روايـة “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia ” لأجـاثـا كـريـسـتي.

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

murder 2

تـكـلّـمـنـا في مقال سـابـق : “أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق” (في أرشـيـفـات يـونـيـو 2015) عـن حـيـاة الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie، وذكـرنـا كـيـف وصـلـت إلى الـعـراق وزارت مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في أور، ثـمّ كـيـف تـزوّجـت بـعـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان M. MALLOWAN وسـاعـدتـه في عـدد مـن الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا في نـيـنـوى ونـمـرود.

ونـخـصـص هـذا الـمـقـال لأولى روايـاتـهـا الـبـولـيـسـيـة الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق وتـتـكـلّـم فـيـهـا عـن تـجـربـتـهـا الـعـراقـيـة.

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في أربـعـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia” الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان: “جـريـمـة في الـعـراق”(1)، و« They Came to Baghdad » الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان : “مـوعـد في بـغـداد” و “لـقـاء في بـغـداد”.

وفي كـتـابَـيـن تـسـرد فـيـهـمـا ذكـريـاتـهـا : “تـعـال اخـبـرني كـيـف تـعـيـش « Come, Tell Me How You Live الّـذي صـدر في 1946. والـعـنـوان مـقـتـبـس مـن نـصّ لـويـس كـارول “مـن خـلال الـمـرآة”. وسـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : « An Autobiography » الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، أي بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976. وهي تـذكّـر أنّـهـا بـدأت الـكـتـاب في 2 نـيـسـان 1950 في دار بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود، وأنـهـتـه في إنـكـلـتـرة في 11 تـشـريـن الأوّل 1965. وقـد اسـتـعـمـلـت في كـتـابـتـه صـفـحـات مـن يـومـيـات ومـلاحـظـات كـانـت قـد كـتـبـتـهـا خـلال سـنـوات حـيـاتـهـا.

Murder in Mesopotamia :

murder 3

نـشـرت الـرّوايـة الـبـولـيـسـيـة الأولى الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق تـحـت عـنـوان : Murder in Mesopotamia  في 1936 (1) ، أي بـعـد سـبـع سـنـوات مـن زيـارتـهـا لـتـنـقـيـبـات مـقـبـرة أور الـمـلـكـيـة الّـتي الـتـقـت خـلالـهـا بـزوجـهـا الـثّـاني، عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان. كـمـا كـانـت أجـاثـا كـريـسـتي قـد صـاحـبـت زوجـهـا مـالـوان في تـنـقـيـبـات نـيـنـوى مـن مـوسـم 1931/ 1932 إلى 1934. وقـد اسـتـعـمـلـت في كـثـيـر مـن تـفـاصـيـلـهـا تـجـربـتـهـا الّـتي عـاشـتـهـا في الـتّـنـقـيـبـات.

murder 1

وهـدفـنـا في هـذا الـمـقـال لـيـس تـلـخـيـص الـرّوايـة تـلـخـيـصـاً دقـيـقـاً أو كـتـابـة نـقـد أدبي لـنـصّـهـا، فهي تـنـتـمي إلى نـوع مـن الـنّـصـوص الـمـشـوقـة الـحـبـكـة الـسّـهـلـة الـقـراءة الـمـوجـهـة لـلـجـمـهـور الـواسـع. وإنّـمـا هـدفـنـا أن نـتـابـع وصـفـهـا لـلـعـراق والـعـراقـيـيـن والـصّـور الّـتي تـظـهـرهـا عـنـهـم. ولا شـكّ في أنّ كـتـابـات أجـاثـا كـريـسـتي شـاركـت في تـرسـيـخ بـعـض “الـكـلـيـشـيـهـات” عـنّـا في أذهـان الـغـربـيـيـن لـسـبـبـيـن : لأنّ هـذه الـصّـور تـتـسـلـل إلى الـمـخـيـلـة بـصـورة لا إراديـة مـن خـلال مـتـابـعـة الأحـداث الـمـشّـوقـة، ولأنّ هـذه الـكـتـب نـشـرت ومـا زالـت تـنـشـر بـطـبـعـات مـتـنـوعـة وبـلـغـات مـخـتـلـفـة وبـأعـداد هـائـلـة مـن الـنّـسـخ. فـتـأثـيـرهـا يـتـجـاوز بـمـئـات الـمـرّات تـأثـيـر الـدّراسـات الـرّصـيـنـة الّـتي يـؤلـفـهـا بـاحـثـون تـصـعـب قـراءتـهـم.

murder 5

وأوّل مـا نـلاحـظـه عـنـد قـراءة هـذه الـرّوايـة هـو أنّـهـا لـم تـسـتـعـمـل اسـم الـعـراق Iraq في الـعـنـوان رغـم تـكـويـن مـمـلـكـة الـعـراق في 1921 والّـتي جـمـعـت الـولايـات الـعـثـمـانـيـة الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، ورغـم دخـول الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في “عـصـبـة الأمـم” كـدولـة مـسـتـقـلّـة في 1932. ويـمـكـنـنـا أن نـعـزي اسـتـعـمـالـهـا لاسـم Mesopotamia الّـذي جـاء مـن الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) والّـذي يـعـني : “مـا بـيـن الـنّـهـريـن” لـسـبـبـيـن : أوّلـهـمـا أنّ الأوربـيـيـن اسـتـعـمـلـوه خـلال قـرون طـويـلـة لـلـدّلالـة عـلى بـلاد مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات، وهـو الاسـم الّـذي اسـتـعـمـلـه الـرّحّـالـة وعـلـمـاء الآثـار، ولـهـذا يـدلّ حـالاً في أذهـان الـقـراء عـلى جـو الـرّوايـة الّـتي تـجـري أحـداثـهـا في مـوقـع تـنـقـيـبـات أثـريـة. وثـانـيـهـمـا أنّ الإسـم لـم يـعـد يـسـتـعـمـل عـلى الـخـرائـط الـجـغـرافـيـة واكـتـسى نـوعـاً مـن الـغـمـوض والإبـهـام عـنـد الـنّـاس، فـهـم سـمـعـوا بـه ولـكـنّـهـم لا يـسـتـطـيـعـون تـحـديـد مـكـانـه بـالـضـبـط، وهـذا مـا يـنـاسـب تـمـامـاً مـشـروع روايـة بـولـيـسـيـة تـجـري أحـداثـهـا الـخـيـالـيـة في مـكـان يـبـعـد الـقـارئ عـن هـمـوم حـيـاتـه الـيـومـيـة. والـمـلاحـظـة الـثّـانـيـة هي غـيـاب الـعـراقـيـيـن في هـذه الـرّوايـة، فـمـاعـدا إشـارات نـادرة إلى بـغـداد ودجـلـة وعـمـال الـمـوقـع ، كـان يـمـكـن لـلـكـاتـبـة أن تـضـع أحـداثـهـا في أي مـكـان كـان مـن الـعـالـم.

والـقـصّـة تـرويـهـا Amy Leatheran ، وهي في الـرّوايـة مـمـرضـة جـاءت إلى بـغـداد تـصـاحـب امـراة إنـكـلـيـزيـة. ولـكـنّـهـا، بـعـد انـتـهـاء مـهـمـتـهـا، قـبـلـت أن تـعـتـني بـانـكـلـيـزيـة أخـرى، لـويـز زوجـة عـالـم الآثـار الـسّـويـدي الـدّكـتـور إريـك لايـنـدر Erich Leinder. وسـأتـرجـم الـمـقـاطـع الّـتي تـهـمـنـا في هـذا الـمـقـال مـبـاشـرة مـن الـنّـص الإنـكـلـيـزي. وسـيـبـدأ كـلّ اسـتـشـهـاد مـأخـوذ مـن الـرّوايـة بـمـعـقـوفـتـيـن (“) وسـيـنـتـهي بـمـعـقـوفـتـيـن (“).

ونـجـد الـرّاويـة (الـمـمـرضـة) في الـفـصّـل الأوّل جـالـسـة في صـالـة فـنـدق Tigris Palace Hotel تـنهى رسـالـة لأحـدى صـديـقـاتـهـا في لـنـدن كـتـبـت فـيـهـا : “لا يـمـكـنـك أن تـتـصـوّري الـوسـاخـة dirt والـفـوضى mess في بـغـداد ــ وهي لـيـسـت رومـانـسـيـة إطـلاقـاً كـمـا يـمـكـنـك أن تـتـخـيّـلـيـهـا مـن قـراءة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة !”، و “الـمـديـنـة قـبـيـحـة ولـيـس فـيـهـا مـخـازن تـسـتـحـق هـذا الإسـم”. “وقـد اصـطـحـبـني الـمـاجـور كـيـلـسي إلى الأسـواق. وطـبـعـاً لا يـمـكـنـنـا أن نـنـكـر أنّ فـيـهـا شـيـئـاً مـن الـطّـرافـة، وإن كـانـت سـلـعـهـا تـبـدو نـفـايـات ـ وطـرق الـصّـفـافـيـر عـلى الـصّـحـون يـوجـع الـرّأس ويـثـيـر الـصّـداع …”.

ثـمّ نـفـهـم أنّ عـالـم الآثـار الـسّـويـدي الّـذي سـتـعـتـني الـمـمـرضـة بـزوجـتـه جـاء لـلإشـراف عـلى تـنـقـيـبـات أثـريـة تـقـوم بـهـا بـعـثـة مـن جـامـعـة بـتـسـتـاون University of Pittstown Expedition. وأنّ هـذه الـتّـنـقـيـبـات تـجـري في مـوقـع مـديـنـة آشـوريـة كـبـيـرة “مـثـل نـيـنـوى شـيـئـاً مـا “، إسـمـه تـل يـاريـمـجـه Tell Yarimjah، قـرب مـديـنـة اسـمـهـا الـحـسـنـيـة Hassanieh ، تـقـع عـلى مـسـافـة مـسـيـرة يـوم ونـصـف مـن بـغـداد.

وتـركـب الـمـمـرضـة آمي لـذرن الـقـطـار في بـغـداد لـتـصـل في صـبـاح الـيـوم الـتّـالي إلى كـركـوك. وكـان في اسـتـقـبـالـهـا أحـد أعـضـاء الـبـعـثـة. وبـعـد أن عـبـروا الـنّـهـر عـلى عـبّـارة، سـارت بـهـم الـسّـيّـارة أربـع سـاعـات قـبـل أن يـصـلـوا إلى الـحـسـنـيـة. ولـم تـذكـر الـكـاتـبـة في أي اتـجـاه سـاروا. الـمـهـم هـو أنّ الـمـمـرضـة فـوجـئـت بـأنّ الـحـسـنـيـة كـانـت مـديـنـة كـبـيـرة “تـبـدو شـديـدة الـجـمـال قـبـل أن نـعـبـر إلـيـهـا مـن الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـنّـهـر، تـنـتـصـب بـيـضـاء سـاحـرة بـمـنـاراتـهـا. ولـكـنـهـا كـانـت مـخـتـلـفـة، عـنـدمـا عـبـرنـا الـجـسـر ودخـلـنـاهـا. روائـح لا تـطـاق وكـلّ الأبـنـيـة مـهـدمـة ومـتـسـاقـطـة ووحـول وفـوضى في كـلّ مـكـان”.

ونـجـد كـلـمـة “وسـخـة ” مـن جـديـد : “هـنـاك أمـاكـن فـاتـنـة picturesque فـيـهـا … ولـكـنّـهـا غـايـة في الـوسـاخـة”.

وقـد عـرفـت الـمـمـرضـة بـعـد أن الـتـقـت بـلـويـز أنّـهـا تـزوّجـت بـالـدّكـتـور لايـنـدر مـنـذ عـامـيـن فـقـط . وكـانـت قـد تـزوجـت قـبـل 15 سـنـة (أي خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى) بـألـمـاني كـان يـعـمـل لـحـسـاب الأمـريـكـان، ولـكـنّـه كـان في الـحـقـيـقـة جـاسـوسـاً لـحـسـاب ألـمـانـيـا. ولـم يـدم زواجـهـمـا طـويـلاً فـقـد ألـقي الـقـبـض عـلى زوجـهـا وحـكـم عـلـيـه بـالإعـدام، ولـكـنّـه فـلـح في الـهـرب خـلال حـادث اصـطـدام الـقـطـار الّـذي كـان يـنـقـلـه، بـيـنـمـا اعـتـقـد الـمـحـقـقـون أنّـه قـتـل في الـحـادث.

وخـرجـت الـمـمـرضـة لـتـرى الـمـكـان : “كـانـت أمـسـيـة عـذبـة. وكـان الـطّـريـق يـمـرّ بـيـن حـقـول الـشّـعـيـر ثـمّ وسـط أشـجـار فـواكـه أزهـرت، قـبـل أن يـوصـلـنـا إلى ضـفـة دجـلـة. وكـان عـلى يـسـارنـا الـتّـلّ بـعـمـالـه الّـذيـن كـانـوا يـتـرنّـمـون بـغـنـاء غـريـب رتـيـب (لا ارتـفـاع في أنـغـامـه ولا انـخـفـاض). وعـلى يـمـيـنـنـا نـاعـورة واسـعـة تـرسـل أنـيـنـاً غـريـبـاً أثـار أعـصـابي في الـبـدايـة، ولـكـنـني تـعـوّدت عـلـيـهـا حـتّى أحـبـبـتـهـا وأصـبـح لـهـا شـئ مـن الـتّـأثـيـر الـغـريـب الـمـهـدئ لي. ووراء مـكـان الـنّـاعـورة تـمـتـدّ الـقـريـة الّـتي يـأتي مـنـهـا الـعـمـال.

قـالـت مـسـز لايـنـدر: هـو مـكـان جـمـيـل، ألـيـس كـذلـك ؟

أجـبـتـهـا : هـو مـكـان هـدوء وطـمـأنـيـنـة، ولـكـنّـه يـبـدو غـريـبـاً لي أن يـكـون عـلى هـذا الـبـعـد، مـنـعـزلاً عـن كـلّ شئ”.

ونـلاحـظ أنّ الـكـاتـبـة اسـتـعـمـلـت كـلـمـة غـريـب queer ثـلاث مـرّات في هـذا الـمـقـطـع الـقـصـيـر.

وتـعـود كـلـمـة غـريـب في مـقـطـع آخـر :”كـان عـبـد الله، الـصّـبي الـصّـغـيـر الّـذي عـهـد إلـيـه بـغـسـل قـطـع الـفـخـاريـات، جـالـسـاً كـعـادتـه في وسـط الـحـوش، وكـان كـعـادتـه أيـضـاً يـخـنّ بـغـنـائـه الـغـريـب”. وهـذا يـعـني أنّ الـرّاويـة (أو الـكـاتـبـة ) كـانـت تـسـمـع الأصـوات تـخـرج مـن أنـوف الـنّـاس لا مـن أفـواهـهـم !

والـمـرّة الـوحـيـدة الّـتي وصـفـت فـيـهـا الـكـاتـبـة “عـراقـيـاً” كـانـت عـنـدمـا تـكـلّـمـت عـن عـلي يـوسـف، الّـذي عـرفـنـا في نـهـايـة الـرّوايـة أنّـه كـان “نـصـف تـركي”. فـقـد كـان هـنـاك اخـتـلاف بـيـن وصـف الأب لافـيـني، أحـد الـمـشـاركـيـن في الـتّـنـقـيـبـات، لـه ووصـف الـمـمـرضـة. فـعـنـدمـا وصـفـه الأب بـأنّـه fair أي وسـيـم أو فـاتـح الـبـشـرة، فـهـو يـعـلـل ذلـك :”أقـصـد أنّـه وسـيـم (فـاتـح الـلـون) كـعـراقي، وأعـتـقـد أنّ الـمـمـرضـة سـتـصـفـه بـالـغـامـق”. وحـقـاً وصـفـتـه الـمـمـرضـة بـأنّ ” لـونـه أصـفـر غـامـق وسـخ” !

وقـلـيـلاً مـا تـكـلّـمـت راويـة الـقـصّـة (الـمـمـرضـة) عـن الـعـلاقـات بـيـن الـمـنـقـبـيـن وأهـل الـبـلـد أي عـمـال الـحـفـريـات والـخـدم ، فـلـم يـكـن في الـمـوقـع عـلـمـاء آثـار عـراقـيـيـن.

وهـنّـا أذكّـر الـقـارئ إلى أنّ أوّل عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أكـمـلـوا دراسـتـهـم في الـخـارج لـم يـعـودوا إلى بـغـداد قـبـل 1938 مـثـل طـه بـاقـر وفـؤاد سـفـر، ولـم يـبـدأوا بـالـمـشـاركـة في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة إلّا بـعـد ذلـك بـسـنـوات. وقـد كـانـت الـمـواقـع الأثـريـة في الـعـراق في زمـن كـتـابـة أجـاثـا كـريـسـتي لـهـذه الـرّوايـة مـيـدانـاً مـخـصـصـاً لـلـعـلـمـاء الأوربـيـيـن والأمـريـكـان.

وكـان الـحـديـث بـيـن الأجـانـب وأهـل الـبـلـد لا يـتـعـدى بـعـض الـكـلـمـات أو الـجـمـل الـبـسـيـطـة. فـطـبـيـب الـبـعـثـة في الـرّوايـة، وهـو يـتـكـلّـم “الـعـربـيـة”، يـقـول لـلـمـمـرضـة في مـقـطـع مـن الـنّـص :

ــ : “سـيـجـلـب لـك الـصّـبـيـان boys الـمـاء الـسّـاخـن قـبـل الـغـداء والـعـشـاء، وفي الـصّـبـاح طـبـعـاً. وإذا احـتـجـت إلى قـلـيـل مـنـه في أي وقـت كـان فـمـا عـلـيـك إلّا أن تـخـرجي إلى الـحـوش وتـصـفـقي يـديـك. وعـنـدمـا يـأتي الـصّـبـيـان قـولي لـهـم : جـيـب مـاي حـار jib mai’ har ، هـل تـعـتـقـديـن أنّـك سـتـتـذكـريـن الـجـمـلـة؟” وقـلـت لـه إنـني أعـتـقـد ذلـك، وأعـدت الـجـمـلـة بـتـعـثـر وتـردد.

ــ : ” حـسـنـاً، قـولـيـهـا بـثـقـة وصـيـحي بـهـم، فـالـعـرب لا يـفـهـمـون شـيـئـاً تـقـولـيـنـه بـطـريـقـة كـلام الإنـكـلـيـز الـعـاديـة”.

كـمـا تـتـكـلّـم الـكـاتـبـة عـن طـريـقـة عـمـل مـسـتـر كـولـيـمـان في مـوقـع الـحـفـريـات : يـقـف بـيـن الـعـمـال ويـصـيـح بـهـم : “يـا الله Y’Allah’”.

وتـذكـر الـكـاتـبـة الـفـرق بـيـن الـعـربـيـة الـفـصـحى وبـيـن الـعـامـيـة عـلى لـسـان أحـد أشـخـاص الـرّوايـة، الأب لافـيـني : “أتـدري أنـني خـجـلان مـن نـفـسي. درسـت الـلـغـات الـشّـرقـيـة ولا يـفـهـم أحـد مـن الـعـمـال مـا أقـول! هـذا مـخـزٍ لي، ألا تـعـتـقـد ذلـك ؟ وقـد حـاولـت أن أتـحـدّث بـعـربـيـتي مـع هـذا الـرّجـل، وهـو مـن سـكّـان الـمـدن لأرى هـل يـفـهـمـني، ولـكـن بـدون نـتـيـجـة. قـال لي الـدّكـتـور لايـنـدر إنّ لـغـتي الـعـربـيـة شـديـدة الـفـصـاحـة عـلـيـهـم”.

وبـعـد أسـبـوع مـن وصـول الـمـمـرضـة وجـد الـدّكـتـور لايـنـدر زوجـتـه مـيّـتـة في غـرفـتـهـا. وكـانـت قـد ضـربـت مـواجـهـةً بـشئ أمـلـس ثـقـيـل، ولـم يـكـن في الـغـرفـة أثـر لـهـذا “الـسّـلاح”. وجـاء الـكـابـتـن مـيـتـلانـد لـيـحـقـق في الـقـضـيـة، بـيـنـمـا فـحـص الـطـبـيـب الـدّكـتـور رايـلي Dr. Reilly  الـجـثـمـان.

