“مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد”، لـوحـة لـلـفـنّـان يـوردايـنـس

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

هرون الرشيد

يـحـتـفـظ مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة أراسArras ، شـمـال شـرق فـرنـسـا، بـلـوحـة لـلـفـنّـان الـفـلامـنـكي يـعـقـوب يـوردايـنـس Jacob Jordaens عـنـوانـهـا : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان”.

وقـد ولـد يـوردايـنـس في مـديـنـة أنـتـويـرب (في بـلـجـيـكـا الـحـالـيـة ) سـنـة 1593 ، وتـتـلـمـذ عـلى يـدي الـفـنّـان آدم فـان نـورت ، ثـمّ انـضـمّ إلى نـقـابـة الـرّسّـامـيـن ( نـقـابـة الـقـديـس لـوقـا ) كـرسّـام مـحـتـرف. وامـتـهـن الـرّسـم بـالـزّيـت عـلى الأسـلـوب الـبـاروكي. وكـان الأسـلـوب الـسّـائـد في زمـنـه فـأتـقـنـه، واشـتـهـر حـتّى أصـبـح مـن بـيـن أهـمّ الـفـنّـانـيـن الـفـلامـنـكـيـيـن في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر.

وفي عـام 1663، وكـان في الـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، رسـم يـوردايـنـس لـوحـتـه : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان” ، وهي لـوحـة مـتـوسـطـة الـمـقـايـيـس ( 64.5 × 78 سـنـتـم.) ونـرى فـيـهـا الإمـبـراطـور شـارلـمـان واقـفـاً في الـطّـرف الأيـمـن مـنـهـا

يورداينس (4)

مـرتـديـاً الـفـراء الـمـرقّـط ، ويـظـلـلـه عـبـد بـمـظـلـة واسـعـة وحـولـه نـسـاء بـلاطـه ورجـالـه، وفي يـده صـولـجـان يـشـيـر بـه إلى مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة الّـذيـن احـتـلـوا حـوالي ثـلـث الـلـوحـة في وسـطـهـا ونـسـتـطـيـع أن نـمـيـز ثـلاثـة مـنـهـم يـحـيـونـه

يورداينس

ويـقـدّمـون لـه الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه الـخـلـيـفـة ويـحـمـلـهـا خـدمـهـم الـعـراة الـصّـدور: آنـيـة وسـاعـة وبـيـضـة نـعـامـة ! كـمـا نـرى الـفـيـل الّـذي اصـطـحـبـوه لـشـارلـمـان. ويـحـتـلّ الـطّـرف الأيـسـر مـن الـلـوحـة الـرّاهـبـان الـلـذان صـاحـبـا مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة.

يورداينس (3)

وقـد صـورهـمـا يـوردايـنـس يـحـمـلان جـزءاً مـن الـهـدايـا : الـشّـمـعـدانَـيـن الـمـذهـبَـيـن. ولـكي نـتـعـرف عـلى الـشّـمـعـدانـيـن فـقـد رسـمـهـا والـنّـار والـدّخـان يـنـبـعـثـان مـن أعـلاهـمـا. كـمـا نـرى جـنـديـاً عـلى جـواده مـن بـيـن الـجـنـود الّـذيـن أتـوا بـهـم إلى الـبـلاط ، ونـرى كـذلـك جـمـلـيـن وقـرداً وعـبـداً صـغـيـراً يـحـمـل صـقـراً عـلى يـده الـيـسـرى.

ولـيـس في الـلـوحـة مـا يـمـيـزهـا عـن مـا كـان الـفـنـانـون يـنـتـجـونـه اعـتـيـاديـاً، فـهي واضـحـة الـتّـكـويـن والـتّـركـيـب : صـفّ مـن الأشـخـاص والـحـيـوانـات عـلى شـرفـة مـن قـصـر شـارلـمـان في عـاصـمـتـه آخـن ( في شـمـال غـرب ألـمـانـيـا الـحـالـيـة، قـرب الـحـدود الـبـلـجـيـكـيـة ـ الـهـولـنـديـة ) كـمـا يـظـهـر ذلـك مـن قـبـة كـنـيـسـة الـقـصـر الـمـسـتـديـرة

يورداينس (2)

والأشـخـاص والـحـيـوانـات عـلى عـدّة مـسـتـويـات : الأعـلى يـمـتـد مـن قـمـة الـمـظـلّـة وقـمـة الـقـبّـة إلى رأسـَي الـجـمـلـيـن ، ثـمّ مـسـتـوى الإمـبـراطـور وزوجـتـه الّـذي يـمـتـد فـوق الـهـدايـا وأعلى عـمـامـة الأمـيـر الأفـريـقي ويـكـاد يـمـس رأس الـجـنـدي، ثـمّ مـسـتـوى رجـال الـحـاشـيـة في الـيـمـيـن والـمـبـعـوثـيـن في الـوسـط والـراهـبَـيـن عـلى الـيـسـار، ثـمّ الـمـسـتـوى الأكـثـر انـخـفـاضـاً : مـن الـصّـبي وكـلـبـه ثـمّ حـامـل الـسّـاعـة الـمـنـحـني إلى الـعـبـد الـصّـغـيـر الّـذي يـحـمـل الـصّـقـر.

وتـبـدو الـشّـخـصـيـات والـحـيـوانـات كـمـا لـو كـانـت قـد صـفّـت عـلى خـشـبـة مـسـرح لـيـسـتـطـيـع الـمـتـفـرّج أن يـتـأمّـل الـجـزئـيـات ويـتـجـوّل بـنـظـراتـه عـلـيـهـا. وقـد أراد الـفـنّـان في اسـتـعـمـالـه لـلألـوان أن يـظـهـر ثـراء الـطّـرفـيـن : حـريـر وفـراء بـلاط شـارلـمـان وحـريـر وكـتـان وذهـب بـلاط الـخـلـيـفـة. ويـأتي الـضّـوء مـن يـسـار الـلـوحـة وهـكـذا وضـع بـلاط شـارلـمـان في الـظّـل وعـرض مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة في أشـعـة الـشّـمـس فـقـد كـان الـشّـرق في مـخـيـلـتـه في ذلـك الـزّمـن خـلـيـط مـلـتـهـب مـن أفـريـقـيـا والـهـنـد !

وفي كـلّ حـركـات الأشـخـاص، وحـتّى الـحـيـوانـات مـبـالـغـات مـسـرحـيـة لإظـهـار هـيـبـة شـارلـمـان وتـبـجـيـل الـمـبـعـوثـيـن لـه عـنـدمـا وقـفـوا بـيـن يـديـه، وهـذا مـن أهـم خـصـائـص الأسـلـوب الـبـاروكي ومـمـيـزاتـه : أي أن يـبـهـر الـفـنّـان الـمـشـاهـديـن بـعـظـمة الـمـشـهـد فـيـتـمـلـكـهـم الإعـجـاب. فـلـم يـكـن هـدف الـفـنـان الـبـاروكي إثـارة عـواطـف الـمـشـاهـد أو دغـدغـة أحـاسـيـسـه.

ولاشـكّ في أنّ يـوردايـنـس، الّـذي عـاش بـعـد أكـثـر مـن ثـمـانـيـة قـرون عـلى الـحـدث الّـذي رسـمـه، كـان قـد قـرأ نـصّ إيـنـهـار، مـؤرخ الإمـبـراطـور شـارلـمـان(أنـظـر مـقـالي : تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد وشـارلـمـان). ولـكـنّـه حـوّر كـثـيـراً مـن تـفـاصـلـيـه لـتـنـاسـب مـشـروعـه الـفـنّي، وهـكـذا مـزج بـيـن مـبـعـوث الـخـلـيـفـة في عـام 801 م. والّـذي وصـل إلى بـلاط شـارلـمـان مـع (الأمـيـر إبـراهـيـم الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا ) والـيـهـودي إسـحـق. وقـد جـلـبـوا مـعـهـم الـفـيـل Abulabaz (أبـو الـعـبّـاس ) الّـذي أهـداه الـخـلـيـفـة لـلإمـبـراطـور  وبـيـن مـبـعـوث الـخـلـيـفـة الّـذي وصـل إلى بـلاط شـارلـمـان في عـام 807 م. بـصـحـبـة راهـبـيـن مـن الـقـدس : (وقـد حـمـلـوا ثـلاثـتـهـم الـهـدايـا : قـمـاش خـيـمـة وسـتـائـر غـرف يـخـلـب جـمـالـهـا الألـبـاب، وهي مـن الـكـتّـان، والـسّـتـائـر وحـبـالـهـا صـبـغـت بـألـوان مـتـنـوعـة … وعـدد مـن مـعـاطـف الـحـريـر لا تـقـدّر أثـمـانـهـا وعـطـور وتـوابـل ومـراهـم، وسـاعـة مـن الـنّـحـاس الـمـطـلي بـالـذّهـب … وشـمـعـدانـيـن كـبـيـريـن مـن الـقـلّـز لـيـس بـعـد جـمـالـهـمـا جـمـال …).

وقـد أضـفى يـوردايـنـس مـغـزى ديـنـيـاً عـلى لـوحـتـه، إسـتـوحـاه مـن لـوحـات فـنـاني عـصـر الـنّـهـضـة الّـتي صـورت الـمـلـوك الـمـجـوس الّـذيـن جـاءوا مـن الـشّـرق، حـسـب الأسـاطـيـرالإنـجـيـلـيـة ، إلى بـيـت لـحـم يـتـبـعـون الـنّـجـمـة الـشّـديـدة الإضـاءة الّـتي ظـهـرت فـوق مـهـد الـمـسـيـح بـعـد ولادتـه. وقـد جـلـبـوا لـه ثـروات الـشّـرق يـرمـونـهـا تـحـت قـدمـيـه وقـدمي أمّـه الـعـذراء شـهـادة عـلى إيـمـانـهـم وطـاعـتـهـم .

وهـكـذا قـلـب يـوردايـنـس في لـوحـتـه الـهـدف الّـذي ابـتـغـاه الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد مـن إرسـالـه لـلـسـفـارتـيـن (في عـامي 801 و 807 م.) إلى بـلاط شـارلـمـان. فـقـد كـان هـرون الـرّشـيـد يـحـكـم جـزءاً كـبـيـراً مـن الـعـالـم الـمـعـروف في زمـنـه، يـمـتـد مـن حـدود الـصّـيـن إلى أقـصى شـمـال أفـريـقـيـا (وإن ضـاعـت مـنـه الأنـدلـس الّـتي كـان الأمـوي عـبـد الـرّحـمـن الـدّاخـل قـد اسـتـولى عـلـيـهـا وأورثـهـا لابـنـه مـن بـعـده)، ولـم يـكـن شـارلـمـان يـحـكـم إلّا بـلـدانـاً قـلـيـلـة الـسّـعـة وقـلـيـلـة الأهـمـيـة. ولا شـكّ في أنّـه هـو الّـذي انـتـفـع مـن إقـامـة عـلاقـات وديـة مـع الـخـلـيـفـة. ويـكـتـب إيـنـهـار، مـؤرخ شـارلـمـان في ” سـيـرة شـارل الأكـبـر” أنّ شـارلـمـان : ” كـان يـفـضّـل مـودتـه [ أي مـودّة هـرون الـرّشـيـد] عـلى كـلّ مـودّات الـمـلـوك وعـظـمـاء الـدّنـيـا ، وكـان يـعـتـبـره الـوحـيـد الّـذي يـسـتـحـق تـكـريـمـه وهـدايـاه. وهـكـذا، عـنـدمـا بـعـث شـارل (الأكـبـر) بـرسـلـه يـحـمـلـون الـهـدايـا إلى قـبـر الـمـسـيـح الـمـقـدّس [ في الـقـدس] ذهـبـوا إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور … “.

وإذا تـأمّـلـنـا لـوحـة يـوردايـنـس نـلاحـظ أنّـه صـوّر مـبـعـوثي هـرون يـرتـمـون خـشـوعـاً وطـاعـة بـيـن يـدي شـارلـمـان، فـجـعـل مـن قـلـيـل الـقـوة عـظـيـمـاً يـبـجّـلـه مـبـعـوثـو حـاكـم أقـوى دولـة في زمـنـه. وهـكـذا يـعـيـد كـلّ قـوم كـتـابـة الـتّـاريـخ لـيـنـاسـب رغـبـاتـهـم وأهـوائـهـم.

Advertisements

تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد و شـارلـمـان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـشـرتُ هـذا الـمـقـال في عـام 2014 بـمـنـاسـبـة مـرور 1200 عـام عـلى وفـاة الإمـبـراطـور شـارلـمـان في 814 م. وأعـيـد نـشـره هـنـا، فـقـد وجـدت عـدداً مـن الـمـقـالات الّـتي نـشـرت مـن غـيـر أن يـطّـلـع كـاتـبـوهـا عـلى الـنّـصـوص الأسـاسـيـة الّـتي ذكـرت هـذه الأحـداث الـتّـاريـخـيـة.

مـن كـان شـارلـمـان ؟

chrlemagne

إعـتـلى شـارلـمـان (أي شـارل الأكـبـر) عـرش دولـة الإفـرنـج (الّـتي كـانـت أراضـيـهـا تـقـع في غـرب ألـمـانـيـا وشـرق فـرنـسـا الـحـالـيـتـيـن ) في 768 م. ثـمّ اسـتـولى عـلى مـمـلـكـة الـلـومـبـارد في شـمـال إيـطـالـيـا. وقـرر بـعـد ذلـك أن يـعـيـد إنـشـاء الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة (الّـتي كـانـت قـد سـقـطـت في 476 م.). ونـصـب نـفـسـه في 800 م. إمـبـراطـوراً عـلى مـا أسـمـاه بـالإمـبـراطـوريـة الـمـقـدّسـة. وقـد بـارك بـابـا رومـا هـذا الـتّـنـصـيـب. كـان شـارلـمـان إذن مـعـاصـراً لـلـخـلـيـفـة الـعـبّـاسي هـرون الـرشّـيـد الّـذي بـويـع لـه بـالـخـلافـة سـنـة 786 م.

Harun_Al-Rashid_and_the_World_of_the_Thousand_and_One_Nights

عـلاقـات شـارلـمـان بـهـرون الـرّشـيـد :

يـشـكّ كـثـيـر مـن الـمـؤرخـيـن الّـذيـن درسـوا هـذه الـفـتـرة بـصـحـة قـيـام عـلاقـات ودّيـة بـيـن شـارلـمـان وهـرون الـرّشـيـد. ويـحـتـجـون عـلى ذلـك بـعـدم وجـود أدنى إشـارة لـهـذه الـعـلاقـات عـنـد الـمـؤرخـيـن الـعـرب الـقـدمـاء الّـذيـن تـكـلّـمـوا بـالـتـفـصـيـل عـن كـلّ مـا حـدث خـلال فـتـرة خـلافـة الـرّشـيـد. ومـع ذلـك فـقـد ذكـر إيـنـهـار، مـؤرّخ شـارلـمـان، في كـتـابـه “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni ” تـبـادل سـفـراء بـيـن الـخـلـيـفـة والإمـبـراطـور. كـمـا ذكـرت “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum ” الّـتي سـجّـلـت حـوادث فـتـرة حـكـم شـارلـمـان سـنـة بـسـنـة، سـفـارة بـعـثـهـا شـارلـمـان إلى بـلاط الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد في بـغـداد وسـفـارتـيـن بـعـثـهـمـا هـرون الـرّشـيـد إلى بـلاط الإمـبـراطـور في آخـن. ولا يـمـكـنـنـا تـجـاهـل هـذه الـنّـصـوص. ومـن الـصّـعـب اعـتـبـار كـلّ مـا ورد فـيـهـا تـلـفـيـقـاً كـان الـهـدف مـنـه تـقـويـة مـكـانـة شـارلـمـان بـجـعـلـه كـفـؤاً لـلـخـلـيـفـة الّـذي كـان يـحـكـم جـزءاً كـبـيـراً مـن الـعـالـم يـمـتـدّ مـن حـدود الـهـنـد إلى أقـصى شـمـال أفـريـقـيـا.

مـن كـان إيـنـهـار؟

Eginhard1

درس إجـيـنـهـار Eginhard (أو إيـنـهـار Einhard) في مـدرسـة قـصـر شـارلـمـان. وهي الـمـدرسـة الّـتي أنـشـاهـا الإمـبـراطـور في عـاصـمـتـه آخـيـن لـتـكـويـن إداريـيـن يـمـكـن أن يـعـتـمـد عـلـيـهـم. ولـنـبـاهـة إيـنـهـار وتـمـيّـزه عـلى الآخـريـن، قـرّبـه شـارلـمـان حـتّى صـار مـن بـيـن مـسـتـشـاريـه. وجـعـل مـنـه مـؤرّخـه الـشّـخـصي. وبـعـد مـوت شـارلـمـان، أبـقـاه ابـنـه لـويـس الـتّـقي (ويـسـمى أيـضـاً بـلـويـس الـحـلـيـم ) قـربـه في الـبـلاط وطـلـب مـنـه أن يـؤلّـف كـتـابـاً عـن حـيـاة أبـيـه فـكـتـب : “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni “. كـمـا كـتـبـت في زمـن لـويـس الـتّـقي بـن شـارلـمـان حـولـيـات الـمـلـوك الإفـرنـج : بـيـبـان الـقـصـيـر وشـارلـمـان بـن بـيـبـان ولـويـس بـن شـارلـمـان سـنـة بـسـنـة. وقـد عـرف هـذا الـمـؤلَـف بـ “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum ” الّـتي أسـمـيـت أيـضـاً بـ “حـولـيـات إيـنـهـار” لأنّ الإعـتـقـاد كـان سـائـداً بـأنّـهـا مـن تـألـيـف إيـنـهـار. ولـكـنّ بـعـض الـدّراسـات الـحـديـثـة الّـتي نـشـرت في الـسّـنـوات الأخـيـرة تـشـكّ في إسـنـاد تـألـيـف الـحـولـيـات إلـيـه. والّـذي يـهـمـنـا مـن كـلّ هـذا هـو أنّ هـذه الـنّـصـوص تـكـاد أن تـكـون مـعـاصـرة لـلأحـداث الّـتي تـتـكـلّـم عـنـهـا.

سـيـرة شـارل الأكـبـر :

Éginhard_Vita_Caroli_magni_imperatoris-Lettrine_V_historiée_Charlemagne_assis

كـتـب إيـنـهـار “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni ” بـعـد مـوت شـارلـمـان، ربّـمـا بـيـن 829 و836 م. في زمـن حـكـم لـويـس الـتّـقي، إبـن شـارلـمـان. ويـبـدو أنّ لـويـس هـو الّـذي طـلـب مـنـه أن يـكـتـبـهـا لـحـفـظ مـكـارم أبـيـه. ونـجـد في هـذه الـسّـيـرة الـمـقـطـع الـتّـالي :

“هـرون مـلـك الـفـرس وحـاكـم كـلّ الـشّـرق مـاعـدا الـهـنـد ربـطـتـه بـه [ أي بـشـارلـمـان] صـداقـة صـافـيـة. وكـان يـفـضـل مـودّتـه عـلى كـلّ مـودّات الـمـلـوك وعـظـمـاء الـدّنـيـا. وكـان يـعـتـبـره الـوحـيـد الّـذي يـسـتـحـق تـكـريـمـه وهـدايـاه. وهـكـذا، عـنـدمـا بـعـث شـارل (الأكـبـر) بـرسـلـه يـحـمـلـون الـهـبـات إلى قـبـر الـمـسـيـح الـمـقـدّس [ في الـقـدس]، ذهـبـوا إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور. ولـم يـكـتـفِ مـلـك الـفـرس بـتـلـبـيـة طـلـبـات الإمـبـراطـور، بـل وهـبـه مـلـكـيـة الـمـكـان، أي مـهـد ديـنـنـا الـمـقـدّس، و وضـعـه تـحـت سـلـطـتـه. وعـنـدمـا ذهـب هـؤلاء الـسّـفـراء إلـيـه لـيـأذن لـهـم بـالـعـودة إلى بـلـدهـم، بـعـث مـعـهـم بـسـفـراء مـن عـنـده لـيـصـاحـبـوهـم وحـمـلـوا مـن الـهـدايـا لـشـارل، مـا عـدا الـثّـيـاب والـعـطـور، أشـيـاء فـاخـرة أخـرى مـمـا يـنـتـجـه الـشّـرق. وكـان هـرون قـد بـعـث قـبـل سـنـوات ، مـجـيـبـاً لـطـلـب الإمـبـراطـور، بـالـفـيـل الـوحـيـد الّـذي كـان لـه في ذلـك الـوقـت ”

الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة :

تـتـكـلّـم الـحـولـيـات عـن أمـور تـتـعـلّـق بـهـرون الـرّشـيـد في الـسّـنـوات 801 و 802 و 807 و 810. وهي تـصـفـه أيـضـاً بـمـلـك بـلاد الـفـرس لأنّ الأوربـيـيـن في ذلـك الـزّمـن لـم يـكـونـوا يـعـرفـون الـشّـرق إلّا مـن خـلال مـا كـان قـد كـتـبـه الإغـريـق (الـيـونـانـيـون الـقـدمـاء) والـرّومـان. وكـانـت مـعـرفـتـهـم بـالـشّـرق الـمـعـاصـر لـهـم مـحـدودة جـدّاً. وكـانـوا يـعـتـقـدون أنّ خـلـيـفـة بـغـداد مـن سـلالـة أكـاسـرة الـفـرس الّـذيـن كـتـب عـنـهـم الإغـريـق والـرّومـان.

كـمـا أسـمـت الـحـولـيـات هـرون في الـكـلام عـمّـا حـدث في سـنـة 810 بـمـلـك “الـسّـرزانـيـيـن”.  و”الـسّـرزانـيـون” اسـم كـان يـطـلـقـه الأوربـيـون عـلى الـمـسـلـمـيـن “الـشّـرقـيـيـن” تـفـريـقـاً لـهـم عـن “الـمـور” أو “الـمـوريـيـن” أي سـكـان بـلاد الـمـغـرب في شـمـال أفـريـقـيـا والّـذيـن أسـمـاهـم الـعـرب، بـعـد الـفـتـح الإسـلامي، بـالـبـربـر.

وقـد تـرجـمـتُ الـمـقـاطـع الـتّـالـيـة مـن الـطّـبـعـة الّـتي حـقـقـهـا ونـشـرهـا M.Guizot في 1824، وقـارنـتـهـا بـالـطـبـعـة الّـتي حـقـقـهـا ونـشـرهـا A. Teulet في 1840.

ونـعـرف مـن قـراءة أحـداث سـنـة 801 م. أنّ شـارلـمـان كـان قـد بـعـث قـبـل ذلـك بـأربـع سـنـوات أي في سـنـة 797 م. بـسـفـارة إلى بـلاط الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد في بـغـداد تـتـألّـف مـن سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond ولانـفـريـد Lanfried بـصـحـبـة يـهـودي اسـمـه إسـحـق، وأنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد كـانـا قـد مـاتـا وعـاد إسـحـق إلى أوربـا بـصـحـبـة سـفـيـر بـعـثـه هـرون الـرشـيـد (مـلـك بـلاد الـفـرس !) وآخـر بـعـثـه أمـيـر مـن الـمـغـرب، وأنّـهـم عـبـروا الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط مـن أفـريـقـيـا (أي تـونـس) إلى إيـطـالـيـا حـامـلـيـن هـدايـا الـخـلـيـفـة ومـن ضـمـنـهـا فـيـل. وهـذا هـو نـصّ الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة :

سـنـة 801 :

بـعـد أن وصـل شـارل الأكـبـر (شـارلـمـان) إلى بـافي في شـمـال إيـطـالـيـا بـلـغـه الـخـبـر بـوصـول سـفـراء بـعـثـهـم لـه هـرون، مـلـك بـلاد الـفـرس إلى مـيـنـاء بـيـزا (في غـرب إيـطـالـيـا)، وبـعـث بـعـض فـرسـانـه لـيـصـطـحـبـوهـم إلـيـه، وقـدّمـوهـم إلـيـه عـنـدمـا كـان في طـريـقـه بـيـن مـديـنـتي فـيـركـوي وإيـفـريـه. وكـان أحـدهـمـا (فـقـد كـانـا إثـنـيـن) فـارسـيـاً مـن الـشّـرق أرسـلـه مـلـك بـلاد الـفـرس، والآخـر سـرزانـيـاً مـن أفـريـقـيـا أرسـلـه الأمـيـر إبـراهـيـم Emir Abraham الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا. وقـد أخـبـرا الإمـبـراطـور بـأنّ إسـحـاق الـيـهـودي الّـذي كـان قـد أرسـلـه قـبـل أربـع سـنـوات إلى مـلـك بـلاد الـفـرس بـصـحـبـة سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond و لانـفـريـد Lanfried قـد عـاد حـامـلاً هـدايـا عـظـيـمـة، وأنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد قـد مـاتـا. وعـنـدهـا بـعـث الإمـبـراطـور كـاتـب الـعـدل إرشـيـنـبـالـد Erchenbald إلى لـيـغـوريـا لـيـعـدّ سـفـنـاً يـحـمّـل عـلـيـهـا الـفـيـل الّـذي جـلـبـه إسـحـق والـهـدايـا الأخـرى. في شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن هـذه الـسّـنـة وصـل إسـحـق الـيـهـودي مـن أفـريـقـيـا ومـعـه الـفـيـل إلى مـيـنـاء فـنـدريـس، وقـضى الـشّـتـاء في فـيـركـوي لأنّـه لـم يـسـتـطـع اخـتـراق جـبـال الألـب الّـتي كـانـت تـغـطّـيـهـا الـثّـلـوج.

سـنـة 802 :

وفي 20 تـمّـوز مـن هـذه الـسّـنـة وصـل إسـحـق مـصـطـحـبـاً الـفـيـل لـلإمـبـراطـور والـهـدايـا الأخـرى الّـتي بـعـثـهـا لـه مـلـك الـفـرس. وكـان اسـم الـفـيـل أبـو الـعـبّـاس Abulabaz “. وتـذكـر الـحـولـيـات في أحـداث سـنـة 807 م. وصـول سـفـيـر آخـر بـعـثـه هـرون الـرشّـيـد إلى شـارلـمـان والـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا الـخـلـيـفـة لـلإمـبـراطـور. وفي مـا يـلي نـصّ الـحـولـيـات : ”

سـنـة 807 :

وصـل مـبـعـوث مـلـك بـلاد فـارس إلى بـلاط الإمـبـراطـور بـصـحـبـة راهـبـيـن جـاءا بـه مـن الـقـدس. وكـان تـومـا، بـطـريـارك الـقـدس قـد عـهـد لـهـمـا بـهـذه الـمـهـمـة. واسـمـا الـرّاهـبـيـن فـلـيـكـس وجـورج وكـان جـورج أبـاً في جـبـل الـزّيـتـون، وهـو مـن أصـل ألـمـاني واسـمـه الـحـقـيـقي إنـجـلـبـالـد. وقـد حـمـلـوا ثـلاثـتـهـم لـشـارل الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه مـلـك بـلاد فـارس والّـتي تـتـكـوّن مـن قـمـاش خـيـمـة [ ويـعـني بـهـا ولا شـك نـوعـاً مـن الـسّـرادق الّـتي يـسـتـقـبـل بـهـا الـمـلـوك ضـيـوفـهـم] وسـتـائـرغـرف واسـعـة الـمـقـايـيـس يـخـلـب جـمـالـهـا الألـبـاب. وهي مـن الـكـتّـان. والـسّـتـائـر وحـبـالـهـا صـبـغـت بـألـوان مـتـنـوّعـة. وكـان مـن بـيـن هـدايـا مـلـك بـلاد فـارس عـدد مـن مـعـاطـف الـحـريـر لا تـقـدّر أثـمـانـهـا ، وعـطـور وتـوابـل ومـراهـم، وسـاعـة مـن الـنّـحـاس الـمـطـلي بـالـذّهـب، صـنـعـت بـفـنّ يـثـيـر الإعـجـاب، وبـحـيـل [ مـيـكـانـيـكـيـة] يـحـركـهـا الـمـاء تُـعـلـم عـن تـتـابـع الإثـنـتي عـشـرة سـاعـة. وعـنـدمـا تـحـلّ كـلّ سـاعـة تـسـقـط كـريّـات مـن الـقّـلـز بـعـددهـا عـلى صـنـج وضـع تـحـتـهـا وتـقـرع بـسـقـوطـهـا عـدد الـضّـربـات الـمـطـلـوبـة. وعـنـدمـا تـدقّ الـسّـاعـة الـثّـانـيـة عـشـرة تـنـفـتـح اثـنـتـا عـشـرة نـافـذة يـخـرج مـنـهـا اثـنـا عـشـر فـارسـاً. وبـقـوة الإهـتـزاز الّـتي يـحـدثـهـا خـروجـهـم تـنـغـلـق الـنّـوافـذ خـلـفـهـم. وفي هـذه الـسّـاعـة أشـيـاء كـثـيـرة أخـرى تـدعـو لـلإعـجـاب، ولـكـن يـنـقـصـنـا الـمـكـان هـنـا لـنـوفـيـهـا حـقـهـا. وكـان مـن بـيـن الـهـدايـا شـمـعـدانـان كـبـيـران مـن الـقُـلـز لـيـس بـعـد جـمـالـهـمـا جـمـال. وقـد جـلـبـت كـلّ هـذه الأشـيـاء لـلإمـبـراطـور في قـصـره في آخـيـن. وقـد أبـقي بـقـربـه الـسّـفـيـر والـرّاهـبـيـن فـتـرة مـن الـزّمـن ثـمّ أرسـلـهـمـا إلى إيـطـالـيـا لـيـبـحـروا مـنـهـا [عـائـديـن إلى الـشّـرق].

