مـحـلّات أوروزدي بـاك في بـغـداد

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-2

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شـاركـت شـركـة أوروزدي بـاك الـتّـجـاريـة مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع، وخـلال الـقـرن الـعـشـريـن في تـنـمـيـة الـثّـقـافـة الإسـتـهـلاكـيـة الـشّـرهـة في أوربـا الـشّـرقـيـة أوّلاً، ثـمّ في الـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط وفي شـمـال أفـريـقـيـا، بـفـتـحـهـا لـمـحـلات كـبـيـرة تـروّج لـلـبـضـائـع الأوربـيـة في غـالـبـيـة الـمـدن الـمـهـمّـة  في هـذه الـمـنـاطـق ومـن بـيـنـهـا بـغـداد والـبـصـرة.

فـكـيـف نـشـأت هـذه الـشّـركـة ؟ وكـيـف نـمـت وازدهـرت ؟

تـذكـر لـنـا الـمـصـادر الّـتي درسـت تـاريـخ هـذه الـشّـركـة أنّ عـائـلـة بـاخ Bach  كـانـت يـهـوديـة، إغـتـنـت مـن الـتّـجـارة في الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ـ الـمـجـريـة، ثـمّ تـشـاركـت مـع عـائـلـة يـهـوديـة أخـرى مـن أصـل نـمـسـاوي مـجـري : أوروزدي Orosdi. وهـكـذا تـزوّج  أدولـف أوروزدي Adolf Orosdi  بـأخـت مـوريـس بـاخ  Maurice Bach.

وكـان أدولـف أوروزدي ضـابـطـاً شـارك في حـركـة 1848 الـوطـنـيـة الـمـجـريـة. وبـعـد فـشـل الـحـركـة الّـتي قـمـعـهـا الـنّـمـسـاويـون، هـاجـر إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول)، عـاصـمـة الـدولـة الـعـثـمـانـيـة، وبـدأ يـمـارس فـيـهـا الـتّـجـارة.

وفـتـح في 1855 مـحـلّاً في مـحـلّـة غَـلَـطـة (جـالاتـا) عـلى الـبـوسـفـور لـبـيـع الـمـلابـس الـجـاهـزة الـمـسـتـوردة مـن أوربـا. وقـد نـمـت تـجـارتـه وتـوسـعـت بـعـد ذلـك، واسـتـمـرّ بـهـا ولـداه فـيـلـيـب ولـيـون مـن بـعـده.

ثـمّ تـشـارك ولـدا أوروزدي مـع هـيـرمـان  وجـوزيـف، إبـنَي مـوريـس بـاخ، واتّـفـق أربـعـتـهـم عـلى تـسـمـيـة شـركـتـهـم : أوروزدي ــ بـاخ.

وفي 1879، تـزوّج هـيـرمـان بـاخ في بـاريـس بـمـاتـيـلـد أوروزدي، أخـت فـيـلـيـب ولـيـون، وأقـامـا في هـذه الـمـديـنـة.

وقـد فـتـح الـشّـركـاء الأربـعـة في بـاريـس عـام 1888 الـمـكـتـب الـرّئـيـسي لـشـركـتـهـم الـتّـجـاريـة بـعـد أن غـيّـروا كـتـابـة اسـم Bach (الّـذي يـلـفـظ  “بـاك” بـالـفـرنـسـيـة ) إلى Back، وأصـبـح اسـم الـشّـركـة : Orosdi- Back.

وفي 1893 فـتـحـوا أوّل مـحـلاتـهـم في فـيـيـنـا، عـاصـمـة الـنّـمـسـا، وأصـبـحـت الـشّـركـة في 1895 شـركـة مـسـاهـمـة، وفـتـحـت مـحـلات كـبـرى في أوربـا الـشّـرقـيـة وفي تـركـيـا. وفي حـوالي عـام 1896 فـتـحـوا أوّل مـحـلاتـهـم في الـقـاهـرة، ثـمّ في تـونـس وفي حـلـب وبـيـروت.

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-4

وكـانـت هـذه الـمـحـلّات مـن نـوع جـديـد ظهـر في الـمـدن الأوربـيـة في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر،

وهي مـا تـسـمى بـالـفـرنـسـيـة : Grands magasins، وتـسـمى بـالإنـكـلـيـزيـة : Department stores.

ويـمـتـلـك كـلّ مـحـل مـن هـذه الـمـحـلّات الـكـبـرى شـخـص واحـد أو شـركـة واحـدة، وفـيـهـا أقـسـام مـتـعـددة تـبـيـع بـضـائـع مـتـنـوّعـة.

فـبـيـنـمـا كـان هـنـاك في الـمـاضي مـحـلّات مـخـتـصّـة في كـلّ نـوع مـن الـبـضـائـع والـسّـلـع : مـحـلّات لـلـمـلابـس وأخـرى لـلأحـذيـة والـمـصـنـوعـات الـجـلـديـة أو لـلـمـواد الـمـنـزلـيـة أو لـلـمـواد الـغـذائـيـة، جـمـعـت الـمـحـلّات الـكـبـرى كـلّ هـذه الـمـنـتـجـات في مـكـان واحـد. ولـم يـعـد الـزّبـائـن يـحـتـاجـون لـلـتّـنـقـل مـن مـحـلّ إلى آخـر وإنّـمـا يـجـدون كـلّ مـا يـحـتـاجـونـه في أقـسـام مـخـتـلـفـة في داخـل نـفـس الـمـحـلّ الـكـبـيـر. (1)

وفي بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، إشـتـرى عـمـر أفـنـدي الّـذي كـان مـن عـائـلـة الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـحـلات أوروزدي بـاك في مـصـر (في الـقـاهـرة والإسـكـنـدريـة وطـنـطـا …)، وتـحـوّل اسـمـهـا بـعـد ذلـك إلي مـحـلات عـمـر أفـنـدي.

مـحـلّات أوروزدي بـاك في بـغـداد :

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-6

كـمـا افـتـتـح مـحـل كـبـيـر لأوروزدي بـاك في بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة تـقـريـبـاً، أي في بـدايـة الـعـشـريـنـيـات، ثـمّ آخـر في الـبـصـرة. (2)

وقـد أجّـر مـؤسـسـوه في بـغـداد في الـبـدايـة مـحـلّاً في الـمـنـطـقـة الّـتي كـانـت تـدعى بـوقـف حـيـدر جـلـبي عـنـد بـدايـة شـارع الـمـسـتـنـصّـر، عـلى مـقـربـة مـن حـمـام حـيـدر الـشّـهـيـر. وكـان الـمـبـنى بـطـابـقـيـن ولـكـنّـه لـم يـكـن شـديـد الـسّـعـة. (3)

ونـجـد في خـارطـة مـديـنـة بـغـداد الـتّي نـشـرتـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة مـديـريـة الأشـغـال الـعـمـومـيـة في أمـانـة عـاصـمـة بـغـداد Public Works Departement عـام 1929 إسـم الـمـحـل مـكـتـوبـاً : Orosdiback ،مـن غـيـر خُـطـيـط فـاصـل بـيـن جـزئـيـه.(4)

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d9%88%d8%b2%d8%af%d9%8a-2

وفي 1950، إنـتـقـلـت مـحـلاّت أوروزدي بـاك، الّـتي يـسـمـيـهـا الـبـغـداديـون : أورزدي، إلى مـبـنـاهـا الـجـديـد الـواسـع في شـارع الـرّشـيـد، مـحـلّـة سـيّـد سـلـطـان عـلي. (3)

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-7

وقـد دهـش الـبـغـداديـون بـتـنـظـيـمـهـا وتـنّـوع أقـسـامـهـا .وكـانـت تـبـاع فـيـهـا، كـمـا في كـلّ الـمـحـلّات الـكـبـرى، أنـواع مـخـتـلـفـة مـن الـبـضـائـع والـسّـلـع الـمـحـلـيـة الـصّـنـع أو الـمـسـتـوردة : مـلابـس فـاخـرة لـلـنّـسـاء والـرّجـال والأطـفـال فـرنـسـيـة وإنـكـلـيـزيـة، وأجـهـزة مـنـزلـيـة واكـسـسـوارات مـن أشـهـر الـمـاركـات.

وكـانـت أطـقـم الـطّـعـام مـن الـبـورسـلـيـن : روزنـتـال  Rosenthal أو  Wedge Wood الإنـكـلـيـزيـة الـعـريـقـة، وأطـقـم الـفـضّـة : كـريـسـتـوفـل  Christofle، إلى جـانـب الـكـريـسـتـال الـبـوهـيـمي.

وكـان فـيـهـا قـسـم كـبـيـر لـلـقـرطـاسـيـة بـأنـواعـهـا بـمـا في ذلـك الـمـواد الـفـنّـيـة، وآخـر لـلـخـيـاطـة والـتّـطـريـز والـحـيـاكـة، وقـسـم لـمـعـدّات الـمـطـبـخ وأدوات الـطّـبـخ. (3)

وكـانـت مـحـلّات أوروزدي بـاك تـخـتـلـف عـن مـخـازن حـسـو إخـوان الّـتي كـانـت أكـثـر اهـتـمـامـاً بـاسـتـيـراد الـمـسـتـلـزمـات الـمـنـزلـيـة الـضّـخـمـة مـن أثـاث وأدوات وكـهـربـائـيـات مـن الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة. (3)

وكـانـت هـذه الـمـحـلّات تـتـوجـه لأفـراد الـطّـبـقـة الـمـتـوسّـطـة والـطّـبـقـة الـغـنّـيـة. ولـهـذا بـنـت سـمـعـتـهـا عـلى بـيـع مـنـتـجـات جـيّـدة الـنّـوعـيـة وعـلى أسـعـار ثـابـتـة تـكـتـب بـجـانـبـهـا، لا يـمـكـن لـلـزّبـائـن أن يـسـاومـوا عـلـيـهـا.

وكـانـت الـمـحـلّات تـشـغـل طـابـقـيـن (الـطّـابـق الأرضي والـطّـابـق الأوّل) نـصـب بـيـنـهـمـا مـصـعـد كـهـربـائي لـم يـر كـثـيـر مـن سـكّـان بـغـداد مـصـعـداً قـبـلـه. وكـان فـيـه مـصـطـبـة خـشـبـيـة يـسـتـريـح عـلـيـهـا الـمـسـنّـون.

وكـان مـدخـلـهـا عـلى شـارع الـرّشـيـد : بـابـهـا زجـاجي دوّار، يـقـف أمـامـه بـوّاب بـزيّ رسـمي نـظـيـف.

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-8

وتـحـيـط بـالـبـاب مـن جـانـبـيـه واجـهـات زجـاجـيـة كـانـت تـعـرض فـيـهـا بـضـائـع حـديـثـة لـجـذب أنـظـار الـمـارّة، ولـدفـعـهـم لـدخـول الـمـحـلّات لـلـتّـفـرج، ثـم لإغـرائـهـم بـعـد ذلـك بـالـشّـراء. وهـو أمـر سـائـد في كـلّ الـمـجـتـمـعـات الإسـتـهـلاكـيـة.

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-5

وكـان الـجـديـد عـلى كـثـيـر مـن الـبـغـداديـيـن أيـضـاً أنّ الـمـحـلّات وظّـفـت بـائـعـات يـرتـديـن زيّـاً مـوحّـداً. وكـانـت سـيـاسـة هـذه الـمـحـلّات أن يـبـتـسـم كـلّ الـعـامـلـيـن فـيـهـا ومـن ضـمـنـهـم الـبـائـعـات، وأنّ يـظـهـروا لـلـزّبـائـن الـلـطـف والإحـتـرام. وهـذا مـن مـمـيـزات كـلّ الـمـحـلّات “الـرّاقـيـة”.

وفي مـطـلـع سـتـيـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن، عـرضـت مـحـلّات أوروزدي بـاك لـلـبـيـع. وتـشـارك في شـرائـهـا رجـلا أعـمـال وصـنـاعـة في بـغـداد : مـنـذر فـتّـاح، مـن أصـحـاب مـعـامـل فـتّـاح بـاشـا، والـمـصـرفي الـسّـيّـد مـهـدي الـرّحـيـم. وحـوّلا اسـمـهـا إلى : شـركـة الـمـخـازن الـعـراقـيـة. وتـشـكّـل مـجـلـس لإدارتـهـا يـضـمّ رجـال أعـمـال ومـثـقـفـيـن تـرأسـهـم عـلي حـيـدر الـرّكـابي (الّـذي كـان مـديـراً لـنـادي الـمـنـصـور مـنـذ تـأسـيـسـه في 1951).

وكـان في مـحـلّات أوروزدي بـاك، إلى جـانـب الأقـسـام الّـتي تـحـتـوي عـلى كـثـيـر مـن الـمـنـتـوجـات الـمـتـنـوّعـة، مـقـهى في الـطّـابـق الأول، وتـطـلّ نـوافـذه عـلى نـهـر دجـلـة، ولـكـنّـه كـان مـخـصـصـاً لـلـنّـسـاء.

وأنـشـأت مـكـتـبـة تـبـيـع كـتـبـاً عـربـيـة وأجـنـبـيـة وتـعـاقـدت الـشّـركة مـع كـبـريـات دور الـنّـشـر مـثـل بـيـنـجـويـن   Penguin وفـابـيـر أند فـابـيـر    Faber & Faber  لـتـزويـدهـا بـمـنـشـوراتـهـا، وعـرضـت لـلـبـيـع الـكـتـب الـفـنّـيـة الـصّـادرة عـن Thames & Hudson والـمـوسـوعـة الـبـريـطـانـية   Encyclopedia Britannica الـتّي كـانـت تـبـاع بـالأقـسـاط. (3)

ولـديـنـا صـورة لـهـا :

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-3

وكـان  فـيـهـا مـكـتـبـة لـبـيـع أسـطـوانـات الـمـوسـيـقى الـكـلاسـيـكـيـة والـمـعـاصـرة لأحـدث مـا كـان يـصـدر في الـعـالـم. (3)

ويـبـدو أنّـه كـان فـيـهـا، في فـتـرة مـن الـفـتـرات، صـالـون نـسـائي فـيـه “كـوافـيـره” (وهي كـلـمـة أرقى مـن كـلـمـة “حـلّاقـة” !)، وأنّـهـا جـلـبـت لـهـذا الـصّـالـون خـبـيـرة أجـنـبـيـة مـخـتـصّـة بـالـتّـجـمـيـل الـنّـسـائي.

وفي فـتـرات الـتّـنـزيـلات، كـانـت الـمـحـلّات تـأتي بـفـرقـة مـوسـيـقـيـة تـعـزف في داخـلـهـا لـجـذب الـزّبـائـن.

مـن مـحـلّات أوروزدي بـاك إلى “الأسـواق الـمـركـزيـة” :

orosdi

وقـد أمـمـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة مـحـلّات أوروزدي بـاك في سـبـعـيـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن، وأصـبـحـت مـلـكـاً لـلـدّولـة تـحـت اسـم : “الأسـواق الـمـركـزيـة”. وأنـشـئـت شـركـة حـكـومـيـة لإدارتـهـا بـاسـم “الـشّـركـة الـعـامـة لـلأسـواق الـمـركـزيـة”، كـانـت تـابـعـة لـوزارة الـتّـجـارة.

وفـتـحـت لـهـا فـروعـاً في عـدد مـن أحـيـاء بـغـداد مـثـل الـكـرادة والـمـنـصـور والـعـدل والـشّـعـب والـبـلـديـات، ثـمّ فـتـحـت لـهـا فـروعـاً في الـمـحـافـظـات.

ولا يـمـكـن لأحـد أن يـقـلـل مـن أهـمـيـة مـحـلّات أوروزدي بـاك الّـتي واكـبـت ولا شـكّ دخـول الـمـجـتـمـع الـعـراقي (أو عـلى الأقـلّ الـمـجـتـمـع الـبـغـدادي) في الـثّـقـافـة الإسـتـهـلاكـيـة، والّـتي تـحـتـل مـكـانـتـهـا في ذاكـرتـنـا الـجـمـاعـيـة.  فـمـن مـن أبـنـاء جـيـلي ومـن أبـنـاء الـجـيـل الّـذي سـبـقـنـا مـن لـم يـمـرّ أمـام واجـهـاتـهـا ولـم يـتـوقـف لـلـتـفـرج عـلـيـهـا، أو لـم يـدخـل فـيـهـا؟

ومـع ذلـك فـقـد قـرأت عـدداً كـبـيـراً مـن “مـقـالات” نـشـرت عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة كـتـب مـؤلـفـوهـا ما لا يـكـاد أن يـتـصـوره الـعـقـل مـن الإخـتـلاقـات والـتّـلـفـيـقـات، وخـاصـة فـيـمـا يـتـعـلـق بـإنـشـاء هـذه الـمـحـلّات.