ثـمّ سـمـع الـطّـبـيـب بـأنّ صـديـقـه الـمـحـقـق الـبـلـجـيـكي هـرقـل بـواروت (الّـذي يـتـدخـل في كـثـيـر مـن روايـات أجـاثـا كـريـسـتي لـيـجـد الـحـلـول لأغـرب الـجـرائـم وأكـثـرهـا غـمـوضـاً وإبـهـامـاً) كـان في جـولـة في الـعـراق. واتـصـل بـه لـيـأتي إلى مـوقـع الـجـريـمـة.

وقـد اقـتـنـع الـجـمـيـع بـأنّ الـقـاتـل كـان واحـداً مـنـهـم، لأنّ أحـداً لـم يـرغـريـبـاً يـقـتـرب مـن الـمـوقـع عـنـدمـا حـدثـت الـجـريـمـة. وكـان الـمـدخـل الـوحـيـد لـلـغـرفـة مـن حـوش الـدّار فـالـشّـبـاك عـلـيـه قـضـبـان حـديـديـة. وعـنـدمـا وصـل الـمـحـقـق بـواروت بـدأ اسـتـجـواب الـكـلّ. وأخـبـرتـه الـمـمـرضـة بـقـصّـة زواج لـويـزلايـنـدر الأوّل

وبـعـد دفـن جـثـمـان لـويـز لايـنـدر، صـعـدت الـمـمـرضـة إلى الـسّـطـح، و وجـدت مـس جـونـسـون، عـالـمـة الآثـار ومـسـاعـدة الـدّكـتـور لايـنـدر في الـتّـنـقـيـبـات، الّـتي أخـبـرتـهـا أنّـهـا وجـدت كـيـف يـمـكـن لأحـد دخـول الـدّار مـن غـيـر أن يُـلاحـظ، ولـكـنـهـا لـم تـشـرحـه لـهـا، وفي تـلـك الـلـيـلـة سُـمـمـت مـس جـونـسـون، واسـتـطـاعـت أن تـلـفـظ فـقـط : “الـنّـافـذة ! الـنّـافـذة !” قـبـل أن تـمـوت بـيـن يـدي الـمـمـرضـة.

وبـعـد أن اسـتـجـوب الـمـخـبـر هـرقـل بـواروت كـلّ واحـد مـن الـحـاضـريـن وحـلـل شـخـصـيـتـه، وبـعـد أن بـعـث بـبـرقـيـات إلى كـلّ أنـحـاء الـعـالـم لـيـتـأكـد مـن بـعـض الـمـعـلـومـات، وبـعـد أن رسـم مـخـطـطـاً لـدار الـتّـنـقـيـبـات يـظـهـر حـجـرهـا وغـرفـهـا ومـداخـلـهـا ومـخـارجـهـا جـمـعـهـم كـلّـهـم في الـيـوم الـتّـالي لـيـخـبـرهـم بـالـحـلّ الّـذي وجـده، وبـدأ حـديـثـه بـالـبـسـمـلـة : “بـسـم الله الـرّحـمـن الـرّحـيـم Bismillahi ar rahman ar rahim. هـذا هـو الـتـعـبـيـر الـعـربي الّـذي يـسـتـعـمـلـه الـمـرء عـنـدمـا يـشـرع في الـسّـفـر. ونـحـن أيـضـاً نـبـدأ بـرحـلـة. رحـلـة إلى الـمـاضي. رحـلـة إلى مـنـاطـق غـريـبـة مـن الـنّـفـس الإنـسـانـيـة”. وكـانـت نـتـيـجـة هـذا الـتّـعـمـق في الـنّـفـس الـبـشـريـة أنّـه وجـد أنّ لـويـز لايـنـدر ومـس جـونـسـن قـتـلـهـمـا الـدّكـتـور لايـنـدر، الّـذي هـو في الـحـقـيـقـة زوج لـويـز الأوّل الألـمـاني، والّـذي لـم يـقـتـل في حـادث اصـطـدام الـقـطـار. وقـد وجـد بـيـن الـضّـحـايـا جـثـمـان عـالـم آثـار سـويـدي Erich Leinder ، وأخـذ بـطـاقـة هـويـتـه. وبـعـد أن مـرّت 15 سـنـة، إدّعى أنّـه عـالـم الآثـار وتـزوّج مـن جـديـد بـزوجـتـه الأولى الّـتي لـم تـتـعـرف عـلـيـه، ولـكـنـه اكـتـشـف أنّـهـا تـحـبّ زمـيـلـه كـاري، فـقـررقـتـلـهـا. ثـمّ شـرح الـمـخـبـر هـرقـل بـواروت كـيـف اسـتـطـاع الـقـاتـل قـتـل زوجـتـه : فـفي عـصـريـة بـقـيـت فـيـهـا زوجـتـه في الـغـرفـة صـعـد هـو إلى الـسّـطـح لـيـصـنـف قـطـعـاً فـخـاريـة وجـدت في الـتّـنـقـيـبـات، وأنـزل أمـام شـبـاك غـرفـتـهـا قـنـاعـاً فـخـاريـاً رأتـه فـاقـتـربـت مـن الـنّـافـذة حـتّى وضـعـت رأسـهـا بـيـن الـقـضـبـان لـتـرى مـن أنـزلـه، وعـنـدهـا ضـربـهـا بـالـنـصـف الـعـلـوي مـن رحـاة حـجـريـة (2) كـان قـد ربـطـهـا مـن الـثّـقـب الّـذي في وسـطـهـا بـحـبـل، وقـد رمـاهـا عـنـف الـضـربـة إلى الـوراء واسـتـطـاعـت أن تـنـادي الـمـمـرضـة الّـتي ركـضـت نـحـوهـا قـبـل أن تـسـقـط مـيّـتـة بـيـن يـديـهـا ! أمّـا مـس جـونـسـون فـقـد غـيّـر الـقـاتـل الـمـاء في كـأسـهـا بـحـامـض الـهـيـدروكـلـوريـك الّـذي قـتـلـهـا بـعـد أن شـربـتـه.

وقـد حـلّ الـمـخـبـر بـواروت لـغـزاً آخـر حـدث في مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات، فـقـد وجـد الـمـنـقـبـون رجـلاً انـسـلّ إلى الـغـرفـة الّـتي تـحـفـظ فـيـهـا الـقـطـع الأثـريـة. وقـد تـعـرّف فـيـه عـلى عـلي يـوسـف الّـذي يـعـمـل مـع راؤول مـنـيـيـه، سـارق الآثـار ومـهـربـهـا. وقـد اكـتـشـف أنّ مـنـيـيـه كـان قـد انـضـمّ إلى فـريـق الـتّـنـقـيـبـات مـتـنـكّـراً تـحـت هـويـة كـاذبـة، فـقـد ادّعى أنّـه الأب لافـني، الـمـخـتـص بـقـراءة الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة الـمـعـروف. وهـكـذا اسـتـطـاع أن يـسـرق كـثـيـراً مـمـا وجـد في الـتّـنـقـيـبـات وأبـدلـهـا بـنـسـخ مـزيـفـة.

وقـد أوقـفـت الـشّـرطـة الـمـهـربـيـن في بـيـروت، قـبـل أن يـركـبـا في بـاخـرة مـتـجـهـة إلى أوربـا.

وبـعـد أن أكـمـلـت الـمـمـرضـة سـرد الـقـصـة بـأكـمـلـهـا تـسـاءلـت : “كـيـف يـمـكـنـني أن أنـهي حـكـايـتي؟ يـا لـيـتـني اسـتـطـعـت أن أجـد تـعـبـيـراً مـنـاسـبـاً لـذلـك. عـليّ أن أسـأل الـدكـتـور رايـلي عـن تـعـبـيـر بـالـعـربـيـة. مـثـل ذاك الّـذي اسـتـعـمـلـه مـسـتـر بـواروت : بـسـم الله الـرّحـمـن الـرّحـيـم In the name of Allah, the Merciful, the Compassionate…. شـئ مـن هـذا الـقـبـيـل”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تـرجـمـت الـرّوايـة إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان “جـريـمـة في الـعـراق”، دار الـكـتـب لـلـطّـبـاعـة والـنّـشـر والـتّـوزيـع 1973 ( 237 ص.)، وأعـيـد طـبـعـهـا في الـقـاهـرة، الـمـكـتـبـة الـثّـقـافـيـة 1997. ولأني لـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى الـتّـرجـمـة فـقـد تـرجـمـت الـمـقـاطـع الّـتي اسـتـشـهـدت بـهـا مـن الأصـل الإنـكـلـيـزي مـبـاشـرة.

(2) لا شـكّ في أنّ بـعـض قـرائي لـم يـروا رحـاة حـجـريـة. وكـانـت هـذه الـرّحـاة تـتـكـوّن مـن جـزئـيـن : قـاعـدة دائـريـة ثـبّـت في وسـطـهـا وتـد مـن الـخـشـب، وقـرص مـن الـحـجـر مـثـقـوب الـوسـط لـيـدخـل فـيـهـا وتـد الـجـزء الـسّـفـلى، وتـديـر الـمـرأة الـجـزء الـعـلـوي عـلى الـجـزء الاسـفـل لـتـطـحـن الـحـبـوب.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

ag. 3

رغـم قـلّـة شـغـف قـرّاء الـلـغـة الـعـربـيـة بـالـرّوايـات الـبـولـيـسـيـة كـنـوع أدبي، وهـو مـا تـعـجّ بـه الـمـكـتـبـات (مـحـلّات بـيـع الـكـتـب والـمـكـتـبـات الـخـاصـة والـعـامـة) في الأنـحـاء الأخـرى مـن الـعـالـم، فـإنّ الـقـارئ الـعـربي عـامـة يـعـرف أجـاثـا كـريـسـتي. وربّـمـا قـرأ لـهـا روايـة بـولـيـسـيـة أو روايـتـيـن.

فـمـن كـانـت هـذه الـكـاتـبـة الـشّـديـدة الـشّـهـرة الّـتي بـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة )؟

ولـدت Agatha Mary Clariss في 1890، في عـائـلـة بـريـطـانـيـة مـيـسـورة الـحـال مـن الـطّـبـقـة الـوسـطى. قـد رفـضـت أمّـهـا أن تـدخـلـهـا في مـدرسـة، وفـضّـلـت أن تـتـولى تـعـلـيـمـهـا في الـدّار، مـمـا تـرك لـلـطّـفـلـة الـصّـغـيـرة وقـتـاً لـتـنـمـيـة حـبّـهـا لـلـقـراءة وحـبّـهـا لـلـحـيـوانـات بـدلاً مـن الـلـعـب مـع الأطـفـال الآخـريـن. وعـنـدمـا بـلـغـت سـن الـحـاديـة عـشـرة تـوفي والـدهـا. وقـد ذكـرت بـعـد ذلـك أنّ طـفـولـتـهـا انـتـهـت بـوفـاة والـدهـا. وسـاءت حـالـة الـعـائـلـة الـمـاديـة. ودخـلـت أجـاثـا في الـعـام الـتّـالي مـدرسـة لأوّل مـرّة في حـيـاتـهـا، ولـكـنّـهـا وجـدت الـنّـظـام الّـذي لـم تـكـن قـد تـعـودت عـلـيـه صـعـبـاً. وقـد أرسـلـت في سـن الـخـامـسـة عـشـرة إلى بـاريـس، في فـرنـسـا، وغـيّـرت الـمـدرسـة الـدّاخـلـيـة ثـلاث مـرّات قـبـل أن تـنـهي دراسـتـهـا وتـعـود إلى إنـكـلـتـرة في 1910، وكـانـت في الـعـشـريـن مـن عـمـرهـا.

وقـد اكـتـشـفـت عـنـد عـودتـهـا إلى إنـكـلـتـرة أنّ أمّـهـا كـانـت مـريـضـة وأنّ الأطـبّـاء نـصـحـوهـا بـتـغـيـيـرالـجـو والـذّهـاب إلى بـلـد طـقـسـه جـاف وحـار. وكـانـت مـصـر أنـذاك وجـهـة الـبـريـطـانـيـيـن الـمـفـضّـلـة، فـصـاحـبـت أجـاثـا أمّـهـا إلى الـقـاهـرة. وقـد اغـتـنـمـت الـفـرصـة لـزيـارة الـمـعـالـم الـفـرعـونـيـة، ومـع ذلـك لـم يـظـهـر شـغـفـهـا بـمـصـر الـقـديـمـة إلّا بـعـد ذلـك بـسـنـوات طـويـلـة، في آخـر فـتـرة مـن حـيـاتـهـا.

وفي 1912، إلـتـقـت أجـاثـا بـأرشـيـبـولـد كـريـسـتي Archibald Christie . ثـمّ انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في 1914، وأرسـل Archibald لـلـقـتـال في فـرنـسـا، فـتـطـوعـت أجـاثـا لـلـخـدمـة في مـسـتـشـفى. وفي نـهـايـة عـام 1914، عـاد Archibald في إجـازة إلى لـنـدن وتـزوّجـا. وأخـذت أجـاثـا اسـم زوجـهـا وأصـبـحـت : أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie .

وبـعـد مـحـاولات فـاشـلـة لـنـشـر روايـة بـولـيـسـيـة، قـبـلـت دار نـشـر The Bodley Head في 1920 أن تـنـشـر لـهـا روايـتـهـا الأولى الّـتي اكـتـشـف فـيـهـا الـقـراء شـخـصـيـة الـمـحـقـق هـرقـل بـواروت. وكـان ذلـك بـدايـة شـهـرتـهـا الّـتي لـم تـتـوقـف بـعـد ذلـك. وقـد نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي حـتّى عـام وفـاتـهـا في 1976 : 79 روايـة بـولـيـسـيـة ومـجـمـوعـة قـصـصـيـة، و 19 مـسـرحـيـة أشـهـرهـا : مـصـيـدة الـفـئـران. كـمـا نـشـرت سـتّ روايـات تـحـت اسـم مـسـتـعـار: Mary Westmacott .

وبـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة). ومـاعـدا أعـمـالـهـا الـرّوائـيـة والـقـصـصـيـة والـمـسـرحـيـة، نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتـي أربـعـة كـتـب مـن بـيـنـهـا سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة An Autobiography الّـتي صـدرت في 1977، أي بـعـد عـام مـن وفـاتـهـا، وكـتـاب Come, Tell Me How You Live الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن عـدّة بـعـثـات تـنـقـيـب شـاركـت فـيـهـا مـع زوجـهـا الـثّـاني عـالـم الآثـارمـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN.

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق :

بـعـد أن طـلّـقـت Archibald في 1928، سـافـرت أجـاثـا كـريـسـتي إلى الـعـراق في 1929، وزارت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريّـة في أور والّـتي كـان يـشـرف عـلـيـهـا لـيـونارد وويـلي Leonard WOOLLEY . ورغـم أنّ وويـلي كـان يـرفـض دخـول الـسّـواح إلى الـمـوقـع، فـقـد قـبـل أن يـسـتـقـبـل أجـاثـا كـريـسـتي لأنّ زوجـتـه كـاثـريـن كـانـت مـن الـمـعـجـبـات بـروايـاتهـا. وفي الـعـام الـتّـالي 1930، بـعـثـت لـهـا كـاثـريـن بـدعـوة ثـانـيـة لـتـزور الـمـوقـع. وطـلـبـت مـن عـالـم الآثـار، الّـذي كـان في وقـتـهـا مـبـتـدءاً، مـاكـس مـالـوان Max MALLOWANأن يـكـون دلـيـلاً لـلـكـاتـبـة في زيـارتـهـا لـلـمـوقـع. وعـنـدمـا قـطـعـت أجـاثـا كـريـسـتي زيـارتـهـا لـتـعـود إلى إنـكـلـتـرة بـعـد أن جـاءهـا خـبـر مـرض ابـنـتـهـا، صـاحـبـهـا مـالـوان، ثـم عـاد إلى أور. وذهـب مـالـوان مـن جـديـد بـعـد عـدّة أشـهـر إلى إنـكـلـتـرة لـيـطـلـب مـن أجـاثـا أن تـتـزوّجـه، وقـبـلـت. وكـانـت أجـاثـا في الأربـعـيـن مـن عـمـرهـا.

ag. 5

وقـررمـالـوان أن يـتـرك الـتّـنـقـيـبـات في أور لـيـبـحـث عـن مـوقـع يـمـكـن لأجـاثـا أن تـصـاحـبـه فـيـه. وبـدءا في 1931/ 1932 مـوسـم تـنـقـيـبـاتـهـمـا الأوّل في نـيـنـوى، وقـد شـاركـت فـيـهـا أجـاثـا كـمـسـاعـدة تـنـظّـف الـقـطـع الأثـريـة وتـرمـمـهـا وتـصـنّـفـهـا، كـمـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـرعـلـيـهـا في الـمـوقـع. ثـمّ مـوّل الـمـتـحـف الـبـريـطـاني تـنـقـيـبـات في مـوقـع تـلّ عـربـجـيـة Tell Arpachiyah ، بـدأ مـالـوان بـالإشـراف عـلـيـهـا في ربـيـع 1933، وبـقـيـت أجـاثـا مـع زوجـهـا في نـيـنـوى إلى عـام 1934.

وفي 1947،عـيّـن مـالـوان مـديـراً لـلـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لآثـارالـعـراق British School of Archaeology in Iraq وأشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الّـتي نـظّـمـتـهـا الـمـدرسـة بـالإشـتـراك مـع الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في مـوقـع نـمـرود والّـتي اسـتـمـرت عـدّة مـواسـم مـن 1948/ 1949 وإلى 1958. وقـد وجـدت في هـذه الـحـمـلات مـنـحـوتـات عـاجـيـة (1)، ويـذكـر مـالـوان أنّ أجـاثـا هي الّـتي نـصـحـتـه أن يـخـرج هـذه الـقـطـع مـن مـخـابـئـهـا تـدريـجـيـاً حـتّى لا تـجـفّ في الـهـواء الـسّـاخـن وتـتـكـسـر.

ag. 1

وتـحـكي أجـاثـا كـريـسـتي في سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : An Autobiography  الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976، كـيـف كـانـت تـنـظّـف هـذه الـمـنـحـوتـات : “وقـد شـاركـت في تـنـظـيـف عـدد مـنـهـا. وكـانـت آلـتي الـمـفـضّـلـة عـود بـرتـقـالي الـلـون يـشـبـه إبـرة حـيـاكـة، كـان مـن أدوات طـبـيـب أسـنـان تـركـه ، أو بـالأحـرى أعـطـاه لي، وعـلـبـة مـن مـرهـم تـجـمـيـل لـلـوجـه. وكـان هـذا أفـضـل مـا وجـدتـه لإخـراج الـوسـاخـة الـمـتـراكـمـة في الـشّـقـوق مـن غـيـر أن أكـسّـر الـعـاج. وقـد اسـتـعـمـلـت كـمـيـات كـبـيـرة مـن هـذه الـدّهـون حـتّى لـم يـبـق في الـعـلـبـة، بـعـد أسـبـوعـيـن، مـا أدهـن بـه وجـهي الـمـسـكـيـن !” (2) كـمـا أنّـهـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـكـلّ الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في الـمـوقـع.

ag. 6

ag. 7

وتـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في ثـلاثـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”،الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان: “جـريـمـة في الـعـراق”، و« They Came to Baghdad » الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان : “مـوعـد في بـغـداد” و “لـقـاء في بـغـداد”.

وفي سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة الّـتي تـسـرد فـيـه ذكـريـاتـهـا : « An Autobiography » الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، أي بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976.

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن دارهـا الـبـغـداديـة في نـهـايـة سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة تـقـريـبـاً، في سـردهـا لأحـداث سـنـة 1948 :

“ولـم أتـكـلّـم بـعـد عـن دارنـا في بـغـداد، فـقـد كـانـت لـنـا دار تـركـيـة قـديـمـة في الـصّـوب الـغـربي لـدجـلـة.

