فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

 

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 

الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن وجـرتـرود بـيـل (1) :

بـيـنـمـا كـان الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن جـالـسـاً في مـقـعـد وثـيـر أمـام الـفـنـان الـبـريـطـاني أوغـسـطـس جـون Augustus John في الـمـرسـم الّـذي أجّـره في بـاريـس (2)، دخـل لـورنـس مـع امـرأة إنـكـلـيـزيـة في الـحـاديـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا بـدأ الـشّـيـب يـغـزو مـفـرقـهـا، وقـدمـهـا لـه : الـمـس جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell.

وجـلـسـت جـرتـرود تـجـاذب الأمـيـر فـيـصـل أطـراف الـحـديـث عـدّة سـاعـات بـيـنـمـا كـان الـفـنّـان جـون يـرسـمـه. وتـكـلّـمـا بـالـلـغـتـيـن الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة الـلـتـيـن كـان يـحـسـنـهـمـا الأمـيـر. وكـان فـيـصـل في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره. وقـد كـتـبـت عـنـه جـرتـرود بـعـد ذلـك أنّ الـمـزيـج الـعـجـيـب بـيـن هـيـبـتـه وقـوة شـخـصـيـتـه وطـيـبـتـه الـمـتـنـاهـيـة تـفـرض عـلى كـلّ مـن يـلاقـيـه إعـجـابـاً شـديـداً بـه واحـتـرامـاً لـه.

جون يرسم فيصل

ويـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـن خـلال الـرّسـائـل الّـتي كـتـبـتـهـا الإنـكـلـيـزيـة جـرتـرود لـوثـيـان بـيـل  Gertrude Lowthian Bell لأبـيـهـا ولـزوجـة أبـيـهـا (3) ومـن الـنّـصـوص الأخـري الّـتي تـركـتـهـا، عـلاقـات الـصّـداقـة والـثّـقـة الـمـتـبـادلـة الّـتي ربـطـت بـيـنـهـا وبـيـن الأمـيـر فـيـصـل، إبـن حـسـيـن شـريـف مـكّـة، مـنـذ أوّل لـقـاء بـيـنـهـمـا في بـاريـس عـام 1919، ثـمّ عـنـد تـتـويـج الأمـيـر فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق عـام 1921 وحـتّى وفـاة “الـخـاتـون” جـرتـرود في بـغـداد عـام 1926.

وسـنـبـدأ في هـذا الـقـسـم بـمـتـابـعـة عـلاقـات الـمـودّة الّـتي تـوثّـقـت بـيـن الإنـكـلـيـزيـة عـاشـقـة آداب الـشّـرق وتـاريـخـه الـقـديـم وآثـاره وبـيـن الأمـيـر الـحـجـازي الّـذي كـان يـصـغـرهـا بـسـبـع عـشـرة سـنـة والّـذي كـان يـدعـوهـا : “أخـتي”، إلى عـام 1921. وهـو الـعـام الّـذي مـهّـدت لـه فـيـه جـرتـرود ارتـقـاء عـرش الـعـراق لـيـصـبـح الـمـلـك فـيـصـل الأوّل.

وسـأتـكـلّـم لـكـم في الـقـسـم الـثّـاني عـن عـلاقـاتـهـمـا بـعـد أن ارتـقى الأمـيـر فـيـصـل عـرش الـعـراق.

ولـكـن عـليّ أولاً أن أتـكـلّـم لـكـم عـن حـيـاتـهـمـا قـبـل أن يـلـتـقـيـا وقـبـل أن يـنـتـج عـن لـقـائـهـمـا تـغـيـيـر مـجـرى تـاريـخ الـعـراق الـحـديـث :

طـفـولـة جـرتـرود وفـيـصـل ومـطـلـع شـبـابـهـمـا :

ولـدت جـرتـرود لـوثـيـان بـيـل Gertrude Lowthian Bell سـنـة 1868 في عـائـلـة بـريـطـانـيـة شـارك أسـلافـهـا في الـثّـورة الـصّـنـاعـيـة الّـتي نـتـج عـنـهـا عـالـمـنـا الـحـديـث. واغـتـنـت الـعـائـلـة مـنـذ بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، وبـدأ أعـضـاؤهـا بـالإرتـقـاء اجـتـمـاعـيـاً واحـتـلال مـنـاصـب إداريـة وسـيـاسـيـة. ولأنّـهـم لـم يـكـونـوا مـن “نـبـلاء الـدّم” أي ورثـوا الـنّـبـل أبـاً عـن جـد، فـقـد أصـبـحـوا مـن “نـبـلاء الـمـال” بـثـرواتـهـم الـطّـائـلـة الّـتي اكـتـسـبـوهـا وجـمـعـوهـا.

وعـنـدمـا كـانـت جـرتـرود في الـثّـالـثـة مـن عـمـرهـا، تـوفـيـت والـدتـهـا. وكـانـت في الـثّـامـنـة عـنـدمـا تـزوّج أبـوهـا مـن جـديـد. وفي الـسّـنـة الـتّـالـيـة أي 1877، أكّـدت الـمـلـكـة فـيـكـتـوريـا سـيـطـرتـهـا عـلى الـهـنـد بـتـسـمـيـة نـفـسـهـا “مـلـكـة بـريـطـانـيـا وامـبـراطـورة الـهـنـد”.

وفي آذار 1885، ولـد فـيـصـل في حـصـن كـان يـمـتـلـكـه في الـطّـائـف والـده حـسـيـن بـن عـلي، شـريـف مـكّـة. وكـان فـيـصـل ثـالـث أولاد الـشّـريـف. وتـوفـيـت والـدتـه عـنـدمـا كـان في سـنّ الـثّـالـثـة هـو الآخـر.

وارتـادت جـرتـرود أفـضـل الـمـدارس إلى أن تـخـرّجـت مـن جـامـعـة أكـسـفـورد بـدرجـة شـرف.

وقـد أمـر الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد شـرفـاء مـكّـة بـالـمـجئ إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـيـقـيـمـوا فـيـهـا، تـحـت مـراقـبـتـه الـدّائـمـة لـهـم. وقـد بـقي حـسـيـن بـن عـلي فـيـهـا ثـمـاني عـشـرة سـنـة، في “ضـيـافـة” الـسّـلـطـان الإجـبـاريـة. ولـحـق بـه فـيـصـل عـام 1891 مـع إخـوتـه، أي عـنـدمـا بـلـغ الـسّـادسـة مـن عـمـره، وأقـامـوا في عـاصـمـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة.

وبـعـد أن سـافـرت جـرتـرود في أوربـا، ذهـبـت إلى طـهـران عـام 1892عـنـد أفـراد مـن عـائـلـتـهـا. ودرسـت الـلـغـة الـفـارسـيـة فـقـد كـانـت تـريـد قـراءة أشـعـار حـافـظ الـشّـيـرازي بـنـصـوصـهـا الأصـلـيـة. والـتـقـت في طـهـران بـأمـيـن سـرّ الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة وأغـرمـت بـه، ولـكـنّ والـدهـا مـنـع زواجـهـمـا.

وعـادت جـرتـرود إلى لـنـدن في نـهـايـة الـعـام. وتـوفي الـشّـاب في الـعـام الـتّـالي. ولـم تـعـشـق جـرتـرود بـعـده أحـداً، ولـم تـتـزوّج. وظـلّـت كـلـمـة “مِـس” تـسـبـق اسـمـهـا حـتّى وفـاتـهـا.

وبـعـد أن قـامـت بـعـدّة سـفـرات في ذلـك الـعـام : 1893، إسـتـمـرت جـرتـرود في جـهـودهـا لإتـقـان الـلـغـتـيـن الـلاتـيـنـيـة والـفـارسـيـة، وبـدأت تـتـعـلّـم الـعـربـيـة. وتـرجـمـت في الـعـام الـتّـالي عـن الـلـغـة الـفـارسـيـة “سـفـرنـامـه” ونـشـرتـه في لـنـدن. (4)

وبـدأت تـتـرجـم عـام 1895 أشـعـاراً مـن ديـوان حـافـظ الـشّـيـرازي نـشـرتـهـا بـعـد عـامـيـن، في 1897. (5)

وشـرعـت في ذلـك الـعـام، 1897 بـدورة حـول الـعـالـم مـع أخـيـهـا، بـدأتـهـا في شـمـال الـقـارة الأمـريـكـيـة وأنـهـتـهـا في مـصـر والـيـونـان في الـعـام الـتّـالي. وفي عـام 1899 سـافـرت إلى الـيـونـان وهـنـاك بـدأ شـغـفـهـا بـالآثـار الـقـديـمـة.

والـتـحـق فـيـصـل، عـنـدمـا بـلـغ الـثّـامـنـة عـشـرة، بـالـجـيـش الـعـثـمـاني، وأصـبـح بـعـد عـدّة سـنـوات آمـراً عـلى “وجـاق الـهـجـانـة” أو مـا يـسـمى أيـضـاً “وجـاق الـجـمـلـيـة” أي سـريـة قـوّاد الـجـمـال الـعـرب.

وعـنـدمـا عـزل الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد عـن الـسّـلـطـة عـام 1909، وأبـدل بـأخـيـه مـحـمّـد رشـاد، أعـيـد تـنـظـيـم الـدّولـة، وحـصـل حـسـيـن بـن عـلي عـلى رتـبـه “أمـيـر مـكّـة”، وعـاد إلى الـحـجاز. واخـتـيـر ابـنـه فـيـصـل لـيـمـثّـل مـنـطـقـة جـدّة في الـبـرلـمـان الـعـثـمـاني.

فيصل بن الحسين

وفي نـفـس هـذا الـعـام، 1909، قـامـت جـرتـرود بـيـل بـأولى رحـلاتـهـا إلى الـعـراق، والّـتي دامـت خـمـسـة أشـهـر، مـن شـبـاط إلى تـمّـوز. وقـد نـزلـت فـيـهـا مـن حـلـب إلى هـيـت عـن طـريـق الـفـرات ثـمّ إلى كـربـلاء فـبـغـداد، وزارت في طـريـقـهـا قـصـر الأخـيـضـر، وأخـذت مـقـايـيـس مـسـاحـتـه وارتـفـاع أجـزائـه. ومـن بـغـداد صـعـدت نـحـو الـمـوصـل، ومـن الـمـوصـل ذهـبـت إلى زاخـو فـديـار بـكـر وقـونـيـا.

وفي 1911، قـامـت جـرتـرود بـيـل بـيـن شـبـاط وأيّـار بـرحـلـة مـن دمـشـق عـبـر الـبـاديـة إلى بـغـداد، وعـادت إلى قـصـر الأخـيـضـر لـتـكـمـل تـفـحّـصـهـا لـه وإكـمـال الـمـقـايـيـس الّـتي كـانـت قـد بـدأت بـأخـذهـا، ثـمّ صـعـدت نـحـو سـوريـا.

وفي حـزيـران صـدر في لـنـدن كـتـابـهـا : “مـن مـراد إلى مـراد                 Amurath to Amurath”، والّـذي تـروي فـيـه رحـلـتـهـا الأولى إلى الـعـراق عـام 1909.

جرترود

ودخـلـت الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة عـام 1914 الـحـرب إلى جـانـب قـوى الـمـحـور. ووصـلـت جـرتـرود بـيـل في شـهـر شـبـاط مـن الـحـائـل إلى بـغـداد، ثـمّ صـعـدت عـبـر الـبـاديـة إلى سـوريـا.

وفي شـهـر آب، صـدر في لـنـدن كـتـابـهـا : قـصـر الأخـيـضـر ومـسـجـده :            The Palace and the Mosque at Ukhaidir

واقـتـرح الـلـورد كـتـشـنـر Lord Kitchener، الّـذي كـان وزيـر الـحـربـيـة الـبـريـطـانـيـة، إقـامـة تـحـالـف بـيـن الـعـرب وبـريـطـانـيـا ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، حـلـيـفـة ألـمـانـيـا في الـحـرب. وهـكـذا بـدأت اتـصـالات الـبـريـطـانـيـيـن بـشـريـف مـكّـة.

وأرسـل الـشّـريـف حـسـيـن ابـنـه فـيـصـل إلى سـوريـا لـلـتّـعـرف عـلى الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة فـيـهـا ولـلـتّـقـرّب مـن الـجـمـعـيـات الـسّـريـة الـمـنـاهـضـة لـلـعـثـمـانـيـيـن. وشـاهـد اضـطـهـادات جـمـال الـدّيـن الـسّـفّـاح لأعـضـاء هـذه الـجـمـعـيـات وشـنـقـه لأعـداد كـبـيـرة مـنـهـم.

وفي تـشـريـن الـثّـاني مـن ذلـك الـعـام تـقـدّمـت كـتـيـبـة مـن قـوات جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة في الـخـلـيـج واحـتـلّـت شـطّ الـعـرب وأنـشـأت قـاعـدة لـهـا في الـبـصـرة.

وفي 1915 بـدأ أعـضـاء مـن جـمـعـيـة “الـفـتـاة” بـعـقـد اتـصـالات مـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكـة، لـلـقـيـام بـحـركـة ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وقـد تـبـنّى الإنـكـلـيـز هـذا الـمـشـروع ودفـعـوا حـسـيـن، شـريـف مـكّـة، وأولاده لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى”.

وبـدأت “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916بـعـد أن وعـد الـبـريـطـانـيـون شـريـف مـكّـة بـإنـشـاء مـمـلـكـة عـربـيـة لـه ولأولاده.

وبـعـد أن طـلـب شـريـف مـكّـة مـن ابـنـه الأمـيـر فـيـصـل أن يـعـود إلى الـحـجـاز، أرسـلـه لـيـواجـه الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة. وذهـب فـيـصـل مـع رجـالـه مـن مـكّـة إلى الـمـديـنـة الّـتي أطـلـق فـيـهـا في الـثّـاني مـن حـزيـران عـام 1916 أولى عـمـلـيـات “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى”، واسـتـطـاع عـزل الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة فـيـهـا عـن بـاقي الـجـيـش.

  وكـانـت حـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، وعـلى رأسـهـا نـائـب الـمـلـك       The Viceroy  الـلـورد هـاردنـج  Lord Hardinge، تـنـوي مـدّ سـلـطـتـهـا عـلى الـشّـرق الأدنى الـعـربي، وعـلى ربـط الـعـراق بـهـا كـمـسـتـعـمـرة. وأُرسـلـت جـرتـرود بـيـل، بـعـد أن قـضـت عـامـاً في الـمخـابـرات الـبـريـطـانـيـة في الـقـاهـرة، (6) إلى دلـهي عـام 1916 في مـهـمّـة سـيـاسـيـة لـتـدافـع عـن وجـهـة نـظـر مـكـتـب الـقـاهـرة الـسّـيـاسي. وكـانـت جـرتـرود مـن الـمـدافـعـيـن عـن إعـطـاء الـعـراق اسـتـقـلالاً ذاتـيـاً ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني.

وقـد اسـتـقـبـلـهـا الـلـود هـاردنـج بـحـرارة وأنـصـت إلى وجـهـة نـظـرهـا. وقـرر أن يـبـعـثـهـا إلى الـبـصـرة الّـتي كـانـت في ذلـك الـحـيـن مـركـز الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق الّـتي كـانـت تـتـهـيـأ لـلـهـجـوم عـلى الـعـثـمـانـيـيـن واحـتـلال بـغـداد.

وقـد حـذّرهـا الـلـورد هـاردنـج مـن أنّـهـا سـتـواجـه مـعـاداة رجـال الـمـخـابـرات ورؤسـاء الـقـوّات الـعـسـكـريـة، فـهـم لـن يـقـبـلـوا بـأن تـسـاويـهـم امـرأة في تـولي الـمـسـؤولـيـة.

ووصـلـت الـمـس جـرتـرود بـيـل إلى الـبـصـرة في شـبـاط مـن ذلـك الـعـام. وكـان عـلـيـهـا أن تـعـمـل تـحـت أوامـر الـجـنـرال الـسّـيـر بـرسي لـيـك Sir Percy Lake مـن غـيـر وظـيـفـة ثـابـتـه وبـدون راتـب، ولـكّـنـهـا أعـطـيـت رتـبـة مـيـجـور (فـخـريـة) في الـجـيـش.

وفي الـنّـهـايـة، قـرر الـسّـيـر بـرسي كـوكـس Sir Percy Cox، الـمـسـؤول الـسّـيـاسي الـعـالي في الـبـصـرة أن يـنـظّـم اجـتـمـاعـاً بـيـن جـرتـرود بـيـل وبـيـن جـنـرالات قـوّات الـبـصـرة. وكـتـبـت جـرتـرود لأبـيـهـا في 9 آذار 1916 :

“تـغـديـت هـذا الـيـوم مـع الـجـنـرالات … وكـانـت نـتـيـجـة لـقـائـنـا أنّـهـم حـوّلـوني، مـع خـرائـطي وكـتـبي إلى الـطّـارمـة الـواسـعـة الّـتي في داخـلـهـا غـرفـة مـنـعـشـة الـبـرودة الّـتي يـمـكـنـني أن أعـمـل فـيـهـا، وجـعـلـتـهـا مـكـتـبـاً لي. وقـبـلـت أن أتـقـاسـمـهـا مـع عـالـم الآثـار الـسّـابـق، الـكـابـتـن كـمـبـيـل تـومـبـسـون Campbell Thompson”.

وفي 16 أيّـار مـن نـفـس الـعـام، وقـعـت بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا مـعـاهـدات سـايـكـس ــ بـيـكـو الّـتي تـقـسّـم ولايـات الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـيـنـهـا.

وفي عـام 1917 إنـتـصـر فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، عـلى الـعـثـمـانـيـيـن في مـعـركـة الـعـقـبـة. وشـغـلـت جـرتـرود بـيـل في الـبـصـرة مـن كـانـون الـثّـاني إلى آذار مـنـصـب أمـيـنـة سـرّ الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في إدارة الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس Percy COX .

وبـعـد أن دخـلـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة بـغـداد في 11 آذار، وعـلى رأسـهـا الـجـنـرال مـود، وصـلـت جـرتـرود بـيـل في شـهـر نـيـسـان مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد واحـتـفـظـت بـنـفـس مـنـصـبـهـا في الإدارة الـبـريـطانـيـة في بـغـداد.

وأصـدرت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد جـريـدة “الـعـرب Al Arab”، وعـيّـنـت جـرتـرود بـيـل في تـشـريـن الأوّل مـحـررة فـيـهـا. وكـتـبـت لـلـضّـبـاط الـبـريـطـانـيـيـن دراسـة عـن : “الـعـربي في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن              The Arab of Mesopotamia”. ونـشـرت في كـتـاب في لـنـدن.

وبـعـد اكـتـمـال احـتـلال الـبـريـطـانـيـيـن لـلـعـراق في 1918، وضعـتـه “عـصـبـة الأمـم” تـحـت انـتـدابـهـم. وتـشـكّـلـت إدارة مـدنـيـة بـريـطـانـيـة تـرأسـهـا الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس Percy COX .

وعـيّـن بـرسي كـوكـس في أيـلـول مـن نـفـس الـعـام سـفـيـراً لـبـريـطـانـيـا في طـهـران، وحـلّ أرنـولـد ولـسـن Arnold Wilson مـحـلّـه كـمـنـدوب لـلإدارة الـمـدنـيـة.             

وفي تـشـريـن الأوّل مـن ذلـك الـعـام، أخـذت قـوّات الأمـيـر فـيـصـل دمـشـق مـن الـعـثـمـانـيـيـن بـقـيـادة لـورنـس T. E. Lawrence.

وفي شـهـرَي شـبـاط وآذار مـن عـام 1919 ، شـارك الأمـيـر فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، في مـؤتـمـر فـرسـاي الّـذي عـقـد قـرب بـاريـس في فـرنـسـا، وطـالـب بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا بـإيـفـاء وعـودهـمـا لإنـشـاء دولـة عـربـيـة “مـن الإسـكـنـدرونـة ــ ديـار بـكـر شـمـالاً إلى الـمـحـيـط الـهـنـدي جـنـوبـاً”.

فيصل في فرساي 3

وكـانـت جـرتـرود تـشـغـل في بـغـداد مـنـصـب “أمـيـنـة سـرّ الـشّـؤون الـشّـرقـيـة” تـحـت أوامـر الـكـولـونـيـل أرنـولـد ولـسـن الّـذي كـان قـد حـلّ مـحـل بـرسي كـوكـس. وكـان الـكـولـونـيـل ولـسـن مـن مـنـاصـري مـشـروع اسـتـعـمـار الـعـراق وربـطـه بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، في حـيـن أنّ جـرتـرود كـانـت، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، مـن الـمـدافـعـيـن عـن إعـطـاء الـعـراق اسـتـقـلالاً ذاتـيـاً ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني. وأرسـلـت جـرتـرود إلى بـاريـس لـتـتـابـع أعـمـال الـمـؤتـمـر.

وفي بـاريـس إلـتـقـت جـرتـرود بـلـورنـس الّـذي كـان قـد وثّـق عـلاقـاتـه بـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة وبـأولاده مـنـذ عـام 1916، وسـاهـم في دفـعـهـم إلى إطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، حـلـيـفـة ألـمـانـيـا في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى.

وكـان يـربـط بـيـن لـورنـس وجـرتـرود اهـتـمـامـهـمـا بـآثـار الـشّـرق الـقـديـم، فـقـد شـارك لـورنـس في حـمـلات تـنـقـيـبـات في شـمـال سـوريـا، وزارت جـرتـرود مـنـذ سـفـرتـهـا الأولى إلى الـعـراق في 1909 أهـمّ الـمـواقـع الإثـريـة ومـن بـيـنـهـا بـابـل

جرترود بيل في بابل

وقـلـعـة الـشّـرقـاط، مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة.

وكـان لـورنـس قـد تـكـلّـم لـجـرتـرود عـن الأمـيـر فـيـصـل، واسـتـطـاع أن يـقـدّمـهـا لـه في بـاريـس. كـمـا سـبـق أن رأيـنـا. وجـرى الـلـقـاء في الـمـرسـم الّـذي أجّـره الـفـنـان أوغـسـطـس جـون Augustus John في الـعـاصـمـة الـفـرنـسـيـة. وجـلـسـت جـرتـرود تـجـاذب الأمـيـر فـيـصـل أطـراف الـحـديـث عـدّة سـاعـات بـيـنـمـا كـان الـفـنّـان جـون يـرسـمـه. وتـكـلّـمـا بـالـلـغـتـيـن الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة الـلـتـيـن كـان يـحـسـنـهـمـا الأمـيـر.

وفي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـن ذلـك الـعـام، بـدأت الـمـس جـرتـرود بـيـل بـكـتـابـة “مـذكـرة (إعـادة الـنّـظـر) في الإدارة الـمـدنـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن    Review of the Civil Administration of Mesopotamia

ونـصـب الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى سـوريـا في شهـر آذار 1920.

وبـعـد تـنـفـيـذ مـعـاهـدات سـايـكـس ــ بـيـكـو، حـصـل الـفـرنـسـيـون عـلى سـوريـا، فـسـارت قـواتهـم نـحـو دمـشـق في شـهـر تـمّـوز، وأنـزلـوا فـيـصـل بـن الـحـسـيـن عـن عـرش سـوريـا.

وفي تـشـريـن الأوّل، عـاد الـسـيـر بـيـرسي كـوكـس Percy COX  إلى بـغـداد كـمـنـدوب سـامي لـبـريـطـانـيـا في الـعـراق. وقـررت بـريـطـانـيـا بـعـد أن ثـار الـعـراقـيـون ضـدّ الإحـتـلال أن تـغـيـر ســيـطرتـهـا عـلى الـعـراق إلى شـكـل غـيـر مـبـاشـر. واسـتـطـاع الـمـنـدوب الـسـامي بـمـسـاعـدة جـرتـرود إقـنـاع الـسّـيـد عـبـدالـرّحـمـن الـكـيـلاني الـنّـقـيـب (نـقـيـب أشـراف بـغـداد) بـتـشـكـيـل حـكـومـة انـتـقـالـيـة (مـؤقـتـة).

عبد الرحمن النقيب 2

وفي شـهـر آذار مـن عـام 1921، عـقـد في الـقـاهـرة مـؤتـمـر تـرأسـه ونـسـتـون تـشـرشـل، وزيـر الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـانـيـة. ووصـلـت جـرتـرود بـيـل إلى الـقـاهـرة في 12 آذار، لـتـشـارك في أعـمـالـه مـع بـعـض الـعـراقـيـيـن، ومـن بـيـنـهـم جـعـفـر الـعـسـكـري.

وكـتـبـت جـرتـرود لـوالـدهـا أنّـهـا الـتـقـت بـلـورنـس، ثـمّ تـحـادثـت مـدّة طـويـلـة مـع زوجـة تـشـرتـشـل، بـيـنـمـا كـان ونـسـتـون تـشـرتـشـل يـتـنـاقـش مـع بـرسي كـوكـس في غـرفـة مـغـلـقـة.

ويـذكـر لـورنـس في رسـالـة كـتـبـهـا مـن الـقـاهـرة أنّ جـرتـرود بـيـل أقـنـعـت كـلّ الـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن بـوضـع الأمـيـر فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق، وتـكـلّـف تـشـرتـشـل بـإقـنـاع الـشّـعـب الإنـكـلـيـزي، وسـاعـدتـه في ذلـك.

وكـان تـشـرتـشـل يـأمـل في أنّ يـسـهـل وضـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، عـلى عـرش الـعـراق عـلاقـات بـريـطـانـيـا بـالـحـجـاز ويـوفـر لـدافـع الـضّـرائـب الـبـريـطـاني حـلّاً رخـيـصـاً يـتـحـاشى الـحـلـول الـعـسـكـريـة الّـتي تـكـلّـفـه غـالـيـاً. وكـتـب في تـقـريـره : “فـيـصـل، إبـن الـشّـريـف، يـتـيـح لـنـا الأمـل في الـوصـول إلى أفـضـل حـلّ لـلـمـشـكـلـة وأرخـصـهـا مـادّيـاً”.

وكـانـت نـتـائـج مـؤتـمـر الـقـاهـرة انـتـصـار آراء لـورنـس وجـرتـرود بـيـل. وكـانـت جـرتـرود قـد أقـنـعـت بـرسي كـوكـس بـتـرك مـشـروع ربـط الـعـراق بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة كـمـسـتـعـمـرة تـحـت هـيـمـنـتـهـا، وبـجـمـع ولايـات الـعـراق الـعـثـمـانـيـة الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل لـتـكـوّن مـمـلـكـة تـتـمـتـع بـالـحـكـم الـذّاتي ولـكـن تـحـت إشـراف مـنـدوب سـامي بـريـطـاني.

وبـعـد أن حـصـل تـشـرتـشـل عـلى مـوافـقـة الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة بـنـصـب فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق وبـقـبـول الـفـرنـسـيـيـن لـه عـلى شـرط أن لا يـطـالـب بـعـرش سـوريـا، بـدأ الـبـريـطـانـيـون الـمـفـاوضـات مـع فـيـصـل. وقـبـل فـيـصـل بـعـرش الـعـراق وبـإنـشـاء إمـارة مـا بـعـد الأردن لأخـيـه عـبـد الله مـقـابـل تـنـازل أبـيـه حـسـيـن، شـريـف مـكـة، عـن مـطـالـبـتـه بـفـلـسـطـيـن.

ولـتـمـيـهـد قـبـول الـعـراقـيـيـن بـالأمـيـر فـيـصـل، تـشـكّـلـت الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة، وتـرأسـهـا عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي، نـقـيـب شـرفـاء بـغـداد. وكـان الـهـدف مـنـهـا إنـشـاء مـجـلـس تـأسـيـسي وتـنـظـيـم انـتـخـابـات نـوّاب لـه. واسـتـمـر بـرسي كـوكـس في نـفـس الـوقـت بـإرسـال طـائـرات الـقـوات الـجـويـة الـمـلـكـيـة RAF  لـقـصـف الـعـشـائـر الـثّـائـرة عـلى الـسّـيـطـرة الـبـريـطـانـيـة في جـنـوب الـعـراق وشـمـالـه.