وقـد عـجـبـت مـن قـدرات الـبـعـض عـلى الإخـتـراع، فـقـد جـعـل كـاتـب مـقـال واسـع الـنّـشـر مـن أوروزدي بـاك تـاجـراً عـراقـيـاً أرمـنـيـاً ! وجـعـلـه آخـر فـرنـسـيـاً فـتـح أوّل مـحـلاّتـه في بـغـداد !

أمّـا فـيـمـا يـتـعـلـق بـاسـم هـذه الـمـحـلّات : أوروزدي بـاك Orosdi- Back، وهـو كـمـا رأيـنـا اسـم مـركّـب مـن اسـمَي عـائـلـتـيـن مـجـريـتـيـن تـشـاركـتـا في الـتّـجـارة. فـقـد ادّعى الـبـعـض أنّـه جـاء مـن الإنـكـلـيـزيـة  Ours Day Bag [هـكـذا !] وتـرجـمـوهـا : حـقـيـبـة تـسـوقـنـا الـيـومي ! أو أنّـهـا اسـم شـركـة أجـنـبـيـة افـتـتـحـت لـهـا أوّل سـوق في بـغـداد بـهـذا الإسـم، أو أنّـهـا كـلـمـة فـرنـسـيـة تـعـني سـوق أو مـول … وهي كـلّـهـا، كـمـا يـرى الـقـارئ الـعـزيـز بـنـفـسـه تـنـمّ عـن جـهـل مـخـتـرعـيـهـا بـالـتّـاريـخ وبـالـلـغـات الأجـنـبـيـة !

 وبـيـن كـلّ هـذه الـمُـضـحـكـات الـمُـبـكـيـات، قـرأت في كـتـاب صـدر قـبـل سـنـوات لـكـاتـب مـشـهـور (5) تـفـسـيـراً أكـثـر غـرابـة لـهـذا الإسـم. فـبـعـد أن تـكـلّـم الـمـؤلـف عـن : “أجـمـل وأرقى مـخـزن في بـغـداد الـخـمـسـيـنـيـة والـسـتـيـنـيـة، وهـو مـا يـسـمـيـه الـبـغـداديـون أورزدي”، ذكـر :

“لـم أكـن أعـرف وأنـا أردد مـع الـبـغـداديـيـن بـالـدارجـة الـعـراقـيـة اسـم “أورزدي” مـا مـعـنى هـذه الـكـلـمـة ومـن أيـن جـاءت. وكـنـت أظـنـهـا اسـم صـاحـب الـمـكـان ولـكـنـني في فـرنـسـا قـرأت ريـبـورتـاجـاً صـحـفـيـاً وجـدت فـيـه اسـم “أورزدي بـاك” مـكـتـوبـاً بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة لأنـه مـن أصـل فـرنـسي. وقـد وضـعـه كـاتـب الـمـقـال بـشـكـل تـلـقـائي بـاعـتـبـاره نـوعـاً مـن الـتـوثـيـق في نـقـل الأسـمـاء … وإذا بي أقـرأ :Aux roses du bac   أي إلى أزهـار الـمـزهـريـة “.

ولا يـحـقّ لـنـا أن نـنـتـقـد هـذا الـمـؤلـف لـجـهـلـه بـالـتّـاريـخ، فـهـو قـد نـقـل هـذا الـتّـأويـل الـغـريـب لـقـرائـه كـمـا قـرأه، مـن غـيـر تـدقـيـق ولا تـمـحـيـص. ومـع ذلـك فـقـد كـان عـلـيـه أن يـتـحـاشى الـسّـقـوط في إغـراء الـكـتـابـة الـمـتـعـجّـلـة والـنّـشـر الـسّـريـع، فـتـسـجـيـل تـاريـخـنـا الـحـديـث يـتـطـلّـب مـنّـا جـمـيـعـاً جـهـوداً مـسـتـمـرة في لـمّ شـتـاتـه وتـأنـيـاً في جـمـع أجـزائـه لـكي لا يـضـيـع مـنّـا ويـتـلاشى ذكـره.

مـلـحـق :

إسـتـلـمـت رسـالـة مـن الـكـاتـبـة والـشّـاعـرة ونـاقـدة الـفـنّ الـكـبـيـرة مي مـظـفّـر تـحـتـوي عـلى مـعـلـومـات قـيّـمـة وشـديـدة الأهـمـيـة عـن مـحـلّات أوروزدي بـاك في بـغـداد يـسـعـدني أن أنـشـرهـا كـتـكـمـلـة لـمـقـالي (الّـذي اسـتـعـمـلـت فـيـه مـقـاطـع مـنـهـا) :

“لقد عايشنا هذا المخزن وكان حلم طفولتنا أن نقتني منه لعبة، حين كانت اللعب في الأربعينيات والخمسينيات لا تقدم إلا في المناسبات الخاصة: العيد أو عيد الميلاد أو التفوق في الدراسة.

اسمح لي أن أنقل لك ما أعرفه عن هذا المكان :

حين تأسس أوروزدي باك في العشرينيات كما ذكرت، اتخذ موقعه في ركن المنطقة التي كانت تدعى بوقف حيدر جلبي عند بداية شارع المستنصر، على مقربة من حمام حيدر الشهير. (بالمناسبة حيدر جلبي جدي الأكبر وفي تلك المرحلة من الأربعينيات وحتى وفاته في 1949 كان والدي المتولي عن الوقف وبعد وفاته انتقلت إلى ابن خالته المحامي فاضل بابان).، وكان مؤجرا من الوقفية.

كان المبنى كما أتذكر بطابقين ولم يكن واسعا جدا وكانت بضاعته فرنسية على الأغلب ولم يكن يحتوي على مكتبة لبيع الكتب. هذا ما أستطيع قوله عن المكان لصغر سني آنذاك، وكل ما لصق بذاكرتي أن الألعاب الجميلة كانت توضع في مقدمة المخزن. (راجع قصتي عن هذا المكان في مجموعة ألم يبق منهم أحد).

في 1950 انتقل المخزن إلى مبناه الجديد الواسع في شارع الرشيد، محلة سيد سلطان علي، وقد حضرت مع أهلي الافتتاح الكبير ورأيت دهشة الناس بالمصعد الذي يذهب إلى الطابق الثاني وكان يحتوي على مصطبة خشبية لراحة المسنين. كان مدهشا بتنظيمه وتنوع أقسامه التي بين الملابس الفاخرة الفرنسية والإنجليزية للرجال والنساء والأطفال والأجهزة المنزلية والإكسسوارات من أشهر   الماركات، كانت أطقم الطعام البورسلين من نوع روزنتال  Rosenthal وWedge Wood   الإنجليزية العريقة، وأطقم الفضة كريستوفل Christofle، والكريستال البوهيمي كمثال. وكان فيها قسم كبير  للقرطاسية بأنواعها بما في ذلك المواد الفنية، وآخر لعدد الخياطة والتطريز والحياكة، وقسم لأغراض المطبخ.

وكان اختلافه عن مخازن حسو اخوان أن الأخير كان أكثر اهتماما باستيراد المستلزمات المنزلية الضخمة من أثاث وأدوات وكهربائيات، والتي كان يستوردها من أمريكا.

في مطلع الستينيات، بيعت مخازن أوروزدي باك، واشتراها شراكة اثنان من رجال الأعمال والصناعة في بغداد هما منذر فتاح من أصحاب معامل فتاح باشا، والمصرفي السيد مهدي الرحيم. وبدأت محلات أورزدي باك التي أصبح اسمها شركة المخازن العراقية، تستعيد نشاطها. فتشكلت هيئة إدارتها من مجلس يمثل نخبة من رجال الأعمال والمثقفين برئاسة الأستاذ علي حيدر الركابي، الذي كان مديرا لنادي المنصور منذ تأسيسه في 1951.

كان من أولويات مهام الإدارة أن ترقى بالذوق العام بعد أن بدأ يتدنى نتيجة للقيود الاقتصادية، سواء أكان في الملبس أو الأدوات المنزلية أو الأثاث. وتولت الإشراف على ذلك السيدة سعاد العمري المعروفة بذوقها الراقي وحسن اطلاعها وثقافتها.

%d8%b3%d8%b9%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d8%b1%d9%8a

(السيدة سعاد العمري رئيسة جمعية الهلال الأحمر في لقاء مع الملك فيصل الثاني والسيد محمد الصدر رئيس مجلس الأعيان في منتصف الخمسينيات).

وبدأت المؤسسة تعتمد على الإنتاج المحلي إلى جانب الاستيراد الذي اعتمد أكثر على الملابس الإنجليزية، والأثاث حديث التصميم من الدنمارك، مع استحداث قسم خاص للخياطة والاعتماد على تصنيع الأثاث محليا بمواصفات حديثة خاصة.

وكانت البرامج الثقافية من صلب مشاريعها، فتتوج افتتاح المؤسسة بمعرض شخصي للفنان فائق حسن. كما أنشأت، ولأول مرة، مكتبة لبيع الكتب العربية والأجنبية معظمها بالإنجليزية والفرنسية بشكل محدود، وبأسعار ميسرة، إذ تعاقدت الشركة مع كبريات دور النشر مثل بينجوين   Penguinوفايبر أند فيبر    Faber & Faber،والكتب الفنية الصادرة عن Thames & Hudson والموسوعة البريطانية   Encyclopedia Britannicaالتي كانت تباع بالأقساط.

كما خصصت مكتبة ضخمة لبيع الاسطوانات الكلاسيكية والمعاصرة لأحدث الإصدارات في العالم. هكذا كنا نجد المثقف العراقي، النهم بطبيعته للمعرفة، يواكب مستجدات الأحداث والأفكار وأساليب التعبير على امتداد العصور.

وكان من ضمن مشاريع السيدة العمري استحداث مقهى مطل على دجلة أسوة بما تتبعه المخازن الكبيرة مثل هارودز وسلفرجز ولافاييت. لكن المقهى كان مخصصا للنساء فقط .

وحين شملت أحكام التأميم هذه المحلات تولت وزارة التجارة إدارة المخازن، ومن بعد أطلق على هذ المؤسسة الأسواق المركزية وانتشرت في كل أنحاء العراق”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  وجـدت عـدّة مـقـالات تـعـتـبـر مـحلات أوروزدي باك في بـغـداد “أول مـول في الـشـرق الأوسط !”. ومـن الـواضـح أنّ كـاتـبـيـهـا يـجـهـلـون الـفـرق بـيـن الـ Department stores و بين الـ  Mall.    فـالـمـول Mall مـركـز تـجـاري شـديد الـضّـخـامـة يـضـمّ مـحـلات مـخـتـلـفـة تـنـتـمي لـشـركـات مـخـتـلـفـة. وقـد  ظـهـر هـذا الـنّـوع مـن الـمـراكـز الـتّـجـاريـة في الـقـرن الـعـشـريـن، بـعـد فـتـرة طـويـلـة مـن ظـهـور الـمـخـازن الـكـبـرى مـثـل أوروزدي بـاك.

(2) Uri M. Kupferschmit, European Department Stores and Middle Eastern Consumers : The Orosdi-Back Saga, Istanbul, Osmanli Bankasi Arsiv ve Arastirma Merkezi , 2007

(3)  أرسـلـت لي الأديـبـة الـكـبـيـرة مي مـظـفّـر بـكـلّ هـذه الـمـعـلـومـات الـقـيّـمـة.

(4) أنـظـر مـقـالي : خـارطـتـان لـمـديـنـة بـغـداد في 1929 و1933:

https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/06/15/%D8%AE%D9%80%D8%A7%D8%B1%D8%B7%D9%80%D8%AA%D9%80%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%80%D9%85%D9%80%D8%AF%D9%8A%D9%80%D9%86%D9%80%D8%A9-%D8%A8%D9%80%D8%BA%D9%80%D8%AF%D8%A7%D8%AF-1929-%D9%881933/

(5)   ” يـوم في بـغـداد” الّـذي نُـشـر في سـلـسـلـة “كـتـاب في جـريـدة” عـدد 128 ، ص. 12.

 

 

 

“تـان تـان” والـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

في أواخـر خـمـسـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، كـان أخي الأكـبـر مـنّي، خـالـد، يـذهـب كـلّ أسـبـوع لـيـشـتـري عـنـد بـائـع الـجـرائـد الـقـريـب مـن حـيّـنـا في بـغـداد الـعـدد الأخـيـر مـن “سـمـيـر، مـجـلّـة الأولاد” الـقـاهـريـة. (1)

samir

وكـنـت أصـاحـبـه مـع أخي الأصـغـر مـنّي، طـلال، أو كـنّـا نـنـتـظـره في الـدّار. وكـنّـا نـنـتـظـر بـعـد ذلـك بـنـفـاد صـبـر أن يـنـتـهي مـن قـراءتـهـا لـنـرتـمي عـلـيـهـا ونـلـتـهـم مـا فـيـهـا بـأسـرع مـا يـمـكـن، عـلى شـرفـة دارنـا الـمـطـلّـة عـلى دجـلـة، أو في حـديـقـتـنـا تـحـت ظـلال أشـجـار الـنّـارنـج.

وقـد اكـتـشـفـنـا في هـذه الـمـجـلّـة، إلى جـانـب مـغـامـرات “تـهـتـه وسـمـيـر”

samir-2

و “بـعـجـر” و “بـاسـل الـكـشّـاف الـشّـجـاع”، مـغـامـرات أخـرى كـتـبـهـا ورسـمـهـا الـبـلـجـيـكي هـيـرجـيـه : “مـغـامـرات تـان تـان”.

مـغـامـرات تـان تـان :

نـجـد في مـكـتـبـات الـغـرب أعـداداً هـائـلـة مـن ألـبـومـات لـنـصـوص سـرديـة مـرسـومـة، يـسـمـيـهـا الأمـريـكـان بـالـكـومـيـكـس  Comics والـفـرنـسـيـون بـالـ Bandes dessinées   أي الـشّـرائـط الـمـرسـومـة.

وكـانـت هـذه الألـبـومـات تـتـوجّـه في الأصـل لـلـنّـاشـئـة ولـكـنّـهـا تـتـوجـه الآن لـكـلّ الـنّـاس مـن كـلّ الأعـمـار.

وقـد ادّعى الـرّسّـام الـبـلـجـيـكي جـورج ريـمي (1907ـ 1983) والـمـعـروف بـاسـم هـيـرجـيـه  Hergé (الـنّـاطـق بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة) بـأنّ أعـمـار قـرّاء ألـبـومـاتـه تـان تـان Tintin (أسـمـاهـا بـاسـم بـطـلـهـا الـشّـاب) تـتـراوح بـيـن سـبـعـة وسـبـعـة وسـبـعـيـن عـامـاً. وصـارت جـمـلـة :  “مـن سـبـعـة إلى سـبـعـة وسـبـعـيـن”  شـعـاراً دعـائـيـاً لـه يـردده الـجـمـيـع حـالـمـا يُـذكـر اسـم تـان تـان. (2)

ويـقـال إنّ الـجـنـرال ديـغـول أجـاب صـحـفـيـاً ذكـر لـه أنّـه كـان أشـهـر شـخـصـيـة فـرنـسـيـة في الـعـالـم : “تـان تـان أشـهـر مـنّي !”.

وقـد نـشـر هـيـرجـيـه أوّل ألـبـومـات “تـان تـان” سـنـة 1929.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d9%88%d9%85%d9%8a%d9%84%d9%88

 

وتـأتي أهـمـيـة هـيـرجـيـه مـن أنّـه خـلـق أسـلـوبـاً جـديـداً في رسـم قـصـصـه عُـرف بـأسـلـوب “الـخـطـوط الـواضـحـة”، فـهـو قـد تـخـلـص في رسـومـه مـن كـلّ الـتّـفـاصـيـل الـثّـانـويـة الّـتي كـانـت تـثـقـلـهـا، ولـم يُـبـقِ إلّا الـخـطـوط الـرّئـيـسـيـة الـبـالـغـة الـوضـوح والـنّـقـاء لـلأشـخـاص والأمـاكـن والأشـيـاء الّـتي يـمـلأهـا بـألـوان زاهـيـة صـافـيـة.

