رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Portrait-of-Nadir-Shah

وجـدت نـصّـاً كـتـبـه عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري في الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وبـالـلـغـة الـفـارسـيـة عـن رحـلـة قـام بـهـا مـن بـلاد الـفـرس إلى مـكّـة، دامـت عـشـر سـنـوات (مـن 1739 إلى 1749 م.). ومـرّ خـلالـهـا بـالـعـراق الّـذي خـصـص لـه عـدداً مـن الـصّـفـحـات.

وقـد تـرجـم الـنّـصّ إلى الإنـكـلـيـزيـة ونـشـر في كـلـكـتـا، الـهـنـد في 1788 م. تـحـت عـنـوان : ” The Memoirs of Khojeh Abdul-Kureem ”

ولـم أعـثـر بـعـد عـلى ذكـر لـعـبـد الـكـريـم خـوجـة في مـنـشـورات عـربـيـة كـمـا لـم أعـثـر عـلى تـرجـمـة لـنّـصـه، فـقـررت أن أقـوم بـهـذا الـعـمـل.

مـاذا نـعـرف عـن عـبـدالـكـريـم خـوجـة ؟

لا بـد أنّ عـبـد الـكـريـم بـن أكـيـبـات بـن مـحـمـد بـلاكي ( Abdul- Kureem ibn Akibat ibn Muhammad Bulâkî al-Kashmiri) قـد ولـد في كـشـمـيـر، فـهـو يـلـقّـب بـالـكـشـمـيـري.

وفي الـهـنـد دخـل في خـدمـة طـهـمـاسـب قـولي خـان Tahmâs-Qouly-Khan، الّـذي اسـتـولى عـلى الـحـكـم في بـلاد فـارس تـحـت اسـم نـادرشـاه، وقـام بـحـمـلـة حـربـيـة في الـهـنـد. وبـعـد أن انـتـهى مـن حـمـلـتـه، صـاحـبـه عـبـد الـكـريـم في طـريـق عـودتـه إلى بـلاد فـارس في 1739 م.

وقـد اسـتـطـاع عـبـد الـكـريـم خـوجـة أن يـحـصـل مـن الـشّـاه عـلى إذن لـمـصـاحـبـة رئـيـس أطـبـائـه مـيـرزا مـحـمّـد هـاشـم ، الـمـعـروف بـعـلـوي خـان إلى مـكّـة.

borgm_00620

وقـد مـرّ عـبـد الـكـريـم خـوجـة وأصـحـابـه في طـريـقـهـم إلى مـكّـة بـقـزويـن ثـمّ بـبـغـداد. وزاروا كـربـلاء والـنّـجـف والـكـوفـة قـبـل أن يـعـودوا إلى بـغـداد لـيـكـمـلـوا مـسـيـرهـم إلى مـكّـة والـمـديـنـة عـن طـريـق حـلـب ودمـشـق. وعـاد عـبـد الـكـريـم إلى بـلـده في 1749 م.

وهـو قـد زارالـعـراق إذن في بـدايـة أربـعـيـنـات الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وكـتـب نـصّ رحـلـتـه بـعـد عـودتـه إلى الـهـنـد وأسـمـاه “بـيـاني واقـعـيـة Byâni ouâqi’a “.

نـصّ الـرّحـلـة :

يـبـدأ الـجـزء الـمـخـصـص لـلـعـراق بـالـفـصـل الـثّـامـن الّـذي وصـل فـيـه إلى بـغـداد ويـنـتـهي بـالـفـصـل الـحـادي عـشـر عـنـدمـا غـادر الـمـوصـل :

” الـفـصـل الـثـامـن :

أرسـل والي الـمـديـنـة (أحـمـد بـاشـا) وجـيـهـاً عـالي الـمـقـام لـيـسـتـقـبـلـنـا قـبـل أن نـصـل إلى بـغـداد. وقـد طـلـب مـنـه أن يـكـون لـنـا دلـيـلاً فـيـهـا. وعـنـدمـا دخـلـنـا الـمـديـنـة، إسـتُـقـبـلـنـا بـحـفـاوة وإكـرام.

ومـديـنـة بـغـداد الـجـديـدة كـثـيـرة الـسّـكّـان. وفي داخـل الأسـوار كـثـيـر مـن الأراضي الـمـزروعـة. وقـد شـيّـدت الـمـديـنـة عـلى ضـفـة دجـلـة الـشّـرقـيـة، تـقـريـبـاً مـقـابـل الـمـديـنـة الـقـديـمـة الّـتي تـقـع عـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة لـلـنّـهـر. وهـذه الـمـديـنـة الـقـديـمـة صـارت خـرابـاً في أيـامـنـا هـذه. ولـكـنّ الـمـديـنـة الـجـديـدة تـحـيـط بـهـا أسـوار عـالـيـة وحـصـون طـلـيـت جـدرانـهـا بـطـبـقـات كـثـيـفـة مـن الـطّـيـن لـكي تـخـفـف مـن عـنـف ضـربـات قـذائـف الـمـدافـع فـتـدخـل في ثـخـنـهـا وتـضـعـف وتـبـقى في داخـلـهـا، مـتـفـاديـة بـذلـك نـتـائـجـهـا الـمـدمـرة. والـمـديـنـة يـحـمـيـهـا كـذلـك خـنـدق. وقـد ضـرب نـادر شـاه الـحـصـار أمـامـهـا أحـد عـشـر شـهـراً بـدون جـدوى.

وقـصـرآنـوشـروان Nouchyrwan الـشّـهـيـر الّـذي تـتـكـلّـم عـنـه حـكـايـات الـعـرب والـفـرس عـلى بـعـد سـتّـة فـراسـخ مـن بـغـداد و 555 خـطـوة مـن دجـلـة. ومـا زالـت عـدّة جـدران مـنـه مـنـتـصـبـة.

وعـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة مـن دجـلـة، عـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـمـديـنـة الـقـديـمـة زرنـا ضـريـحي الإمـام مـوسى الـكـاظـم والإمـام مـحـمّـد الـتّـقي الـلـذيـن يـسـمـيـان بـالـكاظـمـيـن ومـن اسـمـيـهـمـا جـاء اسـم الـقـريـة.

وبـيـن الـكـاظـمـيـن وبـغـداد الـقـديـمـة يـتـرامى ربّـمـا ألـف قـبـر، لاحـظـنـا مـن بـيـنـهـا قـبـر الـشّـيـخ مـعـروف الـكـرخي الّـذي شـيّـد عـلـيـه مـسـجـد، مـثـلـمـا شـيّـد مـسـجـد عـلى ضـريـحي الـكـاظـمـيـن. ولـكـنّ مـسـجـد الـكـرخي أقـلّ سـعـة وأهـمـيـة.

وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـمـديـنـة الـجـديـدة يـقـع ضـريـح الإمـام أبي حـنـيـفـة الّـذي ولـد في الـكـوفـة. والـمـسـجـد الّـذي شـيّـد فـوقـه أحـسـن مـن قـبـورالـشّـيـوخ الأربـعـة قـربـه : جـنـيـد الـبـغـدادي والـسّـري الـسّـقـطي ومـنـصـور الـعـمـري وداود الـطّـاهـري.

ورأيـنـا أيـضـاً قـبـر بـهـلـول الـحـكـيـم ، الّـذي كـان يـسـلي هـرون الـرّشـيـد. وقـبـر مـنـصـور الـحـلّاج. وقـد سـألـت أهـل الـبـلـد كـيـف يـمـكـن أن يـكـون لـلـحـلّاج قـبـر وقـد أحـرق جـسـده ونـثـر رمـاده في دجـلـة، فـأجـابـوني أنّـهـم سـمـعـوا بـذلـك ولـكـنّـهـم لا يـعـرفـون مـاذا في الـقـبـر.

وهـنـاك جـامـع كـان في الـمـاضي مـعـبـداً لـيـهـودي، ولـكـنّ مـعـجـزة حـدثـت فـقـد انـفـتـحـت بـئـر تـحـتـه عـنـدمـا رمى بـحـجـر عـلى عـلي، وسـقـط فـيـه.

وفي الـمـديـنـة الـجـديـدة عـدّة قـبـور لـشـيـوخ ألـحـقـت بـهـا جـوامـع ومـدارس، مـثـل قـبـر الـسّـيّـد عـبـد الـقـادر الّـذي ولـد في جـيـلان. وجـامـعـه واسـع بـديـع الـتّـشـيـيـد، وفي جـنـوب بـاب الـمـدرسـة دفـن ابـنـه عـبـد الـرزّاق، وقـبـر الـشّـيـخ شـهـاب الـدّيـن الـسّـهـروردي وهـو كـبـيـر حـسـن الـتّـشـيـيـد. وكـان الـشّـاعـر سـعـدي الـشّـيـرازي الـذّائـع الـصّـيـت مـن بـيـن تـلامـيـذه.

الـفـصـل الـتّـاسـع :

وبـعـد أن زرنـا قـبـور بـغـداد ومـا حـولـهـا، تـوجـهـنـا إلى كـربـلاء. وتـوقـفـنـا أولاً في خـان شـور (الّـذي يـعـني الـمـاء الأجـاج بـالـفـارسـيـة). ولـم نـجـد مـاءً نـشـربـه إلّا بـثـمـن بـاهـظ. وتـوقـفـنـا مـرّة ثـانـيـة في الـمـسـيّـب عـلى ضـفـة الـفـرات. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ عـلى نـفـس الـضّـفـة وجـدنـا قـبـري ولـدي مـسـلـم بـن عـقـيـل. وقـد شـيّـدت عـلى الـقـبـريـن قـبّـة واحـدة في وسـط أرض خـلاء. و وصـلـنـا إلى كـربـلاء في الـيـوم الـثّـالـث، وهي عـلى بـعـد 15 فـرسـخـاً مـن بـغـداد.

كـربـلاء

وكـربـلاء كـثـيـرة الـسّـكّـان، فـقـد دفـع حـكـم الـفـرس الـجـائـر الـنّـاس عـلى الـهـجـرة إلـيـهـا. ومـوقـعـهـا فـيـه تـجـارة كـثـيـرة مـنـذ أن شـيّـدت قـنـاة تـربـطـهـا بـالـفـرات. وقـد سـاعـدهـا ذلـك عـلى الإزدهـار.

وكـان والي بـغـداد ، حـسـن بـاشـا، قـد بـدأ أعـمـالاً خـصص لـهـا عـشـرة آلاف طـومـان، ولـكـنّ الـمـوت لـم يـمـهـلـه لـيـرى نـتـائـج مـشـاريـعـه. ( تـوفي حـسـن بـاشـا في 1724 وخـلـفـه ابـنـه أحـمـد بـاشـا ) وقـد أكـمـل هـذه الأعـمـال مـيـرزا ــ أشـرف، أحـد الـمـقـربـيـن مـن شـاه طـهـمـاسـب، مـلـك الـفـرس. وتـحـيـط بـالـمـديـنـة بـسـاتـيـن وغـابـات نـخـيـل حـسـنـة.

وضـريـح الـحـسـيـن بـن عـلي في داخـل أسـوار الـمـديـنـة، وكـذلـك قـبـر ابـنـه عـبـدالله. وفي داخـل الـمـديـنـة أيـضـاً قـبّـة دفـن تـحـتـهـا الـشّـهـداء الّـذيـن قـتـلـوا مـعـه. وعـلى بـعـد عـشـريـن خـطـوة مـن الـنّـافـذة الـجـنـوبـيـة لـضـريـح الـحـسـيـن فـسـحـة مـن الأرض هي الـمـكـان الّـذي كـان قـد قـتـل فـيـه. وقـد حـفـرت فـيـهـا حـفـرة بـحـجـم الـتّـابـوت مـلـئـت تـرابـاً جـلـب مـن مـكـان كـان [الـحـسـيـن] قـد نـصـب فـيـهـا خـيـامـه. وعـلى هـذه الـحـفـرة ألـواح مـن الـخـشـب. والّـذيـن يـزورون الـمـكـان يـعـطـون لـلـخـادم بـعـض الـنّـقـود لـيـأخـذوا قـلـيـلاً مـن هـذا الـتّـراب الّـذي يـسـمى بـ “خـاكي كـربـلا Khaki Karbala ” أي تـراب كـربـلاء. ويـقـال إنّ لـهـذا الـتّـراب قـدرات عـجـيـبـة مـن بـيـنـهـا تـهـدئـة الـعـواصـف إذا مـا رمي بـشئ مـنـه في الـرّيـح الـهـابّـة.

وفي كـربـلاء أيـضـاً ضـريـح عـبّـاس ـ عـلي، الإبـن الـثّـاني لـعـلي، ولـكـنّـه لـيـس ابـن فـاطـمـة. وشـيّـد عـلـيـه مـسـجـد. ويـعـتـقـد الـنّـاس أنّ مـن يـسئ إلى الـقـبـر تـسـقـط عـلـيـه مـصـيـبـة هـائـلـة.

وعـلى بـعـد فـرسـخ مـن الـمـديـنـة قـبـر الـشّـهـيـد حـرّ، وقـربـه قـبـر أمّـه الّـتي حـاولـت أن تـمـنـعـه مـن الـلـحـاق بـالـحـسـيـن، ولـهـذا يـرمي الـزّوّار بـحـجـارة عـلى قـبـر هـذه الـمـرأة. وقـد خـرّب تـمـام الـتّـخـريـب وعـلاه كـوم مـن الـحـجـارة يـرتـفـع يـومـاً بـعـد يـوم.

وبـيـن كـربـلاء والـنّـجـف الأشـرف 12 فـرسـخـاً بـطـريـق تـخـتـرق صـحـراء قـاحـلـة لـيـس فـيـهـا مـاء. وبـيـنـهـمـا 16 إذا مـررنـا بـالـحـلّـة، وسـلـكـنـا طـريـق الـحـلّـة، والـطـريـق عـلى هـذا الـشّـكـل :

مـن كـربـلاء إلى الـحـلّـة       7 فـراسـخ،

مـن الـحـلّـة إلى ذي الـكـفـل  5 فـراسـخ،

مـن ذي الـكـفـل إلى الـنّـجـف 4 فـراسـخ.

الـحـلّـة

والـحـلّـة مـديـنـة كـثـيـرة الـسّـكّـان، تـقـع عـلى ضـفـة نـهـر الـفـرات. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ عـلى نـفـس الـضّـفـة، نـجـد قـبـر أيـوب، وامـرأتـه الّـتي أخـلـصـت لـه الـوفـاء ولـم تـتـركـه عـنـدمـا حـلّـت بـه الـمـصـائـب. وقـرب الـقـبـريـن نـبـع بـدا لي شـديـد الـحـسـن، ويـقـال إنّ مـاءه يـعـالـج كـلّ داء مـهـمـا كـان عـضّـالاً. وقـبـر أيـوب صـغـيـر تـسـاقـطـت بـعـض جـدرانـه مـن قـلّـة مـا خـصص لـلإعـتـنـاء بـه.

وبـعـد أن تـركـنـا الـمـديـنـة اجـتـزنـا سـهـلـيـن، ثـمّ وصـلـنـا إلى قـبـر شُـعـيـب ، والـد امـرأة مـوسى. وقـرب مـحـراب الـمـسـجـد الـمـشـيّـد فـوق قـبـر شـعـيـب لاحـظـت قـبـوراً أخـرى، وقـد رأيـت مـثـل هـذا في أمـاكـن أخـرى مـن دولـة الأتـراك، وهـو يـعـارض تـمـام الـمـعـارضة مـا ورد في الـحـديـث الـنّـبـوي : “لا تـدفـنـوا مـوتـاكـم في الـمـسـاجـد”.

والـقـبـلـة في هـذه الـمـسـاجـد مـن جـهـة بـيـت الـمـقـدس أكـثـر مـنـهـا مـن جـهـة مـكّـة، ولـهـذا يـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر أنّـهـا كـانـت في الأصـل كـنـائـس حـوّلـهـا الأتـراك إلى مـسـاجـد ولـكـن هـذا رأي فـقـط، فـلـيـس لي عـلـيـه إثـبـات.

مـنـارة مـسـجـد شـعـيـب الـمـهـتـزّة :

وكـنّـا قـد سـمـعـنـا، قـبـل أن نـصـل إلى الـحـلّـة عـن مـنـارة مـسـجـد شـعـيـب الـمـهـتـزّة. وعـنـدمـا وصـلـنـا تـعـجـبـنـا مـن ذلـك، فـقـد وجـدنـاه صـحـيـحـاً. وهـذه الـمـنـارة الّـتي شـيّـدت في حـوش الـمـسـجـد ضـخـمـة إلى حـد أنّ كـلّ درجـة مـن درجـات سـلّـمـهـا بـعـرض خـطـوتـيـن. وعـنـدمـا يـصـل الـمـرء إلى أعـلاهـا يـضـع يـده عـلى الـكـرة الـمـعـدنـيـة الّـتي تـعـلـوهـا، ويـصـيـح بـصـوت مـرتـفـع : ” يـامـنـارة، بـجـاه عـبـاس ـ عـلي ، إهـتـزّي !”.

ولإنّي أحـبّ كـلّ مـا هـو غـريـب وخـارق لـلـعـادة، فـقـد صـعـدت إلى الـمـنـارة مـع عـدّة أشـخـاص آخـريـن. وفـعـلـت مـا قـيـل لي أن أفـعـل، ولـكـنّـهـا ظـلّـت ثـابـتـه مـثـل جـبـل مـن الـصّـخـر. ورجـوت خـادم الـمـسـجـد أن يـحـاول هـو بـنـفـسـه، ومـا أن فـتـح فـمـه لـيـصـيـح حـتّى بـدأت الـمـنـارة تـهـتـزّ. وكـان اهـتـزازهـا شـديـداً فـالـتـصـقـنـا الـواحـد بـالآخـر لـشّـدة خـوفـنـا مـن الـسّـقـوط. وكـان رفـيـقي في الـسّـفـر قـد بقي في الـحـوش ، في أسـفـل الـمـنـارة ، وقـد دهـش مـمـا رآه. ومـع أنّ الـخـادم أعـاد الـكـرّة مـرّات عـديـدة فـلـم يـدرك أحـد مـنّـا سـبـب هـذا الإهـتـزاز الـغـريـب.

وذهـبـنـا مـن الـحـلّـة إلى ذي الـكـفـل ، وفـيـهـا قـبـرهـذا الـنّـبي وقـبـور خـلـفـائـه الأربـعـة، وهي بـنـايـات جـمـيـلـة نـزلـنـا إلـيـهـا بـأربـعـة سـلالـم ، وداخـلـهـا مـعـتـم لا نـكـاد نـمـيـز فـيـه الأشـيـاء.

الـنّـجـف :

وذهـبـنـا أيـضـاً إلى الـنّـجـف، وهي أقـلّ سـكّـانـاً مـن كـربـلاء لـبـعـدهـا عـن الـنّـهـر. والأراضي حـولـهـا قـلـيـلـة الـزّراعـة. وتـحـيـق الأخـطـار بـمـن يـبـقى خـارج الـمـديـنـة ، لأنّ الأعـراب غـالـبـاً مـا يـعـيـثـون بـالـمـنـطـقـة فـسـاداً، وهـم يـصـلـون إلى أسـوارهـا لـلـنّـهـب.

ومـقـام عـلي الّـذي شـيّـد في وسـط الـمـديـنـة بـالـغ الـجـمـال. وقـد طـعّـم الـضّـريـح الّـذي يـحـوي جـثـمـان هـذا الـخـلـيـفـة بـالـجـواهـر. وعـنـدمـا كـنّـا في الـمـديـنـة وصـل زركـر بـاشي، رئـيـس صـاغـة نـادرشـاه. وقـد بـعـثـه الـشّـاه لـيـضـع عـلى قـبّـة ضـريـح الـحـسـيـن في كـربـلاء وضـريـح عـلي في الـنّـجـف غـطـاءً مـن الـنّـحـاس يـطـلـيـه بـالـذّهـب ، مـثـلـمـا عـلى قـبـة ضـريـح الإمـام الـرّضـا في مـشـهـد.

وكـانـت مـبـالـغ هـائـلـة قـد انـفـقـت لـفـتـح قـنـاة مـن الـفـرات إلى الـنّـجـف ولـكـنّ الـمـشـروع تـوقّـف عـنـدمـا تـوفي نـادر شـاه بـعـد أن حـفـر مـنـهـا ثـلاثـة فـراسـخ. وكـان قـد قـدر لـهـا أن تـحـفـر عـلى مـدى 35 فـرسـخـاً.

ويـؤكّـد أهـل الـنّـجـف عـلى أنّ قـبـري آدم ونـوح مـازالا قـرب قـبـر عـلي، ولـكـنـنـا لـم نـجـد مـا يـثـبـت هـذا الـقـول.

الـكـوفـة :

وعـنـدمـا كـانـت الـكـوفـة عـاصـمـة الـخـلافـة، كـانـت الـنّـجـف تـابـعـة لـهـا. وقـد أشـاد كـثـيـر مـن الـمـؤرخـيـن بـعـظـمـة مـديـنـة الـكـوفـة الـقـديـمـة ، ولا شـكّ في أنّ الله عـاقـب أهـلـهـا عـلى شـرّهـم لأنـنـا لا نـجـد فـيـهـا الآن مـن مـجـدهـا الـقـديـم إلّا الـجـامـع الّـذي جـرح فـيـه عـلي وتـوفي. ويـقـع هـذا الـجـامـع عـلى بـعـد فـرسـخ مـن ضـريـحـه. ونـقـرأ عـلى الـمـحـراب بـالـحـروف الـعـربـيـة : “هـذا هـو الـمـكـان الّـذي قـتـل فـيـه عـلي بـن أبي طـالـب رحـمـه الله”.

ويـدّعي الـبـعـض أنّ هـذا الـمـكـان أنـشـأه نـوح. ولـكـنّي أعـتـقـد أنّـه كـان في الأصـل مـعـبـد وثـنـة، فـقـد غـطى الـمـسـلـمـون جـداره الـغـربي بـالـجـصّ، ولـكـنّ مـرور الـزّمـن وقـسـاوة الـطّـقـس أسـقـطـا بـعـض أجـزائـه، فـنـرى مـن خـلالـهـا صـوراً نـحـتـت عـلى الـحـجـر. وعـنـدمـا نـتـفـحـص أجـزاءً أخـرى نـخـمـن مـنـحـوتـات أخـرى مـا زالـت خـفـيـفـة الـتّـغـطـيـة. وهـذا الـجـدار كـلّ مـا بـقي مـن الـبـنـاء الـقـديـم ، فـقـد بـنـيـت الـجـدران الأخـرى في فـتـرات لاحـقـة.

ومـع أنّ شـرّ أهـل الـكـوفـة كـان سـبـب خـراب الـمـديـنـة ، فـلا يـنـبـغي أن نـنـسى أنّ الـكـوفـة والـمـدائـن قـد اهـمـلـتـا عـنـدمـا اخـتـار الـمـنـصـور بـغـداد عـاصـمـة لـدولـتـه. ومـا زالـت بـغـداد أكـبـر مـدن الـعـراق الـعـربي.

الـطّـريـق إلى مـكّـة :

يـذكـر عـبـد الـكـريـم خـوجـة أنّ الـطّـريـق الأقـصـر لـلـذّهـاب إلى مـكّـة هي الّـتي تـمـرّ بـالـصـحـراء ، ولـكـنّ الـحـروب بـيـن عـشـائـر الـعـرب وعـدائـهـم لأحـمـد بـاشـا جـعـلـتـه وأصـحـابـه يـنـكـصـون عـن سـلـكـهـا. وقـد اخـتـاروا طـريـق حـلـب ودمـشـق ، وهي أطـول بـكـثـيـر مـن الأولى. وغـادروا بـغـداد نـحـو كـركـوك ثـم ّ ألـتـان كـوبـري فـقـرقـوش فـالـمـوصـل فـديـار بـكـر …

الـفـصـل الـحـادي عـشـر :

بـعـد أن غـادرنـا بـغـداد مـررنـا بـقـريـة نـكـجـة في طـريـقـنـا إلى سـرمـن رأى والّـتي تـدعى عـمـومـاً سـامـراء. وفـيـهـا زرنـا قـبـرالإمـام عـلي الـنّـقي والإمـام حـسـن الـعـسـكـري الـلـذيـن دفـنـا في داريـهـمـا وهـمـا بـنـاءان حـسـنـا الـمـظـهـر.

وخـدم الـقـبـريـن ومـن يـعـمـل فـيـهـمـا كـانـوا أنـاسـاً شـديـدي الـجـشـع ويـجـبـرون الـزّوّار عـلى دفـع كـثـيـر مـن الـهـدايـا. ويـعـتـقـد الـشّـيـعـة أتـبـاع عـلي أنّ الإمـام الـمـهـدي غـاب في زاويـة مـن مـسـجـد في سـامـراء.

وبـعـد أن سـرنـا فـتـرة مـن الـزّمـن وصـلـنـا إلى كـركـوك. ويـذكـر بـعـض قـدمـاء الـمـؤرخـيـن أنّـهـا كـانـت جـزءاً مـن بـلاد الـكـلـدان. وقـد زرنـا فـيـهـا قـبـري الـنّـبـيـيـن دانـيـال والـعـزيـر(عـزرا) الـلـذيـن شـيّـدت عـلـيـهـمـا قـبّـة واحـدة.

الـمـوصـل

والـمـوصـل مـديـنـة كـبـيـرة شـيّـدت عـلى ضـفـة دجـلـة. وفـيـهـا قـادونـا إلى قـبـر الـقـديـس جـرجـيـس. أمّـا قـبـر الـنّـبي يـونـس فـهـو خـارج الأسـوار. وهـذان الـقـبـران كـبـيـران حـسـنـا الـتّـشـيـيـد. وبـعـد بـحـث طـويـل عـرفـت أنّ تـيـمـور الأعـرج (تـيـمـو لـنـك) كـان هـو الّـذي أمـر بـتـشـيـيـدهـمـا ، عـنـدمـا فـتـح هـذه الـبـلاد. وعـلى الـطّـريـق بـيـن كـركـوك والـمـوصـل رأيـنـا عـلى يـسـارنـا جـبـالاً مـرتـفـعـة.

ويـؤمـن سـكـان هـذه الـجـبـال بـإلـهـيـن الأوّل خـلـق الـخـيـر والآخـر خـلـق الـشّـر. وهـم يـرجـمـون بـالـحـجـارة مـن يـجـرؤ عـلى أن يـقـرأ أمـامـهـم الآيـة : “أعـوذ بـالله مـن الـشّـيـطـان الـرّجـيـم”. وهـذه الـجـمـاعـة الـمـكـروهـة تـسـكـن في قـريـة أب زرب. وهـم لا يـقـبـلـون بـخـتـان الـصّـبـيـان ولا يـخـفـون عـوراتـهـم. ومـن الـصـعـب عـبـور الـنّـهـر الّـذي يـخـتـرق قـريـتـهـم مـن غـيـر عـونـهـم. وهـم يـطـلـبـون مـن الـمـسـافـريـن أجـراً بـاهـظـاً لـيـسـاعـدوهـم في إمـرار جـمـالـهـم. وقـد عـرفـنـاهـم كـلـصـوص لـيـس مـثـلـهـم لـصـوص قـبـل أن نـصـل إلى الـمـوصـل، وقـد رأيـتـهـم بـنـفـسي يـرتـكـبـون أفـعـالاً شـنـيـعـة عـلى الـمـسـاكـيـن سـكـان الـقـرى الـمـجـاورة. وقـد خـشـونـا خـوفـاً مـن أحـمـد بـاشـا ورهـبـة مـن نـادرشـاه، فـقـد عـرفـوا أنـنـا نـسـافـر تـحـت حـمـايـتـهـمـا. ولـم يـقـع لـنـا طـيـلـة الـطّـريـق مـكـروه، وقـد اسـتـقـبـلـنـا كـلّ مـسـؤولي الـمـنـاطـق الّـتي مـررنـا بـهـا بـالـمـهـابـة والإحـتـرام. ومـع ذلـك فـقـد نـهـب بـعـض مـن كـان مـعـنـا في الـقـافـلـة وسـلـبـوا.وبـقـيـنـا في الـمـوصـل سـتّـة أيّـام قـبـل أن تـتـابـع الـقـافـلـة مـسـيـرهـا “.

وهـنـا يـنـتـهي مـا يـتـعـلّـق بـالـعـراق مـمـا كـتـبـه عـبـد الـكـريـم خـوجـة.

تـرجـمـات الـنّـصّ إلى الـلـغـات الأجـنـبـيـة :

تـرجـم نـصّ وصـف رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة مـن الـفـارسـيـة إلى الإنـكـلـيـزيـة في 1788 :

The Memoirs of Khojeh Abdul-Kureem, a Cachmerian of distinction who accompanaied Nadir Shah on his return from Hindoustan to Persia, from whence he travelled to Baghdâd, Damascus and Aleppo, and after visiting Medina and Mecca from 1739 to 1749 … Translated from the Persian by Francis Galdwin

Calcutta, William Mackay 1788 (217 pages).

وتـرجـم إلى الـفـرنـسـيـة في 1797 :

Voyage de l’Inde à la Mekke, Par A’bdoûl-Kérym, favori de Tahmâs-Qouly-Khan; Extrait et traduit de la version anglaise de ses Mémoires. Par L. La,glès. Paris , Imprimerie de Crapelet 1797.

Louis Langlès, Voyage dans l’Inde , en Perse, etc…

In ” Collection Portative des voyages” , 8 volumes,Paris 1797 -1835.

Advertisements

كـتـاب تـأبـيـن الـبـغـداديـة سـتّ مـعـاني زوجـة ديـلّا فـالـيـه

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

معاني 2

مـا زالـت عـدّة مـكـتـبـات في الـعـالـم تـحـتـفـظ بـنـسـخ مـن كـتـاب صـدر في مـديـنـة رومـا، في إيـطـالـيـا عـام 1627 عـنـوانـه : “حـفـل تـأبـيـن الـسّـيّـدة سـتّي مـعـاني الـجـويـري ديـلـلا فـالـيـه الّـذي أقـيـم في رومـا عـام 1627:

Funerale della signora Sitti Maani Gioerida della Valle celebrato in Roma l’anno 1627 “.

ولـكـن مـن كـانـت سـت مـعـاني هـذه، وكـيـف وصـلـت إلى رومـا ؟

بـدأت قـصّـة الـحـبّ الـعـجـيـبـة الّـتي أسـردهـا عـلـيـكـم في تـشـريـن الأوّل عـام 1616 عـنـدمـا وصـل شـاب إيـطـالي في الـثّـلاثـيـن مـن عـمـره إلى بـغـداد بـصحـبـة قـافـلـة اخـتـرقـت الـبـاديـة مـن حـلـب. وكـان هـذا الإيـطـالي : بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه Pietro DELLA VALLE  مـن عـائـلـة عـريـقـة في الـنّـبـل مـعـروفـة في مـديـنـة رومــا،عـاصـمـة إيـطـالـيـا.

وكـانـت الـقـافـلـة الّـتي أوصـلـت بـيـيـتـرو إلى بـغـداد ضـخـمـة فـيـهـا أكـثـر مـن ألـف وخـمـسـمـائـة مـسـافـر. وفي الـطـريـق تـعـرّف بـيـيـتـرو عـلى مـسـافـر مـعـه قـصّ عـلـيـه حـبّـه الّـذي لا أمـل لـه مـنـه لـفـتـاة بـغـداديـة اسـمـهـا سـتّي مـعـاني  Sitti Maani . والـغـريـب أنّ هـذا جـعـل بـيـيـتـرو يـنـشـغـف حـبّـاً بـهـذه الـفـتـاة الّـتي لـم يـكـن قـد رآهـا، بـل لـم يـسـمـع حـتّى بـاسـمـهـا مـن قـبـل. وعـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد، ذهـب بـيـيـتـرو إلى أهـل مـعـاني الـجـويـري يـطلـب يـدهـا مـنـهـم. وبـعـد أن تـخـطى كـثـيـراً مـن الـصّعـوبـات وقـهـر كـثـيـراً مـن الـعـقـبـات تـزوّجـهـا في كـانـون الأوّل. وحـسـب تـقـالـيـد الإيـطـالـيـيـن، أصـبـح اسـم الـفـتـاة الـبـغـداديـة بـعـد زواجـهـا : الـسّـت مـعـاني الـجـويـري ديـلّا فـالـيـه  Sitti Maani Gioerida della Valle.

بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه :

ويـنـبـغي عـليّ هـنـا أن أبـدأ بـالـبـدايـة وأذكـر لـكـم كـيـف جـاء هـذا الإيـطـالي الـعـجـيـب إلى بـغـداد: ولـد بـيـيـتـرو في عـائـلـة غـنـيـة مـن الـنّـبـلاء في رومـا عـام 1584. وتـلّـقى تـعـلـيـمـاً  راقـيـاً عـالي الـمـسـتـوى يـنـاسـب مـتـطـلّـبـات طـبـقـتـه الإجـتـمـاعـيـة. ثـمّ انـضـمّ في شـبـابـه إلى الأكـاديـمـيـة ديـلـيي أومـوريـسـتي  Accademia degli Umoristi  ، الّـتي كـونّـهـا مـجـمـوعـة مـن مـثـقـفي زمـانـه بـهـدف إدخـال بـعـض الـمـرح والـدّعـابـة عـلى الـدّراسـات الأدبـيـة. وفي 1611، شـارك في حـمـلـة قـام بـهـا الأسـطـول الإسـبـاني ضـدّ الـقـراصـنـة الـمـقـيـمـيـن عـلى سـاحـل تـونـس.

وبـعـد أن عـاد إلى رومـا تـعـرّف عـلى طـبـيـب عـالـم اســمـه مـاريـو سـكـيـبـانـو Mario Schipano ، وتـلـقى عـلى يـديـه أوّل دروسـه في الـلـغـة الـعـربـيـة، وأخـذ عـنـه الـرّغـبـة في الـتّـعـرّف عـلى الـثّـقـافـات الأجـنـبـيـة. وكـان بـيـيـتـرو يـقـضي بـعـضـاً مـن وقـتـه أيـضـاً في تـألـيـف الـمـوسـيـقى ونـظـم أوبـرات صـغـيـرة. ثـمّ قـرر شـدّ الـرّحـال لـلـحـج إلى فـلـسـطـيـن (الأرض الـمـقـدّسـة). وبـعـد أن كـرّسـه خـوري إحـدى كـنـائـس نـابـولي كـ “مـؤهـل لـلـحـج ” أبـحـر مـنـطـلـقـاً مـن الـبـنـدقـيـة  Venezia  في 1614. وكـان قـد اتـفـق مـع مـاريـو سـكـيـبـانـو عـلى أن يـكـتـب لـه عـن كـلّ مـا يـلاقـيـه في أســفـاره لـيـتـرجـمـه لـه إلى الـلـغـات الأوربـيـة ويـنـشـره.  ودامـت الـمـرحـلـة الأولى مـن سـفـرتـه عـدّة أشـهـر زار خـلالـهـا عـدّة أمـاكـن مـن الـيـونـان ووصـل في نـهـايـتـهـا إلى إسـطـنـبـول في شـهـر آب 1614.

وفي إسـطـنـبـول، إرتـاد الـسـفـراء الأوربـيـيـن حـول الـباب الـعـالي. وبـدأ يـبـعـث لـسـكـيـبـانـو بـوصـف لـطـرق مـعـيـشـة الأتـراك وعـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم، ولـمـعـمـارهـم ومـوسـيـقـاهـم … وبـعـد أن قـضى أكـثـر مـن سـنـة في إســطنـبـول، تـعـلّـم خـلالهـا الـلـغـة الـتّـركـيـة عـبـر الـبـحـر في شـهـر أيـلـول 1615 إلى الإسـكـنـدريـة ثـمّ الـقـاهـرة، واهـتـم كـثـيـراً بالـمـوسـيـقى الـمـصـريـة ورقـص هـزّ الـبـطـن. ثـمّ  وصـل في آخـر الـمـطـاف إلى مـديـنـة الـقـدس في ربـيـع 1616 لإقـامـة الـحـج الّـذي جـاء مـن أجـلـه. وعـنـدمـا انـتـهى مـنـه، خـلـع ثـيـاب الـحـج وارتـدى ثـيـاب الـسّـفـر مـنـطـلـقـاً إلى حـلـب. وكـان هـدفـه، مـا عـدا اكـتـشـاف آلات مـوسـيـقى جـديـدة وتـوابـل وبـهـارات لـم يـر مـثـلـهـا مـن قـبـل، أن يـلـتـقي بـشـاه بـلاد فـارس الـصّـفـوي عـبّـاس الأوّل لـيـقـتـرح عـلـيـه تـعـاهـداً مـع أوربـا الـكـاثـولـيـكـيـة ضـدّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني. ومـن الـقـدس سـافـر إلى حـلـب ومـنـهـا إلى بـغـداد. وقـد رأيـنـا كـيـف تـزوّج فـيـهـا بـبـغـداديـة.

ولـم يـمـنـعـه ذلـك مـن إشـبـاع فـضـولـه لـلـمـعـرفـة  فـذهـب بـيـيـتـرو إلى مـوقـع بـابـل قـرب الـحـلّـة. وكـان أوّل مـن وجـد مـوقـع الـمـديـنـة الـقـديـمـة الـحـقـيـقي، فـقـد كـان الأوربـيـون قـبـلـه يـعـتـقـدون أنّ عـقـرقـوف (مـوقـع مـديـنـة  دور كـوريـغـالـزو Dur-Kurigalzu  الـقـديـمـة ) كـانـت بـابـل وأنّ بـغـداد هي “بـابـل الـجـديـدة” الّـتي أعـيـد تـشـيـيـدهـا قـرب مـوقـع الـمـديـنـة الـقـديـمـة. وقـد رسّـخـت هـذه الـفـكـرة في أذهـانـهـم وجـود آثـار قـديـمـة قـربـهـا فـتـصـوّروا أنّ زقـورة عـقـرقـوف هي بـرج بـابـل.

ولـكـنّ بـيـيـتـرو لـم يـفـلـح في الـعـثـورعـلى بـرج بـابـل أيّ زقـورة “إتـمـنَـنـكي” الـمـكـرّسـة لـلإلـه مـردوخ، وظـنّ أنـهـا كـانـت تـحـت ركـام “تـلّ بـابـل”  (الّـذي كـشـفـت الـتّـنـقـيـبـات بـعـد ذلـك أنّـه “الـقـصـر الـصّـيـفي”  لـلـمـلـك نـبـوخـذنـصـر الـثّـاني).

ورغـم أنّ خـيـبـة أمـل شـديـدة تـمـلـكـتـه عـنـدمـا رأى الـخـرائـب، فـقـد تـفـحـصّ الـمـوقـع بـكـثـيـر مـن الـتّـدقـيـق ولاحـظ الـمـواد الـمـسـتـعـمـلـة في الـبـنـاء. وطـلـب أن يـحـفـر لـه حـول الـجـدران لـيـرى مـخـطـط  الأبـنـيـة، واقـتـرح لـهـا تـأريـخـاً تـقـريـبـيـاً، وحـتّى أنّـه طـلـب أن تـرسـم لـه لـوحـتـان عـن الـمـوقـع (إسـتـعـمـلـهـمـا كـرشـيـر Kircher  بـعـد ذلـك في كـتـابـه عـن بـرج بـابـل عـام 1679).

وكـان بـيـيـتـرو ديـلـلا فـالـيـه أوّل رحّـالـة جـاب بـقـاع مـا بـيـن الـنّـهـريـن ومـعـه رسّـام مـمـتـهـن، أجّـره لـيـصـاحـبـه ويـرسـم لـه الـمـواقـع الأثـريـة وقـطـع الـفـخـار والـطّـابـوق الـمـنـقـوش بـكـتـابـات مـسـمـاريـة وأجـزاء مـن أخـتـام أسـطـوانـيـة. كـمـا رسـم لـه قـطـع مـن الـجـدران عـلـيـهـا آثـار قـار وقـصـب خـلـعـهـا مـن أمـاكـنـهـا وأخـذهـا مـعـه لـيـدعـم بـهـا مـلاحـظـاتـه عـن طـرق الـبـنـاء الـقـديـمـة.

بـيـيـتـرو  في بـلاد الـفـرس والـهـنـد :

وفي الـرّابـع مـن كـانـون الـثّـاني 1917 كـتـب لـســكـيـبـانـو أنّـه غـادر بـغـداد بـصـحـبـة زوجـتـه مـعـاني نـحـو أصـفـهـان الّـتي وصـلـهـا في شـبـاط. ولـكـنّ الـشّـاه عـبّـاس كـان قـد تـرك عـاصـمـتـه لـيـقـاتـل سـلـطـان الأتـراك، فـقـرر بـيـيـتـرو أن يـنـتـظـر رجـوعـه. وبـعـد أن طـال انـتـظـاره وتـجـاوز سـنـة كـامـلـة ، قـرر أن يـذهـب لـلـقـاء الـشّـاه في مـعـسـكـره. وقـد اسـتـطاع بـيـيـرو أن يـفـاوض الـشّـاه طـويـلاً مـن غـيـر أن يـصـل إلى نـتـيـجـة. وبـعـد هـذا الـفـشـل في عـقـد تـعـاهـد مـع الـشّـاه الـفـارسي، حـدث مـا أقـلـق بـيـيـتـرو قـلـقـاً شـديـداً فـهـو لـم يـعـد يـسـتـلـم أجـوبـة سـكـبـيـانـو عـلى رسـائـلـه : فـهـل نـسـاه أهـل بـلـده وتـركـوه وحـيـداً في هـذه الـبـلاد الـغـريـبـة. وهـكـذا قـرر أن يـتـرك أصـفـهـان في تـشـريـن الأوّل 1621لـيـسـلـك طـريـق الـعـودة إلى رومـا، ولـم تـكـن قـافـلـة بـيـيـتـرو الـصّـغـيـرة  تـشـمـل إلّا مـعـاني وشـقـيـقـهـا وخـادمـة جـيـورجـيـة في الـثّـانـيـة عـشـرة مـن عـمـرهـا : مـاريـا تـيـنـاتـيـن  وبـضـعـة خـدم. وعـنـد وصـولـهـم إلى الـخـلـيـج الـعـربي كـانـت الـمـلاريـا تـنـتـظـرهـم فـتـسـاقـطـوا مـرضى. وكـانـت مـعـاني حـامـلاً فـفـقـدت جـنـيـنـهـا ثـمّ مـاتـت. وبـقي بـيـيـتـرو بـجـانـب الـجـثـمـان سـبـع لـيـالٍ قـبـل أن يـجـعـلـه يُـحـنّـط ،لأنّـه كـان قـد وعـد زوجـتـه قـبـل مـوتـهـا أن يـعـود بـهـا إلى رومـا. وكـان هـو نـفـسـه مـريـضـاً ولـكـنّـه اسـتـطـاع في هـرمـز أن يـجـد سـفـيـنـة إنـكـلـيـزيـة في بـدايـة 1623 أوصـلـتـهـم  بـصـحـبـة الـجـثـمـان الـمـحـنـط الّـذي وضـع في صـنـدوق مـصـفـح بـالـرّصـاص إلى ضـفـاف غـرب الـهـنـد. وظـلّ سـنّـة في الـهـنـد نـزل فـيـهـا حـتّى كـلـكـتـا. وفي آخـر سـنـة 1624 وجـد ســفـيـنـة أوصـلـتهـم إلى مـسـقـط في عـمـان،  مـنـهـا صـعـدوا إلى الـبـصـرة.

ومـرّ بـيـيـتـرو في 1625 بـتـلّ الـمـقـيّـر، مـوقـع مـديـنـة أور الـقـديـمـة، وتـمـعّـن في فـحـصـه والـتـقـط مـنـه شـظـايـا فـخـار وقـطـع طـابـوق عـلـيـهـا كـتـابـات مـسـمـاريـة وأجـزاء مـن أخـتـام أسـطـوانـيـة. ثـمّ تـابـع سـفـره إلى حـلـب فـالاسـكـنـدرونـة. وقـد سـبـب لـه نـقـل جـسـد زوجـتـه الـمـحـنّـط مـعـه مـا لا يـحـصى مـن الـمـصـاعـب، وكـان عـلـيـه أن يـحـرسـه باسـتـمـرار ضـدّ الـلـصـوص الّـذيـن كـانـوا يـعـتـقـدون أنّـه كـان يـخـفي كـنـزاً. ولـم يـصـل بـيـيـتـرو مـع جـثـمان زوجـتـه والـخـادمـة الـصّـغـيـرة إلى نـابـولي إلّا في بـدايـة  1626.

وعـنـدمـا وصـل عـنـد أهـلـه في رومـا أراد أن يـريـهـم جـمـال زوجـتـه الـبـغـداديـة الـمـحـنّـطـة فـوجـد الـكـافـور قـد حـافـظ عـلى الـجـسـد كـمـا هـو ولـكـنّ الـوجـه كـان قـد تـفـسّـخ. ودفـنـت مـعـاني في قـبـر شـديـد الـجـمـال في سـرداب الـمـقـبـرة الـعـائـلي في كـنـيـسـة سـانـتـا مـاريـا داراكـويـلي فـوق مـرتـفـع الـكـابـيـتـول.

وأهـدى بـيـيـتـرو ديـلـلا فـالـيـه إلى مـتـحـف Museum Kircherianum   في رومـا مـا كـان قـد جـلـبـه مـعـه مـن بـابـل وأور مـن قـطـع أثـريـة قـديـمـة. وكـان مـن بـيـنـهـا نـصـوص مـسـمـاريـة مـن أوائـل مـا وصـل إلى أوربـا.

وبـعـد أن اسـتـقـرّ بـيـيـتـرو في رومـا عـيّـنـه الـبـابـا أوربـيـن الـثّـامـن في وظـيـفـة شـرف. وعـاد بـيـيـتـرو إلى دراسـة لـغـاتـه الـشّـرقـيـة ومـوسـيـقـاه، واسـتـمـرّ يـكـتـب مـدافـعـاً عـن فـنّ الأوبـرا الـيـافـع ضـدّ عـداوة الـمـوسـيـقى الـتّـقـلـيـديـة. وشـرع يـعـرض الآلات الـمـوسـيـقـيـة الّـتي جـلـبـهـا مـعـه مـن الـشّـرق، ومـنـهـا الـقـانـون والـسّـنـطـور عـلى هـواة الـمـوسـيـقى ويـعـلّـمـهـم طريـقـة الـعـزف عـلـيـهـا. كـمـا شـرع في صـنـع آلات مـوسـيـقـيـة مـبـتـكـرة لـم يـكـتـب لـهـا الـبـقـاء. وتـزوّج بـيـيـتـرو  بـمـاريـا تـيـنـاتـيـن، خـادمـة زوجـتـه مـعـاني الّـتي أنـجـبـت لـه أربـعـة عـشـر ولـداً وبـنـتـاً.

وتـوفي بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه في نـيـسـان 1652 ، ودفـن في سـرادب الـمـقـبـرة الـعـائـلي في كـنـيـسـة سـانـتـا مـاريـا داراكـويـلي بـجـانـب زوجـتـه الأولى، الـبـغـداديـة مـعـاني.

تـشـيـيـع جـثـمـان الـسّـت مـعـاني وكـتـاب الـتّـأبـيـن:

رأيـنـا أنّ مـعـاني دفـنـت بـعـد عـودة بـيـيـتـرو إلى رومـا عـام 1626 في سـرداب مـقـبـرة عـائـلـتـه في كـنـيـسـة سـانـتـا مـاريـا داراكـويـلي فـوق مـرتـفـع الـكـابـيـتـول. ولـكـنّ الـمـأتـم أو بـالأحـرى حـفـل الـتّـأبـيـن لـم يـقـام إلّا بـعـد عـدّة أشـهـر: في 27 آذار 1627. وقـد نـشـر بـهـذه الـمـنـاسـبـة كـتـابـاً بـمـائـة وخـمـسـيـن صـفـحـة عـنـوانـه : “حـفـل تـأبـيـن الـسّـيّـدة سـتّي مـعـاني الـجـويـري ديـلّا فـالـيـه الّـذي أقـيـم في رومـا عـام 1627:Funerale della signora Sitti Maani Gioerida della Valle celebrato in Roma l’anno 1627 “.

معاني 1

ونـرى عـلى  غـلاف الـكـتـاب شـعـار عـائـلـة ديـلّا فـالـيـه الّـذي يـمـثّـل خـوذة حـديـديـة يـعـلـوهـا نـسـر وتـحـيـطـهـا تـزيـيـنـات نـبـاتـيـة  في وسـطـهـا أربـع مـربـعـات : إثـنـان مـنـهـا يـمـثـلان رايـة الـعـائـلـة (أسـدان مـتـقـابـلان يـعـلـوهـمـا نـسـر) وأضـيـف إلـيـهـمـا مـربـعـيـن كـرايـة لـسـتّ مـعـاني نـقـرأ عـلـيـهـمـا بـالـسّـريـانـيـة مـا مـعـنـاه : “أمـة الـرّب مـعـاني”. وبـعـد مـقـدمـة بـالـلـغـة الإيـطـالـيـة عـن الـسّـت مـعـاني، يـحـتـوي الـكـتـاب مـن ص. 19 إلى ص. 30 عـلى نـصـوص عـنـهـا بـعـدّة لـغـات : الـلاتـيـنـيـة والـكـلـدانـيـة (ويـقـصـد بـهـا الـسّـريـانـيـة) والإيـطـالـيـة والـعـربـيـة والـبـرتـغـالـيـة والـتّـركـيـة والـفـرنـسـيـة والـفـارسـيـة والإسـبـانـيـة والأرمـنـيـة والإغـريـقـيـة (أي الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) والـيـونـانـيـة (الـحـديـثـة).

ونـقـرأ في الـنّـص الـعـربي ص. 22: “غـربـتي إلى بـابـل. لأخـلّـص ذاتي مـن خـطـور الأعـداء. تـغـرّبـت إلى بـلـد الـعـجـم. لاتـبـع عـريـسي في خـطـور الـحـرب والـقـتـال. ولـكي أكـون مـعـه بـالـراحـة في بـلـده. فـكـنـت مـسـتـعـدة لـلـغـربـة مـعـه. في الـبـر والـبـحـر. حـتى إلى رومـة الـعـظـمـا. فـلـم يـاذن لي الـمـوت بـذلـك: واه. والان مـن ذات خـاطـري. أنـا مـنـغـرّبـة إلى الـسـمـا. فـلـم أنـسـاك مـن الـتّـظـرع لله. مـن أجـلـك. يـا حـبـيـبي “.

معاني 5

ويـحـتـوي الـقـسـم الـتّـالي، مـن ص. 31 إلى ص. 114 عـلى أكـثـر مـن ثـلاثـيـن قـطـعـة شـعـريـة في رثـاء الـسّـتّ مـعـاني نـظـمـهـا أعـضـاء الأكـاديـمـيـة ديـلـيي أومـوريـسـتي مـن أصـحـاب بـيـيـتـرو بـالـلـغـتـيـن الـلاتـيـنـيـة والإيـطـالـيـة. ولأنّ أحـداً مـنـهـم لـم يـر الـسّـتّ مـعـاني فـقـد تـخـيـلـوا فـيـهـا كـلّ الـفـضـائـل الـمـمـكـنـة حـسـب تـعـلـيـمـات بـيـيـتـرو، ونـقـرأ مـثـلاً : “وقـد أسـمـوهـا مـعـاني، وهـو مـا يـدلّ بـالـعـربـيـة عـلى : significance  أي الـمـعـنى، و intelligence أي الـذّكـاء، وconcepts  أي الـمـفـاهـيـم، و eloquence أي الـفـصـاحـة أو بـالأحـرى الأمـثـال سـواء كـان ذلـك في الـنّـثـر أو في الـشّـعـر”. وكـان بـيـيـتـرو قـد أعـطـاهـم نـسـخـاً مـن الـرّسـائـل الأربـع والـخـمـسـيـن الّـتي كـان قـد بـعـثـهـا مـن الـشّـرق لـصـديـقـه سـكـيـبـانـو. ونـجـد بـعـضـهـا في سـرد رحـلـتـه إلى الـشّـرق (Viaggi) الّـذي نـشـره بـعـد ذلـك في رومـا بـيـن 1650 و1653.

أمّـا الـقـسـم الأخـيـر، مـن ص. 115 إلى ص. 149 فـقـد خـصـص لـنـصـوص نـثـريـة يـرثي فـيـهـا بـيـيـتـرو زوجـتـه الـرّاحـلـة سـتّ مـعـاني. وتـظـهـر الـسّـت مـعـاني مـن مـجـمـوع نـصـوص الـتّـأبـيـن زوجـة مـثـالـيـة وامـرأة حـازمـة قـويـة الـشّـخـصـيـة بـل زنـوبـيـا حـديـثـة ! والأهـمّ مـن كـلّ هـذا مـسـيـحـيـة شـرقـيـة سـريـانـيـة (كـلـدانـيـة) كـانـت مـسـتـعـدّة لـلـدخـول في طـاعـة الـكـنـيـسـة الـكـاثـولـيـكـيـة في رومـا.

ويـحـتـوي الـكـتـاب عـلى ثـلاثـة رسـوم مـحـفـورة عـلى الـمـعـدن ومـطـبـوعـة، مـا عـدا رسـم الـغـلاف. ونـجـد في الـصّـفـحـة الـثّـالـثـة رسـمـاً لـسـتي مـعـاني (الّـذي وضـعـنـاه في بـدايـة الـمـقـال). ونـعـرف مـن رسـالـة كـتـبـهـا بـيـيـرو في 21 تـشـريـن الأوّل 1619 أنّـه طـلـب مـن رسّـام أن يـصـور لـه زوجـتـه لـيـبـعـث بـالـرّسـم إلى عـائـلـتـه في رومـا. ونـقـرأ في ص. 61 مـن الـقـسـم الـسّـابـع مـن الـجـزء الـثّـاني مـن سـرد الـرّحـلـة : “بـعـثـت إلى رومـا بـصـورة زوجـتي الـسّـت مـعـاني الّـتي تـودّ عـائـلـتي رؤيـتـهـا. وهي بـالـحـجـم الـطّـبـيـعي، تـرتـدي ثـوبـاً سـريـانـيـاً مـع أنّـهـا نـادراً مـا تـرتـديـه اعـتـيـاديـاً”. ويـذكـر أنّـه هـو نـفـسـه كـان يـرتـدي مـلابـس الـمـنـطـقـة الّـتي يـقـيـم فـيـهـا وحـسـب حـالـة الـطّـقـس، وهـو مـا كـانـت تـفـعـلـه زوجـتـه أيـضـاً. ويـضـيـف بـيـيـتـرو في كـلامـه عـن صـورة زوجـتـه : “وأنـا آسـف لأنّ الـصّـورة لـيـسـت بـالـتّـكـامـل الّـذي كـنـت أودّ أن تـكـون عـلـيـه مـا دمـت لـم أجـد رسّـامـاً عـظـيـمـاً لـيـنـفّـذهـا فـارتـضـيـت بـهـذا الـرّسّـام الـفـلامـيـنـكي الـشّـاب الّـذي كـان في خـدمـتي. وهـو عـلى كـلّ حـال لـم يـكـمـلـهـا قـبـل أن يـتـرك خـدمـتي”.

ويـذكـر بـيـيـتـرو في سـرد رحـلـتـه هـذا الـرّسّـام عـدّة مـرّات، فـقـد الـتـقى بـه في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة  Venezia عـام 1612، قـبـل أن يـشـرع في رحـلـتـه. وقـد أجّـره لـيـصـاحـبـه ويـرسـم لـه مـا يـسـتـحـق الـرّسـم مـن مـلابـس غـريـبـة ومـنـاظـر لـم يـرهـا مـن قـبـل. وكـان اسـمـه يـان فـان هـاسـيـلـت  Jan Lucaszoon van Hasselt.

ويـذكـر بـيـيـتـرو أنّـه لـم يـظـهـر في صـورة زوجـتـه الـحـلي الّـتي تـلـبـسـهـا الـشّـرقـيـات، وأنّ زوجـتـه خـلـعـت الـحـلـقـة الّـتي كـانـت تـضـعـهـا في مـنـخـارهـا : “والـشّـرقـيـات يـضـعـنـهـا كـمـا تـوضـع الـحـلـقـات في خـيـاشـيـم الـجـوامـيـس” !  كـمـا أنّ الـرّسّـام صـوّر الـخـنـجـر الّـذي تـحـمـلـه زوجـتـه مـن غـيـر ذهـب أو جـواهـر.

وقـد ضـاعـت هـذه الـلـوحـة ولـم يـصـلـنـا مـنـهـا إلّا هـذا الـرّسـم الـمـطـبـوع. وكـان بـيـيـتـرو يـنـوي أن يـطـلـب مـن أشـهـر رسـامي إيـطـالـيـا أن يـرسـمـو سـت مـعـاني بـعـد أن يـعـود مـعـهـا إلى رومـا. ولـكـن الـمـوت لـم يـأذن لـه بـذلـك. وبـقي لـنـا أيـضـاً وصـف بـيـيـتـرو لـمـعـاني : “جـمـالـهـا يـوافـق مـعـايـيـر الـجـمـال في بـلـدهـا. أي أنّ لـبـشـرتـهـا لـون حـارّ يـعـتـبـر في أعـيـن الإيـطـالـيـيـن أقـرب إلى الـبـنّي مـنـه إلى الأبـيـض. ويـقـرب شـعـرهـا مـن الـسّـواد، وكـذلـك حـاجـبـاهـا وأهـدابـهـا الّـتي تـطـيـلـهـا بـالـكـحـل عـلى طـريـقـة الـشّـرقـيـات. وتـشـعّ عـيـنـاهـا بـنـفـس الـلـون (أي الأسـود)”.

ونـجـد بـيـن صـفـحـتي 16 و17 رسـمـيـن حـفـرا عـلى الـمـعـدن وطـبـعـا : صـورة الـمـنـصّـة الّـتي تـمـثّـل الـنـعـش في حـفـل الـتّـأبـيـن،

معاني 3

صـنـعـت عـلى الأسـلـوب الـبـاروكي الـطّـاغي في ذلـك الـزّمـان. وشـعـار الـسّـت مـعـاني

معاني 4

فـلـكي تـعـتـبـر نـبـيـلـة في أعـيـن الإيـطـالـيـيـن كـان عـلـيـه أن يـخـتـرع لـهـا شـعـاراً خـاصّـاً بـهـا. وهـو دائـرتـان تـحـيـط الـواحـدة مـنـهـمـا بـالأخـرى. في وسـط الـدّائـرة الـصّـغـيـرة نـصّ مـخـطـوط  بـالـسّـريـانـيـة : “أمـة الـرّب مـعـاني”.  وفي الـدّائـرة الـواسـعـة نـصّ طـويـل بـالـخـط الـعـربي مـتـشـابـك الـحـروف يـمـكـن أن نـقـرأ فـيـه :  “الله الـقـديـم الأسـمى الأشـرف الأرفـع الأعـلى الـسّـت مـعـاني بـنـت الـسّـيـد الـحـبـيـب جـان الـمـادسي ؟ جـويـري مـن الأصـل في الـجـزيـرة”.  ولـكـنّ هـذه الـقـراءة لـيـسـت أكـيـدة.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

jardin13

(صـور الـجـنـائـن خـيـالـيـة مـثـل الأسـطـورة)

لـم تـذكّـر الـنّـصـوص الـبـابـلـيـة الّـتي سُـجّـلـت بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة جـنـائـن مـعـلـقـة في بـابـل، ولـم يـجـد الـمـنـقـبـون خـلال حـمـلات الـتّـنـقـيـبـات الـمـتـتـالـيـة في مـوقـع بـابـل الـقـديـمـة (مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وطـيـلـة الـقـرن الـعـشـريـن) أثـراً لـهـذه الـجـنـائـن “الـمـعـلّـقـة “.

فـكـيـف تـكـوّنـت هـذه الأسـطـورة عـنـد الإغـريـق (أي الـيـونـانـيـيـن الـقـدمـاء) ومـقـلـديـهـم الـرّومـان ؟ وكـيـف دخـلـت ضـمـن “عـجـائـب الـدّنـيـا الـسّـبـع” الّـتي صـنّـفـوهـا ؟

أوّل ذكـر لـلـجـنـائـن الـمـعـلـقـة في الـقـرنـيـن الـرّابـع والـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد

أوّل ذكـر لـلـجـنـائـن الـمـعـلـقـة كـتـبـه الإغـريـقي مـيـغـاسـتـيـنـس (ولـد سـنـة 340 قـبـل الـمـيـلاد وتـوفي سـنـة 282 قـبـل الـمـيـلاد). وكـان قـد بـعـث في سـفـارة إلى بـلاط الـفـرس، ومـرّ بـبـابـل. وقـد ضـاع كـتـابـه ولـم يـصـلـنـا مـنـه إلّا اسـتـشـهـادات في كـتـاب لأبـيـديـنـوس  Abydenos وفي الـحـقـيـقـة نـحـن لا نـعـرف مـن كـتـاب أبـيـديـنـوس إلّا مـا اقـتـبـسـه مـنـه أوسـيـبـيـوس الـبـامـفـيـلي Eusebius Pamphili الـمـعـروف بـأوسـيـبـيـوس الـقـيـصـري الّـذي عـاش بـعـده في الـقـرن الـثـالـث بـعـد الـمـيـلاد في كـتـابـه عـن تـاريـخ رجـال الـدّيـن. ومـا وصـلـنـا (نـقـلاً عـن نـقـل) مـمـا كـتـبـه مـيـغـاسـتـيـنـس أنّ نـبـوخـذ نـصـرالـثـاني شـيّـد عـدداً مـن الـمـبـاني، وأنّـه : “أمـر أن يـزيـن قـصـره بـأشـجـار، وأسـمى هـذه الـجـنـائـن بـالـمـعـلّـقـة “.

أمّـا بـيـروسـوس  Berossos (واسـمـه بـالـلـغـة الـبـابـلـيـة : بـعـل رعـيـشـو، أي بـعـل راعـيـه)، والّـذي يـسـمى أيـضـاً بـيـروسـوس الـكـلـداني، وكـان رجـل ديـن بـابـلي في مـعـبـد مـردوخ، ولـد في الـزّمـن الّـذي أقـام فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل أو قـبـلـه بـقـلـيـل أي في أواخـر الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، فـقـد كـتـب بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـتـاب بـابـل  Babyloniaka  (ويـعـرف أيـضـاً بـكـتـاب بـلاد الـكـلـدان Chaldaika ) الّـذي ألّـفـه لـلـمـلـك الـسّـلـوقي أنـطـيـقـيـوس الأوّل بـيـن 290 و278 ق. م. لـيُـعـرّف الإغـريـق بـحـضـارة بـلـده بـابـل.

ولـم يـصـلـنـا هـذا الـكـتـاب. ولـيـس لـديـنـا مـنـه إلّا تـلـخـيـص الإسـكـنـدرالـمـلـقّـب بـبـولي هـيـسـتـور (أي الـغـزيـر الـعـلـم)  Alexandre Polyhistor  لـه، واقـتـبـاسـات الـكّـتـاب الّـذيـن جـاءوا بـعـده مـثـل بـلـيـنـيـوس الأكـبـر Gaius Pilinus Seconus  وسـنـسـوريـنـوس Censorinus وفـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   وفـيـتـروفـيـوس Vitruvius . وهـو يـذكـر أن الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة أنـشـأهـا نـبـوخـذ نـصـرالـثـاني (604 ـ 562 ق. م.) لـزوجـتـه الّـتي جـاءت مـن بـلاد مـيـديـا الـجـبـلـيـة في غـرب إيـران لـتـذكّـرهـا بـبـلادهـا وتـسـلـيـهـا في غـربـتـهـا. وهـو يـذكـر أن اسـم الـمـلـكـة كـان أمـتـيـس Amytis  إبـنـة الـمـلـك الـمـيـدي سـيـاخـار Cyaxare الّـتي تـزوّجـهـا الـمـلـك الـبـابـلي لـيـعـزز تـحـالـفـه مـعـه عـنـدمـا قـررا إسـقـاط الإمـبـراطـوريـة الآشـوريـة.