وذكـرت الـحـولـيـات في الـمـقـطـع الأخـيـر الّـذي يـتـعـلّـق بـهـاتـيـن الـسّـفـارتـيـن عـن الـفـيـل (أبـو الـعـبّـاس) الّـذي كـان قـد ارسـلـه الـخـلـيـفـة هـديـة لـلإمـبـراطـور مـع الـيـهـودي إسـحـاق سـنـة 801 م.

سـنـة 810 :

“الـفـيـل الّـذي كـان قـد بـعـثـه لـه هـرون، مـلـك الـسّـرزانـيـيـن، مـات مـوتـاً مـفـاجـئـاً”.

وهـنـا يـنـتـهي ذكـرالـحـولـيـات لـمـا يـتـعـلّـق بـهـرون الـرّشـيـد، فـقـد مـات الـخـلـيـفـة في سـنـة 809. وشـغـلـت الـحـرب الّـتي تـقـاتـل فـيـهـا ابـنـاه الأمـيـن والـمـأمـون عـلى الـعـرش الـدّولـة الـعـبـاسـيـة عـن شـؤون الـعـالـم الـخـارجـيـة.

الـخـلاصـة :

إذا مـا أردنـا أن نـرتـب تـرتـيـبـاً زمـنـيـاً الأحـداث الّـتي ذكـرهـا إنـيـهـار في “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni ” ومـا ذكـرتـه “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum “، وهـمـا الـمـصـدران الـوحـيـدان الـمـعـاصـران لـهـذه الأحـداث فـسـنـتـوصـل إلى مـا يـلي :

أراد شـارلـمـان سـنـة 797 م. أن يـفـرض سـلـطـتـه عـلى مـديـنـة الـقـدس الّـتي اعـتـبـر أنّـهـا تـخـضـع لـه بـصـفـتـه حـاكـم “الإمـبـراطـوريـة الـمـقـدّسـة”. ولـيـتـوصـل إلى ذلـك أرسـل مـبـعـوثـيـن : سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond و لانـفـريـد Lanfried يـحـمـلان الـهـبـات إلى قـبـر الـمـسـيـح . وفي الـقـدس عـرفـا أنّ الـمـديـنـة تـخـضـع لـلـخـلـيـفـة الـعـبّـاسي هـرون الـرشـيـد. وهـكـذا ذهـبـا بـصـحـبـة يـهـودي اسـمـه إسـحـاق “إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور”. وقـد لـبّى الـخـلـيـفـة طـلـب شـارلـمـان و “وهـبـه مـلـكـيـة الـمـكـان ووضـعـه تـحـت سـلـطـتـه”.

ولـم يـصـلـنـا مـن الـنّـصـوص الـتّـاريـخـيـة أو مـن الـوثـائـق مـا يـثـبـت ادعـاء كـاتـب الـنّـصّ مـن أنّ هـرون الـرّشـيـد وهـب مـلـكـيـة الـقـدس لـشـارلـمـان أو أنّـه وضـعـهـا تـحـت سـلـطـتـه. ويـبـدو هـذا الـمـقـطـع كـدعـايـة سـيـاسـيـة هـدفـهـا مـسـانـدة ادعـاء شـارلـمـان بـأنّـه امـبـراطـور كـلّ الـمـسـيـحـيـيـن.

ثـمّ تـذكـر الـحـولـيـات أنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد قـد مـاتـا. ولا نـعـرف مـتى ولا أيـن ولا كـيـف مـاتـا. وقـد سـمـع شـارلـمـان بـذلـك سـنـة 801 م. عـنـدمـا وصـل سـفـيـر مـن هـرون بـصـحـبـة سـفـيـر آخـر “أرسـلـه الأمـيـر إبـراهـيـم Emir Abraham الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا”. ولا شـكّ في أنّـهـمـا عـبـرا الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط مـن أفـريـقـيـا، أي مـن تـونـس الّـتي كـان يـسـمـيـهـا الـجـغـرافـيـون الـعـرب “إفـريـقـيـة”.

وهـنـا نـذكّـر الـقـارئ بـأنّ الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد واجـه تـمـرد قـبـائـل الـبـربـر في “إفـريـقـيـة” ومـا إلى غـربـهـا حـتّى الـمـغـرب الأقـصى. ولـيـتـخـلـص مـن هـذه الإضـطـرابـات ويـكـرّس جـهـوده وقـواتـه لـمـواجـهـة الـبـيـزنـطـيـيـن في الـشّـمـال وأعـداء الـدّولـة في شـرق الـفـرات فـقـد عـيّـن سـنـة 800 م. إبـراهـيـم بـن الأغـلـب عـامـلاً عـلى إفـريـقـيـة ومـا بـعـدهـا حـتّى الـمـغـرب الأقـصى يـحـكـمـهـا كـمـا يـشـاء عـلى أن يـدفـع لـه عـلى ذلـك مـبـلـغـاً مـن الـمـال. وهـكـذا خـرجـت بـلاد الـمـغـرب مـن سـلـطـة الـدّولـة الـعـبـاسـيـة لـتـدخـل في حـكـم الأغـالـبـة.

أمّـا عـن بـلاد فـاس وأمـيـرهـا إبـراهـيـم فـقـد اخـتـلـطـت الأحـداث والـسّـنـوات عـنـد كـاتـب الـحـولـيـات. ونـحـن نـعـرف أنّ إدريـس بـن عـبـدالله، حـفـيـد الـحـسـن بـن عـلي بـن أبي طـالـب هـرب مـن الـعـبـاسـيـيـن والـتـجـأ عـنـد قـبـائـل الـبـربـر في الـمـغـرب الأقـصى في حـوالي سـنـة 788 م. ويـقـال إنّـه شـيّـد عـلى ضـفـة نـهـر فـاس مـا أصـبـح بـعـد ذلـك مـديـنـة فـاس. وبـعـد أن تـوفي في حـوالي 793 م. خـلـفـه ابـنـه إدريـس الـثّـاني عـلى “الـدّولـة” الّـتي أنـشـأهـا واتـخـذ مـن فـاس عـاصـمـة لـه. وهـكـذا نـرى أن إبـراهـيـم الّـذي تـذكـره الـحـولـيـات لا يـمـكـن أن يـكـون أمـيـر بـلاد فـاس في سـنـة 801 م. ولا شـكّ في أنّ كـاتـب الـحـولـيـات يـتـكـلّـم عـن إبـراهـيـم بـن الأغـلـب الّـذي أرسـل هـرون سـفـيـره عـنـده لـيـبـعـث مـعـه مـصـاحـبـاً يـعـرف أوربـا ويـتـكـلّـم الـلـغـة الـلاتـيـنـيـة لـيـسـهـل لـه مـهـمـتـه.

وهـكـذا وصـل سـفـيـر هـرون بـصـحـبـة مـبـعـوث إبـراهـيـم إلى مـيـنـاء بـيـزا في إيـطـالـيـا، ثـمّ وصـل بـعـدهـمـا الـيـهـودي إسـحـاق مـصـطـحـبـاً الـفـيـل الّـذي بـعـثـه هـرون هـديـة لـشـارلـمـان. ولأنّـه وصـل في شـهـر تـشـريـن الـثّـاني لـم يـسـتـطـع اخـتـراق جـبـال الألـب الّـتي كـانـت تـغـطـيـهـا الـثّـلـوج. ولـم يـسـتـطـع مـواصـلـة مـسـيـره نـحـو عـاصـمـة شـارلـمـان في الـشّـمـال إلّا بـعـد انـتـهـاء الـشّـتـاء، ووصـل مـع الـفـيـل في شـهـر تـمّـوز مـن سـنـة 802 م.

وتـتـكـلّـم حـولـيـات سـنـة 807 م. عـن سـفـيـر آخـر بـعـثـه “مـلـك بـلاد الـفـرس” أي هـرون الـرّشـيـد إلى بـلاط شـارلـمـان مـرّ بـالـقـدس وجـاء بـصـحـبـة راهـبـيـن مـنـهـا إلى أوربـا. ولا شـكّ في أنّـهـم عـبـروا الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط مـن “إفـريـقـيـة” إلى إيـطـالـيـا لأنّ الـمـقـطـع يـذكـر أنّـهـم عـادوا إلى الـشّـرق عـن هـذه الـطّـريـق. وقـد جـلـبـوا مـعـهـم إلى قـصـر شـارلـمـان في آخـيـن هـدايـا الـخـلـيـفـة الّـتي بـعـثـهـا مـن بـغـداد ومـن بـيـنـهـا : الـسّـتـائـر وحـبـالـهـا ومـعـاطـف الـحـريـر وعـطـور وتـوابـل ومـراهـم، وسـاعـة مـن الـنّـحـاس الـمـطـلي بـالـذّهـب أثـارت الـعـجـب والإعـجـاب وشـمـعـدانـان كـبـيـران مـن الـقُـلـز لـيـس بـعـد جـمـالـهـمـا جـمـال.

ولا يـذكـر الـنّـصّـان خـدم الـسّـفـراء ولا تـابـعـيـهـم ولا كـيـف تـنـقّـلـوا وحـمـلـوا هـدايـاهـم، فـهـمـا يـركـزّان عـلى الأحـداث الـرّئـيـسـيـة.

وإذا مـا قـارنّـا بـيـن نـصّ “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni  “ونـصّ “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum ” نـجـد اخـتـلافـاً وتـفـاوتـاً بـيـنـهـمـا، فـنـحـن نـفـهـم مـن “سـيـرة شـارل الأكـبـر” أنّ عـلاقـات هـرون بـشـارلـمـان كـانـت قـد بـدأت قـبـل أن يـبـعـث الإمـبـراطـور بـسـفـارة إلى الـخـلـيـفـة في بـغـداد وأنّ الـخـلـيـفـة كـان قـد بـعـث إلى الإمـبـراطـور مـجـيـبـاً لـطـلـبـه بـالـفـيـل الـوحـيـد الّـذي كـان لـه في ذلـك الـوقـت. ويـذكـر الـنّـصّ أنّ سـفـراء شـارلـمـان عـادوا إلى بـلاطـه مـع سـفـراء بـعـثـهـم هـرون لـيـصـاحـبـوهـم ويـحـمـلـوا هـدايـا الـخـلـيـفـة. ولا يـذكـر الـنّـصّ كـم كـان عـدد الـسّـفـراء. بـيـنـمـا نـجـد في نـصّ الـحـولـيـات أنّ سـفـيـري شـارلـمـان كـانـا قـد مـاتـا قـبـل أن يـصـل سـفـيـر هـرون إلى بـلاط شـارلـمـان في 801 م. بـصـحـبـة مـبـعـوث الأمـيـر إبـراهـيـم، وأنّ الـفـيـل وصـل بـعـدهـم . أمّـا الـهـدايـا الـمـشـهـورة فـقـد بـعـثـت مـع سـفـيـر آخـر بـعـد ذلـك بـسـبـع سـنـوات أي في سـنـة 807 م.

ويـمـكـنـنـا أن نـدرك مـن هـذه الإخـتـلافـات في سـرد الأحـداث لـمـاذا يـشـكّ بـعـض الـمـؤرّخـيـن في صـحـة مـا ذكـر في الـنّـصّـيـن. ولـكـنـنـا مـع ذلـك نـعـتـقـد أنّ الـخـلـيـفـة والإمـبـراطـور تـبـادلا الـسّـفـراء. ومـن الـصـعـب عـلـيـنـا أن نـتـصـوّر أنّ إيـنـهـار أو أي كـاتـب آخـر قـد اسـتـطـاع اخـتـلاق كـلّ هـذه الأحـداث بـتـفـاصـيـلـهـا وجـزئـيـاتـهـا فـقـط لـيـرفـع مـن مـنـزلـه سـيّـده ويـجـعـل مـنـه نـدّاً لـلـخـلـيـفـة الّـذي كـان يـحـكـم جـزءاً كـبـيـراً مـن الـعـالـم.

ويـعـزي الـمـؤرّخـون الّـذيـن يـقـبـلـون بـصـحـة مـا جـاء في الـنّـصّـيـن عـلاقـات الـخـلـيـفـة بـالإمـبـراطـور إلى الـمـصـالـح الـمـشـتـركـة بـيـنـهـمـا، فـقـد كـانـت تـجـمـعـهـمـا الـعـداوة اتـجـاه الـدّولـة الـبـيـزنـطـيـة في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة، واتـجـاه الـخـلافـة الأمـويـة في الأنـدلـس. ولـكـنـنـا مـع ذلـك لا نـعـرف شـيـئـاً عـن مـعـاهـدات وقّـعـت بـيـنـهـمـا، وحـتّى إن كـان هـنـاك مـعـاهـدات.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

روايـة : “مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad” لأجـاثـا كـريـسـتي.

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

they 1

تـكـلّـمـنـا في مـقـال “أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق” عـن حـيـاة الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie وذكـرنـا كـيـف وصـلـت إلى الـعـراق وزارت مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في أور، ثـمّ كـيـف تـزوّجـت بـعـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN، وكـيـف سـاعـدتـه في عـدد مـن الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا في نـيـنـوى ونـمـرود. وتـكـلّـمـنـا عـن الـكـتـب الّـتي تـذكـر فـيـهـا أجـاثـا كـريـسـتي الـعـراق أو تـقـصّ فـيـهـا تـجـربـتـهـا الـعـراقـيـة.

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في أربـعـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”،الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان: “جـريـمـة في الـعـراق”(1)، و« They Came to Baghdad » الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان : “مـوعـد في بـغـداد”. وفي كـتـابَـيـن تـسـرد فـيـهـمـا ذكـريـاتـهـا : “تـعـال اخـبـرني كـيـف تـعـيـش « Come, Tell Me How You Live الّـذي صـدر في 1946. والـعـنـوان مـقـتـبـس مـن نـصّ لـويـس كـارول “مـن خـلال الـمـرآة”. وسـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : « An Autobiography » الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، أي بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976. وهي تـذكّـر أنّـهـا بـدأت الـكـتـاب في 2 نـيـسـان 1950 في دار بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود، وأنـهـتـه في إنـكـلـتـرة في 11 تـشـريـن الأوّل 1965. وقـد اسـتـعـمـلـت في كـتـابـتـه صـفـحـات مـن يـومـيـات ومـلاحـظـات كـانـت قـد كـتـبـتـهـا خـلال سـنـوات حـيـاتـهـا.

وقـد سـبـق أن خـصـصـنـا مـقـالاً لـروايـة أجـاثـا كـريـسـتـي : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”. ونـخـصـص هـذا الـمـقـال الـثّـالـث لـروايـتـهـا : “مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad”.

They Came to Baghdad :

they 4

نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي روايـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق : « They Came to Baghdad » في 1951، أي بـعـد عـامـيـن مـن مـشـاركـتـهـا في تـنـقـيـبـات نـمـرود مـع زوجـهـا الـثّـاني مـاكـس مـالـوان.

وقـد تـرجـمـت هـذه الـرّوايـة إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان “مـوعـد في بـغـداد”. ورغـم أنّ كـلـمـة “تـرجـمـة” ذكـرت عـلى غـلاف الـكـتـاب، فـهـو تـلـخـيـص أكـثـر مـنـه تـرجـمـة كـامـلـة ودقـيـقـة لـلـنّـصّ الأصـلي. ويـبـدو أن هـنـاك تـرجـمـة أخـرى تـحـت عـنـوان “لـقـاء في بـغـداد”.

وهـذه الـرّوايـة عـلى عـكـس سـابـقـتـهـا : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia” الّـتي نـشـرتـهـا أجـاثـا كـريـسـتي في 1936، مـلـيـئـة بـوصـف أمـاكـن في الـعـراق. ونـلـتـقي فـيـهـا بـعـدد مـن “الـعـراقـيـيـن”. وهي في الـحـقـيـقـة لـيـسـت روايـة بـولـيـسـيـة بـالـمـعـنى الـمـتـعـارف عـلـيـه : أي جـريـمـة غـامـضـة يـجـد لـهـا الـحـلّ مـحـقـق ذكي يـسـتـنـتـج مـن أحـداثـهـا الـمـبـعـثـرة كـيـفـيـة حـدوثـهـا ويـتـوصـل إلى كـشـف الـمـجـرم الّـذي قـام بـهـا. ولـنـقـل إنّ هـذه الـرّوايـة تـقـتـرب كـثـيـراً مـن روايـات الـتـجـسـس فـفـيـهـا تـآمـر ضـدّ أمـن الـبـشـريـة ومـجـرمـون يـحـاولـون الـسّـيـطـرة عـلـيـهـا. وقـد اسـتـغـلّـت الـكـاتـبـة خـوف الـغـربـيـيـن مـن انـدلاع حـرب عـالـمـيـة ثـالـثـة لـتـألـيـفـهـا.

وهـدفـنـا في هـذا الـمـقـال لـيـس تـلـخـيـص الـرّوايـة تـلـخـيـصـاً دقـيـقـاً أو كـتـابـة نـقـد أدبي لـنـصّـهـا، فهي تـنـتـمي إلى نـوع مـن الـنّـصـوص الـمـشـوقـة الـحـبـكـة الـسّـهـلـة الـقـراءة الـمـوجـهـة لـلـجـمـهـور الـواسـع. وإنّـمـا هـدفـنـا أن نـتـابـع وصـفـهـا لـلـعـراق والـعـراقـيـيـن والـصّـور الّـتي تـظـهـرهـا عـنـهـم. ولا شـكّ في أنّ كـتـابـات أجـاثـا كـريـسـتي شـاركـت في تـرسـيـخ بـعـض “الـكـلـيـشـيـهـات” عـنّـا في أذهـان الـغـربـيـيـن لـسـبـبـيـن : لأنّ هـذه الـصّـور تـتـسـلـل إلى الـمـخـيـلـة وتـبـقى في الـذّاكـرة بـصـورة لا إراديـة مـن خـلال مـتـابـعـة الأحـداث الـمـشّـوقـة، ولأنّ هـذه الـكـتـب نـشـرت ومـا زالـت تـنـشـر بـطـبـعـات مـتـنـوعـة وبـلـغـات مـخـتـلـفـة وبـأعـداد هـائـلـة مـن الـنّـسـخ. فـتـأثـيـرهـا يـتـجـاوز بـمـئـات الـمـرّات تـأثـيـر الـدّراسـات الـرّصـيـنـة الّـتي يـؤلـفـهـا بـاحـثـون تـصـعـب قـراءتـهـم.

كـمـا أنـني لـن أثـقـل عـلى الـقـارئ بـتـصـحـيـح كـلّ الأخـطـاء الّـتي ارتـكـبـتـهـا الـكـاتـبـة في كـلامـهـا عـن الـعـراق والـعـراقـيـيـن فـهي لـم تـكـن تـتـكـلّـم الـعـربـيـة ولـم تـعـمّـق مـعـارفـهـا بـالـمـجـتـمـع الـعـراقي وبـتـاريـخ الـبـلـد. وأنـا مـتـأكّـد أنّ الـقـارئ سـيـجـد هـذه الأخـطـاء بـنـفـسـه وسـيـضـحـك مـن بـعـضـهـا. وسـأتـرجـم الـمـقـاطـع الّـتي تـهـمـنـا في هـذا الـمـقـال مـبـاشـرة مـن الـنّـص الإنـكـلـيـزي. وسـيـبـدأ كـلّ اسـتـشـهـاد مـأخـوذ مـن الـرّوايـة بـمـعـقـوفـتـيـن (“) وسـيـنـتـهي بـمـعـقـوفـتـيـن (“).

they 6

تـبـدأ الـرّوايـة بـخـروج الـكـابـتـن كـروسـبي Captain Crospieمـن أحـد الـمـصـارف : “والـشّـارع الّـذي كـان فـيـه الـكـابـتـن كـروسـبي يـدعى بـشـارع الـبـنـك Bank Street  لأنّ أغـلـب بـنـوك الـمـديـنـة تـقـع فـيـه. وكـان في داخـل الـبـنـك شـئ مـن الـبـرودة والـعـتـمـة، أو بـالأحـرى شئ مـن الـعـفـونـة. وكـانـت ضـربـات عـدد كـبـيـر مـن الآلات الـكـاتـبـة تـتـعـالى في خـلـفـيـتـه. أمّـا في خـارجـه، فـقـد كـانـت الـشّـمـس حـارّة. وكـان الـغـبـار الـمـتـطـايـر يـمـلأ شـارع الـبـنـك، وكـانـت الـضّـوضـاء فـيـه شـديـدة مـتـنـوعـة الـمـصـادر: أصـوات الـمـنـبـهـات الـمـلـحّـة، وصـيـاح بـاعـة الـسّـلـع الـمـخـتـلــفـة. وكـان هـنـاك مـشـاجـرات حـامـيـة بـيـن أعـداد مـن الـنّـاس يـبـدو عـلـيـهـم أن بـعـضـهـم عـلى وشـك قـتـل الـبـعـض الآخـر ولـكـنـهـم كـانـوا في الـحـقـيـقـة أصـدقـاء أحـبّـاء، وأعـداد مـن الـرّجـال والـصّـبـيـان والأطـفـال يـبـيـعـون كـلّ أنـواع الـنـبـاتـات والـحـلـويـات والـبـرتـقـال والـمـوز والـمِـنـشـفـات والأمـشـاط وأمـواس الـحـلاقـة وسـلـع أخـرى يـدورون بـهـا في الـشـوارع عـلى صـواني. وكـان هـنـاك أيـضـاً أصـوات تـنـحـنـح الـنّـاس الـمـسـتـمـر وبـصـاقـهـم، ويـعـلـو فـوق ذلـك كـلّـه عـويـل سـوّاق الـحـمـيـر والـخـيـل الـمـقـهـور الـمـرتـفـع الـنّـبـرات في وسـط هـديـر الـسّـيّـارات وصـيـاح الـمـشـاة : “بـالـك! بـالـك ! Balek ! Balek ! “. كـانـت الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة صـبـاحـاً في مـديـنـة بـغـداد. أوقـف الـكـابـتـن كـروسـبي صـبـيـاً كـان يـركـض بـسـرعـة وعـلى ذراعـه حـمـولـة جـرائـد واشـتـرى واحـدة مـنـهـا. وبـعـد أن خـرج مـن شـارع الـبـنـك دخـل في شـارع الـرّشـيـد، وهـو شـارع بـغـداد الـرّئـيـسي، يـخـتـرقـهـا عـلى مـدى أربـعـة مـايـلات (سـتّ كـيـلـومـتـرات ونـصـف تـقـريـبـاً) مـحـاذيـاً نـهـر دجـلـة. وألـقى الـكـابـتـن كـروسـبي نـظـرات سـريـعـة عـلى عـنـاويـن أخـبـار الـجـريـدة، ووضـعـهـا تـحـت إبـطـه. وبـعـد أن سـار حـوالي مـائـتي يـاردة (183 مـتـراً تـقـريـبـاً) إسـتـدار لـيـدخـل في درب ضـيّـق يـفـضي إلى خـان أو حـوش كـان في جـانـبـه الـمـقـابـل بـاب عـلـيـه لافـتـة نـحـاسـيـة دفـعـه فـانـفـتـح داخـلاً في مـكـتـب. ونـهـض مـوظـف شـاب عـراقي طـويـل نـظـيـف ومـهـنـدم مـن وراء آلـتـه الـكـاتـبـة واتـجـه نـحـوه مـبـتـسـمـاً مـرحّـبـاً “.

ويـدخـل الـكـابـتـن كـروسـبي في مـكـتـب مـسـتـر داكـيـن. ونـعـرف أنّ الـكـابـتـن كـروسـبي وصـل إلى بـغـداد عـائـداً مـن كـركـوك، وأنّ هـمّـه وهـمّ الـمـسـتـر داكـيـن كـان مـراقـبـة اجـتـمـاع سـرّي سـيـعـقـد في بـغـداد. وتـسـاءل الـكـابـتـن كـروسـبي هـل يـنـوي الـدّكـتـاتـور الـكـبـيـر (ويـعـني بـه رئـيـس قـوّة أوربـيـة عـظـيـمـة) أن يـأتي إلى بـغـداد. ونـعـرف أنّ كـارمـايـكـل Carmichael وجـد مـعـلـومـات بـعـثـهـا عـن طـريـق صـلاح حـسـن Salah Hassan بـشـفـرة سـرّيـة.

وبـعـد أن تـركـه الـكـابـتـن كـروسـبي هـمـس مـسـتـر داكـيـن لـنـفـسـه : “جـاءوا إلى بـغـداد They Came to Baghdad “. وعـلى ورقـة رسـم دائـرة كـتـب تـحـتـهـا “بـغـداد” وحـولـهـا خـطـط صـور جـمـل وطـائـرة وبـاخـرة وقـطـار صـغـيـر يـنـفـث دخـانـاً تـتـجـه كـلّـهـا نـحـو الـدّائـرة. وفي زاويـة رسـم شـبـكـة عـنـكـبـوت وكـتـب في وسـطـهـا آنـا شـيـل Anna Scheel ، ووضـع تـحـتـهـا عـلامـة اسـتـفـهـام كـبـيـرة.

they 5

ونـجـد الـشّـقـراء آنـا شـيـل في الـفـصـل الـتّـالي تـعـمـل في فـرع نـيـويـورك لـوكـالـة بـنـكـيـة عـالـمـيـة، وتـطـلـب إجـازة لـتـذهـب إلى لـنـدن.

وتـدخـل في الـرّوايـة شـخـصـيـة أخـرى: فـيـكـتـوريـا جـونـزVictoria Jones ، شـابـة لـنـدنـيـة فـقـدت عـمـلـهـا والـتـقـت في حـديـقـة عـامـة بـشـاب اسـمـه إدوارد أخـبـرهـا إنّـه ذاهـب إلى بـغـداد لـيـعـمـل في مـكـتـبـة. وتـقـرر فـيـكـتـوريـا أن تـتـبـعـه لأنّـهـا وقـعـت في حـبّـه. وتـجـد عـن طـريـق وكـالـة عـمـل امـرأة كـانـت تـريـد أن تـسـافـر إلى بـغـداد ولـكـنّـهـا كـسـرت ذراعـهـا وتـحـتـاج إلى مـن يـصـاحـبـهـا لـمـسـاعـدتـهـا.

