديـاً لـضـبّـاطـه ؟

تـسـاؤلات كـنـت أودّ أن أجـد عـلـيـهـا أجـوبـة !

ولـم أجـد إلّا صـورة واحـدة مـا زالـت مـحـفـوظـة في أرشـيـفـات وكـالـة رول Rol  لـتـصـويـر الأنـبـاء ذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـبـهـا أنّـهـا لـلـدّار الّـتي سـكـنـهـا الـجـنـرال مـود في بـغـداد (وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال) (6)، ولـكـنّ الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف كـتـب لي بـأنّ الـبـعـض أشـار إلى أنّ الـمـنـزل الّـذي في هـذه الـصـورة كـان في الأصـل مـلـكـاً لأحـد الـوجـهـاء مـن عـائـلـة الـكـيـلاني، أو مـكـان إقـامـة آخـر ولاة الـعـثـمـانـيـيـن في بـغـداد، ومـكـانـه في شـارع الـرّشـيـد مـقـابـل سـيـنـمـا ومـسـرح الـنّـجـاح (سـيـنـمـا روكـسي سـابـقـاً). وقـد رمـم وأصـبـح مـتـحـفـاً لـمـقـتـنـيـات وهـدايـا الـزّعـيـم عـبـد الـكـريـم قـاسـم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   أنـظـر مـثـلاً : Lawrence Sondhaus, World War One, The Global Revolution, p. 372

(2)  أرسـل لي الـدّكـتـور خـالـد الـسّـلـطـاني بـهـاتـيـن الـصّـورتـيـن. وأقـدّم لـه جـزيـل شـكـري عـلى ذلـك.

(3)  Living in Romantic Baghdad : Un American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924 -1947, New York 2012

(4) أنـظـر مـقـالي :  إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

(5)  الـمـصـدر الـسّـابـق، وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ إيـدا سـتـاوت أكـمـلـت تـألـيـف كـتـابـهـا في 1951.

(6)  أنـظـر مـقـالي : الـعـراق في صـور وكـالـة رول Rol

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

صـور الـمـوصـل في ألـبـومـات الآبـاء الـدومـنـيـكـان

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كُـتـبـت مـقـالات كـثـيـرة عـن الآبـاء الـدّومـيـنـيـكـان (وهـو لـفـظ أصـحّ مـن : الـدّومـنـيـكـان) في الـعـراق، والـذّيـن كـان مـركـز نـشـاطـاتـهـم  في الـمـوصـل. وغـالـبـاً مـا كـانـت أهـداف كـتّـاب هـذه الـمـقـالات إدانـة أعـمـال الآبـاء الـتّـبـشـيـريـة، أو عـلى الـعـكـس مـن ذلـك، الإشـادة بـدورهـم الإيـجـابي في إدخـال كـثـيـر مـن مـكـونـات الـحـداثـة في مـنـطـقـة الـمـوصـل، والّـتي انـتـشـرت مـنـهـا بـعـد ذلـك في كـلّ أرجـاء الـعـراق مـنـذ الـقـرن الـثّـامـن عـشـر.

وإذا مـا تـابـعـنـا تـاريـخ إنـشـاء الـجـمـاعـة الـدّومـنـيـكـيـة وقـرأنـا بـعـض مـا نـشـروه هـم أنـفـسـهـم عـنـهـا فـسـتـظـهـر لـنـا صـورة أخـرى لـهـم ولـنـشـاطـاتـهـم. وسـأتـكـلّـم عـنـهـم هـنـا بـاخـتـصـار، وسـأعـرض بـعـض صـور ألـبـومـاتـهـم الّـتي جـمـعـوهـا عـن الـمـوصـل.

الـجـمـاعـة الـدّيـنـيـة الـدّومـنـيـكـيـة :

أنـشـئـت “الـجـمـاعـة الـدّيـنـيـة الـدّومـنـيـكـيـة” في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا عـام 1215 م. وقـد حـصـل مـؤسـسـهـا دومـنـيـك وأصـحـابـه مـن بـابـا رومـا، هـنـريـوس الـثّـالـث Honorius III عـلى وثـيـقـة اعـتـراف رسـمـيـة بـالـجـمـاعـة في عـام 1217.

ولأنّ الأوربـيـيـن كـانـوا يـعـتـبـرون الـعـراق مـن بـيـن أقـدم أمـاكـن الـشّـرق الّـتي ظـهـرت فـيـهـا الـمـسـيـحـيـة، فـقـد اتـجـه إلـيـه مـبـشـرو الـجـمـاعـة الـدّومـنـيـكـيـة مـنـذ إنـشـائـهـا.

ويـبـدو أنّ أحـد أصـحـاب الـقـديـس دومـنـيـك، مـؤسـس الـجـمـاعـة، وكـان اسـمـه غـلـيـوم دو مـونـفـيـرا Guillaume de Montferrat قـد وصـل إلى بـغـداد عـام 1235، وتـوصّـل إلى الـدّخـول في بـلاط الـخـلـيـفـة الـمـسـتـنـصـر بـالله.

وفي عـام 1290، وصـل الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي  Fra Ricoldo Pennini da Montecroce  (الّـذي كـان إيـطـالـيـاً مـن مـديـنـة فـلـورنـسـا) إلى الـمـوصـل قـادمـاً مـن شـيـراز.

وقـد جـاء فـرا ريـكـولـدو هـذا إلى الـمـوصـل ضـمـن الـبـعـثـة الّـتي كـان الـبـابـا نـيـقـولا الـرّابـع قـد بـعـثـهـا لـلـتّـبـشـيـر في الـشّــرق. وأقـام في مـديـنـة شـيـراز الّـتي بـشّـر فـيـهـا وتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة.

واتـصـل فـرا ريـكـولـدو  في الـمـوصـل بـالـنّـسـاطـرة، الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم مـنـشـقـيـن عـلى ديـن الـمـسـيـح، ووعـظـهـم ولـكـنّـهـم رفـضـوا اعـتـنـاق الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي.  وذهـب إلى مـعـبـد الـيـهـود ووعـظـهـم وتـنـاقـش مـعـهـم حـول “الـدّيـن الـحـقّ”.

ثـمّ أقـام في ديـر مـار مـتى شـمـال الـمـديـنـة لـيـتـنـاقـش مـع رهـبـانـه مـن الـيـعـاقـبـة الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم هـم الآخـريـن :”عـلى مـذهـب مـنـشـقّ عـلى الـدّيـن يـخـطئ في كـثـيـر مـن الإعـتـقـادات. وهـم لا يـتـبـعـون كـنـيـسـة رومـا”. ولـم يـسـتـطـع إدخـالـهـم في الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي.

ويـمـكـنـكـم قـراءة الـنّـصّ الّـذي كـتـبـه عـن ذلـك في الـمـلـحـق رقـم (1) في نـهـايـة هـذا الـمـقـال.

ثـمّ نـزل فـرا ريـكـولـدو إلى بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة وتـوقّـف في تـكـريـت. وفي بـغـداد اتّـصـل بـالـدّومـنـيـكـان الّـذيـن كـانـوا قـد اسـتـقـروا فـيـهـا. وقـد اسـتـطـاع الـدّخـول في الـمـدرسـتـيـن الـنّـظـامـيـة والـمـسـتـنـصـريـة والـدّراسـة فـيـهـمـا.  وفي بـغـداد شـرع في تـرجـمـة الـقـرآن إلى الـلاتـيـنـيـة.

BNF_MS_ar_384

ويـبـدو أنّـه كـان مـن بـيـن أوائـل الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـوا بـالـصّـابـئـة الـمـنـدائـيـيـن، ومـن أوائـل مـن كـتـب عـنـهـم.  وقـد أقـام في الـعـراق حـوالي عـشـر سـنـوات.

مـعـاهـدة “الإمـتـيـازات” :

وفي عـام 1535 وقّـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني سـلـيـمـان الـقـانـوني مـع مـلـك فـرنـسـا فـرنـسـوا الأوّل مـعـاهـدة تـخـوّل لـفـرنـسـا، ضـمـن “الإمـتـيـازات” الّـتي مـنـحـتـهـا الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـلـدّول الأوربـيـة، إرسـال قـنـاصـل إلى الـولايـات الـعـثـمـانـيـة : حـلـب ودمـشـق والإسـكـنـدريـة وبـغـداد، والـسّـمـاح لـلإرسـالـيـات الـدّيـنـيـة بـدخـول أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـمـارسـة نـشـاطـاتـهـا فـيـهـا، أي فـتـح مـراكـز تـبـشـيـريـة كـاثـولـيـكـيـة فـيـهـا.

وفي عـام 1553، أي بـعـد أكـثـر مـن مـائـتـيـن وخـمـسـيـن سـنـة عـلى زيـارة فـرا ريـكـولـدو لـلـعـراق، ذهـب راهـب مـن ديـر الـرّبـان هـرمـزد (قـرب بـلـدة الـقـوش) إلى رومـا، وكُـرّس فـيـهـا كـأوّل أب لـلـكـنـيـسـة الّـتي أسـمـيـت بـ “الـكـنـيـسـة الـكـلـدانـيـة”.

وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ كـثـيـراً مـن الـمـسـيـحـيـيـن الـعـراقـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـسـمـون بـ “الـنّـسـاطـرة” تـحـوّلـوا إلى الـكـاثـولـيـكـيـة عـام 1445، وأسـمـوا أنـفـسـهـم بـ “الـكـلـدان” إدعـاءً مـنـهـم بـرجـوع أصـولـهـم إلى الـبـابـلـيـيـن الـكـلـدانـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـنـتـسـبـون إلى كـلـدو، إسـم عـدّة قـبـائـل كـانـت لـهـا صـلات قـرابـة بـالآرامـيـيـن، والّـتي كـانـت قـد تـوطّـنـت في مـنـطـقـة الأهـوار، جـنـوب دجـلـة والـفـرات في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد. ثـمّ أنـشـأ الـكـلـدانـيـون الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة، آخـر دول الـعـراق الـقـديـم.

وعـنـدمـا عـاد هـذا الـرّاهـب إلى الـعـراق صـاحـبـه إلـيـهـا مـبـشـران مـن الـدّومـنـيـكـان الـفـرنـسـيـيـن لـمـسـاعـدتـه في مـهـمـتـه.