وقـد اسـتـشـهـد فـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   (وهـو الإسـم الـلاتـيـني لـلـكـاتـب الـيـهـودي يـوسـف بـن مـاتـيـتـيـاهـو هـا كـوهـيـن) بـنـص بـيـروسـوس، وذكـرالـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة  في كـتـابـيـه “ضـدّ أبـيـون” و “الآثـار الـيـهـوديـة “. وهـو يـقـول في كـتـابـه “الآثـارالـيـهـوديـة ” الّـذي كـتـبـه بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة في الـقـرن الأول : “ولأنّ الـمـلـكـة الّـتي نـشـأت وتـرعـرعـت في بـلاد مـيـديـا، كـانـت تـودّ أن تـجـد مـا يـذكّـرهـا بـبـلادهـا، فـقـد أمـر(الـمـلـك) بـتـشـيـيـد سـطـوح فـوق قـصـره بـأحـجـاركـبـيـرة حـتّى بـدت كـجـبـال. وغـطّـيـت بـتـراب غـرسـت فـيـه أعـداد هـائـلـة مـن الأشـجـار مـن كـلّ الأنـواع ، حـتّى اعـتـبـرت هـذه الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة مـن بـيـن عـجـائـب الـدّنـيـا “.

ولـكـنّ فـلافـيـوس يـوسـيـفـوس لـم يـقـرأ كـتـاب بـيـروسـوس وإنّـمـا عـرفـه في تـلـخـيـص الإسـكـنـدر بـولـيـهـسـتـور لـه. ويـبـدو أنّ بـولـيـهـسـتـور أخـذ وصـفـه لـلـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة  مـن سـيـرة الإسـكـنـدر الـمـقـدوني الّـتي ألّـفـهـا كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري  Clitarchus Alesandria وأضـافـه إلى تـلـخـيـصـه لـبـيـروسـوس. وكـان كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري الّـذي عـاش في نـهـايـة الـقـرن الـرّابـع وبـدايـة الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، وارتـاد بـلاط بـطـلـيـمـوس الأوّل في الإسـكـنـدريـة  قـد ألّـف كـتـاب “تـاريـخ الإسـكـنـدر” بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة. وقـد تـأثـر بـالـكـاتـب كـالـيـسـثـيـنـوس الأولـيـنـثي Callisthenos  ، وأثـر عـلى ديـودروس الـصّـقـلي  Diodorus Siculus (بـالـيـونـانـيـة  Διόδωρος Σικελιώτης) وبـومـبـيـوس تـروغـوس  Cneius Pompeius Trogus  وكـيـنـتـوس كـورتـيـوس  Quintus Curtius Rufus  الّـذيـن جـاءوا بـعـده.

الـقـرن الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد:

1520518-8866-thickbox

نـجـد في “الـمـخـتـارات الـبـلاتـيـنـيـة ”  الّـتي جـمـعـت أشـعـاراً إغـريـقـيـة ولاتـيـنـيـة، (ويـرجـع تـاريـخ تـألـيـفـهـا ولا شـك إلى الـقـرن الـخـامـس ب. م.) نـصـاً لـلـشـاعـر أنـتـيـبـاتـروس الـصّـيـداوي Antipatros Sidonios الّـذي عـاش في الـقـرن الـثّـاني ق. م. :

” رأيـت أسـوار بـابـل الـعـتـيـقـة الّـتي تـجـري فـوقـهـا الـعـربـات

و [تـمـثـال] زيـوس هـذا عـلى ضـفـة نـهـر الألـفـيـه.

رأيـت الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة وعـمـلاق الـشّـمـس

والـبـنـاء الـهـائـل لـلأهـرامـات الـعـالـيـة

وضـريـح مـوسـول الـرّائـع”.

الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد :

يـذكـر ديـودروس الـصّـقـلي  Diodorus Siculus (الّـذي عـاش في زمـن يـولـيـوس قـيـصـر وخـلـفـه الـقـيـصـر أوغـسـطـس الـلـذيـن حـكـمـا رومـا في الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد) أنّ الـخـراب عـمّ مـديـنـة بـابـل وهـجـرهـا أغـلـب أهـلـهـا، ولـم يـبـق في داخـل الأسـوار إلّا أحـيـاء قـلـيـلـة بـقي فـيـهـا سـكّـانـهـا. ويـصـف في كـتـابـه : “الـمـكـتـبـة الـتّـاريـخـيـة ” الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة وصـفـاً مـفـصّـلاً. ويـذكـر الـقـصـة الّـتي حـكـاهـا بـيـروس عـن الـمـلـك الـبـابـلي (ولـكـنّـه لـم يـذكـر اسـمـه ) الّـذي شـيّـدهـا لـزوجـتـه، ولـكـنّـهـا أصـبـحـت عـنـده “مـحـظـيـة فـارسـيـة”. والـجـنـائـن عـنـده مـربـعـة الـشّـكـل، كـلّ ضـلـع مـنـهـا أربـعـة فـراسـخ. وهي درجـات أو سـطـوح تـرتـفـع فـوق أقـواس تـسـتـنـد عـلى أعـمـدة، وأعـلاهـا تـرتـفـع إلى خـمـسـيـن ذراعـاً. وشـيّـد كـلّ واحـد مـن هـذه الـسّـطـوح بـأحـجـار ضـخـمـة وضـعـت عـلـيـهـا طـبـقـة مـن الـقـصـب سـكـب عـلـيـهـا الـقـار، ثـمّ طـبـقـة مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور والـجـص، ثـمّ طـبـقـة مـن الـرّصـاص. ووضـعـت فـوقـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـتّـراب غـرسـت فـيـهـا أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـجـار مـن كـلّ الأنـواع، مـدهـشـة الأحـجـام وخـلّابـة الـجـمـال. ويـذكـر أنّـه كـان فـيـهـا غـرف بـديـعـة. وأنّ أحـد الأعـمـدة الّـتي تـسـنـد الـجـنـائـن كـان مـجـوفـاً مـن أعـلاه إلى أسـفـلـه، وهـوالّـذي كـان يـسـحـب الـمـاء مـن الـنّـهـر، أي الـفـرات، لـسـقي الـجـنـائـن.وهـو يـتـكـلّـم عـن الـزّقـورة ويـذكـر أنّ الـكـلـدان (ويـعـني بـهـم رجـال الـدّيـن) كـانـوا يـرتـقـون طـبـقـاتـهـا عـلى الـسّـلالـم ويـصـلـون إلى أعـلاهـا لـيـراقـبـوا مـسـيـرة الـكـواكـب والـنّـجـوم.

ويـبـدو أنّ ديـودروس الـصّـقـلي أخـد مـعـلـومـاتـه مـن سـيـرة الإسـكـنـدر الـمـقـدوني الّـتي ألّـفـهـا كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري حـوالي 300  سـنـة قـبـل الـمـيـلاد. ويـبـدو أنّ كـلـيـتـاركـوس الّـذي ضـاع كـتـابـه، قـد زار بـابـل. كـمـا أنّ ديـودروس الـصّـقـلي اقـتـبـس مـقـاطـع كـثـيـرة مـن كـتـاب إقـطـسـيـاس الإقـنـيـدي   Ktesias Knidos: “كـتـاب الـفـرس Persica”.

الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد:

كـتـب بـومـبـيـوس تـروغـوس  Cneius Pompeius Trogus ، الّـذي عـاش في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد بـيـن مـا كـتـب “الـتّـواريـخ الـفـيـلـيـبـيـة “. وقـد سـمى كـتـابـه هـذا بـاسـم فـيـلـيـبـوس الـمـقـدوني والـد الإسـكـنـدر. ويـتـكـلّـم فـيـه عـن الـمـنـاطـق الّـتي فـتـحـهـا الإسـكـنـدر الـكـبـيـر، إبـن فـيـلـيـبـوس الـمـقـدوني ومـنـهـا بـلاد آشـور. ويـذكـر أنّ تـاريـخ هـذه الـبـلاد يـبـدأ بـمـلـكـهـا (الأسـطـوري) نـيـنـوس. وقـد تـأثـر بـومـبـيـوس تـروغـوس بـمـا قـرأه في “تـاريـخ الإسـكـنـدر”  لـكـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري ، الّـذي رأيـنـا أنّـه كـتـبـه في بـدايـة الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد  .

أمّـا بـيـلـيـنـوس الأكـبـرGaius Pilinus Seconus ، والّـذي عـاش هـو الآخـر في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد ، فـيـنـقـل عـن الـمـؤرخ الإغـريـقي هـيـرودوت وصـفـه لـبـابـل وأنّ مـحـيـط أسـوارهـا كـان 480 غـلـوة. ويـذكـر الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة في مـوسـوعـتـه “الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي” :  “كـان الـقـدمـاء يـعـجـبـون أولاً بـجـنـائـن الـهـسـبـريـديـيـن، ثـمّ بـجـنـائـن الـمـلـكـيـن أدونـيـس وألـسـيـنـوس وبـالـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة الّـتي شـيـدتـهـا سـمـيـرامـيـس أو شـيـدهـا كـورش مـلـك بـلاد آشـور، والّـتي سـنـتـكـلّـم عـنـهـا في كـتـاب آخـر”. ولـم يـصـلـنـا الـكـتـاب الآخـر، وضـاع بـيـن مـا ضـاع. ونـلاحـظ أنّ بـيـلـيـنـوس الأكـبـر يـسـمـي الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني كـورش الّـذي أسـقـط بـابـل في 539 قـبـل الـمـيـلاد بـمـلـك بـلاد آشـور، ويـضـعـه بـجـانـب الـمـلـكـة الأسـطـوريـة سـمـيـرامـيـس !

ويـصـف الـمـؤرخ الـرّومـاني كـيـنـتـوس كـورتـيـوس  Quintus Curtius Rufus  الّـذي عـاش في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد ، بـابـل والـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة في كـتـابـه تـاريـخ الإسـكـنـدر الـكـبـيـر Historiaum Alexanderi Magni Libiri  (بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة). وكـتـابـه هـذا كـان بـعـشـرة أجـزاء ضـاع جـزاءهـمـا الأوّل والـثّـاني، كـمـا ضـاع بـعـضٌ مـمـا تـضـمّـنـتـه الأجـزاء الـثّـمـانـيـة الـبـاقـيـة. ويـذكـر الـقـصـة الّـتي حـكـاهـا بـيـروسـوس عـن الـمـلـك الـبـابـلي (ولـكـنّـه لـم يـذكـراسـمـه) الّـذي شـيّـد الـجـنـائـن لـزوجـتـه. وقـد اسـتـعـمـل الـمـعـلـومـات الّـتي وجـدهـا عـنـد كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري وإقـطـسـيـاس الإقـنـيـدي  وديـودروس الـصّـقـلي :

“وفـوق الـقـلـعـة كـانـت أحـدى الـعـجـائـب الّـتي رددتـهـا الأسـاطـيـرالإغـريـقـيـة : الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة. وتـوازي قـمـتـهـا أعـالي الأسـوار. ويـأتـيـهـا سـحـرهـا مـن ظـلالـهـا الـوارفـة وارتـفـاع أشـجـارهـا الـكـثـيـرة. والأعـمـدة الّـتي تـسـنـدهـا مـن الـصـخـر وفـوقـهـا سـطـح مـن الأحـجـار الـمـنـحـوتـة عـزز لـيـسـتـطـيـع حـمـل كـمـيـات الـتّـراب الّـتي ألـقـيـت فـوقـه والـمـاء الّـذي يـسـقـيـه. ويـحـمـل الـبـنـاء أشـجـاراً ضـخـمـة يـصـل قـطـر جـذع الـواحـدة مـنـهـا إلى ثـمـانـيـة أذرع ويـرتـفـع إلى 50 قـدم. وتـثـمـر هـذه الأشـجـار كـمـا لـو كـانـت عـلى الأرض. ومـع أنّ مـرور الـزّمـن يـمـحـو لـيـس فـقـط أعـمـال الإنـسـان وإنـمـا أيـضـاً أعـمـال الـطـبـيـعـة ، فـهـذه الـجـنـائـن تـبـقى قـائـمـة وذلـك رغـم ضـغـط جـذور كـلّ أشـجـار هـذه الـغـابـة وثـقـلـهـا. وهـذا لأنّ جـدران الأسـاس الّـذي تـسـتـنـد عـلـيـه يـبـلـغ سـمـكـهـا 20 قـدم، لا يـفـصـل بـيـن الـواحـد والآخـر أكـثـر مـن 11 قـدمـاً. وهـكـذا يـراهـا الـنّـاظـر مـن بـعـيـد كـغـابـات طـبـيـعـيـة عـلى قـمـة جـبـل.  وتـذكـر الأخـبـار الـمـنـقـولـة أنّ الّـذي شـيّـدهـا مـلـك سـوريـا (يـقـصـد بـلاد آشـور) الّـذي كـان وحـكـم بـابـل. دفـعـه إلى ذلـك حـبّـه لـزوجـتـه، فـقـد كـانـت في مـديـنـة الـسّـهـول هـذه تـحـنّ إلى جـبـال بـلـدهـا. وطـلـبـت مـن زوجـهـا أن يـقـلـد بـهـذا الـعـمـل سـحـر الـطّـبـيـعـة “.

وكـتـب الـجـغـرافي الـرّومـاني إسـطـرابـو Strabo الّـذي عـاش في نـهـايـة الـقـرن الأول ق.م. وبـدايـة الـقـرن الـثّـاني ب. م.  وصـفـاً مـفـصـلاً أخـذه مـن سـابـقـيـه لـلـجـنـائـن في كـتـابـه “الـجـغـرافـيـا ” :  “هـذه الـجـنـيـنـة الّـتي هي مـربـع شـاسـع طـول كـلّ ضـلـع مـنـه أربـعـة فـراسـخ. تـرتـفـع سـطـوحـهـا طـبـقـات تـسـنـدهـا أقـواس مـرتـكـزة عـلى أعـمـدة مـربـعـة الأضـلاع. وهـذه الأعـمـدة مـجـوفـة، ومـلأت الـسّـطـوح تـرابـاً غـرسـت فـيـه أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـجـار. وشـيّـدت الأعـمـدة والأقـواس والـسّـطـوح بـالـطّـابـوق الـمـفـخـور والـقـار لا غـيـر. ويـتـسـلـق الـصّـاعـد إلى الـطّـابـق الـعـلـوي درجـات سـلّـم ضـخـم تـحـاذيـه لـوالـب يـصـعـد الـمـاء عـلـيـهـا مـن الـفـرات إلى الـجـنـيـنـة، ويـديـرهـا بـلا تـوقـف رجـال عـهـد إلـيـهـم بـذلـك. والـفـرات يـقـسـم الـمـديـنـة مـن وسـطـهـا إلى نـصـفـيـن”.

الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد :

ويـبـدو أنّ فـيـلـون الـبـيـزنـطي Philon Byzantios  الّـذي عـاش في الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد هـو الّـذي اقـتـرح قـائـمـة بـ “عـجـائـب الـدّنـيـا” وضـع فـيـهـا جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة. ولـكـنّ كـتـابـه كـمـا وصـلـنـا يـعـجّ بـإضـافـات مــمـن جـاءوا بـعـده :

“زرعـت الـجـنـيـنـة الـمـسـمـاة بـالـمـعـلّـقـة في الـفـضـاء : نـبـاتـاهـا تـعـلـوالأرض، [والـجـنـيـنـة ] تـبـدو سـقـفـاً يـعـلـو الأرض، تـسـنـده أعـمـدة مـن الـحـجـر ركـزت فـوق أسـطـوانـات مـن الـصّـخـر لـمـنـحـوت. وقـد ألـقـيـت فـوقـه كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـتّـراب زرعـت فـيـهـا نـبـاتـات واسـعـة الأوراق. وتـنـمـو في هـذه الـجـنـيـنـة كـلّ أنـواع الأشـجـار، وأنـواع مـخـتـلـفـة مـن الأزهـار، أي كـلّ مـا يـحـلـو لـلـنّـظـر ويـمـتـع الـحـواس. وتـوصـل مـجـاري الـسّـقي الـمـاء إلى الأعـلى، إمّـا أن يـنـبـثـق انـبـثـاقـاً مـسـتـقـيـمـاً أو يـصـعـد مـتـلـويـاً في لـوالـب بـحـيـل تـجـعـلـه يـجـري حـول مـراوح وآلات.  ويـسـقي الـمـاء الـمـرفـوع، بـعـد أن يـسـكـب في أحـواض، الـجـنـيـنـة كـلّـهـا. يـتـداخـل في جـذورالـنّـبـاتـات تـداخـلاً عـظـيـمـاً فـتـظـلّ مـنـه الأرض مـبـتـلّـة. ولـهـذا ولاشـكّ كـانـت الأعـشـاب فـيـهـا دائـمـة الإخـضـرار(…) وكـان يـنـتـج عـن هـذا الـعـمـل [الـمـصـطـنـع] مـتـعـة مـلـكـيـة، فـهـو مـعـاكـس لـعـمـل الـطّـبـيـعـة مـادام يـعـلّـق أثـمـار الأرض فـوق رؤوس الـرّافـعـيـن أنـظـارهـم إلـيـهـا لـيـتـأمـلّـوهـا”.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (1) :

بـطـاقـات بـريـديـة طـبـعـتـهـا شـركـة عـبـدُالـعـلي إخـوان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

تـنـشـرعـدّة مـواقـع عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة أعـداداً كـبـيـرة مـن الـصّـور الـقـديـمـة عـن الـعـراق، ولـكـن أغـلـبـيـتـهـا لا تـذكـر مـصـادر هـذه الـصّـور، ولا تـهـتـم بـمـن صـورهـا ولا في أيـة فـتـرة زمـنـيـة الـتـقـطـت. ونـجـد في بـعـض الأحـيـان صـوراً لا يـذكـر نـاشـروهـا أيـة مـعـالـم طّـبـيـعـيـة أو عـمـرانـيـة تـمـثـلـهـا. وفي مـحـاولـتي لـتـصـنـيـف بـعـض هـذه الـصّـور الّـتي طـبـعـت كـبـطـاقـات بـريـديـة وتـبـويـبـهـا وجـدت أعـداداً مـنـهـا تـحـمـل تـعـلـيـقـات وخـاصـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة تـذكـر اسـم الـمـصـور أو الأسـتـوديـو أوالـشّـركـة الّـتي تـكـلـفـت بـطـبـعـهـا، كـمـا تـشـيـر إلى الـمـشـاهـد أوالـمـنـاظـر الـطـبـيـعـيـة والـعـمـرانـيـة الّـتي تـصـوّرهـا. ولأنّي لـم أجـد دراسـات يـسـهـل إيـجـادهـا ويـمـكـن الإعـتـمـاد عـلـيـهـا فـقـد حـاولـت جـهـدي أن أصـل إلى بـعـض الإسـتـنـتـاجـات الّـتي سـأخـطـأ ولا شـكّ في بـعـضـهـا. وأودّ لـو تـوصـلـت بـمـحـاولـتي هـذه إلى دفـع بـعـض قـرائي إلى الـمـشـاركـة فـيـهـا وتـزويـدي بـمـعـارفـهـم ومـلاحـظـاتـهـم. وسـأركّـز في هـذه الـمـحـاولات عـلى خـمـسـة مـصـوّريـن أو أسـتـوديـوهـات أو شـركـات تـصـويـر: عـبـدُ الـعـلي إخـوان Abdulaly Bros. ، و إلـدورادو Eldorado ،  وبـيـزاز  Bezaz ، وإسـكـنـدر ج. زفـوبـودا Alexandre J. Svoboda ، و هـوري J. S. Hoory .

 مـؤسـسـة عـبـدُالـعـلي اخـوانـا (إخـوان) Abdulaly Bros :

أنـشـأهـا هـنـدي مـن الـرّعـايـا الـبـريـطـانـيـيـن في الـعـراق، عـبـدُ الـعـلي آدمـس. وكـان لـهـا نـشـاطـات مـتـنـوعـة في بـغـداد. ومـمـا نـعـرفـه عـن عـبـدُ الـعـلي هـذا أنّ الـسّـلـطـات الـعـثـمـانـيـة قـدّمـت في شـهـر حـزيـران مـن عـام 1913 طـلـبـاً لـتـوقـيـفـه إلى الـقـنـصـل الـبـريـطـاني في بـغـداد. وكـان سـبـب الـطّـلـب تـلاعـبـه بـأسـعـار الـبـضـائـع ورفـعـه لـهـا. وقـد اضـطـرّ الـقـنـصـل الـبـريـطـاني إلى الإسـتـجـابـة لـلـطّـلـب. وقـد طـبـعـت الـمـؤسـسـة بـطـاقـات بـريـديـة عـن صـور لـلـعـراق وبـاعـتـهـا خـلال سـنـوات طـويـلـة. واخـتـرت لـكـم 17 بـطـاقـة مـن هـذه الـبـطـاقـات ربّـمـا اسـتـطـعـنـا أن نـرتـبـهـا كـالـتـالي : بـطـاقـتـان تـصـوّر الأولى حـفـل افـتـتـاح الـجـسـر الـجـديـد.

Abdulaly 1

وفي أعـلاهـا تـعـلـيـق بـالـلـغـة الـتّـركـيـة الـعـثـمـانـيـة (وبـالـحـروف الـعـربـيـة)، وفي أسـفـلـهـا تـعـلـيـق بـالإنـكـلـيـزيـة : The New Bridge and Old Side of Baghdad  أي “الـجـسـر الـجـديـد والـجـانـب الـقـديـم مـن بـغـداد”. ويـبـدو أنّـهـا كـانـت في مـجـمـوعـة بـطـاقـات فـهي تـحـمـل الـرقـم 8. ونـجـد في أعـلى الـبـطـاقـة كـتـابـة أضـيـفـت بـقـلـم حـبـر لاسـم : E. Menoyet

(ربّـمـا كـان مـالـكـهـا الّـذي اشـتـراهـا في بـغـداد) ولـتـاريـخ : الأوّل مـن شـهـر آذار 1909. أمّـا الـبـطـاقـة الـثّـانـيـة الّـتي تـنـتـمي ولا شـكّ إلى نـفـس الـمـجـمـوعـة فـتـحـمـل الـرّقـم 12.

Abdulaly 2

ونـقـرأ في أعـلاهـا بـالـتّـركـيـة الـعـثـمـانـيـة : ” بـغـداد امـام اعـظـم …” ، وفي أسـفـلـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : The North Gate of Bab-ul-Muazzam, in the city of Baghdad . أي “الـبـاب الـشّـمـالي بـاب الـمـعـظـم في مـديـنـة بـغـداد”. وأضـيـف فـوق هـذا الـتّـعـلـيـق (في أسـفـل الـصّـورة) بـقـلـم حـبـراسـم يـصـعـب قـراءتـه وتـاريـخ : بـغـداد 14/ 11/ 11، أي 14 مـن شـهـر تـشـريـن الـثّـاني سـنـة 1911. ونـجـد في أسـفـل الـبـطـاقـتـيـن اسـم مـؤسـسـة عـبـدُ الـعـلي إخـوان، بـغـداد: Abdulaly 1 (2)

والـبـطـاقـتـان ولا شـكّ مـن أقـدم مـا طـبـعـتـه الـمـؤسـسـة. ولـديـنـا بـطـاقـة ثـالـثـة تـمـثّـل “الـسّـقـا”.

Abdulaly Bros. 3

وعـلى جـانـبـهـا نـص بـالـفـرنـسـيـة فـقـط : Bagdad, Porteur d’eau Seka. وأضـيـف إلـيـهـا بـقـلـم حـبـر تـعـلـيـق بـالـتّـركـيـة (وبـحـروف عـربـيـة) ربّـمـا تـنـتـمي إلى هـذه الـفـتـرة. وكـتـب في أسـفـلـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، تـجّـار، بـغـداد.

Abdulaly Bros. 3 (2)

أمّـا الـبـطـاقـة الـرّابـعـة فـلـيـس عـلـيـهـا إلّا الـتّـعـلـيـق الإنـكـلـيـزي في أسـفـلـهـا (والّـذي أضـيـفـت إلـيـه تـرجـمـتـه بـالـفـرنـسـيـة) أي أنّـهـا نـشـرت بـعـد خـروج الـعـراق مـن هـيـمـنـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـعـد الإحـتـلال الـبـريـطـاني في 1917.

Abdulaly 3

ويـذكـر الـنّـص الإنـكـلـيـزي:   Carriage Line going at Babylon and to Karbele  وتـحـتـه بـالـفـرنـسـيـة : Ligne de charriots menant à Babylone et Karbela أي خـط عـربـات نـقـل إلى بـابـل وكـربـلاء. وتـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة وبـحـروف صـغـيـرة : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، تـجّـار هـنـود، وكـلاء تـجـاريـون [أي وسـطـاء بـيـن الـبـاعـة والـمـشـتـريـن] ومـنـتـجـو مـيـاه غـازيـة وشـرابـت [جـمـع شـربـت]، بـغـداد.

Abdulaly 4

والـبـطـاقـة الـخـامـسـة مـن نـفـس فـتـرة الـرّابـعـة، بـنـصـيـهـا الإنـكـلـيـزي والـفـرنـسي وبـنـفـس اسـم الـشـركـة ونـشـاطـاتـهـا.

Abdulaly 5

ويـذكـر الـنّـصّ الإنـكـلـيـزي : Arab’s camps and their cattles on the banks of River Tigris nrear Baghdad . وتـرجـمـتـه إلى الـفـرنـسـيـة : Camp d’Arabes et leurs  troupeaux aux bords du Tigre   أي مـضـارب عـرب وقـطـعـانـهـم عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة قـرب بـغـداد. ثـمّ نـجـد ثـمـاني بـطـاقـات كـتـب في أسـفـلـهـا : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، قـرطـاسـيـات ونـاشـرو بـطـاقـات بـريـديـة :

Abdulaly Bros. 6 (2)

ا ــ  صـورة مـكـتـب الـحـاكـم الـعـام في الـسّـراي.

Abdulaly Bros. 16 (2)

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : The Governor General’s Office in Seray, Baghdad . وأضـيـف عـلـيـهـا بـقـلـم حـبـر اسـم مـالـك الـبـطـاقـة : E. Menoyet  ، والّـذي رأيـنـا أنّـه اشـتـرى بـطـاقـة “الـجـسـر الـجـديـد والـجـانـب الـقـديـم مـن بـغـداد” في 14/ 11/ 11، أي 14 مـن شـهـر تـشـريـن الـثّـاني سـنـة 1911. وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّـه بـعـد اكـتـمال احـتـلال الـبـريـطـانـيـيـن لـلـعـراق، وضعـتـه “عـصـبـة الأمـم” عـام 1918تـحـت انـتـدابـهـم . وتـشـكّـلـت إدارة مـدنـيـة بـريـطـانـيـة تـرأسـهـا الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس  P. COX  الّـذي عـيّـن حـاكـمـا عـامـاً. وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1921 عـنـدمـا نـصـب فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى الـعـراق تـحـت اسـم فـيـصـل الأوّل. وقـد الـتـقـطـت هـذه الـصّـورة إذن في تـلـك الـفـتـرة.

ب ــ  صـورة سـفـيـنـة بـخـاريـة تـنـقـل الـمـسـافـريـن كـانـت تـمـتـلـكـهـا “شـركـة مـلاحـة الـفـرات ودجـلـة  The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company” الّـتي أنـشـأهـا الإخـوان لـنـج Lynch Brothers في 1861.

Abdulaly Bros. 5

والـسّـفـيـنـة الـمـسـمـاة “بـلـوس لـنـج Bloss Lynch ”  صـنـعـت في إنـكـلـتـرة وركّـبـت في الـبـصـرة في 1878 . وكـان يـمـكـنـهـا نـقـل 600 مـسـافـر و300 طـن مـن الـبـضـائـع بـيـن بـغـداد والـبـصـرة. وقـد وجـدت ذكـراً لـحـادثـة جـرت لـلـسّـفـيـنـة عـام 1908 في سـجـل الـمـنـاقـشـات الـبـرلـمـانـيـة في بـريـطـانـيـا    The Parliamentary Debates.  ولا أدري حـتّى أيـة سـنـة سـارت هـذه الـسّـفـيـنـة في دجـلـة.

ج ــ  صـورة سـفـيـنـة بـخـاريـة تـصـل إلى بـغـداد.

Abdulaly Bros. 6

كـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  A view of the river, when steamer is arrived, Baghdad. أي مـنـظـر لـلـنّـهـر عـنـدمـا وصـلـت الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة، بـغـداد.

د ــ  صـورة نـفـس الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة مـن الأمـام.

Abdulaly Bros. 8

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  A scene of the river Tigris, Baghdad.

هـ ـ  صـورة مـنـظـر لـحـدائـق الـبـلـديـة في طـريـق الـمـيـدان.

Abdulaly Bros. 9

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  A view of the Municipal Gardens at Maydan Road, Baghdad.

و ــ  صـورة طـريـق “الـمـسـعـودي” الـمـؤدي إلى بـابـل وكـربـلاء في الـجـانـب الـقـديـم لـبـغـداد. Abdulaly Bros. 13

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  The Road of «Masoodi » leading to Babylon and Karbela. The old Side of Baghdad.

ز ــ  صـورة مـعـمـل طـابـوق.

Abdulaly Bros. 14

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : the brick kilns, Baghdad

ح ــ  صـورة مـنـارة سـوق الـغـزل.

Abdulaly Bros. 15

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  The «Minaret » Sug-el-Gazel, Baghdad ، وتـحـتـهـا بـالـفـرنـسـيـة : Le Minaret de Sug-el-Gazil . ووجـدت لـكـم أيـضـاً ثـلاث بـطـاقـات كـتـب عـلـيـهـا : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، نـاشـرو بـطـاقـات بـريـديـة ومـسـتـوردون :

Abdulaly Bros. 16 (5)

الأولى صـورة عـرب تـوقّـفـوا لـلإسـتـراحـة قـرب ضـفـة الـنـهـر.

Abdulaly Bros. 16 (3)

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : Arabs halting for rest near river bank, Baghdad . والـثّـانـيـة صـورة جـسـرالأعـظـمـيـة وغـابـات الـنّـخـيـل قـرب بـغـداد. Abdulaly Bros. 16 (4)

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة: The Bridge of Moazem and date garden on the Tigirs (near Baghdad)  وطـبـعـاً فـقـد كـانـت مـنـطـقـة الأعـظـمـيـة مـنـفـصـلـة عـن بـغـداد بـيـنـهـمـا غـابـات نـخـيـل شـاسـعـة الإمـتـداد. والـثّـالـثـة صـورة واسـعـة لـنـهـر دجـلـة الـتـقـطـت مـن الـقـنـصـلـيـة الـعـامـة الـبـريـطـانـيـة. Abdulaly Bros. 16

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  Panorama View of river Tigris from the British Consulate General, Baghdad. ونـجـد اسـم مـؤسـسـة عـبـدُ الـعـلي إخـوان بـشـكـل مـخـتـلـف عـلى آخـر بـطـاقـاتـنـا فـقـد كـتـب : بـائـعـو آلات ومـعـدّات تـصـويـر ونـاشـرو بـطـاقـات بـريـديـة :

Abdulaly Bros. 18

وعـلى هـذه الـبـطـاقـة صـورة انـطـلاق واحـدة مـن الـسّـفـن الـبـخـاريـة الـثّـلاث الّـتي كـانـت تـمـتـلـكـهـا إدارة نـقـل بـالـسّـفـن الـبـخـاريـة تـابـعـة لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة تـأسـسـت في زمـن الـوالي نـامـق بـاشـا عـام 1868 وأسـمـيـت بـ “الـحـمـيـديـة”. ومـشـهـد عـلى الـجـانـب الأيـمـن مـن دجـلـة.

Abdulaly Bros. 17

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : Launching barge of Hamidieh steamers and a scene on the right side of the river Tigris, Baghdad.

رحـلات الـفـرنـسي تـافـرنـيـيـه الـسـتّ إلى الـشّـرق في الـقـرن الـسّابـع عـشـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Nicolas_de_Largillière_002 (640x987)

قـام الـتّـاجـر الـفـرنـسي جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه Jean-Baptiste Tavernier بـسـتّ رحـلات إلى الـشّـرق مـن عـام 1631 إلى عـام  1668. وقـد مـرّ بـالـعـراق في ثـلاث مـن هـذه الـرّحـلات : مـرّ بـبـغـداد مـروراً سـريـعـاً في رحـلـتـه الأولى. ومـرّ بـالـمـوصـل في رحـلـتـه الـثّـالـثـة. ونـزل دجـلـة عـلى كـلـك مـن الـمـوصـل إلى بـغـداد، ثـمّ أكـمـل طـريـقـه إلى الـبـصـرة في رحـلـتـه الـرّابـعـة. وهـو يـسـرد مـا حـدث لـه في رحـلاتـه الـسّـتّ في كـتـاب صـدر في بـاريـس 1676، ثـمّ أعـيـد طـبـعـه مـراراً، ومـازالـت طـبـعـات مـخـتـصـرة أو مـخـتـارات مـن الـكـتـاب تـصـدر مـن حـيـن إلى حـيـن وبـعـدّة لـغـات.