وقـد حـسّـن أسـلـوبـه شـيـئـاً فـشـيـئـاً إلى أن بـلـغ بـه درجـة عـالـيـة مـن الـجـمـالـيـة. وتـبـعـه في ذلـك عـدد كـبـيـر مـن الـرّسّـامـيـن حـتّى أصـبـح أسـلـوب “الـخـطـوط الـواضـحـة” مـدرسـة فـنّـيـة اكـتـسـبـت نـفـس أهـمـيـة الـمـدارس الـفـنّـيـة الأخـرى.

وقـد خُـصـص لـلـرّسّـام هـيـرجـيـه ولـشـخـصـيـتـه الـمـرسـومـة “تـان تـان” مـتـحـف في مـديـنـة بـروكـسـل، عـاصـمـة بـلـجـيـكـا. كـمـا تـقـام لـه مـعـارض فـنّـيـة مـهـمّـة في الـمـتـاحـف وقـاعـات الـعـرض مـثـل الـمـعـرض الّـذي أقـيـم في بـاريـس هـذا الـعـام.

تـان تـان في بـلاد الـذّهـب الأسـود :

نـشـر هـيـرجـيـه بـيـن أيـلـول 1939 وأيّـار 1940 قـصّـة سـرديّـة بـرسـوم في خـانـات مـتـتـابـعـة في مـجـلّـة “صـغـيـر الـقـرن الـعـشـريـنLe petit Vingtième ” الـبـلـجـيـكـيـة  تـحـت عـنـوان : “تـان تـان في بـلاد الـذّهـب الأسـود”. وكـانـت رسـومـهـا بـالأبـيـض والأسـود.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%b5%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d9%86

ثـمّ أعـاد نـشـرهـا في مـجـلّـة “تـان تـان” ولـكـن بـالألـوان هـذا الـمـرّة بـيـن 1948 و1950. ونـشـر قـصّـتـه الـمـرسـومـة هـذه بـالألـوان في ألـبـوم عـام 1950.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%ba%d9%84%d8%a7%d9%81-3

وقـد نـشـر هـيـرجـيـه قـصـتـه هـذه، كـمـا ذكـرنـا في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة. وهي قـصـة خـيـالـيـة لـهـا عـلاقـة بـالـصّـراع بـيـن الـمـعـسـكـريـن الـمـتـحـاربـيـن : الـحـلـفـاء والـمـحـور، رغـم أنّـه رسـمـهـا قـبـل انـدلاع الـحـرب.

ويـنـبـغي أنّ أشـيـر هـنـا إلى أنّ مـجـلّـة  “صـغـيـر الـقـرن الـعـشـريـن  Le petit Vingtième”  الّـتي نـشـرهـا فـيـهـا أوّل مـرّة كـانـت مـجـلّـة يـمـيـنـيـة تـروّج لـلأفـكـار الإسـتـعـمـاريـة الإسـتـعـلائـيـة، وتـلـقي عـلى “الـشّـعـوب الـمـتـخـلّـفـة” نـظـرة فـيـهـا كـثـيـر مـن الـسّـخـريـة الإحـتـقـاريـة.

قـصّـة الألـبـوم :

tintin-couverture

تـبـدأ الـقـصّـة بـتـوصّـل مـجـمـوعـات إجـرامـيـة إلى تـسـويـق وقـود “بـنـزيـن” مـغـشـوش أدّى إلى انـفـجـار عـدّة سـيّـارات، ولـهـذا قـررّ الـصّـحـفي الـشّـاب تـان تـان الـسّـفـر إلى الـشّـرق الأدنى لـيـحـقـق في الأمـر.

%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86

وصـاحـبـه في مـغـامـرتـه هـذه، مـثـلـمـا في كـلّ الـمـغـامـرات الأخـرى كـلـبـه الأبـيـض الـصّـغـيـر “مـيـلـو”، ورفـيـقـه الـطّـيـب الـقـلـب الـسّـكّـيـر الـمـعـربـد الـقـبـطـان هـادوك.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d9%88%d8%a3%d8%b5%d8%ad%d8%a7%d8%a8%d9%87

وعـنـدمـا وصـل تـان تـان إلى إمـارة خـمـيـد Khmed    وجـد أنّ شـركـتـيـن مـنـتـجـتـيـن لـلـنّـفـط  : الأرابـكـس    l’Arebex   والـسـكـويـل بـيـتـرولـيـوم  la Skoil Petroleum  كـانـتـا قـد أشـعـلـتـا صـراعـاً عـلى الـسّـلـطـة بـيـن الأمـيـر مـحـمّـد بـن كـالـيـش الـزّاب  l’émir Mohammed Ben Kalish Ezab

%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1

والـشّـيـخ بـاب الإحـر  Bab El Ehr.

%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%b1

ونـرى طـائـرات الأمـيـر تـلقي عـلى مـضـارب الـشّـيـخ بـأوراق هـجـمـات دعـائـيـة ضـدّه، ونـرى الـشّـيـخ يـسـبّ ويـلـعـن بـالـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصّ، و”مـيـلـو”، كـلـب تـاتـان الأبـيـض الـصّـغـيـر يـطـلـب مـنـه بـالـفـرنـسـيـة : “لا تـسـتـمـع إلـيـه، فـلابـد أنّ مـا يـقـولـه شـديـد الـبـذاءة”.

tintin-au-paysواكـتـشـف تـان تـان أيـضـاً أنّ الألـمـاني دكـتـور مـيـلـر docteur Müller  الـذّي انـتـحـل شـخـصـيـة عـالـم آثـار، كـان يـمـثّـل شـركـة سـكـويـل،  وأنّـه كـان عـمـيـلاً سـريّـاً لـ “قـوّة أجـنـبـيـة” تـريـد الـسّـيـطـرة عـلى آبـار الـنّـفـط وعـلى مـخـزونـه في الـعـالـم لـتـسـتـطـيـع احـتـكـاره في حـالـة انـدلاع حـرب وإفـسـاد مـا يـسـتـطـيـع الأعـداء الـحـصـول عـلـيـه. ويـقـصـد بـالـقـوّة الأجـنـبـيـة ألـمـانـيـا الّـتي كـانـت تـسـتـعـد لـدخـول الـحـرب ضـدّ الـحـلـفـاء ومـن بـيـنـهـم فـرنـسـا وتـابـعـتـهـا بـلـجـيـكـا.

وفي الـصّـيـغـة الأولى الّـتي نـشـرت في 1939، أثـار تـان تـان الـشّـكـوك بـأنّـه كـان يـتـاجـر بـالـمـخـدرات، وقـبـض عـلـيـه. وخـلال نـقـلـه إلى الـسّـجـن اسـتـطـاع بـعـض أعـضـاء مـنـظـمـة الأرغـون الـصّـهـيـونـيـة الإرهـابـيـة خـطـفـه مـن بـيـن أيـدي رجـال الـشّـرطـة مـعـتـقـديـن أنّـه كـان زمـيـلـهـم سـالـمـون غـولـدشـتـايـن، فـقـد كـان الـشّـبـه بـيـنـهـمـا كـبـيـراً. ولـكـن رجـال الـشّـيـخ بـاب الإحـر تـابـعـوهـم مـعـتـقـديـن هـم أيـضـاً أنّـه غـولـدشـتـايـن وقـبـضـوا عـلـيـه. وبـعـد أن اكـتـشـفـوا الـحـقـيـقـة تـركـوه وحـده وسـط الـصّـحـراء حـتّى أغـمي عـلـيـه مـن الـعـطـش!

ولـكـن هـذا الـجـزء مـن الـقـصّـة حـذف في صـيـغـة 1948، أي بـعـد إنـشـاء دولـة إسـرائـيـل، ومـحـو دور الـمـنـظـمـات الإرهـابـيـة في إنـشـائـهـا مـن مـقـالات الـصّـحـافـة وكـتـب الـتّـاريـخ في الـغـرب. وتـغـيّـر الـسّـيـنـاريـو. وقـد أثّـار تـان تـان في الـسّـيـنـاريـو الـجـديـد الـشّـكـوك بـأنّـه كـان يـمـدّ الـشّـيـخ بـاب الإحـر بـالـسّـلاح، فـقـبـض عـلـيـه رجـال الأمـيـر مـحـمّـد بـن كـالـيـش الـزّاب.

وقـد اسـتـطـاع الـشّـيـخ بـاب الإحـر خـطـفـه مـن قـصـر الأمـيـر. ولـكـنّـه أدرك خـطـأه بـعـد ذلـك فـ “تـان تـان” لا يـتـاجـر بـالأسـلـحـة، ولـهـذا اصـطـحـبـه رجـالـه إلى الـصّـحـراء وتـركـوه وحـده بـلا مـاء.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86

ولـكـنّ تـان تـان بـعـد أن غـشي عـلـيـه اسـتـعـاد وعـيـه، وأبـصـر بـالـدّكـتـور مـيـلـر وهـو يـخـرب أنـابـيـب الـنّـفـط.

وبـعـد ذلـك وصـل رجـلا الـشّـرطـة الـمـدنـيـيـن دوبـونـت و دوبـونـد (وهـمـا شـخـصـان مـضـحـكـان)

%d8%af%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%86%d8%aa-%d9%88%d8%af%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%86%d8%af-2

وكـانـا يـحـقـقـان في نـفـس الـقـضّـيـة. وأنـقـذاه وأعـاداه إلى الـمـديـنـة الّـتي فـيـهـا قـصـر الأمـيـر مـحـمّـد بـن كـالـيـش الـزّاب.

وفي نـفـس الـوقـت، تـوصّـل الـدّكـتـور مـيـلـر إلى خـطـف عـبـد الله، إبـن الأمـيـر، لـيـجـبـر والـده الأمـيـر عـلى طـرد شـركـة الأرابـكـس مـن أراضـيـه ولـيـتـرك إنـتـاج الـنّـفـط لـشـركـة الـسـكـويـل بـيـتـرولـيـوم. واتّـهـم الـدّكـتـور مـيـلـر الـشّـيـخ بـاب الإحـر بـخـطـف ابـن الأمـيـر لـكي يـبـعـد عـنـه الـشّـكـوك.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-40

واسـتـلـم الأمـيـر رسـالـة الـدّكـتـور مـيـلـر الّـتي وقّـعـهـا بـاسـم الـشّـيـخ

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-005

ونـلاحـظ أنّ الّـذي كـتـبـهـا بـالـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصّ الأصـلي، والّـذي لـم أجـد عـنـه أيّـة مـعـلـومـات، كـتـب “مـحـمـد بـن خـلـيـل” بـدلاً مـن ” l’émir Mohammed Ben Kalish Ezab “، وكـتـب “بـاب الأمـيـر”  بـدلاً مـن “Bab El Ehr”.  ولا بـدّ أنّـه فـعـل ذلـك لأنّ الأسـمـاء الـغـريـبـة الـمـضـحـكـة الّـتي اخـتـلـقـهـا الـرّسّـام هـيـرجـيـه لـشـخـصـيـاتـه لـيـس لـهـا عـلاقـة بـالأسـمـاء الـعـربـيـة، ولـم تـقـنـع الـذّي تـرجـمـهـا لـه والّـذي كـان ولا شـكّ مـن أصـل عـربي.

وقـد أرى الأمـيـر الـرّسـالـة لـتـان تـان، وأراه أيـضـاً لـوحـة تـصـوّر ابـنـه عـبـد الله الـمـخـتـطـف.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d9%84%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%87%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%b3%d9%88%d8%af

ونـفـتـح أعـيـنـنـا عـلى سـعـتـهـا دهـشـة، فـصـورة الـطّـفـل مـنـقـولـة بـتـفـاصـيـلـهـا وجـزئـيـاتـهـا عـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة لـفـيـصـل بـن غـازي، الّـذي تـوّج بـعـد ذلـك تـحـت اسـم فـيـصـل الـثّـاني، مـلـك الـعـراق.

وكـانـت الـصّـورة قـد الـتـقـطـت عـام 1940، عـنـدمـا كـان فـيـصـل طـفـلاً في الـخـامـسـة مـن عـمـره.

%d9%81%d9%8a%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%b7%d9%81%d9%84%d8%a7%d9%8b-2

 

ولـنـتـفـحـصّ الـصّـورة والـرّسـم الـمـنـقـول عـنـهـا، ولـنـدقـق في الـتّـفـاصـيـل … لـيـس هـنـاك مـن شـكّ : رسـم هـيـرجـيـه نـسـخـة مـن صـورة فـيـصـل طـفـلاً، بـعـد أن غـيّـر الـرّسّـام مـلامـح الـمـلـك الـصّـغـيـر الـعـذبـة الـوديـعـة وحـوّلـهـا إلى مـلامـح وقـاحـة وعـنـاد لـيـخـلـق شـخـصـيـة الـولـد الـشّـقي، وحـوّل بـشـرتـه الـبـيـضـاء إلى بـشـرة غـامـقـة الـلـون !

وقـد أدرك تـان تـان خـطّـة الـدّكـتـور مـيـلـر واسـتـطـاع إيـجـاد عـبـد الله، إبـن الأمـيـر الـمـدلـل الّـذي كـان سـعـيـداً في الـمـكـان الّـذي وضـعـه فـيـه خـاطـفـه الّـذي أعـطـاه كـثـيـراً مـن الـلـعـب. وكـان عـبـد الله مـنـهـمـكـاً في إثـارة أعـصـاب تـان تـان بـشـقـاوتـه ولـم يـكـن يـريـد تـرك هـذا الـمـكـان الـمـمـتـع. وقـد اسـتـطـاع تـان تـان بـعـد صـعـوبـات بـالـغـة أن يـرجـعـه إلى قـصـر أبـيـه.

وقـد اسـتـطـاع تـان تـان أيـضـاً، بـمـسـاعـدة صـديـقـه الـكـابـتـن هـادوك الـقـبـض عـلى الـدّكـتـور مـيـلـر،

%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d9%8a%d9%84%d8%b1

وعـثـر عـلى الـمـادة الـخـطـرة الّـتي كـانـت تـوضـع في وقـود “الـبـنـزيـن” لـتـفـجـيـر الـسّـيّـارات. وقـد بـعـثـاهـا إلى الـبـروفـسـور تـورنـسـول الّـذي وجـد لـهـا مـادّة مـضـادة لـيـنـقـذ أرواح الآلاف مـن سـوّاق الـسّـيّـارات !

ورغـم سـذاجـة الـقـصّـة والأسـمـاء الـغـريـبـة الّـتي اخـتـلـقـهـا هـيـرجـيـه لـشّـيـوخ الـنّـفـط فـمـا زال الألـبـوم يـطـبـع ويـعـاد طـبـعـه وتـبـاع مـنـه آلاف الـنّـسـخ …

ومـا زال الـصّـغـار والـكـبـار يـتـأمّـلـون صـورة الـطّـفـل الـمـدلـل الـشّـقي عـبـد الله، إبـن الأمـيـر مـحـمّـد بـن كـالـيـش الـزّاب، وهـم لا يـعـرفـون أنّـهـا نـسـخـت مـن صـورة الـطّـفـل فـيـصـل الـثّـاني، إبـن مـلـك الـعـراق غـازي، وحـفـيـد الـمـلـك فـيـصـل الأوّل.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  كـانـت الـمـجـلّـة تـصـدر عـن دار الـهـلال. (صـدر عـددهـا الأوّل في أبـريـل/ نـيـسـان 1956).

(2)  أخـذت مـجـلّـة سـمـيـر الـقـاهـريـة هـذا الـشّـعـار الـدّعـائي وحـولـتـه إلى : “مـن 8 إلى 88”.

حـرامي بـغـداد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 %d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-1924-2

شـاهـدت عـنـدمـا كـنـت صـغـيـراً، فِـلـم “حـرامي بـغـداد” عـلى شـاشـة تـلـفـزيـون بـغـداد. وكـان الـتّـلـفـزيـون في ذلـك الـحـيـن بـالأبـيـض والأسـود، فـلـم نـكـن قـد رأيـنـا الـتّـلـفـزيـون الـمـلـوّن بـعـد.