وبـعـد أن قـمـعـت الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة ثـورة الـعـشـائـر، أعـلـن بـرسي كـوكـس الـعـفـو الـعـام (7) مـحـاولاً بـذلـك أن يـسـود الـسّـلام لإكـمـال مـخـطـطـه.

واخـتـار أعـضـاء الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي في بـغـداد الأمـيـر فـيـصـل لـيـنـصـب مـلـكـاً عـلى الـعـراق.  ووجـهـوا لـه دعـوة لـلـمـجئ إلى الـعـراق.

وكـان عـلى الأمـيـر فـيـصـل أن يـذهـب أوّلاً إلى مـكّـة لـيـعـلـن نـيـتـه بـارتـقـاء عـرش الـعـراق، ثـم يـتـقـدّم شـرقـاً لـيـجـمـع حـولـه مـسـانـديـه. وفي 19 حـزيـران 1921 أخـبـر عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب مـجـلـس الـوزراء في بـغـداد بـقـرب وصـول الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة، وبـضـرورة الإسـراع بـالإسـتـعـداد لاسـتـقـبـالـه وإيـجـاد سـكـن مـنـاسـب لـه، واخـتـار خـمـسـة مـن وزرائـه لـلـقـائـه عـنـد وصـولـه إلى الـبـصـرة.

ووصـل الأمـيـر فـيـصـل إلى الـبـصـرة في 23 حـزيـران، واسـتـطـاعـت جـرتـرود بـيـل الـحـصـول عـلى قـطـار خـاص  لـلأمـيـر فـيـصـل وزيّـن خـصـيـصـاً لـه لـيـوصـلـه إلى بـغـداد، كـمـا نـظّـمـت هـيـئـة اسـتـقـبـال تـضـمّ سـتـيـنـاً مـن وجـهـاء بـغـداد لـتـنـتـظـره في الـمـحـطّـة، ووزعـت أعـداداً مـن الأعـلام الـجـديـدة .

ثـمّ وصـل الأمـيـر فـيـصـل إلى بـغـداد بـالـقـطـار الّـذي طـلـبـت جـرتـرود بـيـل تـزيـيـنـه بـأعـلام الـدّولـة الـجـديـدة. وعـنـدمـا نـزل في الـمـحـطـة قـدّم حـرس الـشّـرف أسـلـحـتـهـم وتـعـالـت هـتـافـات جـمـوع الـمـسـتـقـبـلـيـن وعـزفـت جـوقـة عـسـكـريـة قـطـعـاً مـوسـيـقـيـة. وبـعـد أن مـرّ الأمـيـر فـيـصـل أمـام حـرس الـشّـرف تـوجّـه نـحـو قـاعـة اسـتـقـبـال مـلـيـئـة بـالـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن وبـوجـهـاء الـبـلـد.

ثـمّ دعـا الـمـنـدوب الـسّـامي بـرسي كـوكـس الأمـيـر فـيـصـل إلى ولـيـمـة عـشـاء في حـدائـق مـود   The Maude gardins. وبـعـد أن تـجـاذب الأمـيـر أطـراف الـحـديـث مـع الـمـنـدوب الـسّـامي وجـرتـرود بـيـل، دارت بـيـنـه وبـيـن الـسّـيـر إيـلـمـر هـلـدان Sir Aylmer Haldane مـحـادثـة قـصـيـرة بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة. وتـذكـر جـرتـرود بـيـل في رسـالـة بـعـثـتـهـا لأبـيـهـا في الـثّـاني مـن تـمّـوز 1920 :

“وبـعـد ذلـك نـهـض شـاعـرنـا الـكـبـيـر الّـذي تـكـلّـمـت لـك عـنـه مـراراً، جـمـيـل الـزّهـاوي  Jamil Zahawi وألـقى قـصـيـدة رنّـانـة أشـار فـيـهـا عـدّ مـرّات إلى فـيـصـل كـمـلـك الـعـراق، وصـفّـق الـجـمـيـع وهـتـفـوا. ثـمّ تـقـدّم شـيـعيّ           a shi’ah  بـيـن الـطّـاولات الـمـنـصـوبـة عـلى الـعـشـب. وكـان يـرتـدي قـمـيـصـاً أبـيـض فـوقـه جـبّـة سـوداء، وعـلى رأسـه عـمـامـة ضـخـمـة سـوداء، وألـقى قـصـيـدة لـم أفـهـم مـنـهـا كـلـمـة واحـدة. كـانـت طـويـلـة جـدّاً، وكـمـا قـلـت لـم أفـهـم مـنـهـا شـيـئـاً، ولـكـنّـهـا مـع ذلـك كـانـت رائـعـة. وكـان هـذا الـشّـاعـر الـمـجـبـب طـويـل الـقـامـة، يـنـشـد قـصـيـدتـه إنـشـاداً مـنـغـمـاً ويـمـوّج وقـع أوزان أبـيـاتـه رافـعـاً يـده وسـط دائـرة ضـوء يـحـيـطـهـا ظـلام تـلامـعـت فـيـه الـنّـجـوم بـيـن سـعـف الـنّـخـيـل ــ وكـنـتُ مـسـحـورة تـمـامـاً”.

وفي الـثّـامـن مـن تـمّـوز أولـم عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب ولـيـمـة لـلأمـيـر فـيـصـل، ودعـا إلـيـهـا الـمـسـؤولـيـن الـبـريـطـانـيـيـن ووجـهـاء الـبـلـد. وجـلـسـت جـرتـرود بـيـل عـلى يـمـيـن الأمـيـر.

ونـظّـمـت الـجـالـيـة الـيـهـوديـة حـفـل اسـتـقـبـال لـلأمـيـر فـيـصـل في دار الـحـاخـام الـكـبـيـر حـضـره، كـمـا ذكـرت جـرتـرود بـيـل في رسـالـة لأبـيـهـا في 20 تـمّـوز : “حـاخـامـات الـيـهـود ورؤسـاء الـجـالـيـات الـمـسـيـحـيـة وكـلّ وزراء الـحـكـومـة الـمـؤقـتـة وكـلّ الـعـلـمـاء ‘ulama الـمـسـلـمـيـن بـقـمـصـانـهـم الـبـيـضـاء الّـتي ارتـدوا فـوقـهـا جـبـبـهـم الـسّـوداء” و “كـان سـرور الـيـهـود شـديـداً عـنـدمـا أكّـد لـهـم فـيـصـل بـأنّـهـم مـن نـفـس جـنـس الـعـرب”. وهي تـقـصـد أنّ الـعـبـرانـيـيـن والـعـرب مـن الأقـوام الـسّـامـيـة.

وبـعـد أن صـدّق وزراء الـحـكـومـة الـمـؤقـتـة بـالإجـمـاع عـلى اخـتـيـار فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق قـرر بـرسي كـوكـس وجـرتـرود بـيـل إجـراء اسـتـفـتـاء، وطـبـعـا اسـتـمـارات تـصـويـت عـلـيـهـا سـؤال واحـد : “هـل تـقـبـلـون بـفـيـصـل كـمـلـك وحـاكـم لـلـعـراق ؟”، ووزعـت عـلى أعـداد كـبـيـرة مـن رؤسـاء الـعـشـائـر وعـلى 300 مـن وجـهـاء الـمـدن. وبـعـد سـتّـة أسـابـيـع، أعـلـنـت الـنّـتـائـج في صـالـح فـيـصـل.

وبـدأ الأمـيـر فـيـصـل الـعـمـل عـلى تـشـكـيـل مـجـلـس وزراء يـتـرأسـه عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب، وقـرر أن يـجـتـمـع أعـضـاؤه مـبـاشـرة بـعـد تـتـويـجـه مـلـكـاً.

وقـبـل تـتـويـج الأمـيـر فـيـصـل رسـمـيـاً مـلـكـاً عـلى الـعـراق، نـظّـمـت الـعـشـائـر حـفـلاً لـمـبـايـعـتـه في الـرّمـادي. وقـد دعي الـمـسـؤولـون الـبـريـطـانـيـون ومـن بـيـنـهـم جـرتـرود بـيـل إلى الـحـفـل. وجـلـسـت بـجـانـب الأمـيـر فـيـصـل مـع عـلي سـلـيـمـان، شـيـخ مـشـايـخ الـدّلـيـم، وفـهـد بـك، شـيـخ مـشـايـخ عـنـزة.

وكـانـت جـرتـرود قـد أعـدّت لـلأمـيـر فـيـصـل سـكـنـاً في جـانـب مـن الـسّـراي بـعـد أن أشـرفـت عـلى تـرمـيـم الـغـرف وصـبـغـهـا. وكـانـت تـزور الأمـيـر مـراراً مـن غـيـر أن يـجـعـلـهـا تـنـتـظـر طـويـلاً في غـرفـة الإنـتـظـار.

وفي 6 آب 1921، كـتـبـت جـرتـرود لأبـيـهـا رسـالـة ذكـرت لـه فـيـهـا أنّـهـا اصـطـحـبـت الأمـيـر فـيـصـل لـزيـارة طـاق كـسـرى لـتـريـه مـعـالـم الـبـلـد الّـذي سـيـحـكـمـه. ووصـلا مـع مـرافـقـيـهـمـا إلى سـلـمـان بـاك في الـفـجـر وشـربـا قـهـوة وتـنـاولا فـطـوراً مـن بـيـض ولـحـم لـسـان وسـمـك الـسّـرديـن وبـطّـيـخ !

وبـعـد أن تـجـولا في أرجـاء خـرائـب قـصـر كـسـرى تـسـلّـقـا تـلّاً مـن تـلال جـنـوب الـمـوقـع لـيـتـأمّـلا جـريـان دجـلـة : “وهـنـاك سـردت عـلـيـه مـا كـتـبـه الـطّـبـري عـن تـاريـخ فـتـح الـعـرب [لـلـمـدائـن] … ولا أدري أيـنـا كـان الأكـثـر تـأثّـراً مـن ذلـك”.

ورغـم اقـتـراب يـوم تـتـويـجـه فـقـد اسـتـمـرّ فـيـصـل في رفـض الإنـتـداب الّـذي خـطـطـت بـريـطـانـيـا فـرضـه عـلى الـعـراق. وكـتـبـت جـرتـرود في 21 آب، أي قـبـل يـومـيـن مـن الـتّـتـويـج أنّ بـرسي كـوكـس وجـد مـخـرجـاً مـن هـذه الأزمـة : “إبـدال الإنـتـداب بـمـعـاهـدة تـوقـعـهـا بـريـطـانـيـا مـع الـدّولـة الـعـراقـيـة. هـذه فـكـرة عـبـقـريـة. وبـهـذا نـتـوصـل إلى الـتّـوفـيـق بـيـن مـطـالـب الـوطـنـيـيـن بـاسـتـقـلال الـعـراق وبـيـن قـيـام بـريـطـانـيـا بـمـسـؤولـيـتـهـا الّـتي كـلّـفـتـهـا بـهـا “عـصـبـة الأمـم” بـتـأمـيـن : 1ــ إسـتـقـرار الـمـيـزانـيـة الـمـالـيـة، 2 ــ تـكـويـن عـلاقـات خـارجـيـة، 3 ــ تـنـمـيـة الـدّفـاع الـعـسـكـري لـلـدّولـة الـجـديـدة”، و”ذلـك إلى أن تـقـبـل عـصـبـة الأمـم عـضـويـة الـعـراق كـدولـة مـسـتـقـلّـة”.

وقـبـل الأمـيـر فـيـصـل بـهـذا الـحـلّ. وأمـام 1500 مـدعـو اجـتـمـعـوا في حـوش الـسّـراي في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب 1921 : “وصـل فـيـصـل في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـرتـديـاً الـزّي الـعـسـكـري …

تتويج فيصل

وبـعـد ذلـك قـام الـسّـيّـد حـسـيـن (8) وقـرأ الـبـيـان الّـذي كـتـبـه بـرسي كـوكـس والّـذي ذكـر فـيـه أنّ 96 بـالـمـائـة مـن سـكّـان مـا بـيـن الـنّـهـريـن اخـتـاروا فـيـصـل مـلـكـاً عـلـيـهـم … ونـهـضـنـا جـمـيـعـاً وهـتـفـنـا : “عـاش الـمـلـك !”، ثـمّ حـيّـتـه طـلـقـات 21 بـنـدقـيـة مـعـاً”.

وهـكـذا تـوّج الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى الـعـراق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إسـتـعـمـلـت كـتـابـة اسـم “جـرتـرود بـيـل” مـتـابـعـاً الإسـتـعـمـال الـشّـائـع، مـع أن اسـمـهـا كـتـب في الـلـوحـة الـتّـذكـاريـة الّـتي نـصـبـت لـهـا في الـمـتـحـف الـعـراقي “كـرتـرود بـل” :     

كرترود بيل (2)

(1) أنـظـر مـقـالي : تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

(2) أنـظـر مـقـالي : أوغـسـطـس إدويـن جـون يـرسـم صـورة الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن

(3) إعـتـمـدت في كـتـابـة هـذا الـمـوضـوع عـلى عـدد مـن الـمـصـادر مـن أهـمـهـا رسـائـل جـرتـرود بـيـل :

  The Letters of Gertrude Bell, selected by Lady Bell, DBE, first publication, Ernest Benn Limited, London, September 1927

وكـتـاب جـورجـيـنـا هـويـل عـن جـرتـرود بـيـل :

A Woman in Arabia, The Writings of the Queen of the Desert

 (4)   Safar Nameh : Persian Pictures.     

(5)  Poems from the Divan of Hafiz    

(6) وهـو في الـحـقـيـقـة مـركـز اسـتـعـلامـات حـربـيـة. والّـذيـن اشـتـغـلـوا فـيـه، وأغـلـبـهـم مـن الـحـاصـلـيـن عـلى شـهـادات جـامـعـيـة، ومـن بـيـنـهـم عـدد مـن عـلـمـاء الآثـار، لـم يـكـونـوا جـواسـيـس بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة. فـهـم لـم يـمـارسـوا الـتّـجـسـس عـلى دولـة أجـنـبـيـة وإنّـمـا جـمـعـوا مـعـلـومـات لـصـالـح بـلـدهـم الّـذي كـان في حـالـة حـرب. وقـد عـيـنـوا في الـمـكـتـب خـلال خـدمـتـهـم الـعـسـكـريـة إجـبـاريـاً أو تـطـوعـاً مـثـلـمـا فـعـلـتـه جـرتـرود بـيـل.

(7)   مـا عـدا الـعـراقـيـيـن الّـذيـن قـتـلـوا أو شـاركـوا في قـتـل ضـبـاط بـريـطـانـيـيـن.

(8)  وهـو الـسّـيّـد حـسـيـن أفـنـان، أمـيـن سـرّ الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 .

كـيـف خـرج الـسّـومـريـون مـن غـيـاهـب الـنّـسـيـان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـدأ اكـتـشـاف الـسّـومـريـيـن، بـعـد أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف عـام عـلى اخـتــفـائـهـم كـشـعـب سـاد في جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، بـاكـتـشـاف لـغـتـهـم. فـقـد تـأمّـل الـبـريـطـاني هـنـري راولـنـسـن H. Rawlinson عـام 1852 بـدهـشـة لـوحـاً مـن الـصّـلـصـال كـان قـد عُـثـر عـلـيـه عـام 1849  في تـلّ قـويـنـجـق (مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة)، وفي مـكـتـبـة الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال بـالـضّـبـط. وكـان عـلـيـه نـصّ مـسـمـاري لـقـائـمـة مـفـردات بـالآشـوريـة وبـجـانـبـهـا  مـقـابـلاتـهـا بـلـغـة مـجـهـولـة لـم يـكـن يـعـرفـهـا أحـد.  

وبـعـد أن قـضى راولـنـسـن أيّـامـاً طـويـلـة في دراسـة الـنّـصّ ومـقـارنـتـه بـالـنّـصـوص الّـتي كـانـت قـد وجـدت في جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، إقـتـرح أنّ تـكـون هـذه الـلـغـة الـمـجـهـولـة : الـلـغـة الأكّـديـة، لأنّـه كـان يـعـرف أنّ دولـة أكّـد كـانـت قـد سـبـقـت الـدّول الـبـابـلـيـة والآشـوريـة.

واقـتـرح في مـقـال نـشـره عـام 1853 أن يـكـون الـنّـاطـقـون بـهـذه الـلـغـة الـمـجـهـولـة هـم الّـذيـن اخـتـرعـوا الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وأخـذهـا عـنـهـم الـبـابـلـيـون والآشـوريـون.(1)

وكـان حـدس هـنـري راولـنـسـن صـحـيـح تـقـريـبـاً. وقـد صـحـحـه جـزئـيـاً جـول أوبـيـر Jules Oppert عـنـدمـا اقـتـرح في مـقـال نـشـره عـام 1869 بـأنّ الـنّـاطـقـيـن بـهـذه الـلـغـة الـمـجـهـولـة كـانـوا : الـسّـومـريـيـن. وأكّـد مـا كـان راولـنـسـن قـد ذكـره مـن أنّـهـم هـم الّـذيـن اخـتـرعـوا الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وأخـذهـا عـنـهـم الـبـابـلـيـون والآشـوريـون.

وقـد جـاء الـتّـفـاوت بـيـنـهـمـا مـن أنّ مـلـوك الـبـابـلـيـيـن كـانـوا يـلـقّـبـون أنـفـسـهـم أيـضـاً : مـلـوك أكّـد وسـومـر، لـيـثـبـتـوا عـراقـة حـقـوقـهـم في الـمـلـكـيـة.

وقـد وجـد عـلـمـاء الآشـوريـات أنّ الأكّـديـيـن كـانـوا مـن الـشـعـوب الـسّـامـيـة وأنّ لـغـتـهـم كـانـت أصـل الـلـهـجـات الّـتي نـطـق بـهـا الـبـابـلـيـون والآشـوريـون واسـتـعـمـلـوهـا في كـتـابـة نـصـوصـهـم مـن الألـف الـثّـالـث إلى الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد، ومـنـهـا جـرت الـعـادة بـوضـع الأكّـديـة الـقـديـمـة والـبـابـلـيـة والآشـوريـة تـحـت الإسـم الـجـامـع : “الـلـغـة الأكّـديـة”.

ومـن كـلّ هـذا أدرك جـول أوبـيـر أن الـنّـاطـقـيـن بـالـلـغـة الـمـجـهـولـة لا يـمـكـن أن يـكـونـوا إذن إلّا سـكـان بـلاد سـومـر.

ولـكـنّ بـعـض “الـعـلـمـاء” الآخـريـن رفـضـوا الإعـتـقـاد بـوجـود شـعـب أقـدم مـن الـسّـامـيـيـن (أي الـبـابـلـيـيـن والآشـوريـيـن) في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. وكـان أكـثـرهـم مـهـاجـمـة لـنـظـريـة “الـسّـومـريـيـن” الـمـسـتـشـرق الـفـرنـسي جـوزيـف هـالـفي Joseph Halevy الّـذي أنـكـر في مـقـال نـشـره عـام 1874 في الـمـجـلـة الآسـيـويـة Journal Asiatique الّـتي كـانـت تـصـدر في بـاريـس، أن تـكـون الـسّـومـريـة لـغـة بـالـمـعـنى الإسـتـعـمـالي لـلـكـلـمـة. واعـتـبـر الـنّـصـوص الّـتي كـتـبـت بـهـا لـغـة رمـوز اسـتـعـمـلـهـا الـكـتّـاب الآشـوريـون لـيـتـفـاهـمـوا بـهـا فـيـمـا بـيـنـهـم، أو لـغـة طـقـوسـيـة يـسـتـعـمـلـونـهـا في أمـور الـدّيـن !

وقـد ردّ عـلـيـه جـول أوبـيـر في مـقـال شـهـيـر نـشـره عـام 1875 في نـفـس الـمـجـلـة.   

واسـتـمـرّت الـمـنـاقـشـات بـيـن الـمـؤيـديـن لـوجـود الـسّـومـريـيـن وبـيـن الـرّافـضـيـن لـه حـتّى عـام 1889، عـنـدمـا أثـبـت عـالـم الآشـوريـات الألـمـاني كـارل بـيـزولـد Carl Bezold صـحـة قـراءة تـعـبـيـر “لِـشـان شـومـري lišan šumeri” في لـوح مـسـمـاري يـضـمّ قـائـمـة مـفـردات سـومـريـة ومـقـابـلاتـهـا بـالأكّـديـة. وكـان هـذا دلـيـلاً قـاطـعـاً عـلى أنّ الـلـسـان الـسّـومـري كـان لـغـة بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة. ثـمّ درسـت الـلـغـة الـسّـومـريـة وصـدرت لـهـا كـتـب قـواعـد قـبـل أن تـصـبـح دراسـتـهـا فـرعـاً مـن عـلـم الآشـوريـات يـسـمى الـمـخـتـصـون بـه بـعـلـمـاء الـسّـومـريـات.

 بـلاد سـومـر :

كـان الـكـتّـاب الـيـونـانـيـون والـرّومـان، وهـم مـراجـع الـمـثّـقـفـيـن الأوربـيـيـن في مـعـرفـة الـمـاضي، يـجـهـلـون تـمـام الـجـهـل بـلاد سـومـر، ولـم تـصـلـهـم أخـبـار الـسّـومـريـيـن، بـل لـم يـكـونـوا قـد سـمـعـوا حـتّى بـاسـمـهـم، ولـهـذا لـم يـذكـروهـم في مـؤلـفـاتـهـم، فـقـد ضـاعـت سـومـر مـن ذاكـرة الـبـشـريـة بـعـد سـقـوط آخـر دولـهـا في الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. كـمـا أنّ كـتّـاب الـتّـوراة والإنـجـيـل كـانـوا يـجـهـلـون وجـودهـا، ولا نـجـد إشـارات إلـيـهـا عـنـدهـم.

وقـد اسـتـعـمـل مـؤلـفـو أسـفـار الـتّـوراة اسـم بـلاد الـكـلـدان الـذّي كـان شـائـعـاً في زمـنـهـم لـيـدلّ عـلى جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. وقـد تـبـعـهـم عـلـمـاء الآشـوريـات في ذلـك عـقـوداً مـن الـزّمـن.

والـكـلـدان أو الـكـلـدانـيـون كـمـا يـعـتـقـد الـمـخـتـصّـون بـالـتّـاريـخ الـقـديـم كـانـوا مـن أقـوام الـسّـامـيـيـن الـرّحـل، وصـلـوا مـن الـغـرب، واسـتـقـرّوا في جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في بـدايـة الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد. وقـد ورد ذكـرهـم لأوّل مـرّة عـام 872 قـبـل الـمـيـلاد في نـصّ نـقـش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة لـلـمـلـك الآشـوري آشـورنـاصـربـال الـثّـاني.

وبـعـد أن تـقـدمـت الـدّراسـات عـن الـسّـومـريـيـن وأدرك الـعـلـمـاء أنّ بـلاد سـومـر سـبـقـت وصـول الـكـلـدانـيـيـن بـأكـثـر مـن ألـفَي سـنـة، تـركـوا اسـتـعـمـال تـعـبـيـر “بـلاد الـكـلـدان” إلى تـعـبـيـر “بـلاد سـومـر” الأكـثـر دقّـة.

إكـتـشـاف بـلاد سـومـر :

ويـعـود الـفـضـل الأكـبـر في اكـتـشـاف بـلاد سـومـر إلى تـنـقـيـبـات الـفـرنـسي إرنـسـت دو سَـرزيـك الّـتي بـدأت عـام 1877. ورغـم أنّ دو سَـرزيـك لـم يـكـن لا عـالـم آثـار ولا عـالـم آشـوريـات، وأنّ الـهـدف مـن حـفـريـاتـه، مـثـل كـلّ حـفـريـات زمـنـه، كـان إخـراج قـطـع أثـريـة مـهـمّـة لإرسـالـهـا إلى مـتـاحـف أوربـا، فـقـد فـتـح ثـغـرة في جـدار الـنـسـيـان الـسّـمـيـك الّـذي أخـفى الـسّـومـريـيـن عـن ذاكـرة الـبـشـريـة. وقـد انـزلـق بـعـده في هـذه الـثّـغـرة عـلـمـاء آثـار وعـلـمـاء آشـوريـات ولـغـويـون وسّـعـوهـا بـتـوصّـلـهـم إلى قـراءة نـصـوص الـسّـومـريـيـن الـمـسـمـاريـة ودراسـة تـاريـخـهـم حـتّى تـوضّـحـت مـعـالـم حـضـارتـهـم الّـتي كـانـت أولى الـحـضـارات الـبـشـريـة.

إرنـسـت دو سَـرزيـك :

يـبـدو لي أنّ حـيـاة إرنـسـت دو سَـرزيـك Ernest de SARZEC تـسـتـحـقّ أن أقـصّـهـا عـلـيـكـم، فـهي خـلـيـط مـن نـشـاط مـسـتـمـرّ لـرجـل دائـم الـحـركـة، ومـن فـضـول دفـعـه لـبـذل جـهـود سـاعـدتـه في تـحـقـيـقـهـا حـيـويـة طـافـحـة وقـوّة بـدنـيـة وعـزيـمـة لـم تـهـدأ حـتّى سـنـة وفـاتـه.

وقـد ولـد دو سَـرزيـك سـنـة 1837 في غـرب فـرنـسـا. وبـعـد أن أنـهى دراسـتـه، سـافـر إلى الـشّـرق عـام 1864 كـمـهـنـدس مـدني، وعـيّـن “مـديـراً لـلـغـاز” في شـركـة لـوبـون La Compagnie Lebon في الإسـكـنـدريـة. ثـمّ انـتـقـل إلى الـقـاهـرة في 1866، وبـقي فـيـهـا حـتّى 1868. وهـنـاك تـعـوّدت أذنـاه عـلى سـمـاع الـعـربـيـة وتـعـلّـمهـا قـلـيـلاً.

وفي عـام 1872، دخـل دو سَـرزيـك الـسّـلـك الـدبـلـومـاسي وعـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في مـديـنـة مـسـاوا Massaouah في الـحـبـشـة، ثـمّ عـيّـن عـام 1875 قـنـصـلاَ لـفـرنـسـا في الـبـصـرة، بـمـرتـب ضـخـم يـصـل إلى سـتّـة آلاف فـرنـك سـنـويـاً.

ولـم يـكـن سـكّـان الـبـصـرة آنـذاك يـتـجـاوزون الـ 14ألـفـاً. وكـانـت الـتّـجـارة الأوربـيـة فـيـهـا تـحـت سـيـطـرة الإنـكـلـيـز، ولا تـصـلـهـا الـسّـفـن الـفـرنـسـيـة إلّا نـادراً. ولـهـذا لـم يـكـن فـيـهـا كـثـيـر مـن الـفـرنـسـيـيـن.

ووجـود هـذه الـوظـيـفـة في الـبـصـرة لا يـمـكـن إلّا أن يـثـيـر الإسـتـغـراب، فـمـا الّـذي كـان يـبـرر وجـودهـا ؟ ولا شـكّ في أنّـه كـان يـكـفي أن يـتـكـفّـل بـأمـور فـرنـسـا عـمـيـل مـحـلي يـعـمـل لـحـسـابـهـا، خـاصّـة وأنّ وظـيـفـة “قـنـصـل فـرنـسـا في الـبـصـرة” كـانـت قـد حـذفـت قـبـل ذلـك في 8 شـبـاط 1842. ولـكـن الـمـهـمّ لـنـا هـو أنّ وزارة الـخـارجـيـة الـفـرنـسـيـة أعـادت هـذه الـوظـيـفـة عـام 1875 وعـيّـنـت لـهـا إرنـسـت دو سَـرزيـك.