Tavernier-titre

وقـد تـرجـم كـوركـيـس عـواد وبـشـيـر فـرنـسـيـس الـمـقـاطـع الّـتي تـكـلّـم فـيـهـا تـافـرنـيـيـه عـن الـعـراق ونـشـراهـا في بـغـداد عـام 1944.(1) ولـكـنّ دراسـات كـثـيـرة نـشـرت مـنـذ ذلـك الـحـيـن وحـسّـنـت مـعـرفـتـنـا بـتـافـرنـيـيـه وزمـنـه، وقـد اسـتـطـعـت قـراءة الـنّـص بـطـبـعـتـه الأصـلـيـة الّـتي تـحـتـفـظ الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـاريـس بـنـسـخـة مـنـهـا، وتـرجـمـت الـمـقـاطـع عـنـهـا مـبـاشـرة.

 جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه : 

ولـد جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه Jean-Baptiste Tavernier(1) في مـديـنـة بـاريـس، عـاصـمـة فـرنـسـا، سـنـة 1605 بـعـد الـمـيـلاد. وكـان أبـوه تـاجـراً بـروتـسـتـانـتـيـاً يـبـيـع الـخـرائـط الـجـغـرافـيـة هـاجـر إلى أنـفـيـر في بـلـجـيـكـا هـربـاً مـن اضـطهـاد الـكـاثـولـيـكـيـيـن. ونـحـن نـعـرف أنّ الـبـروتـسـتـانـتـيـيـن الّـذيـن حـرمـوا مـن الـدّخـول في أرسـتـقـراطـيـة الـجـيـش وأرسـتـقـراطـيـة الـقـضـاء والإدارة (كـلّ قـواد الـجـيـش والـقـضـاة كـانـوا مـن الـكـاثـولـيـكـيـيـن) تـوجـهـوا نـحـوالـتّـجـارة. وقـد شـاركـوا بـذلـك في تـكـويـن طـبـقـة بـرجـوازيـة غـنـيّـة وقـويّـة. ولا شـكّ في أنّ جـان بـاتـسـت قـضى جـزءاً مـن طـفـولـتـه في مـحـلّ تـجـارة أبـيـه بـيـن الـخـرائـط الّـتي كـانـت تـظـهـر لـه ولاشــكّ عـالـمـاً مـلـيـئـاً بـمـنـاطـق عـجـيـبـة وغـريـبــة، فـقـد كـانـت الـدّقـة تـنـقـصـهـا في ذلـك الـزّمـن. ولا شــكّ في أنّ أحـاديـث أبـيـه وزبـائـن أبـيـه عـن أجـزاء جـديـدة مـن الـعـالـم اكـتـشـفـهـا الـبـحّـارة والـتّـجّـار ووضـعـوا أسـمـاءهـا الـسّـاحـرة الألـفـاظ عـلى الـخـرائـط  قـد فـتـنـت الـصّـبي وأعـدّتـه لـمـا ســيـفـعـلـه فـيـمـا بـعـد. وهـكـذا بـدأ جـان بـاتـيـسـت يـسافـر قـبـل أن يـبـلـغ الـعـشـريـن مـن عـمـره. وبـدأ بـبـلـد قـريـب، بـإنـكـلـتـرة. وقـد كـتـب بـعـد ذلـك :  “وقـبـل أن أبـلـغ الـثّـانـيـة والـعـشـريـن كـنـت قـد رأيـت أجـمـل مـنـاطـق أوربـا، فـرنـسـا وإنـكـلـتـرة  والـبـلاد الـمـنـخـفـضـة (هـولـنـدة) وألـمـانـيـا وســويـسـرة وبـولـنـدة والـمـجـر وإيـطـالـيـا”.

وفي أوربـا الّـتي خـربـتـهـا حـرب الـثّـلاثـيـن سـنـة، يـبـدو أنّ فـكـرة الـدّخـول في الـجـيـش قـد راودت فـتـانـا الـبـروتـسـتـانـتي، وقـد بـقي أربـع ســنـوات في خـدمـة نـائـب مـلـك الـمـجـر. ولـكـن تـربـيـتـه الّـتي بـذرت في قـلـبـه حـبّ الـمـال تـغـلـبـت عـلى ذلـك فـعـاد إلى أسـفـاره. وذهـب إلى إيـطالـيـا، ومـنـهـا إلى شــمـال أوربـا. ووصـل إلى ريـغـنـسـبـورغ  Regensburg  في ألـمـانـيـا في فـتـرة تـتـويـج فـرنـانـد الـثّـالـث إمـبـراطـوراً عـام 1637. وفـيـهـا الـتـقى بـالأب جـوزيـف الّـذي كان الـمـسـتـشـار الـسّـرّي لـلـكـرديـنـال ريـشـلـيـو وزيـر لـويـس الـثّـالـث عـشـر، مـلـك فـرنـسـا. واقـتـرح عـلـيـه الأب جـوزيـف أن يـصـاحـب نـبـيـلـيـن مـن نـبـلاء فـرنـسـا إلى الأرض الـمـقـدّسـة (فـلـسـطـيـن) مـروراً بالـقـسـطـنـطيـنـيـة. وكـان الأب الـكـبـوشي جـوزيـف أوّل رجـل سـيـاسـة فـرنـسي اهـتـمّ بـعـقـد عـلاقـات مـع بـلاد الـفـرس الّـتي كـان غـيـاب الـفـرنـسـيـيـن عـنـهـا تـامّـاً، بـيـنـمـا كـان الـهـولـنـديـون قـد عـززوا سـيـطرتـهـم في الـمـحـيـط الـهـنـدي، وعـزز الإنـكلـيـز حـضـورهـم فـيـه بـعـد أن تـعـاهـدوا مـع الـشّـاه الـصّـفـوي عـلى طـرد الـبـرتـغـالـيـيـن مـن مـضـيـق هـرمـز في الـخـلـيـج عـام 1622. أمّـا الـبـعـثـات الـتّـبـشـيـريـة في أصـفـهـان فـقـد كـانـت بـأيـدي الـبـرتـغـالـيـيـن.

وقـد اســتـمـع الـكـرديـنـال ريـشـلـيـو لـنـصـيـحـة الأب جـوزيـف الّـذي كـان تـأثـيـره عـلـيـه شـديـداً، وقـرر أن يـبـعـث بـسـفـيـر إلى بـلاط الـصّـفـويـيـن في أصـفـهـان . ونـحـن نـعـرف أنّ صـراعـات الـصّـفـويـيـن مـع الـعـثـمـانـيـيـن دفـعـتـهـم لـلـتـحـالـف مـع الأوربـيـيـن رغـبـةً مـنـهـم في إحـاطـة الأراضي الـعـثـمـانـيـة ومـحـاصـرتـهـا لـلـضغـط عـلـيـهـا مـن الـجانـبـيـن. وكـانـت جـمـهـوريـة الـبـنـدقـيـة في إيـطـالـيـا أوّل مـن عـقـد مـعـاهـدات مـع الـبـلاط الـفـارسي، ولـهـذا كـان الـعـثـمـانـيـون يـراقـبـون كـلّ أوربي يـودّ أن يـمـرّ إلى بـلاد الـفـرس، إنّ لـم يـكـن تـاجـراً، ويـنـظـرون إلـيـه بـعـيـن الـرّيـبـة.

وكـان الأب جـوزيـف، قـبـل أن يـلـتـقي بـتـافـرنـيـيـه، قـد أرسـل الأب الـكابـوشي بـاسـفـيـك دو بـروفـان  Pacifique de Provins  إلى أصـفـهـان لـيـتـرأس الـبـعـثـة الـتّـبـشـيـريـة فـيـهـا، وحـمّـلـه رسـالـة مـن لـويـس الـثّـالـث عـشـر إلى الـشّـاه عـبّـاس الأوّل. وبـعـد وصـول الأب دو بـروفـان إلى أصـفـهـان عـام  1628 عـيّـنـه الـشّـاه سـفـيـراً. ورغـم أن تـافـرنـيـيـه كـان قـد قـبـل بـأن يـصـاحـب الـنّـبـيـلـيـن إلى فـلـسـطـيـن، فـإنّـه عـنـدمـا وصـل إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة عـام 1631، تـركـهـمـا يـعـبـران الـبـحـر وحـدهـمـا إلى الإسـكـنـدريـة بـيـنـمـا بـقي هـو يـنـتـظـر قـافـلـة تـوصـلـه إلى بـلاد الـفـرس. وقـد بـقي تـافـرنـيـيـه يـنـتـظـر الـقـافـلـة أكـثـر مـن أحـد عـشـر شـهـراً جـمـع خـلالـهـا مـا يـكـفي مـن الـمـعـلـومـات لـتـألـيـف كـتـاب “وصـف الـسّـراي  Relation du sérail” الّـذي نـشـره عـام 1675، قـبـل نـشـر كـتـاب الـرّحـلات.

وكـانـت الـقـســطـنـطـيـنـيـة، في تـلـك الـسّـنـوات، تـعـيـش صـراعـات وصـعـوبـات داخـلـيـة وخـارجـيـة، فـلـم يـكـن مـراد الـرّابـع قـد وصـل بـعـد سـنّ الـبـلـوغ، وقـد اسـتـطـاعـت نـسـاء الـحـريـم الـسّـيـطـرة عـلى الـقـصـر بـمـسـاعـدة الـخـصـيـان. كـمـا أنّ أنـاضـولـيـا الّـتي كـانـت قـد أنـهـكـتـهـا ثـورات الـفـلاحـيـن، لـم تـعـد قـادرة عـلى دفـع الـضّـرائـب لـلـدّولـة في الـوقـت الّـذي اشـتـدت فـيـه حـاجـة الـدّولـة لـزيـادة الـضّـرائـب لـتـمـويـل حـروبـهـا مـع الـدّول الأوربـيـة. وهـكـذا أجـبـرت الـدّولـة عـلى بـيـع الـوظـائـف الإداريـة لـمـن يـدفـع لـهـا ثـمـنـاً أكـبـر. ثـمّ جـهـد مـن اشـتــروهـا في اسـتـغـلال وظـائـفـهـم لاسـتـرجـاع مـبـالـغ أكـثـر مـمـا دفـعـوه، عـارفـيـن أنّ الـسّـراي سـيـسـحـب مـنـهـم الـوظـائـف بـسـرعـة لـيـعـيـد بـيـعـهـا لآخـريـن يـدفـعـون أكـثـر مـنـهـم، فـتـتـابـع الـبـاشـوات عـلى الـولايـات لا يـبـقـون فـيـهـا إلّا فـتـرات قـصـيـرة أنـهـكـت الأرض وسـكّـانـهـا حـتّى تـحـولـت إلى خـراب. ولأنّ بـعـض هـؤلاء الـبـاشـوات لـم يـجـدوا الـوقـت لاسـتـرجـاع مـا دفـعـوه لـلـدّولـة، فـقـد فـضّـلـوا أن يـثـوروا عـلى الـدّولـة بـدلاً مـن تـرك وظـائـفـهـم، وكـوّنـوا قـوّات مـن فـلّاحي الـولايـة لـقـتـال الـولاة الـجـدد الّـذيـن دفـعـوا ثـمـنـاً غـالـيـاً لـنـفـس الـوظـيـفـة. وإذا مـا طـال الـصّـراع وبـاع الـسّـراي نـفـس الـوظـيـفـة لـثـالـث يـلـحـق بـاثـنـيـن مـنـهـمـا ، فـغـالـبـاً مـا يـتـحـد الإثـنـان ضـدّ الـثّـالـث. وهـكـذا اسـتـشـرى الـجـشع في الـوظـائـف الإداريـة وسـاد الـخـراب في أنـحـاء أنـاضـولـيـا الّـتي زارهـا تـافـرنـيـيـه.

أمّـا عـن الـوضـع الـخـارجي، فـقـد كـانـت الـدّولـة في حـرب ضـدّ الـبـنـدقـيـة لانـتـزاع جـزيـرة كـريـت مـنـهـا. وقـد طـالـت الـحـرب وتـوسّـعـت حـتّى اسـتـطـاع أسـطـول الـبـنـدقـيـة سـدّ مـنـفـذ الـبـوسـفـور خـانـقـاً الـقـسـطـنـطـيـنـيـة الّـتي كـان يـأتـيـهـا قـمـحـهـا و كـلّ ذهـبـهـا مـن مـصـر. واسـتـغـل الـفـرس الـصّـفـويـون ضعـف الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـشـاكـلـهـا الّـتي كـانـت تـتـخـبّـط فـيـهـا فـاحـتـلّـوا بـغـداد.

الـرّحـلـة الأولى :

تـرك تـافـرنـيـيـه الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في 1632 لـيـسـلـك طريـق الـقـوافـل الـقـديـمـة الّـتي تـمـرّ بـأرضـروم وتـبـريـز إلى أصـفـهـان. وقـد وجـد تـافـرنـيـيـه في بـلاد الـصّـفـويـيـن نـظامـاً سـيـاسـيـاً يـسـري عـلى أراضٍ تـبـدو أكـثـر ازدهـاراً في مـظـهـرهـا، ولـكـنّـهـا كـانـت تـعـاني مـن نـفـس مـشـاكـل الـفـسـاد الّـتي كـانـت تـعـاني مـنـهـا الـولايـات الـعـثـمـانـيـة.  فـبـيـنـمـا اجـتـهـد الـعـثـمـانـيـون لـمـدّة  قـرون عـلى تـدمـيـر كـلّ الـتّـركـيـبـات الـقـبـلـيـة ، إرتـكـز الـصّـفـويـون عـلى تـحـالـفـات قـبـلـيـة  تـدّعي كـلّـهـا الـرّجـوع إلى جـدّ واحـد : مـؤسـس الـدّولـة الـشّـاه إسـمـاعـيـل. ولـم يـكـن سـراي أصـفـهـان بـأحـسن مـن سـراي الـقـسـطـنـطـيـنـة، ولا تـنـظـيـم الـدّولـة الـصّـفـويـة بـأحـسـن مـن تـنـظـيـم الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، فـنـظـام الإقـطـاع الـسّـائـد في بـلاد الـفـرس يـعـادل في تـأثـيـراتـه الـتّـخـريـبـيـة بـيـع الـوظـائـف الـعـثـمـانـيـة.

وصـل تـافـرنـيـيـه إلى أصـفـهـان في نـهـايـة ربـيـع 1632، في الـسّـنـة الـرّابـعـة مـن حـكـم الـشّـاه صـفي، أوّل مـلـوك الـسّـلالـة الـصّـفـويـة. ولا يـحـتـمـل أنّ يـكـون مـسـافـرنـا قـد اسـتـطاع مـقـابـلـة الـشّـاه في سـفـرتـه الأولى هـذه، فـلـم يـكـن بـعـد تاجـراً غـنـيّـاً، ولـم يـكـن يـقـوم إلّا بـمـهـمـة طـلـب مـنـه أن يـنـفـذّهـا. ويـظـهـر لـنـا في كـتـابـاتـه كـمـسـافـر عـادي، ويـذكـر في مـراسـلاتـه مـع الأب جـوزيـف أنّـه سـكـن عـنـد الأب باسـفـيـك رئـيـس الآبـاء الـكـبـوشـيـيـن في أصـفـهـان. ولـم يـبـق تـافـرنـيـيـه في هـذه الـمـديـنـة، في مـرّتـه الأولى هـذه إلّا ثـلاثـة أشـهـر.

tavernier

ونـذكّـر الـقـارئ هـنـا أنّـه في الـوقـت الّـذي بـدأت فـيـه عـلاقـات فـرنـسـا تـتـوثـق مـع بـلاد الـفـرس، أنـشـأ بـعـض الـفـرنـسـيـيـن شـركـة خـاصـة لـلـمـتـاجـرة مـع الـمـحـيـط الـهـنـدي. وقـد وصـلـت أربـعـة مـن سـفـنـهـا إلى جـزيـرة جـاوة، ولـكـنـهـا أحـرقـت بـتـآمـر حـاكـه الـهـولـنـديـون ضـدّهـا. وقـررأحـد بـحـارتـهـا أن يـعـود إلى أوربـا عـن طـريـق الـبـر، لـكـنّـه سـقـط مـريـضـاً قـرب مـديـنـة كـنـغـفـا، فـبـعـث الآبـاء الـكـبـوشــيـون  تـافـرنـيـيـه  لـلإعـتـنـاء بـه. وهـكـذا عـاد تـافـرنـيـيـه مـعـه عـن طـريـق بـغـداد الّـتي كـانـت تـحـت حـكـم الـفـرس في ذلـك الـزّمـن، ثـمّ اسـتـمـرّا نـحـو حـلـب. ومـن حـلـب إلى الإســكـنـدونـة الّـتي أبـحـرا مـنـهـا إلى فـرنـسـا. و وصـلا في 1633.

الـرّحـلـة الـثّـانـيـة :

خـصـص تـافـرنـيـيـه رحـلـتـه الـثّـانـيـة ( ورحـلاتـه الـتّـالـيـة) لـلـتّـجـارة. وغـادر مـيـنـاء مـرسـيـلـيـا في 13 أيـلـول 1638 بـصـحـبـة أخـيـه الأصـغـر دانـيـال. ووصـلا في أواخـر تـشـريـن الأوّل إلى مـيـنـاء قـرب الإسـكـنـدرونـة، ووصـلا إلى حـلـب في بـدايـة تـشـريـن الـثّـاني.

وكـانـت الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة قـد تـغـيّـرت خـلال الـسّـنـوات الـخـمـس الّـتي فـصـلـت بـيـن نـهـايـة رحـلـتـه الأولى وبـدايـة الـثّـانـيـة، فـقـد بـلـغ مـراد الـرّابـع سـنّ الـرّشـد واعـتـلى عـرش الـعـثـمـانـيـيـن. وبـعـد أن فـرض نـظـامـاً صـارمـاً في داخـل الـدّولـة شـرع في حـروب لـتـوسـيـعـهـا. وفي 1638 قـاد الـسّـلـطـان بـنـفـسـه قـوّاتـه نـحـو بـغـداد الّـتي كـانـت تـحـت سـلـطـة الـفـرس. وقـد شـاهـد تـافـرنـيـيـه وصـول الـسّـلـطـان إلى حـلـب ووصـول بـاشـا مـصـر عـلى رأس قـوّاتـه لـمـسـانـدة قـوّات الـسّـلـطـان.

وتـرك تـافـرنـيـيـه حـلـب في 25 كـانـون الأوّل. ولـتـحـاشي حـالـة الـحـرب الـسّـائـدة فـقـد سـلـكـت قـافـلـتـه طـريـق الـبـاديـة ومـرّت بـعـيـداً عـن بـغـداد لـتـصـل إلى الـبـصـرة في بـدايـة شـهـر آذار. وفي نـهـايـة الـشّـهـر ركـب سـفـيـنـة عـبـرت بـه الـخـلـيـج وأوصـلـتـه إلى مـيـنـاء قـرب بـوشـهـر، ثـمّ اسـتـمـرّ عـن طـريـق الـبـرّ إلى شـيـراز ومـنـهـا إلى أصـفـهـان الّـتي وصـلـهـا في نـهـايـة نـيـسـان. ولا نـجـد في سـرد رحـلاتـه ذكـراً لـمـا حـدث لـه بـعـد ذلـك، ولا نـعـرف شـيـئـاً عـمّـا فـعـل حـتّى عـام 1641. ونـجـده في ذلـك الـعـام في الـهـنـد. ورجـع إلى أوربـا في الـعـام الـتّـالي ووصـل إلى بـاريـس في 1642.

 الـرّحـلـة الـثّـالـثـة :

ونـجـد تـافـرنـيـيـه في بـاريـس في كـانـون الأوّل 1643 يـسـتـعـدّ لـلـشّـروع في رحـلـتـه الـثّـالـثـة. ولإنّـه اعـتـبـر عـارفـاً بـالـشّـرق بـعـد رحـلـتـيـه الـسّـابـقـتـيـن فـقـد طـلـب مـنـه أن يـوصـل رجـل الـدّيـن الـكـبـوشي، الأب رفـائـيـل دو مـان إلى أصـفـهـان الّـتي عـيّـن رئـيـسـاً لإرسـالـيـتـهـا الـتـبـشـيـريـة.

ونـذكـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ الـسّـلـطـان مـراد الـرّابـع كـان قـد تـوفي سـنـة 1640، وخـلـفـه إبـراهـيـم الّـذي اشـتـهـر بـضـعـف قـواه الـعـقـلـيـة. وقـد حـلّـت الـفـوضى في أطـراف الـدّولـة خـلال سـنـوات خـلافـتـه.

ووصـل تـافـرنـيـيـه إلى حـلـب في شـبـاط عـام 1644، وغـادرهـا بـصـحـبـة الأب دو مـان وأب كـبـوشي آخـر. وكـان في الـقـافـلـة إيـطـالي مـن الـبـنـدقـيـة. وعـبـروا الـفـرات في : “بـيـرة Bir أو Berygeon كـمـا يـسـمـيـهـا أهـل الـبـلـد” مـتـجـهـيـن نـحـو ديـار بـكـر الّـتي يـكـتـبـهـا : ” Diarbek ”  والـرّهـا ونـصـيـبـيـن.

ويـكـتـب تـافـرنـيـيـه في الـفـصـل الـرّابـع مـن الـكـتـاب الـثّـاني : ” وفي نـصـيـبـيـن جـمـعـنـا مـن الـمـؤونـة مـا يـكـفي لـنـسـافـر إلى الـمـوصـل الّـتي تـبـعـد عـنـهـا بـمـسـيـرة خـمـسـة أيّـام. والـمـنـطـقـة بـكـامـلـهـا تـقـريـبـاً فـلاة لا سـكـان فـيـهـا. ولـم نـجـد عـلى الـطّـريـق إلّا مـكـانـيـن فـيـهـمـا مـاء، وكـان أجـاجـاً فـوق ذلـك. وقـد غـادرنـا نـصـيـبـيـن في الأوّل مـن نـيـسـان […] ووصـلـنـا بـعـد خـمـسـة أيّـام إلى الـمـوصـل، وهي قـريـبـة مـن مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة. والـمـديـنـة حـسـنـة الـمـظـهـر مـن الـخـارج، تـحـيـطـهـا أسـوار عـالـيـة شـيّـدت بـحـجـارة جـيّـدة الـقـطـع. ولـكّـنّـهـا مـن الـدّاخـل تـبـدو خـرابـاً تـقـريـبـاً، ولـيـس فـيـهـا إلّا أسـواق صـغـيـرة، وقـصـر صـغـيـر يـطـلّ عـلى دجـلـة يـسـكـنـه الـبـاشـا. وبـاخـتـصـار، فـلـيـس في الـمـوصـل مـا يـسـتـحـق الـرؤيـة. ولـيـس لـلـمـكـان مـن أهـمـيـة إلّا أن كـثـيـراً مـن الـتّـجـار يـمـرّون بـه : عـرب وأكـراد (وهـم سـكّـان بـلاد آشـور الـقـديـمـة الّـتي نـسـمـيـهـا الآن كـردسـتـان).

وفي الـمـديـنـة أربـعـة أنـواع مـن الـمـسـيـحـيـيـن : الـيـونـان والأرمـن والـنّـسـاطـرة والـمـارونـيـون. ولـلآبـاء الـكـبـوشـيـيـن دار صـغـيـرة عـلى ضـفـة دجـلـة. ولأنّـهـم أرادوا تـوسـيـعـهـا بـدون إذن الـبـاشـا فـقـد أجـبـروا عـلى تـركـهـا. والـمـديـنـة يـحـكـمـهـا بـاشـا لـه مـن الإنـكـشـاريـة والـسّـبـاهـيـن مـا يـقـرب الألـفي رجـل. ولـيـس في الـمـوصـل إلّا خـانـيـن حـقـيـريـن لإيـواء الـمـسـافـريـن.  ولأنـنـا وجـدنـاهـمـا مـلـيـئـيـن فـقـد نـصـبـنـا خـيـامـنـا في الـمـيـدان. وهي الـسّـاحـة الّـتي يـقـام فـيـهـا الـسّـوق”.

وبـعـد أن تـكـلّـم عـن سـرقـة حـدثـت في خـيـامـهـم أكـمـل : “وقـبـل أن نـعـبـر الـنّـهـر عـلى جـسـر مـن الـقـوارب ونـذهـب لـزيـارة نـيـنـوى الـقـديـمـة سـأذكـر بـعـض الـمـلاحـظـات الـعـامـة عـن دجـلـة الـفـرات: بـدا لي مـاء الـفـرات مـحـمـرّاً، ومـجـراه أقّـل سـرعـة مـن مـجـرى مـيـاه دجـلـة الّـتي بـدت لي أكـثـر ابـيـضـاضـاً وتـشـبـه مـيـاه نـهـر الـلـوار (في فـرنـسـا). ومـجـرى الـفـرات أطـول بـكـثـيـر مـن مـجـرى دجـلـة”.

” ونـيـنـوى الّـتي شـيّـدت عـلى الـضّـفـة الـيـسـرى لـدجـلـة مـن جـهـة بـلاد آشـور لـيـسـت الآن إلّا خـلـيـطـاً مـن مـنـازل قـديـمـة مـتـداعـيـة تـمـتـدّ حـوالي أربـعـة كـيـلـومـتـرات بـمـحـاذاة الـنّـهـر. […] وعـلى حـوالي كـيـلـومـتـريـن مـن الـنّـهـر نـرى تـلّاً واطـئـاً تـحـيـطـه عـدّة مـنـازل وفي أعـلاه جـامـع حـسـن الـتّـشـيـيـد. وهـنـا دفـن الـنّـبي يـونـس حـسـب مـا يـقـول أهـل الـبـلـد. وهـم يـقـدّسـونـه ولا يـتـركـون مـسـيـحـيـاً يـدخـلـه إلّا بـمـحـابـاة اسـتـثـنـائـيـة أو بـدفـع مـبـلـغ مـن الـمـال. وبـهـذه الـطّـريـقـة دخـلـتـه مـع الأبـويـن الـكـبـوشـيـيـن.  ولـكـن كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر حـلـول الـظّـلام وأن نـخـلـع أحـذيـتـنـا حـسـب الـعـرف. ورأيـنـا في وسـط الـجـامـع ضـريـحـاً غـطي بـسـجـادة فـارسـيـة حـيـكـت بـخـيـوط مـن الـحـريـر والـفـضّـة، وفي زوايـا الـجـامـع الأربـعـة أربـعـة شـمـعـدانـات كـبـيـرة مـن الـنّـحـاس فـيـهـا شـمـوع، مـاعـدا مـصـابـيـح عـديـدة عـلّـقـت في الـسّـقـف. ورأيـنـا عـدداً كـبـيـراً مـن الـنّـاس خـارج الـجـامـع ورأيـنـا في داخـلـه درويـشـيـن يـقـرآن الـقـرآن” . “وهـنـاك قـرب الـمـوصـل ديـر كـبـيـر خـراب أمـامـه سـاحـة تـحـيـطـهـا جـدران عـالـيـة مـا زال بـعـضـهـا قـائـمـاً. وبـقـيـنـا في الـمـوصـل ثـمـانـيـة أيّـام أو عـشـرة ايّـام ثـمّ أكـمـلـنـا طـريـقـنـا”. ويـتـكـلّـم تـافـرنـيـيـه بـعـد عـدّة صـفـحـات عـن تـرجـمـانـه  trucheman الّـذي كـان شـابـاً ذكـيّـاً مـن بـغـدادBagdat  ويـتـكـلّـم سـتّ لـغـات.

وقـد وصـل تـافـرنـيـيـه وأصـحـابـه إلى أصـفـهـان في بـدايـة أيّـار. وكـان شـاه صـفي قـد تـوفي وخـلـفـة الـشّـاه عـبـاس الـثّـاني الّـذي عـقـد مـعـاهـدة صـلـح مـع الـعـثـمـانـيـيـن في 1639. وبـعـد أن قـضى تـافـرنـيـيـه الـرّبـيـع والـصّـيـف في أصـفـهـان ، ذهـب إلى الـهـنـد ، ثـمّ عـاد إلى أصـفـهـان في الـعـام الـتّـالي ، ثـمّ تـركـهـا مـن جـديـد إلى سـيـلان. وعـاد تـافـرنـيـيـه إلى أوربـا في أوائـل عـام 1649.

الـرّحـلـة الـرّابـعـة :

وشـرع تـافـرنـيـيـه في رحـلـتـه الـرّابـعـة إلى الـشّـرق في 18 حـزيـران 1651 عـنـدمـا غـادر مــيـنـاء مـرسـيـلـيـا نـحـوالإسـكـنـدرونـة ثـمّ حـلـب. ومـن حـلـب انـطـلـق مـع قـافـلـة نـحـو الـمـوصـل الّـتي وصـلـهـا في الـثّـاني مـن شـبـاط 1652. ومـنـهـا انـحـدر عـلى مـيـاه دجـلـة في كـلـك نـحـو بـغـداد الّـتي وصـلـهـا في 25 شـبـاط. وتـرك بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة إلى الـبـصـرة الّـتي وصـلـهـا في 25 آذار.

ويـتـكـلّـم تـافـرنـيـيـه عـن هـذه الـرّحـلـة في الـفـصـلـيـن الـسّـابـع والـثّـامـن مـن الـكـتـاب الـثـاني ،إبـتـداءً مـن صـفـحـة 202:

” وصـلـنـا إلى الـمـوصـل أو نـيـنـوى في الـثّـاني مـن شـبـاط، وبـقـيـنـا فـيـهـا إلى الـخـامـس عـشـر مـن نـفـس الـشّـهـر، فـلـقـد كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر إعـداد الأكـلاك kilets  وهي مـراكـب الـبـلـد. وكـنّـا نـحـتـاج إلى أربـعـة مـنـهـا فـقـد كـان في الـقـافـلـة كـثـيـر مـن الـمـسـافـريـن.ولـم يـكـن لأهـل الـبـلـد أكـلاك جـاهـزة فـهـم لا يـبـدأون صـنـعـهـا إلّا إذا جـاءهـم رجـال مـعـهـم بـضـائـع يـريـدون تـحـمـيـلـهـا.

الـكـلـك :

وعـليّ هـنـا أن أصـف هـذه الأكـلاك : فـهي مـن أخـشـاب مـربـعـة، يـضـعـون طـبـقـتـيـن مـنـهـا حـتّى لا تـبـتـل الـرّجـال والـبـضـائـع، الـواحـدة مـنـهـا فـوق الأخـرى. ولـكـن لـيـتـركـوا مـكـانـاً لـلـمـجـذفـيـن الّـذيـن يـجـلـسـون في كـلّ زاويـة مـن زوايـا الـكـلـك الأربـع فـالـطّـبـقـة الـعـلـيـا أصـغـر بـحـوالي قـدمـيـن مـن الـطّـبـقـة الـسّـفـلى وهي تـعـلـوهـا كـمـنـصّـة. وتـربـط تـحـتـهـا أعـداد مـن الـقـرب الـمـنـفـوخـة حـسـب سـعـة الـكـلـك وحـسـب كـمـيـة الـبـضـائـع الـمـحـمـلـة عـلـيـه، وتـصـل في بـعـض الأكـلاك إلى 300 قـربـة. وكـان الـكـلـك الّـذي سـافـرت عـلـيـه يـطـفـو فـوق 150 قـربـة. والـقـرب مـن جـلـد الـمـاعـز الّـتي يـعـاد نـفـخـهـا كـلّ صـبـاح وكـلّ مـسـاء. وهـم يـراقـبـونـهـا بـاسـتـمـرار خـشـيـة أن تـثـقـبـهـا الـصـخـور أو الأغـصـان في مـجـرى الـنّـهـر. وكـان كـلـكـنـا يـحـمـل ثـلاثـيـن مـسـافـراً وسـتـيـن قـنـطـاراً مـن الـبـضـائـع حـسـب الـمـيـزان الـحـلـبي أي مـا يـعـادل ثـلاثـة وثـلاثـيـن ألـف رطـل بـاريـسي.