وكـنـت أعـتـقـد أنّـه كـان الـفـلـم الـوحـيـد الّـذي اسـمـهThe Thief of Baghdad  حـتّى عـرفـت بـعـد ذلـك أنّ هـنـاك أربـعـة أفـلام لـهـا نـفـس الإسـم أخـرجـت في سـنـوات 1924 و 1940 و 1961 و 1978، مـا عـدا الـفـلـم الألـمـاني الّـذي أخـرج في 1952 كـصـيـغـة مـحـلـيـة لـفـلـم 1940، والـفـلـم الـهـنـدي الّـذي أخـرج في  1977…

ثـمّ شـاهـدتـهـا كـلّـهـا بـعـد ذلـك في نـوادي الـسّـيـنـمـا ومـكـتـبـات الأفـلام  (الـسّـيـنـمـاتـيـك). ويـمـكـنـنـا الآن أن نـشـاهـدهـا في تـسـجـيـلات  D.V.D. أو مـبـاشـرة عـلى الأنـتـرنـت.

وكـلّ هـذه الأفـلام، كـمـا يـتـوقـع الـقـارئ الـعـزيـز ذلـك، سـاذجـة الـمـحـتـوى بـسـيـطـة الـعـرض، هـدفـهـا تـسـلـيـة الـمـشـاهـد ونـقـلـه إلى أجـواء غـريـبـة عـجـيـبـة، لا عـمـق فـيـهـا ولا ابـتـكـار رغـم الـنّـجـاح الـسّـاحـق الّـذي لاقـتـه.

وعـنـدمـا أقـرأ الـجـرائـد الـعـراقـيـة ألاحـظ أنّ الـكـتّـاب والـصّـحـفـيـيـن عـنـدمـا يـتـكـلّـمـون عـن “فـلـم” حـرامي بـغـداد لا يـذكـرون في الـحـقـيـقـة نـفـس الـفـلـم، فـهـم يـتـكـلّـمـون في الـغـالـب عـن الـثّـاني الّـذي أخـرج في 1940 ومـثّـلـه الـهـنـدي سـابـو Sabu، أو عـن الـثّـالـث الّـذي أخـرج في 1961 ومـثّـلـه سـتـيـف ريـفـز  Steve Reeves.

وسـأعـرض بـسـرعـة في مـا يـلي مـحـتـوى الأفـلام الأربـعـة :

الـفـلـم الأوّل

The Tief of Bagdad (1924) :

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-1924-1

فـلـم أمـريـكي بـالأبـيـض والأسـود، وهـو فـلـم صـامـت أي أنّ الأصـوات الـوحـيـدة فـيـه مـوسـيـقى خـلـفـيـة. وعـنـدمـا يـتـكـلّـم الـمـمـثـلـون تـظـهـر قـطـع مـكـتـوبـة عـلـيـهـا مـا يـقـولـون.

وقـصـة الـفـلـم لا أصـل لـهـا في حـكـايـات ألـف لـيـلـة ولـيـلـة وإنّـمـا هي تـقـلـيـد لـهـا كـتـبـهـا دوغـلاس فـيـربـانـكـس  Douglas Fairbanks الّـذي كـان أشـهـر مـمـثـلي هـولـيـوود في ذلـك الـزّمـن.

وقـد مـثّـل هـو نـفـسـه دور الـحـرامي أحـمـد في الـفـلـم، وهـو الّـذي أنـتـج الـفـلـم أيـضـاً ! وقـد اخـتـار لإخـراجـه راول ولـش  Raoul Walsh.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-1924-3

نـرى في بـدايـة الـفـلـم الـحـرامي أحـمـد يـسـرح في دروب بـغـداد ويـمـرح، ويـتـسـلى بـسـرقـة أثـريـائـهـا. ويـسـرق في أحـد الـمـشـاهـد حـبـلاً مـن سـاحـر ويـتـسـلّـق عـلـيـه إلى شـرفـة لـيـهـرب مـن مـطـاردة الـشّـرطـة ويـسـخـر مـنـهـم وهـم يـتـصـادمـون بـحـثـاً عـنـه في كـلّ الإتـجـاهـات.

Douglas Fairbanks in a scene from THE THIEF OF BAGDAD, 1924.

وفي مـشـهـد آخـر يـتـسـلّـق شـجـرة. ومـن أعـلاهـا يـلـمـح الأمـيـرة بـنـت خـلـيـفـة بـغـداد في حـديـقـتـهـا، فـيـجـنّ بـهـا حـبّـاً. ويـتـسـلـل في الـلـيـل إلى داخـل الـقـصـر لـيـنـظـر إلـيـهـا غـارقـة في نـومـهـا، ويـدرك عـنـدهـا انّـه فـقـد حـريـتـه وسـقـط في أسـرهـا.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-8

وفي يـوم عـيـد مـيـلاد الأمـيـرة يـأتي ثـلاثـة مـن أكـثـر أمـراء الـدّنـيـا تـسـلـطـاً وثـراءً يـطـلـبـون يـدهـا مـن أبـيـهـا الـخـلـيـفـة : أمـيـر الـهـنـد وأمـيـر الـفـرس وأمـيـر الـمـغـول. ويـأتي أحـمـد أيـضـاً مـتـنـكّـراً في زي أمـيـر مـمـتـطـيـاً فـرسـاً.

وتـطـلـب الأمـيـرة مـهـلـة لـتـفـكّـر، ثـمّ تـأمـر أن يـأتي لـهـا كـلّ أمـيـر مـنـهـم بـأنـدر مـا في الـدّنـيـا مـن خـزائـن قـبـل أن تـمـضي سـبـعـة أقـمـار (سـبـعـة أشـهـر) وسـتـخـتـار مـن يـقـدّم لـهـا مـا لا مـثـيـل لـه ومـا لـم يـره أحـد مـن قـبـل.

وبـعـد مـغـامـرات طـويـلـة ومـخـاطـرات رهـيـبـة

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-9

يـعـود أحـمـد بـأنـدر مـا عـلى الأرض ويـتـزوّج بـالأمـيـرة، ويـحـلـقـان عـلى بـسـاط الـرّيـح فـوق بـغـداد.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-1924-4

ولا يـمـكـنـنـا هـنـا إلّا أن نـشـيـد بـالـحـسّ الـجـمـالي لـدوغـلاس فـيـربـانـكـس الّـذي أشـرف عـلى ديـكـورات مـشـاهـد الـفـلـم، مـن إعـدادهـا بـرسـوم ألـوان مـائـيـة بـديـعـة

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-5

إلى تـنـفـيـذهـا الـنّـهـائي الـشّـديـد الـجـمـال كـمـا في ديـكـورات مـديـنـة بـغـداد (الـخـيـالـيـة)

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-3

وبـعـد الـنّـجـاح الـبـاهـر الّـذي لاقـاه الـفـلـم، صـدر كـتـاب يـدّعي أنّ كـاتـبـه هـو أحـمـد عـبـد الله Achmed Abdullah أي حـرامي بـغـداد. وأنّـه يـعـتـمـد عـلى نـصّ دوغـلاس فـيـربـانـكـس الـمـأخـوذ مـن ألـف لـيـلـة ولـيـلـة.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-2

وقـد كـتـب الـنّـصّ في الـحـقـيـقـة إلـتـون تـومـاس  Elton Thomas . كـمـا كـتـبـت لـوتـا وودز Lotta Woods تـلـخـيـصـاً لـه. واحـتـوى الـكـتـاب عـلى عـدد مـن الـصّـور الـمـأخـوذة مـن الـفـلـم.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8

 

الـفـلـم الـثّـاني

The Thief of Baghdad (1940) :

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84

 

فـلـم بـريـطـاني بـالألـوان أنـتـجـه الإسـكـنـدر كـوردة Alexander Korda وعـهـد بـإخـراجـه لـثـلاثـة مـخـرجـيـن : لـودفـيـغ بـرغـر  Ludwig Berger ومـايـكـل بـويـلMicheal Powel   وتـيـم ولان Tim Whelan.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-7(مـلـصـقـة ألـمـانـيـة لـلـفـلـم)

وقـد اخـتـار الإسـكـنـدر كـوردة مـوسـيـقـاراً مـجـريـاً مـشـهـوراً : مـيـكـلـوس روزسـا  Miklos Rozsa لـيـؤلّـف مـوسـيـقى الـفـلـم.

وقـد اشـتـهـرت هـذه الـمـوسـيـقى وصـدرت في أسـطـوانـات مـنـفـصـلـة يـمـكـن إيـجـادهـا عـنـد بـاعـة الأسـطـوانـات.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%8a%d9%82%d9%89

ويـمـثّـل الـحـرامي في الـفِـلـم شـاب مـن أصـل هـنـدي كـان آنـذاك في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره : سـابـو  Sabu . وهـو الـفـلـم الّـذي شـاهـدنـاه في تـلـفـزيـون بـغـداد في مـنـتـصـف الـسّـتـيـنـيـات.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-5(مـلـصـقـة إيـطـالـيـة لـلـفـلـم)

نـرى في بـدايـة الـفـلـم شـحـاذاً وكـلـبـه يـحـكي لـلـنّـاس قـصـتـه.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-9

ونـعـرف أنّـه الـمـلـك أحـمـد وأنّ وزيـره الـشّـريـر جـعـفـر كـان يـضـطـهـد الـنّـاس بـاسـمـه حـتّى أثـارهـم ضـدّه وأنـزلـه مـن الـعـرش لـيـأخـذ مـكـانـه بـعـد أن ألـقـاه في الـسّـجـن.

وفي الـسّـجـن الـتـقي الـمـلـك أحـمـد بـحـرامي بـغـداد، واسـمـه في هـذا الـفـلـم أبـو  Abu. ويـحـتـال أبـو عـلى الـحـرّاس ويـخـرج الـمـلـك أحـمـد مـن الـسّـجـن. ثـم يـذهـبـان إلى الـبـصـرة، ويـلـتـقي فـيـهـا الـمـلـك أحـمـد بـبـنـت سـلـطـان الـبـصـرة ويـعـشـقـهـا، ولـكـنّ الأقـدار تـبـعـده عـنـهـا.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-2(مـلـصـقـة لـلـنّـسـخـة الـفـرنـسـيـة مـن الـفـلـم)

ويـجـمـع الـمـلـك أحـمـد أنـصـاره ويـعـود إلى بـغـداد ويـسـتـرجـع عـرشـه بـمـسـاعـدة الـحـرامي الـصّـغـيـر ويـتـزوّج بـالأمـيـرة.

ولـمـكـافـأة الـحـرامي أبـو، يـقـرر الـمـلـك أحـمـد أن يـرسـلـه إلى الـمـدرسـة لـيـتـعـلّـم ثـمّ يـجـعـلـه وزيـره، ولـكـن أبـو كـان يـكـره الـمـدرسـة ويـفـضـل أن يـركـب عـلى بـسـاط الـرّيـح ويـحـلّـق فـوق بـغـداد تـاركـاً الـمـديـنـة نـحـو مـغـامـرات جـديـدة.

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9(مـلـصـقـة لـنـسـخـة عـربـيـة مـن الـفـلـم)

 

الـفـلـم الـثّـالـث

The Thief of Baghdad (1961) :

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab-3

فـلـم إيـطـالي عـنـوانـه الأصـلي بـالإيـطـالـيـة  Il ladro di Bagdad ، ولـكـنـه عـرض في بـغـداد بــنـسـخـتـه الأمـريـكـيـة.  أخـرجـه أرتـور لـوبـيـن Arthur Lubin وبـرونـو فَـيـلاتي  Bruno Vailati، ومـثّـل دور حـرامي بـغـداد فـيـه سـتـيـف ريـفـز  Steve Reeves، الّـذي كـان مـمـثـلاً هـولـيـووديـاً شـديـد الـشّـهـرة في ذلـك الـزّمـن.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab-2

يـرى حـرامي بـغـداد (واسـمـه في هـذا الـفِـلـم كـريـم) الأمـيـرة أمـيـنـة فـيـفـقـد صـوابـه ويـجـنّ بـهـا حـبّـاً، ويـحـتـال لـلـقـائـهـا مـدعـيـاً أنّـه خـطـيـبـهـا الأمـيـر عـثـمـان الّـذي لـم تـكـن قـد رأتـه بـعـد. ولـكـنّ عـثـمـان يـصـل إلى بـغـداد وتـنـكـشـف الـخـدعـة.

وقـد غـيّـرت الأمـيـرة رأيـهـا بـعـد أن رأت كـريـم، ومـاطـلـت في تـحـديـد يـوم زواجـهـا بـالأمـيـر عـثـمـان.

ثـمّ اسـتـطـاعـت أن تـقـنـع أبـاهـا بـأن يـعـلـن أنّ مـن سـيـواجـه كـلّ الأخـطـار لـيـأتي لـلأمـيـرة بـوردة الأسـاطـيـر الـزّرقـاء سـيـتـزوجـهـا ويـصـبـح سـلـطـان بـغـداد.

وبـعـد أن قـام الـحـرامي كـريـم بـأعـمـال بـطـولـيـة لا مـثـيـل لـهـا عـاد إلى بـغـداد وقـدّم وردة الأسـاطـيـر الـزّرقـاء لـلأمـيـرة.  وهـكـذا تـزوّجـهـا وأصـبـح سـلـطـان بـغـداد.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab

 

الـفـلـم الـرّابـع

The Thief of Baghdad (1978) :

51hs0w6v5ml__sy300_

وهـو فـلـم أمـريـكي لـلـتّـلـفـزيـون أخـرجـه كـلـيـف دونـر Clive Donner  ،ومـثّـل الـحـرامي فـيـه رودي مـاكـدويـل  Roddy McDowel  .واسـم الـحـرامي في هـذا الـفِـلـم حـسـن.

w8a2upp1

وهـو فـلـم لا يـسـتـحـق إضـاعـة سـاعـة ونـصـف في مـشـاهـدتـه. والـحـرامي حـسـن يـسـاعـد الأمـيـر تـاج ضـدّ سـاحـر شـريـر ويـتـزوّج بـالأمـيـرة يـاسـمـيـن.

ولـم أذكـر هـنـا وبـسـرعـة إلّا أهـم مـا أخـرج مـن أفـلام عـن “حـرامي بـغـداد”، مـن غـيـر إشـارة إلى الإنـتـاجـات الـتّـلـفـزيـونـيـة أو إلى أفـلام الـرّسـوم الـمـتـحـرّكـة أو كـتـب الأطـفـال والـنّـاشـئـة  أو إلى ألـبـومـات الـشّـرائـط الـمـرسـومـة (كـومـيـكـس).

ومـازال حـرامي بـغـداد يـشـغـل جـزءاً مـن الـمـخـيـلـة الـغـربـيـة، ويـكـفي أن أذكـر لـذلـك فـلـم رسـوم مـتـحـرّكـة مـن سـلـسـلـة الـسّـامـبـسـون Sampson الـشّـديـدة الـشّـهـرة

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%a8%d8%b3%d9%88%d9%86

أو لـعـبـة فـيـديـو ذائـعـة الـصّـيـت عـنـوانـهـا :  The Thief of Baghdad.

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%a9

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) مـلـصـقـة لـلـفـلـم الـهـنـدي (1977)

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-1977

 

أوغـسـطـس إدويـن جـون يـرسـم صـورة الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

5063900310_8635a394f4_o

دهـشـت، قـبـل سـنـوات طـويـلـة، عـنـدمـا وجـدت في دلـيـل لـمـتـحـف أشـمـولـيـان Ashmolean Museum of Art  في جـامـعـة أكـسـفـورد، إنـكـلـتـرة، لـوحـة لـلأمـيـر فـيـصـل (زيـت عـلى قـمـاش 72 × 53 سـنـتـم.) كـان قـد رسـمـهـا في 1919 فـنّـان لـم أكـن قـد سـمـعـت بـاسـمـه في وقـتـهـا : أوغـسـطـس إدويـن جـون  Augustus Edwin John.

وقـد ازداد فـضـولي عـنـدمـا قـرأت أنّ الـلـوحـة كـانـت في مـجـمـوعـة  مـقـتـنـيـات الـكـولـونـيـل لـورنـس  T.E. Lawrence الـمـعـروف بـ “لـورنـس الـعـرب”.  وأهـداهـا ورثـتـه لـلـمـتـحـف في 1936، أي في الـعـام الـتّـالي لـوفـاتـه.

وعـنـدمـا بـدأت أبـحـث عـن الـرّسّـام إدويـن جـون، وجـدت أنّـه ولـد في بـلاد الـويـلـز، ودخـل في 1895 مـدرسـة فـنّ في الـمـديـنـة الّـتي ولـد فـيـهـا : تـيـنـبي، وكـان في الـسّـابـعـة عـشـرة مـن عـمـره. ثـمّ ذهـب إلى لـنـدن ودرس في الـسّـلـيـد سـكـول  The Slade Scool of Arts.