وفي عـام 1636، أرسـل بـابـا رومـا عـدداً مـن جـمـاعـة الـكـبـوشـيـيـن الـفـرنـسـيـيـن إلى الـمـوصـل، وفـتـحـوا فـيـهـا عـام 1638 مـركـز تـبـشـيـر، في دار تـطـلّ على نـهـر دجـلـة، في حـارة مـار إشـايـا، ولـكـنّـهـم تـركـوا الـمـديـنـة بـعـد أقـل مـن قـرن.

بـدايـة الإرسـالـيـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل :

ذهـب الـقـس خـضـر الـمـوصـلي عـام 1750 مـن الـمـوصـل إلى رومـا حـامـلاً مـعـه عـدداً مـن الـمـخـطـوطـات بـالـسّـريـانـيـة إلى مـكـتـبـة الـفـاتـيـكـان. وقـد دفـع مـجـيـئـه إلى رومـا الـبـابـا بـنـديـكـت الـرّابـع عـشـر إلى أن يـطـلـب مـن الـدّومـنـيـكـان الـفـرنـسـيـيـن أن يـحـلّـوا مـحـلّ الإيـطـالـيـيـن في إرسـالـيـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

وبـهـذا بـدأت رسـمـيّـاً الإرسـالـيـة الـدّومـنـيـكـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن والّـتي كـان مـركـزهـا الـمـوصـل. وكـان هـدفـهـا الأوّل إعـادة مـسـيـحـيي شـمـال الـعـراق “الـمـنـشـقّـيـن عـن الـكـنـيـسـة” إلى “ديـن الـحـق” حـسـب مـعـتـقـدات الـدّومـنـيـكـان أي إلى الـكـنـيـسـة الـكـاثـولـيـكـيـة الّـتي يـرأسـهـا الـبـابـا في رومـا.

وهـكـذا حـصـل دومـنـيـكـو لَـنـزا  Domenico Lanza  في 1756 عـلى فـرمـان مـن الـبـاب الـعـالي الـعـثـمـاني لـيـصـبـح رئـيـس الإرسـالـيـة. ويـذكـر الأب لَـنـزا أنّ عـدد سـكـان الـمـوصـل عـنـدمـا وصـلـهـا كـان حـوالي 300 ألـف سـاكـن. ووصـل بـعـده ذلـك الـعـام عـدد مـن الآبـاء الـفـرنـسـيـيـن.

Les pères Dominicains

وكـانـت الـبـدايـات الـتّـبـشـيـريـة لـلـدّومـنـيـكـان شـديـدة الـصّـعـوبـة، فـقـد تـوفي عـام 1871 واحـد مـن أوائـل الآبـاء الّـذيـن وصـلـوا إلى الـمـوصـل : الأب فـرنـسـوا تـوريـاني  P. François TURIANI، بـعـد أن أصـيـب بـإنـهـاك جـسـدي شـديـد وبـمـرض عـانى مـنـه طـويـلاً، قـبـل أن يـسـتـطـيـع كـسـب شـخـص واحـد إلى الـكـاثـولـيـكـيـة. ودفـن في الـمـقـبـرة الّـتي خـصـصـهـا الـدّومـنـيـكـان لـمـوتـاهـم في مـار يـعـقـوب، قـرب الـمـوصـل :

Dominicains 3

وكـان الآبـاء قـد اخـتـاروا إنـشـاء ديـر لـهـم في مـار يـعـقـوب.

Dominicains 2

وفي 1787، نـشـر الـدّومـنـيـكي مـورزيـو غـارزوني Maurizio Garzoni كـتـابـاً لـقـواعـد الـلـغـة الـكـرديـة ومـفـرداتـهـا، وكـان قـد مـارس الـتّـبـشـيـر بـيـن الأكـراد لـسـنـوات طـويـلـة.

وبـعـد انـدلاع الـثّـورة الـفـرنـسـيـة عـام 1789 م. والإضـطـرابـات الّـتي عـاشـتـهـا أوربـا بـعـد ذلـك تـوقّـفـت أعـمـال الإرسـالـيـة بـيـن 1815  و1840.

وفي 1842، عـيّـن بـول أمـيـل بـوتـا  Paul- Emile BOTTA قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في الـمـوصـل، وبـقي في مـنـصـبـه إلى 1845. (1) وقـد جـرت في تـلـك الـفـتـرة مـحـاولات لـفـتـح مـدارس الإرسـالـيـة الّـتي كـانـت قـد أهـمـلـت، كـمـا أُنـشئ مـركـز تـبـشـيـري في ديـر مـار يـعـقـوب.

وفي عـام 1850، حـدثـت تـغـيـيـرات جـددت جـمـاعـة الـدّومـنـيـكـان وأعـادت لـهـا حـيـويـتـهـا، فـقـرر مـسـؤولـهـا بـعـث إرسـالـيـة جـديـدة إلى الـعـراق. وبُـعـث الـدّومـنـيـكي بـيـسـون  J.-B. Besson في 1856  لـيـدرس وضـعـيـة الـبـلـد والإمـكـانـيـات الـمـتـاحـة في تـلـك الـفـتـرة. وكـان بـيـسـون قـد درس الـفـنّ فـجـلـب مـعـه عـنـد عـودتـه إلى فـرنـسـا عـام 1858 عـدداً مـن الـرّسـوم والـتّـخـطـيـطـات عـن  مـنـطـقـة الـمـوصـل ومـشـاهـد حـيـاة الـقـرى فـيـهـا. وفي أيـلـول مـن نـفـس الـسّـنـة عـهـد إلـيـه بـرئـاسـة إرسـالـيـة الـمـوصـل الـتّـبـشـيـريـة، فـرجـع إلى الـعـراق ومـات في ديـر مـار يـعـقـوب بـعـد أن أصـيـب بـالـتـيـفـوئـيـد عـام 1861.

واشـتـرى آبـاء الـبـعـثـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل عـام 1860 مـطـبـعـة مـتـعـددة الـلـغـات مـن بـاريـس. وبـدأوا في عـام 1862يـطـبـعـون فـيـهـا بـالـعـربـيـة وبـالـسّـريـانـيـة الـكـلـدانـيـة الـكـتـب الّـتي كـانـوا يـحـتـاجـونـهـا في مـدارسـهـم (الّـتي كـانـت ثـلاث مـدارس لـلأولاد واثـنـتـيـن لـلـبـنـات)، بـالـلـغـتـيـن الـعـربـيـة والـسّـريـانـيـة ــ الـكـلـدانـيـة : كـتـب قـراءة وقـواعـد وتـاريـخ وجـغـرافـيـا وحـسـاب، وتـعـلـيـم ديـني …

وقـد اسـتـمـرت الـمـطـبـعـة تـشـتـغـل حـتّى عـام 1915، عـنـدمـا حـطّـمـهـا الأتـراك، وأوقـفـوا أعـمـال نـشـرهـا.

ولـديـنـا صـورة لـعـمـال ورشـة الـتّـجـلـيـد الـمـلـحـقـة بـالـمـطـبـعـة الـتـقـطـت في حـوالي عـام 1860:

Mosul 1890

وفي ذلـك الـعـام، 1862، شُـرع في تـشـيـيـد ديـر جـديـد في الـمـوصـل في داخـلـه كـنـيـسـة واسـعـة مـولـت تـشـيـيـد بـرج نـاقـوسـهـا أوجـيـني، زوجـة إمـبـراطـور فـرنـسـا نـابـلـيـون الـثّـالـث، الّـتي كـانـت تـعـرف الآبـاء الـدّومـنـيـكـان مـنـذ طـفـولـتـهـا عـنـدمـا كـانـت تـقـضي عـطـلـهـا في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا.

Dominicains

وقـد انـتـهى تـشـيـيـد الـدّيـر والـكـنـيـسـة في 1866. وفي 1876، نـصـبـت عـلى بـرج الـدّيـر سـاعـة كـانـت فـرنـسـا قـد أهـدتـهـا لـلإرسـالـيـة :

E. Dominicains Mossul 1880 (640x454)

كـمـا فـتـحـت مـدارس جـديـدة في الـمـوصـل وفي بـعـض قـراهـا.

وقـد وصـلـت في 1873 أولى أخـوات جـمـاعـة زيـارة الـعـذراء مـن مـديـنـة تـور في فـرنـسـا إلى الـمـوصـل لـيـلـتـحـقـن بـالـبـعـثـة الـدّومـنـيـكـيـة فـيـهـا. وهـكـذا حـاول مـبـشـرو الـدّومـنـيـكـان الـتّـغـلـغـل في الـحـيـاة الإجـتـمـاعـيـة لـلـمـوصـل عـن طـريـق فـتـح مـسـتـوصـفـات لـمـعـالـجـة الـمـرضى وفـتـح مـدارس لـتـعـلـيـم الـصّـغـار.

وقـد جـدّ جـديـد في مـهـمـات الـدّومـنـيـكـان في عـام 1878عـنـدمـا طـلـب مـنـهـم الـبـابـا لـيـون الـثّـالـث عـشـر أن يـفـتـحـوا حـلـقـة ديـنـيـة لـيـدرس فـيـهـا كـلـدانـيـون وسـريـان مـن أبـنـاء الـمـنـطـقـة ويـعـمـلـوا بـعـد تـخـرجـهـم مـنـهـا في كـنـائـس هـاتـيـن الـجـالـيـتـيـن :

Séminaire Dominicain

 

كـتـاب الأب دوفـال عـن الإرسـالـيـة الـتّـبـشـيـريـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل :

وفي 1889، نـشــر الأب دوفـال  Duval  كـتـابـاً في بـاريـس عـن الإرسـالـيـة الـتّـبـشـيـريـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل : « La mission des Dominicains à Mossoul »:

 

الإرسالية الدومنيكية 2 (436x640)

 

يـذكـر فـيـه أنّـهـا كـانـت تـتـألـف مـن 18 أبـاً و 12 أخـتـاً مـن جـمـاعـة تـقـديـم الـعـذراء.

ويـذكـر الأب دوفـال في كـتـابـه أنّ الـمـوصـل : “عـلى ارتـفـاع حـوالي مـائـة وسـتّـة أمـتـار فـوق سـطـح الـبـحـر، يـسـكـنـهـا 57 ألـف سـاكـن مـنـهـم 48 ألف ومـائـتي مـسـلـم، وثـلاثـة آلاف يـهـودي، وسـتّـة آلاف و 500 مـسـيـحي : 2000 كـلـداني كـاثـولـيـكي، و 2000 سـريـاني كـاثـولـيـكي، و 250 كـلـداني “مـا زالـوا في الـضـلال، أي لـم يـعـتـنـقـوا الـكـاثـولـيـكـيـة”، ومـائـتي بـروتـسـتـانـتي، وخـمـسـيـن مـن مـذاهـب أخـرى”.