Aga 001

وكـان الـنّـاس يـتـعـجـبـون مـن غـرابـة ذوقـنـا ومـن مـحـبـتـنـا لـهـا، ومـن رفـضـنـا لـلـسّـكـن في واحـدة مـن هـذه “الـصّـنـاديـق” الـحـديـثـة. ولـكـنّ دارنـا الـتّـركـيـة كـانـت مـبـهـجـة، مـنـعـشـة الـبـرودة بـحـوشـهـا ونـخـلاتـهـا الّـتي تـرتـفـع ويـمـس سـعـفـهـا أطـراف الـشّـرفـة.

Aga 003

وكـان خـلـف دارنـا غـابـات نـخـيـل تـرويـهـا الـسّـواقي، وصـرائـف بـالـغـة الـصّـغـر صـنـعـت مـن صـفـائـح قـصـديـر (تـنـكـات بـنـزيـن) ركّـب بـعـضـهـا عـلى بـعـض، يـلـعـب حـولـهـا أطـفـال بـمـرح وسـعـادة. وكـانـت الـنّـسـاء يـدخـلـنـهـا ويـخـرجـن مـنـهـا ويـنـزلـن إلى الـنّـهـر لـغـسـل صـحـونـهـنّ وقـدورهـنّ. (3)

يـعـيـش الأغـنـيـاء والـفـقـراء في بـغـداد خـدّاً عـلى خـدّ.

ومـا أشـدّ مـا تـوسـعـت [الـمـديـنـة] مـنـذ أن رأيـتـهـا لأوّل مـرّة. وأغـلـب الـبـنـايـات الـحـديـثـة شـديـدة الـقـبـح، ولا تـنـاسـب الـطّـقـس هـنـا. نـسـخـت مـن مـجـلّات حـديـثـة، فـرنـسـيـة أو ألـمـانـيـة أو إيـطـالـيـة. ولـم يـعـد الـنّـاس يـسـتـطـيـعـون فـيـهـا الـنّـزول إلى سـرداب sirdab مـنـعـش الـبـرودة في أيّـام الـقـيـظ، ولـم تـعـد الـنّـوافـذ طـاقـات صـغـيـرة في أعـالي الـجـدران لـتـحـمـيـهـم مـن أشـعـة الـشّـمـس الـمـلـتـهـبـة.

وربّـمـا تـحـسّـنـت أنـابـيـب الـمـيـاه فـيـهـا (وهي لا يـمـكـن أن تـكـون أسـوء مـمـا كـانـت عـلـيـه)، مـع أنـني لـسـت مـتـأكّـدة مـن ذلـك. فـأنـابـيـب الـمـيـاه الـحـديـثـة تـبـدو جـيّـدة الـنّـوعـيـة، وفي الـحـمّـامـات أحـواض أرجـوانـيـة أو سـحـلـبـيـة الألـوان، ولـكـنّ مـجـاري الـصّـرف تـحـتـاج إلى تـحـسـيـنـات ضـروريـة. وقـد كـانـت تـرتـمي في دجـلـة في مـاضي الـزّمـان، ولـكـنّـهـا لـم تـعـد تـكـفي كـمـيـات الـمـيـاه الّـتي تـنـدفـع نـحـوهـا وتـتـجـمـع في أيّـامـنـا هـذه”.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) نـقّـب مـاكـس إدغـار لـوسـيـان مـالـوان Sir Max Edgar Lucien MALLOWAN بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة في مـوقـع نـمـرود لـحـسـاب الـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لـلآثـارفي الـعـراق The British School of Archaeology in Iraq ، واسـتـمـرت الـحـمـلات عـدّة مـواسـم بـيـن 1949 و 1963. وقـد اكـتـشـف فـيـهـا مـنـحـوتـات عـاجـيـة يـعـود تـاريـخـهـا إلى مـابـيـن الـقـرن الـتّـاسـع والـقـرن الـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد. ويـبـدو أنّـهـا كـانـت مـن الـغـنـائـم الّـتي جـلـبـهـا الـجـيـش مـن حـمـلاتـه الـحـربـيـة، فـنـحـن نـعـرف أنّ الآشـوريـيـن لـم يـنـحـتـوا الـعـاج. وقـد احـتـفـظ الـمـعـهـد الـبـريـطـاني لـدراسـة الـعـراقThe British Institute For The Study Of Iraq بـهـذه الـقـطـع الّـتي لـم تـعـرض حـتّى عـام 2011. وفي ذلـك الـعـام بـاع الـمـعـهـد ثـلـث مـجـمـوعـتـه (مـا يـقـارب 6000 قـطـعـة) إلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن. كـمـا يـنـوي الـمـعـهـد إهـداء ثـلـث آخـر إلى نـفـس الـمـتـحـف، وإعـادة الـثّـلـث الـبـاقي إلى الـعـراق.

(2) أقـام الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن عـام 2002 مـعـرضـاً عـن “أجـاثـا كـريـسـتـي وعـلـم الآثـار: لـغـز في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن

The exhibition Agatha Christie and Archaeology: Mystery in Mesopotamia (8 November 2001- 24 March 2002).

(3)ص. 546 ــ 547.

ويـذكـر جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا في كـتـابـه : “شـارع الأمـيـرات” أنّـه تـعـرّف عـلى مـاكـس مـالـوان عـن طـريـق روبـرت هـامـلـتـون الّـذي كـان قـد شـارك في تـنـقـيـبـات مـالـوان، وأنّـه اسـتـلـم دعـوة لـزيـارة مـاكـس مـالـوان وزوجـتـه أجـاثـا كـريـسـتـي في دارهـمـا في بـغـداد : “سـألـت [هـامـلـتـون] : “أيـن الـدّار؟”. قـال : “إنّـهـا دار الـمـلـك عـلي. أتـعـرفـهـا؟ في كـرادة مـريـم، عـلى شـاطئ الـنّـهـر مـبـاشـرة. إنّـهـا دار تـركـيـة تـعـود إلى الـعـهـد الـعـثـمـاني. ومـن أجـمـل بـيـوت بـغـداد الـقـديـمـة”، “وقـد كـانـت لـمـدّة مـا في الـعـشـريـنـات مـسـكـنـاً لـلـمـلـك عـلي، أخي الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، فـأطـلـق اسـمـه عـلى الـدّار”. والـغـريـب أنّ أجـاثـا كـريـسـتـي، الّـتي كـانـت تـعـرف بـيـت الـمـلـك عـلى وتـكـلّـمـت عـنـهـا في روايـتـهـا “مـوعـد في بـغـداد” لـم تـذكـر في مـذكـراتـهـا أنّ دارهـا كـانـت “بـيـت الـمـلـك عـلي”.

ويـصـف جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا دار أجـاثـا كـريـسـتي الـبـغـداديـة : “دخـلـت بـوابـة الـدّار إلى بـاحـتـهـا الـمـتـمـيـزة بـطـرازهـا الـبـغـدادي الـعـثـمـاني. والـبـاحـة مـحـفـوفـة بـالأشـجـار والأوراد في وسـط بـنـاء مـن طـابـقـيـن يـصـعـد إل الأعـلى مـنـهـمـا بـدرد خـشـبي خـارجي يـؤدي إلى شـرفـة ضـيّـقـة طـويـلـة تـمـتـد مـع امـتـداد الـواجـهـة الـدّاخـلـيـة، وتـطـلّ عـلـيـهـا أبـواب الـغـرف الـعـلـيـا. صـعـدت الـدّرج الـخـشـبي وعلى كـلّ درجـة أصـيـص مـزروع”.

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

مـجـمـوعـة آثـارعـراقـيـة قـديـمـة يـعـلـوهـا الـغـبـار في مـتـحـف فـرنـسي صـغـيـر

الـدّكـتـور صـباح الـنّـاصـري

نص غوديا 001

(نـشـر هـذا الـمـقـال في جـريـدة الـمـدى، الـعـدد 3205 الـصّـادر في 31/ 10/ 2014)(1)

عـنـدمـا دخـلـت لأوّل مـرّة في مـتـحـف الآثـار Musée des Antiquités في مـديـنـة روان Rouen في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي، شـمـال فـرنـسـا، لـم أجـد إلّا ثـلاثـة أو أربـعـة زوّار يـنـظـرون بـمـلـل إلى قـطع مـنـحـوتـة مـن الـقـرون الـوسـطى جـلـبـت مـن خـرائـب قـصـور أو كـنـائـس قـديـمـة وإلى شـظـايـا زجـاجـيـات نـوافـذ إظلـمّـت ألـوانـهـا وإلى خـشـبـيـات مـنـحـوتـة إهـتـرأت والـتهـم الـدّود مـعـظم أجـزائـهـا، ثـمّ درت مـعـهـم حـول آثـار رومانـيـة قـديـمـة مـن بـيـنـهـا فـسـيـفـساء رمـمـت وأكـمـلـت حـتّى لـم يـعـد بـالإمـكان الـتّـفـريـق بـيـن أجـزائـهـا الأصـلـيـة والـمـضافـة.

ولـكـنـني لـم أأت لـهـذا رغـم فـضـولي وحـبّي لـكـلّ مـا هـو قـديـم، فـقـد أتـيـت لأنّي قـرأت أن الـمـتـحـف يـمـتـلـك مـجـمـوعـة آثـارمـصـريـة و”آثـار شـرقـيـة”.

وبـعـد أن عـبـرت كـلّ هـذه الـقـاعـات، وصـلـت إلى مـمـر ضـيّـق ألـصـقـت عـلى جـدرانـه دوالـيـب بـواجـهـات زجـاجـيـة في بـعـضـهـا قـطـع أثـريـة مـصـريـة جـذب نـظـري أمـامـهـا عـجـوزان ألـصـقـا نـظـاراتـهـمـا عـلى الـزّجـاج يـحـاولان تـمـيـيـز أشـكـال الـقـطع وألـوانـهـا، وخـلـف الـعـجـوزيـن، في الـواجـهـة الـتّـالـيـة ،فـوجـئـت بـلـوح مـن ألـواح غـوديـا يـظهـرأمـام عـيـنيّ.

وسـرت مـشـدوهـاً حـتّى وقـفـت أمـام الـلـوح وقـرأت الـنّـص الـمـسـمـاري الـمـكـتـوب عـلـيـه بـالـلـغـة الـسّـومـريـة :

” الإلـهـة غـا ـ تـوم ـ دو                           dingir ga- tum-du

ربـتـه                                                        nin -a – ni

غـوديـا                                                     gu- dé -a

أمـيـر                                             énsi (PA. TE. SI)

لـغـش                                 lagash (SHIR. BUR. LA) ki

مـديـنـة الإلـهـة غـا ـ تـوم ـ دو       ur- dingir-ga-tum-du- ke

مـعـبـدهـا في غـرـ سـو                            é-gir-su ki-ka-ni

شـيّـده                                                   mu- na- du   “.

و لاحـظـت حـول نـصّ غـوديـا ألـواحـاً مـسـمـاريـة بـعـضـهـا مـغـلـفـة بـظـروفـهـا الـكـامـلـة أوالـمـكـسـورة وبـعـضهـا عـاريـة مـن غـيـرظـروف، وقـطـع سـومـريـة أخـرى مـنـهـا مـسـامـيـر تـأسـيـس ومـنـهـا أخـتـام أسـطوانـيـة وضعـت هـكـذا أمـام الـواجـهـة الـزّجـاجـيـة لـم يـكـتـب أمـامـهـا ولا حـولـهـا شئ، يـتـيـمـة لا تـسـمـيـات لـهـا، يـمـر الـزّوارأمـامـهـا مـن غـيـر أن يـعـرفـوا أنّـهـا من أقـدم مـا أنـتـجـتـه الـبـشـريـة مـن نـصـوص وأعـمـال فـنّ !

وعـنـدمـا اسـتـجـوبـت الـحـارس، أجـابـني أنّـه لا يـعـرف عـنـهـا شـيـئـاً، وأخـبـرني أنـني لا أسـتـطـيـع تـصـويـر الـواجـهـة الـزّجـاجـيـة فـالـتّـصـويـر مـمـنـوع في الـمـتـحـف. ودفـعـه مـلـلـه مـن أن يـبـقى سـاكـنـاً بـلا حـركـة طيـلـة الـنّـهـار إلى أن يـقـتـرح عـليّ مـصاحـبـتي إلى “مـكـتـبـة الـمـتـحـف” عـلّـنـا نـجـد فـيـهـا مـا يـشـبـع فـضـولي.

وكـانـت الـمـكـتـبـة زاويـة ضـيّـقـة مـن الـمـتـحـف تـبـاع فـيـهـا، إلى جـانـب الـبـطـاقـات الـمـصـورة، كـتـيّـبـات صـغـيـرة عـن الـمـعـروضـات. ولـم يـكـن فـيـهـا طـبـعـاً ذكـر لـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ولا لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي جـلـبـت مـنـهـا. وعـنـدهـا اقـتـرح عـليّ الـحـارس أن يـعـطـيـني اسـم الـمـسـؤولـة ورقـم هـاتـفـهـا فـهي تـسـتـطـيـع أن تـجـيـب عـلى أسـئـلـتي وربّـمـا اسـتـطـاعـت أن تـبـعـث لي بـصور لـلـقـطـع الأثـريـة مـمـا يـمـتـلـكـه الـمـتـحف عـنـهـا وركـض يـبـحـث عـن ورقـة وقـلـم ويـسـجـل لي الـمـعـلـومـات. وطـبـعـاً فـقـد شـكـرتـه كـثـيـراً عـلى لـطـفـه، وبـدا سـعـيـداً بـذلـك.

الأب دو جُـنـويّـاك :

h_degenouillac

وقـد ظـلـلـت أفـكّـر في طريـق عـودتي كـيـف وصـلـت هـذه الـقـطع إلى هـذا الـمـتـحـف، عـنـدمـا عـاد إلى ذاكـرتي أنّ أحـد الـمـنـقـبـيـن الـفـرنـسـيـيـن الأربـعـة الّـذيـن تـتـالـوا عـلى مـوقـع لـغـش / غـرسـو الـسّـومـري كـان الأب دو جُـنـويّـاك Abbé de Genouillac الّـذي ولـد في الـمـنـطـقـة ونـقّـب في الـعـراق مـرتـيـن : في تـلّ الأحـيـمـر (مـوقـع كـيـش) في 1911/ 1912 ، وفي تـلّـو / تـلّ لـوح (مـوقـع لـغـش / غـرسـو) مـن 1929 إلى 1931، قـبـل أن يـعـود إلى قـريـة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن في الـنّـورمـانـدي لـيـكـمـل مـا كـان قـد بـدأه فـيـهـا في مـطلـع شـبـابـه، خـوريـاً في كـنـيـسـتـهـا ، حـتّى مـات فـيـهـا عـام 1940.

وعـنـدمـا بـحـثـت في الـمـسـاء عـمّـا كـنـت قـد كـتـبـتـه عـن الأب هـنـري دو جُـنـويّـاك بـيـن مـن كـتـبـت عـنـهـم وجـدت أنّـه ولـد في روان Rouen، في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي شـمـال فـرنـسـا عـام 1881. وبـعـد أن تـابـع دراسـتـه في حـلـقـة دراسـيـة ديـنـيـة إشـتـغـل خـوريـاً في قـريـة صـغـيـرة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن. وقـد بـدأ يـهـتـمّ أيـضـاً في  مـطـلـع شـبـابـه بـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، ونـشـرعـام  1908(وكـان في الـسّـابـعـة والـعـشـريـن مـن عـمـره) كـتـابـاً عـن الأدب الـبـابـلي: عـبـرالأدب الـبـابـلي A travers la littérature babylonienne. وفي 1909 كـتـابـاً نـشـرنـصـوصـاً ســومـريـة مـن الـفـتـرات الـقـديـمـة مـع تـرجـمـاتـهـا إلى الـفـرنـسـيـة: ” Tablettes sumeriennes archaïques ” . وفي 1910 نـشـر كـتـابـاً عـن نـصـب الـنّـصـرالـسّـومـري الـقـديـم الـمـحـفـوظ في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.

وبُـعـث بـعـد ذلـك إلى إسـطـنـبـول لـدّراسـة الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة الـمـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـثـمـاني، وأعـدّ جـرداً كـامـلاً لـلألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي كـانـت قـد وجـدت في مـوقـع تـلّـو، ونـشـرهـا في عـدّة مـجـلـدات. وعـهـد إلـيـه بـالإشـراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة الـفـرنـسـيـة الّـتي جـرت بـيـن كـانـون الـثّـاني ونـيـسـان 1912 في تـلّ الأحـيـمـر (مـوقـع كـيـش الـقـديـمـة)، والّـتي نـشـرت نـتـائـجـهـا في جـزئـيـن، في 1924 و 1925.

وقـد نـقّـب الأب دو جُـنـويّـاك في تـلّـو (تـلّ لـوح) أي مـوقـع مـديـنـة لـغـش/ غـرسـو الـقـديـمـة مـن عـام 1929 إلى عـام 1931، لـحـسـاب مـتـحـف الـلـوفـر و وزارة الـتّـعـلـيـم الـعـام الـفـرنـسـيـة، وكـان أوّل مـوقـع نُـقّـبـه فـرنـسـيـون لـسنـوات طـويـلـة مـتـعـاقـبـة.

921_002

وكـان أرنـسـت دو سـرزيـك Ernest de SARZEC ، نـائـب الـقـنـصـل الـفـرنـسي في الـبـصـرة قـد بـدأ تـنـقـيـب هـذا الـمـوقـع مـن 1877 إلى 1900، ثـمّ اسـتـمـرّ غـاسـتـون كـرو Gaston CROS  في تـنـقـيـبـه مـن 1903 إلى 1909.

و قـد اصـطـحـب الأب دو جُـنـويّـاك مـعـه إلى تـلّـو عـالـم آثـار كـان شـابـاً في ذلـك الـزّمـن : أنـدريـه بـارو André PARROT لـيـشـارك في الـتّـنـقـيـب. وبـعـد أن تـوقـف دو جُـنـويّـاك عـن الـتّـنـقـيـب حـلّ مـحـلـه أنـدريـه بـارو الّـذي نـقّـب في الـمـوقـع مـن 1931 إلى 1933. وبـعـد أن تـرك الأب دو جُـنـويّـاك الـعـراق، عـاد إلى قـريـة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن في الـنّـورمـانـدي لـيـكـمـل مـا كـان قـد بـدأه فـيـهـا في مـطـلـع شـبـابـه، خـوريـاً في كـنـيـسـتـهـا ، حـتّى مـات فـيـهـا عـام 1940.

وكـان قـد أهـدى قـبـل وفـاتـه إلى مـتـحـف الآثـار في مـديـنـة روان مـجـمـوعـة تـحـتـوي عـلى 650 قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـن مـا كـان قـد عـثـر عـلـيـه في تـنـقـيـبـاتـه في الـعـراق أو مـا اشـتـراه مـن مـهـربي الآثـار. والـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن هـذه الـقـطـع نـصـوص بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة.

مـاذا حـدث لـهـذه الـمـجـمـوعـة الأثـريـة ؟

إتّـصـلـت في الـيـوم الـتّـالي بـالـمـسـؤولـة الّـتي أخـبـرتـني أنّ الـ 650 قـطـعـة أثـريـة تـرقـد في مـخـازن الـمـتـحـف وأنّ أحـداً لا يـمـكـنـه أن يـراهـا فـقـد بـدأوا بـجـردهـا وبـعـث صـور لـهـا لـعـلـمـاء آشـوريـات بـاريـسـيـيـن لـيـقـرأوا مـحـتـويـاتـهـا ! وكـان ذلـك قـبـل عـامـيـن، أي بـعـد 72 عـامـاً عـلى إهـداء الأب لـهـا إلى الـمـتـحـف ! وظـلّـت الأمـور عـلى حـالـهـا عـنـدمـا عـدت إلى الـمـتـحـف في الـعـام الـمـاضي.

