جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

jardin13

(صـور الـجـنـائـن خـيـالـيـة مـثـل الأسـطـورة)

لـم تـذكّـر الـنّـصـوص الـبـابـلـيـة الّـتي سُـجّـلـت بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة جـنـائـن مـعـلـقـة في بـابـل، ولـم يـجـد الـمـنـقـبـون خـلال حـمـلات الـتّـنـقـيـبـات الـمـتـتـالـيـة في مـوقـع بـابـل الـقـديـمـة (مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وطـيـلـة الـقـرن الـعـشـريـن) أثـراً لـهـذه الـجـنـائـن “الـمـعـلّـقـة “.

فـكـيـف تـكـوّنـت هـذه الأسـطـورة عـنـد الإغـريـق (أي الـيـونـانـيـيـن الـقـدمـاء) ومـقـلـديـهـم الـرّومـان ؟ وكـيـف دخـلـت ضـمـن “عـجـائـب الـدّنـيـا الـسّـبـع” الّـتي صـنّـفـوهـا ؟

أوّل ذكـر لـلـجـنـائـن الـمـعـلـقـة في الـقـرنـيـن الـرّابـع والـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد

أوّل ذكـر لـلـجـنـائـن الـمـعـلـقـة كـتـبـه الإغـريـقي مـيـغـاسـتـيـنـس (ولـد سـنـة 340 قـبـل الـمـيـلاد وتـوفي سـنـة 282 قـبـل الـمـيـلاد). وكـان قـد بـعـث في سـفـارة إلى بـلاط الـفـرس، ومـرّ بـبـابـل. وقـد ضـاع كـتـابـه ولـم يـصـلـنـا مـنـه إلّا اسـتـشـهـادات في كـتـاب لأبـيـديـنـوس  Abydenos وفي الـحـقـيـقـة نـحـن لا نـعـرف مـن كـتـاب أبـيـديـنـوس إلّا مـا اقـتـبـسـه مـنـه أوسـيـبـيـوس الـبـامـفـيـلي Eusebius Pamphili الـمـعـروف بـأوسـيـبـيـوس الـقـيـصـري الّـذي عـاش بـعـده في الـقـرن الـثـالـث بـعـد الـمـيـلاد في كـتـابـه عـن تـاريـخ رجـال الـدّيـن. ومـا وصـلـنـا (نـقـلاً عـن نـقـل) مـمـا كـتـبـه مـيـغـاسـتـيـنـس أنّ نـبـوخـذ نـصـرالـثـاني شـيّـد عـدداً مـن الـمـبـاني، وأنّـه : “أمـر أن يـزيـن قـصـره بـأشـجـار، وأسـمى هـذه الـجـنـائـن بـالـمـعـلّـقـة “.

أمّـا بـيـروسـوس  Berossos (واسـمـه بـالـلـغـة الـبـابـلـيـة : بـعـل رعـيـشـو، أي بـعـل راعـيـه)، والّـذي يـسـمى أيـضـاً بـيـروسـوس الـكـلـداني، وكـان رجـل ديـن بـابـلي في مـعـبـد مـردوخ، ولـد في الـزّمـن الّـذي أقـام فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل أو قـبـلـه بـقـلـيـل أي في أواخـر الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، فـقـد كـتـب بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـتـاب بـابـل  Babyloniaka  (ويـعـرف أيـضـاً بـكـتـاب بـلاد الـكـلـدان Chaldaika ) الّـذي ألّـفـه لـلـمـلـك الـسّـلـوقي أنـطـيـقـيـوس الأوّل بـيـن 290 و278 ق. م. لـيُـعـرّف الإغـريـق بـحـضـارة بـلـده بـابـل.

ولـم يـصـلـنـا هـذا الـكـتـاب. ولـيـس لـديـنـا مـنـه إلّا تـلـخـيـص الإسـكـنـدرالـمـلـقّـب بـبـولي هـيـسـتـور (أي الـغـزيـر الـعـلـم)  Alexandre Polyhistor  لـه، واقـتـبـاسـات الـكّـتـاب الّـذيـن جـاءوا بـعـده مـثـل بـلـيـنـيـوس الأكـبـر Gaius Pilinus Seconus  وسـنـسـوريـنـوس Censorinus وفـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   وفـيـتـروفـيـوس Vitruvius . وهـو يـذكـر أن الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة أنـشـأهـا نـبـوخـذ نـصـرالـثـاني (604 ـ 562 ق. م.) لـزوجـتـه الّـتي جـاءت مـن بـلاد مـيـديـا الـجـبـلـيـة في غـرب إيـران لـتـذكّـرهـا بـبـلادهـا وتـسـلـيـهـا في غـربـتـهـا. وهـو يـذكـر أن اسـم الـمـلـكـة كـان أمـتـيـس Amytis  إبـنـة الـمـلـك الـمـيـدي سـيـاخـار Cyaxare الّـتي تـزوّجـهـا الـمـلـك الـبـابـلي لـيـعـزز تـحـالـفـه مـعـه عـنـدمـا قـررا إسـقـاط الإمـبـراطـوريـة الآشـوريـة.

وقـد اسـتـشـهـد فـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   (وهـو الإسـم الـلاتـيـني لـلـكـاتـب الـيـهـودي يـوسـف بـن مـاتـيـتـيـاهـو هـا كـوهـيـن) بـنـص بـيـروسـوس، وذكـرالـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة  في كـتـابـيـه “ضـدّ أبـيـون” و “الآثـار الـيـهـوديـة “. وهـو يـقـول في كـتـابـه “الآثـارالـيـهـوديـة ” الّـذي كـتـبـه بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة في الـقـرن الأول : “ولأنّ الـمـلـكـة الّـتي نـشـأت وتـرعـرعـت في بـلاد مـيـديـا، كـانـت تـودّ أن تـجـد مـا يـذكّـرهـا بـبـلادهـا، فـقـد أمـر(الـمـلـك) بـتـشـيـيـد سـطـوح فـوق قـصـره بـأحـجـاركـبـيـرة حـتّى بـدت كـجـبـال. وغـطّـيـت بـتـراب غـرسـت فـيـه أعـداد هـائـلـة مـن الأشـجـار مـن كـلّ الأنـواع ، حـتّى اعـتـبـرت هـذه الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة مـن بـيـن عـجـائـب الـدّنـيـا “.

ولـكـنّ فـلافـيـوس يـوسـيـفـوس لـم يـقـرأ كـتـاب بـيـروسـوس وإنّـمـا عـرفـه في تـلـخـيـص الإسـكـنـدر بـولـيـهـسـتـور لـه. ويـبـدو أنّ بـولـيـهـسـتـور أخـذ وصـفـه لـلـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة  مـن سـيـرة الإسـكـنـدر الـمـقـدوني الّـتي ألّـفـهـا كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري  Clitarchus Alesandria وأضـافـه إلى تـلـخـيـصـه لـبـيـروسـوس. وكـان كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري الّـذي عـاش في نـهـايـة الـقـرن الـرّابـع وبـدايـة الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، وارتـاد بـلاط بـطـلـيـمـوس الأوّل في الإسـكـنـدريـة  قـد ألّـف كـتـاب “تـاريـخ الإسـكـنـدر” بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة. وقـد تـأثـر بـالـكـاتـب كـالـيـسـثـيـنـوس الأولـيـنـثي Callisthenos  ، وأثـر عـلى ديـودروس الـصّـقـلي  Diodorus Siculus (بـالـيـونـانـيـة  Διόδωρος Σικελιώτης) وبـومـبـيـوس تـروغـوس  Cneius Pompeius Trogus  وكـيـنـتـوس كـورتـيـوس  Quintus Curtius Rufus  الّـذيـن جـاءوا بـعـده.

الـقـرن الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد:

1520518-8866-thickbox

نـجـد في “الـمـخـتـارات الـبـلاتـيـنـيـة ”  الّـتي جـمـعـت أشـعـاراً إغـريـقـيـة ولاتـيـنـيـة، (ويـرجـع تـاريـخ تـألـيـفـهـا ولا شـك إلى الـقـرن الـخـامـس ب. م.) نـصـاً لـلـشـاعـر أنـتـيـبـاتـروس الـصّـيـداوي Antipatros Sidonios الّـذي عـاش في الـقـرن الـثّـاني ق. م. :

” رأيـت أسـوار بـابـل الـعـتـيـقـة الّـتي تـجـري فـوقـهـا الـعـربـات

و [تـمـثـال] زيـوس هـذا عـلى ضـفـة نـهـر الألـفـيـه.

رأيـت الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة وعـمـلاق الـشّـمـس

والـبـنـاء الـهـائـل لـلأهـرامـات الـعـالـيـة

وضـريـح مـوسـول الـرّائـع”.

الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد :

يـذكـر ديـودروس الـصّـقـلي  Diodorus Siculus (الّـذي عـاش في زمـن يـولـيـوس قـيـصـر وخـلـفـه الـقـيـصـر أوغـسـطـس الـلـذيـن حـكـمـا رومـا في الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد) أنّ الـخـراب عـمّ مـديـنـة بـابـل وهـجـرهـا أغـلـب أهـلـهـا، ولـم يـبـق في داخـل الأسـوار إلّا أحـيـاء قـلـيـلـة بـقي فـيـهـا سـكّـانـهـا. ويـصـف في كـتـابـه : “الـمـكـتـبـة الـتّـاريـخـيـة ” الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة وصـفـاً مـفـصّـلاً. ويـذكـر الـقـصـة الّـتي حـكـاهـا بـيـروس عـن الـمـلـك الـبـابـلي (ولـكـنّـه لـم يـذكـر اسـمـه ) الّـذي شـيّـدهـا لـزوجـتـه، ولـكـنّـهـا أصـبـحـت عـنـده “مـحـظـيـة فـارسـيـة”. والـجـنـائـن عـنـده مـربـعـة الـشّـكـل، كـلّ ضـلـع مـنـهـا أربـعـة فـراسـخ. وهي درجـات أو سـطـوح تـرتـفـع فـوق أقـواس تـسـتـنـد عـلى أعـمـدة، وأعـلاهـا تـرتـفـع إلى خـمـسـيـن ذراعـاً. وشـيّـد كـلّ واحـد مـن هـذه الـسّـطـوح بـأحـجـار ضـخـمـة وضـعـت عـلـيـهـا طـبـقـة مـن الـقـصـب سـكـب عـلـيـهـا الـقـار، ثـمّ طـبـقـة مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور والـجـص، ثـمّ طـبـقـة مـن الـرّصـاص. ووضـعـت فـوقـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـتّـراب غـرسـت فـيـهـا أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـجـار مـن كـلّ الأنـواع، مـدهـشـة الأحـجـام وخـلّابـة الـجـمـال. ويـذكـر أنّـه كـان فـيـهـا غـرف بـديـعـة. وأنّ أحـد الأعـمـدة الّـتي تـسـنـد الـجـنـائـن كـان مـجـوفـاً مـن أعـلاه إلى أسـفـلـه، وهـوالّـذي كـان يـسـحـب الـمـاء مـن الـنّـهـر، أي الـفـرات، لـسـقي الـجـنـائـن.وهـو يـتـكـلّـم عـن الـزّقـورة ويـذكـر أنّ الـكـلـدان (ويـعـني بـهـم رجـال الـدّيـن) كـانـوا يـرتـقـون طـبـقـاتـهـا عـلى الـسّـلالـم ويـصـلـون إلى أعـلاهـا لـيـراقـبـوا مـسـيـرة الـكـواكـب والـنّـجـوم.

ويـبـدو أنّ ديـودروس الـصّـقـلي أخـد مـعـلـومـاتـه مـن سـيـرة الإسـكـنـدر الـمـقـدوني الّـتي ألّـفـهـا كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري حـوالي 300  سـنـة قـبـل الـمـيـلاد. ويـبـدو أنّ كـلـيـتـاركـوس الّـذي ضـاع كـتـابـه، قـد زار بـابـل. كـمـا أنّ ديـودروس الـصّـقـلي اقـتـبـس مـقـاطـع كـثـيـرة مـن كـتـاب إقـطـسـيـاس الإقـنـيـدي   Ktesias Knidos: “كـتـاب الـفـرس Persica”.

الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد:

كـتـب بـومـبـيـوس تـروغـوس  Cneius Pompeius Trogus ، الّـذي عـاش في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد بـيـن مـا كـتـب “الـتّـواريـخ الـفـيـلـيـبـيـة “. وقـد سـمى كـتـابـه هـذا بـاسـم فـيـلـيـبـوس الـمـقـدوني والـد الإسـكـنـدر. ويـتـكـلّـم فـيـه عـن الـمـنـاطـق الّـتي فـتـحـهـا الإسـكـنـدر الـكـبـيـر، إبـن فـيـلـيـبـوس الـمـقـدوني ومـنـهـا بـلاد آشـور. ويـذكـر أنّ تـاريـخ هـذه الـبـلاد يـبـدأ بـمـلـكـهـا (الأسـطـوري) نـيـنـوس. وقـد تـأثـر بـومـبـيـوس تـروغـوس بـمـا قـرأه في “تـاريـخ الإسـكـنـدر”  لـكـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري ، الّـذي رأيـنـا أنّـه كـتـبـه في بـدايـة الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد  .

أمّـا بـيـلـيـنـوس الأكـبـرGaius Pilinus Seconus ، والّـذي عـاش هـو الآخـر في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد ، فـيـنـقـل عـن الـمـؤرخ الإغـريـقي هـيـرودوت وصـفـه لـبـابـل وأنّ مـحـيـط أسـوارهـا كـان 480 غـلـوة. ويـذكـر الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة في مـوسـوعـتـه “الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي” :  “كـان الـقـدمـاء يـعـجـبـون أولاً بـجـنـائـن الـهـسـبـريـديـيـن، ثـمّ بـجـنـائـن الـمـلـكـيـن أدونـيـس وألـسـيـنـوس وبـالـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة الّـتي شـيـدتـهـا سـمـيـرامـيـس أو شـيـدهـا كـورش مـلـك بـلاد آشـور، والّـتي سـنـتـكـلّـم عـنـهـا في كـتـاب آخـر”. ولـم يـصـلـنـا الـكـتـاب الآخـر، وضـاع بـيـن مـا ضـاع. ونـلاحـظ أنّ بـيـلـيـنـوس الأكـبـر يـسـمـي الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني كـورش الّـذي أسـقـط بـابـل في 539 قـبـل الـمـيـلاد بـمـلـك بـلاد آشـور، ويـضـعـه بـجـانـب الـمـلـكـة الأسـطـوريـة سـمـيـرامـيـس !

ويـصـف الـمـؤرخ الـرّومـاني كـيـنـتـوس كـورتـيـوس  Quintus Curtius Rufus  الّـذي عـاش في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد ، بـابـل والـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة في كـتـابـه تـاريـخ الإسـكـنـدر الـكـبـيـر Historiaum Alexanderi Magni Libiri  (بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة). وكـتـابـه هـذا كـان بـعـشـرة أجـزاء ضـاع جـزاءهـمـا الأوّل والـثّـاني، كـمـا ضـاع بـعـضٌ مـمـا تـضـمّـنـتـه الأجـزاء الـثّـمـانـيـة الـبـاقـيـة. ويـذكـر الـقـصـة الّـتي حـكـاهـا بـيـروسـوس عـن الـمـلـك الـبـابـلي (ولـكـنّـه لـم يـذكـراسـمـه) الّـذي شـيّـد الـجـنـائـن لـزوجـتـه. وقـد اسـتـعـمـل الـمـعـلـومـات الّـتي وجـدهـا عـنـد كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري وإقـطـسـيـاس الإقـنـيـدي  وديـودروس الـصّـقـلي :

“وفـوق الـقـلـعـة كـانـت أحـدى الـعـجـائـب الّـتي رددتـهـا الأسـاطـيـرالإغـريـقـيـة : الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة. وتـوازي قـمـتـهـا أعـالي الأسـوار. ويـأتـيـهـا سـحـرهـا مـن ظـلالـهـا الـوارفـة وارتـفـاع أشـجـارهـا الـكـثـيـرة. والأعـمـدة الّـتي تـسـنـدهـا مـن الـصـخـر وفـوقـهـا سـطـح مـن الأحـجـار الـمـنـحـوتـة عـزز لـيـسـتـطـيـع حـمـل كـمـيـات الـتّـراب الّـتي ألـقـيـت فـوقـه والـمـاء الّـذي يـسـقـيـه. ويـحـمـل الـبـنـاء أشـجـاراً ضـخـمـة يـصـل قـطـر جـذع الـواحـدة مـنـهـا إلى ثـمـانـيـة أذرع ويـرتـفـع إلى 50 قـدم. وتـثـمـر هـذه الأشـجـار كـمـا لـو كـانـت عـلى الأرض. ومـع أنّ مـرور الـزّمـن يـمـحـو لـيـس فـقـط أعـمـال الإنـسـان وإنـمـا أيـضـاً أعـمـال الـطـبـيـعـة ، فـهـذه الـجـنـائـن تـبـقى قـائـمـة وذلـك رغـم ضـغـط جـذور كـلّ أشـجـار هـذه الـغـابـة وثـقـلـهـا. وهـذا لأنّ جـدران الأسـاس الّـذي تـسـتـنـد عـلـيـه يـبـلـغ سـمـكـهـا 20 قـدم، لا يـفـصـل بـيـن الـواحـد والآخـر أكـثـر مـن 11 قـدمـاً. وهـكـذا يـراهـا الـنّـاظـر مـن بـعـيـد كـغـابـات طـبـيـعـيـة عـلى قـمـة جـبـل.  وتـذكـر الأخـبـار الـمـنـقـولـة أنّ الّـذي شـيّـدهـا مـلـك سـوريـا (يـقـصـد بـلاد آشـور) الّـذي كـان وحـكـم بـابـل. دفـعـه إلى ذلـك حـبّـه لـزوجـتـه، فـقـد كـانـت في مـديـنـة الـسّـهـول هـذه تـحـنّ إلى جـبـال بـلـدهـا. وطـلـبـت مـن زوجـهـا أن يـقـلـد بـهـذا الـعـمـل سـحـر الـطّـبـيـعـة “.

وكـتـب الـجـغـرافي الـرّومـاني إسـطـرابـو Strabo الّـذي عـاش في نـهـايـة الـقـرن الأول ق.م. وبـدايـة الـقـرن الـثّـاني ب. م.  وصـفـاً مـفـصـلاً أخـذه مـن سـابـقـيـه لـلـجـنـائـن في كـتـابـه “الـجـغـرافـيـا ” :  “هـذه الـجـنـيـنـة الّـتي هي مـربـع شـاسـع طـول كـلّ ضـلـع مـنـه أربـعـة فـراسـخ. تـرتـفـع سـطـوحـهـا طـبـقـات تـسـنـدهـا أقـواس مـرتـكـزة عـلى أعـمـدة مـربـعـة الأضـلاع. وهـذه الأعـمـدة مـجـوفـة، ومـلأت الـسّـطـوح تـرابـاً غـرسـت فـيـه أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـجـار. وشـيّـدت الأعـمـدة والأقـواس والـسّـطـوح بـالـطّـابـوق الـمـفـخـور والـقـار لا غـيـر. ويـتـسـلـق الـصّـاعـد إلى الـطّـابـق الـعـلـوي درجـات سـلّـم ضـخـم تـحـاذيـه لـوالـب يـصـعـد الـمـاء عـلـيـهـا مـن الـفـرات إلى الـجـنـيـنـة، ويـديـرهـا بـلا تـوقـف رجـال عـهـد إلـيـهـم بـذلـك. والـفـرات يـقـسـم الـمـديـنـة مـن وسـطـهـا إلى نـصـفـيـن”.

الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد :

ويـبـدو أنّ فـيـلـون الـبـيـزنـطي Philon Byzantios  الّـذي عـاش في الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد هـو الّـذي اقـتـرح قـائـمـة بـ “عـجـائـب الـدّنـيـا” وضـع فـيـهـا جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة. ولـكـنّ كـتـابـه كـمـا وصـلـنـا يـعـجّ بـإضـافـات مــمـن جـاءوا بـعـده :

“زرعـت الـجـنـيـنـة الـمـسـمـاة بـالـمـعـلّـقـة في الـفـضـاء : نـبـاتـاهـا تـعـلـوالأرض، [والـجـنـيـنـة ] تـبـدو سـقـفـاً يـعـلـو الأرض، تـسـنـده أعـمـدة مـن الـحـجـر ركـزت فـوق أسـطـوانـات مـن الـصّـخـر لـمـنـحـوت. وقـد ألـقـيـت فـوقـه كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـتّـراب زرعـت فـيـهـا نـبـاتـات واسـعـة الأوراق. وتـنـمـو في هـذه الـجـنـيـنـة كـلّ أنـواع الأشـجـار، وأنـواع مـخـتـلـفـة مـن الأزهـار، أي كـلّ مـا يـحـلـو لـلـنّـظـر ويـمـتـع الـحـواس. وتـوصـل مـجـاري الـسّـقي الـمـاء إلى الأعـلى، إمّـا أن يـنـبـثـق انـبـثـاقـاً مـسـتـقـيـمـاً أو يـصـعـد مـتـلـويـاً في لـوالـب بـحـيـل تـجـعـلـه يـجـري حـول مـراوح وآلات.  ويـسـقي الـمـاء الـمـرفـوع، بـعـد أن يـسـكـب في أحـواض، الـجـنـيـنـة كـلّـهـا. يـتـداخـل في جـذورالـنّـبـاتـات تـداخـلاً عـظـيـمـاً فـتـظـلّ مـنـه الأرض مـبـتـلّـة. ولـهـذا ولاشـكّ كـانـت الأعـشـاب فـيـهـا دائـمـة الإخـضـرار(…) وكـان يـنـتـج عـن هـذا الـعـمـل [الـمـصـطـنـع] مـتـعـة مـلـكـيـة، فـهـو مـعـاكـس لـعـمـل الـطّـبـيـعـة مـادام يـعـلّـق أثـمـار الأرض فـوق رؤوس الـرّافـعـيـن أنـظـارهـم إلـيـهـا لـيـتـأمـلّـوهـا”.

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (1) :

بـطـاقـات بـريـديـة طـبـعـتـهـا شـركـة عـبـدُالـعـلي إخـوان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

تـنـشـرعـدّة مـواقـع عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة أعـداداً كـبـيـرة مـن الـصّـور الـقـديـمـة عـن الـعـراق، ولـكـن أغـلـبـيـتـهـا لا تـذكـر مـصـادر هـذه الـصّـور، ولا تـهـتـم بـمـن صـورهـا ولا في أيـة فـتـرة زمـنـيـة الـتـقـطـت. ونـجـد في بـعـض الأحـيـان صـوراً لا يـذكـر نـاشـروهـا أيـة مـعـالـم طّـبـيـعـيـة أو عـمـرانـيـة تـمـثـلـهـا. وفي مـحـاولـتي لـتـصـنـيـف بـعـض هـذه الـصّـور الّـتي طـبـعـت كـبـطـاقـات بـريـديـة وتـبـويـبـهـا وجـدت أعـداداً مـنـهـا تـحـمـل تـعـلـيـقـات وخـاصـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة تـذكـر اسـم الـمـصـور أو الأسـتـوديـو أوالـشّـركـة الّـتي تـكـلـفـت بـطـبـعـهـا، كـمـا تـشـيـر إلى الـمـشـاهـد أوالـمـنـاظـر الـطـبـيـعـيـة والـعـمـرانـيـة الّـتي تـصـوّرهـا. ولأنّي لـم أجـد دراسـات يـسـهـل إيـجـادهـا ويـمـكـن الإعـتـمـاد عـلـيـهـا فـقـد حـاولـت جـهـدي أن أصـل إلى بـعـض الإسـتـنـتـاجـات الّـتي سـأخـطـأ ولا شـكّ في بـعـضـهـا. وأودّ لـو تـوصـلـت بـمـحـاولـتي هـذه إلى دفـع بـعـض قـرائي إلى الـمـشـاركـة فـيـهـا وتـزويـدي بـمـعـارفـهـم ومـلاحـظـاتـهـم. وسـأركّـز في هـذه الـمـحـاولات عـلى خـمـسـة مـصـوّريـن أو أسـتـوديـوهـات أو شـركـات تـصـويـر: عـبـدُ الـعـلي إخـوان Abdulaly Bros. ، و إلـدورادو Eldorado ،  وبـيـزاز  Bezaz ، وإسـكـنـدر ج. زفـوبـودا Alexandre J. Svoboda ، و هـوري J. S. Hoory .

 مـؤسـسـة عـبـدُالـعـلي اخـوانـا (إخـوان) Abdulaly Bros :

أنـشـأهـا هـنـدي مـن الـرّعـايـا الـبـريـطـانـيـيـن في الـعـراق، عـبـدُ الـعـلي آدمـس. وكـان لـهـا نـشـاطـات مـتـنـوعـة في بـغـداد. ومـمـا نـعـرفـه عـن عـبـدُ الـعـلي هـذا أنّ الـسّـلـطـات الـعـثـمـانـيـة قـدّمـت في شـهـر حـزيـران مـن عـام 1913 طـلـبـاً لـتـوقـيـفـه إلى الـقـنـصـل الـبـريـطـاني في بـغـداد. وكـان سـبـب الـطّـلـب تـلاعـبـه بـأسـعـار الـبـضـائـع ورفـعـه لـهـا. وقـد اضـطـرّ الـقـنـصـل الـبـريـطـاني إلى الإسـتـجـابـة لـلـطّـلـب. وقـد طـبـعـت الـمـؤسـسـة بـطـاقـات بـريـديـة عـن صـور لـلـعـراق وبـاعـتـهـا خـلال سـنـوات طـويـلـة. واخـتـرت لـكـم 17 بـطـاقـة مـن هـذه الـبـطـاقـات ربّـمـا اسـتـطـعـنـا أن نـرتـبـهـا كـالـتـالي : بـطـاقـتـان تـصـوّر الأولى حـفـل افـتـتـاح الـجـسـر الـجـديـد.

Abdulaly 1

وفي أعـلاهـا تـعـلـيـق بـالـلـغـة الـتّـركـيـة الـعـثـمـانـيـة (وبـالـحـروف الـعـربـيـة)، وفي أسـفـلـهـا تـعـلـيـق بـالإنـكـلـيـزيـة : The New Bridge and Old Side of Baghdad  أي “الـجـسـر الـجـديـد والـجـانـب الـقـديـم مـن بـغـداد”. ويـبـدو أنّـهـا كـانـت في مـجـمـوعـة بـطـاقـات فـهي تـحـمـل الـرقـم 8. ونـجـد في أعـلى الـبـطـاقـة كـتـابـة أضـيـفـت بـقـلـم حـبـر لاسـم : E. Menoyet

(ربّـمـا كـان مـالـكـهـا الّـذي اشـتـراهـا في بـغـداد) ولـتـاريـخ : الأوّل مـن شـهـر آذار 1909. أمّـا الـبـطـاقـة الـثّـانـيـة الّـتي تـنـتـمي ولا شـكّ إلى نـفـس الـمـجـمـوعـة فـتـحـمـل الـرّقـم 12.

Abdulaly 2

ونـقـرأ في أعـلاهـا بـالـتّـركـيـة الـعـثـمـانـيـة : ” بـغـداد امـام اعـظـم …” ، وفي أسـفـلـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : The North Gate of Bab-ul-Muazzam, in the city of Baghdad . أي “الـبـاب الـشّـمـالي بـاب الـمـعـظـم في مـديـنـة بـغـداد”. وأضـيـف فـوق هـذا الـتّـعـلـيـق (في أسـفـل الـصّـورة) بـقـلـم حـبـراسـم يـصـعـب قـراءتـه وتـاريـخ : بـغـداد 14/ 11/ 11، أي 14 مـن شـهـر تـشـريـن الـثّـاني سـنـة 1911. ونـجـد في أسـفـل الـبـطـاقـتـيـن اسـم مـؤسـسـة عـبـدُ الـعـلي إخـوان، بـغـداد: Abdulaly 1 (2)

والـبـطـاقـتـان ولا شـكّ مـن أقـدم مـا طـبـعـتـه الـمـؤسـسـة. ولـديـنـا بـطـاقـة ثـالـثـة تـمـثّـل “الـسّـقـا”.

Abdulaly Bros. 3

وعـلى جـانـبـهـا نـص بـالـفـرنـسـيـة فـقـط : Bagdad, Porteur d’eau Seka. وأضـيـف إلـيـهـا بـقـلـم حـبـر تـعـلـيـق بـالـتّـركـيـة (وبـحـروف عـربـيـة) ربّـمـا تـنـتـمي إلى هـذه الـفـتـرة. وكـتـب في أسـفـلـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، تـجّـار، بـغـداد.

Abdulaly Bros. 3 (2)

أمّـا الـبـطـاقـة الـرّابـعـة فـلـيـس عـلـيـهـا إلّا الـتّـعـلـيـق الإنـكـلـيـزي في أسـفـلـهـا (والّـذي أضـيـفـت إلـيـه تـرجـمـتـه بـالـفـرنـسـيـة) أي أنّـهـا نـشـرت بـعـد خـروج الـعـراق مـن هـيـمـنـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـعـد الإحـتـلال الـبـريـطـاني في 1917.

Abdulaly 3

ويـذكـر الـنّـص الإنـكـلـيـزي:   Carriage Line going at Babylon and to Karbele  وتـحـتـه بـالـفـرنـسـيـة : Ligne de charriots menant à Babylone et Karbela أي خـط عـربـات نـقـل إلى بـابـل وكـربـلاء. وتـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة وبـحـروف صـغـيـرة : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، تـجّـار هـنـود، وكـلاء تـجـاريـون [أي وسـطـاء بـيـن الـبـاعـة والـمـشـتـريـن] ومـنـتـجـو مـيـاه غـازيـة وشـرابـت [جـمـع شـربـت]، بـغـداد.

Abdulaly 4

والـبـطـاقـة الـخـامـسـة مـن نـفـس فـتـرة الـرّابـعـة، بـنـصـيـهـا الإنـكـلـيـزي والـفـرنـسي وبـنـفـس اسـم الـشـركـة ونـشـاطـاتـهـا.

Abdulaly 5

ويـذكـر الـنّـصّ الإنـكـلـيـزي : Arab’s camps and their cattles on the banks of River Tigris nrear Baghdad . وتـرجـمـتـه إلى الـفـرنـسـيـة : Camp d’Arabes et leurs  troupeaux aux bords du Tigre   أي مـضـارب عـرب وقـطـعـانـهـم عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة قـرب بـغـداد. ثـمّ نـجـد ثـمـاني بـطـاقـات كـتـب في أسـفـلـهـا : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، قـرطـاسـيـات ونـاشـرو بـطـاقـات بـريـديـة :

Abdulaly Bros. 6 (2)

ا ــ  صـورة مـكـتـب الـحـاكـم الـعـام في الـسّـراي.

Abdulaly Bros. 16 (2)

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : The Governor General’s Office in Seray, Baghdad . وأضـيـف عـلـيـهـا بـقـلـم حـبـر اسـم مـالـك الـبـطـاقـة : E. Menoyet  ، والّـذي رأيـنـا أنّـه اشـتـرى بـطـاقـة “الـجـسـر الـجـديـد والـجـانـب الـقـديـم مـن بـغـداد” في 14/ 11/ 11، أي 14 مـن شـهـر تـشـريـن الـثّـاني سـنـة 1911. وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّـه بـعـد اكـتـمال احـتـلال الـبـريـطـانـيـيـن لـلـعـراق، وضعـتـه “عـصـبـة الأمـم” عـام 1918تـحـت انـتـدابـهـم . وتـشـكّـلـت إدارة مـدنـيـة بـريـطـانـيـة تـرأسـهـا الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس  P. COX  الّـذي عـيّـن حـاكـمـا عـامـاً. وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1921 عـنـدمـا نـصـب فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى الـعـراق تـحـت اسـم فـيـصـل الأوّل. وقـد الـتـقـطـت هـذه الـصّـورة إذن في تـلـك الـفـتـرة.

ب ــ  صـورة سـفـيـنـة بـخـاريـة تـنـقـل الـمـسـافـريـن كـانـت تـمـتـلـكـهـا “شـركـة مـلاحـة الـفـرات ودجـلـة  The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company” الّـتي أنـشـأهـا الإخـوان لـنـج Lynch Brothers في 1861.

Abdulaly Bros. 5

والـسّـفـيـنـة الـمـسـمـاة “بـلـوس لـنـج Bloss Lynch ”  صـنـعـت في إنـكـلـتـرة وركّـبـت في الـبـصـرة في 1878 . وكـان يـمـكـنـهـا نـقـل 600 مـسـافـر و300 طـن مـن الـبـضـائـع بـيـن بـغـداد والـبـصـرة. وقـد وجـدت ذكـراً لـحـادثـة جـرت لـلـسّـفـيـنـة عـام 1908 في سـجـل الـمـنـاقـشـات الـبـرلـمـانـيـة في بـريـطـانـيـا    The Parliamentary Debates.  ولا أدري حـتّى أيـة سـنـة سـارت هـذه الـسّـفـيـنـة في دجـلـة.

ج ــ  صـورة سـفـيـنـة بـخـاريـة تـصـل إلى بـغـداد.

Abdulaly Bros. 6

كـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  A view of the river, when steamer is arrived, Baghdad. أي مـنـظـر لـلـنّـهـر عـنـدمـا وصـلـت الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة، بـغـداد.

د ــ  صـورة نـفـس الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة مـن الأمـام.

Abdulaly Bros. 8

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  A scene of the river Tigris, Baghdad.

هـ ـ  صـورة مـنـظـر لـحـدائـق الـبـلـديـة في طـريـق الـمـيـدان.

Abdulaly Bros. 9

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  A view of the Municipal Gardens at Maydan Road, Baghdad.

و ــ  صـورة طـريـق “الـمـسـعـودي” الـمـؤدي إلى بـابـل وكـربـلاء في الـجـانـب الـقـديـم لـبـغـداد. Abdulaly Bros. 13

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  The Road of «Masoodi » leading to Babylon and Karbela. The old Side of Baghdad.

ز ــ  صـورة مـعـمـل طـابـوق.

Abdulaly Bros. 14

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : the brick kilns, Baghdad

ح ــ  صـورة مـنـارة سـوق الـغـزل.

Abdulaly Bros. 15

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  The «Minaret » Sug-el-Gazel, Baghdad ، وتـحـتـهـا بـالـفـرنـسـيـة : Le Minaret de Sug-el-Gazil . ووجـدت لـكـم أيـضـاً ثـلاث بـطـاقـات كـتـب عـلـيـهـا : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، نـاشـرو بـطـاقـات بـريـديـة ومـسـتـوردون :

Abdulaly Bros. 16 (5)

الأولى صـورة عـرب تـوقّـفـوا لـلإسـتـراحـة قـرب ضـفـة الـنـهـر.

Abdulaly Bros. 16 (3)

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : Arabs halting for rest near river bank, Baghdad . والـثّـانـيـة صـورة جـسـرالأعـظـمـيـة وغـابـات الـنّـخـيـل قـرب بـغـداد. Abdulaly Bros. 16 (4)

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة: The Bridge of Moazem and date garden on the Tigirs (near Baghdad)  وطـبـعـاً فـقـد كـانـت مـنـطـقـة الأعـظـمـيـة مـنـفـصـلـة عـن بـغـداد بـيـنـهـمـا غـابـات نـخـيـل شـاسـعـة الإمـتـداد. والـثّـالـثـة صـورة واسـعـة لـنـهـر دجـلـة الـتـقـطـت مـن الـقـنـصـلـيـة الـعـامـة الـبـريـطـانـيـة. Abdulaly Bros. 16

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  Panorama View of river Tigris from the British Consulate General, Baghdad. ونـجـد اسـم مـؤسـسـة عـبـدُ الـعـلي إخـوان بـشـكـل مـخـتـلـف عـلى آخـر بـطـاقـاتـنـا فـقـد كـتـب : بـائـعـو آلات ومـعـدّات تـصـويـر ونـاشـرو بـطـاقـات بـريـديـة :

Abdulaly Bros. 18

وعـلى هـذه الـبـطـاقـة صـورة انـطـلاق واحـدة مـن الـسّـفـن الـبـخـاريـة الـثّـلاث الّـتي كـانـت تـمـتـلـكـهـا إدارة نـقـل بـالـسّـفـن الـبـخـاريـة تـابـعـة لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة تـأسـسـت في زمـن الـوالي نـامـق بـاشـا عـام 1868 وأسـمـيـت بـ “الـحـمـيـديـة”. ومـشـهـد عـلى الـجـانـب الأيـمـن مـن دجـلـة.

Abdulaly Bros. 17

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : Launching barge of Hamidieh steamers and a scene on the right side of the river Tigris, Baghdad.