ونـفـهـم مـن هـذا الـمـقـطـع أنّ الآبـاء الـدّومـنـيـكـان كـانـوا قـد نـجـحـوا في إدخـال أعـداد كـبـيـرة مـن أهـل الـمـوصـل ومـا حـولـهـا في الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي مـنـذ وصـولـهـم عـام 1750.

ويـكـمـل الأب دوفـال : “والـطّـقـس في الـمـوصـل صـحي، وإن كـان حـارّاً، وتـرتـفـع درجـات الـحـرارة في الـصّـيـف إلى 45ْ أو  50ْ في الـظّـل”.

“وأهـل الـمـوصـل عـرب، يـتـكـلّـمـون الـعـربـيـة، مـع أنّ الـلـغـة الـرّسـمـيـة الّـتي يـتـكـلّـمـهـا مـوظـفـو الـولايـة هي الـلـغـة الـتّـركـيـة [وطـبـعـاً فـالـكـاتـب يـقـصـد بـهـا الـلـغـة الـعـثـمـانـيـة]. أمّـا في قـرى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة فـالـمـسـلـمـون والـيـزيـديـة يـتـكـلّـمـون الـكـرديـة، وهي مـن الـلـهـجـات الـفـارسـيـة، ويـتـكـلّـم الـمـسـيـحـيـون لـهـجـة سـريـانـيـة ــ كـلـدانـيـة”.

وكـانـت بـعـثـة الآبـاء الـدّومـنـيـكـان تـنـظّـم دروسـاً تـبـشـيـريـة وتـديـر مـدرسـة بـنـات ذكـر الأب دوفـال أنّـه كـان فـيـهـا 160 تـلـمـيـذة بـيـنـهـنّ 26  مـسـلـمـة. وتـضـمّ أربـعـة أقـسـام : ثـلاثـة لـلـكـاثـولـيـكـيـات وقـسـم لـلـمـسـلـمـات. وتـعـلّـم في كـلّ قـسـم أخـت مـبـشـرة مـعـهـا مـسـاعـدة مـعـلـمـة مـن أهـل الـبـلـد. وتـدرّس فـيـهـا الـلـغـة الـفـرنـسـيـة [إلى جـانـب الـمـواد الأخـرى]”.

وكـان فـيـهـا دار يـتـامى ذكـر الأب دوفـال أنّـهـا : “تـفـتـح أبـوابـهـا لـبـنـات الـفـقـراء وتـعـلـمـهــنّ طـرق الـحـيـاة الـمـسـيـحـيـة لـتـجـعـل مـنـهـنّ مـعـلّـمـات يـشـتـغـلـن إمّـا في مـدارس الـقـرى الّـتي جـئـن مـنـهـا أو مـسـاعـدات مـعـلّـمـات في مـدارس الأخـوات الـدّيـنـيـة”.

كـمـا كـان فـيـهـا قـاعـة لاسـتـقـبـال الـبـنـات يـتـعـلّـمـن فـيـهـا الأعـمـال الـيـدويـة والـقـراءة وأصـول الـدّيـن و”الـتّـاريـخ الـمـقـدّس”.

وقـاعـة لاسـتـقـبـال الأطـفـال، “مـلـجـأ” كـمـا يـسـمـيـهـا الأب دوفـال : “يـرتـادهـا مـائـة وخـمـس بـنـات و 66 ولـداً تـشـرف عـلـيـهـم أخـت مـبـشّـرة ومـسـاعـدتـا تـعـلـيـم، ويـمـارسـون فـيـهـا تـمـاريـن ريـاضـيـة ويـتـعـلـمـون الـقـراءة والـحـسـاب”. وهي “روضـة أطـفـال” يـقـضـون فـيـهـا ثـلاث أو أربـع سـنـوات قـبـل أن يـدخـلـوا في مـدرسـة الأخـوات الـمـبـشّـرات.

وكـان الآبـاء الـدّومـنـيـكـان يـديـرون مـسـتـوصـفـاً طـبـيّـاً سـألـخـص لـكـم قـصّـة تـأسـيـسـه :

أرسـلـت الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة الـبـارون لـوجـون  Le baron LEJEUNE إلى بـلاد الـفـرس في أوائـل خـمـسـيـنـيـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وقـد أصـيـب في سـفـرتـه بـمـرض أنـهـكـه ومـات مـنـه بـعـد عـودتـه إلى بـاريـس. وقـررت والـدة الـبـارون أن تـشـيّـد في ذكـرى ابـنـهـا الـفـقـيـد مـسـتـوصـفـاً طـبـيـاً لـلـمـسـافـريـن إلى الـشّـرق. وقـد اخـتـارت قـبـل وفـاتـهـا سـنـة 1874 أن يـشـيّـد في الـمـوصـل، وأسـمى بـمـسـتـوصـف لـوجـون.

وفي 1902 أصـدر الآبـاء الـدّومـنـيـكـان مـجـلـة ديـنـيـة : “إكـلـيـل الـورود”. وقـد اهـتـمّـت بـأخـبـار الإخـتـراعـات الـحـديـثـة وتـعـريـف الـقـرّاء بـهـا.

ونـشـرت مـطـبـعـة الـدّومـنـيـكـان في الـمـوصـل عـام 1903 كـتـاب “جـمـع مـخـتـارات مـن الآداب الـفـرنـسـيـة”، وكـتـاب الأب شـفـالـيـه الـدّومـيـنـيـكي “الـمـطـالـعـات لـلـنّـصـوص الـفـرنـسـيـة “.

وبـعـد تـفـكـك الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة عـقـب انـتـهـاء الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى ودخـول الـعـراق تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني إزدهـرت الارسـالـيـات مـن جـديـد. واسـتـمـرّت نـشـاطـات الـدّومـنـيـكـان في الـعـراق إلى أن أغـلـقـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة حـلـقـتـهـم الـدّيـنـيـة في 1976 وغـادروا الـبـلـد.

أرشـيـفـات الـصّـور في ديـر الـدّومـنـيـكـان في الـمـوصـل :

تـحـتـوي هـذه الأرشـيـفـات عـلى 76 ألـبـومـاً بـقي مـنـهـا في أيّـامـنـا هـذه حـوالي 8800 صـورة الـتـقـطـت أقـدم صـورة مـنـهـا، وهي صـورة لـلأب بـيـسـون، في أربـعـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

وقـد جـمـع الآبـاء الـدّومـنـيـكـان أوّل ألـبـومـاتـهـم عـام 1900، والّـذي يـحـتـوي في بـدايـتـه عـلى صـور ديـرهـم وكـنـيـسـتـهـم :

Dominicains Mosul 3

وصـور الـمـوصـل مـثـل “جـسـر الـمـوصـل” :

جسر الموصل ÷÷أو “جـسـر الـقـوارب والـمـديـنـة” :

موصلأو “جـسـر الـقـوارب ونـيـنـوى” :

الموصل

وأسـوارهـا (مـثـل الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال)، ومـعـالـمـهـا الّـتي الـتـقـطـت في سـبـعـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وثـمـانـيـنـاتـه.

ثـمّ تـحـوّلـت الـصّـور شـيـئـاً فـشـيـئـاً إلى مـشـاهـد الـتـقـطـهـا الآبـاء الـفـرنـسـيـون لـمـا كـان غـريـبـاً عـلـيـهـم مـن أنـواع الـنّـاس ومـلابـسـهـم وعـاداتـهـم الإجـتـمـاعـيـة، عـلى طـريـقـة مـا كـان يـفـعـلـه الـرّسـامـون الـمـسـتـشـرقـون، مـثـل صـور الـفـقـراء بـمـلابـسـهـم الـرّثـة أو الـشّـحـاذيـن الّـذيـن يـقـرعـون عـلى أبـوابـهـم مـتـسـولـيـن أو “الـنـهـابـيـن الـسّـلابـيـن” عـلى ضـفـة الـنّـهـر.

ولـديـنـا صـور عـن بـاعـة عـلى قـارعـة الـطّـريـق :

Mission Dominicaine

وعـن غـسّـالات الـثّـيـاب عـلى ضـفـة دجـلـة :

الموصل 2

وعـن بـئـر في الـبـرّيـة :

Dominicains 5

وعـن أكـلاك دجـلـة :

Dominicains 18

وعـن طـحـن الـقـمـح في مـار يـعـقـوب :

Dominicains 12

وعـن شـيـخـيـن مـن الـيـزيـديـة :

Dominicains 20

ومـع أنـنـا لا نـعـرف أسـمـاء أغـلـب الّـذيـن الـتـقـطـوا هـذه الـصّـور فـإنّ بـعـضـهـا يـحـمـل أسـمـاء مـصـوريـهـا وبـهـذا يـمـكـن تـرتـيـبـهـا زمـنـيـاً وإلى مـا بـعـد مـنـتـصـف الـقـرن الـعـشـريـن.

ويـبـدو أنّ نـعّـوم الـصّـائـغ، تـعـلّـم فـنّ الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي عـنـد الآبـاء الـدّومـنـيـكـان قـبـل أن يـصـبـح أحـد رواد هـذا الـفـنّ في الـعـراق.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1)   أذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ بـول إمـيـل بـوتـا بـدأ يـنـقّـب في قـويـنـجـق، عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـمـوصـل عـام 1942 بـحـثـاً عـن آثـار نـيـنـوى الـقـديـمـة، ثـمّ تـرك قـويـنـجـق عـام  1843 ونـقـل تـنـقـيـبـاتـه إلى قـريـة خـورسـبـاد الّـتي اكـتـشـف فـيـهـا آثـار “دور شـروكـيـن” : قـصـرالـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني الّـذي يـعـود تـاريـخـه إلى الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد. وهـكـذا “اكـتـشــف” بـوتـا الـحـضـارة الآشـوريـة الّـتي كـانـت قـد ضاعـت في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ ســقـوط  “الـدّولـة الآشـوريـة الـحـديـثـة” قـبـل خـمـسـة وعـشـريـن قـرنـاً.

