“صـنـدوق الـدّنـيـا” كـمـا وصـفـتـه أجـاثـا كـريـسـتي

الـدكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتي عـن الـعـراق في مـواضـع كـثـيـرة مـن روايـتـهـا : “مـوعـد في بـغـداد  They Came to Baghdad” الّـتي صـدرت في 1951.

3908665867_4abbfbe118

وفي أحـد مـقـاطـعـهـا، كـانـت بـطـلـة الـقـصّـة فـيـكـتـوريـا جـونـزVictoria Jones  مـتـجـهـة بـالـسّـيّـارة بـصـحـبـة عـالـم الآثـار ريـشـارد بـيـكـر إلى مـوقـع الـتّـنـقــبـات الأثـريـة الّـذي كـان يـشـتـغـل فـيـه. وفي الـطـريـق الـوعـرة رأيـا رجـلـيـن يـتـجـهـان نـحـو الـسّـيّـارة :

“كـان أحـدهـمـا يـحـمـل عـلى ظـهـره نـوعـاً مـن الـمـصـطـبـة الـخـشـبـيـة، والآخـر آلـة مـن الـخـشـب بـحـجـم الـبـيـانـو الّـذي يـدعى بـالـبـيـانـو الـمـنـتـصـب. ونـاداهـمـا ريـشـارد فـسـلّـمـا عـلـيـه وعـلى وجـهـيـهـمـا كـلّ عـلامـات الـفـرح. وقـدّم لـهـمـا سـجـائـر وبـدا عـلـيـهـمـا أنّـهـمـا يـعـرفـانـه وهـو يـعـرفـهـمـا. ثـمّ اسـتـدار ريـشـارد نـحـوهـا [أي نـحـو فـيـكـتـوريـا] وسـألـهـا إن كـانـت تـحـبّ الـسّـيـنـمـا وهـل تـريـد أن تـشـاهـد عـرضـاً سـيـنـمـائـيـاً. وتـكـلّـم مـع الـرّجـلـيـن الـلـذيـن ابـتـسـمـا بـسـعـادة. ووضـعـا الـمـصـطـبـة وأشـارا لـفـيـكـتـوريـا وريـشـارد أن يـجـلـسـا عـلـيـهـا ثـمّ نـصـبـا الآلـة الـمـسـتـديـرة عـلى نـوع مـن قـاعـدة ثـبـتـاهـا عـلـيـهـا. وكـان في الآلـة ثـقـبـان. وعـنـدمـا نـظـرت فـيـكـتـوريـا مـن خـلالـهـمـا هـتـفـت : هـذا يـشـبـه “مـاذا رأى كـبـيـر الـخـدم  What the butler saw”.(1) وقـال ريـشـارد : تـمـامـاً، هـذا نـوع بـدائي مـنـهـا. وألـصـقـت فـيـكـتـوريـا عـيـنـيـهـا عـلى زجـاج الـثّـقـبـيـن وبـدأ أحـد الـرّجـلـيـن يـديـر ذراعـاً لـه قـبـضـة بـيـنـمـا شـرع الآخـر في نـوع مـن الـغـنـاء الـرّتـيـب.

صندوق الدنيا

وسـألـت فـيـكـتـوريـا : مـاذا يـقـول؟ وتـرجـم لـهـا ريـشـارد كـلـمـات الـغـنـاء الّـذي لـم يـتـوقـف : تـعـالـوا اقـتـربـوا وتـمـتـعـوا بـرؤيـة الـعـجـائـب والـغـرائـب. تـعـالـوا انـظـروا إلى عـجـائـب الـدّنـيـا الـقـديـمـة”. وظـهـرت أمـام عـيـنَي فـيـكـتـوريـا صـور فـجّـة الـتّـلـويـن لـزنـوج يـجـنـون قـمـحـاً : “فـلاحـون Fallahin في أمـريـكـا”، تـرجـم ريـشـارد كـلـمـات غـنـاء الـرّجـل. ثـم غـنّى بـعـد ذلـك :”زوجـة شـاه Shah الـغـرب الـعـظـيـم”، وظـهـرت الإمـبـراطـورة أوجـيـني [زوجـة إمـبـراطـور فـرنـسـا نـابـلـيـون الـثّـالـث] وهي تـتـغـنّـج وتـداعـب قـلادتـهـا بـأطـراف أصـابـعـهـا، ثـمّ صـورة لـقـصـر مـلـك الـمـونـت نـغـرو وأخـرى لـلـمـعـرض الـكـبـيـر The Great Exhibition.  وتـتـابـعـت مـجـمـوعـة عـجـيـبـة مـن صـور مـتـنـوعـة لا عـلاقـة لـلـواحـدة مـنـهـا بـالأخـرى وشـرحـت في بـعـض الأحـيـان بـصـورة غـريـبـة. وأكـمـلـت صـورالأمـيـر زوج الـمـلـكـة و دزرائـيـلي ويـنـابـيـع الـمـيـاه الـحـارّة في الـنّـرويـج  ومـتـزلـجـيـن عـلى الـجـلـيـد في سـويـسـرة هـذه الـلـمـحـات الـغـريـبـة لـمـشـاهـد قـديـمـة أكـل الـدّهـر عـلـيـهـا وشـرب.

وأنـهى الـرّجـل عـرضـه بـهـذه الـكـلـمـات : “وهـكـذا قـدّمـنـا لـكـم عـجـائـب الـمـاضي وغـرائـبـه مـن بـلـدان بـعـيـدة وأمـاكـن قـاصـيـة. ولـيـنـاسـب كـرمـكـم انـبـهـاركـم بـمـا رأيـتـم، فـكـلّ مـا رأيـتـمـوه مـوجـود حـقـيـقـة”. إنـتـهى الـعـرض وابـتـسـمـت فـيـكـتـوريـا بـبـهـجـة وقـالـت : ” كـان هـذ عـجـيـبـاً حـقّـاً. مـا كـنـت أتـصـور حـتّى وجـوده”. وكـان صـاحـبـا هـذه الـسّـيـنـمـا الـمـتـنـقّـلـة يـبـتـسـمـان بـافـتـخـار. ونـهـضـت فـيـكـتـوريـا مـن الـمـصـطـبـة مـلـقـيـة عـلى الأرض بـريـشـارد الّـذي كـان جـالـسـاً عـلى طـرفـهـا الـمـقـابـل. واعـتـذرت مـنـه فـيـكـتـوريـا  رغـم أنّـهـا تـسـلّـت بـسـقـوطـه. وبـعـد أن دفـع ريـشـارد مـبـلـغـاً مـن الـمـال لـرجـلي الـسّـيـنـمـا ودّع الـجـمـع بـعـضـهـم الـبـعـض بـتـعـابـيـر ودّيـة وتـمـنـيـات بـالـصّـحـة والـسّـلامـة والـدّعـاء لـهـم بـبـركـة الله وحـفـظـه. وتـفـرّق الـشّـمـل، فـتـوجـه ريـشـارد وفـيـكـتـوريـا نـحـو الـسّـيّـارة بـيـنـمـا أكـمـل الـرّجـلان طـريـقـهـمـا خـلال الـبـاديـة. وسـألـت فـيـكـتـوريـا : “إلى أيـن يـذهـبـان؟” وأجـاب ريـشـارد : “يـكـمـلان سـفـرهـمـا في أرجـاء الـبـلاد. إلـتـقـيـت بـهـمـأ أوّل مـرّة في الأردن، وكـانـا مـتّـجـهـيـن مـن الـبـحـر الـمـيّـت إلى عـمّـان. وهـمـا يـذهـبـان الآن إلى كـربـلاء، يـسـلـكـان طـرقـاً لا يـرتـادهـا إلّا قـلّـة مـن الـنّـاس لـيـعـرضـا صـورهـمـا في الـقـرى الـمـنـعـزلـة”. وقـالـت فـيـكـتـوريـا: ” ربّـمـا سـتـتـوقـف سـيّـارة في الـطّـريـق لـيـركـبـا فـيـهـا”. وضـحـك ريـشـارد : ” وربّـمـا لـن يـقـبـلا الـرّكـوب فـيـهـا. وقـد أوقـفـت سـيّـارتي مـرةً لأُركِـب رجـلاً عـجـوزاً كـان يـسـيـر مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد. وسـألـتـه كـم كـان يـتـوقـع أن يـدوم سـيّـره حـتّى يـصـل، فـأجـابـني : حـوالي شـهـريـن. ورجـوتـه أن يـركـب ووعـدتـه أنّـه سـيـصـل إلى بـغـداد في الـمـسـاء، ولـكّـنـه شـكـرني رافـضـاً. شـهـران عـلى الـطّـريـق هـو كـلّ مـا كـان يـنـاسـب وقـع قـدمـيـه، والـزّمـن لا يـعـني شـيـئـاً هـنـا. وعـنـدمـا تـدخـل هـذه الـفـكـرة في ذهـن الإنـسـان يـجـد سـعـادة غـريـبـة في الـتّـمـتـع بـهـا”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : “نـعـم، يـمـكـنـني أن أفـهـم هـذا”. وقـال ريـشـارد : “الـعـرب لا يـفـهـمـون قـلّـة صـبـر الـغـربـيـيـن واسـتـعـجـالـهـم لإنـهـاء مـا يـقـومـون بـه، ويـعـتـبـرون أنّ عـادتـنـا في الـتّـوصـل حـالاً إلى جـوهـر الـمـوضـوع خـلال الـحـديـث مـعـهـم  يـنـقـصـهـا الأدب. فـيـنـبـغي أن يـجـلـس الـمـرء ويـثـرثـر لـمـدة سـاعـة [قـبـل أن يـصـل إلى هـدفـه] أو حـتّى أن يـجـلـس ولا يـفـتـح فـمـه”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : سـيـكـون هـذا غـريـبـاً لـو فـعـلـنـاه في مـكـتـب في لـنـدن. فـيـه مـضـيـعـة لـلـوقـت”. قـال ريـشـارد : “نـعـم، ولـكـنّ هـذا يـرجـعـنـا إلى الـتّـسـاؤل : مـاهـو الـوقـت؟ ومـاذا يـعـني تـضـيـيـعـه؟”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  جـاءت الـتّـسـمـيـة مـن أنّ الإنـكـلـيـز يـتـهـمـون الـخـدم بـالـتّـجـسـس عـلى سـادتـهـم في الـدّور الّـتي يـعـمـلـون بـهـا، وبـأنّ رئـيـس الـخـدم كـان يـنـظـر مـن ثـقـوب أقـفـال الأبـواب لـكي يـعـرف مـا يـجـري

فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

freya-stark_web

الـقـسـم الأوّل ــ عـاشـقـة الـشّـرق

قـرأت قـبـل سـنـوات كـتـابـاً صـدر في نـيـو يـورك عـام 2001 عـن فـريـا مـادلـيـن ســتـارك Freya Madeline STARK ،كـتـبـتـه  Jane Fletcher Geniesse, عـنـوانـه : Passionate Nomad, The Life of Freya Stark.

وقـد ذكّـرتـني بـه عـدّة كـتـب صـدرت حـديـثـاً خـصـصـت فـصـولاً كـامـلـة لـهـذه الـمـغـرمـة بـالـشّـرق. ومـع ذلـك يـبـقى كـتـاب   Geniesse  مـن بـيـن أحـسـن مـا كـتـب عـن هـذه الـبـريـطـانـيـة الـعـاشـقـة لـبـغـداد. وأظـنّ أن حـيـاة فـريـا ســتـارك تـسـتـحـق أن أضـيـف مـقـالاً قـصـيـراً إلى كـلّ مـاكـتـب عـنـهـا :

طـفـولـة فـريـا مـادلـيـن :

ولـدت فـريـا مـادلـيـن ســتـارك في بـاريـس، فـرنـسـا سـنـة 1893 مـن أبـويـن بـريـطانـيـيـن. كان أبـوهـا روبـرت قـد درس الـرّسـم  في رومـا، والـتـقى بـامّـهـا فـلـورا الّـتي كـانـت قـد نـشـأت وتـرعـرعـت في فـلـورنـسـا، والّـتي كـانـت هي أيـضـا ًرسّـامـة وعـازفـة بـيـانـو. كـانـت فـريـا مـنـذ طفـولـتـهـا سـيـئـة الـصّـحـة تـقـضي سـاعـات طـويـلـة مـن أيـامـهـا في الـقـراءة وتـكـلّـمـت الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة والإيـطالـيـة في فـتـرة مـبـكـرة مـن حـيـاتـهـا.

ودخـل الـشّـرق في مـخـيـلـة فـريـا مـنـذ سـنّ الـتّـاسـعـة عـنـدمـا أهـدتـهـا إحـدى عـمـاتـهـا تـرجـمـة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة “Arabian Nights”.

وفي سـنـوات طـفـولـة فـريـا تـوتـرت الـعـلاقـات بـيـن أمّـهـا وأبـيـهـا، وتـركـت أمّـهـا الـدّار مـصـطـحـبـة أطـفـالـهـا وذهـبـت لـتـعـيـش في شـمـال إيـطالـيـا. وعـمـلـت فـريـا كـمـمـرضـة في إيـطالـيـا خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، ثـمّ عـادت في نـهـايـتـهـا إلى بـيـت أمّـهـا. واستـمـرت تـقـرأ رحـلات الأوربـيـيـن إلى الـشّـرق مـمـا دفـعـهـا إلى دراسـة الـلـغـة الـعـربـيـة.

فـريـا تـتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة :

وجـدت فـريـا راهـبـاً كـابـوشـيـاً كان قـد عـاش ثـلاثـيـن سـنـة في بـيـروت قـبـل أن يـعـود إلى إيـطـالـيـا ويـدخـل ديـراً في San Remo .ولـمـدة سـنـوات سـارت فـريـا مـن الـحـقـل الّـذي كـانـت تـعـمـل فـيـه سـاعـة كـامـلـة لـتـصـل إلى أقـرب مـحـطة قـطـار ثـمّ تـركـب الـقـطـار الـمـغـادر إلى سـان ريـمـو، عـدّة مـرّات في الأسـبـوع. وقـضـت سـنـوات طـويـلـة تـتـابـع دروس الـرّاهـب وتـحـفـظ الأفـعـال الـعـربـيـة وتـصرفـهـا. ثـمّ سـافـرت إلى لـنـدن عـام 1926، وكـانـت في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـرهـا ووجـدت أسـتـاذاً مـصـريـاً سـاعـدهـا في دراسـتـهـا لـلـعـربـيـة.

فـريـا تـسـافـر إلى الـشّـرق و تـصـل إلى الـعـراق :

وفي 1927 تـركـت فـريـا أمّـهـا والـحـقـل نـهـائـيـاً لـتـعـود إلى لـنـدن وتـدخـل في مـعـهـد الـدّراسـات الـشّـرقـيـة London school of Oriental Studies  وعـنـدمـا جـمـعـت مـا يـكـفي مـن الـنّـقـود لـشـراء بـطـاقـة سـفـر عـلى بـاخـرة، إسـتـقـلـتـهـا في خـريـف ذلـك الـعـام نـحـو بـيـروت، ثـمّ ذهـبـت إلى دمـشـق و زارت جـبـل الـدّروز.

وفي 25 تـشـريـن الـثّـاني 1929 وصـلـت فـريـا إلى بـغـداد الّـتي كـانـت مـديـنـة مـتـعـددة الـلـغـات والـثّـقـافـات والأعـراق. وقـد اسـتـفـزت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا، كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات.

ونـعـرف أنّـهـا زارت طـاق كـسـرى، وسـافـرت إلى الـمـوصـل وزارت مـوقـع نـيـنـوى، كـمـا زارت تـكـريـت، وتـحـجـبـت لـتـزور الـكـاظـمـيـن والـنّـجـف.

ثـمّ قـامـت بـثـلاث سـفـرات في إيـران وأفـغـانـسـتـان بـحـثـاً عـن الأمـاكـن الّـتي عـاش فـيـهـا الـحـشـاشـون الإسـمـاعـيـلـيـة. وبـعـد انـتـهـاء رحـلـتـهـا في وديـان الـحـشـاشـيـن عـادت  إلى بـغـداد عـام 1931، وعـمـلـت مـحـررة في Baghdad Times  في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلك في كـتـاب نـشـرتـه في The Times Press Ltd. في بـغـداد تـحـت عـنـوان إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة Baghdad sketches ، (وقـد اسـتـعـمـلـت كـلـمـة  sketches  هـنـا بـمـعـنـاهـا الـفـنّي أي الـتـخـطـيـطـات الـسّـريـعـة الّـتي يـنـفّـذهـا الـرّسـام).

F S 8

فـريـا في جـزيـرة الـعـرب :

نـشـرت فـريـا سـتـارك في عـام  1934 كـتـاب : “وادي الـحـشـاشـيـن              The Valleys of the Assassins” الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن سـفـراتـهـا في بلاد الـفـرس (إيـران وأفـغـانـسـتـان).

وفي 1933 بـدأت سـفـراتـهـا إلى حـضـرمـوت، وسـارت عـلى الـطّـرق الـقـديـمـة الّـتي كـانـت تـسـلـكـهـا تـجـارة الـلـبـان والـبـخـور حـتّى مـديـنـة شـبـوة، ونـشـرت عـنـهـا في 1936 كـتـاب “بـوابـات جـزيـرة الـعـرب الـجـنـوبـيـة : رحـلـة في حـضـرمـوت The Southern Gates of Arabia: A Journey in the Hadramaut”.  ثـمّ عـادت إلى حـضرمـوت في 1937ـ 1938، ونـشـرت كـتـاب “مـشـاهـدات في حـضرمـوت “Seen in the Hadramaut” في 1938، وكـتـاب “شـتـاء في جـزيـرة الـعـرب A Winter in Arabia” في 1940. وكـانـت فـريـا قـد اشـتـرت، حـسـب مـا تـذكـره رسـائـلـهـا، كـامـيـرا صـغـيـرة إلـتـقـطـت بـهـا عـدداً كـبـيـراً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة. وفي 1938 نـشـرت طـبـعـة ثـانـيـة مـن كـتـابـهـا “إسـكـتـشـات بـغـداديـة” بـعـد أن أضـافـت ثـمـانـيـة فـصـول كـتـبـتـهـا خـلال سـفـرة كـانـت قـد قـامـت بـهـا قـبـل ذلـك بـقـلـيـل

. F S 9

عـمـيـلـة مـخـابـرات في الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة :

ورغـم أنّ فـريـا ولـدت في بـاريـس وعـاشـت طـفـولـتـهـا وصـبـاهـا ومـطـلـع شـبـابـهـا في إيـطـالـيـا، ولـم تـزر لـنـدن إلّا بـعـد أن بـلـغـت الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـرهـا، فـقـد هـاجـت في نـفـسـهـا الـحـمـاسـة الـوطـنـيـة عـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة. وعـمـلـت خـلالـهـا لـحـساب وزارة الـمـخـابـرات الـبـريـطانـيـة في عـدن وبـغـداد والـقـاهـرة، وأسـسـت في الـقـاهـرة جـمـعـيـة إخـوان الـحـريـة ضـدّ الـنّـازيـة  The Brotherhood of Freedom،الّـتي كـان هـدفـهـا إقـناع الـعـرب بـمـسـانـدة الـحـلـفـاء ضـد ّ الـمـحـور.

ثـمّ زارت الـعـراق مـن جـديـد عـام 1940 وقـامـت بـرحـلـة إلى كـردسـتـان وسـافـرت في مـنـطـقـة الأهـوار وإلى الـكـويـت. وفي أواخـر1941 أسـسـت فـرعـاً مـن جـمـعـيـتـهـا “إخـوان الـحـريـة” في الـبـصـرة. ونـعـرف مـن رسـائـلـهـا أنّـهـا  كانـت في بـغـداد في1941 عـنـدما حاصـر  الإنـكلـيـز الـمـديـنـة وأسـقـطـوا حـكـومـة رشـيـد عـلي الـكـيـلاني. وفي عـام 1942 نـشـرت فـريـا “رسـائـل مـن سـوريـا Letters from Syria ” الّـتي عـربـت فـيـهـا اسـمـهـا إلى “ثـريـا”، ونـشـرت في 1945 “الـشّـرق هـو الـغـرب  East is West”. وفي هـذيـن الـكـتـابـيـن تـتـكـلّـم فـريـا عـن تـجـاربـهـا في الـشّـرق خـلال الـحـرب. فـريـا في إنـكـلـتـرة : وتـقـديـراً لـخـبـرتـهـا وحـنـكـتـهـا الـدّبـلـومـاسـيـة بـعـثـتـهـا الـحكـومـة الـبـريـطانـيـة بـعـد الـحـرب إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة لـمـواجـهـة الـدّعـايـة الـصّـهـيـونـيـة الـمـوجـهـة ضـدّ الـحـمـايـة الـبـريـطـانـيـة لـفـلـسـطـيـن.