وغـادر دو سَـرزيـك مـرسـيـلـيـا، في جـنـوب فـرنـسـا في 19 تـشـريـن الـثّـاني عـام 1876، ووصـل بـعـد شـهـريـن إلى الـبـصـرة، بـعـد أن مـرّ بـالـسّـويـس، في 19 كـانـون الـثّـاني 1877.

وبـعـد أن اسـتـلـم مـنـصـبـه في الـبـصـرة، ذهـب دو سَـرزيـك إلى بـغـداد لـيـقـدّم نـفـسـه إلى قـنـصـلـهـا الـسّـيّـد بـريـتـيـه E. Peretié ، رئـيـسـه الإداري، ثـمّ عـاد إلى الـبـصـرة لـيـكـتـب تـقـريـراً مـفـصّـلاً عـن مـوقـع الـمـديـنـة وجـوّهـا وتـاريـخـهـا وتـجـارتـهـا ومـا يـمـكـن لـلـفـرنـسـيـيـن أن يـنـتـفـعـوا بـه مـنـهـا.

ولـم يـجـد دو سَـرزيـك في الـبـصـرة ما يـشـغـلـه في وظـيـفـتـه، فـبـدأ يـحـاول مـلأ فـراغ أيـامـه الـطّـويـلـة.

ومـنـذ أن أخـرج بـول أمـيـل بـوتـا  Paul Emile BOTTAالآشـوريـيـن مـن غـيـاهـب الـنـسـيـان عـنـدمـا نـقّـب في “دور شـروكـيـن”، قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني في قـريـة خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل في 1842، بـدأت بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن تـشـهـد حـركـة تـنـقـيـبـات أثـريـة، ولـنـقـل حـركـة حـفـريـات، كـان هـدفـهـا الـتـقـاط قـطـع أثـريـة مـهـمـة تـرسـل لـلـمـتـاحـف الأوربـيـة. واشـتـدت هـذه الـحـركـة عـامـاً بـعـد عـام ودخـل الـبـريـطـانـيـون في الـمـعـمـعـة، إلّا أنّ الـمـشـاركـات الـفـرنـسـيـة كـانـت قـد نـدرت مـنـذ 1855.

وكـان نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـبـصـرة ثـمّ قـنـصـلـهـا في بـغـداد الـكـولـونـيـل روبـرت تـايـلـورColonel Robert TAYLOR قـد نـقّـب عـام 1855 في أبـو شـهـريـن، قـرب مـديـنـة أور، وتـعـرّف فـيـه عـلى مـديـنـة إريـدو الـعـريـقـة في الـقـدم، ثـمّ بـدأ حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـثّـانـيـة في الـمـقـيّـر (أور الـقـديـمـة)، ولـكـنّ هـذه الـتّـنـقـيـبـات كـانـت مـحـدودة الأهـمـيّـة، ولـم تـسـاعـدنـا في مـعـرفـة الـسّـومـريـيـن.

وقـد الـتـقى دو سَـرزيـك بـعـد وصـولـه إلى الـبـصـرة بـمـديـر تـلغـراف بـغـداد، مـسـيـو غـلّـوتي Guilloti الّـذي كـان في جـولـة تـفـتـيـشـيـة لـخـطـوط الـتّـلـغـراف. وأخـبـره غـلّـوتي أنّـه قـد رأى بـعـض الـتّـمـاثـيـل الـقـديـمـة مـلـقـاة عـلى سـطـح الأرض في مـنـطـقـة شـطّ الـحيّ (ويـسـمى أيـضـاً شـطّ الـغـرّاف). ولـديـنـا صـيـغـة أخـرى مـن الـحـدث ذكـره أنـدريـه بـارو، نـقـرأ فـيـهـا أنّ أحـد وجـهـاء الـبـصـرة ج. أصـفـر هـو الّـذي أخـبـر دو سَـرزيـك بـأنّ أهـالي مـنـطـقـة شـطّ الـحي وجـدوا آثـاراً قـديـمـة مـن بـيـنـهـا عـدّة تـمـاثـيـل.

فـطـلـب دو سَـرزيـك مـن والي الـبـصـرة أن يـنـبـأ وجـهـاء الـمـنـطـقـة بـقـدومـه لـيـتـأكـد مـن ذلـك بـنـفـسـه. وقـد وجـد دو سَـرزيـك حـقّـاً عـدداً مـن الـتّـمـاثـيـل الـصّـغـيـرة، ورجـع بـهـا إلى الـبـصـرة.

وعـنـدمـا أراد أن يـبـعـثـهـا إلى فـرنـسـا، طـلـب مـنـه الـوالي أن يـتـرك لـه واحـداً مـنـهـا. وقـد ذهـب دو سَـرزيـك بـعـد ذلـك إلى مـوقـع يـسـمـيـه تـلّـو Tello (وربّـمـا كـان هـذا الاسـم تـحـريـفـاً لـ “تـلّ لـوح”)، في مـنـتـصـف الـطـريـق بـيـن دجـلـة والـفـرات. وتـلّـو مـكـان بـيـضـوي الـشّـكـل يـمـتـدّ عـلى أربـعـة كـيـلـومـتـرات مـن شـمـالـه إلى جـنـوبـه وعـلى ثـلاثـة كـيـلـومـتـرات مـن شـرقـه إلى غـربـه، وعـلـيـه عـدّة تـلال. ووجـد دو سَـرزيـك أنّ أهـل الـبـلـد كـانـوا قـد حـفـروا في أحـد تـلالـه. (2)

وهـو يـذكـر أنّـه وجـد في أسـفـل الـتّـلّ أجـزاءً مـن تـمـثـال ضـخـم الـحـجـم، فـقـرر أن يـقـوم بـأولى تـنـقـيـبـاتـه عـلى حـسـابـه الـخـاص فـيـه، بـعـد أن طـلـب الإذن مـن نـاصـر بـاشـا، شـيـخ الـمـنـتـفـق، فـقـد كـان مـوقـع تـلّـو في الأراضي الّـتي يـسـودهـا.

وقـد بـدأ دو سَـرزيـك بـحـمـلـتي تـنـقـيـب : الأولى مـن 5 آذار إلى 11 حـزيـران 1877، والـثّـانـيـة مـن 18 شـبـاط إلى 9 حـزيـران 1878، والّـتي وجـد خـلالـهـا تـمـاثـيـل وألـواح صـلـصـال مـسـمـاريـة وجـزءاً مـن “نـصـب الـنّـسـور” :

وقـد اعـتـقـد أنّـه وجـد في مـوقـع تـلّـو مـديـنـة لـغـش الـسّـومـريـة. وقـد ظـلّ هـذا الـخـطـأ شـائـعـاً لـفـتـرة طـويـلـة. ولـكـنـنـا نـعـرف الآن أنّ دو سَـرزيـك اكـتـشـف مـديـنـة غـرسـو، الـمـركـز الـدّيـني لـدويـلـة لـغـش الـسّـومـريـة، وأنّ مـديـنـة لـغـش تـقـع في تـلّ الـهـبـة، حـوالي عـشـريـن كـلـم. جـنـوب شـرقـهـا.

وعـنـدما عـاد دو سَـرزيـك إلى فـرنـسـا في أواخـر تـمّـوز عـام 1878 لـيـقـضي عـطـلـتـه فـيـهـا، قـدّم تـقـريـراً إلى وزيـر الـخـارجـيـة عـن نـشـاطـاتـه “الأثـريـة” حـول الـبـصـرة، كـمـا جـلـب مـعـه مـا كـان قـد عـثـر عـلـيـه في حـفـريـاتـه. وقـد أثـارت غـرابـة أسـلـوب هـذه الـقـطـع الأثـريـة انـتـبـاه عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن لـم يـكـونـوا قـد رأوا مـثـلها مـن قـبـل. وقـد بـعـثـه الـوزيـر لـمـقـابـلـة لـيـون هـوزيـه Léon Heuzey  الّـذي كـان مـن أعـضـاء “مـعـهـد فـرنـسـا Institut de France ” ومـسـؤولاً عـن قـسـم الآثـار في مـتـحـف الـلـوفـر. واشـتـرت الـدّولـة الـفـرنـسـيـة مـجـمـوعـة الـتّـمـاثـيـل بـ 130 ألـف فـرنـكـاً، وكـان ذلـك مـبـلـغـاً ضـخـمـاً في ذلـك الـزّمـن. وقـد شـجـع هـذا دو سَـرزيـك عـلى الاسـتـمـرار في حـفـريـاتـه.

ورغـم حـذر الـفـرنـسـيـيـن عـرف الـبـريـطـانـيـون بـالـتّـنـقـيـبـات، وبـعـثـوا هـرمـز رسّـام إلى تـلّـو في 24 شـبـاط 1879، وبـقي فـيـه إلى 13 آذار. ورغـم أنّـه لـم يـكـن يـمـتـلـك فـرمـانـا يـسـمـح لـه بـالـتّـنـقـيـب فـقـد جـمـع عـمـالاً حـفـروا لـه في الـمـوقـع وجـمـع ألـواحـاً مـسـمـاريـة وبـعـض الـمـنـحـوتـات مـن فـتـرة حـكـم غـوديـا، أمـيـر لـغـش.

ورجـع دو سَـرزيـك إلى الـبـصـرة في نـهـايـة عام 1879 بـعـد أن مـرّ بـالـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـلـحـصـول عـلى فـرمـان يـسـمـح لـه بـالإسـتـمـرار في حـفـريـاتـه، وحـصـل عـلى احـتـكـار لا يـسـمـح لـغـيـره بـالـتّـنـقـيـب فـيـه !

وبـدأ حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـثّـالـثـة في21 كـانـون الـثّـاني 1880. وفي هـذا الـمـوسـم عـثـر عـلى تـمـاثـيـل غـوديـا، أمـيـر دولـة لـغـش :

وأكـرر الـقـول هـنـا بـأنّ مـعـارف دو سَـرزيـك في عـلـم الآثـار كـانـت مـحـدودة. وعـلى كـلّ حـال فـعـلـم الآثـار نـفـسـه كـان في طـور الـنّـشـوء. وقـد عـانـت مـواقـع بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الأثـريـة في ذلـك الـحـيـن مـن جـهـل الـمـنـقـبـيـن والـحـفّـاريـن وافـتـقـارهـم إلى الـمـنهـجـيـة في أعـمـالهـم.

ولـم يكـن لـدو سَـرزيـك مـعـرفـة بـالـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي. وكـلّ مـا تـركـه لـنـا لا يـتـعـدّى رسـومـاً بـسـيـطـة لـلـمـواقـع الّـتي حـفـرهـا. ولـكـنّـه أضـفى شـيـئـاً مـن الـمـنـهـجـيـة عـلى عـملـه عـنـدمـا طـلـب مـن هـنـري دو سـفـلـيـنـج Henri de Sevelinges أن يـسـاعـده في حـفـريـاتـه. وقـد رسـم دو سـفـلـيـنـج مـخـطـطـاً دقـيـقـاً لـلـموقـع :

كـمـا الـتـقـط عـدداً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة :

وإن جـاء هـذا مـتأخّـراً فـقـد كانـت أغـلـب مـعـالـم الـمـوقـع قـد خـرّبـت.

وبـعـد أن قـام دو سَـرزيـك بـحـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـرّابـعـة مـن 12 كـانـون الأوّل 1880 إلى 15 آذار 1881، بـعـث إلى بـاريـس مـجـمـوعـة مـن الـقـطـع الأثـريـة مـن بـيـنـهـا تـمـاثـيـل غـوديـا وأور بـاو وعـدّة كـسـر مـن “نـصـب الـنّـسـور”.

ثـمّ تـرك دو سَـرزيـك الـبـصـرة مـن جـديـد لـيـقـضي عـطـلـتـه في فـرنـسـا. ووصـلـت الـقـطـع الأثـريـة إلى بـاريـس في أيّـار. وأعـلـنـت أكـاديـمـيـة الـكـتـابـات والـنّـقـوش اكـتـشـافـات تـلّـو في 29 تـمّـوز. ودخـلـت الـقـطـع الأثـريـة في مـجـمـوعـات مـتـحـف الـلـوفـر. ولـعـرض هـذه الـقـطـع أنـشئ في مـتـحـف الـلـوفـر “قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة” :



وبـقي دو سَـرزيـك في فـرنـسـا مـا يـقـارب الـعـشـريـن شـهـراً. وحـصـل عـلى تـعـيـيـنـه قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في بـغـداد، وأسـنـدت إلـيـه “مـهـمّـة عـلـمـيـة”.

وقـد نـشـر لـيـون ألـكـسـنـدر هـوزي في بـاريـس عـام 1882 رسـالـة طـويـلـة كـان دو سـرزيـك قـد بـعـثـهـا لـه عـن حـفـريـاتـه : Léon Alexandre Heuzey, Les fouilles de Chaldée : Communication d’une lettre de M. de Sarzec, Paris, Didier et Cie, 1882.

وعـنـدما عـاد إلى الـعـراق في 1883، عـرف أنّ قـانـونـاً قـد صـدر يـمـنـع الـدّبـلـوماسـيـيـن مـن الـقـيـام بـحـفـريـات أثـريـة في مـواقـع عـمـلـهـم.

وفي عـام 1884 صـدر في بـاريـس كـتـاب كـان قـد ألّـفـه عـن اكـتـشـافـاتـه الأثـريـة بـالإشـتـراك مـع أرتـور أمـيـو Arthur Amiaud وفـرنـسـوا تـورو دانـجـان François Thureau- Dangin : Découverte en Chaldée, Paris, E. Leroux, 1884.

وفي انـتـظـار أن يـسـمـح لـه اسـتـثـنـائـيـاً بـالـتّـنـقـيـب، ذهـب إلى جـنـوب إيـران لـيـقـوم بـمـسـح لـمـواقـعـه الأثـريـة لـمـدّة أربـعـة أشهـر (مـن آذار إلى تـمّـوز 1885). ولـم يـسـتـطـع الـبـدء في حـفـريـاتـه إلّا عـام 1888، وبـعـد مـفـاوضـات طـويـلـة مـع حـمـدي بـك، مـديـر مـتـحـف إسـطـنـبـول. وقـد حـدثـت لـه مـشـاكـل مـع مـفـتـش الآثـار الـتّـركي بـدري بـك الّـذي جـاء لـيـفـتـش الـحـفـريـات. واسـتـطـاع دو سَـرزيـك أن يـبـعـده، ولـكـنّـه لـم يـسـتـطـع الـتّـفـاهـم مـع مـن جـاء بـعـده مـن الـمـفـتـشـيـن.

وبـدأ حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الـخـامـسـة، والّـتي تـبـعـهـا بـالـحـمـلـة الـسّـادسـة عـام 1890. ووجـد خـلالـهـمـا نـصـوصـاً ومـنـحـوتـات مـن فـتـرات أكـثـر قـدمـاً مـمـا كـان قـد وجـده حـتّى ذلـك الـحـيـن : مـن فـتـرات حـكـم أور نـانـشي وإي أنـادو وإن تـامـيـنـا وأور كـاغـيـنـا. كـمـا وجـد كـسـراً أخـرى مـن “نـصـب الـنّـسـور”، وجـرّة إن تـامـيـنـا الـفـضّـيـة، الّـتي كـشـفـت ولأوّل مـرّة في تـاريـخ الـتّـنـقـيـبـات عـن مـهـارة الـصّـاغـة الـسّـومـريـيـن الـمـذهـلـة :

وتـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات بـعـد الـحـمـلـة الـسّـادسـة، فـقـد عـيّـن دو سَـرزيـك سـفـيـراً في أنـدونـيـسـيـا، وتـرك الـعـراق. وظـلّ مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات مـن غـيـر حـراسـة فـاشـتـدّ فـيـه الـنّـهـب.

وأعـادت وزارة الـخـارجـيـة الـفـرنـسـيـة دو سَـرزيـك إلى بـغـداد عـام 1893 كـقـنـصـل عـام لـهـا. وبـدأ في نـفـس الـعـام حـمـلـة تـنـقـيـبـات سـابـعـة، تـبـعـهـا بـحـمـلـة ثـامـنـة عـام 1894. وقـد نـقّـب في الـتّـلّ رقـم 5 (Tell V) ووجـد فـيـه أعـداد لا تـحـصى مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة، فـقـد أخـرج مـن بـاطـن الأرض في مـوسـم 1894 أكـثـر مـن ثـلاثـيـن ألـف لـوح، حـتّى أسـمى الـتّـل بـ “تـلّ الألـواح”. وحـالـمـا تـرك دو سَـرزيـك الـمـوقـع أسـرع نـهّـابـو الآثـار بـإخـراج مـا يـقـارب الأربـعـيـن ألـف لـوح مـسـمـاري عـرضـت لـلـبـيـع في بـغـداد والـبـصـرة.

وبـدأت حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات الـتّـاسـعـة في 1895. وقـد أظهـر دو سَـرزيـك غـضـبـه الـشّـديـد في شـبـاط 1895 ، لأنّـه لـم يـسـتـطـع الـبـدء في حـفـريـاتـه قـبـل أن يـصـل الـمـفـتـش يـوسـف أفـنـدي لـيـسـمـح لـه بـذلـك.

وفي 20 شـبـاط، بـعــث بـتـلـغـراف إلى بـاريـس يـذكـر فـيـه أنّ أربـع عـشـائـر مـسـلّـحـة تـمـنـعـه مـن مـواصـلـة الـحـفـريـات في تـلّـو لأنّـهـا تـقـع في أراضـيـهـم، ويـطـلـب تـدخّـل الـسّـلـطـات. ثـمّ بـعـث بـتـلـغـراف آخـر في 12 آذار يـذكـر أنّـهـم هـجـمـوا عـلى الـمـوقـع وقـتـلـوا حـارسـاً وجـرحـوا ثـمـانـيـة آخـريـن.

وقـد تـدهـورت حـالـة دو سَـرزيـك الـصّـحـيـة بـعـد نـهـايـة مـوسـم الـتّـنـقـيـبـات، وعـاد إلى فـرنـسـا في إجـازة مـرضـيـة دامـت ثـلاث سـنـوات، حـتّى عـام 1898. وقـد طـلـب سـفـيـر فـرنـسـا في إسـطـنـبـول أن تـعـطى لـفـرنـسـا بـعـض الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان دو سَـرزيـك قـد عـثـر عـلـيـهـا خـلال هـذه الـحـمـلات. ووهـب الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني لـفـرنـسـا مـجـمـوعـة مـن أهـمّ مـا عـثـر عـلـيـه في مـوقـع تـلّـو والّـتي مـا زالـت في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس : رأس “هـراوة”مِـسـيـلـيـم ومـنـحـوتـات عـائـلـة أور نـانـشي الـقـلـيـلـة الـبـروز وأجـزاء أخـرى مـن نـصـب الـنـسـور وجـرّة إن تـامـيـنـا الـفـضّـيـة، إضـافـة إلى أعـداد كـبـيـرة مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة. 

وفي 1897 عـيّـن غـوسـتـاف رويـيـه Gustave ROUËT نـائـب قـنـصـل لـفـرنـسـا في بـغـداد بـعـد أن بـقي الـمـنـصـب شـاغـراً لـمـدة سـنـتـيـن. ووصـل دو سَـرزيـك بـعـد سـتّـة أشـهـر قـادمـا مـن فـرنـسـا لـيـبـدأ حـمـلـة حـفـريـاتـه الـعـاشـرة : مـن 27 آذار إلى 4 أيّـار 1898. واسـتـطاع نـائـب قـنـصـل بـغـداد أن يـحـصـل لـه مـن الـوالي عـلى عـدد مـن “الـضّـابـطـيـة” لـحـراسـتـه. ووجـد في هـذه الـحـمـلـة تـمـاثـيـل وأنـصـابـاً ونـصـوصـاً مـسـمـاريـة و”خـنـجـر نـحـاس مـن فـتـرة أورـ نـيـنـا، طـولـه 41 سـنـتـم”.

ولـكـنّ ازديـاد تـدهـور حـالـة دو سَـرزيـك الـصّـحـيـة أجـبـره عـلى الـرّجـوع إلى فـرنـسـا في حـزيـران. وفي 1899، رقّـاه وزيـر الـخارجـيـة بـتـعـيـيـنـه وزيـراً مـفـوّضـاً مـطـلـق الـصّـلاحـيـات مـن الـدّرجـة الـثّـانـيـة.

وقـد نـصـحـه أصـدقـاؤه بـتـرك الـتّـنـقـيـبـات، ولـكـنّـه تـرك فـرنـسـا في كـانـون الأوّل 1899، بـصـحـبـة زوجـتـه وابـنـه لـيـشـرع في حـمـلـة حـفـريـاتـه الـحـاديـة عـشـرة. وتـوقّـف في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـيـمـدد صـلاحـيـة فـرمـان الـسّـمـاح بـالـحـفـريـات، ووصـل إلى بـغـداد في 1900، ومـنـها إلى تـلّـو حـيـث بـقي حـتّى شـهـر أيّـار. وقـد حـفـر في تـلّ ك (Tell K) بـئـراً عـمـيـقـة لـيـرى كـلّ الـطّـبـقـات الـتّـاريـخـيـة الّـتي تـراكـمـت عـلى الـمـوقـع قـرنـاً بـعـد قـرن في شـريـحـة عـمـوديـة، ووصـل إلى فـتـرات مـا قـبـل الـتّـاريـخ في قـعـر الـتّـلّ.

كـمـا اكـتـشـف مـكـتـبـة أخـرى والـتـقـط أكـثـر مـن 7000 لـوح طـيـني عـلـيـهـا نـصـوص جـديـدة بـالـمـسـمـاريـة مـن فـتـرة حـكـم غـوديـا وسـلالـة أور الـثّـالـثـة. ثـمّ عـاد إلى فـرنـسـا الّـتي وصـلـهـا في بـدايـة الـصّـيـف.

وقـد صـدرت في بـاريـس عـام 1900 دراسـة عـن سـكـن مـلـكي سـومـري (400 آلاف سـنـة قـبـل الـمـيـلاد) حـسـب الـتّـخـطـيـط الّـذي قـام بـه دو سـرزيـك والـمـلاحـظـات الّـتي أخـذهـا في مـكـان الإكـتـشـاف : Une villa royale chaldéenne vers l’an 4000 avant notre ère, d’après les levés et les notes de M. de Sarzec, Paris, E. Leroux 1900 (96 pages

وكـان دو سَـرزيـك قـد حـصـل عـلى تـمـديـد عـام آخـر لـفـرمـانـه، فـقـد كـان يـنـوي الـرّجـوع إلى تـلّـو لـحـمـلـة ثـانـيـة عـشـرة، ولـكـنّ حـالـتـه الـصّـحـيـة ازدادت تـدهـوراً مـمـا تـطـلّـب إجـراء عـمـلـيـة جـراحـيـة، وتـوفي في مـسـتـشـفى في مـديـنـة بـواتـيـيـه في غـرب فـرنـسـا في أيّـار1901، وكـان يـقـتـرب مـن سـنّ الـتّـاسـعـة والـسّـتـيـن.

وقـد اسـتـمـرّ فـرنـسي آخـر، غـاسـتـون كـرو Gaston Cros في تـنـقـيـبـات غـرسـو، ثـمّ تـبـعـه الأب هـنـري دو جُـنـويّـاك Henri de Genouillac ثـمّ أنـدريـه بـارو André Parrot. وتـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات الـفـرنـسـيـة عـام 1933.

وقـد بـدأ عـالـم الآشـوريـات الـفـرنسي فـرنـسـوا تـورو ـ دانـجـان François Thureau-Dangin بـدراسـة الـنّـصـوص الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في الـتّـنـقـيـبـات وبـقـراءتـهـا، ثـمّ شـكّـل في بـاريـس فـريـق مـن الـعـلـمـاء تـرأسـه جـول أوبـيـر Jules Oppert لإكـمـال قـراءة الـنّـصـوص الـسّـومـريـة ولـدراسـتـهـا.

أهـمـيـة اكـتـشـافـات إرنـسـت دو سَـرزيـك في تـلّـو :

بـعـد أن أزاح بـول إمـيـل بـوتـا الـتّـراب عـن آثـار الآشـوريـيـن عـام 1843 في خـورسـبـاد، قـرب نـيـنـوى، خـرج تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد مـن غـيـاهـب ظـلام الـنّـسـيـان، واكـتـشـف الـعـالـم مـذهـولاً جـزءاً مـن تـاريـخ الـبـشـريـة غـاب عـن ذاكـرتـهـا مـدّة أكـثـر مـن ألـفَي سـنـة. ثـمّ اكـتـشـف الـعـالـم تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات في الألـف الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد بـتـنـقـيـبـات بـابـل.

وقـد وسّـعـت تـنـقـيـبـات دو سَـرزيـك مـعـارفـنـا عـن تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن عـنـدمـا أوصـلـنـا إلى الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد الّـذي كـان الـعـالـم يـجـهـلـه جـهـلاً تـامّـاً قـبـلـهـا، وبـهـذا اكـتـشـف حـضـارة لـم يـكـن أحـد يـتـذكّـرهـا مـنـذ آلاف الـسّـنـيـن : الـحـضـارة الـسّـومـريـة.

وقـد تـوصـل الـعـلـمـاء إلى مـعـرفـة الـلـغـة الـسّـومـريـة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، وصـدرت لـهـا كـتـب قـواعـد قـبـل أن تـصـبـح دراسـتـهـا ودراسـة الـحـضـارة الـسّـومـريـة فـرعـاً مـن عـلـم الآشـوريـات يـسـمى بـعـلـم الـسّـومـريـات. واغـتـنـت الـبـشـريـة بـاسـتـرجـاع أولى فـتـراتـهـا الـتّـاريـخـيـة الّـتي شـهـدت اخـتـراع الـكـتـابـة والّـتي أدخـلـتـهـا في الـحـضـارة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ                                                                                                             (1) كـان عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني هـنـكـس E. Hincks قـد لاحـظ في مـقـال نـشـره في آب 1850 أنّ   الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة لـم تـكـن قـد اخـتـرعـت لـتـسـجـيـل الـلـغـة الأكّـديـة فـهي لا تـفـرق مـثـلاً بـيـن الـتّـاء والـطّـاء والـثّـاء أو بـيـن الـكـاف والـقـاف … إلـخ. مـمـا يـدلّ عـلى أنّـهـا اخـتـرعـت في الأصـل لـكـتـابـة لـغـة مـخـتـلـفـة لا عـلاقـة لـهـا بـالـلـغـات الـسّـامـيـة. ولـم يـدرك أنّـهـا لـغـة لـم تـكـن قـد اكـتـشـفـت بـعـد في زمـنـه فـاقـتـرح أن تـكـون الـكـتـابـة الـفـرعـونـيـة أصـل الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة !

(2) لا شـكّ في أنّ أهـل الـبـلـد قـامـوا بـحـفـريـات في تـلّـو قـبـل أن يـبـدأ دو سَـرزيـك بـتـنـقـيـبـاتـه، فـقـد اشـتـرى جـورج سـمـيـث George Smith عـام 1873 لـحـسـاب الـمـتـحـف الـبـريـطـاني الـنّـصـف الـعـلـوي لـتـمـثـال مـن لـغـش (حـسـب الـنّـصّ الـمـنـقـوش عـلـيـه) ورأس تـمـثـال مـن تـمـاثـيـل غـوديـا (وهـو الآن مـن مـقـتـنـيـات مـتـحـف بـوسـطـن، الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة)، كـمـا اشـتـرى في بـغـداد لـوحـاً مـسـمـاريـاً مـن فـتـرة حـكـم غـوديـا، أمـيـر لـغـش.

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

الـمـدائـن وطـاق كـسـرى

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

مـدائـن دجـلـة :

وصـل جـيـش إسـلامي يـقـوده سـعـد بـن الـوقّـاص في شـهـر صـفـر مـن سـنـة 16 لـلـهـجـرة (637 بـعـد الـمـيـلاد) إلى ضـفـاف دجـلـة، قـرب مـديـنـة سـلـمـان بـاك الـحـالـيـة، أي في جـنـوب شـرق الـمـكـان الّـذي سـتـشـيّـد عـلـيـه بـعـد ذلـك مـديـنـة بـغـداد. وكـان الـخـلـيـفـة عـمـر بـن الـخـطّـاب قـد بـعـثـه نـحـو بـلاد فـارس.