حـمـام الـعـلـيـل :

تـركـنا الـمـوصـل في الـخـامـس عـشـر مـن شـبـاط. وبـعـد أن سـافـرنـا عـلى الـمـيـاه سـتّ سـاعـات  خـرجـنـا لـنـقـضى الـلـيـل قـرب حـمّـام مـيـاه ســاخـنـة (2) عـلى بـعـد طـلـقـة بـنـدقـيـة مـن نـهـر دجـلـة.  ووجـدنـا فـيـه كـثـيـراً مـن الـمـرضى الّـذيـن جـاءوا لـيـتـعـالـجـوا بـه. و قـد تـنـاوبـنـا عـلى الـحـراسـة طـيـلـة الـلـيـل. ولـكـن لأنّ الـنّـاس يـنـامـون عـلى شـاطئ الـنّـهـر فـوق مـسـطـحـات ركـبـت خـصـيـصـاً لـذلـك ، فـلـم نـفـلـح في أخـذ كـلّ الإحـتـيـاطـات لـنـتـحـاشـى أن يـأتي بـعـض الـعـرب في الـلـيـل سـبـاحـة  لـسـرقـة غـطـائـيـن مـن تـاجـر ومـلابـس تـركي مـن قـافـلـتـنـا ذهـب إلى الـحـمّـام. ومـا أن أبـصـرنـا بـمـا حـدث، حـتّى أخـذ كـلّ مـنّـا سـلاحـه وأطـلـقـنـا طـلـقـتي بـنـدقـيـة أو ثـلاثـة. وسـمـعـنا حـالاً، في عـدّة أماكـن مـن الـقـريـة مـثـل ضجـيـج سـرب مـن الـبـط يـلـقي بـنـفـسـه في الـمـاء، وكانـت تـلـك أصـوات الـعـرب الّـذيـن دفـعـهـم الـخـوف من أسـلحـتـنـا إلى الـهـرب، وإلـقـاء أنـفـسـهـم في الـمـاء.

وفي الـيـوم الـسّـادس عـشـر، بـعـد أن جـدّف أصـحـاب كـلـكـنـا خـمـس سـاعـات، وصـلـنـا قـرب سـدّ يـخـتـرق دجـلـة مـن ضـفـة إلى ضـفـة، عـرضـه مـئـتـا قـدم، ويـتـسـاقـط الـمـاء مـنـه شـلالاً مـن عـلـو عـشـريـن ذراع  تـقـريـبـاً.  وقـد شـيّـد بـحـجـارة كـبـيـرة صـلـبـت بـمـرور الـزّمـن حـتّى صـارت مـثـل الـصّخـر. ويـقـول الـعـرب إنّ الإسـكـنـدرالـمـقـدوني هـو الّـذي شـيّـده لـيـغـيـر مـجـرى الـنّـهـر. ويـقـول آخـرون إنّـه كـان داريـا (الـفـارسي) لـيـمـنع الـمـقـدونـيـيـن مـن اجـتـيـازه. ونـزلـنـا مـن الـكـلـك. وكـان عـلـيـنـا أن نـنـظـم نـقـل الـبـضـائـع إلى فـرسـخ أبـعـد مـن الـمـكـان الّـذي كـنّـا فـيـه عـلى ظـهـور خـيـل وثـيـران أتى لـنـا بـهـا الـعـرب.

وعـبـورهـذا الـسّـدّ أمـر يـسـتـحـقّ الإعـجـاب ، فـلا يـمـكـن أن نـرى مـن غـيـر تـعـجّـب سـقـوط الـكـلـك مـن عـلـو سـتّـة وعـشـرين قـدمـاً ثـمّ مـروره عـلى الـمـيـاه الـهـائـجـة بـيـن الـصّخـور وبـقـاءه  طـافـيـاً فـوق قـربـه الـمـنـفـوخـة  عـلى الـنّـهـر. والـرّجـال الّـذيـن يـسـيّـرونـه يـربـطـون أنـفـسـهـم بـعـصـا طـويـلـة تـعـوجّ كـنـصـف دائـرة، ومـجـاذيـفـهـم مـربـوطـة أيـضـاً لـكي لا تـجـرفـهـا الـمـيـاه. وهـذا الـسّـدّ هـو الّـذي يـعـيـق الـمـراكـب مـن نـزول دجـلـة. وبـعـد أن وصـل كـلـكـنـا إلى الـمـكـان الّـذي انـتـظـرنـاه فـيـه عـلى الـشّـاطئ، حـمّـلـنـا عـلـيـه بـضـائـعـنـا مـن جـديـد. ونـمـنـا في نـفـس الـمـكـان عـلى شـاطئ الـنّـهـر. وكـان عـلـيـنا أن نـتـشـدد في الإحـتـيـاط  والـحـراسـة فـالـعـرب عـنـدمـا لا يـبـصـرون عـلى الـكـلـك إلّا بـرجـلـيـن أو ثـلاثـة، ويـدركـون أنّ الـتّـجار نـامـوا عـلى الـضّـفـة، يـقـطعـون حـبـال الـكـلـك ويـتـركـونـه يـنـحـدر وحـده وهـم يـتـبـعـونـه سـابـحـيـن وتـحـت بـطونـهـم قـرب مـنـفـوخـة، ثـمّ يـأخـذون مـنـهـم مـا يـسـتـطـيـعـون حـمـلـه.

وفي الـيـوم الـسّـابـع عـشـر، بـعـد تـجـديـف ثـلاث سـاعـات، وصـلـنـا إلى الـنّـهـر الـمـسـمى بـالـزّاب، الّـذي يـصـبّ في دجـلـة مـن جهـة بـلاد الـكـلـدان. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ فـوق هـذا الـنّهـر قـصـر مـن طـابـوق شـيـدّ فـوق مـرتـفـع صـغـيـر.(3) ولـكـن لأنـه كـان مـهـجـوراً فـقـد بـدأ بـالـتّـداعي والإنـهـيـار.

وبـقـيـنـا، في هـذا الـنّـهـار ثـماني سـاعات نـنـحـدر فـوق الـنّـهـر ، ونـمـنـا في مـكـان كان فـيـه حُـريـج. وقـطـعـنـا حـطـبـاً وأوقـدنـا نـاراً حـولـنـا فـالأسـود تـخـتـبئ في هـذا الـمـكان، وكـنّـا بـيـن الـحـيـن والـحـيـن نـطـلـق الـنّـار مـن قـربـيـنـاتـنـا.

وفي الـيـوم الـثّـامـن عـشـر، أكـمـلـنـا انـحـدارنـا عـلى الـمـاء ثـلاث عـشـرة سـاعـة، وبـتـنـا عـلى ضـفـة الـنّهـر مـن جـهـة بـلاد آشـور. وجـلـب لـنـا الـعـرب في الـمـساء لـبـنـاً وزبـدة طـازجـة. جـاءوا سـبـاحـة مـن الـضّـفـة الـمـقـابـلـة، ربـط كـلّ مـنـهـم قـربـة مـنـفـوخـة تـحـت بـطـنـه وأخـرى فـوق رأسـه وضـع فـيـهـا ما جـلـبـه لـنـا. ولـم يـريـدوا أن نـسـدد لـهـم ثـمـنـهـا نـقـوداً بـل تـبـغـاً أو بـسـكـويـتـاً أو بـهـاراً.

وفي الـيـوم الـتّـاسع عـشـر وبـعـد أربـع سـاعات مـن الـتّـجـديـف أبـصـرنـا بـالـنّهـر الـمـسـمى ألـتـون سـو، أي نـهـرالـذّهـب. (4) وهـو يـأتي مـن جـبال الـمـيـديـيـن ، وكـنـت قـد حـاذيـتـه ثـلاثـة أيـام تـقـريـبـاً عـنـدمـا عـدت من طـوروس إلى حـلـب. ومـاء هـذا الـنّـهـر في غـايـة الـجـودة، ويـصـبّ في دجـلـة مـن جـهـة بـلاد آشـور. وفي هـذا الـمـكـان أيـضـاً، بـمـحـاذاة دجـلـة، عـدّة عـيـون فـوّارة يـخـرج مـنهـا الـقـار وعـيـون أخـرى حـارّة نـشـمّ  فـيـها رائـحـة الـكـبـريـت. ولـم نـر، كـلّ ذلـك الـنّهـار، إلّا عـربـاً وأكـراداً يـسـيـرون بـجـانـب الـنّـهـر، الـعـرب مـن جـهـة الـمـيـزوبـوتـامـيـا  والأكـراد مـن جـهـة بـلاد آشـور. وقـد كـانـوا في حـرب ويـسـيـرون بـانـتـظـام مـن كـلّ مـن الـجـانـبـيـن. يـتـقـدّمـهـم الـشّـبـان حـامـلـيـن أقـواسـاً ونـبـالاً وبـعـض بـنادق الـفـتـائـل، وكـان عـدد مـنـهـم يـحـملـون رمـاحـاً قـصـيـرة. ورأيـنـا وراءهـم الـنّـسـاء والـبـنـات والأطـفـال وقـطعـان ثـيـرانهـم وخـرافـهـم وأعـداد كـبـيـرة مـن الإبـل، ويـتـبـعـهـم الـعـجـائـز والـشّـيـوخ في آخـر الـمسـيـرة. ومـن جانـب الـعـرب كـمـا مـن جـانـب الأكـراد يـرتـقي ثـلاثـة أو أربـعـة مـن الـفـرسـان بـعـض الـمـرتـفـعـات، وحـالـمـا يـجـدون الـفـرصة لـلإرتـماء عـلى أعـدائهـم، يـعـبـرون الـنّهـر سـبـاحـة عـلى خـيـلـهـم. ولأنـنـا لـم نـكـن نـثـق بـهـؤلاء الـنّـاس، فـقـد جـدّفـنـا تـسـع عـشـر سـاعـة بـلا تـوقـف لـنـتـحـاشـاهـم.

تـكـريـت :

وفي الـيـوم الـعـشـريـن، إنـحـدرنا إحـدى عـشـرة سـاعـة عـلى مـاء الـنّهـر، وتـوقّـفـنا لـنـنـام قـرب مـديـنـة اسـمـها تـغـريـت Tegrit  (5) مـن جـهـة الـمـيـزوبـوتـامـيـا. وفـيـهـا قـصـر تـهـدّم نـصـفـه ولـكـن مـا زالـت فـيـه غـرف جـمـيـلـة، ويـكـون الـنّـهـر لـه كـخـنـدق يـحـيـطـه مـن جهـتي الـشّـمـال والـشّـرق، بـيـنـمـا حـفـر حـولـه خـنـدق غـمـيـق كُـسـيَ بـحـجـارة حـسـنـة الـقـطـع مـن جـهـتي الـجـنـوب والـغـرب. ويـقـول الـعـرب  إنّـه كـان أقـوى حـصـون مـيـزوبـوتـامـيـا في الـمـاضي، بـالـرّغـم مـن أنّـه يـشـرف عـلـيـه مـرتـفـعـان شـديـدا الـقـرب مـنـه. وكـان لـلـمـسـيـحـيـيـن مـسـاكـنـهـم عـلى بـعـد ربـع فـرســخ مـن الـمـديـنـة، ومـا زلـنـا نـرى في مـقـامـهـم خـرائـب كـنـيـسـة وجـزءاً مـن بـرج نـاقـوسـهـا الـذّي يـشـهـد عـلى أنّـهـا كـانـت بـنـاءً عـظـيـمـاً.

الإمـام الـدّور:

وفي الـيـوم الـحـادي والـعـشـريـن ، وبـعـد ثـلاث سـاعـات مـن الـمـلاحـة، وجـدنـا قـريـة مـن جـهـة بـلاد آشـور اســمـها أمـت الـتـورAmet-el-tour (6) بـاسـم الـذّي دفـن في جـامـعـهـا، والّـذي يـعـتـبـرونـه عـنـدهـم قـدّيـسـاً. وهـو مـكـان تـعـبّـد لهـؤلاء الـنّـاس ويـأتـيـه كـثـيـر مـن الـبـشـر لـلـزّيـارة.  وقـد ظـلـلـنـا، ذلـك الـيـوم، إثـنـتي عـشـرة سـاعـة نـنـحـدر عـلى صـفـحـة الـمـاء ونـمـنـا عـلى ضـفـة الـنّـهـر.

سـامـراء :

وبـعـد أن انـحـدرنـا جـنـوبـاً عـلى مـاء الـنّهـر مـدّة سـاعـتـيـن، في الـيـوم الـثّـاني والـعـشـريـن لاقـيـنـا قـنـاةً مـن جـهـة مـيـزوبـوتـامـيـا، حـفـرت في جـانـب دجـلـة لـتـروي الأراضي الـمـزروعـة ، وتـسـتـمـر إلى مـا أمـام بـغـدات  حـيـث تـعـود إلى دجـلـة وتـصـبّ فـيـه. وعـنـدهـا اقـتـربـنـا مـن الـضّـفـة ونـزلـنـا مـن جـهـة بلاد الـكـلـدان الـقـديـمـة ، فـقـد أراد بـعـض الأتـراك أن يـؤدوا الـصّـلاة في جـامـع  يـسـمـونـه  سـامـراء. وهـو لا يـبـعـد أكـثـر مـن نـصـف فـرسـخ عـن الـشّـاطئ، ويـأتـيـه كـثـيـر مـن الـمـحـمّـديـيـن لـلـتّـعـبّـد، وخـاصـة هـنـود وتـرتـر، فـفـيـه كـمـا يـقـولـون، دفـن أربـعـون مـن أنـبـيـائـهـم. وعـنـدمـا عـرفـوا أنـنـا مـســيـحـيـون رفـضـوا أن نـدخـلـه رغـم الـمـال الّـذي عـرضـنـاه عـلـيـهـم. وعـلى بـعـد خـمـس مـائـة خـطـوة مـن هـذا الـجـامـع، يـمـكـن رؤيـة بـرج شــيّـد بـبـراعـة شـديـدة يـتـسـلـقـه  درجـان يـدوران حـول وجـهـه الـخـارجي، يـدخـل أحـدهـمـا بـعـمـق أكـثـر مـن الآخـر في الـجـدار الـخـارجي. ولـو أتـيـح لي أن أقـتـرب مـنـه لاســتـطـعـت أن أتـفـحّـصـه بـتـمـعـن. وأشـيـر هـنـا فـقـط إلى أنّـه شــيّـد بـالـطّـابـوق، وأنّـه شـديـد الـقـدم.

وعـلى بـعـد  نـصـف فـرسـخ نـرى ثـلاث بـوابـات ضـخـمـة تـبـدو كـمـا لـو كـانـت مـدخـل قـصـر مـا في الـمـاضي. ويـمـكـن أن نـسـتـنـتـج أنّـه كـان هـنـا، في قـديـم الـزّمـان مـديـنـة كـبـيـرة، لأنـنـا لـم نـرَ إلّا خـرائـب لا تـنـتـهي طـيـلـة أكـثـر مـن ثـلاثـة فـراسـخ حـاذيـنـا فـيـهـا الـشّـاطئ. وقـد بـقـيـنـا ذلـك الـيـوم إثـنـتي عـشـرة سـاعـة نـنـحـدر فـوق الـنّهـر. ونـمـنـا كـعـادتـنـا عـلى ضـفـة دجـلـة.

وفي الـيـوم الـثّـالـث والـعـشـريـن، لـم نـنـزل إلى الـشّـاطئ طـيـلـة الـنّـهـار إلّا لـطـبـخ أكـلـنـا وظـلّ كـلـكـنـا يـجـري فـوق الـمـاء عـشـريـن سـاعـة، ولـم نـر عـلى كـلـتي الـضّـفـتـيـن إلّا أكـواخـاً حـقـيـرة مـن سـعـف الـنّـخـيـل يـسـكـن فـيـهـا مـسـاكـيـن يـديـرون نـواعـيـر لـرفـع مـاء يـســقـون بـه الأراضي الـمـجـاورة.

ووجـدنـا ذلـك الـيـوم نهـراً اسـمـه أودوان Odoine (7)، يـصـبّ في دجـلـة مـن جـهـة بـلاد الـكـلـدان الـقـديـمـة.

وفي الـيـوم الـرّابـع عـشـر، بـقـيـنـا اثـنـتـيـن وعـشـريـن سـاعـة نـنـحـدر عـلى الـمـاء نـحـو الـجـنـوب مـن غـيـر أن نـخـرج مـن الـكـلـك. والـسّـبـب في ذلـك أنّ الـتّـجـار أخـذوا مـن الـكـلـك أمـوالـهـم وأغـلـب بـضائـعـهـم  وتـركـوه لـفـلاحـيـن لـيـحـفـظـوه لـهـم ويـنـزلـوه إلى بـغـدات الّـتي كـانـوا يـذهـبـون إلـيـهـا هـم أنـفـسـهـم لـبـيـع مـنـتـجـاتـهـم الـزّراعـيـة. ويـفـعـل الـتّـجـار هـذا لـكي لا يـدفـعـوا الـخـمـسـة بـالـمـائـة الّـتي تـأخـدهـا مـنـهـم مـكـوس هـذه الـمـديـنـة.  وقـد أعـطـيـتـهـم بـعـض مـا أمـلـك لـيـحـفـظـوه لي، وأرجـعـوه لي كـامـلاً مـثـلـمـا أرجـعـوا بـضائـع الآخـريـن لأصـحـابـهـا، وهـم يـرضـون بـالـقـلـيـل أجـرة عـلى جـهـدهـم.

بـغـداد :

وفي حـوالي الـرّابـعـة صـبـاحـاً مـن الـيـوم الـخـامـس والـعـشـريـن وصـلـنـا إلى بـغـدات، والّـتي اعـتـدنـا  أن نـسـمـيـهـا أيـضـاً بـابـل. ويـفـتـحـون أبـوابـهـا في حـدود الـسّـادسـة صـبـاحـاً، وأمـامـهـا رجـال الـجـمـارك لـيـفـتـشـوا بـضـائـع الـتّـجّـار، وحـتّى أجـسـامـهـم. وإن لـم يـجـدوا شـيـئـاً مـعـهـم يـتـركـونـهـم يـدخـلـون. ولـكـن إذا كان مـعـهـم مـا يـسـتـوجـب الـدّفـع عـلـيـه أخـذوهـم إلى مـكـتـب لـيسـجـلّـوا مـا يـمـلـكـون ثـمّ يـتـركـونـهـم  يـذهـبـون لـحـال سـبـيـلهـم. وقـد حـمـلـت أمـامـهـم كـلّ الـبـضـائع الّـتي كـانـت عـلى الـكـلـك، وسـيـأخـذهـا الـتّـجـار يـومـيـن أو ثـلاثـة بـعـد ذلـك، بـعـد أن يـدفـعـوا مـا يـتـوجّـب عـلـيـهـم.  وكـلّ هـذا يـجـري حـسـب تـنـظـيـم وتـرتـيـب وبـدون ضـجّـة.

كـنـت قـد جـئـت إلى بـغـداد قـبـل ذلـك، في عـام  1632، ولـم أبـق فـيـهـا آنـذاك إلّا خـمـسـة أيّـام. ولـكـنّي في هـذه الـسّـفـرة الّـتي أتـكـلّـم عـنـهـا هـنـا، تـوقّـفـت فـيـهـا عـشـريـن يـومـاً قـضـيـتـهـا في رؤيـة كـلّ مـا يـسـتـحـق الـرّؤيـة في هـذه الـمـديـنـة . وقـد سـكـنـت عـنـد الآبـاء الـكـبـوشـيـيـن.

وبـالـرّغـم مـن أنّ بـغـدات تـسـمـى أيـضـاً بـابـل، إلّا أنّـها في الـحـقـيـقـة كـثـيـرة الـبـعـد عـن بـابـل الـقـديـمـة.

وهـذه هي حـال بـغـداد الآن، وقـد صـارت مـنـذ فـتـرة طويـلـة مـيـدانـاً لـلـصّـراع بـيـن الـفـرس والأتـراك :

بـغـدات مـديـنـة عـلى ضـفـة دجـلـة مـن جـهـة بـلاد فـارس، ويـفـصـلـهـا هـذا الـنّـهـرعـن الـمـيـزوبـوتـامـيـا (ويـعـني مـابـيـن غـرب دجـلـة وبـيـن الـفـرات).

ويـقـول مـؤرخـو الـعـرب إنّ أحـد خـلـفـائـهـم الـمـسـمى بـالـمـنـصـور شـيّـدهـا في عـام 145 مـن هـجـرة مـحـمّـد  و 762 مـن الـمـسـيـحـيـة  تـقـريـبـاً. ويـسـمـونهـا  دارالـسّـني  Dar-al-sani أي مـكـان أو دار الـسّـلام . ويـقـول الـبـعـض إنّ اسـمـهـا جـاء مـن اســم صـومـعـة كـانـت وسـط مـرج بـنـيـت عـلـيـه الـمـديـنـة الـحـالـيـة. وكـان الـمـرج قـد وهـب لـزاهـد سـكـنـه. ومـعـنى بـغـدات بـالـفـارسـيـة “الـبـسـتـان الـمـوهـوب “. وقـبـل حـوالي أربـعـيـن أو خـمـسـيـن سـنـة، عـنـدمـا حـفـرت أســس لـخـان لـلـتّـجّـار،عـثـر في قـبـو تـحـت الأرض عـلى جـثـمـان كـامـل ،مـلابـسـه مـثـل مـلابـس أســقـف وبـقـربـه مـبـخـرة. كـمـا ظـهـرت في ذلـك الـمـكـان أيـضـاً، بـعـض غـرف الـرّهـبـان، ومـن هـذا يـمـكـنـنـا أن نـصـدّق مـا ذكـره عـدّة مـؤرخـيـن عـرب بـأنّـه كـان في الـمـكـان الّـذي بـنـيـت فـيـه بـغـدات  ديـرعـظـيـم حـولـه عـدد كـبـيـر مـن الـدّور كـان يـسـكـنـهـا الـمـسـيـحـيـون.

وطـول الـمـديـنـة حـوالي ألـف وخـمـس مـائـة قـدم وعـرضـهـا سـبـع أو ثـمـاني مـائـة. ولا يـمـكـن أن يـكـون مـحـيـطـهـا أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف قـدم. أسـوارهـا كـلّـهـا مـن الـطّـابـوق عـلـيـهـا سـطـوح في بـعـض الأمـاكـن وفـيهـا أبـراج ضـخـمـة عـلى شـكـل حـصـون. وعـلى كـلّ أبـراجـهـا حـوالي سـتـيـن مـدفـع ، أكـبـرهـا لا يـمـكـن أن يـطـلـق قـذيـفـة أثـقـل مـن خـمـسة أرطـال أو سـتّـة. وخـنـادقـهـا عـريـضـة عـمـقـهـا خـمـس قـامـات أو ســتّ. ولـيـس لـهـا إلّا أربـع بـوابـات : ثـلاثـة مـن جـهـة الـبـر، وواحـدة مـن جـهـة الـنّـهـر، يـعـبـر إلـيهـا عـلى جـسـر ثـبّـت عـلى قـوارب يـبـعـد الـواحـد مـنـهـا عـن الآخـر بـعـرض قـارب.

أمّـا الـقـصـر فـهـو في الـمـديـنـة قـرب إحـدى الـبـوابـات الـمـسـمـاة بـالـمـازان (الـمـعـظـم)  El-Maazin ، مـن جـهـة الـشّــمـال. وجـزء مـنـه شــيّـد فـوق الـنّـهـر، يـحـيـطـه حـائـط  في بـعـض أمـاكـنـه سـطـوح  وأبـراج صغـيـرة عـلـيـهـا حـوالي مـائـة وخـمـسـيـن مـدفـعـاً صغـيـراً لا مـسـانـد لـهـا. وخـنـدقـه ضـيّـق، ولا يـتـجاوز عـمـقـه قـامـتـيـن أو ثـلاث. ولـيـس أمـام بـاب الـقـصـر جـسـر يـرفـع  ويـنـزل. وحـامـتـيـه ثـلاثـمـائـة انـكـشـاري يـرأسـهـم أغـا. والـمـديـنـة يـحـكـمـهـا بـاشـا يـكـون عـادة وزيـراً. وداره بـمـحـاذاة الـنّـهـر مـهـيـبـة الـمـظهـر، ولـديـه سـتّـمـائـة أو سـبـعـمـائـة فـارس دائـمـو الإسـتـعـداد.

وهـنـاك أيـضـاً أغـا يـتـرأس ثـلاثـمـائـة أوأربـعـمـائـة  صـفـاهي. ولـديـهـم نـوع مـن الـفـرسـان يـسـمـونـهـم جـنـغـلي لـر ginguliler ، أي الـشّـجـعـان ، يـرأسـهـم أغـوان اثـنـان. وهـم عـادة ثـلاثـة آلاف ســواء في الـمـديـنـة أو في الـقـرى الـمـحـيـطـة. ومـفـاتـيـح أبـواب الـمـديـنـة والـجـسـر في يـد أغـا لـديـه مـائـتي انـكـشـاري تـحـت أوامـره. وهـنـاك أخـيـراً ســتّـمـائـة مـن الـمـشـاة عـلى رأسـهـم أغـا خـاص بـهـم ، وحـوالي سـتـيـن مـدفـعـيـاً عـلى رأسـهـم رجـل حـاذق يـدعى سـنـيـور مـيـكـائـيـل  signor Michaël ، يـعـتـبـرنـه  إفـرنـجـيـاً مـع أنّـه ولـد في جـزيـرة كـريـت. وقـد ارتـبـط  بـالـسّـلـطـان مـراد عـنـدمـا جـاء لـيـحـاصـر بـغـدات في  1638.  وقـد حـالـفـه الـحـظ  واسـتـولى عـلـيـهـا بـسـرعـة، ولـكـن ذلـك لـم

يـكـن بـفـضـل الـثّـغـرة الّتي فـتـحـتـهـا مـدافـع الـسّـنـيـور مـيـكـائـيـل، بـل بـسـبـب الـتّـمـرّد الّـذي انـدلـع في نـفس الـوقـت في الـمـديـنـة. وهـذه قـصـتـه مـلـخّـصـة :

كـان الـخـان الّـذي قـاوم الـحـصـار مـن أصـل أرمـني، واسـمـه صـفي خـولي خـان (8)، وكـان يـحـكـم الـمـديـنـة مـنـذ فـتـرة طـويـلـة، ودافـع عـنـهـا مـرتـيـن قـبـل ذلـك ضـدّ جـيـش الأتـراك الـذّيـن لـم  يـسـتـطـيـعـوا فـتـحـهـا. ولـكـنّ مـلـك الـفـرس بـعـث أحـد رجـال حـاشـيـتـه لـيـحـلّ مـحـلـه، ودخـل الـمـديـنـة قـبـل أن تـفـتـح الـمـدافـع الـثّـغـرة في الأسـوار.  وعـنـدمـا رأى الـخـان الـعـجـوز رسـائـل اعـتـمـاد الـقـادم الـجـديـد فـضّـل أن يـمـوت عـلى أنّ يـتـحـمّـل عـار الـعـزل. وبـمـحـضـر مـن ضـبّـاطـه وجـنـوده، إسـتـدعى زوجـتـه وابـنـه. وأخـذ ثـلاث كـؤوس مـلـيـئـة سـمّـاً، وقـال لـزّوجـتـه إنّـهـا إن كـانـت تـحـبّـه فـسـتـثـبـتـه لـه بـقـبـولـهـا الـمـوت مـعـه. وقال نـفـس الـشّـئ لابـنـه. وابـتـلع الـثّـلاثـة وفي نـفـس الـوقـت كـؤوسـهـم وسـقـطـوا مـوتى. وعـنـدما رأى الـجـنـود، الّـذيـن كانـوا يـحـبّـون حـاكـمهـم ، هـذا الـمـشـهـد الـفـظـيـع، وكـانـوا يـعـرفـون أنّ الـسّــلطـان الـعـثـمـاني يـسـتـعـدّ لـلـهـجـوم  وأنّ الـثّـغـرة في الـسّـور تـوسّـعـت، أعـلـنـوا عـصـيـانـهـم عـلى الـخـان الـجـديـد وثـاروا ضـدّه. وتـفـاوضـوا مـع الأتـراك  عـلى أن يـتـركـوهـم يـخـرجـون بـأسـلـحـتـهـم وأمـتـعـتـهـم . ولـكنّ الأتـراك لـم يـوفـوا بـوعـودهـم. فـمـا أن دخـلـوا الـمـديـنـة حـتّى نـصـح الـبـاشـوات الـسّـلـطـان بـأن يـقـتـل كـلّ جـنـودهـا لـيُـضعـف بـذلـك عـزة عـدوه مـلـك الـفـرس. وهـكـذا قـتـلـوهـم، وكانـوا اثـنـيـن وعـشـريـن ألـفـاً. واسـتـولى الأتـراك عـلى مـسـاكـن الـرّهـبـان الـكـبـوشـيـيـن، و لـكنّ الـسّــنـيـور مـيـكـائـيـل رئـيـس الـمـدفـعـيـة ، أعـادهـا لـهـم. واعـتـرافـاً لـه بـالـجـمـيـل ، كـتـب الـكـبـوشـيـون لـلأب جـوزيـف في فـرنـسـا لـيـرجـو الـكرديـنـال دو ريـشـلـيـو لـلـحـصـول مـن الـمـلـك عـلى رسـائل لـتـنـبـيـل الـسّـنـيـور مـيـكائـيـل الّـذي مـنـع عـدّة مـرّات طـرد هـؤلاء الـرّهـبان مـن الـمـديـنـة.

أمّـا عـن حـكـومـة بـغـدات الـمـدنـيـة، فـلـيـس فـيهـا إلّا قـاضي أو رئـيـس يـقـوم بـكـلّ الـمهـمّـات، وحـتّى وظـيـفـة الـمـفـتي. ومـعـه شــيـخ الإسـلامchiekelaslan   أو دفـتـردارtefterdar   يـجـبي الضّـرائـب والـمـكـوس لـلـسّـلـطـان. وفي بـغـدات خـمـسـة مـسـاجـد، إثـنـان مـنـهـا عـلى شـئ مـن الـجـمـال تـزيـنـهـمـا قـبـاب ضـخـمـة يـغـطـيـهـا آجـر مـزجـج بـألـوان مـخـتـلـفـة. وفـيـهـا عـشـرة خـانـات لـلـتّـجّـار رديـئـة الـبـنـاء، مـا عـدا إثـنـيـن يـبـدو أنّ فـيـهـمـا بـعـض وسـائـل الـرّاحـة. والـمـديـنـة عـمـومـاً رديـئـة الـبـنـاء ، ولا نـجـد فـيـهـا مـن جـيّـد الـمـبـاني إلّا الأســواق الـتّـامّـة الـتّـسـقـيـف، ولـولا هـذه الـسّـقـوف لـمـا اسـتـطاع الـتّـجار الـبـقـاء فـيـها لـشـدّة الـحـرارة. ويـنـبـغي أن تـرشّ بـالـماء مـرتـيـن أو ثـلاثـة في الـنّـهـار، وهـذا مـا يـفـعـلـه عـدد مـن الـفـقـراء يـدفـع لـهـم أجـر عـلـيـه.

والـمـديـنـة كـثـيـرة الـتّـجـارة، ولـكـن لـيـس بـالـقـدر الّـذي كـانـت عـلـيـه في تـبـعـيـتـهـا لـمـلـك الـفـرس، فـعـنـدمـا أخـذهـا الأتـراك قـتـل كـثـيـر مـن أغـنـيـاء تـجّـارهـا. والـنّـاس يـأتـون إلـيـهـا مـن كـلّ الـجـهـات، إمّـا لـلـبـيـع والـشّــراء وإمّـا لـلـتّـعـبّـد. وكـلّ الّـذيـن يـتـبـعـون مـلّـة عـلي يـعـتـقـدون أنّـه أقـام في بـغـدات. وعـنـدما يـعـزمـون عـلى الـذّهـاب إلى مـكّـة عـن طـريـق الـبـرّ يـجـب عـلـيـهـم أن يـمـرّوا بـهـا، ويـدفـع كـلّ حـاج أربـع دراهـم لـلـبـاشـا.

وعـليّ أن أذكـر أن الـمـحـمّـديـيـن في بـغـدات عـلى نـوعـيـن : نـوع يـسـمـونهـم الـرّافـضـيّـة rafedis  أي الـخـارجـيـن عـلى الـمـلّـة ، والآخـرون الـذّيـن يـسـمـونـهـم أصـحـاب الـسّـنـة، والّـذيـن هـم عـلى نـفـس طـريـقـة الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في أمـورالـدّيـن. والـرّافـضـيـة لا يـقـبـلـون الأكـل والـشّـرب مـع  الـمـسـيـحـيـيـن إطـلاقـاً، وهـم لا يـقـبـلـون أن يـفـعـلـوا ذلـك مع الـمـحـمّـديـيـن الآخـريـن إلّا بـصـعـوبـة شـديـدة. وإن حـدث أن شـربـوا مـعـهـم مـن نـفـس الـطّـاسـة أو مـسّــوهـم ، فـهـم يـذهـبـون حالاً لـيـغـتـسلـوا، لاعـتـقـادهـم بـأنّـهـم أنـجـاس. أمّـا الـمـحـمّـديـون الآخـرون فـهـم لـيـسـوا بـهـذا الـتّـزمـت، ويـأكلـون ويـشـربـون مـع كـلّ الـنّـاس مـن غـيـر تـفـريـق.