ونـجـد في الـفـصـل الـخـامـس : “الـقـارب الّـذي كـان قـد تـرك الأهـوار قـبـل يـومـيـن” يـشـقّ طـريـقـه بـهـدوء في مـيـاه شـطّ الـعـرب : “كـان الـتّـيـار قـويّـاً، ولـم يـكـن الـرّجـل الـعـجـوز يـحـتـاج إلى جـهـد كـبـيـر لـيـقـوده. كـانـت حـركـاتـه رصـيـنـة يـبـدو مـغـمـض الـعـيـنـيـن وهـو يـغـنّي بـعـذوبـة تـحـت أنـفـاسـه غـنـاءً عـربـيـاً حـزيـنـاً يـردده بـاسـتـمـرار:

أسـري بـالـلـيـل يـا يـمـلي (جـمـلي)                      Asri bi lel ya yamali

حـظي عـلـيـك يـا ابـن عـلي                             Hadhi alek ya Ibn Ali

وهـكـذا وصـل عـبـدُل سـلـيـمـان Abdul Suleiman (1)، رجـل مـن عـرب الأهـوار إلى الـبـصـرة. وكـان مـعـه رجـل آخـر في الـقـارب، في مـلابـسـه الّـتي يـرتـديـهـا خـلـيـط مـن الـغـرب والـشّـرق، فـعـلى دشـداشـة مـقـلّـمـة كـان يـرتـدي ثـوبـاً مـهـتـرئ الـقـمـاش خـاكي الـلـون، ومـعـطـف قـديـم ربـط حـول يـاقـتـه لـفـافـاً أحـمـر بـهـت لـونـه. وعـلى رأسـه يـشـمـاغ أبـيـض وأسـود وعـقـال. وشـرع هـو الآخـر يـدنـدن نـفـس الـنّـغـمـات. كـان يـبـدو شـبـيـهـاً بـآلاف الأشـخـاص في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، ولـم يـكـن هـنـاك مـا يـدلّ عـلى أنّـه إنـكـلـيـزي يـحـمـل في طـيّـات قـلـبـه سـرّاً يـمـكـن أن يـغـيـر وجـه الـعـالـم”.

ونـعـرف أنّـه كـان قـد اجـتـاز بـلاداً كـثـيـرة ونـجـا مـن مـطـاردات كـثـيـريـن كـانـوا يـريـدون قـتـلـه : “هـنـري كـارمـايـكـل. عـمـيـل سـرّي بـريـطـاني في حـوالي الـثّـلاثـيـن مـن عـمـره. بـنّي الـشّـعـر غـامـق الـعـيـنـيـن. يـتـكـلّـم الـلـغـات الـعـربـيـة والـكـرديـة والـفـارسـيـة والأرمـنـيـة والـهـنـدوسـتـانـيـة والـتّـركـيـة ولـهـجـات جـبـلـيـة عـديـدة”.

“ويـتـمـتـم الـعـجـوز الـعـربي مـن غـيـر أن يـديـر رأسـه : الـوقـت يـقـتـرب يـا ابـني، بـارك الله فـيـك May Allah prosper you .

ــ : عـد إلى الأهـوار يـا أبي، لا أريـد أن يـصـيـبـك أذى.

ــ : هـذا أمـر الله، كـلّ شئ بـيـديـه That is as Allah decrees. It is in his hand.

ــ : إن شـاء الله In shâ Allâh. وقـد ودّ في تـلـك الـلـحـظـة لـو كـان دم شـرقي يـسـيـل في عـروقـه بـدلاً مـن الـدّم الـغـربي، لـكي لا يـهـتـم بـاحـتـمـالات الـنّـجـاح أو الـفـشـل، وأن لا يـحـسـب ويـعـيـد حـسـاب دورالـحـظ والـمـصّـدفـات، ولـكي يـتـوقـف عـن الـتّـفـكـيـر في هـل أحـكـم خـطـتـه وفي نـتـائـجـهـا، ولـكي يـلـقي بـالـمـسـؤولـيـة عـلى الـرّحـمـن All Merciful الـحـكـيـم All Wise. إن شـاء الله In shâ Allâh، سـأنـجـح في خـطـتي”. “ودخـل الـقـارب بـهـدوء في الـمـمـر الـمـائي الّـذي تـعـمـق في ضـفـة الـنّـهـر، وكـانـت مـربـوطـة فـيـه كـلّ أنـواع الـمـراكـب، ومـراكـب أخـرى كـانـت تـسـبـقـهـمـا أو تـتـبـعـهـمـا. وكـان الـمـشـهـد رائـعـاً كـمـا لـو كـان في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة تـقـريـبـاً It was lovely, almost venetian scene”.

“ورفـع كـارمـايـكـل أسـفـل دشـداشـتـه الـمـقـلّـمـة بـيـده وصـعـد الـدّرجـات الـحـجـريـة الـمـنـزلـقـة نـحـو الـرّصـيـف. ووجـد حـولـه الـمـشـاهـد الـمـألـوفـة. الأولاد الـصّـغـار وبـاعـة الـبـرتـقـال تـربّـعـوا بـجـانـب صـواني سـلـعـهـم، وقـطـع لـزجـة مـن كـعـك وحـلـويـات، وصـواني مـن قـيـاطـيـن الأحـذيـة وأمـشـاط رخـيـصـة وقـطـع مـن الـمـطـاط. ومـارة يـبـصـقـون بـضـوضـاء مـن حـيـن إلى حـيـن يـتـمـشـون وحـبّـات مـسـابـحـهـم تـتـسـاقـط مـتـضـاربـة بـيـن أيـديـهـم. وفي الـرّصـيـف الـمـقـابـل الّـذي تـنـفـتـح عـلـيـه واجـهـات الـمـخـازن والـبـنـوك، نـرى أفـنـديـة effendis شـبـاب مـسـرعـيـن نـحـو أشـغـالـهـم، يـرتـدون مـلابـس أوربـيـة خـفـيـفـة أرجـوانـيـة الألـوان. وكـان هـنـاك أوربـيـون أيـضـاً، إنـكـلـيـز وأجـانـب”.

“وهـكـذا وصـل هـذا الأجـنـبي إلى وسـط الـمـديـنـة وبـلـغ الـجـسـر فـوق الـقـنـاة، وعـبـره مـسـتـديـراً ودخـل الـسّـوق. وكـانـت الـضّـجـة والـضّـوضـاء في كـلّ مـكـان، يـمـشي فـيـهـا رجـال عـشـائـر بـعـنـفـوان يـدفـعـون كـلّ مـن في طـريـقـهـم، وتـخـتـرقـهـا حـمـيـر مـحـمّـلـة يـصـيـح سـوّاقـهـا بـخـشـونـة : ” بـالـك! بـالـك ! Balek ! Balek ! “. وأطـفـال يـتـعـاركـون ويـولـولـون ثـمّ يـتـراكـضـون عـنـدمـا يـمـرّ أوربـيـون ويـصـيـحـون بـأمـل : بـقـشـيـش مـدام. بـقـشـيـش .مـسـكـيـن ــ مـسـكـيـن Baksheesh, madame. Baksheesh. Meskin-meskin…. وهـنـا تـبـاع مـنـتـوجـات الـغـرب والـشّـرق مـعـاً، جـنـبـاً إلى جـنـب. قـدور مـن الألـمـنـيـوم، وأكـواب ومـواعـيـنـهـا وأبـاريـق شـاي، ومـصـنـوعـات الـصـفـافـيـر، وفـضّـيـات مـن مـديـنـة الـعـمـارة، وسـاعـات رخـيـصـة، وأكـواز مـطـلـيـة بـالـمـيـنـا، ومـطـرّزات وسـجـاد فـارسي زاهي الـتّـصـامـيـم، ومـعـاطـف مـسـتـعـمـلـة وبـنـاطـيـل وكـنـزات أطـفـال صـوفـيـة وألـحـفـة مـبـطـنـة مـصـنـوعـة مـحـلّـيـاً وزجـاج مـصـابـيـح مـرسـوم بـالألـوان وأكـوام مـن الـجـرار والـصـحـون الـفـخـاريـة. كـلّ بـضـائـع الـحـضـارة الـحـديـثـة الـرّخـيـصـة إلى جـانـب الـمـنـتـوجـات الـمـحـلّـيـة”.

وسـار كـارمـايـكـل في مـسـالـك مـعـتـمـة إلى أن وصـل إلى حـوش خـان حـولـه عـدّة دكـاكـيـن: “ذهـب كـارمـايـكـل إلى واحـد مـنـهـا عـلّـقـت أمـامـه فـروات ferwahs ـ مـعـاطـف مـن جـلـود الـغـنـم تـأتي مـن الـشّـمـال. وقـف يـقـلـبّـهـا بـاهـتـمـام. وكـان صـاحـب الـدّكـان يـقـدّم قـهـوة لـزبـون. وكـان الـزّبـون رجـلاً طـويـل الـقـامـة مـلـتـحِ مـهـيـب الـمـظـهـر، يـلـبـس لـفّـة خـضـراء حـول فـيـنـتـه، مـمـا يـدل عـلى أنّـه حـاج Hajji ذهـب إلى مـكّـة. وظـلّ كـارمـايـكـل واقـفـاً يـتـلـمـس الـفـروة وسـأل ــ: بـيـش هـذا؟ Besh hadha ?.

ــ : بـسـبـعـة دنـانـيـر.

ــ : غـالي.

وقـال الـحـاج The Hajji : إبـعـث الـسـجـاجـيـد إلى خـاني.

ــ : أكـيـد. تـمـشي غـداً ؟

ــ : في الـفـجـر، إلى كـربـلاء.

وقـال كـارمـايـكـل ــ : كـربـلاء، هـذه مـديـنـتي. صـار لي خـمـس عـشـرة سـنـة مـنـذ أن زرت قـبـر الـحـسـيـن. وأجـاب الـحـاج The Hajji : هـذه مـديـنـة مـقـدّسـة.

وأدار صـاحـب الـدّكـان رأسـه وقـال لـكـارمـايـكـل : هـنـاك فـروات أرخـص في الـدّاخـل.

ــ : أحـتـاج إلى فـروة بـيـضـاء مـن الـشّـمـال.

ــ : عـنـدي مـنـهـا في الـحـجـرة الـخـلـفـيـة “.

وكـانـت كـلـمـتـا “فـروة” و “كـربـلاء” كـلـمـتي الـسّـر، ولـكـنّ كـارمـايـكـل وجـد شـخـصـاً لـم يـتـوقـعـه في الـدّاخـل، واسـتـطـاع الـنّـجـاة مـن مـحـاولـة لـقـتـلـه. وأدرك في هـربـه أنّ الـسّـر كـان قـد تـسـرّب. ولـم يـبـق لـه، وهـو الّـذي كـان يـريـد تـحـاشي ذلـك، إلّا أن يـذهـب إلى الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة في الـبـصـرة.

ونـجـد في الـفـصـل الـسّـادس ريـشـارد بـيـكـر الّـذي وصـل بـالـبـاخـرة إلى الـبـصـرة في طـريـقـه إلى تـلّ أسـود، مـوقـع مـديـنـة مـوريـك الـقـديـمـة. ورغـم أنّ هـنـاك “تـل أسـود” حـقـيـقي في سـوريـا ولـكـنّـه لـم يـنـقـب إلّا في 1967. أمّـا مـوريـك فهي مـديـنـة خـيـالـيـة تـمـامـاً.

وقـد جـاء بـيـكـر إلى الـقـنـصـلـيـة لـيـقـابـل الـقـنـصـل، وجـلـس بـجـانـب كـارمـايـكـل ولـكـنّـه لـم يـتـعـرف عـلـيـه في مـلابـسـه الّـتي سـبـق أن وصـفـنـاهـا رغـم أنّـهـمـا كـانـا في نـفـس الـمـدرسـة في صـغـرهـمـا. وضـرب كـارمـايـكـل حـبّـات مـسـبـحـتـه بـاعـثـاً لـه رسـالـة بـشـفـرة الـمـورس. وكـان في قـاعـة الإنـتـظـار إنـكـلـيـزي آخـر حـاول أن يـطـلـق الـنّـار عـلى كـارمـايـكـل ولـكـن ريـشـارد بـيـكـر ضـرب بـيـده عـلى مـسـدسـه وأسـقـطـه. واسـتـطـاع كـارمـايـكـل أن يـضـع ورقـة في جـيـب بـيـكـر قـبـل أن يـهـرب.

وتـصـل الـشّـابـة الإنـكـلـيـزيـة فـيـكـتـوريـا جـونـز بـالـطـائـرة إلى طـرابـلـس [الـغـرب] في الـفـصـل الـسّـابـع. وتـغـدق الـمـرأة الّـتي كـسـرت ذراعـهـا والّـتي تـصـاحـبـهـا فـيـكـتـوريـا عـلـيـهـا بـنـصـائـحـهـا. وتـنـهـيـهـا بـهـذه الـجـمـل : “وفي الـحـقـيـقـة لـيـس هـنـاك شئ نـظـيـف إن كـنـت تـدركـيـن مـا أقـول. وأنـا أنـتـبـه دائـمـاً إلى مـا أأكـل، فـالـقـذارة في الأسـواق والـشّـوارع شئ لا يـمـكـن أن تـصـدقـيـه. وهـذه الـخـرق الـبـالـيـة الـوسـخـة الّـتي يـرتـديـهـا الـنّـاس. وبـعـض دورات الـمـيـاه. هي لا تـسـتـحـق أن تـدعى بـهـذا الإسـم !”. وتـسـتـمـر الـسّـفـرة مـن طـرابـلـس إلى الـقـاهـرة فـبـغـداد.

وعـنـدمـا وصـلـت فـيـكـتـوريـا إلى بـغـداد : “كـان انـطـبـاعـهـا وهي تـتـنـفـس الـعـجـاج الأصـفـر الـحـار الـخـانـق سـيـئـاً. ومـن الـمـطـار إلى فـنـدق تـيـو، هـاجـمـت أذنـيـهـا ضـوضـاء مـسـتـمـرّة لا تـتـوقّـف. مـنـبـهـات سـيّـارات مـسـتـمـرة بـتـتـابـع جـنـوني، وأصـوات تـتـصـايـح، وصـفّـارات حـادّة، ثـمّ ارتـفـاع مـنـبـهـات سـيّـارات تـصـمّ الآذان ولا داعي لـهـا”. وبـعـد أن وصـلـت إلى الـفـنـدق (الّـذي يـطـلّ عـلى دجـلـة) وقـد أصـابـهـا الـصـدّاع ورأسـهـا يـدور، ذهـبـت إلى الـفـراش : “جـلـسـت فـيـكـتـوريـا عـلى حـافـة الـسّـريـر ومـسـحـت بـيـدهـا عـلى شـعـرهـا. وشـعـرت بـه مـلـبّـداً بـالـتّـراب وشـعـرت بـبـشـرة وجـهـهـا مـحـرقـة تـؤلـمـهـا. ونـظـرت إلى نـفـسـهـا في الـمـرآة. غـيّـر الـعـجـاج لـون شـعـرهـا الـغـامـق إلى لـون بـنّي مـحـمـرّ غـريـب. وسـحـبـت طـرفـاً مـن الـسّـتـارة ونـظـرت مـن خـلال الـشّـرفـة الـفـارغـة إلى الـنّـهـر. ولـم تـر مـن دجـلـة إلّا ضـبـابـاً أصـفـر كـثـيـفـاً. وقـالـت لـنـفـسـهـا وهي عـلى حـافّـة انـهـيـار عـصـبي عـمـيـق : مـا أبـغـض هـذا الـمـكـان”.

ولـكـنّـهـا “بـعـد أن اغـتـسـلـت وتـغـدّت ونـامـت الـقـيـلـولـة مـدّة طـويـلـة، خـرجـت فـيـكـتـوريـا مـن غـرفـتـهـا إلى الـشّـرفـة ونـظـرت إلى دجـلـة. كـانـت عـاصـفـة الـعـجـاج قـد هـدأت. وبـدلاً مـن الـضّـبـاب الأصـفـر رأت نـوراً بـاهـتـاً ومـيّـزت عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة أشـكـالاً رقـيـقـة لـنـخـيـل ودور شـيّـدت هـنـا وهـنـاك”.

ثـمّ عـرفـت فـيـكـتـوريـا أنّ الـشّـاب إدوارد الّـذي كـانـت قـد أغـرمـت بـه وجـاءت مـن أجـلـه إلى بـغـداد، يـعـمـل في جـمـعـيـة “غـصـن الـزّيـتـون”. وسـألـت فـيـكـتـوريـا تـيـو، صـاحـب الـفـنـدق عـن عـنـوان الـجـمـعـيـة، ولأنّـهـا لا تـعـرف بـغـداد فـقـد اقـتـرح عـلـيـهـا أن تـركـب سـيّـارة إجـرة. وعـنـدمـا سـألـتـه إن كـان الـسّـائـق يـعـرف الـمـكـان أجـابـهـا : “كـلّا، هـم لا يـعـرفـون مـوقـع أي مـكـان ! يـنـبـغي أن تـقـولي لـلـسّـائـق : يـمـيـن، يـسـار، تـوقـف، أكـمـل طـريـقـك ــ تـدّلـيـنـه عـلى الـمـكـان. وقـالـت فـيـكـتـوريـا : الأفـضـل إذن أن أسـيـر”.

“ووصـلـت إلى شـارع الـرّشـيـد واسـتـدارت يـمـيـنـاً. وكـانـت بـغـداد عـلى عـكـس مـا كـانـت تـتـصـوره عـنـهـا تـمـامـاً. شـارع رئـيـسي مـزدحـم مـكـتـظ بـالـنّـاس، وسـيـارات تـقـرع مـنـبـهـاتـهـا بـعـنـف، ونـاس يـتـصـايـحـون، وبـضـائـع أوربـيـة في واجـهـات الـمـحـلّات، وبـصـاق في كـلّ مـكـان حـولـهـا بـعـد نـحـنـات مـلـحّـة وعـالـيـة. ولـم تـجـد شـخـصـيـات شـرقـيـة غـريـبـة وغـامـضـة، فـأغـلـبـيـة الـنّـاس يـرتـدون مـلابـس غـربـيـة رخـيـصـة ومـهـتـرئـة، سـتـرات جـيـش وقـوّات جـوّيـة قـديـمـة. وتـبـدو الأشـكـال الـمـتـفـوّطـة والـمـرتـديـة عـبـاءات سـوداء الّـتي نـلـمـحـهـا هـنـا وهـنـاك ضـائـعـة في وسـط هـذا الـخـلـيـط مـن الـمـلابـس الأوربـيـة. وجـاءت نـحـوهـا مـتـسـولات يـولـولـن ويـبـكـيـن ــ نـسـاء يـحـمـلـن أطـفـالاً وسـخـيـن بـيـن أذرعـهـنّ. ولـم يـكـن الـرّصـيـف تـحـت قـدمـيـهـا مـسـطّـح الـمـسـتـوى وكـان فـيـه بـيـن الـحـيـن والـحـيـن حـفـر مـفـتـوحـة. وأكـمـلـت طـريـقـهـا وقـد اجـتـاحـهـا فـجـأة شـعـور بـالـغـربـة والـضّـيـاع بـعـيـداً عـن بـلـدهـا. هـنـا لا يـحـس الـمـسـافـر بـسـحـر الـسّـفـر، ولـكـنّـه يـحـسّ فـقـط بـالـفـوضى. ثـمّ وصـلـت إلى جـسـر فـيـصـل وتـجـاوزتـه مـسـتـمـرة في سـيـرهـا. وقـد أثـار الـخـلـيـط الـغـريـب مـمـا تـعـرضـه واجـهـات الـمـحـلّات فـضـولـهـا رغـمـاً عـنـهـا : أحـذيـة أطـفـال وألـبـسـة صـوفـيـة ومـعـجـون أسـنـان ومـسـتـحـضـرات تـجـمـيـل ومـصـابـيـح كـهـربـائـيـة وأكـواب فـرفـوري وصـحـون، وضـعـت جـنـبـاً لـجـنـب. وشـيـئـاً فـشـيـئـاً دخـلـت في دائـرة سـحـرهـا، سـحـر هـذه الـبـضـائـع الـمـتـنـوعـة الّـتي جـاءت مـن كـلّ أنـحـاء الـعـالـم لـتـشـبـع رغـبـات هـذا الـخـلـيـط الـغـريـب مـن الـنّـاس ولـتـسـد حـاجـاتـهـم”.

ولـم تـجـد أحـداً يـسـتـطـيـع أن يـدلّـهـا عـلى طـريـقـهـا، لا أصـحـاب الـمـحـلّات ولا الـشّـرطـة الّـذيـن رأتـهـم : “يـحـركـون أذرعـهـم بـعـنـفـوان ويـطـلـقـون صـفـاراتـهـم”، ولا صـاحـب الـمـكـتـبـة الّـتي “عـرضـت في واجـهـتـهـا بـعـض الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة”. ثـمّ أكـمـلـت طـريـقـهـا وعـنـدهـا : “هـاجـمـت أذنـيـهـا أصـوات رهـيـبـة لـضـربـات مـطـارق عـنـيـفـة جـاءت مـن زقـاق مـعـتـم”. وتـذكـرت مـا أخـبـروهـا بـه مـن إنّ مـكـتـب “غـصـن الـزّيـتـون” كـان قـرب سـوق الـصّـفـافـيـر. “ودخـلـتـه فـيـكـتـوريـا. وسـحـرهـا سـوق الـصّـفـافـيـر، نـارالـلـحـام والـمـعـدن الـذّائـب وطـريـقـة صـنـع الأوعـيـة كـانـت اكـتـشـافـاً عـجـيـبـاً لـسـاكـنـة لـنـدن الـصّـغـيـرة هـذه الّـتي لـم تـرَ قـبـل ذلـك إلّا بـضـائـع مـكـتـمـلـة الـتّـصـنـيـع مـعـروضـة لـلـبـيـع. وتـجـولـت في الـسّـوق ثـمّ تـركـتـهـا لـتـمـرّ أمـام أغـطـيـة خـيـل مـخـطـطـة زاهـيـة الألـوان وألـحـفـة فـرش قـطـنـيـة مـبـطّـنـة. وتـبـدو الـمـنـتـوجـات الأوربـيـة هـنـا مـخـتـلـفـة الـمـظـهـر تـحـت هـذه الـسّـقـوف الـمـعـتـمـة الـمـنـعـشـة الـبـرودة، لـهـا مـيـزة الـسّـلـع الـقـادمـة مـن مـا وراء الـبـحـار وفـيـهـا شئ مـن الـغـرابـة والـنّـدرة. بـالات مـن الأقـمـشـة الـرّخـيـصـة الـزّاهـيـة الألـوان تـبـهـج الأعـيـن. وبـيـن الـحـيـن والـحـيـن نـسـمـع صـيـحـات : بـالـك! بـالـك ! Balek ! Balek ! لـتـمـرّ حـمـيـر أو بـغـال تـتـمـايـل عـلى ظـهـورهـا الأحـمـال. ويـتـسـارع نـحـوهـا أولاد صـغـار ربـطـت صـوانـيـهـم بـأشـرطـة تـدور حـول أعـنـاقـهـم :see, lady,elastic, good elastic, English elastic. Comb, English comb ? . وتُـرمى الـسّـلـع عـلـيـهـا، تـكـاد تـمـسّ أنـفـهـا بـصـيـحـات تـرجـوهـا أن تـشـتـريـهـا. وسـارت فـيـكـتـوريـا في حـلـم سـعـيـد. هـذه هي حـقّـاً رؤيـة الـدّنـيـا. وفي كـلّ مـنـعـطـف مـن مـمـرات هـذا الـعـالـم الـمـسـقّـف الـمـنـعـش الـبـرودة تـكـتـشـف أشـيـاء لـم تـتـوقّـعـهـا : زقـاق الـخـيّـاطـيـن وفي أيـديـهـم إبـر الـخـيـاطـة وخـلـفـهـم صـور لـخـيـاطـة رجـالـيـة أوربـيـة، ثـمّ صـفـوف مـن سـاعـات وحـلي رخـيـصـة. وأكـوام مـن الـقـطـيـفـة وأقـمـشـة مـطـرزة بـخـيـوط مـعـدنـيـة غـالـيـة، ثـمّ تـفـقـد حـظـهـا مـن هـذا وتـجـد نـفـسـهـا في مـمـرات مـلابـس أوربـيـة مـسـتـعـمـلـة مـبـتـذلـة ومـحـكـوكـة، سـتـر بـهـتـت ألـوانـهـا تـدعـو لـلـرّثـاء ومـعـاطـف طـويـلـة مـبـعـثـرة هـنـا وهـنـاك. وتـلـمـح بـيـن الـحـيـن والـحـيـن انـفـتـاحـاً عـلى حـوش تـرى فـوقـه جـزءاً مـن الـسّـمـاء. ثـمّ امـتـد أمـام عـيـنـيـهـا مـشـهـد بـائـعي سـراويـل رجـالـيـة جـلـسـوا مـتـربّـعـيـن بـهـيـبـة وسـط زوايـاهـم الـمـربّـعـة الـصـغـيـرة وعـلى رؤوسـهـم الـعـمـائـم. “بـالـك Balek ! ” وجـاء حـمـار ثـقـيـل الأحـمـال مـن خـلـفـهـا أجـبـرهـا عـلى أن تـلـتـجـأ إلى زقـاق ضـيّـق رأت في أعـلاه شـريـطـاً مـن الـسّـمـاء. وسـارت فـيـه لـتـجـد فـيـه مـا كـانـت تـبـحـث عـنـه”.

وعـنـدمـا سـألـت عـن إدوارد في مـكـتـب “غـصـن الـزّيـتـون” أخـبـروهـا أنّـه كـان في مـهـمـة في الـبـصـرة.

وتـتـكـلّـم الـكـاتـبـة عـن الـنّـادل يـسـوع Jesusالّـذي كـان يـعـمـل في فـنـدق تـيـو الّـذي أقـامـت فـيـه فـيـكـتـوريـا. ويـسـوع هـذا كـان شـخـصـيـة حـقـيـقـيـة الـتـقـت بـه أجـاثـا كـريـسـتي. وكـان مـسـيـحـيـاً كـلـدانـيـاً مـن شـمـال الـعـراق يـعـمـل في نـادلاً في فـنـدق. ويـذكـره أيـضـاً Archibald Bulloch Roosevelt, Jr. الّـذي كـان مـلـحـقـاً عـسـكـريـاً أمـريـكـيـاً في بـغـداد خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة في كـتـابـه : For Lust of Knowing: Memoirs of an Intelligence Officer .

وفي الـمـسـاء، بـيـنـمـا كـانـت فـيـكـتـوريـا تـتـهـيـأ لـلـنّـوم انـفـتـح بـاب غـرفـتـهـا عـلى مـصـراعـيـه وانـسـلّ إلـيـهـا رجـل أغـلـق بـعـده الـبـاب بـالـمـفـتـاح وطـلـب مـنـهـا أن تـخـفـيـه بـسـرعـة، فـأخـفـتـه تـحـت الـسّـريـر. ثـمّ سـمـعـت دقّـات عـلى الـبـاب فـقـد جـاء رجـال الـشّـرطـة. وعـنـدمـا ذهـبـت فـيـكـتـوريـا إلى الـبـاب لاحـظـت لـفـاف الـرّجـل الأحـمـر فـحـشـرتـه في جـرّار. وبـعـد أن أخـبـرتـهـم أنّـهـا لـم تـرَ أحـداً ذهـب رجـال الـشّـرطـة لـيـدقّـوا عـلى بـاب الـغـرفـة الـمـجـاورة. وعـنـدمـا ابـتـعـدوا أخـرجـت فـيـكـتـوريـا الـرّجـل الـمـخـتـبئ ولاحـظـت عـلـيـه بـقـعـة حـمـراء مـن الـدّمـاء. وقـبـل أن يـمـوت بـيـن يـديـهـا نـطـق بـثـلاث كـلـمـات : لـوسـيـفـر Lucifer ، الـبـصـرة Basrah ، واعـتـقـدت أنّ الأخـيـرة كـانـت لافـارج Lafarge.

ثـمّ ذهـبـت فـيـكـتـوريـا إلى الـبـصـرة بـحـثـاً عـن إدوارد، وكـان ذلـك في الـشّـتـاء، ولـبـسـت ثـوبـاً صـيـفـيـاً فـطـقـس الـبـصـرة يـذكّـرهـا بـشـهـر حـزيـران في لـنـدن. وبـعـد أن وجـدت إدوارد ذهـبـا يـتـجـولان في الـمـديـنـة : “تـتـوقـف كـلّ الأشـغـال في سـاعـات مـنـتـصـف الـنّـهـار. وخـرج إدوارد وفـيـكـتـوريـا بـعـد الـغـداء لـيـتـمـشـيـا في الـمـديـنـة ويـطّـلـعـا عـلى مـعـالـمـهـا. وقـد أعـجـبـت فـيـكـتـوريـا بـالـنّـهـر، شـطّ الـعـرب بـضـفـافـه الّـتي تـغـطـيـهـا غـابـات الـنّـخـيـل. وأحـبّـت مـراكـب الـعـرب الـسّـريـعـة الّـتي تـشـبـه قـوارب مـديـنـة الـبـنـدقـيـة (الـجـنـدولات) والّـتي ربـطـت عـلى جـانـبي الـقـنـاة في الـمـديـنـة. ثـمّ تـجـوّلا في الـسّـوق وتـأمّـلا صـنـاديـق الـعـرس الـمـصـنـوعـة في الـكـويـت والـمـدقـوقـة فـيـهـا مُـقـطّـعـات نـحـاسـيـة، وسـلـع أخـرى تـجـذب أعـيـن الـنّـاظـريـن”. وقـصّـت فـيـكـتـوريـا عـلى إدوارد مـا حـدث لـهـا في الـفـنـدق في بـغـداد ومـوت الـرّجـل الـغـريـب في غـرفـتـهـا. ونـعـرف أنّ آنـا شـيـل سـتـأتي إلى بـغـداد.