 

مـلـحـق (1)

وصـف فـرا ريـكـولـدو لـلـمـوصـل وعـلاقـاتـه بـالـنّـسـاطـرة والـيـعـاقـبـة :

كـتـب فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي  Fra Ricoldo Pennini da Montecroce  الّـذي كـان قـد وصـل إلى الـمـوصـل عـام 1290 سـرد رحـلاتـه بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة، بـعـنـوان :  Itinerarium أو Liber peregrinationis . وهـو نـصّ قـصـيـر لا يـتـجـاوز 79 صـفـحـة.

وفي مـا يـلي وصـفـه لـلـمـوصـل. ويـتـكـلّـم فـيـه عـن عـلاقـاتـه بـالـنّـسـاطـرة والـيـعـاقـبـة. وقـد تـرجـمـت لـكـم الـمـقـطـع (ص. 38 ومـا بـعـدهـا) مـن الـنّـصّ الأصـلي :

“مـن بـلاد الأكـراد Curtes سـرنـا مـسـافـة طـويـلـة،  ووصـلـنـا إلى نـيـنـوى  الـمـديـنـة الـكـبـيـرة الّـتي أرسـل إلـيـهـا يـونـس الـنّـبي والـمـبـشّـر، كـمـا ذكـر ذلـك الـكـتـاب الـمـقـدّس. وهي مـديـنـة عـظـيـمـة واسـعـة الإمـتـداد، تـقـع عـلى دجـلـة، أحـد أنـهـار الـجـنّـة [تـعـتـبـر الـتّـوراة دجـلـة والـفـرات مـن أنـهـار الـجـنّـة الأربـعـة]. وهـنـاك رأيـنـا الـتّـل الّـذي عـاش وبـشّـر عـلـيـه يـونـس، والـنّـبـع الّـذي كـان يـشـرب مـنـه ومـا زال يـدعى بـنـبـع يـونـس حـتّى الآن. وكـانـت مـديـنـة نـيـنـوى هـذه قـد خـرّبـت بـكـامـلـهـا، ومـع ذلـك مـا زلـنـا نـرى بـعـض أسـوارهـا الّـتي بـقـيـت. وقـد أعـيـد تـشـيـيـدهـا بـعـد ذلـك عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـنّـهـر، وتـسـمى في أيّـامـنـا هـذه : الـمـوصـل  Monsal. ومـلـوك الـمـديـنـة مـسـيـحـيـون، مـن الـنّـسـاطـرة الـمـنـشـقّـيـن عـلى ديـن الـمـسـيـح. وقـد انـصـتـوا بـاهـتـمـام شـديـد إلى وعـظـنـا وتـفـصـيـلـنـا في الـكـلام عـن عـقـيـدتـنـا، ولـكـنّـهـم رفـضـوا اعـتـنـاق مـذهـبـنـا الـكـاثـولـيـكي، وظـلّـوا في جـهـلـهـم يـرتـعـون.

وفي هـذه الـمـديـنـة كـثـيـر مـن الـيـهـود، وقـد نـاقـشـنـاهـم في مـعـبـدهـم، وفـنّـدنـا آراءهـم وأفـحـمـنـاهـم  في مـنـاقـشـات أمـام الـنّـاس الّـذيـن جـاءوا يـسـتـمـعـون إلـيـنـا.

وقـرب مـديـنـة نـيـنـوى الّـتي تـسـمى الآن الـمـوصـل عـلى نـهـر دجـلـة ديـر مـشـهـور عـالي الـمـقـام يـدعى بـديـر الـقـديـس مـتـاي (مـار مـتى) وفـيـه مـركـز كـنـيـسـة بـطـريـك الـيـعـاقـبـة. والـيـعـاقـبـة في الـشّـرق عـلى مـذهـب مـنـشـقّ عـلى الـدّيـن يـخـطئ في كـثـيـر مـن الإعـتـقـادات. وهـم لا يـتـبـعـون كـنـيـسـة رومـا. ويـدّعـون أنّ في هـذا الـدّيـر 300 راهـب. ووجـدنـاهـم شـديـدي الـزّهـد يـقـيـمـون كـثـيـراً مـن الـصّـلـوات الـطّـويـلـة. وقـدّاسـهـم بـطئ يـدوم وقـتـاً طـويـلاً، يـظّـلـون فـيـه واقـفـيـن، لا يـريـد أحـد مـنـهـم خـلالـه أن يـجـلـس.

وهـم كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا خـارجـون عـلى الـدّيـن مـنـشـقـون، يـؤمـنـون بـأنّ الـمـسـيـح لـيـس لـه إلّا جـوهـر واحـد وطـبـيـعـة ومـشـيـئـة كـلّـهـا إلـهـيـة. وهـذا ضـلال لا يـوافـق عـقـيـدتـنـا الـكـاثـولـيـكـيـة، لأنّ لـلـمـسـيـح إلى جـانـب جـوهـره وطـبـيـعـتـه الإلـهـيـة طـبـيـعـة ومـشـيـئـة بـشـريـة. وتـنـصّ عـقـيـدتـنـا عـلى أن الـمـسـيـح إلـه حـق وفي نـفـس الـوقـت إنـسـان حـقـيـقي … [ثـمّ يـسـتـمـرّ في ذكـر الـفـروق بـيـن مـعـتـقـداتـهـم وأعـمـال عـدّة صـفـحـات]. (ص. 38 ومـا بـعـدهـا).

مـلـحـق (2)

إلـتـقـط “الأخ” رفـائـيـل الـنّـيـنـوي  Frère Raphaël (de Ninive) عـام 1904 صـوراً نـشـرتـهـا “الإرسـالـيـة الـكـبـوشـيـة في أرمـيـنـيـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” في ألـبـوم وضـعـت في آخـره صـورتـيـن لـبـعـض وسـائـل نـقـل ذلـك الـزّمـان. وقـد طـبـعـت الـصّـورتـان أيـضـاً كـبـطـاقـتـيـن بـريـديـتـيـن.

واحـدة لـلـتّـخـتـروان  Takhtarouan، وذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة أنّـه : وسـيـلـة نـقـل شـائـعـة لـلـسّـفـر في أنـحـاء بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

والـثّـانـيـة لـلـمـحـفّـة  Mahhaffa، وذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة أنّـهـا : نـوع مـن الـسّـلال تـثـبّـت عـلى ظـهـر بـغـل تـسـتـعـمـل لـلـسّـفـر في أنـحـاء بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

كـمـا وجـدت لـكـم بـطـاقـة بـريـديـة طـبـعـهـا الـكـبـوشـيـون ذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـبـهـا أنـهـا تـصـور : رعـاة غـنـم أكـراد في “صـحـراء: بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

Capucins 2

 

عـنـدمـا كـانـت الـرّطـبـة حـصـنـاً في وسـط الـصّـحـراء

rutba-6

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

في وسـط الـصّـحـراء الـعـراقـيـة ــ الـسّـوريـة، حـفـرت آبـار كـان يـسـتـقي مـنـهـا الـبـدو الـرّحـل، تـحـيـطـهـا تـلال في وسـطـهـا وادٍ جـاف. ودعـيـت الآبـار بـالـرّطـبـة، ثـمّ تـحـوّل الإسـم إلى “الـرُّطـبـة”. وصـارت طـرق الـقـوافـل تـمـرّ بـهـا وتـتـقـاطـع عـنـدهـا.

حـصـن الـرُّطـبـة :

وخـلال فـتـرة الإنـتـداب الـبـريـطـاني عـلى الـعـراق أدرك الـبـريـطـانـيـون أهـمـيـة مـوقـع آبـار الـرّطـبـة : Rutbah Wells  كـمـا كـانـوا يـسـمـونـهـا آنـذاك، وأنـشـأوا فـيـه قـاعـدة جـوّيـة ومـطـاراً عـسـكـريـاً فـيـه مـحـطـة إذاعـة لـلـمـراسـلات الـعـسـكـريـة. كـمـا كـانـت طـائـرات الـخـطـوط الـجـوّيـة لـلإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة The Imperial Airways  تـتـوقّـف فـيـه في طـريـقـهـا إلى الـهـنـد.

وفي عـام 1927 شـيّـدوا فـيـه حـصـنـاً : Rutbah Fort، بـنـايـة مـربـعـة واسـعـة لـيـس لـجـدرانـهـا نـوافـذ تـنـفـتـح عـلى الـخـارج. في زوايـهـا الأربـع أربـعـة أبـراج. وألـصـق بـأحـد أضـلاعـهـا بـنـاء مـثـلـث زاويـتـه الـمـدبـبـة مـوجـهـة نـحـو الـخـارج لـيـقـاوم ريـاح الـفـيـفـاء ورمـالـهـا.

سـيّـارات نـيـرن والـرّطـبـة :

ذكـرنـا في مـقـال سـابـق (1) كـيـف اسـتـطـاع الأخـوان نـورمـان وجـيـرالـد نـيـرن Norman and Gerald Nairn (وأصـلـهـمـا مـن نـيـوزيـلـنـدة) تـوقـيـع عـقـد مـع الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق وفـلـسـطـيـن، ومـع الـسّـلـطـات الـفـرنـسـيـة في سـوريـا لـنـقـل الـبـريـد بـيـن حـيـفـا وبـغـداد. وتـعـهـدّا بـإيـصـالـه بـمـدّة لا تـتـجـاوز الـيـومـيـن والـنّـصـف. وبـدأت أولى سـفـرات الـشّـركـة الّـتي أسـسـاهـا لـذلـك في نـهـايـة عـام 1923.

وبـعـد أن حـالـفـهـمـا الـنّـجـاح في مـهـمـتـهـمـا، وسّـعـا أعـمـال شـركـتـهـمـا لـتـشـمـل نـقـل الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع، واشـتـريـا بـاصـات كـاديـلاك تـتـسـع لـنـقـل سـبـعـة مـن الـرّكّـاب إلى جـانـب خـزّان مـاء واحـتـيـاطي وقـود، صـمـمـت خـصـيـصـاً لـقـطـع مـسـافـات طـويـلـة عـبـر الـبـراري الـقـاحـلـة.

وكـانـت الـبـاصـات تـسـيـر مـجـتـمـعـة، ثـلاثـة مـعـاً في الـغـالـب يـصـاحـبـهـا دلـيـل مـن الـبـدو يـتـبـع آثـار الـطّـريـق. وكـانـت الـطّـريـق إلى بـغـداد تـعـبـر الـفـرات في الـفـلـوجـة.