ووجـد سـعـد وجـنـده في هـذا الـمـوضـع عـدّة مـدن كـان بـعـضـهـا مـا زال قـائـمـاً وأكـثـرهـا حـلّ بـهـا الـخـراب. وقـد أسـمـاهـا الـعـرب بـعـد فـتـحـهـا بـ “الـمـدائـن”.

ويـذكـر الـمـؤرخـون أنّـهـا كـانـت خـمـس (أو سـبـع) مـدن مـلـكـيـة، شـيّـدت في فـتـرات تـاريـخـيـة مـخـتـلـفـة ولـكـن الـواحـدة قـرب الأخـرى.

وكـانـت أهـمّ هـذه الـمـدن وأقـدمـهـا سـلـوقـيـة دجـلـة. وقـد قـصـصـت عـلـيـكـم في مـقـال سـابـق (1) كـيـف مـات الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل في الـعـاشـر مـن حـزيـران سـنـة 323 قـبـل الـمـيـلاد، وكـيـف اشـتـدّت الـصّـراعـات بـيـن قـوّاده بـعـد مـوتـه.

وتـقـاسـم الـمـنـتـصـرون مـنـهـم الأراضي الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلـيـهـا، واسـتـقـلّ سـلـوقـوس (ويـكـتـب أيـضـاً : سـلـوقـس) الّـذي أسـمى نـفـسـه بـ “نـيـكـاتـور Σέλευκος Νικάτωρ”، أي الـمـنـتـصـر، بـالـجـزء الـشّـرقي مـن الإمـبـراطـوريـة، والّـذي كـان يـمـتـدّ مـن سـوريـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد فـارس إلى الـهـنـد.

وفي عـام 311 قـبـل الـمـيـلاد (في رأي أكـثـر الـمـؤرخـيـن)، بـدأ سـلـوقـوس بـتـأسـيـس مـديـنـة جـديـدة، اتّـخـذهـا عـاصـمـة لـه، عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة الـغـربـيـة، عـرفـت بـ “سـلـوقـيـة دجـلـة“. (2)

وفي حـوالي مـنـتـصـف الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، إسـتـولى أشـكـانـيـان، الّـذي يـسـمـيـه الـكـتّـاب الإغـريـق بـأرسـاك، وكـان شـيـخ عـشـيـرة مـن عـشـائـر آسـيـا الـوسـطى، عـلى الـمـنـطـقـة بـكـامـلـهـا وأسـس امـبـراطـوريـة واسـعـة بـعـد أن ضـعـفـت دولـة الـسّـلـوقـيـيـن ونـقـلـت عـاصـمـتـهـم إلى أنـطـاكـيـة في سـوريـا. وعـرفـت دولـة أشـكـانـيـان بـالـدّولـة الـفـارثـيـة.

وقـد أسـس مـلـوك الـفـارثـيـيـن الأشـكـانـيـيـن مـديـنـة طـيـسـفـون عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة الـشّـرقـيـة، أي مـقـابـل مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة، لـيـسـكـنـهـا مـلـوكـهـم في فـصـول الـشّـتـاء. ونـجـد أوّل ذكـر لـهـذه الـمـديـنـة في عـام 221 قـبـل الـمـيـلاد. ويـسـمـيـهـا الـمـؤرخـون الـعـرب طـيـسـفـون أو طـوسـفـون أو طـوسـبـون.

وفي عـام 69 بـعـد الـمـيـلاد أسـس الـمـلـك الـفـارثي فـولـوجـيـس الأوّل مـديـنـة يـسـمـيـهـا الـكـتّـاب الإغـريـق فـولـوجـسـيـاس. وقـد أسـسـهـا جـنـوب مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة عـلى الـقـنـاة الـمـلـكـيـة الّـتي كـانـت تـربـط دجـلـة بـالـفـرات.

وفي عـام 224 بـعـد الـمـيـلاد، هُـزم آخـر مـلـوك الـفـارثـيـيـن الأشـكـانـيـيـن. هـزمـه الـفـارسي أردشـيـر بـن سـاسـان واسـتـولى عـلى مـمـتـلـكـاتـه، وأسـس دولـة جـديـدة عـرفـت بـالـدّولـة الـسّـاسـانـيـة.

وقـد اسـتـمـر أردشـيـر، الّـذي عـرف بـعـد ذلـك بـاسـم أردشـيـر الأوّل، بـاتـخـاذ طـيـسـفـون عـاصـمـة لـه بـجـانـب عـواصـم أخـرى، يـسـكـنـهـا في فـصـل الـشّـتـاء. وشـيّـد فـيـهـا قـصـراً واسـع الأرجـاء. ويـبـدو أنّ الـقـصـر الّـذي مـا زال إيـوانـه مـنـتـصـبـاً والـمـعـروف بـطـاق كـسـرى شـيّـده ابـنـه شـابـور (أو سـابـور) الأوّل الّـذي خـلـفـه وارتـقى الـعـرش عـام 240 بـعـد الـمـيـلاد. ولـكـن شـابـور الأوّل مـات سـنـة 272، قـبـل أن يـكـتـمـل بـنـاء الـقـصـر.

ولـم يـكـتـمـل تـشـيـيـد الـقـصـر إلّا في زمـن خـسـرو أنـو شـروان وهـو الّـذي يـسـمـيـه الـمـؤرخـون الـعـرب بـكـسـرى أنـو شـروان (وهـم يـطـلـقـون اسـم كـسـرى عـلى كـلّ مـلـك مـن مـلـوك الـسّـاسـانـيـيـن)، والّـذي حـكـم بـيـن عـامَي 531 و 579 بـعـد الـمـيـلاد.

وقـد أتـمّ كـسـرى أنـو شـروان بـنـاء مـا لـم يـكـتـمـل مـن قـاعـة الـعـرش، كـمـا أضـاف عـلى جـدران الـقـصـر نـقـوشـاً وزخـارف ورسـومـاً، ولـهـذا جـرت الـعـادة عـلى تـسـمـيـة الإيـوان بـطـاق كـسـرى. ولـم يـبـق مـنـه قـائـمـاً في أيـامـنـا هـذه إلّا إيـوان الـقـصـر الـمـلـكي الـمـعـروف بـطـاق كـسـرى وأحـد جـنـاحـيـه.

وقـد رأى أبـو عـبـادة الـولـيـد بـن عـبـيـد الـطّـائي، الـمـعـروف بـالـبـحـتـري في الـقـرن الـعـاشـر الـمـيـلادي الـمـشـاهـد الّـتي صـوّرت عـلى جـدران قـاعـة الـعـرش لـتـمـجـيـد انـتـصـار أنـوشـروان عـلى أعـدائـه الـرّومـان وفـتـحـه لـمـديـنـة أنـطـاكـيـة في سـوريـا وتـخـريـبـهـا، في حـوالي عـام 540، ولـم تـكـن هـذه الـتّـصـاويـر قـد انـمـحـت بـعـد في زمـنـه :

كـمـا أنـشـأ أردشـيـر الـسّـاسـاني في الـنّـصـف الـجـنـوبي لـمـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة (مـقـابـل طـيـسـفـون) مـديـنـة أخـرى في حـوالي 230 بـعـد الـمـيـلاد، أسـمـيـت فَـيـه أردشـيـر، والّـتي عـرّب الـمـؤرخـون الـعـرب اسـمـهـا إلى بـهـرَسـيـر، أو بـهـورَسـيـر، وحُـرّف إلى نـهـر سـيـر.

وبـعـد أن خـرّب جـيـش الـسّـاسـانـيـيـن مـديـنـة أنـطـاكـيـة في سـوريـا في حـوالي 540 بـعـد الـمـيـلاد. أي في زمـن الـمـلـك خـسـرو الأوّل أنـو شـروان، نـقـل أغـلـب سـكـانـهـا إلى الـمـدائـن وشـيّـدت لـذلـك قـرب طـيـسـفـون مـديـنـة فَـيـه أنـطـيـوخ ــ ي خـسـرو، أي أنـطـاكـيـة كـسـرى الّـتي يـسـمـيـهـا الـمـؤرخـون الـعـرب بـرومـيّـة.

أبـاطـرة الـرّومـان والـمـدائـن  :

إسـتـطـاع الإمـبـراطـور الـرّومـاني تـرايـنـوس فـتـح طـيـسـفـون عـام 115 بـعـد الـمـيـلاد، وأخـذهـا مـن أيـدي الـفـارثـيـيـن، كـمـا فـتـحـهـا الإمـبـراطـور الـرّومـاني فـيـروسـوس عـام 162 بـعـد الـمـيـلاد. وفي عـام 201 بـعـد الـمـيـلاد، فـتـحـهـا امـبـراطـور رومـاني آخـر، سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس.

وفي عـام 260 بـعـد الـمـيـلاد دارت مـعـركـة بـيـن جـيـش الإمـبـراطـور الـرّومـاني فـالـريـانـوس وبـيـن جـيـش الـمـلـك الـسّـاسـاني سـابـور الأوّل (شـابـور)، وانـتـصـر فـيـهـا الـسّـاسـانـيـون. كـمـا دارت في طـيـسـفـون عـام 363 بـعـد الـمـيـلاد مـعـركـة بـيـن الإمـبـراطـور الـرّومـاني يـولـيـانـوس الـثّـاني وعـدوه الـفـارسي، وانـتـصـر فـيـهـا الـرّومـان، ولـكـنّ الإمـبـراطـور الـرّومـاني قـتـل فـيـهـا بـعـد ذلـك بـقـلـيـل.

ونـذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز مـن جـديـد بـأنّ سـعـد بـن الـوقّـاص فـتـح الـمـدائـن في عـام 637 عـلى رأس جـيـش كـان الـخـلـيـفـة عـمـر بـن الـخـطّـاب قـد بـعـثـه نـحـو بـلاد فـارس.

عـنـدمـا كـان يـحـيـط بـالـطّـاق جـنـاحـاه :

وصـلـتـنـا أعـداد مـن رسـوم وصـور فـوتـوغـرافـيـة لـطـاق كـسـرى يـحـيـطـه مـن جـانـبـيـه جـنـاحـاه الـشّـمـالي والـجـنـوبي.

ومـن أقـدم الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي نـشـرت عـن طـاق كـسـرى رسـم نـشـره أتـنـسـيـوس كـيـرشـر عـام 1679 في كـتـاب عـن “بـرج بـابـل” : (4)

ولـديـنـا رسـم نـفّـذه الـكـابـتـن الـبـريـطـاني هـارت Capitaine Hart عـام 1824 (5):

ورسـم آخـر نـفّـذه الـرّسّـام الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان Eugène Flandin لـطـاق كـسـرى عـام 1841 : (6)

كـمـا رسـم أوجـيـن فـلانـدان مـع زمـيـلـه الـمـعـمـاري بـاسـكـال كـوسـت تـخـطـيـطـات لـمـوقـعـه ولـجـزئـيـات مـعـمـاريـة فـيـه :

ولـديـنـا عـمـل طـبـاعـي نُـفّـذ عـن تـخـطـيـط رسـمـتـه زوجـة الـمـبـشـر هـنـري هـرون سـتـيـرن Reverand Henry Aaron Stern خـلال أقـامـتـهـمـا في بـغـداد بـيـن 1850 و 1853، ونـشـره هـذا الـمـبـشـر في كـتـاب يـسـرد فـيـه رحـلـتـه، أصـدره في لـنـدن عـام 1854 : (7)

ولـوحـة زيـتـيـة رسـمـهـا إسـكـنـدر سـانـدور زفـوبـودا لـطـاق كـسـرى، ربّـمـا في عـام 1857. أي في الـعـام الـسّـابـق لـمـغـادرتـه لـبـغـداد نـهـائـيـاً (8) :

أو ربّـمـا رسـمـهـا بـعـد ذلـك مـعـتـمـداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة لـلـطّـاق كـان قـد الـتـقـطـهـا بـنـفـسـه.

ولـديـنـا عـمـل طـبـاعي نـفّـذ اعـتـمـاداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة نـشـره الأمـريـكي ولـيـام بـيـري فـوغ William Perry FOGG سـرد رحـلـتـه إلى الـعـراق الّـتي صـدرت عـام 1875 :

ولـديـنـا كـذلـك عـمـل طـبـاعي نـفّـذ اعـتـمـاداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـتـهـا الـفـرنـسـيـة مـدام ديـولافـوا عـام 1881، ونـشـرتـهـا في سـرد رحـلـتـهـا : (9)

وعـمـل طـبـاعي نـفّـذ عـن تـخـطـيـط قـام بـه دنـيـس دو ريـفـويـر Denis de Rivoyre خـلال مـروره بـالـعـراق ، ونـشـر في عـام 1884 في كـتـاب : “الـعـرب الأقـحـاح وبـلادهـم، بـغـداد ومـدن الـفـرات الـمـنـسـيّـة ” (10) :

إنـهـيـار الـجـنـاح الـشّـمـالي لـلـطّـاق في ربـيـع عـام 1887 :

إنـهـار جـنـاح الـطّـاق الـشّـمـالي في 15 نـيـسـان عـام 1887. وهـو مـا سـجّـلـه جـوزيـف مـاتـيـا زفـوبـودا، الـمـعـروف بـيـوسـف الـبـغـدادي في دفـاتـر يـومـيـاتـه (دفـتـر رقـم 30) (11)، وكـان كـاتـبـاً في شـركـة بـيـت لـنـج، ويـعـمـل عـلى بـواخـرهـا بـيـن بـغـداد والـبـصـرة، فـقـد ذكـر في يـومـيـة الـسّـبـت 16 نـيـسـان 1887 :

” قـدمـت الـبـاخـرة “خـلـيـفـة” بـعـد الـزّوال بـربـع سـاعـة. وجـاء إلى بـاخـرتـنـا هـنـري [هـولانـد]، ونـقـل لي خـبـر انـهـيـار طـاق “طـيـسـفـون”. وقـد رأى صـبـاح هـذا الـيـوم واجـهـتـه والـجـدار كـلّـة مـن الـمـدخـل إلى الـبـهـو فـالـشّـمـال قـد سـقـط عـلى الأرض. وسـبـب انـهـيـار هـذ الـقـسـم الـمـتـداعي فـيـضـان الـنّـهـر ووصـول الـمـاء إلـيـه وهـطـول الأمـطـار”.

وهـو يـتـكـلّـم في يـومـيـات كـانـون الأوّل 1889 أي بـعـد عـامـيـن ونـصـف عـلى انـهـيـار جـنـاح الـطّـاق الـشّـمـالي : “وكـان عـلى مـتـن سـفـيـنـتـنـا مـسـيـو مـوجـيـل M. Mougel، [الـمـهـنـدس الـفـرنـسي] وصـالـح أغـا، مـديـر طـيـسـفـون في طـريـقـهـمـا إلى سـلـمـان بـاك فـقـد اسـتـلـمـا أوامـر مـن إسـطـنـبـول لـيـمـتـحـنـا حـالـة طـاق كـسـرى والـتّـرمـيـمـات الّـتي يـمـكـن الـقـيـام بـهـا لـكي لا يـنـهـار، ولـيـمـنـعـا أخـذ الـطّـابـوق مـن الـمـوقـع إلى بـغـداد، ولـيـمـتـحـنـا حـالـة مـسـجـد سـلـمـان بـاك الـفـارسي، لـتـشـيـيـد مـا تـسـاقـط مـنـه وزيـادة الأبـنـيـة لـتـكـويـن قـريـة حـولـه”. (12)

تـنـقـيـبـات طـيـسـفـون :

قـامـت حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات الأولى في طـيـسـفـون 1928/1929 بـحـفـريـات في الـقـصـر الـمـلـكي الّـذي يـعـلـو قـبّـة عـرشـه “طـاق كـسـرى”، وفي داخـل الـمـديـنـة الّـتي يـفـصـلـهـا عـن الـقـصـر في زمـنـنـا هـذا نـهـر دجـلـة، وتـوصـلـت إلى نـتـائـج مـهـمّـة وعـثـرت عـلى كـثـيـر مـن الـقـطـع الأثـريـة. أمّـا الـبـعـثـة الـثّـانـيـة 1931/1932، الّـتي أشـرف عـلـيـهـا كـوهـنـيـل E. KÜHNEL،مـديـر قـسـم الأثـار الإسـلامـيـة في مـتـحـف الـدّولـة في بـرلـيـن (ألـمـانـيـا) بـمـشـاركـة مـتـحـف الـمـتـروبـولـيـتـان Metropolitan Museum of Arts في نـيـو يـورك، فـقـد ركّـزت تـنـقـيـبـاتـهـا عـلى الـمـنـطـقـة الـمـحـيـطـة بـالـقـصـر مـبـاشـرة عـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة لـدجـلـة.

ولـم تـقـم الـبـعـثـة بـتـنـقـيـبـات مـهـمّـة في داخـل الـقـصـر مـاعـدا في غـرب قـاعـة الـعـرش وفي الـحـمـامـات. وهـذه الـحـمـامـات مـخـتـلـفـة في تـنـظـيـمـهـا عـن الـحـمـامـات الـسّـاسـانـيـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في كـيـش Kish رغـم أنـهـا تـتـشـابـه في أشـكـال الأنـابـيـب الّـتي تـجـلـب لـهـا الـمـاء وتـصـرفـه عـنـهـا وفي تـسـخـيـنـه وفي الآبـار الّـتي تـسـتـقى مـنـه.

وقـد وجـدت آثـار فـسـيـفـسـاء مـن قـطـع رخـام صـغـيـرة كـانـت تـغـطي الـجـدران وكـذلـك بـقـايـا رسـوم جـداريـة لـم يـبـق مـنـهـا مـا يـسـتـحـق الـذّكـر. وهي رسـوم بـألـوان خـلـطـت بـالـبـيـض (صـفـاره وبـيـاضـه) عـلى طـبـقـة مـن الـجـبـس (وهـو مـا اسـتـعـمـلـه كـثـيـر مـن الـفـنـانـيـن الإيـطـالـيـيـن حـتّى الـقـرن الـسّـادس عـشـر الـمـيـلادي والّـذي يـدعى بـالـفـرسـكـو Fresco). ويـعـتـبـر مـا وجـد في الـمـنـطـقـة الـمـسـمـاة بـ “الـمـعـرض” أقـدم نـمـاذج وجـدت لـلـرّسـوم الـجـداريـة الـسّـاسـانـيـة.

وقـد أجـريـت أهـم حـفـريـات هـذه الـحـمـلـة في تـلّ الـذّهـب جـنـوب الـطّـاق، والّـذي كـانـت تـحـيـطـه أسـوار مـربـعـة بـ 138 مـتـراً لـكـل جـانـب، ولـكـن نـتـائـجـهـا كـانـت مـحـدودة، في حـيـن أن حـفـريـات تـلّـيـن آخـريـن : أم الـسـعـاتـيـر والـمـعـاريـذ.

تـرمـيـمـات الـطّـاق :

وجـدت لـكـم صـورتـيـن الـتـقـطـتـهـمـا جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell في أولى زيـاراتـهـا لـلـعـراق عـام 1909. الأولى لـطـاق كـسـرى مـن الـخـارج :

والـثّـانـيـة لـداخـل الأيـوان : (13)

كـمـا وجـدت في ألـبـوم صـور يـعـود تـاريـخـه إلى 1919، حـصـلـت عـلـيـه مـكـتـبـة جـامـعـة كـالـيـفـورنـيـا في لـوس أنـجـلـس ودخـل في مـقـتـنـيـاتـهـا، صـورة لـطـاق كـسـرى (14) :

ويـبـدو أنّـه كـان يـعـود إلى ضـابـط بـريـطـاني الـتـقـط الـصّـور خـلال خـدمـتـه في الـعـراق. ونـلاحـظ في هـذه الـصّـور الـحـالـة الـسّـيـئـة لأسـس الـطّـاق ولأسـافـل جـدرانـه.

ونـقـرأ في أمـاكـن عـديـدة أنّ أجـزاءً مـن أسـس الـطّـاق وأسـافـل جـدرانـه رمـمـت في بـدايـة ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، ومـع ذلـك نـجـد صـورة في ألـبـوم نـشـرتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925، بـعـنـوان : Camera Studies in Iraq، ذُكـر فـيـه أنّ الـمـصـوّر الـفـوتـوغـرافي عـبـد الـكـريـم كـان قـد الـتـقـطـهـا في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، وهي صـورة الـتـقـطـت مـن طـائـرة as it looks from an aeroplan (15):

وهـذا يـدلّ عـلى أنّ أسـس الـطّـاق وأسـافـل جـدرانـه كـانـت قـد رمـمـت بـالـطّـابـوق في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، قـبـل أن يـعـاد تـرمـيـمـهـا في بـدايـة الـثّـلاثـيـنـيـات.

كـمـا نـجـد في مـجـمـوعـة صـور ج. إريـك مـاتـسـون وزوجـتـه إديـث Eric and Edith MATSON Photograph Collection (16) إحـدى عـشـرة صـورة الـتـقـطـت لـطـاق كـسـرى عـام 1932، هـذه واحـدة مـنـهـا :

ووجـدت لـكـم بـطـاقـة بـريـديـة طـبـعـهـا هـوري J.S. Hoory ، كـتـب عـلـيـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة Stesiphon Arch Salman Pak : (17)

ولا شـكّ في أنّ الـقـارئ الـعـزيـز لاحـظ الـخـطـأ الإمـلائي، فـقـد أراد الـنّـاشـر أن يـكـتـب Ctesiphon أي طـيـسـفـون، فـكـتـب Stesiphon، مـمـا يـدلّ عـلى قـلّـة مـعـرفـتـه بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة. وعـلى ظـهـر هـذه الـبـطـاقـة طـابـع عـلـيـه خـتـم الـبـريـد بـتـاريـخ 22 آب 34.

ولـديـنـا بـطـاقـة بـريـديـة عـلـيـهـا صـورة الـتـقـطـهـا مـصـور سـتـوديـو إلـدورادو وعـلـيـهـا طـابـع صـدر عـام 1949 : (18)

ولـديـنـا صـورة الـتـقـطـت عـام 1961 نـرى فـيـهـا الـدّعـامـة الّـتي أضـيـفـت أمـام طـرف الـجـنـاح الـجـنـوبي لـتـسـنـده :

وصـورة أخـرى الـتـقـطـهـا الـمـصّـور الـفـوتـوغـرافي الـعـراقي لـطـيـف الـعـاني عـام 1965، ونـرى فـيـهـا الأمـريـكي بـاركـر مـيـلـز وزوجـتـه مـع عـازف الـرّبـابـة الأعـمى : (19)

وفي عـام 1972، قـامـت مـديـريـة الآثـار الـعـامـة بـتـرمـيـم كـامـل لـلـجـنـاح الـجـنـوبي مـن الـطّـاق :

وبـدأت عـام 1975 أعـمـال إعـادة تـشـيـيـد الـجـنـاح الـشّـمـالي (الّـذي كـان قـد انـهـار في ربـيـع عـام 1887)

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل 

وأنـظـر كـذلـك مـقـالي : عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة 

(2) كـتـب الـمـؤلـف الـيـونـاني إسـطـرابـون Στράϐων، الّـذي تـوفي حـوالي سـنـة 20 بـعـد الـمـيـلاد، في مـؤلـفـه الـشّـهـيـر الـمـسـمى بـ “الـجـغـرافـيـا” :”وكـانـت هـذه الـمـديـنـة قـديـمـاً مـديـنـة بـابـل، عـاصـمـة بـلاد آشـور [!]، وتـسـمى في أيّـامـنـا هـذه سـلـوقـيـة دجـلـة. وكـانـت قـرب سـلـوقـيـة قـريـة كـبـيـرة تـدعى طـيـسـفـون كـان الـفـارثـيـون قـد اتـخـذوهـا عـاصـمـة لـهـم يـسـكـنـونـهـا في الـشّـتـاء. وبـفـضـل نـمـو سـلـطـة الـفـارثـيـيـن صـارت الـقـريـة مـديـنـة وأحـيـطـت بـالأسـوار وازدادت أعـداد سـكـانـهـا. ولـنـقـاء هـواء طـيـسـفـون اعـتـاد مـلـوك الـفـارثـيـيـن عـلى الإقـامـة فـيـهـا كـلّ شـتـاء، ويـتـركـونـهـا في الـصّـيـف لـيـقـيـمـوا في عـواصـمـهـم الأخـرى”. (الـكـتـاب الـرّابـع، الـفـصـل الأوّل، ص. 16)

(3) ديـوان الـبـحـتـري، الـمـجـلـد الأوّل، تـحـقـيـق : د.عـمـر الـطّـبـاع، بـيـروت 2016.

(4) Turris Babel, Sive Archontologia Qua Primo Priscorum post diluvium hominum vita, mores rerumque gestarum magnitudo, Secundo Turris fabrica civitatumque exstructio, confusio linguarum, & inde gentium transmigrationis, cum principalium inde enatorum idiomatum historia, multiplici eruditione describuntur & explicantur. Amsterdam, Jansson-Waesberge 1679.

(5) ذكـر الـمـبـشـر جـوزيـف وولـف Rev. Joseph Wolff في كـتـاب نـشـره في لـنـدن عـام 1837عـن رحـلـتـه إلى الـشّـرق أنّ الـكـابـتـن هـارت كـان ابـن الـجـنـرال هـارت، وقـد جـاء مـن الـهـنـد مـع الـكـابـتـن كـيـبـل إلى الـبـصـرة عـام 1824 ، ومـنـهـا صـعـد إلى بـغـداد.

(6) أنـظـر مـقـالي : لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

(7) أنـظـر مـقـالي : رحـلـة هـنـري سـتـيـرن إلى الـعـراق 

(8) أنـظـر مـقـالي : فـنّـان بـغـدادي مـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر لا يـتـذكّـره أحـد https://almilwana.blogspot.com/2015/04/3-1.html

(9) أنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق 

(10) Les vrais Arabes et leur pays : Bagdad et les villes ignorées de l’Euphrate, Paris 1884.

(11) أنـظـر مـقـالي : دفـاتـر عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة 

(12) يـعـقـوب سـركـيـس، مـبـاحـث عـراقـيـة في الـجـغـرافـيـة والـتّـاريـخ والآثـار وخـطـط بـغـداد، بـغـداد 1948. وقـد كـتـب جـوزيـف مـاتـيـا زفـوبـودا يـومـيـاتـه بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة، وقـد تـرجـم يـعـقـوب سـركـيـس الـمـقـطـع الّـذي اسـتـشـهـدت بـه.

وذكـر عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني إرنـسـت إلـفـريـد والـيـس بـدج Ernest Alfred Wallis BUDGE في كـتـاب نـشـره في لـنـدن عـام 1920 بـعـنـوان :By Nile and Tigris, A Narrative of Journeys in Egypt and Mesopotamia on Behalf of the British Museum between the years 1886 and 1913أنّـه بـعـد زيـارتـه لـطـيـسـفـون ــ الـمـدائـن، طـلـب مـن الـمـسـتـر هـولانـد A.B. Holland أن يـجـد لـه مـعـلـومـات في بـغـداد عـن تـاريـخ انـهـيـار جـنـاح إيـوان كـسـرى وعـن سـبـبـه : “وأخـبـرني في رسـالـة اسـتـلـمـتـهـا مـنـه مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة أنّ أحـد أصـدقـائـه وجـد في دفـاتـر الـمـرحـوم زفـوبـودا Svoboda أنّ الـطّـاق انـهـار في ربـيـع 1887. وكـان نـهـر دجـلـة قـد فـاض ذلـك الـعـام فـيـضـانـاً شـديـداً وأنّ مـيـاهـه أغـرقـت الأراضي في كـلّ الإتـجـاهـات عـلى مـدى كـيـلـومـتـرات وكـيـلـومـتـرات واجـتـاحـت الإيـوان وأسـقـطـت أحـد جـنـاحـيـه”. (ص. 12)

(13) نـشـرتـهـمـا في لـنـدن عـام 1911 في كـتـاب “مـن مـراد إلى مـراد Amurath to Amurath “.