وعـنـدمـا عـدت إلى الـمـتـحـف في الأسـبـوع الـمـاضي، إتـجـهـت مـبـاشـرة إلى الـمـمـر الـضّـيـق، وفـوجـئـت بـه مـغـلـقـاً يـعـمـل فـيـه عـمّـال عـلى تـركـيـب دوالـيـب جـديـدة، وطـبـعـاً فـلـم يـكـونـوا يـعـرفـون شـيـئـاً عـن مـا حـدث لـلـقـطـع الـقـلـيـلـة الّـتي كـانـت مـعـروضـة فـيـه. وسـألـت حـارسـاً كـان يـغـفـو عـلى كـرسـيـه فـأشـار لي بـأن أسـتـديـر إلى الـيـسـار … ولـم أرد أن أيـقـظـه تـمـامـاً مـن نـومـه فـتـركـتـه مـن غـيـر إلـحـاح. واسـتـدرت إلى الـيـسـار، وعـبـرت قـاعـة تـضـم بـقـايـا مـحـتـويـات قـبـر نـقّـب في الـمـنـطـقـة … وأبـصـرت في نـهـايـتـهـا بـمـمـر ضـيّـق صـغـيـر آخـر لـمـحـت في واجـهـة زجـاجـيـة فـيـه تـمـثـالاً لـرأس غـوديـا !

وكـان مـمـراً ضـيـقـاً يـمـتـد عـرضـاً بـيـن بـاب يـبـدو أنّ خـلـفـه مـكـتـب يـدخـلـه مـوظـفـون ويـخـرجـون مـنـه، وبـيـن بـاب يـفـضي إلى حـديـقـة الـمـتـحـف. وكـانـت الـدّوالـيـب الـمـثـبّـتـة عـلى جـداره تـحـتـوي في يـمـيـنـهـا عـلى خـزف عـثـمـاني وفي يـسـارهـا عـلى بـعـض قـطـع مـجـمـوعـة الأب دو جُـنـويّـاك.

ولـم أجـد لـوح غـوديـا الّـذي يـتـوجـه فـيـه لإلـهـتـه غـا ـ تـوم ـ دو. ووجـدت بـدلاً مـنـه خـمـسـة ألـواح طـيـنـيـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة تـعـود إلى سـلالـة أور الـثّـالـثـة (نـحـو 2112 ـ 2004 قـبـل الـمـيـلاد ) وإلى سـلالـة بـابـل الـقـديـمـة ، حـكـم شـمـشـو إلـونـا ( 1749ـ 1712 قـبـل الـمـيـلاد) ، وخـمـسـة أخـتـام أسـطـوانـيـة تـعـود إلى الـسّـلالات [ الـسّـومـريـة ] الـقـديـمـة الـثّـانـيـة ( 2750ـ 2600 قـبـل الـمـيـلاد)، وفـتـرة أكّـد ( 2340 ـ 2200 ق. م. ) ، والـفـتـرة الـسّـومـريـة الـجـديـدة ـ الـنـيـو سـومـريـة ـ (2140ـ 2004 ق. م.)، وسـلالـة بـابـل الأولى ( 1894ـ 1596).

كـمـا عـرض إنـاء صغـيـرعـلـيـه نـقـش مـكـتـوب مـن فـتـرة حـكـم الـمـلـك الـبـابـلي نـبـوخـذنـصـر ( 604ـ 562 ق. م.) وإنـاء مـن الـجـص نـحـتـت عـلـيـه أسـود وثـيـران مـن فـتـرة جـمـدة نـصـر ( 3100ـ 2900 ق.م.)، ومـنـحـوتـة بـارزة طـيـنـيـة مـن فـتـرة الـسّـلالات [ الـسّـومـريـة ] الـقـديـمـة الـثّـانـيـة ( 2700 ـ 2550 ق. م.)، وجـزء صـغـيـر مـن مـنـحـوتـة أخـرى مـن نـفـس الـفـتـرة. كـمـا أضـيـفـت إلى هـذه الـقـطـع الّـتي لا تـجـذب نـظـر الـزّوّار نـسـخ جـبـسـيـة لأربـع قـطـع أثـريـة مـهـمـة كـان أرنـسـت دو سـرزيـك قـد عـثـر عـلـيـهـا في لـغـش / غـرسـو في 1881، وأصـولـهـا مـعـروضـة في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.

وخـلاصـة الـقـول إنّ الـمـتـحـف لـم يـعـرض إلّا 14 قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـن الـ 650 قـطـعـة الّـتي أهـداهـا لـه الأب دو جُـنـويّـاك . ولـم تـنـشـر بـعـد ولـو دراسـة صـغـيـرة عـن هـذه الـمـجـمـوعـة بـعـد 74 سـنـة مـن وصـولـهـا إلى الـمـتـحـف.

ـــــــــــــــــــــ

(1) وأخـذت هـذا الـمـقـال عـن جـريـدة الـمـدى عـدّة مـواقـع وجـرائـد إلـكـتـرونـيـة بـعـد أن حـذف بـعـضـهـا اسـم الـكـاتـب !

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Portrait-of-Nadir-Shah

وجـدت نـصّـاً كـتـبـه عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري في الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وبـالـلـغـة الـفـارسـيـة عـن رحـلـة قـام بـهـا مـن بـلاد الـفـرس إلى مـكّـة، دامـت عـشـر سـنـوات (مـن 1739 إلى 1749 م.). ومـرّ خـلالـهـا بـالـعـراق الّـذي خـصـص لـه عـدداً مـن الـصّـفـحـات.

وقـد تـرجـم الـنّـصّ إلى الإنـكـلـيـزيـة ونـشـر في كـلـكـتـا، الـهـنـد في 1788 م. تـحـت عـنـوان : ” The Memoirs of Khojeh Abdul-Kureem ”

ولـم أعـثـر بـعـد عـلى ذكـر لـعـبـد الـكـريـم خـوجـة في مـنـشـورات عـربـيـة كـمـا لـم أعـثـر عـلى تـرجـمـة لـنّـصـه، فـقـررت أن أقـوم بـهـذا الـعـمـل.

مـاذا نـعـرف عـن عـبـدالـكـريـم خـوجـة ؟

لا بـد أنّ عـبـد الـكـريـم بـن أكـيـبـات بـن مـحـمـد بـلاكي ( Abdul- Kureem ibn Akibat ibn Muhammad Bulâkî al-Kashmiri) قـد ولـد في كـشـمـيـر، فـهـو يـلـقّـب بـالـكـشـمـيـري.

وفي الـهـنـد دخـل في خـدمـة طـهـمـاسـب قـولي خـان Tahmâs-Qouly-Khan، الّـذي اسـتـولى عـلى الـحـكـم في بـلاد فـارس تـحـت اسـم نـادرشـاه، وقـام بـحـمـلـة حـربـيـة في الـهـنـد. وبـعـد أن انـتـهى مـن حـمـلـتـه، صـاحـبـه عـبـد الـكـريـم في طـريـق عـودتـه إلى بـلاد فـارس في 1739 م.

وقـد اسـتـطـاع عـبـد الـكـريـم خـوجـة أن يـحـصـل مـن الـشّـاه عـلى إذن لـمـصـاحـبـة رئـيـس أطـبـائـه مـيـرزا مـحـمّـد هـاشـم ، الـمـعـروف بـعـلـوي خـان إلى مـكّـة.

borgm_00620

وقـد مـرّ عـبـد الـكـريـم خـوجـة وأصـحـابـه في طـريـقـهـم إلى مـكّـة بـقـزويـن ثـمّ بـبـغـداد. وزاروا كـربـلاء والـنّـجـف والـكـوفـة قـبـل أن يـعـودوا إلى بـغـداد لـيـكـمـلـوا مـسـيـرهـم إلى مـكّـة والـمـديـنـة عـن طـريـق حـلـب ودمـشـق. وعـاد عـبـد الـكـريـم إلى بـلـده في 1749 م.

وهـو قـد زارالـعـراق إذن في بـدايـة أربـعـيـنـات الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وكـتـب نـصّ رحـلـتـه بـعـد عـودتـه إلى الـهـنـد وأسـمـاه “بـيـاني واقـعـيـة Byâni ouâqi’a “.

نـصّ الـرّحـلـة :

يـبـدأ الـجـزء الـمـخـصـص لـلـعـراق بـالـفـصـل الـثّـامـن الّـذي وصـل فـيـه إلى بـغـداد ويـنـتـهي بـالـفـصـل الـحـادي عـشـر عـنـدمـا غـادر الـمـوصـل :

” الـفـصـل الـثـامـن :

أرسـل والي الـمـديـنـة (أحـمـد بـاشـا) وجـيـهـاً عـالي الـمـقـام لـيـسـتـقـبـلـنـا قـبـل أن نـصـل إلى بـغـداد. وقـد طـلـب مـنـه أن يـكـون لـنـا دلـيـلاً فـيـهـا. وعـنـدمـا دخـلـنـا الـمـديـنـة، إسـتُـقـبـلـنـا بـحـفـاوة وإكـرام.

ومـديـنـة بـغـداد الـجـديـدة كـثـيـرة الـسّـكّـان. وفي داخـل الأسـوار كـثـيـر مـن الأراضي الـمـزروعـة. وقـد شـيّـدت الـمـديـنـة عـلى ضـفـة دجـلـة الـشّـرقـيـة، تـقـريـبـاً مـقـابـل الـمـديـنـة الـقـديـمـة الّـتي تـقـع عـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة لـلـنّـهـر. وهـذه الـمـديـنـة الـقـديـمـة صـارت خـرابـاً في أيـامـنـا هـذه. ولـكـنّ الـمـديـنـة الـجـديـدة تـحـيـط بـهـا أسـوار عـالـيـة وحـصـون طـلـيـت جـدرانـهـا بـطـبـقـات كـثـيـفـة مـن الـطّـيـن لـكي تـخـفـف مـن عـنـف ضـربـات قـذائـف الـمـدافـع فـتـدخـل في ثـخـنـهـا وتـضـعـف وتـبـقى في داخـلـهـا، مـتـفـاديـة بـذلـك نـتـائـجـهـا الـمـدمـرة. والـمـديـنـة يـحـمـيـهـا كـذلـك خـنـدق. وقـد ضـرب نـادر شـاه الـحـصـار أمـامـهـا أحـد عـشـر شـهـراً بـدون جـدوى.

وقـصـرآنـوشـروان Nouchyrwan الـشّـهـيـر الّـذي تـتـكـلّـم عـنـه حـكـايـات الـعـرب والـفـرس عـلى بـعـد سـتّـة فـراسـخ مـن بـغـداد و 555 خـطـوة مـن دجـلـة. ومـا زالـت عـدّة جـدران مـنـه مـنـتـصـبـة.

وعـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة مـن دجـلـة، عـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـمـديـنـة الـقـديـمـة زرنـا ضـريـحي الإمـام مـوسى الـكـاظـم والإمـام مـحـمّـد الـتّـقي الـلـذيـن يـسـمـيـان بـالـكاظـمـيـن ومـن اسـمـيـهـمـا جـاء اسـم الـقـريـة.

وبـيـن الـكـاظـمـيـن وبـغـداد الـقـديـمـة يـتـرامى ربّـمـا ألـف قـبـر، لاحـظـنـا مـن بـيـنـهـا قـبـر الـشّـيـخ مـعـروف الـكـرخي الّـذي شـيّـد عـلـيـه مـسـجـد، مـثـلـمـا شـيّـد مـسـجـد عـلى ضـريـحي الـكـاظـمـيـن. ولـكـنّ مـسـجـد الـكـرخي أقـلّ سـعـة وأهـمـيـة.

وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـمـديـنـة الـجـديـدة يـقـع ضـريـح الإمـام أبي حـنـيـفـة الّـذي ولـد في الـكـوفـة. والـمـسـجـد الّـذي شـيّـد فـوقـه أحـسـن مـن قـبـورالـشّـيـوخ الأربـعـة قـربـه : جـنـيـد الـبـغـدادي والـسّـري الـسّـقـطي ومـنـصـور الـعـمـري وداود الـطّـاهـري.

ورأيـنـا أيـضـاً قـبـر بـهـلـول الـحـكـيـم ، الّـذي كـان يـسـلي هـرون الـرّشـيـد. وقـبـر مـنـصـور الـحـلّاج. وقـد سـألـت أهـل الـبـلـد كـيـف يـمـكـن أن يـكـون لـلـحـلّاج قـبـر وقـد أحـرق جـسـده ونـثـر رمـاده في دجـلـة، فـأجـابـوني أنّـهـم سـمـعـوا بـذلـك ولـكـنّـهـم لا يـعـرفـون مـاذا في الـقـبـر.

وهـنـاك جـامـع كـان في الـمـاضي مـعـبـداً لـيـهـودي، ولـكـنّ مـعـجـزة حـدثـت فـقـد انـفـتـحـت بـئـر تـحـتـه عـنـدمـا رمى بـحـجـر عـلى عـلي، وسـقـط فـيـه.

وفي الـمـديـنـة الـجـديـدة عـدّة قـبـور لـشـيـوخ ألـحـقـت بـهـا جـوامـع ومـدارس، مـثـل قـبـر الـسّـيّـد عـبـد الـقـادر الّـذي ولـد في جـيـلان. وجـامـعـه واسـع بـديـع الـتّـشـيـيـد، وفي جـنـوب بـاب الـمـدرسـة دفـن ابـنـه عـبـد الـرزّاق، وقـبـر الـشّـيـخ شـهـاب الـدّيـن الـسّـهـروردي وهـو كـبـيـر حـسـن الـتّـشـيـيـد. وكـان الـشّـاعـر سـعـدي الـشّـيـرازي الـذّائـع الـصّـيـت مـن بـيـن تـلامـيـذه.

الـفـصـل الـتّـاسـع :

وبـعـد أن زرنـا قـبـور بـغـداد ومـا حـولـهـا، تـوجـهـنـا إلى كـربـلاء. وتـوقـفـنـا أولاً في خـان شـور (الّـذي يـعـني الـمـاء الأجـاج بـالـفـارسـيـة). ولـم نـجـد مـاءً نـشـربـه إلّا بـثـمـن بـاهـظ. وتـوقـفـنـا مـرّة ثـانـيـة في الـمـسـيّـب عـلى ضـفـة الـفـرات. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ عـلى نـفـس الـضّـفـة وجـدنـا قـبـري ولـدي مـسـلـم بـن عـقـيـل. وقـد شـيّـدت عـلى الـقـبـريـن قـبّـة واحـدة في وسـط أرض خـلاء. و وصـلـنـا إلى كـربـلاء في الـيـوم الـثّـالـث، وهي عـلى بـعـد 15 فـرسـخـاً مـن بـغـداد.

كـربـلاء

وكـربـلاء كـثـيـرة الـسّـكّـان، فـقـد دفـع حـكـم الـفـرس الـجـائـر الـنّـاس عـلى الـهـجـرة إلـيـهـا. ومـوقـعـهـا فـيـه تـجـارة كـثـيـرة مـنـذ أن شـيّـدت قـنـاة تـربـطـهـا بـالـفـرات. وقـد سـاعـدهـا ذلـك عـلى الإزدهـار.

وكـان والي بـغـداد ، حـسـن بـاشـا، قـد بـدأ أعـمـالاً خـصص لـهـا عـشـرة آلاف طـومـان، ولـكـنّ الـمـوت لـم يـمـهـلـه لـيـرى نـتـائـج مـشـاريـعـه. ( تـوفي حـسـن بـاشـا في 1724 وخـلـفـه ابـنـه أحـمـد بـاشـا ) وقـد أكـمـل هـذه الأعـمـال مـيـرزا ــ أشـرف، أحـد الـمـقـربـيـن مـن شـاه طـهـمـاسـب، مـلـك الـفـرس. وتـحـيـط بـالـمـديـنـة بـسـاتـيـن وغـابـات نـخـيـل حـسـنـة.

وضـريـح الـحـسـيـن بـن عـلي في داخـل أسـوار الـمـديـنـة، وكـذلـك قـبـر ابـنـه عـبـدالله. وفي داخـل الـمـديـنـة أيـضـاً قـبّـة دفـن تـحـتـهـا الـشّـهـداء الّـذيـن قـتـلـوا مـعـه. وعـلى بـعـد عـشـريـن خـطـوة مـن الـنّـافـذة الـجـنـوبـيـة لـضـريـح الـحـسـيـن فـسـحـة مـن الأرض هي الـمـكـان الّـذي كـان قـد قـتـل فـيـه. وقـد حـفـرت فـيـهـا حـفـرة بـحـجـم الـتّـابـوت مـلـئـت تـرابـاً جـلـب مـن مـكـان كـان [الـحـسـيـن] قـد نـصـب فـيـهـا خـيـامـه. وعـلى هـذه الـحـفـرة ألـواح مـن الـخـشـب. والّـذيـن يـزورون الـمـكـان يـعـطـون لـلـخـادم بـعـض الـنّـقـود لـيـأخـذوا قـلـيـلاً مـن هـذا الـتّـراب الّـذي يـسـمى بـ “خـاكي كـربـلا Khaki Karbala ” أي تـراب كـربـلاء. ويـقـال إنّ لـهـذا الـتّـراب قـدرات عـجـيـبـة مـن بـيـنـهـا تـهـدئـة الـعـواصـف إذا مـا رمي بـشئ مـنـه في الـرّيـح الـهـابّـة.

وفي كـربـلاء أيـضـاً ضـريـح عـبّـاس ـ عـلي، الإبـن الـثّـاني لـعـلي، ولـكـنّـه لـيـس ابـن فـاطـمـة. وشـيّـد عـلـيـه مـسـجـد. ويـعـتـقـد الـنّـاس أنّ مـن يـسئ إلى الـقـبـر تـسـقـط عـلـيـه مـصـيـبـة هـائـلـة.

وعـلى بـعـد فـرسـخ مـن الـمـديـنـة قـبـر الـشّـهـيـد حـرّ، وقـربـه قـبـر أمّـه الّـتي حـاولـت أن تـمـنـعـه مـن الـلـحـاق بـالـحـسـيـن، ولـهـذا يـرمي الـزّوّار بـحـجـارة عـلى قـبـر هـذه الـمـرأة. وقـد خـرّب تـمـام الـتّـخـريـب وعـلاه كـوم مـن الـحـجـارة يـرتـفـع يـومـاً بـعـد يـوم.

وبـيـن كـربـلاء والـنّـجـف الأشـرف 12 فـرسـخـاً بـطـريـق تـخـتـرق صـحـراء قـاحـلـة لـيـس فـيـهـا مـاء. وبـيـنـهـمـا 16 إذا مـررنـا بـالـحـلّـة، وسـلـكـنـا طـريـق الـحـلّـة، والـطـريـق عـلى هـذا الـشّـكـل :

مـن كـربـلاء إلى الـحـلّـة       7 فـراسـخ،

مـن الـحـلّـة إلى ذي الـكـفـل  5 فـراسـخ،

مـن ذي الـكـفـل إلى الـنّـجـف 4 فـراسـخ.

الـحـلّـة

والـحـلّـة مـديـنـة كـثـيـرة الـسّـكّـان، تـقـع عـلى ضـفـة نـهـر الـفـرات. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ عـلى نـفـس الـضّـفـة، نـجـد قـبـر أيـوب، وامـرأتـه الّـتي أخـلـصـت لـه الـوفـاء ولـم تـتـركـه عـنـدمـا حـلّـت بـه الـمـصـائـب. وقـرب الـقـبـريـن نـبـع بـدا لي شـديـد الـحـسـن، ويـقـال إنّ مـاءه يـعـالـج كـلّ داء مـهـمـا كـان عـضّـالاً. وقـبـر أيـوب صـغـيـر تـسـاقـطـت بـعـض جـدرانـه مـن قـلّـة مـا خـصص لـلإعـتـنـاء بـه.

وبـعـد أن تـركـنـا الـمـديـنـة اجـتـزنـا سـهـلـيـن، ثـمّ وصـلـنـا إلى قـبـر شُـعـيـب ، والـد امـرأة مـوسى. وقـرب مـحـراب الـمـسـجـد الـمـشـيّـد فـوق قـبـر شـعـيـب لاحـظـت قـبـوراً أخـرى، وقـد رأيـت مـثـل هـذا في أمـاكـن أخـرى مـن دولـة الأتـراك، وهـو يـعـارض تـمـام الـمـعـارضة مـا ورد في الـحـديـث الـنّـبـوي : “لا تـدفـنـوا مـوتـاكـم في الـمـسـاجـد”.

والـقـبـلـة في هـذه الـمـسـاجـد مـن جـهـة بـيـت الـمـقـدس أكـثـر مـنـهـا مـن جـهـة مـكّـة، ولـهـذا يـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر أنّـهـا كـانـت في الأصـل كـنـائـس حـوّلـهـا الأتـراك إلى مـسـاجـد ولـكـن هـذا رأي فـقـط، فـلـيـس لي عـلـيـه إثـبـات.