ثـمّ بـدأت الـشّـركـة بـاسـتـخـدام بـاصـات كـبـيـرة تـوفّـر بـعـض وسـائـل الـرّاحـة لـلـمـسـافـريـن، وزودت بـعـجـلات مـن نـوع جـديـد تـتـحـمـل قـسـاوة الـجـو وسـوء حـالـة الـطّـريـق.

وعـنـدمـا تـدهـورت الـحـالـة الأمـنـيـة عـلى هـذه الـطّـريـق، حـوّلـت الـشّـركـة مـسـيـر سـيّـاراتـهـا إلى الـطّـريـق الـجـنـوبـيـة مـن حـيـفـا إلى الـقـدس فـعـمـان ثـمّ الـرّطـبـة وبـغـداد.

وقـد سـمـحـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـسـيّـارات الأخـوَيـن نـيـرن بـالـتّـوقّـف بـالـرّطـبـة لـلـتّـزود بـالـوقـود، واسـتـعـمـال الـحـصـن لـلإسـتـراحـة بـيـن مـراحـل الـسّـفـرات.

وفـتـح الأخـوان نـيـرن في الـحـصـن نـزل اسـتـراحـة عـرف بـاسـم                   The Rutba Rest House، يـسـتـطـيـع الـمـسـافـرون فـيـه تـنـاول وجـبـات طـعـام عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة وقـضـاء الـلـيـل في أسـرّة مـريـحـة.

وكـانـت سـيّـارات نـيـرن تـقـطـع الـمـسـافـة بـيـن دمـشـق وبـغـداد (843 كـلـم.) بـأربـع وعـشـريـن سـاعـة. ولـم تـكـن تـتـوقّـف إلّا مـرّتـيـن : في الـرّطـبـة في حـوالي مـنـتـصـف الـطّـريـق، ثـمّ في الـرّمـادي. ولـم يـكـن عـلى الـحـدود مـخـفـر تـفـتـيـش ولا جـمـارك، وإنّـمـا كـانـت الـجـمـارك في الـرّمـادي.

وبـعـد اكـتـشـاف الـبـريـطـانـيـيـن لـلـنّـفـط الـعـراقي واسـتـخـراجـه في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن، مـرّت بـالـرّطـبـة أنـابـيـب نـفـط الـمـوصـل ــ حـيـفـا.

فـريـا م. سـتـارك في الـرّطـبـة :

إخـتـرقـت الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة فـريـا مـادلـيـن سـتـارك Freya Madeline STARK بـاديـة الـشّـام مـن دمـشـق إلى بـغـداد عـام 1929، وذكـرت في رسـالـة كـتـبـتـهـا إلى أخـتـهـا فـيـفـا Viva  في 26 تـشـريـن الأوّل 1929 :

“وصـلـنـا الـرّطـبـة عـلى ضـوء الـنّـجـوم، ورأيـنـا نـوراً يـشـع مـن بـعـيـد مـن فـوق الـجـدران الّـتي لـيـس لـهـا نـوافـذ ـ أربـعـة أبـراج وبـوابـة وشـرطي مـن أبـنـاء الـعـشـائـر بـوجـهـه الـعـربي الـوحـشي وبـنـجـمـة عـلى جـبـيـنـه، يـرتـدي مـعـطـفـاً أحـمـر طـويـلاً وبـيـده بـنـدقـيـة، يـنـتـصـب أمـام الـبـوابـة الـمـوصـدة.

11745858_495278620640042_2795898238070758125_n

وكـان هـذا الـمـكـان يـبـدو شـبـيـهـاً بـذلـك الّـذي أخـرجـه الـجـنّي مـن الـعـدم عـنـدمـا فـرك الـمـصـبـاح [الـسّـحـري].

وجـاء الـعـشـاء بـعـد ذلـك : سـمـك سـالـمـون ومـايـونـيـز وكـسـتـر وجـلي. ووجـدنـا عـلى الـجـدران أخـبـاراً وإعـلانـات عـن نـادي الـغـولـف في الـمـنـطـقـة، وسـمـعـنـا الـضّـبـاط الإنـكـلـيـز يـثـرثـرون عـن مـشـتـريـاتـهـم أو عـن صـيـدهـم ومـا إلى ذلـك، ويـبـدون لـطـفـاء مـقـارنـة بـالـضّـبـاط الـفـرنـسـيـيـن في سـوريـا.

وفي الـسّـاعـة الـواحـدة، فـتـحـت لـنـا الـبـوابـة، وسـرعـان مـا اخـتـفـت أضـواء الـرّطـبـة وراءنـا. ووصـلـنـا الـرّمـادي في الـثّـامـنـة [صـبـاحـاً] ومـررنـا بـالـجـمـارك. وبـعـد مـسـيـرة ثـلاث سـاعـات أخـرى أبـصـرنـا دجـلـة في الـثّـانـيـة [بـعـد الـظّـهـر]، ثـمّ اهـتـزّ تـحـتـنـا جـسـر الـقـوارب الـعـائـم في بـغـداد”. (2)

ولـديـنـا عـدد مـن الـصّـور تـنـتـمي إلى مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون E. Matson، الـتـقـطـت عـام 1932. وهي مـحـفـوظـة الآن في مـكـتـبـة الـكـونـغـرس الأمـريـكي. (3)

matson-rt-1

rutba-2

rutba

matson-rt-2

rutba-4

 

matson-rt-4

matson-rt-3

 

هـنـري مـورتـون في الـرّطـبـة :

وبـعـد 22 عـامـاً عـلى مـرور فـريـا سـتـارك بـالـرّطـبـة مـرّ بـهـا الـكـاتـب الـبـريـطـانـي هـنـري ف. مـورتـون Henry V. Morton. ووصـف الـلـيـلـة الّـتي قـضـاهـا فـيـهـا في كـتـابـه : “الـشّـرق الأوسـط  Middle East”  الّـذي نـشـر في لـنـدن عـام 1941 :

“رأيـت الـعـلـم الـعـراقي [عـنـدمـا وصـلـنـا] يـرفـرف فـوق الـبـوابـة، وصـاريـة الـلاسـلـكي تـرتـفـع نـحـو الـسّـمـاء مـن أحـد أبـراج الـحـصـن […] بـيـنـمـا كـان خـفـيـر مـسـلّـح بـزي رسـمي أزرق يـسـيـر أمـامـه جـيـئـة وذهـابـاً”.

“وكـان الـحـوش في الـدّاخـل مـدهـشـاً بـضـجـيـجـه وصـخـبـه مـقـارنـة بـالـصّـحـراء الـسـاكـنـة حـولـه”. “وانـفـتـح بـاب خـرج مـنـه رجـل قـصـيـر الـقـامـة يـرتـدي سـتـرة بـيـضـاء وسـألـني بـالإنـكـلـيـزيـة  : “هـل تـودّ أن تـغـتـسـل وتـمـشـط شـعـرك يـا سـيـدي ؟ لـديـنـا مـاء سـاخـن”. وتـبـعـتـه إلى غـرفـة نـصـبـت فـيـهـا حـوالي عـشـريـن مـغـسـلـة أعـدّت لـلـمـسـافـريـن. وكـان بـجـانـب كـلّ واحـدة مـنـهـا إنـاء مـعـدني مـطـلّي بـالـمـيـنـا مـلئ بـالـمـاء الـسّـاخـن وفـوقـه مـنـشـفـة نـظـيـفـة لـفّـت بـعـنـايـة. وكـان هـنـاك صـابـون إنـكـلـيـزي وأعـداد مـن الأمـشـاط وفـرشـات الـشّـعـر الـنـظـيـفـة”.

“ورأيـت لافـتـة كـتـب عـلـيـهـا “غـرفـة اسـتـراحـة”. فـتـحـت الـبـاب ورأيـت مـشـهـداً مـدهـشـاً حـقّـاً، كـان في الـغـرفـة أعـداد مـن طّـاولات الـخـيـزران الـصّـغـيـرة، وجـلـس رجـال ونـسـاء في مـقـاعـد مـن الـخـيـزران حـول مـدفـأة. وكـان أغـلـبـهـم مـن الإنـكـلـيـز، يـدخـن بـعـضـهـم سـجـائـر ويـرتـشـف آخـرون أكـواب شـاي. وغـامـرت بـالـجـلـوس بـجـانـب انـكـلـيـزيـة كـانـت تـرتـدي الـتّـويـد وتـقـرأ مـجـلّـة إنـكـلـيـزيـة”.

“كـان هـذا نـزل الإسـتـراحـة الّـذي فـتـحـتـه شـركـة نـيـرن لـزبـائـنـهـا في طـريـقـهـم مـن الـشّـرق إلى الـغـرب أو مـن الـغـرب إلى الـشّـرق، وكـانـت هـذه الـغـرفـة تـفـضي إلى غـرفـة طـعـام صـغـيـرة : كـانـت الـشّـراشـف الّـتي تـغـطـيـهـا واسـعـة تـنـزل حـتّى مـسـتـوى الأرضـيـة تـقـريـبـاً. ووضـعـت الـسّـكـاكـيـن والـشّـوكـات بـعـنـايـة شـديـدة …”.  (4)

rutba-1941

(صـورة لـحـصـن الـرّطـبـة الـتـقـطـت عـام 1941)

وفي الـثّـاني مـن أيّـار مـن ذلـك الـعـام، 1941، دخـلـت الـقـوات الـعـراقـيـة الـمـوالـيـة لـرشـيـد عـالي الـكـيـلاني الـحـصـن وسـيـطـرت عـلـيـه فـقـصـفـتـه طـائـرات الـقـوات الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة .R.A.F وفي الـعـاشـر مـن أيّـار أعـادت الـقـوات الـمـوالـيـة لـلـبـريـطـانـيـيـن احـتـلالـه.

وقـد اسـتـمـرت سـيّـارات نـيـرن تـتـوقـف في حـصـن الـرّطـبـة لـيـتـنـاول الـمـسـافـرون وجـبـة عـشـاء أوربـيـة في الـ Rutba Rest House ، ولـيـقـضـوا فـيـه لـيـلـة مـريـحـة حـتّى عـام 1956 عـنـدمـا أوقـفـت الـشّـركـة أسـفـارهـا بـيـن دمـشـق وبـغـداد.

وبـقي الـحـصـن مـنـتـصـبـاً إلى أن خـرّب في 1990/ 1991. وقـد احـتـلّـتـه الـقـوات الأمـريـكـيـة بـعـد غـزو عـام 2003، قـبـل أن يُـسـلّـم إلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 2010.