رحـلات الـفـرنـسي تـافـرنـيـيـه الـسـتّ إلى الـشّـرق في الـقـرن الـسّابـع عـشـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Nicolas_de_Largillière_002 (640x987)

قـام الـتّـاجـر الـفـرنـسي جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه Jean-Baptiste Tavernier بـسـتّ رحـلات إلى الـشّـرق مـن عـام 1631 إلى عـام  1668. وقـد مـرّ بـالـعـراق في ثـلاث مـن هـذه الـرّحـلات : مـرّ بـبـغـداد مـروراً سـريـعـاً في رحـلـتـه الأولى. ومـرّ بـالـمـوصـل في رحـلـتـه الـثّـالـثـة. ونـزل دجـلـة عـلى كـلـك مـن الـمـوصـل إلى بـغـداد، ثـمّ أكـمـل طـريـقـه إلى الـبـصـرة في رحـلـتـه الـرّابـعـة. وهـو يـسـرد مـا حـدث لـه في رحـلاتـه الـسّـتّ في كـتـاب صـدر في بـاريـس 1676، ثـمّ أعـيـد طـبـعـه مـراراً، ومـازالـت طـبـعـات مـخـتـصـرة أو مـخـتـارات مـن الـكـتـاب تـصـدر مـن حـيـن إلى حـيـن وبـعـدّة لـغـات.

Tavernier-titre

وقـد تـرجـم كـوركـيـس عـواد وبـشـيـر فـرنـسـيـس الـمـقـاطـع الّـتي تـكـلّـم فـيـهـا تـافـرنـيـيـه عـن الـعـراق ونـشـراهـا في بـغـداد عـام 1944.(1) ولـكـنّ دراسـات كـثـيـرة نـشـرت مـنـذ ذلـك الـحـيـن وحـسّـنـت مـعـرفـتـنـا بـتـافـرنـيـيـه وزمـنـه، وقـد اسـتـطـعـت قـراءة الـنّـص بـطـبـعـتـه الأصـلـيـة الّـتي تـحـتـفـظ الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـاريـس بـنـسـخـة مـنـهـا، وتـرجـمـت الـمـقـاطـع عـنـهـا مـبـاشـرة.

 جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه : 

ولـد جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه Jean-Baptiste Tavernier(1) في مـديـنـة بـاريـس، عـاصـمـة فـرنـسـا، سـنـة 1605 بـعـد الـمـيـلاد. وكـان أبـوه تـاجـراً بـروتـسـتـانـتـيـاً يـبـيـع الـخـرائـط الـجـغـرافـيـة هـاجـر إلى أنـفـيـر في بـلـجـيـكـا هـربـاً مـن اضـطهـاد الـكـاثـولـيـكـيـيـن. ونـحـن نـعـرف أنّ الـبـروتـسـتـانـتـيـيـن الّـذيـن حـرمـوا مـن الـدّخـول في أرسـتـقـراطـيـة الـجـيـش وأرسـتـقـراطـيـة الـقـضـاء والإدارة (كـلّ قـواد الـجـيـش والـقـضـاة كـانـوا مـن الـكـاثـولـيـكـيـيـن) تـوجـهـوا نـحـوالـتّـجـارة. وقـد شـاركـوا بـذلـك في تـكـويـن طـبـقـة بـرجـوازيـة غـنـيّـة وقـويّـة. ولا شـكّ في أنّ جـان بـاتـسـت قـضى جـزءاً مـن طـفـولـتـه في مـحـلّ تـجـارة أبـيـه بـيـن الـخـرائـط الّـتي كـانـت تـظـهـر لـه ولاشــكّ عـالـمـاً مـلـيـئـاً بـمـنـاطـق عـجـيـبـة وغـريـبــة، فـقـد كـانـت الـدّقـة تـنـقـصـهـا في ذلـك الـزّمـن. ولا شــكّ في أنّ أحـاديـث أبـيـه وزبـائـن أبـيـه عـن أجـزاء جـديـدة مـن الـعـالـم اكـتـشـفـهـا الـبـحّـارة والـتّـجّـار ووضـعـوا أسـمـاءهـا الـسّـاحـرة الألـفـاظ عـلى الـخـرائـط  قـد فـتـنـت الـصّـبي وأعـدّتـه لـمـا ســيـفـعـلـه فـيـمـا بـعـد. وهـكـذا بـدأ جـان بـاتـيـسـت يـسافـر قـبـل أن يـبـلـغ الـعـشـريـن مـن عـمـره. وبـدأ بـبـلـد قـريـب، بـإنـكـلـتـرة. وقـد كـتـب بـعـد ذلـك :  “وقـبـل أن أبـلـغ الـثّـانـيـة والـعـشـريـن كـنـت قـد رأيـت أجـمـل مـنـاطـق أوربـا، فـرنـسـا وإنـكـلـتـرة  والـبـلاد الـمـنـخـفـضـة (هـولـنـدة) وألـمـانـيـا وســويـسـرة وبـولـنـدة والـمـجـر وإيـطـالـيـا”.

وفي أوربـا الّـتي خـربـتـهـا حـرب الـثّـلاثـيـن سـنـة، يـبـدو أنّ فـكـرة الـدّخـول في الـجـيـش قـد راودت فـتـانـا الـبـروتـسـتـانـتي، وقـد بـقي أربـع ســنـوات في خـدمـة نـائـب مـلـك الـمـجـر. ولـكـن تـربـيـتـه الّـتي بـذرت في قـلـبـه حـبّ الـمـال تـغـلـبـت عـلى ذلـك فـعـاد إلى أسـفـاره. وذهـب إلى إيـطالـيـا، ومـنـهـا إلى شــمـال أوربـا. ووصـل إلى ريـغـنـسـبـورغ  Regensburg  في ألـمـانـيـا في فـتـرة تـتـويـج فـرنـانـد الـثّـالـث إمـبـراطـوراً عـام 1637. وفـيـهـا الـتـقى بـالأب جـوزيـف الّـذي كان الـمـسـتـشـار الـسّـرّي لـلـكـرديـنـال ريـشـلـيـو وزيـر لـويـس الـثّـالـث عـشـر، مـلـك فـرنـسـا. واقـتـرح عـلـيـه الأب جـوزيـف أن يـصـاحـب نـبـيـلـيـن مـن نـبـلاء فـرنـسـا إلى الأرض الـمـقـدّسـة (فـلـسـطـيـن) مـروراً بالـقـسـطـنـطيـنـيـة. وكـان الأب الـكـبـوشي جـوزيـف أوّل رجـل سـيـاسـة فـرنـسي اهـتـمّ بـعـقـد عـلاقـات مـع بـلاد الـفـرس الّـتي كـان غـيـاب الـفـرنـسـيـيـن عـنـهـا تـامّـاً، بـيـنـمـا كـان الـهـولـنـديـون قـد عـززوا سـيـطرتـهـم في الـمـحـيـط الـهـنـدي، وعـزز الإنـكلـيـز حـضـورهـم فـيـه بـعـد أن تـعـاهـدوا مـع الـشّـاه الـصّـفـوي عـلى طـرد الـبـرتـغـالـيـيـن مـن مـضـيـق هـرمـز في الـخـلـيـج عـام 1622. أمّـا الـبـعـثـات الـتّـبـشـيـريـة في أصـفـهـان فـقـد كـانـت بـأيـدي الـبـرتـغـالـيـيـن.

وقـد اســتـمـع الـكـرديـنـال ريـشـلـيـو لـنـصـيـحـة الأب جـوزيـف الّـذي كـان تـأثـيـره عـلـيـه شـديـداً، وقـرر أن يـبـعـث بـسـفـيـر إلى بـلاط الـصّـفـويـيـن في أصـفـهـان . ونـحـن نـعـرف أنّ صـراعـات الـصّـفـويـيـن مـع الـعـثـمـانـيـيـن دفـعـتـهـم لـلـتـحـالـف مـع الأوربـيـيـن رغـبـةً مـنـهـم في إحـاطـة الأراضي الـعـثـمـانـيـة ومـحـاصـرتـهـا لـلـضغـط عـلـيـهـا مـن الـجانـبـيـن. وكـانـت جـمـهـوريـة الـبـنـدقـيـة في إيـطـالـيـا أوّل مـن عـقـد مـعـاهـدات مـع الـبـلاط الـفـارسي، ولـهـذا كـان الـعـثـمـانـيـون يـراقـبـون كـلّ أوربي يـودّ أن يـمـرّ إلى بـلاد الـفـرس، إنّ لـم يـكـن تـاجـراً، ويـنـظـرون إلـيـه بـعـيـن الـرّيـبـة.

وكـان الأب جـوزيـف، قـبـل أن يـلـتـقي بـتـافـرنـيـيـه، قـد أرسـل الأب الـكابـوشي بـاسـفـيـك دو بـروفـان  Pacifique de Provins  إلى أصـفـهـان لـيـتـرأس الـبـعـثـة الـتّـبـشـيـريـة فـيـهـا، وحـمّـلـه رسـالـة مـن لـويـس الـثّـالـث عـشـر إلى الـشّـاه عـبّـاس الأوّل. وبـعـد وصـول الأب دو بـروفـان إلى أصـفـهـان عـام  1628 عـيّـنـه الـشّـاه سـفـيـراً. ورغـم أن تـافـرنـيـيـه كـان قـد قـبـل بـأن يـصـاحـب الـنّـبـيـلـيـن إلى فـلـسـطـيـن، فـإنّـه عـنـدمـا وصـل إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة عـام 1631، تـركـهـمـا يـعـبـران الـبـحـر وحـدهـمـا إلى الإسـكـنـدريـة بـيـنـمـا بـقي هـو يـنـتـظـر قـافـلـة تـوصـلـه إلى بـلاد الـفـرس. وقـد بـقي تـافـرنـيـيـه يـنـتـظـر الـقـافـلـة أكـثـر مـن أحـد عـشـر شـهـراً جـمـع خـلالـهـا مـا يـكـفي مـن الـمـعـلـومـات لـتـألـيـف كـتـاب “وصـف الـسّـراي  Relation du sérail” الّـذي نـشـره عـام 1675، قـبـل نـشـر كـتـاب الـرّحـلات.

وكـانـت الـقـســطـنـطـيـنـيـة، في تـلـك الـسّـنـوات، تـعـيـش صـراعـات وصـعـوبـات داخـلـيـة وخـارجـيـة، فـلـم يـكـن مـراد الـرّابـع قـد وصـل بـعـد سـنّ الـبـلـوغ، وقـد اسـتـطـاعـت نـسـاء الـحـريـم الـسّـيـطـرة عـلى الـقـصـر بـمـسـاعـدة الـخـصـيـان. كـمـا أنّ أنـاضـولـيـا الّـتي كـانـت قـد أنـهـكـتـهـا ثـورات الـفـلاحـيـن، لـم تـعـد قـادرة عـلى دفـع الـضّـرائـب لـلـدّولـة في الـوقـت الّـذي اشـتـدت فـيـه حـاجـة الـدّولـة لـزيـادة الـضّـرائـب لـتـمـويـل حـروبـهـا مـع الـدّول الأوربـيـة. وهـكـذا أجـبـرت الـدّولـة عـلى بـيـع الـوظـائـف الإداريـة لـمـن يـدفـع لـهـا ثـمـنـاً أكـبـر. ثـمّ جـهـد مـن اشـتــروهـا في اسـتـغـلال وظـائـفـهـم لاسـتـرجـاع مـبـالـغ أكـثـر مـمـا دفـعـوه، عـارفـيـن أنّ الـسّـراي سـيـسـحـب مـنـهـم الـوظـائـف بـسـرعـة لـيـعـيـد بـيـعـهـا لآخـريـن يـدفـعـون أكـثـر مـنـهـم، فـتـتـابـع الـبـاشـوات عـلى الـولايـات لا يـبـقـون فـيـهـا إلّا فـتـرات قـصـيـرة أنـهـكـت الأرض وسـكّـانـهـا حـتّى تـحـولـت إلى خـراب. ولأنّ بـعـض هـؤلاء الـبـاشـوات لـم يـجـدوا الـوقـت لاسـتـرجـاع مـا دفـعـوه لـلـدّولـة، فـقـد فـضّـلـوا أن يـثـوروا عـلى الـدّولـة بـدلاً مـن تـرك وظـائـفـهـم، وكـوّنـوا قـوّات مـن فـلّاحي الـولايـة لـقـتـال الـولاة الـجـدد الّـذيـن دفـعـوا ثـمـنـاً غـالـيـاً لـنـفـس الـوظـيـفـة. وإذا مـا طـال الـصّـراع وبـاع الـسّـراي نـفـس الـوظـيـفـة لـثـالـث يـلـحـق بـاثـنـيـن مـنـهـمـا ، فـغـالـبـاً مـا يـتـحـد الإثـنـان ضـدّ الـثّـالـث. وهـكـذا اسـتـشـرى الـجـشع في الـوظـائـف الإداريـة وسـاد الـخـراب في أنـحـاء أنـاضـولـيـا الّـتي زارهـا تـافـرنـيـيـه.

أمّـا عـن الـوضـع الـخـارجي، فـقـد كـانـت الـدّولـة في حـرب ضـدّ الـبـنـدقـيـة لانـتـزاع جـزيـرة كـريـت مـنـهـا. وقـد طـالـت الـحـرب وتـوسّـعـت حـتّى اسـتـطـاع أسـطـول الـبـنـدقـيـة سـدّ مـنـفـذ الـبـوسـفـور خـانـقـاً الـقـسـطـنـطـيـنـيـة الّـتي كـان يـأتـيـهـا قـمـحـهـا و كـلّ ذهـبـهـا مـن مـصـر. واسـتـغـل الـفـرس الـصّـفـويـون ضعـف الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـشـاكـلـهـا الّـتي كـانـت تـتـخـبّـط فـيـهـا فـاحـتـلّـوا بـغـداد.

الـرّحـلـة الأولى :

تـرك تـافـرنـيـيـه الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في 1632 لـيـسـلـك طريـق الـقـوافـل الـقـديـمـة الّـتي تـمـرّ بـأرضـروم وتـبـريـز إلى أصـفـهـان. وقـد وجـد تـافـرنـيـيـه في بـلاد الـصّـفـويـيـن نـظامـاً سـيـاسـيـاً يـسـري عـلى أراضٍ تـبـدو أكـثـر ازدهـاراً في مـظـهـرهـا، ولـكـنّـهـا كـانـت تـعـاني مـن نـفـس مـشـاكـل الـفـسـاد الّـتي كـانـت تـعـاني مـنـهـا الـولايـات الـعـثـمـانـيـة.  فـبـيـنـمـا اجـتـهـد الـعـثـمـانـيـون لـمـدّة  قـرون عـلى تـدمـيـر كـلّ الـتّـركـيـبـات الـقـبـلـيـة ، إرتـكـز الـصّـفـويـون عـلى تـحـالـفـات قـبـلـيـة  تـدّعي كـلّـهـا الـرّجـوع إلى جـدّ واحـد : مـؤسـس الـدّولـة الـشّـاه إسـمـاعـيـل. ولـم يـكـن سـراي أصـفـهـان بـأحـسن مـن سـراي الـقـسـطـنـطـيـنـة، ولا تـنـظـيـم الـدّولـة الـصّـفـويـة بـأحـسـن مـن تـنـظـيـم الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، فـنـظـام الإقـطـاع الـسّـائـد في بـلاد الـفـرس يـعـادل في تـأثـيـراتـه الـتّـخـريـبـيـة بـيـع الـوظـائـف الـعـثـمـانـيـة.

وصـل تـافـرنـيـيـه إلى أصـفـهـان في نـهـايـة ربـيـع 1632، في الـسّـنـة الـرّابـعـة مـن حـكـم الـشّـاه صـفي، أوّل مـلـوك الـسّـلالـة الـصّـفـويـة. ولا يـحـتـمـل أنّ يـكـون مـسـافـرنـا قـد اسـتـطاع مـقـابـلـة الـشّـاه في سـفـرتـه الأولى هـذه، فـلـم يـكـن بـعـد تاجـراً غـنـيّـاً، ولـم يـكـن يـقـوم إلّا بـمـهـمـة طـلـب مـنـه أن يـنـفـذّهـا. ويـظـهـر لـنـا في كـتـابـاتـه كـمـسـافـر عـادي، ويـذكـر في مـراسـلاتـه مـع الأب جـوزيـف أنّـه سـكـن عـنـد الأب باسـفـيـك رئـيـس الآبـاء الـكـبـوشـيـيـن في أصـفـهـان. ولـم يـبـق تـافـرنـيـيـه في هـذه الـمـديـنـة، في مـرّتـه الأولى هـذه إلّا ثـلاثـة أشـهـر.

tavernier

ونـذكّـر الـقـارئ هـنـا أنّـه في الـوقـت الّـذي بـدأت فـيـه عـلاقـات فـرنـسـا تـتـوثـق مـع بـلاد الـفـرس، أنـشـأ بـعـض الـفـرنـسـيـيـن شـركـة خـاصـة لـلـمـتـاجـرة مـع الـمـحـيـط الـهـنـدي. وقـد وصـلـت أربـعـة مـن سـفـنـهـا إلى جـزيـرة جـاوة، ولـكـنـهـا أحـرقـت بـتـآمـر حـاكـه الـهـولـنـديـون ضـدّهـا. وقـررأحـد بـحـارتـهـا أن يـعـود إلى أوربـا عـن طـريـق الـبـر، لـكـنّـه سـقـط مـريـضـاً قـرب مـديـنـة كـنـغـفـا، فـبـعـث الآبـاء الـكـبـوشــيـون  تـافـرنـيـيـه  لـلإعـتـنـاء بـه. وهـكـذا عـاد تـافـرنـيـيـه مـعـه عـن طـريـق بـغـداد الّـتي كـانـت تـحـت حـكـم الـفـرس في ذلـك الـزّمـن، ثـمّ اسـتـمـرّا نـحـو حـلـب. ومـن حـلـب إلى الإســكـنـدونـة الّـتي أبـحـرا مـنـهـا إلى فـرنـسـا. و وصـلا في 1633.

الـرّحـلـة الـثّـانـيـة :

خـصـص تـافـرنـيـيـه رحـلـتـه الـثّـانـيـة ( ورحـلاتـه الـتّـالـيـة) لـلـتّـجـارة. وغـادر مـيـنـاء مـرسـيـلـيـا في 13 أيـلـول 1638 بـصـحـبـة أخـيـه الأصـغـر دانـيـال. ووصـلا في أواخـر تـشـريـن الأوّل إلى مـيـنـاء قـرب الإسـكـنـدرونـة، ووصـلا إلى حـلـب في بـدايـة تـشـريـن الـثّـاني.

وكـانـت الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة قـد تـغـيّـرت خـلال الـسّـنـوات الـخـمـس الّـتي فـصـلـت بـيـن نـهـايـة رحـلـتـه الأولى وبـدايـة الـثّـانـيـة، فـقـد بـلـغ مـراد الـرّابـع سـنّ الـرّشـد واعـتـلى عـرش الـعـثـمـانـيـيـن. وبـعـد أن فـرض نـظـامـاً صـارمـاً في داخـل الـدّولـة شـرع في حـروب لـتـوسـيـعـهـا. وفي 1638 قـاد الـسّـلـطـان بـنـفـسـه قـوّاتـه نـحـو بـغـداد الّـتي كـانـت تـحـت سـلـطـة الـفـرس. وقـد شـاهـد تـافـرنـيـيـه وصـول الـسّـلـطـان إلى حـلـب ووصـول بـاشـا مـصـر عـلى رأس قـوّاتـه لـمـسـانـدة قـوّات الـسّـلـطـان.

وتـرك تـافـرنـيـيـه حـلـب في 25 كـانـون الأوّل. ولـتـحـاشي حـالـة الـحـرب الـسّـائـدة فـقـد سـلـكـت قـافـلـتـه طـريـق الـبـاديـة ومـرّت بـعـيـداً عـن بـغـداد لـتـصـل إلى الـبـصـرة في بـدايـة شـهـر آذار. وفي نـهـايـة الـشّـهـر ركـب سـفـيـنـة عـبـرت بـه الـخـلـيـج وأوصـلـتـه إلى مـيـنـاء قـرب بـوشـهـر، ثـمّ اسـتـمـرّ عـن طـريـق الـبـرّ إلى شـيـراز ومـنـهـا إلى أصـفـهـان الّـتي وصـلـهـا في نـهـايـة نـيـسـان. ولا نـجـد في سـرد رحـلاتـه ذكـراً لـمـا حـدث لـه بـعـد ذلـك، ولا نـعـرف شـيـئـاً عـمّـا فـعـل حـتّى عـام 1641. ونـجـده في ذلـك الـعـام في الـهـنـد. ورجـع إلى أوربـا في الـعـام الـتّـالي ووصـل إلى بـاريـس في 1642.

 الـرّحـلـة الـثّـالـثـة :

ونـجـد تـافـرنـيـيـه في بـاريـس في كـانـون الأوّل 1643 يـسـتـعـدّ لـلـشّـروع في رحـلـتـه الـثّـالـثـة. ولإنّـه اعـتـبـر عـارفـاً بـالـشّـرق بـعـد رحـلـتـيـه الـسّـابـقـتـيـن فـقـد طـلـب مـنـه أن يـوصـل رجـل الـدّيـن الـكـبـوشي، الأب رفـائـيـل دو مـان إلى أصـفـهـان الّـتي عـيّـن رئـيـسـاً لإرسـالـيـتـهـا الـتـبـشـيـريـة.

ونـذكـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ الـسّـلـطـان مـراد الـرّابـع كـان قـد تـوفي سـنـة 1640، وخـلـفـه إبـراهـيـم الّـذي اشـتـهـر بـضـعـف قـواه الـعـقـلـيـة. وقـد حـلّـت الـفـوضى في أطـراف الـدّولـة خـلال سـنـوات خـلافـتـه.

ووصـل تـافـرنـيـيـه إلى حـلـب في شـبـاط عـام 1644، وغـادرهـا بـصـحـبـة الأب دو مـان وأب كـبـوشي آخـر. وكـان في الـقـافـلـة إيـطـالي مـن الـبـنـدقـيـة. وعـبـروا الـفـرات في : “بـيـرة Bir أو Berygeon كـمـا يـسـمـيـهـا أهـل الـبـلـد” مـتـجـهـيـن نـحـو ديـار بـكـر الّـتي يـكـتـبـهـا : ” Diarbek ”  والـرّهـا ونـصـيـبـيـن.

ويـكـتـب تـافـرنـيـيـه في الـفـصـل الـرّابـع مـن الـكـتـاب الـثّـاني : ” وفي نـصـيـبـيـن جـمـعـنـا مـن الـمـؤونـة مـا يـكـفي لـنـسـافـر إلى الـمـوصـل الّـتي تـبـعـد عـنـهـا بـمـسـيـرة خـمـسـة أيّـام. والـمـنـطـقـة بـكـامـلـهـا تـقـريـبـاً فـلاة لا سـكـان فـيـهـا. ولـم نـجـد عـلى الـطّـريـق إلّا مـكـانـيـن فـيـهـمـا مـاء، وكـان أجـاجـاً فـوق ذلـك. وقـد غـادرنـا نـصـيـبـيـن في الأوّل مـن نـيـسـان […] ووصـلـنـا بـعـد خـمـسـة أيّـام إلى الـمـوصـل، وهي قـريـبـة مـن مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة. والـمـديـنـة حـسـنـة الـمـظـهـر مـن الـخـارج، تـحـيـطـهـا أسـوار عـالـيـة شـيّـدت بـحـجـارة جـيّـدة الـقـطـع. ولـكّـنّـهـا مـن الـدّاخـل تـبـدو خـرابـاً تـقـريـبـاً، ولـيـس فـيـهـا إلّا أسـواق صـغـيـرة، وقـصـر صـغـيـر يـطـلّ عـلى دجـلـة يـسـكـنـه الـبـاشـا. وبـاخـتـصـار، فـلـيـس في الـمـوصـل مـا يـسـتـحـق الـرؤيـة. ولـيـس لـلـمـكـان مـن أهـمـيـة إلّا أن كـثـيـراً مـن الـتّـجـار يـمـرّون بـه : عـرب وأكـراد (وهـم سـكّـان بـلاد آشـور الـقـديـمـة الّـتي نـسـمـيـهـا الآن كـردسـتـان).

وفي الـمـديـنـة أربـعـة أنـواع مـن الـمـسـيـحـيـيـن : الـيـونـان والأرمـن والـنّـسـاطـرة والـمـارونـيـون. ولـلآبـاء الـكـبـوشـيـيـن دار صـغـيـرة عـلى ضـفـة دجـلـة. ولأنّـهـم أرادوا تـوسـيـعـهـا بـدون إذن الـبـاشـا فـقـد أجـبـروا عـلى تـركـهـا. والـمـديـنـة يـحـكـمـهـا بـاشـا لـه مـن الإنـكـشـاريـة والـسّـبـاهـيـن مـا يـقـرب الألـفي رجـل. ولـيـس في الـمـوصـل إلّا خـانـيـن حـقـيـريـن لإيـواء الـمـسـافـريـن.  ولأنـنـا وجـدنـاهـمـا مـلـيـئـيـن فـقـد نـصـبـنـا خـيـامـنـا في الـمـيـدان. وهي الـسّـاحـة الّـتي يـقـام فـيـهـا الـسّـوق”.

وبـعـد أن تـكـلّـم عـن سـرقـة حـدثـت في خـيـامـهـم أكـمـل : “وقـبـل أن نـعـبـر الـنّـهـر عـلى جـسـر مـن الـقـوارب ونـذهـب لـزيـارة نـيـنـوى الـقـديـمـة سـأذكـر بـعـض الـمـلاحـظـات الـعـامـة عـن دجـلـة الـفـرات: بـدا لي مـاء الـفـرات مـحـمـرّاً، ومـجـراه أقّـل سـرعـة مـن مـجـرى مـيـاه دجـلـة الّـتي بـدت لي أكـثـر ابـيـضـاضـاً وتـشـبـه مـيـاه نـهـر الـلـوار (في فـرنـسـا). ومـجـرى الـفـرات أطـول بـكـثـيـر مـن مـجـرى دجـلـة”.

” ونـيـنـوى الّـتي شـيّـدت عـلى الـضّـفـة الـيـسـرى لـدجـلـة مـن جـهـة بـلاد آشـور لـيـسـت الآن إلّا خـلـيـطـاً مـن مـنـازل قـديـمـة مـتـداعـيـة تـمـتـدّ حـوالي أربـعـة كـيـلـومـتـرات بـمـحـاذاة الـنّـهـر. […] وعـلى حـوالي كـيـلـومـتـريـن مـن الـنّـهـر نـرى تـلّاً واطـئـاً تـحـيـطـه عـدّة مـنـازل وفي أعـلاه جـامـع حـسـن الـتّـشـيـيـد. وهـنـا دفـن الـنّـبي يـونـس حـسـب مـا يـقـول أهـل الـبـلـد. وهـم يـقـدّسـونـه ولا يـتـركـون مـسـيـحـيـاً يـدخـلـه إلّا بـمـحـابـاة اسـتـثـنـائـيـة أو بـدفـع مـبـلـغ مـن الـمـال. وبـهـذه الـطّـريـقـة دخـلـتـه مـع الأبـويـن الـكـبـوشـيـيـن.  ولـكـن كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر حـلـول الـظّـلام وأن نـخـلـع أحـذيـتـنـا حـسـب الـعـرف. ورأيـنـا في وسـط الـجـامـع ضـريـحـاً غـطي بـسـجـادة فـارسـيـة حـيـكـت بـخـيـوط مـن الـحـريـر والـفـضّـة، وفي زوايـا الـجـامـع الأربـعـة أربـعـة شـمـعـدانـات كـبـيـرة مـن الـنّـحـاس فـيـهـا شـمـوع، مـاعـدا مـصـابـيـح عـديـدة عـلّـقـت في الـسّـقـف. ورأيـنـا عـدداً كـبـيـراً مـن الـنّـاس خـارج الـجـامـع ورأيـنـا في داخـلـه درويـشـيـن يـقـرآن الـقـرآن” . “وهـنـاك قـرب الـمـوصـل ديـر كـبـيـر خـراب أمـامـه سـاحـة تـحـيـطـهـا جـدران عـالـيـة مـا زال بـعـضـهـا قـائـمـاً. وبـقـيـنـا في الـمـوصـل ثـمـانـيـة أيّـام أو عـشـرة ايّـام ثـمّ أكـمـلـنـا طـريـقـنـا”. ويـتـكـلّـم تـافـرنـيـيـه بـعـد عـدّة صـفـحـات عـن تـرجـمـانـه  trucheman الّـذي كـان شـابـاً ذكـيّـاً مـن بـغـدادBagdat  ويـتـكـلّـم سـتّ لـغـات.

وقـد وصـل تـافـرنـيـيـه وأصـحـابـه إلى أصـفـهـان في بـدايـة أيّـار. وكـان شـاه صـفي قـد تـوفي وخـلـفـة الـشّـاه عـبـاس الـثّـاني الّـذي عـقـد مـعـاهـدة صـلـح مـع الـعـثـمـانـيـيـن في 1639. وبـعـد أن قـضى تـافـرنـيـيـه الـرّبـيـع والـصّـيـف في أصـفـهـان ، ذهـب إلى الـهـنـد ، ثـمّ عـاد إلى أصـفـهـان في الـعـام الـتّـالي ، ثـمّ تـركـهـا مـن جـديـد إلى سـيـلان. وعـاد تـافـرنـيـيـه إلى أوربـا في أوائـل عـام 1649.

الـرّحـلـة الـرّابـعـة :

وشـرع تـافـرنـيـيـه في رحـلـتـه الـرّابـعـة إلى الـشّـرق في 18 حـزيـران 1651 عـنـدمـا غـادر مــيـنـاء مـرسـيـلـيـا نـحـوالإسـكـنـدرونـة ثـمّ حـلـب. ومـن حـلـب انـطـلـق مـع قـافـلـة نـحـو الـمـوصـل الّـتي وصـلـهـا في الـثّـاني مـن شـبـاط 1652. ومـنـهـا انـحـدر عـلى مـيـاه دجـلـة في كـلـك نـحـو بـغـداد الّـتي وصـلـهـا في 25 شـبـاط. وتـرك بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة إلى الـبـصـرة الّـتي وصـلـهـا في 25 آذار.

ويـتـكـلّـم تـافـرنـيـيـه عـن هـذه الـرّحـلـة في الـفـصـلـيـن الـسّـابـع والـثّـامـن مـن الـكـتـاب الـثـاني ،إبـتـداءً مـن صـفـحـة 202:

” وصـلـنـا إلى الـمـوصـل أو نـيـنـوى في الـثّـاني مـن شـبـاط، وبـقـيـنـا فـيـهـا إلى الـخـامـس عـشـر مـن نـفـس الـشّـهـر، فـلـقـد كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر إعـداد الأكـلاك kilets  وهي مـراكـب الـبـلـد. وكـنّـا نـحـتـاج إلى أربـعـة مـنـهـا فـقـد كـان في الـقـافـلـة كـثـيـر مـن الـمـسـافـريـن.ولـم يـكـن لأهـل الـبـلـد أكـلاك جـاهـزة فـهـم لا يـبـدأون صـنـعـهـا إلّا إذا جـاءهـم رجـال مـعـهـم بـضـائـع يـريـدون تـحـمـيـلـهـا.

الـكـلـك :

وعـليّ هـنـا أن أصـف هـذه الأكـلاك : فـهي مـن أخـشـاب مـربـعـة، يـضـعـون طـبـقـتـيـن مـنـهـا حـتّى لا تـبـتـل الـرّجـال والـبـضـائـع، الـواحـدة مـنـهـا فـوق الأخـرى. ولـكـن لـيـتـركـوا مـكـانـاً لـلـمـجـذفـيـن الّـذيـن يـجـلـسـون في كـلّ زاويـة مـن زوايـا الـكـلـك الأربـع فـالـطّـبـقـة الـعـلـيـا أصـغـر بـحـوالي قـدمـيـن مـن الـطّـبـقـة الـسّـفـلى وهي تـعـلـوهـا كـمـنـصّـة. وتـربـط تـحـتـهـا أعـداد مـن الـقـرب الـمـنـفـوخـة حـسـب سـعـة الـكـلـك وحـسـب كـمـيـة الـبـضـائـع الـمـحـمـلـة عـلـيـه، وتـصـل في بـعـض الأكـلاك إلى 300 قـربـة. وكـان الـكـلـك الّـذي سـافـرت عـلـيـه يـطـفـو فـوق 150 قـربـة. والـقـرب مـن جـلـد الـمـاعـز الّـتي يـعـاد نـفـخـهـا كـلّ صـبـاح وكـلّ مـسـاء. وهـم يـراقـبـونـهـا بـاسـتـمـرار خـشـيـة أن تـثـقـبـهـا الـصـخـور أو الأغـصـان في مـجـرى الـنّـهـر. وكـان كـلـكـنـا يـحـمـل ثـلاثـيـن مـسـافـراً وسـتـيـن قـنـطـاراً مـن الـبـضـائـع حـسـب الـمـيـزان الـحـلـبي أي مـا يـعـادل ثـلاثـة وثـلاثـيـن ألـف رطـل بـاريـسي.

حـمـام الـعـلـيـل :

تـركـنا الـمـوصـل في الـخـامـس عـشـر مـن شـبـاط. وبـعـد أن سـافـرنـا عـلى الـمـيـاه سـتّ سـاعـات  خـرجـنـا لـنـقـضى الـلـيـل قـرب حـمّـام مـيـاه ســاخـنـة (2) عـلى بـعـد طـلـقـة بـنـدقـيـة مـن نـهـر دجـلـة.  ووجـدنـا فـيـه كـثـيـراً مـن الـمـرضى الّـذيـن جـاءوا لـيـتـعـالـجـوا بـه. و قـد تـنـاوبـنـا عـلى الـحـراسـة طـيـلـة الـلـيـل. ولـكـن لأنّ الـنّـاس يـنـامـون عـلى شـاطئ الـنّـهـر فـوق مـسـطـحـات ركـبـت خـصـيـصـاً لـذلـك ، فـلـم نـفـلـح في أخـذ كـلّ الإحـتـيـاطـات لـنـتـحـاشـى أن يـأتي بـعـض الـعـرب في الـلـيـل سـبـاحـة  لـسـرقـة غـطـائـيـن مـن تـاجـر ومـلابـس تـركي مـن قـافـلـتـنـا ذهـب إلى الـحـمّـام. ومـا أن أبـصـرنـا بـمـا حـدث، حـتّى أخـذ كـلّ مـنّـا سـلاحـه وأطـلـقـنـا طـلـقـتي بـنـدقـيـة أو ثـلاثـة. وسـمـعـنا حـالاً، في عـدّة أماكـن مـن الـقـريـة مـثـل ضجـيـج سـرب مـن الـبـط يـلـقي بـنـفـسـه في الـمـاء، وكانـت تـلـك أصـوات الـعـرب الّـذيـن دفـعـهـم الـخـوف من أسـلحـتـنـا إلى الـهـرب، وإلـقـاء أنـفـسـهـم في الـمـاء.

وفي الـيـوم الـسّـادس عـشـر، بـعـد أن جـدّف أصـحـاب كـلـكـنـا خـمـس سـاعـات، وصـلـنـا قـرب سـدّ يـخـتـرق دجـلـة مـن ضـفـة إلى ضـفـة، عـرضـه مـئـتـا قـدم، ويـتـسـاقـط الـمـاء مـنـه شـلالاً مـن عـلـو عـشـريـن ذراع  تـقـريـبـاً.  وقـد شـيّـد بـحـجـارة كـبـيـرة صـلـبـت بـمـرور الـزّمـن حـتّى صـارت مـثـل الـصّخـر. ويـقـول الـعـرب إنّ الإسـكـنـدرالـمـقـدوني هـو الّـذي شـيّـده لـيـغـيـر مـجـرى الـنّـهـر. ويـقـول آخـرون إنّـه كـان داريـا (الـفـارسي) لـيـمـنع الـمـقـدونـيـيـن مـن اجـتـيـازه. ونـزلـنـا مـن الـكـلـك. وكـان عـلـيـنـا أن نـنـظـم نـقـل الـبـضـائـع إلى فـرسـخ أبـعـد مـن الـمـكـان الّـذي كـنّـا فـيـه عـلى ظـهـور خـيـل وثـيـران أتى لـنـا بـهـا الـعـرب.

وعـبـورهـذا الـسّـدّ أمـر يـسـتـحـقّ الإعـجـاب ، فـلا يـمـكـن أن نـرى مـن غـيـر تـعـجّـب سـقـوط الـكـلـك مـن عـلـو سـتّـة وعـشـرين قـدمـاً ثـمّ مـروره عـلى الـمـيـاه الـهـائـجـة بـيـن الـصّخـور وبـقـاءه  طـافـيـاً فـوق قـربـه الـمـنـفـوخـة  عـلى الـنّـهـر. والـرّجـال الّـذيـن يـسـيّـرونـه يـربـطـون أنـفـسـهـم بـعـصـا طـويـلـة تـعـوجّ كـنـصـف دائـرة، ومـجـاذيـفـهـم مـربـوطـة أيـضـاً لـكي لا تـجـرفـهـا الـمـيـاه. وهـذا الـسّـدّ هـو الّـذي يـعـيـق الـمـراكـب مـن نـزول دجـلـة. وبـعـد أن وصـل كـلـكـنـا إلى الـمـكـان الّـذي انـتـظـرنـاه فـيـه عـلى الـشّـاطئ، حـمّـلـنـا عـلـيـه بـضـائـعـنـا مـن جـديـد. ونـمـنـا في نـفـس الـمـكـان عـلى شـاطئ الـنّـهـر. وكـان عـلـيـنا أن نـتـشـدد في الإحـتـيـاط  والـحـراسـة فـالـعـرب عـنـدمـا لا يـبـصـرون عـلى الـكـلـك إلّا بـرجـلـيـن أو ثـلاثـة، ويـدركـون أنّ الـتّـجار نـامـوا عـلى الـضّـفـة، يـقـطعـون حـبـال الـكـلـك ويـتـركـونـه يـنـحـدر وحـده وهـم يـتـبـعـونـه سـابـحـيـن وتـحـت بـطونـهـم قـرب مـنـفـوخـة، ثـمّ يـأخـذون مـنـهـم مـا يـسـتـطـيـعـون حـمـلـه.