وبـعـد أن عـادا إلى بـغـداد ضـرب إدوارد مـوعـداً لـفـيـكـتـوريـا عـلى ضـفـة دجـلـة “أمـام بـيـت الـمـلـك عـلي Beit Melik Ali”. وبـعـد أن سـألـت عـن الـعـنـوان وجـدت داراً كـبـيـرة تـطـلّ عـلى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة. ودهـشـت عـنـدمـا أوصـلـهـا درب ضـيّـق إلى ضـفـة الـنّـهـر : “إسـتـدارت إلى الـيـمـيـن وسـارت بـتـمـهـل بـمـحـاذاة الـسّـدّة الـعـالـيـة. كـانـت الـسّـدّة في بـعـض أجـزائـهـا قـد هـدّمـهـا الـمـاء، ولـم تـكـن في بـعـض الأحـيـان قـد رمـمـت أو أعـيـد بـنـاؤهـا. وكـان أمـام إحـدى الـدّور درجـات لـو سـلـكـهـا الـمـرء في لـيـل مـظـلـم لأودت بـه في الـمـاء. نـظـرت فـيـكـتـوريـا إلى الـمـاء تـحـتـهـا واسـتـمـرّت في سـيـرهـا، ثـمّ تـوسّـع الـدّرب وصـار مـبـلـطـاً بـالـحـجـارة. وكـان يـبـدو أنّ الـدّور الـمـمـتـدّة عـلى يـمـيـنـهـا تـخـفي أسـرارهـا بـغـيـرة، لا يـمـكـن ألـقـاء نـظـرات داخـلـهـا ولا عـلى سـاكـنـيـهـا. ولـكـنّـهـا وجـدت أحـيـانـاً بـابـاً مـفـتـوحـاً نـظـرت مـن خـلالـه فـسـحـرهـا الـتّـنـاقـض بـيـن الـخـارج والـدّاخـل. وتـسـلـلـت نـظـراتـهـا في حـوش دار تـتـوسـطـه نـافـورة تـنـفـث مـاءهـا وحـولـهـا مـقـاعـد وثـيـرة وكـراسي، ونـخـلات بـاسـقـة في حـديـقـة وراء الـحـوش تـبـدو مـثـل ديـكـورات مـن الـقـمـاش عـلى خـشـبـة مـسـرح. وعـنـدمـا تـسـلـلـت نـظـراتـهـا في داخـل دار أخـرى كـان لـهـا نـفـس مـظـهـر الأولى الـخـارجي لـمـحـت مـمـرات مـظـلـمـة وأكـوام نـفـايـات في وسـطـهـا خـمـسـة أطـفـال أو سـتّـة وسـخـيـن بـمـلابـس رثّـة يـلـعـبـون بـهـا. ثـمّ وصـلـت إلى غـابـة نـخـيـل كـثـيـفـة، ومـرّت بـدرجـات سـلّـم عـلى يـسـارهـا تـودي إلى الـنّـهـر، ورأت رجـلاً عـربـيـاً جـالـسـاً في بـلـم بـدائي لـه مـجـذافـان يـصـيـح نـحـوهـا ويـحـرك ذراعـيـه في الـهـواء. لا بـدّ أنّـه كـان يـسـألـهـا إن كـانـت تـريـد الـعـبـور إلى الـصّـوب الـمـقـابـل. وخـيّـل إلـيـهـا أنّـهـا كـانـت في مـقـابـل فـنـدقـهـا، وإن كـان صـعـبـاً الـتّـعـرف عـلى الأشـكـال الـمـعـمـاريـة لـلـبـنـايـات عـبـر الـنّـهـر، وبـنـايـات الـفـنـادق تـتـشـابـه فـيـمـا بـيـنـهـا. ثـمّ بـلـغـت طـريـقـاً تـؤدّي خـلال غـابـات الـنّـخـيـل إلى داريـن عـالـيـتـيـن عـلى واجـهـتـيـهـمـا شـرفـات. وكـان خـلـفـهـمـا دار ضـخـمـة شـيّـدت مـبـاشـرة عـلى ضـفـة الـنّـهـر حـولـهـا حـديـقـة وحـيـطـان. وكـان الـدّرب الـمـحـاذي لـلـنّـهـر يـمـرّ وسـط مـا لا بـدّ أنّـهـا دار الـمـلـك عـلي”. “وبـعـد أن مـرّت أمـام مـدخـلـهـا وصـلـت بـعـد دقـائـق إلى مـكـان بـالـغ الـوسـاخـة، وحـجـبـت الـنّـهـر نـخـيـل. وكـان الـمـكـان مـسـوّراً بـأسـلاك شـائـكـة صـدئـة. وكـان عـلى يـمـيـنـهـا دور خـربـة وسـط حـيـطـان مـن الـطّـيـن وصـرائـف حـولـهـا أطـفـال يـلـعـبـون في الـقـذارة وأسـراب ذبـاب تـتـطـايـر فـوق أكـوام الـزّبـالـة”.

ووجـدت فـيـكـتـوريـا إدوارد وبـجـانـبـه سـيّـارة، وأخـبـرهـا أنّـه سـيـقـودهـا إلى بـابـل.

” ـ : إلى بـابـل ، صـاحـت فـيـكـتـوريـا، مـا أحـلى سـمـاع هـذا، حـقّـاً إلى بـابـل؟ واسـتـدارت الـسّـيـارة نـحـو الـيـسـار ودخـلا في طـريـق واسـعـة الـعـرض جـيّـدة الـتّـبـلـيـط.

ــ : نـعـم، ولـكـنّ لا تـأمـلي الـكـثـيـر، فـبـابـل لـم تـعـد كـمـا كـانـت عـلـيـه، إن فـهـمـتِ مـا أقـصـد.

وهـمـهـمـت فـيـكـتـوريـا :

كـم مـن مـايـل لـنـصـل إلى بـابـل ؟

ثـلاث عـشـريـنـات وعـشـرة.

هـل سـأصـلـهـا عـلى ضـوء الـشّـمـعـة ؟

نـعـم، وتـعـوديـن عـلـيـه أيـضـاً.

وكـنـت أغـني هـذا عـنـدمـا كـنـت طـفـلـة. سـحـرتـني بـابـل دائـمـاً. وهـا نـحـن نـذهـب إلـيـهـا حـقّـاً”.

“ــ : تـبـدو هـذه الـسّـيـارة عـلى وشـك الـتّـسـاقـط .

ــ : وهي ربّـمـا سـتـتـسـاقـط. فـكـل شئ فـيـهـا مـهـتـرئ بـالـتّـأكـيـد. ولـكـنّ هـؤلاء الـعـراقـيـيـن لا مـثـيـل لـهـم عـنـدمـا يـربـطـون أجـزاءهـا بـسـلـك ويـنـطـقـون عـلـيـهـا : إن شـاء الله Inshallah، فـتـتـحـرّك وتـسـيـر.

ــ : يـقـولـون إن شـاء الله دائـمـاً، ألـيـس كـذلـك؟

ــ وهـل هـنـاك أحـسـن مـن أن نـتـخـلـص مـن الـمـسـؤولـيـة ونـلـقـيـهـاعـلى [الله] الـقـادرAlmighty “.

” وتـقـافـزت بـهـمـا الـسّـيـارة عـلى الـطـريـق الـمـلـيـئـة بـالـحـفـر وتـمـايـلـت تـضـرب هـنـا وهـنـاك أكـوام الـتّـراب. وكـان الـغـبـار يـرتـفـع كـغـيـوم حـولـهـمـا. وكـانـت شـاحـنـات مـلـيـئـة بـالـعـرب تـسـيـر وسـط الـطّـريـق، لا يـلـقي سـائـقـوهـا بـالاً لـقـرع الـمـنـبـهـات خـلـفـهـم. ومـرّا أمـام حـدائـق حـولـهـا حـيـطـان ومـجـمـوعـات مـن الـنّـسـاء والأطـفـال والـحـمـيـر. وكـان كـلّ هـذا جـديـداً عـلى فـيـكـتـوريـا و جـزءاً مـن الـسّـحـر الّـذي شـمـلـهـا وهي جـالـسـة بـجـانـب إدوارد في طـريـقـهـا إلى بـابـل. ووصـلا إلى بـابـل بـعـد سـاعـتـيـن وقـد اهـتـزّ جـسـمـاهـمـا وغـطـتـهـمـا الـكـدمـات. وخـاب أمـل فـيـكـتـوريـا أمـام الـخـرائـب : أكـوام مـن الـطّـيـن والـطّـابـوق الّـتي لـم تـدرك بـقـايـا مـاذا كـانـت، فـقـد كـانـت تـتـوقّـع رؤيـة أعـمـدة وأقـواس مـثـلـمـا رأتـه في الـصّـور عـن بـعـلـبـك. ولـكـنّ خـيـبـة أمـلـهـا خـفّـت قـلـيـلاً فـقـلـيـلاً وسـارا فـوق أكـوام مـن الـطّـابـوق يـتـبـعـان دلـيـلاً يـريـهـمـا الـمـكـان. واسـتـمـعـت بـنـصـف أذنـهـا إلى شـروحـه الـمـفـصّـلـة، ولـكـن عـنـدمـا مـرّا بـطـريـق الـمـسـيـرات مـتـجـهـيـن نـحـو بـوابـة عـشـتـار بـآثـار حـيـوانـاتـهـا الـخـرافـيـة، تـمـلـكـهـا فـجـأة شـعـور بـعـظـمـة الـمـاضي ورغـبـة في مـعـرفـة مـا كـانـت عـلـيـه هـذه الـمـديـنـة الـواسـعـة الـشّـمـوخ، والّـتي تـسـتـلـقي الآن أمـامـهـا مـهـمـلـة لا حـيـاة فـيـهـا. وبـعـد أن دفـعـت مـا كـان تـديـن بـه لـهـذه الآثـار، جـلـسـت بـجـانـب أسـد بـابـل مـع إدوارد يـأكـلان مـا كـان قـد جـلـبـه مـعـه. وتـركـهـمـا الـدّلـيـل مـبـتـسـمـاً وهـو يـحـثّـهـمـا عـلى زيـارة الـمـتـحـف بـعـد الأكـل.

ــ : وهـل يـنـبـغي ذلـك ؟ قـالـت فـيـكـتـوريـا مـبـتـسـمـة، قـطـع أثـريـة أمـامـهـا شـروح مـكـتـوبـة وضـعـت في دوالـيـب، ولا يـبـدو عـيـهـا أنّـهـا حـقـيـقـيـة. ذهـبـت إلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـرّة. وهـو مـريـع ويـوجـع الأقـدام.

ــ : الـمـاضي مـضـجـر دائـمـاً، قـال إدوارد، والـمـسـتـقـبـل أهـم مـنـه.

ــ : هـذا لـيـس مـضـجـراً، قـالـت فـيـكـتـوريـا وهـي تـحـرك يـدهـا الـمـمـسـكـة بـالـسّـانـدويـتـش نـحـو مـشـهـد جـدران الـطّـابـوق، هـنـاك شـعـور بـالـعـظـمـة …”.

ولأنّ شعـرهـا أصـبـح بـلـون الـصّـدأ مـن تـراكـم الـتّـراب عـلـيـه بـعـد عـودتـهـا مـن بـابـل فـقـد ذهـبـت فـيـكـتـوريـا إلى امـرأة أرمـنـيـة لـتـغـسـل لـهـا شـعـرهـا بـالـشّـامـبـو. وخـلال غـسـل شـعـرهـا شـمّـت رائـحـة ذكّـرتـهـا بـالـمـسـتـشـفى وغـابـت عـن وعـيـهـا. وعـنـدمـا اسـتـيـقـظـت : “كـانـت في غـرفـة صـغـيـرة ولـكـن عـالـيـة جـدّاً، صـبـغـت بـلـون رصـاصي فـاتـح مـزرقّ يـثـيـر الـكـآبـة. وكـانـت أرضـيـتـهـا مـن الـطّـيـن. ويـبـدو أنّ الأثـاث الـوحـيـد فـيـهـا كـان الـفـراش الّـذي اسـتـلـقـت عـلـيـه، وقـد رمـيـت فـوقـه سـجـادة وسـخـة وطـاولـة آيـلـة لـلـسـقـوط فـوقـهـا صـحـن واسـع تـسـاقـطـت مـنـه الـمـيـنـا الّـتي طـلي بـهـا ودلـو مـن الـزّنـك تـحـتـهـا. وكـان فـيـهـا نـافـذة ثـبّـت عـلـيـهـا مـن الـخـارج نـوع مـن الـمـشـبّـك الـخـشـبي. ونـهـضـت فـيـكـتـوريـا بـحـذر شـديـد مـن الـفـراش وشـعـرت بـالأرض تـدور حـولـهـا وبـصـداع في رأسـهـا واقـتـربـت مـن الـنّـافـذة. واخـتـرقـت نـظـراتـهـا الـمـشـبّـك الـخـشـبي بـلا عـائـق ورأت حـديـقـة خـلـفـهـا نـخـيـل. وكـانـت الـحـديـقـة مـلـيـحـة حـسـب الـمـعـايـيـر الـشّـرقـيـة، وإن كـانـت سـتـبـدو حـقـيـرة في نـظـر سـكـان ضـواحي الـمـدن الإنـكـلـيـزيـة. وكـان فـيـهـا كـثـيـر مـن الأزهـار الـبـرتـقـالـيـة الـلـمـعـان وأشـجـار أوكـالـبـتـوس يـغـطي أوراقـهـا الـغـبـار وبـعـض أشـجـار الـطّـرفـاء الـهـزيـلـة الأغـصـان.

وكـان طـفـل صـغـيـر عـلى وجـهـه أوشـام زرقـاء وعـلـيـه كـثـيـر مـن الأسـورة والـخـلاخـل يـتـقـافـز ويـتـمـايـل ضـاربـاَ كـرتـه ويـغـني بـأنـيـن أخـن عـالٍ ويـبـدو صـوتـه وكـأنّـه يـخـرج مـن “مـزمـار قـربـة” بـعـيـد”.

وبـعـد أن دارت في غـرفـتـهـا وفـكّـرت طـويـلاً : “سـمـعـت في الـخـارج أصـوات خـطـوات تـقـتـرب وصـريـر مـفـتـاح في قـفـل صـدئ، وتـرنـح الـبـاب عـلى مـصـراعـه مـنـفـتـحـاً ودخـل رجـل عـربي an Arab. كـان يـحـمـل صـيـنـيـة مـعـدنـيـة عـلـيـهـا صـحـون. وكـان يـبـدو مـرحـاً وابـتـسـم بـكـلّ فـمـه وبـزهـو وتـكـلّـم بـعـربـيـة لـم تـفـهـمـهـا ووضـع الـصّـيـنـيـة. وفـتـح فـمـه وأشـار إلـيـه وإلى بـلـعـومـه مـن الأعـلى إلى الأسـفـل وخـرج ثـمّ أقـفـل الـبـاب وراءه. واقـتـربـت فـيـكـتـوريـا مـن الـصّـيـنـيـة. وكـان عـلـيـهـا وعـاء فـيـه رز، وشئ يـبـدو مـثـل أوراق كـرنـب مـلـفـوفـة ورغـيـف خـبـز عـربي واسـع. وكـذلـك إنـاء مـاء وكـأس. وبـدأت فـيـكـتـوريـا بـشـرب كـأس مـاء مـلـيـئـة ثـمّ شـرعـت في تـذوّق الـرّز والـخـبـز وأوراق الـكـرنـب الّـتي حـشـيـت بـلـحـم مـثـروم لـه طـعـم لـم تـتـعـود عـلـيـه. وعـنـدمـا أنـهـت كـلّ مـا كـان في الـصّـيـنـيـة شـعـرت بـنـفـسـهـا في حـالـة أحـسـن”.

ونـلاحـظ أنّ الـكـاتـبـة في وصـفـهـا لـلـدّولـمـة اسـتـعـمـلـت كـلـمـة “ورق الـكـرنـب Cabbage leaves” وهي تـتـكـلّـم عـن الـسِّـلـق، مـع أن كـلـمـة سِـلـق مـوجـودة في الإنـكـلـيـزيـة : “Chard”.

“وعـاد سـجّـانـهـا في الـمـسـاء يـحـمـل صـيـنـيـة طـعـام أخـرى. وصـاحـبـتـه هـذه الـمـرّة امـرأتـان. وكـانـتـا مـتـلـفـعـتـيـن بـسـواد صـدئ، مـحـجـبـتي الـوجـه. ولـم تـدخـلا الـغـرفـة بـل بـقـيـتـا أمـام الـبـاب. وكـان بـيـن ذراعي إحـداهـمـا طـفـل. وكـانـتـا واقـفـتـيـن تـتـضـاحـكـان وإنّ أحـسّـت فـيـكـتـوريـا أنّ أعـيـنـهـمـا كـانـت تـتـفـحـصـهـا مـن خـلال بـرقـعـيـهـمـا الـخـفـيـفـيـن. وقـد كـان مـمـتـعـاً لـهـمـا وشـديـد الـفـكـاهـة أن تـسـجـن امـرأة أوربـيـة هـنـا. وحـاولـت فـيـكـتـوريـا أن تـكـلّـمـهـمـا بـالإنـكـلـيـزيـة وبـالـفـرنـسـيـة ولـكـنّـهـمـا اسـتـمـرتـا بـالـتّـضـاحـك. وفـكـرت بـغـرابـة أن لا تـسـتـطـيـع الـتّـفـاهـم مـع أشـخـاص مـن جـنـسـهـا (الأنـثـوي). ونـطـقـت بـبـطء وبـصـعـوبـة شـديـدة واحـدة مـن الـجـمـل الـقـلـيـلـة الّـتي حـفـظـتـهـا : الـحـمـد لله El hamdu lillah”.  وقـوبـلـت جـمـلـتـهـا بـسـيـل مـن الـكـلـمـات الـعـربـيـة وهـزّت الـمـرأتـان رأسـيـهـمـا بـحـيـويـة وعـنـفـوان. وتـقـدمـت فـيـكـتـوريـا نـحـوهـمـا ولـكـنّ الـخـادم الـعـربي(أو هـل كـان لـه مـهـمـة أخـرى؟) رجـع إلى الـخـلـف وأوقـفـهـا. وأشـار لـلـمـرأتـيـن أن تـخـرجـا وتـبـعـهـمـا خـارجـاً هـو الآخـر وأغـلـق الـبـاب وقـفـلـه بـالـمـفـتـاح. وكـان قـد نـطـق قـبـل أن يـخـرج بـكـلـمـة كـررهـا عـدّة مـرّات : بـكـرة … بـكـرة Bukra-Bukra . كـانـت فـيـكـتـوريـا قـد سـمـعـت الـكـلـمـة مـن قـبـل، وهي تـعـني غـداً “.

وجـلـسـت فـيـكـتـوريـا لـتـفـكّـر في وسـيـلـة تـهـرب بـهـا مـن سـجـنـهـا. وبـيـنـمـا كـانـت تـمـتـحـن كـلّ الـسّـبـل الـمـمـكـنـة تـذكّـرت الـصّـيـنـيـة فـأكـلـت كـلّ مـا عـلـيـهـا وشـربـت مـاء ومـلأت كـأسـاً وضـعـتـهـا عـلى الـطّـاولـة الـصّـغـيـرة الـقـلـيـلـة الـثّـبـات. ومـسّـت الـطّـاولـة فـاهـتـزّت وانـسـكـب الـمـاء وتـحـولـت الأرضـيـة الـطّـيـنـيـة الّـتي سـقـط عـلـيـهـا الـمـاء إلى بـقـعـة وحـل… ووجـدت فـيـكـتـوريـا سـبـيـل الـهـروب !

نـظـرت مـن ثـقـب الـمـفـتـاح فـوجـدتـه مـسـدوداً، أي أنّ الـمـفـتـاح بـقي فـيـه. وخـلـعـت حـذاءهـا وأخـرجـت غـطـاءه الـجـلـدي مـن داخـلـه ولـفّـتـه حـتّى صـار اسـطـوانـيـاً. ثـمّ سـكـبـت الـمـاء تـحـت الـبـاب وأزاحـت الـطـيـن لـتـحـفـر بـالـمـلـعـقـة ثـغـرة تـدخـل فـيـهـا يـدهـا. وأدخـلـت لـفّـة الـجـلـد في فـتـحـة الـقـفـل ودفـعـتـهـا فـسـقـط الـمـفـتـاح، ومـدّت يـدهـا مـن خـلال الـثّـغـرة الّـتي حـفـرتـهـا في أرضـيـة الـطّـيـن ووصـلـت أصـابـعـهـا إلى الـمـفـتـاح الـسّـاقـط في الـخـارج وقـبـضـت عـلـيـه وجـرّتـه نـحـوهـا إلى الـدّاخـل !

وعـنـدمـا خـرجـت مـن الـغـرفـة وجـدت : “قـطـعـة مـن قـمـاش أسـود مـمـزق لا شـكـل لـهـا مـكـومـة قـرب الـبـاب الـخـارجي. وفـكّـرت أنّـهـا كـانـت عـبـاءة (عـبـةAba ) سـتـنـفـعـهـا لـتـغـطّي بـهـا مـلابـسـهـا الأوربـيـة”. وعـادت إلى الـغـرفـة تـنـتـظـر أن يـحـلّ الـلـيـل. وعـنـدمـا حـلّ الـلـيـل، تـركـت غـرفـتـهـا والـدّار والـقـريـة : “وبـعـد ذلـك بـقـلـيـل وصـلـت إلى مـكـان فـسـيـح يـجـري فـيـه جـدول مـلئ بـالـوحـل عـلـيـه جـسـر مـحـدودب مـتـداعٍ يـوصـل إلى درب يـؤدي إلى فـلاة شـاسـعـة الأطـراف. واسـتـمـرت فـيـكـتـوريـا تـركـض حـتّى انـقـطـعـت أنـفـاسـهـا”. وكـانـت تـعـرف أنّ “امـرأة عـربـيـة فـاضـلـة تـلـبـس عـبـاءة مـهـمـا كـانـت مـلابـسـهـا مـهـتـرئـة وحـقـيـرة يـحـتـرمـهـا الـجـمـيـع، ولا يـمـكـن لـرجـل أن تـخـول لـه أخـلاقـه أن يـتـحـرش بـهـا ويـكـلّـمـهـا”. وسـارت طـويـلاً حـتّى لاقـت سـيّـارة : “يـسـوقـهـا عـربي وبـجـانـبـه رجـل بـمـلابـس أوربـيـة” وأوقـفـتـهـا فـيـكـتـوريـا وشـرحـت لـلإنـكـلـيـزي : “خـطـفـوني، قـالـت لـه مـقـطـوعـة الأنـفـاس، ذهـبـت لـيـغـسـلـوا لي شـعـري بـالـشّـامـبـو وخـدروني بـالـكـلـوروفـورم، وعـنـدمـا اسـتـيـقـظـت وجـدت نـفـسي في بـيـت عـربي في قـريـة هـنـاك، وأشـارت نـحـو الأفـق” . وسـألـهـا الإنـكـلـيـزي : “في مـنـدلي ؟” وطـبـعـاً لـم تـكـن فـيـكـتـوريـا تـعـرف أنّـهـا كـانـت في مـنـدلي. ولأنّـه لاحـظ أنّ شـفـتـيـهـا تـشـقـقـتـا مـن الـجـفـاف والـعـطـش فـقـد نـادى الـسّـائـق : “عـبـدُل.” وأجـاب الآخـر: “صـاحـب ؟” “وبـعـد أن أعـطـاه الأوامـر بـالـعـربـيـة ركـض [الـسّـائـق] نـحـو الـسّـيـارة ورجـع ومـعـه قـنـيـنـة تـرمـوس كـبـيـرة وكـوب مـن الـبـاكـلـيـت”. ونـعـرف أنّ الإنـكـلـيـزي كـان عـالـم الآثـار ريـشـارد بـيـكـر، ويـصـطـحـبـهـا مـعـه إلى مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة في “تـلّ أسـود” الّـذي كـان كـمـا شـرحـه لـهـا مـوقـعـاً عـاديـاً “أغـلـبـه مـن الـفـتـرة الآشـوريـة الـمـتـأخّـرة، وقـلـيـل مـن الـفـتـرة الـبـارثـيـة مـع بـعـض الأسـس مـن الـفـتـرة الـقـاسـيّـة”.

وفي الـطـريـق الـوعـرة رأيـا رجـلـيـن يـتـجـهـان نـحـو الـسّـيّـارة : “كـان أحـدهـمـا يـحـمـل عـلى ظـهـره نـوعـاً مـن الـمـصـطـبـة الـخـشـبـيـة، والآخـر شـيـئـاً مـن الـخـشـب بـحـجـم الـبـيـانـو الّـذي يـدعى بـالـبـيـانـو الـمـنـتـصـب. ونـاداهـمـا ريـشـارد فـسـلّـمـا عـلـيـه وعـلى وجـهـيـهـمـا كـلّ عـلامـات الـفـرح. وقـدّم لـهـمـا سـجـائـر وبـدا عـلـيـهـم أنّـهـم يـعـرفـونـه وهـو يـعـرفـهـم.

وكـان الـرّجـلان يـحـمـلان “صـنـدوق دنـيـا” ومـصـطـبـة خـشـبـيـة وقـدمـا عـرضـاً لـفـكـتـوريـا وريـشـارد (أنـظـر مـقـالي : “صـنـدوق الـدّنـيـا كـمـا وصـفـتـه أجـاثـا كـريـسـتي” في الأرشـيـفـات أبـريـل 2015). ثـمّ : “ودّع الـجـمـع بـعـضـهـم الـبـعـض بـتـعـابـيـر ودّيـة وتـمـنـيـات بـالـصّـحـة والـسّـلامـة والـدّعـاء لـهـم بـبـركـة الله وحـفـظـه. وتـفـرّق الـشّـمـل، فـتـوجـه ريـشـارد وفـيـكـتـوريـا نـحـو الـسّـيّـارة بـيـنـمـا أكـمـل الـرّجـلان طـريـقـهـمـا خـلال الـبـاديـة. وسـألـت فـيـكـتـوريـا : “إلى أيـن يـذهـبـان؟” وأجـاب ريـشـارد : “يـكـمـلان سـفـرهـمـا في أرجـاء الـبـلاد. إلـتـقـيـت بـهـم أوّل مـرّة في الأردن، وكـانـا مـتّـجـهـيـن مـن الـبـحـر الـمـيّـت إلى عـمّـان. وهـمـا يـذهـبـان الآن إلى كـربـلاء، يـسـلـكـون طـرقـاً لا يـرتـادهـا إلّا قـلّـة مـن الـنّـاس لـيـعـرضـا صـورهـمـا في الـقـرى الـمـنـعـزلـة”. وقـالـت فـيـكـتـوريـا: “ربّـمـا سـتـتـوقـف سـيّـارة في الـطّـريـق لـيـركـبـوا فـيـهـا”. وضـحـك ريـشـارد : “وربّـمـا لـن يـقـبـلـوا الـرّكـوب فـيـهـا. وقـد أوقـفـت سـيّـارتي مـرةً لأُركِـب رجـلاً عـجـوزاً كـان يـسـيـر مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد. وسـألـتـه كـم كـان يـتـوقـع أن يـدوم سـيّـره حـتّى يـصـل، فـأجـابـني : حـوالي شـهـريـن. ورجـوتـه أن يـركـب ووعـدتـه أنّـه سـيـصـل إلى بـغـداد في الـمـسـاء، ولـكّـنـه شـكـرني رافـضـاً. شـهـران عـلى الـطّـريـق هـو كـلّ مـا كـان يـنـاسـب وقـع قـدمـيـه، والـزّمـن لا يـعـني شـيـئـاً هـنـا. وعـنـدمـا تـدخـل هـذه الـفـكـرة في ذهـن الإنـسـان يـجـد سـعـادة غـريـبـة في الـتّـمـتـع بـهـا”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : “نـعـم، يـمـكـنـني أن أفـهـم هـذا”. وقـال ريـشـارد : “الـعـرب لا يـفـهـمـون قـلّـة صـبـر الـغـربـيـيـن واسـتـعـجـالـهـم لإنـهـاء مـا يـقـومـون بـه، ويـعـتـبـرون أنّ عـادتـنـا في الـوصـول حـالاً إلى مـا نـريـد أن نـقـول خـلال الـحـديـث مـعـهـم يـنـقـصـهـا الأدب. فـيـنـبـغي أن يـجـلـس الـمـرء ويـثـرثـر لـمـدة سـاعـة [قـبـل أن يـصـل إلى هـدفـه] أو حـتّى أن يـجـلـس ولا يـفـتـح فـمـه”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : سـيـكـون هـذا غـريـبـاً لـو فـعـلـنـاه في مـكـتـب في لـنـدن. فـيـه مـضـيـعـة لـلـوقـت”. قـال ريـشـارد : “نـعـم، ولـكـنّ هـذا يـرجـعـنـا إلى الـتّـسـاؤل : مـاهـو الـوقـت؟ ومـاذا يـعـني تـضـيـيـعـه؟”.