وتـزوّجـت فـريـا عـام 1947، وكـانـت في الـرّابـعـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا   بـ Mr Stewart Perowne  دبـلـومـاسي ومـؤرّخ كـانـت قـد الـتـقـت بـه عـنـدمـا كـان ضابـطـاً في الـجـيـش، ولـهـذا عـرفـت أيـضـاً بـاسـم Mrs Stewart Perowne ،ولـكـنّـهـمـا انـفـصـلا بـعـد خـمـس سـنـوات. ولـم يـصـدرحـكـم بـطـلاقـهـمـا فـاسـتـمـرت تـحـمـل اسـم زوجـهـا في الأوراق الـرّسـمـيـة.

ونـشـرت في هـذه الـفـتـرة كـتـابـاً في الأدب والـفـلـسـفـة، وثـلاثـة أجـزاء مـن سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : “مـقـدمـة الـمـسـافـرTraveller’s Prelude ”  في1950،  “مـابـعـد الـفـرات : سـيـرة ذاتـيـة 1928ـ 1933 Beyond Euphrates. Autobiography 1928- 1933 ” (نـشـر في 1951 ، و”سـاحـل الـلـبـان. سـيـرة ذاتـيـة  1933 ـ 1939 The Coast of Incense. Autobiography 1933-1939 ” (نـشـر في 1953).

تـكـريـم الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة لـهـا :

نـالـت فـريـا م. سـتـارك في 1953 وسـام “صلـيـب الإمـبـراطوريـة الـبـريـطانـيـة”. وقـد سـافـرت كـثـيـراً بـعـد الـحـرب وخـاصـة إلى تـركـيـا الّـتي بـحـثـت فـيـهـا عـن جـزء مـن تـاريـخ الـيـونـان الـقـديـم وهـو مـا نـشـرتـه في كـتـابـيـن، كـمـا تـتـبـعـت طـريـق الإسـكـنـدر الـمـقـدوني نـحـو الـشـرق وهـو مـا سـردتـه في  Alexander’s Path  في 1958، وتـسـرد في Riding to the Tigris  الّـذي نـشـرتـه في 1959 سـفـرتـهـا عـلى صـهـوة حـصـان عـبـر هـضـاب تـركـيـا مـتـجـهـة نـحـو نـهـر دجـلـة تـتـبـع فـيـهـا الـطريـق الّـتي سـلـكـهـا جـيـش الـرّومـان في الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد نـحـو دجـلـة، مـن بـحـيـرة فـان إلى ديـاربـكـر ووادي الـزّاب الـكـبـيـر، كـمـا اسـتـمـرت في نـشـر سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : “تـراب في مـخـالـب الأسـد. سـيـرة ذاتـيـة 1939ــ 1946 Dust in the Lion’s Paw. Autobiography 1939- 1946” في 1961 ، ونـشـرت كـتـابـا ً تـاريـخـيـاً عـن الـزّمـن الّـذي كان فـيـه الـشّـرق الأدنى جـزءاًمـن الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة : “رومـا عـلى الـفـرات : قـصّـة حـدود Rome on the Euphrates: The Story of a Frontier ” في 1966.وكـانـت آخـر سـفـراتـهـا إلى أفـغـانـسـتـان، ونـشـرت سـردهـا في كـتـاب عـام 1970. وقـد ربـطـتـهـا صـداقـة بـأم ّ الـمـلـكـة إلـيـزابـيـث الـثّـانـيـة ، وربّـمـا عـاد إلـيـهـا الـفـضـل في حـصول فـريـا م. سـتـارك عـلى لـقـب سـيّـدة الإمـبـراطوريـة الـبـريـطانـيـة Dame of the British Empire  عـام 1972.

الـرّجـوع إلى مـواطـن الـطـفـولـة :

عـادت فـريـا في آخـر حـيـاتـهـا إلى الـمـنـطـقـة الّـتي عـاشـت فـيـهـا طـفـولـتـهـا وصـبـاهـا مـع أمّـهـا في شـمـال إيـطـالـيـا، وهـنـاك نـشـرت كـتـابـاً عـن تـركـيـا وكـتـاب مـقـالات ، ولـكـنّ الأهـم هـو أنّـهـا  أعـدّت مـخـتـارات مـن رسـائـلـهـا الّـتي كـتـبـتـهـا إلى أهـلـهـا ومـعـارفـهـا طـيـلـة حـيـاتـهـا والّـتي كـانـت قـد احـتـفـظـت بـنـسـخ مـنـهـا ونـشـرتـهـا في ثـمـانـيـة أجـزاء ، مـن 1974 إلى 1982 ، كـمـا نـشـرت مـخـتـارات مـنـهـا في جـزء واحـد : ” عـلى أطراف الـعـالـم. رسـائـل مـخـتـارة Over th Rime of the World. Selected Letters” في 1982 ،  كـمـا نـشـرت بـعـض مـا كـانـت قـد كـتـبـتـه في أسـفـارهـا : ” صـدى الأسـفـارJourney’s Echo ” في 1982. ولا شـك ّ في أنـنـا نـجـد في كـتـب فـريـا مـادلـيـن ســتـارك ورسـائـلـهـا مـصـدراً مـهـمّـاً مـن مـصـادر مـعـرفـة الـحـيـاة في الـعـراق ، وخـاصـة في بـغـداد في الـنّـصـف الأوّل مـن الـقـرن الـعـشـريـن. تـوفـيـت فـريـا م. سـتـارك سـنـة 1993 في شـمـال إيـطـالـيـا.

 

الـقـسـم الـثّـاني ــ الـوصـول إلى بـغـداد

F S 3

وصـلـت فـريـا مـادلـيـن سـتـارك إلى بـغـداد لأوّل مـرّة في25تـشـريـن الأوّل 1929. وقـد اسـتـفـزّت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا. كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات.

وبـعـد ذلـك قـامـت فـريـا م. سـتـارك بـثـلاث سـفـرات في إيـران وأفـغـانـسـتـان بـحـثـاً عـن الأمـاكـن الّـتي عـاش فـيـهـا الـحـشـاشـون الإسـمـاعـيـلـيـة وبـعـد انـتـهـاء رحـلـتـهـا في وديـان الـحـشـاشـيـن في 1931، عـادت إلى بـغـداد  وعـمـلـت مـحـررة في Baghdad Times  في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلـك في كـتـاب نـشـرتـه في The Times Press Ltd. في بـغـداد تـحـت عـنـوان إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة Baghdad sketches) كـان هـدفـهـا مـن كـتـابـتـه أن تـصـوّرالـحـيـاة الـيـومـيـة لـبـغـداد في تـلـك الـفـتـرة. وفي 1938 نـشـرت طـبـعـة ثـانـيـة مـن كـتـابـهـا “إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة ” بـعـد أن أضـافـت ثـمـانـيـة فـصـول كـتـبـتـهـا خـلال سـفـرة كـانـت قـد قـامـت بـهـا قـبـل ذلـك بـقـلـيـل.

وصـول فـريـا سـتـارك إلى بـغـداد مـن خـلال رسـائـلـهـا(Letters, Volume 1 : The Furance and the  Cup 1914 – 1930)  : كـتـبـت إلى أخـتـهـا Viva  في 26 تـشـريـن الأوّل 1929 :

وصـلـت إلى هـنـا أمـس ، وأنـا سـعـيـدة بـمـجـيـئي إلى هـنـا. إسـتـغـرقـت سـفـرتـنـا تـسـع سـاعـات في الـيـوم الأوّل واثـنـتي عـشـرة سـاعـة في الـيـوم الـثّـاني. وصـلـنـا الـرّطـبـة عـلى ضـوء الـنّـجـوم ، ورأيـنـا نـوراً يـشـع مـن بـعـيـد مـن فـوق الـجـدران الّـتي لـيـس لـهـا نـوافـذ ـ أربـعـة أبـراج وبـوابـة وشـرطي مـن أبـنـاء الـعـشـائـر بـوجـهـه الـعـربي الـوحـشي وبـنـجـمـة عـلى جـبـيـنـه ، يـرتـدي مـعـطـفـاً أحـمـر طـويـلاً وبـيـده بـنـدقـيـة ، يـنـتـصـب أمـام الـبـوابـة الـمـوصـدة. وكـان الـمـكـان مـثـل ذلـك الّـي أخـرجـه الـجـنّي مـن الـعـدم عـنـدمـا فـرك الـمـصـبـاح [الـسّـحـري]. وجـاء الـعـشـاء بـعـد ذلـك : سـمـك سـالـمـون ومـايـونـيـز وكـسـتـر وجـلي. ووجـدنـا عـلى الـجـدران أخـبـاراً وإعـلانـات عـن نـادي الـغـولـف في الـمـنـطـقـة ، وسـمـعـنـا الـضّـبـاط الإنـكـلـيـز يـثـرثـرون عـن مـشـتـريـاتـهـم أو عـن صـيـدهـم ومـا إلى ذلـك، ويـبـدون لـطـفـاء مـقـارنـة بـالـضّـبـاط الـفـرنـسـيـيـن في سـوريـا. وفي الـسّـاعـة الـواحـدة، فـتـحـت الـبـوابـة لـنـا، وسـرعـان مـا اخـتـفـت أضـواء الـرّطـبـة وراءنـا. ووصـلـنـا الـرّمـادي في الـثّـامـنـة [صـبـاحـاً] ومـررنـا بـالـجـمـارك. وبـعـد مـسـيـرة ثـلاث سـاعـات أخـرى إبـصـرنـا دجـلـة في الـثّـانـيـة [بـعـد الـظّـهـر]، ثـمّ اهـتـزّ تـحـتـنـا جـسـر الـقـوارب الـعـائـم في بـغـداد.

وكـتـبـت لـصـديـقـتـهـا Venitia : بـغـداد مـديـنـة مـسـطّـحـة بـنـيـت عـلى أرض مـسـطّـحـة، وكـلّ مـا يـمـكـن أن يـراه الـمـرء عـنـدمـا يـصـل إلـيـهـا مـن الـغـرب : شـريـط غـابـات نـخـيـل ومـنـارة جـامـع. والـنّـاس فـيـهـا مـن كـلّ الأنـواع الّـتي تـجـذبـني، وأجـمـلـهـم الأكـراد. أودّ لـو اسـتـطـعـت رسـمـهـم . كـتـبـت لـرّجـل أخـذت عـنـوانـه مـن صـديـقي في دمـشـق، وأتـمـنى أن أجـده لـيـسـاعـدني في إيـجـاد سـكـن، وأنـا أنـتـظـر الإلـتـيـاء بـه قـبـل أن أذهـب عـنـد الإنـكـلـيـز لأنـني أعـرف أنّـهـم سـيـحـذروني أن لا أفـعـل ذلـك. تـجـوّلـت هـذا الـصّـبـاح في الـدّروب الـضّـيـقـة بـشـنـاشـيـلـهـا الـخـشـبـيـة وجـدرانـهـا الـدّاكـنـة الّـتي لا نـوافـذ لـهـا.

وكـتـبـت لأمّـهـا فـلـورا  في 28 تـشـريـن الأوّل : جـاءني مـنـيـر الـوكـيـل ـ الـصّـديـق الـبـهـائي لـصـديـقي الـدّبـاغ الـدّمـشـقي، و وجـدتـه وسـيـمـاً لـطـيـفـاً أنـيـقـاً بـمـلابـسـه الأوربـيـة. ووعـدني أن يـجـد لي سـكـنـاً، وسـيـاتي كـلّ يـوم لـيـصـاحـبـني في زيـارتي لـبـغـداد. ذهـبـت إلى الـمـتـحـف هـذا الـصّـبـاح. والـقـطـع الأثـريـة الّـتي وجـدت في أور مـذهـلـة. الـقـطـع الـذّهـبـيـة شـديـدة الـجـمـال وكـذلـك الـحـلي. كـمـا وجـدت فـسـيـفـسـاء وعـاج مـطـعّـم وهـو مـا يـحـسـن صـنـعـه الإيـطـالـيـون، ولـكـنّ الـصّـنـاع هـنـا، في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن سـبـقـوهـم بـسـتّـة آلاف سـنـة !  وقـد تـبـيّـن أنّ الـسّـومـريـيـن هـم الّـذيـن جـلـبـوا الـحـضـارة لـلـمـصـريـيـن. ولـكـنـنـا لا نـعـرف مـن أيـن جـاءوا هـم أنـفـسـهـم .يـظّـل هـذا مـجـهـولاً. وجـدت هـذا الـيـوم الـسّـوق الـمـسـقّـف بـأقـواس مـن الـطّـابـوق، تـنـيـره أضـواء أكـثـر مـمـا في سـوق دمـشـق، وقـد جـذبـني أكـثـر مـمـا جـذبـني سـوق دمـشـق لـتـنـوّع الـبـشـر هـنـا. ويـبـدو أنّ الـعـراقـيـيـن عـلى نـوعـيـن: أحـدهـمـا وجـهـه مـمـتـلئ مـسـتـديـر وشـفـتـه الـسّـفـلى ثـخـيـنـة، والآخـر وجـهـه ضـيّـق مـسـتـطـيـل عـذب الـنّـظـرات عـالي الـجـبـهـة. ثـمّ أنّ هـنـاك الأكـراد والـمـسـيـحـيـون والآثـوريـون والـيـهـود والـيـونـانـيـون والأتـراك والـفـرس ولا أدري مـاذا أيـضـاً، إلى جـانـب أعـراب الـبـاديـة. والـنّـسـاء الـمـسـيـحـيـات يـتـلـفـعـن بـالـحـريـر ــ بـكلّ الألـوان الـجـمـيـلـة الّـتي تـبـهـج الـنّـظـر وهـنّ يـمـشـيـن في الـشّـوارع بـيـن الـمـسـلـمـات الـمـتـلـفـعـات بـالـسّـواد. ربّـمـا لا يـحـبّ الـنّـاس الأجـانـب هـنـا، ولـكـنـني لا أشـعـر بـالـخـوف بـيـنـهـم.

وكـتـبـت لأمّـهـا فـلـورا مـن جـديـد في 30  تـشـريـن الأوّل :

ذهـبـت أمـس عـنـد Mrs Drower  (زوجـة الـمـنـدوب الـسّـامي)، وهي لـطـيـفـة جـدّاً ومـرحـة. وبـعـد أن شـربـنـا الـشّـاي جـاء الـسّـيـد وويـلي Woolley  وزوجـتـه. ومـسـز وويـلي شـديـدة الـجـاذبـيـة رغـم أن في طـبـيـعـتـهـا شئ مـن الـغـرابـة والـقـسـوة، وبـدى لي مـؤسـفـاً أنّـهـا تـركـت بـيـتـهـا الّـذي تـحـبـه بـشـدّة نـظـافـتـه وكـلّ وسـائـل راحـتـه والـكـتـب الّـتي تـمـلأه [لـكي تـأتي إلى هـنـا]. وقـد عـدت هـذا الـيـوم عـنـد Mrs Drower  فـهـو الـيـوم الّـذي تـسـتـقـبـل فـيـه الـعـرب. وهي تـتـكـلّـم الـعـربـيـة بـطـلاقـة. وقـد حـسـدتـهـا عـلى ذلـك ، فـأنـا لـم أفـهـم الـجـمـل الّـتي تـحـتـوي عـلى أكـثـر مـن عـشـر كـلـمـات تـقـريـبـاً. فـريـا م. سـتـارك وعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون:

ويـمـكـنـنـا أن نـذكّـرهـنـا حـدثـاً ذكـرتـه في رسـالـة بـعـثـهـا لأبـيـهـا روبـرت في 14 تـشـريـن الـثّـاني 1929 :

حـدثـت مـأسـاة فـاجـأت الـجـمـيـع : رئـيـس الـوزراء، الّـذي كـان يـبـدو سـعـيـداً وهـو جـالـس بـجـانـب Mrs Drower  يـوم الـثّـلاثـاء الـمـاضي، عـاد إلى داره مـن الـنّـادي لـيـلـة الأربـعـاء، وانـتـحر بـطـلـقـة مـسـدس صـوبـهـا إلى قـلـبـه. كـان أشـرف رجـل، الـرّجـل الـشّـريـف الـوحـيـد في الـحـكـومـة. وكـان نـسـبـيـاً، صـديـقـاً لـلـبـريـطـانـيـيـن. كـتـب رسـالـة تـركـهـا لابـنـه : صـبي في الـتّـاسـعـة عـشـرة مـن عـمـره يـدرس الـهـنـدسـة الآن في بـرمـنـغـهـام .وذهـب إلى الـشّـرفـة وقـتـل نـفـسـه. وكـانـت زوجـتـه قـد تـشـبـثـت بـذراعـه، ورجـتـه أن يـقـتـلـهـا هي بـدلاً مـن أن يـنـتـحـر، وكـانـت ابـنـتـه تـنـظـر إلى الـمـشـهـد. لـم يـعـد يـتـحـمـل رجـال الـسّـيـاسـة الـقـذريـن ، وكـلّ الأحـزاب الّـتي نـكّـدت عـلـيـه عـيـشـه. شـاهـدت مـع  Mrs Drower  الـجـنـازة عـنـدمـا مـرّت أمـام الـنّـافـذة، وكـان يـمـشي خـلـف الـنّـعـش حـشـد غـفـيـر بـصـمـت ، ولـم يـظـهـر عـلى وجـوهـهـم أي عـداء [ لـلإنـكـلـيـز] .

إلـتـقـت فـريـا م. سـتـارك إذن بـعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون، رئـيـس الـوزراء، في دار Mrs Drower  (زوجـة الـمـنـدوب الـسّـامي)، بـعـد حـوالي أسـبـوعـيـن مـن وصـولـهـا إلى بـغـداد ، وهي ولا شـكّ تـعـيـد في وصـفـهـا لانـتـحـاره مـا ذكـرتـه لـهـا هـذه الـ Mrs Drower .

إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة  ــ الـطّـريـق إلى بـغـداد :

رأيـنـا أنّ فـريـا م. سـتـارك كـتـبـت الإسـكـيـتـشـات في 1932 ، أي بـعـد أكـثـر مـن 11 سـنـة عـلى وصـولـهـا إلى الـعـراق، وسـتـرون أنّ مـا ذكـرتـه في الـكـتـاب يـخـتـلـف قـلـيـلاً عـمـا كـتـبـتـه في رسـائـلـهـا .

يـبـدأ الـكـتـاب بـفـصـل :  The Desert Route الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه فـريـا عـن وصـولـهـا إلى الـعـراق في 1929 عـن طـريـق الـبـاديـة ، وخـيـبـة أمـلـهـا لأنّـهـا لـم تـجـد صـحـراء الـبـدو الـرّحـل وهي تـخـتـرقـهـا في سـيـارة نـيـرن Nairn Motor Transport . وبـدلاً مـن الأثـافي الّـتي كـان الـشّـاعـر الـجـاهـلي يـبـكي عـلـيـهـا في أطـلال مـضـارب أهـل الـحـبـيـبـة لـم تـجـد فـريـا إلّا هـيـاكـل مـعـدنـيـة صـدئـة لـسـيـارات تـركـت عـلى جـانـبي الـطّـريـق. وتـسـاءلـت إن لـم يـكـن الـوقـت قـد حـان لـوضـع لافـتـات تـمـنـع الـنّـاس مـن رمي الأكـيـاس الـورقـيـة الّـتي بـدأت تـتـطـايـر في كـلّ مـكـان. ولـم تـجـد طـرقـاً مـعـبـدة بـل آثـار سـيّـارات تـتـتـابـع عـلى الـتّـراب ، تـمـحـوهـا الأمـطـار الـنّـادرة حـيـنـمـا تـتـسـاقـط فـتـطـبـعـهـا عـجـلات سـيّـارات أخـرى تـأتي بـعـدهـا، ودهـشـت لـكـثـرة هـذه الـسّـيّـارات الّـتي تـمـرّ مـثـيـرة غـيـومـاً مـتـكـاثـفـة مـن الـغـبـارفي الـنّـهـار، وتـبـدو أنـوارهـا في الـلـيـل كـخـطـوط نـيـران تـتـقـدّم في الـظّـلام.