وفي الـيـوم الـسّـابـع عـشـر، بـعـد تـجـديـف ثـلاث سـاعـات، وصـلـنـا إلى الـنّـهـر الـمـسـمى بـالـزّاب، الّـذي يـصـبّ في دجـلـة مـن جهـة بـلاد الـكـلـدان. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ فـوق هـذا الـنّهـر قـصـر مـن طـابـوق شـيـدّ فـوق مـرتـفـع صـغـيـر.(3) ولـكـن لأنـه كـان مـهـجـوراً فـقـد بـدأ بـالـتّـداعي والإنـهـيـار.

وبـقـيـنـا، في هـذا الـنّـهـار ثـماني سـاعات نـنـحـدر فـوق الـنّـهـر ، ونـمـنـا في مـكـان كان فـيـه حُـريـج. وقـطـعـنـا حـطـبـاً وأوقـدنـا نـاراً حـولـنـا فـالأسـود تـخـتـبئ في هـذا الـمـكان، وكـنّـا بـيـن الـحـيـن والـحـيـن نـطـلـق الـنّـار مـن قـربـيـنـاتـنـا.

وفي الـيـوم الـثّـامـن عـشـر، أكـمـلـنـا انـحـدارنـا عـلى الـمـاء ثـلاث عـشـرة سـاعـة، وبـتـنـا عـلى ضـفـة الـنّهـر مـن جـهـة بـلاد آشـور. وجـلـب لـنـا الـعـرب في الـمـساء لـبـنـاً وزبـدة طـازجـة. جـاءوا سـبـاحـة مـن الـضّـفـة الـمـقـابـلـة، ربـط كـلّ مـنـهـم قـربـة مـنـفـوخـة تـحـت بـطـنـه وأخـرى فـوق رأسـه وضـع فـيـهـا ما جـلـبـه لـنـا. ولـم يـريـدوا أن نـسـدد لـهـم ثـمـنـهـا نـقـوداً بـل تـبـغـاً أو بـسـكـويـتـاً أو بـهـاراً.

وفي الـيـوم الـتّـاسع عـشـر وبـعـد أربـع سـاعات مـن الـتّـجـديـف أبـصـرنـا بـالـنّهـر الـمـسـمى ألـتـون سـو، أي نـهـرالـذّهـب. (4) وهـو يـأتي مـن جـبال الـمـيـديـيـن ، وكـنـت قـد حـاذيـتـه ثـلاثـة أيـام تـقـريـبـاً عـنـدمـا عـدت من طـوروس إلى حـلـب. ومـاء هـذا الـنّـهـر في غـايـة الـجـودة، ويـصـبّ في دجـلـة مـن جـهـة بـلاد آشـور. وفي هـذا الـمـكـان أيـضـاً، بـمـحـاذاة دجـلـة، عـدّة عـيـون فـوّارة يـخـرج مـنهـا الـقـار وعـيـون أخـرى حـارّة نـشـمّ  فـيـها رائـحـة الـكـبـريـت. ولـم نـر، كـلّ ذلـك الـنّهـار، إلّا عـربـاً وأكـراداً يـسـيـرون بـجـانـب الـنّـهـر، الـعـرب مـن جـهـة الـمـيـزوبـوتـامـيـا  والأكـراد مـن جـهـة بـلاد آشـور. وقـد كـانـوا في حـرب ويـسـيـرون بـانـتـظـام مـن كـلّ مـن الـجـانـبـيـن. يـتـقـدّمـهـم الـشّـبـان حـامـلـيـن أقـواسـاً ونـبـالاً وبـعـض بـنادق الـفـتـائـل، وكـان عـدد مـنـهـم يـحـملـون رمـاحـاً قـصـيـرة. ورأيـنـا وراءهـم الـنّـسـاء والـبـنـات والأطـفـال وقـطعـان ثـيـرانهـم وخـرافـهـم وأعـداد كـبـيـرة مـن الإبـل، ويـتـبـعـهـم الـعـجـائـز والـشّـيـوخ في آخـر الـمسـيـرة. ومـن جانـب الـعـرب كـمـا مـن جـانـب الأكـراد يـرتـقي ثـلاثـة أو أربـعـة مـن الـفـرسـان بـعـض الـمـرتـفـعـات، وحـالـمـا يـجـدون الـفـرصة لـلإرتـماء عـلى أعـدائهـم، يـعـبـرون الـنّهـر سـبـاحـة عـلى خـيـلـهـم. ولأنـنـا لـم نـكـن نـثـق بـهـؤلاء الـنّـاس، فـقـد جـدّفـنـا تـسـع عـشـر سـاعـة بـلا تـوقـف لـنـتـحـاشـاهـم.

تـكـريـت :

وفي الـيـوم الـعـشـريـن، إنـحـدرنا إحـدى عـشـرة سـاعـة عـلى مـاء الـنّهـر، وتـوقّـفـنا لـنـنـام قـرب مـديـنـة اسـمـها تـغـريـت Tegrit  (5) مـن جـهـة الـمـيـزوبـوتـامـيـا. وفـيـهـا قـصـر تـهـدّم نـصـفـه ولـكـن مـا زالـت فـيـه غـرف جـمـيـلـة، ويـكـون الـنّـهـر لـه كـخـنـدق يـحـيـطـه مـن جهـتي الـشّـمـال والـشّـرق، بـيـنـمـا حـفـر حـولـه خـنـدق غـمـيـق كُـسـيَ بـحـجـارة حـسـنـة الـقـطـع مـن جـهـتي الـجـنـوب والـغـرب. ويـقـول الـعـرب  إنّـه كـان أقـوى حـصـون مـيـزوبـوتـامـيـا في الـمـاضي، بـالـرّغـم مـن أنّـه يـشـرف عـلـيـه مـرتـفـعـان شـديـدا الـقـرب مـنـه. وكـان لـلـمـسـيـحـيـيـن مـسـاكـنـهـم عـلى بـعـد ربـع فـرســخ مـن الـمـديـنـة، ومـا زلـنـا نـرى في مـقـامـهـم خـرائـب كـنـيـسـة وجـزءاً مـن بـرج نـاقـوسـهـا الـذّي يـشـهـد عـلى أنّـهـا كـانـت بـنـاءً عـظـيـمـاً.

الإمـام الـدّور:

وفي الـيـوم الـحـادي والـعـشـريـن ، وبـعـد ثـلاث سـاعـات مـن الـمـلاحـة، وجـدنـا قـريـة مـن جـهـة بـلاد آشـور اســمـها أمـت الـتـورAmet-el-tour (6) بـاسـم الـذّي دفـن في جـامـعـهـا، والّـذي يـعـتـبـرونـه عـنـدهـم قـدّيـسـاً. وهـو مـكـان تـعـبّـد لهـؤلاء الـنّـاس ويـأتـيـه كـثـيـر مـن الـبـشـر لـلـزّيـارة.  وقـد ظـلـلـنـا، ذلـك الـيـوم، إثـنـتي عـشـرة سـاعـة نـنـحـدر عـلى صـفـحـة الـمـاء ونـمـنـا عـلى ضـفـة الـنّـهـر.

سـامـراء :

وبـعـد أن انـحـدرنـا جـنـوبـاً عـلى مـاء الـنّهـر مـدّة سـاعـتـيـن، في الـيـوم الـثّـاني والـعـشـريـن لاقـيـنـا قـنـاةً مـن جـهـة مـيـزوبـوتـامـيـا، حـفـرت في جـانـب دجـلـة لـتـروي الأراضي الـمـزروعـة ، وتـسـتـمـر إلى مـا أمـام بـغـدات  حـيـث تـعـود إلى دجـلـة وتـصـبّ فـيـه. وعـنـدهـا اقـتـربـنـا مـن الـضّـفـة ونـزلـنـا مـن جـهـة بلاد الـكـلـدان الـقـديـمـة ، فـقـد أراد بـعـض الأتـراك أن يـؤدوا الـصّـلاة في جـامـع  يـسـمـونـه  سـامـراء. وهـو لا يـبـعـد أكـثـر مـن نـصـف فـرسـخ عـن الـشّـاطئ، ويـأتـيـه كـثـيـر مـن الـمـحـمّـديـيـن لـلـتّـعـبّـد، وخـاصـة هـنـود وتـرتـر، فـفـيـه كـمـا يـقـولـون، دفـن أربـعـون مـن أنـبـيـائـهـم. وعـنـدمـا عـرفـوا أنـنـا مـســيـحـيـون رفـضـوا أن نـدخـلـه رغـم الـمـال الّـذي عـرضـنـاه عـلـيـهـم. وعـلى بـعـد خـمـس مـائـة خـطـوة مـن هـذا الـجـامـع، يـمـكـن رؤيـة بـرج شــيّـد بـبـراعـة شـديـدة يـتـسـلـقـه  درجـان يـدوران حـول وجـهـه الـخـارجي، يـدخـل أحـدهـمـا بـعـمـق أكـثـر مـن الآخـر في الـجـدار الـخـارجي. ولـو أتـيـح لي أن أقـتـرب مـنـه لاســتـطـعـت أن أتـفـحّـصـه بـتـمـعـن. وأشـيـر هـنـا فـقـط إلى أنّـه شــيّـد بـالـطّـابـوق، وأنّـه شـديـد الـقـدم.

وعـلى بـعـد  نـصـف فـرسـخ نـرى ثـلاث بـوابـات ضـخـمـة تـبـدو كـمـا لـو كـانـت مـدخـل قـصـر مـا في الـمـاضي. ويـمـكـن أن نـسـتـنـتـج أنّـه كـان هـنـا، في قـديـم الـزّمـان مـديـنـة كـبـيـرة، لأنـنـا لـم نـرَ إلّا خـرائـب لا تـنـتـهي طـيـلـة أكـثـر مـن ثـلاثـة فـراسـخ حـاذيـنـا فـيـهـا الـشّـاطئ. وقـد بـقـيـنـا ذلـك الـيـوم إثـنـتي عـشـرة سـاعـة نـنـحـدر فـوق الـنّهـر. ونـمـنـا كـعـادتـنـا عـلى ضـفـة دجـلـة.

وفي الـيـوم الـثّـالـث والـعـشـريـن، لـم نـنـزل إلى الـشّـاطئ طـيـلـة الـنّـهـار إلّا لـطـبـخ أكـلـنـا وظـلّ كـلـكـنـا يـجـري فـوق الـمـاء عـشـريـن سـاعـة، ولـم نـر عـلى كـلـتي الـضّـفـتـيـن إلّا أكـواخـاً حـقـيـرة مـن سـعـف الـنّـخـيـل يـسـكـن فـيـهـا مـسـاكـيـن يـديـرون نـواعـيـر لـرفـع مـاء يـســقـون بـه الأراضي الـمـجـاورة.

ووجـدنـا ذلـك الـيـوم نهـراً اسـمـه أودوان Odoine (7)، يـصـبّ في دجـلـة مـن جـهـة بـلاد الـكـلـدان الـقـديـمـة.

وفي الـيـوم الـرّابـع عـشـر، بـقـيـنـا اثـنـتـيـن وعـشـريـن سـاعـة نـنـحـدر عـلى الـمـاء نـحـو الـجـنـوب مـن غـيـر أن نـخـرج مـن الـكـلـك. والـسّـبـب في ذلـك أنّ الـتّـجـار أخـذوا مـن الـكـلـك أمـوالـهـم وأغـلـب بـضائـعـهـم  وتـركـوه لـفـلاحـيـن لـيـحـفـظـوه لـهـم ويـنـزلـوه إلى بـغـدات الّـتي كـانـوا يـذهـبـون إلـيـهـا هـم أنـفـسـهـم لـبـيـع مـنـتـجـاتـهـم الـزّراعـيـة. ويـفـعـل الـتّـجـار هـذا لـكي لا يـدفـعـوا الـخـمـسـة بـالـمـائـة الّـتي تـأخـدهـا مـنـهـم مـكـوس هـذه الـمـديـنـة.  وقـد أعـطـيـتـهـم بـعـض مـا أمـلـك لـيـحـفـظـوه لي، وأرجـعـوه لي كـامـلاً مـثـلـمـا أرجـعـوا بـضائـع الآخـريـن لأصـحـابـهـا، وهـم يـرضـون بـالـقـلـيـل أجـرة عـلى جـهـدهـم.

بـغـداد :

وفي حـوالي الـرّابـعـة صـبـاحـاً مـن الـيـوم الـخـامـس والـعـشـريـن وصـلـنـا إلى بـغـدات، والّـتي اعـتـدنـا  أن نـسـمـيـهـا أيـضـاً بـابـل. ويـفـتـحـون أبـوابـهـا في حـدود الـسّـادسـة صـبـاحـاً، وأمـامـهـا رجـال الـجـمـارك لـيـفـتـشـوا بـضـائـع الـتّـجّـار، وحـتّى أجـسـامـهـم. وإن لـم يـجـدوا شـيـئـاً مـعـهـم يـتـركـونـهـم يـدخـلـون. ولـكـن إذا كان مـعـهـم مـا يـسـتـوجـب الـدّفـع عـلـيـه أخـذوهـم إلى مـكـتـب لـيسـجـلّـوا مـا يـمـلـكـون ثـمّ يـتـركـونـهـم  يـذهـبـون لـحـال سـبـيـلهـم. وقـد حـمـلـت أمـامـهـم كـلّ الـبـضـائع الّـتي كـانـت عـلى الـكـلـك، وسـيـأخـذهـا الـتّـجـار يـومـيـن أو ثـلاثـة بـعـد ذلـك، بـعـد أن يـدفـعـوا مـا يـتـوجّـب عـلـيـهـم.  وكـلّ هـذا يـجـري حـسـب تـنـظـيـم وتـرتـيـب وبـدون ضـجّـة.

كـنـت قـد جـئـت إلى بـغـداد قـبـل ذلـك، في عـام  1632، ولـم أبـق فـيـهـا آنـذاك إلّا خـمـسـة أيّـام. ولـكـنّي في هـذه الـسّـفـرة الّـتي أتـكـلّـم عـنـهـا هـنـا، تـوقّـفـت فـيـهـا عـشـريـن يـومـاً قـضـيـتـهـا في رؤيـة كـلّ مـا يـسـتـحـق الـرّؤيـة في هـذه الـمـديـنـة . وقـد سـكـنـت عـنـد الآبـاء الـكـبـوشـيـيـن.

وبـالـرّغـم مـن أنّ بـغـدات تـسـمـى أيـضـاً بـابـل، إلّا أنّـها في الـحـقـيـقـة كـثـيـرة الـبـعـد عـن بـابـل الـقـديـمـة.

وهـذه هي حـال بـغـداد الآن، وقـد صـارت مـنـذ فـتـرة طويـلـة مـيـدانـاً لـلـصّـراع بـيـن الـفـرس والأتـراك :

بـغـدات مـديـنـة عـلى ضـفـة دجـلـة مـن جـهـة بـلاد فـارس، ويـفـصـلـهـا هـذا الـنّـهـرعـن الـمـيـزوبـوتـامـيـا (ويـعـني مـابـيـن غـرب دجـلـة وبـيـن الـفـرات).

ويـقـول مـؤرخـو الـعـرب إنّ أحـد خـلـفـائـهـم الـمـسـمى بـالـمـنـصـور شـيّـدهـا في عـام 145 مـن هـجـرة مـحـمّـد  و 762 مـن الـمـسـيـحـيـة  تـقـريـبـاً. ويـسـمـونهـا  دارالـسّـني  Dar-al-sani أي مـكـان أو دار الـسّـلام . ويـقـول الـبـعـض إنّ اسـمـهـا جـاء مـن اســم صـومـعـة كـانـت وسـط مـرج بـنـيـت عـلـيـه الـمـديـنـة الـحـالـيـة. وكـان الـمـرج قـد وهـب لـزاهـد سـكـنـه. ومـعـنى بـغـدات بـالـفـارسـيـة “الـبـسـتـان الـمـوهـوب “. وقـبـل حـوالي أربـعـيـن أو خـمـسـيـن سـنـة، عـنـدمـا حـفـرت أســس لـخـان لـلـتّـجّـار،عـثـر في قـبـو تـحـت الأرض عـلى جـثـمـان كـامـل ،مـلابـسـه مـثـل مـلابـس أســقـف وبـقـربـه مـبـخـرة. كـمـا ظـهـرت في ذلـك الـمـكـان أيـضـاً، بـعـض غـرف الـرّهـبـان، ومـن هـذا يـمـكـنـنـا أن نـصـدّق مـا ذكـره عـدّة مـؤرخـيـن عـرب بـأنّـه كـان في الـمـكـان الّـذي بـنـيـت فـيـه بـغـدات  ديـرعـظـيـم حـولـه عـدد كـبـيـر مـن الـدّور كـان يـسـكـنـهـا الـمـسـيـحـيـون.

وطـول الـمـديـنـة حـوالي ألـف وخـمـس مـائـة قـدم وعـرضـهـا سـبـع أو ثـمـاني مـائـة. ولا يـمـكـن أن يـكـون مـحـيـطـهـا أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف قـدم. أسـوارهـا كـلّـهـا مـن الـطّـابـوق عـلـيـهـا سـطـوح في بـعـض الأمـاكـن وفـيهـا أبـراج ضـخـمـة عـلى شـكـل حـصـون. وعـلى كـلّ أبـراجـهـا حـوالي سـتـيـن مـدفـع ، أكـبـرهـا لا يـمـكـن أن يـطـلـق قـذيـفـة أثـقـل مـن خـمـسة أرطـال أو سـتّـة. وخـنـادقـهـا عـريـضـة عـمـقـهـا خـمـس قـامـات أو ســتّ. ولـيـس لـهـا إلّا أربـع بـوابـات : ثـلاثـة مـن جـهـة الـبـر، وواحـدة مـن جـهـة الـنّـهـر، يـعـبـر إلـيهـا عـلى جـسـر ثـبّـت عـلى قـوارب يـبـعـد الـواحـد مـنـهـا عـن الآخـر بـعـرض قـارب.

أمّـا الـقـصـر فـهـو في الـمـديـنـة قـرب إحـدى الـبـوابـات الـمـسـمـاة بـالـمـازان (الـمـعـظـم)  El-Maazin ، مـن جـهـة الـشّــمـال. وجـزء مـنـه شــيّـد فـوق الـنّـهـر، يـحـيـطـه حـائـط  في بـعـض أمـاكـنـه سـطـوح  وأبـراج صغـيـرة عـلـيـهـا حـوالي مـائـة وخـمـسـيـن مـدفـعـاً صغـيـراً لا مـسـانـد لـهـا. وخـنـدقـه ضـيّـق، ولا يـتـجاوز عـمـقـه قـامـتـيـن أو ثـلاث. ولـيـس أمـام بـاب الـقـصـر جـسـر يـرفـع  ويـنـزل. وحـامـتـيـه ثـلاثـمـائـة انـكـشـاري يـرأسـهـم أغـا. والـمـديـنـة يـحـكـمـهـا بـاشـا يـكـون عـادة وزيـراً. وداره بـمـحـاذاة الـنّـهـر مـهـيـبـة الـمـظهـر، ولـديـه سـتّـمـائـة أو سـبـعـمـائـة فـارس دائـمـو الإسـتـعـداد.

وهـنـاك أيـضـاً أغـا يـتـرأس ثـلاثـمـائـة أوأربـعـمـائـة  صـفـاهي. ولـديـهـم نـوع مـن الـفـرسـان يـسـمـونـهـم جـنـغـلي لـر ginguliler ، أي الـشّـجـعـان ، يـرأسـهـم أغـوان اثـنـان. وهـم عـادة ثـلاثـة آلاف ســواء في الـمـديـنـة أو في الـقـرى الـمـحـيـطـة. ومـفـاتـيـح أبـواب الـمـديـنـة والـجـسـر في يـد أغـا لـديـه مـائـتي انـكـشـاري تـحـت أوامـره. وهـنـاك أخـيـراً ســتّـمـائـة مـن الـمـشـاة عـلى رأسـهـم أغـا خـاص بـهـم ، وحـوالي سـتـيـن مـدفـعـيـاً عـلى رأسـهـم رجـل حـاذق يـدعى سـنـيـور مـيـكـائـيـل  signor Michaël ، يـعـتـبـرنـه  إفـرنـجـيـاً مـع أنّـه ولـد في جـزيـرة كـريـت. وقـد ارتـبـط  بـالـسّـلـطـان مـراد عـنـدمـا جـاء لـيـحـاصـر بـغـدات في  1638.  وقـد حـالـفـه الـحـظ  واسـتـولى عـلـيـهـا بـسـرعـة، ولـكـن ذلـك لـم

يـكـن بـفـضـل الـثّـغـرة الّتي فـتـحـتـهـا مـدافـع الـسّـنـيـور مـيـكـائـيـل، بـل بـسـبـب الـتّـمـرّد الّـذي انـدلـع في نـفس الـوقـت في الـمـديـنـة. وهـذه قـصـتـه مـلـخّـصـة :

كـان الـخـان الّـذي قـاوم الـحـصـار مـن أصـل أرمـني، واسـمـه صـفي خـولي خـان (8)، وكـان يـحـكـم الـمـديـنـة مـنـذ فـتـرة طـويـلـة، ودافـع عـنـهـا مـرتـيـن قـبـل ذلـك ضـدّ جـيـش الأتـراك الـذّيـن لـم  يـسـتـطـيـعـوا فـتـحـهـا. ولـكـنّ مـلـك الـفـرس بـعـث أحـد رجـال حـاشـيـتـه لـيـحـلّ مـحـلـه، ودخـل الـمـديـنـة قـبـل أن تـفـتـح الـمـدافـع الـثّـغـرة في الأسـوار.  وعـنـدمـا رأى الـخـان الـعـجـوز رسـائـل اعـتـمـاد الـقـادم الـجـديـد فـضّـل أن يـمـوت عـلى أنّ يـتـحـمّـل عـار الـعـزل. وبـمـحـضـر مـن ضـبّـاطـه وجـنـوده، إسـتـدعى زوجـتـه وابـنـه. وأخـذ ثـلاث كـؤوس مـلـيـئـة سـمّـاً، وقـال لـزّوجـتـه إنّـهـا إن كـانـت تـحـبّـه فـسـتـثـبـتـه لـه بـقـبـولـهـا الـمـوت مـعـه. وقال نـفـس الـشّـئ لابـنـه. وابـتـلع الـثّـلاثـة وفي نـفـس الـوقـت كـؤوسـهـم وسـقـطـوا مـوتى. وعـنـدما رأى الـجـنـود، الّـذيـن كانـوا يـحـبّـون حـاكـمهـم ، هـذا الـمـشـهـد الـفـظـيـع، وكـانـوا يـعـرفـون أنّ الـسّــلطـان الـعـثـمـاني يـسـتـعـدّ لـلـهـجـوم  وأنّ الـثّـغـرة في الـسّـور تـوسّـعـت، أعـلـنـوا عـصـيـانـهـم عـلى الـخـان الـجـديـد وثـاروا ضـدّه. وتـفـاوضـوا مـع الأتـراك  عـلى أن يـتـركـوهـم يـخـرجـون بـأسـلـحـتـهـم وأمـتـعـتـهـم . ولـكنّ الأتـراك لـم يـوفـوا بـوعـودهـم. فـمـا أن دخـلـوا الـمـديـنـة حـتّى نـصـح الـبـاشـوات الـسّـلـطـان بـأن يـقـتـل كـلّ جـنـودهـا لـيُـضعـف بـذلـك عـزة عـدوه مـلـك الـفـرس. وهـكـذا قـتـلـوهـم، وكانـوا اثـنـيـن وعـشـريـن ألـفـاً. واسـتـولى الأتـراك عـلى مـسـاكـن الـرّهـبـان الـكـبـوشـيـيـن، و لـكنّ الـسّــنـيـور مـيـكـائـيـل رئـيـس الـمـدفـعـيـة ، أعـادهـا لـهـم. واعـتـرافـاً لـه بـالـجـمـيـل ، كـتـب الـكـبـوشـيـون لـلأب جـوزيـف في فـرنـسـا لـيـرجـو الـكرديـنـال دو ريـشـلـيـو لـلـحـصـول مـن الـمـلـك عـلى رسـائل لـتـنـبـيـل الـسّـنـيـور مـيـكائـيـل الّـذي مـنـع عـدّة مـرّات طـرد هـؤلاء الـرّهـبان مـن الـمـديـنـة.

أمّـا عـن حـكـومـة بـغـدات الـمـدنـيـة، فـلـيـس فـيهـا إلّا قـاضي أو رئـيـس يـقـوم بـكـلّ الـمهـمّـات، وحـتّى وظـيـفـة الـمـفـتي. ومـعـه شــيـخ الإسـلامchiekelaslan   أو دفـتـردارtefterdar   يـجـبي الضّـرائـب والـمـكـوس لـلـسّـلـطـان. وفي بـغـدات خـمـسـة مـسـاجـد، إثـنـان مـنـهـا عـلى شـئ مـن الـجـمـال تـزيـنـهـمـا قـبـاب ضـخـمـة يـغـطـيـهـا آجـر مـزجـج بـألـوان مـخـتـلـفـة. وفـيـهـا عـشـرة خـانـات لـلـتّـجّـار رديـئـة الـبـنـاء، مـا عـدا إثـنـيـن يـبـدو أنّ فـيـهـمـا بـعـض وسـائـل الـرّاحـة. والـمـديـنـة عـمـومـاً رديـئـة الـبـنـاء ، ولا نـجـد فـيـهـا مـن جـيّـد الـمـبـاني إلّا الأســواق الـتّـامّـة الـتّـسـقـيـف، ولـولا هـذه الـسّـقـوف لـمـا اسـتـطاع الـتّـجار الـبـقـاء فـيـها لـشـدّة الـحـرارة. ويـنـبـغي أن تـرشّ بـالـماء مـرتـيـن أو ثـلاثـة في الـنّـهـار، وهـذا مـا يـفـعـلـه عـدد مـن الـفـقـراء يـدفـع لـهـم أجـر عـلـيـه.

والـمـديـنـة كـثـيـرة الـتّـجـارة، ولـكـن لـيـس بـالـقـدر الّـذي كـانـت عـلـيـه في تـبـعـيـتـهـا لـمـلـك الـفـرس، فـعـنـدمـا أخـذهـا الأتـراك قـتـل كـثـيـر مـن أغـنـيـاء تـجّـارهـا. والـنّـاس يـأتـون إلـيـهـا مـن كـلّ الـجـهـات، إمّـا لـلـبـيـع والـشّــراء وإمّـا لـلـتّـعـبّـد. وكـلّ الّـذيـن يـتـبـعـون مـلّـة عـلي يـعـتـقـدون أنّـه أقـام في بـغـدات. وعـنـدما يـعـزمـون عـلى الـذّهـاب إلى مـكّـة عـن طـريـق الـبـرّ يـجـب عـلـيـهـم أن يـمـرّوا بـهـا، ويـدفـع كـلّ حـاج أربـع دراهـم لـلـبـاشـا.

وعـليّ أن أذكـر أن الـمـحـمّـديـيـن في بـغـدات عـلى نـوعـيـن : نـوع يـسـمـونهـم الـرّافـضـيّـة rafedis  أي الـخـارجـيـن عـلى الـمـلّـة ، والآخـرون الـذّيـن يـسـمـونـهـم أصـحـاب الـسّـنـة، والّـذيـن هـم عـلى نـفـس طـريـقـة الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في أمـورالـدّيـن. والـرّافـضـيـة لا يـقـبـلـون الأكـل والـشّـرب مـع  الـمـسـيـحـيـيـن إطـلاقـاً، وهـم لا يـقـبـلـون أن يـفـعـلـوا ذلـك مع الـمـحـمّـديـيـن الآخـريـن إلّا بـصـعـوبـة شـديـدة. وإن حـدث أن شـربـوا مـعـهـم مـن نـفـس الـطّـاسـة أو مـسّــوهـم ، فـهـم يـذهـبـون حالاً لـيـغـتـسلـوا، لاعـتـقـادهـم بـأنّـهـم أنـجـاس. أمّـا الـمـحـمّـديـون الآخـرون فـهـم لـيـسـوا بـهـذا الـتّـزمـت، ويـأكلـون ويـشـربـون مـع كـلّ الـنّـاس مـن غـيـر تـفـريـق.

وفي سـنـة 1639، بـعـد أن أخـذ الـسّـلـطان الـعـثـمـاني بـغـدات ، لـم يـقـبـل أحـد الـرّافـضـة أن يـسـقي يهـوديـاً طـلـب مـنـه الـمـاء في الـسّـوق، بـل شـتـمـه. وذهـب الـيهـودي يـشـكـوه إلى الـقـاضي الّـذي بـعـث حـالاً بـمـن يـأتي لـه بـه مـع قـربـتـه وطـاسـتـه. ولـمـا وقـف الـسّـقّـاء بـيـن يـدي الـقـاضي، أخـذ مـنـه الـقـاضي طـاسـتـه وسـقى بـهـا الـيـهـودي ثـمّ شـرب مـنهـا هـو نـفـسـه، وأمـر بـجـلـد الـسّـقـاء وهـو يـوبـخـه بـأنـنـا كـلـنّا مـخلـوقـات الله ، الـمـسـلـم  كـالـمـسـيـحي والـيـهـودي. وهـذا يـمـنـعـهـم الآن مـن إظـهـار احـتـقـارهـم  رغـم كـثـرة أعـدادهـم وأنّـهـم أغـلـبـيـة ســكّـان الـمـديـنـة.

وأذكـرهـنـا مـا لاحـظـتـه في حـدادهـم عـلى الـمـوتى. فـعـنـدما يـمـوت رجـل، تـنـزع امـرأتـه فـوطـتـهـا وتـتـرك شـعـرها مـنـثـوراً، وتـسـوّد وجـهـهـا بـسـخـام قـدر حـرقـتـه الـنّـار، ثـمّ تـشـرع بـالـوثـب والـتّـقـافـز بـطريـقـة بـدت لي مـضحـكـة أكـثـر مـنـهـا مـبـكـيـة. ويـجـتـمـع كـلّ الأهـل والأصـدقـاء والـجـيـران في دار الـفـقـيـد ويـنـسـحـبـون جـانـبـاً في انـتـظـار الـتّـشـيـيع، ولـكـنّ الـنّـسـاء بـيـنـهـنّ يـقـمـن بـحـركـات الـقـردة : يـلـطـمـن وجـوهـهـنّ ويـصـرخـن كـمـعـتـوهـات، ثـمّ يـشــرعـن فـجـأة في الـرّقـص عـلى أصـوات دنـابـك تـشـبـه دنـابـك الـبـشـكـش تـضـرب عـلـيـهـا نـسـاء لـمـدة ربـع سـاعـة. وبـيـنـهـنّ واحـدة اعـتـادت عـلى هـذا الـنّـوع مـن الـمـسـخـرة تـرفـع صـوتـهـا بـأنـغـام مـفـجـعـة وتـجـيـبـهـا الأخـريـات وهـنّ يـبـالـغـن في الـصّـراخ، حـتّى يـمـكـن أن يُـسـمـعـن مـن بـعـيـد. وعـنـدهـا يـسـتـحـيـل الـتّـخـفـيـف عـن حـزن أطـفـال الـمـيّـت  لأنّـهـم يـهـتـاجـون و يـفـقـدون الـتّـحـكـم بـعـواطـفـهـم  ولا يـصـغـون لأحـد. وهـم مـجـبـرون عـلى أن يـتـصـرفـوا بـهـذه الـطّريـقـة لـكي لا يـوبـخـهـم الـنّـاس بـقـلّـة مـحـبـتـهـم لأبـيـهـم.

وعـنـدمـا يـنـزلـون الـتّـابـوت في الـقـبـر، يـجـتـمـع حـولـهـم أسـراب مـن الـفـقـراء يـحـمـلـون رايـات وأهـلّـة ثـبـتـوهـا فـوق قـضـبـان طـويـلـة يـحـمـلـونـهـا مـثـل رمـاح، ويـنـشــدون سـائـريـن أنـغـامـاً مـأتـمـيـة.  ولا تـحـضـر الـنّـسـاء الـدّفـن، لأنـهـنّ لا يـسـتـطعـن الـخـروج مـن دورهـنّ إلّا في أيّـام الـخـمـيـس، الّـتي يـذهـبـن فـيهـا إلى الـمـقـابـر لـلـدّعـاء عـلى الـقـبـور. ولأن ّالـرّجـل، حـسـب ديـنـهـم ، مـجـبـر عـلى مـبـاضعـة زوجـتـه، وخـاصـة لـيـلـة الـخـمـيـس، فـالـنّـسـاء يـذهـبـن أيـضـاً إلى الـحـمّـام  يـوم الـجـمـعـة للإغـتـسـال، ويـلـقـيـن بـكـثـيـر مـن الـمـاء والـعـطور عـلى أجـسـادهـنّ وعـلى رؤوسـهـنّ(9).  ويـسـتـطعـن الـخـروج أيـضـاً عـنـدما يـسـمـح الـرّجـل لـهـنّ بـالـذّهـاب لـزيـارة الأهـل. وعـنـدمـا يـخـرجـن إلى الـمـديـنـة يـتـلـفـعـن بـما يـشــبـه الـكـفـن من الـرأس إلى الـقـدمـيـن، لـيـس فـيـه إلّا ثـقـبـيـن أمـام الـعـيـنـيـن لـيـريـن طـريـقـهـنّ. (10) ولا يـمـكـن أن يـتـعـرف أحـد عـلى امـرأة تـحـت هـذا الـغـطاء ولا حـتّى زوجـهـا لـو لاقـاهـا في الـطّريـق.

ونـسـاء بـغـدات بـاهـرات الـمـلـبـس،عـلى طـريـقـتـهـنّ وعـلى طـراز بـلـدهـنّ. ولـكـن لـو كـنّ في بـلـدنـا لـظهـرن لـنـا مـضـحـكـات، فهـنّ لا يـكـتـفـيـن بـالـذّهـب والـمـجـوهـرات في الأسـورة والأقـراط بـل يـحـطـن بـهـا وجـوهـهـنّ ويـثـقـبـن خـنّـافـة أنـوفـهـنّ لـيـضعـن فـيهـا حـلـقـاً. ونـسـاء الـعـرب يـكـتـفـيـن بـثـقـب مـا بـيـن الـمـنـخريـن ويـمـررن فـيـهـا حـلـقـة مـن الـذّهـب قـطـرهـا قـطـر أنـبـوب ريـشـة الـطّـائـر مـفـرغـة لـتـكـون خـفـيـفـة ولـلإقـتـصاد في الـذّهـب. وفـوق ذلـك، ولـزيـادة حـسـنهـنّ، فهـنّ يـسـوّدن مـا حـول أعـيـنـهـنّ بـسـواد خـاص. والـرّجـال مـثـل الـنّـسـاء يـضـعـون مـنـه في أعـيـنـهـم في الـبـوادي، لـيـحـمـيـهـا مـن لـهـب الـشّـمـس، كـمـا يـقـولـون.

وعـليّ الآن أن أتـكـلّـم عـن الـمـسـيـحـيـيـن الّـذيـن يـسـكـنـون مـديـنـة بـغـدات . وهـم عـلى ثـلاثـة أصنـاف : الـنّـسـاطـرة ، ولهـم كـنـيـسـتهـم ، والأرمـن والـيـعـاقـبـة الّـذيـن لـيـس لـهـم كـنـيـسـة ، والّـذيـن يـأتـون عـنـد الآبـاء الـكـبـوشـيـيـن لـتـنـاول الـقـربـان الـمـقـدّس. وغـالـبـاً مـا يـذهـب الـمـسـيـحـيـون لـلـتّـعـبـد في مـصـلّى كُـرّس لـقـدّيـس يـسـمـونـه خـضـر إلـيـاس عـلى بـعـد ربـع فـرسـخ مـن الـمـديـنـة. ولـكي يـدخـلـوه فـهـم يـدفـعـون مـبـلـغـاً ضـئـيـلاً لـلأتـراك الّـذيـن يـحـتـفـظـون بـمـفـاتـيـحـه.