وبـعـد ذلـك سـألـتـه فـيـكـتـوريـا عـن مـكـان الـتّـنـقـيـبـات : “تـلّ أسـود؟ في وسـط الـفـلاة. سـتـريـن الـزّقـورة Zigcurat بـعـد قـلـيـل. ولـكـنّ أنـظـري إلى الـيـمـيـن. هـنـاك، إلى الـمـكـان الّـذي أشـيـر إلـيـه”. سـالـت فـيـكـتـوريـا : “هـل هـذه غـيـوم ؟ لا يـمـكـنـهـا أن تـكـون جـبـالاً”. أجـابـهـا ريـشـارد : “بـلى، هـذه جـبـال كـردسـتـان الـمـغـطـاة بـالـثّـلـوج”.

وعـنـدمـا وصـلا إلى مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات، قـدّم ريـشـارد فـيـكـتـوريـا عـلى أنّـهـا الـمـسـاعـدة الـجـديـدة، وهـو مـا كـانـت قـد ادّعـتـه، وبـدأت الـعـمـل مـعـهـم.

وفي يـوم سـألـت فـيـكـتـوريـا ريـشـارد : “أنـت تـتـقـن الـعـربـيـة، ألـيـس كـذلـك؟ لـو ارتـديـت مـلابـسـهـم فـهـل سـيـظـنـون أنّـك عـربي مـثـلـهـم ؟” فـهـزّ رأسـه نـافـيـاً : “لا، هـذا يـحـتـاج إلى إعـداد طـويـل جـدّاً. وأنـا لا أعـتـقـد أنّ إنـكـلـيـزيـاً اسـتـطـاع أبـداً أن يـنـجـح في تـقـمـص شـخـصـيـة عـربي، مـهـمـا بـقي مـعـهـم لـسـنـوات طـويـلـة”. وسـألـتـه فـيـكـتـوريـا : “ولـورنـس ؟” فـأجـابـهـا : “لا أعـتـقـد أنّ لـورنـس اسـتـطـاع في يـوم مـن الأيّـام أن يـخـدعـهـم لـيـعـتـبـروه عـربـيـاً مـنـهـم”. وأخـبـرهـا أنّ الـوحـيـد الّـذي اسـتـطـاع أن يـنـجـح في ذلـك كـان كـارمـايـكـل الّـذي يـدعى بـالـفـقـيـر Fakir لأنّـه ولـد في الـشّـرق الّـذي كـان أبـوه يـعـمـل فـيـه. وقـصّ عـلـيـهـا كـيـف أنّـه الـتـقى بـه مـتـنـكـراً في زي عـربي في الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة في الـبـصـرة. وأخـبـرتـه فـيـكـتـوريـا أنّ كـارمـايـكـل قـد مـات مـقـتـولاً في فـنـدق تـيـو في بـغـداد.

ثـمّ تـركـا الـمـوقـع في شـاحـنـة في صـبـاح يـوم مـن الأيّـام وانـطـلـقـا نـحـو بـغـداد : “وكـان يـبـدو غـريـبـاً [لـهـا] أن تـسـلـك هـذه الـطّـريـق مـن جـديـد، وتـتـجـاوز الـحـمـيـر والـشّـاحـنـات الـمـغـبـرّة. وبـعـد ثـلاث سـاعـات تـقـريـبـاً وصـلا إلى ضـواحي بـغـداد. وأنـزلـتـهـمـا الـشّـاحـنـة أمـام فـنـدق تـيـو”.

والـتـقـت فـيـكـتـوريـا بـإدوارد مـن جـديـد. وبـعـد ذلـك : “قـاد إدوارد سـيـارتـه نـحـو الـجـنـوب عـبـر بـغـداد، مـارّاً بـطـريـق عـريـضـة، ثـمّ تـركـهـا سـالـكـاً طـريـقـاً وسـط غـابـات الـنّـخـيـل وتـمـايـلـت الـسّـيّـارة تـضـرب أطـراف الـطّـريـق وسـواقي الـرّي. ووصـلا أخـيـراً وبـصـورة لـم تـتـوقـعـهـا إلى حـرجـة أشـجـار صـغـيـرة تـحـيـطـهـا وتـخـتـرقـهـا سـواقي الـرّي. وكـانـت أشـجـار الـحـرجـة، وغـالـبـهـا مـن أشـجـار الـلـوز والـمـشـمـش، قـد بـدأ يـغـطـيـهـا الـنّـوار. وكـان مـكـان حـلـم. وخـلـف الـحـرجـة بـقـلـيـل كـان نـهـر دجـلـة يـجـري هـادئـأً. وخـرجـا مـن الـسّـيـارة يـسـيـران وسـط الأشـجـار الـمـتـفـتـحـة الـنّـوار. وتـنـفـسـت فـكـتـوريـا بـعـمـق وهي تـقـول : “مـا أروع هـذا ! كـأنـني عـدت إلى إنـكـلـتـرة في الـرّبـيـع. وكـان الـجـو عـذب الـحـرارة. وجـلـسـا عـلى جـذع شـجـرة كـانـت قـد سـقـطـت عـلى الأرض وفـوق رأسـيـهـمـا يـتـدلى الـنّـوار الـمـتـورّد”.

وأخـبـرت فـيـكـتـوريـا حـبـيـبـهـا إدوارد بـكـلّ مـا جـرى لـهـا. ثـمّ تـوضـحـت الـحـقـيـقـة أمـام عـيـنـيـهـا وأدركـت أنّ إدوارد كـان مـحـرك الـمـؤامـرة الّـتي كـانـت تـحـاك، فـهـو لـوسـيـفـر Lucifer الـمـلاك الّـذي طـرد مـن الـسّـمـاء الّـذي ذكـره كـارمـايـكـل قـبـل أن يـمـوت. وأنّـه هـو الّـذي خـدعـهـا ونـظّـم مـجـيـئـهـا إلى بـغـداد لـيـسـتـعـمـلـهـا في مـهـمـة لـم تـكـتـشـفـهـا بـعـد. وعـنـدمـا صـارحـت إدوارد بـذلـك أخـبـرهـا عـن مـشـروعـه : “يـنـبـغي لـلأمـور الـقـديـمـة أن تـتـحـطّـم، وأن تـنـدلـع حـرب شـامـلـة وتـامّـة تـحـطّـم كـلّ شـئ وتـخـرج مـنـهـا سـمـاء جـديـدة وأرض جـديـدة. وعـنـدهـا سـيـمـسـك شـبـاب مـثـلـه (مـن مـا فـوق مـسـتـوى الـبـشـر الـعـاديـيـن) بـزمـام الأمـور لـيـخـلـقـوا عـالـمـاً جـديـداً”. وأخـبـرهـا أنّ آنـا شـيـل لـديـهـا وثـائـق تـكـشـف الـمـؤامـرة وسـتـجـلـبـهـا إلى الـلـقـاء الّـذي سـيـعـقـد في بـغـداد ولـهـذا يـنـبـغي الـتّـخـلـص مـنـهـا.

ثـمّ : “اخـتـرقـوا بـالـسّـيّـارة ضـواحي بـغـداد. واسـتـدارت بـهـم الـسّـيّـارة لـتـدخـل في شـارع جـانـبي تـحـفّـه دور حـديـثـة شـيّـدت بـأسـلـوب أوربي مـزيّـف فـيـهـا شـرفـات وتـحـيـطـهـا حـدائـق”. وأخـذهـا إلى دار حـبـسـت فـيـهـا لـتـعـدّ لـدور سـتـمـثّـلـه. وغـيّـر لـون شـعـرهـا ومـلابـسـهـا لـكي تـؤخـذ آنـا شـيـل وتـحـلّ فـيـكـتـوريـا مـحـلـهـا فـهي تـشـبـهـهـا تـمـامـاً. وهـكـذا أخـذوهـا إلى دمـشـق لـتـركـب الـطّـائـرة الّـقـادمـة مـن لـنـدن بـاتـجـاه بـغـداد، وفي مـطـار بـغـداد كـان عـلـيـهـا أن تـصـبـح آنـا شـيـل بـعـد أن تـخـطـف آنـا شـيـل : “ولـم تـكـن الـسّـفـرة [بـالـطّـائـرة بـيـن دمـشـق وبـغـداد] طـويـلـة. ونـظـرت فـيـكـتـوريـا لـلـمـرة الـثّـانـيـة مـن الـجـو ورأت مـخـطـط الـمـديـنـة تـحـتـهـا يـقـسـمـهـا نـهـر دجـلـة إلى نـصـفـيـن وكـأنـه خـطّ عـريـض مـن الـذّهـب. وبـعـد يـومـيـن، سـيـجـتـمـع هـنـا مـسـؤولـو الإيـديـولـوجـيـتـيـن الـلـتـيـن تـتـقـاسـمـان الـعـالـم لـيـتـنـاقـشـوا في أمـور الـمـسـتـقـبـل”. وفـهـمـت أنّـهـا مـجـبـرة عـلى إكـمـال مـهـمـتـهـا لـتـنـجـح الـمـؤامـرة الّـتي تـهـدف إلى مـنـع عـقـد الـلـقـاء. ولـكـنّ داكـيـن ورجـال الـمـخـابـرات الـبـريـطـانـيـة كـانـوا قـد تـابـعـوا كـلّ مـا كـان يـجـري عـن كـثـب، وأوقـفـوا إدوارد وأنـقـذوا فـيـكـتـوريـا !

ونـقـرأ في الـفـصـل الـرّابـع والـعـشـريـن أنّ : “تـنـظـيـم بـغـداد قـد تـغـيّـر. يـحـفّ رجـال الـشّـرطـة بـالـشّـوارع، وجـاءت شـرطـة عـالـمـيـة مـن الـخـارج. وأخـيـراً بـدأ الإجـتـمـاع الّـذي لـم يـسـبـق لـه مـثـيـل”. وبـدأ الـكـلام عـن الـمـشـاريـع الـتّـخـريـبـيـة لـرجـال حـاكـوا مـؤامـرة ضـدّ الـمـؤتـمـر وضـدّ الـبـشـريـة. وأخـبـرهـم داكـيـن أنّ هـنـري كـارمـايـكـل : “كـان قـد جـمـع بـراهـيـن قـاطـعـة وبـعـثـهـا عـن طـريـق صـديـقـيـه (صـاحـبَي صـنـدوق الـدّنـيـا) لـيـحـفـظـهـا لـه صـديـق آخـرــ رجـل يـبـجـلـه كـلّ الـعـراق ويـحـتـرمـه. وقـد شـرفـنـا بـقـبـولـه الـمـجئ هـنـا هـذا الـيـوم، وأعـني بـه الـشّـيـخ حـسـيـن الـزّيـارة الـكـربـلائي Sheikh Hussein el Ziyara of Kerbela”.

“والـشّـيـخ حـسـيـن الـزّيـارة مـعـروف في الـعـالـم الإسـلامي كـرجـل ديـن وشـاعـر. ويـعـتـبـره الـكـثـيـرون مـن الأولـيـاء. وقـد وقـف الآن مـهـيـبـاً بـلـحـيـتـه الـمـضـمّـخـة بـالـحـنّـاء، تـغـطي قـمـيـصـه الـرّصـاصي الـمـوشّى بـحـواشٍ مـن الـذهـب الـمـقـصّـب عـبـاءة هـفـافـة حـيـاكـتـهـا رقـيـقـة شـفـافـة. وتـحـيـط بـرأسـه قـطـعـة قـمـاش خـضـراء لـفّ حـولـهـا عـدّة لـفّـات عـقـال ثـقـيـل مـن الـذّهـب. ويـضـفي عـلـيـه كـلّ هـذا مـظـهـر بـتـريـاركـة الـتّـوراة. وتـكـلّـم بـصـوت جـهـوري وعـمـيـق: “كـان هـنـري كـارمـايـكـل صـديـقي. عـرفـتـه طـفـلاً ودرس مـعي قـصـائـد كـبـار الـشّـعـراء. وجـاء رجـلان إلى كـربـلاء. رجـلان يـجـوبـان بـقـاع الأرض بـصـنـدوق دنـيـا : إنـسـانـان بـسـيـطـان طـيـبـا الإيـمـان، أعـطـيـاني حـزمـة كـان صـديـقي الإنـكـلـيـزي كـارمـايـكـل قـد طـلـب مـنـهـمـا أن يـوصـلاهـا لي لأحـفـظـهـا إلى أن أعـيـدهـا لـكـارمـايـكـل نـفـسـه أو لـرسـول مـنـه يـعـرف كـلـمـة الـسّـر”.

” وقـال دانـكـيـن : “يـا سـيّـد Sayyid، نـظـم الـشّـاعـر الـعـربي الـمـتـنـبّي، الّـذي يـسـمى أحـيـانـا “مـدّعي الـنّـبـوّة” والّـذي عـاش قـبـل ألـف سـنـة قـصـيـدة لـلأمـيـر سـيـف الـدّولـة في حـلـب قـال فـيـهـا:

” زدْ هِـشَّ بِـشَّ تـفـضّـلْ أدنِ سَـرِّ صِـلِ  Zid hashshi bashshi tafaddal adni surra sili”

“ونـاول الـشّـيـخ حـسـيـن الـزّيـارة الـحـزمـة لـدانـكـيـن مـبـتـسـمـاً: “أقـول كـمـا قـال الأمـيـر سـيـف الـدّولـة : لـتـنـال مـبـغـاك …”. وقـال داكـيـن : “هـا هي يـاسـادتي الأفـلام الـمـصـغـرة (مـيـكـروفـيـلـم) الّـتي كـان كـارمـايـكـل قـد جـلـبـهـا مـعـه كـبـراهـيـن عـلى مـا اكـتـشـفـه”.

ونـقـطـع كـلام الـكـاتـبـة في الـرّوايـة هـنـا لـنـلاحـظ الأخـطـاء الـلـفـظـيـة الّـتي ارتـكـبـتـهـا في كـتـابـة كـلـمـات شـطـر بـيـت الـمـتـنـبّي بـالـحـروف الـلاتـيـنـيـة (وهي الـحـروف الّـتي تـسـتـعـمـلـهـا الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في الـكـتـابـة). وهـذا يـعـود بـالـتّـأكـيـد إلى ضـعـف الـمـسـتـوى الـلـغـوي لـلـذي أعـانـهـا عـلى ذلـك، وهـو إمّـا عـراقي قـلـيـل الـمـعـرفـة بـالـلـغـة الـعـربـيـة وإمّـا مـسـتـشـرق لا يـحـسـنـهـا.  والـحـقـيـقـة أنّ هـذا الـشّـطـر عـجـز بـيـت اشـتـهـر لأنّ الـشّـاعـر اسـتـعـمـل فـيـه 14 فـعـل أمـر مـتـتـالـيـة. وهـو بـكـامـلـه :

أقِـلْ أنِـلْ اقـطـعْ احـمـلْ عَـلِّ سَـلِّ أعِـدْ     زِدْ هِـشَّ بِـشَّ تـفـضَّـلْ أدنِ سَـرِّ صِـلِ

وقـد قـرأ هـذا الّـذي سـاعـد الـكـاتـبـة الّـتي تـجـهـل الـلـغـة الـعـربـيـة : هَـشِّ بَـشِّ Hashshi bashshi بـدلاً مـن هِـشَّ بِـشَّ، وسُـرَّ surra بـدلاً مـن سَـرِّ. وكـان يـكـفـيـه أن يـفـتـح أيّـة طـبـعـة لـديـوان الـمـتـنـبّي لـيـتـأكـد مـن الـقـراءة الـصّـحـيـحـة.

وطـبـعـاً فـالـرّوايـة تـنـتـهي بـحـلّ طـلاسـم آخـر كـلـمـات كـارمـايـكـل وهـو يـحـتـضـر في غـرفـة فـيـكـتـوريـا في الـفـنـدق : ونـكـتـشـف أنّ الـشّـيـطـان Lucifer كـان الـعـقـل الـمـفـكّـر لـلـمـجـمـوعـة الإرهـابـيـة، وأنّـه لـم يـكـن إلّا حـبـيـب فـيـكـتـوريـا الـكـاذب إدوارد. وأنّ الـبـصـرة مـديـنـة في جـنـوب الـعـراق، إلـتـقى فـيـهـا كـارمـايـكـل بـإدوارد. وأنّ Lefarge كـان في الـحـقـيـقـة Defarge ، شـخـصـيـة في روايـة تـشـارلـز ديـكـنـز “قـصّـة مـديـنـتـيـن”، ويـدل عـلى شـاهـد رئـيـسي رأى الأحـداث وحـول عـنـقـه لـفّـاف، وأنّ كـارمـايـكـل سـجّـل عـلى هـذا الـلـفـاف الأحـمـر أسـمـاء الـمـجـرمـيـن. ونـكـتـشـف أنّ الـجـمـعـيـة الإجـرامـيـة كـانـت تـنـوي إنـتـاج سـلاح رهـيـب يـدمّـر الـعـالـم، وكـانـت تـريـد أن تـوقـف كـارمـايـكـل قـبـل أن يـصـل إلى بـغـداد ويـكـتـشـف خـطـطـهـا. ولا يـنـبـغي أن نـنـسى أنّ الـرّوايـة نـشـرت في 1951، في فـتـرة كـان الـنّـاس فـيـهـا يـخـافـون مـن انـدلاع حـرب جـديـدة.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) نـجـد اسـم عـبـدُل Abdul مـرتـيـن في هـذه الـرّوايـة. وهـو يـأتي مـن سـوء تـقـطـيـع لـفـظي لـلإسـم الـمـركّـب مـن عـبـد وأحـد أسـمـاء الله الـحـسـنى مـثـل : عـبـد الـبـاقي أو عـبـد الـغـفّـار … إلـخ. فـهـو إذن تـقـلـيـص عـبـد وأداة الـتّـعـريـف (ألـ).

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

روايـة “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia ” لأجـاثـا كـريـسـتي.

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

murder 2

تـكـلّـمـنـا في مقال سـابـق : “أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق” (في أرشـيـفـات يـونـيـو 2015) عـن حـيـاة الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie، وذكـرنـا كـيـف وصـلـت إلى الـعـراق وزارت مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في أور، ثـمّ كـيـف تـزوّجـت بـعـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان M. MALLOWAN وسـاعـدتـه في عـدد مـن الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا في نـيـنـوى ونـمـرود.

ونـخـصـص هـذا الـمـقـال لأولى روايـاتـهـا الـبـولـيـسـيـة الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق وتـتـكـلّـم فـيـهـا عـن تـجـربـتـهـا الـعـراقـيـة.

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في أربـعـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia” الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان: “جـريـمـة في الـعـراق”(1)، و« They Came to Baghdad » الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان : “مـوعـد في بـغـداد” و “لـقـاء في بـغـداد”.

وفي كـتـابَـيـن تـسـرد فـيـهـمـا ذكـريـاتـهـا : “تـعـال اخـبـرني كـيـف تـعـيـش « Come, Tell Me How You Live الّـذي صـدر في 1946. والـعـنـوان مـقـتـبـس مـن نـصّ لـويـس كـارول “مـن خـلال الـمـرآة”. وسـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : « An Autobiography » الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، أي بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976. وهي تـذكّـر أنّـهـا بـدأت الـكـتـاب في 2 نـيـسـان 1950 في دار بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود، وأنـهـتـه في إنـكـلـتـرة في 11 تـشـريـن الأوّل 1965. وقـد اسـتـعـمـلـت في كـتـابـتـه صـفـحـات مـن يـومـيـات ومـلاحـظـات كـانـت قـد كـتـبـتـهـا خـلال سـنـوات حـيـاتـهـا.

Murder in Mesopotamia :

murder 3

نـشـرت الـرّوايـة الـبـولـيـسـيـة الأولى الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق تـحـت عـنـوان : Murder in Mesopotamia  في 1936 (1) ، أي بـعـد سـبـع سـنـوات مـن زيـارتـهـا لـتـنـقـيـبـات مـقـبـرة أور الـمـلـكـيـة الّـتي الـتـقـت خـلالـهـا بـزوجـهـا الـثّـاني، عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان. كـمـا كـانـت أجـاثـا كـريـسـتي قـد صـاحـبـت زوجـهـا مـالـوان في تـنـقـيـبـات نـيـنـوى مـن مـوسـم 1931/ 1932 إلى 1934. وقـد اسـتـعـمـلـت في كـثـيـر مـن تـفـاصـيـلـهـا تـجـربـتـهـا الّـتي عـاشـتـهـا في الـتّـنـقـيـبـات.

murder 1

وهـدفـنـا في هـذا الـمـقـال لـيـس تـلـخـيـص الـرّوايـة تـلـخـيـصـاً دقـيـقـاً أو كـتـابـة نـقـد أدبي لـنـصّـهـا، فهي تـنـتـمي إلى نـوع مـن الـنّـصـوص الـمـشـوقـة الـحـبـكـة الـسّـهـلـة الـقـراءة الـمـوجـهـة لـلـجـمـهـور الـواسـع. وإنّـمـا هـدفـنـا أن نـتـابـع وصـفـهـا لـلـعـراق والـعـراقـيـيـن والـصّـور الّـتي تـظـهـرهـا عـنـهـم. ولا شـكّ في أنّ كـتـابـات أجـاثـا كـريـسـتي شـاركـت في تـرسـيـخ بـعـض “الـكـلـيـشـيـهـات” عـنّـا في أذهـان الـغـربـيـيـن لـسـبـبـيـن : لأنّ هـذه الـصّـور تـتـسـلـل إلى الـمـخـيـلـة بـصـورة لا إراديـة مـن خـلال مـتـابـعـة الأحـداث الـمـشّـوقـة، ولأنّ هـذه الـكـتـب نـشـرت ومـا زالـت تـنـشـر بـطـبـعـات مـتـنـوعـة وبـلـغـات مـخـتـلـفـة وبـأعـداد هـائـلـة مـن الـنّـسـخ. فـتـأثـيـرهـا يـتـجـاوز بـمـئـات الـمـرّات تـأثـيـر الـدّراسـات الـرّصـيـنـة الّـتي يـؤلـفـهـا بـاحـثـون تـصـعـب قـراءتـهـم.

murder 5

وأوّل مـا نـلاحـظـه عـنـد قـراءة هـذه الـرّوايـة هـو أنّـهـا لـم تـسـتـعـمـل اسـم الـعـراق Iraq في الـعـنـوان رغـم تـكـويـن مـمـلـكـة الـعـراق في 1921 والّـتي جـمـعـت الـولايـات الـعـثـمـانـيـة الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، ورغـم دخـول الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في “عـصـبـة الأمـم” كـدولـة مـسـتـقـلّـة في 1932. ويـمـكـنـنـا أن نـعـزي اسـتـعـمـالـهـا لاسـم Mesopotamia الّـذي جـاء مـن الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) والّـذي يـعـني : “مـا بـيـن الـنّـهـريـن” لـسـبـبـيـن : أوّلـهـمـا أنّ الأوربـيـيـن اسـتـعـمـلـوه خـلال قـرون طـويـلـة لـلـدّلالـة عـلى بـلاد مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات، وهـو الاسـم الّـذي اسـتـعـمـلـه الـرّحّـالـة وعـلـمـاء الآثـار، ولـهـذا يـدلّ حـالاً في أذهـان الـقـراء عـلى جـو الـرّوايـة الّـتي تـجـري أحـداثـهـا في مـوقـع تـنـقـيـبـات أثـريـة. وثـانـيـهـمـا أنّ الإسـم لـم يـعـد يـسـتـعـمـل عـلى الـخـرائـط الـجـغـرافـيـة واكـتـسى نـوعـاً مـن الـغـمـوض والإبـهـام عـنـد الـنّـاس، فـهـم سـمـعـوا بـه ولـكـنّـهـم لا يـسـتـطـيـعـون تـحـديـد مـكـانـه بـالـضـبـط، وهـذا مـا يـنـاسـب تـمـامـاً مـشـروع روايـة بـولـيـسـيـة تـجـري أحـداثـهـا الـخـيـالـيـة في مـكـان يـبـعـد الـقـارئ عـن هـمـوم حـيـاتـه الـيـومـيـة. والـمـلاحـظـة الـثّـانـيـة هي غـيـاب الـعـراقـيـيـن في هـذه الـرّوايـة، فـمـاعـدا إشـارات نـادرة إلى بـغـداد ودجـلـة وعـمـال الـمـوقـع ، كـان يـمـكـن لـلـكـاتـبـة أن تـضـع أحـداثـهـا في أي مـكـان كـان مـن الـعـالـم.

والـقـصّـة تـرويـهـا Amy Leatheran ، وهي في الـرّوايـة مـمـرضـة جـاءت إلى بـغـداد تـصـاحـب امـراة إنـكـلـيـزيـة. ولـكـنّـهـا، بـعـد انـتـهـاء مـهـمـتـهـا، قـبـلـت أن تـعـتـني بـانـكـلـيـزيـة أخـرى، لـويـز زوجـة عـالـم الآثـار الـسّـويـدي الـدّكـتـور إريـك لايـنـدر Erich Leinder. وسـأتـرجـم الـمـقـاطـع الّـتي تـهـمـنـا في هـذا الـمـقـال مـبـاشـرة مـن الـنّـص الإنـكـلـيـزي. وسـيـبـدأ كـلّ اسـتـشـهـاد مـأخـوذ مـن الـرّوايـة بـمـعـقـوفـتـيـن (“) وسـيـنـتـهي بـمـعـقـوفـتـيـن (“).

ونـجـد الـرّاويـة (الـمـمـرضـة) في الـفـصّـل الأوّل جـالـسـة في صـالـة فـنـدق Tigris Palace Hotel تـنهى رسـالـة لأحـدى صـديـقـاتـهـا في لـنـدن كـتـبـت فـيـهـا : “لا يـمـكـنـك أن تـتـصـوّري الـوسـاخـة dirt والـفـوضى mess في بـغـداد ــ وهي لـيـسـت رومـانـسـيـة إطـلاقـاً كـمـا يـمـكـنـك أن تـتـخـيّـلـيـهـا مـن قـراءة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة !”، و “الـمـديـنـة قـبـيـحـة ولـيـس فـيـهـا مـخـازن تـسـتـحـق هـذا الإسـم”. “وقـد اصـطـحـبـني الـمـاجـور كـيـلـسي إلى الأسـواق. وطـبـعـاً لا يـمـكـنـنـا أن نـنـكـر أنّ فـيـهـا شـيـئـاً مـن الـطّـرافـة، وإن كـانـت سـلـعـهـا تـبـدو نـفـايـات ـ وطـرق الـصّـفـافـيـر عـلى الـصّـحـون يـوجـع الـرّأس ويـثـيـر الـصّـداع …”.