وتـوقّـفـت في آخـر مـركـز حـدود فـرنـسي في سـوريـا قـبـل أن تـدخـل الـعـراق مـتـأمّـلـة الـشّـاحـنـات الـمـثـقـلـة بـأحـمـالـهـا تـخـتـرق الـبـاديـة مـثـل سـفـنّ تـمـخـر عـبـاب الـبـحـار مـتـمـايـلـة يـمـيـنـاً ويـسـاراً، وسـيـارات الـنّـقـل الّـتي يـتـكـوّم فـيـهـا الـحـجـاج عـلى مـقـاعـد خـشـبـيـة وتـتـكـوّم عـلى سـقـوفـهـا الأمـتـعـة والـحـقـائـب وهي تـتـدحـرج نـحـو مـكّـة ،تـتـجـاوزهـا سـيّـارات الـنّـيـرن الـمـكـيّـفـة والـسّـيـارات الـصـغـيـرة : Ford, Fiat, Morris, Chevrolet… وقـد خـاب أمـلـهـا لأنّ هـذه الـبـاديـة لـم تـكـن صـحـراء رمـال ذهـبـيـة، بـل أرضـاً صـلـبـة مـحـمـرّة يـغـطي سـطـحـهـا في بـعـض الأمـاكـن عـشـب مـصـفـرّ يـبـدو قـشّـاً، وفي بـعـض أطـرافـهـا الّـتي نـمى فـيـهـا الـعـشـب تـجـمـعـت مـئـات مـن الـجـمـال تـقـضـم مـا تـجـده أمـامـهـا.

وبـعـد أن تـقـدّمـت الـسّـيّـارة قـلـيـلاً عـلى الـطّـريـق تـغـيّـرت الـطّـبـيـعـة وصـارت خـواءً لا تـنـبـت فـيـه حـتّى الأشـواك، يـتـتـابـع فـيـهـا الـسّـراب، يـبـدو مـن بـعـيـد مـثـل بـحـيـرات صـغـيـرة ضـحـلـة الـمـاء، تـتـداخـل الـواحـدة مـنـهـا بـالأخـرى. وتـتـابـعـت الـسّـاعـات بـبـطء تـلـتـهـب تـحـت أشـعـة الـشّـمـس الـمـحـرقـة. ومـضـت تـسـع سـاعـات قـبـل أن تـصـل الـسّـيّـارة إلى آبـارالـرّطـبـة بـعـد حـلـول الـلـيـل.

rutba-6

ووجـدتـهـا فـريـا مـضـاءة، مـنـتـصـبـة بـجـدرانـهـا وأبـراجـهـا الأربـعـة. وفـتـح لـهـم الـبـوابـة شـرطي عـراقي بـالـزّي الـرّسـمي : “غـتـرة حـمـراء وعـقـال أسـود”. ووجـدت في الـرّطـبـة سـريـراً مـريـحـاً ومـاءً سـاخـنـاً ووجـبـة أكـل أوربـيـة ! وغـادرت فـريـا الـرّطـبـة في الـرّابـعـة صـبـاحـاً مـع مـصـاحـبـيـهـا، وعـنـدمـا انـبـلـج الـفـجـر أبـصـروا بـأراضي الـفـرات وغـابـات الـنّـخـيـل الـداكـنـة الألـوان. ووجـدوا مـركـز تـفـتـيـش الـجـوازات والـجـمـارك في الـرّمـادي. ثـمّ عـبـروا الـفـرات في الـفـلّـوجـة عـلى جـسـر عـائـم مـن الـقـوارب، واخـتـرقـوا سـهـول مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات لـيـصـلـوا إلى بـغـداد. وتـأمّـلـت بـغـداد  “بـألـوان مـنـائـرهـا الـرّمـلـيـة الـمـخـتـفـيـة بـيـن غـابـات الـنّـخـيـل” :  It seems incredible, but we are there ! تـذكـر فـريـا م. سـتـارك في الـفـصـل الـثّـاني كـيـف أنّـهـا تـعـرّفــت في دمـشـق عـلى دبّـاغ بـهـائي بـعـثـهـا عـنـد صـديـق لـه في بـغـداد. وتـحـكي في الـفـصـل الـثّـالـث ” In the Moslem Quarter”  كـيـف وجـدت عـنـد وصـولـهـا إلى بـغـداد غـرفـة في فـنـدق وسـط الـمـديـنـة. وكـانـت أولى انـطـبـاعـاتـهـا عـن الـمـديـنـة سـيـئـة ، فـقـد رأت في “مـديـنـة الـخـلـفـاء” : “شـارعـاً طـويـلاً بـبـنـايـات واطـئـة، خـلـيـط مـن أسـوء مـا في الـشّـرق ومـا في الـغـرب، وكـان الـنّـاس يـبـدون قـلـيـلي الـصّـحـة كـثـيـري الـعـبـوس والأطـفـال يـدعـون لـلـرّثـاء والـمـحـلّات بـائـسـة مـزريـة ، يـتـطـايـر في الـهـواء غـبـارمـضـرّ بـالـصّـحـة يـسـمـم الـدّم”.

 

الـقـسـم الـثّـالـث ــ الـدّار

F S 6

في أحـيـاء الـمـسـلـمـيـن :

تـتـكـلّـم فـريـا م. سـتـارك عـن “أحـيـاء الـمـسـلـمـيـن” في بـغـداد، وتـعـني بـهـا الأحـيـاء الـبـغـداديـة الـشّـعـبـيـة. وهي تـفـرّ بـيـنـهـا وبـيـن الأحـيـاء الـحـديـثـة الّـتي كـان الأجـانـب وخـاصـة الإنـكـلـيـز يـسـكـنـون فـيـهـا.  وقـد رأيـنـا كـيـف أنّـهـا اخـتـارت أن تـسـكـن في دار في حي بـغـدادي أصـيـل لـتـخـتـلـط بـالـنّـاس ولـتـحـسـن لـغـتـهـا الـعـربـيـة ، وهـو مـا اسـتـفـزّ الإنـكـلـيـز . رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 2 تـشـريـن الـثّـاني  1929 : أعـتـقـد أنـني وجـدت داراً هـذا الـيـوم : ثـلاث غـرف وسـطـح وسـرداب. وقـد أعـيـد صـبـغـهـا بـالأبـيـض وقـضـبـان الـنّـوافـذ ومـا حـول الـنّـوافـذ بـالأزرق. وخـشب بـابـهـا مـلـتـمـع يـعـلـوه قـوس، ولـه قـبـضـة نـحـاسـيـة. والـسّـطـح مـحـاط بـ corrugated Iron  فـيـه فـتـحـات نـسـتـطـيـع أن نـنـظـر مـن خـلالـهـا مـن غـيـر أن يـرانـا أحـد مـن الـخـارج. ولـيـس عـلى الـنّـوافـذ زجـاج ، ولـكـنـني أسـتـطـيـع أن أرى [مـن الـنّـافـذة ] شـجـرة تـعـجـبـني كـثـيـراً تـخـرج رأسـهـا مـن حـديـقـة الـجـامـع.

رسـالـة فـريـا إلى Herbert Young  في 8  تـشـريـن الـثّـاني :

أجّـرت الـدّار. وقـد اقـتـرحـت عـليّ امـرأة طـيـبـة لا أعـرفـهـا أن تـعـيـرني حـصـانـاً لأتـنـقّـل عـلـيـه. أذهـب كـلّ صـبـاح إلى مـدرسـة أتـعـلّـم فـيـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة في صـفّ فـيـه سـتّ وعـشـرون بـنـتـاً يـتـقـافـزن جـمـيـعـاً لإعـارتي كـتـبـهـنّ وأقـلامـهـنّ وأوراقـهـنّ، ويـغـدقـن عـليّ الـنّـصـائـح ويـنـصـتـن إليّ وأنـا أقـرأ بـبـطء شـديـد جـمـلاً مـن كـتـاب الـقـراءة ـ الـمـسـتـوى الـثّـالـث، ثـمّ يـصـحـحـن أخـطـائي. Mrs Drower  هي الـطِـيـبـة نـفـسـهـا خـلـقـت امـرأة، وقـد عـرّفـتـني بـكـلّ مـن حـولـهـا مـن أهـل الـبـلـد ومـن الإنـكـلـيـز. يـبـدو لي أنـني سـأعـرف قـريـبـاً كـلّ مـن في بـغـداد ! وكـانـت تـحـسـن الـلـغـة الـعـربـيـة قـبـل وصـولـهـا إلى بـغـداد ، ولـكـنّ جـرتـرود بـيـل كـانـت تـحـاول بـاسـتـعـلاء الـتّـقـلـيـل مـن جـدوى جـهـودهـا [ لـم تـلـتـق فـريـا سـتـارك بـجـرتـرود بـيـل الّـتي تـوفـيـت في بـغـداد في 1926] . ويـبـدو أن لـغـة [ الـمـسـز بـيـل] الـعـربـيـة لـم تـكـن قـويـة ، مـثـلـهـا مـثـل الـعـربـيـة الّـتي كـان يـتـكـلّـمـهـا لـورنـس وكـشـنـر وكـلّ هـؤلاء الـمـشـاهـيـر.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 14 تـشـريـن الـثّـاني :

تـحـوّلـت إلى داري. رسـالـة فـريـا إلى Car Ker في  29 تـشـريـن الـثّـاني : لا يـمـكـنـك أن تـتـصـور مـا فـعـلـتـه هـذا الـيـوم . نـظـمـت خـرزاً مـن الـلازورد وجـدت في تـنـقـيـبـات أور في خـيـط وردي …لـحـسـاب الـمـتـحـف. جـاءت بـهـا Mrs Drower إلى الـدّار في صـنـدوق مـن الـورق الـمـقـوى، وكـانـت قـد اخـتـلـطـت بـشـظـايـا عـظـام الـنّـسـاء الـلاتي شـاركـن في طـقـوس دفـن الـمـلـكـة : ضـربـن عـلى رؤوسـهـنّ و دفـنّ مـعـهـا. وهي قـديـمـة جـدّاً، حـوالي أربـعـة آلاف سـنـة. وهي تـشـبـه مـا نـجـده في أيّـامـنـا هـذه في الـبـنـدقـيـة (في إيـطـالـيـا)، وقـيـمـة الأحـجـار الـكـريـمـة الّـتي صـنـعـت مـنـهـا عـالـيـة جـدّاً. ومـا أدهـشـني هـو أنّـهـم اخـتـرعـوا آلات بـالـغـة الـصّـغـر إلى هـذا الـحـدّ لـتـثـقـب هـذه الـثّـقـوب الـبـالـغـة في الـصّـغـر.

رسـالـة فـريـا إلى Venitia في 24 تـشـريـن الـثّـاني :

بـائـع الـخـضـروات الّـذي يـعـيـش في دكـانـه الـصّـغـيـر الـمـفـتـوح (لـيـس لـه واجـهـة) مـقـابـل داري، بـاع لي يـشـمـاغـه الأبـيـض والأسـود لأغـطّي بـه طـاولـة الـشّـاي عـنـدمـا أسـتـقـبـل الـنّـاس في داري. وجـاءني قـبـل أيّـام لـيـخـبـرني أنّ مـسـلـمـاً غـنـيّـاً يـرغـب في إعـطـائي دروسـاً في الـلـغـة الـعـربـيـة وأعـلّـمـه الإنـكـلـيـزيـة بـالـمـقـابـل. كـلّ هـذا حـبّـاً لـلـغـة. عـلى الأقـل، هـذا مـا أأمـلـه ، ولـيـس طـمـعـاً في كـسـب قـلـيـل مـن الـمـال. وصـفـه لي بـأنّـه رجـل مـتـوسـط الـعـمـر، رب عـائـلـة. وظـهـر أنّـه في الـخـامـسـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره ، سـمـيـن، دمـث الأخـلاق، بـدأ الـشّـيـب يـغـزو مـفـرقـيـه. ولـم يـظـهـر عـلـيـه أنّـه يـهـتـم كـثـيـراً بـتـعـلّـم الإنـكـلـيـزيـة. وجـلـس سـاعـتـيـن يـثـرثـر بـالـعـربـيـة، ويـتـصـفـح الـجـريـدة مـعي. واقـتـرح عـليّ زيـارة شـيـوخ شـمّـر شـمـالاً عـلى نـهـر دجـلـة. لـن أبـقى مـدّة طـويـلـة في هـذه الـدّار. كـلّ أشـبـاح سـاكـنـيـهـا نـهـضـوا مـن قـبـورهـم : إنـبـعـثـت روائـحـهـم طـلّ الـلـيـل حـتّى أكـاد أخـتـنـق ولا أسـتـطـيـع الـتّـنـفـس ، وبـدأت أبـحـث عـن مـسـكـن أقـلّ تـسـمـمـاً.

رسـالـة فـريـا إلى أمّـهـا فـلـورا في 25 تـشـريـن الـثّـاني :

الـمـدرّس الّـذي أتى لي بـه بـائـع الـخـضـرة يـدرسـني مـجـانـاً. لـو كـنـت إنـكـلـيـزيـة كـمـا يـنـبـغي (أي مـثـل انـكـلـيـزيـات بـغـداد الـمـتـرفـعـات ) لـمـا قـبـلـت بـذلـك. وهـو رجـل سـمـيـن ظـريـف ، حـسـن الـتّـصـرفـات ، ويـحـاول أن يـبـقى مـهـذبـاً عـنـدمـا أقـرأ مـعـه في الـجـرائـد كـتـابـات عـنـيـفـة ضـدّ الإنـكـلـيـز. وهـو لا يـؤمـن بـمـا في الـقـرآن هـو نـفـسـه ، ولـكـنّـه يـودّ أن أعـجـب بـالـسّـور الّـتي يـحـتـويـهـا. وقـد أقـام بـيـن الـبـدو، وأقـام في إسـطـنـبـول . وهـو نـوع شـريـف جـدّاً مـن أنـواع الـعـربي الـحـديـث الـمـتـحـضّـر.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 27 تـشـريـن الـثّـاني :

في غـرفـتي الـجـديـدة شـرفـة وأربـع نـوافـذ كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر، ولـكـنّـهـا فـارغـة بـاردة بـعـيـدة. وأقـصـر الـطّـرق إلى [مـركـز الـمـديـنـة ]أن أعـبـر الـنّـهـر بـقـارب مـن هـذا الـجـانـب، وبـعـد ذلـك أمـرّ بـهـذا الـشّـارع الـقـبـيـح الّـذي بـلّـطـوه، والّـذي يـخـتـرق بـغـداد مـسـتـقـيـمـاً لا يـتـعـرّج تـقـلـيـداً مـزيّـفـاً لـشـوارع أوربـا. ثـم ّ أتـركـه مـتـجـهـة إلى مـدرسـتي في آخـر دروب ضـيّـقـة. وكـلّ يـوم أدورإلى الـيـسـار عـنـدمـا أصـل إلى جـامـع الـحـيـدرخـانـة بـطـابـوقـه الـمـزجـج الأصـفـر والأزرق، وأمـرّ أمـام عـدد مـن الـبـدويـات الـجـالـسـات الـقـرفـصـاء أمـام سـلال فـيـهـا أرغـفـة خـبـز مـسـطّـحـة، وأمـام مـجـمـوعـة مـن الـحـمـالـيـن الأكـراد بـعـمـامـات مـن قـمـاش الـقـطـن الـمـخـطـط بـالأحـمـر، ويـرتـدون سـتـرات مـن لـبـد ثـخـيـن.

إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة  ــ الـدّار :

نـذكّـر الـقـارئ مـن جـديـد أنّ فـريـا كـتـبـت الإسـكـيـتـشـات في 1932 أي بـعـد 11 عـامـاً مـن كـتـابـتـهـا لـلـرّسـائـل الّـتي رأيـنـاهـا : تـقـصّ فـريـا في الـفـصـل الـثّـالـث كـيـف أنّـهـا تـجـوّلـت في الـمـديـنـة ودخـلـت لابـيـرنـث الـدّروب الـضّـيـقـة الـمـتـلـوّيـة. وأبـصـرت بـدار فـارغـة، جـدرانـهـا مـن الـطّـابـوق وعـلـيـهـا لافـتـة بـالـعـربـيـة تـذكـر أنّـهـا لـلـبـيـع. ولـكـنّ الّـذي جـذب نـظـرهـا كـانـت الـدّار الـمـجـاورة الّـي رأت فـيـهـا مـلّا عـجـوزاً جـلـس مـتـربّـعـاً يـعـلّـم عـشـريـن أو ثـلاثـيـن طـفـلاً الـقـراءة. ولـم يـكـن لـهـم إلّا مـا يـقـارب الـعـشـرة مـصاحـف، فـتـجـمّـعـوا حـولـهـا : ثـلاثـة أو أربـعـة حـول كـلّ مـصـحـف، يـرددون بـأصـواتـهـم الـطـفـولـيـة آيـاتٍ قـرآنـيـة. وبـيـن الـحـيـن والـحـيـن، يـصـل طـفـل ويـخـلـع نـعـلـيـه لـيـدخـل في الـحـلـقـة، بـيـنـمـا يـنـهـض مـن أصـابـه الـمـلـل مـنـهـم يـتـجـوّل بـيـن الـنّـبـاتـات والـزّهـور، ثـمّ يـعـود إلى مـكـانـه بـعـد ذلـك. وكـان الـمـلّا أبـيـض الـعـمـامـة طـلى لـحـيـتـه بـالـحـنّـاء، وعـلى وجـهـه الـعـجـوز مـلامـح الـطّـيـبـة ، ولـم يـكـن يـبـدو عـلى تـلامـيـذه أنّـهـم يـخـشـونـه.وقـد أعـجـب فـريـا الـنّـظـر إلـيـهـم  فـقـررت الـسّـكـن في الـدّار الـمـجـاورة الـمـعـروضـة لـلـبـيـع. ثـمّ جـاءهـا صـديـق الـدّبـاغ إلى فـنـدقـهـا، واسـمـه نـوري فـلان Nuri Fulan (لا شـكّ في أنّـهـا غـيّـرت اسـم مـنـيـر الـوكـيـل إلى نـوري فـلان تـحـاشـيـاً لـلـمـشـاكـل)، وسـاعـدهـا في تـأجـيـر هـذه الـدّار. عـنـدمـا دخـلـت مـن الـبـاب الـخـشـبي الـمـصـبـوغ بـالأزرق الـفـاتـح والّـذي تـزيـنـه قـبـضـة ومـطـرقـة نـحـاسـيـتـان، وجـدت في وسـط الـدّار حـوشـاً صـغـيـراً مـعـتـمـاً ، ومـن الـجـهـة الـمـقـابـلـة غـرفـة صـغـيـرة أُريـد لـهـا أن تـكـون مـطـبـخـاً، فـيـهـا طـاولـة وبـريـمـز Primus stove  وحـبّ لـلـمـاء. وكـان هـذا كـلّ مـافي الـدّار مـن أثـاث. ووجـدت سـلّـمـاً صـعـدت عـلـيـه إلى غـرفـة. ولـتـأثـيـث الـدّار ذهـبـت فـريـا إلى مـا كـان يـعـرف بـسـوق الـحـرامـيّـة thieves’ bazar  لـتـشـتـري كـلّ مـا تـحـتـاجـه ، و وجـدت حـمـالاً كـرديـا أدهـشـهـا عـنـدمـا ضـع كـلّ مـا اشـتـرتـه عـلى ظـهـره وتـبـعـهـا إلى الـدّار. وتـروي كـيـف رحّـب بـهـا جـيـرانـهـا واسـتـقـبـلـوهـا بـحـفـاوة وسـاعـدوهـا.

أربـع عـشـرة طـلـقـة في مـسـدس جـان !

سـافـرت الـفـرنـسـيـة جَـيـن (جـان حـسـب الـلـفـظ الـفـرنـسي) ديـولافـوا          Jane Dieulafoy  مـع زوجـهـا في إيـران والـعـراق لـمـدة أربـعـة عـشـر شـهـراً مـن 1881 إلى 1882.  وكـانـت جـان قـويـة الـشّـخـصـيـة لا تـخـشى شـيـئـاً ولا تـخـاف مـن أحـد، تـرتـدي مـلابـس رجـالـيـة وتـعـتـلي صـهـوة حـصـان. وقـد كـتـبـت يـومـيـات الـرّحـلـة وسـجّـلـت كـثـيـراً مـن الـمـلاحـظـات والـتـقـطـت  صـوراً فـوتـوغـرافـيـة وخـطـطـت رسـومـاً.

وقـد نـشـرت سـردهـا لـلـرّحـلـة في كـتـاب مـن كـتـبـهـا :

“La Perse, La Chaldée, La Susiane”.

ونـشـرت فـيـه 336 عـمـلاً حُـفـر عـلى الـخـشـب وطـبـع عـلى الـورق اعـتـمـاداً عـلى صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلـفـة. والـعـمـل الـطّـبـاعي الّـذي اخـتـرتـه لـكـم لـم يـؤخـذ مـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـل مـن تـخـطـيـط رسـمـتـه “بـطـلـة” الـمـغـامـرة، أي الـكـاتـبـة نـفـسـهـا.

mideast-foreign-eyes-antiquity-modern-10

وهي تـذكـر أنّـهـم في إحـدى سـفـراتـهـم أنـزلـوا أمـتـعـتـهـم عـلى ضـفـة الـنّـهـر وبـقـيـت تـحـرسـهـا لـوحـدهـا :”عـنـدمـا جـاء ثـمـانـيـة مـن الأعـراب الـرُّحّـل عـلى الـضّـفـة الـخـالـيـة. ودقّ قـلـبي بـعـنـف، ومـرّ ضـبـاب أمـام عـيـنيّ لـكـنّي هـززتـه عـن رأسي بـسـرعـة و[صـحـت بـهـم] : “لـديَّ أربـع عـشـرة طـلـقـة أخـصـصـهـا لـكـم : إذهـبـوا وارجـعـوا مـع سـتّـة آخـريـن مـن أصـحـابـكـم”.