مـنـارة مـسـجـد شـعـيـب الـمـهـتـزّة :

وكـنّـا قـد سـمـعـنـا، قـبـل أن نـصـل إلى الـحـلّـة عـن مـنـارة مـسـجـد شـعـيـب الـمـهـتـزّة. وعـنـدمـا وصـلـنـا تـعـجـبـنـا مـن ذلـك، فـقـد وجـدنـاه صـحـيـحـاً. وهـذه الـمـنـارة الّـتي شـيّـدت في حـوش الـمـسـجـد ضـخـمـة إلى حـد أنّ كـلّ درجـة مـن درجـات سـلّـمـهـا بـعـرض خـطـوتـيـن. وعـنـدمـا يـصـل الـمـرء إلى أعـلاهـا يـضـع يـده عـلى الـكـرة الـمـعـدنـيـة الّـتي تـعـلـوهـا، ويـصـيـح بـصـوت مـرتـفـع : ” يـامـنـارة، بـجـاه عـبـاس ـ عـلي ، إهـتـزّي !”.

ولإنّي أحـبّ كـلّ مـا هـو غـريـب وخـارق لـلـعـادة، فـقـد صـعـدت إلى الـمـنـارة مـع عـدّة أشـخـاص آخـريـن. وفـعـلـت مـا قـيـل لي أن أفـعـل، ولـكـنّـهـا ظـلّـت ثـابـتـه مـثـل جـبـل مـن الـصّـخـر. ورجـوت خـادم الـمـسـجـد أن يـحـاول هـو بـنـفـسـه، ومـا أن فـتـح فـمـه لـيـصـيـح حـتّى بـدأت الـمـنـارة تـهـتـزّ. وكـان اهـتـزازهـا شـديـداً فـالـتـصـقـنـا الـواحـد بـالآخـر لـشّـدة خـوفـنـا مـن الـسّـقـوط. وكـان رفـيـقي في الـسّـفـر قـد بقي في الـحـوش ، في أسـفـل الـمـنـارة ، وقـد دهـش مـمـا رآه. ومـع أنّ الـخـادم أعـاد الـكـرّة مـرّات عـديـدة فـلـم يـدرك أحـد مـنّـا سـبـب هـذا الإهـتـزاز الـغـريـب.

وذهـبـنـا مـن الـحـلّـة إلى ذي الـكـفـل ، وفـيـهـا قـبـرهـذا الـنّـبي وقـبـور خـلـفـائـه الأربـعـة، وهي بـنـايـات جـمـيـلـة نـزلـنـا إلـيـهـا بـأربـعـة سـلالـم ، وداخـلـهـا مـعـتـم لا نـكـاد نـمـيـز فـيـه الأشـيـاء.

الـنّـجـف :

وذهـبـنـا أيـضـاً إلى الـنّـجـف، وهي أقـلّ سـكّـانـاً مـن كـربـلاء لـبـعـدهـا عـن الـنّـهـر. والأراضي حـولـهـا قـلـيـلـة الـزّراعـة. وتـحـيـق الأخـطـار بـمـن يـبـقى خـارج الـمـديـنـة ، لأنّ الأعـراب غـالـبـاً مـا يـعـيـثـون بـالـمـنـطـقـة فـسـاداً، وهـم يـصـلـون إلى أسـوارهـا لـلـنّـهـب.

ومـقـام عـلي الّـذي شـيّـد في وسـط الـمـديـنـة بـالـغ الـجـمـال. وقـد طـعّـم الـضّـريـح الّـذي يـحـوي جـثـمـان هـذا الـخـلـيـفـة بـالـجـواهـر. وعـنـدمـا كـنّـا في الـمـديـنـة وصـل زركـر بـاشي، رئـيـس صـاغـة نـادرشـاه. وقـد بـعـثـه الـشّـاه لـيـضـع عـلى قـبّـة ضـريـح الـحـسـيـن في كـربـلاء وضـريـح عـلي في الـنّـجـف غـطـاءً مـن الـنّـحـاس يـطـلـيـه بـالـذّهـب ، مـثـلـمـا عـلى قـبـة ضـريـح الإمـام الـرّضـا في مـشـهـد.

وكـانـت مـبـالـغ هـائـلـة قـد انـفـقـت لـفـتـح قـنـاة مـن الـفـرات إلى الـنّـجـف ولـكـنّ الـمـشـروع تـوقّـف عـنـدمـا تـوفي نـادر شـاه بـعـد أن حـفـر مـنـهـا ثـلاثـة فـراسـخ. وكـان قـد قـدر لـهـا أن تـحـفـر عـلى مـدى 35 فـرسـخـاً.

ويـؤكّـد أهـل الـنّـجـف عـلى أنّ قـبـري آدم ونـوح مـازالا قـرب قـبـر عـلي، ولـكـنـنـا لـم نـجـد مـا يـثـبـت هـذا الـقـول.

الـكـوفـة :

وعـنـدمـا كـانـت الـكـوفـة عـاصـمـة الـخـلافـة، كـانـت الـنّـجـف تـابـعـة لـهـا. وقـد أشـاد كـثـيـر مـن الـمـؤرخـيـن بـعـظـمـة مـديـنـة الـكـوفـة الـقـديـمـة ، ولا شـكّ في أنّ الله عـاقـب أهـلـهـا عـلى شـرّهـم لأنـنـا لا نـجـد فـيـهـا الآن مـن مـجـدهـا الـقـديـم إلّا الـجـامـع الّـذي جـرح فـيـه عـلي وتـوفي. ويـقـع هـذا الـجـامـع عـلى بـعـد فـرسـخ مـن ضـريـحـه. ونـقـرأ عـلى الـمـحـراب بـالـحـروف الـعـربـيـة : “هـذا هـو الـمـكـان الّـذي قـتـل فـيـه عـلي بـن أبي طـالـب رحـمـه الله”.

ويـدّعي الـبـعـض أنّ هـذا الـمـكـان أنـشـأه نـوح. ولـكـنّي أعـتـقـد أنّـه كـان في الأصـل مـعـبـد وثـنـة، فـقـد غـطى الـمـسـلـمـون جـداره الـغـربي بـالـجـصّ، ولـكـنّ مـرور الـزّمـن وقـسـاوة الـطّـقـس أسـقـطـا بـعـض أجـزائـه، فـنـرى مـن خـلالـهـا صـوراً نـحـتـت عـلى الـحـجـر. وعـنـدمـا نـتـفـحـص أجـزاءً أخـرى نـخـمـن مـنـحـوتـات أخـرى مـا زالـت خـفـيـفـة الـتّـغـطـيـة. وهـذا الـجـدار كـلّ مـا بـقي مـن الـبـنـاء الـقـديـم ، فـقـد بـنـيـت الـجـدران الأخـرى في فـتـرات لاحـقـة.

ومـع أنّ شـرّ أهـل الـكـوفـة كـان سـبـب خـراب الـمـديـنـة ، فـلا يـنـبـغي أن نـنـسى أنّ الـكـوفـة والـمـدائـن قـد اهـمـلـتـا عـنـدمـا اخـتـار الـمـنـصـور بـغـداد عـاصـمـة لـدولـتـه. ومـا زالـت بـغـداد أكـبـر مـدن الـعـراق الـعـربي.

الـطّـريـق إلى مـكّـة :

يـذكـر عـبـد الـكـريـم خـوجـة أنّ الـطّـريـق الأقـصـر لـلـذّهـاب إلى مـكّـة هي الّـتي تـمـرّ بـالـصـحـراء ، ولـكـنّ الـحـروب بـيـن عـشـائـر الـعـرب وعـدائـهـم لأحـمـد بـاشـا جـعـلـتـه وأصـحـابـه يـنـكـصـون عـن سـلـكـهـا. وقـد اخـتـاروا طـريـق حـلـب ودمـشـق ، وهي أطـول بـكـثـيـر مـن الأولى. وغـادروا بـغـداد نـحـو كـركـوك ثـم ّ ألـتـان كـوبـري فـقـرقـوش فـالـمـوصـل فـديـار بـكـر …

الـفـصـل الـحـادي عـشـر :

بـعـد أن غـادرنـا بـغـداد مـررنـا بـقـريـة نـكـجـة في طـريـقـنـا إلى سـرمـن رأى والّـتي تـدعى عـمـومـاً سـامـراء. وفـيـهـا زرنـا قـبـرالإمـام عـلي الـنّـقي والإمـام حـسـن الـعـسـكـري الـلـذيـن دفـنـا في داريـهـمـا وهـمـا بـنـاءان حـسـنـا الـمـظـهـر.

وخـدم الـقـبـريـن ومـن يـعـمـل فـيـهـمـا كـانـوا أنـاسـاً شـديـدي الـجـشـع ويـجـبـرون الـزّوّار عـلى دفـع كـثـيـر مـن الـهـدايـا. ويـعـتـقـد الـشّـيـعـة أتـبـاع عـلي أنّ الإمـام الـمـهـدي غـاب في زاويـة مـن مـسـجـد في سـامـراء.

وبـعـد أن سـرنـا فـتـرة مـن الـزّمـن وصـلـنـا إلى كـركـوك. ويـذكـر بـعـض قـدمـاء الـمـؤرخـيـن أنّـهـا كـانـت جـزءاً مـن بـلاد الـكـلـدان. وقـد زرنـا فـيـهـا قـبـري الـنّـبـيـيـن دانـيـال والـعـزيـر(عـزرا) الـلـذيـن شـيّـدت عـلـيـهـمـا قـبّـة واحـدة.

الـمـوصـل

والـمـوصـل مـديـنـة كـبـيـرة شـيّـدت عـلى ضـفـة دجـلـة. وفـيـهـا قـادونـا إلى قـبـر الـقـديـس جـرجـيـس. أمّـا قـبـر الـنّـبي يـونـس فـهـو خـارج الأسـوار. وهـذان الـقـبـران كـبـيـران حـسـنـا الـتّـشـيـيـد. وبـعـد بـحـث طـويـل عـرفـت أنّ تـيـمـور الأعـرج (تـيـمـو لـنـك) كـان هـو الّـذي أمـر بـتـشـيـيـدهـمـا ، عـنـدمـا فـتـح هـذه الـبـلاد. وعـلى الـطّـريـق بـيـن كـركـوك والـمـوصـل رأيـنـا عـلى يـسـارنـا جـبـالاً مـرتـفـعـة.

ويـؤمـن سـكـان هـذه الـجـبـال بـإلـهـيـن الأوّل خـلـق الـخـيـر والآخـر خـلـق الـشّـر. وهـم يـرجـمـون بـالـحـجـارة مـن يـجـرؤ عـلى أن يـقـرأ أمـامـهـم الآيـة : “أعـوذ بـالله مـن الـشّـيـطـان الـرّجـيـم”. وهـذه الـجـمـاعـة الـمـكـروهـة تـسـكـن في قـريـة أب زرب. وهـم لا يـقـبـلـون بـخـتـان الـصّـبـيـان ولا يـخـفـون عـوراتـهـم. ومـن الـصـعـب عـبـور الـنّـهـر الّـذي يـخـتـرق قـريـتـهـم مـن غـيـر عـونـهـم. وهـم يـطـلـبـون مـن الـمـسـافـريـن أجـراً بـاهـظـاً لـيـسـاعـدوهـم في إمـرار جـمـالـهـم. وقـد عـرفـنـاهـم كـلـصـوص لـيـس مـثـلـهـم لـصـوص قـبـل أن نـصـل إلى الـمـوصـل، وقـد رأيـتـهـم بـنـفـسي يـرتـكـبـون أفـعـالاً شـنـيـعـة عـلى الـمـسـاكـيـن سـكـان الـقـرى الـمـجـاورة. وقـد خـشـونـا خـوفـاً مـن أحـمـد بـاشـا ورهـبـة مـن نـادرشـاه، فـقـد عـرفـوا أنـنـا نـسـافـر تـحـت حـمـايـتـهـمـا. ولـم يـقـع لـنـا طـيـلـة الـطّـريـق مـكـروه، وقـد اسـتـقـبـلـنـا كـلّ مـسـؤولي الـمـنـاطـق الّـتي مـررنـا بـهـا بـالـمـهـابـة والإحـتـرام. ومـع ذلـك فـقـد نـهـب بـعـض مـن كـان مـعـنـا في الـقـافـلـة وسـلـبـوا.وبـقـيـنـا في الـمـوصـل سـتّـة أيّـام قـبـل أن تـتـابـع الـقـافـلـة مـسـيـرهـا “.

وهـنـا يـنـتـهي مـا يـتـعـلّـق بـالـعـراق مـمـا كـتـبـه عـبـد الـكـريـم خـوجـة.

تـرجـمـات الـنّـصّ إلى الـلـغـات الأجـنـبـيـة :

تـرجـم نـصّ وصـف رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة مـن الـفـارسـيـة إلى الإنـكـلـيـزيـة في 1788 :

The Memoirs of Khojeh Abdul-Kureem, a Cachmerian of distinction who accompanaied Nadir Shah on his return from Hindoustan to Persia, from whence he travelled to Baghdâd, Damascus and Aleppo, and after visiting Medina and Mecca from 1739 to 1749 … Translated from the Persian by Francis Galdwin

Calcutta, William Mackay 1788 (217 pages).

وتـرجـم إلى الـفـرنـسـيـة في 1797 :

Voyage de l’Inde à la Mekke, Par A’bdoûl-Kérym, favori de Tahmâs-Qouly-Khan; Extrait et traduit de la version anglaise de ses Mémoires. Par L. La,glès. Paris , Imprimerie de Crapelet 1797.

Louis Langlès, Voyage dans l’Inde , en Perse, etc…

In ” Collection Portative des voyages” , 8 volumes,Paris 1797 -1835.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

كـتـاب تـأبـيـن الـبـغـداديـة سـتّ مـعـاني زوجـة ديـلّا فـالـيـه

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

معاني 2

مـا زالـت عـدّة مـكـتـبـات في الـعـالـم تـحـتـفـظ بـنـسـخ مـن كـتـاب صـدر في مـديـنـة رومـا، في إيـطـالـيـا عـام 1627 عـنـوانـه : “حـفـل تـأبـيـن الـسّـيّـدة سـتّي مـعـاني الـجـويـري ديـلـلا فـالـيـه الّـذي أقـيـم في رومـا عـام 1627:

Funerale della signora Sitti Maani Gioerida della Valle celebrato in Roma l’anno 1627 “.

ولـكـن مـن كـانـت سـت مـعـاني هـذه، وكـيـف وصـلـت إلى رومـا ؟

بـدأت قـصّـة الـحـبّ الـعـجـيـبـة الّـتي أسـردهـا عـلـيـكـم في تـشـريـن الأوّل عـام 1616 عـنـدمـا وصـل شـاب إيـطـالي في الـثّـلاثـيـن مـن عـمـره إلى بـغـداد بـصحـبـة قـافـلـة اخـتـرقـت الـبـاديـة مـن حـلـب. وكـان هـذا الإيـطـالي : بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه Pietro DELLA VALLE  مـن عـائـلـة عـريـقـة في الـنّـبـل مـعـروفـة في مـديـنـة رومــا،عـاصـمـة إيـطـالـيـا.

وكـانـت الـقـافـلـة الّـتي أوصـلـت بـيـيـتـرو إلى بـغـداد ضـخـمـة فـيـهـا أكـثـر مـن ألـف وخـمـسـمـائـة مـسـافـر. وفي الـطـريـق تـعـرّف بـيـيـتـرو عـلى مـسـافـر مـعـه قـصّ عـلـيـه حـبّـه الّـذي لا أمـل لـه مـنـه لـفـتـاة بـغـداديـة اسـمـهـا سـتّي مـعـاني  Sitti Maani . والـغـريـب أنّ هـذا جـعـل بـيـيـتـرو يـنـشـغـف حـبّـاً بـهـذه الـفـتـاة الّـتي لـم يـكـن قـد رآهـا، بـل لـم يـسـمـع حـتّى بـاسـمـهـا مـن قـبـل. وعـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد، ذهـب بـيـيـتـرو إلى أهـل مـعـاني الـجـويـري يـطلـب يـدهـا مـنـهـم. وبـعـد أن تـخـطى كـثـيـراً مـن الـصّعـوبـات وقـهـر كـثـيـراً مـن الـعـقـبـات تـزوّجـهـا في كـانـون الأوّل. وحـسـب تـقـالـيـد الإيـطـالـيـيـن، أصـبـح اسـم الـفـتـاة الـبـغـداديـة بـعـد زواجـهـا : الـسّـت مـعـاني الـجـويـري ديـلّا فـالـيـه  Sitti Maani Gioerida della Valle.

بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه :

ويـنـبـغي عـليّ هـنـا أن أبـدأ بـالـبـدايـة وأذكـر لـكـم كـيـف جـاء هـذا الإيـطـالي الـعـجـيـب إلى بـغـداد: ولـد بـيـيـتـرو في عـائـلـة غـنـيـة مـن الـنّـبـلاء في رومـا عـام 1584. وتـلّـقى تـعـلـيـمـاً  راقـيـاً عـالي الـمـسـتـوى يـنـاسـب مـتـطـلّـبـات طـبـقـتـه الإجـتـمـاعـيـة. ثـمّ انـضـمّ في شـبـابـه إلى الأكـاديـمـيـة ديـلـيي أومـوريـسـتي  Accademia degli Umoristi  ، الّـتي كـونّـهـا مـجـمـوعـة مـن مـثـقـفي زمـانـه بـهـدف إدخـال بـعـض الـمـرح والـدّعـابـة عـلى الـدّراسـات الأدبـيـة. وفي 1611، شـارك في حـمـلـة قـام بـهـا الأسـطـول الإسـبـاني ضـدّ الـقـراصـنـة الـمـقـيـمـيـن عـلى سـاحـل تـونـس.

وبـعـد أن عـاد إلى رومـا تـعـرّف عـلى طـبـيـب عـالـم اســمـه مـاريـو سـكـيـبـانـو Mario Schipano ، وتـلـقى عـلى يـديـه أوّل دروسـه في الـلـغـة الـعـربـيـة، وأخـذ عـنـه الـرّغـبـة في الـتّـعـرّف عـلى الـثّـقـافـات الأجـنـبـيـة. وكـان بـيـيـتـرو يـقـضي بـعـضـاً مـن وقـتـه أيـضـاً في تـألـيـف الـمـوسـيـقى ونـظـم أوبـرات صـغـيـرة. ثـمّ قـرر شـدّ الـرّحـال لـلـحـج إلى فـلـسـطـيـن (الأرض الـمـقـدّسـة). وبـعـد أن كـرّسـه خـوري إحـدى كـنـائـس نـابـولي كـ “مـؤهـل لـلـحـج ” أبـحـر مـنـطـلـقـاً مـن الـبـنـدقـيـة  Venezia  في 1614. وكـان قـد اتـفـق مـع مـاريـو سـكـيـبـانـو عـلى أن يـكـتـب لـه عـن كـلّ مـا يـلاقـيـه في أســفـاره لـيـتـرجـمـه لـه إلى الـلـغـات الأوربـيـة ويـنـشـره.  ودامـت الـمـرحـلـة الأولى مـن سـفـرتـه عـدّة أشـهـر زار خـلالـهـا عـدّة أمـاكـن مـن الـيـونـان ووصـل في نـهـايـتـهـا إلى إسـطـنـبـول في شـهـر آب 1614.