ثـمّ نـفـهـم أنّ عـالـم الآثـار الـسّـويـدي الّـذي سـتـعـتـني الـمـمـرضـة بـزوجـتـه جـاء لـلإشـراف عـلى تـنـقـيـبـات أثـريـة تـقـوم بـهـا بـعـثـة مـن جـامـعـة بـتـسـتـاون University of Pittstown Expedition. وأنّ هـذه الـتّـنـقـيـبـات تـجـري في مـوقـع مـديـنـة آشـوريـة كـبـيـرة “مـثـل نـيـنـوى شـيـئـاً مـا “، إسـمـه تـل يـاريـمـجـه Tell Yarimjah، قـرب مـديـنـة اسـمـهـا الـحـسـنـيـة Hassanieh ، تـقـع عـلى مـسـافـة مـسـيـرة يـوم ونـصـف مـن بـغـداد.

وتـركـب الـمـمـرضـة آمي لـذرن الـقـطـار في بـغـداد لـتـصـل في صـبـاح الـيـوم الـتّـالي إلى كـركـوك. وكـان في اسـتـقـبـالـهـا أحـد أعـضـاء الـبـعـثـة. وبـعـد أن عـبـروا الـنّـهـر عـلى عـبّـارة، سـارت بـهـم الـسّـيّـارة أربـع سـاعـات قـبـل أن يـصـلـوا إلى الـحـسـنـيـة. ولـم تـذكـر الـكـاتـبـة في أي اتـجـاه سـاروا. الـمـهـم هـو أنّ الـمـمـرضـة فـوجـئـت بـأنّ الـحـسـنـيـة كـانـت مـديـنـة كـبـيـرة “تـبـدو شـديـدة الـجـمـال قـبـل أن نـعـبـر إلـيـهـا مـن الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـنّـهـر، تـنـتـصـب بـيـضـاء سـاحـرة بـمـنـاراتـهـا. ولـكـنـهـا كـانـت مـخـتـلـفـة، عـنـدمـا عـبـرنـا الـجـسـر ودخـلـنـاهـا. روائـح لا تـطـاق وكـلّ الأبـنـيـة مـهـدمـة ومـتـسـاقـطـة ووحـول وفـوضى في كـلّ مـكـان”.

ونـجـد كـلـمـة “وسـخـة ” مـن جـديـد : “هـنـاك أمـاكـن فـاتـنـة picturesque فـيـهـا … ولـكـنّـهـا غـايـة في الـوسـاخـة”.

وقـد عـرفـت الـمـمـرضـة بـعـد أن الـتـقـت بـلـويـز أنّـهـا تـزوّجـت بـالـدّكـتـور لايـنـدر مـنـذ عـامـيـن فـقـط . وكـانـت قـد تـزوجـت قـبـل 15 سـنـة (أي خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى) بـألـمـاني كـان يـعـمـل لـحـسـاب الأمـريـكـان، ولـكـنّـه كـان في الـحـقـيـقـة جـاسـوسـاً لـحـسـاب ألـمـانـيـا. ولـم يـدم زواجـهـمـا طـويـلاً فـقـد ألـقي الـقـبـض عـلى زوجـهـا وحـكـم عـلـيـه بـالإعـدام، ولـكـنّـه فـلـح في الـهـرب خـلال حـادث اصـطـدام الـقـطـار الّـذي كـان يـنـقـلـه، بـيـنـمـا اعـتـقـد الـمـحـقـقـون أنّـه قـتـل في الـحـادث.

وخـرجـت الـمـمـرضـة لـتـرى الـمـكـان : “كـانـت أمـسـيـة عـذبـة. وكـان الـطّـريـق يـمـرّ بـيـن حـقـول الـشّـعـيـر ثـمّ وسـط أشـجـار فـواكـه أزهـرت، قـبـل أن يـوصـلـنـا إلى ضـفـة دجـلـة. وكـان عـلى يـسـارنـا الـتّـلّ بـعـمـالـه الّـذيـن كـانـوا يـتـرنّـمـون بـغـنـاء غـريـب رتـيـب (لا ارتـفـاع في أنـغـامـه ولا انـخـفـاض). وعـلى يـمـيـنـنـا نـاعـورة واسـعـة تـرسـل أنـيـنـاً غـريـبـاً أثـار أعـصـابي في الـبـدايـة، ولـكـنـني تـعـوّدت عـلـيـهـا حـتّى أحـبـبـتـهـا وأصـبـح لـهـا شـئ مـن الـتّـأثـيـر الـغـريـب الـمـهـدئ لي. ووراء مـكـان الـنّـاعـورة تـمـتـدّ الـقـريـة الّـتي يـأتي مـنـهـا الـعـمـال.

قـالـت مـسـز لايـنـدر: هـو مـكـان جـمـيـل، ألـيـس كـذلـك ؟

أجـبـتـهـا : هـو مـكـان هـدوء وطـمـأنـيـنـة، ولـكـنّـه يـبـدو غـريـبـاً لي أن يـكـون عـلى هـذا الـبـعـد، مـنـعـزلاً عـن كـلّ شئ”.

ونـلاحـظ أنّ الـكـاتـبـة اسـتـعـمـلـت كـلـمـة غـريـب queer ثـلاث مـرّات في هـذا الـمـقـطـع الـقـصـيـر.

وتـعـود كـلـمـة غـريـب في مـقـطـع آخـر :”كـان عـبـد الله، الـصّـبي الـصّـغـيـر الّـذي عـهـد إلـيـه بـغـسـل قـطـع الـفـخـاريـات، جـالـسـاً كـعـادتـه في وسـط الـحـوش، وكـان كـعـادتـه أيـضـاً يـخـنّ بـغـنـائـه الـغـريـب”. وهـذا يـعـني أنّ الـرّاويـة (أو الـكـاتـبـة ) كـانـت تـسـمـع الأصـوات تـخـرج مـن أنـوف الـنّـاس لا مـن أفـواهـهـم !

والـمـرّة الـوحـيـدة الّـتي وصـفـت فـيـهـا الـكـاتـبـة “عـراقـيـاً” كـانـت عـنـدمـا تـكـلّـمـت عـن عـلي يـوسـف، الّـذي عـرفـنـا في نـهـايـة الـرّوايـة أنّـه كـان “نـصـف تـركي”. فـقـد كـان هـنـاك اخـتـلاف بـيـن وصـف الأب لافـيـني، أحـد الـمـشـاركـيـن في الـتّـنـقـيـبـات، لـه ووصـف الـمـمـرضـة. فـعـنـدمـا وصـفـه الأب بـأنّـه fair أي وسـيـم أو فـاتـح الـبـشـرة، فـهـو يـعـلـل ذلـك :”أقـصـد أنّـه وسـيـم (فـاتـح الـلـون) كـعـراقي، وأعـتـقـد أنّ الـمـمـرضـة سـتـصـفـه بـالـغـامـق”. وحـقـاً وصـفـتـه الـمـمـرضـة بـأنّ ” لـونـه أصـفـر غـامـق وسـخ” !

وقـلـيـلاً مـا تـكـلّـمـت راويـة الـقـصّـة (الـمـمـرضـة) عـن الـعـلاقـات بـيـن الـمـنـقـبـيـن وأهـل الـبـلـد أي عـمـال الـحـفـريـات والـخـدم ، فـلـم يـكـن في الـمـوقـع عـلـمـاء آثـار عـراقـيـيـن.

وهـنّـا أذكّـر الـقـارئ إلى أنّ أوّل عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أكـمـلـوا دراسـتـهـم في الـخـارج لـم يـعـودوا إلى بـغـداد قـبـل 1938 مـثـل طـه بـاقـر وفـؤاد سـفـر، ولـم يـبـدأوا بـالـمـشـاركـة في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة إلّا بـعـد ذلـك بـسـنـوات. وقـد كـانـت الـمـواقـع الأثـريـة في الـعـراق في زمـن كـتـابـة أجـاثـا كـريـسـتي لـهـذه الـرّوايـة مـيـدانـاً مـخـصـصـاً لـلـعـلـمـاء الأوربـيـيـن والأمـريـكـان.

وكـان الـحـديـث بـيـن الأجـانـب وأهـل الـبـلـد لا يـتـعـدى بـعـض الـكـلـمـات أو الـجـمـل الـبـسـيـطـة. فـطـبـيـب الـبـعـثـة في الـرّوايـة، وهـو يـتـكـلّـم “الـعـربـيـة”، يـقـول لـلـمـمـرضـة في مـقـطـع مـن الـنّـص :

ــ : “سـيـجـلـب لـك الـصّـبـيـان boys الـمـاء الـسّـاخـن قـبـل الـغـداء والـعـشـاء، وفي الـصّـبـاح طـبـعـاً. وإذا احـتـجـت إلى قـلـيـل مـنـه في أي وقـت كـان فـمـا عـلـيـك إلّا أن تـخـرجي إلى الـحـوش وتـصـفـقي يـديـك. وعـنـدمـا يـأتي الـصّـبـيـان قـولي لـهـم : جـيـب مـاي حـار jib mai’ har ، هـل تـعـتـقـديـن أنّـك سـتـتـذكـريـن الـجـمـلـة؟” وقـلـت لـه إنـني أعـتـقـد ذلـك، وأعـدت الـجـمـلـة بـتـعـثـر وتـردد.

ــ : ” حـسـنـاً، قـولـيـهـا بـثـقـة وصـيـحي بـهـم، فـالـعـرب لا يـفـهـمـون شـيـئـاً تـقـولـيـنـه بـطـريـقـة كـلام الإنـكـلـيـز الـعـاديـة”.

كـمـا تـتـكـلّـم الـكـاتـبـة عـن طـريـقـة عـمـل مـسـتـر كـولـيـمـان في مـوقـع الـحـفـريـات : يـقـف بـيـن الـعـمـال ويـصـيـح بـهـم : “يـا الله Y’Allah’”.

وتـذكـر الـكـاتـبـة الـفـرق بـيـن الـعـربـيـة الـفـصـحى وبـيـن الـعـامـيـة عـلى لـسـان أحـد أشـخـاص الـرّوايـة، الأب لافـيـني : “أتـدري أنـني خـجـلان مـن نـفـسي. درسـت الـلـغـات الـشّـرقـيـة ولا يـفـهـم أحـد مـن الـعـمـال مـا أقـول! هـذا مـخـزٍ لي، ألا تـعـتـقـد ذلـك ؟ وقـد حـاولـت أن أتـحـدّث بـعـربـيـتي مـع هـذا الـرّجـل، وهـو مـن سـكّـان الـمـدن لأرى هـل يـفـهـمـني، ولـكـن بـدون نـتـيـجـة. قـال لي الـدّكـتـور لايـنـدر إنّ لـغـتي الـعـربـيـة شـديـدة الـفـصـاحـة عـلـيـهـم”.

وبـعـد أسـبـوع مـن وصـول الـمـمـرضـة وجـد الـدّكـتـور لايـنـدر زوجـتـه مـيّـتـة في غـرفـتـهـا. وكـانـت قـد ضـربـت مـواجـهـةً بـشئ أمـلـس ثـقـيـل، ولـم يـكـن في الـغـرفـة أثـر لـهـذا “الـسّـلاح”. وجـاء الـكـابـتـن مـيـتـلانـد لـيـحـقـق في الـقـضـيـة، بـيـنـمـا فـحـص الـطـبـيـب الـدّكـتـور رايـلي Dr. Reilly  الـجـثـمـان.

ثـمّ سـمـع الـطّـبـيـب بـأنّ صـديـقـه الـمـحـقـق الـبـلـجـيـكي هـرقـل بـواروت (الّـذي يـتـدخـل في كـثـيـر مـن روايـات أجـاثـا كـريـسـتي لـيـجـد الـحـلـول لأغـرب الـجـرائـم وأكـثـرهـا غـمـوضـاً وإبـهـامـاً) كـان في جـولـة في الـعـراق. واتـصـل بـه لـيـأتي إلى مـوقـع الـجـريـمـة.

وقـد اقـتـنـع الـجـمـيـع بـأنّ الـقـاتـل كـان واحـداً مـنـهـم، لأنّ أحـداً لـم يـرغـريـبـاً يـقـتـرب مـن الـمـوقـع عـنـدمـا حـدثـت الـجـريـمـة. وكـان الـمـدخـل الـوحـيـد لـلـغـرفـة مـن حـوش الـدّار فـالـشّـبـاك عـلـيـه قـضـبـان حـديـديـة. وعـنـدمـا وصـل الـمـحـقـق بـواروت بـدأ اسـتـجـواب الـكـلّ. وأخـبـرتـه الـمـمـرضـة بـقـصّـة زواج لـويـزلايـنـدر الأوّل

وبـعـد دفـن جـثـمـان لـويـز لايـنـدر، صـعـدت الـمـمـرضـة إلى الـسّـطـح، و وجـدت مـس جـونـسـون، عـالـمـة الآثـار ومـسـاعـدة الـدّكـتـور لايـنـدر في الـتّـنـقـيـبـات، الّـتي أخـبـرتـهـا أنّـهـا وجـدت كـيـف يـمـكـن لأحـد دخـول الـدّار مـن غـيـر أن يُـلاحـظ، ولـكـنـهـا لـم تـشـرحـه لـهـا، وفي تـلـك الـلـيـلـة سُـمـمـت مـس جـونـسـون، واسـتـطـاعـت أن تـلـفـظ فـقـط : “الـنّـافـذة ! الـنّـافـذة !” قـبـل أن تـمـوت بـيـن يـدي الـمـمـرضـة.

وبـعـد أن اسـتـجـوب الـمـخـبـر هـرقـل بـواروت كـلّ واحـد مـن الـحـاضـريـن وحـلـل شـخـصـيـتـه، وبـعـد أن بـعـث بـبـرقـيـات إلى كـلّ أنـحـاء الـعـالـم لـيـتـأكـد مـن بـعـض الـمـعـلـومـات، وبـعـد أن رسـم مـخـطـطـاً لـدار الـتّـنـقـيـبـات يـظـهـر حـجـرهـا وغـرفـهـا ومـداخـلـهـا ومـخـارجـهـا جـمـعـهـم كـلّـهـم في الـيـوم الـتّـالي لـيـخـبـرهـم بـالـحـلّ الّـذي وجـده، وبـدأ حـديـثـه بـالـبـسـمـلـة : “بـسـم الله الـرّحـمـن الـرّحـيـم Bismillahi ar rahman ar rahim. هـذا هـو الـتـعـبـيـر الـعـربي الّـذي يـسـتـعـمـلـه الـمـرء عـنـدمـا يـشـرع في الـسّـفـر. ونـحـن أيـضـاً نـبـدأ بـرحـلـة. رحـلـة إلى الـمـاضي. رحـلـة إلى مـنـاطـق غـريـبـة مـن الـنّـفـس الإنـسـانـيـة”. وكـانـت نـتـيـجـة هـذا الـتّـعـمـق في الـنّـفـس الـبـشـريـة أنّـه وجـد أنّ لـويـز لايـنـدر ومـس جـونـسـن قـتـلـهـمـا الـدّكـتـور لايـنـدر، الّـذي هـو في الـحـقـيـقـة زوج لـويـز الأوّل الألـمـاني، والّـذي لـم يـقـتـل في حـادث اصـطـدام الـقـطـار. وقـد وجـد بـيـن الـضّـحـايـا جـثـمـان عـالـم آثـار سـويـدي Erich Leinder ، وأخـذ بـطـاقـة هـويـتـه. وبـعـد أن مـرّت 15 سـنـة، إدّعى أنّـه عـالـم الآثـار وتـزوّج مـن جـديـد بـزوجـتـه الأولى الّـتي لـم تـتـعـرف عـلـيـه، ولـكـنـه اكـتـشـف أنّـهـا تـحـبّ زمـيـلـه كـاري، فـقـررقـتـلـهـا. ثـمّ شـرح الـمـخـبـر هـرقـل بـواروت كـيـف اسـتـطـاع الـقـاتـل قـتـل زوجـتـه : فـفي عـصـريـة بـقـيـت فـيـهـا زوجـتـه في الـغـرفـة صـعـد هـو إلى الـسّـطـح لـيـصـنـف قـطـعـاً فـخـاريـة وجـدت في الـتّـنـقـيـبـات، وأنـزل أمـام شـبـاك غـرفـتـهـا قـنـاعـاً فـخـاريـاً رأتـه فـاقـتـربـت مـن الـنّـافـذة حـتّى وضـعـت رأسـهـا بـيـن الـقـضـبـان لـتـرى مـن أنـزلـه، وعـنـدهـا ضـربـهـا بـالـنـصـف الـعـلـوي مـن رحـاة حـجـريـة (2) كـان قـد ربـطـهـا مـن الـثّـقـب الّـذي في وسـطـهـا بـحـبـل، وقـد رمـاهـا عـنـف الـضـربـة إلى الـوراء واسـتـطـاعـت أن تـنـادي الـمـمـرضـة الّـتي ركـضـت نـحـوهـا قـبـل أن تـسـقـط مـيّـتـة بـيـن يـديـهـا ! أمّـا مـس جـونـسـون فـقـد غـيّـر الـقـاتـل الـمـاء في كـأسـهـا بـحـامـض الـهـيـدروكـلـوريـك الّـذي قـتـلـهـا بـعـد أن شـربـتـه.

وقـد حـلّ الـمـخـبـر بـواروت لـغـزاً آخـر حـدث في مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات، فـقـد وجـد الـمـنـقـبـون رجـلاً انـسـلّ إلى الـغـرفـة الّـتي تـحـفـظ فـيـهـا الـقـطـع الأثـريـة. وقـد تـعـرّف فـيـه عـلى عـلي يـوسـف الّـذي يـعـمـل مـع راؤول مـنـيـيـه، سـارق الآثـار ومـهـربـهـا. وقـد اكـتـشـف أنّ مـنـيـيـه كـان قـد انـضـمّ إلى فـريـق الـتّـنـقـيـبـات مـتـنـكّـراً تـحـت هـويـة كـاذبـة، فـقـد ادّعى أنّـه الأب لافـني، الـمـخـتـص بـقـراءة الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة الـمـعـروف. وهـكـذا اسـتـطـاع أن يـسـرق كـثـيـراً مـمـا وجـد في الـتّـنـقـيـبـات وأبـدلـهـا بـنـسـخ مـزيـفـة.

وقـد أوقـفـت الـشّـرطـة الـمـهـربـيـن في بـيـروت، قـبـل أن يـركـبـا في بـاخـرة مـتـجـهـة إلى أوربـا.

وبـعـد أن أكـمـلـت الـمـمـرضـة سـرد الـقـصـة بـأكـمـلـهـا تـسـاءلـت : “كـيـف يـمـكـنـني أن أنـهي حـكـايـتي؟ يـا لـيـتـني اسـتـطـعـت أن أجـد تـعـبـيـراً مـنـاسـبـاً لـذلـك. عـليّ أن أسـأل الـدكـتـور رايـلي عـن تـعـبـيـر بـالـعـربـيـة. مـثـل ذاك الّـذي اسـتـعـمـلـه مـسـتـر بـواروت : بـسـم الله الـرّحـمـن الـرّحـيـم In the name of Allah, the Merciful, the Compassionate…. شـئ مـن هـذا الـقـبـيـل”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تـرجـمـت الـرّوايـة إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان “جـريـمـة في الـعـراق”، دار الـكـتـب لـلـطّـبـاعـة والـنّـشـر والـتّـوزيـع 1973 ( 237 ص.)، وأعـيـد طـبـعـهـا في الـقـاهـرة، الـمـكـتـبـة الـثّـقـافـيـة 1997. ولأني لـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى الـتّـرجـمـة فـقـد تـرجـمـت الـمـقـاطـع الّـتي اسـتـشـهـدت بـهـا مـن الأصـل الإنـكـلـيـزي مـبـاشـرة.

(2) لا شـكّ في أنّ بـعـض قـرائي لـم يـروا رحـاة حـجـريـة. وكـانـت هـذه الـرّحـاة تـتـكـوّن مـن جـزئـيـن : قـاعـدة دائـريـة ثـبّـت في وسـطـهـا وتـد مـن الـخـشـب، وقـرص مـن الـحـجـر مـثـقـوب الـوسـط لـيـدخـل فـيـهـا وتـد الـجـزء الـسّـفـلى، وتـديـر الـمـرأة الـجـزء الـعـلـوي عـلى الـجـزء الاسـفـل لـتـطـحـن الـحـبـوب.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

ag. 3

رغـم قـلّـة شـغـف قـرّاء الـلـغـة الـعـربـيـة بـالـرّوايـات الـبـولـيـسـيـة كـنـوع أدبي، وهـو مـا تـعـجّ بـه الـمـكـتـبـات (مـحـلّات بـيـع الـكـتـب والـمـكـتـبـات الـخـاصـة والـعـامـة) في الأنـحـاء الأخـرى مـن الـعـالـم، فـإنّ الـقـارئ الـعـربي عـامـة يـعـرف أجـاثـا كـريـسـتي. وربّـمـا قـرأ لـهـا روايـة بـولـيـسـيـة أو روايـتـيـن.

فـمـن كـانـت هـذه الـكـاتـبـة الـشّـديـدة الـشّـهـرة الّـتي بـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة )؟

ولـدت Agatha Mary Clariss في 1890، في عـائـلـة بـريـطـانـيـة مـيـسـورة الـحـال مـن الـطّـبـقـة الـوسـطى. قـد رفـضـت أمّـهـا أن تـدخـلـهـا في مـدرسـة، وفـضّـلـت أن تـتـولى تـعـلـيـمـهـا في الـدّار، مـمـا تـرك لـلـطّـفـلـة الـصّـغـيـرة وقـتـاً لـتـنـمـيـة حـبّـهـا لـلـقـراءة وحـبّـهـا لـلـحـيـوانـات بـدلاً مـن الـلـعـب مـع الأطـفـال الآخـريـن. وعـنـدمـا بـلـغـت سـن الـحـاديـة عـشـرة تـوفي والـدهـا. وقـد ذكـرت بـعـد ذلـك أنّ طـفـولـتـهـا انـتـهـت بـوفـاة والـدهـا. وسـاءت حـالـة الـعـائـلـة الـمـاديـة. ودخـلـت أجـاثـا في الـعـام الـتّـالي مـدرسـة لأوّل مـرّة في حـيـاتـهـا، ولـكـنّـهـا وجـدت الـنّـظـام الّـذي لـم تـكـن قـد تـعـودت عـلـيـه صـعـبـاً. وقـد أرسـلـت في سـن الـخـامـسـة عـشـرة إلى بـاريـس، في فـرنـسـا، وغـيّـرت الـمـدرسـة الـدّاخـلـيـة ثـلاث مـرّات قـبـل أن تـنـهي دراسـتـهـا وتـعـود إلى إنـكـلـتـرة في 1910، وكـانـت في الـعـشـريـن مـن عـمـرهـا.

وقـد اكـتـشـفـت عـنـد عـودتـهـا إلى إنـكـلـتـرة أنّ أمّـهـا كـانـت مـريـضـة وأنّ الأطـبّـاء نـصـحـوهـا بـتـغـيـيـرالـجـو والـذّهـاب إلى بـلـد طـقـسـه جـاف وحـار. وكـانـت مـصـر أنـذاك وجـهـة الـبـريـطـانـيـيـن الـمـفـضّـلـة، فـصـاحـبـت أجـاثـا أمّـهـا إلى الـقـاهـرة. وقـد اغـتـنـمـت الـفـرصـة لـزيـارة الـمـعـالـم الـفـرعـونـيـة، ومـع ذلـك لـم يـظـهـر شـغـفـهـا بـمـصـر الـقـديـمـة إلّا بـعـد ذلـك بـسـنـوات طـويـلـة، في آخـر فـتـرة مـن حـيـاتـهـا.

وفي 1912، إلـتـقـت أجـاثـا بـأرشـيـبـولـد كـريـسـتي Archibald Christie . ثـمّ انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في 1914، وأرسـل Archibald لـلـقـتـال في فـرنـسـا، فـتـطـوعـت أجـاثـا لـلـخـدمـة في مـسـتـشـفى. وفي نـهـايـة عـام 1914، عـاد Archibald في إجـازة إلى لـنـدن وتـزوّجـا. وأخـذت أجـاثـا اسـم زوجـهـا وأصـبـحـت : أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie .

وبـعـد مـحـاولات فـاشـلـة لـنـشـر روايـة بـولـيـسـيـة، قـبـلـت دار نـشـر The Bodley Head في 1920 أن تـنـشـر لـهـا روايـتـهـا الأولى الّـتي اكـتـشـف فـيـهـا الـقـراء شـخـصـيـة الـمـحـقـق هـرقـل بـواروت. وكـان ذلـك بـدايـة شـهـرتـهـا الّـتي لـم تـتـوقـف بـعـد ذلـك. وقـد نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي حـتّى عـام وفـاتـهـا في 1976 : 79 روايـة بـولـيـسـيـة ومـجـمـوعـة قـصـصـيـة، و 19 مـسـرحـيـة أشـهـرهـا : مـصـيـدة الـفـئـران. كـمـا نـشـرت سـتّ روايـات تـحـت اسـم مـسـتـعـار: Mary Westmacott .

وبـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة). ومـاعـدا أعـمـالـهـا الـرّوائـيـة والـقـصـصـيـة والـمـسـرحـيـة، نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتـي أربـعـة كـتـب مـن بـيـنـهـا سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة An Autobiography الّـتي صـدرت في 1977، أي بـعـد عـام مـن وفـاتـهـا، وكـتـاب Come, Tell Me How You Live الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن عـدّة بـعـثـات تـنـقـيـب شـاركـت فـيـهـا مـع زوجـهـا الـثّـاني عـالـم الآثـارمـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN.

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق :

بـعـد أن طـلّـقـت Archibald في 1928، سـافـرت أجـاثـا كـريـسـتي إلى الـعـراق في 1929، وزارت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريّـة في أور والّـتي كـان يـشـرف عـلـيـهـا لـيـونارد وويـلي Leonard WOOLLEY . ورغـم أنّ وويـلي كـان يـرفـض دخـول الـسّـواح إلى الـمـوقـع، فـقـد قـبـل أن يـسـتـقـبـل أجـاثـا كـريـسـتي لأنّ زوجـتـه كـاثـريـن كـانـت مـن الـمـعـجـبـات بـروايـاتهـا. وفي الـعـام الـتّـالي 1930، بـعـثـت لـهـا كـاثـريـن بـدعـوة ثـانـيـة لـتـزور الـمـوقـع. وطـلـبـت مـن عـالـم الآثـار، الّـذي كـان في وقـتـهـا مـبـتـدءاً، مـاكـس مـالـوان Max MALLOWANأن يـكـون دلـيـلاً لـلـكـاتـبـة في زيـارتـهـا لـلـمـوقـع. وعـنـدمـا قـطـعـت أجـاثـا كـريـسـتي زيـارتـهـا لـتـعـود إلى إنـكـلـتـرة بـعـد أن جـاءهـا خـبـر مـرض ابـنـتـهـا، صـاحـبـهـا مـالـوان، ثـم عـاد إلى أور. وذهـب مـالـوان مـن جـديـد بـعـد عـدّة أشـهـر إلى إنـكـلـتـرة لـيـطـلـب مـن أجـاثـا أن تـتـزوّجـه، وقـبـلـت. وكـانـت أجـاثـا في الأربـعـيـن مـن عـمـرهـا.

ag. 5

وقـررمـالـوان أن يـتـرك الـتّـنـقـيـبـات في أور لـيـبـحـث عـن مـوقـع يـمـكـن لأجـاثـا أن تـصـاحـبـه فـيـه. وبـدءا في 1931/ 1932 مـوسـم تـنـقـيـبـاتـهـمـا الأوّل في نـيـنـوى، وقـد شـاركـت فـيـهـا أجـاثـا كـمـسـاعـدة تـنـظّـف الـقـطـع الأثـريـة وتـرمـمـهـا وتـصـنّـفـهـا، كـمـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـرعـلـيـهـا في الـمـوقـع. ثـمّ مـوّل الـمـتـحـف الـبـريـطـاني تـنـقـيـبـات في مـوقـع تـلّ عـربـجـيـة Tell Arpachiyah ، بـدأ مـالـوان بـالإشـراف عـلـيـهـا في ربـيـع 1933، وبـقـيـت أجـاثـا مـع زوجـهـا في نـيـنـوى إلى عـام 1934.