وفي 1898 حـصـل عـلى جـائـزة الـسّـلـيـد الّـتي كـان يـحـلـم بـهـا كـلّ طـلّاب الـمـدرسـة. وقـد ذهـب بـعـد ذلـك إلى بـاريـس لإكـمـال دراسـتـه الـفـنّـيـة، ولـكـن مـشـاكـلـه الـمـاديـة دفـعـتـه لـقـبـول وظـيـفـة تـدريـس في جـامـعـة لـيـفـربـول في 1901.

%d8%a3%d9%88%d8%ba%d8%b3%d8%b7%d8%b3-%d8%ac%d9%88%d9%86

وقـد انـضـمّ جـون إلى الـقـوات الـكـنـديـة في فـرنـسـا خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى كـرسّـام حـرب. ورسـم صـوراً لـكـثـيـر مـن الـجـنـود، ولـكـنّـه طـرد بـعـد شـهـريـن لـمـشـاركـتـه في مـشـاجـرة انـتـهـت بـضـربـات وجـروح.

وأعـيـد إلى بـريـطـانـيـا الّـتي كـاد فـيـهـا أن يـمـثـل أمـام مـحـكـمـة عـسـكـريـة لـولا تـدخّـل مـسـؤولـيـن مـن الـمـعـجـبـيـن بـفـنّـه، وأنـقـذوه مـن الـمـحـاكـمـة وأرسـلـوه إلى فـرنـسـا مـن جـديـد.

إدويـن جـون والأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن :

وقـد كـان الـفـنّـان إدويـن جـون في بـاريـس عـام 1919 عـنـدمـا جـاء إلـيـهـا الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن لـيـنـوب عـن أبـيـه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة في مـؤتـمـر الـصّـلـح. وقـد طـلـب مـنـه إدويـن جـون أن يـجـلـس أمـامـه لـيـرسـمـه. ووافـق الأمـيـر فـيـصـل (الّـذي أصـبـح بـعـد ذلـك مـلـكـاً عـلى سـوريـا، ثـمّ مـلـكـاً عـلى الـعـراق تـحـت اسـم فـيـصـل الأوّل). وكـان الـكـولـونـيـل لـورنـس بـصـحـبـة الأمـيـر فـيـصـل.

ولاشـكّ في أنّ لـورنـس هـو الّـذي قـدّم الـفـنّـان إدويـن جـون لـلأمـيـر فـيـصـل، فـقـد كـان جـون قـد رسـم لـوحـة لـلـورنـس يـرتـدي فـيـهـا الـغـتـرة والـعـقـال والـثّـوب الأبـيـض والـعـبـاءة والـخـنـجـر الـذّهـبي الّـتي كـان فـيـصـل قـد أهـداهـا لـه في الـحـجـاز (والـلـوحـة الآن في The National Portrait Gallery في لـنـدن)،

163bc57dce2cab89be5bd26b25d4bffa

كـمـا بـقي تـخـطـيـط لـصـورة لـلـورنـس رسـمـه جـون بـالـقـلـم الـرّصـاص.

imagesq782o1q1

وفي عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، إشـتـهـر جـون شـهـرة كـبـيـرة  ورسـم لـوحـات لـمـشـاهـيـر عـصـره مـثـل تـومـاس هـاردي وجـورج بـرنـارد شـو …

وقـد عـرفـت بـعـد ذلـك أنّ مـتـحـف بـرمـنـغـهـام Birmingham Museum  يـمـتـلـك نـسـخـة أخـرى مـن الـلـوحـة (زيـت عـلى قـمـاش 90،2 × 63،5 سـنـتـم.). وهي أكـبـر مـن لـوحـة أكـسـفـورد (زيـت عـلى قـمـاش 72 × 53 سـنـتـم.)، وصـورة فـيـصـل أوسـع، نـراه فـيـهـا يـتـكئ بـذراعـة الأيـسـر عـلى وسـادة.

brm_bmag_1920p93_large

وقـد وجـدت عـنـد أحـد بـاعـة الـكـتـب قـبـل سـنـوات نـسـخـة قـديـمـة مـن طـبـعـة 1936 لـكـتـاب الـكـولـونـيـل لـورنـس : أعـمـدة الـحـكـمـة الـسّـبـعـة          The Seven Pillars of Wisdom.

ووجـدت أنّ لـورنـس وضـع فـيـه  بـيـن صـفـحـتي  38 و39 ، صـورة بـالأبـيـض والأسـود لـلـوحـة أكـسـفـورد الّـتي احـتـفـظ بـهـا حـتّى وفـاتـه.

%d9%81%d9%8a%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-2

كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

%d8%ac%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%85%d8%b4-8

كـان جـلـجـامـش (أو كـلـكـامـش)، مـلـك مـديـنـة الـوركـاء في بـلاد سـومـر، بـطـل حـكـايـات خـارقـة لـلـعـادة وصـلـنـا بـعـضـهـا بـالـلـغـة الـسّـومـريـة وبـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة. كـمـا وصـلـتـنـا تـرجـمـات لـهـا إلى الـلـغـة الأّكّـديـة، جـمـعـت في الـعـصـر الـبـابـلي لـتـكّـون مـلـحـمـة مـتـكـامـلـة.

وقـد لاقـت الـمـلـحـمـة نـجـاحـاً مـنـقـطـع الـنّـظـيـر. ووجـد مـنـقـبـو الآثـار مـنـذ الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر أجـزاء مـن ألـواح كـتـبـت عـلـيـهـا أحـداث الـمـلـحـمـة في مـنـاطـق مـخـتـلـفـة مـن بـلاد مـا بـيـن الـنـهـريـن والـمـنـاطـق الّـتي تـحـيـط بـهـا، إمّـا بـالـلـغـة الأكّـديـة (أي الـبـابـلـيـة ــ الآشـوريـة)، أو مـتـرجـمـة إلى لـغـات أخـرى مـثـل الـحـيـثـيـة أو الـحـوريـة (الـهـوريـة).

وقـد اسـتـمـر انـتـشـارهـا أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة حـتّى صـيـغـتـهـا الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) في الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، أي بـعـد ثـلاثـة قـرون عـلى سـقـوط الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة، آخـر دول بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة.

إكـتـشـاف الـحـضـارة الآشـوريـة :

أزاح بـول إمـيـل بـوتـا Paul-Emile Botta عـام 1843 الـتّـراب عـن “دور شـروكـيـن”، قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (حـكـم مـن 721 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد) في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل.  وبـهـذا اكـتـشـف آثـار الـحـضـارة الآشـوريـة الّـتي كـانـت قـد ضـاعـت في غـيـاهـب الـنـسـيـان مـنـذ سـقـوط نـيـنـوى، عـاصـمـة الـدّولـة الآشـوريـة في عـام 612 قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد أثـار هـذا الإكـتـشـاف اهـتـمـام الأوسـاط الـعـلـمـيـة في أوربـا. ونـتـج عـنـه الـقـيـام بـأعـداد كـبـيـرة مـن الـتّـنـقـيـبـات في مـواقـع أخـرى بـحـثـاً عـن آثـار الآشـوريـيـن، دامـت إلى حـوالي عـام 1855.

وقـلّـت الـتّـنـقـيـبـات بـعـد ذلـك حـتّى كـادت أن تـخـمـد، إلى أن أثـارهـا دارس مـسـمـاريـات مـتـحـمّـس : جـورج سـمـيـث  George Smith.

جـورج سـمـيـث :

%d8%ac%d9%88%d8%b1%d8%ac-%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%ab-4

ولـد جـورج سـمـيـث في لـنـدن عـام 1840. وبـدأ يـعـمـل في سـنّ الـرابـعـة عـشـرة في ورشـة طـبـاعـة. وفي هـذه الـسّـنّ بـدأ شـغـفـه بـتـاريـخ الآشـوريـيـن وقـراءة كـلّ مـا كـان يـجـده عـنـهـم. وكـرّس كـلّ أوقـات فـراغـه لـزيـارة قـاعـات الآثـار الـشّـرقـيـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني، ودراسـة الألـواح الـمـسـمـاريـة حـتّى تـوصـل إلى مـعـرفـة قـراءتـهـا.

وقـد بـدأ مـنـذ عـام 1866 بـالـبـحـث عـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة الّـتي تـتـكـلّـم عـن آشـوربـانـيـبـال، وشـرع في نـسـخـهـا وجـمـعـهـا.

ولاحـظـه عـالـم الآشـوريـات الـبـريـطـاني هـ. ك. راولـنـسـن  H. C. RAWLINSON الّـذي قـدّر مـعـارفـه، وعـيّـنـه في 1867 مـسـاعـداً لـه في قـسـم الآثـار الآشـوريـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني، لـيـعـتـني خـاصـة بـالألـواح الـمـسـمـاريـة الـمـكـسـورة، ولـيـحـاول تـجـمـيـعـهـا وتـرمـيـمـهـا.

وقـد انـغـمـس جـورج سـمـيـث في دراسـة الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة، الّـتي كـان الـعـلـمـاء، ومـن بـيـنـهـم راولـنـسـن، قـد تـوصـلـوا إلى حـلّ طـلاسـم كـتـابـتـهـا قـبـل سـنـوات قـلـيـلـة مـن ذلـك، واكـتـشـف نـصّـيـن مـهـمـيـن : الأوّل يـحـدد تـاريـخ كـسـوف شـمـس كـلّي في شـهـر سـيـوان، أي في آذار، عـام 663  قـبـل الـمـيـلاد، والّـثـاني يـذكـر تـأريـخ غـزو الـعـيـلامـيـيـن لـبـابـل عـام 2280  قـبـل الـمـيـلاد.

كـمـا اشـتـغـل عـلى حـولـيـات مـلـوك الآشـوريـيـن كـمـا سـبـق أن رأيـنـا. ونـشـر عـام 1871 في لـنـدن كـتـاب : “تـاريـخ آشـوربـانـيـبـال مـتـرجـمـة عـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة

History of Assurbanipal translated from the cuneiform inscriptions”.

history-of-assurbanipal

وقـد سـجّـلـت الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الآشـوريـة مـا كـان يـحـدث في الـمـمـلـكـة عـامـاً بـعـام.

إكـتـشـاف لـوح مـن مـلـحـمـة جـلـجـامـش :

وفي تـشـريـن الـثّـاني عـام 1872، وجـد جـورج ســمـيـث، في لـوح مـسـمـاري انـكـسـر بـعـضـه، (كـان قـد عـثـر عـلـيـه هـرمـز رسّـام، مـسـاعـد هـنـري أوسـتـن لَـيـارد، في بـقـايـا مـكـتـبـة آشـوربـانـيـبـال في نـيـنـوى) مـقـطـعـاً مـهـمـاً يـحـكي قـصّـة طـوفـان.

وقـد ذكـر جـورج سـمـيـث بـعـد ذلـك أنّـه حـالـمـا فـهـم مـحـتـوى الـلـوح الـفـخـاري الّـذي كـان يـقـرأه نـهـض مـن كـرسـيـه في مـكـتـبـه مـنـتـفـضـاً وانـطـلـق نـحـو الـقـاعـة في حـالـة انـفـعـال شـديـد وبـدأ يـخـلـع مـلابـسـه أمـام نـظـرات الـحـاضـريـن الـمـذهـولـة.

والـلـوح الـمـكـسـور الّـذي حـلّ جـورج سـمـيـث رمـوزه كـان الـلـوح الـحـادي عـشـر مـن الـصّـيـغـة الـنّـيـنـويـة لـمـلـحـمـة جـلـجـامـش، والّـذي يـبـدأ بـ :

7  أور ــ ري/ را           أُو    [7] مـو ــ شـا ــ ا ــ تي

سـبـعـة أيّـام                  و                سـبـع لـيـالي

إل ــ لَـك ــ  شـا ــ ا رو  ا ــ  بـو ــ بـ [ و (؟) مي ــ خ ]  و ــ أو إي ــ سَـف ــ فَـن مـاتـو (كـور)

هـبّـت الـرّيـاح      وفـاضـت الـمـيـاه       وهـاجـت الـعـاصـفـة عـلى الأرض  (1)

وقـرأ جـورج سـمـيـث لـوح الـصّـلـصـال الـمـكـتـوب بـالـمـسـمـاريـة بـذهـول. وأدرك أنّـه يـحـكي جـزءاً مـن الـقّـصـة الّـتي رواهـا أوتـا نـفـسـتـيـم (أو أوتـا نـفـشـتـيـم) لـجـلـجـامـش عـن الـطّـوفـان الّـذي أرسـلـه الآلـهـة لـعـقـاب الـبـشـر، وكـيـف اسـتـثـنـوه هـو، أوتـا نـفـسـتـيـم مـن بـيـن كـلّ الـبـشـر، وطـلـبـوا مـنـه أن يـصـنـع سـفـيـنـة أركـب عـلـيـهـا أهـلـه وأخـذ مـعـه مـن كـلّ حـيـوان اثـنـيـن. ثـمّ كـيـف أطـلـق، بـعـد أن انـتـهى الـطّـوفـان حـمـامـة لـتـجـد الـيـابـسـة وتـحـطّ عـلـيـهـا.

وأدرك جـورج سـمـيـث مـن قـراءة الـلـوح الـمـكـسـور أنّـه وجـد أصـل حـكـايـة الـطّـوفـان الّـذي أخـذتـه الـتّـوراة بـعـد ذلـك. وأنّ أوتـا نـفـسـتـيـم هـو الّـذي غـيّـر كُـتّـاب الـتّـوراة اسـمـه إلى نـوح.

ولـم يـكـن يـعـرف في ذلـك الـحـيـن أنّ لـوحـه لـم يـكـن إلّا نـسـخـة نـيـنـويـة أمـر آشـوربـانـيـبـال (حـكـم مـن 669 إلى 630 قـبـل الـمـيـلاد) أن تـسـجّـل في الـقـرن الـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد مـن صـيـغـة بـابـلـيـة أقـدم مـنـهـا بـأكـثـر مـن ألـف ومـائـة سـنـة سـجّـلـت في زمـن حـمـورابي. وأنّ الـمـلـحـمـة الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة لـم تـكـن هي نـفـسـهـا إلّا تـألـيـفـاً اعـتـمـد عـلى عـدّة نـصـوص سـرديـة وأسـاطـيـر سـومـريـة تـدور حـول سـيـرة جـلـجـامـش، مـلـك الـوركـاء، والّـتي يـعـود تـاريـخ تـألـيـفـهـا إلى الألـفـيـن الـرّابـع والـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. (2)

وفي الـثّـالـث مـن الـشّـهـر الـتّـالي، كـانـون الأوّل، ألـقى جـورج سـمـيـث عـن اكـتـشـافـه مـحـاضـرة في مـقـر جـمـعـيـة آثـار الـكـتـاب الـمـقـدّس في لـنـدن. وقـرأ عـلى الـحـاضـريـن تـرجـمـتـه لـلـنـصّ مـمـا أثـار اهـتـمامـهـم الـشّـديـد. وكـان مـن بـيـنـهـم رئـيـس وزراء بـريـطـانـيـا في ذلـك الـحـيـن ولـيـام غـلادسـتـون.

ثـمّ نـشـر عـن ذلـك في جـريـدة الـتّـايـمـس الـلـنـدنـيـة  مـقـالـيـن في الـيـوم الـتّـالي (4 كـانـون الأوّل) والـيـوم الّـذي بـعـده (5 كـانـون الأوّل) عـنـوانـهـمـا : “قـصّـة الـطّـوفـان الـكـلـدانـيـة” :

The Chaldean History of the Deluge: The [London] Times, Number 27551,4th December 1872, and Number 27552, 5th December 1872.

وقـد اتـصـل بـه إدويـن أرنـولـد، Edwin Arnold رئـيـس تـحـريـر صـحـيـفـة الـ  Daily Telegraph الـلـنـدنـيـة  في كـانـون الـثّـاني 1873، واقـتـرح عـلـيـه أن تـضـع الـصّـحـيـفـة تـحـت تـصـرّفـه رصـيـداً بـألـف جـنـيـه مـن الـذّهـب إن ذهـب إلى مـوقـع نـيـنـوى لـيـبـحـث عـن الـمـقـاطـع الّـتي تـكـمـلـه، وبـالـمـقـابـل، طـلـب مـنـه أن يـخـصـص لـهـا مـقـالاتـه عـن الإكـتـشـاف.