ونـلاحـظ أنّ الـنّـهـر لـم يـكـن خـالـيـاً حـسـب الـرّسـم بـل فـيـه قـفّـة في وسـطـهـا رجـال. أمّـا عـن إتـقـان جـان لـلـغـة الـعـربـيـة إلى حـدّ أنّـهـا ركّـبـت هـذه الـجـمـل الـمـعـقـدة فـهـو شئ يـثـيـر الـعـجـب : أوّلاً لأنّـهـا درسـتـهـا لـفـتـرة قـصـيـرة في نـصـوص قـديـمـة مـع مـسـتـشـرقـيـن في فـرنـسـا، ومـا أوسـع الـفـرق بـيـن الـلـغـة الـمـدروسـة والـلـغـة الـمـستـعـمـلـة ! ولأنّ لـفـظـهـا كـان ولا شـكّ صـعـب الـفـهـم …

ولا نـدري كـيـف اسـتـطـاع أن يـفـهـمـهـا هـؤلاء الـنّـاس الـبـسـطـاء (الّـذيـن وصـفـتـهـم بـالأعـراب الـرّحّـل) ! كـمـا أنّ الـتّـعـبـيـر الّـذي اسـتـعـمـلـتـه فـيـه فـكـرة مـعـقـدة : “في مـسـدسي وبـنـدقـيـتي أربـع عـشـرة طـلـقـة، وأنـا قـادرة عـلى أنّ اقـتـل كـلّ واحـد مـنـكـم بـطـلـقـة واحـدة، إذن سـتـبـقى سـتّ طـلـقـات. إذهـبـوا وابـحـثـوا عـن سـتّـة آخـريـن مـن أصـحـابـكـم لاسـتـعـمـل كـلّ الـطّـلـقـات”.

ولا شـكّ أنّ الـقـارئ الـفـرنـسي أعـجـب بـصـيـاغـة الـجـمـل الأدبـيـة هـذه، ولـكـنّ مـاذا فـهـم الـنّـاس الـبـسـطـاء مـن قـول “الـبـطـلـة” جـان ؟ ربّـمـا لـم يـريـدوا أصـلاً مـهـاجـمـتـهـا وسـرقـتـهـا، بـل دفـعـهـم الـفـضـول لـلإقـتـراب مـن هـذه الـمـرأة ــ الـرّجـل. ولا ريـب في أنّ مـسـدسـهـا الـمـصـوّب نـحـوهـم والـبـنـدقـيـة الّـتي تـحـمـلـهـا هـو الّـذي أبـعـدهـم عـنـهـا.

مـن يـتـذكّـر دزمـونـد سـتـيـوارت ؟

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

دزموند ستيوارت (691x455)

قـرأت عـنـدمـا كـنـت في مـطـلـع شـبـابي مـقـالاً عـن دزمـونـد سـتـيـوارت في مـجـلّـة بـغـداديـة ، ثـمّ قـرأت الـتّـرجـمـة الـعـربـيـة لإحـدى روايـاتـه الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق. ولأنّي لـم أقـرأ لـه أو عـنـه شـيـئـاً بـعـد ذلـك فـقـد نـسـيـتـه في إحـدى زوايـا ذاكـرتي يـرقـد فـيـهـا مـا شـاءت لـه الأقـدار أن يـرقـد. وقـد تـذكّـرتـه في مـرّات قـلـيـلـة عـنـدمـا قـرأت اسـمـه عـلى كـتـب نـشـرهـا عـن تـاريـخ الـعـرب والإسـلام. وحـاولـت أن أتـذكّـر روايـتـه الـبـغـداديـة الّـتي كـنـت قـد قـرأتـهـا في مـطـلـع شـبـابي فـلـم تـعـد لي مـنـهـا إلّا صـور مـهـتـزّة بـاهـتـة يـنـقـصـهـا الـوضـوح … و وجـدت هـذا الـصّـيـف عـنـد بـائـع كـتـب قـديـمـة روايـة لـه، وقـرأتـهـا بـنـصـهـا الإنـكـلـيـزي الأصـلي : وكـانـت هي نـفـسـهـا الّـتي كـنـت قـد قـرأتـهـا في مـطـلـع شـبـابي بـتـرجـمـتـهـا الـعـربـيـة. وأدركـت لـمـاذا لـم يـبـقَ لي مـنـهـا في ذاكـرتي إلّا هـذا الأقـل مـن الـقـلـيـل، فـهي سـيـئـة الـحـبـكـة سـاذجـة الأحـداث ، تـدلّ عـلى أنّ كـاتـبـهـا رغـم كـلّ مـزايـاه لـم يـكـن كـاتـبـاً روائـيـاً. وقـد فـهـم هـو نـفـسـه ذلـك فـتـرك الـفـنّ الـرّوائي لـيـكـرس وقـتـه لـلـكـتـابـات الـتّـاريـخـيـة. ومـع ذلـك فـدزمـونـد سـتـيـوارت ولا شـكّ واحـد مـن الـبـريـطانـيـيـن الّـذيـن يـسـتـحـقـون أنّ نـتـذكّـرهـم ، فـهـو قـد ارتـبـط بـالـشّـرق الّـذي أحـبّـه و تـعـاطـف مـع قـضـايـاه وعـاش فـيـه حـتّى نـهـايـة حـيـاتـه وكـتـب عـنـه مـا لا يـعـدّ ولا يـحـصى مـن الـمـقـالات والـكـتـب. دزمـونـد سـتـيـوات  : لـم أجـد في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة عـن دزمـونـد سـتـيـوارت إلّا مـقـالات قـلـيـلـة ذكـر فـيـهـا ذكـراً سـطـحـيـاً، فـلـم يـكـرّس لـه أحـد بـعـد، عـلى مـا أعـلـم ، دراسـة كـامـلـة مـتـعـمـقـة. ولـهـذا قـررت أن أكـتـب عـنـه هـذا الـنّـصّ الـقـصـيـر مـشـاركـة مـتـواضـعـة مـنّي في إحـيـاء ذكـراه. وقـد عـثـرت عـلى مـقـال قـصـيـر كـتـبـه عـنـه زمـيـلـه وصـديـقـه John Haylock  في The Oxford Dictionary of National Biography . وسـاعـدني هـذا الـمـقـال في تـنـظـيـم الـمـعـلـومـات الّـتي وجـدتـهـا عـنـه في أمـاكـن أخـرى :

ولـد دزمـونـد سـتـيـرلـنـغ سـتـيـوارتDesmond Stirling Stewart    سـنـة 1924 في إنـكـلـتـرة ، في مـنـطـقـة  Hertfordshire  الّـتي تـقـع شـمـال لـنـدن.  ثـمّ درس في The Trinity College  في أكـسـفـورد مـن 1942 إلى 1944.  وفي 1947 عـاد إلـيـهـا لـيـكـمـل دراسـتـه ، ويـبـدو أنّـه تـعـرّف عـلى صـالـح أحـمـد الـعـلي الّـذي كـان يـتـابـع دراسـتـه في أوكـسـفـورد (1). وحـصـل دزمـونـد سـتـيـوارت عـلى الـمـاجـسـتـيـر في الآداب في نـهـايـة الـعـام الـدّراسـي 1948

دزمـونـد سـتـيـوات  في الـعـراق :

وفي خـريـف 1948  وصـل دزمـونـد سـتـيـوارت إلى بـغـداد بـعـد أن تـعـاقـد مـع كـلـيـة الآداب لـيـدرّس فـيـهـا الأدب الإنـكـلـيـزي. وفي بـغـداد، تـعـرّف عـلى جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا الّـذي كـان قـد وصـل إلى بـغـداد أيـضـاً لـيـدرّس فـيـهـا. كـمـا تـعـرّف عـلى بـلـنـد الـحـيـدري ونـزارسـلـيـم وحـسـيـن مـردان وبـعـض أعـضـاء جـمـاعـة “الـوقـت الـضّـائـع” (2)الآخـريـن، وعـلى فـنـانـيـن مـثـل جـواد سـلـيـم. وقـد كـتـب جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا في سـيـرتـه الـذّاتـيـة “شـارع الأمـيـرات” (3)عـن حـضـوره لـدعـوة في دار عـلي حـيـدر الـرّكـابي مـع دزمـونـد سـتـيـوارت وبـلـنـد الـحـيـدري وآخـريـن في عـام 1948. ونـحـن نـعـرف أنّ عـلي حـيـدر الـرّكـابي كـان قـد درس في Victoria College  في الإسـكـنـدريـة وأصـبـح في بـغـداد مـن أهـمّ الـدبـلـومـاسـيـيـن الـمـقـربـيـن مـن الـوصي عـبـد الإلـه. وكـان عـلي حـيـدرالـرّكـابي يـمـتـلـك ثـقـافـة إنـكـلـيـزيـة عـمـيـقـة مـمـا وثّـق عـلاقـاتـه مـع دزمـونـد سـتـيـوارت الّـذي خـصـص لـه إهـداء روايـتـه الـثّـانـيـة عـن الـعـراق. ويـبـدو أنّ جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا قـد اسـتـوحي شـخـصـيـة Brian Finch  في روايـتـه Hunters in a Narrow Street  الّـتي نـشـرهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة عـام 1960 والّـتي تـدور أحـداثـهـا عـنـد وصـولـه إلى بـغـداد في 1948 مـن شـخـصـيـة دزمـونـد سـتـيـوارت. ويـتـعـرّف الـرّاوي في هـذه الـرّوايـة عـلى Brian Finch عـن طـريـق عـدنـان (الّـذي يـبـدو أنّـه اسـتـوحـاه مـن شـخـصـيـة بـلـنـد الـحـيـدري). ورغـم أنّ Brian Finch  يـعـمـل في الـرّوايـة في بـنـك ويـتـعـلّـم الـعـربـيـة في نـفـس الـوقـت إلّا أنّ تـقـربـه مـن الـمـثـقـفـيـن الـعـراقـيـيـن وتـعـاطـفـه مـع قـضـايـاهـم يـجـعـلـنـا ولا شـكّ نـفـكّـر بـدزمـونـد سـتـيـوارت. وفي 1950، نـشـر دزمـونـد سـتـيـوارت تـرجـمـة كـتـاب لإفـلاطـون إلى الإنـكـلـيـزيـة، ونـشـر في 1952 : The Memoirs of Alcibiades،وهي رغـم عـنـوانـهـا سـيـرة ذاتـيـة روائـيـة عـن حـيـاتـه في الـعـراق .

د. ستيوارت 4 (183x275)

ولا شـكّ في أنّ أشـهـر كـتـبـه عـن الـعـراق روايـتـه : The Unsuitable Englishman الّـتي نـشـرهـا عـام 1952 وهي الّـتي قـرأتـهـا بـالـعـربـيـة في مـطـلـع شـبـابي في تـرجـمـة مـتـري عـبـد الـعـزيـز الـسّـرحـان تـحـت عـنـوان : “فـضـائـح الإنـكـلـيـز أو الإنـكـلـيـزي غـيـرالـمـرغـوب فـيـه”(4). وبـطـلـهـا شـاب إنـكـلـيـزي إسـمـه Jason وصـل إلى بـلـد خـيـالي أسـمـاه الـكـاتـب Media . وكـان Jason هـذا شـابـاً يـحـاول أن يـكـتـشـف الـعـالـم الـواسـع وأن يـعـيـش تـجـارب جـديـدة خـارج مـجـتـمـعـه الـمـحـافـظ الـضّـيـق. وكـانـت الـمـديـنـة عـنـدمـا وصـلـهـا في الـقـيـلـولـة سـاكـنـة لا حـركـة فـيـهـا، أغـلـقـت أبـوابـهـا و واجـهـات مـخـازنـهـا كـمـا لـو أصـابـهـا الـطّـاعـون : The city, when he came upon it, was closed down for the midday heat as for a plague. وقـد اسـتـغـرب أهـل الـبـلـد مـن هـذا الإنـكـلـيـزي الّـذي لاقـاهـم بـدون عـجـرفـة، وسـرعـان مـا فـتـحـوا لـه أبـواب دورهـم كـمـا فـتـحـوا لـه قـلـوبـهـم . وكـان اسـتـغـراب الـجـالـيـة الـبـريـطـانـيـة مـن تـصـرفـاتـه أشـدّ. وحـاول بـعـضـهـم الـتّـقـرب مـنـه لإقـنـاعـه بـالانـضـمـام إلـيـهـم، ولـكـنّـهـم فـشـلـوا في ذلـك. وسـكـن Jason مـع حـسـن، سـائـق سـيـارة أجـرة، وأصـبـح عـشـيـقـاً لـلـمـغـنـيـة كـريـمـة كـريـم، وارتـضى أن يـعـمـل سـائـقـاً لـضـاري سـلـمـان. وبـخـروجـه مـن قـيـود الـحـضـارة الـبـريـطـانـيـة لـيـعـيـش مـثـل الـنّـاس الّـذيـن جـاء إلى بـلـدهـم، أثـار Jason  حـفـيـظـة الـمـسـؤول عـن الـجـالـيـة الـبـريـطـانـيـة في الـبـلـد : الـدّبـلـومـاسي الـشّـاذ جـنـسـيـاً  Hugh Flodden،الّـذي بـدأ بـالـضـغـط عـلـيـه لإكـراهـه عـلى الـعـودة إلى “الـصّـواب” أي أن يـتـصـرف كـإنـكـلـيـزي مـتـسـلـط في بـلـد أجـنـبي، وانـتـهى الأمـر بـتـخـريـبـه لـحـيـاتـه.

db_file_img_90436_265xauto

والـغـريـب في الأمـر هـو أنّ هـذه الـرّوايـة نـشـرت في عـام 1956 في طـبـعـة أمـريـكـيـة تـحـت عـنـوان مـخـتـلـف : “غـريـب في جـنـة عـدن  A Stranger In Eden” وبـغـلاف مـثـيـر جـنـسـيـاً !

51M2kwNOs3L._SL500_SY344_BO1,204,203,200_

وقـد نـشـر دزمـونـد سـتـيـوارت في 1954 تـرجـمـات لـنـمـاذج مـن الـشّـعـر الـعـربي مـن بـيـنـهـا قـصـائـد لـشـعـراء عـراقـيـيـن في مـجـلّـة New World Writing الّـتي كـانـت تـصـدرهـا New American Library’s Mentor . وقـد صـاحـبـت الـمـقـال رسـوم لـلـفـنـان جـواد سـلـيـم. ويـذكـر John Haylock  أنّ دزمـونـد سـتـيـوارت أعـطى بـعـض الـدّروس في الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة لـلـزّعـيـم عـبـد الـكـريـم قـاسـم في عـامي 1955ــ 1956 أي قـبـل عـامـيـن مـن ثـورة 14 تـمّـوز 1958.(5)

وفي 1956، نـشـر دزمـونـد سـتـيـوارت في الـمـجـلـد الـخـامـس مـن مـجـلـة دارالـمـعـلـمـيـن الـعـالـيـة: “صـوت الـدّار” مـقـالاً بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة عـن لـورنـس “الـعـرب” عـنـوانـه : T.E.Lawrence  and the Arabs , An Analysis . كـمـا نـشـر في نـفـس الـعـام بـالإشـتـراك مـع زمـيـلـه وصـديـقـه John Haylock الّـذي كـان يـدرّس مـعـه في بـغـداد كـتـاب: New Babylon : A Portrait of Iraq. .ويـتـكـلّـم الـكـتـاب عـن الـحـيـاة الـيـومـيـة في الـعـراق في خـمـسـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي : بـيـن الـحـداثـة والـتّـقـالـيـد. وتـصـاحـبـه عـدّة صـور بـالأبـيـض والأسـود. وقـد أثـار صـدوره انـتـقـادات الـجـالـيـة الـبـريـطـانـيـة.

بابل الجديدة

ونـحـن نـعـرف مـن عـدّة مـصـادر أنّ الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد كـانـت تـنـظـر بـريـبـة إلى تـبـنّي الـكـاتـبـيـن لـلـقـضـايـا الـعـربـيـة. ولـهـذا لـم يـجـدد عـقـداهـمـا ، وتـركـا الـعـراق في نـفـس الـعـام. ورغـم أنّ دزمـونـد سـتـيـوارت قـد تـرك الـعـراق في 1956، فـقـد ظـلّ يـتـابـع إنـتـاجـات الأدبـاء الـعـراقـيـيـن حـتّى نـهـايـة حـيـاتـه ، فـقـد نـشـر في 1976 بـالإشـتـراك مـعGeorge Masri     كـتـابـاً عـن الـشّـاعـر عـبـد الـوهـاب الـبـيـاتي : Poet of Iraq, Abdul Wahab Al-Bayati: An Introductory Essay with Translations ، وفي 1979: Abdul Wahab al-Bayati, (a short introduction and four poems, trans. Desmond Stewart and George Masri) . كـمـا صـدر في 1985، أي بـعـد وفـاتـه كـتـاب : Abdul Wahab al-Bayati, Love Under Rain (Al-hubb tahta al-matar), (transl. Desmond Stewart and George Masri)

دزمـونـد سـتـيـوارت بـيـن بـيـروت والـقـاهـرة :

وصـل دزمـونـد سـتـيـوارت وجـون هـايـلـوك إلى لـبـنـان في 1956 بـعـد أن تـركـا الـعـراق، وأقـامـا في بـيـروت لـتـدريـس الأدب الإنـكـلـيـزي فـيـهـا. وفي عـام 1958 نـشـر دزمـونـد سـتـيـوارت كـتـاب : “Turmoil in Beirut”. وتـرك بـعـدهـا بـيـروت لـيـقـيـم في الـقـاهـرة. وقـد أحـبّ هـذه الـمـديـنـة وبـقي فـيـهـا حـتّى وفـاتـه. وفي 1961 نـشـر روايـة عـن مـصـر قـبـل ثـورة 52 : “The Men of Friday”  الّـتي تـرجـمـهـا مـصـطـفى شـفـيـق تـحـت عـنـوان: “رجـال يـوم الـجـمـعـة” (6). وصـدرت في نـفـس الـعـام تـرجـمـتـه لـروايـة  فـتـحي غـانـم : “الـرّجـل الّـذي فـقـد ظـلّـه”  تـحـت عـنـوان The Man Who Lost His Shadow. 51mJ0g8p6nL._SY344_BO1,204,203,200_ وصـدرت في الـعـام الـتّـالي، 1962 تـرجـمـتـه لـروايـة عـبـد الـرّحـمـن الـشّـرقـاوي : “الأرض”  تـحـت عـنـوان : “Egyptian Earth”.