وفي إسـطـنـبـول، إرتـاد الـسـفـراء الأوربـيـيـن حـول الـباب الـعـالي. وبـدأ يـبـعـث لـسـكـيـبـانـو بـوصـف لـطـرق مـعـيـشـة الأتـراك وعـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم، ولـمـعـمـارهـم ومـوسـيـقـاهـم … وبـعـد أن قـضى أكـثـر مـن سـنـة في إســطنـبـول، تـعـلّـم خـلالهـا الـلـغـة الـتّـركـيـة عـبـر الـبـحـر في شـهـر أيـلـول 1615 إلى الإسـكـنـدريـة ثـمّ الـقـاهـرة، واهـتـم كـثـيـراً بالـمـوسـيـقى الـمـصـريـة ورقـص هـزّ الـبـطـن. ثـمّ  وصـل في آخـر الـمـطـاف إلى مـديـنـة الـقـدس في ربـيـع 1616 لإقـامـة الـحـج الّـذي جـاء مـن أجـلـه. وعـنـدمـا انـتـهى مـنـه، خـلـع ثـيـاب الـحـج وارتـدى ثـيـاب الـسّـفـر مـنـطـلـقـاً إلى حـلـب. وكـان هـدفـه، مـا عـدا اكـتـشـاف آلات مـوسـيـقى جـديـدة وتـوابـل وبـهـارات لـم يـر مـثـلـهـا مـن قـبـل، أن يـلـتـقي بـشـاه بـلاد فـارس الـصّـفـوي عـبّـاس الأوّل لـيـقـتـرح عـلـيـه تـعـاهـداً مـع أوربـا الـكـاثـولـيـكـيـة ضـدّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني. ومـن الـقـدس سـافـر إلى حـلـب ومـنـهـا إلى بـغـداد. وقـد رأيـنـا كـيـف تـزوّج فـيـهـا بـبـغـداديـة.

ولـم يـمـنـعـه ذلـك مـن إشـبـاع فـضـولـه لـلـمـعـرفـة  فـذهـب بـيـيـتـرو إلى مـوقـع بـابـل قـرب الـحـلّـة. وكـان أوّل مـن وجـد مـوقـع الـمـديـنـة الـقـديـمـة الـحـقـيـقي، فـقـد كـان الأوربـيـون قـبـلـه يـعـتـقـدون أنّ عـقـرقـوف (مـوقـع مـديـنـة  دور كـوريـغـالـزو Dur-Kurigalzu  الـقـديـمـة ) كـانـت بـابـل وأنّ بـغـداد هي “بـابـل الـجـديـدة” الّـتي أعـيـد تـشـيـيـدهـا قـرب مـوقـع الـمـديـنـة الـقـديـمـة. وقـد رسّـخـت هـذه الـفـكـرة في أذهـانـهـم وجـود آثـار قـديـمـة قـربـهـا فـتـصـوّروا أنّ زقـورة عـقـرقـوف هي بـرج بـابـل.

ولـكـنّ بـيـيـتـرو لـم يـفـلـح في الـعـثـورعـلى بـرج بـابـل أيّ زقـورة “إتـمـنَـنـكي” الـمـكـرّسـة لـلإلـه مـردوخ، وظـنّ أنـهـا كـانـت تـحـت ركـام “تـلّ بـابـل”  (الّـذي كـشـفـت الـتّـنـقـيـبـات بـعـد ذلـك أنّـه “الـقـصـر الـصّـيـفي”  لـلـمـلـك نـبـوخـذنـصـر الـثّـاني).

ورغـم أنّ خـيـبـة أمـل شـديـدة تـمـلـكـتـه عـنـدمـا رأى الـخـرائـب، فـقـد تـفـحـصّ الـمـوقـع بـكـثـيـر مـن الـتّـدقـيـق ولاحـظ الـمـواد الـمـسـتـعـمـلـة في الـبـنـاء. وطـلـب أن يـحـفـر لـه حـول الـجـدران لـيـرى مـخـطـط  الأبـنـيـة، واقـتـرح لـهـا تـأريـخـاً تـقـريـبـيـاً، وحـتّى أنّـه طـلـب أن تـرسـم لـه لـوحـتـان عـن الـمـوقـع (إسـتـعـمـلـهـمـا كـرشـيـر Kircher  بـعـد ذلـك في كـتـابـه عـن بـرج بـابـل عـام 1679).

وكـان بـيـيـتـرو ديـلـلا فـالـيـه أوّل رحّـالـة جـاب بـقـاع مـا بـيـن الـنّـهـريـن ومـعـه رسّـام مـمـتـهـن، أجّـره لـيـصـاحـبـه ويـرسـم لـه الـمـواقـع الأثـريـة وقـطـع الـفـخـار والـطّـابـوق الـمـنـقـوش بـكـتـابـات مـسـمـاريـة وأجـزاء مـن أخـتـام أسـطـوانـيـة. كـمـا رسـم لـه قـطـع مـن الـجـدران عـلـيـهـا آثـار قـار وقـصـب خـلـعـهـا مـن أمـاكـنـهـا وأخـذهـا مـعـه لـيـدعـم بـهـا مـلاحـظـاتـه عـن طـرق الـبـنـاء الـقـديـمـة.

بـيـيـتـرو  في بـلاد الـفـرس والـهـنـد :

وفي الـرّابـع مـن كـانـون الـثّـاني 1917 كـتـب لـســكـيـبـانـو أنّـه غـادر بـغـداد بـصـحـبـة زوجـتـه مـعـاني نـحـو أصـفـهـان الّـتي وصـلـهـا في شـبـاط. ولـكـنّ الـشّـاه عـبّـاس كـان قـد تـرك عـاصـمـتـه لـيـقـاتـل سـلـطـان الأتـراك، فـقـرر بـيـيـتـرو أن يـنـتـظـر رجـوعـه. وبـعـد أن طـال انـتـظـاره وتـجـاوز سـنـة كـامـلـة ، قـرر أن يـذهـب لـلـقـاء الـشّـاه في مـعـسـكـره. وقـد اسـتـطاع بـيـيـرو أن يـفـاوض الـشّـاه طـويـلاً مـن غـيـر أن يـصـل إلى نـتـيـجـة. وبـعـد هـذا الـفـشـل في عـقـد تـعـاهـد مـع الـشّـاه الـفـارسي، حـدث مـا أقـلـق بـيـيـتـرو قـلـقـاً شـديـداً فـهـو لـم يـعـد يـسـتـلـم أجـوبـة سـكـبـيـانـو عـلى رسـائـلـه : فـهـل نـسـاه أهـل بـلـده وتـركـوه وحـيـداً في هـذه الـبـلاد الـغـريـبـة. وهـكـذا قـرر أن يـتـرك أصـفـهـان في تـشـريـن الأوّل 1621لـيـسـلـك طـريـق الـعـودة إلى رومـا، ولـم تـكـن قـافـلـة بـيـيـتـرو الـصّـغـيـرة  تـشـمـل إلّا مـعـاني وشـقـيـقـهـا وخـادمـة جـيـورجـيـة في الـثّـانـيـة عـشـرة مـن عـمـرهـا : مـاريـا تـيـنـاتـيـن  وبـضـعـة خـدم. وعـنـد وصـولـهـم إلى الـخـلـيـج الـعـربي كـانـت الـمـلاريـا تـنـتـظـرهـم فـتـسـاقـطـوا مـرضى. وكـانـت مـعـاني حـامـلاً فـفـقـدت جـنـيـنـهـا ثـمّ مـاتـت. وبـقي بـيـيـتـرو بـجـانـب الـجـثـمـان سـبـع لـيـالٍ قـبـل أن يـجـعـلـه يُـحـنّـط ،لأنّـه كـان قـد وعـد زوجـتـه قـبـل مـوتـهـا أن يـعـود بـهـا إلى رومـا. وكـان هـو نـفـسـه مـريـضـاً ولـكـنّـه اسـتـطـاع في هـرمـز أن يـجـد سـفـيـنـة إنـكـلـيـزيـة في بـدايـة 1623 أوصـلـتـهـم  بـصـحـبـة الـجـثـمـان الـمـحـنـط الّـذي وضـع في صـنـدوق مـصـفـح بـالـرّصـاص إلى ضـفـاف غـرب الـهـنـد. وظـلّ سـنّـة في الـهـنـد نـزل فـيـهـا حـتّى كـلـكـتـا. وفي آخـر سـنـة 1624 وجـد ســفـيـنـة أوصـلـتهـم إلى مـسـقـط في عـمـان،  مـنـهـا صـعـدوا إلى الـبـصـرة.

ومـرّ بـيـيـتـرو في 1625 بـتـلّ الـمـقـيّـر، مـوقـع مـديـنـة أور الـقـديـمـة، وتـمـعّـن في فـحـصـه والـتـقـط مـنـه شـظـايـا فـخـار وقـطـع طـابـوق عـلـيـهـا كـتـابـات مـسـمـاريـة وأجـزاء مـن أخـتـام أسـطـوانـيـة. ثـمّ تـابـع سـفـره إلى حـلـب فـالاسـكـنـدرونـة. وقـد سـبـب لـه نـقـل جـسـد زوجـتـه الـمـحـنّـط مـعـه مـا لا يـحـصى مـن الـمـصـاعـب، وكـان عـلـيـه أن يـحـرسـه باسـتـمـرار ضـدّ الـلـصـوص الّـذيـن كـانـوا يـعـتـقـدون أنّـه كـان يـخـفي كـنـزاً. ولـم يـصـل بـيـيـتـرو مـع جـثـمان زوجـتـه والـخـادمـة الـصّـغـيـرة إلى نـابـولي إلّا في بـدايـة  1626.

وعـنـدمـا وصـل عـنـد أهـلـه في رومـا أراد أن يـريـهـم جـمـال زوجـتـه الـبـغـداديـة الـمـحـنّـطـة فـوجـد الـكـافـور قـد حـافـظ عـلى الـجـسـد كـمـا هـو ولـكـنّ الـوجـه كـان قـد تـفـسّـخ. ودفـنـت مـعـاني في قـبـر شـديـد الـجـمـال في سـرداب الـمـقـبـرة الـعـائـلي في كـنـيـسـة سـانـتـا مـاريـا داراكـويـلي فـوق مـرتـفـع الـكـابـيـتـول.

وأهـدى بـيـيـتـرو ديـلـلا فـالـيـه إلى مـتـحـف Museum Kircherianum   في رومـا مـا كـان قـد جـلـبـه مـعـه مـن بـابـل وأور مـن قـطـع أثـريـة قـديـمـة. وكـان مـن بـيـنـهـا نـصـوص مـسـمـاريـة مـن أوائـل مـا وصـل إلى أوربـا.

وبـعـد أن اسـتـقـرّ بـيـيـتـرو في رومـا عـيّـنـه الـبـابـا أوربـيـن الـثّـامـن في وظـيـفـة شـرف. وعـاد بـيـيـتـرو إلى دراسـة لـغـاتـه الـشّـرقـيـة ومـوسـيـقـاه، واسـتـمـرّ يـكـتـب مـدافـعـاً عـن فـنّ الأوبـرا الـيـافـع ضـدّ عـداوة الـمـوسـيـقى الـتّـقـلـيـديـة. وشـرع يـعـرض الآلات الـمـوسـيـقـيـة الّـتي جـلـبـهـا مـعـه مـن الـشّـرق، ومـنـهـا الـقـانـون والـسّـنـطـور عـلى هـواة الـمـوسـيـقى ويـعـلّـمـهـم طريـقـة الـعـزف عـلـيـهـا. كـمـا شـرع في صـنـع آلات مـوسـيـقـيـة مـبـتـكـرة لـم يـكـتـب لـهـا الـبـقـاء. وتـزوّج بـيـيـتـرو  بـمـاريـا تـيـنـاتـيـن، خـادمـة زوجـتـه مـعـاني الّـتي أنـجـبـت لـه أربـعـة عـشـر ولـداً وبـنـتـاً.

وتـوفي بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه في نـيـسـان 1652 ، ودفـن في سـرادب الـمـقـبـرة الـعـائـلي في كـنـيـسـة سـانـتـا مـاريـا داراكـويـلي بـجـانـب زوجـتـه الأولى، الـبـغـداديـة مـعـاني.

تـشـيـيـع جـثـمـان الـسّـت مـعـاني وكـتـاب الـتّـأبـيـن:

رأيـنـا أنّ مـعـاني دفـنـت بـعـد عـودة بـيـيـتـرو إلى رومـا عـام 1626 في سـرداب مـقـبـرة عـائـلـتـه في كـنـيـسـة سـانـتـا مـاريـا داراكـويـلي فـوق مـرتـفـع الـكـابـيـتـول. ولـكـنّ الـمـأتـم أو بـالأحـرى حـفـل الـتّـأبـيـن لـم يـقـام إلّا بـعـد عـدّة أشـهـر: في 27 آذار 1627. وقـد نـشـر بـهـذه الـمـنـاسـبـة كـتـابـاً بـمـائـة وخـمـسـيـن صـفـحـة عـنـوانـه : “حـفـل تـأبـيـن الـسّـيّـدة سـتّي مـعـاني الـجـويـري ديـلّا فـالـيـه الّـذي أقـيـم في رومـا عـام 1627:Funerale della signora Sitti Maani Gioerida della Valle celebrato in Roma l’anno 1627 “.

معاني 1

ونـرى عـلى  غـلاف الـكـتـاب شـعـار عـائـلـة ديـلّا فـالـيـه الّـذي يـمـثّـل خـوذة حـديـديـة يـعـلـوهـا نـسـر وتـحـيـطـهـا تـزيـيـنـات نـبـاتـيـة  في وسـطـهـا أربـع مـربـعـات : إثـنـان مـنـهـا يـمـثـلان رايـة الـعـائـلـة (أسـدان مـتـقـابـلان يـعـلـوهـمـا نـسـر) وأضـيـف إلـيـهـمـا مـربـعـيـن كـرايـة لـسـتّ مـعـاني نـقـرأ عـلـيـهـمـا بـالـسّـريـانـيـة مـا مـعـنـاه : “أمـة الـرّب مـعـاني”. وبـعـد مـقـدمـة بـالـلـغـة الإيـطـالـيـة عـن الـسّـت مـعـاني، يـحـتـوي الـكـتـاب مـن ص. 19 إلى ص. 30 عـلى نـصـوص عـنـهـا بـعـدّة لـغـات : الـلاتـيـنـيـة والـكـلـدانـيـة (ويـقـصـد بـهـا الـسّـريـانـيـة) والإيـطـالـيـة والـعـربـيـة والـبـرتـغـالـيـة والـتّـركـيـة والـفـرنـسـيـة والـفـارسـيـة والإسـبـانـيـة والأرمـنـيـة والإغـريـقـيـة (أي الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) والـيـونـانـيـة (الـحـديـثـة).

ونـقـرأ في الـنّـص الـعـربي ص. 22: “غـربـتي إلى بـابـل. لأخـلّـص ذاتي مـن خـطـور الأعـداء. تـغـرّبـت إلى بـلـد الـعـجـم. لاتـبـع عـريـسي في خـطـور الـحـرب والـقـتـال. ولـكي أكـون مـعـه بـالـراحـة في بـلـده. فـكـنـت مـسـتـعـدة لـلـغـربـة مـعـه. في الـبـر والـبـحـر. حـتى إلى رومـة الـعـظـمـا. فـلـم يـاذن لي الـمـوت بـذلـك: واه. والان مـن ذات خـاطـري. أنـا مـنـغـرّبـة إلى الـسـمـا. فـلـم أنـسـاك مـن الـتّـظـرع لله. مـن أجـلـك. يـا حـبـيـبي “.

معاني 5

ويـحـتـوي الـقـسـم الـتّـالي، مـن ص. 31 إلى ص. 114 عـلى أكـثـر مـن ثـلاثـيـن قـطـعـة شـعـريـة في رثـاء الـسّـتّ مـعـاني نـظـمـهـا أعـضـاء الأكـاديـمـيـة ديـلـيي أومـوريـسـتي مـن أصـحـاب بـيـيـتـرو بـالـلـغـتـيـن الـلاتـيـنـيـة والإيـطـالـيـة. ولأنّ أحـداً مـنـهـم لـم يـر الـسّـتّ مـعـاني فـقـد تـخـيـلـوا فـيـهـا كـلّ الـفـضـائـل الـمـمـكـنـة حـسـب تـعـلـيـمـات بـيـيـتـرو، ونـقـرأ مـثـلاً : “وقـد أسـمـوهـا مـعـاني، وهـو مـا يـدلّ بـالـعـربـيـة عـلى : significance  أي الـمـعـنى، و intelligence أي الـذّكـاء، وconcepts  أي الـمـفـاهـيـم، و eloquence أي الـفـصـاحـة أو بـالأحـرى الأمـثـال سـواء كـان ذلـك في الـنّـثـر أو في الـشّـعـر”. وكـان بـيـيـتـرو قـد أعـطـاهـم نـسـخـاً مـن الـرّسـائـل الأربـع والـخـمـسـيـن الّـتي كـان قـد بـعـثـهـا مـن الـشّـرق لـصـديـقـه سـكـيـبـانـو. ونـجـد بـعـضـهـا في سـرد رحـلـتـه إلى الـشّـرق (Viaggi) الّـذي نـشـره بـعـد ذلـك في رومـا بـيـن 1650 و1653.

أمّـا الـقـسـم الأخـيـر، مـن ص. 115 إلى ص. 149 فـقـد خـصـص لـنـصـوص نـثـريـة يـرثي فـيـهـا بـيـيـتـرو زوجـتـه الـرّاحـلـة سـتّ مـعـاني. وتـظـهـر الـسّـت مـعـاني مـن مـجـمـوع نـصـوص الـتّـأبـيـن زوجـة مـثـالـيـة وامـرأة حـازمـة قـويـة الـشّـخـصـيـة بـل زنـوبـيـا حـديـثـة ! والأهـمّ مـن كـلّ هـذا مـسـيـحـيـة شـرقـيـة سـريـانـيـة (كـلـدانـيـة) كـانـت مـسـتـعـدّة لـلـدخـول في طـاعـة الـكـنـيـسـة الـكـاثـولـيـكـيـة في رومـا.

ويـحـتـوي الـكـتـاب عـلى ثـلاثـة رسـوم مـحـفـورة عـلى الـمـعـدن ومـطـبـوعـة، مـا عـدا رسـم الـغـلاف. ونـجـد في الـصّـفـحـة الـثّـالـثـة رسـمـاً لـسـتي مـعـاني (الّـذي وضـعـنـاه في بـدايـة الـمـقـال). ونـعـرف مـن رسـالـة كـتـبـهـا بـيـيـرو في 21 تـشـريـن الأوّل 1619 أنّـه طـلـب مـن رسّـام أن يـصـور لـه زوجـتـه لـيـبـعـث بـالـرّسـم إلى عـائـلـتـه في رومـا. ونـقـرأ في ص. 61 مـن الـقـسـم الـسّـابـع مـن الـجـزء الـثّـاني مـن سـرد الـرّحـلـة : “بـعـثـت إلى رومـا بـصـورة زوجـتي الـسّـت مـعـاني الّـتي تـودّ عـائـلـتي رؤيـتـهـا. وهي بـالـحـجـم الـطّـبـيـعي، تـرتـدي ثـوبـاً سـريـانـيـاً مـع أنّـهـا نـادراً مـا تـرتـديـه اعـتـيـاديـاً”. ويـذكـر أنّـه هـو نـفـسـه كـان يـرتـدي مـلابـس الـمـنـطـقـة الّـتي يـقـيـم فـيـهـا وحـسـب حـالـة الـطّـقـس، وهـو مـا كـانـت تـفـعـلـه زوجـتـه أيـضـاً. ويـضـيـف بـيـيـتـرو في كـلامـه عـن صـورة زوجـتـه : “وأنـا آسـف لأنّ الـصّـورة لـيـسـت بـالـتّـكـامـل الّـذي كـنـت أودّ أن تـكـون عـلـيـه مـا دمـت لـم أجـد رسّـامـاً عـظـيـمـاً لـيـنـفّـذهـا فـارتـضـيـت بـهـذا الـرّسّـام الـفـلامـيـنـكي الـشّـاب الّـذي كـان في خـدمـتي. وهـو عـلى كـلّ حـال لـم يـكـمـلـهـا قـبـل أن يـتـرك خـدمـتي”.

ويـذكـر بـيـيـتـرو في سـرد رحـلـتـه هـذا الـرّسّـام عـدّة مـرّات، فـقـد الـتـقى بـه في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة  Venezia عـام 1612، قـبـل أن يـشـرع في رحـلـتـه. وقـد أجّـره لـيـصـاحـبـه ويـرسـم لـه مـا يـسـتـحـق الـرّسـم مـن مـلابـس غـريـبـة ومـنـاظـر لـم يـرهـا مـن قـبـل. وكـان اسـمـه يـان فـان هـاسـيـلـت  Jan Lucaszoon van Hasselt.