(14) أنـظـر مـقـالي : بـغـداد  1919 

(15) أنـظـر مـقـالي : ألـبـوم صـور نـشـرتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925

(16) أنـظـر مـقـالي : صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون

(17) أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (4) :

(18) أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (2) :

(19) أنـظـر مـقـالي : https://www.facebook.com/314092668739220/photos/rpp.314092668739220/603635733118244/?type=3&t

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

يـومـيـات بـغـداد سـنـة 1831

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـيـن الـطّـاعـون وفـيـضـان دجـلـة والإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة :

عـنـدمـا نـقـرأ عـن الأحـداث الّـتي جـرت في بـغـداد خـلال الـسّـنـة الـرّهـيـبـة 1831، وعـن الـمـصـائـب الّـتي حـلّـت بـأهـلـهـا ومـحـقـت أغـلـبـهـم، يـتـمـلـكـنـا الـذّهـول أمـام قـدرة الإنـسـان عـلى تـحـمّـل الـنّـكـبـات، وأمـام قـدرتـه عـلى مـقـاومـة الأقـدار وإعـادة لـمّ شـمـل مـن بـقي مـن الأحـيـاء حـولـه وإعـادة تـشـيـيـد داره وبـذل كـلّ جـهـوده في كـسـب قـوتـه مـن جـديـد …

وبـدلاً مـن أن يـهـجـر الـمـديـنـة أهـلـهـا ويـتـركـوهـا لـلـخـراب، عـادوا إلـيـهـا لـيـدفـنـوا فـيـهـا مـوتـاهـم ويـشـيـدوا مـا تـهـدّم مـنـهـا … وعـادت الـحـيـاة إلـيـهـا وكـأنّ شـيـئـاً لـم يـحـدث.

وشـاءت الـصّـدفـة أن يـقـيـم في بـغـداد تـلـك الـسّـنـة مـبـشـر انـكـلـيـزي اسـمـه أنـطـوني نـوريـس غـروفـس Anthony N. Groves ، وأنّ يـكـتـب هـذا الـمـبـشّـر يـومـيـاتـه الّـتي نـشـرت في كـتـاب في لـنـدن في الـعـام الـتّـالي. (1)

ومـن قـراءة هـذه الـيـومـيـات يـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـا حـدث في تـلـك الـسّـنـة الـرّهـيـبـة يـومـاً بـعـد يـوم تـقـريـبـاً. وتـأتي أهـمـيـة هـذه الـيـومـيـات مـن أنّـهـا نـصّ تـاريـخي بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة، أي أنّـهـا شـهـادة شـاهـد عـيـان سـجّـل مـا عـاشـه ومـا رآه ومـا سـمـعـه بـنـفـسـه.

وأنـطـوني غـروفـس هـذا كـان مـبـشـراً بـروتـسـتـانـتـيـاً إنـكـلـيـزيـاً، ولـد سـنـة 1795، ودرس طـبّ الأسـنـان ثـمّ بـدأ بـمـمـارسـتـه، وتـزوّج. وفي عـام 1826 درس الـلاهـوت لـيُـكـرّس كـرجـل ديـن، ودخـل في الـجـمـعـيـة الـتّـبـشـيـريـة. ولـكـنّـه تـرك الـكـنـيـسـة الأنـغـلـيـكـانـيـة وجـمـعـيـتـهـا الـتّـبـشـيـريـة وتـقـرّب مـن جـمـاعـة بـروتـسـتـانـتـيـة.

وفي عـام 1829، سـافـر غـروفـس إلى بـغـداد بـصـحـبـة زوجـتـه وولـداهـمـا وعـدد مـن أصـدقـائـه، وأقـامـوا فـيـهـا. ثـمّ لـحـق بـهـم أصـدقـاء آخـرون في الـعـام الـتّـالي.

وبـدأ وبـاء الـطّـاعـون في بـغـداد في آذار 1831، كـمـا عـانـت الـمـديـنـة مـن فـيـضـان نـهـر دجـلـة مـمـا نـتـج عـنـه مـوت أعـداد كـبـيـرة مـن سـكـانـهـا، وعـانـت مـن الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة.

وقـد مـاتـت زوجـة الـمـبـشـر غـروفـس مـن الـطّـاعـون ثـم مـاتـت طـفـلـتـهـمـا الّـتي كـانـت قـد ولـدت في بـغـداد.

وبـعـد أن تـرك بـغـداد، أكـمـل غـروفـس مـهـمـتـه الـتّـبـشـيـريـة في الـهـنـد مـن عـام 1833 إلى أن أجـبـرتـه حـالـتـه الـصّـحـيـة الـمـتـدهـورة عـلى الـعـودة إلى إنـكـلـتـرة في 1852، وتـوفي فـيـهـا في الـسّـنـة الـتّـالـيـة، 1853.

يـومـيـات أنـطـوني غـروفـس :

تـبـدأ يـومـيـات غـروفـس في 2 نـيـسـان 1930، وتـنـتـهي في 7 تـشـريـن الـثّـاني 1931. وهي تـمـلأ 288 صـفـحـة مـن الـكـتـاب الّـذي يـحـتـوي عـلـيـهـا: “يـومـيـات إقـامـة في بـغـداد خـلال عـامَي 1830 و 1831” :

Groves

وقـد سـجّـل غـروفـس في يـومـيـاتـه خـاصـة مـا يـتـعـلّـق بـمـهـمـتـه الـتـبـشـيـريـة والـمـدرسـة الّـتي فـتـحـتـهـا، وعـلاقـاتـه بـرجـال الـدّيـن الآخـريـن. كـمـا ذكـر الـتّـقـاريـر الّـتي كـتـبـوهـا عـن مـهـمـاتـهـم. ولـكـنّـه ذكـر مـع ذلـك مـا كـان يـحـدث حـولـه مـن أمـور الـمـديـنـة وأهـلـهـا، وهـو الـجـزء الّـذي يـهـمـنـا في هـذا الـعـرض.

وسـأخـتـار لـكـم فـيـمـا يـلي أهـمّ الـمـقـاطـع الّـتي يـمـكـنـهـا أن تـسـاعـدنـا في مـتـابـعـة الأحـداث. وسـأبـدأ بـالـمـقـاطـع الّـتي يـتـكـلّـم فـيـهـا عـن مـدرسـتـه الـتّـبـشـيـريـة وتـلامـيـذه عـام 1830 :

“بـغـداد، 2 نـيـسـان 1830،  بـدأنـا نـعـاني مـن ضـيـق غـرفـة دروسـنـا الّـتي لا تـتـسـع لـكـلّ الأطـفـال. ولـهـذا يـنـبـغي إضـافـة غـرفـة أخـرى. ويـأتي عـنـدنـا الآن ثـمـانـيـة وخـمـسـون صـبـيـاً وتـسـع بـنـات …

12 حـزيـران، أخـبـرني الـمـلّا Moolah الّـذي يـعـلـمـني الـلـغـة الـعـربـيـة والّـذي أعـلـمـه الإنـكـلـيـزيـة أنّـه سـيـبـعـث ابـنـه إلى إنـكـلـتـرة بـعـد عـامـيـن أو ثـلاثـة لـيـكـمـل دراسـتـه لـلإنـكـلـيـزيـة. […] وبـدأت مـعـرفـتي بـالـعـربـيـة تـتـحـسـن لأنّي أسـتـعـمـلـهـا مـع الأولاد الّـذيـن أعـلـمـهـم الإنـكـلـيـزيـة. وهـم يـأتـون لي بـجـمـل عـربـيـة. وحـسـب مـقـدرتي، أشـرح لـهـم مـعـانـيـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة. وعـنـدمـا لا أسـتـطـيـع ذلـك أكـتـبـهـا لأطـلـب مـسـاعـدة الـمـلّا في الـيـوم الـتّـالي. كـمـا أنّي أعـطـيـهـم كـلـمـات عـربـيـة وأطـلـب مـنـهـم تـرجـمـتـهـا إلى الإنـكـلـيـزيـة. وقـد تـوصـلـت إلى إدخـال الـتّـعـابـيـر في ذاكـرتي وتـرسـيـخـهـا فـيـهـا لأجـدهـا بـتـلـقـائـيـة عـنـدمـا أحـتـاج إلـيـهـا. ومـيـزة الـجـمـل الّـتي يـأتي لي بـهـا الأولاد أنّـهـا مـمـا يـسـتـعـمـلـون في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة، وهـذه الـلـغـة الـعـامـيـة شـديـدة الإخـتـلاف عـن الـعـربـيـة الـمـكـتـوبـة”.

ويـكـتـب عـن الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة الّـتي بـدأت تـتـوتـر :

26 حـزيـران، سـمـعـنـا هـذ الـيـوم أنّ سـكـان الـمـديـنـة مـن الـمـحـمّـديـيـن (أي الـمـسـلـمـيـن) يـنـتـقـدون الـسّـلـطـان [الـعـثـمـاني] وبـاشـا بـغـداد لإدخـالـهـمـا الـعـادات الأوربـيـة [في الـمـنـطـقـة]. وهـم يـعـتـقـدون أنّـهـمـا اعـتـنـقـا الـمـسـيـحـيـة. وقـد سـأل أحـدهـم الـسـيـد زفـوبـودا Swoboda عـن صـحـة مـا يـقـال مـن أنّ الـمـسـجـد الـقـديـم الـقـريـب مـن هـنـا سـيـحـول إلى كـنـيـسـة، وهـل أنّ ضـرب الـطّـبـول كـلّ مـسـاء عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة يـعـني أنّ الـبـاشـا اعـتـنـق الـدّيـن الـمـسـيـحي ؟ ويـقـولـون إنّ لـبـس الـزّي الـعـسـكـري الـجـديـد حـرام haram”.

وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ الـسّـيـد زفـوبـودا الّـذي يـذكـره أنـطـوني غـروفـس هـنـا هـو أنـطـون زفـوبـودا Antone Svodoba الّـذي ولـد سـنـة 1796 م. في أوربـا الـشّـرقـيـة الّـتي كـانـت جـزءاً مـن الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ـ الـمـجـريـة، واشـتـغـل بـالـتّـجـارة. وقـد عـمـل في فـيـيـنـا (الـنّـمـسـا)، ثـمّ جـاء مـن فـيـيـنـا عـن طـريـق الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) إلى بـغـداد. (أنـظـر مـقـالي : دفـاتـر عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة). وسـيـذكـره أنـطـوني غـروفـس ثـلاث مـرّات أخـرى في يـومـيـاتـه هـذه.

19 آب،  سـمـعـنـا مـن يـؤكـد بـأنّ جـمـاعـات مـن الأعـراب، بـيـن 20 ألـف و 30 ألـف رجـل وصـلـوا أمـام أبـواب الـمـديـنـة. ولـلـبـاشـا جـيـش ولـكـنّـه عـلى بـعـد 39 كـلـم مـن هـنـا. ولـه كـتـيـبـة أخـرى تـحـت أوامـر ضـابـط إنـكـلـيـزي عـلى بـعـد حـوالي عـشـريـن كـلـم. ويـبـدو أنّ مـطـالـبـات هـؤلاء الـعـرب الـرّئـيـسـيـة خـلـع الـبـاشـا. ولـيـس مـسـتـحـيـلاً أن يـوافـقـهـم الـبـاب الـعـالي عـلى ذلـك […] وقـرر الـبـاشـا أنّ لا يـولي انـتـبـاهـاً لـعـشـائـر الـعـرب. وقـد عـادت كـلّ كـتـائـب جـنـده إلى بـغـداد مـا عـدا الـكـتـيـبـة الّـتي يـقـودهـا مـسـتـر لـيـتـل جـون Littlejohn الّـتي بـقـيـت بـعـيـداً عـنـهـا. وهـنـاك بـوادر خـوف مـلأ قـلـب الـبـاشـا مـن صـراع سـيـقـود إلى خـلـعـه مـن الـولايـة. وهـو مـا يـبـدو مـحـتـمـلاً بـعـد أن غـضـب الـبـاب الـعـالي عـلـيـه عـنـدمـا رفـض مـسـاعـدتـه مـادّيـاً”.

وأتـوقّـف هـنـا لأذكّـر قـرّائي بـالـوضـع الـسّـيـاسي لـبـغـداد في تـلـك الـفـتـرة :

كـان داود بـاشـا آخـر الـمـمـالـيـك الّـذيـن حـكـمـوا بـغـداد. ودامـت فـتـرة حـكـمـه مـن 1817 إلى 1831.

داود باشا 2

ونـحـن نـعـرف مـن الـمـصـادر الـتّـاريـخـيـة أنّ الـبـاشـا عـلي رضـا دخـل بـغـداد في 14 أيـلـول، وأنـهى بـذلـك حـكـم الـمـمـالـيـك الّـذي دام حـوالي 82 عـامـاً. وقـد أمـر عـلي رضـا بـاشـا بـقـتـل كـلّ الـمـمـالـيـك الـجـيـورجـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـحـمـون داود بـاشـا، ولـكـنّـه أرسـل داود بـاشـا إلى إسـطـنـبـول تـنـفـيـذاً لأمـر الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني.

وفي حـديـثـه عـن الـكـولـيـرا الّـتي قـتـلـت أعـداداً كـبـيـرة مـن سـكـان كـركـوك :

“وقـتـلـت في الـبـصـرة قـبـل عـامـيـن 1500 مـن سـكـانـهـا الّـذيـن كـانـت أعـدادهـم 6000، مـمـا تـرك كـثـيـراً مـن الـدّور فـارغـة وكـثـيـراً مـن الـمـراكـب تـطـفـو وحـدهـا عـلى سـطـح الـنّـهـر مـن هـنـا إلى هـنـاك بـعـد أن فـقـدت مـالـكـيـهـا. وعـنـدمـا يـمـوت أحـد في الـدار يـتـركـه الآخـرون ويـغـلـقـون عـلـيـه الـبـاب ويـهـربـون.

24 أيـلـول، سـمـعـنـا أن ضـحـايـا وبـاء الـكـولـيـرا وصـلـوا في كـركـوك إلى مـائـة شـخـص في الـيـوم. ولـكـنّ الـوبـاء تـوقّـف الآن.

وفي يـومـيـات 1831 كـتـب أنـطـوني غـروفـس :

20 آذار 1831،  إسـتـدعى الـبـاشـا عـشـيـرتـيـن مـن الـعـرب لـتـسـانـداه في صـراعـه الـمـقـبـل [مـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني] وأسـكـنـهـمـا في بـغـداد في الـضّـفـة الـمـقـابـلـة مـن دجـلـة. ولـعـداوة بـيـنـهـمـا، بـدأتـا تـتـقـاتـلان في الـلـيـلـة الـمـاضـيـة، واسـتـمّـرتـا في الـقـتـال حـتّى هـذا الـصّـبـاح. وقـد طـردت واحـدة مـنـهـمـا مـن بـغـداد.

28 آذار، أعـتـقـد أنّ وبـاء الـطّـاعـون وصـل ولا شـكّ إلى بـغـداد. واسـتـعـدّ الـمـاجـور تـايـلـور وكـلّ الـعـامـلـيـن في الـمـقـيـمـيـة الـبـريـطـانـيـة لـتـرك الـمـديـنـة والإلـتـجـاء إلى كـردسـتـان. وقـد اقـتـرحـوا عـلـيـنـا أن نـصـاحـبـهـم.

29 آذار، زار الـدّكـتـور Beagrie ومـسـتـر مـونـتـفـيـوري Montefiore  أمـس عـدداً مـن الـمـرضى. وهـمـا يـعـتـقـدان أنّـهـم أصـيـبـوا بـالـطّـاعـون وإن لـم يـكـونـا مـتـأكّـديـن مـن ذلـك تـمـامـاً. وقـد تـأكّـدا مـن ذلـك هـذا الـيـوم. وصـاحـبـتُ مـسـتـر مـونـتـفـيـوري في زيـاراتـه، ووجـدنـا أنّ عـدد الـمـصـابـيـن بـالـطّـاعـون وصـل الآن إلى عـشـريـن، وتـتـزايـد أعـدادهـم سـاعـة بـعـد سـاعـة.

1 نـيـسـان، مـا زالـت أعـداد الـمـصـابـيـن بـالـطّـاعـون تـتـزايـد وإن خـفّـت سـرعـتـهـا. وكـلّ الّـذيـن مـاتـوا مـن الـطّـاعـون حـتّى الآن هـم مـن الـمـسـلـمـيـن والـيـهـود. وقـد ذهـبـت أعـداد مـن الـيـهـود إلى الـبـصـرة هـربـاً مـن الـوبـاء. والأكـراد الّـذيـن جـلـبـوا الـطّـاعـون مـعـهـم مـن كـردسـتـان، هـربـوا أيـضـاً مـن الـمـديـنـة. وتـتـجـه قـافـلـة مـن الـمـسـيـحـيـيـن نـحـو الـمـوصـل الّـتي كـانـوا قـد هـربـوا مـنـهـا قـبـل ثـلاث أو أربـع سـنـوات خـوفـاً مـن الـطّـاعـون.

3 نـيـسـان، غـادرت مـجـمـوعـات كـبـيـرة مـن الـيـهـود بـغـداد هـذا الـصّـبـاح هـربـاً مـن الـطّـاعـون، كـمـا غـادرهـا الـمـسـيـحـيـون مـسـرعـيـن في كـلّ الإتـجـاهـات.

4 نـيـسان، يـبـدو أن أعـداد مـوتى الـطّـاعـون لـم تـرتـفـع في الـيـومـيـن أو الـثّـلاثـة الأخـيـرة، ربّـمـا لا أكـثـر مـن 150 في الـيـوم الـواحـد.

7 نـيـسـان، سـمـعـنـا أنّ الأعـداء سـيـصـلـون إلى بـغـداد خـلال ثـلاثـة أيّـام، وأنّ الـبـاشـا سـيـغـادرهـا مـع “حـريـمـه”.  ولا نـدري هـل لـيـواجـه أعـداءه أم لـيـهـرب مـنـهــم. والأرجـح، الّـذي يـوافـق طـبـعـه، أنّـه سـيـهـرب مـنـهـم، ولـكـن إلى أيـن ؟ فـإن أخـذ مـعـه أمـوالـه فـسـيـتـبـعـه مـن سـيـنـهـبـونـه، وإذا تـركـهـا فـلـن يـسـتـطـيـع أم يـذهـب بـعـيـداً لأنّـه سـيـفـقـد قـوّتـه مـن غـيـر مـال وسـيـنـقـلـب عـلـيـه الـمـقـرّبـون مـنـه.

9 نـيـسـان، سـاد هـدوء مـطـلـق عـلى بـغـداد، كـالـهـدوء الّـذي يـسـبـق الـعـاصـفـة. وبـدأ جـيـرانـنـا يـعـدّون دفـاعـهـم ويـؤجّـرون رجـالاً مـسـلـحـيـن لـحـراسـة دورهـم. ولـم يـغـادر الـبـاشـا الـمـديـنـة كـمـا كـان يـنـوي فـعـلـه أمـس. وسـمـعـنـا أن خـبـر تـفـشي وبـاء الـطّـاعـون أوقـف تـقـدّم أعـداء الـبـاشـا. وقـد تـحـصّـن الـبـاشـا في الـقـلـعـة في انـتـظـار أن يـصـلـه أمـر مـن الاسـتـانـة، ولـكـنّ كـلّ الّـذيـن حـولـه ضـدّه ولا يـودّون إلّا مـجئ أعـدائـه.

10 نـيسـان، يـتـفـق الـجـمـيـع عـلى أن أعـداد ضـحـايـا الـطّـاعـون في جـانـب الـرّصـافـة خـلال الأسـبـوعـيـن الأخـيـريـن وصـلـت إلى حـوالي 7000. ولا يـعـرف الـنّـاس الـمـسـاكـيـن مـاذا يـنـبـغي أن يـفـعـلـوا : فـإذا ظـلّـوا في الـمـديـنـة مـاتـوا مـن الـطّـاعـون وإذا خـرجـوا نـهـبـهـم الأعـراب، وإن أفـلـتـوا مـنـهـم فـسـيـعـانـون أيـضـاً مـن أضـرار فـيـضـان دجـلـة الّـذي أغـرق الآن كـلّ الأراضي الـمـحـيـطـة بـبـغـداد. ويـقـال إنّ الـفـيـضـان خـرب حـتّى الآن ألـفي مـسـكـن في جـانـب الـكـرخ.

12 نـيـسـان، بـلـغـت أعـداد مـوتى الـطّـاعـون مـبـلـغـاً رهـيـبـاً، فـقـد وصـلـت أعـدادهـم أولّ أمـس إلى 1200.

13 نـيـسـان، دخـل وبـاء الـطّـاعـون عـنـد جـيـرانـنـا الّـذيـن أخـرجـوا مـن مـنـازلـهـم مـا يـقـارب الـثّـلاثـيـن جـثّـة. وبـدأوا يـتـصـرفـون تـصـرفـاً غـريـبـاً، فـبـدلاً مـن أن يـعـزلـوا أنـفـسـهـم بـعـضـهـم عـن بـعـض لـتـحـاشي الـوبـاء فـقـد بـدأوا يـتـجـمـعـون ويـلـتـصـقـون الـواحـد بـالآخـر بـأكـثـر مـا يـسـتـطـيـعـون.

15 نـيـسـان، أعـداد مـوتى الـطّـاعـون مـا زالـت مـريـعـة : 1800. ومـمـا يـزيـد الأخـطـار أنّ الـجـثـث تـركـت في داخـل الـمـنـازل، فـقـد هـرب الـنّـاس وتـركـوا مـوتـاهـم مـن غـيـر أن يـدفـنـوهـم. وقـد ألـحّ بـعـض الـشّـبـاب في أحـد أحـيـاء بـغـداد عـلى دفـن مـوتـاهـم وتـوصّـلـوا إلى ذلـك مـمـا دفـع آخـريـن في أحـيـاء أخـرى إلى بـذل نـفـس الـجـهـود، وتـوصّـل الـجـمـيـع إلى دفـن كـلّ الـمـوتى في لـيـلـة أمـس.

16 نـيـسـان، إرتـفـعـت أعـداد الـمـوتى أمـس ووصـلـت حـدّاً لـم تـبـلـغـه مـن قـبـل […] سـكـان بـغـداد لا يـمـكـن أن يـتـجـاوزوا 80 ألـفـاً، وقـد هـرب نـصـفـهـم مـن الـمـديـنـة. ولـهـذا فـإنّ مـوت ألـفي شـخـص في الـيـوم لـن يـبـقي كـثـيـراً مـنـهـم خـلال فـتـرة قـصـيـرة.

19 نـيـسـان، مـا زال الـنّـاس يـمـوتـون بـأعـداد كـبـيـرة كـلّ يـوم. وبـيـن جـنـود الـبـاشـا، مـات في بـعـض الـكـتـائـب الّـتي تـضـمّ 700 جـنـدي أكـثـر مـن 500.

20 نـيـسـان، مـازالـت الـحـالـة بـنـفـس الـسّـوء، ومـا زال مـسـتـوى مـيـاه دجـلـة يـرتـفـع. وإذا مـا اسـتـمـر في الإرتـفـاع فـسـتـغـرق الـمـيـاه هـذ الـجـانـب مـن الـمـديـنـة كـمـا أغـرقـت الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـنّـهـر، وسـيـضـيـف هـذا بـؤسـاً عـلى بـؤس الـنّـاس الـمـسـاكـيـن.

22 نـيـسـان، تـوصـلـت إلى الـخـروج مـن الـمـقـيـمـيـة هـذ الـيـوم مـحـاولاً إنـقـاذ بـعـض الأشـيـاء الّـتي اكـتـسـحـتـهـا الـمـيـاه والّـتي مـلأت كـلّ الـسّـراديـب. وقـد هـالـني مـنـظـر الـمـديـنـة الـمـرعـب، وصـعـوبـة الـحـصـول عـلى الـنّـجـدة مـن أي نـوع كـان وبـمـقـابـل أي ثـمـن.

24 نـيـسـان، مـا زال وبـاء الـطّـاعـون يـهـاجـمـنـا بـعـنـف شـديـد، وقـتـل خـادمَي جـارنـا. […] وقـد حـفـرت قـبـور جـوار دارنـا. ولـم يـعـد في الـمـديـنـة قـمـاش قـطـن، والـنّـاس يـطـوفـون في أرجـائـهـا بـحـثّـاً عـن بـعـض أذرعـة مـنـه لـيـكـفّـنـوا بـهـا مـوتـاهـم. ولا نـسـتـطـيـع الـحـصـول عـلى الـمـاء بـأي ثـمـن، وعـلى كـلّ حـال لـم نـعـد نـرى بـاعـة الـمـاء. وقـد مـات خـلال هـذا الـشّـهـر أكـثـر مـن 30 ألـف  شـخـص.

25 نـيـسـان، أجـبـرت الـيـوم عـلى الـخـروج مـن الـمـقـيـمـيـة بـعـد أن أسـقـطـت مـيـاه الـفـيـضـان جـداراً مـنـهـا، ولـم أجـد إلّا مـشـاهـد مـوت وخـراب. ولـم أرَ احـداً في الـدّروب مـاعـدا مـن يـحـمـل جـثّـة لـيـدفـنـهـا أو مـن أصـيـب هـو نـفـسـه بـالـطّـاعـون. وأمـام أعـداد مـن الأبـواب ألـقـيـت أكـوام ثـيـاب نـزعـت عـن الـمـوتى. ولـم يـعـد مـكـان حـول الـجـامـع يـدفـن فـيـه الـمـوتى فـحـفـرت الـقـبـور في كـلّ مـكـان مـن الـدّروب، وفي الإصـطـبـلات الّـتي خـلـت مـن خـيـولـهـا الـمـقـتـولـة.

وارتـفـع مـسـتـوى الـمـيـاه، وسـتـفـيـض عـمّـا قـريـب لـتـغـرق الـمـديـنـة. وقـد بـعـث الـبـاشـا مـن يـطـلـب مـن الـمـاجـور أن يـربـط مـركـبـه قـرب الـسّـراي [لـيـخـرجـه مـن الـمـديـنـة] إذا مـا فـاضـت مـيـاه دجـلـة.

مـات أمـس بـائـع قـمـاش قـطـن الأكـفـان الّـذي يـسـكـن عـلى بـعـد بـابـيـن مـن دارنـا. وكـان قـد رفـع أسـعـار الـواحـد مـنـهـا مـن 45 قـرشـاً إلى 95 قـرشـاً. وازدادت أسـعـار الـصّـابـون أربـعـة أضـعـاف. واسـتـطـعـت مـلأ كـلّ جـرار دارنـا بـمـاء اشـتـريـتـه عـشـريـن مـرّة أكـثـر مـن سـعـره.

26 نـيـسـان، لـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى تـعـداد الـمـوتى مـنـذ عـدّة أيّـام، ولـكـنّ الـشّـاويـش الّـذي يـعـمـل عـنـد الـمـاجـور ذهـب لـيـزور الـبـاشـا هـذ الـصّـبـاح. وكـان الـبـاشـا في حـالـة ذعـر شـديـد، يـريـد أن يـتـرك الـمـديـنـة ولـكـن لا يـعـرف كـيـف. وقـد ذكـر لـه الـضّـابـط الـمـسـؤول عـن تـعـداد الـمـوتى أنّ أعـدداهـم بـلـغـت 5000 في الـيـوم الـواحـد، لـكـنّـهـا انـخـفـضـت أمـس إلى 3000 وانـخـفـضـت أيـضـاً هـذا الـيـوم. ولـكـن يـبـدو لي أن ذلـك لا يـعـقـل ولا يـصـدق. وقـد عـاقـت الـمـيـاه الّـتي فـاضـت الـنّـاس عـن الـهـروب. ونـرى أطـفـالاً تـركـوا وحـدهـم بـلا مـعـيـل يـسـوعـون في الـدّروب والـطّـرقـات.