512M981D9XL._SY344_BO1,204,203,200_

وفي 1965، نـشـركـتـاب :  Cairo  الّـذي تـرجـمـه الـكـاتـب الـشّـهـيـر يـحـيى حـقي في نـفـس الـعـام تـحـت عـنـوان : ” الـقـاهـرة ” . كـمـا نـشـر كـتـاب : Great Cairo في 1968 . وفي تـلـك الـسّـنـوات صـدرت ثـلاثـيـتـه الـمـصـريـة : The Round Mosaic   في 1965 ، و The Pyramide Inch في 1966 ، و The Mamelukes  في 1968 . ونـشـر دزمـونـد سـتـيـوارت عـدّة كـتـب عـن الـعـرب والإسـلام  : ” الـعـالـم الـعـربي The Arab world ” في 1962 ، و “صـدرالإسـلام Early Islam” في سـلـسـلـة: “Great Ages of Man ”

631725 في 1967 ، و ” قـصـر الـحـمـراء The Alhambra ”  في  1974  ، و “مـكّـة Mecca ” في  1980 . كـمـا نـشـر كـتـابـاً عـن تـيـودور هـيـرتـزل : “Theodor Herzl : Artist and Politician”  في 1974 ، وكـتـابـاً عـن “لـورنـس الـعـرب T. E. Lawrence ”  في 1977. وقـد زار دزمـونـد سـتـيـوارت الـضّـفـة الـغـربـيـة مـرّتـيـن لـيـتـعـرّف عـلى أحـوال الـفـلـسـطـيـنـيـيـن تـحـت الإحـتـلال، ونـدد بـاغـتـصـاب الـسّـلـطـات الإسـرائـيـلـيـة لأراضـيـهـم وإنـشـاء الـمـسـتـعـمـرات فـيـهـا وكـتـب عـنـهـم كـتـابـاً صـدر في الـعـام الـتّـالي لـوفـاتـه : ” Palestinians: Victims of Expediency ” ( 1982). وقـد عـمـل مـراسـلاً مـن الـقـاهـرة لـمـجـلـة “مـيـدل إيـسـت The Middle East (magazine) ” الّـتي بـدأ صـدورهـا في 1971، وأظـهـر في مـقـالاتـه تـعـاطـفـاً مـع الـقـضـايـا الـعـربـيـة. وفي عـام 1981، وكـان في الـسّـابـعـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره، أدخـل إلى الـمـسـتـشـفى الأمـريـكي في الـقـاهـرة بـعـد إصـابـتـه بـمـرض غـريـب. وقـد زاره في الـمـسـتـشـفى صـديـقـه دنـيـس جـونـسـون ـ ديـفـز Denys Johnson-Davies، أشـهـر الـمـتـرجـمـيـن لـنـصـوص الأدب الـعـربي إلى الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة، ونـشـرعـن زيـارتـه هـذه مـقـالاً ذكـر فـيـه أنّ دزمـونـد سـتـيـوارت كـان يـعـتـقـد بـأنّـه سُـمـم لـمـسـانـدتـه لـلـفـلـسـطـيـنـيـيـن.(7) وقـد نُـقـل بـعـد ذلـك إلى مـسـتـشـفى في لـنـدن وتـوفي فـيـهـا.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1)  نـال صـالـح أحـمـد الـعـلي شـهـادة الـدّكـتـوراه في الـتّـاريـخ مـن جـامـعـة أوكـسـفـورد في 1949.  (2)  تـشـكّـلـت الـجـمـاعـة في بـغـداد عـام 1946. (3)  صـدرت الـطّـبـعـة الأولى مـن روايـة ” شـارع الأمـيـرات ” في 1994. (4)  بـغـداد ، مـطـبـعـة الـبـرهـان 1959. (5)  في مـقـالـه عـن دزمـونـد سـتـيـوارت في :  The Oxford Dictionary of National Biography

(6) يـكـتـب الـمـصـريـون اسـمـه بـالـعـربـيـة : ديـزمـونـد أي بـإضـافـة يـاء.  (7) نـشـرت تـرجـمـة عـربـيـة لـلـمـقـال في جـريـدة الـبـيـان الـصّـادرة في 31/12/ 2012.

إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

sabahalnassery بـيـن دجـلـة والـفـرات مـدونـة الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

living-240

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

لـم يـكـن في بـدايـة حـيـاة إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت  Staudt Ida Donges مـا يـوحي بـالـمـغـامـرة الّـتي سـتـقـوم بـهـا في الـشّـرق : فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد مـع زوجـهـا وإدارتـهـا مـا يـقـارب الـرّبـع قـرن، فـقـد تـخـرّجـت إيـدا مـن مـعـهـد في مـديـنـة صـغـيـرة في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، والـتـقـت بـكـالـفـن سـتـوات Staudt Calvin الّـذي كـان قـد تـخـرّج مـن Franklin and Marshall College في1900، ثـمّ مـن حـلـقـة لانـكـسـتـر الـلاهـوتـيـة في 1903، وهي الـسّـنـة الّـتي تـزوجـهـا فـيـهـا. وسـافـرا إلى شـيـكـاغـو الّـتي حـصـلـت إيـدا مـنـهـا عـلى بـكـالـوريـوس في الـفـلـسـفـة ونـال مـنـهـا زوجـهـا شـهـادة الـدّكـتـوراه. وقـد مـارس الـدّكـتـور سـتـاوت الـتّـدريـس وعـمـل كـرجـل ديـن في نـفـس الـوقـت إلى عـام 1914. وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب انـخـرط فـيـهـا كـمـعـلـم ومـسـؤول ديـني.

وبـعـد أن انـتـهـت الـحـرب سـافـرت إيـدا وزوجـهـا إلى بـيـروت ودرّسـا مـن 1919 إلى 1922. درّس الـدّكـتـور سـتـاوت في الـجـامـعـة الأمـريـكـيـة وفي مـعـهـد ديـني ، بـيـنـمـا درّسـت زوجـتـه في  The Americain Girls School.

وفي 1924 قـبـلـت إيـدا مـع…

View original post 4٬101 more words

الـعـرب وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد

قرقر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

الـقـسـم الأوّل : بـدايـة ظـهـور الـعـرب في الـنّـصـوص الآشـوريـة :

تـأتي مـعـرفـتـنـا بـتـاريـخ الـعـرب في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد خـاصـة مـن الـنّـصـوص الآشـوريـة والـبـابـلـيـة الـحـديـثـة الّـتي كـانـت تـسـتـعـمـل الـلـغـة الأكّـديـة (بـالـلـهـجـتـيـن الـبـابـلـيـة والآشـوريـة) والـمـسـجـلـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة. وقـد وجـد الـمـنـقـبـون كـثـيـراً مـن الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الّـتي كـانـت تـسـجّـل الأحـداث الـمـهـمـة لـكـلّ سـنـة مـن سـنـوات حـكـم مـلـوكـهـا مـكـتـوبـة عـلى ألـواح طـيـنـيـة أو مـنـقـوشـة عـلى الألـواح الـحـجـريـة الّـتي كـانـت تـغـطي جـدران قـصـورهـم. كـمـا وجـدوا نـصـوصـاً إداريـة مـهـمّـة وخـاصـة وثـائـق الـعـهـود الّـتي بـرمـوهـا مـع جـيـرانـهـم أو الـضّـرائـب الّـتي فـرضـوهـا عـلـيـهـم وجـبـوهـا مـنـهـم.

وقـبـل أن نـبـدأ بـالـكـلام عـن الـعـرب في الـنّـصـوص الآشـوريـة والـبـابـلـيـة  أودّ أن أذكـر الـقـارئ بـأنّ الـلـغـة الأكّـديـة (الـبـابـلـيـة ــ الآشـوريـة) لا تـفـرّق في كـتـابـتـهـا الـمـسـمـاريـة بـيـن الـتّـاء والـثّـاء والـطـاء فـهي تـكـتـبـهـا كـلّـهـا بـالـتّـاء، كـمـا أنّـهـا لا تـفـرّق بـيـن الـدّال والـذّال ولا بـيـن الـهـمـزة والـعـيـن، ولـيـس فـيـهـا ضـاد ولا ظـاء، مـمـا يـجـعـل إيـجـاد الـلـفـظ الـصّـحـيـح لـلأسـمـاء الـعـربـيـة الـمـذكـورة فـيـهـا شـديـد الـصّـعـوبـة. ويـمـكـن إذن إيـجـاد نـفـس هـذه الأسـمـاء مـكـتـوبـة بـطـريـقـة مـخـتـلـفـة في دراسـات أخـرى.

أوّل ذكـر لـلـعـرب في الـتّـاريـخ :

ظهـرت كـلـمـة “العـربي” لأوّل مـرّة  في الـتّـاريـخ  في نـصّ  لـلـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث يـفـتـخـر فـيـه بـانـتـصـاره سـنـة  853 قـبـل الـمـيـلاد في معـركـة قـرقـر عـلى تـحـالـف “مـلـوك” مـنـاطـق غــرب نهـر الـفـرات. وكـان مـن بـيـنـهـم  جـنـدبُ “العـربي” الّـذي شـارك بـألـف جـمـل يـركـبـهـا ألـف مـقـاتـل.  والـنّـص مـنـقـوش عـلى مـسـلّـة حـجـريـة تـدعى بـ “حـجـر كُـرخ ” مـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن.

مـعـركـة قـرقـر:

وقـعـت مـعـركـة قـرقـر سـنـة 853 قـبـل الـمـيـلاد، قـرب قـريـة قـرقـر في وادي نـهـر الـكـلـب في سـوريـا. وكـان الـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث قـد أراد الـوصـول إلى مـا لـم يـسـتـطـع أبـوه الـمـلـك آشـور نـاصـربـال تـحـقـيـقـه، أي الـسّـيـطـرة عـلى شـمـال سـوريـا ومـنـطـقـة سـيـلـيـسـيـا. وبـدأ بـتـعـزيـز سـيـطـرتـه عـلى شـمـال الـفـرات الّـذي شـيّـد فـيـه عـدداً مـن الـحـصـون، ثـمّ جـمـع جـيـشـاً جـرّاراً سـيّـره إلى سـوريـا ومـنـطـقـة سـيـلـيـسـيـا. ووصـل جـيـشـه إلى وسـط سـوريـا، وهـنـاك لاقى قـوّات كـلّ مـمـالـك الـمـنـطـقـة الّـتي اجـتـمـعـت لـقـتـالـه.

ويـسـجـل الـنّـصّ الّـذي أمـر سـلـمـان أصـر الـثّـالـث بـنـقـشـه بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة عـن مـعـركـة قـرقـر أعـداد الـمـقـاتـلـيـن في صـفـوف قـوّات الـمـمـالـك الـصّـغـيـرة الـمـعـاديـة ولـكـنّـهـا لـم تـذكـر أعـداد الـجـنـود الآشـوريـيـن. ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر أنّـهـم كـانـوا عـلى الأقـل بـنـفـس كـثـرة أعـدائـهـم. كـمـا ذكـر مـؤلـفـو سـفـر الـمـلـوك في الـتّـوراة أعـداداً مـخـتـلـفـة. وكـانـت غـالـبـيـة جـنـود الآشـوريـيـن مـن الـمـشـاة، وكـان بـيـنـهـم أعـداد كـبـيـرة مـن الـرّمـاة تـحـمـيـهـم صـفـوف مـن حـامـلي الـرّمـاح الـمـدرعـيـن والـمـحـتـمـيـن بـالـتّـروس. وكـان في الـجـيـش خـيّـالـة، وعـربـات ثـقـيـلـة يـركـبـهـا ثـلاثـة أو أربـعـة مـن الـجـنـود وتـجـرّهـا أربعـة خـيـول تـهـجـم عـلى خـطـوط الأعـداء لـتـفـتـح فـيـهـا ثـغـرات. أمّـا قـوّات الـتّـحـالـف الّـتي واجـهـتـهـم فـقـد بـعـثـتـهـا مـمـالـك مـتـنـافـسـة كـانـت تـتـقـاتـل في مـا بـيـنـهـا قـبـل أن يـجـمـعـهـا الـخـطـر الـمـشـتـرك : قـوات حـداد إدري مـلـك دمـشـق الآرامي، وإرحـولـيـني مـلـك حـمـاه، وأشـعـب مـلـك إسـرائـيـل، وجِـنـدبُ مـلـك الـعـرب إلى جـانـب قـوّات الـمـدن الـفـنـيـقـيـة : أوسـنُ وجـبـيـل وعـرقـا وشـيـانُ، وكـتـيـبـة مـصـريـة. وكـانـت أعـداد جـنـودهـم تـتـنـاسـب مـع قـدرات كــلّ مـنـهـم  وإمـكـانـيـاتـه. ولا شـكّ في أنّ الـنّـصّ بـالـغ في أهـمـيـتـهـا لـيـزيـد مـن قـيـمـة انـتـصـاره عـلـيـهـا.

ولـم يـذكـر الـنّـقـش ولا الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة كـيـف جـرت الـمـعـركـة، ولـكـنّ حـولـيـات سـلـمـان أصـر الـثّـالـث تـذكـر أنّـه انـتـصـر عـلى أربـعـة عـشـر ألـف جـنـدي. ونـعـرف مـنـهـا أنّ قـوّات الآشـوريـيـن انـسـحـبـت مـن الـمـنـطـقـة بـعـد الـمـعـركـة، ولـم تـحـاصـر عـواصـم الـمـمـالـك الّـتي تـحـالـفـت ضـدّهـا. وتـذكـر الـنّـصـوص الآشـوريـة عـدداً مـن الـمـنـاوشـات في الـسّـنـوات الـتّـالـيـة وبـعـض هـجـمـات آشـوريـة عـلى مـدن الـمـتـحـالـفـيـن ضـدّهـم.

ومـازال الـبـاحـثـون يـتـنـاقـشـون في مـعـنى كـلـمـة “عـربي” في هـذا الـنّـصّ : هـل تـعـني  مـن كـان يـنـتـمي إلى أٌقـوام مـخـتـلـفـة عـن سـائـر الأقـوام الـسّـامـيـة لـهـم لـغـتـهـم الـخـاصـة وتـركـيـبـاتـهـم الـسّـيـاسـيـة والإجـتـمـاعـيـة الـخـاصـة بـهـم، أم تـعـني مـن يـنـتـمى إلى قـبـائـل الـرّحـل مـهـمـا كـانـت لـغـتـه وانـتـمـاؤه الـقـومي.

الآشـوريـون والـعـرب :

وكـان الآشـوريـون يـحـرسـون الـحـدود الـجـنـوبـيـة الـغـربـيـة لـدولـتهـم  ويـراقـبـونـهـا بـحـذر، فـقـد كـانـت بـلاد الـعـرب تـلامـس حـدودهـم: تـبـدأ في الـبـاديـة غـرب الـفـرات. وكـان الـعـرب إمّـا أعـرابـاً بـدواً يـتـنـقّـلـون مـع قـطـعـانـهـم ، أو تـجّـاراً يـتـنـقـلـون لـبـيـع وشـراء الـبـضـائـع في  قـوافـل أو مـسـلـحـيـن يـحـمـون الـقـوافـل أو مـزارعـيـن أو رعـاة في واحـات واسـعـة مـثـل تـدمـر وتـيـمـاء و دومـة الـجـنـدل (دومـاتـو بـالـلـغـة الأكّـديـة) وديـدان (وادي الـعـلا). وكـانـت هـذه الـواحـات مـراكـز ديـنـيـة أيـضـاً يـلـتـقي فـيـهـا الـبـدو والـحـضـر في الأعـيـاد. ويـبـدو أنّ تـيـمـاء كـانـت مـركـز عـبـادة سـيـن، إلـه الـشّـمـس، بـيـنـمـا كـانـت أتّـر سـمـيـن (أتّـر الـسّـمـاوات) أهـمّ آلـهـة دومـة الـجـنـدل. وكـان الآشـوريـيـون يـشـبـهـون أتّـر سـمـيـن بـعـشـتـار.

وكـان مـن مـارسـوا الـتّـجـارة مـن الـعـرب قـد دخـلـوا في الـهـلال الـخـصـيـب مـنـذ الـقـرن الـثّـامـن ق. م. وأقـام بـعـضـهـم فـيـه. وكـانـت قـوافـلـهـم قـوافـل جـمـال، وبـهـذا امـتـازوا عـلى بـاقي تـجّـار الـشّـرق الأدنى الّـذيـن لـم يـكـونـوا يـمـتـلـكـون إلّا الـحـمـيـر. وهي حـيـوانـات أقـلّ مـقـاومـة مـن الـجـمـال وأقـلّ تـحـمّـلاً لـقـسـاوة الـبـيـئـة والـطّـقـس. وكـانـت أعـداد الـجـمـال في قـوافـلـهـم تـصـل في بـعـض الأحـيـان إلى 300 جـمـل يـصـحـبـهـا مـا يـقـارب هـذ الـعـدد مـن الـرّجـال. وكـانـوا يـتـاجـرون بـسـلـع ثـمـيـنـة : مـنـتـوجـات الـيـمـن مـن عـطـور وبـخـور ولـبـان، كـمـا كـانـوا يـتـاجـرون بـالـصّـوف الـمـصـبـوغ بـالأرجـوان وبـالـحـديـد والـبـلـق الألـبـاتـري وكـلّ مـا كـانـت حـيـاة الـتّـرف والـبـذخ شـرقي الـفـرات، في آشـور وبـابـل، تـحـتـاج إلـيـه. يـشـتـرونـهـا في مـصـر ويـوصـلـونـهـا بـأقـصـر الـطّـرق وأسـرعـهـا مـن الـبـحـر الأحـمـر إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. وكـانـت هـذه الـطّـريـق طـويـلـة في الـبـدايـة : يـمـرّون بـداخـل مـنـاطـق الـهـلال الـخـصـيـب الـمـأهـولـة بـالـسّـاكـنـيـن ويـجـتـازون أكـثـر مـن 1800 كـلـم. ثـمّ اخـتـصـروهـا إلى أقـلّ مـن نـصـفـهـا عـنـدمـا سـلـكـوا طـريـق دمـشـق إلى الـفـرات مـروراً بـتـدمـر. ثـمّ دفـعـهـم إقـدامـهـم إلى سـلـوك طـريـقـيـن جـنـوبـيـتـيـن : تـنـطـلـق أولاهـمـا مـن الـبـحـر الأحـمـر إلى تـيـمـاء ثـمّ دومـة الـجـنـدل وتـصـل إلى بـلاد بـابـل ، بـيـنـمـا تـتـجـه الـثّـانـيـة إلى يـثـرب ثـمّ حـائـل لـتـصـل مـبـاشـرة إلى أور في بـلاد سـومـر.

وكـانـت الـقـوافـل تـجـتـاز الـصّـحـراء في ظـروف شـديـدة الـقـسـوة مـع أنّـهـا كـانـت تـتـحـاشى الأشـهـر الّـتي تـشـتـدّ فـيـهـا الـحـرارة. وكـانـت تـسـيـر ابـتـداءً مـن كـانـون الأوّل وتـتـوقـف بـعـد شـهـرآذار. كـمـا كـانـت عـرضـة لـلـنّـهـب والـسّـلـب والـهـلاك. وكـان الـتّـجـار يـدفـعـون أحـيـانـاً مـكـوسـاً لـلآشـوريـيـن لـيـمـرّوا في الـمـنـاطـق الّـتي يـحـكـمـونـهـا. وتـذكـر حـولـيـات الـمـلـك الآشـوري تـغـلـت فـلـيـسـر الـثّـالـث أنّـه اسـتـلـم مـن مـمـلـكـة سـبـأ ومـن قـبـائـل شـمـال جـزيـرة الـعـرب جـمـالاً وأنـواعـاً مـن الـتّـوابـل والـعـطـور. وكـانـوا يـعـتـمـدون عـلى أنـفـسـهـم في حـمـايـة قـوافـلـهـم عـنـدمـا لـم تـعـد هـذه الـمـنـاطـق تـحـت سـيـطـرة الآشـوريـيـن ولـم يـعـد هـنـاك قـوّات تـحـمـيـهـا.

وكـان بـعـض هـؤلاء الـعـرب قـد اسـتـوطـنـوا في بـلاد بـابـل مـنـذ الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد. مـنـهـم مـن كـانـوا يـزرعـون الأرض ومـنـهـم مـن كـانـوا يـبـيـعـون الـسّـلـع الّـتي تـجـلـبـهـا الـقـوافـل أو يـتـاجـرون بـهـا مـع مـدن غـرب الـجـزيـرة الـعـربـيـة.

أمّـا الأعـراب الـرّحـل فـقـد كـانـوا بـعـيـديـن تـمـام الـبـعـد عـن حـيـاة الـمـتـحـضـريـن. وقـد تـفـنـن كـتّـاب الآشـوريـيـن ونـحّـاتـوهـم في إظـهـارغـرابـة حـيـاة هـؤلاء الأعـراب وعـاداتـهـم. فـالـمـقـاطـع الّـتي خـصـصـهـا لـهـم كـتّـاب الـدّيـوان  في الـنّـصـوص الـرّسـمـيـة تـعـدّ مـن بـيـن أجـمـل مـا كـتـبـوا ، والـمـنـحـوتـات الـجـداريـة الّـتي تـروي حـروب الآشـوريـيـن ضـدّهـم كـانـت تـغـطي جـدران قـاعـة كـامـلـة في قـصـر الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال في نـيـنـوى. ويـمـكـنـنـا أن نـفـهـم دهـشـة الآشـوريـيـن مـن عـادات هـؤلاء الأعـراب ومـن تـقـالـيـدهـم ، فـقـد كـانـوا يـعـيـشـون في خـيـام، وبـعـض قـبـائـلـهـم تـحـكـمـهـا مـلـكـات يـصـطـحـبـن مـعـهـنّ أصـنـام آلـهـتـهـنّ في تـنـقـلاتـهـنّ. ورغـم أنّ الآشـوريـيـن كـانـوا يـعـرفـون جـيـرانـهـم الأعـراب مـعـرفـة جـيّـدة ، أحـسـن بـكـثـيـر مـمـا كـانـوا يـعـرفـون أقـوام أنـضـولـيـا مـثـلاً، فـهـم لـم يـنـتـبـهـوا لـمـا كـان يـجـري مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، أي تـقـدم الـعـرب نـحـو عـدّة مـنـاطـق في نـفـس الـوقـت، فـقـد وسـعـوا أمـاكـن تـنـقّـلـهـم نـحـو دمـشـق ونـحـو تـدمـر ونـحـو شـرق الأردن. ولـم يـكـن هـذا الـتّـوسـع في نـظـر الآشـوريـيـن إلّا غـزوات نـهـب كـانـت تـجـري بـعـيـداً عـنـهـم، في أطـراف دولـتـهـم . ولـم يـنـتـبـهـوا إلى أنّ حـركـة الـتّـوسّـع تـلـك كـانـت حـركـة عـمـيـقـة الـتّـجـذر انـطـلـقـت مـن جـنـوب الـجـزيـرة الـعـربـيـة واخـتـرقـتـهـا بـكـامـلـهـا، ولـم يـنـتـبـهـوا إلى أهـمـيـة الـغـنـائـم الّـتي اكـتـسـبـوهـا في تـقـدّمـهـم في الـمـنـاطـق الّـتي تـغـلّـبـواعـلـيـهـا.