وفي سـنـة 1639، بـعـد أن أخـذ الـسّـلـطان الـعـثـمـاني بـغـدات ، لـم يـقـبـل أحـد الـرّافـضـة أن يـسـقي يهـوديـاً طـلـب مـنـه الـمـاء في الـسّـوق، بـل شـتـمـه. وذهـب الـيهـودي يـشـكـوه إلى الـقـاضي الّـذي بـعـث حـالاً بـمـن يـأتي لـه بـه مـع قـربـتـه وطـاسـتـه. ولـمـا وقـف الـسّـقّـاء بـيـن يـدي الـقـاضي، أخـذ مـنـه الـقـاضي طـاسـتـه وسـقى بـهـا الـيـهـودي ثـمّ شـرب مـنهـا هـو نـفـسـه، وأمـر بـجـلـد الـسّـقـاء وهـو يـوبـخـه بـأنـنـا كـلـنّا مـخلـوقـات الله ، الـمـسـلـم  كـالـمـسـيـحي والـيـهـودي. وهـذا يـمـنـعـهـم الآن مـن إظـهـار احـتـقـارهـم  رغـم كـثـرة أعـدادهـم وأنّـهـم أغـلـبـيـة ســكّـان الـمـديـنـة.

وأذكـرهـنـا مـا لاحـظـتـه في حـدادهـم عـلى الـمـوتى. فـعـنـدما يـمـوت رجـل، تـنـزع امـرأتـه فـوطـتـهـا وتـتـرك شـعـرها مـنـثـوراً، وتـسـوّد وجـهـهـا بـسـخـام قـدر حـرقـتـه الـنّـار، ثـمّ تـشـرع بـالـوثـب والـتّـقـافـز بـطريـقـة بـدت لي مـضحـكـة أكـثـر مـنـهـا مـبـكـيـة. ويـجـتـمـع كـلّ الأهـل والأصـدقـاء والـجـيـران في دار الـفـقـيـد ويـنـسـحـبـون جـانـبـاً في انـتـظـار الـتّـشـيـيع، ولـكـنّ الـنّـسـاء بـيـنـهـنّ يـقـمـن بـحـركـات الـقـردة : يـلـطـمـن وجـوهـهـنّ ويـصـرخـن كـمـعـتـوهـات، ثـمّ يـشــرعـن فـجـأة في الـرّقـص عـلى أصـوات دنـابـك تـشـبـه دنـابـك الـبـشـكـش تـضـرب عـلـيـهـا نـسـاء لـمـدة ربـع سـاعـة. وبـيـنـهـنّ واحـدة اعـتـادت عـلى هـذا الـنّـوع مـن الـمـسـخـرة تـرفـع صـوتـهـا بـأنـغـام مـفـجـعـة وتـجـيـبـهـا الأخـريـات وهـنّ يـبـالـغـن في الـصّـراخ، حـتّى يـمـكـن أن يُـسـمـعـن مـن بـعـيـد. وعـنـدهـا يـسـتـحـيـل الـتّـخـفـيـف عـن حـزن أطـفـال الـمـيّـت  لأنّـهـم يـهـتـاجـون و يـفـقـدون الـتّـحـكـم بـعـواطـفـهـم  ولا يـصـغـون لأحـد. وهـم مـجـبـرون عـلى أن يـتـصـرفـوا بـهـذه الـطّريـقـة لـكي لا يـوبـخـهـم الـنّـاس بـقـلّـة مـحـبـتـهـم لأبـيـهـم.

وعـنـدمـا يـنـزلـون الـتّـابـوت في الـقـبـر، يـجـتـمـع حـولـهـم أسـراب مـن الـفـقـراء يـحـمـلـون رايـات وأهـلّـة ثـبـتـوهـا فـوق قـضـبـان طـويـلـة يـحـمـلـونـهـا مـثـل رمـاح، ويـنـشــدون سـائـريـن أنـغـامـاً مـأتـمـيـة.  ولا تـحـضـر الـنّـسـاء الـدّفـن، لأنـهـنّ لا يـسـتـطعـن الـخـروج مـن دورهـنّ إلّا في أيّـام الـخـمـيـس، الّـتي يـذهـبـن فـيهـا إلى الـمـقـابـر لـلـدّعـاء عـلى الـقـبـور. ولأن ّالـرّجـل، حـسـب ديـنـهـم ، مـجـبـر عـلى مـبـاضعـة زوجـتـه، وخـاصـة لـيـلـة الـخـمـيـس، فـالـنّـسـاء يـذهـبـن أيـضـاً إلى الـحـمّـام  يـوم الـجـمـعـة للإغـتـسـال، ويـلـقـيـن بـكـثـيـر مـن الـمـاء والـعـطور عـلى أجـسـادهـنّ وعـلى رؤوسـهـنّ(9).  ويـسـتـطعـن الـخـروج أيـضـاً عـنـدما يـسـمـح الـرّجـل لـهـنّ بـالـذّهـاب لـزيـارة الأهـل. وعـنـدمـا يـخـرجـن إلى الـمـديـنـة يـتـلـفـعـن بـما يـشــبـه الـكـفـن من الـرأس إلى الـقـدمـيـن، لـيـس فـيـه إلّا ثـقـبـيـن أمـام الـعـيـنـيـن لـيـريـن طـريـقـهـنّ. (10) ولا يـمـكـن أن يـتـعـرف أحـد عـلى امـرأة تـحـت هـذا الـغـطاء ولا حـتّى زوجـهـا لـو لاقـاهـا في الـطّريـق.

ونـسـاء بـغـدات بـاهـرات الـمـلـبـس،عـلى طـريـقـتـهـنّ وعـلى طـراز بـلـدهـنّ. ولـكـن لـو كـنّ في بـلـدنـا لـظهـرن لـنـا مـضـحـكـات، فهـنّ لا يـكـتـفـيـن بـالـذّهـب والـمـجـوهـرات في الأسـورة والأقـراط بـل يـحـطـن بـهـا وجـوهـهـنّ ويـثـقـبـن خـنّـافـة أنـوفـهـنّ لـيـضعـن فـيهـا حـلـقـاً. ونـسـاء الـعـرب يـكـتـفـيـن بـثـقـب مـا بـيـن الـمـنـخريـن ويـمـررن فـيـهـا حـلـقـة مـن الـذّهـب قـطـرهـا قـطـر أنـبـوب ريـشـة الـطّـائـر مـفـرغـة لـتـكـون خـفـيـفـة ولـلإقـتـصاد في الـذّهـب. وفـوق ذلـك، ولـزيـادة حـسـنهـنّ، فهـنّ يـسـوّدن مـا حـول أعـيـنـهـنّ بـسـواد خـاص. والـرّجـال مـثـل الـنّـسـاء يـضـعـون مـنـه في أعـيـنـهـم في الـبـوادي، لـيـحـمـيـهـا مـن لـهـب الـشّـمـس، كـمـا يـقـولـون.

وعـليّ الآن أن أتـكـلّـم عـن الـمـسـيـحـيـيـن الّـذيـن يـسـكـنـون مـديـنـة بـغـدات . وهـم عـلى ثـلاثـة أصنـاف : الـنّـسـاطـرة ، ولهـم كـنـيـسـتهـم ، والأرمـن والـيـعـاقـبـة الّـذيـن لـيـس لـهـم كـنـيـسـة ، والّـذيـن يـأتـون عـنـد الآبـاء الـكـبـوشـيـيـن لـتـنـاول الـقـربـان الـمـقـدّس. وغـالـبـاً مـا يـذهـب الـمـسـيـحـيـون لـلـتّـعـبـد في مـصـلّى كُـرّس لـقـدّيـس يـسـمـونـه خـضـر إلـيـاس عـلى بـعـد ربـع فـرسـخ مـن الـمـديـنـة. ولـكي يـدخـلـوه فـهـم يـدفـعـون مـبـلـغـاً ضـئـيـلاً لـلأتـراك الّـذيـن يـحـتـفـظـون بـمـفـاتـيـحـه.

وعـلى بـعـد مـسـيـرة  يـومـيـن مـن الـمـديـنـة،هـنـاك كـنـيـسـة خـربـة قـرب قـريـة حـقـيـرة، وهـم يـدّعـون أنّ الـقـديـسـيـن سـمـعـان و جـود قـد اسـتـشـهـدا في هـذا الـمكـان ودفـنـا فـيـه. وإذامـات مـسـيـحيّ جـاء كـلّ الآخـريـن لـتـشـيـيـعـه، وعـنـدمـا يـعـودون يـجـدون أكـلاً جـاهـزاً في دار الـفـقـيـد. ويـعـودون في الـغـد إلى قـبـره لـلـدعـاء لـه، وكـذلـك في الـيـوم الـثّـالـث الّـذي يـعـدّون فـيـه الـعـشـاء لـكـلّ مـن يـأتي عـنـدهـم . وتـصـل أعـدادهـم في بـعـض الأحـيـان إلى مـائـة أو مـائـة وخـمـسـيـن شـخـصـاً. ويـكـررون الـمـأتـم في الـيـوم الـسّـابـع والـخـامـس عـشـر والـثّـلاثـيـن والأربـعـيـن لـشـدّة إكـرامهـم لـلـمـوتى. وكـثـيـراً مـا يـدعـون لـهـم بـحـسـن الـثّـواب. وعـادة الإطـعـام هـذه تـضـرّ بـالـفـقـراء، لأنّـهـم في رغـبـتهـم بـأن يـقـلـدوا الأغـنـيـاء ، وعـدم قـدرتـهـم عـلى ذلـك يـسـتـديـنـون كـثـيـراً، ثـمّ لا يـسـتـطيـعـون تـسـديـد ديـونهـم فـيـضـطـرون لـبـيـع أطـفـالـهـم لـلأتـراك.

وفي بـغـدات أيـضـاً يـهـود. ويـأتـيـهـا كـلّ عـام كـثـيـر مـنهـم لـلـتّـعـبّـد وزيـارة قـبـر الـنّـبي حـزقـيـل. وهـو عـلى بـعـد مـسـيـرة نـهـار ونـصـف مـن الـمـديـنـة.

وأخـيـراً، فـمـنـذ أن اسـتـولى الـسّـلـطـان مـراد عـلى الـمـديـنـة لـم يـتـجـاوز عـدد سـكـانـهـا خـمـسة عـشـر ألـفـاً وهـو قـلـيـل لـمـديـنـة بـسـعـتـهـا.

ونـرى عـلى بـعـد مـسـيـرة نهـار ونـصـف مـن بـغـدات مـن جهـة مـيـزوبـوتـامـيـا، في مـنـتـصـف الـمـسـافـة الـفـاصلـة بـيـن دجـلـة والـفـرات تـقـريـبـاً، تـلّاً عـالـيـاً مـن الـتّـراب مازال يـدعى نـمـرود. وهـو في وسـط الـرّيـف ونـبـصـر بـه مـن بـعـيـد. ويـعـتـقـد الـجـهـلـة أنّـه بـقـايـا بـرج بـابـل. ولـكـن الـمـعـقـول هـو مـا يـقـولـه الـعـرب من أنّ اسـمـه عـقـرقـوف. ويـقـولـون أنّ أمـيـراً عـربـيـاً شـيّـده  لـيـشـعـل فـوقـه الـنّـار ويـجـمـع أنـصـاره وقـت الـحـرب.  وهـذا وصـف الـبـرج كـمـا رأيـتـه : مـحـيـطـه ثـلاثـمـائـة قـدم، ولـكـن لـيـس مـن الـسّـهـل تـقـديـر مـدى ارتـفـاعـه في الأصـل فـهـو قـد تـسـاقـط  خـرابـاً، ومـا بـقي مـنـه لا يـمـكـن أن يـتـجـاوز ثـمـاني عـشـرة أو عـشـريـن قـامـة عـلـوّاً. والـبـرج مـبـني بـالـطّابـوق الـنّـيئ الّـذي جـفـف في الـشّـمـس. وفـوق كـلّ طـبـقـة مـن الـقـصـب الـمـخـلـوط  بـالـقـشّ سـبـع طـبـقـات مـن الـطّـابـوق ثـمّ طـبـقـة مـن نـفـس الـقـصـب  فـوقـهـا سـتّ طـبـقـات مـن الـطّـابـوق، وهـكـذا تـقـلّ طـبـقـات الـطّـابـوق كـلـمـا ارتـفـع الـبـنـاء. ومـن الـصّـعـب تـصـور شـكـل الـبـنـاء فـقـد تـسـاقـط مـن كـلّ الـجهـات، ولـكـن يـبـدو أنّـه كـان مـربـعـاً ولـم  يـكـن دائـريـاً. وهـو لا يـسـتـحـق مـشـقـة الـذّهاب إلـيـه لـرؤيـتـه. فـهـو لا يـبـدو شـبـيـهـاً بـبـرج بـابـل الـقـديـم حـسـب وصـف مـوسـى لـه فـي قـصـة بـدء الـخـلـيـقـة (في الـتّـوراة).

تـكـمـلـة الـرّحـلـة بـنـفـس الـطّـريـق مـن بـغـدات Bagdat   إلى بـلـصـرة Balsara : 

في الـخـامـس عـشـر مـن آذار، ركـبـنـا مـركـبـاً لـنـنـزل عـلى نـهـر دجـلـة مـن بـغـدات إلى بـلـصـرة . يـنـقـسـم هـذا الـنّـهـر جـنـوبـاً، بـعـد أن يـتـرك بـغـدات إلى ذراعـيـن تـخـتـرقـهـمـا عـدّة قـنـوات صغـيـرة. وعـنـدما وصـلـنـا إلى الـمكـان الّـذي يـنـقـسـم فـيـه الـنّهـر إلى قـسـمـيـن رأيـنـا بـقـايـا أسـوار مـديـنـة كـان مـحـيـطـهـا في الـزّمـن الـقـديـم أكـثـر مـن فـرسـخ. وأجـزاء الأسـوارالـبـاقـيـة عـريـضـة إلى حـدّ أنّ سـتّ عـربـات يـمـكـن أن تـمـرّ عـلـيـهـا جـنـبـاً لـجـنـب. وهي مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور. ويـقـول مـؤرخـو الـبـلـد أنّ هـذه آثـار مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة (11).

وقـد تـبـعـنـا ذراع دجـلـة الّـذي يـمـرّ مـن جـهـة بـلاد الـكـلـدان لـخـوفـنـا مـن أن نـسـقـط بـيـن بـراثـن الـعـرب الّـذيـن كـانـوا في حـرب ضـدّ بـاشـا بـغـدات لـكي لا يـدفـعـوا الـضّـرائـب لـلـسّـلـطـان الـتّـركي. وقـد بـقـيـنـا عـشـرة أيّـام عـلى الـنّـهـر قـبـل أن نـصـل إلى بـلـصـرة. ونـمـنـا في الـمـركـب وطـبـخـنـا فـيـه. وعـنـدما كـنّـا نـجـد قـريـة، نـبـعـث بـخـدمـنـا لـشـراء الـغـذاء الّـذي كـان رخـيـصـاً. وهـذه أسـماء الـقـرى الّـتي مـررنـا بـهـا على طـريـق دجـلـة : الـعـمـارة Amarat   الّـتي فـيها حـصـن مـن الـطّـابـوق الـنـيئ ، والـشّــطـرة Satarat   الّـتي فـيـهـا حـصـن يـشــبـهـه، والـمـنـصـوريـة Mansoury ، قـريـة كـبـيـرة ، والـمـجـر Magar والـعـزيـر  Gazer والـقـرنـة Gorno  (12).

وفي الـقـرنـة يـخـتـلـط الـفـرات بـدجـلـة، وفـيـهـا ثـلاثـة قـصـور:  واحـد في نـقـطـة الـتـقـاء الـنّـهـريـن ، وهـو أشـدّ الـثّـلاثـة تـحـصـيـنـاً ، وكـان ابـن أمـيـر الـبـصـرة حـاكـمـاً عـلـيـه. والـثّـاني مـن جـهـة بـلاد الـكلـدان، والـثّـالـث مـن جهـة بـلاد الـعـرب. ومـع أنّـهـم يـدقـقـون في جـبي الـجـمـارك فـهـم لا يـفـتـشـون الـنّاس. ويـصـعـد مـدّ الـبـحـر إلى هـذا الـمـكان، ولـهـذا لـم نـحـتـج إلّا لـسـبـع سـاعـات لـنـنـزل الـخـمـسـة عـشـر فـرسـخـاً إلى بـلـصـرة بـفـضـل الـرّيـح و جـزر الـبـحـر. وكـلّ الـبـلاد الّـتي تـمـتـدّ مـن بـغـدات إلى بـلـصـرة تـتـقـاطـع فـيـهـا الـقـنـوات والـسّــدود مـثـلـمـا في هـولـنـدة ، وبـيـن مـديـنـة وأخـرى حـوالي ســتـيـن فـرسـخـاً. وهي مـن بـيـن أحـسـن الـبـلاد الّـتي يـتـسـلّـط عـلـيـهـا سـلـطـان الأتـراك. ولا نـرى في كـلّ أرجـائـهـا إلّا مـروجـاً واسـعـة ومـراعي في غـايـة الـجـودة تـربى فـيـهـا أعـداد كـبـيـرة مـن الـحـيـوانـات وخـاصـة الـخـيـل والـجـامـوس.  ومـدة حـمـل أنـثى الـجـامـوس اثـنـا عـشـر شـهـراً، وهي كـثـيـرة الـحـلـيـب. ومـنـهـا مـن تـدرّ أحـد عـشـر لـتـراً في الـيـوم. ويـصـنـعـون مـنـهـا كـمـيـات هـائـلـة مـن الـزّبـدة حـتّى أنـنـا رأيـنـا، في بـعـض الـقـرى الّـتي مـررنـا بـهـا، إلى حـدّ عـشـريـن أو اثـنـيـن وعـشـريـن  قـاربـاً مـحـمّـلـة بـالـزّبـدة يـبـيـعـونـهـا عـلى  طـول ضـفـاف الـخـلـيـج مـن جـهـة بـلاد الـفـرس كـمـا مـن جـهـة جـزيـرة الـعـرب.

وفي مـنـتـصـف الـطّـريـق بـيـن بـغـدات  وبـلـصـرة لـمـحـنـا عـدّة سـرادق مـنـصـوبـة قـرب ضـفـة الـنّـهـر.  وقـد نـزلـنـا  لـنـرى مـا كـانـت ، فـعـرفـنـا أنّـهـا خـيـام  دفـتـردار جـاء مـن قـسـطـنـطـيـنـة لـجـبي ضـرائـب

الـسّـلـطـان عـلى هـذه الـبـلاد. ذهـبـت لأراه، وأهـديـتـه مـا يـقـارب أربـعـة أمـتـار مـن الـقـمـاش الإنـكـلـيـزي وطـبـنـجـة جـيـب.  وبـعـث لي مـتـلـطّـفـاً خـروفـيـن واثـنـتي عـشـرة دجـاجـة وزبـدة  ورز. وكـان سـعـيـداً بـتـوقـفي عـنـده ولـو لـمـدّة قـصـيـرة. وفي حـديـثـه معـه اخـبـرني إنّـه يـجـبي عـلى كـلّ الـجـامـوس ، ذكـراً كـان أم أنـثى، ومـن بـغـدات إلى الـقـرنـة، درهـمـاً ونـصـف عـلى كـلّ رأس. وهـذا يـجـلـب لـلـسّـلـطـان مـائـة وثـمـانـيـن ألـف درهـم كـلّ عـام. ماعـدا مـا يـدفـع عـلى الـخـيـل والـغـنـم. وإنّـه  لـولا غـشّ الـفـلاحـيـن وخـداعـهـم لـجـبى خـمـسـيـن ألـف درهـم فـوق ذلـك. وبـعـد أن تـركـنـا الـدّفـتـردار، رأى صـاحـب الـمـركـب اعـتـدال الـجـو في الـمـسـاء وأمـانـة الـمـلاحـة عـلى الـنّـهـر فـقـرر أن يـسـتـمـرّ في الـسّـيـر طـيـلـة الـلـيـل. ووصـلـنـا إلى الـقـرنـة في صـبـاح الـخـامـس والـعـشـريـن مـن آذار.

والـقـرنـة حـصـن جـيّـد الـبـنـاء عـلى نـقـطـة الـتـقـاء الـنّـهـريـن ، ومـن كـلّ جـهـة هـنـاك حـصـن صـغـيـر، مـمـا يـعـزز حـراســة الـمـرور.  ووجـدنـا في الـحـصـن الـرئـيـسي ، الّـذي تـحـمـيـه مـدافـع كـثـيـرة، إبـن أمـيـر بـلـصـرة، حـاكـم هـذه الـبـلاد. وفي هـذا الـحـصـن مـكـتـب الـجـمـارك. ومع أنّـهـم فـتّـشـوا الـمـراكـب بـدّقـة شــديـدة، فـقـد عـامـلـونـا بـلـطـف ولـم يـفـتـشـوا الـنّاس. ويـسـجـلـون الـبـضـائـع عـلى سـجـلّات، ولـكـن لا نـدفـع إلّا في بـلـصـرة.

وفي نـفـس الـنّـهـار، عـنـدمـا دخـلـنـا في الـقـنـاة الّـتي حـفـروهـا لـيـوصـلـوا بـيـن الـفـرات وبـلـصـرة ، وجـدنـا رئـيـس الـهـولـنـديـيـن ، وهـو يـشـرف عـلى تـجـارتـهـم ، وأظهـر لـنـا كـثـيـراً مـن عـلامـات الـلـطـف. وكـان يـتـنـزه عـلى الـنّـهـر في مـركـب أسـدلـت عـلـيه أقـمـشــة الأرجـوان، و ذهـبـنـا مـعـاً إلى بـلـصـرة. وفي كـلّ مـدّة بـقـائـنـا فـيـهـا لـم يـقـبـل أن نـسـكـن إلّاعـنـده.

ولأنّي سـافـرت مـرتـيـن إلى بـلـصـرة، الأولى عـام  1639،  وبـقـيـت  فـيـهـا اثـنـيـن وعـشـريـن يـومـاً، وهـذه الـمـرّة وقـضـيـت فـيـهـا أربـعـة عـشـر يـومـاً، فـأنـا أسـتـطـيـع أن أتـكـلّـم عـن حـال هـذه الـمـديـنـة :

بـلـصـرة مـن جـهـة بـاديـة الـعـرب،عـلى بـعـد فـرسـخـيـن مـن آثـارمـديـنـة  كان اســمـهـا في قـديـم الـزّمان  تـيـردون Térédon  (13) الّـتي كانـت في الـصّحـراء. ومـا زلـنـا نـرى فـيـها قـنـاة مـبـنـيـة بـالـطّـابـوق كـانـت تـأتي بـالـمـاء مـن الـفـرات. وتـشهـد آثـارهـا عـلى أنّـهـا كانـت مـديـنـة كـبـيـرة، ثـمّ اقـتـلع الـعـرب طـابـوقهـا لـيـبـيـعـوه في بـلـصـرة، ووضـع في أسـس الـدّور.

ومـديـنـة بـلـصـرة عـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـفـرات الّـذي يـســمـيـه الـعـرب ، في لـغـتـهـم ، شــطّ الـعـرب Scetel-areb   أي نـهـر بـلاد الـعـرب. ويـجـلـب مـنـه سـكّـان بـلـصـرة الـمـاء بـقـنـاة طـولـهـا نـصـف فـرسـخ في آخـرهـا حـصـن يـحـرسـهـا. ويـبـعـد الـبحـر خـمـسـة عـشـر فـرسـخـاً. والـبـلاد واطـئـة جـدّاً، ولـولا ســدّ يـفـصـلهـا عـنـه ، بُـني بـحـجـارة حـسـنـة الـقـطـع لـغـرقـت مـراراً.

وبـلـصـرة صـارت في أيـدي عـرب الـبـاديـة مـنـذ مـائـة سـنـة تـقـريـبـاً، ولـم يـكـن لـهـا تـجـارة مـع شـعـوب أوربـا.  وهـؤلاء الـنّـاس يـكـفـيـهـم أكـل تـمـرهـم الّـذي لـديـهـم مـنـه كـمـيـات هـائـلـة، ويـعـيـشـون مـنـه. وهـو ما نـجـده أيـضـاً عـلى طـول ضـفـتي الـخـليـج مـن الـجـهـتـيـن:  مـن بـلـصـرة إلى نـهـر الـهـنـدوس ، ســتّـمـائـة فـرســخ. ومـن الـجـهـة الـمـقـابـلـة حـتّى مـسـقـط ، لا يـعـرف الـنّـاس الـبـسـطـاء طـعـم الـخـبـز ولا طـعـم الـرّز، ولا يـعـيـشـون إلّا عـلى الـتّـمـر والـسّـمـك الـمـمـلـح الـمـجـفـف في الـرّيـح.

ولا تـأكـل الأبـقـار الـعـشـب. ورغـم أنّـهـا تـذهـب إلى الـحـقـول، فـهي لا تـجـد بـيـن الـعـلّـيـق مـا تـنـتـفـع مـنـه ، ولـكـنّهـا تـجـد، كـلّ صـبـاح قـبـل أن تـذهـب إلى الـحـقـول، وكـلّ مـسـاء عـنـدمـا تـعـود مـنـهـا، رؤوس أسـمـاك ونـوى تـمـر طـبـخـت مـعـاً طـعـامـاً لـهـا.

وعـنـدمـا حـارب الأتـراك الـعـرب ، أخـذوا بـلـصـرة مـنـهـم. ولـكـن لأنّ الـعـرب كـانـوا يـحـومـون حـولـهـا كـلّ يـوم، ويـنهـبـون مـا يـقـدرون عـلى نـهـبـه، فـقـد هـادنـوهـم واتّـفـقـوا عـلى أن يـحـتـفـظ الـعـرب بـسـيـطـرتـهـم عـلى الـبـوادي وتـبـقى الـمـديـنة وفـرسـخ حـولـهـا بـأيـدي الأتـراك الّـذيـن عـيـنـوا عـلـيـهـا بـاشـا لـيـحـكـمـهـا. ولـم تـدم الـمـعـاهـدة طـويـلاً، فـقـد كـان في وسـط الـمـديـنـة حـصـن اسـمـه حـوش الـبـاشـا Auchel Bacha  ، كـان قـد بـنـاه الأتـراك. وحـامـيـتـه مـن جـنـودهـم . ولـم يـتـحـمّـل الـسّـكـان وهـم مـن الـعـرب هـذا الـتّـسـلّـط ، فـكـانـوا يـتـقـاتـلـون أحـيـانـاً مـع الأتـراك. وجـاء عـرب الـبـوادي لـنـصـرة الـسّـكّـان وحاصـروا الـبـاشـا في حـصـنـه. ثـمّ لأنّـه لـم يـسـتـطـع أن يـعـقـد مـعـهـم عـهـداً، فـقـد جـاء بـاشـا آخـر اسـمـه عـيـود Aiud ، وبـعـد مـنـاوشـات وتـمـردات ضـدّه، قـرر أن يـتـخـلـص مـن كـلّ هـذا الـعـنـاء والـغـم فـبـاع وظـيـفـتـه بـأربـعـيـن ألـف درهـم لـسـيّـد غـني مـن الـبـلـد. وجـنّـد الـسّـيّـد الـجـديـد عـدداً كـبـيـراً مـن الـرّجـال لـضـبـط الـنّـاس. وقـد أسـمى نـفـسـه عـفـرسـيـاس بـاشـا     Efrasias Bacha  (14) ، وهـو جـد حـسـيـن بـاشـا الّـذي كـان يـحـكـمـها عـنـدما مـررت بـهـا. وعـفـرسـيـاس هـذا هـو الّـذي عـتـق نـفـسـه مـن نـيـر الأتـراك وصـار أمـيـراً لـلـبـصـرة. أمّـا الـبـاشـا الّـذي بـاع وظـيـفـتـه فـقـد خـنـقـوه عـنـدمـا عـاد إلى قـسـطـنـطـيـنـيـة. والّـذي اشـتـراهـا، كـمـا ذكـرت، لـم يـعـد يـريـد الإعـتـراف بـسـلـطـة الأتـراك واســتـقـلّ بـالـبـلـد. ولـكـن، مـنـذ أن فـتـح الـسّـلـطان مـراد بـغـدات ، ولـيـحـسّـن عـلاقـتـه بـالـبـاب الـعالي، يـبـعـث أمـيـر بـلـصـرة لـه بـهـدايـا بـيـن الـحـيـن والـحـيـن، وغـالـبـاً مـا تـكـون خـيـلاً، فـهي بـالـغـة الـجـمـال في هـذه الـبـلاد.

وبـعـد أن سـيـطـر الـشّـاه عـبـاس، مـلـك الـفـرس، عـلى هـرمـز بـعـث بـجـيـش مـكـيـن يـقـوده إمـام خـولي خـانIman-couli-Kan  ، حـاكـم شـيـراز، لأخـذ بـلـصـرة. ولـكـن الأمـيـر الّـذي يـحـكـمـهـا أدرك قـلّـة قـدرتـه عـلى مـقـاومـة الـفـرس، وتـعـاهـد مـع عـرب الـبـاديـة عـلى أن يـفـتـحـوا لـه ثـغـرات في الـسّـدّ الّـذي يـحـمي الـمـديـنـة مـن الـبـحـر. وفـتـحـوا لـه الـثّـغـرات فـتـدفـق الـمـاء عـلى الـبـلاد بـقـوة ووصـل إلى الـبـصـرة وحـتّى إلى أربـع فـراسـخ بـعـدهـا، وأحـاط  بـجـيـش الـفـرس، فـتـركـوا حـصـار الـمـديـنـة وخـاصـة بـعـد أن بـلـغـهـم  مـوت الـشّـاه عـبـاس. وتـركـوا أمـامـهـا مـدفـعـاً رأيـتـه في سـفـرتيّ.  وكـان هـذا الـطّـوفـان الـسّـبـب في أنّ عـدداً مـن الـبـسـاتـيـن والأراضي لـم تـعـد تـنـتـج شــيـئـاً أو قـلـيـلاً جـدّاً لـكـثـرة مـلـح الـبـحـر الّـذي ظـلّ يـغـطـيـهـا.

وارتـبـط أمـيـر بـلـصـرة بـروابـط  ودّيـة مـع عـدّة دول أجـنـبـيـة، والـنّـاس يـأتـون إلى هـنـا مـن كـلّ الـبـلاد ويـلاقـون تـرحـيـبـا. والـحـريـات تـحـتـرم هـنـا، والأمـن سـائـد حـتّى أنّ الـمـرء يـمـكـنـه الـسّـيـر في  دروبـهـا لـيـلاً لا يـخـشـى مـن شئ.  والـهـولـنـديـون يـأتـون كـلّ عـام لـيـبـيـعـوا الـتّـوابـل، ويـأتي الإنـكـلـيـز أيـضـاً بـالـبهـار وبـعـض كـبـش الـقـرنـفـل، ولـكـنّـه أوقـف الـتّـجارة مـع الـبـرتـغـالـيـيـن ، وانـسـحـب مـعـهـم الآبـاء الأوغـسـطـيـنـيـون الّـذيـن كـانـوا هـنـا. ويـجـلـب الـهـنـود الـقـمـاش وصـبـغـة الـنّـيـلـة وأنـواع أخـرى مـن الـبـضائـع . وغـالـبـاً مـا نـجـد في هـذه الـمـديـنـة تـجّـاراً مـن قـسـطـنـطـيـنـيـة  وإزمـيـر وحـلـب ودمـشــق والـقـاهـرة وأمـاكـن أخـرى مـن تـركـيـا، يـشـتـرون الـبـضـائـع الآتـيـة مـن الـهـنـد، ويـحـمّـلـونهـا عـلى ظـهـور صـغـار الإبـل الّـتي  يـشـتـرونـهـا هـنـا حـيـث يـجـلـب الـعـرب إبـلـهـم لـيـبـيـعـوهـا. والـمـديـنـة مـركـز مـهـمّ لـبـيـعـهـا وشـرائـهـا.