رحـلـتـا جـورج سـمـيـث إلى الـعـراق :

%d8%ac%d9%88%d8%b1%d8%ac-%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%ab-10

وهـكـذا تـرك جـورج سـمـيـث لـنـدن في نـفـس الـشّـهـر، ووصـل إلى الـمـوصـل في شـهـر آذار. وبـانـتـظـار أن يـحـصـل لـه الـسّـفـيـر الـبـريـطـاني في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة عـلى فـرمـان يـسـمـح لـه بـالـتّـنـقـيـب، مـرّ بـقـلـعـة الـشّــرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الآشـوريـيـن) في طـريـقـه إلى بـغـداد. ثـمّ زار مـوقـع بـابـل وبـيـرس نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة بـورسـيـبـا الـقـديـمـة) وتـلّ الأحـيـمـر الّـذي تـعـرّف فـيـه عـلى مـوقـع مـديـنـة كـيـش. كـمـا زار تـلّ إبـراهـيـم.

وفي شـهـر نـيـسـان، عـاد جـورج سـمـيـث إلى الـمـوصـل، ثـمّ بـدأ يـنـقّـب عـلى تـلّ قـويـنـجـق في الـمـوقـع الّـذي كـان أوسـتـن هـنـري لَـيـارد وهـرمـز رسّـام قـد وجـدا فـيـه مـكـتـبـة آشــوربـانـيـبـال الـثّـاني.

وحـالـفـه الـحـظ فـعـثـر في شـهـر أيّـار عـلى مـقـطع بـسـبـعـة عـشـر ســطـراً مـن نـفـس نـصّ الـطّـوفـان يـكـمـل مـا ســبـق. وعـاد إلى لـنـدن جـالـبـاً مـعـه عـدّة صـنـاديـق مـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة والـقـطـع الأثـريـة.

وبـعـد أن نـجـح جـورج سـمـيـث في مـهـمـتـه، ولأنّ الـفـرمـان الّـذي كـان قـد حـصـل عـلـيـه مـازال ســاري الـمـفـعـول، فـقـد بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى الـمـوصـل مـن جـديـد عـام 1873. ووصـل إلى تـلّ قـويـنـجـق لـيـكـمل تـنـقـيـبـاتـه.

وفي 1875، نـشـر نـتـائـج أبـحـاثـه في كـتـاب : الإكـتـشـافـات الآشـوريـة، تـقـريـر عـن تـنـقـيـبـات مـوقـع نـيـنـوى والإكـتـشـافـات الّـتي نـتـجـت عـنـهـا خـلال عـامي 1873 و1874

Assyrian Discoveries: An Account of Explorations and Discoveries on the Site of Nineveh, During 1873 to 1874.

%d8%ac%d9%88%d8%b1%d8%ac-%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%ab-6

وقـد زار بـعـدهـا عـدّة مـواقـع إلى أن سـقـط مـريـضـاً بـضـربـة شـمـس قـويـة حـسـب بـعـض الـمـصادر أو بـالإسـهـال الـزّحـاري حـسـب مـصـادر أخـرى في شـهـر آب، ومـات في طريـقـه مـن الـمـوصـل إلى حـلـب عـام 1876، ولـم يـكـن قـد بـلـغ الـسّـادسـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره بـعـد.

وفي نـفـس هـذا الـعـام صـدر في لـنـدن كـتـابـه : نـصّ الـبـدء الـكـلـداني (أي الأكّـدي)، ويـحـتـوي عـلى ذكـر خـلـق الـعـالـم، وسـقـوط الإنـسـان (أي طـرد آدم مـن الـجـنّـة) والـطّـوفـان، وبـرج بـابـل … إلـخ.

The Chaldean Account of Genesis, Containing the Description of the Creation, the Fall of Man, the Deluge, the Tower of Babel …

george-smith

وفي عـام 1877، نـشـر عـالـم الآشـوريـات الـبـريـطـاني أ. هـ. سـايـس A. H. Says  كـتـابـاً كـان جـورج سـمـيـث قـد ألّـفـه قـبـل وفـاتـه بـعـنـوان : تـاريـخ بـلاد بـابـل  The History of Babylonia.

%d8%ac%d9%88%d8%b1%d8%ac-%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%ab-12

ونـشـر أ. هـ. سـايـس في عـام 1878،  كـتـابـاً آخـر كـان جـورج سـمـيـث قـد ألّـفـه قـبـل وفـاتـه بـعـنـوان : تـاريـخ سـنـحـاريـب، مـتـرجـم عـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة :

History of Sennacherib : translated from the cuneiform inscriptions.

 

ــــــــــــــــــــــ

(1)  تـقـرأ الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة مـن الـيـسـار إلى الـيـمـيـن :

تي ـ  ا ـ  شـا ــ مـو      [7] أُو     را/ ري ــ  أور  7/6

وإذا مـا عـكـسـنـا الـنّـصّ لـنـقـرأه مـن الـيـمـيـن إلى الـيـسـار مـثـلـمـا نـقـرأ الـعـربـيـة نـجـد :

6/7  أور ــ ري/ را          أُو    [7] مـو ــ شـا ــ ا ــ تي

سـبـعـة أيّـام                  و             سـبـع لـيـالي

وكـانـت الـصّـيـغـة الآشـوريـة الّـتي وجـدت نـسـخـة مـنـهـا في مـكـتـبـة الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال (669 ــ630  ق. م.) في نـيـنـوى، والـمـحـفـوظـة الآن في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن (إنـكـلـتـرة)، تـحـتـوي في الأصـل عـلى أحـد عـشـر لـوح، أضـيـف إلـيـهـا لـوح ثـاني عـشـر لا عـلاقـة لـه بـالـمـلـحـمـة.

وفي كـلّ لـوح سـتّـة أعـمـدة، يـشـتـمـل كـلّ عـمـود مـنـهـا عـلى حـوالي خـمـسـيـن سـطـراً. [أي أنّـهـا كـانـت تـحـتـوي بـكـامـلـهـا عـلى 3600 سـطـراً تـقـريـبـاً ]. والأجـزاء الّـتي وصـلـتـنـا مـنـهـا تـحـتـوي عـلى حـوالي 1600 سـطـراً، أي أنّـه لـيـس لـديـنـا إلّا أقـل مـن نـصـف نـصّ الـمـلـحـمـة الأصـلي. وهـذه هي الّـتي نـسـمـيـهـا بـ “الـصّـيـغـة الـنّـيـنـويـة ” لـلـمـلـحـمـة.

ومـن الـمـحـتـمـل أن تـحـتـوي ألـواح لـم تـدرس بـعـد، أو ألـواح سـرقـت في حـفـريـات نـهـب، أو مـازالـت تـحـت الـتّـراب في مـواقـع لـم تـنـقّـب بـعـد عـلى أجـزاء أخـرى مـن الـمـلـحـمـة. ويـمـكـنـهـا أن تـمـلأ ثـغـرات في لـوحـات الـنّـصّ الـمـكـسّـرة الّـذي بـيـن أيـديـنـا الآن، كـمـا يـمـكـنـهـا أن تـغـيـر مـن فـهـمـنـا لـهـا.

(2)  يـنـبـغي أن نـفـرّق بـيـن “الـكـاتـب” الّـذي يـمـكـنـه أن يـبـتـكـر مـا يـكـتـب، وبـيـن “الـمـؤلّـف”     الّـذي  يـؤلّـف مـا يـأتـيـه مـن سـابـقـيـه، وربّـمـا أضـاف عـلـيـه مـن عـنـده لـيـكـون كـلّاً مـتـكـامـلاً .

تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

%d8%aa%d9%85%d8%ab%d8%a7%d9%84-%d8%a8%d9%8a%d9%84

جـرتـرود بـيـل  Gertrude Bell والـمـتـحـف الـعـراقي :

تـبـنّـت الـمـس جـرتـرود بـيـل مـنـذ عـام 1923 مـشـروع تـأسـيـس مـتـحـف وطـني عـراقي لـحـفـظ الـمـجـمـوعـات الأثـريـة الّـتي تـراكـمـت عـامـاً بـعـد عـام في قـاعـات الـسّـراي الـقـديـمـة. وشُـيّـدت لـه بـنـايـة في مـنـطـقـة “عـلاوي الـحـلّـة”.

وفـتـح الـمـتـحـف، الّـذي أسـمي بـالـمـتـحـف الـعـراقي، أبـوابـه لـلـزوّار في حـزيـران 1926. وكـانـت بـنـايـتـه قـلـيـلـة الـسّـعـة في الـبـدايـة.

وفي بـغـداد، تـوفـيـت (الـخـاتـون)، كـمـا كـان الـبـغـداديـون يـسـمـون الـمـس جـرتـرود بـيـل، في 12 تـمّـوز 1926، قـبـل يـومـيـن مـن بـلـوغـهـا الـثّـامـنـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا. وكـانـت قـد أوصـت أن تـدفـن في بـغـداد، فـدفـنـت في مـقـبـرة الأرمـن في الـبـاب الـشّـرقي.

وقـد نـصـبـت في ذكـراهـا، في مـدخـل الـمـتـحـف الـعـراقي،  لـوحـة مـن الـبـرونـز فـوقـهـا تـمـثـال نـصـفي لـهـا. وعـلى الـلـوحـة نـصّ بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في نـصـفـهـا الأيـسـر، وتـرجـمـتـه إلى الـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصـف الأيـمـن.

حـفـل إزاحـة الـسّـتـارة عـن الـتّـمـثـال :

لـديـنـا ثـلاث صـور لـحـفـل إزاحـة الـسّـتـارة عـن الـلـوحـة والـتّـمـثـال. ولـم أجـد تـاريـخ إقـامـة هـذا الـحـفـل بـالـضّـبـط .

نـرى في الـصّـورة الأولى الـمـلـك فـيـصـل الأوّل واقـفـاً أمـام الـلـوحـة الّـتي مـا زالـت تـغـطّـيـهـا الـسّـتـارة، يـرتـدي مـعـطـفـاً فـاتـح الـلـون، يـبـدو مـعـطـفـاً واقـيـاً مـن الـمـطـر، وعـلى رأسـه “سـدارة”. ويـبـدو مـن وجـوه الـحـاضـريـن، الـعـراقـيـيـن والأجـانـب، الـنّـاظـريـن إلـيـه أنّـه كـان يـلـقي كـلـمـة بـهـذه الـمـنـاسـبـة.  ووقـف عـلى يـمـيـنـه الـمـنـدوب الـسّـامي الـبـريـطـاني.

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%ad%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82%d9%8a-4

وقـد قـرأت في عـدّة مـواضـع أنّ حـفـل إزاحـة الـسّـتـارة عـن الـنّـصـب جـرى عـام 1930 بـحـضـور الـمـنـدوب الـسّـامي الـبـريـطـاني سـيـر فـرنـسـيـس هـ. هـمـفـريـز  Sir Francis Henry Humphrys. ولـكـنّ الـمـنـدوب الـسّـامي الّـذي يـظـهـر في الـصـورة لا يـشـبـه الـسّـيـر هـمـفـريـز الّـذي نـعـرفـه في صـور أخـرى. (1)

والّـذي يـظـهـر في الـصّـورة يـمـكـن أن يـكـون الـسّـيـر هـنـري دوبـس Sir Henry Dobbs الّـذي شـغـل هـذا الـمـنـصـب في الـعـراق مـن 1923 إلى 1928، أو الـسّـيـر جـلـبـرت ف. كـلايـتـون  Sir Gilbert Falkingham Clayton الّـذي شـغـلـه مـن 1928 إلى 1929، أي مـبـاشـرة قـبـل الـسّـيـر هـمـفـريـز.

ويـبـدو مـن الـمـعـاطـف الّـتي يـرتـديـهـا الـحـاضـرون أنّ الـحـفـل جـرى في طـقـس شـتـائي بـارد.

ونـرى الـمـنـدوب الـسّـامي مـرتـديـاً مـعـطـفـاً غـامـق الـلـون يـمـسـك قـبـعـتـه بـيـديـه الـلـتـيـن يـغـطـيـهـمـا قـفـازان. أمـا عـلى يـسـار الـمـلـك، فـقـد وقـف وزيـر الـمـعـارف عـبـد  الـحـسـيـن الـجـلـبي مـرتـديـاً  زيّـاً غـامـقـاً مـمـا يـلـبـسـه الأوربـيـون في الإحـتـفـالات الـرّسـمـيـة، بـسـتـرة طـويـلـة مـذيّـلـة (أي يـنـسـدل أسـفـلـهـا إلى مـنـتـصـف الـفـخـذيـن تـقـريـبـاً).  ولـكـنّـه يـتـمـيّـز عـن الـمـدعـويـن الأجـانـب بـأنّ عـلى رأسـه “سـدارة” سـوداء بـدلاً مـن الـقـبـعـة.

ونـلاحـظ أنّ الأجـانـب، ومـن ضـمـنـهـم الـمـنـدوب الـسّـامي، خـلـعـوا قـبـعـاتـهـم مـن عـلى رؤوسـهـم احـتـرامـاً، كـمـا هي الـعـادة في مـثـل هـذه الـمـنـاسـبـات، بـيـنـمـا أبـقى الآخـرون “الـسّـدارات” الـمـدنـيـة والـعـسـكـريـة (وحـتّى الـطـربـوش الّـذي نـلـمـحـه بـيـن الـمـلـك والـوزيـر) عـلى رؤوسـهـم.

ولا شـكّ في أنّـه كـان مـن بـيـن الـحـاضـريـن أحـد عـالـمَي الآثـار الـبـريـطـانـيَـيـن :  ريـشـارد س. كـوك الّـذي تـولى إدارة الـمـتـحـف مـن بـعـد وفـاة الـمـس بـيـل عـام 1926 إلى أن نُـحي عـنـهـا في 1929، أو سـيـدني سـمـيـث  Sidney Smith  الّـذي خـلـفـه في إدارة الـمـتـحـف مـن 1929 وإلى 1931. ولـم أسـتـطـع أن أتـعـرّف عـلى الـواحـد مـنـهـمـا أو الآخـر مـن بـيـن الـحـاضـريـن لأني لـم أجـد ولـو صـورة شـخـصـيـة واحـدة لأيّ مـنـهـمـا في الـمـراجـع الّـتي لـديّ عـن عـلـمـاء الآشـوريـات.

ونـلاحـظ في حـوش الـمـتـحـف، عـلى جـانـبي الـمـدخـل تـمـثـالَـيـن ضـخـمـيـن كـان قـد عـثـر عـلـيـهـمـا في مـعـبـد الإلـه نـبـو، في مـوقـع  نـمـرود، جـنـوب الـمـوصـل. وقـد تـكـلّـفـت بـنـقـلـهـمـا إلى الـمـتـحـف شـركـة الـنّـفـط                The Iraq Petruleum Company.

ونـرى في الـصّـورة الـثّـانـيـة الـمـلـك فـيـصـل الأوّل يـنـظـر إلى الـلـوحـة الـبـرونـزيـة  وتـمـثـال الـمـس بـيـل الـنّـصـفي بـعـد إزاحـة الـسّـتـارة. ووقـف خـلـفـه وزيـر الـمـعـارف وبـيـده مـا يـبـدو أنّـه ورقـة بـيـضـاء. فـهـل كـان يـلـقي كـلـمـة بـهـذه الـمـنـاسـبـة ؟ أمّـا الـمـنـدوب الـسّـامي الـبـريـطـاني فـلـم يـتـقـدّم نـحـو الـلـوحـة، بـل كـان يـنـظـر إلـيـهـا مـن بـعـيـد مـاسـكـاً قـبـعـتـه بـيـده.

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%ad%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82%d9%8a-3

أمّـا في الـصّـورة الـثّـالـثـة، فـنـرى الـمـلـك والـمـنـدوب الـسّـامي يـتـحـادثـان بـيـنـمـا بـقي وزيـر الـمـعـارف وحـده في مـكـانـه، وبـقي الـحـاضـرون واقـفـيـن في أمـاكـنـهـم.