الـقـسـم الـثّـاني : الـعـرب في الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الآشـوريـة  :

عرب 8

رأيـنـا في الـقـسـم الأوّل مـن هـذا الـبـحـث كـيـف ظهـرت كـلـمـة “العـربي” لأوّل مـرّة في الـتّـاريـخ  في نـصّ  لـلـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث في سـنـة  853. وسـنـتـكـلّـم في هـذا الـقـسـم عـن عـلاقـات الـعـرب بـالآشـوريـيـن في الـقـرنـيـن الـثّـامـن والـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد خـلال حـكـم تـجـلـت فـلـيـسـر الـثّـالـث وسـرجـون الـثّـاني وسـنـحـاريـب  وعـسـرحـدون.

وأودّ أن أذكـر الـقـارئ هـنـا مـرّة ثـانـيـة بـأنّ الـلـغـة الأكّـديـة (الـبـابـلـيـة ــ الآشـوريـة) لا تـفـرّق في كـتـابـتـهـا الـمـسـمـاريـة بـيـن الـتّـاء والـثّـاء والـطـاء فـهي تـكـتـبـهـا كـلّـهـا بـالـتّـاء، كـمـا أنّـهـا لا تـفـرّق بـيـن الـدّال والـذّال ولا بـيـن الـهـمـزة والـعـيـن، ولـيـس فـيـهـا ضـاد ولا ظـاء. كـمـا أنّ الـجـيـم تـلـفـظ  فـيـهـا دائـمـاً مـثـل الـجـيـم الـمـصـريـة في (يـا جـدع) أو الـقـاف الـبـغـداديـة في (قـلـبي) مـمـا يـجـعـل إيـجـاد الـلـفـظ الـصّـحـيـح لـلأسـمـاء الـمـذكـورة فـيـهـا شـديـد الـصّـعـوبـة. ويـمـكـن إذن إيـجـاد نـفـس هـذه الأسـمـاء مـكـتـوبـة بـطـرق مـخـتـلـفـة : تـجـلـت أو تـغـلـت أو تـقـلـت مـثـلاً.

تـجـلـت فـلـيـسـر الـثّـالـث : (إسـمـه بـالآشـوريـة : تـوكـولـتي أبِـل إشّـارا ، حـكـم بـيـن 745 و 727 قـبـل الـمـيـلاد).

تـوسّـعـت الـدّولـة الآشـوريـة تـوسـعـاً كـبـيـراً نـحـو الغـرب في الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، وهـكـذا ازداد ظهـور العـرب في الـنّـصـوص الآشــوريـة بـازديـاد عـلاقـاتهـم بهـم. ونجـد في 738  قـبـل الـمـيـلاد، بـيـن مـن دفـع الـضّـرائـب لـلـمـلـك الآشـوري تـجـلـت فـلـيـسر الـثّـالـث  “زبـيـبـة ، مـلـكـة العـرب”.

كـمـا تـذكـر أجـزاء مـن لـوح مـهـشّـم مـن نـفـس الـفـتـرة أنّ الـمـلـك الآشـوري اسـتـولى، بـعـد أن قـمـع تـمـرداً  ضـدّه، عـدة أراضي مـن بـيـنـهـا مـضـارب إديـبي إلـو (عـديـبي عـلـو؟) الـعـربي.

وبـعـد أربـع سـنـوات مـن ذلـك، نـقـرأ في نـصّ آشــوري أنّ “شــمـسـي مـلـكـة العـرب” كـانـت قـد “نـكـثـت عـهـدهـا [الّـذي أقـسـمـت عـلـيـه] أمـام [الإلـه] شـمـش” وتـحـالـفـت ضـدّ الآشــوريـيـن مـع  صـور ودمـشـق وإسـرائـيـل. وقـد هـربـت ناجـيـة بـنـفـسـهـا بعـد انـتـصـار الجـيـش الآشــوري عـلى قـوّات الـتّحالـف.

ويـذكـر الـمـلـك في الـنّـصّ  :”أمّـا شـمـسي، مـلـكـة الـعـرب في تـلّ سـقـوري، فـقـد قـتـلـتُ 9400 مـن مـقـاتـلـيـهـا ، وأسـرت مـائـة ألـف مـن رجـالـهـا، وأخـذت 30،000 مـن جـمـالـهـا و20،000 رأس مـن قـطـعـانـهـا، و5000 حِـقّ مـلـيـئـة بـالـتّـوابـل، وأخـذت آلـهـتـهـا ومـمـتـلـكـاتـهـا. ولـكي تـنـجـو بـنـفـسـهـا هـربَـت إلى الـبـاديـة مـثـل أتـان. وأشـعـلـتُ الـنّـار في مـا بـقي مـن خـيـامـهـا. وشـمـسي الّـتي ارتـعـبـت مـن قـوة سـلاحي جـاءت إلى آشـور ووقـفـت بـيـن يـديَّ وجـلـبـت لي مـعـهـا الـبـعـران والـنّـوق وصـغـار الإبـل. وعـيّـنـتُ مـسـؤولاً (قـيـفـو) لـيـشـرف عـلـيـهـا، وجـاء عـشـرة آلاف مـقـاتـل يـركـعـون أمـامي ويـقـبـلـون قـدمَيَّ : أقـوام مـسـع وتـيـمـاء وسـبـأ وحـيّـافـة وبـدانـو وخـطّي وإدبـا أيـلـو (عـدبـا عـيـلـو) مـن الـبـلاد الّـتي تـغـرب عـلـيـهـا الـشّـمـس”.

سـلّـمـت شـمـسي نـفـسـهـا إذن لـلـمـلـك الآشــوري فـعـفـا عـنهـا وأبـقـاهـا مـلـكـة عـلى العـرب ولـكـن تحـت إشــراف مســؤول آشــوري. ويـظـهـر مـن الـغـنـائـم الّـتي أخـذهـا تـغـلـت فـلـيـسـر مـن شـمـسي والّـتي صـارت مـن نـصـيـب ابـنـه ولـيـد الـعـهـد سـرجـون، أنّ مـمـتـلـكـاتـهـا لـم تـكـن تـأتـيـهـا مـن مـراعـيـهـا فـقـط وإنّـمـا مـن مـشـاركـتـهـا في تـجـارة الـقـوافـل. كـمـا يـدلّ قـرار الـمـلـك الآشـوري بـإبـقـاء شـمـسي “مـلـكـة عـلى الـعـرب” رغـم تـمـرداتـهـا عـلى رغـبـتـه في أنّ تـسـتـمـر تـجـارة الـقـوافـل الّـتي كـانـت تـمـرّ بـأراضي دولـتـه وفي تـحـاشي أن تـؤثـر الإضـطـرابـات عـلـيـهـا.

كـمـا أنّ سـيـاسـة الآشـوريـيـن كـانـت في اسـتـعـمـال الـعـرب مـثـل قـبـيـلـة عـدبي عـيـلـو لـيـحـرسـوا لـهـم بـعـض حـدودهـم، وقـد عـيّـن شـيـخـهـم “حـارسـاً (أتـوتـو)” لـحـدود جـنـوب غـرب فـلـسـطـيـن، أي الـحـدود مـع مـصـر.

ونـجـد في قـوائـم أسـمـاء الـبـدو في نـصـوص زمـن تـجـلـت فـلـيـسـر: قـبـائـل مـسـع (أو مـسـعـة) وتـيـمـاء وسـبـأ وحـفـا (أو خـفـا ) وبَـدانـا وحـطـيـطـا (أو خـطـيـطـا) وإدبـا إيـلا (أو عـدبي عـيـلا).

سـرجـون الـثّـاني :

وبعـد عـدّة ســنـوات ، نـقـرأ في نـصّ لـلـمـلـك ســرجـون الـثّـاني (إسـمـه بـالآشـوريـة : شَـرو كـيـن، أي الـمـلـك الـشّـرعي أو الـمـلـك الـحـق. حـكـم مـن 721 إلى  705 ق. م.) يـعـود إلى الـسّـنـة الـخـامـسـة مـن حـكـمـه أي 716 ق. م. عـن انـتـصـاره عـلى  أقـوام ثـمـود  وعـبـاديـدي  ومـرسـيـمـاني  وعـفـه  “مـن الـعـرب الّـذيـن يـسـكـنـون أمـاكـن بـعـيـدة مـن الـبـاديـة”، ونـفى مـن نـجـا مـنـهـم مـن الـقـتـل إلى فـلـسـطـيـن. كـمـا ذكـر نـفـس الـنّـصّ أنّـه اسـتـلـم ضـرائـب مـن فـرعـون مـصـر ومـن شـمـسي، مـلـكـة الـعـرب، ومـن مـلـك ســبـأ.

ونـحـن لا نـعـرف إلّا الـقـلـيـل عـن الـتّـنـظـيـم الـسّـيـاسي لـلـعـرب في ذلـك الـزّمـن. ونـعـرف مـثـلاً أنّـهـم كـانـوا يـنـتـمـون إلى قـبـائـل، وأنّ هـذه الـقـبـائـل كـانـت تـتـجـمّـع أحـيـانـاً تـحـت رئـاسـة شـيـخ واحـد. وكـانـت قـبـائـل قِـدَر الـمـجـمـوعـة الـرّئـيـسـيـة لـلـعـرب في سـوريـا وشـمـال جـزيـرة الـعـرب. كـمـا ذكـرت الـنّـصـوص قـبـائـل ثـمـود وبـنـيـوت ومـسـع الّـتي كـانـت مـضـاربـهـا بـيـن تـيـمـاء ودومـة الـجـنـدل. وتـسـمي الـنّـصـوص رؤسـاءهـم “مـلـوكـاً”، وكـان لـهـم كـمـا رأيـنـا “مـلـكـات”. وربّـمـا كـانـت “الـمـلـكـات”  كـاهـنـات أيـضـاً.

ونـجـد في قـوائـم أسـمـاء الـبـدو في نـصـوص زمـن سـرجـون الـثّـاني : قـبـائـل حَـيـافـا و ثـمـودي وإبـادي (عـبـادي) ومـرسـيـمـاني. وتـذكـر نـصـوص زمـن الـمـلـك سـرجـون : “شـيـخ (نـسـيـكـو) مـديـنـة لَـبَـن” رئـيـس إحـدى هـذه الـقـبـائـل الّـذي كـان مـسـؤولاً عـن وادي العـريـش وعـن بـدو سـيـنـاء. كـمـا تـذكـر الـمـسـلّـة الّـتي وجـدت في مـوقـع نـمـرود أنّ “نـاس مـصـر والـعـرب” ارتـعـبـوا عـنـدمـا سـمـعـوا بـانـتـصـارات سـرجـون الـثّـاني الـبـطـولـيـة ، وربّـمـا دلّـنـا ذلـك عـلى أنّ بـعـض الـعـرب في الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد كـانـوا قـد اسـتـقـرّوا في سـيـنـاء.

سـنحـاريـب :

وقـد كـان سـنـحـاريـب، إبـن الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني (إسـمـه بـالآشـوريـة : سـيـن أخي إربـا ، حـكـم مـن سـنـة 705 إلى سـنـة 681 قـبـل الـمـيـلاد) يـعـامـل الـعـرب بـنـفـس الـطّـريـقـة الّـتي كـان يـعـامـل بـهـا كـلّ أقـوام أطـراف دولـتـه : يـفـاوضـهـم ويـتـفـاهـم مـعـهـم عـنـدمـا يـسـتـطـيـع ذلـك. ويـلـجـأ إلى الـعـنـف والـقـوّة إذا اسـتـدعى الأمـر ذلـك.

ولـكـنّ طـبـيـعـة الـعـلاقـات بـيـن الآشـوريـيـن والـعـرب تـغـيّـرت عـنـدمـا حـدثـت اضـطـرابـات في بـابـل وأصـبـحـت مـصـدر هـمّ الآشـوريـيـن الـرّئـيـسي. وكـان الـعـرب قـد تـحـالـفـوا مـع الـمـتـمـرديـن (الّـذيـن نـصـبـوا الــكـلـداني مـيـروداخ بـالَـدان الـثّـاني مـلـكـاً عـلى بـابـل) ضـدّ الآشـوريـيـن. وقـد قـاد سـنـحـاريـب أولى حـمـلاتـه الـعـسـكـريـة في 703 ق. م. ضـدّ تـمـرّد الـكـلـدانـيـيـن ورئـيـسـهـم مـيـروداخ بـالـدان في بـابـل، والّـذيـن كـان يـسـانـدهـم جـيـش عـيـلامي. وبـعـد أن هـرب مـيـروداخ بـالـدان وانـتـصـر سـنـحـاريـب عـلـيـهـم وفـتـح بـابـل وخـرّبـهـا سـنـة 689 ق. م. أسـر عـدداً مـن قـادة الـتّـمـرّد ومـن بـيـنـهـم  “بـاسـقـانـو شـقـيـق يـاتـيـعي، مـلـكـة الـعـرب”. وهـذه هي الـمـرّة الأولى الّـتي يـذكـر فـيـهـا نـصّ آشـوري جـمـاعـة مـن الـعـرب في بـابـل.

عرب 10

وقـد بـعـث مـلـك سـبـأ كـربـيـئـل لـسـنـحـاريـب بـعـد انـتـصـاره عـلى بـابـل عـطـوراً وأحـجـار كـريـمـة. وقـد أودعـهـا سـنـحـاريـب في أسـاس بـنـاء مـعـبـد رأس الـسّـنـة الـجـديـد الّـذي أمـر بـتـشـيـيـده في مـديـنـة آشـور.

وبـعـد نـهـايـة سـرد حـمـلـة سـنـحـاريـب الـثّـامـنـة (691 ق. م.) ذكـرت الـحـولـيـات مـطـاردة قـوّات آشـوريـة لـمـجـمـوعـة مـن أعـراب الـبـاديـة يـقـودهـا خـزعـل “مـلـك قِـدَر”، وتـعـلـهـونُ  “مـلـكـة الـعـرب”. وقـد انـتـصـرت عـلـيـهـم وطـاردتـهـم حـتّى أدومـاتـو (دومـة الـجـنـدل) في شـمـال جـزيـرة الـعـرب. وبـعـثـت تـعـلـهـونُ أسـيـرة إلى بـلاد آشـور مـع كـلّ الـغـنـائـم الّـتي نـهـبـت مـن عـشـيـرتـهـا ومـن بـيـنـهـا أصـنـام آلـهـة الـعـرب. أمّـا خـزعـل فـقـد احـتـفـظ بـسـلـطـتـه ولـكـن عـلى شـرط أن يـدفـع ضـريـبـة فـادحـة لـلآشـوريـيـن.

ولـم تـكـن لـلآشـوريـيـن هـذه الـعـلاقـات الـمـتـوتـرة إلّا مـع بـعـض الـعـرب، أمّـا بـعـضـهـم الآخـر فـقـد أدركـوا أن مـصـالـحـهـم وخـاصـة الـتّـجـاريـة مـنـهـا تـجـبـرهـم عـلى تـقـبّـل سـيـطـرة الـمـلـوك الآشـوريـيـن، سـلاطـيـن جـزء كـبـيـر مـن الـعـالـم في ذلـك الـزّمـن. ونـجـد في الـنّـصـوص الإداريـة الآشـوريـة ذكـراً لـهـدايـا بـعـثـهـا سـكـان واحـة تـيـمـاء مـثّـلاً.  وكـانـت سـيـاسـة الآشـوريـيـن عـامـة تـهـدف إلى إدخـال الـعـرب تـحـت سـيـطـرتـهـم لـمـراقـبـتـهـم أوّلاً وكـذلـك لـجـذب قـوافـلـهـم الـتّـجـاريـة نـحـو الـمـوانئ الـتّـابـعـة لـهـم.

عـسـر حـدون :

وتـقـصّ عـلـيـنـا حـولـيـات الـمـلـك عـسـر حـدون، إبـن الـمـلـك سـنـحـاريـب (إسـمـه بـالآشـوريـة : آشـور أخـا إدّيـنـا. حـكـم مـن 680 إلى 669 ق. م.) تـكـمـلـة مـا حـدث لـخـزعـل “مـلـك قِـدَر” ، فـقـد رجـا خـزعـل الـمـلـك الآشـوري أن يـعـيـد لـه أصـنـام آلـهـتـه الّـتي كـان سـنـحـاريـب قـد نـقـلـهـا إلى آشـور. وقـد اسـتـجـاب عـسـر حـدون لـطـلـبـه عـلى شـرط أن يـزيـد مـن الـضّـريـبـة الّـتي كـان يـدفـعـهـا لـلـمـلـك. وبـعـد مـوت خـزعـل، حـوالي سـنـة 677 ق.م. وافـق الـمـلـك الآشـوري عـلى تـعـيـيـن ابـنـه يـوثـع خـلـفـاً لـه. وبـالـمـقـابـل أضـاف يـوثـع عـلى الـضـريـبـة الّـتي كـان يـدفـعـهـا أبـوه : ” عـشـر (مـيـنـا) مـن الـذّهـب و 1000 مـن الأحـجـار الـكـريـمـة وخـمـسـيـن جـمـلاً وألـف حـقّ مـن الـجـلـد مـلـيـئـة بـالـتّـوابـل”. وقـد سـاعـد الـمـلـك الآشـوري يـوثـع بـن خـزعـل عـلى الإنـتـصـار عـلى مـنـافـسـيـه وإقـرار سـلـطـتـه. ويـذكـر نـصّ يـعـود تـاريـخ كـتـابـتـه إلى سـنـة 673 ق. م. تـمـرد عـوابـو وحـلـفـائـه مـن عـرب كـالـيـشُ عـلى سـلـطـة يـوثـع بـن خـزعـل، وقـمـع يـوثـع لـلـتـمـرد بـمـسـاعـدة الآشـوريـيـن. ولـكـنّ يـوثـع تـمـرد عـلى الـمـلـك الآشـوري بـدلاً مـن الإعـتـراف لـه بـجـمـيـلـه. وهـرب أمـام الـقـوات الآشـوريـة الّـتي سـارت نـحـوه سـنـة 669 ق.م. وأخـذت مـن جـديـد “آلـهـة الـعـرب”  ومـن بـيـنـهـا أتـر سـمـايـن إلى مـديـنـة نـيـنـوى ، ورهـنـت فـيـهـا إلى أن أعـادهـا لـهـم بـعـد ذلـك آشـوربـانـيـبـال بـن عـسـر حـدون.

وتـذكّـر نـصـوص آشـوريـة سـجّـلـت في أيّـار 676 ق. ك. أنّ الـمـلـك عـسـرحـدون فـرض تـروبـة (الّـتي تـسـمـيـهـا بـعـض نـسـخ هـذه الـنّـصـوص تـبـوعـة) الّـتي كـانـت قـد تـربّـت في بـلاط نـيـنـوى “مـلـكـة  عـلى الـعـرب”، وبـعـثـهـا إلى أدومـاتـو (دومـة الـجـنـدل) مـع أصـنـام آلـهـة الـعـرب الّـتي أرجـعـهـا لـهـم.

كـمـا تـذكـر الـحـولـيـات لـنـفـس الـعـام حـمـلـة عـسـرحـدون ضـدّ أرض بـازو الّـتي يـعـتـقـد كـثـيـر مـن الـبـاحـثـيـن أنّـهـا تـقـع في بـاديـة الـعـرب ويـقـرّبـون كـلـمـة بـازو مـن بـاصـو الّـتي تـعـني “الـرّمـل”. وتـصـفـهـا الـنّـصـوص الآشـوريـة بـأنّـهـا : “فـلاة قـاحـلـة، تـغـطـيـهـا الأمـلاح، لا مـاء فـيـهـا”، وأنّـهـا : “عـلى مـسـيـرة 140 بـيـرو (1500 كـلـم.) تـغـطـيـهـا الـرّمـال والأشـواك والـصّـخـور الـقـاطـعـة، وتـغـطي 20 بـيـرو مـنـهـا ثـعـابـيـن وعـقـارب بـأعـداد الـنّـمـال”. وكـان حـكّـام هـذه الـفـلـوات : يـافَـع ولـيـالي وقـيـسُ وأكـبـرُ (أغـبـرُ). وطـبـعـاً فـقـد انـتـصر عـلـيـهـم الـمـلـك وأدخـلـهـم في طـاعـتـه.