ويـذكـر بـيـيـتـرو أنّـه لـم يـظـهـر في صـورة زوجـتـه الـحـلي الّـتي تـلـبـسـهـا الـشّـرقـيـات، وأنّ زوجـتـه خـلـعـت الـحـلـقـة الّـتي كـانـت تـضـعـهـا في مـنـخـارهـا : “والـشّـرقـيـات يـضـعـنـهـا كـمـا تـوضـع الـحـلـقـات في خـيـاشـيـم الـجـوامـيـس” !  كـمـا أنّ الـرّسّـام صـوّر الـخـنـجـر الّـذي تـحـمـلـه زوجـتـه مـن غـيـر ذهـب أو جـواهـر.

وقـد ضـاعـت هـذه الـلـوحـة ولـم يـصـلـنـا مـنـهـا إلّا هـذا الـرّسـم الـمـطـبـوع. وكـان بـيـيـتـرو يـنـوي أن يـطـلـب مـن أشـهـر رسـامي إيـطـالـيـا أن يـرسـمـو سـت مـعـاني بـعـد أن يـعـود مـعـهـا إلى رومـا. ولـكـن الـمـوت لـم يـأذن لـه بـذلـك. وبـقي لـنـا أيـضـاً وصـف بـيـيـتـرو لـمـعـاني : “جـمـالـهـا يـوافـق مـعـايـيـر الـجـمـال في بـلـدهـا. أي أنّ لـبـشـرتـهـا لـون حـارّ يـعـتـبـر في أعـيـن الإيـطـالـيـيـن أقـرب إلى الـبـنّي مـنـه إلى الأبـيـض. ويـقـرب شـعـرهـا مـن الـسّـواد، وكـذلـك حـاجـبـاهـا وأهـدابـهـا الّـتي تـطـيـلـهـا بـالـكـحـل عـلى طـريـقـة الـشّـرقـيـات. وتـشـعّ عـيـنـاهـا بـنـفـس الـلـون (أي الأسـود)”.

ونـجـد بـيـن صـفـحـتي 16 و17 رسـمـيـن حـفـرا عـلى الـمـعـدن وطـبـعـا : صـورة الـمـنـصّـة الّـتي تـمـثّـل الـنـعـش في حـفـل الـتّـأبـيـن،

معاني 3

صـنـعـت عـلى الأسـلـوب الـبـاروكي الـطّـاغي في ذلـك الـزّمـان. وشـعـار الـسّـت مـعـاني

معاني 4

فـلـكي تـعـتـبـر نـبـيـلـة في أعـيـن الإيـطـالـيـيـن كـان عـلـيـه أن يـخـتـرع لـهـا شـعـاراً خـاصّـاً بـهـا. وهـو دائـرتـان تـحـيـط الـواحـدة مـنـهـمـا بـالأخـرى. في وسـط الـدّائـرة الـصّـغـيـرة نـصّ مـخـطـوط  بـالـسّـريـانـيـة : “أمـة الـرّب مـعـاني”.  وفي الـدّائـرة الـواسـعـة نـصّ طـويـل بـالـخـط الـعـربي مـتـشـابـك الـحـروف يـمـكـن أن نـقـرأ فـيـه :  “الله الـقـديـم الأسـمى الأشـرف الأرفـع الأعـلى الـسّـت مـعـاني بـنـت الـسّـيـد الـحـبـيـب جـان الـمـادسي ؟ جـويـري مـن الأصـل في الـجـزيـرة”.  ولـكـنّ هـذه الـقـراءة لـيـسـت أكـيـدة.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

jardin13

(صـور الـجـنـائـن خـيـالـيـة مـثـل الأسـطـورة)

لـم تـذكّـر الـنّـصـوص الـبـابـلـيـة الّـتي سُـجّـلـت بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة جـنـائـن مـعـلـقـة في بـابـل، ولـم يـجـد الـمـنـقـبـون خـلال حـمـلات الـتّـنـقـيـبـات الـمـتـتـالـيـة في مـوقـع بـابـل الـقـديـمـة (مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وطـيـلـة الـقـرن الـعـشـريـن) أثـراً لـهـذه الـجـنـائـن “الـمـعـلّـقـة “.

فـكـيـف تـكـوّنـت هـذه الأسـطـورة عـنـد الإغـريـق (أي الـيـونـانـيـيـن الـقـدمـاء) ومـقـلـديـهـم الـرّومـان ؟ وكـيـف دخـلـت ضـمـن “عـجـائـب الـدّنـيـا الـسّـبـع” الّـتي صـنّـفـوهـا ؟

أوّل ذكـر لـلـجـنـائـن الـمـعـلـقـة في الـقـرنـيـن الـرّابـع والـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد

أوّل ذكـر لـلـجـنـائـن الـمـعـلـقـة كـتـبـه الإغـريـقي مـيـغـاسـتـيـنـس (ولـد سـنـة 340 قـبـل الـمـيـلاد وتـوفي سـنـة 282 قـبـل الـمـيـلاد). وكـان قـد بـعـث في سـفـارة إلى بـلاط الـفـرس، ومـرّ بـبـابـل. وقـد ضـاع كـتـابـه ولـم يـصـلـنـا مـنـه إلّا اسـتـشـهـادات في كـتـاب لأبـيـديـنـوس  Abydenos وفي الـحـقـيـقـة نـحـن لا نـعـرف مـن كـتـاب أبـيـديـنـوس إلّا مـا اقـتـبـسـه مـنـه أوسـيـبـيـوس الـبـامـفـيـلي Eusebius Pamphili الـمـعـروف بـأوسـيـبـيـوس الـقـيـصـري الّـذي عـاش بـعـده في الـقـرن الـثـالـث بـعـد الـمـيـلاد في كـتـابـه عـن تـاريـخ رجـال الـدّيـن. ومـا وصـلـنـا (نـقـلاً عـن نـقـل) مـمـا كـتـبـه مـيـغـاسـتـيـنـس أنّ نـبـوخـذ نـصـرالـثـاني شـيّـد عـدداً مـن الـمـبـاني، وأنّـه : “أمـر أن يـزيـن قـصـره بـأشـجـار، وأسـمى هـذه الـجـنـائـن بـالـمـعـلّـقـة “.

أمّـا بـيـروسـوس  Berossos (واسـمـه بـالـلـغـة الـبـابـلـيـة : بـعـل رعـيـشـو، أي بـعـل راعـيـه)، والّـذي يـسـمى أيـضـاً بـيـروسـوس الـكـلـداني، وكـان رجـل ديـن بـابـلي في مـعـبـد مـردوخ، ولـد في الـزّمـن الّـذي أقـام فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل أو قـبـلـه بـقـلـيـل أي في أواخـر الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، فـقـد كـتـب بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـتـاب بـابـل  Babyloniaka  (ويـعـرف أيـضـاً بـكـتـاب بـلاد الـكـلـدان Chaldaika ) الّـذي ألّـفـه لـلـمـلـك الـسّـلـوقي أنـطـيـقـيـوس الأوّل بـيـن 290 و278 ق. م. لـيُـعـرّف الإغـريـق بـحـضـارة بـلـده بـابـل.

ولـم يـصـلـنـا هـذا الـكـتـاب. ولـيـس لـديـنـا مـنـه إلّا تـلـخـيـص الإسـكـنـدرالـمـلـقّـب بـبـولي هـيـسـتـور (أي الـغـزيـر الـعـلـم)  Alexandre Polyhistor  لـه، واقـتـبـاسـات الـكّـتـاب الّـذيـن جـاءوا بـعـده مـثـل بـلـيـنـيـوس الأكـبـر Gaius Pilinus Seconus  وسـنـسـوريـنـوس Censorinus وفـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   وفـيـتـروفـيـوس Vitruvius . وهـو يـذكـر أن الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة أنـشـأهـا نـبـوخـذ نـصـرالـثـاني (604 ـ 562 ق. م.) لـزوجـتـه الّـتي جـاءت مـن بـلاد مـيـديـا الـجـبـلـيـة في غـرب إيـران لـتـذكّـرهـا بـبـلادهـا وتـسـلـيـهـا في غـربـتـهـا. وهـو يـذكـر أن اسـم الـمـلـكـة كـان أمـتـيـس Amytis  إبـنـة الـمـلـك الـمـيـدي سـيـاخـار Cyaxare الّـتي تـزوّجـهـا الـمـلـك الـبـابـلي لـيـعـزز تـحـالـفـه مـعـه عـنـدمـا قـررا إسـقـاط الإمـبـراطـوريـة الآشـوريـة.

وقـد اسـتـشـهـد فـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   (وهـو الإسـم الـلاتـيـني لـلـكـاتـب الـيـهـودي يـوسـف بـن مـاتـيـتـيـاهـو هـا كـوهـيـن) بـنـص بـيـروسـوس، وذكـرالـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة  في كـتـابـيـه “ضـدّ أبـيـون” و “الآثـار الـيـهـوديـة “. وهـو يـقـول في كـتـابـه “الآثـارالـيـهـوديـة ” الّـذي كـتـبـه بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة في الـقـرن الأول : “ولأنّ الـمـلـكـة الّـتي نـشـأت وتـرعـرعـت في بـلاد مـيـديـا، كـانـت تـودّ أن تـجـد مـا يـذكّـرهـا بـبـلادهـا، فـقـد أمـر(الـمـلـك) بـتـشـيـيـد سـطـوح فـوق قـصـره بـأحـجـاركـبـيـرة حـتّى بـدت كـجـبـال. وغـطّـيـت بـتـراب غـرسـت فـيـه أعـداد هـائـلـة مـن الأشـجـار مـن كـلّ الأنـواع ، حـتّى اعـتـبـرت هـذه الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة مـن بـيـن عـجـائـب الـدّنـيـا “.

ولـكـنّ فـلافـيـوس يـوسـيـفـوس لـم يـقـرأ كـتـاب بـيـروسـوس وإنّـمـا عـرفـه في تـلـخـيـص الإسـكـنـدر بـولـيـهـسـتـور لـه. ويـبـدو أنّ بـولـيـهـسـتـور أخـذ وصـفـه لـلـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة  مـن سـيـرة الإسـكـنـدر الـمـقـدوني الّـتي ألّـفـهـا كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري  Clitarchus Alesandria وأضـافـه إلى تـلـخـيـصـه لـبـيـروسـوس. وكـان كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري الّـذي عـاش في نـهـايـة الـقـرن الـرّابـع وبـدايـة الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، وارتـاد بـلاط بـطـلـيـمـوس الأوّل في الإسـكـنـدريـة  قـد ألّـف كـتـاب “تـاريـخ الإسـكـنـدر” بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة. وقـد تـأثـر بـالـكـاتـب كـالـيـسـثـيـنـوس الأولـيـنـثي Callisthenos  ، وأثـر عـلى ديـودروس الـصّـقـلي  Diodorus Siculus (بـالـيـونـانـيـة  Διόδωρος Σικελιώτης) وبـومـبـيـوس تـروغـوس  Cneius Pompeius Trogus  وكـيـنـتـوس كـورتـيـوس  Quintus Curtius Rufus  الّـذيـن جـاءوا بـعـده.

الـقـرن الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد:

1520518-8866-thickbox

نـجـد في “الـمـخـتـارات الـبـلاتـيـنـيـة ”  الّـتي جـمـعـت أشـعـاراً إغـريـقـيـة ولاتـيـنـيـة، (ويـرجـع تـاريـخ تـألـيـفـهـا ولا شـك إلى الـقـرن الـخـامـس ب. م.) نـصـاً لـلـشـاعـر أنـتـيـبـاتـروس الـصّـيـداوي Antipatros Sidonios الّـذي عـاش في الـقـرن الـثّـاني ق. م. :

” رأيـت أسـوار بـابـل الـعـتـيـقـة الّـتي تـجـري فـوقـهـا الـعـربـات

و [تـمـثـال] زيـوس هـذا عـلى ضـفـة نـهـر الألـفـيـه.

رأيـت الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة وعـمـلاق الـشّـمـس

والـبـنـاء الـهـائـل لـلأهـرامـات الـعـالـيـة

وضـريـح مـوسـول الـرّائـع”.

الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد :

يـذكـر ديـودروس الـصّـقـلي  Diodorus Siculus (الّـذي عـاش في زمـن يـولـيـوس قـيـصـر وخـلـفـه الـقـيـصـر أوغـسـطـس الـلـذيـن حـكـمـا رومـا في الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد) أنّ الـخـراب عـمّ مـديـنـة بـابـل وهـجـرهـا أغـلـب أهـلـهـا، ولـم يـبـق في داخـل الأسـوار إلّا أحـيـاء قـلـيـلـة بـقي فـيـهـا سـكّـانـهـا. ويـصـف في كـتـابـه : “الـمـكـتـبـة الـتّـاريـخـيـة ” الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة وصـفـاً مـفـصّـلاً. ويـذكـر الـقـصـة الّـتي حـكـاهـا بـيـروس عـن الـمـلـك الـبـابـلي (ولـكـنّـه لـم يـذكـر اسـمـه ) الّـذي شـيّـدهـا لـزوجـتـه، ولـكـنّـهـا أصـبـحـت عـنـده “مـحـظـيـة فـارسـيـة”. والـجـنـائـن عـنـده مـربـعـة الـشّـكـل، كـلّ ضـلـع مـنـهـا أربـعـة فـراسـخ. وهي درجـات أو سـطـوح تـرتـفـع فـوق أقـواس تـسـتـنـد عـلى أعـمـدة، وأعـلاهـا تـرتـفـع إلى خـمـسـيـن ذراعـاً. وشـيّـد كـلّ واحـد مـن هـذه الـسّـطـوح بـأحـجـار ضـخـمـة وضـعـت عـلـيـهـا طـبـقـة مـن الـقـصـب سـكـب عـلـيـهـا الـقـار، ثـمّ طـبـقـة مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور والـجـص، ثـمّ طـبـقـة مـن الـرّصـاص. ووضـعـت فـوقـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـتّـراب غـرسـت فـيـهـا أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـجـار مـن كـلّ الأنـواع، مـدهـشـة الأحـجـام وخـلّابـة الـجـمـال. ويـذكـر أنّـه كـان فـيـهـا غـرف بـديـعـة. وأنّ أحـد الأعـمـدة الّـتي تـسـنـد الـجـنـائـن كـان مـجـوفـاً مـن أعـلاه إلى أسـفـلـه، وهـوالّـذي كـان يـسـحـب الـمـاء مـن الـنّـهـر، أي الـفـرات، لـسـقي الـجـنـائـن.وهـو يـتـكـلّـم عـن الـزّقـورة ويـذكـر أنّ الـكـلـدان (ويـعـني بـهـم رجـال الـدّيـن) كـانـوا يـرتـقـون طـبـقـاتـهـا عـلى الـسّـلالـم ويـصـلـون إلى أعـلاهـا لـيـراقـبـوا مـسـيـرة الـكـواكـب والـنّـجـوم.

ويـبـدو أنّ ديـودروس الـصّـقـلي أخـد مـعـلـومـاتـه مـن سـيـرة الإسـكـنـدر الـمـقـدوني الّـتي ألّـفـهـا كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري حـوالي 300  سـنـة قـبـل الـمـيـلاد. ويـبـدو أنّ كـلـيـتـاركـوس الّـذي ضـاع كـتـابـه، قـد زار بـابـل. كـمـا أنّ ديـودروس الـصّـقـلي اقـتـبـس مـقـاطـع كـثـيـرة مـن كـتـاب إقـطـسـيـاس الإقـنـيـدي   Ktesias Knidos: “كـتـاب الـفـرس Persica”.

الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد:

كـتـب بـومـبـيـوس تـروغـوس  Cneius Pompeius Trogus ، الّـذي عـاش في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد بـيـن مـا كـتـب “الـتّـواريـخ الـفـيـلـيـبـيـة “. وقـد سـمى كـتـابـه هـذا بـاسـم فـيـلـيـبـوس الـمـقـدوني والـد الإسـكـنـدر. ويـتـكـلّـم فـيـه عـن الـمـنـاطـق الّـتي فـتـحـهـا الإسـكـنـدر الـكـبـيـر، إبـن فـيـلـيـبـوس الـمـقـدوني ومـنـهـا بـلاد آشـور. ويـذكـر أنّ تـاريـخ هـذه الـبـلاد يـبـدأ بـمـلـكـهـا (الأسـطـوري) نـيـنـوس. وقـد تـأثـر بـومـبـيـوس تـروغـوس بـمـا قـرأه في “تـاريـخ الإسـكـنـدر”  لـكـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري ، الّـذي رأيـنـا أنّـه كـتـبـه في بـدايـة الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد  .

أمّـا بـيـلـيـنـوس الأكـبـرGaius Pilinus Seconus ، والّـذي عـاش هـو الآخـر في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد ، فـيـنـقـل عـن الـمـؤرخ الإغـريـقي هـيـرودوت وصـفـه لـبـابـل وأنّ مـحـيـط أسـوارهـا كـان 480 غـلـوة. ويـذكـر الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة في مـوسـوعـتـه “الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي” :  “كـان الـقـدمـاء يـعـجـبـون أولاً بـجـنـائـن الـهـسـبـريـديـيـن، ثـمّ بـجـنـائـن الـمـلـكـيـن أدونـيـس وألـسـيـنـوس وبـالـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة الّـتي شـيـدتـهـا سـمـيـرامـيـس أو شـيـدهـا كـورش مـلـك بـلاد آشـور، والّـتي سـنـتـكـلّـم عـنـهـا في كـتـاب آخـر”. ولـم يـصـلـنـا الـكـتـاب الآخـر، وضـاع بـيـن مـا ضـاع. ونـلاحـظ أنّ بـيـلـيـنـوس الأكـبـر يـسـمـي الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني كـورش الّـذي أسـقـط بـابـل في 539 قـبـل الـمـيـلاد بـمـلـك بـلاد آشـور، ويـضـعـه بـجـانـب الـمـلـكـة الأسـطـوريـة سـمـيـرامـيـس !

ويـصـف الـمـؤرخ الـرّومـاني كـيـنـتـوس كـورتـيـوس  Quintus Curtius Rufus  الّـذي عـاش في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد ، بـابـل والـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة في كـتـابـه تـاريـخ الإسـكـنـدر الـكـبـيـر Historiaum Alexanderi Magni Libiri  (بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة). وكـتـابـه هـذا كـان بـعـشـرة أجـزاء ضـاع جـزاءهـمـا الأوّل والـثّـاني، كـمـا ضـاع بـعـضٌ مـمـا تـضـمّـنـتـه الأجـزاء الـثّـمـانـيـة الـبـاقـيـة. ويـذكـر الـقـصـة الّـتي حـكـاهـا بـيـروسـوس عـن الـمـلـك الـبـابـلي (ولـكـنّـه لـم يـذكـراسـمـه) الّـذي شـيّـد الـجـنـائـن لـزوجـتـه. وقـد اسـتـعـمـل الـمـعـلـومـات الّـتي وجـدهـا عـنـد كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري وإقـطـسـيـاس الإقـنـيـدي  وديـودروس الـصّـقـلي :

“وفـوق الـقـلـعـة كـانـت أحـدى الـعـجـائـب الّـتي رددتـهـا الأسـاطـيـرالإغـريـقـيـة : الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة. وتـوازي قـمـتـهـا أعـالي الأسـوار. ويـأتـيـهـا سـحـرهـا مـن ظـلالـهـا الـوارفـة وارتـفـاع أشـجـارهـا الـكـثـيـرة. والأعـمـدة الّـتي تـسـنـدهـا مـن الـصـخـر وفـوقـهـا سـطـح مـن الأحـجـار الـمـنـحـوتـة عـزز لـيـسـتـطـيـع حـمـل كـمـيـات الـتّـراب الّـتي ألـقـيـت فـوقـه والـمـاء الّـذي يـسـقـيـه. ويـحـمـل الـبـنـاء أشـجـاراً ضـخـمـة يـصـل قـطـر جـذع الـواحـدة مـنـهـا إلى ثـمـانـيـة أذرع ويـرتـفـع إلى 50 قـدم. وتـثـمـر هـذه الأشـجـار كـمـا لـو كـانـت عـلى الأرض. ومـع أنّ مـرور الـزّمـن يـمـحـو لـيـس فـقـط أعـمـال الإنـسـان وإنـمـا أيـضـاً أعـمـال الـطـبـيـعـة ، فـهـذه الـجـنـائـن تـبـقى قـائـمـة وذلـك رغـم ضـغـط جـذور كـلّ أشـجـار هـذه الـغـابـة وثـقـلـهـا. وهـذا لأنّ جـدران الأسـاس الّـذي تـسـتـنـد عـلـيـه يـبـلـغ سـمـكـهـا 20 قـدم، لا يـفـصـل بـيـن الـواحـد والآخـر أكـثـر مـن 11 قـدمـاً. وهـكـذا يـراهـا الـنّـاظـر مـن بـعـيـد كـغـابـات طـبـيـعـيـة عـلى قـمـة جـبـل.  وتـذكـر الأخـبـار الـمـنـقـولـة أنّ الّـذي شـيّـدهـا مـلـك سـوريـا (يـقـصـد بـلاد آشـور) الّـذي كـان وحـكـم بـابـل. دفـعـه إلى ذلـك حـبّـه لـزوجـتـه، فـقـد كـانـت في مـديـنـة الـسّـهـول هـذه تـحـنّ إلى جـبـال بـلـدهـا. وطـلـبـت مـن زوجـهـا أن يـقـلـد بـهـذا الـعـمـل سـحـر الـطّـبـيـعـة “.