ــــــــــــــــــــــ

(1)  أنـظـر مـقـالي : “عـنـدمـا كـانـت سـيّـارات نـيـرن تـنـقـل الـمـسـافـريـن عـبـر الـبـاديـة ”  عـنـدمـا كـانـت سـيّـارات نـيـرن تـنـقـل الـمـسـافـريـن عـبـر الـبـاديـة

(2)  أنـظـر مـقـالي : “فـريـا مـادلـيـن سـتـارك والـعـراق”  فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق

(3) أنـطـر مـقـالي : “صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون”   صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون

(4)  Henry Vollam MORTON, Middle East : a record of travel in the countries of Egypte, Palestine, Iraq, Turkey and Greece , London 1941.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

رابـنـدرانـاث طـاغـور في بـغـداد

2%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كـان شـاعـر الـهـنـد الـكـبـيـر رابـنـدرانـاث طـاغـور  রবীন্দ্রনাথ ঠাকুর   أوّل أديـب شـرقي حـصـل عـلى جـائـزة نـوبـل لـلآداب في 1913 تـقـديـراً لأعـمـالـه الـقـصـصـيـة والـشّـعـريـة  الّـتي كـتـبـهـا بـالـلـغـتـيـن الـبـنـغـالـيـة والإنـكـلـيـزيـة، واحـتـلـت مـكـانـتـهـا الّـتي تـسـتـحـقـهـا في الأدب الـعـالـمي.

وفي عـام 1932، دعـاه الـشّـاه الـفـارسي مـحـمـد رضـا لـزيـارة إيـران. وأراد مـلـك الـعـراق فـيـصـل الأوّل أن يـكـرم طـاغـور هـو الآخـر، فـبـعـث لـه بـدعـوة لـزيـارة الـعـراق.

وقـد تـوجـه عـدد مـن كـبـار الـمـوظـفـيـن والأدبـاء والـمـثـقّـفـيـن الـعـراقـيـيـن، وعـلى رأسـهـم الـشّـاعـر جـمـيـل صـدقي الـزّهـاوي إلى خـانـقـيـن لاسـتـقـبـال طـاغـور، الّـذي كـان قـد تـجـاوز الـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، وعـادوا بـه بـالـقـطـار إلى بـغـداد في 19 أيّـار.

%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1

وكـان بـصـحـبـة أديـب الـهـنـد زوجـة ابـنـه، الـسّـيـدة بـراتـيـمـا ديـفي  Pratima Devi، والـشّـاعـر الـبـنـغـالي آمـيـا شـكـرافـارتي Amiya Chakravarti، وكـدرنـاث شـاتـيـرجي  Kedarnath Chatterjee.

وصـاحـبـت لـجـنـة الإسـتـقـبـال طـاغـور إلى بـغـداد بـالـقـطـار. وكـان في اسـتـقـبـالـه في الـمـحـطّـة عـدد مـن الـمـسـؤولـيـن ووجـهـاء الـمـديـنـة ومـثـقـفـيـهـا، مـن بـيـنـهـم  وزيـر الـدّفـاع جـعـفـر بـاشـا الـعـسـكـري والـسّـيّـد مـحـمّـد الـصّـدر والـعـلّامـة مـحـمّـد بـهـجـة الأثـري والـشّـاعـر مـعـروف الـرّصـافي والـصّـحـفي نـوري ثـابـت …

tagore-2

وقـد أخـتـيـر لإقـامـة طـاغـور في بـغـداد فـنـدق Tigris Palace في شـارع الـرّشـيـد والّـذي تـطـلّ خـلـفـيـتـه عـلى نـهـر دجـلـة.

وتـوجـه شـاعـر الـهـنـد الـكـبـيـر إلى الـقـصـر الـمـلـكي الّـذي اسـتـقـبـلـه فـيـه الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وكـبـار رجـال الـدّولـة، وعـلى رأسـهـم رئـيـس الـوزراء نـوري الـسّـعـيـد.

%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af

وقـد أعـجـب طـاغـور بـالـمـلـك فـيـصـل ووجـده مـتـواضـعـاً يـحـبّ الـبـسـاطـة في حـيـاتـه، كـمـا وجـده  واسـع الـمـعـرفـة مـغـرمـاً بـالـشّـعـر.

وفي الـمـسـاء، أقـام الـمـلـك ولـيـمـة احـتـفـاءً بـه. وقـد ألـقى طـاغـور خـلالـهـا قـصـيـدة كـان قـد نـظـمـهـا بـالـبـنـغـالـيـة لـهـذه الـمـنـاسـبـة :

« Abasan Holo Rati

Nibaiya Phelo Kalima-Molin

Gharer Koner Bati

Nikhiler Alo Purba Akashe

Jwalilo Punyadine

Eksathe Jara Chalibe Tahara

Sakalere Nik Chine ».

وتـبـعـهـا بـتـرجـمـتـهـا الإنـكـلـيـزيـة :

« The night has ended

Put out the light of the lamp

of thine own narrow corner

smudged with smoke

The great morning which is for all

appears in the East

Let its light reveal us

to each other

who walk on

the same

path of pilgrimage ».

وقـد تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة :

“مـضى الـلـيـل. أطـفئ نـور مـصـبـاحـك في زاويـتـك الـضّـيـقـة الـمـظـلـمـة، الّـتي سـخـمـهـا الـدّخـان، فـقـد انـبـثـق الـفـجـر في الـشّـرق … لـيـبـصـر كـلّ واحـد مـنّـا في ضـوئـه بـالآخـريـن  … بـكـلّ مـن يـسـيـرون عـلى نـفـس هـذا الـدّرب نـحـو الـمـكـان الـمـقـدّس ..

وعـنـدمـا تـغـدّى طـاغـور في الـغـد مـع الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، تـكـلّـم لـه عـن رغـبـتـه في زيـارة الـبـدو، فـأعـدّ لـه الـمـلـك سـفـرة إلى مـضـارب عـشـيـرة أعـراب على بـعـد حـوالي 25 كـلـم. عـن بـغـداد.

tagore-15-277x191

واسـتـقـبـلـه شـيـخـهـا تـحـت خـيـمـة واسـعـة ودعـاه لـتـنـاول الـهـبـيـط (وهـو نـوع مـن الـثّـريـد يـغـطّى خـبـزه بـالـرّز ولـحـم الـخـرفـان) مـعـهـم.

tagore-5

وزار طـاغـور مـعـالـم بـغـداد وذهـب إلى الـمـتـحـف الـعـراقي الّـذي كـان يـديـره في ذلـك الـحـيـن عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان Julius Jordan. وكـانـت دهـشـتـه كـبـيـرة لاكـتـشـاف كـلّ الـكـنـوز الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا الـمـتـحـف.

وقـد دعي طـاغـور خـلال أيّـام إقـامـتـه في بـغـداد إلى عـدد مـن الـمـحـافـل الّـتي أقـامـهـا لـه أدبـاء الـعـراق وصـحـفـيـوه ومـثـقـفـوه.

فـقـد أقـيـمـت لـه مـسـاء الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن أيّـار حـفـلـة في حـديـقـة أمـانـة الـعـاصـمـة حـضـرهـا رجـال الـدّولـة وعـلى رأسـهـم نـوري الـسّـعـيـد وعـدد مـن الـمـوظـفـيـن الأجـانـب. وفـيـهـا وأنـشـد مـعـروف الـرّصـافي قـصـيـدتـه “الـحـقـيـقـة الـمـطـلـقـة”، ومـطـلـعـهـا :

مـا لـلـحـقـيـقـةِ مـن بـدايـة          كـلّا، ولـيـس لـهـا نـهـايـة

%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b5%d8%a7%d9%81%d9%8a

وقـرأ الـزّهـاوي قـصـيـدة مـطـلـعـهـا :

كـنـتَ طـاغـور مـاثـلاً في خـيـالي        حـيـثـمـا الـتـفـتَّ أجـدكَ حـيـالي

وقـد شـبّـه طـاغـور بـعـد ذلـك صـوت الـزّهـاوي بـأمـواج بـحـر ثـائـر تـتـلاطـم. كـمـا ألـقى مـحـمّـد بـهـجـة الأثـري قـصـيـدة هـو الآخـر، أشـار فـيـهـا إلى الـوضـع الـسّـيـاسي الـمـتـوتـر مـنـذ تـوقـيـع الـحـكـومـة الـعـراقـيـة لـمـعـاهـدة 1930 مـع بـريـطـانـيـا. وكـان مـطـلـع قـصـيـدتـه :

بـسـمـتَ لـبـغـداد و بـغـداد ثـاكـلـة         فـلـم تـرَ إلّا أن تـهـشّ مـجـامـلـة

واسـتـمـع الـحـاضـرون إلى طـاغـور يـقـرأ أشـعـاره بـالـبـنـغـالـيـة، ويـتـبـعـهـا بـتـرجـمـتـهـا  الإنـكـلـيـزيـة. ثـمّ تـتـرجـم لـه إلى الـعـربـيـة.

وفي مـسـاء الـيـوم الـتّـالي نـظّـم نـادي الـمـعـلـمـيـن حـفـلـة عـشـاء تـكـريـمـاً لـطـاغـور أقـيـمـت في إحـدى قـاعـات فـنـدق  Tigris Palace  الّـذي كـان يـقـيـم فـيـه شـاعـر الـهـنـد. وبـعـد أن تـتـالـت الـخـطـب والـقـصـائـد في تـكـريـم الـضّـيـف، شـكـر طـاغـور الـحـاضـريـن وفـصّـل لـهـم الـكـلام عـن مـفـهـومـه لـلـتّـعـلـيـم.

ودعـاه وزيـر الـمـعـارف عـبـد الـحـسـيـن الـجـلـبي إلى حـفـل عـشـاء ألـقى فـيـه طـاغـور مـحـاضـرة عـن الـتّـعـلـيـم  الـحـرّ.

وقـد تـطـرّق طـاغـور في أحـد هـذه الـلـقـاءات إلى صـراع الـهـنـدوسـيـيـن والـمـسـلـمـيـن في الـهـنـد، ورجى ضـيـوفـه أن يـطـرحـوا الـمـشـكـلـة مـن رؤيـة روحـانـيـة مـثـالـيـة لـيـسـاعـدوا بـلـده الـهـنـد عـلى أن لا يـنـجـرف نـحـو تـعـصـبـات طـائـفـيـة ضـيّـقـة، وأن يـتـجـاوزهـا لـلـوصـول إلى اتـحـاد كـلّ الـهـنـود واسـتـقـلالـهـم الـكـامـل.