وسـار عـسـرحـدون سـنـة 671 ق. م. إلى مـصـر لـفـتـحـهـا، وكـان أوّل مـلـك آسـيـوي يـخـتـرق الـبـحـر الأحـمـر نـحـو أفـريـقـيـا. وقـد طـلـب مـن “عـرب الـغـرب” أي الّـمـقـيـمـيـن في مـا وراء وادي الـعـريـش أن يـسـاعـدوا جـيـشـه لاخـتـراق صـحـراء سـيـنـاء.

ويـذكـر الـنّـقـش الآشـوري الّـذي سـجـل وقـائـع هـذه الـحـمـلـة عـلى لـسـان الـمـلـك : “عـنـدمـا أوحى ربّي آشـور لـعـرّافـه أن يـجـيـب عـلى طـلـبي [لـفـتـح مـصـر]، إبـتـهـج فـؤادي. ومـدّني كـلّ مـلـوك الـعـرب بـجـمـال حـمّـلـت عـلـيـهـا قِـرب الـمـاء”.

ورغـم أنّـه لـيـس في الـنّـص تـفـاصـيـل عـن أعـداد الـجـمـال وقِـرب الـمـاء فـيـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر مـدى أهـمـيـة مـسـاعـدة الـعـرب لـلـجـيـش الآشـوري بـتـقـريـبـهـا مـن مـا حـدث في حـمـلـتـيـن عـسـكـريـتـيـن حـديـثـتـيـن : أولاهـمـا مـسـيـرة جـيـش الـجـنـرال الـفـرنـسي نـابـلـيـون بـونـابـرت مـن مـصـر إلى فـلـسـطـيـن في شـبـاط 1799 خـلال حـمـلـتـه عـلى مـصـر، وثـانـيـتـهـمـا مـسـيـرة الـجـيـش الـعـثـمـاني نـحـو قـنـاة الـسّـويـس في كـانـون الـثّـاني 1915. وقـد وجـد الـبـاحـثـون أنّ سـدّ حـاجـات ألـف جـنـدي مـن الـطّـعـام والـشّـراب لـمـدّة ثـلاثـة أيّـام يـتـطـلّـب عـلى الأقـل حـمـولـة مـائـتي جـمـل. ويـنـبـغي أن يـضـاف إلى ذلـك مـتـطـلـبـات الـخـيـل الّـتي هي أضـعـاف مـا يـحـتـاجـه الـرّجـال.

ويـبـدو أنّ سـنـحـاريـب، والـد عـسـر حـدون كـان قـد أنـشـأ قـوّات مـن الـعـرب ألـحـقـهـا بـجـيـشـه بـعـد حـمـلـتـه ضـدّ عـرب أدومـاتـو (دومـة الـجـنـدل). ولـهـذا أسـمـاه الـمـؤرخ الإغـريـقي هـيـرودوت (الّـذي زار بـلاد مـا بـيـن الـنـهـريـن في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد) بـ”سـنـحـاريـب، مـلـك الـعـرب والآشـوريـيـن”. ويـمـكـن أن يـفـسّـر هـذا مـسـاعـدة الـعـرب لـلـجـيـش الآشـوري الـجـرّار عـلى اخـتـراق صـحـراء سـيـنـاء، وهـو حـدث لـم يـسـبـق لـه نـظـيـر، وإن تـجـدد بـعـد ذلـك في حـمـلـة آشـوربـانـيـبـال الـثّـاني بـن عـسـرحـدون، وفي حـمـلـة الـمـلـك الـفـارسي الأخـمـيـني قـمـبـيـز بـن كـورش الـكـبـيـر ضـدّ مـصـر، وهـو مـا سـنـراه في الـقـسـم الـثّـالـث مـن هـذا الـبـحـث.

الـقـسـم الـثـالـث : الـعـرب في زمـن آشـوربـانـيـبـال :

عرب وآشوريون 1

رأيـنـا في الـقـسـم الأوّل مـن هـذا الـبـحـث كـيـف ظهـرت كـلـمـة “العـربي” لأوّل مـرّة في الـتّـاريـخ  في نـصّ  لـلـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث في سـنـة  853 قـبـل الـمـيـلاد، وتـكـلّـمـنـا في الـقـسـم الـثّـاني عـن عـلاقـات الـعـرب بـالآشـوريـيـن في الـقـرنـيـن الـثّـامـن والـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد خـلال حـكـم تـجـلـت فـلـيـسـر الـثّـالـث وسـرجـون الـثّـاني وسـنـحـاريـب  وعـسـرحـدون. وسـنـتـكـلّـم في هـذا الـقـسـم عـن الـعـرب والآشـوريـيـن في زمـن الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال.

آشـوربـانـيـبـال :

خـلـف آشـوربـانـيـبـال أبـاه عـسـر حـدون عـلى الـعـرش في 669 ق. م. (حـكـم مـن 669 إلى 627 ق. م.) ولـكـن ذكـر أخـبـار الـعـرب في الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة لـم يـبـدأ إلّا في 649 ق. م. أي بـعـد عـشـريـن عـامـاً مـن اعـتـلائـه الـعـرش.

وقـد رأيـنـا كـيـف لـم يـنـتـبـه الآشـوريـون لـمـا كـان يـجـري مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، أي تـقـدم الـعـرب نـحـو عـدّة مـنـاطـق مـن الـهـلال الـخـصـيـب في نـفـس الـوقـت. فـقـد وسـعـوا أمـاكـن تـنـقّـلـهـم نـحـو دمـشـق ونـحـو تـدمـر ونـحـو شـرق الأردن. ولـم يـكـن هـذا الـتّـوسـع في نـظـر الآشـوريـيـن إلّا غـزوات نـهـب كـانـت تـجـري بـعـيـداً عـنـهـم، في أطـراف دولـتـهـم . ولـم يـنـتـبـهـوا إلى أنّ حـركـة الـتّـوسّـع تـلـك كـانـت حـركـة عـمـيـقـة الـتّـجـذر انـطـلـقـت مـن جـنـوب الـجـزيـرة الـعـربـيـة واخـتـرقـتـهـا بـكـامـلـهـا، ولـم يـنـتـبـهـوا إلى أهـمـيـة الـغـنـائـم الّـتي اكـتـسـبـهـا الـعـرب في تـقـدّمـهـم في الـمـنـاطـق الّـتي تـغـلّـبـوا عـلـيـهـا.

ومـرّت سـنـوات طـويـلـة قـبـل أن يـدرك الآشـوريـون أنّ هـؤلاء الأعـراب لـم يـأتـوا لـلـغـزو فـقـط ثـمّ يـنـسـحـبـون إلى الـبـاديـة، بـل كـانـوا قـبـائـل كـامـلـة تـتـقـدم في الأراضي الّـتي كـانـت تـحـت سـلـطـة الـمـلـك الآشـوري يـسـبـقـهـا مـقـاتـلـون يـشـقّـون لـهـا الـطّـريـق.

وعـنـدهـا بـدأ جـنـود الآشـوريـيـن وحـلـفـاءهـم الـمـؤابـيـيـن يـقـاتـلـوهـم لـيـوقـفـوا تـقـدّمـهـم. وكـانـوا إذا مـا انـتـصـروا عـلـيـهـم لا يـكـتـفـون بـأسـر مـقـاتـلـيـهـم والإسـتـيـلاء عـلى الـجـمـال الّـتي يـقـاتـلـون عـلـيـهـا ، وإنـمـا كـانـوا يـتـابـعـون مـلـكـهـم الـمـغـلـوب لأخـذ : “آلـهـتـه وامـرأتـه وعـائـلـتـه ورجـال قـبـيـلـتـه وحـمـيـره وإبـلـه وغـنـمـه”.

ومـع ذلـك نـجـحـت حـمـلات هـؤلاء الـعـرب في تـقـلـيـص سـيـطـرة الآشـوريـيـن عـلى مـنـاطـق غـرب الـفـرات، فـبـيـنـمـا وصـلـت مـمـتـلـكـات سـنـحـاريـب، جـدّ آشـوربـانـيـبـال إلى دومـة الـجـنـدل ، لـم يـسـتـطـع حـفـيـده آشـوربـانـيـبـال إلّا أن يـقـاتـلـهـم لـلـدّفـاع عـن مـنـاطـق هـاجـمـوهـا تـبـعـد عـن دومـة الـجـنـدل بـأكـثـر مـن 500 كـلـم. نـحـو الـشّـمـال. ونـصـبـت قـبـائـل قِـدَر مـضـاربـهـا عـلى الـحـدود الـشّـرقـيـة لـمـمـلـكـة مـؤاب (الّـتي كـانـت تـقـع شـرق الـبـحـر الـمـيّـت) الـمـحـالـفـة لـلآشـوريـيـن. وكـانت هـذه الـقـبـائـل في طـريـقـهـا لـلـتّـحـضّـر مـثـل جـيـرانـهـا الّـذيـن تـحـضّـروا مـنـذ قـرون عـديـدة.

HEZ-2563681 - © - Werner Forman Archive

أمّـا في داخـل الـبـاديـة فـقـد تـحـالـفـت عـدّة قـبـائـل حـول الإلـه أتّـر سـمـايـن (أتـر الـسّـمـوات). وكـانـت الـحـولـيـات الآشـوريـة تـسـتـعـمـل كـلـمـة “الـعـشـيـرة” لـنـعـت هـذا الـتّـجـمـع الّـذي كـان يـشـبـه نـواة لـتـشـكـيـل دولـة. وهـو نـوع مـن الـتّـحـالـف يـحـتـرم سـلـطـة كـلّ شـيـخ مـن شـيـوخ الـقـبـائـل الّـتي تـشـكّـلـه عـلى قـومـه. ويـقـسـم كـلّ واحـد مـنـهـم عـلى طـاعـة إلـه مـشـتـرك، ويـرفـض طـاعـة واحـد مـنـهـم يـسـتـولي عـلى الـرّئـاسـة. ورغـم أنّ الـنّـحـاتـيـن الآشـوريـيـن صـوّروا هـؤلاء الأعـراب شـبـه عـراة لا تـحـيـط خـصـورهـم إلّا قـطـع قـمـاش، فـهـم لـم يـكـونـوا في الـحـقـيـقـة فـقـراء مـحـتـاجـيـن، فـقـد اسـتـطـاعـوا في زمـن عـسـر حـدون، والـد آشـوربـانـيـبـال أن يـدفـعـوا كـلّ عـام ضـريـبـة مـقـدارهـا عـشـرة أرطـال مـن الـذّهـب وألـف حـجـر (لا نـعـرف هـل كـانـت كـلّـهـا كـريـمـة) وألـف كـيـس مـن الـتّـوابـل وخـمـسـيـن جـمـلاً. ودفـعـوا فـوق ذلـك لابـنـه آشـوربـانـيـبـال كُـحـلاً وحـمـيـراً.

وقـد كـان سـنـحـاريـب، جـدّ آشـوربـانـيـبـال يـعـامـل الـعـرب بـنـفـس الـطّـريـقـة الّـتي كـان يـعـامـل بـهـا كـلّ أقـوام أطـراف دولـتـه : يـفـاوضـهـم ويـتـفـاهـم مـعـهـم عـنـدمـا يـسـتـطـيـع ذلـك. ويـلـجـأ إلى الـعـنـف والـقـوّة إذا اسـتـدعى الأمـر ذلـك. وعـنـدمـا خـلـف عـسـرحـدون أبـاه سـنـحـاريـب عـامـلـهـم مـثـلـمـا عـامـلـهـم أبـوه مـن قـبـلـه، ولـكـنّـه حـاول أن يـصـالـحـهـم ويـسـالـمـهـم مـا اسـتـطـاع إلى ذلـك سـبـيـلا، رغـبـة في إحـلال الـسّـلام في دولـتـه مـن جـهـة، واحـتـيـاجـاً لـجـمـالـهـم مـن جـهـة أخـرى لـيـسـاعـدوه في عـبـور سـيـنـاء لـفـتـح مـصـر. وقـد “أرجـع لـهـم إلـهـتـهـم الّـتي أخـذت مـنـهـم في الـبـاديـة”. وكـان يـرجـو أن تـبـاركـه “آلـهـة الـبـلاد الّـتي لـمـست أرض مـعـابـدهـا الأقـدام.”

ثـمّ اسـتـمـرّ آشـوربـانـيـبـال في إقـامـة عـلاقـات تـفـاهـم مـع مـمـلـكـة الـعـرب الـقِـدَريـيـن. وكـمـا فـعـل أبـوه فـقـد أرجـع لـهـم صـنـم إلـهـهـم أتـر، ثـمّ عـقـد مـعـاهـدة مـع رئـيـسـهـم  يـوثــع يـعـتـرف لـه فـيـهـا بـأنّـه “مـلـك الـعـرب”. وبـالـمـقـابـل، طـلـب آشـوربـانـيـبـال مـن يـوثـع أن يـتـكـفّـل بـحـفـظ الأمـن في بـاديـة شـرق نـهـر الأردن لـحـسـاب الآشـوريـيـن. واسـتـمـرّت هـذه الـعـلاقـات الـطّـيـبـة حـوالي خـمـس عـشـرة سـنـة قـبـل أن تـتـدهـور.

وتـتـكـلّـم الـنّـصـوص الـمـلـكـيـة الآشـوريـة عـن الـخـلافـات بـيـن الآشـوريـيـن والـمـؤابـيـيـن والـبـابـلـيـيـن والـعـرب. ولا شـكّ في أنّ لـهـذه الـنّـصـوص قـيـمـة لا تـقـدّر فـهـي تـسـرد أحـداثـاً شـهـدهـا الـكـتّـاب عـنـد وقـوعـهـا. ولـكـنّـهـم لاقـوا صـعـوبـات في صـيـاغـتـهـا أدبـيـاً فـقـد خـلـطـوا بـيـن أسـمـاء أجـنـبـيـة لـم يـتـعـودوا عـلى لـفـظـهـا وكـتـبـوهـا بـطـريـقـة يـصـعـب فـهـمـهـا في بـعـض الأحـيـان. ولـم يـتـسـاءل الآشـوريـون، كـعـادتـهـم عـن رأي الآخـريـن بـهـم ولا حـتّى عـن أسـبـاب تـصـرفـاتـهـم ودوافـعـهـا. وإذا مـا قـرأنـا الـنّـصـوص الآشـوريـة نـتـصـور مـن خـلالـهـا أنّ تـصـرفـات شـيـوخ الـعـرب لـيـس لـهـا أسـبـاب مـعـقـولـة أو مـنـطـقـيـة بـل هي تـقـلّـبـات عـشـوائـيـة لا يـمـكـن لأحـد أن يـتـنـبـأ بـهـا ولـهـذا لا يـنـبـغي أن يـحـسـب لـهـا حـسـاب. ويـصـعـب عـلـيـنـا أن نـتـقـبـل وجـهـة الـنّـظـر هـذه ، لأنـنـا نـعـرف مـثـلاً أنّ الـعـرب الأنـبـاط كـانـوا تـجّـاراً أذكـيـاء يـعـرفـون مـصـالـحـهـم ، ولا يـمـكـن أن يـتـصـرفـوا إلّا بـتـعـقـل مـع دولـة يـعـرفـون مـدى قـوّتـهـا وتـسـلـطـهـا.

وقـد نـتـج عـن قـلّـة مـعـرفـة الآشـوريـيـن بـجـيـرانـهـم أن قـامـوا ضـدّ الأعـراب بـحـمـلات عـسـكـريـة بـلـغـت الـذّروة في عـنـفـهـا. ولـكـنّ هـذه الـحـمـلات خـفّـت وقـلّـت ابـتـداءً مـن سـنـة 651 ق. م. وأصـبـحـت لـمـدة سـبـع سـنـوات بـعـدهـا هـامـشـيـة وقـصـيـرة ومـتـقـطّـعـة. ووجـه الآشـوريـون حـمـلاتـهـم خـلال تـلـك الـسّـنـوات نـحـو جـبـهـتـيـن : الـحـدود الـشّـرقـيـة لـمـمـلـكـة مـؤاب، ثـمّ جـنـوب دمـشـق وتـدمـر.

الـعـرب وتـمـرّد شـمـش شُـم أوكـيـن في بـابـل :

نـذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّـه بـعـد أن تـوفي الـمـلـك عـسـرحـدون ارتـقى ابـنـه آشـوربـانـيـبـال عـلى عـرش آشـور. وكـان أخـوه شـمـش شُـم أوكـيـن الأكـبـر مـنـه سـنّـاً قـد نـحي عـن الـعـرش، فـعـيّـنـه آشـوربـانـيـبـال مـلـكـاً عـلى بـابـل. وفي 650 ق. م. أعـلـن شـمـش شُـم أوكـيـن في بـابـل تـمـرده عـلى أخـيـه مـلـك آشـور. وبـعـث آشـوربـانـيـبـال جـيـشـاً لـيـقـمـع الإنـفـصـال.

وقـد قـاتـل الآشـوريـون الـعـرب عـلى جـبـهـتـيـن : الأولى أمـام بـابـل، فـقـد هـزمـت الـقـوّات الآشـوريـة كـتـيـبـة مـن الـعـرب كـان عـلى رأسـهـا أبي يـثـع وأيـامـو إبـنـا طـيـعـري لـمـنـعـهـا مـن الـوصـول لـمـسـانـدة الـمـتـمـرديـن. وقـد هـرب مـن نـجـا مـن مـقـاتـلـيـهـا إلى بـابـل. ثـمّ حـاولـوا الـخـروج مـن الـمـديـنـة الـمـحـاصـرة بـعـد أن حـلّـت بـهـا الـمـجـاعـة ولـكـنّ الآشـوريـيـن هـزمـوهـم مـن جـديـد. ولـم يـبـق لأبي يـثـع إلّا أن يـهـرب إلى نـيـنـوى لـيـطـلـب الـعـفـو مـن الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال. وصـفـح عـنـه الـمـلـك وعـيّـنـه “مـلـكـاً عـلى الـعـرب” في مـكـان يـوثـع بـن خـزعـل.

عرب 3

عرب 1

أمّـا الـجـبـهـة الـثّـانـيـة فـكـانـت عـلى حـدود دولـة الآشـوريـيـن الـغـربـيـة، فـقـد أثـارت غـزوات الـعـرب الـقِـدَريـيـن لـبـلاد مـؤاب غـضـبـهـم. وكـان إلى جـانـب يـوثـع “مـلـك الـعـرب” شـيـخ آخـر لـقـبـيـلـة مـن الـقِـدريـيـن اسـمـه عـمّـولادي. ويـذكـر نـصّ آشـوري أنّ رجـال يـوثـع “لـم يـنـوا عـن غـزو الـغـرب، ولـكـنّ [الـقـوّات الآشـوريـة] قـطـعـت رؤوس كـلّ الـعـرب الـمـتـمـرديـن … وأشـعـلـت الـنّـار في خـيـامـهـم وأحـرقـتـهـا”. ونـجـا يـوثـع بـنـفـسـه والـتّـجـأ إلى بـلاد الأنـبـاط. بـيـنـمـا تـوصّـل مـلـك مـؤاب إلى أسـر عـمّـولادي. كـمـا أسـرت عـديـة،”مـلـكـة الـعـرب”، الّـتي ربّـمـا كـانـت زوجـة يـوثـع. وقـد بـعـث الـمـؤابـيـون بـعـمّـولادي “مـكـبـل الـيـديـن والـقـدمـيـن بـالـحـديـد” كـهـديـة انـتـصـار إلى بـلاط نـيـنـوى.

ولـقـد ظـلّ الأنـبـاط إلى ذلـك الـحـيـن بـعـيـديـن عـن شـؤون الـدّولـة الآشـوريـة لا يـتـدخـلـون فـيـهـا. وكـان تـجّـارهـا يـشـاركـون فـقـط في تـجـارة الـعـرب وإن كـنّـا لا نـعـرف مـدى هـذه الـمـشـاركـة، ولـكـنّ بـعـض الـنّـصـوص تـذكـر وجـود بـعـض الـتّـجّـار الـنّـبـطـيـيـن في بـابـل في الـقـرن الـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد اقـتـربـت قـوّات الآشـوريـيـن والـمـؤابـيـيـن مـن وادي الأنـبـاط عـنـدمـا طـاردت الأعـراب، فـسـارع مـلـك الأنـبـاط نـطـنـو ( أو نـنـط في بـعـض الـنّـصـوص) لـيـقـتـرح مـفـاوضـات سـلـمـيـة مـع قـوّاد هـذه الـقـوّات تـحـاشـيـاً لـلأضـرار الّـتي يـمـكـن أن تـصـيـب مـمـلـكـتـه مـن ذلـك.