%d9%85%d8%aa%d8%ad%d9%81-2

 

لـوحـة وتـمـثـال مـن الـبـرونـز :

وإذا اقـتـربـنـا مـن الـنّـصـب الّـذي صـنـع مـن الـبـرونـز نـجـد أنّـه لـوحـة مـسـتـطـيـلـة، تـقـارب مـقـايـيـسـهـا مـتـراً عـلى مـتـر ونـصـف، ثـبّـت في أعـلى وسـطـهـا مـحـمـل مـن الـبـرونـز عـلـيـه تـمـثـال نـصـفي لـمـس جـرتـرود بـيـل. (2)

والـتّـمـثـال الـبـرونـزي بـالـحـجـم الـطّـبـيـعي، لا نـعـرف اسـم نـحّـاتـه مـعـرفـة أكـيـدة. ونـعـرف مـن الّـنّـصّ الـمـنـقـوش عـلى الـلـوحـة الـبـرونـزيـة أنّ أصـدقـاء الـمـس بـيـل هـم الّـذيـن أقـامـوه “بـإذن مـن الـمـلـك والـحـكـومـة”. ويـبـدو لـنـا مـنـطـقـيـاً أنّـهـم اخـتـاروا نـحّـاتـاً بـريـطـانـيـاً لـتـنـفّـيـذه.

ولـكـن يـذكـر الـبـعـض أنّ الـمـلـك فـيـصـل هـو الّـذي طـلـب نـحـتـه، وأنّـه كـلّـف بـهـذه الـمـهـمـة الـنّـحّـات الإيـطـالي بـيـتـرو كـانـونـيـكـاPietro CANONICA  الّـذي نـفّـذ بـعـد ذلـك، في عـام 1933 تـمـثـالاً مـن الـصّـخـر لـلـمـلـك فـيـصـل بـالـمـلابـس الـعـربـيـة مـمـتـطـيـاً صـهـوة حـصـانـه، وتـمـثـالاً بـرونـزيـاً لـمـحـسـن الـسّــعـدون. وهـذا يـنـاقـض مـا جـاء في نـصّ الـلـوحـة الّـتي تـصـاحـب الـتّـمـثـال، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا.

وأسـلـوب الـتّـمـثـال كـلاسـيـكي تـقـلـيـدي، يـشـبـه تـمـامـاً آلاف الـتّـمـاثـيـل الّـتي نـحـتـت في تـلـك الـسّـنـوات، والّـتي أُريـد بـهـا تـخـلـيـد “أبـطـال” الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة الّـذيـن انـبـثّـوا في كـلّ أرجـاء الـعـالـم لـتـعـزيـز هـيـمـنـتـهـا وهـيـبـتـهـا.

وكـان هـذا الـنّـوع مـن الـتّـمـاثـيـل يـصـنـع حـسـب “مـوديـلات” شـبـه جـاهـزة، يـكـفي أن تـضـاف إلـيـهـا بـعـض تـفـاصـيـل شـكـل وجـه الـشّـخـصـيـة الّـتي يـراد تـصـويـرهـا لـيـتـمّ تـنـفـيـذهـا بـسـرعـة وبـدقّـة.

ونـلاحـظ أنّ الـتّـمـثـال صـوّر الـمـس بـيـل في آخـر فـتـرات حـيـاتـهـا : إمـرأة نـاضـجـة بـعـد أن مـضـت مـرحـلـة شـبـابـهـا :

%d8%ac%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d9%88%d8%af-%d8%a8%d9%8a%d9%84-4

وعـلى الـلـوحـة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، نـصّ بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في نـصـفـهـا الأيـسـر، وتـرجـمـتـه إلى الـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصـف الأيـمـن.

ونـقـرأ في الـنّـصّ الإنـكـلـيـزي عـلى الـيـسـار مـا يـلي :

Gertrude Bell. Whose memory the Arabs will ever hold in reverence and affection created this museum in 1923. Being the Honorary Director of Antiquities for the Iraq, with wonderful knowledge and devotion she assembled the most precious objects in it and through the heat of the summer worked on them until the day of her death on 12th July 1926. King Faisal and the Government of Iraq in gratitude for her great deeds in this country have ordered that the principal wing shall bear her name and with their permission her friends have erected this tablet.

ونـقـرأ تـرجـمـتـه (الـتّـقـريـبـيـة) إلى الـعـربـيـة عـلى الـيـمـيـن :

“كـرتـرود بـيـل الـتي لـذكـرهـا عـنـد الـعـرب كـل إجـلال وعـطـف

أسـسـت هـذا الـمـتـحـف سـنـة 1923

بـصـفـتـهـا الـمـديـرة الـفـخـريـة لـلـعـاديـات في الـعـراق

وجـمـعـت الأشـيـاء الـثـمـيـنـة الـتي يـحـتـويـهـا

بـإخـلاص وعـلـم دقـيـق

واشـتـغـلـت بـهـا مـدى حـر الـصـيـف إلى يـوم وفـاتـهـا

في 12 تـمـوز سـنـة 1926

الـمـلـك فـيـصـل وحـكـومـة الـعـراق

قـد أمـرا لـهـا شـكـراً عـلى أعـمـالـهـا الـكـبـيـرة في هـذه الـبـلاد

بـأن يـكـون الـجـنـاح الـرئـيـسي بـاسـمـهـا وبـإذن مـنـهـمـا

قـد أقـام أصـدقـاؤهـا هـذه الـلـوحـة”.

 

إخـتـفـاء الـلـوحـة والـتّـمـثـال :

لا نـعـرف إلى أيّـة سـنـة بـالـضّـبـط بـقـيـت الـلـوحـة والـتّـمـثـال في الـمـتـحـف الـعـراقي، وهـل أرسـل إلى مـديـنـة الـنّـجـف بـعـد أن افـتـتـح فـيـهـا “مـتـحـف ثـورة الـعـشـريـن”، ثـمّ اخـتـفى خـلال اضـطـرابـات عـام 1991، كـمـا تـذكـر بـعـض الـمـصـادر. ولـكـن يـبـدو أكـيـداً أنّـه اخـتـفى قـبـل  الـغـزو الأمـريـكي لـلـعـراق عـام 2003.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : “حـفـلـة في قـصـر حـديـقـة الـمـلـك” الـمـنـشـور في مـدونـة : “بـيـن دجـلـة والـفـرات” : https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/09/23/%d8%ad%d9%80%d9%81%d9%80%d9%84%d9%80%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%80%d8%af%d9%8a%d9%80%d9%82%d9%80%d8%a9-%d9%82%d9%80%d8%b5%d9%80%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d9%80%d9%84%d9%80%d9%83/

(2)  مـا زالـت نـسـخـة جـبـسـيـة مـن الـتّـمـثـال تـسـتـقـبـل الـدّاخـلـيـن إلى الـمـدرسـة الّـتي ارتـادتـهـا الـمـس بـيـل عـنـدمـا كـانـت تـلـمـيـذة في  Queen’s Colleg ، في شـارع  Harley Street، في لـنـدن :

%d8%a8%d9%8a%d9%84

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بـدايـة اهـتـمـام الـعـراقـيـيـن بـآثـارهـم الـقـديـمـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

%d8%a5%d9%84%d8%af%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%af%d9%88-%d9%85%d8%aa%d8%ad%d9%81

لـم تـجـذب الـخـرائـب الـقـديـمـة اهـتـمـام الـنّـاس لـمـدّة قـرون طـويـلـة، ولـم تـؤثـر عـلى حـيـاتـهـم الـيـومـيـة.  وكـانـوا يـهـدمـون الـقـديـم لـيـشـيّـدوا في مـكـانـه أبـنـيـة جـديـدة، ويـذيـبـون الـمـصـنـوعـات الـمـعـدنـيـة لـيـصـبّـوهـا مـن جـديـد. ويـسـتـعـمـلـون نـقـوش الـمـاضي ومـنـحـوتـاتـه  في تـكـويـنـات مـسـتـحـدثـة أو يـعـيـدون حـفـرهـا ونـقـشـهـا.

ولـم يـكـن ذلـك وقـفـاً عـلى الـمـجـتـمـعـات الـشّـرقـيـة بـل عـرفـتـه كـلّ الـمـجـتـمـعـات قـبـل أن يـصـبـح الـحـفـاظ عـلى الـقـديـم وتـرمـيـمـه وإدخـالـه في مـكـوّنـات الـهـويـة الـتّـاريـخـيـة لـلـشّـعـوب مـن خـصـائـص الـثّـقـافـة الـحـديـثـة مـنـذ الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

وقـد كـتـب الـقـزويـني في “آثـار الـبـلاد وأخـبـار الـعـبـاد” الّـذي ألّـفـه في الـقـرن الـثّـالـث عـشـر كـيـف كـان الـنّـاس يـأخـذون صـخـور الـخـرائـب وطـابـوقـهـا لـيـشـيـدوا بـهـا دورهـم، فـهـم كـانـوا يـسـتـعـمـلـون مـخـلـفـات الـمـاضي لـتـشـيـيـد حـاضـرهـم. ومـن هـذه الإسـتـعـمـالات الـشّـائـعـة جـاءت الأسـطـورة الّـتي تـنـاقـلـهـا الأوربـيـون مـدّة قـرون طـويـلـة مـن أنّ بـغـداد شـيّـدت بـطـابـوق بـابـل.

وكـان الـذّيـن اهـتـمّـوا بـآثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن حـتّى الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر مـن تـجّـار أوربـا أو مـن رحّـالـتـهـا الّـذيـن تـجـولـوا في مـنـاطـق مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات. وغـالـبـاً مـا كـان يـدفـعـهـم إلى زيـارة الـخـرائـب مـا كـانـوا قـد قـرأوه عـن أور أو بـابـل أو نـيـنـوى في الـتّـوراة أو في كـتـب الـمـؤلـفـيـن الإغـريـق والـرّومـان.

بـدايـة اكـتـشـاف آثـار حـضـارات مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

ومـنـذ أن اكـتـشـف بـول إمـيـل بـوتـا Paul- Emile BOTTA   قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شـروكـيـن) في قـريـة خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل في عـام 1843 أصـبـحـت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة حـكّـراً عـلى الـغـربـيـيـن.

وتـتـابـعـت الـحـفـريـات الّـتي مـولـتـهـا مـؤسـسـات حـكـومـيـة أو خـاصـة أو مـتـاحـف أو جـامـعـات أجـنـبـيـة في ولايـات بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل الـتّـابـعـة لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة حـتّى الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى.

وكـان يـكـفي لـلـقـيـام بـالـتّـنـقـيـبـات أن يـحـصـل سـفـيـر أو قـنـصـل غـربي عـلى “فـرمـان” مـن الـبـاب الـعـالي. وكـان الـمـنـقـبـون يـتـقـاسـمـون الـقـطـع الأثـريـة الّـتي يـعـثـرون عـلـيـهـا مـع بـاشـا الـولايـة. وهـذا مـا يـفـسـر الـكـمـيـات الـهـائـلـة مـن هـذه الـقـطـع الـتّي مـا زالـت تـحـتـفـظ بـهـا مـتـاحـف إسـطـنـبـول.

وقـد أرسـل الـمـنـقـبـون الـغـربـيـون نـصـيـبـهـم مـن الـقـطـع الأثـريـة إلى بـلـدانـهـم، ودخـلـت في مـتـاحـفـهـا مـثـل مـتـحف الـلـوفـر في بـاريـس أو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن أو مـتـحـف بـرلـيـن …

وقـد أثـار اكـتـشـاف آثـار حـضـارات مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات اهـتـمـام الـعـلـمـاء في كـلّ أرجـاء الـعـالـم، وأخـذوا يـدرسـونـهـا ويـحـاولـون حـلّ طـلاسـم نـصـوصـهـا الـمـكـتـوبـة بـالـمـسـمـاريـة. وبـعـد أن تـوصـلـوا إلى قـراءة الـمـسـمـاريـة وفـهـم الـلـغـة الأكّـديـة (الآشـوريـة ــ الـبـابـلـيـة) بـدأوا يـنـشـرون الـنّـصـوص الّـتي عـثـر عـلـيـهـا الـمـنـقـبـون. ونـشـأ عـلـم جـديـد أسـمي بـعـلـم الآشـوريـات وبـدأ يـدرّس في الـجـامـعـات. ولـكـن كـلّ هـذا لـم يـكـن إلّا في الـغـرب وبـلـغـات أوربـيـة.

بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى :

وبـعـد سـقـوط الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة دخـل الـعـراق تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني، ونـظّـم الـبـريـطـانـيـون أمـور الـبـلـد حـسـب مـا تـقـتـضـيـه مـصـالـحـهـم.

وقـد أنـشـأ الـجـيـش الـبـريـطـاني في 1918 وظـيـفـة لآثـاري يـلـحـق بـه، مـهـمـتـه مـراقـبـة آثـار الـبـلـد وحـمـايـتـهـا، وكـذلـك الإشــراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات فـيـه. وقـد اخـتـيـر لـهـذه الـوظـيـفـة كـامـبـل تـومـسـون R.Campbell Thompson ، مـن مـخـابـرات الـجـيـش الـبـريـطـاني، والّـذي كـان يـعـمـل في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن قـبـل الـحـرب لـذلـك.

%d8%aa%d9%88%d9%85%d8%b3%d9%88%d9%86

وقـام تـومـســن بـتـنـقـيـبـات ســريـعـة في إريـدو (أبـو شـهـريـن)، كـما سـبـر الـطـبـقـات الـسّــفـلى مـن مـوقـع أور (تـل الـمـقـيّـر)، مـما دفـع الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى إرسـال بـعـثـة تـرأسـهـا الـدّكـتـور هـال Dr. H. R. HALL   نـقّـبـت في أور وفي إريـدو وفي تـل الـعُـبـيـد.

ثـمّ اسـتـمـر الـبـريـطـانـيـون في تـسـيـيـر أمـور الـعـراق بـصـورة غـيـر مـبـاشـرة بـعـد تـكـويـن الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في 1921. وأُلـحـق بـكـلّ وزيـر عـراقي مـسـتـشـار بـريـطـاني يـنـصـحـه ويـشـرف عـلى قـراراتـه قـبـل أن يـوافـق عـلـيـهـا. وكـان مـيـدان إدارة الآثـار مـخـصـصـاً لـلـبـريـطـانـيـيـن، ولـم يـقـبـلـوا أن يـشـارك الـعـراقـيـون فـيـه.

الـمـس بـيـل وآثـار الـعـراق :

وقـد اسـتـولـت سـكـرتـيـرة الـشـؤون الـشّـرقـيـة الـمـس جـيـرتـرود بـيـل Gertrude Bell عـلى إدارة الآثـار. وكـانـت قـد عـرفـت الـمـنـطـقـة قـبـل الـحـرب واطّـلـعـت عـلى الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة في الـعـراق .وقـد عـمـلـت مـع عـلـمـاء الآثـار بـعـد أن احـتـلـت هـذه الـوظـيـفـة وقـامـت بـدورات تـفـتـيـشـيـة عـلى عـدد مـن الـمـواقـع. وقـد قـالـت عـن نـفـسـهـا : “أعـتـقـد أنـني عـالـمـة آثـار شـيـئـاً مـا في داخـلي أنـا نـفـسي”.

%d8%ac%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d9%88%d8%af-%d8%a8%d9%8a%d9%84-2

 

وقـد رأيـنـا كـيـف وضـع الـبـريـطـانـيـون مـراقـبـة آثـار الـبـلـد وحـمـايـتـهـا بـيـن أولـيـات مـهـمـاتـهـم بـعـد أن سـيـطـروا عـلى الـعـراق. ولأنّ عـدداً مـن الـمـؤسـسـات والـجـامـعـات اقـتـرحـت إجـراء حـمـلات تـنـقـيـبـات في الـعـراق فـقـد شـرعـت الـمـس بـيـل بـكـتـابـة مـسـودة لـنـصّ قـانـون لـتـنـظـيـم الـتّـنـقـيـبـات أرادت إصـداره.

وذكـرت في رسـالـة كـتـبـتـهـا في تـمـوز 1922 أنّـهـا حـصـلـت عـلى مـوافـقـة الـمـلـك فـيـصـل الأوّل عـلى الـقـانـون الّـذي صـاغـتـه عـن الـتّـنـقـيـبـات :       “for my law of excavations”، كـمـا ذكـرت أنّـهـا سـتُـعـيّـن “مـديـرة لـلآثـار”. وقـد الـتـقـت الـمـس بـيـل بـوزراء الـحـكـومـة لـتـقـنـعـهـم بـمـسـانـدة قـانـونـهـا. وكـانـت تـعـتـقـد أنّـه سـيـدخـل حـيـز الـتّـنـفـيـذ بـسـرعـة، ولـكـنّ الأمـر اسـتـغـرق أكـثـر مـمـا كـانـت تـتـوقـعـه.