وقـد قـتـل الـطّـاعـون نـصـف جـنـود الـبـاشـا وعـدداً كـبـيـراً مـن عـبـيـده الـجـيـورجـيـيـن الّـذيـن هـم في نـفـس الـوقـت مـن مـقـرّبـيـه الـمـخـلـصـيـن.

27 نـيـسـان، أنـسـانـا الـفـيـضـان هـذا الـيـوم وبـاء الـطّـاعـون، فـقـد انـهـار جـزء مـن سـور شـمـال شـرق الـمـديـنـة في الـلـيـلـة الـمـاضـيـة ودخـلـت مـنـه سـيـول الـمـيـاه إلى الأحـيـاء الـسّـكـنـيـة. وقـد غـرقـت مـحـلّـة الـيـهـود وتـسـاقـطـت 200  دار مـنـهـا. كـمـا انـهـار جـزء مـن سـور الـقـلـعـة.

28 نـيـسـان، جـرف الـفـيـضـان 7000  دار مـن طـرف الـمـديـنـة إلى طـرفـهـا الآخـر، ودفـن الـمـرضى والـمـحـتـضـريـن والـمـوتى والأصـحـاء في نـفـس الـقـبـر الـواسـع الـفـوهـة. ومـن اسـتـطـاعـوا الـخـلاص هـربـوا مـن دورهـم الـمـنـهـارة حـامـلـيـن مـا اسـتـطـاعـوا أخـذه والـتـجـأوا في دور هـرب أهـلـهـا مـن الـطّـاعـون الّـذي كـان قـد حـلّ فـيـهـا.

ورأيـت هـذا الـيـوم أعـدداً مـن الـمـوتى في الـطّـرقـات لـم أرَ مـثـلـهـا مـن قـبـل، وازدادت أعـداد الـجـثـث الّـتي لـم تـدفـن. وتـسـاقـط سـراي الـبـاشـا أكـوامـاً مـن الـخـرائـب. ورغـم تـلـهـفـه عـلى تـرك الـمـديـنـة فـهـو لا يـجـد مـن يـقـود لـه مـركـبـه، فـلـم يـعـد أحـد يـخـشـاه ولـن يـفـعـل لـه أحـد ذلـك مـحـبـة بـه !

29 نـيـسـان، هـرب الـبـاشـا مـن الـمـديـنـة بـصـحـبـة سـائـس خـيـلـه وأفـراد عـائـلـتـه الـمـقـربـيـن. وبـقـيـت خـرائـب قـصـره مـفـتـوحـة الأبـواب مـن غـيـر أن يـدخـلـه أحـد لـيـأخـذ مـنـه شـيـئـاً. ومـا زال وبـاء الـطّـاعـون يُـسـقـط ضـحـايـاه في كـلّ مـكـان. وقـد انـخـفـض مـسـتـوى الـمـاء قـلـيـلاً، ولـكـن يـبـدو الآن أنّ الأعـراب الـمـحـيـطـيـن بـالـمـديـنـة سـيـهـاجـمـونـهـا حـالـمـا سـيـنـخـفـض مـسـتـوى الـمـيـاه تـمـامـاً لـيـسـلـبـوا مـا بـقي فـيـهـا ويـنـهـبـوه.

30 نـيـسـان، ظـهـر أنّ كـلّ مـا سـمـعـنـاه عـن هـرب الـبـاشـا مـن الـمـديـنـة لا صـحـة لـه. وقـد حـاول لـمـدّة عـدّة أيّـام أن يـهـرب وربـط عـدّة مـراكـب قـرب الـسّـراي، وقـد أغـرق الـفـيـضـان قـصـره وهـربـت خـيـولـه مـن الإصـطـبـلات، ولـكـنّـه عـنـدمـا رأى مـدى مـعـانـاة الـنّـاس أمـر بـفـتـح أحـد مـخـازن حـبـوبـه لـهـم. وقـد انـخـفـضـت الـمـيـاه هـذا الـيـوم بـأكـثـر مـن ذراع، ونـعـتـقـد أن الـخـطـر الّـذي كـان يـهـددنـا قـد انـتـهى.

4 أيّـار، كـان الـجـو في الـيـومـيـن أو الـثـلاثـة الأخـيـرة لـطـيـفـاً، وأشـرقـت الـشّـمـس وارتـفـعـت الـحـرارة. وقـلّـت أعـداد الـمـصـابـيـن بـالـطّـاعـون. وقـد مـرّ ثـلاثـة أو أربـعـة مـن بـاعـة الـمـاء بـعـد انـقـطـاع دام عـشـرة أيّـام، وبـدأنـا نـرى الـنّـاس يـخـرجـون قـلـيـلاً إلى الـشّـوارع.

5 أيّـار،  يـبـدو لي مـن خـلال الـمـعـلـومـات الّـتي حـصـلـت عـلـيـهـا أنّ الـوبـاء قـتـل ثـلـثي سـكّـان الـمـديـنـة. وأصـبـحـت الـمـديـنـة في حـالـة يـرثى لـهـا، ولـم يـبـقَ حـول الـبـاشـا إلّا أربـعـة مـن عـبـيـده الـجـيـورجـيـيـن الّـذيـن كـانـوا أكـثـر مـن مـائـة. وقـد سـمـعـت هـذه الـلـيـلـة ولأوّل مـرّة مـنـذ ثـلاثـة أسـابـيـع صـوت الـمـؤذن يـدعـو لـلـصّـلاة.

6 أيّـار،  إنـخـفـض مـسـتـوى الـمـيـاه كـثـيـراً هـذا الـيـوم، كـمـا رأيـت رجـلاً يـحـمـل قـطـعـة لـحـم طـازج.

7 أيّـار،  إزدادت أعـداد الـلـصـوص في كـلّ مـكـان، وبـلـغـتـنـا أخـبـار مـن الـمـوصـل بـأن بـاشـا جـديـد وصـلـهـا، وهـو يـنـتـظـر أن يـنـتـهي وبـاء الـطّـاعـون لـيـسـتـمـر في تـقـدّمـه نـحـو بـغـداد. وانــخـفـض مـسـتـوى الـمـيـاه بـسـرعـة، وبـدأ الـرّز يـأتـيـنـا مـن الـضّـفـة الـمـقـابـلـة.

15 و16 أيّـار،   يـبـدو أن حـالات الإصـابـة بـالـطّـاعـون بـدأت تـقـلّ، واسـتـمـر مـسـتـوى الـمـيـاه بـالإنـخـفـاض.

20 أيّـار،  مـنـذ أمـس أو أوّل أمـس، لاحـظـت أنّ تـرابـاً بـدأ يـتـسـاقـط مـن شـقّ في جـدار غـرفـتـنـا. ولأنّ الـسّـراديـب مـا زالـت غـارقـة في الـمـيـاه فـقـد قـررت أن نـخـرج كـلّ حـوائـجـنـا مـن هـذه الـغـرفـة، فـفـيـهـا كـلّ مـا نـمـلـك مـن مـلابـس وأمـتـعـة. ومـا كـدنـا نـنـتـهي مـن إفـراغـهـا حـتّى تـسـاقـطـت جـدرانـهـا كـومـة ركـام.

21 أيّـار،  حـاول لـصـوص لـيـلـة أمـس ولـثـلاث مـرّات أن يـكـسـروا أقـفـال بـابـنـا الـخـارجي ولـم يـفـلـحـوا. تـعـجّ كـلّ أرجـاء الـمـديـنـة بـهـم الآن. وصـل بـاشـا الـمـوصـل إلى بـغـداد هـذا الـيـوم.

31 أيّـار،  لا أدري هـل سـتـحـلّ مـشـكـلـة مـن سـيـكـون بـاشـا لـبـغـداد أم لا، ولـكـنّ يـبـدو أن الـبـاشـا الـحـالي سـيـبـقى في مـكـانـه، ولا يـبـدو أنّ بـاشـا حـلـب يـرغـب بـالـمـجئ إلى هـذه الـمـديـنـة الّـتي خـربـت لـيـحـل مـحـلـه. ثـمّ أنّ الـبـاشـا الـحـالي أرسـل [إلى إسـطـنـبـول] بـمـبـلـغ كـبـيـر مـن الـمـال سـيـقـبـلـه [الـسّـلـطـان] ولا شـكّ.

5 حـزيـران،  إنـتـشـرت شـائـعـات بـأنّ بـاشـا حـلـب سـيـصـل خـلال الأيّـام الـقـادمـة.

9 حـزيـران،  أخـبـرني تـاجـر ألـمـاني، الـسّـيـد زفـوبـودا Mr. Swoboda، أنّ أكـثـر مـن 15000 شـخـص مـاتـوا، بـعـضـهـم أصـيـبـوا بـالـطّـاعـون وبـعـضـهـم الآخـر بـسـقـوط  دورهـم عـلـيـهـم في الـلـيـلـة الّـتي فـاض فـيـهـا نـهـر دجـلـة وأغـرق الـمـديـنـة. وأخـبـرني الـسّـيـد زفـوبـودا انّـه لـن يـأمـل بـفـتـخ خـانـه his khan مـن جـديـد قـبـل اثـني عـشـر شـهـراً. وسـبـب ذلـك لا يـعـود فـقـط إلى وبـاء الـطّـاعـون ولـكـنّ لأنّ تـجّـار الـمـديـنـة الأغـنـيـاء، وخـاصـة الـيـهـود كـانـوا قـد تـركـوهـا، وكـذلـك خـوفـاً مـن مـجئ عـلي بـاشـا مـن حـلـب.

10 حـزيـران،  ضـربـت الـمـدافـع في الـقـلـعـة في الـلـيـلـة الـمـاضـيـة مـعـلـنـة أخـبـاراً سـارّة، فـقـد وصـل رسـول مـن الـسّـلـطـان يـخـبـره بـثـبـيـتـه لـه في بـاشـالـيـق بـغـداد. [ولـكـنّـهـا كـانـت أخـبـاراً كـاذبـة الـهـدف مـنـهـا خـداع أهـل الـمـديـنـة].

11 حـزيـران،  بـدلاً مـن الـفـرمـان الّـذي يـثـبّـت داود بـاشـا في مـنـصـبـه سـمـعـنـا الـيـوم أصـوات مـدفـع الـبـاشـا الـجـديـد. وبـعـد أن صـعـدنـا إلى الـسّـطـح في الـمـسـاء لـنـتـمـشّى قـلـيـلاً، سـمـعـنـا الـمـدفـع ورأيـنـا نـيـران الـبـنـادق، فـعـرفـنـا أن الـصّـراع [حـول الـسّـلـطـة] بـدأ في الـمـديـنـة. وفي حـوالي الـثّـامـنـة مـسـاءً سـمـعـنـا جـمـوعـاً غـفـيـرة تـتـصـايـح أمـام الـسّـراي. وسـرعـان مـا وصـلـتـنـا أنـبـاء دخـولـهـم في الـسّـراي وقـبـضـهـم عـلى الـبـاشـا. وبـعـد ذلـك سـاد الـهـدوء مـا عـدا أصـوات طـلـقـات بـنـادق حـرّاس الـمـنـازل يـطـاردون الـلـصـوص.

12 حـزيـران،  مـرّ الـبـاشـا الـمـخـلـوع أمـام دارنـا مـحـاطـاً بـجـنـود قـادوه إلى دار صـالـح بـك، الـرّجـل الـوحـيـد الّـذي مـا زال حـيّـاً مـن الأسـرة الـحـاكـمـة قـبـلـه والّـتي كـان قـد أطـاح بـهـا.

نـهـبـت دار فـرنـسي كـان يـدرّب جـنـود الـبـاشـا عـلى الـمـنـاهـج الـعـسـكـريـة الأوربـيـة، وكـاد أن يـقـتـل لـولا أنّـه أعـلـن إسـلامـه. وكـان يـتـبـع قـبـل أن يـسـلـم الـمـذهـب الـرّومـاني الـكـاثـولـيـكي.

ودخـل بـاشـا الـمـوصـل بـصـحـبـة شـيـخ أعـراب في الـمـديـنـة. وهـمـا الآن في الـسّـراي. والـحـقـيـقـة أنّ وبـاء الـطّـاعـون مـحـق كـلّ إمـكـانـيـات الـمـقـاومـة، فـقـد مـات كـلّ جـنـود داود بـاشـا وكـلّ أتـبـاعـه، وحـتّى هـو، رغـم أنّـه شـفى تـقـريـبـاً مـن إصـابـتـه بـالـطّـاعـون، مـا زال في حـالـة ضـعـف لا يـقـوى فـيـهـا عـلى شـئ. وعـنـدمـا مـرّ أمـام دارنـا هـذا الـصّـبـاح كـان سـتّـة رجـال يـسـنـدونـه لـكي لا يـسـقـط عـن جـواده. ولـم يـقـتـلـوه بـعـد. وقـد طـلـب أن يـأتـوا لـه بـابـنـه لـيـراه فـبـعـثـوا مـن يـأتي بـه حـالاً.

14 حـزيـران،  الـرّجـال الّـذيـن وصـلـوا إلى الـحـكـم بـدأوا يـتـشـاجـرون الآن بـيـنـهـم، بـعـضـهـم يـريـدون قـتـل داود بـاشـا وبـعـضـهـم يـريـدون أن يـطـلـقـوا سـراحـه، وبـدأ مـنـاصـروهـم يـتـقـاتـلـون في كـلّ الإتـجـاهـات.

وقـد رمي بـاشـا الـمـوصـل في الـحـبـس، وأشـعـلـت الـنّـار في جـزء مـن الـسّـراي الّـذي نـهـب. وقـتـل مـن جـنـود بـاشـا الـمـوصـل مـن قـتـل وهـرب الـبـاقـون. وكـان بـاشـا الـمـوصـل قـد جـاء إلى بـغـداد لـيـعـدّ وصـول عـلي، بـاشـا حـلـب الّـذي يـقـال إنّ الـسّـلـطـان عـيـنـه خـلـفـاً لـداود بـاشـا. وقـد أعـلـن في طـرقـات بـغـداد أنّ داود يـبـقى بـاشـا بـغـداد، ويـحـكـم صـالـح بـك بـدلاً عـنـه كـقـائـمـقـام kaimacam إلى أن يـتـشـافى ويـتـعـافى.

15 حـزيـران،  وصـلـتـنـا أخـبـار بـأنّ بـاشـا الـمـوصـل قـتـل لـيـلـة أمـس”.

ولـم يـكـتـب غـروفـس شـيـئـاً حـتّى يـوم 26 حـزيـران :

26 حـزيـران،  يـبـدو الآن أنّ داود بـاشـا تـنـازل عـن مـنـصـبـه لـصـالـح بـك، لا نـدري هـل بـرغـبـة أم بـرهـبـة. واسـتـولى صـالـح بـك عـلى الـخـزيـنـة وعـلى كـلّ مـا في الـسّـراي. ومـع ذلـك فـهـو يـذهـب كـلّ يـوم إلى داود بـاشـا الـعـجـوز لـيـطـلـب مـنـه رأيـه ونـصـائـحـه.

الـخـمـيـس 28 حـزيـران،  يـبـدو أنّ في هـذا الـبـلـد مـا يـكـفي مـن الـقـوّة لـيـخـرّب نـفـسـه بـنـفـسـه.

1 تـمّـوز،  تـقـدّم جـنـود بـاشـا الـمـوصـل الـمـقـتـول نـحـو أبـواب الـمـديـنـة ولـكـنّـهـم ردّوا عـنـهـا وقـتـل بـعـضـهـم. وازدادت أسـعـار كـلّ الـمـواد الـغـذائـيـة الـضّـروريـة مـن ضـعـف مـا كـانـت عـلـيـه إلى عـشـرة أضـعـافـه، فـقـد أفـسـد الـفـيـضـان الـغـلال، وقـتـل الـطّـاعـون مـن يـمـكـنـهـم أن يـحـصـدوا مـا تـبـقى مـنـهـا، وخـرّبـت الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة مـا خـرّبـت.

الـثّـلاثـاء 5 تـمّـوز،  مـا زالـت الـمـديـنـة في حـالـة فـوضى. وجـاءني بـعـض الـسّـلابـيـن الـنّـهـابـيـن “الـنّـامـوسـزيـة” إلى الـدّار وطـلـبـوا عـرقـاً arrack، ثـمّ خـرجـوا بـعـد أن تـوعـدوني بـقـطـع رأسي. ولـكـن ذلـك لـم يـكـن إلّا “نـفـخـاً”. واعـتـقـدوا أنّي مـن نـوع الـدّراويـش dervishs  لأنّي لا أشـرب الـعـرق، ولا أمـلـك أسـلـحـة ولـيـس في داري حـرس .

9 تـمّـوز،  تـحـرّك الـمـقـاتـلـون الّـذيـن في خـارج الـمـديـنـة نـحـونـا هـذا الـيـوم، ونـسـمـع الآن ضـربـات الـمـدفـع الـمـسـتـمـرّة. وأُخـبـرنـا أنّـهـم عـلى مـسـيـرة نـصـف سـاعـة مـن الـمـديـنـة.

الأحـد 10 تـمّـوز،  لـم نـسـمـع طـيـلـة الـلـيـل إلّا الـطّـلـقـات الـنّـاريـة وإلّا قـرع الـطّـبـول وصـيـاح الـنّـاس. ووصـل بـاشـا حـلـب إلى حـوالي مـسـيـرة سـاعـة مـن الـمـديـنـة. ويـبـدو أنّـه لا يـنـوي مـهـاجـمـتـهـا وإنّـمـا لـيـسـيـطـر عـلى مـن أخـذوا الـحـكـم هـنـا ويـخـضـعـهـم لـسـلـطـتـه.

14 تـمّـوز،  لـم نـسـمـع مـنـذ الـثّـامـن [مـن هـذا الـشّـهـر] إلّا طـلـقـات الـبـنـادق الآتـيـة مـن الـقـلـعـة وضـوضـاء الـعـسـكـر في الـلـيـل.

18 تـمّـوز،  صـارت أصـوات الـمـدفـع والـطـلـقـات في هـذه الأيّـام الـثـلاثـة تـشـبـه ضـوضـاء حـرب. وبـدأت الـحـرارة تـشـتـدّ، وسـردابـنـا الّـذي كـان مـلـجـأنـا في الـصّـيـف الـمـاضي مـا زال مـلـيـئـاً بـالـمـاء بـارتـفـاع ثـلاثـة أقـدام. وإذا أضـفـنـا إلى ذلـك أسـراب الـبـعـوض الّـتي نـتـجـت عـن فـيـضـان الـنّـهـر والـمـيـاه الـرّاكـدة الّـتي تـركـهـا حـولـه يـمـكـن أن نـدرك لـمـاذا يـسـتـحـيـل تـقـريـبـاً عـلى الإنـسـان أن يـنـام.

22 تـمّـوز،  مـن الأفـضـل أن نـتـكـلّـم عـربـيـة مـنـحـطّـة يـفـهـمـهـا الـجـمـيـع مـن أن نـتـكـلّـم عـربـيـة فـصـحى لا يـفـهـمـهـا إلّا الـمـلالي Mollahs. فـإن لـم يـتـكـلّـم الـمـرء عـامـيـة تـخـتـلـط فـيـهـا الـكـلـمـات الـتّـركـيـة بـالـفـارسـيـة وبـالـعـربـيـة فـلـن يـفـهـمـه أحـد، ومـع ذلـك تـطـغي فـيـهـا الـكـلـمـات الـعـربـيـة عـلى كـلـمـات الـلـغـتـيـن الأخـريـتـيـن.

23 تـمّـوز،  أرسـل لي الـبـاشـا سـمـكـة، مـع تـحـيـاتـه وطـلـب بـأن أطـبـخـهـا وأبـعـثـهـا لـه : وهـو بـهـذه الـطّـريـقـة يـجـمـع مـا يـوضـع عـلى مـائـدتـه، فـمـن يـطـبـخ لـه صـحـن رز ومـن يـبـعـث لـه بـصـحـن كـبـاب  kebaub وآخـر يـرسـل لـه بـالـخـبـز، لأنّـه لـم يـعـد لـه خـدم يـقـومـون بـذلـك. وهـذه هي الـمـرّة الأولى الّـتي أكـرمـني فـيـهـا بـهـذا الـطّـلـب. وعـنـدمـا بـعـثـت لـه بـالـسّـمـكـة مـطـبـوخـة أرسـل لي يـطـلـب بـعـض الـخـسـتـاوي kustawee  لـيـأكـلـه مـع الـسّـمـك.

28 تـمّـوز،  لـم تـصـبـنـا ضـربـات مـدفـع الـمـحـاصـريـن ولا نـيـرانـهـم بـضـرر حـتّى الآن. وقـد مـرّت قـذيـفـتـا مـدفـع فـوق رؤوسـنـا، سـقـطـت إحـداهـمـا عـلى سـقـف دار عـائـلـة عـرب في نـفـس دربـنـا، وكـان أفـرادهـا نـيـامـاً، وعـنـدمـا انـفـجـرت قـتـلـت مـنـهـم ثـلاثـة. كـمـا مـرّت فـوق رؤوسـنـا طـلـقـات بـنـادق كـثـيـرة، أزّت إحـداهـا قـريـبـاً مـني لـتـضـرب الـحـائـط، وأحـنـيـت رأسي لـتـمـرّ أخـرى فـوقـه. وتـركـنـا الـسّـطـح هـربـاً مـن الأخـطـار وحـاولـنـا أن نـنـام في الـغـرف الّـتي كـدنـا أن نـخـتـنـق فـيـهـا مـن الـحـرّ.

بـدأت الـمـجـاعـة تـفـتـك بـفـقـراء الـمـديـنـة فـقـد ارتـفـعـت أسـعـار كـلّ مـا هـو ضـروري لـلـمـعـيـشـة مـن أربـعـة إلى سـتّـة أضـعـاف، هـذا إذا مـا أمـكـن الـحـصـول عـلـيـهـا، فـلـم يـعـد هـنـاك بـيـع ولا شـراء وأغـلـقـت كـلّ الـدكـاكـيـن أبـوابـهـا. وهـنـاك نـاس تُـقـتـل في الـشّـوارع ولا أحـد يـوقـف أحـداً.

31 تـمّـوز،  إسـتـمـرّ الـقـتـال أمـس مـن الـفـجـر إلى بـعـد الـظّـهـر، ولـكـنّ أحـداً لـم يـسـتـطـع الـدّخـول في الـمـديـنـة.

2 آب،  وصـلـتـنـا أخـبـار مـن الـحـجـاج في مـكّـة والـمـديـنـة تـؤكّـد عـلى أنّ أعـداد ضـحـايـا الـطّـاعـون والـكـولـيـرا لا تـعـدّ ولا تـحـصى. وكـثـيـر مـن الأسـر الّـتي هـربـت مـن الإضـطـرابـات هـنـا وفـضـلـت الـذّهـاب لـلـحـج وجـدت الـمـوت أمـامـهـا.

3 آب،  بـيـنـمـا كـنـت مـسـتـلـقـيـاً عـلى سـريـري عـلى الـسّـطـح لـيـلـة أمـس، مـرّت فـوق رأسي خـمـس طـلـقـات نـاريـة، فـألـقـيـت نـفـسي عـلى الأرض خـشـيـة أن تـصـيـبـني الـسّـادسـة.

9 آب،  حـدثـت مـنـاوشـات بـيـن الـجـنـود وبـيـن سـكـان الـمـديـنـة، واسـتـمـر إطـلاق الـنّـيـران مـدّة طـويـلـة لا بـد أن يـكـون قـد سـقـط مـنـهـا كـثـيـر مـن الـقـتـلى. وقـد تـحـصّـن جـيـرانـنـا وسـط الـدّرب قـرب بـاب دارنـا.

13 آب،  هـاجـمـت عـشـائـر الـعـرب الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـمـديـنـة هـذا الـيـوم، ولـكـنّـهـا مـنـعـت مـن دخـولـه. والـبـصـرة مـثـل بـغـداد في حـالـة حـصـار.

19 آب،  تـجـمـعـت أعـداد مـن الـفـقـراء أمـام أبـواب الـمـديـنـة يـطـلـبـون بـاكـيـن أن يـسـمـح لـهـم بـالـخـروج لـكي لا يـمـوتـوا جـوعـاً فـيـهـا، ولـكـنّ الأبـواب لـم تـفـتـح لـهـم. وقـد ارتـفـعـت الأسـعـار ولـم يـعـد الـبـنـاؤون والـنّـجـارون والـحـرفـيـون الآخـرون يـجـدون عـمـلاً مـنـذ بـدايـة وبـاء الـطّـاعـون. ويـفـقـد صـنّـاع يـدويـون أعـمـالـهـم كـلّ يـوم مـن غـيـر أن يـجـدوا مـا يـقـتـاتـون بـه. وإلى جـانـب ذلـك، هـاجـم الأعـراب كـلّ دار يـعـتـقـدون أنّـهـا تـحـتـوي عـلى حـبـوب أو رز. وفي نـيـتـنـا أن نـدفـن في بـاطـن الأرض صـنـدوقـاً صـغـيـراً فـيـه رز ودقـيـق وتـمـر، لـكي لا يـنـهـب ونـسـتـطـيـع أن نـقـتـات مـنـه لـمـدّة عـدّة أيّـام.

23 آب،  خـرج [الـجـنـود] مـن الـمـديـنـة لـيـردوا عـشـائـر الـعـرب الـمـوالـيـة لـعـلي، بـاشـا حـلـب، الّـذيـن انـسـحـبـوا بـعـد أن قـتـل مـنـهـم 100 رجـل، وقـطـعـت رؤوس 150 كـانـوا قـد أسـروا. ولا شـكّ في أنّ بـغـداد خـربـت الآن، ولـو سـمـح لـسـكـانـهـا الّـذيـن جـاءوا مـن الـقـرى الـمـجـاورة ولـكـلّ مـن يـودّ تـركـهـا بـالـخـروج لـمـا بـقي فـيـهـا أحـد.

29 آب،  دخـل بـعـض الـنّـهـابـيـن الـسّـلابـيـن في دارنـا لـيـلـة أمـس وأخـذوا مـنّـا مـا قـيـمـتـه حـوالي عـشـرة بـاونـدات بـيـنـمـا كـنّـا نـيـامـاً فـوق الـسّـطـح. وحـدثـت مـنـاوشـات عـنـيـفـة مـن الـفـجـر إلى حـوالي الـظّـهـر بـيـن الّـذيـن في داخـل الـمـديـنـة وبـيـن مـن في خـارجـهـا. وكـان الـنّـصـر لـمـن في خـارجـهـا.

30 آب،  شـيـدّ سـكّـان الـمـديـنـة أبـوابـاً تـحـمي كـلّ الـطّـرقـات مـن الـلـصـوص الّـذيـن يـنـهـبـونـهـا كـلّ لـيـلـة ومـن أعـدائـهـم إذا مـا اسـتـطـاعـوا دخـول بـغـداد.

وقـد خـرج الّـذيـن في داخـل الـمـديـنـة مـن جـديـد لـيـهـاجـمـوا عـشـائـر الـعـرب الـمـوالـيـن لـعـلي بـاشـا، ولـيـنـهـبـوهـم ويـشـعـلـوا الـنّـيـران في خـيـامـهـم. ثـمّ عـادوا بـالـغـنـائـم إلى الـمـديـنـة. وكـان مـن بـيـنـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـحـريـر كـان قـد سـلـبـهـا الـعـرب مـن قـوافـل كـانـت آتـيـة إلى بـغـداد مـن بـلاد الـفـرس في وقـت وبـاء الـطّـاعـون.

1 و 2 أيـلـول،  أرسـل الـبـاشـا يـطـلـب حـضـوري لـفـحـص دمّـلـة في إصـبـع قـدمـه نـتـج عـنـهـا فـقـدانـه لـجـزء مـنـه. وقـد اسـتـقـبـلـني بـلـطـف وتـرحـاب، وهـو بـلا شـكّ أكـثـر مـن الـتـقـيـت بـهـم في الـشّـرق أدبـاً. وهـو بـطـبـعـه بـسـيـط الـتّـصـرفـات، كـثـيـر الإتّـزان […] وقـد أهـداني ثـلاث خـيـارات طـازجـة مـمـا يـسـتـحـيـل الـحـصـول عـلـيـه في أيّـامـنـا هـذه.