وقـد اعـتـبـر آشـوربـانـيـبـال مـبـادرة الـمـلـك نـطـنـو دلـيـلاً عـلى مـدى هـيـبـة مـمـلـكـة آشـور الّـتي امـتـدت خـشـيـتـهـا إلى كـلّ أرجـاء الـبـسـيـطـة، وذكـر أنّ مـلـك الأنـبـاط  :  “بـعـث لي بـرسـول لـيـسـأل عـن صـحـتي ويـقـبّـل قـدميَّ ويـقـسـم لي بـإخـلاصـه في الـطّـاعـة ويـرجـوني أن أتـقـبّـل خـدمـاتـه”. وكـان نـنـطُ  يـدفـع ضـريـبـة سـنـويـة لـلآشـوريـيـن. وقـد فـضّـل الـمـلـك الـنّـبـطي هـذا الـخـضـوع لـيـبـعـد عـن مـمـلـكـتـه خـطـر أن تـهـاجـمـهـا الـقـوّات الآشـوريـة، ولـهـذا أسـاء اسـتـقـبـال يـوثـع، مـلـك الـعـرب الـقِـدَريـيـن الـهـارب مـن مـطـاردة الآشـوريـيـن وحـلـفـائـهـم. ويـروى أنّـه قـال لـه : “وهـل يـمـكـنـني أن أتـمـرّد عـلى بـلاد آشـور؟ وهـل كـنـت قـبـلـت، لـو كـنـت في مـكـاني، أن تـجـيـرني مـنـهـم؟ “.

وبـعـد هـرب مـلـك الـقـدريـيـن : ” إدّعى ابـن أخـيـه (وكـان اسـمـه يـوثـع أيـضـاً هـو الآخـر) أنّـه مـلـك الـعـرب …وجـاء إلى نـيـنـوى” يـعـلـن خـضـوعـه ويـطـلـب أن يـقـبـل تـعـيـيـنـه. وقـد اعـتـقـد آشـوربـانـيـبـال أنّ الإلـه آشـور أفـقـد هـذا الـفـتى يـوثـع عـقـلـه، وإلّا فـكـيـف سـوّلـت لـه نـفـسـه أن يـتـصـرف هـذا الـتّـصـرف الـجـنـوني!  أولـيـس تـعـيـيـن الـمـلـوك وقـفـاً عـلى آلـهـة آشـور وظـلّـهـم عـلى الأرض، أي مـلـك آشـور لا يـشـاركـهـم في ذلـك مـشـارك ؟ ورغـم أنّ الـمـلـك الآشـوري لـم يـعـتـرف لـيـوثـع بـأيـة أحـقـيـة لـطـلـب الـسّـلـطـة إلّا أنّـه لـم يـقـتـلـه وتـركـه حـيّـاً.

حـرب آشـوربـانـيـبـال الـثّـانـيـة ضـدّ الـعـرب :

Arabes 1

رأيـنـا كـيـف هـرب أبي يـثـع إلى نـيـنـوى يـطـلـب الـعـفـو مـن الـمـلـك الآشـوري ، وكـيـف عـيّـنـه آشـوربـانـيـبـال “مـلـكـاً عـلى الـعـرب”.ولـكـن هـذا لـم يـمـنـع أبي يـثـع مـن خـيـانـة عـهـده والـتّـفـاهـم مـع نـطـنـو، مـلـك الأنـبـاط : “وجـمـعـوا قـوّاتـهـم لـيـهـجـمـوا عـلى الـحـدود”. وقـد شـاركـت قـوّات نـبـطـيـة مـع رجـال أبي يـثـع في الـبـدايـة، ثـمّ مـع رجـال يـوثـع (الـعـم) في هـجـمـات عـلى دمـشـق وتـدمـر.

وكـان ردّ الآشـوريـيـن عـلـيـهـم في غـايـة الـعـنـف، وبـدأوا ضـدّهـم حـربـاً كـان الـهـدف مـنـهـا مـحـقـهـم عـن بـكـرة أبـيـهـم. ووجـهـوا الـهـجـوم الأوّل ضـدّ أبي يـثـع، والـثّـاني ضـدّ يـوثـع بـن خـزعـل (الـعـم)(1). واخـتـار الآشـوريـون لـهـجـومـهـم فـصـل الـجـفـاف، مـن مـنـتـصـف الـشّـهـر الـخـامـس، أيّـار إلى مـنـتـصـف الـشّـهـر الـسّـادس، حـزيـران. ثـمّ أعـادوا الـكـرّة مـن مـنـتـصـف الـشّـهـر الـسّـابـع، تـمّـوز إلى مـنـتـصـف الـشّـهـر الـثّـامـن، آب. ونـلاحـظ أنّ قـوّاتـهـم ارتـاحـت شـهـراً، ربّـمـا في دمـشـق.

ونـحـن نـعـرف أنّ الأعـراب لا يـتـنـقّـلـون في هـذه الـفـتـرة، وأنّـهـم يـظـلّـون مـع جـمـالـهـم وغـنـمـهـم قـرب آبـار الـمـاء، مـمـا يـدلّ عـلى مـعـرفـة الآشـوريـيـن الـدّقـيـقـة بـحـيـاة الأعـراب. وقـد انـتـفـعـوا بـهـذه الـمـعـرفـة لـيـسـتـطـيـعـوا قـطـع دابـرهـم.

عرب وآشوريون 3

ونـصّ الـنّـقـش الآشـوري الّـذي يـروي هـذه الـحـرب طـويـل ومـلئ بـالـوجـوه الـبـلاغـيـة والـمـحـسـنـات الـبـديـعـيـة، يـروي فـيـه آشـوربـانـيـبـال بـصـيـغـة الـمـتـكـلّـم أحـداث الـمـعـارك كـمـا لـو كـان قـد شـارك فـيـهـا بـنـفـسـه : “وقـد أحـطـتُ بـعـشـيـرة أتّـر سـمـايـن وبـقِـدّريي مـلـك الـعـرب […] وأجـبـرتـهـم عـلى الـسّـيـر في طـريـق دمـشـق ومـعـهـم مـا كـانـوا يـمـلـكـون. وبـعـد شـهـر، تـركـت دمـشـق ، وفي جـبـل حـوكـورنـة، وهـو حـصـن لا يـقـهـر، قـهـرت عـشـيـرة أبي يـثـع […] وكـسـرت شـوكـتـهـم وغـزوتـهـم. وقـبـضـت عـلى أبي يـثـع […] حـيّـاً. وهـرب الـجـبـنـاء مـنـهـم خـوفـاً مـن سـيـفي والـتـجـأوا إلى جـبـل حـوكـورنـة الّـذي لا يـمـكـن دخـولـه. فـوضـعـت رجـالي أمـام الآبـار والـيـنـابـيـع وحـرمـتـهـم مـن الـمـاء الّـذي لا حـيـاة بـدونـه. وصـار لـمـاء الـشّـرب عـنـدهـم ثـمـن لا يـقـدّر، وتـسـاقـطـوا مـوتى مـن عـطـش يـحـرق أمـعـاءهـم. ولـم يـعـد لأحـدهـم إلّا شـقّ بـطـن جـمـل وشـرب الـدّم والـمـاء وحـتّى صـديـد الـقـروح لـيـروي عـطـشـه. ومـن هـؤلاء الّـيـن دخـلوا الـجـبـل والـتـجـأوا إلـيـه لـم يـنـج أحـد، ولـم يـهـرب صـفـيـق مـنـهـم مـن قـبـضـتي : هـصـرتـهـم جـمـيـعـاً في مـلـجـأهـم”.  “أمّـا يـوثـع وأعـرابـه […] فـقـد تـفـرّقـوا أمـام سـيـف ربّي آشـور، وهـربـوا مـن قـدّامـه. وضـيّـق عـلـيـهـم الـجـبّـار الإلـه ـ الـلـهـب […] فـالـتـهـمـوا لـحـوم أطـفـالـهـم مـن الـجـوع […] ولـحـوم صـغـار إبـلـهـم وصـغـار حـمـيـرهـم وصـغـار الـغـنـم الّـتي تـرضـع أمـهـاتـهـا سـبـع مـرّات ولا يـأتـيـهـا الـحـلـيـب مـن أضـرعـهـا […]. وعـشـتـار أربـيـل، الإلـهـة الـلابـسـة نـاراً والـحـامـلـة بـرقـاً رمـت بـالـلـهـب عـلى بـلاد الـعـرب […] ورأى رجـال يـوثـع هـجـمـات سـيـوف آشـور وعـشـتـار […] فـثـاروا ضـدّه. وارتـعـب يـوثـع فـهـرب مـن الـبـيـت الّـذي كـان قـد الـتـجـأ إلـيـه”.

Arabes 5

وقـد أسـر الآشـوريـون يـوثـع وأخـذوه إلى نـيـنـوى. وكـمـا كـانـوا قـد فـعـلـوا بـابـن أخـيـه مـن قـبـلـه فـقـد عـرضـوه لـلـنّـاس أمـام بـوابـة مـن بـوابـات الـمـديـنـة. وهـكـذا أخـضـع آشـوربـانـيـبـال كـلّ رؤسـاء الـعـرب وعـشـائـرهـم، وأفـسـد عـلى كـثـيـر مـن الأعـراب طـريـقـة حـيـاتـهـم ، فـلـم يـعـد بـإمـكـان مـن نـجـا مـن الإبـادة أن يـسـتـمـرّوا في تـنـقـلّـهـم بـعـد أن أبـيـدت جـمـالـهـم الّـتي كـانـوا يـعـتـمـدون عـلـيـهـا في حـيـاتـهـم. وصـارت الـبـاديـة خـلاءً لا يـسـكـنـهـا إلّا الـقـلـيـل، وفـلاة تـحـمي حـدود الـدّولـة الآشـوريـة.

وقـد نـجـا بـلاط الأنـبـاط مـن الـتّـدمـيـر، واعـتـرف رؤسـاؤهـم بـأخـطـائـهـم في الـتّـدخـل مـع الأعـراب في شـؤون آشـور، وتـنـازل مـلـكـهـم بـالـعـرش لابـنـه واخـتـار الـمـنـفى. وأدار الـمـلـك الـجـديـد ظـهـره لـحـلـفـاء أبـيـه الـمـغـضـوب عـلـيـهـم ، وأقـسـم بـالإخـلاص لآشـوربـانـيـبـال.

ونـحـن لا نـعـرف شـيـئـاً عـن مـوقـف الـقـبـائـل الـعـربـيـة ولا عـن تـصـرفـاتـهـا في الأحـداث الّـتي جـرت بـيـن 626 و 612 ق. م. والّـتي أدّت إلى سـقـوط الإمـبـراطـوريـة الآشـوريـة تـحـت ضـربـات الـمـيـديـيـن وحـلـفـائـهـم الـبـابـلـيـيـن ، ثـمّ تـأسـيـس الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة.

وبـعـد سـقـوط الـدّولـة الآشـوريـة في الـقـرن الـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد، ظـهـرت في الـقـرن الـتّـالي مـنـطـقـة عـربـيـة شـمـالـيـة في مـنـطـقـة الـجـزيـرة بـيـن دجـلـة والـفـرات، وتـمـتـعـت بـاسـتـقـلالـهـا حـتّى الـفـتـرة الـبـارثـيـة في الـقـرن الـثّـالـث ق. م.

الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة :

نـجـد في الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة أنّ نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني ، بـعـد أن فـشـلـت حـمـلـتـه ضـدّ مـصـر سـنـة 601 ق. م. ، قـام بـهـجـمـات ضـدّ قـبـائـل عـربـيـة لـيـرفـع مـن مـعـنـويـات جـنـوده. وقـد حـقـق بـهـذه الـمـنـاوشـات هـدفـيـن آخـريـن : أوّلـهـمـا كـسـب جـنـوده لـغـنـائـم أنـسـتـهـم هـزيـمـتـهـم ، والـثّـاني تـأمـيـن دفـاع لـمـؤخـرة جـيـشـه حـتّى يـسـتـطـيـع الـشّـروع في حـمـلـتـه ضـدّ فـلـسـطـيـن.

أمّـا نـبـونـيـد (حـكـم مـن 556 إلى 539 ق. م.) آخـر مـلـوك الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة فـلـم يـشـبـه حـكـمـه حـكـم أحـد مـن سـابـقـيـه. فـقـد تـرك في الـسّـنـة الـخـامـسـة مـن مـلـكـيـتـه لابـنـه بـعـل تـزار أن يـحـكـم بـدلاً عـنـه في بـابـل، بـيـنـمـا قـاد هـو بـنـفـسـه أهـمّ حـمـلات فـتـرة حـكـمـه مـتـوجّـهـاً إلى شـمـال جـزيـرة الـعـرب. وبـعـد أن قـتـل “مـلـك” تـيـمـاء وأبـاد قـطـعـان الـقـبـائـل الأخـرى في الـمـنـطـقـة لـيـخـضـعـهـم لـسـيـطـرتـه، إسـتـقـرّ عـشـر سـنـوات في واحـة تـيـمـاء، واسـتـعـبـد سـكـانـهـا لـيـشـيـدوا لـه قـصـراً ويـحـيـطـون الـواحـة بـالأسـوار. ومـا زالـت آثـار الـقـصـر الّـذي سـكـنـه فـيـهـا واضـحـة لـلـعـيـان. وقـد اسـتـولى نـبـونـيـد في تـلـك الـفـتـرة عـلى عـدد مـن الـواحـات بـاتـجـاه الـجـنـوب ، وكـان مـن بـيـنـهـا يـثـرب. ومـا زال الـبـاحـثـون يـتـنـاقـشـون في أسـبـاب تـرك نـبـونـيـد لـبـابـل وإقـامـتـه الـطّـويـلـة بـعـيـداً عـنـهـا.

ومـهـمـا يـكـن فـقـد نـتـج عـن ذلـك أنّ الـبـابـلـيـيـن سـيـطـروا في تـلـك الـفـتـرة عـلى الـجـزء الأوسـط مـن طـريـق الـعـطـور والـتّـوابـل الّـذي كـان يـربـط الـهـنـد والـيـمـن بـالـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسِّـط.

الـعـرب تـحـت سـلـطـة الـدّولـة الـفـارسـيـة الإخـمـيـنـيـة :

عـنـدمـا أخـذ الـمـلـك الـفـارسـي كـورش “الـكـبـيـر” مـديـنـة بـابـل، وأسـقـط الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة الّـتي كـانـت آخـر دول بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، أنـشـأ دولـة إخـمـيـنـيـة امـتـدّت عـلى مـنـاطـق واسـعـة مـن الـشّـرق ودامـت مـا يـقـارب الـقـرنـيـن. ونـحـن لا نـعـرف الـكـثـيـر عـن أحـوال الـعـرب في تـلـك الـفـتـرة.

ويـخـبـرنـا الـمـؤرّخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل حـوالي نـصـف قـرن بـعـد سـقـوطـهـا أنّ شـرق مـصـر، بـيـن الـنّـيـل والـبـحـر الأحـمـر، كـان يـسـكـنـه الـعـرب. وكـشـفـت الـتّـنـقـيـبـات عـن مـعـبـد في تـلّ الـمـسـخـوتـة في شـرق الـدّلـتـا يـعـود لـتـلـك الـفـتـرة وجـدت فـيـه صـحـون وطـاسـات عـلـيـهـا كـتـابـات آرامـيـة تـذكـر أسـمـاءً مـصـريـة وعـربـيـة لأنـاس نـذروهـا لـلإلـهـة الـلات، ومـن بـيـنـهـم مـلـك مـن مـلـول قِـدَر.

وعـنـدمـا عـبـر الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني قـمـبـيـز  الـبـاديـة في طـريـقـه لـفـتـح مـصـر، إعـتـمـد عـلى الـعـرب لـمـدّه بـالـجـمـال وقِـرَب الـمـاء.

ــــــــــــــــــــــ

(1) مـازال الـمـخـتـصـون يـتـنـاقـشـون عـن يـوثـع و ويـثـع هـل هـمـا صـيـغـتـان لـنـفـس الإسـم أم شـخـصـان مـخـتـلـفـان، وعـن يـوثـع بـن خـزعـل ويـوثـع بـن بـيـردادة. وتـجـدون دراسـة واضـحـة ومـفـصـلـة عـن ذلـك في مـقـال Pamela Gerardi  الّـذي تـجـدونـه عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة تـحـت عـنـوان :

THE ARAB CAMPAIGNS OF ASSURBANIPAL:SCRIBAL RECONSTRUCTION OF THE PAST

شـارع الـرّشـيـد كـمـا رأتـه مـاري بـاركـر في 1930

وجـدت في مـجـمـوعـة مـقـتـنـيـات  The Prichard/ Hicks  فيGreenway   (إنـكـلـتـرة) (1) لـوحـة  لـمـاري بـاركـر Mary W. Parker (والّـتي كـان اسـمـهـا مـاري سـمـيـث  Mary Smith  قـبـل زواجـهـا )  رسـمـتـهـا  في 1930 ، وعـنـوانـهـا : الـشّـارع الـجـديـد في بـغـداد  New Street, Baghdad . والـشّـارع الـجـديـد كـمـا نـعـرف هـو شـارع الـرّشـيـد. والـلـوحـة واسـعـة الـمـقـايـيـس نـسـبـيـاً : 80  × 94 سـنـتـم.

وكـلّ مـا نـعـرفـه عـن مـاري بـاركـر هـو أنّـهـا ولـدت في مـديـنـة  بـري Bury في مـقـاطـعـة  Lancashire  سـنـة 1904، أي أنّـهـا كـانـت في الـسّـادسـة والـعـشـريـن مـن عـمـرهـا عـنـدمـا رسـمـت الـلـوحـة في بـغـداد. ونـجـد لـهـا لـوحـة أخـرى في مـتـحـف  UCL Art Museum ، عـنـوانـهـا : صـورة رجـل عـجـوز مـلـتـحي  Portrait of a Bearded Old Man. وربّـمـا دلّـنـا هـذا عـلى أنّ الـفـنـانـة درسـت في Slade School of Fine Art  في لـنـدن ، لأنّ هـذا الـمـتـحـف وثـيـق الـصّـلـة بـمـجـمـوعـة مـقـتـنـيـات الـمـدرسـة الـفـنّـيـة.

artist; (c) Greenway; Supplied by The Public Catalogue Foundation

وفي هـذه الـلـوحة جـمـعـت الـرّسّـامـة في نـفـس الـمـكـان وفي نـفـس الـوقـت كـلّ الـمـشـاهـد الـغـريـبـة عـلـيـهـا الّـتي رأتـهـا في شـوارع بـغـداد : نـاس يـنـامـون عـلى الأرصـفـة أو يـصـلّـون أو يـأكـلـون، ورجـال يـلـبـسـون الـعـمـامـة أو الـغـتـرة أو الـيـشـمـاغ والـعـقـال  أو”الـجـراويـة” أو الـسّـدارة أو الـفـيـنـة (الـطّـربـوش)، ونـسـاء مـعـصّـبـات (يـحـطـن رؤوسـهـنّ بـالـعـصـبـة) مـتـلـفـعـات بـالـسّـواد (رغـم أنّ الـمـرأتـيـن في “الـعـربـانـة” تـعـرضـان سـيـقـانـهـنّ الـعـاريـة لـلـمـارّة)، أو يـحـمـلـن عـلى رؤوسـهـنّ صـحـونـاً أو أكـيـاس، وصـبـيـان يـحـمـلـون سـعـف نـخـيـل.

والـشّـارع مـلئ بـجـمـوع تـعـبـره أو تـسـيـر في وسـطـه مـع “الـعـربـانـات” والـدّراجـات الـهـوائـيـة وعـربـات الـبـاعـة والـحـمـيـر وحـيـوانـات أخـرى مـثـل الـمـاعـز والـكـلاب (عـلى يـسـار الـلـوحـة). ونـلاحـظ لافـتـات بـالإنـكـلـيـزيـة، وحـتّى بـائـع “الـدّونـدرمـة” كـتـب عـلى عـربـتـه (Ices cream ). كـمـا نـلاحـظ الـسّـريـر عـلى سـطـح الـبـنـايـة وبـجـانـبـه كـرسي.

وإذا تـمـعـنّـا الـنّـظـر خـلـف “الـعـربـانـة” نـجـد امـرأة ورجـلاً أوربـيـيـن يـنـظـران إلى الـمـشـهـد. ونـتـسـاءل : هـل هـمـا الـرّسّـامـة وزوجـهـا يـنـظـران في داخـل الـلـوحـة إلى مـا في الـلـوحـة ؟

ـــــــــــــــــــــ

(1) صـنّـفـت الـلـوحـة في جـرد National Trust Inventory  تـحـت رقـم  119408.