والّـذيـن يـأتـون إلى بـلـصـرة مـن ديـار بـكـر والـمـوصـل وبـغـدات، ومـن مـيـزبـوتـامـيـا وبـلاد آشــور يـصـعـدون مـع بـضـائـعـهـم عـلى دجـلـة بـجـهـد شــديـد وبـتـكالـيـف بـاهـظـة، فـهـم لا يـجـدون لـسـحـب مـراكـبهـم إلّا رجـالاً لا يـقـدرون عـلى سـحـبـهـا أكـثـر مـن مـسـافـة فـرسـخـيـن ونـصـف في الـيـوم ، وهـم فـوق ذلـك لا يـقـدرون عـلـيـه إذا كـانـت الـرّيـح مـعـاكـسـة.  وهـكـذا يـقـضـون أكـثـر مـن شـهـريـن لـلـصّعـود مـن بـلـصـرة إلى بـغـدات ، ومـنـهـم مـن قـضـوا ثـلاثـة أشـهـر لـلـوصـول إلـيـهـا.

وجـمـارك بـلـصـرة تـتـقـاضى خـمـسـة بـالـمائـة،  ولـكـنـنـا نـلاقي دائـمـاً مـن تـلـطّـف صـاحـب الـجـمـارك أو مـن الأمـيـر مـا يـجـعـلـها لا تـتـجاوز في الـحـقـيـقـة أكـثـر مـن أربـعـة بـالـمـائـة.  وأمـيـر بـلـصـرة هـذا حـاذق في عـمـلـه مـمـا يـســمـح لـه بـأن يـضـع جـانـبـاً كـلّ عـام ثـلاثـة مـلايـيـن لـيـرة. وتـأتـيـه مـوارده الـرّئـيـسـيـة مـن أربـعـة أشـيـاء : مـن الـنّـقـود ومـن الـخـيـل ومـن الإبـل ومـن الـنّـخـيـل. ولـكـنّ الـنّـخـيـل هـي ثـروتـه الأسـاسـيـة.  كـلّ الأراضي، مـن بـدايـة الـتـقـاء الـنّـهـريـن حـتّى الـبـحـر، عـلى مـسـافـة ثـلاثـيـن فـرسـخـاً، تـغـطّـيـها الـنّـخـيـل. ولا يـجـرؤ أحـد عـلى مـسّ تـمـرة واحـدة مـنـهـا قـبـل أن يـشـتـريـهـا. وأربـاحـه مـن الـنّـقـود تـأتـيـه مـن أنّ الـتّـجـار الـغـربـاء  مـجـبـرون عـلى إبـدال ريـالاتـهـم

بـعـمـلـتـه مـمـا يـجـلـب لـه مـا يـقـارب الـثّـمـاني بـالـمـائـة في الـصّـرف.  أمّـا عـن الـخـيـل، فـلا يـوجـد مـكـان في الـعـالـم نـجـد فـيـه خـيـلاً أكـثـر جـمـالاً ولا أشــدّ تـحـمّـلاً لـلـتّـعـب مـن هـذا الـمـكـان. ومـنهـا مـن تـسـتـطـيـع الـسّـيـر حـتّى ثـلاثـيـن سـاعـة مـتـواصـلـة مـن غـيـر أكـل ولا شـرب وخـاصـة الأفـراس.

ولـكـن لـنـعـود إلى نـخـيـلـنـا ، فـمـا يـسـتحـق الـذّكـر هـو أنّ غـرسـهـا يـسـتـدعي خـبـرة بـهـا أكـثـر مـن غـيـرهـا مـن الأشـجـار. فـتـحـفـر حـفـرة في الأرض يـوضـع  فـيـها مـائـة وخـمـسـيـن أو ثـلاثـمـائـة نـواة  بـعـضـهـا  فـوق بـعـض عـلى شـكـل هـرم مـدبـب الأعـلى لـيـس عـلـيـه إلّا نـواة واحـدة، هي الّـتي تـنـبـت مـنـهـا الـنّـخـلـة بـعـد أن تـغـطّى بـالـتّـراب. ويـقـول عـدد مـن أهـل الـبـلـد أنّ في الـنّـخـيـل الـذّكـر والأنـثى، ولـهـذا يـنـبـغي أن تـزرع مـتـقـاربـة وإلّا لـن تـثـمـر الأنـثى. ويـؤكـد آخـرون عـلى أنّ ذلـك لـيـس ضروريـاً فـيـكـفي أن نـأخـذ مـن نـوّار الـذّكـر لـتـوضـع  في الـنّـخـلـة الأنـثى في أعـلى ســعـفـهـا، وإلّا ســقـط الـطّـلـع قـبـل أن يـتـمـر.

وفي بـلـصـرة، كـمـا في تـركـيـا  قـاضٍ يـقـيـم الـعـدل. وهـو تـحـت أوامـر الأمـيـر. وفي بـلـصـرة ثـلاثـة أنـواع مـن الـمـسـيـحـيـيـن : الـيـعـاقـبـة ، والـنّـسـاطـرة ومـسـيـحـيـو حـنّـا الـمـعـمـدان (15).  وفـيـهـا مـقـرّ لـلـكـارمـيـة الـحـفـاة الإيـطـالـيـيـن، وكـان  فـيـهـا مـقـرّ لـلأوغـسـطـيـنـيـيـن الـبـرتـغـالـيـيـن ، كـمـا ذكـرت ســابـقـاً، ولـكـنّـهـم تـركـوها عـنـدما تـركـت أمّـتـهـم الـتّـجـارة مـعـهـا”.

وفي بـدايـة نـيـسـان، غـادر تـافـرنـيـيـه الـبـصـرة وعـبـر الـخـلـيـج إلى بـنـدر عـبّـاس، ومـن هـنـاك سـافـر مـبـاشـرة إلى الـهـنـد. وبـعـد أن انـتـهـت أشـغـالـه في الـهـنـد عـاد إلى بـنـدر عـبّـاس في 11 آذار 1654، ومـنـهـا تـوجّـه إلى كـرمـنـشـاه وأصـفـهـان ثـمّ إلى أرمـيـنـيـا وتـركـيـا الّـتي عـاد مـنـهـا إلى أوربـا.

الـرّحـلـة الـخـامـسـة :

بـدأت رحـلـة تـافـرنـيـيـه الـخـامـسـة في شـبـاط 1657، ووصـل إلى إلى أصـفـهـان عـن طـريـق تـركـيـا وأرمـيـنـا في أواخـر صـيـف ذلـك الـعـام. وقـد أقـام في الـمـديـنـة مـا يـقـارب الـسّـنـة والـنّـصـف، ثـمّ تـركـهـا ذاهـبـاً إلى الـهـنـد. ويـذكـر أنّـه عـاد إلى بـنـدرعـبّـاس في بـدايـة 1661، ثـمّ ذهـب مـن جـديـد إلى أصـفـهـان الّـتي أقـام فـيـهـا حـتّى الـعـام الـتّـالي ، ثـمّ تـوجّـه عـن طـريـق تـبـريـز مـخـتـرقـاً الـكـردسـتـان إلى حـلـب والإسـكـنـدرونـة فـأوربـا.

وقـد تـزوّج تـافـرنـيـيـه في 1663، وكـان في الـثّـامـنـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره بـابـنـة تـاجـر جـواهـر بـروتـسـتـانـتي مـثـلـه.

وعـنـدمـا أصـبـح كـولـبـيـر مـسـتـشـاراً ووزيـر بـحـريـة لـمـلـك فـرنـسـا، لـويـس الـرّابـع عـشـر أثـار مـن جـديـد رغـبـة فـرنـسـا في تـنـمـيـة هـيـمـنـتـهـا الـتّـجـاريـة في الـشّـرق. وأنـشـأ كـولـبـيـر وظـائـف قـنـصـلـيـة في مـدن الـشّـرق، وأسـس شـركـة بـلاد الـهـنـد الـشّـرقـيـة La Compagnie des Indes Orientales في 1664، ثـمّ شـركـة الـمـشـرق  La Compagnie du Levantفي 1670.

الـرّحـلـة الـسّـادسـة :

وشـرع تـافـرنـيـيـه في رحـلـتـه الأخـيـرة إلى الـشّـرق في 27 تـشـريـن الـثّـاني 1663، أي بـعـد حـوالي شـهـر ونـصـف مـن مـغـادرة الـفـرنـسي تـيـفـونـو بـاريـس في رحـلـتـه الـثّـانـيـة نـحـو الـشّـرق. وقـد وصـل في 1665 إلى أصـفـهـان الّـتي غـادرهـا مـتّـجـهـاً إلى الـهـنـد وعـاد مـنـهـا في 1666 إلى بـنـدر عـبّـاس، ووصـل إلى بـاريـس في نـهـايـة عـام 1668. وكـانـت تـلـك آخـر اتـصـالاتـه بـالـشّـرق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الـعـراق في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر كـمـا رآه الـفـرنـسي تـافـرنـيـيـه، تـرجـمـة وتـحـقـيـق كـوركـيـس عـواد و بـشـيـر فـرنـسـيـس. بـغـداد، دار الـمـعـارف 1944. وهـمـا يـكـتـبـان اسـمه جـان بـابـتـسـت رغـم أنّ حـرف الـ P  في اسـم Baptiste  لا يـلـفـظ في الـلـغـة الـفـرنـسـيـة، فـيـقـال بـاتـسـت ولـيـس بـابـتـســت.(2)  حـمـام الـعـلـيـل . (3)   Thévenot يـذكـر أنّ اسـمـه  كـوشـاف Kochaf ، بـيـنـمـا يـذكـر Kinneir  أن اسـمـه سـهـاف Sehaff . (4) وهـو الـزّاب الـصّـغـيـر. (5)  تـكـريـت، الـتي يـقـول عـنـهـاThévenot : “عـلـمـت أنّـهـا كـانـت مـديـنـة مـهـمـة في الـمـاضي، ولـكـن لـيـس فـيـهـا الآن إلّا خـرائـب، ولا تـعـادل قـريـة كـبـيـرة”. (6) الإمـام  مـحـمّـد الـدّور ، وهـو يـتـكـلّـم عـن مـديـنـة الـدّور. (7)   لا بـد أنّـه يـتـكـلّـم عـن نـهـر الـعـظـيـم. (8)   لا يـذكـر الـمـؤرخـون الأتـراك هـذا الاسـم ولا الـقـصـة الـتّي سـيـحـكـيـهـا  تـافـرنـيـيـه، بـل يـذكـرون أنّ حـاكـم بـغـداد كـان في وقـت الـحـصـار بـخـتـاش خـان. (9)   لـنـفـهـم  دهـشـة تـفـارنـيـيـه مـن كـثـرة الـمـاء الّـذي يُـغـتـسـل بـه  عـلـيـنـا أن نـتـذكّـر أنّ فـرنـسـيّ زمـنـه كـانـوا لا يـغـتـسـلـون ، فـقـد كـانـوا يـعـتـبـرون الـمـاء مـضـرّاً لـلـبـشـرة. ولـم يـكـن في قـصـور لـويـس الـرّابـع عـشـر، مـلـك فـرنـسـا أنـذاك حـمـامـات. وكـانـوا يـكـتـفـون بـرشّ الـعـطـور عـلى أجـسـادهـم.  (10)  يـقـول ابـن بـطـوطـة في رحـلـتـه :  “ويـخـرجـن مـلـتـحـفـات مـتـبـرقـعـات فـلا يـظهـر مـنـهـنّ شـئ”.  (11)  وهي في الـحـقـيـقـة آثـار طـيـسـفـون، وتـعـود آثـارهـا الـظـاهـرة لـلـعـيـان لـزمـن الـسّـاسـانـيـيـن. (12)   لـم يـذكـر تـافـرنـيـيـه الـمـدن بـالـتّـرتـيـب، و بـعـضـهـا لـيـسـت عـلى الـمـجـرى الـرّئـيـسـي لـدجـلـة. (13)    وكـانـت مـديـنـة هـيـلـنـسـكـيـة ، فـقـدت أهـمـيـتـهـا قـبـل الـفـتـح الإســلامي وخـربـت. وكـانـت تـسـمى ” الـخـرابـة”. (14)  لـم أجـد اسـم هـذا الـبـاشـا بـالـلـغـة الـعـربـيـة ، وهـو ولا شـك مـخـتـلـف عـن تـشــويـه تـافـرنـيـيـه لـه. (15)  و يـقـصـد بـهـم  الـصّـابـئـة الـمـنـدائـيـيـن.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

صـور عـن الـعـراق في دعـايـة لـشـركـة فـرنـسـيـة عـام 1936

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

pupier irak 1

أنـشـئـت شـركـة بـوبـيـه لـلـشـوكـولاتـة  La chocolatterie Pupier  في مـديـنـة سـانـت إتـيـيَـن، في فـرنـسـا في حـوالي عـام  1860. وكـانـت الـشّـركـة تـصـنـع مـسـتـطـيـلات تـحـتـوي عـلى عـدد مـن مـربـعـات الـشّـوكـولاتـة مـغـلـفـة بـأوراق مـفـضـضـة أومـذهـبـة ثـمّ بـغـلاف خـارجي مـلـوّن.

وفي بـدايـة ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي أطـلـقـت الـشّـركـة نـوعـاً طـريـفـاً مـن الـدّعـايـة لـمـنـتـجـاتـهـا : وهي أن تـضـع صـورة لـرسـم بـالألـوان في كـلّ مـسـتـطـيـل مـغـلّـف . ويـسـتـطـيـع الـطّـفـل أو الـنّـاشئ (أو أمّـه وأبـوه) أن يـلـصـق الـصّـورة في ألـبـوم يـمـكـن الـحـصـول عـلـيـه مـن الـشّـركـة. وكـان مـوضـوع الألـبـومـات بـلـدان الـعـالـم قـارة بـقـارة. وإذا مـا وجـد الأطّـفـال نـفـس الـصّـورة مـكـررة في عـدّة مـغـلـفـات فـقـد كـانـوا يـسـتـطـيـعـون أبـدالـهـا بـصـور أخـرى بـيـنـهـم في الـحي أو في سـاحـة الـمـدرسـة، مـمـا نـتـج عـنـه ازديـاد الـمـبـيـعـات ازديـاداً شـديـداً.

وقـد أصـدرت الـشّـركـة الألـبـوم الـمـخـصـص لـقـارة آسـيـا في 1935، ووضـعـت صـور الـصّـفـحـة رقـم 15 الـمـكـرّسـة لـلـعـراق في الـمـغـلـفـات عـام 1936. وتـحـتـوي الـصـفـحـة عـلى تـسـع صـور تـحـت كـلّ واحـدة مـنـهـا شـرح مـوجـز، وتـقـرأ مـن الـيـسـار إلى الـيـمـيـن ومـن الأعـلى نـحـو الأسـفـل.

Iraq

الـصّـورة الأولى، رسـم لـلـعـلـم الـعـراقي كـتـب تـحـتـه (بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة) : “الألـوان الـرّسـمـيـة لـلـعـراق هي الأسـود والأبـيـض والأخـضـر والأحـمـر. ووضـعـت الألـوان الـثّـلاثـة الأولى في مـسـتـطـيـلات مـتـوازيـة أعـلاهـا الأسـود، أمّـا الأحـمـر فـيـشـكـل مـثـلـثـاً جـانـبـه الـعـريـض مـن جـهـة سـاريـة الـعـلـم”.

pupier irak vi 2

الـصّـورة الـثّـانـيـة، خـارطـة الـعـراق وكـتـب تـحـتـهـا : ” الـعـراق أو بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  La Mésopotamie   لـيـس لـه الآن حـدود ثـابـتـة، وهـو يـصـل في الـشّـمـال إلى أرمـيـنـيـا (!) ويـلاصـق سـوريـا في الـغـرب والـجـزيـرة الـعـربـيـة في جـنـوب الـغـرب وفي الـجـنـوب وبـلاد فـارس في الـشّـرق. وتـنـحـدر أراضـيـه في جـنـوب الـشّـرق حـتّى الـخـلـيـج الـفـارسي”.

767_001

الـصّـورة الـثّـالـثـة، رسـم لـمـلـكَي الـعـراق كـتـب تـحـتـه : “إعـتـلى مـلـك الـعـراق الـحـالي، جـلالـة الـمـلـك غـازي الأوّل الـعـرش في بـدايـة 1934،  بـعـد وفـاة أبـيـه فـيـصـل الأوّل، أوّل مـلـوك الـعـراق. ولايـتـجـاوز الـمـلـك غـازي الـحـاديـة والـعـشـريـن مـن عـمـره”.

455_001

الـصّـورة الـرّابـعـة، رسـم لـنـهـر الـفـرات وكـتـب تـحـتـه : “نـهـرا الـعـراق الـعـظـيـمـان هـمـا دجـلـة والـفـرات. ويـقـتـرب مـجـراهـمـا الـواحـد مـن الآخـر شـمـال بـغـداد، ثـمّ يـتـبـاعـدان لـيـجـتـمـعـا أخـيـراً ويـشـكّـلا نـهـراً واحـداً : شـطّ الـعـرب الّـذي يـصـبّ في الـخـلـيـج”.

pupier irak vi 5

الـصّـورة الـخـامـسـة، رسـم لـتـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل الأوّل كـتـب تـحـتـه : “أصـبـح الـعـراق دولـة مـسـتـقـلّـة في مـعـاهـدة سـيـفـر   Sèvre في 10 آب 1920 ، ووضـع تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني. ويـنـتـصـب تـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وسـط إحـدى سـاحـات بـغـداد”.

وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ الـتّـمـثـال مـن عـمـل الـنّـحّـات الإيـطـالي بـيـتـرو كـانـونـيـكـا Pietro Canonica. وقـد اسـتـغـرق إنـجـازه عـامـاً ونـصـف، ونـصـب في الـصّـالـحـيـة، في جـانـب الـكـرخ في 1933. وقـد ظـلّ هـذا الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً في وسـط بـغـداد قـرب تـمـثـال الـجـنـرال مـود حـتّى أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة في 14 تـمّـوز 1958 وحـطّـمـتـه. وأعـادت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 1987 طـلـبـهـا لـنـحـت الـتّـمـثـال مـن جـديـد مـن تـصـمـيـمـه الأوّلي الّـذي بـقي في مـحـتـرف الـفـنّـان في رومـا، ونـصـبـتـه في مـكـانـه الـسّـابـق في الـصـالـحـيـة. كـمـا أنـجـز بـيـتـرو كـانـونـيـكـا في نـفـس الـعـام، 1933، تـمـثـالاً مـن الـبـرونـز لـعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون نـصـب في سـاحـة الـنّـصـر. وصـدرت إرادة مـلـكـيـة في عـام 1933 بـمـنـح بـيـتـرو كـانـونـيـكـا وسـام الـرّافـديـن مـن الـدّرجـة الـثّـالـثـة.

pupier irak vi 6

الـصّـورة الـسّـادسـة، رسـم لـضـريـح الـشّـيـخ عـمـر كـتـب تـحـتـه :”يـقـع قـبـر الـشّـيـخ عـمـر قـرب بـغـداد، ويـزوره مـسـلـمـو الـعـراق. [في الـنّـص: يـحـج إلـيـه]. والـدّيـن الـغـالـب في الـعـراق هـو الإسـلام”.

بغداد 12

الـصّـورة الـسّـابـعـة، رسـم لـجـيـش الـعـراق كـتـب تـحـتـه : “يـعـود الـفـضـل في تـأسـيـس الـجـيـش الـعـراقي إلى الـمـلـك فـيـصـل الأوّل. وهـو يـضـمّ في أيّـامـنـا هـذه حـوالي 12000 جـنـدي. وقـد أصـبـحـت الـخـدمـة الـعـسـكـريـة إجـبـاريـة مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة. ويـرتـدي الـجـنـود الـعـراقـيـون الـقـبـعـة الإسـتـعـمـاريـة الـبـريـطـانـيـة (أي الّـتي يـرتـديـدهـا الـجـنـود في الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـانـيـة)، كـمـا يـرتـدون الـسّـراويـل الـقـصـيـرة”.

pupier irak vi 8

الـصّـورة الـثّـامـنـة، رسـم لاسـتـخـراج الـنّـفـط كـتـب تـحـتـه : “الـنّـفـط ثـروة الـعـراق الـرّئـيـسـيـة. وتـشـتـغـل شـركـة  Iraqi Petrolum Company  الآن عـلى إنـشـاء أنـابـيـب  Pipe- line  بـيـن الـمـوصـل وطـرابـلـس الـشّـرق سـتـوصـل الـنّـفـط الـعـراقي إلى سـواحـل لـبـنـان”.

pupier irak vi 9

الـصّـورة الـتّـاسـعـة، رسـم لـمـطـار بـغـداد كـتـب تـحـتـه : “تـأتي أهـمـيـة مـطـار بـغـداد مـن أنّ طـائـرات الـمـواصـلات الـجـويـة بـيـن بـاريـس وسـايـغـون تـحـطّ فـيـه. وتـوصـل طـائـرات الـخـطـوط الـجـويـة الـفـرنـسـيـة الـمـسـافـريـن مـن بـغـداد إلى دمـشـق بـأقـل مـن أربـع سـاعـات”.

ورغـم بـسـاطـة الـشّـروح وقـلّـة دقّـتـهـا في بـعـض الأحـيـان، فـقـد كـانـت تـقـدّم لـصـغـار الـفـرنـسـيـيـن في ذلـك الـزّمـن مـعـلـومـات لا يـنـبـغي الـتّـقـلـيـل مـن أهـمـيـتـهـا خـاصـة وأنّ الـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن سـكـان الـعـالـم الآن لـيـس لـهـم أيّـة مـعـرفـة بـتـاريـخ الـعـراق ولا حـتّى بـجـغـرافـيـتـه.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