وعـلى بـعـد مـسـيـرة  يـومـيـن مـن الـمـديـنـة،هـنـاك كـنـيـسـة خـربـة قـرب قـريـة حـقـيـرة، وهـم يـدّعـون أنّ الـقـديـسـيـن سـمـعـان و جـود قـد اسـتـشـهـدا في هـذا الـمكـان ودفـنـا فـيـه. وإذامـات مـسـيـحيّ جـاء كـلّ الآخـريـن لـتـشـيـيـعـه، وعـنـدمـا يـعـودون يـجـدون أكـلاً جـاهـزاً في دار الـفـقـيـد. ويـعـودون في الـغـد إلى قـبـره لـلـدعـاء لـه، وكـذلـك في الـيـوم الـثّـالـث الّـذي يـعـدّون فـيـه الـعـشـاء لـكـلّ مـن يـأتي عـنـدهـم . وتـصـل أعـدادهـم في بـعـض الأحـيـان إلى مـائـة أو مـائـة وخـمـسـيـن شـخـصـاً. ويـكـررون الـمـأتـم في الـيـوم الـسّـابـع والـخـامـس عـشـر والـثّـلاثـيـن والأربـعـيـن لـشـدّة إكـرامهـم لـلـمـوتى. وكـثـيـراً مـا يـدعـون لـهـم بـحـسـن الـثّـواب. وعـادة الإطـعـام هـذه تـضـرّ بـالـفـقـراء، لأنّـهـم في رغـبـتهـم بـأن يـقـلـدوا الأغـنـيـاء ، وعـدم قـدرتـهـم عـلى ذلـك يـسـتـديـنـون كـثـيـراً، ثـمّ لا يـسـتـطيـعـون تـسـديـد ديـونهـم فـيـضـطـرون لـبـيـع أطـفـالـهـم لـلأتـراك.

وفي بـغـدات أيـضـاً يـهـود. ويـأتـيـهـا كـلّ عـام كـثـيـر مـنهـم لـلـتّـعـبّـد وزيـارة قـبـر الـنّـبي حـزقـيـل. وهـو عـلى بـعـد مـسـيـرة نـهـار ونـصـف مـن الـمـديـنـة.

وأخـيـراً، فـمـنـذ أن اسـتـولى الـسّـلـطـان مـراد عـلى الـمـديـنـة لـم يـتـجـاوز عـدد سـكـانـهـا خـمـسة عـشـر ألـفـاً وهـو قـلـيـل لـمـديـنـة بـسـعـتـهـا.

ونـرى عـلى بـعـد مـسـيـرة نهـار ونـصـف مـن بـغـدات مـن جهـة مـيـزوبـوتـامـيـا، في مـنـتـصـف الـمـسـافـة الـفـاصلـة بـيـن دجـلـة والـفـرات تـقـريـبـاً، تـلّاً عـالـيـاً مـن الـتّـراب مازال يـدعى نـمـرود. وهـو في وسـط الـرّيـف ونـبـصـر بـه مـن بـعـيـد. ويـعـتـقـد الـجـهـلـة أنّـه بـقـايـا بـرج بـابـل. ولـكـن الـمـعـقـول هـو مـا يـقـولـه الـعـرب من أنّ اسـمـه عـقـرقـوف. ويـقـولـون أنّ أمـيـراً عـربـيـاً شـيّـده  لـيـشـعـل فـوقـه الـنّـار ويـجـمـع أنـصـاره وقـت الـحـرب.  وهـذا وصـف الـبـرج كـمـا رأيـتـه : مـحـيـطـه ثـلاثـمـائـة قـدم، ولـكـن لـيـس مـن الـسّـهـل تـقـديـر مـدى ارتـفـاعـه في الأصـل فـهـو قـد تـسـاقـط  خـرابـاً، ومـا بـقي مـنـه لا يـمـكـن أن يـتـجـاوز ثـمـاني عـشـرة أو عـشـريـن قـامـة عـلـوّاً. والـبـرج مـبـني بـالـطّابـوق الـنّـيئ الّـذي جـفـف في الـشّـمـس. وفـوق كـلّ طـبـقـة مـن الـقـصـب الـمـخـلـوط  بـالـقـشّ سـبـع طـبـقـات مـن الـطّـابـوق ثـمّ طـبـقـة مـن نـفـس الـقـصـب  فـوقـهـا سـتّ طـبـقـات مـن الـطّـابـوق، وهـكـذا تـقـلّ طـبـقـات الـطّـابـوق كـلـمـا ارتـفـع الـبـنـاء. ومـن الـصّـعـب تـصـور شـكـل الـبـنـاء فـقـد تـسـاقـط مـن كـلّ الـجهـات، ولـكـن يـبـدو أنّـه كـان مـربـعـاً ولـم  يـكـن دائـريـاً. وهـو لا يـسـتـحـق مـشـقـة الـذّهاب إلـيـه لـرؤيـتـه. فـهـو لا يـبـدو شـبـيـهـاً بـبـرج بـابـل الـقـديـم حـسـب وصـف مـوسـى لـه فـي قـصـة بـدء الـخـلـيـقـة (في الـتّـوراة).

تـكـمـلـة الـرّحـلـة بـنـفـس الـطّـريـق مـن بـغـدات Bagdat   إلى بـلـصـرة Balsara : 

في الـخـامـس عـشـر مـن آذار، ركـبـنـا مـركـبـاً لـنـنـزل عـلى نـهـر دجـلـة مـن بـغـدات إلى بـلـصـرة . يـنـقـسـم هـذا الـنّـهـر جـنـوبـاً، بـعـد أن يـتـرك بـغـدات إلى ذراعـيـن تـخـتـرقـهـمـا عـدّة قـنـوات صغـيـرة. وعـنـدما وصـلـنـا إلى الـمكـان الّـذي يـنـقـسـم فـيـه الـنّهـر إلى قـسـمـيـن رأيـنـا بـقـايـا أسـوار مـديـنـة كـان مـحـيـطـهـا في الـزّمـن الـقـديـم أكـثـر مـن فـرسـخ. وأجـزاء الأسـوارالـبـاقـيـة عـريـضـة إلى حـدّ أنّ سـتّ عـربـات يـمـكـن أن تـمـرّ عـلـيـهـا جـنـبـاً لـجـنـب. وهي مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور. ويـقـول مـؤرخـو الـبـلـد أنّ هـذه آثـار مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة (11).

وقـد تـبـعـنـا ذراع دجـلـة الّـذي يـمـرّ مـن جـهـة بـلاد الـكـلـدان لـخـوفـنـا مـن أن نـسـقـط بـيـن بـراثـن الـعـرب الّـذيـن كـانـوا في حـرب ضـدّ بـاشـا بـغـدات لـكي لا يـدفـعـوا الـضّـرائـب لـلـسّـلـطـان الـتّـركي. وقـد بـقـيـنـا عـشـرة أيّـام عـلى الـنّـهـر قـبـل أن نـصـل إلى بـلـصـرة. ونـمـنـا في الـمـركـب وطـبـخـنـا فـيـه. وعـنـدما كـنّـا نـجـد قـريـة، نـبـعـث بـخـدمـنـا لـشـراء الـغـذاء الّـذي كـان رخـيـصـاً. وهـذه أسـماء الـقـرى الّـتي مـررنـا بـهـا على طـريـق دجـلـة : الـعـمـارة Amarat   الّـتي فـيها حـصـن مـن الـطّـابـوق الـنـيئ ، والـشّــطـرة Satarat   الّـتي فـيـهـا حـصـن يـشــبـهـه، والـمـنـصـوريـة Mansoury ، قـريـة كـبـيـرة ، والـمـجـر Magar والـعـزيـر  Gazer والـقـرنـة Gorno  (12).

وفي الـقـرنـة يـخـتـلـط الـفـرات بـدجـلـة، وفـيـهـا ثـلاثـة قـصـور:  واحـد في نـقـطـة الـتـقـاء الـنّـهـريـن ، وهـو أشـدّ الـثّـلاثـة تـحـصـيـنـاً ، وكـان ابـن أمـيـر الـبـصـرة حـاكـمـاً عـلـيـه. والـثّـاني مـن جـهـة بـلاد الـكلـدان، والـثّـالـث مـن جهـة بـلاد الـعـرب. ومـع أنّـهـم يـدقـقـون في جـبي الـجـمـارك فـهـم لا يـفـتـشـون الـنّاس. ويـصـعـد مـدّ الـبـحـر إلى هـذا الـمـكان، ولـهـذا لـم نـحـتـج إلّا لـسـبـع سـاعـات لـنـنـزل الـخـمـسـة عـشـر فـرسـخـاً إلى بـلـصـرة بـفـضـل الـرّيـح و جـزر الـبـحـر. وكـلّ الـبـلاد الّـتي تـمـتـدّ مـن بـغـدات إلى بـلـصـرة تـتـقـاطـع فـيـهـا الـقـنـوات والـسّــدود مـثـلـمـا في هـولـنـدة ، وبـيـن مـديـنـة وأخـرى حـوالي ســتـيـن فـرسـخـاً. وهي مـن بـيـن أحـسـن الـبـلاد الّـتي يـتـسـلّـط عـلـيـهـا سـلـطـان الأتـراك. ولا نـرى في كـلّ أرجـائـهـا إلّا مـروجـاً واسـعـة ومـراعي في غـايـة الـجـودة تـربى فـيـهـا أعـداد كـبـيـرة مـن الـحـيـوانـات وخـاصـة الـخـيـل والـجـامـوس.  ومـدة حـمـل أنـثى الـجـامـوس اثـنـا عـشـر شـهـراً، وهي كـثـيـرة الـحـلـيـب. ومـنـهـا مـن تـدرّ أحـد عـشـر لـتـراً في الـيـوم. ويـصـنـعـون مـنـهـا كـمـيـات هـائـلـة مـن الـزّبـدة حـتّى أنـنـا رأيـنـا، في بـعـض الـقـرى الّـتي مـررنـا بـهـا، إلى حـدّ عـشـريـن أو اثـنـيـن وعـشـريـن  قـاربـاً مـحـمّـلـة بـالـزّبـدة يـبـيـعـونـهـا عـلى  طـول ضـفـاف الـخـلـيـج مـن جـهـة بـلاد الـفـرس كـمـا مـن جـهـة جـزيـرة الـعـرب.

وفي مـنـتـصـف الـطّـريـق بـيـن بـغـدات  وبـلـصـرة لـمـحـنـا عـدّة سـرادق مـنـصـوبـة قـرب ضـفـة الـنّـهـر.  وقـد نـزلـنـا  لـنـرى مـا كـانـت ، فـعـرفـنـا أنّـهـا خـيـام  دفـتـردار جـاء مـن قـسـطـنـطـيـنـة لـجـبي ضـرائـب

الـسّـلـطـان عـلى هـذه الـبـلاد. ذهـبـت لأراه، وأهـديـتـه مـا يـقـارب أربـعـة أمـتـار مـن الـقـمـاش الإنـكـلـيـزي وطـبـنـجـة جـيـب.  وبـعـث لي مـتـلـطّـفـاً خـروفـيـن واثـنـتي عـشـرة دجـاجـة وزبـدة  ورز. وكـان سـعـيـداً بـتـوقـفي عـنـده ولـو لـمـدّة قـصـيـرة. وفي حـديـثـه معـه اخـبـرني إنّـه يـجـبي عـلى كـلّ الـجـامـوس ، ذكـراً كـان أم أنـثى، ومـن بـغـدات إلى الـقـرنـة، درهـمـاً ونـصـف عـلى كـلّ رأس. وهـذا يـجـلـب لـلـسّـلـطـان مـائـة وثـمـانـيـن ألـف درهـم كـلّ عـام. ماعـدا مـا يـدفـع عـلى الـخـيـل والـغـنـم. وإنّـه  لـولا غـشّ الـفـلاحـيـن وخـداعـهـم لـجـبى خـمـسـيـن ألـف درهـم فـوق ذلـك. وبـعـد أن تـركـنـا الـدّفـتـردار، رأى صـاحـب الـمـركـب اعـتـدال الـجـو في الـمـسـاء وأمـانـة الـمـلاحـة عـلى الـنّـهـر فـقـرر أن يـسـتـمـرّ في الـسّـيـر طـيـلـة الـلـيـل. ووصـلـنـا إلى الـقـرنـة في صـبـاح الـخـامـس والـعـشـريـن مـن آذار.

والـقـرنـة حـصـن جـيّـد الـبـنـاء عـلى نـقـطـة الـتـقـاء الـنّـهـريـن ، ومـن كـلّ جـهـة هـنـاك حـصـن صـغـيـر، مـمـا يـعـزز حـراســة الـمـرور.  ووجـدنـا في الـحـصـن الـرئـيـسي ، الّـذي تـحـمـيـه مـدافـع كـثـيـرة، إبـن أمـيـر بـلـصـرة، حـاكـم هـذه الـبـلاد. وفي هـذا الـحـصـن مـكـتـب الـجـمـارك. ومع أنّـهـم فـتّـشـوا الـمـراكـب بـدّقـة شــديـدة، فـقـد عـامـلـونـا بـلـطـف ولـم يـفـتـشـوا الـنّاس. ويـسـجـلـون الـبـضـائـع عـلى سـجـلّات، ولـكـن لا نـدفـع إلّا في بـلـصـرة.

وفي نـفـس الـنّـهـار، عـنـدمـا دخـلـنـا في الـقـنـاة الّـتي حـفـروهـا لـيـوصـلـوا بـيـن الـفـرات وبـلـصـرة ، وجـدنـا رئـيـس الـهـولـنـديـيـن ، وهـو يـشـرف عـلى تـجـارتـهـم ، وأظهـر لـنـا كـثـيـراً مـن عـلامـات الـلـطـف. وكـان يـتـنـزه عـلى الـنّـهـر في مـركـب أسـدلـت عـلـيه أقـمـشــة الأرجـوان، و ذهـبـنـا مـعـاً إلى بـلـصـرة. وفي كـلّ مـدّة بـقـائـنـا فـيـهـا لـم يـقـبـل أن نـسـكـن إلّاعـنـده.

ولأنّي سـافـرت مـرتـيـن إلى بـلـصـرة، الأولى عـام  1639،  وبـقـيـت  فـيـهـا اثـنـيـن وعـشـريـن يـومـاً، وهـذه الـمـرّة وقـضـيـت فـيـهـا أربـعـة عـشـر يـومـاً، فـأنـا أسـتـطـيـع أن أتـكـلّـم عـن حـال هـذه الـمـديـنـة :

بـلـصـرة مـن جـهـة بـاديـة الـعـرب،عـلى بـعـد فـرسـخـيـن مـن آثـارمـديـنـة  كان اســمـهـا في قـديـم الـزّمان  تـيـردون Térédon  (13) الّـتي كانـت في الـصّحـراء. ومـا زلـنـا نـرى فـيـها قـنـاة مـبـنـيـة بـالـطّـابـوق كـانـت تـأتي بـالـمـاء مـن الـفـرات. وتـشهـد آثـارهـا عـلى أنّـهـا كانـت مـديـنـة كـبـيـرة، ثـمّ اقـتـلع الـعـرب طـابـوقهـا لـيـبـيـعـوه في بـلـصـرة، ووضـع في أسـس الـدّور.

ومـديـنـة بـلـصـرة عـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـفـرات الّـذي يـســمـيـه الـعـرب ، في لـغـتـهـم ، شــطّ الـعـرب Scetel-areb   أي نـهـر بـلاد الـعـرب. ويـجـلـب مـنـه سـكّـان بـلـصـرة الـمـاء بـقـنـاة طـولـهـا نـصـف فـرسـخ في آخـرهـا حـصـن يـحـرسـهـا. ويـبـعـد الـبحـر خـمـسـة عـشـر فـرسـخـاً. والـبـلاد واطـئـة جـدّاً، ولـولا ســدّ يـفـصـلهـا عـنـه ، بُـني بـحـجـارة حـسـنـة الـقـطـع لـغـرقـت مـراراً.

وبـلـصـرة صـارت في أيـدي عـرب الـبـاديـة مـنـذ مـائـة سـنـة تـقـريـبـاً، ولـم يـكـن لـهـا تـجـارة مـع شـعـوب أوربـا.  وهـؤلاء الـنّـاس يـكـفـيـهـم أكـل تـمـرهـم الّـذي لـديـهـم مـنـه كـمـيـات هـائـلـة، ويـعـيـشـون مـنـه. وهـو ما نـجـده أيـضـاً عـلى طـول ضـفـتي الـخـليـج مـن الـجـهـتـيـن:  مـن بـلـصـرة إلى نـهـر الـهـنـدوس ، ســتّـمـائـة فـرســخ. ومـن الـجـهـة الـمـقـابـلـة حـتّى مـسـقـط ، لا يـعـرف الـنّـاس الـبـسـطـاء طـعـم الـخـبـز ولا طـعـم الـرّز، ولا يـعـيـشـون إلّا عـلى الـتّـمـر والـسّـمـك الـمـمـلـح الـمـجـفـف في الـرّيـح.

ولا تـأكـل الأبـقـار الـعـشـب. ورغـم أنّـهـا تـذهـب إلى الـحـقـول، فـهي لا تـجـد بـيـن الـعـلّـيـق مـا تـنـتـفـع مـنـه ، ولـكـنّهـا تـجـد، كـلّ صـبـاح قـبـل أن تـذهـب إلى الـحـقـول، وكـلّ مـسـاء عـنـدمـا تـعـود مـنـهـا، رؤوس أسـمـاك ونـوى تـمـر طـبـخـت مـعـاً طـعـامـاً لـهـا.

وعـنـدمـا حـارب الأتـراك الـعـرب ، أخـذوا بـلـصـرة مـنـهـم. ولـكـن لأنّ الـعـرب كـانـوا يـحـومـون حـولـهـا كـلّ يـوم، ويـنهـبـون مـا يـقـدرون عـلى نـهـبـه، فـقـد هـادنـوهـم واتّـفـقـوا عـلى أن يـحـتـفـظ الـعـرب بـسـيـطـرتـهـم عـلى الـبـوادي وتـبـقى الـمـديـنة وفـرسـخ حـولـهـا بـأيـدي الأتـراك الّـذيـن عـيـنـوا عـلـيـهـا بـاشـا لـيـحـكـمـهـا. ولـم تـدم الـمـعـاهـدة طـويـلاً، فـقـد كـان في وسـط الـمـديـنـة حـصـن اسـمـه حـوش الـبـاشـا Auchel Bacha  ، كـان قـد بـنـاه الأتـراك. وحـامـيـتـه مـن جـنـودهـم . ولـم يـتـحـمّـل الـسّـكـان وهـم مـن الـعـرب هـذا الـتّـسـلّـط ، فـكـانـوا يـتـقـاتـلـون أحـيـانـاً مـع الأتـراك. وجـاء عـرب الـبـوادي لـنـصـرة الـسّـكّـان وحاصـروا الـبـاشـا في حـصـنـه. ثـمّ لأنّـه لـم يـسـتـطـع أن يـعـقـد مـعـهـم عـهـداً، فـقـد جـاء بـاشـا آخـر اسـمـه عـيـود Aiud ، وبـعـد مـنـاوشـات وتـمـردات ضـدّه، قـرر أن يـتـخـلـص مـن كـلّ هـذا الـعـنـاء والـغـم فـبـاع وظـيـفـتـه بـأربـعـيـن ألـف درهـم لـسـيّـد غـني مـن الـبـلـد. وجـنّـد الـسّـيّـد الـجـديـد عـدداً كـبـيـراً مـن الـرّجـال لـضـبـط الـنّـاس. وقـد أسـمى نـفـسـه عـفـرسـيـاس بـاشـا     Efrasias Bacha  (14) ، وهـو جـد حـسـيـن بـاشـا الّـذي كـان يـحـكـمـها عـنـدما مـررت بـهـا. وعـفـرسـيـاس هـذا هـو الّـذي عـتـق نـفـسـه مـن نـيـر الأتـراك وصـار أمـيـراً لـلـبـصـرة. أمّـا الـبـاشـا الّـذي بـاع وظـيـفـتـه فـقـد خـنـقـوه عـنـدمـا عـاد إلى قـسـطـنـطـيـنـيـة. والّـذي اشـتـراهـا، كـمـا ذكـرت، لـم يـعـد يـريـد الإعـتـراف بـسـلـطـة الأتـراك واســتـقـلّ بـالـبـلـد. ولـكـن، مـنـذ أن فـتـح الـسّـلـطان مـراد بـغـدات ، ولـيـحـسّـن عـلاقـتـه بـالـبـاب الـعالي، يـبـعـث أمـيـر بـلـصـرة لـه بـهـدايـا بـيـن الـحـيـن والـحـيـن، وغـالـبـاً مـا تـكـون خـيـلاً، فـهي بـالـغـة الـجـمـال في هـذه الـبـلاد.

وبـعـد أن سـيـطـر الـشّـاه عـبـاس، مـلـك الـفـرس، عـلى هـرمـز بـعـث بـجـيـش مـكـيـن يـقـوده إمـام خـولي خـانIman-couli-Kan  ، حـاكـم شـيـراز، لأخـذ بـلـصـرة. ولـكـن الأمـيـر الّـذي يـحـكـمـهـا أدرك قـلّـة قـدرتـه عـلى مـقـاومـة الـفـرس، وتـعـاهـد مـع عـرب الـبـاديـة عـلى أن يـفـتـحـوا لـه ثـغـرات في الـسّـدّ الّـذي يـحـمي الـمـديـنـة مـن الـبـحـر. وفـتـحـوا لـه الـثّـغـرات فـتـدفـق الـمـاء عـلى الـبـلاد بـقـوة ووصـل إلى الـبـصـرة وحـتّى إلى أربـع فـراسـخ بـعـدهـا، وأحـاط  بـجـيـش الـفـرس، فـتـركـوا حـصـار الـمـديـنـة وخـاصـة بـعـد أن بـلـغـهـم  مـوت الـشّـاه عـبـاس. وتـركـوا أمـامـهـا مـدفـعـاً رأيـتـه في سـفـرتيّ.  وكـان هـذا الـطّـوفـان الـسّـبـب في أنّ عـدداً مـن الـبـسـاتـيـن والأراضي لـم تـعـد تـنـتـج شــيـئـاً أو قـلـيـلاً جـدّاً لـكـثـرة مـلـح الـبـحـر الّـذي ظـلّ يـغـطـيـهـا.

وارتـبـط أمـيـر بـلـصـرة بـروابـط  ودّيـة مـع عـدّة دول أجـنـبـيـة، والـنّـاس يـأتـون إلى هـنـا مـن كـلّ الـبـلاد ويـلاقـون تـرحـيـبـا. والـحـريـات تـحـتـرم هـنـا، والأمـن سـائـد حـتّى أنّ الـمـرء يـمـكـنـه الـسّـيـر في  دروبـهـا لـيـلاً لا يـخـشـى مـن شئ.  والـهـولـنـديـون يـأتـون كـلّ عـام لـيـبـيـعـوا الـتّـوابـل، ويـأتي الإنـكـلـيـز أيـضـاً بـالـبهـار وبـعـض كـبـش الـقـرنـفـل، ولـكـنّـه أوقـف الـتّـجارة مـع الـبـرتـغـالـيـيـن ، وانـسـحـب مـعـهـم الآبـاء الأوغـسـطـيـنـيـون الّـذيـن كـانـوا هـنـا. ويـجـلـب الـهـنـود الـقـمـاش وصـبـغـة الـنّـيـلـة وأنـواع أخـرى مـن الـبـضائـع . وغـالـبـاً مـا نـجـد في هـذه الـمـديـنـة تـجّـاراً مـن قـسـطـنـطـيـنـيـة  وإزمـيـر وحـلـب ودمـشــق والـقـاهـرة وأمـاكـن أخـرى مـن تـركـيـا، يـشـتـرون الـبـضـائـع الآتـيـة مـن الـهـنـد، ويـحـمّـلـونهـا عـلى ظـهـور صـغـار الإبـل الّـتي  يـشـتـرونـهـا هـنـا حـيـث يـجـلـب الـعـرب إبـلـهـم لـيـبـيـعـوهـا. والـمـديـنـة مـركـز مـهـمّ لـبـيـعـهـا وشـرائـهـا.

والّـذيـن يـأتـون إلى بـلـصـرة مـن ديـار بـكـر والـمـوصـل وبـغـدات، ومـن مـيـزبـوتـامـيـا وبـلاد آشــور يـصـعـدون مـع بـضـائـعـهـم عـلى دجـلـة بـجـهـد شــديـد وبـتـكالـيـف بـاهـظـة، فـهـم لا يـجـدون لـسـحـب مـراكـبهـم إلّا رجـالاً لا يـقـدرون عـلى سـحـبـهـا أكـثـر مـن مـسـافـة فـرسـخـيـن ونـصـف في الـيـوم ، وهـم فـوق ذلـك لا يـقـدرون عـلـيـه إذا كـانـت الـرّيـح مـعـاكـسـة.  وهـكـذا يـقـضـون أكـثـر مـن شـهـريـن لـلـصّعـود مـن بـلـصـرة إلى بـغـدات ، ومـنـهـم مـن قـضـوا ثـلاثـة أشـهـر لـلـوصـول إلـيـهـا.

وجـمـارك بـلـصـرة تـتـقـاضى خـمـسـة بـالـمائـة،  ولـكـنـنـا نـلاقي دائـمـاً مـن تـلـطّـف صـاحـب الـجـمـارك أو مـن الأمـيـر مـا يـجـعـلـها لا تـتـجاوز في الـحـقـيـقـة أكـثـر مـن أربـعـة بـالـمـائـة.  وأمـيـر بـلـصـرة هـذا حـاذق في عـمـلـه مـمـا يـســمـح لـه بـأن يـضـع جـانـبـاً كـلّ عـام ثـلاثـة مـلايـيـن لـيـرة. وتـأتـيـه مـوارده الـرّئـيـسـيـة مـن أربـعـة أشـيـاء : مـن الـنّـقـود ومـن الـخـيـل ومـن الإبـل ومـن الـنّـخـيـل. ولـكـنّ الـنّـخـيـل هـي ثـروتـه الأسـاسـيـة.  كـلّ الأراضي، مـن بـدايـة الـتـقـاء الـنّـهـريـن حـتّى الـبـحـر، عـلى مـسـافـة ثـلاثـيـن فـرسـخـاً، تـغـطّـيـها الـنّـخـيـل. ولا يـجـرؤ أحـد عـلى مـسّ تـمـرة واحـدة مـنـهـا قـبـل أن يـشـتـريـهـا. وأربـاحـه مـن الـنّـقـود تـأتـيـه مـن أنّ الـتّـجـار الـغـربـاء  مـجـبـرون عـلى إبـدال ريـالاتـهـم

بـعـمـلـتـه مـمـا يـجـلـب لـه مـا يـقـارب الـثّـمـاني بـالـمـائـة في الـصّـرف.  أمّـا عـن الـخـيـل، فـلا يـوجـد مـكـان في الـعـالـم نـجـد فـيـه خـيـلاً أكـثـر جـمـالاً ولا أشــدّ تـحـمّـلاً لـلـتّـعـب مـن هـذا الـمـكـان. ومـنهـا مـن تـسـتـطـيـع الـسّـيـر حـتّى ثـلاثـيـن سـاعـة مـتـواصـلـة مـن غـيـر أكـل ولا شـرب وخـاصـة الأفـراس.

ولـكـن لـنـعـود إلى نـخـيـلـنـا ، فـمـا يـسـتحـق الـذّكـر هـو أنّ غـرسـهـا يـسـتـدعي خـبـرة بـهـا أكـثـر مـن غـيـرهـا مـن الأشـجـار. فـتـحـفـر حـفـرة في الأرض يـوضـع  فـيـها مـائـة وخـمـسـيـن أو ثـلاثـمـائـة نـواة  بـعـضـهـا  فـوق بـعـض عـلى شـكـل هـرم مـدبـب الأعـلى لـيـس عـلـيـه إلّا نـواة واحـدة، هي الّـتي تـنـبـت مـنـهـا الـنّـخـلـة بـعـد أن تـغـطّى بـالـتّـراب. ويـقـول عـدد مـن أهـل الـبـلـد أنّ في الـنّـخـيـل الـذّكـر والأنـثى، ولـهـذا يـنـبـغي أن تـزرع مـتـقـاربـة وإلّا لـن تـثـمـر الأنـثى. ويـؤكـد آخـرون عـلى أنّ ذلـك لـيـس ضروريـاً فـيـكـفي أن نـأخـذ مـن نـوّار الـذّكـر لـتـوضـع  في الـنّـخـلـة الأنـثى في أعـلى ســعـفـهـا، وإلّا ســقـط الـطّـلـع قـبـل أن يـتـمـر.

وفي بـلـصـرة، كـمـا في تـركـيـا  قـاضٍ يـقـيـم الـعـدل. وهـو تـحـت أوامـر الأمـيـر. وفي بـلـصـرة ثـلاثـة أنـواع مـن الـمـسـيـحـيـيـن : الـيـعـاقـبـة ، والـنّـسـاطـرة ومـسـيـحـيـو حـنّـا الـمـعـمـدان (15).  وفـيـهـا مـقـرّ لـلـكـارمـيـة الـحـفـاة الإيـطـالـيـيـن، وكـان  فـيـهـا مـقـرّ لـلأوغـسـطـيـنـيـيـن الـبـرتـغـالـيـيـن ، كـمـا ذكـرت ســابـقـاً، ولـكـنّـهـم تـركـوها عـنـدما تـركـت أمّـتـهـم الـتّـجـارة مـعـهـا”.

وفي بـدايـة نـيـسـان، غـادر تـافـرنـيـيـه الـبـصـرة وعـبـر الـخـلـيـج إلى بـنـدر عـبّـاس، ومـن هـنـاك سـافـر مـبـاشـرة إلى الـهـنـد. وبـعـد أن انـتـهـت أشـغـالـه في الـهـنـد عـاد إلى بـنـدر عـبّـاس في 11 آذار 1654، ومـنـهـا تـوجّـه إلى كـرمـنـشـاه وأصـفـهـان ثـمّ إلى أرمـيـنـيـا وتـركـيـا الّـتي عـاد مـنـهـا إلى أوربـا.

الـرّحـلـة الـخـامـسـة :

بـدأت رحـلـة تـافـرنـيـيـه الـخـامـسـة في شـبـاط 1657، ووصـل إلى إلى أصـفـهـان عـن طـريـق تـركـيـا وأرمـيـنـا في أواخـر صـيـف ذلـك الـعـام. وقـد أقـام في الـمـديـنـة مـا يـقـارب الـسّـنـة والـنّـصـف، ثـمّ تـركـهـا ذاهـبـاً إلى الـهـنـد. ويـذكـر أنّـه عـاد إلى بـنـدرعـبّـاس في بـدايـة 1661، ثـمّ ذهـب مـن جـديـد إلى أصـفـهـان الّـتي أقـام فـيـهـا حـتّى الـعـام الـتّـالي ، ثـمّ تـوجّـه عـن طـريـق تـبـريـز مـخـتـرقـاً الـكـردسـتـان إلى حـلـب والإسـكـنـدرونـة فـأوربـا.

وقـد تـزوّج تـافـرنـيـيـه في 1663، وكـان في الـثّـامـنـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره بـابـنـة تـاجـر جـواهـر بـروتـسـتـانـتي مـثـلـه.

وعـنـدمـا أصـبـح كـولـبـيـر مـسـتـشـاراً ووزيـر بـحـريـة لـمـلـك فـرنـسـا، لـويـس الـرّابـع عـشـر أثـار مـن جـديـد رغـبـة فـرنـسـا في تـنـمـيـة هـيـمـنـتـهـا الـتّـجـاريـة في الـشّـرق. وأنـشـأ كـولـبـيـر وظـائـف قـنـصـلـيـة في مـدن الـشّـرق، وأسـس شـركـة بـلاد الـهـنـد الـشّـرقـيـة La Compagnie des Indes Orientales في 1664، ثـمّ شـركـة الـمـشـرق  La Compagnie du Levantفي 1670.

الـرّحـلـة الـسّـادسـة :

وشـرع تـافـرنـيـيـه في رحـلـتـه الأخـيـرة إلى الـشّـرق في 27 تـشـريـن الـثّـاني 1663، أي بـعـد حـوالي شـهـر ونـصـف مـن مـغـادرة الـفـرنـسي تـيـفـونـو بـاريـس في رحـلـتـه الـثّـانـيـة نـحـو الـشّـرق. وقـد وصـل في 1665 إلى أصـفـهـان الّـتي غـادرهـا مـتّـجـهـاً إلى الـهـنـد وعـاد مـنـهـا في 1666 إلى بـنـدر عـبّـاس، ووصـل إلى بـاريـس في نـهـايـة عـام 1668. وكـانـت تـلـك آخـر اتـصـالاتـه بـالـشّـرق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الـعـراق في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر كـمـا رآه الـفـرنـسي تـافـرنـيـيـه، تـرجـمـة وتـحـقـيـق كـوركـيـس عـواد و بـشـيـر فـرنـسـيـس. بـغـداد، دار الـمـعـارف 1944. وهـمـا يـكـتـبـان اسـمه جـان بـابـتـسـت رغـم أنّ حـرف الـ P  في اسـم Baptiste  لا يـلـفـظ في الـلـغـة الـفـرنـسـيـة، فـيـقـال بـاتـسـت ولـيـس بـابـتـســت.(2)  حـمـام الـعـلـيـل . (3)   Thévenot يـذكـر أنّ اسـمـه  كـوشـاف Kochaf ، بـيـنـمـا يـذكـر Kinneir  أن اسـمـه سـهـاف Sehaff . (4) وهـو الـزّاب الـصّـغـيـر. (5)  تـكـريـت، الـتي يـقـول عـنـهـاThévenot : “عـلـمـت أنّـهـا كـانـت مـديـنـة مـهـمـة في الـمـاضي، ولـكـن لـيـس فـيـهـا الآن إلّا خـرائـب، ولا تـعـادل قـريـة كـبـيـرة”. (6) الإمـام  مـحـمّـد الـدّور ، وهـو يـتـكـلّـم عـن مـديـنـة الـدّور. (7)   لا بـد أنّـه يـتـكـلّـم عـن نـهـر الـعـظـيـم. (8)   لا يـذكـر الـمـؤرخـون الأتـراك هـذا الاسـم ولا الـقـصـة الـتّي سـيـحـكـيـهـا  تـافـرنـيـيـه، بـل يـذكـرون أنّ حـاكـم بـغـداد كـان في وقـت الـحـصـار بـخـتـاش خـان. (9)   لـنـفـهـم  دهـشـة تـفـارنـيـيـه مـن كـثـرة الـمـاء الّـذي يُـغـتـسـل بـه  عـلـيـنـا أن نـتـذكّـر أنّ فـرنـسـيّ زمـنـه كـانـوا لا يـغـتـسـلـون ، فـقـد كـانـوا يـعـتـبـرون الـمـاء مـضـرّاً لـلـبـشـرة. ولـم يـكـن في قـصـور لـويـس الـرّابـع عـشـر، مـلـك فـرنـسـا أنـذاك حـمـامـات. وكـانـوا يـكـتـفـون بـرشّ الـعـطـور عـلى أجـسـادهـم.  (10)  يـقـول ابـن بـطـوطـة في رحـلـتـه :  “ويـخـرجـن مـلـتـحـفـات مـتـبـرقـعـات فـلا يـظهـر مـنـهـنّ شـئ”.  (11)  وهي في الـحـقـيـقـة آثـار طـيـسـفـون، وتـعـود آثـارهـا الـظـاهـرة لـلـعـيـان لـزمـن الـسّـاسـانـيـيـن. (12)   لـم يـذكـر تـافـرنـيـيـه الـمـدن بـالـتّـرتـيـب، و بـعـضـهـا لـيـسـت عـلى الـمـجـرى الـرّئـيـسـي لـدجـلـة. (13)    وكـانـت مـديـنـة هـيـلـنـسـكـيـة ، فـقـدت أهـمـيـتـهـا قـبـل الـفـتـح الإســلامي وخـربـت. وكـانـت تـسـمى ” الـخـرابـة”. (14)  لـم أجـد اسـم هـذا الـبـاشـا بـالـلـغـة الـعـربـيـة ، وهـو ولا شـك مـخـتـلـف عـن تـشــويـه تـافـرنـيـيـه لـه. (15)  و يـقـصـد بـهـم  الـصّـابـئـة الـمـنـدائـيـيـن.

صـور عـن الـعـراق في دعـايـة لـشـركـة فـرنـسـيـة عـام 1936

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

pupier irak 1

أنـشـئـت شـركـة بـوبـيـه لـلـشـوكـولاتـة  La chocolatterie Pupier  في مـديـنـة سـانـت إتـيـيَـن ، في فـرنـسـا في حـوالي عـام  1860. وكـانـت الـشّـركـة تـصـنـع مـسـتـطـيـلات تـحـتـوي عـلى عـدد مـن مـربـعـات الـشّـوكـولاتـة مـغـلـفـة بـأوراق مـفـضـضـة أومـذهـبـة ثـمّ بـغـلاف خـارجي مـلـوّن.