ولاهـتـمـام طـاغـور بـالـتّـعـلـيـم، وبـطـرق الـتّـدريـس ومـنـاهـجـه، فـقـد زار دار الـمـعـلـمـات في بـغـداد. وبـعـد أن تـعـرّف عـلى مـا كـان يـدرّس في الـمـدارس، وخـاصـة لـلـبـنـات، وتـحـاور مـع الـحـاضـريـن، ألـقى، تـلـبـيـة لـطـلـبـاتـهـم، بـعـضـاً مـن شـعـره.

ويـقـال إنّ طـاغـور ذهـب مـع أدبـاء عـراقـيـيـن إلى مـقـهى الـزّهـاوي، وإنّـه شـرب فـيـه”الـحـامـض”.

وأقـيـم لـطـاغـور حـفـل وداع في قـصـر الـشّـابـنـدر الـمـطـلّ عـلى دجـلـة، في مـحـلّـة الـسّـفـيـنـة في الأعـظـمـيـة حـضـره عـدد مـن الأدبـاء والـشّـعـراء والـصـحـفـيـيـن، وألـقى فـيـه إبـراهـيـم حـلـمي الـعـمـر وأنـور شـاؤول كـلـمـتـيـن بـالـمـنـاسـبـة.

ولـرغـبـة طـاغـور بـالإسـتـمـاع إلى الـمـوسـيـقى الـعـراقـيـة  فـقـد غـنّـت لـه الـسّـت جـلـيـلـة، وغـنّى مـحـمـد الـقـبـانـجي.

ومـا زلـنـا نـقـرأ هـنـا وهـنـاك أنّ طـاغـور نـظـم شـعـراً في بـغـداد تـرجـمـه جـمـيـل صـدقي الـزّهـاوي إلى الـعـربـيـة بـعـنـوان “يـا بـلـبـل غـنّي لـجـيـرانـا”، ولـحّـنـه صـالـح داود الـكـويـتي، وغـنّـتـه زكـيـة جـورج بـعـد ذلـك.

وقـد رسـم طـاغـور لـوحـة ــ قـصـيـدة وخـطّ كـلـمـاتـهـا وكـتـب في أسـفـلـهـا : “24 أيّـار 1932″، تـحـتـوي عـلى الـشّـعـر الّـذي ألـقـاه في ولـيـمـة الـمـلـك. ويـبـدو أنّـه أهـدى واحـدة مـثـلـهـا لـلـمـلـك فـيـصـل الأوّل قـبـل أن يـغـادر الـعـراق.

وغـادر طـاغـور ومـصـاحـبـيـه مـطـار بـغـداد عـلى مـتـن طـائـرة هـولـنـديـة في الـثّـلاثـيـن مـن أيّـار (أو الأوّل مـن حـزيـران)، ووصـلـوا إلى كـلـكـتـا في 3 حـزيـران.

وقـد وصـف طـاغـور رحـلـتـه في كـتـاب نـشـره بـعـد عـودتـه إلى الـهـنـد بـعـنـوان :  رحـلـة إلى بـلاد فـارس وإلى الـعـراق

Journey to Persia and Iraq: 1932  (1)

tagore-3

طـاغـور والـمـوت الـهـاطـل مـن الـسّـمـاء :

إلـتـقى طـاغـور بـالـمـرشـد الـدّيـني الـمـسـيـحي في  The British Air Force في بـغـداد. وقـد أخـبـره رجـل الـدّيـن الـبـريـطـاني هـذا أنّ طـائـرات الـقـوّات الـجـوّيـة الـبـريـطـانـيـة كـانـت تـقـصـف كـلّ يـوم قـرى ثـار شـيـوخـهـا عـلى سـيـطـرة الـبـريـطـانـيـيـن عـلى الـحـكـم بـعـد إبـرام مـعـاهـدة 1930. وكـانـت بـريـطـانـيـا، بـعـد اكـتـشـاف الـنّـفـط في شـمـال الـعـراق عـام 1927، قـد اشـتـرطـت عـلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة تـوقـيـع الـمـعـاهـدة مـقـابـل أن تـسـانـد الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة لـلـدّخـول في عـصـبـة الأمـم.

فـكـتـب طـاغـور عـن ذلـك في كـتـابـه الّـذي نـشـره عـن رحـلـتـه بـعـد رجـوعـه إلى الـهـنـد :

“هـنـاك يُـقـتـل رجـال ونـسـاء وأطـفـال، يـلاقـون حـتـفـهـم بـقـرارات تـصـدرهـا سـلـطـات الإمـبـريـالـيـة الـبـريـطـانـيـة الـعـلـيـا، الّـتي يـسـهـل عـلـيـهـا أن تـرشّ الـمـوت عـلى مـن لا تـراهـم لـبـعـدهـم الـجـغـرافي عـنـهـا. ويـبـدو هـؤلاء الّـذيـن لا يـحـسـنـون فـنّ الـقـتـل الـحـديـث ضـعـفـاء لا قـيـمـة لـهـم في أعـيـن الّـذيـن يـمـجّـدون مـهـارتـهـم في الـقـتـل”.

The men, women and children, there done to death, meet their fate by decree of the upper region of British imperialism, – which finds it so easy thus to shower death because of its distance from its individual victims. So dim and insignificant do those unskilled in the modern arts of killing appear to those who glory in such skill! »

(رحـلـة إلى بـلاد فـارس والـعـراق، ص. Journey to Persia p.23)

وكـتـب :

“يـعـتـبـر الـمـسـيـح أنّ كـلّ أبـنـاء الـبـشـريـة هـم أبـنـاء الله، ولـكـن الـمـسـيـحي الـحـديـث تـرك الأب والأبـنـاء في الـظّـل، لا يـمـكـنـه أن يـتـعـرّف عـلـيـهـم مـن عـلـو طـائـراتـه الـقـاصـفـة، ولـهـذا فـهـو عـنـدمـا يـضـرب، يـضـرب قـلـب الـمـسـيـح في صـمـيـمـه”.

Christ acknowledged all mankind to be the children of his Father; but for the modern Christian both Father and children have receded into shadows, unrecognizable from the height of his bombarding planes; for which reason these blows are being dealt at the very heart of Christ himself.

( رحـلـة إلى بـلاد فـارس والـعـراق. ص. Journey to Persia p. 23-24)

وقـد أدرك طـاغـور، بـعـد أن سـافـر بـالـطّـائـرة ورأى مـعـالـم الأرض تـخـتـلـط ثـمّ تـتـلاشى نـاظـراً إلـيـهـا مـن عـلـوه الـشّـاهـق، كـيـف يـسـهـل عـلى طـيّـار حـربي أن يـقـصـف رجـالاً ونـسـاءً وأطـفـالاً لا يـعـرفـهـم و لا يـمـكـنـه أن يـراهـم، فـكـتـب :

tagore-6

“وكـلّـمـا ارتـفـعـت الـطّـائـرة وعـلـت في الـسّـمـاء، كـلّـمـا اخـتـصـرت حـوّاسـنـا واخـتـزلـتـهـا إلى واحـدة فـقـط : حـاسـة الـبـصـر. وحـتّى هـذه لـم تـعـد لـهـا قـدراتـهـا الـكـامـلـة. وكـلّ مـا يـجـعـلـنـا نـعـتـقـد أنّ الأرض لـهـا وجـود واقـعي واضـح ومـتـنـوّع يـمّـحي شـيـئـاً فـشـيـئـاً، وتـتـحـوّل صـورتـهـا الـثـلاثـيـة الأبـعـاد إلى مـجـرد خـطـوط ومـسـاحـات. وهـكـذا بـفـقـدانـهـا لـجـوهـرهـا يـنـحـلّ تـأثـيـرهـا عـلى عـقـولـنـا وقـلـوبـنـا ويـتـراخى. وقـد أدركـت في أعـمـاقي مـا يـمـكـن أن يـنـتـج عـن هـذا الإبـتـعـاد عـن الـعـالـم عـنـدمـا تـتـاح لـلـمـرء فـرصـة أن يـمـطـر الـهـلاك عـلى أنـاس يـجـهـلـهـم بـعـيـداً في أسـفـل [طـائـرتـه]. مـن الـقـاتـل ومـن الـمـقـتـول ؟ ومـن ذو الـقـربى ومـن الـغـريـب ؟

As it (sc. the aeroplane) rises higher and higher, it reduces the play of our senses to that of one alone – of sight – and even that is not left in its fullness. All the signs for which we believe the earth to be obviously and variously real, are gradually wiped out, resolving its three-dimensional picture into lines of one dimension only. Thus deprived of its substantiality, its hold on our mind and heart is loosened. And it is borne in on me how terrible such aloofness can become, once it is found expedient to rain destruction on the vagueness below. Who is the slayer, who the slain? Who is kin, who is stranger?

(رحـلـة إلى بـلاد فـارس والـعـراق. ص. Journey to Persia p. 23)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أصـدرت دار نـشـر Orient Black Swan  طـبـعـة جـديـدة لـه في 2003.

بـطـاقـات بـريـديـة عـن الـعـراق نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك في لـنـدن

tuck-xxxxvi

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شـركـة رفـائـيـل تـك في لـنـدن :

بـدأ رفـائـيـل تـك Raphael Tuck  يـمـارس الـتّـجـارة بـمـسـاعـدة زوجـتـه في لـنـدن. وشـرعـا عـام 1866 بـبـيـع صـور لـرسـوم ولـبـطـاقـات تـهـاني. وتـحـسـنـت تـجـارتـهـمـا عـنـدمـا  أضـافـا إلـيـهـا بـيـع الـبـطـاقـات الـبـريـديـة.

وأصـبـحـت شـركـتـهـمـا بـعـد سـنـوات قـلـيـلـة مـن أهـم الـشّـركـات الـبـريـطـانـيـة الـمـخـتـصـة بـطـبـع الـبـطـاقـات وبـيـعـهـا في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وبـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن.

وشـارك ثـلاثـة مـن أبـنـائـهـمـا في تـسـيـيـر الـشّـركـة فـأصـبـح اسـمـهـا :           R. Tuck & Sons  ثـمّ أدار الإبـن الـثّـاني أدولـف الـشّـركـة حـتّى وفـاتـه في 1926.

tuck-34

(عـلامـة شـركـة رفـائـيـل تـك وأبـنـائـه الـمـسـجّـلـة)

وقـد قـصـف مـقـر الـشّـركـة في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة عـام 1940 ودُمـرت الـمـسـوّدات الأصـلـيـة لـلـصّـور الّـتي كـانـت فـيـه، ومـن بـيـنـهـا صـور الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن. ولـم يـبـق لـنـا إلّا الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الّـتي كـانـت قـد طـبـعـت عـنـهـا.