ونـقـرأ في رسـالـة كـتـبـتـهـا في شـهـر أيـلـول مـن الـعـام الـتّـالي، 1923 أنّـهـا كـانـت مـا تـزال تـنـقّـح نـصّ “قـانـونـهـا”. وذكـرت أنّ “أحـد الـوزراء، يـاسـيـن بـاشـا حـاول أن يـبـدلـه بـنـصّ قـانـون كـتـبـه هـو نـفـسـه عـنـدمـا كـنـتُ غـائـبـة عـن بـغـداد”. وهي تـقـصـد بـه ولا شـكّ يـاسـيـن الـهـاشـمي.

كـمـا واجـهـت الـمـس بـيـل مـعـارضـة سـاطـع الـحـصـري الّـذي كـان يـتـرأس إدارة الـمـعـارف. وكـان الـحـصـري مـن أصـل سـوري عـمـل قـبـل الـحـرب في الـتّـعـلـيـم الـعـثـمـاني، ثـمّ تـبـع فـيـصـل بـن الـحـسـيـن في سـوريـا وجـاء مـعـه إلى الـعـراق. وكـان يـؤمـن بـأنّ الـعـرب يـشـكـلـون قـومـاً واحـداً يـنـبـغي أن يـوحّـد في وطـن واحـد. وكـان أسـاس هـذه الـفـكـرة الـقـومـيـة وحـدة الـتّـاريـخ والـلـغـة، ومـن هـنـا جـاء اهـتـمـامـه بـالـتّـاريـخ وبـالآثـار الـقـديـمـة وبـنـصّ الـمـس بـيـل لـقـانـون الـتّـنـقـيـبـات.

%d8%b3%d8%a7%d8%b7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b5%d8%b1%d9%8a

ويـبـدو مـمـا كـتـبـه الـحـصـري أنّـه دخـل في مـنـاقـشـات حـامـيـة مـع الـمـس بـيـل حـول هـذا الـقـانـون وخـاصـة عـن الـوزارة الّـتي سـتُـكـلّـف بـحـفـظ الآثـار. وكـانـت الـمـس بـيـل تـريـد أن تـرتـبـط مـديـريـة الآثـار بـوزارة الأشـغـال الـعـامـة بـدلاً مـن وزارة الـمـعـارف، وكـان ذلـك، حـسـب رأيـه، لأنّ الإنـكـلـيـز كـانـوا يـريـدون الإشـراف عـلى الآثـار مـا دامـوا يـسـيـطـرون عـلى هـذه الـوزارة. ولا تـذكّـر الـمـس بـيـل هـذه الـمـنـاقـشـات في كـتـابـاتـهـا.

وكـان الـعـراقـيـون يـحـاولـون تـعـديـل الـقـانـون لـيـتـيـح لـلـدّولـة الإشـراف عـلى الآثـار، بـيـنـمـا كـانـت الـمـس بـيـل تـنـوي أن يـسـمـح  “قـانـونـهـا” بـإجـراء مـزيـد مـن الـتّـنـقـيـبـات الأجـنـبـيـة وتـقـسـيـم مـا يـعـثـر عـلـيـه مـن آثـار بـإعـطـاء الـمـنـقـبـيـن جـزءاً مـنـاسـبـاً  adequate  ونـمـوذجـيـاً  representative (أي يـمـثّـل نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات في كـلّ مـيـاديـنـهـا) بـعـد أن يـخـتـار الـمـتـحـف الـعـراقي مـا يـحـتـاجـه مـنـهـا. ولأنّ الـصّـفـتـيـن  adequate و representative لـيـس لـهـمـا مـعـنى مـحـدد، فـقـد كـان قـانـون الـمـس بـيـل يـتـرك لـلـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة الـمـجـال لإعـطـاء الـمـنـقـبـيـن مـا تـشـاء.

ولـتـطـبـيـق هـذا الـقـانـون ذهـبـت الـمـس بـيـل إلى مـواقـع الـتّـنـقـيـب لـلـقـيـام بـجـرد لـمـا عـثـر عـلـيـه واخـتـيـار مـا يـنـبـغي أن يـحـفـظ في الـعـراق. وقـد صـرحـت : “مـهـمـتي كـمـديـرة آثـار، فـأنـا مـسـؤولـة عـراقـيـة، تـجـبـرني عـلى احـتـرام الـشّـروط الّـتي مـنـحـت بـمـوجـبـهـا قـرارات الـسّـمـاح بـالـتّـنـقـيـبـات”. وحـتّى لـو صـدقّـنـا أنّـهـا كـ “مـسـؤولـة في الـحـكـومـة الـعـراقـيـة” كـانـت تـدافـع عـن مـصـالـح الـعـراق، فـهي قـد سـاعـدت الـمـنـقـبـيـن الأجـانـب في الحـصـول عـلى كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـهـمـة.

وقـد تـبـنّـت الـمـس بـيـل مـنـذ عـام 1923 مـشـروع تـأسـيـس مـتـحـف وطـني عـراقي لـحـفـظ الـمـجـمـوعـات الأثـريـة الّـتي تـراكـمـت عـامـاً بـعـد عـام في قـاعـات الـسّـراي الـقـديـمـة.

وفـتـح الـمـتـحـف أبـوابـه لـلـزوّار في حـزيـران 1926. وكـانـت بـنـايـة الـمـتـحـف قـلـيـلـة الـسّـعـة في الـبـدايـة وتـحـتـوي خـاصـة عـلى آثـار مـا قـبـل الإسـلام.

وبـعـد زيـارتـه الأولى لـلـمـتـحـف كـتـب سـاطـع الـحـصـري يـنـتـقـد مـحـتـويـاتـه الّـتي لـم يـجـد بـيـنـهـا إلّا الـقـلـيـل مـن الآثـار الإسـلامـيـة وفي قـاعـة واحـدة مـن قـاعـات الـمـتـحـف الـسّـتّ.

ويـمـكـنـنـا تـلـخـيـص الـفـتـرة مـن 1921 إلى 1933بـأنّـهـا كـانـت فـتـرة إدارة الـبـريـطـانـيـيـن لـلآثـار، فـهـم الّـذيـن أصـدروا الـقـوانـيـن الـخـاصـة بـهـا وطـبّـقـوهـا. وقـد اكـتـفى الـعـراقـيـون بـمـتـابـعـة هـذه الإدارة مـن غـيـر أن يـشـاركـوا فـيـهـا.

في فـتـرة حـكـم الـمـلـك غـازي :

وبـوفـاة الـمـلـك فـيـصـل الأوّل في 1933 إنـتـهـت الـفـتـرة الّـتي كـانـت فـيـهـا الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة تـحـت وصـايـة بـريـطـانـيـا، وهـبّـت ريـح وطـنـيـة بـعـد أن اعـتـلى ابـنـه غـازي عـرش الـعـراق.

ونـجـد في الـجـرائـد الـعـراقـيـة في عـام 1933 انـتـقـادات لـوضـع إدارة الآثـار، مـثـل الـمـقـال الّـذي نـشـرتـه جـريـدة “صـوت الـعـراق” تـحـت عـنـوان “آثـارنـا” والّـذي يـعـبـر عـن إحـسـاس الـعـراقـيـيـن بـأنّ تـراثـهـم الـقـديـم يـسـرق أمـام أعـيـنـهـم، ويـطـالـب الـحـكـومـة بـالإشـراف عـلى كـمـيـات الـقـطـع الأثـريـة الّـتي تـخـرج مـن الـعـراق. ويـقـارن الـمـقـال بـيـن الـقـطـع الـقـلـيـلـة الّـتي كـان يـحـتـوي عـلـيـهـا الـمـتـحف الـعـراقي والـكـمـيـات الـهـائـلـة الّـتي كـانـت تـخـرج مـن بـاطـن الأرض في مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات وتـرسـل إلى الـمـتـاحـف الـغـربـيـة. كـمـا طـالـب الـمـقـال بـأن تـهـتـم الـحـكـومـة بـإرسـال الـطّـلاب لـدراسـة عـلـم الآثـار لـتـمـكـيـن الـعـراقـيـيـن مـن الإعـتـنـاء بـآثـارهـم بـأنـفـسـهـم.

وقـد شـرع رجـال الـسّـيـاسـة الـعـراقـيـون في تـلـك الـفـتـرة بـاقـتـراح مـسـودات نـصـوص قـوانـيـن لـتـحـديـد كـمـيـات الآثـار الـمـرسـلـة إلى الـغـرب. وعـيّـن سـاطـع الـحـصـري مـديـراً لـلآثـار في تـشـريـن الأوّل 1934. ولأنّ الـحـصـري لـم يـكـن مـخـتـصّـاً بـالآثـار فـقـد عـيّـن عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان  Julius JORDAN مـسـاعـداً لـه ومـسـتـشـاراً.

وقـد جـهـد الـحـصـري خـلال إدارتـه لـلآثـار كـمـا فـعـل خـلال إدارتـه لـلـمـعـارف بـتـنـمـيـة وعي الـعـراقـيـيـن بـمـاضـيـهـم وذلـك لـخـلـق شـعـور وطـني يـسـتـنـد عـلى الـتّـاريـخ. وهـكـذا أصـبـحـت الآثـار مـن بـيـن الأدوات الـسّـيـاسـيـة الّـتي اسـتـعـمـلـت لإرسـاء أسـس الإنـتـمـاء إلى الـدّولـة الـعـراقـيـة الـحـديـثـة.

وكـان اهـتـمـام الـحـصـري الـرّئـيـسي هـو الـحـفـاظ عـلى الآثـار الإسـلامـيـة وتـرمـيـم مـعـالـمـهـا وإنـشـاء مـتـحـف إسـلامي. أمّـا آثـار مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة فـلـم تـنـل إلّا الـقـلـيـل مـن اهـتـمـامـه، فـهي تـبـدو لـه مـحـلـيـة ولا تـخـدم مـصـالـح الـقـومـيـة الـعـربـيـة.

وأعـلـنـت مـديـريـة الآثـار في شـبـاط 1936 أنّـهـا سـتـقـود أوّل حـمـلـة تـنـقـيـبـات عـراقـيـة في خـرائـب واسـط. وكـانـت واسـط مـن أهـم أمـصـار الـعـراق في الـفـتـرتـيـن الأمـويـة والـعـبّـاسـيـة مـن الـقـرن الـثّـامـن إلى الـقـرن الـحـادي عـشـر.

ورغـم اتـجـاهـاتـه الـسّـيـاسـيـة فـقـط ظـلّ سـاطـع الـحـصـري مـجـبـراً عـلى الإلـتـزام بـقـانـون الـمـس بـيـل الّـذي صـدر في 1924. وقـد كـتـب عـالـم الآثـار الـمـعـروف هـنـري فـرانـكـفـورت Henri Frankfort  في 1936 عـن تـقـسـيـم مـا عـثـر عـلـيـه في الـتّـنـقـيـبـات : “حـصـلـنـا عـلى قـسـمـة مـمـتـازة. وحـتّى في مـا يـخـصّ الـقـطـع الإسـتـثـنـائـيـة فـقـد حـصـلـنـا مـنـهـا عـلى كـمـيـات مـهـمّـة “.

وفي 1936، عـرض اقـتـراح قـانـون آثـار جـديـد أمـام الـبـرلـمـان الـعـراقي. وقـد صـدّقـه الـبـرلـمـان رغـم احـتـجـاجـات الـمـؤسـسـات الـغـربـيـة وعـلـمـاء الآثـار، ورغـم مـحـاولات الـدّبـلـومـاسـيـة الـغـربـيـة لـلـضـغـط عـلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة وإجـبـارهـا عـلى سـحـب اقـتـراح الـقـانـون.

وكـان الـقـانـون الـجـديـد يـقـتـرح أن يـحـتـفـظ الـعـراق بـكـلّ الـقـطـع الأثـريـة الّـتي لـم يـعـثـر مـنـهـا إلّا عـلى نـسـخـة واحـدة، أمّـا إذا كـانـت مـتـعـددة الـنّـسـخ فـيـتـقـاسـمـهـا مـع الـمـنـقـبـيـن. وهـو مـا تـنـصّ عـلـيـه كـلّ الـقـوانـيـن الـسّـائـدة في كـلّ أنـحـاء الـعـالـم.

وقـلـيـلاً فـقـلـيـلاً اسـتـقـلّـت إدارة الآثـار الـعـراقـيـة عـن الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة إلى حـدّ أنّ الـتّـقـريـر الـسّـنـوي لـوزارة الـخـارجـيـة الـبـريـطـانـيـة لـعـام 1938 اسـتـنـكـر أنّ “خـبـراء عـيّـنـوا في مـديـريـة الآثـار الـعـراقـيـة مـن غـيـر طـلـب الإذن مـن الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة” !

وفي عـام 1939 تـوفي الـمـلـك غـازي الأوّل في حـادث ســيّـارة، وصـار ابـنـه فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق. ولـكـن لـصـغـر سـنّـه عـيّـن خـالـه عـبـد الإلـه وصـيـاً عـلى الـعـرش إلى أن يــصـل فـيـصـل بـن غـازي إلى ســنّ الـبـلـوغ.

وقـد تـأثـرت إدارة الآثـار بـالـوضـع الـجـديـد، وعـادت لـلإنـكـلـيـز هـيـمـنـتـهـم عـلى الـعـراق بـعـد إسـقـاط حـركـة رشـيـد عـالي الـكـيـلاني. وكـان مـن نـتـائـج ذلـك أن طـردوا سـاطـع الـحـصـري مـن الـعـراق عـام 1941، وعـيّـنـوا يـوسـف رزق الله غـنـيـمـة خـلـفـاً لـه عـلى إدارة الآثـار.

بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة :

وفي عـام 1944 أي في نـهـايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة تـقـريـبـاً، عـيّـن نـاجي الأصـيـل مـديـراً لـلآثـار. ولأنّ نـاجي الأصـل لـم يـكـن عـالـم آثـار فـقـد اخـتـار لـمـسـانـدتـه في مـهـمـتـه عـالـمَي آثـار عـراقـيَـيـن:

أولـهـمـا فـؤاد سـفـر الّـذي كـان قـد حـصـل عـلى الـبـكـالـوريـوس والـمـاجـسـتـيـر مـن الـمـعـهـد الـشّـرقي في جـامـعـة شـيـكـاغـو في آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ولـغـاتـهـا، والّـذي كـان قـد عـيّـن، بـعـد رجـوعـه إلى بـغـداد عـام 1938، في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة الّـتي كان يـديـرهـا سـاطـع الـحـصـري.

%d9%81%d8%a4%d8%a7%d8%af-%d8%b3%d9%81%d8%b1

وثـانـيـهـمـا طـه بـاقـر الّـذي كـان قـد حـصـل هـو أيـضـاً عـلى الـبـكـالـوريـوس والـمـاجـسـتـيـر مـن  الـمـعـهـد الـشّـرقي في جـامـعـة شـيـكـاغـو في آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ولـغـاتـهـا، والّـذي

كـان قـد عـيّـن، بـعـد رجـوعـه إلى بـغـداد عـام 1938 خـبـيـراً فـنـيـاً في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة، ثـمّ أمـيـنـاً  لـلـمـتـحـف الـعـراقي مـن 1941 إلى 1953.

%d8%b7%d9%87-%d8%a8%d8%a7%d9%82%d8%b1

وكـان مـشـروع الـمـديـريـة الـمـهـمّ الأوّل الـقـيـام بـتـنـقـيـبـات في “أبـو شـهـريـن”، مـوقـع مـديـنـة أريـدو الـقـديـمـة، ثـمّ الـشّـروع في تـرمـيـم عـدد مـن الـمـبـاني الإسـلامـيـة. وكـانـت تـلـك الـبـدايـة الـحـقـيـقـيـة لامـتـلاك الـعـراقـيـيـن لـتـراثـهـم الـحـضـاري الـقـديـم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4) إسـتـعـمـلـت في كـثـيـر مـن أقـسـام هـذا الـنّـصّ الـمـقـال الـمـهـمّ الّـذي كـتـبـه  Magnus T. Bernhardsson

تـحـت عـنـوان :

The Sens of Belonging, The Politics of Archaeology in Modern Iraq

ونـشـره في كـتـاب:  Selective Remembrances .