وفي بـدايـة ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي أطـلـقـت الـشّـركـة نـوعـاً طـريـفـاً مـن الـدّعـايـة لـمـنـتـجـاتـهـا : وهي أن تـضـع صـورة لـرسـم بـالألـوان في كـلّ مـسـتـطـيـل مـغـلّـف . ويـسـتـطـيـع الـطّـفـل أو الـنّـاشئ (أو أمّـه وأبـوه) أن يـلـصـق الـصّـورة في ألـبـوم يـمـكـن الـحـصـول عـلـيـه مـن الـشّـركـة. وكـان مـوضـوع الألـبـومـات بـلـدان الـعـالـم قـارة بـقـارة. وإذا مـا وجـد الأطّـفـال نـفـس الـصّـورة مـكـررة في عـدّة مـغـلـفـات فـقـد كـانـوا يـسـتـطـيـعـون أبـدالـهـا بـصـور أخـرى بـيـنـهـم في الـحي أو في سـاحـة الـمـدرسـة، مـمـا نـتـج عـنـه ازديـاد الـمـبـيـعـات ازديـاداً شـديـداً.

وقـد أصـدرت الـشّـركـة الألـبـوم الـمـخـصـص لـقـارة آسـيـا في 1935، ووضـعـت صـور الـصّـفـحـة رقـم 15 الـمـكـرّسـة لـلـعـراق في الـمـغـلـفـات عـام 1936. وتـحـتـوي الـصـفـحـة عـلى تـسـع صـور تـحـت كـلّ واحـدة مـنـهـا شـرح مـوجـز، وتـقـرأ مـن الـيـسـار إلى الـيـمـيـن ومـن الأعـلى نـحـو الأسـفـل.

Iraq

الـصّـورة الأولى، رسـم لـلـعـلـم الـعـراقي كـتـب تـحـتـه (بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة) : “الألـوان الـرّسـمـيـة لـلـعـراق هي الأسـود والأبـيـض والأخـضـر والأحـمـر. ووضـعـت الألـوان الـثّـلاثـة الأولى في مـسـتـطـيـلات مـتـوازيـة أعـلاهـا الأسـود، أمّـا الأحـمـر فـيـشـكـل مـثـلـثـاً جـانـبـه الـعـريـض مـن جـهـة سـاريـة الـعـلـم”.

pupier irak vi 2

الـصّـورة الـثّـانـيـة، خـارطـة الـعـراق وكـتـب تـحـتـهـا : ” الـعـراق أو بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  La Mésopotamie   لـيـس لـه الآن حـدود ثـابـتـة، وهـو يـصـل في الـشّـمـال إلى أرمـيـنـيـا (!) ويـلاصـق سـوريـا في الـغـرب والـجـزيـرة الـعـربـيـة في جـنـوب الـغـرب وفي الـجـنـوب وبـلاد فـارس في الـشّـرق. وتـنـحـدر أراضـيـه في جـنـوب الـشّـرق حـتّى الـخـلـيـج الـفـارسي”.

767_001

الـصّـورة الـثّـالـثـة، رسـم لـمـلـكَي الـعـراق كـتـب تـحـتـه : “إعـتـلى مـلـك الـعـراق الـحـالي، جـلالـة الـمـلـك غـازي الأوّل الـعـرش في بـدايـة 1934،  بـعـد وفـاة أبـيـه فـيـصـل الأوّل، أوّل مـلـوك الـعـراق. ولايـتـجـاوز الـمـلـك غـازي الـحـاديـة والـعـشـريـن مـن عـمـره”.

455_001

الـصّـورة الـرّابـعـة، رسـم لـنـهـر الـفـرات وكـتـب تـحـتـه : “نـهـرا الـعـراق الـعـظـيـمـان هـمـا دجـلـة والـفـرات. ويـقـتـرب مـجـراهـمـا الـواحـد مـن الآخـر شـمـال بـغـداد، ثـمّ يـتـبـاعـدان لـيـجـتـمـعـا أخـيـراً ويـشـكّـلا نـهـراً واحـداً : شـطّ الـعـرب الّـذي يـصـبّ في الـخـلـيـج”.

pupier irak vi 5

الـصّـورة الـخـامـسـة، رسـم لـتـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل الأوّل كـتـب تـحـتـه : “أصـبـح الـعـراق دولـة مـسـتـقـلّـة في مـعـاهـدة سـيـفـر   Sèvre في 10 آب 1920 ، ووضـع تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني. ويـنـتـصـب تـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وسـط إحـدى سـاحـات بـغـداد”.

وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ الـتّـمـثـال مـن عـمـل الـنّـحّـات الإيـطـالي بـيـتـرو كـانـونـيـكـا Pietro Canonica. وقـد اسـتـغـرق إنـجـازه عـامـاً ونـصـف، ونـصـب في الـصّـالـحـيـة، في جـانـب الـكـرخ في 1933. وقـد ظـلّ هـذا الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً في وسـط بـغـداد قـرب تـمـثـال الـجـنـرال مـود حـتّى أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة في 14 تـمّـوز 1958 وحـطّـمـتـه. وأعـادت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 1987 طـلـبـهـا لـنـحـت الـتّـمـثـال مـن جـديـد مـن تـصـمـيـمـه الأوّلي الّـذي بـقي في مـحـتـرف الـفـنّـان في رومـا، ونـصـبـتـه في مـكـانـه الـسّـابـق في الـصـالـحـيـة. كـمـا أنـجـز بـيـتـرو كـانـونـيـكـا في نـفـس الـعـام، 1933، تـمـثـالاً مـن الـبـرونـز لـعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون نـصـب في سـاحـة الـنّـصـر. وصـدرت إرادة مـلـكـيـة في عـام 1933 بـمـنـح بـيـتـرو كـانـونـيـكـا وسـام الـرّافـديـن مـن الـدّرجـة الـثّـالـثـة.

pupier irak vi 6

الـصّـورة الـسّـادسـة، رسـم لـضـريـح الـشّـيـخ عـمـر كـتـب تـحـتـه :”يـقـع قـبـر الـشّـيـخ عـمـر قـرب بـغـداد، ويـزوره مـسـلـمـو الـعـراق. [في الـنّـص: يـحـج إلـيـه]. والـدّيـن الـغـالـب في الـعـراق هـو الإسـلام”.

بغداد 12

الـصّـورة الـسّـابـعـة، رسـم لـجـيـش الـعـراق كـتـب تـحـتـه : “يـعـود الـفـضـل في تـأسـيـس الـجـيـش الـعـراقي إلى الـمـلـك فـيـصـل الأوّل. وهـو يـضـمّ في أيّـامـنـا هـذه حـوالي 12000 جـنـدي. وقـد أصـبـحـت الـخـدمـة الـعـسـكـريـة إجـبـاريـة مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة. ويـرتـدي الـجـنـود الـعـراقـيـون الـقـبـعـة الإسـتـعـمـاريـة الـبـريـطـانـيـة (أي الّـتي يـرتـديـدهـا الـجـنـود في الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـانـيـة)، كـمـا يـرتـدون الـسّـراويـل الـقـصـيـرة”.

pupier irak vi 8

الـصّـورة الـثّـامـنـة، رسـم لاسـتـخـراج الـنّـفـط كـتـب تـحـتـه : “الـنّـفـط ثـروة الـعـراق الـرّئـيـسـيـة. وتـشـتـغـل شـركـة  Iraqi Petrolum Company  الآن عـلى إنـشـاء أنـابـيـب  Pipe- line  بـيـن الـمـوصـل وطـرابـلـس الـشّـرق سـتـوصـل الـنّـفـط الـعـراقي إلى سـواحـل لـبـنـان”.

pupier irak vi 9

الـصّـورة الـتّـاسـعـة، رسـم لـمـطـار بـغـداد كـتـب تـحـتـه : “تـأتي أهـمـيـة مـطـار بـغـداد مـن أنّ طـائـرات الـمـواصـلات الـجـويـة بـيـن بـاريـس وسـايـغـون تـحـطّ فـيـه. وتـوصـل طـائـرات الـخـطـوط الـجـويـة الـفـرنـسـيـة الـمـسـافـريـن مـن بـغـداد إلى دمـشـق بـأقـل مـن أربـع سـاعـات”.

ورغـم بـسـاطـة الـشّـروح وقـلّـة دقّـتـهـا في بـعـض الأحـيـان، فـقـد كـانـت تـقـدّم لـصـغـار الـفـرنـسـيـيـن في ذلـك الـزّمـن مـعـلـومـات لا يـنـبـغي الـتّـقـلـيـل مـن أهـمـيـتـهـا خـاصـة وأنّ الـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن سـكـان الـعـالـم الآن لـيـس لـهـم أيّـة مـعـرفـة بـتـاريـخ الـعـراق ولا حـتّى بـجـغـرافـيـتـه.

جـان أوتّـيـر في الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري  Jonas Otter رحـلـة جـان أوتـيـر إلى الـشّـرق وإقـامـتـه في الـعـراق : صـدر في بـاريـس عـام 2010 كـتـاب لـم يـنـتـبـه إلـيـه أحـد، ولـم أقـرأ عـنـه شـيـئـاً في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة رغـم أهـمـيـتـه الـبـالـغـة. والـكـتـاب يـومـيـات كـتـبـهـا جـان أوتـيـر خـلال رحـلـتـه إلى ” تـركـيـا وبـلاد فـارس ــ مـن إسـطـنـبـول إلى أصـفـهـان، ومـن أصـفـهـان إلى الـبـصـرة، ومـن الـبـصـرة إلى إسـطـنـبـول، والـعـودة إلى فـرنـسـا”  بـيـن 1734 و 1744: Jean OTTER, Journal de voyages en Turquie et en Perse 1734- 1744 (de Constantinople à Ispahan, d’Ispahan à Bassora, de Bassora à  Constantinople et retour en France). Paris, l’Harmattan, 2010. وقـد اسـتـعـمـل جـان أوتـيـرهـذه الـيـومـيـات في كـتـابـة وصـف رحـلـتـه إلى تـركـيـا وبـلاد فـارس، بـعـد أن أضـاف إلـيـهـا مـلاحـظات وتـأمّـلات واسـتـشـهـادات مـن مـصـادر قـديـمـة، ونـشـرهـا بـالـفـرنـسـيـة عـام 1748: Jean OTTER, Voyage en Turquie et en Perse , avec une relation des expéditions de Tahmas Kouli- Khan, 2 volumes. Paris, Les Frères Guerin 1748. Journal de J. Otterويـومـيـات الـرّحـلـة هـذه تـنـشـر لأوّل مـرة بـعـد مـرور أكـثـر مـن قـرنـيـن ونـصـف عـلى كـتـابـتـهـا. وقـد مـرّ أوتـيـر بـالـعـراق في طـريـقـه إلى أصـفـهـان، ثـمّ بـعـد عـودتـه مـنـهـا وأقـام في الـبـصـرة حـوالي أربـع سـنـوات وعـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا فـيـهـا في 1742. ومـا كـتـبـه جـان أوتـيـرعـن الـعـراق شـديـد الأهـمـيـة فـهـوقـد شـهـد الـصّراع بـيـن الـسّـلـطان الـعـثـمـاني مـحـمـود وبـيـن نـادرشـاه وشـهـد عـن كـثـب كـيـف اسـتـغـلّ أحـمـد بـاشـا والي بـغـداد الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة لـيـقـوي سـلـطـتـه ويـمـدهـا إلى الـبـصـرة لـيـسـتـولي عـلى ولايـتـهـا، وعـلاقـتـه بـشـيـوخ الـمـنـتـفـك وخـاصـة سـعـدون بـن مـحـمّـد. رحـلـة جـان أوتـيـر إلى الـشّـرق : ولـنـتـكـلّـم أوّلاً عـن جـان أوتـيـر لأنّ الـقـارئ الـعـربي لا يـكـاد يـعـرفـه :ولـد جـونـاس أوتـيـر Jonas Otter   (الّـذي أصـبـح في فـرنـسـا جـان أوتّـيـرJean OTTER ) في الـسّـويـد سـنـة 1707، في عـائـلـة تـمـتـهـن الـتّـجـارة، وبـدأ يـتـعـلـم  مـنـذ صـبـاه عـدّة لـغـات شـمـالـيـة، ثـمّ دخـل جـامـعـة Lund  في 1724، وكـان في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره، ودرس فـيـهـا ثـلاث سـنـوات حـتّى عـام 1727. وبـعـد أن أنـهى دراسـتـه ذهـب إلى اسـتـكـهـولـم، وطـلـب مـقـابـلـة سـفـيـرفـرنـسـا الـمـقـيـم في بـلاط الـسّـويـد، ولـكـنّ الّـذي اسـتـقـبـلـه في الـسّـفـارة كـان الأب غـويـون، الـمـسـؤول عـن شـؤون الإتـصـالات. وأخـبـر أوتـيـر هـذا الأب بـعـزمـه عـلى تـرك ديـنـه الـبـروتـسـتـانـتي واعـتـنـاق الـكـاثـولـيـكـيـة. وكـان تـرك الـبـروتـسـتـانـتـيـة في الـسّـويـد يـعـاقـب عـلـيـه في تـلـك الأيّـام بـالـنّـفي. ولـتـسـهـيـل كـسـب هـذا الـشّـاب إلى الـكـاثـولـيـكـيـة تـكـفّـل بـه الأب غـويـون وبـعـثـه إلى فـرنـسـا، وهـكـذا وصـل أوتـيـر إلى فـرنـسـا بـعـد سـنـوات قـلـيـلـة مـن اعـتـلاء لـويـس الـخـامـس عـشـر الـعـرش، ودرس في حـلـقـة ديـنـيـة في مـديـنـة روان ثـلاث سـنـوات، ولـكـنّـه لـم يـرغـب في أن يـكـرّس كـرجـل ديـن. ونـعـرف مـن سـجـل هـذه الـحـلـقـة الـدّيـنـيـة أنّـه كـان يـعـرف الـلـغـات الألـمـانـيـة والإنـكـلـيـزيـة والإيـطـالـيـة والـفـرنـسـيـة والـلاتـيـنـيـة والـيـونـانـيـة الـقـديـمـة. ثـمّ ذهـب إلى بـاريـس. وسـاعـدتـه مـعـرفـتـه لـعـدّة لـغـات أوربـيـة بـأن يـوظّـف في مـكـتـب بـريـد بـاريـس.  وقـرر الـكـونـت دو مـوربـاس، وزيـر مـلـك فـرنـسـا أن يـبـعـثـه إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة، عـاصـمـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة “لـيـعـمـق مـعـرفـتـه بـالـلـغـات الـشّـرقـيـة”، ولـكـن الـهـدف الـحـقـيـقي كـان إعـادة الـعـلاقـات الـتّـجـارية بـيـن فـرنـسـا وبـلاد الـفـرس الّـتي اسـتـولى عـلى الـعـرش فـيـهـا نـادرشـاه. وصـدرالأمـرالـمـلـكي بـإرسـال الـبـعـثـة في كـانـون الـثّـاني1734. وتـرك أوتـيـر مـيـنـاء مـرسـيـلـيـا عـلى مـتـن سـفـيـنـة. وبـعـد أن نـجـا مـن عـاصـفـة رهـيـبـة وصـل إلى الـقـسـطـنـطـيـنـة في بـدايـة شـهـر آذار.  وبـدأ بـعـد وصـولـه بـقـلـيـل بـدراسـة الـتّـركـيـة والـعـربـيـة والأرمـنـيـة، كـمـا بـدأ يـعـمـق مـعـرفـتـه بـتـاريـخ الـشّـرق . وقـد مـنـعـتـه الـحـرب بـيـن الـفـرس والأتـراك مـن مـتـابـعـة مـهـمـتـه أي الـذّهـاب إلى بـلاد فـارس فـانـتـظـر إلى أن تـوصّـل أحـمـد بـاشـا، والي بـغـداد ، إلى أن يـصلـح بـيـن الـدّولـتـيـن، ثـمّ إلى أن يـصل سـفـيـر شـاه الـفـرس لـيـأتي إلى الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـحـمـود الأوّل بـتـوقـيـع سـيّـده عـلى مـعـاهـدة الـسّـلـم بـيـنـهـمـا. وعـنـدمـا تـرك هـذا الـسّـفـيـر تـركـيـا عـائـداً إلى أصـفـهـان في تـشـريـن الـثّـاني 1736 طـلـب مـنـه سـفـيـر فـرنـسـا أن يـصـاحـبـه أوتـيـر في رحـلـتـه. وكـان الـهـدف مـن ذلـك إعـادة الـعـلاقـات الـدّبـلـومـاسـيـة والـتّـجـاريـة الّـتي انـقـطـعـت بـيـن فـرنـسـا وبـلاد الـفـرس مـنـذ 1702، كـمـا وصـل إلى أوتـيـر مـن بـاريـس طـلـب بـشـراء كـلّ الـمـخـطـوطـات الّـتي يـمـكـنـه الـعـثـور عـلـيـهـا في سـفـرتـه لإغـنـاء الـمـكـتـبـة الـمـلـكـيـة ، وبـجـمـع كـلّ مـا يـمـكـنـه مـن مـعـلـومـات عـن طـرق الـتّـجـارة في الـمـنـطـقـة وعـن مـا يـسـتـورد ويـصـدّر. وهـكـذا بـدأ أوتـيـر يـتـعـلّـم الـفـارسـيـة إلى جـانـب جـهـوده بـتـحـسـيـن مـعـرفـتـه بـالـعـربـيـة والـتّـركـيـة. وقـد غـادرت قـافـلـة الـسّـفـيـر الـفـارسي الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في تـشـريـن الـثّـاني 1736، ووصـلـت  في تـمّـوز 1737 إلى أصـفـهـان الّـتي بـقي فـيـهـا أوتـيـر عـشـريـن شـهـراً، ثـمّ تـركـهـا في نـيـسـان 1739 مـتـوجـهـاً إلى الـبـصـرة الّـتي كـانـت الـتّـجـارة قـد ازدهـرت فـيـهـا بـعـد انـحـطـاط تـجـارة الـفـرس بـسـبـب الـحـروب. وكـان والي بـغـداد أحـمـد بـاشـا قـد مـدّ سـيـطـرتـه عـلـيـهـا بـعـد أن تـوسـعـت سـلـطـتـه وضعـفـت تـبـعـيـتـه لـلإدارة الـعـثـمـانـيـة. ومـن الـبـصـرة صـعـد أوتـيـر إلى بـغـداد وتـقـرّب مـن الـبـاشـا ثـمّ تـفـاوض مـعـه بـاسـم سـفـيـر فـرنـسـا في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة لـلـحـصـول عـلى امـتـيـازات لـلـتّـجـارة الـفـرنـسـيـة في أراضي الـبـاشـا ومـوانـئـه ، ثـمّ نـزل عـلى مـيـاه دجـلـة إلى الـبـصـرة الّـتي وصـلـهـا في 19 حـزيـران 1739. وبـقي أوتـيـر في الـبـصـرة حـوالي أربـع سـنـوات، أولاً بـدون لـقـب رسـمي ثـمّ كـقـنـصـل لـفـرنـسـا ووكـيـل لـشـركـة بـلاد الـهـنـد ، وكـانـت هـذه بـدايـة اهـتـمـام الـفـرنـسـيـيـن بـالـبـصـرة الّـتي ازدهـرت تـجـارتـهـا عـلى حـسـاب مـيـنـاء بـنـدر عـبّـاس الّـذي فـقـد كـثـيـراً مـن أهـمـيـتـه. وفي 1741 ثـارت أغـلـب عـشـائـر الـعـرب حـول الـمـديـنـة وحـلّـت الإضـطـرابـات وحـوصـرت الـمـديـنـة مـدّة شـهـريـن ثـمّ نـهـبـت مـتـاجـرهـا. ويـذكـر أوتـيـر أنّـه لـم يـتـوقـف حـتّى في تـلـك الـفـتـرة الـعـصـيـبـة عـن مـتـابـعـة دروس الـلـغـة الـعـربـيـة مـع مـعـلـمَـيـن كـان قـد أجّـرهـمـا لـذلـك. وفي 6 أيّـار 1743 تـلـقى أوتـيـر أمـراً بـالـعـودة إلى فـرنـسـا، وتـرك الـمـديـنـة بـعـد ثـلاثـة أيّـام مـتّـجـهـاً إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة الّـتي وصلـهـا في نـهـايـة شـهـرآب، ثـمّ وصـل إلى مـرسـيـلـيـا في الـحـادي عـشـر مـن كـانـون الـثّـاني 1744. وبـعـد وصـولـه إلى بـاريـس أمـرالـمـلـك بـأن يـجـرى لـه مـرتـب سـنـوي، كـمـا وظّـفـه الـكـونـت دو مـوريـبـاس في مـكـتـبـة الـمـلـك كـمـتـرجـم مـن الـلـغـات الـشّـرقـيـة. وهـذه الـمـكـتـبـة، الّـتي أصبـحـت في مـا بـعـد نـواة الـمـكـتـبـة الـوطنـيـة الـفـرنـسـيـة تـحـتـوي عـلى مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الـمـخـطـوطـات الـعـربـيـة والـفـارسـيـة والـتّـركـيـة. وعـيّـن أوتـيـر في شـهـر شـبـاط مـن عـام 1746 أسـتـاذاً مـلـكـيـاً Professeur Royale   لــلـغـة الـعـربـيـة. وفي 1748، إنـتـخـب عـضـواً في أكـاديـمـيـة  “الـخـطـوط والآداب الـجـمـيـلـة “. وتـوفي أوتـيـر في أيـلـول 1748 وكـان في الـحـاديـة والأربـعـيـن مـن عـمـره. روايـة جـان أوتـيـر لـتـمـرد سـعـدون ، شـيـخ الـمـنـتـفـك : يـتـكـلّـم الـسّـويـدي جـان أوتـيـر، “مـبـعـوث ” مـلـك فـرنـسـا، لـويـس الـرّابـع عـشـر إلى الـشّـرق، عـن الأحـداث الّـتي جـرت في فـتـرة إقـامـتـه في الـبـصـرة، أولاً بـدون لـقـب رسـمي، ثـمّ كـقـنـصـل لـفـرنـسـا ووكـيـل لـشـركـة بـلاد الـهـنـد. وهـو يـحـكي في الـجـزء الـثّـاني مـن كـتـابـه “رحـلـة إلى تـركـيـا وبـلاد الـفـرس” الّـذي نـشـر بـجـزأيـن في بـاريـس عـام  1748، تـمـرد شـيـخ الـمـنـتـفـك (الـمـنـتـفـق) سـعـدون بـن مـحـمّـد عـلى الـسّـلـطـة الـعـثـمـانـيـة ، ويـكـرس لـذلـك  الـفـصـل الـخـامـس عـشـر (مـن ص. 134 إلى ص. 140) والـفـصـل الـسّـابـع عـشـر (مـن ص. 143 إلى ص. 151)، ثـمّ يـعـود إلى هـذا الـمـوضـوع في الـفـصـل الـعـشـريـن (مـن ص. 156 إلى ص. 159) : الـفـصـل الـخـامـس عـشـر : “وفي بـدايـة سـنـة 1741 ثـارت عـشـائـر الـمـنـتـفـك الـعـربـيـة مـع بـعـض عـشـائـر الـمـنـاطـق الـتّـابـعـة لـحـكـومـة الـبـصـرة ضـد أحـمـد بـاشـا. وظـلّـت الـمـديـنـة مـدّة شـهـريـن تـعـيـش في ذعـر وقـلـق. وكـان الـمـتـمـردون يـهـددون بـالـنّـهـب والـسّـلـب، ولـكـانـوا قــد نـجـحـوا في ذلـك لـو هـاجـمـوهـا في بـدايـة تـمـردهـم، فـقـد كـانـت في ذلـك الـوقـت بـدون تـمـويـن وبـدون ذخـيـرة. ولـكـنّ يـحـيى أغـا الّـذي خـلـف يـوسـف أغـا في وظـيـفـة “الـمـسـلّـم” [ بـالـلام الـمـشـددة الـمـكـسـورة مـن فـعـل سـلّـم يُـسـلّـم، أي جـابي الـضّـرائـب ] بـذل جـهـده لـوضـع الـبـصـرة في حـالـة دفـاع، بـانـتـظـار أن يـأتـيـه الـعـون مـن أحـمـد بـاشـا. وكـان أحـمـد بـاشـا يـحـارب أكـراد بـيـلـبـاز عـنـدمـا وصـلـه خـبـر تـمـرّد هـؤلاء الـعـرب، فـرجـع حـالاً إلى بـغـداد وأخـذ اسـتـعـداداتـه، ثـمّ عـبـر الـبـاديـة ووصـل إلى الـبـصـرة في الـخـامـس مـن نـيـسـان 1741 عـلى رأس جـيـش يـضـمّ أربـعـيـن ألـف مـقـاتـل وأربـعـة عـشـر مـدفـعـاً ومـدفـع هـاون. وبـعـد أن أراح جـنـده، سـار في الـعـاشـر مـن نـيـسـان ضـدّ الـمـتـمـرديـن الّـذيـن حـصـنـوا مـخـيـمـاتـهـم في نـهـرعـنـتـيـري Nehranteri عـلى مـسـيـرة 16 سـاعـة مـن طـريـق الـبـصـرة. وكـان مـصـيـر الـبـصـرة مـتـعـلـقـاً بـكـسـبـه لـلـمـعـركـة. وإن خـسـر الـبـاشـا الـمـعـركـة فـالـبـصـرة حـسـب مـا يـبـدو سـتـنـهـب وتـخـرّب. ولـكـن لـم تـجـر بـيـنـهـم إلّا مـنـاوشـات بـسـيـطـة فـرض الـبـاشـا بـعـدهـا الـصّـلـح وعـاد إلى بـغـداد أمـام دهـشـة الـجـمـيـع. ولـم يـطـمـئـن أهـل الـبـصـرة لـهـذا الـصّـلـح لاعـتـقـادهـم أنّ الـفـرس هـم الـذيـن هـيّـجـوا الإضـطـرابـات وأنّـهـم يـسـعـون لـذلـك. ومـع انّـه ربّـمـا سـاعـد الـفـرس تـمـرّد الـمـنـتـفـك لـتـخـريـب الـبـصـرة الّـتي حـوّلـت عـن مـوانـئـهـم تـجـارة الـخـلـيـج حـتّى جـاءت كـلّـهـا إلـيـهـا ، إلّا أنّ عـرب الـمـنـتـفـك مـع ذلـك كـان لـهـم دوافـع أخـرى مـنـهـا أن يـخـلـعـوا عـن أعـنـاقـهـم نـيـرالـتّـبـعـيـة. وحـتّى تـلـك الـفـتـرة ، لـم يـسـتـطـع أحـمـد بـاشـا إخـضـاع الـعـرب إلّا بـبـث الـشّـقـاق بـيـنـهـم ، وهـكـذا اسـتـطاع نـصـب شـيـوخـهـم وخـلـعـهـم . والـمـنـتـفـك وبـنـو لام، وهـم الـعـشـائـر الـرّئـيـسـيـة في هـذه الـمـنـطـقـة ، سـبـبـوا مـتـاعـب لـلـبـاشـوات الّـذيـن سـبـقـوه. ولـهـذا بـذل مـا في وسـعـه لـيـسـيـطـر عـلـيـهـم مـمـا دفـعـه في الـغـالـب لاسـتـفـزاز شـيـوخ بـني لام. وقـد هـاجـم أيـضـاً سـعـدون الّـذي كـان يـرأس الـمـنـتـفـك ، وقـد خـلـعـه وجـاء بـه إلى بـغـداد و رمـاه في الـسّـجـن حـيـنـاً مـن الـزّمـن، ونـصـب مـانـع  خـيـر Minaïkher ، قـريـب سـعـدون في مـكـانـه، ولـكـنـه لـم يـبـق زمـنـاً طـويـلاً، لأنّـه لـم يـسـتـطـع جـمـع الـمـبـلـغ الّـذي طـلـبـه مـنـه الـبـاشـا فـخـلـعـه في نـفـس الـسّـنـة، وأعـاد الـمـشـيـخـة لـسـعـدون. ومـا أن ذاع في الـبـصـرة خـبـرعـودة سـعـدون لـمـشـيـخـة عـشـيـرتـه حـتّى أدرك الـجـمـيـع أنّـه سـيـثـأر مـن مـعـامـلـة الـبـاشـا الـسّـيـئـة لـه، وأنّـه لـن يـخـضـع لـه طـويـلاً. ومـا حـدث بـعـد ذلـك دلّ عـلى أنّـهـم لـم يـجـانـبـوا الـصّـواب، فـمـا أن أطـلـق سـراحـه وعـاد إلى رئـاسـة عـشـيـرتـه حـتّى امـتـنـع مـن دفـع مـا كـان قـد فـرض عـلـيـه أن يـدفـعـه. وأُرسـل الـتـفـنـكـجي بـاشي  Tufenkdgi Bachi (1)  إلى سـعـدون لـقـضـيـة مـا، وطـلـب مـنـه مـبـلـغـاً بـاهـظـاً ثـمـنـاً لـخـدمـتـه Khidmet ، ولـكـنّ سـعـدون رفـض أن يـدفـع وقـال لـه إنّ الـبـاشـا لـم يـتـرك لـه ولـعـشـيـرتـه إلّا نـسـاءهـم . ولا أدري أن كـان صـحـيـحـاً، كـمـا يـؤكـده الـبـعـض، أنّ الـتّـفـنـكـجي بـاشي أهـانـه بـإجـابـتـه إيـاه : إن لـم يـبـق لـك شـئ آخـر فـاعـطني نـسـاءك ! وأنّ سـعـدون أمـره أن يـخـرج مـن خـيـمـتـه وطـرده مـن مـضارب الـعـشـيـرة، ولـكـنّ الـشّـئ الأكـيـد هـو أنّ هـذا الـبـاشي أنـقـذ نـفـسـه هـاربـاً إلى الـقـرنـة وكـان أوّل مـن أذاع خـبـر تـمـرد الـمـنـتـفـك. وهـومـا أكّـده بـعـد ذلـك آخـرون وصـلـوا في نـفـس الـيـوم إلى الـبـصـرة. واعـتـقـد الـنّـاس عـنـدمـا رأوا مـسـيـرة الـبـاشـا عـلى رأس قـواتـه إلى الـمـنـتـفـك أنّـه ذهـب لـيـعـاقـب الـمـتـمـرديـن، ولـكـن عـنـدمـا عـقـد الـصّـلـح مـعـهـم سـرت الإشـاعـات بـأنّـه عـنـدمـا وجـدهـم مـتـحـصـنـيـن في وسـط الـمـاء خـاف مـن أن يـهـزمـوه، وأنّ غـيـابـاً طويـلاً عـن بـغـداد يـمـكـن أن تـكـون لـه عـواقـب لا تـحـمـد، ولـهـذا لـم يـسـتـطـع أن يـحـاصـرهـم مـا يـكـفي مـن الـوقـت لـيـمـيـتـهـم مـن الـجـوع. ولـم يـكـن لـهـذه الإشـاعـات مـن أصـل، مـا دام الـجـمـيـع يـعـرفـون أنّ الـمـتـمـرديـن لـم يـعـد لـهـم مـؤونـة ولا قـوت، وأنّ قـوات الـبـاشـا هـاجـمـتـهـم بـعـنـف كـان حـتـمـاً سـيـؤدي إلى الـسّـيـطـرة عـلى مـضـاربـهـم لـولا أنّ الـبـاشـا أرسـل لـهـم أمـراً بـأن يـوقـفـوا الـهـجـمـات ويـنـسـحـبـوا. والّـذي دفـعـه لـذلـك رسـالـة اسـتـلـمـهـا مـن صـديـق لـه في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة يـخـبـره فـيـهـا أنّ الـسّـلـطـان قـررأن يـعـيـنـه سـرعـسـكـر Seraskier   الـجـيـش ضـدّ الـفـرس، لـيـسـحـبـه مـن بـغـداد. وكـان هـذا الـمـنـصـب رفـيـعـاً جـدّاً ، ولـكـنّ أحـمـد بـاشـا لـم يـكـن راغـبـاً في أن يـشــغـلـه بـعـيـداً عـن مـكـان إقـامـتـه، خـاصـة وأنّـه كـان مـقـتـنـعـاً بـأنّـه إذا تـرك بـغـداد عـلى رأس جـيـش الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني فـإنّ أعـداءه مـن الـعـثـمـانـيـيـن سـيـسـتـطيـعـون قـتـلـه بـسـهـولـة وهـذا مـا كـانـوا يـبـغـونـه مـنـذ فـتـرة طـويـلـة. ولـهـذا عـاد إلى بـغـداد وأرسـل إلى الـسّـلـطـان يـعـلـمـه بـأنّ الإضـطـرابـات عـمّـت في الـمـنـاطـق الّـتي يـحـكـمـهـا ويـحـذره مـن أنّـه إذا مـا أبـعـدوه عـن بـغـداد فـسـيـخـرج هـذا الـبـلـد عـن طـاعـة الـسّـلـطـان ويـضيـع مـنـه . الـفـصل الـسّـابـع عـشـر والـصّـلـح الّـذي عـقـده أحـمـد بـاشـا مـع سـعـدون أعـطى لـهـذا الـشّـيـخ إقـدامـاً لـم يـكـن لـه مـن قـبـل. فـبـعـد أن انـتـقـل إلى قـريـة اسـمـهـا سـراجي، عـلى مـسـيـرة سـاعـة مـن الـبـصـرة ، إدّعى أنّ لـه الـحـق في امـتـلاك كـلّ مـزارع الـمـنـطـقـة. واضـطـهـد سـكـان الـمـديـنـة وطـلـب مـن الـتّـجـار أن يـدفـعـوا لـه خـاوة وهـدايـا. وقـد كـتـب حـتّى لـلـقـنـصـل الـفـرنـسي يـطـلـب مـنـه أن يـبـعـث لـه قـرضـاً يـبـلـغ ثـمـنـه عـشـرة آلاف إيـكـو [ أي ريـال سـكّي]  مـن الـبـضـائـع. وأدرك الـقـنـصـل أن هـذا يـعـني إضـاعـة الـمـبـلـغ فـرفـض مـخـتـلـقـاً أنـواعـاً مـن الـحـجـج. وكـتـب لـه سـعـدون ثـانـيـةً قـائـلاً إنّـه لا يـرضى بــحـجـجـه الـتّـافـهـة ويـنـبـغي لـه أن يـلـبي طـلـبـه. فـوجـهـتُ أنـا نـفـسي شـكـوى إلى “الـمـسـلِّـم” ، وأجـابـني أنّـه هـو نـفـسـه في نـفـس حـالـتـنـا، فـالـشّـيـخ طـلـب مـنـه مـبـلـغـاً بـاهـظـاً مـن الـمـال كـهـديـة يـنـبـغي إرسـالـهـا. ومـع ذلـك فـقـد لـجـأ “الـمـسـلِّـم” إلى مـا بـقي لـه مـن قـلـيـل مـن الـسّـلـطـة لـيـخـلـصـنـا مـن سـعـدون الّـذي تـخـلى في الـنّـهـايـة عـن طـلـبـه. وكـلّ هـذه الأحـداث جـعـلـتـني أعـتـقـد أنّ أحـمـد بـاشـا كـان ولا شـك قـد اسـتـاء مـن الـبـاب الـعـالي، وعـرفـت بـعـد ذلـك أنـني أصـبـت في اعـتـقـادي، فـقـد سـحـب الـسّـلـطـان مـنـه حـكـومـة الـبـصـرة. ولـكي يـجـبـره أحـمـد بـاشـا عـلى إرجـاعـهـا لـه فـقـد تـرك كـلّ الـمـنـطـقـة لـنـهـب الـعـرب وسـلـبـهـم. وانـقـطـع الإتـصـال بـأعـالي الـمـنـطـقـة واضـطـربـت حـالـة الـتّـجـارة وسـاد الـخـوف والـقـلـق. وصار الـمـنـتـفـك سـادة الـبـلاد، وكـانـوا يـأتـون كـلّ يـوم إلى الـبـصـرة ويـرتـكـبـون كـلّ أنـواع الـعـنـف، ويـوقـفـون مـراكـب الـتّـجـار الـصّـاعـديـن إلى بـغـداد ويـطـلـبـون مـنـهـم الـفـديـة.  وقـد تـشـاجـر شـيـخـهـم مـع رئـيـس تـجـار الإنـكـلـيـز وطـلـب مـنـه أن يـدفـع لـه مـبـلـغـاً مـن الـمـال فـرفـض الآخـر، والـتـجـأ إلى مـن يـصـالـح بـيـنـهـمـا، ولـكـن الـمـفـاوضـات فـشـلـت، وهـدده سـعـدون أن يـبـعـث إلى داره بـمـائـة عـربي لـيـنـهـبـوهـا، وعـنـدهـا دفـع لـه الإنـكـلـيـزي الـمـبـلـغ. وازداد الـكـدر والـتّـنـكـيـد في شـهـر كـانـون الأوّل عـنـدمـا وصـل سـيـفي بـك، “مـسـلِّـم” والي الـمـوصـل حـسـيـن بـاشـا، الّـذي عـهـدت إلـيـه ولايـة الـبـصـرة بـعـد أخـذت مـن أحـمـد بـاشـا، و ظـهـر عـنـدهـا بـوضـوح أنّ سـبـب الإضـطـرابـات كـان تـغـيـيـر الـوالي، فـقـد اهـتـاج أحـمـد بـاشـا مـن فـقـدانـه لـريـع الـولايـة الـسّـنـوي الّـذي يـتـجـاوز ألـف كـيـس [ويـبـلـغ مـحـتـوى الـكـيـس خـمـسـمـائـة قـرش أي ريـال تـركي] ، ولـكي يـجـبـر الـبـاب الـعـالي عـلى أن يـعـيـد لـه ولايـة الـبـصـرة فـقـد تـرك سـعـدون يـعـيـث في الأرض فـسـاداً. وبـيـنـمـا كـان [أحـمـد بـاشـا] يـظهـر مـن جـهـة مـسـاوئ تـمـرد الـمـنـتـفـق وصعـوبـة سـحـقـه، فـقـد كـان مـن الـجـهـة الأخـرى يـسـانـدهــم سـرّاً لـيـهـيـج الـنّـاس ضـدّهـم. وفي الـحـقـيـقـة، نـفّـذ سـعـدون نـوايـا أحـمـد بـاشـا. ومـا أن وصـل “الـمـسـلِّـم” الـجـديـد حـتّى جـاء هـذا الـشّـيـخ لـيـخـيّـم مـع أنـصـاره قـرب الـبـصـرة. وكـان يـبـعـث كـلّ يـوم بـرجـالـه إلى أعـيـان الـبـلـد يـطـالـبـونـهـم بـدفـع الـمـال والـخـيـل والـمـلـبـس وكـلّ مـا يـحـتـاج سـعـدون إلـيـه. وقـد أجـبـر حـتّى “الـمـسـلِّـم” الـجـديـد عـلى أن يـبـعـث لـه بـهـدايـا […]. وقـد أجـبـربـعـض الـتّـجـار الّـذيـن اسـتـدعـتـهـم الـضـرورة إلى بـغـداد أن يـدفـعـوا لـه 500 ريـال لـيـسـمـح لـهـم بـسـلـك سـبـيـل الـنّـهـر.وبـعـد أن اسـتـلـم الـمـبـلـغ وجـده ضئـيـلاً فـطلـب مـنـهـم مـن جـديـد ألـفي ريـال أخـرى. وقـد فـضّـلـوا أن يـدفـعـوا لـكي لا يـنـهـبـوا. ولـم يـكـفـيـه هـذا فـأجـبـرهـم عـلى أن يـدفـعـوا لـه حـقّ الـمـرور في أمـاكـن أخـرى مـن الـنّـهـر. وفي الـنّـهـايـة أوقـفـهـم بـعـد أن اجـتـازوا الـقـرنـة وسـلـبـهـم خـمـسـة آلاف وخـمـسـمـائـة ريـال. وقـد خـافـوا بـعـد ذلـك مـن أن يـأخـذ مـنـه كـلّ مـا يـمـلـكـون وأجـبـروا عـلى الـهـرب والـرّجـوع إلى الـبـصـرة. وعـنـدهـا سـرت إشـاعـة بـأنّ سـعـدون يـريـد أن يـفـرض ضـريـبـة عـامـة عـلى الـمـديـنـة، فـهـرب كـبـار الـتّـجّـار وحـمـلـوا مـعـهـم مـا اسـتـطـاعـوا حـمـلـه عـن طـريـق الـبـحـر. وأراد الأوربـيـون الّـذيـن خـافـوا أن يـحـدث لـهـم مـاحـدث لـغـيـرهـم، أن يـلـتـجـأوا ومـا يـمـلـكـون عـلى ظـهـر سـفـيـنـة إنـكـلـيـزيـة كـانـت في الـنّـهـر. وكـان يـنـبـغي لـهـم الـحـصـول عـلى سـمـاح “الـمـسـلِّـم” لـهـم بـذلـك، فـذهـبـتُ بـنـفـسـي عـدّة مـرّات أطـلـب مـنـه ذلـك بـاسـم الـجـمـيـع ، ولـكـنّـه رفـض بـاسـتـمـرار مـعـتـلاً بـأنّ أهـل الـبـصـرة لـو رأوا الـبـضـائـع تـحـمـل بـعـيـداً عـن الـمـديـنـة فـلـن يـبـق مـنـهـم أحـد فـيـهـا. وقـد أثـار هـذا الـرّفـض قـلـق الأوربـيـيـن وأجـبـرهـم عـلى أخـذ حـرّاس مـن الـجـاشـريـة لـيـحـمـوا مـنـازلـهـم لـو هـاجـمـهـا الـعـرب. وكـانـت هـذه في الـحـقـيـقـة حـمـايـة ضـعـيـفـة ولا أحـد يـرى مـن أيـن سـيـأتي الـخـلاص. وكـان يـقـال إنّ حـسـيـن بـاشـا لـم يـكـن لـه جـنـد ولا مـال. ويـؤكـد الـبـعـض أنّـه لا يـسـتـطـيـع حـتّى أن يـأتي إلى الـبـصـرة، فـعـثـمـان بـاشـا الّـذي كـان قـد تـمـرد عـلى الـسّـلـطـان، كـان يـمـنـعـه مـن الـخـروج مـن الـمـوصـل. و ربّـمـا لـم يـأسـف حـسـيـن بـاشـا  لـلـعـراقـيـل الّـتي وضـعـت أمـامـه، فـهـو لـم يـكـن يـجـهـل ولا شـك الـحـالـة الـمـزريـة الّـتي تـعـيـشـهـا ولايـة الـبـصـرة الّـتي أسـنـدت إلـيـه ، ولا الـمـعـارضـة الّـتي سـيـجـدهـا فـيـهـا سـواء مـن أحـمـد بـاشـا أو مـن الـعـرب الّـذيـن كـانـوا قـد عـزمـوا عـلى قـطـع الـطّـريـق عـلـيـه إذا مـا عـبـر الـصـحـراء لـيـأتي إلى الـبـصـرة. ومـع مـرور الـوقـت خـفّ تـنـكـيـد الـمـنـتـفـك، ثـمّ عـرف الـنّـاس أنّ ولايـة الـبـصـرة أعـيـدت لأحـمـد بـاشـا. وزال بـعـض خـوفـنـا عـنـدمـا انـسـحـب سـعـدون وذهـب لـيـنـصـب خـيـامـه في مـنـطـقـة فـوق الـقـرنـة، ولـكـن الـعـرب لـم يـكـونـوا الـسّـبـب الـوحـيـد لـقـلـقـنـا، فـقـد كـنّـا نـخـشى أيـضـاً الـفـرس الّـذيـن كـانـوا ، حـسـب مـا أشـيـع، يـعـدّون عـدتـهـم لأخـذ الـبـصـرة. وقـد عـرفـنـا عـن طـريـق الأرمـن أن خـان الـحـويـزة كـان قـد مـلأ عـدّة مـراكـب بـالـمـؤونـة والـقـوت، وأنّـه كـان يـجـمـع الـجـنـد لـيـعـدّ الـهـجـوم عـلى الـبـصـرة حـالـمـا يـأتـيـه أمـر الـبـلاط بـذلـك. وقـد ذكـر ضابـط فـارسي جـاء إلى الـبـصرة لـيـصـطـحـب مـعـه كـلّ فـرس الـمـديـنـة أنّ الـخـان كـان قـد أخـبـره أنّـه لـن يـبـطئ في الـمـجئ إلـيـهـا، كـمـا اسـتـلـمـتُ أنـا نـفـسـي رسـائـل مـن أصـفـهـان تـؤكـد صـحّـة الإشـاعـات. وكـان كـثـيـر مـن الـنّـاس يـعـتـقـدون أنّ هـدف هـذا الـتّـهـديـد كان مـسـانـدة أحـمـد بـاشـا الّـذي تـآمـر مـع نـادر شـاه. ومـع ذلـك فـنـادر شـاه الّـذي كـان يـبـدو مـسـتـعـداً لإشـعـال الـحـرب ضـدّ الأتـراك ربّـمـا قـرر أن يـأخـذ الـبـصـرة لـحـسـابـه الـخـاص  إذا مـا اسـتـمـرالـسّـلـطـان في رفـضـه لإعـادتـهـا لأحـمـد بـاشـا. الـفـصـل الـعـشـرون رغـم أنّ الـهـدوء قـد عـاد إلى الـبـصـرة فـقـد كـان مـن مـصـلـحـة أحـمـد بـاشـا إقـنـاع الـسّـلـطـان بـصـعـوبـة إخـمـاد تـمـرد الـعـرب، ولـهـذا بـعـث بـكـهـايـتـه سـلـيـمـان بـك عـلى رأس جـيـش لـيـقـاتـلـهـم. وتـقـدم الـجـيـش حـتّى وصـل مـكـانـاً اسـمـه مـنـصـوريـة كـان سـعـدون قـد نـصـب مـضـاربـه فـيـه لـيـتـحـاشى الـتّـصـادم مـع الأتـراك. ومـا أن عـرف سـعـدون بـقـدوم الـجـيـش  حـتّى انـتـقـل إلى الـبـاديـة  ، ونـزل في مـكـان  بـيـنـه وبـيـن الـجـيـش حـوالي خـمـسـة عـشـر فـرسـخـاً.  ولـم يـكـن هـنـاك سـابـقـة تـجـرأ فـيـهـا بـاشـا مـا عـلى مـتـابـعـة الـعـرب في الـبـاديـة , وخـاصـة مـتـابـعـة الـمـنـتـفـك، أشـجـع الأقـوام. ولـهـذا تـصـوّر سـعـدون أنّـه كـان في مـأمـن مـن مـتـابـعـيـه. ولـكـان ذلـك صـحـيـحـاً لـو أنّ الـكِـهـايـة أطـاع أمـر أحـمـد بـاشـا بـأن يـتـرك مـتـابـعـة الـشّـيـخ إذا مـا انـسـحـب إلى الـصّحـراء : لـكـنّ سـلـيـمـان بـك أراد أن يـثـأر لـنـفـسـه مـن   إهـانـة كـان قـد تـلـقّـاهـا مـن سـعـدون واعـتـزم أن يـقـتـلـه مـهـمـا كـان الـثّـمـن الّـذي سـيـدفـعـه، ولـهـذا أرسـل عـربـاً مـن تـابـعي مـانـع خـيـرMinaïkher   ابـن عـمّ سـعـدون لـيـعـرف أيـن انـسـحـب. وكـان ابـن الـعـم هـذا قـد تـآمـر مـع الأتـراك آمـلاً في الـحـصـول عـلى مـشـيـخـة الـمـنـتـفـك. وعـاد هـؤلاء الـعـرب بـعـد أن اكـتـشـفـوا مـخـبـأ سـعـدون لـيـخـبـروا بـه الـكِـهـايـة الّـذي امـتـطى فـرسـه حـالاً مـع نـخـبـة جـنـده وانـطـلـقـوا مـسـرعـيـن حـتّى وصـلـوا الـمـكـان في ثـمـاني سـاعـات. وكـانـت دهـشـة سـعـدون عـظـيـمـة، وأدرك أنّـهـم جـاءوا لـقـتـلـه فـقـرر أن يـبـيـعـهـم حـيـاتـه بـثـمـن بـاهـظ وقـاتـلـهـم بـشـجـاعـة لا مـثـيـل لـهـا. وقـد اخـتـرق عـدّة مـرّات صـفـوف أعـدائـه وألـقى أرضـاً بـكـلّ مـن كـان أمـامـه ، مـرّة بـالـرّمـح ومـرّة بـالـسّـيـف، مـدّة ثـمـاني سـاعـات، ثـمّ سـقـط بـعـد أن حـطّـم مـا لا يـحـصى مـن الـرّمـاح والـسّـيـوف وأهـلـك تـعـبـاً أربـعـة أو خـمـسـة مـن أحـسـن أفـراسـه . وعـنـدهـا هـجـم عـلـيـه أحـد رجـال الأغـا وأمـسـك بـه بـعـد مـقـاومـة وأخـذه أمـام الـكـهـايـة الّـذي قـطـع لـه عـنـقـه حـالاً، خـوفـاً مـن أن يـطـلـق الـبـاشـا سـراحـه لـو أخـذه أسـيـراً. وهـكـذا قـتـل الـشّـيـخ سـعـدون، وبـاء الـبـصـرة وأشـدّ كـلّ عـرب هـذه الـمـنـطـقـة إخـافـة لأعـدائـه.  وكـان أحـمـد بـاشـا يـعـتـرف لـه بـقـيـمـتـه، ويـسـتـعـمـلـه لـخـدمـة مـصـالـحـه عـنـدمـا تـسـنـح الـفـرص بـذلـك. وأرسـل رأسـه إلى الـسّـلـطـان الّـذي لـم يـقـبـل أن يـعـيـد ولايـة الـبـصـرة إلى أحـمـد بـاشـا إلّا بـهـذا الـشّـرط ، أي بـقـتـل سـعـدون، حـسـب مـا يـقـول رجـال مـوثـوق بـهـم”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  الـتّـفـنـكـجي بـاشي كـان آمـر الـجـنـود الـمـسـلـحـيـن بـالـبـنـادق الّـذيـن كـانـوا يـعـمـلـون في قـوات الـبـاشـا، ولـم يـكـن الـبـاشـا يـدفـع لـه مـرتـبـاً ولـكـنّـه كـان يـأخـذ نـسـبـة مـن الـنّـقـود الّـتي كـان يـسـتـعـيـدهـا لـلـبـاشـا مـن غـرمـائـه وكـانـت مـصـالـحـة الـشّـخـصـيـة تـدفـعـه لاسـتـعـمـال الـعـنـف لـلـوصـول إلى ذلـك.