وفي 1947،عـيّـن مـالـوان مـديـراً لـلـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لآثـارالـعـراق British School of Archaeology in Iraq وأشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الّـتي نـظّـمـتـهـا الـمـدرسـة بـالإشـتـراك مـع الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في مـوقـع نـمـرود والّـتي اسـتـمـرت عـدّة مـواسـم مـن 1948/ 1949 وإلى 1958. وقـد وجـدت في هـذه الـحـمـلات مـنـحـوتـات عـاجـيـة (1)، ويـذكـر مـالـوان أنّ أجـاثـا هي الّـتي نـصـحـتـه أن يـخـرج هـذه الـقـطـع مـن مـخـابـئـهـا تـدريـجـيـاً حـتّى لا تـجـفّ في الـهـواء الـسّـاخـن وتـتـكـسـر.

ag. 1

وتـحـكي أجـاثـا كـريـسـتي في سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : An Autobiography  الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976، كـيـف كـانـت تـنـظّـف هـذه الـمـنـحـوتـات : “وقـد شـاركـت في تـنـظـيـف عـدد مـنـهـا. وكـانـت آلـتي الـمـفـضّـلـة عـود بـرتـقـالي الـلـون يـشـبـه إبـرة حـيـاكـة، كـان مـن أدوات طـبـيـب أسـنـان تـركـه ، أو بـالأحـرى أعـطـاه لي، وعـلـبـة مـن مـرهـم تـجـمـيـل لـلـوجـه. وكـان هـذا أفـضـل مـا وجـدتـه لإخـراج الـوسـاخـة الـمـتـراكـمـة في الـشّـقـوق مـن غـيـر أن أكـسّـر الـعـاج. وقـد اسـتـعـمـلـت كـمـيـات كـبـيـرة مـن هـذه الـدّهـون حـتّى لـم يـبـق في الـعـلـبـة، بـعـد أسـبـوعـيـن، مـا أدهـن بـه وجـهي الـمـسـكـيـن !” (2) كـمـا أنّـهـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـكـلّ الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في الـمـوقـع.

ag. 6

ag. 7

وتـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في ثـلاثـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”،الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان: “جـريـمـة في الـعـراق”، و« They Came to Baghdad » الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان : “مـوعـد في بـغـداد” و “لـقـاء في بـغـداد”.

وفي سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة الّـتي تـسـرد فـيـه ذكـريـاتـهـا : « An Autobiography » الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، أي بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976.

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن دارهـا الـبـغـداديـة في نـهـايـة سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة تـقـريـبـاً، في سـردهـا لأحـداث سـنـة 1948 :

“ولـم أتـكـلّـم بـعـد عـن دارنـا في بـغـداد، فـقـد كـانـت لـنـا دار تـركـيـة قـديـمـة في الـصّـوب الـغـربي لـدجـلـة.

Aga 001

وكـان الـنّـاس يـتـعـجـبـون مـن غـرابـة ذوقـنـا ومـن مـحـبـتـنـا لـهـا، ومـن رفـضـنـا لـلـسّـكـن في واحـدة مـن هـذه “الـصّـنـاديـق” الـحـديـثـة. ولـكـنّ دارنـا الـتّـركـيـة كـانـت مـبـهـجـة، مـنـعـشـة الـبـرودة بـحـوشـهـا ونـخـلاتـهـا الّـتي تـرتـفـع ويـمـس سـعـفـهـا أطـراف الـشّـرفـة.

Aga 003

وكـان خـلـف دارنـا غـابـات نـخـيـل تـرويـهـا الـسّـواقي، وصـرائـف بـالـغـة الـصّـغـر صـنـعـت مـن صـفـائـح قـصـديـر (تـنـكـات بـنـزيـن) ركّـب بـعـضـهـا عـلى بـعـض، يـلـعـب حـولـهـا أطـفـال بـمـرح وسـعـادة. وكـانـت الـنّـسـاء يـدخـلـنـهـا ويـخـرجـن مـنـهـا ويـنـزلـن إلى الـنّـهـر لـغـسـل صـحـونـهـنّ وقـدورهـنّ. (3)

يـعـيـش الأغـنـيـاء والـفـقـراء في بـغـداد خـدّاً عـلى خـدّ.

ومـا أشـدّ مـا تـوسـعـت [الـمـديـنـة] مـنـذ أن رأيـتـهـا لأوّل مـرّة. وأغـلـب الـبـنـايـات الـحـديـثـة شـديـدة الـقـبـح، ولا تـنـاسـب الـطّـقـس هـنـا. نـسـخـت مـن مـجـلّات حـديـثـة، فـرنـسـيـة أو ألـمـانـيـة أو إيـطـالـيـة. ولـم يـعـد الـنّـاس يـسـتـطـيـعـون فـيـهـا الـنّـزول إلى سـرداب sirdab مـنـعـش الـبـرودة في أيّـام الـقـيـظ، ولـم تـعـد الـنّـوافـذ طـاقـات صـغـيـرة في أعـالي الـجـدران لـتـحـمـيـهـم مـن أشـعـة الـشّـمـس الـمـلـتـهـبـة.

وربّـمـا تـحـسّـنـت أنـابـيـب الـمـيـاه فـيـهـا (وهي لا يـمـكـن أن تـكـون أسـوء مـمـا كـانـت عـلـيـه)، مـع أنـني لـسـت مـتـأكّـدة مـن ذلـك. فـأنـابـيـب الـمـيـاه الـحـديـثـة تـبـدو جـيّـدة الـنّـوعـيـة، وفي الـحـمّـامـات أحـواض أرجـوانـيـة أو سـحـلـبـيـة الألـوان، ولـكـنّ مـجـاري الـصّـرف تـحـتـاج إلى تـحـسـيـنـات ضـروريـة. وقـد كـانـت تـرتـمي في دجـلـة في مـاضي الـزّمـان، ولـكـنّـهـا لـم تـعـد تـكـفي كـمـيـات الـمـيـاه الّـتي تـنـدفـع نـحـوهـا وتـتـجـمـع في أيّـامـنـا هـذه”.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) نـقّـب مـاكـس إدغـار لـوسـيـان مـالـوان Sir Max Edgar Lucien MALLOWAN بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة في مـوقـع نـمـرود لـحـسـاب الـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لـلآثـارفي الـعـراق The British School of Archaeology in Iraq ، واسـتـمـرت الـحـمـلات عـدّة مـواسـم بـيـن 1949 و 1963. وقـد اكـتـشـف فـيـهـا مـنـحـوتـات عـاجـيـة يـعـود تـاريـخـهـا إلى مـابـيـن الـقـرن الـتّـاسـع والـقـرن الـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد. ويـبـدو أنّـهـا كـانـت مـن الـغـنـائـم الّـتي جـلـبـهـا الـجـيـش مـن حـمـلاتـه الـحـربـيـة، فـنـحـن نـعـرف أنّ الآشـوريـيـن لـم يـنـحـتـوا الـعـاج. وقـد احـتـفـظ الـمـعـهـد الـبـريـطـاني لـدراسـة الـعـراقThe British Institute For The Study Of Iraq بـهـذه الـقـطـع الّـتي لـم تـعـرض حـتّى عـام 2011. وفي ذلـك الـعـام بـاع الـمـعـهـد ثـلـث مـجـمـوعـتـه (مـا يـقـارب 6000 قـطـعـة) إلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن. كـمـا يـنـوي الـمـعـهـد إهـداء ثـلـث آخـر إلى نـفـس الـمـتـحـف، وإعـادة الـثّـلـث الـبـاقي إلى الـعـراق.

(2) أقـام الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن عـام 2002 مـعـرضـاً عـن “أجـاثـا كـريـسـتـي وعـلـم الآثـار: لـغـز في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن

The exhibition Agatha Christie and Archaeology: Mystery in Mesopotamia (8 November 2001- 24 March 2002).

(3)ص. 546 ــ 547.

ويـذكـر جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا في كـتـابـه : “شـارع الأمـيـرات” أنّـه تـعـرّف عـلى مـاكـس مـالـوان عـن طـريـق روبـرت هـامـلـتـون الّـذي كـان قـد شـارك في تـنـقـيـبـات مـالـوان، وأنّـه اسـتـلـم دعـوة لـزيـارة مـاكـس مـالـوان وزوجـتـه أجـاثـا كـريـسـتـي في دارهـمـا في بـغـداد : “سـألـت [هـامـلـتـون] : “أيـن الـدّار؟”. قـال : “إنّـهـا دار الـمـلـك عـلي. أتـعـرفـهـا؟ في كـرادة مـريـم، عـلى شـاطئ الـنّـهـر مـبـاشـرة. إنّـهـا دار تـركـيـة تـعـود إلى الـعـهـد الـعـثـمـاني. ومـن أجـمـل بـيـوت بـغـداد الـقـديـمـة”، “وقـد كـانـت لـمـدّة مـا في الـعـشـريـنـات مـسـكـنـاً لـلـمـلـك عـلي، أخي الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، فـأطـلـق اسـمـه عـلى الـدّار”. والـغـريـب أنّ أجـاثـا كـريـسـتـي، الّـتي كـانـت تـعـرف بـيـت الـمـلـك عـلى وتـكـلّـمـت عـنـهـا في روايـتـهـا “مـوعـد في بـغـداد” لـم تـذكـر في مـذكـراتـهـا أنّ دارهـا كـانـت “بـيـت الـمـلـك عـلي”.

ويـصـف جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا دار أجـاثـا كـريـسـتي الـبـغـداديـة : “دخـلـت بـوابـة الـدّار إلى بـاحـتـهـا الـمـتـمـيـزة بـطـرازهـا الـبـغـدادي الـعـثـمـاني. والـبـاحـة مـحـفـوفـة بـالأشـجـار والأوراد في وسـط بـنـاء مـن طـابـقـيـن يـصـعـد إل الأعـلى مـنـهـمـا بـدرد خـشـبي خـارجي يـؤدي إلى شـرفـة ضـيّـقـة طـويـلـة تـمـتـد مـع امـتـداد الـواجـهـة الـدّاخـلـيـة، وتـطـلّ عـلـيـهـا أبـواب الـغـرف الـعـلـيـا. صـعـدت الـدّرج الـخـشـبي وعلى كـلّ درجـة أصـيـص مـزروع”.

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

مـجـمـوعـة آثـارعـراقـيـة قـديـمـة يـعـلـوهـا الـغـبـار في مـتـحـف فـرنـسي صـغـيـر

الـدّكـتـور صـباح الـنّـاصـري

نص غوديا 001

(نـشـر هـذا الـمـقـال في جـريـدة الـمـدى، الـعـدد 3205 الـصّـادر في 31/ 10/ 2014)(1)

عـنـدمـا دخـلـت لأوّل مـرّة في مـتـحـف الآثـار Musée des Antiquités في مـديـنـة روان Rouen في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي، شـمـال فـرنـسـا، لـم أجـد إلّا ثـلاثـة أو أربـعـة زوّار يـنـظـرون بـمـلـل إلى قـطع مـنـحـوتـة مـن الـقـرون الـوسـطى جـلـبـت مـن خـرائـب قـصـور أو كـنـائـس قـديـمـة وإلى شـظـايـا زجـاجـيـات نـوافـذ إظلـمّـت ألـوانـهـا وإلى خـشـبـيـات مـنـحـوتـة إهـتـرأت والـتهـم الـدّود مـعـظم أجـزائـهـا، ثـمّ درت مـعـهـم حـول آثـار رومانـيـة قـديـمـة مـن بـيـنـهـا فـسـيـفـساء رمـمـت وأكـمـلـت حـتّى لـم يـعـد بـالإمـكان الـتّـفـريـق بـيـن أجـزائـهـا الأصـلـيـة والـمـضافـة.

ولـكـنـني لـم أأت لـهـذا رغـم فـضـولي وحـبّي لـكـلّ مـا هـو قـديـم، فـقـد أتـيـت لأنّي قـرأت أن الـمـتـحـف يـمـتـلـك مـجـمـوعـة آثـارمـصـريـة و”آثـار شـرقـيـة”.

وبـعـد أن عـبـرت كـلّ هـذه الـقـاعـات، وصـلـت إلى مـمـر ضـيّـق ألـصـقـت عـلى جـدرانـه دوالـيـب بـواجـهـات زجـاجـيـة في بـعـضـهـا قـطـع أثـريـة مـصـريـة جـذب نـظـري أمـامـهـا عـجـوزان ألـصـقـا نـظـاراتـهـمـا عـلى الـزّجـاج يـحـاولان تـمـيـيـز أشـكـال الـقـطع وألـوانـهـا، وخـلـف الـعـجـوزيـن، في الـواجـهـة الـتّـالـيـة ،فـوجـئـت بـلـوح مـن ألـواح غـوديـا يـظهـرأمـام عـيـنيّ.

وسـرت مـشـدوهـاً حـتّى وقـفـت أمـام الـلـوح وقـرأت الـنّـص الـمـسـمـاري الـمـكـتـوب عـلـيـه بـالـلـغـة الـسّـومـريـة :

” الإلـهـة غـا ـ تـوم ـ دو                           dingir ga- tum-du

ربـتـه                                                        nin -a – ni

غـوديـا                                                     gu- dé -a

أمـيـر                                             énsi (PA. TE. SI)

لـغـش                                 lagash (SHIR. BUR. LA) ki

مـديـنـة الإلـهـة غـا ـ تـوم ـ دو       ur- dingir-ga-tum-du- ke

مـعـبـدهـا في غـرـ سـو                            é-gir-su ki-ka-ni

شـيّـده                                                   mu- na- du   “.

و لاحـظـت حـول نـصّ غـوديـا ألـواحـاً مـسـمـاريـة بـعـضـهـا مـغـلـفـة بـظـروفـهـا الـكـامـلـة أوالـمـكـسـورة وبـعـضهـا عـاريـة مـن غـيـرظـروف، وقـطـع سـومـريـة أخـرى مـنـهـا مـسـامـيـر تـأسـيـس ومـنـهـا أخـتـام أسـطوانـيـة وضعـت هـكـذا أمـام الـواجـهـة الـزّجـاجـيـة لـم يـكـتـب أمـامـهـا ولا حـولـهـا شئ، يـتـيـمـة لا تـسـمـيـات لـهـا، يـمـر الـزّوارأمـامـهـا مـن غـيـر أن يـعـرفـوا أنّـهـا من أقـدم مـا أنـتـجـتـه الـبـشـريـة مـن نـصـوص وأعـمـال فـنّ !

وعـنـدمـا اسـتـجـوبـت الـحـارس، أجـابـني أنّـه لا يـعـرف عـنـهـا شـيـئـاً، وأخـبـرني أنـني لا أسـتـطـيـع تـصـويـر الـواجـهـة الـزّجـاجـيـة فـالـتّـصـويـر مـمـنـوع في الـمـتـحـف. ودفـعـه مـلـلـه مـن أن يـبـقى سـاكـنـاً بـلا حـركـة طيـلـة الـنّـهـار إلى أن يـقـتـرح عـليّ مـصاحـبـتي إلى “مـكـتـبـة الـمـتـحـف” عـلّـنـا نـجـد فـيـهـا مـا يـشـبـع فـضـولي.

وكـانـت الـمـكـتـبـة زاويـة ضـيّـقـة مـن الـمـتـحـف تـبـاع فـيـهـا، إلى جـانـب الـبـطـاقـات الـمـصـورة، كـتـيّـبـات صـغـيـرة عـن الـمـعـروضـات. ولـم يـكـن فـيـهـا طـبـعـاً ذكـر لـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ولا لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي جـلـبـت مـنـهـا. وعـنـدهـا اقـتـرح عـليّ الـحـارس أن يـعـطـيـني اسـم الـمـسـؤولـة ورقـم هـاتـفـهـا فـهي تـسـتـطـيـع أن تـجـيـب عـلى أسـئـلـتي وربّـمـا اسـتـطـاعـت أن تـبـعـث لي بـصور لـلـقـطـع الأثـريـة مـمـا يـمـتـلـكـه الـمـتـحف عـنـهـا وركـض يـبـحـث عـن ورقـة وقـلـم ويـسـجـل لي الـمـعـلـومـات. وطـبـعـاً فـقـد شـكـرتـه كـثـيـراً عـلى لـطـفـه، وبـدا سـعـيـداً بـذلـك.

الأب دو جُـنـويّـاك :

h_degenouillac

وقـد ظـلـلـت أفـكّـر في طريـق عـودتي كـيـف وصـلـت هـذه الـقـطع إلى هـذا الـمـتـحـف، عـنـدمـا عـاد إلى ذاكـرتي أنّ أحـد الـمـنـقـبـيـن الـفـرنـسـيـيـن الأربـعـة الّـذيـن تـتـالـوا عـلى مـوقـع لـغـش / غـرسـو الـسّـومـري كـان الأب دو جُـنـويّـاك Abbé de Genouillac الّـذي ولـد في الـمـنـطـقـة ونـقّـب في الـعـراق مـرتـيـن : في تـلّ الأحـيـمـر (مـوقـع كـيـش) في 1911/ 1912 ، وفي تـلّـو / تـلّ لـوح (مـوقـع لـغـش / غـرسـو) مـن 1929 إلى 1931، قـبـل أن يـعـود إلى قـريـة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن في الـنّـورمـانـدي لـيـكـمـل مـا كـان قـد بـدأه فـيـهـا في مـطلـع شـبـابـه، خـوريـاً في كـنـيـسـتـهـا ، حـتّى مـات فـيـهـا عـام 1940.

وعـنـدمـا بـحـثـت في الـمـسـاء عـمّـا كـنـت قـد كـتـبـتـه عـن الأب هـنـري دو جُـنـويّـاك بـيـن مـن كـتـبـت عـنـهـم وجـدت أنّـه ولـد في روان Rouen، في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي شـمـال فـرنـسـا عـام 1881. وبـعـد أن تـابـع دراسـتـه في حـلـقـة دراسـيـة ديـنـيـة إشـتـغـل خـوريـاً في قـريـة صـغـيـرة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن. وقـد بـدأ يـهـتـمّ أيـضـاً في  مـطـلـع شـبـابـه بـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، ونـشـرعـام  1908(وكـان في الـسّـابـعـة والـعـشـريـن مـن عـمـره) كـتـابـاً عـن الأدب الـبـابـلي: عـبـرالأدب الـبـابـلي A travers la littérature babylonienne. وفي 1909 كـتـابـاً نـشـرنـصـوصـاً ســومـريـة مـن الـفـتـرات الـقـديـمـة مـع تـرجـمـاتـهـا إلى الـفـرنـسـيـة: ” Tablettes sumeriennes archaïques ” . وفي 1910 نـشـر كـتـابـاً عـن نـصـب الـنّـصـرالـسّـومـري الـقـديـم الـمـحـفـوظ في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.

وبُـعـث بـعـد ذلـك إلى إسـطـنـبـول لـدّراسـة الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة الـمـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـثـمـاني، وأعـدّ جـرداً كـامـلاً لـلألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي كـانـت قـد وجـدت في مـوقـع تـلّـو، ونـشـرهـا في عـدّة مـجـلـدات. وعـهـد إلـيـه بـالإشـراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة الـفـرنـسـيـة الّـتي جـرت بـيـن كـانـون الـثّـاني ونـيـسـان 1912 في تـلّ الأحـيـمـر (مـوقـع كـيـش الـقـديـمـة)، والّـتي نـشـرت نـتـائـجـهـا في جـزئـيـن، في 1924 و 1925.

وقـد نـقّـب الأب دو جُـنـويّـاك في تـلّـو (تـلّ لـوح) أي مـوقـع مـديـنـة لـغـش/ غـرسـو الـقـديـمـة مـن عـام 1929 إلى عـام 1931، لـحـسـاب مـتـحـف الـلـوفـر و وزارة الـتّـعـلـيـم الـعـام الـفـرنـسـيـة، وكـان أوّل مـوقـع نُـقّـبـه فـرنـسـيـون لـسنـوات طـويـلـة مـتـعـاقـبـة.

921_002

وكـان أرنـسـت دو سـرزيـك Ernest de SARZEC ، نـائـب الـقـنـصـل الـفـرنـسي في الـبـصـرة قـد بـدأ تـنـقـيـب هـذا الـمـوقـع مـن 1877 إلى 1900، ثـمّ اسـتـمـرّ غـاسـتـون كـرو Gaston CROS  في تـنـقـيـبـه مـن 1903 إلى 1909.

و قـد اصـطـحـب الأب دو جُـنـويّـاك مـعـه إلى تـلّـو عـالـم آثـار كـان شـابـاً في ذلـك الـزّمـن : أنـدريـه بـارو André PARROT لـيـشـارك في الـتّـنـقـيـب. وبـعـد أن تـوقـف دو جُـنـويّـاك عـن الـتّـنـقـيـب حـلّ مـحـلـه أنـدريـه بـارو الّـذي نـقّـب في الـمـوقـع مـن 1931 إلى 1933. وبـعـد أن تـرك الأب دو جُـنـويّـاك الـعـراق، عـاد إلى قـريـة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن في الـنّـورمـانـدي لـيـكـمـل مـا كـان قـد بـدأه فـيـهـا في مـطـلـع شـبـابـه، خـوريـاً في كـنـيـسـتـهـا ، حـتّى مـات فـيـهـا عـام 1940.

وكـان قـد أهـدى قـبـل وفـاتـه إلى مـتـحـف الآثـار في مـديـنـة روان مـجـمـوعـة تـحـتـوي عـلى 650 قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـن مـا كـان قـد عـثـر عـلـيـه في تـنـقـيـبـاتـه في الـعـراق أو مـا اشـتـراه مـن مـهـربي الآثـار. والـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن هـذه الـقـطـع نـصـوص بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة.

مـاذا حـدث لـهـذه الـمـجـمـوعـة الأثـريـة ؟

إتّـصـلـت في الـيـوم الـتّـالي بـالـمـسـؤولـة الّـتي أخـبـرتـني أنّ الـ 650 قـطـعـة أثـريـة تـرقـد في مـخـازن الـمـتـحـف وأنّ أحـداً لا يـمـكـنـه أن يـراهـا فـقـد بـدأوا بـجـردهـا وبـعـث صـور لـهـا لـعـلـمـاء آشـوريـات بـاريـسـيـيـن لـيـقـرأوا مـحـتـويـاتـهـا ! وكـان ذلـك قـبـل عـامـيـن، أي بـعـد 72 عـامـاً عـلى إهـداء الأب لـهـا إلى الـمـتـحـف ! وظـلّـت الأمـور عـلى حـالـهـا عـنـدمـا عـدت إلى الـمـتـحـف في الـعـام الـمـاضي.

وعـنـدمـا عـدت إلى الـمـتـحـف في الأسـبـوع الـمـاضي، إتـجـهـت مـبـاشـرة إلى الـمـمـر الـضّـيـق، وفـوجـئـت بـه مـغـلـقـاً يـعـمـل فـيـه عـمّـال عـلى تـركـيـب دوالـيـب جـديـدة، وطـبـعـاً فـلـم يـكـونـوا يـعـرفـون شـيـئـاً عـن مـا حـدث لـلـقـطـع الـقـلـيـلـة الّـتي كـانـت مـعـروضـة فـيـه. وسـألـت حـارسـاً كـان يـغـفـو عـلى كـرسـيـه فـأشـار لي بـأن أسـتـديـر إلى الـيـسـار … ولـم أرد أن أيـقـظـه تـمـامـاً مـن نـومـه فـتـركـتـه مـن غـيـر إلـحـاح. واسـتـدرت إلى الـيـسـار، وعـبـرت قـاعـة تـضـم بـقـايـا مـحـتـويـات قـبـر نـقّـب في الـمـنـطـقـة … وأبـصـرت في نـهـايـتـهـا بـمـمـر ضـيّـق صـغـيـر آخـر لـمـحـت في واجـهـة زجـاجـيـة فـيـه تـمـثـالاً لـرأس غـوديـا !

وكـان مـمـراً ضـيـقـاً يـمـتـد عـرضـاً بـيـن بـاب يـبـدو أنّ خـلـفـه مـكـتـب يـدخـلـه مـوظـفـون ويـخـرجـون مـنـه، وبـيـن بـاب يـفـضي إلى حـديـقـة الـمـتـحـف. وكـانـت الـدّوالـيـب الـمـثـبّـتـة عـلى جـداره تـحـتـوي في يـمـيـنـهـا عـلى خـزف عـثـمـاني وفي يـسـارهـا عـلى بـعـض قـطـع مـجـمـوعـة الأب دو جُـنـويّـاك.

ولـم أجـد لـوح غـوديـا الّـذي يـتـوجـه فـيـه لإلـهـتـه غـا ـ تـوم ـ دو. ووجـدت بـدلاً مـنـه خـمـسـة ألـواح طـيـنـيـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة تـعـود إلى سـلالـة أور الـثّـالـثـة (نـحـو 2112 ـ 2004 قـبـل الـمـيـلاد ) وإلى سـلالـة بـابـل الـقـديـمـة ، حـكـم شـمـشـو إلـونـا ( 1749ـ 1712 قـبـل الـمـيـلاد) ، وخـمـسـة أخـتـام أسـطـوانـيـة تـعـود إلى الـسّـلالات [ الـسّـومـريـة ] الـقـديـمـة الـثّـانـيـة ( 2750ـ 2600 قـبـل الـمـيـلاد)، وفـتـرة أكّـد ( 2340 ـ 2200 ق. م. ) ، والـفـتـرة الـسّـومـريـة الـجـديـدة ـ الـنـيـو سـومـريـة ـ (2140ـ 2004 ق. م.)، وسـلالـة بـابـل الأولى ( 1894ـ 1596).

كـمـا عـرض إنـاء صغـيـرعـلـيـه نـقـش مـكـتـوب مـن فـتـرة حـكـم الـمـلـك الـبـابـلي نـبـوخـذنـصـر ( 604ـ 562 ق. م.) وإنـاء مـن الـجـص نـحـتـت عـلـيـه أسـود وثـيـران مـن فـتـرة جـمـدة نـصـر ( 3100ـ 2900 ق.م.)، ومـنـحـوتـة بـارزة طـيـنـيـة مـن فـتـرة الـسّـلالات [ الـسّـومـريـة ] الـقـديـمـة الـثّـانـيـة ( 2700 ـ 2550 ق. م.)، وجـزء صـغـيـر مـن مـنـحـوتـة أخـرى مـن نـفـس الـفـتـرة. كـمـا أضـيـفـت إلى هـذه الـقـطـع الّـتي لا تـجـذب نـظـر الـزّوّار نـسـخ جـبـسـيـة لأربـع قـطـع أثـريـة مـهـمـة كـان أرنـسـت دو سـرزيـك قـد عـثـر عـلـيـهـا في لـغـش / غـرسـو في 1881، وأصـولـهـا مـعـروضـة في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.

وخـلاصـة الـقـول إنّ الـمـتـحـف لـم يـعـرض إلّا 14 قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـن الـ 650 قـطـعـة الّـتي أهـداهـا لـه الأب دو جُـنـويّـاك . ولـم تـنـشـر بـعـد ولـو دراسـة صـغـيـرة عـن هـذه الـمـجـمـوعـة بـعـد 74 سـنـة مـن وصـولـهـا إلى الـمـتـحـف.

ـــــــــــــــــــــ

(1) وأخـذت هـذا الـمـقـال عـن جـريـدة الـمـدى عـدّة مـواقـع وجـرائـد إلـكـتـرونـيـة بـعـد أن حـذف بـعـضـهـا اسـم الـكـاتـب !

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Portrait-of-Nadir-Shah

وجـدت نـصّـاً كـتـبـه عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري في الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وبـالـلـغـة الـفـارسـيـة عـن رحـلـة قـام بـهـا مـن بـلاد الـفـرس إلى مـكّـة، دامـت عـشـر سـنـوات (مـن 1739 إلى 1749 م.). ومـرّ خـلالـهـا بـالـعـراق الّـذي خـصـص لـه عـدداً مـن الـصّـفـحـات.

وقـد تـرجـم الـنّـصّ إلى الإنـكـلـيـزيـة ونـشـر في كـلـكـتـا، الـهـنـد في 1788 م. تـحـت عـنـوان : ” The Memoirs of Khojeh Abdul-Kureem ”

ولـم أعـثـر بـعـد عـلى ذكـر لـعـبـد الـكـريـم خـوجـة في مـنـشـورات عـربـيـة كـمـا لـم أعـثـر عـلى تـرجـمـة لـنّـصـه، فـقـررت أن أقـوم بـهـذا الـعـمـل.