وكـتـب الـجـغـرافي الـرّومـاني إسـطـرابـو Strabo الّـذي عـاش في نـهـايـة الـقـرن الأول ق.م. وبـدايـة الـقـرن الـثّـاني ب. م.  وصـفـاً مـفـصـلاً أخـذه مـن سـابـقـيـه لـلـجـنـائـن في كـتـابـه “الـجـغـرافـيـا ” :  “هـذه الـجـنـيـنـة الّـتي هي مـربـع شـاسـع طـول كـلّ ضـلـع مـنـه أربـعـة فـراسـخ. تـرتـفـع سـطـوحـهـا طـبـقـات تـسـنـدهـا أقـواس مـرتـكـزة عـلى أعـمـدة مـربـعـة الأضـلاع. وهـذه الأعـمـدة مـجـوفـة، ومـلأت الـسّـطـوح تـرابـاً غـرسـت فـيـه أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـجـار. وشـيّـدت الأعـمـدة والأقـواس والـسّـطـوح بـالـطّـابـوق الـمـفـخـور والـقـار لا غـيـر. ويـتـسـلـق الـصّـاعـد إلى الـطّـابـق الـعـلـوي درجـات سـلّـم ضـخـم تـحـاذيـه لـوالـب يـصـعـد الـمـاء عـلـيـهـا مـن الـفـرات إلى الـجـنـيـنـة، ويـديـرهـا بـلا تـوقـف رجـال عـهـد إلـيـهـم بـذلـك. والـفـرات يـقـسـم الـمـديـنـة مـن وسـطـهـا إلى نـصـفـيـن”.

الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد :

ويـبـدو أنّ فـيـلـون الـبـيـزنـطي Philon Byzantios  الّـذي عـاش في الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد هـو الّـذي اقـتـرح قـائـمـة بـ “عـجـائـب الـدّنـيـا” وضـع فـيـهـا جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة. ولـكـنّ كـتـابـه كـمـا وصـلـنـا يـعـجّ بـإضـافـات مــمـن جـاءوا بـعـده :

“زرعـت الـجـنـيـنـة الـمـسـمـاة بـالـمـعـلّـقـة في الـفـضـاء : نـبـاتـاهـا تـعـلـوالأرض، [والـجـنـيـنـة ] تـبـدو سـقـفـاً يـعـلـو الأرض، تـسـنـده أعـمـدة مـن الـحـجـر ركـزت فـوق أسـطـوانـات مـن الـصّـخـر لـمـنـحـوت. وقـد ألـقـيـت فـوقـه كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـتّـراب زرعـت فـيـهـا نـبـاتـات واسـعـة الأوراق. وتـنـمـو في هـذه الـجـنـيـنـة كـلّ أنـواع الأشـجـار، وأنـواع مـخـتـلـفـة مـن الأزهـار، أي كـلّ مـا يـحـلـو لـلـنّـظـر ويـمـتـع الـحـواس. وتـوصـل مـجـاري الـسّـقي الـمـاء إلى الأعـلى، إمّـا أن يـنـبـثـق انـبـثـاقـاً مـسـتـقـيـمـاً أو يـصـعـد مـتـلـويـاً في لـوالـب بـحـيـل تـجـعـلـه يـجـري حـول مـراوح وآلات.  ويـسـقي الـمـاء الـمـرفـوع، بـعـد أن يـسـكـب في أحـواض، الـجـنـيـنـة كـلّـهـا. يـتـداخـل في جـذورالـنّـبـاتـات تـداخـلاً عـظـيـمـاً فـتـظـلّ مـنـه الأرض مـبـتـلّـة. ولـهـذا ولاشـكّ كـانـت الأعـشـاب فـيـهـا دائـمـة الإخـضـرار(…) وكـان يـنـتـج عـن هـذا الـعـمـل [الـمـصـطـنـع] مـتـعـة مـلـكـيـة، فـهـو مـعـاكـس لـعـمـل الـطّـبـيـعـة مـادام يـعـلّـق أثـمـار الأرض فـوق رؤوس الـرّافـعـيـن أنـظـارهـم إلـيـهـا لـيـتـأمـلّـوهـا”.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (1) :

بـطـاقـات بـريـديـة طـبـعـتـهـا شـركـة عـبـدُالـعـلي إخـوان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

تـنـشـرعـدّة مـواقـع عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة أعـداداً كـبـيـرة مـن الـصّـور الـقـديـمـة عـن الـعـراق، ولـكـن أغـلـبـيـتـهـا لا تـذكـر مـصـادر هـذه الـصّـور، ولا تـهـتـم بـمـن صـورهـا ولا في أيـة فـتـرة زمـنـيـة الـتـقـطـت. ونـجـد في بـعـض الأحـيـان صـوراً لا يـذكـر نـاشـروهـا أيـة مـعـالـم طّـبـيـعـيـة أو عـمـرانـيـة تـمـثـلـهـا. وفي مـحـاولـتي لـتـصـنـيـف بـعـض هـذه الـصّـور الّـتي طـبـعـت كـبـطـاقـات بـريـديـة وتـبـويـبـهـا وجـدت أعـداداً مـنـهـا تـحـمـل تـعـلـيـقـات وخـاصـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة تـذكـر اسـم الـمـصـور أو الأسـتـوديـو أوالـشّـركـة الّـتي تـكـلـفـت بـطـبـعـهـا، كـمـا تـشـيـر إلى الـمـشـاهـد أوالـمـنـاظـر الـطـبـيـعـيـة والـعـمـرانـيـة الّـتي تـصـوّرهـا. ولأنّي لـم أجـد دراسـات يـسـهـل إيـجـادهـا ويـمـكـن الإعـتـمـاد عـلـيـهـا فـقـد حـاولـت جـهـدي أن أصـل إلى بـعـض الإسـتـنـتـاجـات الّـتي سـأخـطـأ ولا شـكّ في بـعـضـهـا. وأودّ لـو تـوصـلـت بـمـحـاولـتي هـذه إلى دفـع بـعـض قـرائي إلى الـمـشـاركـة فـيـهـا وتـزويـدي بـمـعـارفـهـم ومـلاحـظـاتـهـم. وسـأركّـز في هـذه الـمـحـاولات عـلى خـمـسـة مـصـوّريـن أو أسـتـوديـوهـات أو شـركـات تـصـويـر: عـبـدُ الـعـلي إخـوان Abdulaly Bros. ، و إلـدورادو Eldorado ،  وبـيـزاز  Bezaz ، وإسـكـنـدر ج. زفـوبـودا Alexandre J. Svoboda ، و هـوري J. S. Hoory .

 مـؤسـسـة عـبـدُالـعـلي اخـوانـا (إخـوان) Abdulaly Bros :

أنـشـأهـا هـنـدي مـن الـرّعـايـا الـبـريـطـانـيـيـن في الـعـراق، عـبـدُ الـعـلي آدمـس. وكـان لـهـا نـشـاطـات مـتـنـوعـة في بـغـداد. ومـمـا نـعـرفـه عـن عـبـدُ الـعـلي هـذا أنّ الـسّـلـطـات الـعـثـمـانـيـة قـدّمـت في شـهـر حـزيـران مـن عـام 1913 طـلـبـاً لـتـوقـيـفـه إلى الـقـنـصـل الـبـريـطـاني في بـغـداد. وكـان سـبـب الـطّـلـب تـلاعـبـه بـأسـعـار الـبـضـائـع ورفـعـه لـهـا. وقـد اضـطـرّ الـقـنـصـل الـبـريـطـاني إلى الإسـتـجـابـة لـلـطّـلـب. وقـد طـبـعـت الـمـؤسـسـة بـطـاقـات بـريـديـة عـن صـور لـلـعـراق وبـاعـتـهـا خـلال سـنـوات طـويـلـة. واخـتـرت لـكـم 17 بـطـاقـة مـن هـذه الـبـطـاقـات ربّـمـا اسـتـطـعـنـا أن نـرتـبـهـا كـالـتـالي : بـطـاقـتـان تـصـوّر الأولى حـفـل افـتـتـاح الـجـسـر الـجـديـد.

Abdulaly 1

وفي أعـلاهـا تـعـلـيـق بـالـلـغـة الـتّـركـيـة الـعـثـمـانـيـة (وبـالـحـروف الـعـربـيـة)، وفي أسـفـلـهـا تـعـلـيـق بـالإنـكـلـيـزيـة : The New Bridge and Old Side of Baghdad  أي “الـجـسـر الـجـديـد والـجـانـب الـقـديـم مـن بـغـداد”. ويـبـدو أنّـهـا كـانـت في مـجـمـوعـة بـطـاقـات فـهي تـحـمـل الـرقـم 8. ونـجـد في أعـلى الـبـطـاقـة كـتـابـة أضـيـفـت بـقـلـم حـبـر لاسـم : E. Menoyet

(ربّـمـا كـان مـالـكـهـا الّـذي اشـتـراهـا في بـغـداد) ولـتـاريـخ : الأوّل مـن شـهـر آذار 1909. أمّـا الـبـطـاقـة الـثّـانـيـة الّـتي تـنـتـمي ولا شـكّ إلى نـفـس الـمـجـمـوعـة فـتـحـمـل الـرّقـم 12.

Abdulaly 2

ونـقـرأ في أعـلاهـا بـالـتّـركـيـة الـعـثـمـانـيـة : ” بـغـداد امـام اعـظـم …” ، وفي أسـفـلـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : The North Gate of Bab-ul-Muazzam, in the city of Baghdad . أي “الـبـاب الـشّـمـالي بـاب الـمـعـظـم في مـديـنـة بـغـداد”. وأضـيـف فـوق هـذا الـتّـعـلـيـق (في أسـفـل الـصّـورة) بـقـلـم حـبـراسـم يـصـعـب قـراءتـه وتـاريـخ : بـغـداد 14/ 11/ 11، أي 14 مـن شـهـر تـشـريـن الـثّـاني سـنـة 1911. ونـجـد في أسـفـل الـبـطـاقـتـيـن اسـم مـؤسـسـة عـبـدُ الـعـلي إخـوان، بـغـداد: Abdulaly 1 (2)

والـبـطـاقـتـان ولا شـكّ مـن أقـدم مـا طـبـعـتـه الـمـؤسـسـة. ولـديـنـا بـطـاقـة ثـالـثـة تـمـثّـل “الـسّـقـا”.

Abdulaly Bros. 3

وعـلى جـانـبـهـا نـص بـالـفـرنـسـيـة فـقـط : Bagdad, Porteur d’eau Seka. وأضـيـف إلـيـهـا بـقـلـم حـبـر تـعـلـيـق بـالـتّـركـيـة (وبـحـروف عـربـيـة) ربّـمـا تـنـتـمي إلى هـذه الـفـتـرة. وكـتـب في أسـفـلـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، تـجّـار، بـغـداد.

Abdulaly Bros. 3 (2)

أمّـا الـبـطـاقـة الـرّابـعـة فـلـيـس عـلـيـهـا إلّا الـتّـعـلـيـق الإنـكـلـيـزي في أسـفـلـهـا (والّـذي أضـيـفـت إلـيـه تـرجـمـتـه بـالـفـرنـسـيـة) أي أنّـهـا نـشـرت بـعـد خـروج الـعـراق مـن هـيـمـنـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـعـد الإحـتـلال الـبـريـطـاني في 1917.

Abdulaly 3

ويـذكـر الـنّـص الإنـكـلـيـزي:   Carriage Line going at Babylon and to Karbele  وتـحـتـه بـالـفـرنـسـيـة : Ligne de charriots menant à Babylone et Karbela أي خـط عـربـات نـقـل إلى بـابـل وكـربـلاء. وتـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة وبـحـروف صـغـيـرة : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، تـجّـار هـنـود، وكـلاء تـجـاريـون [أي وسـطـاء بـيـن الـبـاعـة والـمـشـتـريـن] ومـنـتـجـو مـيـاه غـازيـة وشـرابـت [جـمـع شـربـت]، بـغـداد.

Abdulaly 4

والـبـطـاقـة الـخـامـسـة مـن نـفـس فـتـرة الـرّابـعـة، بـنـصـيـهـا الإنـكـلـيـزي والـفـرنـسي وبـنـفـس اسـم الـشـركـة ونـشـاطـاتـهـا.

Abdulaly 5

ويـذكـر الـنّـصّ الإنـكـلـيـزي : Arab’s camps and their cattles on the banks of River Tigris nrear Baghdad . وتـرجـمـتـه إلى الـفـرنـسـيـة : Camp d’Arabes et leurs  troupeaux aux bords du Tigre   أي مـضـارب عـرب وقـطـعـانـهـم عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة قـرب بـغـداد. ثـمّ نـجـد ثـمـاني بـطـاقـات كـتـب في أسـفـلـهـا : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، قـرطـاسـيـات ونـاشـرو بـطـاقـات بـريـديـة :

Abdulaly Bros. 6 (2)

ا ــ  صـورة مـكـتـب الـحـاكـم الـعـام في الـسّـراي.

Abdulaly Bros. 16 (2)

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : The Governor General’s Office in Seray, Baghdad . وأضـيـف عـلـيـهـا بـقـلـم حـبـر اسـم مـالـك الـبـطـاقـة : E. Menoyet  ، والّـذي رأيـنـا أنّـه اشـتـرى بـطـاقـة “الـجـسـر الـجـديـد والـجـانـب الـقـديـم مـن بـغـداد” في 14/ 11/ 11، أي 14 مـن شـهـر تـشـريـن الـثّـاني سـنـة 1911. وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّـه بـعـد اكـتـمال احـتـلال الـبـريـطـانـيـيـن لـلـعـراق، وضعـتـه “عـصـبـة الأمـم” عـام 1918تـحـت انـتـدابـهـم . وتـشـكّـلـت إدارة مـدنـيـة بـريـطـانـيـة تـرأسـهـا الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس  P. COX  الّـذي عـيّـن حـاكـمـا عـامـاً. وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1921 عـنـدمـا نـصـب فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى الـعـراق تـحـت اسـم فـيـصـل الأوّل. وقـد الـتـقـطـت هـذه الـصّـورة إذن في تـلـك الـفـتـرة.

ب ــ  صـورة سـفـيـنـة بـخـاريـة تـنـقـل الـمـسـافـريـن كـانـت تـمـتـلـكـهـا “شـركـة مـلاحـة الـفـرات ودجـلـة  The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company” الّـتي أنـشـأهـا الإخـوان لـنـج Lynch Brothers في 1861.

Abdulaly Bros. 5

والـسّـفـيـنـة الـمـسـمـاة “بـلـوس لـنـج Bloss Lynch ”  صـنـعـت في إنـكـلـتـرة وركّـبـت في الـبـصـرة في 1878 . وكـان يـمـكـنـهـا نـقـل 600 مـسـافـر و300 طـن مـن الـبـضـائـع بـيـن بـغـداد والـبـصـرة. وقـد وجـدت ذكـراً لـحـادثـة جـرت لـلـسّـفـيـنـة عـام 1908 في سـجـل الـمـنـاقـشـات الـبـرلـمـانـيـة في بـريـطـانـيـا    The Parliamentary Debates.  ولا أدري حـتّى أيـة سـنـة سـارت هـذه الـسّـفـيـنـة في دجـلـة.

ج ــ  صـورة سـفـيـنـة بـخـاريـة تـصـل إلى بـغـداد.

Abdulaly Bros. 6

كـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  A view of the river, when steamer is arrived, Baghdad. أي مـنـظـر لـلـنّـهـر عـنـدمـا وصـلـت الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة، بـغـداد.

د ــ  صـورة نـفـس الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة مـن الأمـام.

Abdulaly Bros. 8

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  A scene of the river Tigris, Baghdad.

هـ ـ  صـورة مـنـظـر لـحـدائـق الـبـلـديـة في طـريـق الـمـيـدان.

Abdulaly Bros. 9

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  A view of the Municipal Gardens at Maydan Road, Baghdad.

و ــ  صـورة طـريـق “الـمـسـعـودي” الـمـؤدي إلى بـابـل وكـربـلاء في الـجـانـب الـقـديـم لـبـغـداد. Abdulaly Bros. 13

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  The Road of «Masoodi » leading to Babylon and Karbela. The old Side of Baghdad.

ز ــ  صـورة مـعـمـل طـابـوق.

Abdulaly Bros. 14

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : the brick kilns, Baghdad

ح ــ  صـورة مـنـارة سـوق الـغـزل.

Abdulaly Bros. 15

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  The «Minaret » Sug-el-Gazel, Baghdad ، وتـحـتـهـا بـالـفـرنـسـيـة : Le Minaret de Sug-el-Gazil . ووجـدت لـكـم أيـضـاً ثـلاث بـطـاقـات كـتـب عـلـيـهـا : عـبـدُ الـعـلي إخـوان، نـاشـرو بـطـاقـات بـريـديـة ومـسـتـوردون :

Abdulaly Bros. 16 (5)

الأولى صـورة عـرب تـوقّـفـوا لـلإسـتـراحـة قـرب ضـفـة الـنـهـر.

Abdulaly Bros. 16 (3)

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : Arabs halting for rest near river bank, Baghdad . والـثّـانـيـة صـورة جـسـرالأعـظـمـيـة وغـابـات الـنّـخـيـل قـرب بـغـداد. Abdulaly Bros. 16 (4)

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة: The Bridge of Moazem and date garden on the Tigirs (near Baghdad)  وطـبـعـاً فـقـد كـانـت مـنـطـقـة الأعـظـمـيـة مـنـفـصـلـة عـن بـغـداد بـيـنـهـمـا غـابـات نـخـيـل شـاسـعـة الإمـتـداد. والـثّـالـثـة صـورة واسـعـة لـنـهـر دجـلـة الـتـقـطـت مـن الـقـنـصـلـيـة الـعـامـة الـبـريـطـانـيـة. Abdulaly Bros. 16

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة :  Panorama View of river Tigris from the British Consulate General, Baghdad. ونـجـد اسـم مـؤسـسـة عـبـدُ الـعـلي إخـوان بـشـكـل مـخـتـلـف عـلى آخـر بـطـاقـاتـنـا فـقـد كـتـب : بـائـعـو آلات ومـعـدّات تـصـويـر ونـاشـرو بـطـاقـات بـريـديـة :

Abdulaly Bros. 18

وعـلى هـذه الـبـطـاقـة صـورة انـطـلاق واحـدة مـن الـسّـفـن الـبـخـاريـة الـثّـلاث الّـتي كـانـت تـمـتـلـكـهـا إدارة نـقـل بـالـسّـفـن الـبـخـاريـة تـابـعـة لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة تـأسـسـت في زمـن الـوالي نـامـق بـاشـا عـام 1868 وأسـمـيـت بـ “الـحـمـيـديـة”. ومـشـهـد عـلى الـجـانـب الأيـمـن مـن دجـلـة.

Abdulaly Bros. 17

وكـتـب تـحـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : Launching barge of Hamidieh steamers and a scene on the right side of the river Tigris, Baghdad.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.