مـلاحـظـة :

بـعـث لي الأسـتـاذ أنـيـس الـقـيـسي بـمـعـلـومـات قـيّـمـة أشـكـره عـلـيـهـا، فـقـد كـتـب : “صدرت ترجمة لهذا الكتاب بعنوان العراق والخليج العربي في رحلة جان أوتر 1736- 1743، ترجمة خالد عبد اللطيف حسين ومراجعة د. أنيس عبد الخالق محمود، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2015، عدد صفحات الكتاب 334 صفحة من القطع الكبير. وتضمنت الترجمة ما يخص العراق والخليج العربي من جزأي الكتاب”

وهـذا يـعـني أنّ هـذه الـتّـرجـمـة صـدرت بـعـد نـشـري لـمـقـالي في صـفـحـتي  “Sabah AL NASSERY – Google+” في 26 نـيـسـان 2014. وأدعـو قـرائي الأعـزاء لـقـراءة الـتّـرجـمـة الـجـديـدة ومـقـارنـتـهـا بـتـرجـمـتي.

بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

هـيـرودوت وكـتـابـه :

هيرودوت

يـعـتـبـر الـيـونـاني هـيـرودوت Ἡρόδοτος  الّـذي عـاش في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد “أبـا الـتّـاريـخ”، ويـعـتـبـر كـتـابـه أقـدم كـتـاب في الـتّـاريـخ، ألّـفـه بـعـد أن سـافـر في أنـحـاء واسـعـة مـن الـعـالـم الـمـعـروف في زمـانـه كـ “اسـتـطـلاع ” لـيـعـرّف مـعـاصـريـه مـن الإغـريـق عـلى مـا يـجـرى حـولـهـم.

وهـو يـذكـر أنّـه زار بـابـل ومـنـاطـق أخـرى مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن بـيـن مـا زار مـن بـلاد. ولا يـعـرف الـمـخـتـصّـون بـهـيـرودوت في أيّـة فـتـرة مـن حـيـاتـه بـالـضّـبـط قـام بـسـفـراتـه، ولـكـنّـه قـام بـهـا  ولاشـكّ في حـوالي مـنـتـصـف الـقـرن الـخـامـس ق. م. أي بـعـد أقـلّ مـن قـرن عـلى سـقـوط بـابـل تـحـت ضـربـات جـيـش الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني كـورش (الأكـبـر) في 539 قـبـل الـمـيـلاد.

ونـحـن لا نـعـرف هـل مـرّ بـبـابـل مـروراً سـريـعـاً أم أقـام فـيـهـا بـعـضـاً مـن الـزّمـن. كـمـا أنّـنـا لا نـعـرف مـن كـان دلـيـلـه لـمـعـرفـة الـمـكـان ولا مـن كـان مـتـرجـمـه لـيـتـفـاهـم مـع الـنّـاس، ولـكـن الـمـؤكـد هـو أنّـه كـان يـجـهـل الـلـغـة الـبـابـلـيـة ولايـقـرأ الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة ولا يـعـرف إلّا الـقـلـيـل جـدّاً عـن ثـقـافـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن كـكـلّ الـيـونـانـيـيـن في ذلـك الـزّمـن. ولـهـذا وضـع في نـصّـه كـثـيـراً مـن الأسـاطـيـر ونـقـل كـثـيـراً مـمـا سـمـعـه مـن غـيـر تـمـحـيـص ولا تـدقـيـق. وكـيـف كـان يـمـكـنـه ذلـك والـحـضـارة الـبـابـلـيـة نـفـسـهـا قـد اضـمـحـلّـت وبـدأت تـخـتـفي بـعـد سـقـوط عـاصـمـتـهـا.

مـن كـان هـيـرودوت :

ولـد هـيـرودوت في هـالـيـكـارنـاسـوس الّـتي أصـبـح اسـمـهـا بـودروم في أيـامـنـا هـذه، والّـتي تـقـع في جـنـوب غـرب تـركـيـا الـحـالـيـة، ولـهـذا سـمّي بـهـيـرودوت الـهـالـيـكـارنـاسـوسي. والـحـقـيـقـة أنـنـا لا نـعـرف شـيـئـاً مـؤكّـداً عـن حـيـاتـه، وقـد حـاول الـمـخـتـصّـون بـدراسـتـه أن يـسـتـنـتـجـوا أهـمّ مـراحـلـهـا مـمـا ذكـره هـو نـفـسـه في مـؤلـفـاتـه، ومـن الأحـداث الّـتي جـرت في زمـنـه، وتـوصـلـوا إلى أنّـه ولـد في زمـن الـمـلـك الـفـارسـي الإخـمـيـني خـرخـيـس (حـشـريـاشـا)الّـتي كـانـت مـديـنـة هـالـيـكـارنـاسـوس تـخـضـع لـه، ربّـمـا في 480 أو 484  قـبـل الـمـيـلاد إذا مـا قـبـلـنـا مـا قـيـل مـن إنّـه كان في الـثّـالـثـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره عـنـدمـا بـدأت حـرب الـبـيـلـوبـونـيـز. وقـد ولـد إذن قـبـل خـمـس سـنـوات مـن هـزيـمـة الـكـتـائـب الّـتي بـعـثـهـا خـرخـيـس إلى سـالامـيـس ضـدّ الـقـوّات الإغـريـقـيـة. ولـهـذا فـإنّـه قـد تـشـبّـع مـنـذ صـغـره ولا شـك بـالأنـاشـيـد الـحـمـاسـيـة الّـتي تـفـتـخـر بـانـتـصـار الإغـريـق عـلى الـفـرس.

وفي شـبـابـه حـدثـت اضـطـرابـات في مـديـنـتـه هـالـيـكـارنـاسـوس ضـدّ حـاكـمـهـا الـمـسـتـبـد. ويـبـدو أنّ هـيـرودوت أبـعـد عـنـهـا أونـفي عـدّة سـنـوات إلى أن سـقـط الـمـسـتـبـد وأصـبـحـت الـمـديـنـة مـن بـيـن الـمـدن الـمـعـاهـدة لأثـيـنـا ، فـعـاد إلـيـهـا. ولا نـعـرف في أيّـة سـنـة تـركـهـا مـن جـديـد، ولـكـنـنـا نـجـد ذكـره في مـديـنـة أثـيـنـا في 445 ق. م. وكـان في حـوالي الأربـعـيـن مـن عـمـره ، عـنـدمـا حـصـل عـلى جـائـزة مـالـيـة بـعـد أن قـرأ أجـزاءً مـن مـؤلـفـاتـه أمـام شـخـصـيـات مـن الـمـديـنـة. ولانـعـرف هـل أقـام في هـذه الـمـديـنـة مـرّة واحـدة أم مـراراً، ولـكـن يـبـدو أنّـه الـتـقى بـأشـهـر كـتّـابـهـا وشـعـرائـهـا وفـلاسـفـتـهـا وفـنّـانـيـهـا ومـهـنـدسـيـهـا.

ونـجـده بـعـد ذلـك في مـديـنـة ثـوريـوي Thourioi في إيـطـالـيـا الـحـالـيـة، وكـانـت مـديـنـة جـديـدة أسـسـهـا الـمـسـتـعـمـرون الإغـريـق. وقـد عـاش هـيـرودوت في هـذه الـمـديـنـة حـوالي عـشـريـن سـنـة، وفـيـهـا مـات، ربّـمـا في حـوالي سـنـة 425 قـبـل الـمـيـلاد.

وإن كـان مـن الـمـمـكـن قـبـول هـذه الـمـعـلـومـات فـنـحـن مـع ذلـك لا نـعـرف شـيـئـاً عـن حـيـاتـه الـعـائـلـيـة، ولا عـن تـواريـخ أسـفـاره والـظّـروف الّـتي جـرت فـيـهـا، كـمـا أنـنـا لا نـعـرف شـيـئـاً عـن ظـروف تـألـيـف كـتـبـه.

وبـقي لـنـا مـن مـؤلـفـاتـه مـؤلـف ضـخـم تـعـودنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـتـاريـخ هـيـرودوت، وهـو يـذكـر فـي صـفـحـاتـه مـؤلـفـات أخـرى كـتـبـهـا مـثـل “تـاريـخ بـلاد آشـور” ضـاعـت ولـم تـصـلـنـا. ويـبـدو مـمـا ذكـره في مـؤلـفـه هـذا أنّـه قـام بـرحـلات طـويـلـة الأمـد مـمـتـدة الـمـسـافـات، في زمـن كـانـت أوضـاعـه الـسّـيـاسـيـة مـضطـربـة والأمـن فـيـه مـهـدد وخـاصة عـلى الـطّـرق، ووسـائـل الـنّـقـل يـصـعـب الـحـصـول عـلـيـهـا واسـتـعـمـالهـا.

وقـادتـه أسـفـاره إلى آسـيـا الـصـغـرى وسـواحـل الـمـتـوسـط ومـصـر ولـيـبـيـا، وهـو يـتـكـلّـم عـن بـابـل الّـتي يـذكـر أنّـه زارهـا. ولانـدري هـل زار الـيـمـن أم أخـذ مـعـلـومـاتـه الّـتي أودعـهـا في فـصـل عـن بـلاد الـعـرب الـسّـعـيـدة مـن تـجـارهـا الّـذيـن الـتـقى بـهـم في أمـاكـن أخـرى.

ولاشـك أنّ مـؤلـفـه لـم يـكـن بـالـصّـورة الّـتي وصـلـنـا بـهـا، فـقـد كـتـبـه أجـزاءً كـان يـقـرأ مـنـهـا عـلى مـسـتـمـعـيـن يـتـجـمّـعـون في أمـاكـن عـامـة أو خـاصـة.

وقـبـل أن نـفـصّـل الـكـلام عـن مـانـعـرفـه عـن تـجـمـيـع أجـزاء الـمـؤلـف وتـنـظـيـمـه في كـتـاب بـعـد وفـاتـه بـزمـن طـويـل، يـنـبـغي أوّلاً أن نـتـكـلّـم عـن عـنـوانـه، فـنـحـن قـد تـعـوّدنـا عـلى اسـتـعـمـال “تـاريـخ هـيـرودوت”، رغـم أنّ كـلـمـة  “تـاريـخ” في اسـتـعـمـالـنـا الـحـاضـر لـهـا مـعـنى مـخـتـلـف عـن مـحـتـوى مـؤلـف هـيـرودوت. وكـانـت كـلـمـة historiè  الإغـريـقـيـة الّـتي اسـتـعـمـلـهـا هـيـرودوت تـعـني في زمـنـه، أي الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد “إسـتـطـلاع” أو “إسـتـقـصـاء” يـذكـر فـيـه الـكـاتـب مـا شـاهـده شـخـصـيـاً أو مـا أخـبـره الـنّـاس بـه، ويـذكـر فـيـه إلى جـانـب مـعـارفـه بـالأحـداث الـتّـاريـخـيـة، مـعـلـومـات جـغـرافـيـة عـن كـلّ مـنـطـقـة زارهـا أو تـكـلّـم عـنـهـا، ووصـف لأهـلـهـا، عـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم وطـرق مـعـيـشـتـهـم، يـطعّــمـهـا بـقـصص سـمـعـهـا عـنـهـم وبـطـرائـف غـريـبـة يـدلي فـيـهـا بـرأيـه فـيـعـجـب بـبـعـضـهـا ويـديـن بـعـضـهـا الآخـر.

هيرودوت 3

ويـظهـرلـنـا هـيـرودوت في “اسـتـطلاعـه” هـذا شـديـد الـفـضـول، يـهـتـمّ بـكـلّ مـا يـصادفـه. ووقـع الـنّـصّ بـطئ فـيـه اسـتـطـرادات تـبـعـدنـا عـن الـمـوضـوع الّـذي بـدأه الـمـؤلـف تـقـود إلى اسـتـطـرادات تـعـود بـنـا إلـيـه، يـحـشـر فـيـهـا تـفـاصـيـل تـعـوّدنـا نـحـن في زمـنـنـا هـذا عـلى أن نـضعـهـا في الـهـوامـش. ولا يـنـبـغي هـنـا أن نـنـسى أنّ الـكـاتـب لـم يـؤلـفـه كـكـتـاب يـقـرأ مـن صفـحـتـه الأولى إلى صـفـحـتـه الأخـيـرة، وإنّـمـا كـتـبـه مـقـاطع طـويـلـة أو قـصـيـرة كـان يـقـرأهـا عـلى جـمـهـوره مـمـا يـفـسّـرالإعـادة والـتّـكـرار وتـذكـيـر الـسّـامـعـيـن بـأشـيـاء ذكـرهـا لـسـامـعـيـن آخـريـن في قـراءات أخـرى.

ولـم يـكـن “الإسـتـطـلاع ” مـقـسـمـاً إلى تـسـعـة “كـتـب” أو أجـزاء مـتـقـاربـة في الـطّـول والأهـمـيـة كـمـا نـجـده الآن في طـبـعـاتـه الـمـتـتـابـعـة وبـكـلّ الـلـغـات. وجـاءنـا هـذا الـتّـقـسـيـم مـمـن تـكـلّـفـوا بـنـسـخـه ونـشـره بـعـد ذلـك في زمـن بـطـالـسـة الإسـكـنـدريـة، أي بـعـد أكـثـر مـن قـرنـيـن عـلى تـألـيـفـه. واخـتـرعـوا لـكـلّ “كـتـاب” مـنـه عـنـوانـاً.ولاشـكّ في أنّ كـثـيـراً مـن الـتّـعـلـيـقـات والإضـافـات دخـلـت في مـتـن الـنّـصّ ، فـلـم يـكـن لـلـكـاتـب في ذلـك الـزّمـن حـقـوق نـشـر مـحـفـوظـة.

ويـبـدو أنّ هـدف هـيـرودوت في الـشّـروع في أسـفـاره وكـتـابـة “الإسـتـطـلاع” كـان إعـطـاء مـعـاصـريـه مـن الإغـريـق مـعـلـومـات يـمـكـن الـوثـوق بـهـا عـنّ الـصّراع بـيـن عـالـمـيـن : الـعـالـم الإغـريـقي بـمـا فـيـه الـيـونـان، وعـالـم الـبـرابـرة. وأذكّـرالـقـارئ هـنـا أنّ الـبـربـري عـنـد الإغـريـق كـان الّـذي لا يـتـكـلّـم الإغـريـقـيـة ، أي الّـذي لا يـفـصـح  في كـلامـه، فـقـد كـان كـلامـه كـمـا كـانـت تـلـتـقـطـه آذانـهـم يـشـبـه :  بـر. .. بـر … بـر …، وهـو يـقـابـل الأعـجـمي الّـذي كـان عـنـد الـعـرب مـن لا يـفـصـح في كـلامـه ولا يـلـفـظ أصـواتـاً بـشـريـة مـفـهـومـة بـل يـعـجـم كـالـبـهـائـم.

وكـان الـعـالـم الإغـريـقي يـمـتـد مـن الـيـونـان وجـزر إيـجـه إلى سـواحـل الـبـحـر الأسـود وآسـيـا الـصـغـرى شـرقـاً إلى صـقـلـيـة وإيـطالـيـا غـربـاً، وحـتّى شـمـال أفـريـقـيـا جـنـوبـاً.

أمّـا أشـدّ أعـداء الإغـريـق مـن “الـبـرابـرة ” فـقـد كـانـت الإمـبـراطـوريـة الـفـارسـيـة الإخـمـيـنـيـة الّـتي أسـسـهـا كـورش (قـيـروش) الأكـبـر، وكـان كـورش قـد بـدأ في سـنـوات حـكـمـه بـتـوسـيـع حـدود دولـتـه مـحـاولاً مـدّهـا إلى كـلّ الـجـهـات وخـاصـة إلى الـغـرب، واسـتـطـاع في 539 قـبـل الـمـيـلاد أخـذ مـديـنـة بـابـل، فـسـقـطـت مـعـهـا الإمـبـراطـوريـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة، وهـكـذا أنـهى حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة قـبـلـه.

واسـتـمـرّ مـلـوك الـفـرس الّـذيـن خـلـفـوا كـورش في تـوسـيـع دولـتـهـم، ودخـلـوا في صـراعـات مـع الـعـالـم الإغـريـقي الّـذي كـان مـجـزءاً إلى مـدن مـسـتـقـلّـة. وكـانـت هـذه الـصّـراعـات، كـمـا بـدت لـهـيـرودوت ، صـراعـات بـيـن مـنـاطـق شـاسـعـة تـخـضـع لـمـلـك مـسـتـبـد مـطـلـق الـمـلـكـيـة ، وبـيـن مـدن صغـيـرة يـعـيـش أهـلـهـا أحـراراً في ديـمـقـراطـيـة يـحـكـمـون أنـفـسـهـم بـأنـفـسـهـم ، ولـهـذا كـانـوا يـسـتـمـيـتـون في الـدّفـاع عـنـهـا ويـهـزمـون جـيـوشـاً جـرّارة جـل ّ جـنـودهـا مـن الـمـرتـزقـة ، أو مـمـن أجـبـروا عـلى الإنـخـراط فـيـهـا.

وصـف بـلاد بـابـل وآشـور في كـتـاب هـيـرودوت :

بـلاد آشـور :

لـم يـذكـرهـيـرودوت بـلاد آشـور وعـاصـمـتـهـا نـيـنـوى إلّا بـالـكـاد، في مـعـرض كـلامـه عـن الـمـلـوك الـمـيـديـيـن الّـذيـن حـاربـوهـا ثـمّ أسـقـطـوهـا، ولـكـنّـه أفـاض في الـكـلام عـن بـلاد بـابـل في الـكـتـاب الأوّل، ثـمّ ذكـر في الـكـتـاب الـثّـاني ثـورة أهـل بـابـل عـلى الـسّـلـطـة الـفـارسـيـة.

يـقـول هـيـرودوت عـن بـلاد آشـورعـنـدمـا يـتـكـلّـم عـن قـهـرالـفـرس الـمـيـديـيـن لـلـسّـيـثـيـيـن :  “وهـكـذا اسـتـولى الـمـيـديـون عـلى امـبـراطـوريـة الـسّـيـثـيـيـن وعـلى الأقـوام الـخـاضـعـة لـهـم، ثـمّ هـاجـمـوا نـيـنـوى وأخـذوهـا (وسـأتـكـلّـم عـن هـذا في كـتـاب آخـر) وأخـضـعـوا لـهـم كـلّ بـلاد آشـور مـا عـدا بـابـل(1)”  (2)

ويـقـول في كـلامـه عـن كـورش الأكـبـرالـفـارسي :”وبـعـد أن سـيـطـرعـلى كـلّ الـمـنـطـقـة،هـاجـم كـورش الآشـوريـيـن. وفي بـلاد آشـور ولا شـكّ أمـاكـن مـهـمّـة كـثـيـرة ، ولـكـنّ أشـهـرهـا وأكـثـرهـا قـوة بـابـل الّـتي أصـبـحـت مـركـز الـسّـلـطـة بـعـد سـقـوط نـيـنـوى”.

ويـذكـر في كـلامـه عـن بـابـل : ” وقـد تـتـابـع عـلى مـديـنـة بـابـل هـذه مـلـوك كـثـيـرون سـأذكـرهـم في مـؤلـفي ( كـتـاب بـلاد آشـور)” (3). ولـم يـصـلـنـا  “كـتـاب بـلاد آشـور” هـذا، ولـكـنّ تـألـيـفـه لـه يـدل هـذا عـلى اهـتـمـام هـيـرودوت بـتـاريـخ الآشـوريـيـن، كـمـا يـبـرر قـلّـة ذكـره لـهـم في “الإسـتـطـلاع ” مـا دام قـد خـصـص لـهـم كـتـابـاً آخـر.

وعـلى كـلّ حـال فـهـو يـعـتـبـر أنّ بـابـل كـانـت جـزءاً مـن بـلاد آشـور، يـقـول في كـلامـه عـن كـورش الأكـبـر الـفـارسي في الـمـقـطـع (178) :  “وبـعـد أن سـيـطـر عـلى كـلّ الـمـنـطـقـة هـاجـم كـورش الآشـوريـيـن. وفي بـلاد آشـور ولا شـكّ أمـاكـن مـهـمّـة كـثـيـرة، ولـكـنّ أشـهـرهـا وأكـثـرهـا قـوة، بـابـل الّـتي أصـبـحـت مـركـز الـسّـلـطـة بـعـد سـقـوط نـيـنـوى”. (4)

بـابـل :

يـخـصـص هـيـرودوت مـقـاطـع طـويـلـة مـن الـكـتـاب الأوّل لـلـكـلام عـن بـابـل مـن الـمـقـطـع (178)  إلى الـمـقـطـع (200)  :

( 178)  وهـذا وصـف الـمـديـنـة : تـقـع بـابـل في وسـط سـهـل شـاسـع، ومـخـطـطـهـا شـكـل مـربـع يـمـتـد كـلّ جـانـب مـنـه مـائـة وعـشـريـن غـلـوة وهـذا يـسـاوي أربـعـمـائـة وثـمـانـيـن غـلـوة لـمـحـيـط الأسـوار [أي حـوالي 86 كـيـلـومـتـراً ]. هـذه هي سـعـة مـديـنـة بـابـل . أمّـا عـن تـنـظـيـمـهـا فـلا يـمـكـن لـمـديـنـة رأيـنـاهـا أن تـمـاثـلـهـا، فـهي مـحـاطـة أوّلاً بـخـنـدق عـمـيـق، عـريـض تـمـلأه الـمـيـاه ، ثـمّ  بـسـور سـمـكـه خـمـسـون ذراعـاً مـلـكـيـاً وارتـفـاعـه مـائـتـا ذراع (الـذّراع الـمـلـكي أطـول مـن الـذّراع الـعـادي بـثـلاثـة أصـابـع ). (5)

(179)    ويـنـبـغي عـليّ أيـضـاً أن أذكـر مـاذا يـفـعـلـون بـالـتّـراب عـنـد حـفـر الـخـنـدق وكـيـف شـيّـد الـسّـور: فـالـتّـراب الّـذي اسـتـخـرج مـن الـخـنـدق عـنـد حـفـره يـسـتـعـمـل لـصـنـع الـلـبـن. وعـنـدمـا يـصـنـعـون مـا يـكـفي مـن الـلـبـن يـفـخـرونـه في أفـران فـيـصـبـح طـابـوقـاً يـشـيّـدون بـه ويـثـبّـتـون الـطّـابـوق فـيـمـا بـيـنـه بـالـقـارالـمـحـروق الـمـذاب وبـه يـثـبّـتـون طـبـقـة أخـرى تـعـلـو الأولى، وعـنـدمـا يـصـلـون إلى ثـلاثـيـن طـبـقـة يـضـعـون طـبـقـة مـن الـقـصـب الـبـردي [وهـكـذا دوالـيـك]. وقـد غـطـوا الـخـنـدق بـالـطّـابـوق بـهـذه الـطّـريـقـة ثـمّ رفـعـوا الأسـوار. وعـلى أعـالي الـسّـور مـن جـانـبـيـه شـيّـدت بـنـايـات مـن طـابـق واحـد، وضـعـت كـلّ اثـنـتـيـن مـنـهـمـا وجـهـاً لـوجـه وتـركـت بـيـنـهـمـا سـعـة تـكـفي لـمـرور عـربـة بـأربـعـة خـيـول. ولـهـذا الـسّـور مـائـة بـوابـة أبـوابـهـا مـن الـبـرونـز وكـذلـك ركـائـزهـا وسـكـائـفـهـا.    ;وهـنـاك مـديـنـة أخـرى عـلى مـسـيـرة ثـمـانـيـة أيّـام مـن بـابـل اسـمـهـا إيـسIs  يـخـتـرقـهـا نـهـر صـغـيـر اسـمـه إيـس أيـضـاً يـصـبّ في الـفـرات.وعـنـدمـا تـخـرج مـيـاه هـذا الـنّـهـر مـن بـاطـن الأرض تـخـرج مـعـهـا قـطـع كـثـيـرة مـن الـقـار، واسـتـعـمـل هـذا الـقـار في تـشـيـيـد أسـوار بـابـل.