بـطـاقـات بـريـديـة طـبـعـتـهـا شـركـة ر. تـك لـحـسـاب عـبـد الـكـريـم الـبـصـراوي :

نـعـرف مـن الـنّـص الـمـكـتـوب عـلى ظـهـر عـدد مـن الـبـطـاقـات الـبـريـديـة أنّ الـشّـركـة الـلـنـدنـيـة طـبـعـتـهـا لـحـسـاب كـريـم الـبـصـراوي :

.Copyright Kerim

.Raphael Tuck & Sons’ « Collo- Photo » Post Card

.Art Publishers to Their Majesties The King & Queen

.Published for A. Kerim, Basra, Persian Gulf

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b5%d8%b1%d8%a9-2-2

وقـد تـكـلّـمـنـا في مـقـال سـابـق عـن كـريـم الـبـصـراوي هـذا (1) وقـلـنـا إنّ الإسـم    A. Kerim ربّـمـا كـان إخـتـصـاراً لـعـبـد الـكـريـم :  Abdul Kerim.  ويُـحـتـمـل إذن أن يـكـون الـمـقـصـود بـه عـبـد الـكـريـم إبـراهـيـم يـوسـف تـبـوني الّـذي كـان مـسـيـحـيـاً كـلـدانـيـا مـن الـبـصـرة، سـافـر إلى الـهـنـد في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر ودرس في بـومـبـاي. وقـد اشـتـرى هـنـاك آلـة تـصـويـر عـاد بـهـا إلى الـبـصـرة وفـتـح اسـتـوديـو تـصـويـر فـيـهـا.

وقـد وجـدت 42 بـطـاقـة عـلـيـهـا في أسـفـل يـسـارهـا عـلامـة الـشّـركـة، وفي أسـفـلـهـا أيـضـاً تـعـلـيـق بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة يـصـف الـمـشـهـد والـمـكـان الّـذي الـتـقـطـت فـيـه الـصّـورة.

ويـمـكـنـنـا أن نـصـنّـف هـذه الـبـطـاقـات في ثـلاث مـجـمـوعـات :

1 .  صـور تـتـعـلـق بـالـسّـلـطـات الإداريـة لـلـجـيـش الـبـريـطـاني في الـبـصـرة والـمـبـاني الإداريـة الـتّـابـعـة لـهـا :

صـورة لـمـبـنى الـحـكـومـة   »The Government House «  في الـبـصـرة. ونـلاحـظ الـعـلـم الـبـريـطـاني يـرفـرف فـوق الـمـبـنى، مـمـا يـدلّ عـلى أنّـه كـان مـقـرّ الإدارة الـبـريـطـانـيـة لـولايـة الـبـصـرة بـعـد أن دخـلـتـهـا الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في 1914. ولا شـكّ في أنّـه اسـتـعـمـل حـتّى عـام 1921، عـنـدمـا تـكـوّنـت الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة وضـمّـت ولايـة الـبـصـرة إلى ولايـة بـغـداد.

 

ونـجـد عـلى ظـهـر الـبـطـاقـة الـبـريـديـة الّـتي لـديـنـا أنّـهـا أرسـلـت مـن إيـران إلى بـلـجـيـكـا في 10 حـزيـران 1923، وعـلـيـهـا طـابـع إيـراني : “بـسـت مـمـالـك مـحـروسـة إيـران”. وهـذا يـدلّ عـلى أن عـبـد الـكـريـم اسـتـمـرّ في بـيـع بـطـاقـاتـه لـمـدة سـنـوات طـويـلـة .

ورشـات الـجـيـش الـبـريـطـاني الـهـنـدسـيـة  “Engineer Field Park”  في الـبـصـرة :

tuck-ii

مـخـازن الـعـتـاد “Ordnance Depôt” في الـبـصـرة  :

tuck-iv

ورشـات الـبـحـريـة لـلإصـلاح والـصّـيـانـة،  ومـبـنى الـجـمـارك  “Marine Repair shop and Customs” في الـبـصـرة. ولـديـنـا صـورة أخـرى لـمـبـنى الـجـمـارك “Customs House” الـتـقـطـت مـن جـهـة أخـرى :

الـمـسـتـشـفي الـبـريـطـاني  British General Hospital في الـبـصـرة :

tuck-xxxi

مـكـتـب الـبـريـد والـبـرق، شـارع الـسّـاحـل، الـبـصـرة   The Strand. Post & Telegraphs ، وهي الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال.

مـعـسـكـر بـريـطـاني في عـلي الـغـربي  British Camp, Ali Gharbi, Mesopotamia :

xxx

نـصـب شـيّـده الأتـراك في الـكـوت قـبـل أن يـعـيـد الـبـريـطـانـيـون احـتـلالـهـا  Turkish Obelisk Built before Re-occupation of Kut by the British :

tuck-xxxxv

جـنـود أسـتـرالـيـون  Australian Fleying Grops   في الـبـصـرة :

tuck-xxvii

حـطـام سـفـيـنـة في شـطّ الـعـرب Wreck of the « Ekbatana » Shatt- El- Arab  . وكـانـت سـفـيـنـة نـقـل أجـنـبـيـة اسـتـولـت عـلـيـهـا الـقـوات الـتّـركـيـة، وأغـرقـهـا الـبـريـطـانـيـون في الـخـامـس مـن تـشـريـن الـثّـاني عـام 1914 :

tuck-viii

حـطـام سـفـيـنـة حـربـيـة تـركـيـة “مـرمـرة” في نـهـر دجـلـة  Wreck of the « Mermaris » Turkish Gun Boat, River Tigris ، وهي ولا شـكّ قـد أغـرقـت في 1914:

tuck-xxi

 

  1. صـور الـبـصـرة و جـنـوب الـعـراق

صـورة الـقـشـلـة (ثـكـنـة جـنـود الـعـشـار) في الـبـصـرة                            Qashla (Ashar Barracks) Basra ، وكـانـت الـبـنـايـة قـد شـيّـدت في فـتـرة الـحـكـم الـعـثـمـاني لـلـمـديـنـة :

tuck-33

صـورة جـسـر وايـتـلي   Whiteley Bridge (أسـمي بـعـد ذلـك جـسـر الأمـيـر غـازي) في الـبـصـرة :

tuck-xxxx-iv

صـورة شـارع الـسّـاحـل  The Strand  في الـبـصـرة :

صـورتـان لـمـقـاهي الـعـرب Arab Coffee- Shops  في الـبـصـرة :

نـخـيـل  Date Palms في الـبـصـرة :

tuck-xxxiii

بـاعـة الـوقـود  Fuel Market  في الـبـصـرة :

tuck-xxxvi

عـبـور الـخـورة  Across the Kora  ، الـبـصـرة :

tuck-xx

صـورتـان لـنـهـر الـخـورة (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـخـورة)  Kora Creek :

مـدخـل نـهـر الـعـشّـار (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـعـشّـار)  Mouth of the Ashar Creek :

tuck

نـهـر الـعـشّـار (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـعـشّـار)  Ashar Creek  :

tuck-xiv

 

مـشـهـد خـلّاب لـشـطّ الـعـرب   A picturesque View on the Shatt- El- Arab

tuck-xix

الـمـحـمّـرة، الـضّـفـة الـيـسـرى لـشـطّ الـعـرب  Mohhammerah, Left Bank, Shatt- El- Arab :

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b5%d8%b1%d8%a9-2

قـبـر الـعـزيـر، الـضّـفـة الـيـمـنى لـدجـلـة  Ezra’s Tomb, Right Bank, Tigris :

tuck-xxxv

مـنـظـر لـنّـهـر الـفـرات River Scene, Euphrates :

tuck-x

صـورة لـلـنّـاصـريـة (مـثـلـمـا يـراهـا الـطّـائـر الـمـحـلّـق، كـمـا يـقـول الـنّـصّ الإنـكـلـيـزي) Birds eye View :

tuck-xxix

سـوق في الـنّـاصـريـة Bazaar Scene  :

tuck-xxviii-1918

أور “الـكـلـدانـيـة”  « Ur » of the Caldees, Nasiriyeh . والـصّـورة لـلـزّقّـورة. ويـبـدو أنّـهـا الـتـقـطـت قـبـل أن يـشـرع عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني لـيـونـارد وولي بـالـتّـنـقـيـب فـيـهـا عـام 1922 :

r-tuck-31

ضـفـة دجـلـة في مـديـنـة الـعـمـارة Amara, Tigris Bank . ونـقـرأ عـلى ظـهـر هـذه الـبـطـاقـة أنّـهـا أرسـلـت في 11 آب 1918 :

قـريـة أعـراب عـلى ضـفـة دجـلـة  (هـل هي في الأهـوار ؟) Arab Village on the Bank of the Tigris :

tuck-xxiv

فـتـاتـان صـابـئـيـتـان  Subean Girls :

tuck-xxxx

 

صـور بـغـداد :

إلـتـقـطـت هـذه الـصّـور ولا شـكّ بـعـد دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917.

صـورة شـارع”أصـيـل”  Typical Street  في بـغـداد :

tuck-xxxxx

مـحـطّـة قـطـار بـغـداد   Railway Station :

tuck-xxxxi

جـامـع الـكـاظـمـيـن   Kaza main Mosque :

tuck-xxxiv

مـقـبـرة مـسـلـمـيـن  Muslim Cemetry :

tuck-xxxxii

ونـنـهي عـرضـنـا بـصـورة لـلـنّـقـل الـنّـهـري  River Transport, Mesopotamia :

tuck-xxxxiii

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  ألـبـوم صـور طـبـعـتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925 : https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/05/12/%D8%A3%D9%84%D9%80%D8%A8%D9%80%D9%88%D9%85-%D8%B5%D9%80%D9%88%D8%B1-%D9%86%D9%80%D8%B4%D9%80%D8%B1%D8%AA%D9%80%D9%87-%D8%B4%D9%80%D8%B1%D9%83%D9%80%D8%A9-%D8%AD%D9%80%D8%B3%D9%80%D9%88-%D8%A5%D8%AE/