6 أيـلـول،  يـبـدو أنّ بـعـض الـمـال بـدأ يـخـرج مـن خـزيـنـة الـبـاشـا، فـخـنـجـره kanjaar، الـمـطـعّـم بـالـمـاس، عـرض لـلـبـيـع. وقـصـر الـبـاشـا، أو بـالأحـرى مـا بـقي مـنـه مـن خـرائـب مـلئ بـالأرنـؤطـيـة، وهـم مـن الـجـنـود الـمـرتـزقـة، يـقـضـون وقـتـهـم في صـنـع الـعـرق وشـربـه، وفي الـدّق عـلى جـدران الـقـصـر وهـم يـتـنـصـتـون أمـلاً في إيـجـاد أصـوات خـبـايـا مـفـرغـة خـبـأ الـبـاشـا فـيـهـا بـعـض خـزائـنـه. والـمـعـتـاد في هـذه الـبـلاد أن يـخـبئ الـنّـاس أمـوالـهـم في داخـل الـجـدران.

7 أيـلـول،  مـا زالـت الأسـعـار تـرتـفـع، وآلام الـفـقـراء تـزداد : إن تـركـوا الـمـديـنـة سـلـب مـا بـقي لـهـم وأرجـعـوا إلـيـهـا وإن بـقـوا فـيـهـا مـا تـوا مـن الـجـوع. ولـم يـبـق شئ حـتّى مـن الـتّـمـر الّـذي أطـعـم الـنّـاس والـقـطـعـان خـلال الأسـابـيـع الـثّـلاثـة الـمـاضـيـة. وقـد عـرض الـبـاشـا هـذا الـيـوم حـلي زوجـتـه لـلـبـيـع.

10 أيـلـول،  دخـل الـلـصـوص مـسـاء أوّل أمـس في مـنـزل أحـد أبـنـاء الـبـاشـا وقـتـلـوا ثـلاثـة مـن خـدمـه. وتـعـرض لـلـبـيـع أشـيـاء ثـمـيـنـة يـعـرف الـجـمـيـع أنّـهـا سـرقـت مـن الـبـاشـا ولا أحـد يـعـيـر لـذلـك اهـتـمـامـاً. ويـقـتـل نـاس في الـطّـرقـات مـن غـيـر أن يـقـف أحـد لـيـرى مـن الـقـاتـل ومـن الـمـقـتـول، بـل يـبـتـعـد الـجـمـيـع بـأسـرع مـا يـمـكـنـهـم لـيـنـقـذوا أنـفـسـهـم.

12 أيـلـول،  سـمـح لـلـفـقـراء بـتـرك الـمـديـنـة. ويـتـركـهـا يـومـيـاً مـا يـقـارب 500 أو 600 شـخـص. ولـم يـعـد فـيـهـا مـا يـأكـل مـا عـدا لـحـم الـجـامـوس ولـحـم الـجـمـال الّـتي ارتـفـعـت أسـعـارهـا بـمـا يـقـارب عـشـريـن ضـعـفـاً.

وصـلـتـني الـيـوم أخـبـار مـن الـمـيـدان (وفي هـذا الـحي يـسـكـن رؤسـاء الأتـراك) بـأنّـهـم قـرروا الإنـتـظـار خـمـسـة أيّـام أخـرى، وإنّ لـم يـأتِ عـجـيـل، شـيـخ عـشـائـر الـمـنـتـفـك، أو آخـر مـثـلـه لـيـعـيـنـوهـم فـسـيـقـطـعـون رأس داود بـاشـا ورأس الـقـائـمـقـام صـالـح بـك، ويـرسـلـونـهـمـا لـعـلي بـاشـا، فـلـم تـعـد الـمـديـنـة تـتـحـمّـل وضـعـهـا الـحـالي.

15 أيـلـول،  إرتـفـع صـيـاح في الـلـيـل بـأنّ جـنـود عـلي بـاشـا دخـلـوا الـمـديـنـة، وهـا نـسـمـع بـأنّ داود بـاشـا هـرب مـن دار صـالـح بـك في الـلـيـل وحـاول دخـول الـقـلـعـة ولـكـنّ الـجـنـود لـم يـفـتـحـوا لـه الـبـاب. وقـد قـبـض عـلـيـه أهـل الـمـيـدان.

وقـد رفـعـت الـعـلـم الإنـكـلـيـزي عـلى داري لـيـعـلـم جـنـود عـلي بـاشـا بـأنـني أجـنـبي ولا عـلاقـة لي بـمـا يـجـري.

وخـرجـت زوجـات الـبـاشـا يـقـبـلـن أيـدي الـمـارّة ويـتـضـرعـن بـهـم بـأن يـسـتـروهـنّ. ولـكـن الـجـمـيـع كـانـوا خـائـفـيـن وابـتـعـدوا عـنـهـنّ. ودخـل عـلي بـاشـا الـمـديـنـة مـحـاولاً تـهـدئـة الأمـور.

الـجـمـعـة 16 أيـلـول،  جـمـع عـلي بـاشـا كـلّ رؤسـاء الـجـيـورجـيـيـن في مـعـسـكـره. وعـنـدمـا وصـل الـبـاشـا الـمـخـلـوع نـهـض يـحـيـيـه ويـعـانـقـه، وأخـبـره أنّ الـسّـلـطـان أمـر بـأن لا يـمـسـه أحـد بـسـوء، وأنّ أحـداً لـن يـمـس صـالـح بـك بـسـوء هـو الآخـر. ولـم يـأمـر عـلي بـاشـا إلى تـلـك الـلـحـظـة بـقـتـل أحـد. وزال الـخـوف عـن الـنّـاس، ووجـد الـنّـاس مـا يـأكـلـون، فـالـطـحـيـن الّـذي كـان يـبـاع يـوم الأربـعـاء بـ 250 قـرشـاً انـخـفـض يـوم الـخـمـيـس إلى 40 قـرشـاً، وظـهـرت الـخـضـروات في الأسـواق وكـنّـا لـم نـرهـا مـنـذ خـمـسـة أشـهـر وبـأي ثـمـن كـان.

18 أيـلـول،  يـقـال إنّ كـلّ مـنـاطـق الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل وديـار بـكـر ومـرديـن والـرّهـا وحـلـب دخـلـت تـحـت سـيـطـرة عـلي بـاشـا. وتـحـت حـكـم داود بـاشـا كـانـت كـلّ الـمـواد الـغـذائـيـة مـحـتـكـرة، ويـبـدو أنّ عـلي بـاشـا عـازم عـلى تـغـيـيـر هـذه الـحـالـة. وقـد أعـلـن أمـس أنّ أوقـيـة oke الـلـحـم لا يـنـبـغي أن تـبـاع بـأكـثـر مـن قـرشـيـن، وإن بـاعـهـا أحـد بـأغـلى مـن هـذا الـسّـعـر فـسـيـعـلّـق جـسـده عـلى الـخـطـاطـيـف الّـتي يـعـلـق عـلـيـهـا الـلـحـم. وقـد قـبـض عـلى قـصّـاب قـرب الـمـيـدان بـاع لـحـمـه بـثـلاثـة قـروش فـعـلّـق جـسـده عـلى الـخـطـاطـيـف حـالاً.

21 أيـلـول،  لـيـس هـنـاك اهـتـمـام أكـبـر ولا احـتـرام أكـثـر مـمـا أولاه عـلي بـاشـا لـسـابـقـه داود بـاشـا، فـقـد أمـنـه عـلى حـيـاتـه لأنّ الـسّـلـطـان نـفـسـه أمـر بـذلـك. ولـكـنّ الـسّـلـطـان طـلـب مـن داود بـاشـا أن يـسـتـعـد لـلـذهـاب إلى إسـطـنـبـول في الـغـد أو بـعـد الـغـد لـلـحـضـور بـيـن يـديـه. وسـتـذهـب مـعـه زوجـاتـه وابـنـه الـبـكـر، حـسـن بـك.

وقـد اسـتـغـرب الأتـراك هـنـا مـن خـلـع ثـيـاب الـجـنـود الـطـويـلـة والـعـمـائـم وإبـدالـهـا بـالـزّي الـعـسـكـري الأوربي، وهـم يـقـولـون إنّ عـلي بـاشـا نـفـسـه يـرتـدي الـمـلابـس الأوربـيـة، فـهـو لا يـخـتـلـف إذاً عـن داود بـاشـا. ولـم يـعـد شـرب الـخـمـر مـمـنـوعـاً يـمـارسـه الـنّـاس خـفـيـة، بـل يـقـدم الـنّـبـيـذ والـكـحـول عـلى الـصّـواني في الأمـاكـن الـعـامـة.

11 تـشـريـن الأوّل،  قـتـل كـلّ الـمـمـالـيـك الـجـيـوجـيـيـن الّـذيـن كـانـوا قـد أفـلـتـوا مـن الـطّـاعـون في بـغـداد، وانـتـهـت فـتـرة حـكـمـهـم.

14 تـشـريـن الأوّل، سـاد الـهـدوء عـلى الـمـديـنـة. ويـنـتـظـر الـنّـاس مـا سـتـأتي لـهـم بـه الأيّـام الـمـقـبـلـة. مـات غـالـبـيـة سـكّـان الـمـديـنـة واغـتـنى عـدد كـبـيـر مـن الأحـيـاء، إمّـا بـمـا ورثـوه مـن أقـاربـهـم الـمـوتى وإمّـا بـالـنّـهـب والـسّـلـب.

17 تـشـريـن الأوّل، عـاد عـدد مـن تـلامـيـذنـا الـكـبـار بـعـد أن كـانـوا قـد هـربـوا مـن الـمـديـنـة مـع أهـالـيـهـم.

18 تـشـريـن الأوّل، سـمـعـت الـيـوم أنّـه لـن يـعـيـن أسـقـف رومـاني كـاثـولـيـكي بـدلاً مـن الّـذي مـات، ولـن يـرسـل قـنـصـل فـرنـسي، بـل يـبـدل بـعـمـيـل مـحـلّي. وأبـدى الـبـاشـا الـجـديـد رغـبـتـه في تـوطـيـد عـلاقـتـه بـنـا. وقـد سـألـني إن كـنـت أحـتـاج لـمـسـاعـدات مـن أيّ نـوع كـان. وعـلي بـاشـا كـان قـد سـافـر إلى الـنّـمـسـا والـمـجـر وهـو يـقـرأ الـجـرائـد الأوربـيـة ويـرتـدي مـلابـس أوربـيـة مـا عـدا الـقـبـعـة.

ومـا زلـنـا نـشـتـري الـمـواد الـغـذائـيـة بـثـلاثـة أضـعـاف أسـعـارهـا بـسـبـب الـفـيـضـان الّـذي دمّـر الـغـلال فـلـم يـحـصـد مـنـهـا شئ وبـأسـبـاب أخـرى.

27 تـشـريـن الأوّل، تـزداد الأمـور اسـتـقـراراً يـومـاً بـعـد يـوم، وعـادت الـسّـلـع الـغـذائـيـة إلى الأسـواق وانـخـفـضـت الأسـعـار شـيـئـاً فـشـيـئـاً. وفـتـحـت الـطّـرق أيـضـاً وعـاد إلـيـهـا الأمـن. وسـمـعـنـا بـأنّ طـريـق الـبـاديـة أصـبـحـت مـأمـونـة.

7 تـشـريـن الـثّـاني، أخـشى أن تـكـون أكـبـر الـصّـعـوبـات الّـتي تـواجـهـني الآن الـحـصـول عـلى مـعـلّـم لـغـة عـربـيـة فـقـد قـتـل الـطّـاعـون أعـداداً كـبـيـرة مـن الـمـلالي.

وهـنـا يـتـوقـف غـروفـس عـن كـتـابـة يـومـيـاتـه.

وكـتـب آخـر رسـائـلـه مـن بـغـداد في 16 كـانـون الـثّـاني 1832 والّـتي يـذكـر فـيـهـا أنّ الـحـمى ألـزمـتـه الـفـراش فـلا يـسـتـطـيـع الـذّهـاب إلى حـلـب. ولا نـعـرف في أي يـوم تـرك بـغـداد لـيـذهـب إلى حـلـب.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـتـوني غـروفـس، يـومـيـات إقـامـة في بـغـداد خـلال عـامَي 1830 و 1831. لـنـدن 1832،  Anthony N.Groves, Journal of a Residence at Bagdad, during the years 1830 and 1831, London MDCCCXXXII (1832)

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

 

 

 

إنـشـاء “قـاعـة الـصّـور” في بـغـداد عـام 1943

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـعـد أن طـرد الإنـكـلـيـز سـاطـع الـحـصـري (1) مـن الـعـراق في عـام 1941، وكـان يـشـغـل مـنـصـب الـمـديـر الـعـام لـلآثـار الـقـديـمـة، عـيّـن يـوسـف رزق الله غـنـيـمـة (2) لـيـخـلـفـه في مـنـصـبـه :

يوسف غنيمة

وفي حـزيـران 1943 أنـشـأت مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة “قـاعـة الـصّـور                 The Picture Gallery” ونـشـرت “دلـيـل قـاعـة الـرّسـوم الـوطنـيـة لـسـنـة 1943” الّـذي طـبـع في مـطـبـعـة الـحـكـومـة بـالـلـغـتـيـن الـعـربـيـة والإنـكـلـيـزيـة :

ويـضـمّ الـدّلـيـل، مـاعـدا الـغـلاف الـعـربي مـن الـيـمـيـن والـغـلاف الإنـكلـيـزي مـن الـيـسار كـلـمـة لـمـديـر الآثـار الـقـديـمـة الـعـام يـوسـف غـنـيـمـة بـالـعـربـيـة وتـرجـمـتـهـا بـالإنـكلـيـزيـة وقـائـمـة بـ “الـصّـور” بـالـعـربـيـة والإنـكـلـيـزيـة.

وكـان عـنـوان كـلـمـة يـوسـف غـنـيـمـة “قـاعـة الـصّـور  The Picture Gallery ” وتـحـت الـعـنـوان : “مـجـمـوعـة ثـابـتـة مـن لـوحـات زيـتـيـة ورسـوم مـصـنـوعـة في الـعـراق  A permanent Collection of Paintings and Drawings made in Iraq  “، ويـذكـر فـيـهـا أنّ الـمـديـريـة كـانـت قـد بـدأت بـجـمـع “الـصّـور الـمـعـروضـة في هـذه الـقـاعـة” مـنـذ أكـثـر مـن سـنـتـيـن، أي مـنـذ تـعـيـيـنـه مـديـراً لـهـا، وأنّـهـا تـضـمّ “صـور أشـخـاص ومـنـاظـر رسـمـت بـالـزّيـت أو بـالألـوان الـمـائـيـة أو بالـقـلـم الـرّصاص أو بـالـفـحـم عـدا مـا تـتـضـمّـنـه مـن الـرّسـوم الأولـيـة (اسـكـتـشـات) الـمـخـطوطـة بـالـمـداد”. والّـتي اخـتـيـرت “إمّـا لـمـزايـاهـا الـفـنّـيـة أو لأهـمـيـتـهـا، إذ تـمـثّـل طـبـيـعـة الـبـلاد وتـصـوّر أخـلاق أهـلـهـا”.

وكـان الـهـدف مـن إنـشـاء الـقـاعـة كـمـا كـتـبـه يـوسـف غـنـيـمـة : “أن تـكـون مـلـحـقـاً لـمـتـحـف الأزيـاء الـوطـنـيـة الـمـجـاور لـهـا”. وذكـر أنّ “بـعـض هـذه الـصّـور وعـلى الأخـص مـا يـتـعـلّـق مـنـهـا بـالـيـزيـديـة الـقـاطـنـيـن في مـنـطقـة الـشّـيـخـان قـد عـنـيـت بـوضـعـهـا هـذه الـمـديـريـة خـصـيـصـاً لـهـذه الـقـاعـة”. ويـقـصـد يـوسـف غـنـيـمـة بهـا لـوحات عـطـا صـبـري وفـائـق حـسـن الـلـذيـن كـانـا قـد قـامـا بـسـفـرة إلى شـمـال الـعـراق لـرسـمـهـا. وكـان عـطـا صـبـري وفـائـق حـسـن قـد عـرضـا بـعـضـهـا في مـعـرض “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” الـثّـاني في  1942، والـثّـالـث في 1943.

أمّـا “الـصّـور” الأخـرى فـقـد ذكـر يـوسـف غـنـيـمـة أنّ الـمـديـريـة كـانـت قـد اشـتـرتـهـا “مـن الـمـعـارض الـفـصـلـيـة والـدّوريـة الّـتي أقـامـهـا الـرّسـامـون الـعـراقـيـون في بـغـداد، وتـمّـت هـذه الـمـجـمـوعـة بـابـتـيـاع بـعـض إنـتـاج فـنـانـيـن أجـانـب أقـامـوا مـؤقـتـاً في بـغـداد”. وذكـر أنّـهـا كـانـت “مـحـاولـة أولى لـتـكـويـن مـجـمـوعـة وطـنـيـة  National collection ” عـلى أمـل أن تـكـون في يـوم مـن الأيّـام نـواة لـقـاعـة عـراقـيـة وطـنـيـة  Iraqi national Gallery “.

ومـن هـذا نـرى أنّ الـفـكـرة كـانـت في ذلـك الـوقـت تـكـويـن قـاعـة لـلـفـنّ الـمـنـتـج في الـعـراق، سـواء كـان الـفـنّـان عـراقـيـاً أو أجـنـبـيـاً أنـتـج عـمـلـه في الـعـراق أو عـن الـعـراق، وهي ولا شـك أوسـع مـمـا وصـلـت إلـيـه فـيـمـا بـعـد أي مـتـحـفـاً  لـلـفـنـانـيـن الـعـراقـيـيـن فـقـط.

كـانـت الـمـجـمـوعـة تـضـمّ 65 عـمـلاً :

34  “صـورة زيـتـيـة “، و 10 بـالـلـون الـمـائي، و 9 بـالـقـلـم، و 6 بـالـفـحـم (كـلّـهـا لـفـائـق حـسن) و 3 رسـم بالـمـداد (لـرسـامـيـن بـولـنـديـيـن) و 3 “كـاريـكـتـور” (لـسـعـاد سـلـيـم).

والـفـنـانـون الـمـشـاركـون كـانـوا :

كـونـك  Koenig  (كـتـب سـتّ مـرّات كـونـك، ومـرتـيـن كـونـيـك) :

شـارك بـ 8 أعـمـال.

والـمـقـصـود بـه ولا شـكّ الـرّسّـام الألـمـاني فـيـلـهـيـلـم  كـونـيـغ  Wilhelm König  وكـان قـد اخـتـيـر في 1931 لـيــسـاعـد عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان Julius JORDAN الّـذي عـيّـن مـديـراً لـلـمـتـحـف الـعـراقي في ذلـك الـعـام في رسـم الـقـطـع الأثـريـة وتـصـنـيـفـهـا. وقـد أقـام كـونـيـغ في الـعـراق إلى عـام 1940. ونـشـر بـعـد عـودتـه إلى ألـمـانـيـا كـتـابـاً عـن تـجـربـتـه الـعـراقـيـة : تـسـع سـنـوات في الـعـراق  Neun Jahre Irak.

حـافـظ الـدّروبي

شـارك بـ 3 أعـمـال، وكـان الـدّروبي قـد عـاد مـن بـعـثـتـه الـدّراسـيـة إلى رومـا في 1940،  وانـضـمّ إلى “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” في 1941 وشـارك في مـعـارضهـا، وأنـشـأ أوّل مـرسـم حـرّ في 1942.

عـيـسى حـنّـا

شـارك بـ 3 أعـمـال. وكـان حـنّـا قـد شـارك في 1941 في تـأسـيـس “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” مـع أكـرم شـكـري وكـريـم مـجـيـد، وشـارك في مـعـارضـهـا.

أكـرم شـكـري :

شـارك بـ 3 أعـمـال.

وكـان أكـرم شـكـري أوّل مـبـعـوث عـراقي إلى الـخـارج. درس في لـنـدن مـن 1931 إلى 1932. ثـمّ درّس الـرّسـم أربـع سـنـوات بـعـد عـودتـه إلى بـغـداد، وعـيّـن في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة في 1936. وكـان قـد شـارك في أوّل مـعـرض زراعي صـنـاعي نـظّـم في بـغـداد عـام 1932، بـلـوحـة كـان قـد رسـمـهـا في 1931، وبـعـثـها مـن لـنـدن، عـنـوانـهـا “ضـبـاب لـنـدن”، تـعـتـبـر أوّل لـوحـة “إنـطـبـاعـيـة” عـراقـيـة. وشـارك في تـأسـيـس “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” في 1941، وشـارك في مـعـارضـهـا.

بـول هـريـس  Paul HARRIS  :  صـورة واحـدة بـالـلـون الـمـائي،

إدفـارد مـاتـوشـجـاك MATUSZEZAK Edward، والإمـلاء الـصّحـيـح لاسـمـه (MATUSZCZAK) :

شـارك بـعـمـلـيـن.

ومـاتـوشـجـاك بـولـنـدي ولـد سـنـة 1906 والـتـحق بـأكـاديـمـيـة الـفـنـون الـجـمـيـلـة في كـراكـوف عـام 1930، وسـافـر في 1934 إلى بـاريـس، ودرس فـيـهـا الـفـنّ. وفي 1936 نـجـده في كـراكـوف رسّـامـاً وخـزّافـاً. وتـرك بـولـنـدة خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة ووصـل إلى بـغـداد في 1943 مـع قـوات                 Polish II corps ، وشـارك في الـمـعـرض الّـذي نـظّـمـه في بـغـداد مـكـتـب الـفـنـون الـتّـشــكـيـلـيـة لـلـجـنـود الـرّسـامـيـن في هـذه الـقـوّات.

سـايـكـس  Saykes  : صـورة واحـدة بـالـلـون الـمـائي،

تـركـفـيـتـج  (وكـتـب مـرّة ثـانـيـة تـركـفـيـتـشـج) Turkivich ، واسـمـه الـصّـحـيـح هـو Sygmunt TURKIEWICZ :

شـارك بـعـمـلـيـن.

وتـوركـفـيـتـج  فـنـان بـولـنـدي مـعـروف ولـد سـنـة 1913، ووصـل إلى بـغـداد عـام 1943مـع الـقـوات الـبـولـنـديـة  Polish II corps. وقـد أدار مـكـتـب الـفـنـون الـتّـشـكـيـلـيـة لـهـذه الـقـوّات في بـغـداد مـع الـفـنّـان يـوسـف جـابـسـكي ونـظّـم مـعـرضـاً  لـلـجـنـود الـرّسـامـيـن الّـذيـن كـانـوا حـوالي 30  فـنّـانـاً وفـنّـانـة. وشـارك هـو نـفـسـه في هـذا الـمـعـرض.

فـلـدواسـكي Wiedlauazki  (لا تـذكـرالـمـصـادر الّـتي تـكـلّـمـت عـن الـبـولـنـديـيـن في بـغـداد فـنـانـاً بـهـذا الإسـم) :

رسـم واحـد بـالـمـداد،

فـائـق حـسـن :

شـارك بـ 15 عـمـلاً.

وكـان فـائـق حـسـن قـد عـاد مـن بـعـثـتـه الـدّراسـيـة إلى بـاريـس في 1938، وأنـشـأ فـرع الـرّسـم في مـعـهـد الـفـنـون الـجـمـيـلـة عـام 1939، ودرّس فـيـه. وقـد شـارك في الـمـعـرض الـثّـاني لـجـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ في 1942، وفي الـمـعـرض الـثّـالـث في 1943 بـلـوحـات زيـتـيـة كـان قـد رسـمـهـا في رحـلـة مـشـتـركـة مـع عـطـا صـبـري في شـمـال الـعـراق.

عـطـا صـبـري :

شـارك بـ 22 عـمـلاً.

وكـان عـطـا صـبـري قـد عـاد مـن بـعـثـتـه الـدّراسـيـة إلى رومـا في 1940، وعـمـل رسّـامـاً في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة بـيـن 1940 و 1944، قـبـل أن يـمـارس الـتّـدريـس. وشـارك في مـعـارض “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” في 1941 و 1942       و 1943. وكـانـت مـشـاركـتـه في مـعـرضـيـهـا الـثّـاني والـثّـالـث بـلـوحـات زيـتـيـة كـان قـد رســمـهـا في رحـلـة مـشـتـركـة مـع فـائـق حـسـن في الـشّـمال، وعـرض صـوراً تـمـثّـل الـيـزيـديـة في مـنـطـقـة سـنـجـار.

يـوسـف يـاريـمـا  YAREMA  واسـمـه الـصّـحـيـح يـكـتـب  Joszef  JAREMA :

صـورة زيـتـيـة واحـدة.

ويـاريـمـا فـنـان بـولـنـدي مـعـروف ولـد سـنـة 1900.والـتـحـق بـأكـاديـمـيـة الـفـنـون في كـراكـوف عـام 1918. وفي 1923 شـارك في تأسـيـس “لـجـنـة بـاريـس  Komitet Paryski” الـفـنّـيـة، وسـافـر مـع زمـلائـه أعـضاء الـلـجـنـة ومـن بـيـنـهـم يـوسـف جـابـسـكي إلى بـاريـس وبـقي فـيـهـا يـدرس الـفـنّ ويـشـارك في الـمـعـارض حـتّى عـام 1931، ووصـل مـع قـوات Polish II corps إلى بـغـداد في 1943. وشـارك في مـعـرض الـرّسـامـيـن الـجـنـود في بـغـداد.

سـعـاد سـلـيـم :

شـارك بـ 3 أعـمـال (كـاريـكـتـور).

وسـعـاد إبـن الـفـنّـان الـرّائـد الـحـاج مـحـمّـد سـلـيـم عـلي الـمـوصـلي وشـقـيـق الـفـنّـانـيـن جـواد ونـزار ونـزيـهـة سـلـيـم. رسـم الـكـاريـكـاتـيـر في الـجـرائـد والـمـجـلّات مـثـل جـريـدة “حـبـزبـوز” الّـتي صـدرت في 1931. و درّس سـعـاد سـلـيـم الـرّسـم في 1936، وأقـام مـعـرضـه الـشّـخـصي الأوّل في قـاعـة جـمـعـيـة حـمـايـة الأطـفـال عـام 1941. وقـد انـضـمّ إلى “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” مـنـذ تـأسـيـسـهـا عـام 1941، وشـارك في مـعـارضـهـا، ونـشـر في نـفـس الـعـام كـتـابـاً بـثـلاثـة أجـزاء : “مـجـمـوعـة الـحـرب الـعـراقـيـة الـبـريـطانـيـة الـمـصـوّرة”.

وكـمـا ذكـر يـوسـف غـنـيـمـة فـإنّ جـزءاً كـبـيـراً مـن الأعـمـال “صـور أشـخـاص” :

طـفـل، هـيـلـيـن، إمـرأة تـلـكـيـفـيـة : لـعـيـسى حـنّـا،

صـبـيـان وأشـيـاء، فـتـاة : لأكـرم شـكـري،

أطـفـال : لـتـركـفـيـتـج،

أطـفـال : لـفـلـدواسـكي،

مـيـر عـزيـز بـك، صـالـح بـك، رسـور حـاج أحـمـد، مـحـمّـد أمـيـن أغـا، فـتى مـن راونـدوز، كـرديـان مـن راونـدوز، أغـا دراجـان، راونـدوزي، أم الـرّسـام، قـرويـان : لـفـائـق حـسـن،

إبـن الـشّـيـخ، أبـوعـبـد، فـتـاة مـن بـحـزاني، هـاني (إمـرأة يـزيـديـة مـن بـعـشـيـقـة)، شـيـخ عـادي، حـجي فـقـيـر شـمـو الـيـزيـدي، ريـحانـة ـ فـتـاة يـزيـديـة، الـيـتـيـم، صـبي يـزيـدي، فـيـروز حـجي الـيـزيـدي قـوال حـجي الـيـزيـدي، الـيـاس الـيـزيـدي، عـبـو عـجاج أغـا، سـعـيـد بـك، حـجي فـقـيـر شـمـو الـيـزيـدي، الـيـزيـديـة في مـهـرجـان الـرّبـيـع : لـعـطـا صـبـري.