(180)    هـذا عـن أسـوار بـابـل. أمّـا الـمـديـنـة فـقـد قـسـمـت إلى قـسـمـيـن يـفـصـل بـيـنـهـمـا نـهـر الـفـرات، وهـو نـهـر واسـع عـمـيـق مـيـاهـه سـريـعـة الـجـريـان ومـنـابـعـه في أرمـيـنـيـا، يـصـبّ في بـحـر أرتـيـريـا. وعـلى الـضّـفـتـيـن يـتـقـدّم الـسّـور بـمـقـدار ذراع نـحـو الـمـاء ثـمّ تـرتـفـع سـدّة مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور لـتـحـدّ الـمـيـاه مـن كـلّ ضـفّـة.

والـمـديـنـة مـجـمّـعـات مـن بـنـايـات بـثـلاثـة أو أربـعـة طـوابـق تـخـتـرقـهـا طـرقـات مـوازيـة لـلـنّـهـر وأخـرى تـقـاطـعـهـا وكـلّـهـا مـسـتـقـيـمـة الـتّـخـطـيـط. والـطّـرقـات الّـتي تـؤدي إلى الـنّـهـر تـوصـل كـلّ واحـدة مـنـهـا إلى بـاب خـفي [يـغـلـق في سـاعـة الـخـطـر] فـتـح في الـسّـور، وكـانـت كـلّ هـذا الأبـواب مـن الـبـرونـز أيـضـاً وتـوصـل إلى الـنّـهـر مـبـاشـرة.

(181)   ولاشـكّ في أنّ هـذا الـسّـور درع لـلـمـديـنـة، وهـنـاك سـور آخـر داخـلي، يـكـاد أن يـكـون بـمـتـانـة الأوّل مـع أنّـه أقـلّ مـنـه سـمـكـاً. وفي مـركـز كـلّ قـسـم مـن قـسـمي الـمـديـنـة سـور مـحـصّـن، يـحـمى الأوّل مـنـهـمـا الـقـصـر الـمـلـكي الّـذي يـرتـفـع حـولـه سـور عـالٍ ومـتـيـن، ويـحـمي الـثّـاني مـعـبـد الإلـه بـعـل  Zeus Bélos الـقـلـزي الأبـواب الّـذي كـان مـازال مـنـتـصـبـاً في زمـني : وهـو بـشـكـل مـربـع يـمـتـد كـلّ جـانـب مـنـه غـلـوتـيـن، يـنـتـصـب في وسـطـه بـرج ضـخـم كـلّ جـانـب مـنـه غـلـوة، يـعـلـوه بـرج آخـر [أصـغـر مـنـه] ويـعـلو الـثّـاني بـرج ثـالـث ، وهـكـذا حـتّى ثـمـانـيـة طـوابـق.وحـولـه سـلّـم خـارجي يـدور لـولـبـيـاً يـصـعـد حـتّى الـطـابـق الأعـلى. وفي مـنـتـصـف الـسّـلّـم الـصّـاعـد تـقـريـبـاً شـيّـد مـوقـف مـنـبـسـط وضـعـت عـلـيـه مـقـاعـد لـيـسـتـطـيـع الـصّـاعـد أن يـجـلـس ويـسـتـريـح قـلـيـلاً. وفي أعـلى الـبـرج مـصـلّى واسـع نـصـب فـيـه سـريـر وثـيـر الـفـراش وبـجـانـبـه طـاولـة مـن الـذّهـب. ولـكـن لـيـس فـيـه تـمـاثـيـل ولايـقـضي فـيـه إنـسـان الـلـيـل، مـاعـدا امـرأة مـن أهـل الـبـلـد، إصـطـفـاهـا الإلـه مـن بـيـن الـنّـسـاء، كـمـا يـقـول الـكـلـدان، وهـم رجـال ديـن هـذا الإلـه.

(182)   ويـقـولـون أيـضـاً، وأنـا لا أعـتـقـد بـذلـك، إنّ الإلـه يـأتي بـنـفـسـه في مـعـبـده ويـسـتـلـقي عـلى هـذا الـسّـريـ، كـمـا يـحـدث نـفـس الـشّئ في طـيـبـة مـصـر، إذا مـاصـدّقـنـا الـمـصـريـيـن فـهـنـاك أيـضـاً تـقـضي امـرأة الـلـيـل في مـعـبـد الإلـه الـطّـيـبي  Zeus Thébain  وقـد أخـبـرت أنّـه لـم يـمـس أيّـة واحـدة مـنـهـمـا رجـل أبـداً. ويـحـدث نـفـس الـشّـئ في بـطـاراس في مـنـطـقـة لـوسـيـا [ …]

هيرودوت 4

( 183)   وفي مـعـبـد بـابـل مـصـلى آخـر في الأسـفـل (الـطّـابـق الأرضي) فـيـه تـمـثـال كـبـيـر مـن الـذّهـب لـلإلـه مـثّـل جـالـسـاً وبـجـانـبـة طـاولـة كـبـيـرة مـن الـذّهـب، وقـاعـدة الـتّـمـثـال والـكـرسـي الّـذي يـجـلـس عـلـيـه الإلـه مـن الـذّهـب أيـضـاً. ويـقـول الـكـلـدان إنّ وزن الـكـلّ ثـمـانـمـئـة تـالانـاً (الـتّـالان يـعـادل أكـثـر مـن 20 كـيـلـوغـرامـاً). وخـارج الـمـعـبـد مـذبـح مـن ذهـب، وآخـر أكـبـر مـنـه يـضـحّى عـلـيـه بـحـيـوانـات وصـلـت سـنّ الـبـلـوغ، لأنّـه لا يـضـحّى عـلى الـمـذبـح الـذّهـبي إلّا بـحـيـوانـات صـغـيـرة لـم تـفـطـم بـعـد. وعـلى أكـبـر الـمـذبـحـيـن يـحـرق الـكـلـدان أيـضـاً كـلّ عـام ألـف تـالان مـن الـبـخـور في عـيـد هـذا الإلـه. وفي الـزّمـن الّـذي أتـكـلّـم عـنـه، كـان في هـذا الـمـعـبـد تـمـثـال مـن الـذّهـب الـصّـافي ارتـفـاعـه اثـنـا عـشـر ذراع، ولـم أره أنـا نـفـسي، ولـكـنّي أذكـر هـنـا مـا يـقـولـه الـكـلـدان. وكـان داريـا [الأكـبـر] بـن حـيـسـتـاسـب يـنـوي الإسـتـيـلاء عـلـيـه ولـكـنّـه لـم يـجـرؤ، وأخـذه ابـنـه خـرخـيـس بـعـد أن قـتـل الـكـاهـن الّـذي مـنـعـه مـن الإقـتـراب مـنـه. وهـذه هي الـخـزائـن الّـتي كـانـت في الـمـعـبـد ، وكـان فـيـه أيـضـاً كـثـيـر مـمـا أهـداه الـنّـاس كـقـرابـيـن لـلإلـه.

( 184)    وقـد تـتـابـع عـلى مـديـنـة بـابـل هـذه مـلـوك كـثـيـرون سـأذكـرهـم في مـؤلـفي (كـتـاب بـلاد آشـور) حـسّـنـوا الأسـوار والـمـعـابـد وجـمـلّـوهـا، ومـن بـيـنـهـم خـاصـة مـلـكـتـيـن : حـكـمـت الأولى خـمـسـة أجـيـال قـبـل الـثّـانـيـة واسـمـهـا سـمـيـرامـيـس ، وهي الّـتي أمـرّت بـتـشـيـيـد سـدود في الـسّـهـل [ الـمـحـيـط بـبـابـل ]، وتـشـيـيـدهـا يـثـيـر الإعـجـاب، وكـان الـنّـهـر قـبـل ذلـك يـغـرق الـسّـهـل كـلّ عـام.

( 185)   واسـم الـثّـانـيـة نـيـتـوكـريـس، وأثـارت الـعـجـب أكـثـر مـن الأولى، وإلـيـهـا يـعـود الـفـضـل في تـشـيـيـد الـمـعـالـم الّـتي سـأتـكـلّـم عـنـهـا، كـمـا نـظّـمـت تـنـظـيـمـاً مـحـكـمـاً الـدّفـاع عـن مـمـلـكـتـهـا ضـدّ الـمـيـديـيـن الّـذيـن أدركـت قـوتـهـم وحـبّـهـم لـلـقـتـال خـاصـة وأنّـهـم اسـتـولـوا عـلى عـدّة مـدن مـن بـيـنـهـا نـيـنـوى. وكـان أوّل مـا فـعـلـتـه تـحـويـل مـجـرى الـفـرات، وكـان هـذا الـنّـهـر الّـذي يـخـتـرق الـمـديـنـة يـجـري مـسـتـقـيـمـاً قـبـل ذلـك ، فـأصـبـح بـعـد أن حـفـرت لـه قـنـوات قـبـل وصـولـه إلى الـمـديـنـة يـجـري مـتـلـويّـاً إلى حـد أنّـه يـمـرّ ثـلاث مـرّات في نـفـس بـلـد مـن بـلـدان آشـور. وهـذا الـبـلـد الّـذي  يـمـرّ فـيـه الـفـرات اسـمـه أردريـكـا، ونـحـن الآن عـنـدمـا نـنـزل مـن بـحـرنـا إلى بـابـل عـن طـريـق الـفـرات نـمـرّ ثـلاث مـرّات في ثـلاثـة أيّـام بـهـذه الـقـريـة.

وبـعـد ذلـك أمـرت أن يـشـيّـد عـلى كـلّ ضـفـة مـن ضـفـتـي الـنّـهـر سـدّ يـثـيـر الـعـجـب بـطـولـه وارتـفـاعـه.، ثـمّ أمـرت أن يـحـفـر قـبـل أن يـصـل الـنّـهـر إلى بـابـل بـكـثـيـربـخـزّان بـمـحـاذاتـه ، وأن يـعـمّـق حـتّى يـصـل قـعـره إلى طـبـقـة الـمـيـاه الـجـوفـيـة، ويـوسّـع حـتّى يـكـون مـحـيـطـه أربـعـمـائـة وعـشـريـن غـلـوة. واسـتـعـمـل الـتّـراب الّـذي اسـتـخـرج مـن حـفـره في تـعـزيـز جـوانـب الـنّـهـر. وعـنـدمـا انـتـهى حـفـر الـخـزّان، أمـرت أن يـأتى لـه بـالـصّـخـور لـيـعـبّـد لـه رصـيـف حـولـه. وبـهـذيـن الـعـمـلـيـن : تـلـوّيـات الـفـرات الـمـصـطـنـعـة والـخـزّان الّـذي يـمـلأ بـمـيـاه مـنـطـقـة تـغـطـيـهـا الـمـسـتـنـقـعـات أرادت أن تـكـسـر مـن حـدّة جـريـان الـنّـهـر لـتـخـفـيـض سـرعـة مـروره ولـتـطـول مـدّة الـنّـزول عـلى الـنّـهـر قـبـل الـوصـول إلى بـابـل بـفـضـل لـف ودوران الـنّـهـر وضـرورة الـدّوران حـول الـخـزّان الـشّـاسـع. وقـد أمـرت أن تـنـفّـذ هـذه الأعـمـال في الـمـنـطـقـة الّـتي تـوصـل كـلّ الـمـسـالـك إلى مـمـلـكـتـهـا والّـتي يـمـكـنـهـا أن تـوصـل الـمـيـديـيـن بـسـهـولـة، ولـكي تـمـنـع هـؤلاء الـمـيـديـيـن مـن الإتـصـال بـرعـيـتـهـا والـتّـجـسـس عـلى مـا يـحـدث في الـمـمـلـكـة.

( 186)   وهـذه هي الإسـتـعـدادت الـدّفـاعـيـة الّـتي أمـرت بـتـنـفـيـذهـا، وقـد جـاء لـهـا مـنـهـا نـفـع آخـر: فـبـابـل مـقـسّـمـة إلى صـوبـيـن يـفـصـل بـيـنـهـمـا الـنّـهـر، وكـان الـنّـاس في زمـن سـابـقـيـهـا يـعـبـرون مـن ضـفـة إلى ضـفـة بـالـقـوارب، ولـم يـكـن ذلـك ، عـلى مـا أعـتـقـد، أمـراً بـسـيـطـاً. وبـفـضـلـهـا أيـضـاً سـهـل هـذا الأمـر، فـقـد اغـتـنـمـت فـرصـة حـفـر الـخـزّان لـتـضـيـف تـشـيـيـداً آخـر يـعـد مـن بـيـن مـعـالـم حـكـمـهـا : فـقـد أمـرت بـنـحـت قـطـع ضـخـمـة مـن الـصّـخـر، ثـمّ بـتـغـيـيـر مـجـرى الـنّـهـر نـحـو الـخـزّان لـتـفـرغـه مـن مـائـه، وأمـرت بـتـغـطـيـة ضـفـتي الـنّـهـر عـلى كـلّ مـسـافـة اخـتـراقـه لـلـمـديـنـة بـجـدار مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور، مـثـل طـابـوق الأسـوار، وفُـعـل نـفـس الـشّئ بـالـطّـرقـات الّـتي تـنـزل مـن الأبـواب الـمـخـفـيـة نـحـو الـنّـهـر. وفي مـنـتـصـف الـمـسـافـة الّـتي يـجـري فـيـهـا الـنّـهـر في الـمـديـنـة أمـرت بـتـشـيـيـد جـسـر بـالـصّـخـور الّـتي قـطـعـت مـن مـنـاجـمـهـا، وربـطـت بـيـنـهـا بـكـلالـيـب مـن الـحـديـد أوالـرّصـاص. وفي كـلّ صـبـاح، تـوضـع عـلى ركـائـز الـجـسـر الـصّـخـريـة عـوارض مـن خـشـب تـربـط بـيـنـهـا فـيـعـبـر عـلـيـهـا أهـل بـابـل مـن ضـفـة إلى ضـفـة، ثـمّ تـخـلـع في الـلـيـل لـيـمـنـع الـلـصـوص مـن عـبـور الـنّـهـر وارتـكـاب سـرقـاتـهـم في الـجـانـب الـمـقـابـل. وعـنـدمـا انـتـهى بـنـاء الـجـسـر، أمـرت بـإرجـاع مـيـاه الـنّـهـر إلى مـجـراهـا الأصـلي. وهـكـذا زادت مـن مـنـافـع حـفـر الـخـزّان ووهـبـت أهـل الـمـديـنـة جـسـراً يـسـهـل عـلـيـهـم أمـورهـم.

(187)   وقـد نـصـبـت نـفـس هـذه الـمـلـكـة لـمـن خـلـفـوهـا شـركـاً، وهـذا هـو : فـقـد أمـرت بـبـنـاء قـبـرهـا فـوق الـبـوابـة الّـتي يـمـرّ مـنـهـا أكـثـر سـكـان الـمـديـنـة، مـعـلّـقـاً فـوق رؤوس الـنّـاس، وأمـرت بـأن يـنـقـش عـلـيـه مـا يـلي : ” إذا احـتـاج أحـد مـلـوك بـابـل الّـذيـن سـيـخـلـفـوني إلى مـبـلـغ مـن الـمـال فـلـيـفـتـح رمـسـي ولـيـأخـذ مـنـه مـا يـشـاء. ولـيـس لـه أن يـمـسـه إن لـم يـكـن لـه بـه حـاجـة : فـلـن يـكـون لـه مـنـه نـفـع”. وقـد احـتـرم رمـسـهـا مـن جـاءوا بـعـدهـا إلى أن اعـتـلى داريـا [الـفـارسي الإخـمـيـني ] الـعـرش، وقـد اعـتـبـر تـبـذيـراً أن يـكـون فـوق الـبـوابـة مـال ولا يـأخـذه، خـاصـة وأنّ الـنّـص الـمـنـقـوش يـدعـوه لأخـذه. (وهـو لـم يـمـرّ أبـداً مـن هـذه الـبـوابـة لـكي لا تـكـون فـوق رأسـه جـثـة). وهـكـذا أمـر بـفـتـح الـرّمـس ولـم يـجـد فـيـه شـيـئـاً مـن الـمـال بـل جـثّـة ونـقـشـاً يـقـول : “لـو لـم تـكـن رجـلاً جـشـعـاً يـمـلأ قـلـبـك الـطّـمـع لـمـا اقـتـحـمـت مـسـاكـن الأمـوات”. وهـكـذا كـانـت هـذه الـمـلـكـة، كـمـا ذكـر لي.

( 188)   أعـلـن كـورش الـحـرب عـلى ابـن هـذه الـمـرأة ، وكـان يـحـمـل اسـم أبـيـه لابـيـنـتـوس الّـذي كـان يـحـكـم في بـلاد آشـور. ولـم يـكـن الـمـلـك الأعـظـم [كـورش] يـخـرج لـلـحـرب مـن أن غـيـر أن يـعـدّ  قـوت جـيـشـه يـحـمـلـه مـعـه مـن بـلاده ويـصـطـحـب مـعـه قـطـعـان غـنـمـه ومـاعـزه، وكـان يـأخـذ مـعـه لـنـفـسـه مـن مـاء نـهـر شـواسـبـيـس الّـذي يـمـرّ قـرب مـديـنـة سـوسـة، فـلـم يـشـرب غـيـره. وكـان هـذا الـمـاء يـغـلى ويـوضع في قـنـاني مـن الـفـضّـة تـحـمّـل عـلى عـربـات بـأربـع عـجـلات تـجـرّهـا الـبـغـال تـتـبـع الـمـلـك أيـنـمـا اتـجـه.

( 189)    وبـعـد أن اتّـجـه كـورش إلى بـابـل وصـل إلى نـهـرغـنـديـس Gyndès  الّـذي كـانـت مـنـابـعـه في مـرتـفـعـات مـاتيـنـيـس Matiniès  ، وكـان يـمـرّ بـبـلاد دردان Dardanes  ويـصـبّ في نـهـر آخـر : دجـلـة، ثـمّ يـجـري هـذا الـنّـهـر قـرب مـديـنـة أوبـيـس Opis   ويـصـبّ في بـحـر أرتـيـريـا. وحـاول كـورش أن يـعـبـر هـذا الـنّـهـر، ولا يـمـكـن عـبـوره في هـذه الـمـنـطـقـة إلّا بـقـارب، عـنـدمـا جـمـح واحـد مـن خـيـولـه الـبـيـضـاء الـمـقـدّسـة ، ورمى بـنـفـسـه في الـنّـهـر لـيـعـبـره سـبـاحـة، ولـكـنّ تـيـارات الـنّـهـر الـعـنـيـفـة أغـرقـتـه وحـمـلـتـه بـعـيـداً. وقـد غـضـب كـورش مـن وقـاحـة هـذا الـنّـهـر غـضـبـاً شـديـداً حـتّى أنّـه أقـسـم أن يـجـعـلـه ضـئـيـل الـجـريـان فـتـسـتـطـيـع حـتّى الـنّـسـاء أن يـعـبـرنـه مـن غـيـر أن تـبـتـلّ ركـبـهـنّ. وقـد أوقـف مـسـيـرتـه نـحـو بـابـل لـيـنـفــذ عـقـوبـتـه هـذه لـلـنّـهـر وقـسّـم جـنـده قـسـمـيـن ، ثـمّ أمـر أن يـخـطّ عـلى كـلّ ضـفـة مـن نـهـر غـنـديـس مـائـة وثـمـانـيـن خـطّـاً تـنـفـتـح كـأشـعـة الـدّائـرة وحـفـرهـا خـنـادق بـعـد أن وزّع الـجـنـد عـلى هـذه الـخـطـوط لـيـحـفـروا الأرض، ورغـم عـددهـم الـكـبـيـر فـقـد قـضـوا الـصّـيـف كـلّـه لـيـنـهـوا عـمـلـهـم.

(190)    وبـعـد أن قـسّـم نـهـر غـنـديـس إلى ثـلاثـمـائـة وسـتـيـن قـنـاة لـيـعـاقـبـه ، خـفّـت حـرارة الـجـو وأكـمـل مـسـيـرتـه نـحـو بـابـل. وحـمـل أهـل بـابـل الـسّـلاح وانـتـظـروه أمـام مـديـنـتـهـم . وبـعـد أن اقـتـرب أسـرعـوا لـلـقـائـه، ولـكّـنـه تـغـلّـب عـلـيـهـم فـدخـلـوا الـمـديـنـة تـحـمـيـهـم الأسـوار. وكـانـوا يـعـرفـون مـنـذ زمـن طـويـل أن كـورش لـم يـكـن مـحـبّـاً لـلـسّـلـم وسـمـعـوا بـهـجـومـاتـه عـلى كـلّ الأقـوام، ولـهـذا كـانـوا قـد جـمـعـوا مـن الـقـوت مـا يـكـفـيـهـم سـنـوات عـديـدة، ولـم يـكـونـوا يـخـشـون الـحـصـار، في حـيـن أنّ صـعـوبـات كـورش كـانـت تـزداد فـالـوقـت يـمـرّ مـن غـيـر أن يـتـقـدم في غـزوه.

(191)    وأخـيـراً وجـد حـيـلـة ، لانـعـرف هـل اقـتـرحـهـا عـلـيـه أحـد أو وجـدهـا هـو بـنـفـسـه ، وهـذا مـا فـعـلـه : وزّع كـلّ جـنـوده في الـمـكـان الّـذي يـدخـل مـنـه الـنّـهـر في الـمـديـنـة وفي الـمـكـان الّـذي يـخـرج مـنـه وأمـرهـم أن يـدخـلـوا بـابـل مـن مـجـرى الـنّـهـر عـنـدمـا يـنـخـفـض ويـسـتـطـيـعـون خـوضـه. ثـمّ تـركـهـم مـع كـلّ رجـالـه غـيـر الـمـقـاتـلـيـن مـتـجـهـاً إلى خـزّان الـمـيـاه، وفـعـل مـا كـانـت قـد فـعـلـتـه مـلـكـة بـابـل : أمـر بـفـتـح قـنـاة وحـوّل مـاء الـفـرات إلى الـخـزّان الّـذي كـان عــنـد ذلـك مـسـتـنـقـعـاً، وعـنـدمـا فـقـد مـجـرى الـنّـهـر مـيـاهـه ضـحـل وصـارالـخـوض فـيـه سـهـلاً. وعـنـدمـا رأى جـنـد الـفـرس مـاء الـنّـهـر يـنـخـفـض ويـصـل إلى مـنـتـصـف الأفـخـاذ دخـلـوا بـابـل بـهـذا الـطّـريـق . ولـو عـرف أهـل بـابـل بـحـيـلـة كـورش قـبـل وقـوعـهـا لاسـتـطـاعـوا أن يـفـنـوا الـفـرس بـعـد أن دخـلـوا الـمـديـنـة : بـأن يـغـلـقـوا الأبـواب الـخـفـيـة  الّـتي تـنـفـتـح عـلى الـنّـهـر ويـصـعـدوا هـم أنـفـسـهـم فـوق الأسـوارالّـتي تـحـاذي الـضّـفـاف ويـخـنـقـوهـم [مـثـل أسـمـاك] في شـبـكـة. ولـكـن ّ الأعـداء فـاجـأوهـم ، والـمـديـنـة شـديـدة الـسّـعـة إلى حـدّ أن الـفـرس سـيـطـروا عـلى أطـرافـهـا مـن غـيـر أن يـصـل الـخـبـر إلى سـكّـان مـركـزهـا، كـمـا ذكـرذلـك أهـل الـبـلاد. وكـان ذلـك الـيـوم يـوم عـيـد وكـانـوا يـرقـصـون ويـتـسـلّـون إلى أن عـرفـوا بـمـا كـان قـد حـدث. وكـانـت تـلـك الـمـرّة الأولى الّـتي أخـذت فـيـهـا بـابـل.

بـلاد بـابـل وعـادات أهـلـهـا وتـقـالـيـدهـم :

( 192)    لأريـكـم ثـروات بـابـل الـهـائـلـة، سـأعـطـيـكـم عـلى ذلـك مـثـلاً مـن بـيـن أمـثـلـة أخـرى : قـسّـم الـمـلـك الأعـظـم [كـورش الـفـارسي الأخـمـيـني] مـمـلـكـتـه إلى “إسـطـرابـات” لـتـجـلـب لـه، إلى جـانـب الـضّـرائـب الّـتي يـجـبـيـهـا مـنـهـا، الـمـؤونـة الّـتي يـحـتـاجـهـا بـلاطـه وجـنـده. ونـتـج عـن ذلـك أنّ مـنـطـقـة بـابـل وحـدهـا تـطـعـمـه أربـعـة أشـهـر مـن أشـهـر الـسّـنـة، وتـطـعـمـه كـلّ الـمـنـاطـق الأخـرى في آسـيـا مـجـتـمـعـة الأشـهـر الـثّـمـانـيـة الـبـاقـيـة. وهـذا يـعـني أنّ بـلاد آشـور تـمـتـلـك وحـدهـا ثـلـث ثـراء آسـيـا. وحـكـومـة هـذه الـمـنـطـقـة ، الّـتي يـسـمـيـهـا الـفـرس “إسـطــرابي   strapie” تـعـلـو كـثـيـراً عـلى حـكـومـات الـمـنـاطـق الأخـرى. وتـدرّ بـابـل  كـلّ يـوم عـلى تـريـتـنـتـخـمـس Tritantaichmès بـن أرطـبـاز Artabaze ، الّـذي عـهـد لـه الـمـلـك الأعـظـم بـهـا ، بـأرطـاب يـطـفـح مـالاً (والأرطـاب قـيـاس سـعـة يـحـوي ثـلاثـة شـيـنـيـسات أكـثـر مـن الـمـيـديـم الأتـيـكي   [أي 56 لـتـرا ً تـقـريـبـاً ]. وكـان لـه فـيـهـا، مـا عـدا خـيـول الـقـتـال، مـربـط خـيـل فـيـه ثـمـانـمـائـة فـحـل وسـتـة عـشـر ألـف فـرس، أي ذكـر واحـد لـعـشـريـن أنـثى. وفـيـهـا كـانـت تـربى أعـداد هـائـلـة مـن الـكـلاب الـهـنـديـة، وكـرّسـت أربـع قـرى كـبـيـرة تـقـع في الـسّـهـول لـلإعـتـنـاء بـهـذه الـحـيـوانـات. وكـان حـاكـم بـابـل يـنـتـفـع بـكـلّ هـذه الـعـوائـد.

(193)   ونـادراً مـا تـسـقـط الأمـطـار في بـلاد آشـور، وهي لا تـكـاد تـسـقي إلّا جـذور نـبـتـات الـقـمـح، ولـهـذا يـنـبـغي سـقي الـحـقـول مـن مـاء الـنّـهـر لـكي تـنـمـو الـحـبـوب وتـثـمـر. وكـانـت بـلاد بـابـل كـلّـهـا، مـثـلـهـا مـثـل مـصـر، تـخـتـرقـهـا الـقـنـوات، يـمـكـن الـمـلاحـة في أكـبـرهـا الّـذي شـقّ مـواجـهـاً الـشّـمـس في الـشّـتـاء ويـربـط بـيـن الـفـرات ودجـلـة : الـنّـهـر الّـذي تـقـع عـلى ضـفـتـه نـيـنـوى. وهـذا الـبـلـد مـن أغـنى الـبـلـدان الّـتي نـعـرفـهـا بـعـطـاء مـا يـنـبـت في بـاطـن أرضـه، أمّـا عـن الأشـجـار كـالـتّـيـن والـزّيـتـون أوالـكـروم فـلـم يـحـاول أحـد حـتّى أن يـغـرس فـيـه مـنـهـا شـئ. وتـرابـه يـصـلـح لـزراعـة الـحـبـوب حـتّى أنّـه يـعـطي لـلـزّارع مـائـتي ضـعـف مـا بـذره، وحـتّى ثـلاثـمـائـة ضـعـف في الـسّـنـوات الـكـريـمـة الـعـطـاء. وأوراق الـحـنـطـة والـشّـعـيـر غـالـبـاً مـا يـكـون عـرضـهـا أربـعـة أصـابـع. و تـرتـفـع نـبـاتـات الـدُّخـن والـسّـمـسـم كـأشـجـار أعـرف مـدى ارتـفـاعـهـا ولـكـنّي لـن أذكـره، لأنّ الّـذيـن لـم يـزوروا هـذا الـبـلـد لـن يـصـدقـوني في مـا قـلـت عـن الـحـصـاد هـنـاك ، وأنـا أعـرف ذلـك حـقّ الـمـعـرفـة. ولـيـس عـنـد الآشـوريـيـن زيـت زيـتـون، وهـم يـقـطّـرون زيـتـاً مـن الـسّـمـسـم. وتـنـبـت الـنّـخـيـل في كـلّ مـكـان مـن الـسّـهـول ، وتـثـمـر أغـلـبـهـا تـمـراً يـأكـل ويـصـنـع مـنـه نـبـيـذ وعـسـل. وهـم يـعـتـنـون بـهـا كـمـا نـفـعـل بـأشـجـار الـتّـيـن، وهـم يـربـطـون ثـمـار الـنّـخـلـة الّـتي يـسـمـيـهـا الإغـريـق نـخـلـة ـ فـحـل إلى الـنّـخـلـة الّـتي تـثـمـر تـمـراً لـكي تـدخـل حـشـرات صـغـيـرة في الـتّـمـر ويـنـضـج ولا يـسـقـط ( ونـجـد هـذه الـحـشـرات في الـنّـخـلـة ـ الـفـحـل كـمـا في شـجـرة الـتّـيـن الـبـرّي).

وصـف “الـقـفّـة” :

(194)    وسـأذكـر الآن مـا بـدا لـعـيـنيّ أعـجـب مـا في هـذا الـبـلـد بـعـد مـديـنـة بـابـل نـفـسـهـا، فـلـديـهـم مـراكـب يـنـزلـون بـهـا الـنّـهـر حـتّى مـديـنـة بـابـل. وهي مـسـتـديـرة صـنـعـت بـكـامـلـهـا مـن الـجـلـود. وتـصـنـع في أرمـيـنـيـا، شـمـال بـلاد آشـور، هـيـكـلـهـا مـن أغـصـان صـفـصـاف تـغـطى مـن الـخـارج بـجـلـود كـمـا تـغـطى الـقـوارب بـألـواح الـخـشـب، ولـيـس فـيـهـا  جـؤجـؤ مـدبـب ولا كـوثـل بـل هي دائـريـة الـشّـكـل كـالـدّروع.

ويـضـعـون في قـعـرهـا تـبـنـاً ، ثـمّ يـركـبـونـهـا ويـحـمّـلـونـهـا بـالـبـضـائـع وخـاصـة الـنّـبـيـذ في بـرامـيـل تـصـنـع مـن جـذوع الـنـخـيـل. ولـكي تـسـيـر مـسـتـقـيـمـة إلى الأمـام يـنـبـغي أن يـقـودهـا رجـلان واقـفـان عـلـيـهـا، يـجـذب أحـدهـمـا مـجـذافـه نـحـوه ويـبـعـد الآخـر مـجـذافـه عـنـه. وتـصـنـع هـذه الـمـراكـب بـأحـجـام مـخـتـلـفـة يـمـكـن لأكـبـرهـا أن تـحـمـل خـمـسـة آلاف تـالان [13 طـنّـاً]. ويـوضـع في كـلّ مـركـب مـنـهـا حـمـار حيّ وعـدد مـن الـحـمـيـر في أكـبـرهـا. وعـنـدمـا يـصـلـون إلى بـابـل ويـنـزلـون بـضـائـعـهـم، يـبـيـع أصـحـابـهـا خـشـب هـيـكـلـهـا وتـبـنـهـا بـالـمـزاد، ويـحـمّـلـون جـلـودهـا عـلى ظهـور الـحـمـيـر ثـمّ  يـصـعـدون عـائـديـن إلى أرمـيـنـيـا. والـحـقـيـقـة أنّـه مـن الـمـسـتـحـيـل عـلى مـركـب أن يـصـعـد الـنّـهـر لـشّـدّة نـزول تـيـاراتـه الـسّـريـعـة، ولـهـذا يـصـنـعـون مـراكـبـهـم مـن الـجـلـود بـدلاً مـن الأخـشـاب. وعـنـدمـا يـصـلـون مـع حـمـيـرهـم إلى أرمـيـنـيـا، يـصـنـعـون مـراكـب أخـرى مـثـلـهـا. وهـكـذا هي مـراكـبـهـم عـلى الـمـاء.

( 195)    وسـأتـكـلّـم الآن عـن مـلابـسـهـم : قـمـيـص مـن الـكـتّـان يـنـزل حـتّى أقـدامـهـم، وفـوقـه آخـر مـن الـصّـوف، ثـمّ مـعـطـف خـفـيـف مـن الـصّـوف الأبـيـض، ونـعـال لا نـجـدهـا إلّا في هـذا الـبـلـد وإن كـانـت تـشـبـه مـداسـات مـنـطـقـة بـويـتـيـا. وتـنـثـال شـعـورهـم طـويـلـة يـلـبـسـون فـوقـهـا الـعـمـائـم، ويـمـضـخـون كـلّ أجـسـادهـم بـالـطّـيـوب.

ولـكـلّ مـنـهـم خـتـم وعـصـا طـويـلـة مـنـحـوت أعـلاهـا بـرمـز كـتـفّـاحـة أو وردة أو زنـبـقـة أو نـسـر… إلـخ. لأنّ عـاداتـهـم لا تـقـبـل أن تـحـمـل الـعـصي الّـتي لـيـس عـلـيـهـا رمـوز. وهـذا عـن هـنـدامـهـم .

وصـف “سـوق الـزّواج” :

(196)     أمّـا عـن الـقـوانـيـن الـسّـائـرة عـنـدهـم فـهـذه هي : وأكـثـرهـا حـكـمـة في رأيي مـا سـاذكـره، ويـقـال إنّـه يـطـبّـق أيـضـاً عـنـد الإنـيـتـيـس في مـنـطـقـة إلـيـريـا :

يـقـام في كـلّ بـلـدة، مـرّة كـلّ عـام حـفـل أصـفـه هـنـا : تـجـمـع كـلّ الـفـتـيـات الـلاتي بـلـغـن سـنّ الـزّواج في نـفـس الـمـكـان، ويـتـجـمّـع الـرّجـال حـولـهـنّ. ويـطـلـب مـنـادٍ كـلّـف بـذلـك مـنـهـنّ أن يـقـفـن الـواحـدة بـعـد الأخـرى يـعـرضـهـن لـلـشّـراء، ويـبـدأ بـأجـمـلـهـنّ. وبـعـد أن تـبـاع بـثـمـن بـاهـض ، يـقـتـرح بـالـمـزاد الـثّـانـيـة الأقـلّ مـنـهـا جـمـالاً بـقـلـيـل، وهـكـذا حـتّى يـبـيـعـهـنّ جـمـيـعـاً لـمـشـتـريـن يـتـزوجـونـهـنّ، ويـتـنـافـس رجـال بـابـل الـبـالـغـيـن سـنّ الـزّواج مـن الأغـنـيـاء عـلى الـفـتـيـات الأكـثـر جـمـالاً، أمّـا الـنّـاس الـبـسـطـاء فـلا يـهـتـمـون بـالـجـمـال، ويـعـطى لـهـم عـلى الـعـكـس مـبـالـغ مـن الـمـال إن تـزوجـوا بـالـفـتـيـات الأشـدّ قـبـحـاً. والأمـر أنّ الـمـنـادي، بـعـد أن يـبـيـع أجـمـل الـفـتـيـات يـطـلـب مـن أقـبـحـهـنّ أن تـقـوم ويـعـطـيـهـا لـمـن أرادهـا بـأخـس ثـمـن، وهـكـذا يـنـفـق الـمـال الّـذي جـمـع مـن تـزويـج الـجـمـيـلات لـتـزويـج الـقـبـيـحـات وذوات الـعـاهـات. ولـم يـكـنّ لأحـد الـحـق في تـزويـج ابـنـتـه بـمـن يـشـاء، ولـيـس لأحـد الـحـقّ في اصـطـحـاب الـفـتـاة الّـتي اشـتـراهـا مـن غـيـر كـفـلاء يـكـفـلـون بـأنّـه سـيـتـزوّجـهـا. وإنّ لـم يـحـلّ الـوفـاق بـيـن الـزّوجـيـن فـالـقـانـون يـنـصّ عـلى أن يـعـاد لـلـرّجـل الـمـال الّـذي اشـتـرى بـه الـمـرأة. وكـان يـسـمـح أيـضـاً لأهـل الـبـلـدات الـمـجـاورة بـأن يـشـاركـوا في الـمـزاد. وكـان هـذا قـانـونـاً لا مـثـيـل لـه في الـجـودة، ولـكـنّـه أهـمـل الآن ولـم يـعـد لـه اسـتـعـمـال. وقـد تـبـنّـوا مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة مـن الـزّمـن قـوانـيـن أخـرى لـيـحـمـوا بـنـاتـهـنّ مـن أن تـسـاء مـعـامـلـتـهـنّ أو أن يـأخـذن إلى بـلـد غـريـب، فـمـنـذ سـقـوط بـابـل الّـتي نـتـج عـنـهـا خـرابـهـم وتـعـاسـتـهـم، أجـبـر الـنّـاس الـمـدقـعي الـفـقـرعـلى دفـع بـنـاتـهـم لـلـعـهـارة.