مـاذا نـعـرف عـن عـبـدالـكـريـم خـوجـة ؟

لا بـد أنّ عـبـد الـكـريـم بـن أكـيـبـات بـن مـحـمـد بـلاكي ( Abdul- Kureem ibn Akibat ibn Muhammad Bulâkî al-Kashmiri) قـد ولـد في كـشـمـيـر، فـهـو يـلـقّـب بـالـكـشـمـيـري.

وفي الـهـنـد دخـل في خـدمـة طـهـمـاسـب قـولي خـان Tahmâs-Qouly-Khan، الّـذي اسـتـولى عـلى الـحـكـم في بـلاد فـارس تـحـت اسـم نـادرشـاه، وقـام بـحـمـلـة حـربـيـة في الـهـنـد. وبـعـد أن انـتـهى مـن حـمـلـتـه، صـاحـبـه عـبـد الـكـريـم في طـريـق عـودتـه إلى بـلاد فـارس في 1739 م.

وقـد اسـتـطـاع عـبـد الـكـريـم خـوجـة أن يـحـصـل مـن الـشّـاه عـلى إذن لـمـصـاحـبـة رئـيـس أطـبـائـه مـيـرزا مـحـمّـد هـاشـم ، الـمـعـروف بـعـلـوي خـان إلى مـكّـة.

borgm_00620

وقـد مـرّ عـبـد الـكـريـم خـوجـة وأصـحـابـه في طـريـقـهـم إلى مـكّـة بـقـزويـن ثـمّ بـبـغـداد. وزاروا كـربـلاء والـنّـجـف والـكـوفـة قـبـل أن يـعـودوا إلى بـغـداد لـيـكـمـلـوا مـسـيـرهـم إلى مـكّـة والـمـديـنـة عـن طـريـق حـلـب ودمـشـق. وعـاد عـبـد الـكـريـم إلى بـلـده في 1749 م.

وهـو قـد زارالـعـراق إذن في بـدايـة أربـعـيـنـات الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وكـتـب نـصّ رحـلـتـه بـعـد عـودتـه إلى الـهـنـد وأسـمـاه “بـيـاني واقـعـيـة Byâni ouâqi’a “.

نـصّ الـرّحـلـة :

يـبـدأ الـجـزء الـمـخـصـص لـلـعـراق بـالـفـصـل الـثّـامـن الّـذي وصـل فـيـه إلى بـغـداد ويـنـتـهي بـالـفـصـل الـحـادي عـشـر عـنـدمـا غـادر الـمـوصـل :

” الـفـصـل الـثـامـن :

أرسـل والي الـمـديـنـة (أحـمـد بـاشـا) وجـيـهـاً عـالي الـمـقـام لـيـسـتـقـبـلـنـا قـبـل أن نـصـل إلى بـغـداد. وقـد طـلـب مـنـه أن يـكـون لـنـا دلـيـلاً فـيـهـا. وعـنـدمـا دخـلـنـا الـمـديـنـة، إسـتُـقـبـلـنـا بـحـفـاوة وإكـرام.

ومـديـنـة بـغـداد الـجـديـدة كـثـيـرة الـسّـكّـان. وفي داخـل الأسـوار كـثـيـر مـن الأراضي الـمـزروعـة. وقـد شـيّـدت الـمـديـنـة عـلى ضـفـة دجـلـة الـشّـرقـيـة، تـقـريـبـاً مـقـابـل الـمـديـنـة الـقـديـمـة الّـتي تـقـع عـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة لـلـنّـهـر. وهـذه الـمـديـنـة الـقـديـمـة صـارت خـرابـاً في أيـامـنـا هـذه. ولـكـنّ الـمـديـنـة الـجـديـدة تـحـيـط بـهـا أسـوار عـالـيـة وحـصـون طـلـيـت جـدرانـهـا بـطـبـقـات كـثـيـفـة مـن الـطّـيـن لـكي تـخـفـف مـن عـنـف ضـربـات قـذائـف الـمـدافـع فـتـدخـل في ثـخـنـهـا وتـضـعـف وتـبـقى في داخـلـهـا، مـتـفـاديـة بـذلـك نـتـائـجـهـا الـمـدمـرة. والـمـديـنـة يـحـمـيـهـا كـذلـك خـنـدق. وقـد ضـرب نـادر شـاه الـحـصـار أمـامـهـا أحـد عـشـر شـهـراً بـدون جـدوى.

وقـصـرآنـوشـروان Nouchyrwan الـشّـهـيـر الّـذي تـتـكـلّـم عـنـه حـكـايـات الـعـرب والـفـرس عـلى بـعـد سـتّـة فـراسـخ مـن بـغـداد و 555 خـطـوة مـن دجـلـة. ومـا زالـت عـدّة جـدران مـنـه مـنـتـصـبـة.

وعـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة مـن دجـلـة، عـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـمـديـنـة الـقـديـمـة زرنـا ضـريـحي الإمـام مـوسى الـكـاظـم والإمـام مـحـمّـد الـتّـقي الـلـذيـن يـسـمـيـان بـالـكاظـمـيـن ومـن اسـمـيـهـمـا جـاء اسـم الـقـريـة.

وبـيـن الـكـاظـمـيـن وبـغـداد الـقـديـمـة يـتـرامى ربّـمـا ألـف قـبـر، لاحـظـنـا مـن بـيـنـهـا قـبـر الـشّـيـخ مـعـروف الـكـرخي الّـذي شـيّـد عـلـيـه مـسـجـد، مـثـلـمـا شـيّـد مـسـجـد عـلى ضـريـحي الـكـاظـمـيـن. ولـكـنّ مـسـجـد الـكـرخي أقـلّ سـعـة وأهـمـيـة.

وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـمـديـنـة الـجـديـدة يـقـع ضـريـح الإمـام أبي حـنـيـفـة الّـذي ولـد في الـكـوفـة. والـمـسـجـد الّـذي شـيّـد فـوقـه أحـسـن مـن قـبـورالـشّـيـوخ الأربـعـة قـربـه : جـنـيـد الـبـغـدادي والـسّـري الـسّـقـطي ومـنـصـور الـعـمـري وداود الـطّـاهـري.

ورأيـنـا أيـضـاً قـبـر بـهـلـول الـحـكـيـم ، الّـذي كـان يـسـلي هـرون الـرّشـيـد. وقـبـر مـنـصـور الـحـلّاج. وقـد سـألـت أهـل الـبـلـد كـيـف يـمـكـن أن يـكـون لـلـحـلّاج قـبـر وقـد أحـرق جـسـده ونـثـر رمـاده في دجـلـة، فـأجـابـوني أنّـهـم سـمـعـوا بـذلـك ولـكـنّـهـم لا يـعـرفـون مـاذا في الـقـبـر.

وهـنـاك جـامـع كـان في الـمـاضي مـعـبـداً لـيـهـودي، ولـكـنّ مـعـجـزة حـدثـت فـقـد انـفـتـحـت بـئـر تـحـتـه عـنـدمـا رمى بـحـجـر عـلى عـلي، وسـقـط فـيـه.

وفي الـمـديـنـة الـجـديـدة عـدّة قـبـور لـشـيـوخ ألـحـقـت بـهـا جـوامـع ومـدارس، مـثـل قـبـر الـسّـيّـد عـبـد الـقـادر الّـذي ولـد في جـيـلان. وجـامـعـه واسـع بـديـع الـتّـشـيـيـد، وفي جـنـوب بـاب الـمـدرسـة دفـن ابـنـه عـبـد الـرزّاق، وقـبـر الـشّـيـخ شـهـاب الـدّيـن الـسّـهـروردي وهـو كـبـيـر حـسـن الـتّـشـيـيـد. وكـان الـشّـاعـر سـعـدي الـشّـيـرازي الـذّائـع الـصّـيـت مـن بـيـن تـلامـيـذه.

الـفـصـل الـتّـاسـع :

وبـعـد أن زرنـا قـبـور بـغـداد ومـا حـولـهـا، تـوجـهـنـا إلى كـربـلاء. وتـوقـفـنـا أولاً في خـان شـور (الّـذي يـعـني الـمـاء الأجـاج بـالـفـارسـيـة). ولـم نـجـد مـاءً نـشـربـه إلّا بـثـمـن بـاهـظ. وتـوقـفـنـا مـرّة ثـانـيـة في الـمـسـيّـب عـلى ضـفـة الـفـرات. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ عـلى نـفـس الـضّـفـة وجـدنـا قـبـري ولـدي مـسـلـم بـن عـقـيـل. وقـد شـيّـدت عـلى الـقـبـريـن قـبّـة واحـدة في وسـط أرض خـلاء. و وصـلـنـا إلى كـربـلاء في الـيـوم الـثّـالـث، وهي عـلى بـعـد 15 فـرسـخـاً مـن بـغـداد.

كـربـلاء

وكـربـلاء كـثـيـرة الـسّـكّـان، فـقـد دفـع حـكـم الـفـرس الـجـائـر الـنّـاس عـلى الـهـجـرة إلـيـهـا. ومـوقـعـهـا فـيـه تـجـارة كـثـيـرة مـنـذ أن شـيّـدت قـنـاة تـربـطـهـا بـالـفـرات. وقـد سـاعـدهـا ذلـك عـلى الإزدهـار.

وكـان والي بـغـداد ، حـسـن بـاشـا، قـد بـدأ أعـمـالاً خـصص لـهـا عـشـرة آلاف طـومـان، ولـكـنّ الـمـوت لـم يـمـهـلـه لـيـرى نـتـائـج مـشـاريـعـه. ( تـوفي حـسـن بـاشـا في 1724 وخـلـفـه ابـنـه أحـمـد بـاشـا ) وقـد أكـمـل هـذه الأعـمـال مـيـرزا ــ أشـرف، أحـد الـمـقـربـيـن مـن شـاه طـهـمـاسـب، مـلـك الـفـرس. وتـحـيـط بـالـمـديـنـة بـسـاتـيـن وغـابـات نـخـيـل حـسـنـة.

وضـريـح الـحـسـيـن بـن عـلي في داخـل أسـوار الـمـديـنـة، وكـذلـك قـبـر ابـنـه عـبـدالله. وفي داخـل الـمـديـنـة أيـضـاً قـبّـة دفـن تـحـتـهـا الـشّـهـداء الّـذيـن قـتـلـوا مـعـه. وعـلى بـعـد عـشـريـن خـطـوة مـن الـنّـافـذة الـجـنـوبـيـة لـضـريـح الـحـسـيـن فـسـحـة مـن الأرض هي الـمـكـان الّـذي كـان قـد قـتـل فـيـه. وقـد حـفـرت فـيـهـا حـفـرة بـحـجـم الـتّـابـوت مـلـئـت تـرابـاً جـلـب مـن مـكـان كـان [الـحـسـيـن] قـد نـصـب فـيـهـا خـيـامـه. وعـلى هـذه الـحـفـرة ألـواح مـن الـخـشـب. والّـذيـن يـزورون الـمـكـان يـعـطـون لـلـخـادم بـعـض الـنّـقـود لـيـأخـذوا قـلـيـلاً مـن هـذا الـتّـراب الّـذي يـسـمى بـ “خـاكي كـربـلا Khaki Karbala ” أي تـراب كـربـلاء. ويـقـال إنّ لـهـذا الـتّـراب قـدرات عـجـيـبـة مـن بـيـنـهـا تـهـدئـة الـعـواصـف إذا مـا رمي بـشئ مـنـه في الـرّيـح الـهـابّـة.

وفي كـربـلاء أيـضـاً ضـريـح عـبّـاس ـ عـلي، الإبـن الـثّـاني لـعـلي، ولـكـنّـه لـيـس ابـن فـاطـمـة. وشـيّـد عـلـيـه مـسـجـد. ويـعـتـقـد الـنّـاس أنّ مـن يـسئ إلى الـقـبـر تـسـقـط عـلـيـه مـصـيـبـة هـائـلـة.

وعـلى بـعـد فـرسـخ مـن الـمـديـنـة قـبـر الـشّـهـيـد حـرّ، وقـربـه قـبـر أمّـه الّـتي حـاولـت أن تـمـنـعـه مـن الـلـحـاق بـالـحـسـيـن، ولـهـذا يـرمي الـزّوّار بـحـجـارة عـلى قـبـر هـذه الـمـرأة. وقـد خـرّب تـمـام الـتّـخـريـب وعـلاه كـوم مـن الـحـجـارة يـرتـفـع يـومـاً بـعـد يـوم.

وبـيـن كـربـلاء والـنّـجـف الأشـرف 12 فـرسـخـاً بـطـريـق تـخـتـرق صـحـراء قـاحـلـة لـيـس فـيـهـا مـاء. وبـيـنـهـمـا 16 إذا مـررنـا بـالـحـلّـة، وسـلـكـنـا طـريـق الـحـلّـة، والـطـريـق عـلى هـذا الـشّـكـل :

مـن كـربـلاء إلى الـحـلّـة       7 فـراسـخ،

مـن الـحـلّـة إلى ذي الـكـفـل  5 فـراسـخ،

مـن ذي الـكـفـل إلى الـنّـجـف 4 فـراسـخ.

الـحـلّـة

والـحـلّـة مـديـنـة كـثـيـرة الـسّـكّـان، تـقـع عـلى ضـفـة نـهـر الـفـرات. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ عـلى نـفـس الـضّـفـة، نـجـد قـبـر أيـوب، وامـرأتـه الّـتي أخـلـصـت لـه الـوفـاء ولـم تـتـركـه عـنـدمـا حـلّـت بـه الـمـصـائـب. وقـرب الـقـبـريـن نـبـع بـدا لي شـديـد الـحـسـن، ويـقـال إنّ مـاءه يـعـالـج كـلّ داء مـهـمـا كـان عـضّـالاً. وقـبـر أيـوب صـغـيـر تـسـاقـطـت بـعـض جـدرانـه مـن قـلّـة مـا خـصص لـلإعـتـنـاء بـه.

وبـعـد أن تـركـنـا الـمـديـنـة اجـتـزنـا سـهـلـيـن، ثـمّ وصـلـنـا إلى قـبـر شُـعـيـب ، والـد امـرأة مـوسى. وقـرب مـحـراب الـمـسـجـد الـمـشـيّـد فـوق قـبـر شـعـيـب لاحـظـت قـبـوراً أخـرى، وقـد رأيـت مـثـل هـذا في أمـاكـن أخـرى مـن دولـة الأتـراك، وهـو يـعـارض تـمـام الـمـعـارضة مـا ورد في الـحـديـث الـنّـبـوي : “لا تـدفـنـوا مـوتـاكـم في الـمـسـاجـد”.

والـقـبـلـة في هـذه الـمـسـاجـد مـن جـهـة بـيـت الـمـقـدس أكـثـر مـنـهـا مـن جـهـة مـكّـة، ولـهـذا يـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر أنّـهـا كـانـت في الأصـل كـنـائـس حـوّلـهـا الأتـراك إلى مـسـاجـد ولـكـن هـذا رأي فـقـط، فـلـيـس لي عـلـيـه إثـبـات.

مـنـارة مـسـجـد شـعـيـب الـمـهـتـزّة :

وكـنّـا قـد سـمـعـنـا، قـبـل أن نـصـل إلى الـحـلّـة عـن مـنـارة مـسـجـد شـعـيـب الـمـهـتـزّة. وعـنـدمـا وصـلـنـا تـعـجـبـنـا مـن ذلـك، فـقـد وجـدنـاه صـحـيـحـاً. وهـذه الـمـنـارة الّـتي شـيّـدت في حـوش الـمـسـجـد ضـخـمـة إلى حـد أنّ كـلّ درجـة مـن درجـات سـلّـمـهـا بـعـرض خـطـوتـيـن. وعـنـدمـا يـصـل الـمـرء إلى أعـلاهـا يـضـع يـده عـلى الـكـرة الـمـعـدنـيـة الّـتي تـعـلـوهـا، ويـصـيـح بـصـوت مـرتـفـع : ” يـامـنـارة، بـجـاه عـبـاس ـ عـلي ، إهـتـزّي !”.

ولإنّي أحـبّ كـلّ مـا هـو غـريـب وخـارق لـلـعـادة، فـقـد صـعـدت إلى الـمـنـارة مـع عـدّة أشـخـاص آخـريـن. وفـعـلـت مـا قـيـل لي أن أفـعـل، ولـكـنّـهـا ظـلّـت ثـابـتـه مـثـل جـبـل مـن الـصّـخـر. ورجـوت خـادم الـمـسـجـد أن يـحـاول هـو بـنـفـسـه، ومـا أن فـتـح فـمـه لـيـصـيـح حـتّى بـدأت الـمـنـارة تـهـتـزّ. وكـان اهـتـزازهـا شـديـداً فـالـتـصـقـنـا الـواحـد بـالآخـر لـشّـدة خـوفـنـا مـن الـسّـقـوط. وكـان رفـيـقي في الـسّـفـر قـد بقي في الـحـوش ، في أسـفـل الـمـنـارة ، وقـد دهـش مـمـا رآه. ومـع أنّ الـخـادم أعـاد الـكـرّة مـرّات عـديـدة فـلـم يـدرك أحـد مـنّـا سـبـب هـذا الإهـتـزاز الـغـريـب.

وذهـبـنـا مـن الـحـلّـة إلى ذي الـكـفـل ، وفـيـهـا قـبـرهـذا الـنّـبي وقـبـور خـلـفـائـه الأربـعـة، وهي بـنـايـات جـمـيـلـة نـزلـنـا إلـيـهـا بـأربـعـة سـلالـم ، وداخـلـهـا مـعـتـم لا نـكـاد نـمـيـز فـيـه الأشـيـاء.

الـنّـجـف :

وذهـبـنـا أيـضـاً إلى الـنّـجـف، وهي أقـلّ سـكّـانـاً مـن كـربـلاء لـبـعـدهـا عـن الـنّـهـر. والأراضي حـولـهـا قـلـيـلـة الـزّراعـة. وتـحـيـق الأخـطـار بـمـن يـبـقى خـارج الـمـديـنـة ، لأنّ الأعـراب غـالـبـاً مـا يـعـيـثـون بـالـمـنـطـقـة فـسـاداً، وهـم يـصـلـون إلى أسـوارهـا لـلـنّـهـب.

ومـقـام عـلي الّـذي شـيّـد في وسـط الـمـديـنـة بـالـغ الـجـمـال. وقـد طـعّـم الـضّـريـح الّـذي يـحـوي جـثـمـان هـذا الـخـلـيـفـة بـالـجـواهـر. وعـنـدمـا كـنّـا في الـمـديـنـة وصـل زركـر بـاشي، رئـيـس صـاغـة نـادرشـاه. وقـد بـعـثـه الـشّـاه لـيـضـع عـلى قـبّـة ضـريـح الـحـسـيـن في كـربـلاء وضـريـح عـلي في الـنّـجـف غـطـاءً مـن الـنّـحـاس يـطـلـيـه بـالـذّهـب ، مـثـلـمـا عـلى قـبـة ضـريـح الإمـام الـرّضـا في مـشـهـد.

وكـانـت مـبـالـغ هـائـلـة قـد انـفـقـت لـفـتـح قـنـاة مـن الـفـرات إلى الـنّـجـف ولـكـنّ الـمـشـروع تـوقّـف عـنـدمـا تـوفي نـادر شـاه بـعـد أن حـفـر مـنـهـا ثـلاثـة فـراسـخ. وكـان قـد قـدر لـهـا أن تـحـفـر عـلى مـدى 35 فـرسـخـاً.

ويـؤكّـد أهـل الـنّـجـف عـلى أنّ قـبـري آدم ونـوح مـازالا قـرب قـبـر عـلي، ولـكـنـنـا لـم نـجـد مـا يـثـبـت هـذا الـقـول.

الـكـوفـة :

وعـنـدمـا كـانـت الـكـوفـة عـاصـمـة الـخـلافـة، كـانـت الـنّـجـف تـابـعـة لـهـا. وقـد أشـاد كـثـيـر مـن الـمـؤرخـيـن بـعـظـمـة مـديـنـة الـكـوفـة الـقـديـمـة ، ولا شـكّ في أنّ الله عـاقـب أهـلـهـا عـلى شـرّهـم لأنـنـا لا نـجـد فـيـهـا الآن مـن مـجـدهـا الـقـديـم إلّا الـجـامـع الّـذي جـرح فـيـه عـلي وتـوفي. ويـقـع هـذا الـجـامـع عـلى بـعـد فـرسـخ مـن ضـريـحـه. ونـقـرأ عـلى الـمـحـراب بـالـحـروف الـعـربـيـة : “هـذا هـو الـمـكـان الّـذي قـتـل فـيـه عـلي بـن أبي طـالـب رحـمـه الله”.

ويـدّعي الـبـعـض أنّ هـذا الـمـكـان أنـشـأه نـوح. ولـكـنّي أعـتـقـد أنّـه كـان في الأصـل مـعـبـد وثـنـة، فـقـد غـطى الـمـسـلـمـون جـداره الـغـربي بـالـجـصّ، ولـكـنّ مـرور الـزّمـن وقـسـاوة الـطّـقـس أسـقـطـا بـعـض أجـزائـه، فـنـرى مـن خـلالـهـا صـوراً نـحـتـت عـلى الـحـجـر. وعـنـدمـا نـتـفـحـص أجـزاءً أخـرى نـخـمـن مـنـحـوتـات أخـرى مـا زالـت خـفـيـفـة الـتّـغـطـيـة. وهـذا الـجـدار كـلّ مـا بـقي مـن الـبـنـاء الـقـديـم ، فـقـد بـنـيـت الـجـدران الأخـرى في فـتـرات لاحـقـة.

ومـع أنّ شـرّ أهـل الـكـوفـة كـان سـبـب خـراب الـمـديـنـة ، فـلا يـنـبـغي أن نـنـسى أنّ الـكـوفـة والـمـدائـن قـد اهـمـلـتـا عـنـدمـا اخـتـار الـمـنـصـور بـغـداد عـاصـمـة لـدولـتـه. ومـا زالـت بـغـداد أكـبـر مـدن الـعـراق الـعـربي.

الـطّـريـق إلى مـكّـة :

يـذكـر عـبـد الـكـريـم خـوجـة أنّ الـطّـريـق الأقـصـر لـلـذّهـاب إلى مـكّـة هي الّـتي تـمـرّ بـالـصـحـراء ، ولـكـنّ الـحـروب بـيـن عـشـائـر الـعـرب وعـدائـهـم لأحـمـد بـاشـا جـعـلـتـه وأصـحـابـه يـنـكـصـون عـن سـلـكـهـا. وقـد اخـتـاروا طـريـق حـلـب ودمـشـق ، وهي أطـول بـكـثـيـر مـن الأولى. وغـادروا بـغـداد نـحـو كـركـوك ثـم ّ ألـتـان كـوبـري فـقـرقـوش فـالـمـوصـل فـديـار بـكـر …

الـفـصـل الـحـادي عـشـر :

بـعـد أن غـادرنـا بـغـداد مـررنـا بـقـريـة نـكـجـة في طـريـقـنـا إلى سـرمـن رأى والّـتي تـدعى عـمـومـاً سـامـراء. وفـيـهـا زرنـا قـبـرالإمـام عـلي الـنّـقي والإمـام حـسـن الـعـسـكـري الـلـذيـن دفـنـا في داريـهـمـا وهـمـا بـنـاءان حـسـنـا الـمـظـهـر.

وخـدم الـقـبـريـن ومـن يـعـمـل فـيـهـمـا كـانـوا أنـاسـاً شـديـدي الـجـشـع ويـجـبـرون الـزّوّار عـلى دفـع كـثـيـر مـن الـهـدايـا. ويـعـتـقـد الـشّـيـعـة أتـبـاع عـلي أنّ الإمـام الـمـهـدي غـاب في زاويـة مـن مـسـجـد في سـامـراء.

وبـعـد أن سـرنـا فـتـرة مـن الـزّمـن وصـلـنـا إلى كـركـوك. ويـذكـر بـعـض قـدمـاء الـمـؤرخـيـن أنّـهـا كـانـت جـزءاً مـن بـلاد الـكـلـدان. وقـد زرنـا فـيـهـا قـبـري الـنّـبـيـيـن دانـيـال والـعـزيـر(عـزرا) الـلـذيـن شـيّـدت عـلـيـهـمـا قـبّـة واحـدة.

الـمـوصـل

والـمـوصـل مـديـنـة كـبـيـرة شـيّـدت عـلى ضـفـة دجـلـة. وفـيـهـا قـادونـا إلى قـبـر الـقـديـس جـرجـيـس. أمّـا قـبـر الـنّـبي يـونـس فـهـو خـارج الأسـوار. وهـذان الـقـبـران كـبـيـران حـسـنـا الـتّـشـيـيـد. وبـعـد بـحـث طـويـل عـرفـت أنّ تـيـمـور الأعـرج (تـيـمـو لـنـك) كـان هـو الّـذي أمـر بـتـشـيـيـدهـمـا ، عـنـدمـا فـتـح هـذه الـبـلاد. وعـلى الـطّـريـق بـيـن كـركـوك والـمـوصـل رأيـنـا عـلى يـسـارنـا جـبـالاً مـرتـفـعـة.

ويـؤمـن سـكـان هـذه الـجـبـال بـإلـهـيـن الأوّل خـلـق الـخـيـر والآخـر خـلـق الـشّـر. وهـم يـرجـمـون بـالـحـجـارة مـن يـجـرؤ عـلى أن يـقـرأ أمـامـهـم الآيـة : “أعـوذ بـالله مـن الـشّـيـطـان الـرّجـيـم”. وهـذه الـجـمـاعـة الـمـكـروهـة تـسـكـن في قـريـة أب زرب. وهـم لا يـقـبـلـون بـخـتـان الـصّـبـيـان ولا يـخـفـون عـوراتـهـم. ومـن الـصـعـب عـبـور الـنّـهـر الّـذي يـخـتـرق قـريـتـهـم مـن غـيـر عـونـهـم. وهـم يـطـلـبـون مـن الـمـسـافـريـن أجـراً بـاهـظـاً لـيـسـاعـدوهـم في إمـرار جـمـالـهـم. وقـد عـرفـنـاهـم كـلـصـوص لـيـس مـثـلـهـم لـصـوص قـبـل أن نـصـل إلى الـمـوصـل، وقـد رأيـتـهـم بـنـفـسي يـرتـكـبـون أفـعـالاً شـنـيـعـة عـلى الـمـسـاكـيـن سـكـان الـقـرى الـمـجـاورة. وقـد خـشـونـا خـوفـاً مـن أحـمـد بـاشـا ورهـبـة مـن نـادرشـاه، فـقـد عـرفـوا أنـنـا نـسـافـر تـحـت حـمـايـتـهـمـا. ولـم يـقـع لـنـا طـيـلـة الـطّـريـق مـكـروه، وقـد اسـتـقـبـلـنـا كـلّ مـسـؤولي الـمـنـاطـق الّـتي مـررنـا بـهـا بـالـمـهـابـة والإحـتـرام. ومـع ذلـك فـقـد نـهـب بـعـض مـن كـان مـعـنـا في الـقـافـلـة وسـلـبـوا.وبـقـيـنـا في الـمـوصـل سـتّـة أيّـام قـبـل أن تـتـابـع الـقـافـلـة مـسـيـرهـا “.

وهـنـا يـنـتـهي مـا يـتـعـلّـق بـالـعـراق مـمـا كـتـبـه عـبـد الـكـريـم خـوجـة.

تـرجـمـات الـنّـصّ إلى الـلـغـات الأجـنـبـيـة :

تـرجـم نـصّ وصـف رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة مـن الـفـارسـيـة إلى الإنـكـلـيـزيـة في 1788 :

The Memoirs of Khojeh Abdul-Kureem, a Cachmerian of distinction who accompanaied Nadir Shah on his return from Hindoustan to Persia, from whence he travelled to Baghdâd, Damascus and Aleppo, and after visiting Medina and Mecca from 1739 to 1749 … Translated from the Persian by Francis Galdwin

Calcutta, William Mackay 1788 (217 pages).

وتـرجـم إلى الـفـرنـسـيـة في 1797 :

Voyage de l’Inde à la Mekke, Par A’bdoûl-Kérym, favori de Tahmâs-Qouly-Khan; Extrait et traduit de la version anglaise de ses Mémoires. Par L. La,glès. Paris , Imprimerie de Crapelet 1797.

Louis Langlès, Voyage dans l’Inde , en Perse, etc…

In ” Collection Portative des voyages” , 8 volumes,Paris 1797 -1835.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.