جـان أوتّـيـر في الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري  Jonas Otter رحـلـة جـان أوتـيـر إلى الـشّـرق وإقـامـتـه في الـعـراق : صـدر في بـاريـس عـام 2010 كـتـاب لـم يـنـتـبـه إلـيـه أحـد، ولـم أقـرأ عـنـه شـيـئـاً في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة رغـم أهـمـيـتـه الـبـالـغـة. والـكـتـاب يـومـيـات كـتـبـهـا جـان أوتـيـر خـلال رحـلـتـه إلى ” تـركـيـا وبـلاد فـارس ــ مـن إسـطـنـبـول إلى أصـفـهـان، ومـن أصـفـهـان إلى الـبـصـرة، ومـن الـبـصـرة إلى إسـطـنـبـول، والـعـودة إلى فـرنـسـا”  بـيـن 1734 و 1744: Jean OTTER, Journal de voyages en Turquie et en Perse 1734- 1744 (de Constantinople à Ispahan, d’Ispahan à Bassora, de Bassora à  Constantinople et retour en France). Paris, l’Harmattan, 2010. وقـد اسـتـعـمـل جـان أوتـيـرهـذه الـيـومـيـات في كـتـابـة وصـف رحـلـتـه إلى تـركـيـا وبـلاد فـارس، بـعـد أن أضـاف إلـيـهـا مـلاحـظات وتـأمّـلات واسـتـشـهـادات مـن مـصـادر قـديـمـة، ونـشـرهـا بـالـفـرنـسـيـة عـام 1748: Jean OTTER, Voyage en Turquie et en Perse , avec une relation des expéditions de Tahmas Kouli- Khan, 2 volumes. Paris, Les Frères Guerin 1748. Journal de J. Otterويـومـيـات الـرّحـلـة هـذه تـنـشـر لأوّل مـرة بـعـد مـرور أكـثـر مـن قـرنـيـن ونـصـف عـلى كـتـابـتـهـا. وقـد مـرّ أوتـيـر بـالـعـراق في طـريـقـه إلى أصـفـهـان، ثـمّ بـعـد عـودتـه مـنـهـا وأقـام في الـبـصـرة حـوالي أربـع سـنـوات وعـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا فـيـهـا في 1742. ومـا كـتـبـه جـان أوتـيـرعـن الـعـراق شـديـد الأهـمـيـة فـهـوقـد شـهـد الـصّراع بـيـن الـسّـلـطان الـعـثـمـاني مـحـمـود وبـيـن نـادرشـاه وشـهـد عـن كـثـب كـيـف اسـتـغـلّ أحـمـد بـاشـا والي بـغـداد الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة لـيـقـوي سـلـطـتـه ويـمـدهـا إلى الـبـصـرة لـيـسـتـولي عـلى ولايـتـهـا، وعـلاقـتـه بـشـيـوخ الـمـنـتـفـك وخـاصـة سـعـدون بـن مـحـمّـد. رحـلـة جـان أوتـيـر إلى الـشّـرق : ولـنـتـكـلّـم أوّلاً عـن جـان أوتـيـر لأنّ الـقـارئ الـعـربي لا يـكـاد يـعـرفـه :ولـد جـونـاس أوتـيـر Jonas Otter   (الّـذي أصـبـح في فـرنـسـا جـان أوتّـيـرJean OTTER ) في الـسّـويـد سـنـة 1707، في عـائـلـة تـمـتـهـن الـتّـجـارة، وبـدأ يـتـعـلـم  مـنـذ صـبـاه عـدّة لـغـات شـمـالـيـة، ثـمّ دخـل جـامـعـة Lund  في 1724، وكـان في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره، ودرس فـيـهـا ثـلاث سـنـوات حـتّى عـام 1727. وبـعـد أن أنـهى دراسـتـه ذهـب إلى اسـتـكـهـولـم، وطـلـب مـقـابـلـة سـفـيـرفـرنـسـا الـمـقـيـم في بـلاط الـسّـويـد، ولـكـنّ الّـذي اسـتـقـبـلـه في الـسّـفـارة كـان الأب غـويـون، الـمـسـؤول عـن شـؤون الإتـصـالات. وأخـبـر أوتـيـر هـذا الأب بـعـزمـه عـلى تـرك ديـنـه الـبـروتـسـتـانـتي واعـتـنـاق الـكـاثـولـيـكـيـة. وكـان تـرك الـبـروتـسـتـانـتـيـة في الـسّـويـد يـعـاقـب عـلـيـه في تـلـك الأيّـام بـالـنّـفي. ولـتـسـهـيـل كـسـب هـذا الـشّـاب إلى الـكـاثـولـيـكـيـة تـكـفّـل بـه الأب غـويـون وبـعـثـه إلى فـرنـسـا، وهـكـذا وصـل أوتـيـر إلى فـرنـسـا بـعـد سـنـوات قـلـيـلـة مـن اعـتـلاء لـويـس الـخـامـس عـشـر الـعـرش، ودرس في حـلـقـة ديـنـيـة في مـديـنـة روان ثـلاث سـنـوات، ولـكـنّـه لـم يـرغـب في أن يـكـرّس كـرجـل ديـن. ونـعـرف مـن سـجـل هـذه الـحـلـقـة الـدّيـنـيـة أنّـه كـان يـعـرف الـلـغـات الألـمـانـيـة والإنـكـلـيـزيـة والإيـطـالـيـة والـفـرنـسـيـة والـلاتـيـنـيـة والـيـونـانـيـة الـقـديـمـة. ثـمّ ذهـب إلى بـاريـس. وسـاعـدتـه مـعـرفـتـه لـعـدّة لـغـات أوربـيـة بـأن يـوظّـف في مـكـتـب بـريـد بـاريـس.  وقـرر الـكـونـت دو مـوربـاس، وزيـر مـلـك فـرنـسـا أن يـبـعـثـه إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة، عـاصـمـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة “لـيـعـمـق مـعـرفـتـه بـالـلـغـات الـشّـرقـيـة”، ولـكـن الـهـدف الـحـقـيـقي كـان إعـادة الـعـلاقـات الـتّـجـارية بـيـن فـرنـسـا وبـلاد الـفـرس الّـتي اسـتـولى عـلى الـعـرش فـيـهـا نـادرشـاه. وصـدرالأمـرالـمـلـكي بـإرسـال الـبـعـثـة في كـانـون الـثّـاني1734. وتـرك أوتـيـر مـيـنـاء مـرسـيـلـيـا عـلى مـتـن سـفـيـنـة. وبـعـد أن نـجـا مـن عـاصـفـة رهـيـبـة وصـل إلى الـقـسـطـنـطـيـنـة في بـدايـة شـهـر آذار.  وبـدأ بـعـد وصـولـه بـقـلـيـل بـدراسـة الـتّـركـيـة والـعـربـيـة والأرمـنـيـة، كـمـا بـدأ يـعـمـق مـعـرفـتـه بـتـاريـخ الـشّـرق . وقـد مـنـعـتـه الـحـرب بـيـن الـفـرس والأتـراك مـن مـتـابـعـة مـهـمـتـه أي الـذّهـاب إلى بـلاد فـارس فـانـتـظـر إلى أن تـوصّـل أحـمـد بـاشـا، والي بـغـداد ، إلى أن يـصلـح بـيـن الـدّولـتـيـن، ثـمّ إلى أن يـصل سـفـيـر شـاه الـفـرس لـيـأتي إلى الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـحـمـود الأوّل بـتـوقـيـع سـيّـده عـلى مـعـاهـدة الـسّـلـم بـيـنـهـمـا. وعـنـدمـا تـرك هـذا الـسّـفـيـر تـركـيـا عـائـداً إلى أصـفـهـان في تـشـريـن الـثّـاني 1736 طـلـب مـنـه سـفـيـر فـرنـسـا أن يـصـاحـبـه أوتـيـر في رحـلـتـه. وكـان الـهـدف مـن ذلـك إعـادة الـعـلاقـات الـدّبـلـومـاسـيـة والـتّـجـاريـة الّـتي انـقـطـعـت بـيـن فـرنـسـا وبـلاد الـفـرس مـنـذ 1702، كـمـا وصـل إلى أوتـيـر مـن بـاريـس طـلـب بـشـراء كـلّ الـمـخـطـوطـات الّـتي يـمـكـنـه الـعـثـور عـلـيـهـا في سـفـرتـه لإغـنـاء الـمـكـتـبـة الـمـلـكـيـة ، وبـجـمـع كـلّ مـا يـمـكـنـه مـن مـعـلـومـات عـن طـرق الـتّـجـارة في الـمـنـطـقـة وعـن مـا يـسـتـورد ويـصـدّر. وهـكـذا بـدأ أوتـيـر يـتـعـلّـم الـفـارسـيـة إلى جـانـب جـهـوده بـتـحـسـيـن مـعـرفـتـه بـالـعـربـيـة والـتّـركـيـة. وقـد غـادرت قـافـلـة الـسّـفـيـر الـفـارسي الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في تـشـريـن الـثّـاني 1736، ووصـلـت  في تـمّـوز 1737 إلى أصـفـهـان الّـتي بـقي فـيـهـا أوتـيـر عـشـريـن شـهـراً، ثـمّ تـركـهـا في نـيـسـان 1739 مـتـوجـهـاً إلى الـبـصـرة الّـتي كـانـت الـتّـجـارة قـد ازدهـرت فـيـهـا بـعـد انـحـطـاط تـجـارة الـفـرس بـسـبـب الـحـروب. وكـان والي بـغـداد أحـمـد بـاشـا قـد مـدّ سـيـطـرتـه عـلـيـهـا بـعـد أن تـوسـعـت سـلـطـتـه وضعـفـت تـبـعـيـتـه لـلإدارة الـعـثـمـانـيـة. ومـن الـبـصـرة صـعـد أوتـيـر إلى بـغـداد وتـقـرّب مـن الـبـاشـا ثـمّ تـفـاوض مـعـه بـاسـم سـفـيـر فـرنـسـا في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة لـلـحـصـول عـلى امـتـيـازات لـلـتّـجـارة الـفـرنـسـيـة في أراضي الـبـاشـا ومـوانـئـه ، ثـمّ نـزل عـلى مـيـاه دجـلـة إلى الـبـصـرة الّـتي وصـلـهـا في 19 حـزيـران 1739. وبـقي أوتـيـر في الـبـصـرة حـوالي أربـع سـنـوات، أولاً بـدون لـقـب رسـمي ثـمّ كـقـنـصـل لـفـرنـسـا ووكـيـل لـشـركـة بـلاد الـهـنـد ، وكـانـت هـذه بـدايـة اهـتـمـام الـفـرنـسـيـيـن بـالـبـصـرة الّـتي ازدهـرت تـجـارتـهـا عـلى حـسـاب مـيـنـاء بـنـدر عـبّـاس الّـذي فـقـد كـثـيـراً مـن أهـمـيـتـه. وفي 1741 ثـارت أغـلـب عـشـائـر الـعـرب حـول الـمـديـنـة وحـلّـت الإضـطـرابـات وحـوصـرت الـمـديـنـة مـدّة شـهـريـن ثـمّ نـهـبـت مـتـاجـرهـا. ويـذكـر أوتـيـر أنّـه لـم يـتـوقـف حـتّى في تـلـك الـفـتـرة الـعـصـيـبـة عـن مـتـابـعـة دروس الـلـغـة الـعـربـيـة مـع مـعـلـمَـيـن كـان قـد أجّـرهـمـا لـذلـك. وفي 6 أيّـار 1743 تـلـقى أوتـيـر أمـراً بـالـعـودة إلى فـرنـسـا، وتـرك الـمـديـنـة بـعـد ثـلاثـة أيّـام مـتّـجـهـاً إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة الّـتي وصلـهـا في نـهـايـة شـهـرآب، ثـمّ وصـل إلى مـرسـيـلـيـا في الـحـادي عـشـر مـن كـانـون الـثّـاني 1744. وبـعـد وصـولـه إلى بـاريـس أمـرالـمـلـك بـأن يـجـرى لـه مـرتـب سـنـوي، كـمـا وظّـفـه الـكـونـت دو مـوريـبـاس في مـكـتـبـة الـمـلـك كـمـتـرجـم مـن الـلـغـات الـشّـرقـيـة. وهـذه الـمـكـتـبـة، الّـتي أصبـحـت في مـا بـعـد نـواة الـمـكـتـبـة الـوطنـيـة الـفـرنـسـيـة تـحـتـوي عـلى مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الـمـخـطـوطـات الـعـربـيـة والـفـارسـيـة والـتّـركـيـة. وعـيّـن أوتـيـر في شـهـر شـبـاط مـن عـام 1746 أسـتـاذاً مـلـكـيـاً Professeur Royale   لــلـغـة الـعـربـيـة. وفي 1748، إنـتـخـب عـضـواً في أكـاديـمـيـة  “الـخـطـوط والآداب الـجـمـيـلـة “. وتـوفي أوتـيـر في أيـلـول 1748 وكـان في الـحـاديـة والأربـعـيـن مـن عـمـره. روايـة جـان أوتـيـر لـتـمـرد سـعـدون ، شـيـخ الـمـنـتـفـك : يـتـكـلّـم الـسّـويـدي جـان أوتـيـر، “مـبـعـوث ” مـلـك فـرنـسـا، لـويـس الـرّابـع عـشـر إلى الـشّـرق، عـن الأحـداث الّـتي جـرت في فـتـرة إقـامـتـه في الـبـصـرة، أولاً بـدون لـقـب رسـمي، ثـمّ كـقـنـصـل لـفـرنـسـا ووكـيـل لـشـركـة بـلاد الـهـنـد. وهـو يـحـكي في الـجـزء الـثّـاني مـن كـتـابـه “رحـلـة إلى تـركـيـا وبـلاد الـفـرس” الّـذي نـشـر بـجـزأيـن في بـاريـس عـام  1748، تـمـرد شـيـخ الـمـنـتـفـك (الـمـنـتـفـق) سـعـدون بـن مـحـمّـد عـلى الـسّـلـطـة الـعـثـمـانـيـة ، ويـكـرس لـذلـك  الـفـصـل الـخـامـس عـشـر (مـن ص. 134 إلى ص. 140) والـفـصـل الـسّـابـع عـشـر (مـن ص. 143 إلى ص. 151)، ثـمّ يـعـود إلى هـذا الـمـوضـوع في الـفـصـل الـعـشـريـن (مـن ص. 156 إلى ص. 159) : الـفـصـل الـخـامـس عـشـر : “وفي بـدايـة سـنـة 1741 ثـارت عـشـائـر الـمـنـتـفـك الـعـربـيـة مـع بـعـض عـشـائـر الـمـنـاطـق الـتّـابـعـة لـحـكـومـة الـبـصـرة ضـد أحـمـد بـاشـا. وظـلّـت الـمـديـنـة مـدّة شـهـريـن تـعـيـش في ذعـر وقـلـق. وكـان الـمـتـمـردون يـهـددون بـالـنّـهـب والـسّـلـب، ولـكـانـوا قــد نـجـحـوا في ذلـك لـو هـاجـمـوهـا في بـدايـة تـمـردهـم، فـقـد كـانـت في ذلـك الـوقـت بـدون تـمـويـن وبـدون ذخـيـرة. ولـكـنّ يـحـيى أغـا الّـذي خـلـف يـوسـف أغـا في وظـيـفـة “الـمـسـلّـم” [ بـالـلام الـمـشـددة الـمـكـسـورة مـن فـعـل سـلّـم يُـسـلّـم، أي جـابي الـضّـرائـب ] بـذل جـهـده لـوضـع الـبـصـرة في حـالـة دفـاع، بـانـتـظـار أن يـأتـيـه الـعـون مـن أحـمـد بـاشـا. وكـان أحـمـد بـاشـا يـحـارب أكـراد بـيـلـبـاز عـنـدمـا وصـلـه خـبـر تـمـرّد هـؤلاء الـعـرب، فـرجـع حـالاً إلى بـغـداد وأخـذ اسـتـعـداداتـه، ثـمّ عـبـر الـبـاديـة ووصـل إلى الـبـصـرة في الـخـامـس مـن نـيـسـان 1741 عـلى رأس جـيـش يـضـمّ أربـعـيـن ألـف مـقـاتـل وأربـعـة عـشـر مـدفـعـاً ومـدفـع هـاون. وبـعـد أن أراح جـنـده، سـار في الـعـاشـر مـن نـيـسـان ضـدّ الـمـتـمـرديـن الّـذيـن حـصـنـوا مـخـيـمـاتـهـم في نـهـرعـنـتـيـري Nehranteri عـلى مـسـيـرة 16 سـاعـة مـن طـريـق الـبـصـرة. وكـان مـصـيـر الـبـصـرة مـتـعـلـقـاً بـكـسـبـه لـلـمـعـركـة. وإن خـسـر الـبـاشـا الـمـعـركـة فـالـبـصـرة حـسـب مـا يـبـدو سـتـنـهـب وتـخـرّب. ولـكـن لـم تـجـر بـيـنـهـم إلّا مـنـاوشـات بـسـيـطـة فـرض الـبـاشـا بـعـدهـا الـصّـلـح وعـاد إلى بـغـداد أمـام دهـشـة الـجـمـيـع. ولـم يـطـمـئـن أهـل الـبـصـرة لـهـذا الـصّـلـح لاعـتـقـادهـم أنّ الـفـرس هـم الـذيـن هـيّـجـوا الإضـطـرابـات وأنّـهـم يـسـعـون لـذلـك. ومـع انّـه ربّـمـا سـاعـد الـفـرس تـمـرّد الـمـنـتـفـك لـتـخـريـب الـبـصـرة الّـتي حـوّلـت عـن مـوانـئـهـم تـجـارة الـخـلـيـج حـتّى جـاءت كـلّـهـا إلـيـهـا ، إلّا أنّ عـرب الـمـنـتـفـك مـع ذلـك كـان لـهـم دوافـع أخـرى مـنـهـا أن يـخـلـعـوا عـن أعـنـاقـهـم نـيـرالـتّـبـعـيـة. وحـتّى تـلـك الـفـتـرة ، لـم يـسـتـطـع أحـمـد بـاشـا إخـضـاع الـعـرب إلّا بـبـث الـشّـقـاق بـيـنـهـم ، وهـكـذا اسـتـطاع نـصـب شـيـوخـهـم وخـلـعـهـم . والـمـنـتـفـك وبـنـو لام، وهـم الـعـشـائـر الـرّئـيـسـيـة في هـذه الـمـنـطـقـة ، سـبـبـوا مـتـاعـب لـلـبـاشـوات الّـذيـن سـبـقـوه. ولـهـذا بـذل مـا في وسـعـه لـيـسـيـطـر عـلـيـهـم مـمـا دفـعـه في الـغـالـب لاسـتـفـزاز شـيـوخ بـني لام. وقـد هـاجـم أيـضـاً سـعـدون الّـذي كـان يـرأس الـمـنـتـفـك ، وقـد خـلـعـه وجـاء بـه إلى بـغـداد و رمـاه في الـسّـجـن حـيـنـاً مـن الـزّمـن، ونـصـب مـانـع  خـيـر Minaïkher ، قـريـب سـعـدون في مـكـانـه، ولـكـنـه لـم يـبـق زمـنـاً طـويـلاً، لأنّـه لـم يـسـتـطـع جـمـع الـمـبـلـغ الّـذي طـلـبـه مـنـه الـبـاشـا فـخـلـعـه في نـفـس الـسّـنـة، وأعـاد الـمـشـيـخـة لـسـعـدون. ومـا أن ذاع في الـبـصـرة خـبـرعـودة سـعـدون لـمـشـيـخـة عـشـيـرتـه حـتّى أدرك الـجـمـيـع أنّـه سـيـثـأر مـن مـعـامـلـة الـبـاشـا الـسّـيـئـة لـه، وأنّـه لـن يـخـضـع لـه طـويـلاً. ومـا حـدث بـعـد ذلـك دلّ عـلى أنّـهـم لـم يـجـانـبـوا الـصّـواب، فـمـا أن أطـلـق سـراحـه وعـاد إلى رئـاسـة عـشـيـرتـه حـتّى امـتـنـع مـن دفـع مـا كـان قـد فـرض عـلـيـه أن يـدفـعـه. وأُرسـل الـتـفـنـكـجي بـاشي  Tufenkdgi Bachi (1)  إلى سـعـدون لـقـضـيـة مـا، وطـلـب مـنـه مـبـلـغـاً بـاهـظـاً ثـمـنـاً لـخـدمـتـه Khidmet ، ولـكـنّ سـعـدون رفـض أن يـدفـع وقـال لـه إنّ الـبـاشـا لـم يـتـرك لـه ولـعـشـيـرتـه إلّا نـسـاءهـم . ولا أدري أن كـان صـحـيـحـاً، كـمـا يـؤكـده الـبـعـض، أنّ الـتّـفـنـكـجي بـاشي أهـانـه بـإجـابـتـه إيـاه : إن لـم يـبـق لـك شـئ آخـر فـاعـطني نـسـاءك ! وأنّ سـعـدون أمـره أن يـخـرج مـن خـيـمـتـه وطـرده مـن مـضارب الـعـشـيـرة، ولـكـنّ الـشّـئ الأكـيـد هـو أنّ هـذا الـبـاشي أنـقـذ نـفـسـه هـاربـاً إلى الـقـرنـة وكـان أوّل مـن أذاع خـبـر تـمـرد الـمـنـتـفـك. وهـومـا أكّـده بـعـد ذلـك آخـرون وصـلـوا في نـفـس الـيـوم إلى الـبـصـرة. واعـتـقـد الـنّـاس عـنـدمـا رأوا مـسـيـرة الـبـاشـا عـلى رأس قـواتـه إلى الـمـنـتـفـك أنّـه ذهـب لـيـعـاقـب الـمـتـمـرديـن، ولـكـن عـنـدمـا عـقـد الـصّـلـح مـعـهـم سـرت الإشـاعـات بـأنّـه عـنـدمـا وجـدهـم مـتـحـصـنـيـن في وسـط الـمـاء خـاف مـن أن يـهـزمـوه، وأنّ غـيـابـاً طويـلاً عـن بـغـداد يـمـكـن أن تـكـون لـه عـواقـب لا تـحـمـد، ولـهـذا لـم يـسـتـطـع أن يـحـاصـرهـم مـا يـكـفي مـن الـوقـت لـيـمـيـتـهـم مـن الـجـوع. ولـم يـكـن لـهـذه الإشـاعـات مـن أصـل، مـا دام الـجـمـيـع يـعـرفـون أنّ الـمـتـمـرديـن لـم يـعـد لـهـم مـؤونـة ولا قـوت، وأنّ قـوات الـبـاشـا هـاجـمـتـهـم بـعـنـف كـان حـتـمـاً سـيـؤدي إلى الـسّـيـطـرة عـلى مـضـاربـهـم لـولا أنّ الـبـاشـا أرسـل لـهـم أمـراً بـأن يـوقـفـوا الـهـجـمـات ويـنـسـحـبـوا. والّـذي دفـعـه لـذلـك رسـالـة اسـتـلـمـهـا مـن صـديـق لـه في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة يـخـبـره فـيـهـا أنّ الـسّـلـطـان قـررأن يـعـيـنـه سـرعـسـكـر Seraskier   الـجـيـش ضـدّ الـفـرس، لـيـسـحـبـه مـن بـغـداد. وكـان هـذا الـمـنـصـب رفـيـعـاً جـدّاً ، ولـكـنّ أحـمـد بـاشـا لـم يـكـن راغـبـاً في أن يـشــغـلـه بـعـيـداً عـن مـكـان إقـامـتـه، خـاصـة وأنّـه كـان مـقـتـنـعـاً بـأنّـه إذا تـرك بـغـداد عـلى رأس جـيـش الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني فـإنّ أعـداءه مـن الـعـثـمـانـيـيـن سـيـسـتـطيـعـون قـتـلـه بـسـهـولـة وهـذا مـا كـانـوا يـبـغـونـه مـنـذ فـتـرة طـويـلـة. ولـهـذا عـاد إلى بـغـداد وأرسـل إلى الـسّـلـطـان يـعـلـمـه بـأنّ الإضـطـرابـات عـمّـت في الـمـنـاطـق الّـتي يـحـكـمـهـا ويـحـذره مـن أنّـه إذا مـا أبـعـدوه عـن بـغـداد فـسـيـخـرج هـذا الـبـلـد عـن طـاعـة الـسّـلـطـان ويـضيـع مـنـه . الـفـصل الـسّـابـع عـشـر والـصّـلـح الّـذي عـقـده أحـمـد بـاشـا مـع سـعـدون أعـطى لـهـذا الـشّـيـخ إقـدامـاً لـم يـكـن لـه مـن قـبـل. فـبـعـد أن انـتـقـل إلى قـريـة اسـمـهـا سـراجي، عـلى مـسـيـرة سـاعـة مـن الـبـصـرة ، إدّعى أنّ لـه الـحـق في امـتـلاك كـلّ مـزارع الـمـنـطـقـة. واضـطـهـد سـكـان الـمـديـنـة وطـلـب مـن الـتّـجـار أن يـدفـعـوا لـه خـاوة وهـدايـا. وقـد كـتـب حـتّى لـلـقـنـصـل الـفـرنـسي يـطـلـب مـنـه أن يـبـعـث لـه قـرضـاً يـبـلـغ ثـمـنـه عـشـرة آلاف إيـكـو [ أي ريـال سـكّي]  مـن الـبـضـائـع. وأدرك الـقـنـصـل أن هـذا يـعـني إضـاعـة الـمـبـلـغ فـرفـض مـخـتـلـقـاً أنـواعـاً مـن الـحـجـج. وكـتـب لـه سـعـدون ثـانـيـةً قـائـلاً إنّـه لا يـرضى بــحـجـجـه الـتّـافـهـة ويـنـبـغي لـه أن يـلـبي طـلـبـه. فـوجـهـتُ أنـا نـفـسي شـكـوى إلى “الـمـسـلِّـم” ، وأجـابـني أنّـه هـو نـفـسـه في نـفـس حـالـتـنـا، فـالـشّـيـخ طـلـب مـنـه مـبـلـغـاً بـاهـظـاً مـن الـمـال كـهـديـة يـنـبـغي إرسـالـهـا. ومـع ذلـك فـقـد لـجـأ “الـمـسـلِّـم” إلى مـا بـقي لـه مـن قـلـيـل مـن الـسّـلـطـة لـيـخـلـصـنـا مـن سـعـدون الّـذي تـخـلى في الـنّـهـايـة عـن طـلـبـه. وكـلّ هـذه الأحـداث جـعـلـتـني أعـتـقـد أنّ أحـمـد بـاشـا كـان ولا شـك قـد اسـتـاء مـن الـبـاب الـعـالي، وعـرفـت بـعـد ذلـك أنـني أصـبـت في اعـتـقـادي، فـقـد سـحـب الـسّـلـطـان مـنـه حـكـومـة الـبـصـرة. ولـكي يـجـبـره أحـمـد بـاشـا عـلى إرجـاعـهـا لـه فـقـد تـرك كـلّ الـمـنـطـقـة لـنـهـب الـعـرب وسـلـبـهـم. وانـقـطـع الإتـصـال بـأعـالي الـمـنـطـقـة واضـطـربـت حـالـة الـتّـجـارة وسـاد الـخـوف والـقـلـق. وصار الـمـنـتـفـك سـادة الـبـلاد، وكـانـوا يـأتـون كـلّ يـوم إلى الـبـصـرة ويـرتـكـبـون كـلّ أنـواع الـعـنـف، ويـوقـفـون مـراكـب الـتّـجـار الـصّـاعـديـن إلى بـغـداد ويـطـلـبـون مـنـهـم الـفـديـة.  وقـد تـشـاجـر شـيـخـهـم مـع رئـيـس تـجـار الإنـكـلـيـز وطـلـب مـنـه أن يـدفـع لـه مـبـلـغـاً مـن الـمـال فـرفـض الآخـر، والـتـجـأ إلى مـن يـصـالـح بـيـنـهـمـا، ولـكـن الـمـفـاوضـات فـشـلـت، وهـدده سـعـدون أن يـبـعـث إلى داره بـمـائـة عـربي لـيـنـهـبـوهـا، وعـنـدهـا دفـع لـه الإنـكـلـيـزي الـمـبـلـغ. وازداد الـكـدر والـتّـنـكـيـد في شـهـر كـانـون الأوّل عـنـدمـا وصـل سـيـفي بـك، “مـسـلِّـم” والي الـمـوصـل حـسـيـن بـاشـا، الّـذي عـهـدت إلـيـه ولايـة الـبـصـرة بـعـد أخـذت مـن أحـمـد بـاشـا، و ظـهـر عـنـدهـا بـوضـوح أنّ سـبـب الإضـطـرابـات كـان تـغـيـيـر الـوالي، فـقـد اهـتـاج أحـمـد بـاشـا مـن فـقـدانـه لـريـع الـولايـة الـسّـنـوي الّـذي يـتـجـاوز ألـف كـيـس [ويـبـلـغ مـحـتـوى الـكـيـس خـمـسـمـائـة قـرش أي ريـال تـركي] ، ولـكي يـجـبـر الـبـاب الـعـالي عـلى أن يـعـيـد لـه ولايـة الـبـصـرة فـقـد تـرك سـعـدون يـعـيـث في الأرض فـسـاداً. وبـيـنـمـا كـان [أحـمـد بـاشـا] يـظهـر مـن جـهـة مـسـاوئ تـمـرد الـمـنـتـفـق وصعـوبـة سـحـقـه، فـقـد كـان مـن الـجـهـة الأخـرى يـسـانـدهــم سـرّاً لـيـهـيـج الـنّـاس ضـدّهـم. وفي الـحـقـيـقـة، نـفّـذ سـعـدون نـوايـا أحـمـد بـاشـا. ومـا أن وصـل “الـمـسـلِّـم” الـجـديـد حـتّى جـاء هـذا الـشّـيـخ لـيـخـيّـم مـع أنـصـاره قـرب الـبـصـرة. وكـان يـبـعـث كـلّ يـوم بـرجـالـه إلى أعـيـان الـبـلـد يـطـالـبـونـهـم بـدفـع الـمـال والـخـيـل والـمـلـبـس وكـلّ مـا يـحـتـاج سـعـدون إلـيـه. وقـد أجـبـر حـتّى “الـمـسـلِّـم” الـجـديـد عـلى أن يـبـعـث لـه بـهـدايـا […]. وقـد أجـبـربـعـض الـتّـجـار الّـذيـن اسـتـدعـتـهـم الـضـرورة إلى بـغـداد أن يـدفـعـوا لـه 500 ريـال لـيـسـمـح لـهـم بـسـلـك سـبـيـل الـنّـهـر.وبـعـد أن اسـتـلـم الـمـبـلـغ وجـده ضئـيـلاً فـطلـب مـنـهـم مـن جـديـد ألـفي ريـال أخـرى. وقـد فـضّـلـوا أن يـدفـعـوا لـكي لا يـنـهـبـوا. ولـم يـكـفـيـه هـذا فـأجـبـرهـم عـلى أن يـدفـعـوا لـه حـقّ الـمـرور في أمـاكـن أخـرى مـن الـنّـهـر. وفي الـنّـهـايـة أوقـفـهـم بـعـد أن اجـتـازوا الـقـرنـة وسـلـبـهـم خـمـسـة آلاف وخـمـسـمـائـة ريـال. وقـد خـافـوا بـعـد ذلـك مـن أن يـأخـذ مـنـه كـلّ مـا يـمـلـكـون وأجـبـروا عـلى الـهـرب والـرّجـوع إلى الـبـصـرة. وعـنـدهـا سـرت إشـاعـة بـأنّ سـعـدون يـريـد أن يـفـرض ضـريـبـة عـامـة عـلى الـمـديـنـة، فـهـرب كـبـار الـتّـجّـار وحـمـلـوا مـعـهـم مـا اسـتـطـاعـوا حـمـلـه عـن طـريـق الـبـحـر. وأراد الأوربـيـون الّـذيـن خـافـوا أن يـحـدث لـهـم مـاحـدث لـغـيـرهـم، أن يـلـتـجـأوا ومـا يـمـلـكـون عـلى ظـهـر سـفـيـنـة إنـكـلـيـزيـة كـانـت في الـنّـهـر. وكـان يـنـبـغي لـهـم الـحـصـول عـلى سـمـاح “الـمـسـلِّـم” لـهـم بـذلـك، فـذهـبـتُ بـنـفـسـي عـدّة مـرّات أطـلـب مـنـه ذلـك بـاسـم الـجـمـيـع ، ولـكـنّـه رفـض بـاسـتـمـرار مـعـتـلاً بـأنّ أهـل الـبـصـرة لـو رأوا الـبـضـائـع تـحـمـل بـعـيـداً عـن الـمـديـنـة فـلـن يـبـق مـنـهـم أحـد فـيـهـا. وقـد أثـار هـذا الـرّفـض قـلـق الأوربـيـيـن وأجـبـرهـم عـلى أخـذ حـرّاس مـن الـجـاشـريـة لـيـحـمـوا مـنـازلـهـم لـو هـاجـمـهـا الـعـرب. وكـانـت هـذه في الـحـقـيـقـة حـمـايـة ضـعـيـفـة ولا أحـد يـرى مـن أيـن سـيـأتي الـخـلاص. وكـان يـقـال إنّ حـسـيـن بـاشـا لـم يـكـن لـه جـنـد ولا مـال. ويـؤكـد الـبـعـض أنّـه لا يـسـتـطـيـع حـتّى أن يـأتي إلى الـبـصـرة، فـعـثـمـان بـاشـا الّـذي كـان قـد تـمـرد عـلى الـسّـلـطـان، كـان يـمـنـعـه مـن الـخـروج مـن الـمـوصـل. و ربّـمـا لـم يـأسـف حـسـيـن بـاشـا  لـلـعـراقـيـل الّـتي وضـعـت أمـامـه، فـهـو لـم يـكـن يـجـهـل ولا شـك الـحـالـة الـمـزريـة الّـتي تـعـيـشـهـا ولايـة الـبـصـرة الّـتي أسـنـدت إلـيـه ، ولا الـمـعـارضـة الّـتي سـيـجـدهـا فـيـهـا سـواء مـن أحـمـد بـاشـا أو مـن الـعـرب الّـذيـن كـانـوا قـد عـزمـوا عـلى قـطـع الـطّـريـق عـلـيـه إذا مـا عـبـر الـصـحـراء لـيـأتي إلى الـبـصـرة. ومـع مـرور الـوقـت خـفّ تـنـكـيـد الـمـنـتـفـك، ثـمّ عـرف الـنّـاس أنّ ولايـة الـبـصـرة أعـيـدت لأحـمـد بـاشـا. وزال بـعـض خـوفـنـا عـنـدمـا انـسـحـب سـعـدون وذهـب لـيـنـصـب خـيـامـه في مـنـطـقـة فـوق الـقـرنـة، ولـكـن الـعـرب لـم يـكـونـوا الـسّـبـب الـوحـيـد لـقـلـقـنـا، فـقـد كـنّـا نـخـشى أيـضـاً الـفـرس الّـذيـن كـانـوا ، حـسـب مـا أشـيـع، يـعـدّون عـدتـهـم لأخـذ الـبـصـرة. وقـد عـرفـنـا عـن طـريـق الأرمـن أن خـان الـحـويـزة كـان قـد مـلأ عـدّة مـراكـب بـالـمـؤونـة والـقـوت، وأنّـه كـان يـجـمـع الـجـنـد لـيـعـدّ الـهـجـوم عـلى الـبـصـرة حـالـمـا يـأتـيـه أمـر الـبـلاط بـذلـك. وقـد ذكـر ضابـط فـارسي جـاء إلى الـبـصرة لـيـصـطـحـب مـعـه كـلّ فـرس الـمـديـنـة أنّ الـخـان كـان قـد أخـبـره أنّـه لـن يـبـطئ في الـمـجئ إلـيـهـا، كـمـا اسـتـلـمـتُ أنـا نـفـسـي رسـائـل مـن أصـفـهـان تـؤكـد صـحّـة الإشـاعـات. وكـان كـثـيـر مـن الـنّـاس يـعـتـقـدون أنّ هـدف هـذا الـتّـهـديـد كان مـسـانـدة أحـمـد بـاشـا الّـذي تـآمـر مـع نـادر شـاه. ومـع ذلـك فـنـادر شـاه الّـذي كـان يـبـدو مـسـتـعـداً لإشـعـال الـحـرب ضـدّ الأتـراك ربّـمـا قـرر أن يـأخـذ الـبـصـرة لـحـسـابـه الـخـاص  إذا مـا اسـتـمـرالـسّـلـطـان في رفـضـه لإعـادتـهـا لأحـمـد بـاشـا. الـفـصـل الـعـشـرون رغـم أنّ الـهـدوء قـد عـاد إلى الـبـصـرة فـقـد كـان مـن مـصـلـحـة أحـمـد بـاشـا إقـنـاع الـسّـلـطـان بـصـعـوبـة إخـمـاد تـمـرد الـعـرب، ولـهـذا بـعـث بـكـهـايـتـه سـلـيـمـان بـك عـلى رأس جـيـش لـيـقـاتـلـهـم. وتـقـدم الـجـيـش حـتّى وصـل مـكـانـاً اسـمـه مـنـصـوريـة كـان سـعـدون قـد نـصـب مـضـاربـه فـيـه لـيـتـحـاشى الـتّـصـادم مـع الأتـراك. ومـا أن عـرف سـعـدون بـقـدوم الـجـيـش  حـتّى انـتـقـل إلى الـبـاديـة  ، ونـزل في مـكـان  بـيـنـه وبـيـن الـجـيـش حـوالي خـمـسـة عـشـر فـرسـخـاً.  ولـم يـكـن هـنـاك سـابـقـة تـجـرأ فـيـهـا بـاشـا مـا عـلى مـتـابـعـة الـعـرب في الـبـاديـة , وخـاصـة مـتـابـعـة الـمـنـتـفـك، أشـجـع الأقـوام. ولـهـذا تـصـوّر سـعـدون أنّـه كـان في مـأمـن مـن مـتـابـعـيـه. ولـكـان ذلـك صـحـيـحـاً لـو أنّ الـكِـهـايـة أطـاع أمـر أحـمـد بـاشـا بـأن يـتـرك مـتـابـعـة الـشّـيـخ إذا مـا انـسـحـب إلى الـصّحـراء : لـكـنّ سـلـيـمـان بـك أراد أن يـثـأر لـنـفـسـه مـن   إهـانـة كـان قـد تـلـقّـاهـا مـن سـعـدون واعـتـزم أن يـقـتـلـه مـهـمـا كـان الـثّـمـن الّـذي سـيـدفـعـه، ولـهـذا أرسـل عـربـاً مـن تـابـعي مـانـع خـيـرMinaïkher   ابـن عـمّ سـعـدون لـيـعـرف أيـن انـسـحـب. وكـان ابـن الـعـم هـذا قـد تـآمـر مـع الأتـراك آمـلاً في الـحـصـول عـلى مـشـيـخـة الـمـنـتـفـك. وعـاد هـؤلاء الـعـرب بـعـد أن اكـتـشـفـوا مـخـبـأ سـعـدون لـيـخـبـروا بـه الـكِـهـايـة الّـذي امـتـطى فـرسـه حـالاً مـع نـخـبـة جـنـده وانـطـلـقـوا مـسـرعـيـن حـتّى وصـلـوا الـمـكـان في ثـمـاني سـاعـات. وكـانـت دهـشـة سـعـدون عـظـيـمـة، وأدرك أنّـهـم جـاءوا لـقـتـلـه فـقـرر أن يـبـيـعـهـم حـيـاتـه بـثـمـن بـاهـظ وقـاتـلـهـم بـشـجـاعـة لا مـثـيـل لـهـا. وقـد اخـتـرق عـدّة مـرّات صـفـوف أعـدائـه وألـقى أرضـاً بـكـلّ مـن كـان أمـامـه ، مـرّة بـالـرّمـح ومـرّة بـالـسّـيـف، مـدّة ثـمـاني سـاعـات، ثـمّ سـقـط بـعـد أن حـطّـم مـا لا يـحـصى مـن الـرّمـاح والـسّـيـوف وأهـلـك تـعـبـاً أربـعـة أو خـمـسـة مـن أحـسـن أفـراسـه . وعـنـدهـا هـجـم عـلـيـه أحـد رجـال الأغـا وأمـسـك بـه بـعـد مـقـاومـة وأخـذه أمـام الـكـهـايـة الّـذي قـطـع لـه عـنـقـه حـالاً، خـوفـاً مـن أن يـطـلـق الـبـاشـا سـراحـه لـو أخـذه أسـيـراً. وهـكـذا قـتـل الـشّـيـخ سـعـدون، وبـاء الـبـصـرة وأشـدّ كـلّ عـرب هـذه الـمـنـطـقـة إخـافـة لأعـدائـه.  وكـان أحـمـد بـاشـا يـعـتـرف لـه بـقـيـمـتـه، ويـسـتـعـمـلـه لـخـدمـة مـصـالـحـه عـنـدمـا تـسـنـح الـفـرص بـذلـك. وأرسـل رأسـه إلى الـسّـلـطـان الّـذي لـم يـقـبـل أن يـعـيـد ولايـة الـبـصـرة إلى أحـمـد بـاشـا إلّا بـهـذا الـشّـرط ، أي بـقـتـل سـعـدون، حـسـب مـا يـقـول رجـال مـوثـوق بـهـم”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  الـتّـفـنـكـجي بـاشي كـان آمـر الـجـنـود الـمـسـلـحـيـن بـالـبـنـادق الّـذيـن كـانـوا يـعـمـلـون في قـوات الـبـاشـا، ولـم يـكـن الـبـاشـا يـدفـع لـه مـرتـبـاً ولـكـنّـه كـان يـأخـذ نـسـبـة مـن الـنّـقـود الّـتي كـان يـسـتـعـيـدهـا لـلـبـاشـا مـن غـرمـائـه وكـانـت مـصـالـحـة الـشّـخـصـيـة تـدفـعـه لاسـتـعـمـال الـعـنـف لـلـوصـول إلى ذلـك.

مـلاحـظـة :

بـعـث لي الأسـتـاذ أنـيـس الـقـيـسي بـمـعـلـومـات قـيّـمـة أشـكـره عـلـيـهـا، فـقـد كـتـب : “صدرت ترجمة لهذا الكتاب بعنوان العراق والخليج العربي في رحلة جان أوتر 1736- 1743، ترجمة خالد عبد اللطيف حسين ومراجعة د. أنيس عبد الخالق محمود، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2015، عدد صفحات الكتاب 334 صفحة من القطع الكبير. وتضمنت الترجمة ما يخص العراق والخليج العربي من جزأي الكتاب”

وهـذا يـعـني أنّ هـذه الـتّـرجـمـة صـدرت بـعـد نـشـري لـمـقـالي في صـفـحـتي  “Sabah AL NASSERY – Google+” في 26 نـيـسـان 2014. وأدعـو قـرائي الأعـزاء لـقـراءة الـتّـرجـمـة الـجـديـدة ومـقـارنـتـهـا بـتـرجـمـتي.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.