(197)    وهـذا هـو قـانـونـهـم الـثّـاني في درجـات الـحـكـمـة : فـهـم يـحـمـلـون مـرضـاهـم  ويـضـعـونـهـم في الأمـاكـن الـعـامـة ، فـلـيـس عـنـدهـم أطـبّـاء. ويـقـتـرب الـمـارّة مـن الـمـرضى، ويـغـدق عـلـيـهـم الـنّـصـائـح مـن كـان قـد أصـيـب مـنـهـم بـمـرض مـثـلـه أو رأى مـن أصـيـب بـه، ويـذكـرون لـهـم الأدويـة الّـتي جـلـبـت لـهـم الـشّـفـاء أو لآخـريـن يـعـرفـونـهـم. ولـيـس لإنـسـان أن يـمـرّ أمـام مـريـض مـن غـيـر أن يـكـلّـمـه، أو أن يـكـمـل طـريـقـه مـن غـيـر أن يـسـتـجـوبـه عـن مـرضـه.

(198)     وهـم يـدهـنـون أجـداث مـوتـاهـم بـالـعـسـل، وتـراتـيـل الـنّـدب عـنـدهـم تـشـبـه مـا عـنـد الـمـصـريـيـن.

وعـنـدمـا يـدخـل الـبـابـلي عـلى عـروسـه يـحـرق بـخـوراً ويـجـلـس قـربـه لـيـطـهّـر بـه جـسـده، وتـفـعـل الـعـروس نـفـس الـشّئ. ويـغـتـسـلان في الـفـجـر، فـلا يـمـكـن لأحـدهـمـا أن يـمـسّ الآخـر إلّا إذا اغـتـسـلا. ولـلـعـرب أيـضـاً نـفـس هـذه الـعـادة.

(199)     وأشـدّ قـوانـيـن الـبـابـلـيـيـن عـاراً هـو هـذا الّـذي يـجـبـر كـلّ امـرأة عـلى أن تـذهـب مـرّة في حـيـاتـهـا إلى مـعـبـد أفـروديـت لـتـضـاجـع غـريـبـاً لا تـعـرفـه. وكـثـيـر مـن الـنّـسـاء لا يـقـبـلـن الإخـتـلاط  بـالأخـريـات ويـأتـيـن بـعـربـات مـغـلـقـة وحـولّـهـن عـدد مـن الـخـدم. ولـكـن الأمـر يـجـري عـادة عـلى هـذا الـشّـكـل : تـجـلـس الـنّـسـاء في الـحـوش الـمـقـدّس لـمـعـبـد أفـروديـت ، وقـد ربـطـن حـبـلاً حـول رؤوسـهـنّ ، وهـنّ كـثـيـرات دائـمـاً فـعـنـدمـا يـخـرج بـعـضـهـنّ يـدخـل بـعـض آخـر. ويـسـيـر الـرّجـال في مـسـالـك أحـيـطـت بـحـبـال مـشـدودة لـتـحـددهـا ، تـمـرّ بـيـن الـنّـسـاء لـيـخـتـاروا مـن بـيـنـهـنّ مـن يـهـوون. ولايـمـكـن لامـرأة جـلـسـت في هـذا الـمـكـان أن تـعـود إلى دارهـا قـبـل أن يـلـقي رجـل بـقـلـيـل مـن الـمـال عـلى ركـبـتـيـهـا (في حـضـنـهـا) لـيـضـاجـعـهـا خـارج الـمـعـبـد.

وعـلى الـرّجـل، عـنـدمـا يـلـقي بـالـمـال عـلى الـمـرأة أن يـقـول : “أدعـو الإلـهـة مـيـلـيـتـا Mylitta (مـيـلـيـتـا هـو الاسـم الآشـوري لأفـروديـت ). ومـهـمـا كـان مـبـلـغ الـمـال  فـالـمـرأة لا تـرفـض أبـداً : لـيـس لـهـا الـحـق في ذلـك  فـهـذا الـمـال مـقـدّس. وهي تـتـبـع أوّل رجـل يـلـقي عـلـيـهـا بـالـمـال ولا يـمـكـنـهـا رفـض أحـد. وبـعـد أن تـؤدي الـمـرأة واجـبـهـا نـحـو الإلـهـة تـعـود إلى دارهـا ، ولا يـسـتـطـيـع أحـد بـعـدهـا أن يـهـديـهـا مـا يـكـفي مـن الـمـال لـيـغـويـهـا. والـجـمـيـلات مـنـهـنّ يـعـدن إلى دورهـنّ بـسـرعـة، أمّـا الـقـبـيـحـات فـيـنـتـظـرن طـويـلاً قـبـل أن يـؤديـن واجـبـهـنّ، و بـعـضـهـنّ يـبـقـيـن ثـلاث أو أربـع سـنـوات. وهـنـاك مـثـل هـذه الـعـادة في مـكـان مـا مـن جـزيـرة قـبـرص.

(200)    وهـذه هي قـوانـيـن الـبـابـلـيـيـن. وكـان هـنـاك في هـذا الـبـلـد ثـلاث قـبـائـل لا يـأكـل أهـلـهـا إلّا الـسّـمـك. ومـا أن يـصـاد الـسّـمـك حـتّى يـجـفـف في الـشّـمـس ويـعـدّ بـالـطـريـقـة الـتّـالـيـة : يـسـحـق بـالـمـدقّ ثـمّ يـدلـق عـلى قـطـعـة قـمـاش خـفـيـف لـيـصـفّى ثـمّ يـأكـل عـصـيـدة أو مـخـبـوزاً كـالـخـبـز.

ثـورة الـبـابـلـيـيـن عـلى الإحـتـلال الـفـارسي :

هيرودوت 5

يـتـكـلّـم هـيـرودوت في الـكـتـاب الـثّـالـث عـن ثـورة الـبـابـلـيـيـن ضـدّ الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن. ونـحـن نـعـرف أنّ بـابـل ثـارت مـرتـيـن في زمـن داريـا الأوّل : الأولى في 522 قـبـل الـمـيـلاد، والـثّـانـيـة في 521، ولـكـن يـبـدو أنّ الـثّـورة الّـتي يـذكـرهـا هـيـرودوت لـم تـحـدث في زمـن داريـا وإنّـمـا حـدثـت حـوالي عـام 479  ق.م. في زمـن خـرخـيـس الّـذي خـلـف داريـا عـلى عـرش الأخـمـيـنـيـيـن.

(150)    وبـعـد أن خـرج [الـفـرس] في حـمـلـة ضـدّ سـامـوس، ثـارأهـل بـابـل. وكـانـوا قـد أعـدوا عـدتـهـم لـلـتّـمـرّد فـقـد اغـتـنـمـوا فـتـرة الإضـطـرابـات في زمـن حـكـم الـمـجـوسـي وثـورة الـسّـبـعـة لـيـجـمـعـوا الـمـؤونـة والـسّـلاح ويـسـتـعـدوا لـمـواجـهـة حـصـار طـويـل، وقـد فـلـحـوا في الأمـر مـن غـيـر أن يـنـتـبـه الـفـرس لـمـا كـانـوا يـفـعـلـون. وعـنـدمـا انـفـجـر الـتّـمـرد وضـعـوا أمـهـاتـهـم جـانـبـاً ولـم يـبـق أحـد مـنـهـم إلّا زوجـة واحـدة في داره، وجـمـعـت الأخـريـات وخـنـقـن. إحـتـفـظ كـلّ مـنـهـم بـامـرأة لـتـعـدّ لـه الـطّـعـام وخـنـق الأخـريـات لـيـقـتـصـد في الـنّـفـقـات.

(151)    وعـنـدمـا وصـل الـخـبـر إلى داريـا، جـمـع قـواتـه وسـار نـحـو بـابـل. ثـمّ ضـرب الـحـصـار أمـام أسـوارهـا، وهـو مـا لـم يـهـتـمّ لـه أهـل الـمـديـنـة : وكـانـوا يـصـعـدون إلى أعـلى الـسّـور ويـسـخـرون مـن داريـا وجـيـشـه بـالـتّـكـشـيـرات والـكـلام وكـان أحـدهـم يـصـيـح : “مـا جـدوى إضـاعـتـكـم لـوقـتـكـم هـنـا، يـا أيـهـا الـفـرس، بـدلاً مـن الـرّجـوع إلى دوركـم ؟ سـتـدخـلـون هـذه الـمـديـنـة عـنـدمـا سـتـحـمـل الـبـغـال وتـلـد صـغـاراً !” وكـان الـبـابـلـيـون لا يـتـصـورون أن تـلـد بـغـلـة صـغـاراً أبـداً.

(152)    وبـعـد أن دام الـحـصـار سـنـة وسـبـعـة أشـهـر حـنـق داريـا واغـتـاظ ، واغـتـاظ جـيـشـه مـعـه ، أمـام عـجـزهـم عـن فـتـح بـابـل. وكـان قـد حـاول كـلّ مـا كـان في وسـعـه، وخـاصـة مـا فـعـلـه كـورش قـبـلـه، ولـكـنّـه لـم يـصـل إلى نـتـيـجـة، فـقـد كـانـت الـمـديـنـة مـحـكـمـة الـدّفـاع ويـسـتـحـيـل أن تـأخـذ بـغـتـة.

(153)   وفي الـشّـهـر الـعـشـريـن مـن الـحـصـار حـدث عـنـد زوفـيـر Zophyre بـن مـيـقـابـيـز Mégabyze  (مـيـقـابـيـز الّـذي شـارك في ثـورة الـسّـبـعـة ضـدّ الـمـجـوسي)، قـلـنـا حـدث عـنـد ابـنـه زوفـيـر مـا لـم يـسـمـع بـه بـشـر مـن قـبـل : ولـدت بـغـلـة مـن بـغـالـه صـغـيـراً. ولـم يـصـدّقـه أوّلاً عـنـدمـا أخـبـر بـه، وأراد أن يـرى الـصّـغـيـر بـأمّ عـيـنـيـه، ثـمّ مـنـع الّـذيـن عـرفـوا بـذلـك مـن أن يـذيـعـوا الـخـبـر، وجـلـس يـفـكّـر. وتـذكّـر الـبـابـلي الّـذي صـاح في بـدايـة الـحـصـار إنّ الـمـديـنـة لـن تـسـقـط إلّا عـنـدمـا سـتـحـمـل الـبـغـال وتـلـد صـغـاراً، ولـهـذا اعـتـقـد [ زوفـيـر] أنّ بـابـل سـتـسـقـط لا شـكّ في ذلـك، فـقـد شـاءت الأقـدار أن يـقـول الـبـابـلي مـا قـال ثـمّ أن تـلـد الـبـغـلـة مـا ولـدت.

(154)    وبـدا لـه سـقـوط بـابـل حـتـمـاً لا بـد أن يـقـع، ثـمّ ذهـب بـيـن يـدي داريـا يـسـألـه إن أراد حـقّـاً أخـذ الـمـديـنـة. وعـنـدمـا تـأكـد أنّ الـمـلـك مـازال يـرغـب في فـتـح الـمـديـنـة فـكّـر مـن جـديـد بـحـيـلـة تـتـيـح لـه فـتـحـهـا وحـده لـيـكـون لـه وحـده الـشّـرف والـمـجـد ــ لأنّ الأعـمـال الـبـاهـرة عـنـد الـفـرس تـؤدي إلى أعـلى مـراتـب الـشّـرف. ولـيـسـتـولي عـلى الـمـديـنـة لـم يـجـد حـيـلـة غـيـر تـشـويـه نـفـسـه والـهـرب عـنـد الأعـداء لـيـطـلـب مـنـهـم الـنّـجـدة. وهـكـذا، كـمـا لـولـم يـكـن لـلأمـر قـيـمـة، شـوّه جـسـده تـشـويـهـاً فـظـيـعـاً : جـذع أنـفـه وقـطـع أذنـيـه، وحـلـق شـعـر رأسـه كـالـمـجـرمـيـن ومـزّق جـلـد ظـهـره بـضـربـات الـسّـيـاط، ووقـف هـكـذا بـيـن يـدي الـمـلـك داريـا.

(155)    وتـأثّـر الـمـلـك عـنـدمـا رأى حـالـة هـذا الـنّـبـيـل الـرّفـيـع الـمـقـام ، ونـهـض مـن عـلى عـرشـه صـائـحـاً يـريـد أن يـعـرف مـن فـعـل بـه هـذا الـفـعـل الـشّـنـيـع، ولأي سـبـب فـعـلـه. وأجـابـه زوفـيـر : “لـيـس مـن إنـسـان مـا عـداي يـجـرؤ عـلى أن يـفـعـل بـي مـثـل هـذا الـفـعـل، ولـم تـقـتـرب مـنّي يـامـولاي يـدّ غـريـب. وأنـا الّـذي شـوهـت نـفـسي بـنـفـسي حـنـقـاً مـن رؤيـة الآشـوريـيـن يـسـخـرون مـن الـفـرس”. فـقـال لـه الـمـلـك : “مـا أشـقـاك ! تـريـد أن تـسـمي أشـنـع الأفـعـال هـذا بـأجـمـل الأسـمـاء، وتـدّعي أنّـك فـعـلـت مـا فـعـلـت غـيـظـاً مـن الآشـوريـيـن الّـذيـن نـحـاصـرهـم ! هـل تـمـلـكـك الـجـنـون ؟ ومـانـفـع تـشـويـهـك لـنـفـسـك ؟ وهـل سـيـعـجّـل هـذا مـن اسـتـسـلام الأعـداء ؟ لا شـكّ في أنّـك فـقـدت عـقـلـك عـنـدمـا فـعـلـت بـنـفـسـك مـا فـعـلـت ! “.

فـأجـابـه زوفـيـر : “لـو كـنـت قـد أخـبـرتـك بـمـشـروعي لـمـنـعـتـني مـن تـنـفـيـذه، ولـهـذا لـم أسـتـشـر إلّا نـفـسي. وهـكـذا لـن تـرفـض مـسـاعـدتي، فـنـحـن نـشـدّ قـبـضـتـنـا عـلى بـابـل. سـأذهـب في حـالـتي هـذه الّـتي أنـا عـلـيـهـا إلى الـمـديـنـة أطـلـب الـلـجـوء مـدّعـيـاً أنـني كـنـت ضـحـيـة عـنـفـك. وإذا اسـتـطـعـت أن أقـنـعـهـم بـهـذا، فـأنـا أظـنّ أنّـهـم سـيـضـعـوني عـلى رأس كـتـيـبـة مـا. إنـتـظـر الـيـوم الـعـاشـر بـعـد دخـولي الـمـديـنـة واخـتـر مـن بـيـن جـنـدك حـوالي ألـف رجـل مـمـن لـن تـأسـف عـلى الـتّـضـحـيـة بـهـم، وضـعـهـم أمـام الـبـوابـة الـمـسـمـاة بـبـوابـة سـمـيـرامـيـس. ثـمّ انـتـظـر سـبـعـة أيّـام بـعـدهـا وضـع ألـفي رجـل أمـام الـبـوابـة الـمـسـمـاة بـبـوابـة الـنّـيـنـويـيـن . وبـعـد ذلـك انـتـظـر أيـضـاً عـشـريـن يـومـاً وضـع أربـعـة آلف رجـل أمـام الـبـوابـة الـمـسـمـاة بـبـوابـة الـكـلـدانـيـيـن. ولا تـعـط كـلّا مـنـهـم كـسـلاح إلّا خـنـجـراً يـدافـع بـه عـن نـفـسـه. ثـمّ انـتـظـر عـشـريـن يـومـاً أخـرى، وأأمـر بـهـجـوم شـامـل عـلى الأسـوار، وضـع جـنـود الـفـرس خـاصـة أمـام بـابي بـعـل وكـيـسي (كـيـش) (6)، فـأنـا أظـنّ أنّ الـبـابـلـيـيـن بـعـد ذلـك سـيـوكـلـونـني بـشـؤون الـدّفـاع وسـيـعـطـوني مـفـاتـيـح أبـواب الـمـديـنـة. وعـليّ بـعـدهـا أن أغـتـنـم الـفـرصـة وعـلى الـفـرس أن يـتـبـعـوني”.

(156)    وبـعـد أن قـدّم (زوفـيـر) هـذه الـتّـوصـيـات، سـار نـحـو الـمـديـنـة، وهـو يـسـتـديـر بـيـن الـحـيـن والـحـيـن خـلـفـه كـمـا يـفـعـل الـهـارب الـمـذعـور. ومـن أعـالي الأسـوار، رآه حـرّاس الـبـاب الّـذي اقـتـرب مـنـه، ونـزلـوا مـسـرعـيـن وفـتـحـوا بـعـض مـصـراع الـبـاب لـيـسـألـوه عـن اسـمـه وعـمّـا كـان يـريـد.  فـأخـبـرهـم أنّ اسـمـه زوفـيـر وأنّـه يـطـلـب الـلـجـوء إلـيـهـم. وعـنـدهـا قـادوه إلى أعـيـان الـمـديـنـة : وشـرع يـأنّ ويـنـوح بـيـن أيـديـهـم ويـتّـهـم الـمـلـك داريـا بـتـشـويـهـه عـقـابـاً لـه عـلى نـصـيـحـتـه بـرفـع الـحـصـار عـن الـمـديـنـة بـعـد أن فـشـلـت كـلّ الـمـحـاولات لـفـتـحـهـا. “ولـكـنّ وجـودي هـنـا الآن سـيـكـون لـكـم مـنـه يـا أهـل بـابـل نـفـع عـظـيـم، وسـيـكـون لـداريـا وجـنـد الـفـرس مـنـه ضـرّ شـديـد. ولـن أتـرك لـداريـا أن يـفـرح مـن تـشـويـهـه لي ! وعـلى كـلّ حـال فـأنـا أعـرف تـمـام الـمـعـرفـة كـلّ مـشـاريـعـه “. هـذا مـا قـالـه لـهـم.

( 157)    وعـنـدمـا رأى الـبـابـلـيـون هـذا الـفـارسي الـرّفـيـع الـمـقـام وقـد جـذع أنـفـه وقـطـعـت أذنـاه، ومـزقـت جـلـد ظـهـره ضـربـات الـسّـيـاط  حـتّى غـطّـت الـدّمـاء كـلّ جـسـده صـدّقـوا أقـوالـه وادعـاءه الـرّغـبـة في مـحـالـفـتـهـم وارتـضـوا أن يـقـبـلـوا طـلـبـه. وطـلـب مـنـهـم كـتـائـب يـقـودهـا. وعـنـدمـا وضـعـوهـا تـحـت أمـره فـعـل مـا كـان قـد اتـفـق عـلـيـه مـع الـمـلـك داريـا : وفي الـيـوم الـتّـالي أخـرج الـمـلـك داريـا ألـفـاً مـن رجـالـه، فـأحـاطـهـم (زوفـيـر) بـكـتـائـب بـابـل وقـتـلـهـم جـمـيـعـاً. وتـهـلـل الـبـابـلـيـون لـمـا رأوا أنّ أفـعـالـه تـصـدق أقـوالـه، ووثـقـوا بـه ثـقـة مـا بـعـدهـا ثـقـة. وانـتـظـر عـدد الأيّـام الّـتي كـان قـد اتـفـق عـلـيـهـا مـع الـمـلـك داريـا وخـرج عـلى رأس كـتـيـبـة مـن خـيـرة مـقـاتـلي بـابـل ومـحـق الألـفي رجـل الّـذيـن أخـرجـهـم لـه داريـا. وبـعـد هـذا الـنّـصـر الـمـبـيـن أصـبـح زوفـيـر بـطـلاً لا مـثـيـل لـه عـنـد أهـل بـابـل. وانـتـظـر مـن جـديـد عـدد الأيّـام الّـتي كـان قـد اتـفـق عـلـيـهـا مـع الـمـلـك داريـا وخـرج عـلى رأس كـتـيـبـة وأفـنى الأربـعـة آلاف رجـل الّـذيـن أخـرجـهـم لـه داريـا. وصـار زوفـيـر بـعـد هـذا الـنّـصـرالأخـيـر أعـلى رجـال الـمـديـنـة وعـيّـن قـائـداً لـلـجـيـش وحـامـيـاً لـلأسـوار.

( 158)    وظـهـرت حـيـلـة زوفـور واضـحـة لـلـعـيـان عـنـدمـا أرسـل الـمـلـك داريـا قـواتـه لـلـهـجـوم عـلى الأسـوار : فـبـيـنـمـا كـان الـبـابـلـيـون يـحـاولـون مـن أعـالي الأسـوار صـدّ هـجـمـات الـفـرس، فـتـح لـهـم زوفـيـر بـابي بـعـل وكـيـش وأدخـل قـواتـهـم في الـمـديـنـة.  والـتـجـأ مـن رأى ذلـك مـن أهـل بـابـل إلى مـعـبـد زيـوس بـعـل (أي مـردوخ )، وبـقي الآخـرون الّـذيـن لـم يـروا شـيـئـاً، في أمـاكـنـهـم إلى أن عـرفـوا هـم أيـضـاً بـخـيـانـة زوفـيـر.

( 159)   وهـكـذا سـقـطـت بـابـل لـلـمـرة الـثّـانـيـة تـحـت ضـربـات الـفـرس. وتـسـلّـط الـمـلـك داريـا عـلى الـمـديـنـة وأمـر بـهـدم أسـوارهـا وبـخـلـع أبـوابـهـا، وهـمـا أمـران كـان سـابـقـه كـورش قـد أهـمـل الـقـيـام بـهـمـا. وأمـر داريـا بـوضـع أعـيـان الـمـديـنـة عـلى خـوازيـق مـزّقـت أجـسـادهـم، وكـانـوا حـوالي ثـلاثـة آلاف رجـل، وتـرك لـبـاقي أهـل بـابـل الـحـقّ في الـبـقـاء في الـمـديـنـة. وأمـر بـأن يـؤتى لـهـم بـنـسـاء لـيـنـجـبـوا (فـقـد خـنـقـوا نـسـائـهـم إقـتـصـاداً في الـنّـفـقـات كـمـا ذكـرنـا في الـبـدايـة) : أجـبـر كـلّ سـكـان الـمـنـاطـق الـقـريـبـة أن يـبـعـث كـلّ قـوم مـنـهـم عـدداً مـن الـنّـسـاء لـيـصـل عـددهـنّ في نـهـايـة الأمـر إلى خـمـسـيـن ألـف. وسـكـان بـابـل في أيـامـنـا هـذه مـن نـسـلـهـنّ.

( 160)    وارتـفـع زوفـيـر في نـظـر الـمـلـك داريـا وصـارت قـيـمـتـه لا تـمـاثـلـهـا قـيـمـة أحـد في كـلّ بـلاد فـارس مـنـذ أقـدم الأزمـان حـتّى الـزّمـن الّـذي عـاش فـيـه، الـلـهـم إلّا كـورش الّـذي يـضـعـه الـفـرس في أعـلى الـمـراتـب. وقـد قـال الـمـلـك داريـا مـراراً إنّـه كـان سـيـعـطي بـابـل وعـشـريـن بـابـل مـثـلـهـا فـديـة لـكي يـتـحـاشى أن يـشـوه زوفـيـر نـفـسـه مـثـلـمـا فـعـل. وأغـدق عـلـيـه بـشـارات الإكـرام والـتّـقـديـر وكـان يـبـعـث لـه كـلّ عـام بـأكـرم الـهـدايـا الّـتي يـفـتـخـر بـهـا الـفـرس، وأعـطـاه بـابـل لـيـحـكـمـهـا مـا دام حـيّـاً وتـرك لـه ريـعـهـا ، ومـنـافـع كـثـيـرة أخـرى أيـضـاً. و زوفـيـر هـذا والـد مـيـقـبـيـز Megabyze الّـذي قـاد جـنـد الـفـرس ضـدّ أهـل أثـيـنـا وحـلـفـائـهـم. و مـيـقـبـيـز هـذا والـد زوفـيـر (الأصـغـر) الّـذي خـان الـفـرس وانـضـمّ إلى أهـل أثـيـنـا.

إعـتـمـدت في هـذه الـتّـرجـمـة عـلى الـطّـبـعـة الـفـرنـسـيـة الّـتي حـقـقـتـهـا أنـدريـه بـارغـيـت Andrée Barguet   ونـشـرتـهـا في دار نـشـرغـالـيـمـار 1964، وقـد اسـتـعـنـت بـبـعـض مـا كـتـبـتـه في الـمـقـدمـة والـمـلاحـظات رغـم قـلّـة مـعـرفـتـهـا بـتـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وصـحـحـت عـدداً مـن أخـطـائـهـا.

أنـظـر أيـضـاً :  تـاريـخ هـيـرودوت ، تـرجـمـة و تـحـقـيـق عـبـد الإلـه الـمـلاّح، الـمـجـمـع الـثّـقـافي 2001 ( 751 ص.). تـرجـمـة عـن الـطّـبـعـة الـمـنـقـحـة في 1936 لـلـتّـرجـمـة الإنـكـلـيـزيـة الّـتي قـام بـهـا رولـنـسـن.  هـيـرودوت ، سـلامـة ايـفـانـز ، ج. 1 ، الـقـاهـرة ، د. ن. ، د. ت. ( 192 ص.)

رحـلـة هـيـرودوت إلى مـصـر ، حـسـيـن كـامـل نـجـم ، الـقـاهـرة ، دار الـدّعـوة 1931.  سـيـتـلـر، هـيـرودوت ، الـقـاهـرة ، الـهـيـئـة الـعـامـة لـدار الـكـتـب والـوثـائـق الـقـومـيـة ، 1892 ( 143 ص.)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  إنـتـصـر قـيـاخـار الـمـيـدي عـلى الـسّـيـثـيـيـن في 625 قـبـل الـمـيـلاد، وضـرب الـحـصـار أمـام نـيـنـوى في 614 وأسـقـطـهـا وخـربّـهـا في 612.  (2)  الـكـتـاب الأوّل ، الـمـقـطـع 106 ، ص. 97.   (3). الـكـتـاب الأوّل ، الـمـقـطـع 184 ، ص.138.  (4)  الـكـتـاب الأوّل ، الـمـقـطـع 178 ، ص. 135.  (5)  كـان عـرض الـسّـور إذن 25 مـتـراً وارتـفـاعـه 100 مـتـر.  (6)  الأبـواب الّـتي يـتـكـلـمّ عـنـهـا هـيـرودوت هي : بـاب سـمـيـرامـيـس = بـاب عـشـتـار في شـمـال الـمـديـنـة  بـاب الـكـلـدانـيـيـن = بـاب إنـلـيـل في الـجـنـوب ، بـاب بـعـل Belos  = بـاب مـردوخ، بـاب كـيـسي ( كـيـش) = بـاب زبـد، وهـمـا في الـشّـرق، وبـاب الـنّـيـنـويـيـن أو بـاب نـيـنـوس يـمـكـن أن يـكـون بـاب سـيـن (إلـه الـقـمـر) في الـشّـمـال.

“صـنـدوق الـدّنـيـا” كـمـا وصـفـتـه أجـاثـا كـريـسـتي

الـدكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتي عـن الـعـراق في مـواضـع كـثـيـرة مـن روايـتـهـا : “مـوعـد في بـغـداد  They Came to Baghdad” الّـتي صـدرت في 1951.

3908665867_4abbfbe118

وفي أحـد مـقـاطـعـهـا، كـانـت بـطـلـة الـقـصّـة فـيـكـتـوريـا جـونـزVictoria Jones  مـتـجـهـة بـالـسّـيّـارة بـصـحـبـة عـالـم الآثـار ريـشـارد بـيـكـر إلى مـوقـع الـتّـنـقــبـات الأثـريـة الّـذي كـان يـشـتـغـل فـيـه. وفي الـطـريـق الـوعـرة رأيـا رجـلـيـن يـتـجـهـان نـحـو الـسّـيّـارة :

“كـان أحـدهـمـا يـحـمـل عـلى ظـهـره نـوعـاً مـن الـمـصـطـبـة الـخـشـبـيـة، والآخـر آلـة مـن الـخـشـب بـحـجـم الـبـيـانـو الّـذي يـدعى بـالـبـيـانـو الـمـنـتـصـب. ونـاداهـمـا ريـشـارد فـسـلّـمـا عـلـيـه وعـلى وجـهـيـهـمـا كـلّ عـلامـات الـفـرح. وقـدّم لـهـمـا سـجـائـر وبـدا عـلـيـهـمـا أنّـهـمـا يـعـرفـانـه وهـو يـعـرفـهـمـا. ثـمّ اسـتـدار ريـشـارد نـحـوهـا [أي نـحـو فـيـكـتـوريـا] وسـألـهـا إن كـانـت تـحـبّ الـسّـيـنـمـا وهـل تـريـد أن تـشـاهـد عـرضـاً سـيـنـمـائـيـاً. وتـكـلّـم مـع الـرّجـلـيـن الـلـذيـن ابـتـسـمـا بـسـعـادة. ووضـعـا الـمـصـطـبـة وأشـارا لـفـيـكـتـوريـا وريـشـارد أن يـجـلـسـا عـلـيـهـا ثـمّ نـصـبـا الآلـة الـمـسـتـديـرة عـلى نـوع مـن قـاعـدة ثـبـتـاهـا عـلـيـهـا. وكـان في الآلـة ثـقـبـان. وعـنـدمـا نـظـرت فـيـكـتـوريـا مـن خـلالـهـمـا هـتـفـت : هـذا يـشـبـه “مـاذا رأى كـبـيـر الـخـدم  What the butler saw”.(1) وقـال ريـشـارد : تـمـامـاً، هـذا نـوع بـدائي مـنـهـا. وألـصـقـت فـيـكـتـوريـا عـيـنـيـهـا عـلى زجـاج الـثّـقـبـيـن وبـدأ أحـد الـرّجـلـيـن يـديـر ذراعـاً لـه قـبـضـة بـيـنـمـا شـرع الآخـر في نـوع مـن الـغـنـاء الـرّتـيـب.

صندوق الدنيا

وسـألـت فـيـكـتـوريـا : مـاذا يـقـول؟ وتـرجـم لـهـا ريـشـارد كـلـمـات الـغـنـاء الّـذي لـم يـتـوقـف : تـعـالـوا اقـتـربـوا وتـمـتـعـوا بـرؤيـة الـعـجـائـب والـغـرائـب. تـعـالـوا انـظـروا إلى عـجـائـب الـدّنـيـا الـقـديـمـة”. وظـهـرت أمـام عـيـنَي فـيـكـتـوريـا صـور فـجّـة الـتّـلـويـن لـزنـوج يـجـنـون قـمـحـاً : “فـلاحـون Fallahin في أمـريـكـا”، تـرجـم ريـشـارد كـلـمـات غـنـاء الـرّجـل. ثـم غـنّى بـعـد ذلـك :”زوجـة شـاه Shah الـغـرب الـعـظـيـم”، وظـهـرت الإمـبـراطـورة أوجـيـني [زوجـة إمـبـراطـور فـرنـسـا نـابـلـيـون الـثّـالـث] وهي تـتـغـنّـج وتـداعـب قـلادتـهـا بـأطـراف أصـابـعـهـا، ثـمّ صـورة لـقـصـر مـلـك الـمـونـت نـغـرو وأخـرى لـلـمـعـرض الـكـبـيـر The Great Exhibition.  وتـتـابـعـت مـجـمـوعـة عـجـيـبـة مـن صـور مـتـنـوعـة لا عـلاقـة لـلـواحـدة مـنـهـا بـالأخـرى وشـرحـت في بـعـض الأحـيـان بـصـورة غـريـبـة. وأكـمـلـت صـورالأمـيـر زوج الـمـلـكـة و دزرائـيـلي ويـنـابـيـع الـمـيـاه الـحـارّة في الـنّـرويـج  ومـتـزلـجـيـن عـلى الـجـلـيـد في سـويـسـرة هـذه الـلـمـحـات الـغـريـبـة لـمـشـاهـد قـديـمـة أكـل الـدّهـر عـلـيـهـا وشـرب.

وأنـهى الـرّجـل عـرضـه بـهـذه الـكـلـمـات : “وهـكـذا قـدّمـنـا لـكـم عـجـائـب الـمـاضي وغـرائـبـه مـن بـلـدان بـعـيـدة وأمـاكـن قـاصـيـة. ولـيـنـاسـب كـرمـكـم انـبـهـاركـم بـمـا رأيـتـم، فـكـلّ مـا رأيـتـمـوه مـوجـود حـقـيـقـة”. إنـتـهى الـعـرض وابـتـسـمـت فـيـكـتـوريـا بـبـهـجـة وقـالـت : ” كـان هـذ عـجـيـبـاً حـقّـاً. مـا كـنـت أتـصـور حـتّى وجـوده”. وكـان صـاحـبـا هـذه الـسّـيـنـمـا الـمـتـنـقّـلـة يـبـتـسـمـان بـافـتـخـار. ونـهـضـت فـيـكـتـوريـا مـن الـمـصـطـبـة مـلـقـيـة عـلى الأرض بـريـشـارد الّـذي كـان جـالـسـاً عـلى طـرفـهـا الـمـقـابـل. واعـتـذرت مـنـه فـيـكـتـوريـا  رغـم أنّـهـا تـسـلّـت بـسـقـوطـه. وبـعـد أن دفـع ريـشـارد مـبـلـغـاً مـن الـمـال لـرجـلي الـسّـيـنـمـا ودّع الـجـمـع بـعـضـهـم الـبـعـض بـتـعـابـيـر ودّيـة وتـمـنـيـات بـالـصّـحـة والـسّـلامـة والـدّعـاء لـهـم بـبـركـة الله وحـفـظـه. وتـفـرّق الـشّـمـل، فـتـوجـه ريـشـارد وفـيـكـتـوريـا نـحـو الـسّـيّـارة بـيـنـمـا أكـمـل الـرّجـلان طـريـقـهـمـا خـلال الـبـاديـة. وسـألـت فـيـكـتـوريـا : “إلى أيـن يـذهـبـان؟” وأجـاب ريـشـارد : “يـكـمـلان سـفـرهـمـا في أرجـاء الـبـلاد. إلـتـقـيـت بـهـمـأ أوّل مـرّة في الأردن، وكـانـا مـتّـجـهـيـن مـن الـبـحـر الـمـيّـت إلى عـمّـان. وهـمـا يـذهـبـان الآن إلى كـربـلاء، يـسـلـكـان طـرقـاً لا يـرتـادهـا إلّا قـلّـة مـن الـنّـاس لـيـعـرضـا صـورهـمـا في الـقـرى الـمـنـعـزلـة”. وقـالـت فـيـكـتـوريـا: ” ربّـمـا سـتـتـوقـف سـيّـارة في الـطّـريـق لـيـركـبـا فـيـهـا”. وضـحـك ريـشـارد : ” وربّـمـا لـن يـقـبـلا الـرّكـوب فـيـهـا. وقـد أوقـفـت سـيّـارتي مـرةً لأُركِـب رجـلاً عـجـوزاً كـان يـسـيـر مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد. وسـألـتـه كـم كـان يـتـوقـع أن يـدوم سـيّـره حـتّى يـصـل، فـأجـابـني : حـوالي شـهـريـن. ورجـوتـه أن يـركـب ووعـدتـه أنّـه سـيـصـل إلى بـغـداد في الـمـسـاء، ولـكّـنـه شـكـرني رافـضـاً. شـهـران عـلى الـطّـريـق هـو كـلّ مـا كـان يـنـاسـب وقـع قـدمـيـه، والـزّمـن لا يـعـني شـيـئـاً هـنـا. وعـنـدمـا تـدخـل هـذه الـفـكـرة في ذهـن الإنـسـان يـجـد سـعـادة غـريـبـة في الـتّـمـتـع بـهـا”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : “نـعـم، يـمـكـنـني أن أفـهـم هـذا”. وقـال ريـشـارد : “الـعـرب لا يـفـهـمـون قـلّـة صـبـر الـغـربـيـيـن واسـتـعـجـالـهـم لإنـهـاء مـا يـقـومـون بـه، ويـعـتـبـرون أنّ عـادتـنـا في الـتّـوصـل حـالاً إلى جـوهـر الـمـوضـوع خـلال الـحـديـث مـعـهـم  يـنـقـصـهـا الأدب. فـيـنـبـغي أن يـجـلـس الـمـرء ويـثـرثـر لـمـدة سـاعـة [قـبـل أن يـصـل إلى هـدفـه] أو حـتّى أن يـجـلـس ولا يـفـتـح فـمـه”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : سـيـكـون هـذا غـريـبـاً لـو فـعـلـنـاه في مـكـتـب في لـنـدن. فـيـه مـضـيـعـة لـلـوقـت”. قـال ريـشـارد : “نـعـم، ولـكـنّ هـذا يـرجـعـنـا إلى الـتّـسـاؤل : مـاهـو الـوقـت؟ ومـاذا يـعـني تـضـيـيـعـه؟”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  جـاءت الـتّـسـمـيـة مـن أنّ الإنـكـلـيـز يـتـهـمـون الـخـدم بـالـتّـجـسـس عـلى سـادتـهـم في الـدّور الّـتي يـعـمـلـون بـهـا، وبـأنّ رئـيـس الـخـدم كـان يـنـظـر مـن ثـقـوب أقـفـال الأبـواب لـكي يـعـرف مـا يـجـري