والـجـزء الـمـهـمّ الآخـر مـن الأعـمـال مـنـاظـر طـبـيـعـيـة :
نـخـيـل، الـصّـنـادل عـلى دجـلـة، غـروب، الـمـهـيـلـة، الـجـسـر : لـكـونـك،

شـكـل بـغـداد، جـامـع الـمـراديـة : لـمـاتـوشـجـاك،

دجـلـة مـن فـوق سـطح الـمـطعـم : لـسـايـكـس،

راونـدوز، مـنـظـر مـن الأعـظـمـيـة، مـنـظـر في ضـواحي بـغـداد، بـابـل، نـخـيـل : لـفـائـق حـسـن،

قـريـة بـاعـذرا، قـريـة بـعـشـيـقـة، عـيـن سـفـني، مـدخـل شـيـخ عـادي : لـعـطـا صـبـري،

خـانـقـيـن : لـيـاريـمـا،

ثـلاث صـور كـاريـكـتـور تـحـمل نـفـس الـعـنـوان “صـفـحـة مـن الـحـيـاة الـعـراقـيـة ” : لـسـعـاد سـلـيـم.

ومـع ذلـك تـبـقى اسـتـثـناءات قـلـيـلـة فـقـد رسـم أكـرم شـكـري “حـيـاة جـامـدة ” في الـسّـمـاور، ورسـم كـونـيـك صـور حـيـوانـات : جـامـوس وجـامـوس الـمـاء.

ويـمـكـنـنـا أن نـلاحـظ، بـعـد قـراءة الـدّلـيـل، أنّ مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة ركّـزت جـهـودهـا عـلى شـراء “الـصّـور” أي الـرّسـوم والـلـوحـات، ولـم تـهـتـم بـالـمـنـحـوتـات.

ونـحـن لا نـعـرف الـمـعـايـيـر الّـتي اخـتـارت وفـقـهـا هـذه الأعـمـال، فـقـد كـان هـنـاك كـثـيـر مـن الـفـنـانـيـن في بـغـداد تـسـتـحـق أعـمـالـهـم أن تـدخـل في هـذه الـمـجـمـوعـة “إمّـا لـمـزايـاهـا الـفـنّـيـة أو لأهـمـيـتـهـا، إذ تـمـثّـل طـبـيـعـة الـبـلاد وتـصـوّر أخـلاق أهـلـهـا” مـثـل جـواد سـلـيـم الّـذي كـان في بـغـداد في تـلـك الـسّـنـوات وشـارك في مـعـارض جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ بـلـوحـات ومـنـحـوتـات. كـمـا أنّـهـا لـم تـدخـل في مـجـمـوعـتـهـا أعـمـال واحـد مـن أهـمّ الـفـنـانـيـن الـبـولـنـديـيـن الّـذيـن وصـلـوا إلى بـغـداد وأعـني بـه يـوسـف جـابـسـكي  Josef CZAPSKY الّـذي شـارك في إدارة  مـكـتـب الـفـنـون الـتّـشـكـيـلـيـة لـقـوّات Polish II corps في بـغـداد، وشـارك في الـمـعـرض الّـذي أقـامـه الـمـكـتـب فـيـهـا. ويـذكـر لـه دلـيـل هـذا الـمـعـرض مـن بـيـن مـا عـرض لـوحـة لـحي مـن أحـيـاء بـغـداد.(3)

أمّـا عـن مـا حـدث لـهـذه “الـصّـور” بـعـد ذلـك، ومـاذا بـقي لـنـا مـنـهـا، فـسـنـتـتـبـعـه في مـقـال آخـر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)  نـشـر هـذا الـمـقـال في مـلـحـق جـريـدة الـمـدى الـعـراقـيـة في 2013/1/11، ثـمّ نـشـر في مـدونـة “الـمِـلـوَنـة” في 2014/4/22.

(1)  سـاطـع الـحـصـري (ولـد سـنـة 1879 وتـوفي سـنـة 1968) : إشـتـغـل في الإدارة الـعـثـمـانـيـة في مـطـلـع شـبـابـه، ثـمّ مـع فـيـصـل بـن الـحـسـيـن عـنـدمـا اخـتـيـر مـلـكـاً عـلى سـوريـا. وعـنـدمـا خـلـع الـفـرنـسـيـون فـيـصـل تـبـعـه إلى بـغـداد. وبـعـد أن نـصـب الإنـكـلـيـز فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق في 1921 تـحـت اسـم فـيـصـل الأوّل شـغـل سـاطـع الـحـصـري عـدة مـنـاصـب : مـعـاونـاً لـوزيـر الـمـعـارف ومـديـراً عـامـاً لـلـمـعـارف ومـديـراً لـدار الـمـعـلـمـيـن الـعـالـيـة ومـديـراً لـلآثـار الـعـامـة.

(2) يـوسـف غـنـيـمـة رزق الله (ولـد سـنـة 1885 وتـوفي سـنـة 1950) : شـارك في الـحـيـاة الـسّـيـاسـيـة والـفـكـريـة مـنـذ فـتـرة الـحـكـم الـعـثـمـاني، وشـغـل عـدّة مـنـاصـب وزاريـة في حـكـومـات الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة.

(3)  أنـظـر مـقـالي : يـوسـف جـابـسـكي، أهـمّ الـفـنـانـيـيـن الـبـولـنـديـيـن في بـغـداد عـام 1943

https://almilwana.blogspot.com/2015/04/4-1943-1943.html

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

“إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” والـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـصـصـت عـلـيـكـم في مـقـال سـابـق كـيـف وصـل عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه Walter ANDRAE  إلى الـعـراق عـام 1899 لـيـشـارك في تـنـقـيـبـات بـابـل الأثـريـة الّـتي كـان يـشـرف عـلـيـهـا روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE، وكـيـف دامـت مـشـاركـتـه فـيـهـا حـتّى عـام 1903. (1)

إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” :

وقـد الـتـقى فـالـتـر أنـدريـه في بـابـل بـاسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم (أكـتـب اسـمـه حـسـب الـلـفـظ الـمـحـلّي الّـذي سـجّـلـه فـالـتـر أنـدريـه في يـومـيـاتـه بـالـحـروف الـلاتـيـنـيـة، وبـالـلـفـظ الألـمـاني : Ismain Ibn Dschasim) الّـذي اشـتـغـل في خـدمـتـه.

وفي عـام 1904، طـلـب روبـرت كـولـدفـيـه مـن مـسـاعـده فـالـتـر أنـدريـه أن يـذهـب إلى قـلـعـة الـشّـرقـاط، وأن يـشـرع بـتـنـقـيـبـات أثـريـة فـيـهـا. وعـنـدمـا تـرك فـالـتـر أنـدريـه بـابـل تـبـعـه إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم، واشـتـغـل كـرئـيـس عـمّـال في تـنـقـيـبـاتـه.

وقـد أزاح فـالـتـر أنـدريـه الـتّـراب في قـلـعـة الـشّـرقـاط عـن آثـار مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة. وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـام 1914 تـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات، وتـرك فـالـتـر أنـدريـه الـعـراق عـائـداً إلى ألـمـانـيـا، ورجـع إسـمـاعـيـن إلى أهـلـه في الـحـلّـة.

ولـكـنّـه أسـرع لـلـقـاء فـالـتـر أنـدريـه عـنـدمـا سـمـع بـعـودتـه إلى الـعـراق عـام 1915 كـضـابـط في الـجـيـش الألـمـاني (الّـذي كـان يـقـاتـل بـجـانـب الـجـيـش الـعـثـمـاني)، وتـبـعـه كـمـا يـتـبـعـه ظـلّـه حـتّى عـام 1918 مـعـرضـاً نـفـسـه لـكـلّ مـخـاطـر سـنـوات الـحـرب عـلى ضـفـاف دجـلـة وديـالى وحـتّى في سـوريـا وفـلـسـطـيـن مـع أنّـه لـم يـكـن مـجـبـراً كـابـن عـشـائـر عـلى الـخـدمـة الـعـسـكـريـة في الـجـيـش الـعـثـمـاني. ولـم تـدفـعـه إلى ذلـك إلّا أواصـر الـمـودّة الّـتي كـانـت تـربـطـه بـفـالـتـر أنـدريـه.

كـتـب فـالـتـر أنـدريـه في يـومـيـاتـه عـن الّـذيـن عـمـل مـعـهـم :

“أغـلـب هـؤلاء الـنّـاس طـيـبـون بـطـبـعـهـم، وبـعـضـهـم مـثـالـيـون في ذلـك، ومـنـهـم خـاصّـة عـزيـزي إسـمـاعـيـن الّـذي ارتـبـط بي مـع أنّـه كـان مـالـكـاً ولـه بـعـض الـتّـجـارة. وسـأقـصّ عـلـيـكـم مـا يـلي لأريـكـم طـبـيـعـة الـعـلاقـة الّـتي كـانـت تـربـطـنـا :

جـاءني في يـوم مـن الأيّـام كـعـادتـه، وقـد عـقـد ذراعـيـه عـلى صـدره وقـال لي : “ولـد لي صـبي هـذا الـيـوم، فـمـاذا تـوّد أن أسـمـيـه ؟”، فـقـلـت لـه أن يـسـمـيـه “عـلي”. وهـكـذا أسـمـاه. وكـبـر عـلي وانـجـب، وصـار إسـمـاعـيـن بـذلـك جـدّاً لـسـتّـة عـشـر طـفـلاً عـاش مـنـهـم عـشـرة مـلأوا قـلـبـه بـهـجـة، وخـاصـة آخـر الـعـنـقـود. وقـد حـكى إسـمـاعـيـن لأحـفـاده كـلّ مـا جـرى في تـنـقـيـبـات الألـمـان، وهـم يـعـرفـون كـلّ شئ عـن الألـمـان. وكـان إسـمـاعـيـن سـنـداً لي في تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط لـحـلّ الـخـصـومـات بـيـن الـعـرب الّـتي كـانـت تـشـتـدّ أحـيـانـاً أمـامـنـا، وكـان مـرجـعـنـا في مـعـرفـة مـن يـمـكـن أن نـثـق بـه ومـن يـنـبـغي أن نـحـتـاط مـنـه”.

عـلي بـن إسـمـاعـيـن :

“ويـسـتـحـق عـلي إبـن إسـمـاعـيـن أن أتـكـلّـم عـنـه هـو الآخـر، فـعـنـدمـا كـان رضـيـعـاً احـتـاج إلى مـهـد. وكـانـت حـقـيـبـتي الـمـصـنـوعـة في مـديـنـة درسـدن مـن الـجـلـد الـطّـبـيـعي قـد أصـابـهـا الـبـلـل ولـم أعـد اسـتـطـيـع غـلـقـهـا. ولاحـظـت أنّ إسـمـاعـيـن كـان يـنـظـر إلـيـهـا بـرغـبـة، فـفـصـلـنـاهـا نـصـفـيـن حـسـب طـلـبـه. وتـأرجـح عـلي في نـصـفـهـا الـسّـفـلي الّـذي عـلّـق كـمـهـد إلى أن كـبـر وبـدأ يـمـشي”.

“ولـم أنـتـبـه إلّا الآن إلى أنـني نـسـيـت أن أسـال إسـمـاعـيـن عـن أمّ عـلي. ولا شـكّ في أنّ هـذا كـان الـتّـصـرف الأفـضـل مـع عـربي، لأنّ أهـمّ شئ عـنـدهـم هـو الـرّجـل وأولاده”.

وتـرك فـالـتـر أنـدريـه الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى لـيـعـمـل في مـتـحـف بـرلـيـن، الّـذي أصـبـح فـيـه بـعـد ذلـك مـسـؤولاً عـن الآثـار الـشّـرقـيـة. وهي الـفـتـرة الّـتي جـمّـع فـيـهـا آلاف شـظـايـا الـطّـابـوق الـمـزجـج الألـوان الّـذي جـلـب مـن بـابـل لـيـشـيّـد بـوابـة عـشـتـار في داخـل الـمـتـحـف (2).

وشـارك إسـمـاعـيـن في الـسّـنـوات الـعـشـر الأخـيـرة مـن حـيـاتـه كـرئـيـس عـمّـال في تـنـقـيـبـات الـوركـاء الّـتي شـرع فـيـهـا عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان Julius Jordan بـعـد أن عـاد إلى هـذا الـمـوقـع عـام 1928 لـيـكـمـل تـنـقـيـبـات أثـريـة لـحـسـاب الـجـمـعـيـة الألـمـانـيـة الـشّـرقـيـة                  Orient- Gesellschaft كـانـت قـد بـدأت فـيـه عـام 1913 ثـمّ أوقـفـتـهـا الـحـرب.

ولا شـكّ في أنّ “إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” تـوفي في ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي وإن لـم أجـد سـنـة وفـاتـه.

ولـيـس لـديـنـا صـورة لاسـمـاعـيـن. وكـلّ مـا بـقي لـنـا لا يـتـعـدى رسـم كـاريـكـتـيـر نـفّـذه فـالـتـر أنـدريـه خـلال الـتّـنـقـيـبـات عـام 1908، نـرى فـيـه إسـمـاعـيـن في أقـصى الـيـمـيـن. وهـو الـرّسـم الّـذي وضـعـتـه في بـدايـة الـمـقـال :

أندريه إسماعين إبن جاسم 1908 (800x500)

كـمـا أنـنـا نـعـرف أنّ عـلي بـن إسـمـاعـيـن أصـبـح رئـيـس عـمّـال الـتّـنـقـيـبـات في الـوركـاء بـعـد أبـيـه. ولـيـس لـنـا صـورة لـعـلي بـن إسـمـاعـيـن.

وقـد حـصـل عـلي بـن إسـمـاعـيـن عـلى نـيـشـان “صـلـيـب الإسـتـحـقـاق” لـجـمـهـوريـة ألـمـانـيـا الـفِـدرالـيـة Bundersverdienstkreuz am Bande  في 12 كـانـون الأوّل عـام 1981. وقـد أخـذت جـهـود أبـيـه إسـمـاعـيـن بـنـظـر الإعـتـبـار عـنـدمـا مُـنـح هـذا الـتـقـديـر.

وتـوفي عـلي بـن إسـمـاعـيـن بـن جـاسـم في الـحـلّـة في الـعـشـريـن مـن شـبـاط عـام 1985.

رسـوم فـالـتـر أنـدريـه لـعـمـالـه الآخـريـن :

وجـدت رسـمـاً خـطـطـه فـالـتـر أنـدريـه بـالـحـبـر الـصّـيـني عـام 1900 لأحـد عـمـال مـوقـع تـنـقـيـبـات بـابـل وهـو يـدفـع عـربـة (عـلى سـكّـة حـديـديـة) مـلـيـئـة بـنـفـايـات الـتّـنـقـيـبـات. كـتـب فـالـتـر أنـدريـه : “وصـلـت الـسّـكـة الـحـديـديـة والـعـربـة أخـيـراً. فـبـعـد سـبـعـة أشـهـر مـن إرسـالـهـا مـن ألـمـانـيـا، وصـلـت إلى بـغـداد. وقـضـت شـهـريـن عـلى الـطّـريـق قـبـل أن تـصـلـنـا مـن بـغـداد” :

Andrae 10

ورسـمـاً لـجـمـعـة بـن بـركـلي (Jum’a ibn Barakli) نـفّـذه فـالـتـر أنـدريـه عـام 1902 بـالـقـلـم وبـالألـوان الـمـائـيـة، وكـان جـمـعـة صـبـيـاً يـحـمـل سـلالاً مـلـيـئـة بـالـتّـراب مـن مـوقـع الـحـفـريـات لـيـرمـيـهـا بـعـيـداً عـنـهـا. كـتـب فـالـتـر أنـدريـه : “رغـم أنّ مـلابـسـه كـانـت رثّـة فـقـد كـان صـبـيـاً مـرحـاً، واسـع الإبـتـسـامـة. وبـعـد فـتـرة قـصـيـرة مـن رسـمي لـه اقـتـرب جـمـعـة مـن أوربي في الـمـوقـع كـان يـحـمـل بـنـدقـيـة ووقـف لـصـقـه وانـطـلـقـت الـبـنـدقـيـة وقـتـلـت الـصّـبي. ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـور الـغـضـب الّـذي أثـارتـه هـذه الـحـادثـة الـمـؤسـفـة بـيـن الـعـرب وصـعـوبـة إقـنـاعـهـم بـأنّ الأوربي لـم يـكـن يـنـوي قـتـلـه. وقـبـلـوا الـدّيـة وتـحـاشـيـنـا الـثّـأر. وتـرك الأوربي صـاحـب الـبـنـدقـيـة مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات حـالاً ” :

جمعة إبن بركلي 1902 (564x800)

وفي قـلـعـة الـشّـرقـاط، وقـف عـبـد الله  أمـام فـالـتـر أنـدريـه لـيـرسـمـه مـرتـديـاً مـلابـس الـعـيـد الـجـديـدة. كـتـب فـالـتـر أنـدريـه أنّ “عـبـد الله كـان يـعـمـل في مـنـزل الـتّـنـقـيـبـات. وقـد ضـاعـف جـهـوده أمـلاً بـالـحـصـول عـلى مـكـافـأة. وكـانـت الـمـكـافـأة مـلابـس جـديـدة لـعـيـد الأضـحى (قـربـان بـيـرم  Korban-Bairam). وكـان ذراعـا الـقـمـيـص طـويـلـيـن يـنـزلان إلى الأرض” :

Andrae Abdullah

 

وعـنـدمـا عـاد فـالـتـر أنـدريـه إلى بـابـل في عـام 1926، إلـتـقي بـعـلي جـامـوس  (Ali Jamus) الّـذي كـان يـحـمـل الـمـاء إلى مـوقـع  الـتّـنـقـيـبـات في بـدايـة الـقـرن، ووجـده قـد شـاخ وفـقـد إحـدى عـيـنـيـه :

علي الجاموس

كـمـا وجـدت رسـمـاً آخـر بـالألـوان الـمـائـيـة نـفّـذه فـالـتـر أنـدريـه عـام 1899 لـحـبـيـب الـعـلّاوي (الأعـور)  Habib el Alauwi  شـيـخ الـكـويـرج                      scheich von Kuweiresch. وكـان حـبـيـب الـعـلّاوي قـد أجّـر لـلـبـعـثـة داراً كـان يـمـتـلـكـهـا في بـابـل، أصـبـحـت دار الـتّـنـقـيـبـات :

حبيب إبن علاوي 1902

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إسـتـعـمـلـت في كـثـيـر مـن مـقـاطـع هـذا الـمـقـال بـعـض مـا جـاء في كـتـاب بـويـهـمـر Boehmer والّـذي عـنـوانـه Bilder eines Ausgräbers ، الـصّـادر في بـرلـيـن عـام 1989.

(1)  أنـظـر مـقـالي : فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام .

(2) أنـظـر مـقـالي : كـيـف شـيّـد فـالـتـر أنـدريـه بـوابـة عـشـتـار في مـتـحـف بـرلـيـن .

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

دفـاتـر عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـاشـت عـائـلـة زفـوبـودا في بـغـداد خـلال الـقـرنـيـن الـتّـاسع عـشـر والـعـشريـن.

وتـبـدأ الـفـتـرة الـبـغـداديـة لـهـذه الـعـائـلـة بـأنـطـون زفـوبـودا Antone Svodoba الّـذي ولـد سـنـة 1796 في أوربـا الـشّـرقـيـة الّـتي كـانـت جـزءاً مـن الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ـ الـمـجـريـة (1)، واشـتـغـل بـالـتّـجـارة. وقـد عـمـل في فـيـيـنـا (الـنّـمـسـا)، ثـمّ جـاء مـن فـيـيـنـا عـن طـريـق الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) إلى بـغـداد.

وقـد أجّـر عـنـد وصـولـه إلى بـغـداد داراً في داخـل الـمـديـنـة الّـتي كـانـت تـحـيـط بـهـا الأسـوار، في جـانـب الـرّصـافـة، قـرب الـسّـراي وقـرب الأحـيـاء الـمـسـيـحـيـة والـقـنـصـلـيـات الأوربـيـة. واسـتـقـرّ في الـمـديـنـة يـتـاجـر بـالـكـريـسـتـال الّـذي كـان يـسـتـورده مـن مـنـطـقـة بـوهـيـمـيـا في أوربـا الـشّـرقـيـة وبـبـضـائـع أخـرى مـسـتـوردة.

وكـان أنـطـون زفـوبـودا يـتـكـلّـم عـدّة لـغـات أوربـيـة : الألـمـانـيـة والإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة والإيـطـالـيـة. وتـعـلّـم الـعـربـيـة والـتّـركـيـة لـتـسـيـيـر تـجـارتـه. كـمـا تـقـرّب مـن وجـهـاء الـبـلـد ومـن الـجـالـيـة الأوربـيـة في بـغـداد وخـاصـة الـدّبـلـومـاسـيـيـن مـنـهـم.

وقـد وثّـق عـلاقـات وديـة مـع الـقـنـصـل الـبـريـطـاني كـلـوديـوس ج. ريـج (ريـتـش)  Claudius James RICH الّـذي أقـام في بـغـداد مـن 1807  إلى 1821.

وكـان أنـطـون زفـوبـودا نـمـسـاوي ــ مـجـري الـجـنـسـيـة ولـهـذا كـان تـحـت حـمـايـة الـقـنـصـل الـبـريـطـاني، كـمـا كـان عـلى اتـصـال بـالـمـبـشـريـن الـدّيـنـيـيـن وبـالأوربـيـيـن الـمـسـافـريـن في الـشّـرق، وقـد حـافـظ عـلى صـلاتـه الـمـتـيـنـة بـكـلّ مـعـارفـه طـيـلـة حـيـاتـه وورثـهـا عـنـه أبـنـاؤه.

وفي 1825 تـزوّج أنـطـون بـفـتـاة بـغـداديـة مـسـيـحـيـة اسـمـهـا أوفـيـمي مـرادجـيـان، مـن عـائـلـة أرمـنـيـة امـتـهـنـت الـتّـجـارة مـنـذ أجـيـال، وأنـجـب مـنـهـا أحـد عـشـر ولـداً و بـنـتـاً. وبـهـذا أنـشـأ عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة.

وعـنـدمـا ازدهـرت تـجـارتـه، إشـتـرى أنـطـون أوّلاً الـدّار الّـتي كـان قـد أجّـرهـا عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد، ثـمّ اشـتـرى بـعـد ذلـك قـطـعـة أرض خـارج أسـوار الـمـديـنـة، جـنـوب الـبـاب الـشّـرقي عـلى ضـفـة دجـلـة، في مـنـطـقـة كـرد الـبـاشـا، وشـيّـد عـلـيـهـا داراً واسـعـة سـكـنـتـهـا عـائـلـتـه (2).

وقـد أقـام أنـطـون زفـوبـودا عـلاقـات مـتـيـنـة مـع الـوالي داود بـاشـا، آخـر الـمـمـالـيـك الّـذيـن حـكـمـوا بـغـداد، ثـمّ شـهـد سـقـوطـه في 1831.

ويـذكـر أنـطـون في إحـدى رسـائـلـه كـيـف فـقـد الـمـبـشـر الإنـكـلـيـزي أنـطـوني غـروفـس Anthony Groves  زوجـتـه وطـفـلـة رضـيـعـة كـانـت قـد ولـدت لـهـمـا في سـنـة 1931 الـرّهـيـبـة الّـتي عـانى فـيـهـا أهـل بـغـداد مـن وبـاء الـطّـاعـون وفـيـضـان نـهـر دجـلـة إضـافـة إلى الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة الّـتي صـاحـبـت سـقـوط داود بـاشـا.

وإذا مـا رجـعـنـا إلى الـيـومـيـات الّـتي سـجّـلـهـا أنـطـوني غـروفـس في بـغـداد عـامَي 1830 و 1831 نـجـده يـذكـر أنـطـون زفـوبـودا أربـع مـرّات :

Groves

في يـومـيـة 26 حـزيـران، ويـكـتـب اسـمـه Swoboda حـسـب الـلـفـظ الألـمـاني (يـلـفـظ حـرف w فـيـهـا v، أمّـا حـرف v فـيـلـفـظ f ). ويـذكـر أنّ “سـكـان الـمـديـنـة مـن الـمـحـمّـديـيـن (أي الـمـسـلـمـيـن) يـنـتـقـدون الـسّـلـطـان والـبـاشـا لإدخـالـهـمـا الـعـادات الأوربـيـة [في الـمـنـطـقـة]، ويـعـتـقـدون أنّـهـمـا اعـتـنـقـا الـمـسـيـحـيـة. وقـد سـأل أحـدهـم الـسـيـد زفـوبـودا عـن صـحـة مـا يـقـال مـن أنّ الـمـسـجـد الـقـديـم الـقـريـب مـن هـنـا سـيـحـول إلى كـنـيـسـة، وهـل أنّ ضـرب الـطّـبـول كـلّ مـسـاء عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة يـعـني أنّ الـبـاشـا اعـتـنـق الـدّيـن الـمـسـيـحي ؟”.

ويـذكـره في يـومـيـة 9 حـزيـران، ويـصـفـه بـأنّـه تـاجـر ألـمـاني (فـالـلـغـة الـرّسـمـيـة لـلإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ــ الـمـجـريـة كـانـت الألـمـانـيـة) : “أخـبـرني تـاجـر ألـمـاني، الـسّـيـد زفـوبـودا  Mr. Swoboda، أنّ أكـثـر مـن 15000 شـخـص مـاتـوا، بـعـضـهـم أصـيـبـوا بـالـطّـاعـون وبـعـضـهـم الآخـر بـسـقـوط دورهـم عـلـيـهـم في الـلـيـلـة الّـتي فـاض فـيـهـا نـهـر دجـلـة وأغـرق الـمـديـنـة”، ويـذكـر أنّ زفـوبـودا كـان يـمـتـلـك خـانـاً Khan في الـمـديـنـة.

ويـذكـره في يـومـيـة 23 آب، ويـسـمـيـه الـسّـيـد شـفـوبـودا Mr. Shwoboda : “وصـلـت رسـالـة أمـس إلى الـسّـيـد شـفـوبـودا  Mr. Shwoboda مـن طـبـيـب عـلي بـاشـا الـبـوهـيـمي الأصـل، والّـتي يـتـوجـه فـيـهـا إلى كـلّ الإفـرنـج Franks، ويـذكـر فـيـهـا أنّ عـلي بـاشـا أصـدر أمـراً لـكـلّ جـنـوده بـأن يـحـسـنـوا مـعـامـلـتـهـم”.

ويـذكـره أخـيـراً في يـومـيـة 6 أيـلـول : “إسـتـلـم الـسّـيـد زفـوبـودا Mr. Swoboda  رسـالـة مـن صـديـق لـه في داخـل مـعـسـكـر الـبـاشـا يـؤكّـد لـه فـيـهـا أنّ في حـوزة الـبـاشـا كـمـيـة كـبـيـرة مـن الـرّسـائـل والـطّـرود الـمـوجـهـة إلى الأوربـيـيـن”.

ومـن هـذا نـرى أهـمـيـة أنـطـون زفـوبـودا وسـط الـجـالـيـة الأوربـيـة في بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة.

وقـد الـتـقـت الـنّـمـسـاويـة إيـدا لـورا فـايـفـر Ida Laura PFEIFFER الّـتي مـرّت بـالـعـراق عـام 1848 وزارت بـغـداد بـأنـطـون زفـوبـودا. وبـعـد زيـارتـهـا لـمـا أسـمـتـه “ضـريـح الـمـلـكـة زبـيـدة”، كـتـبـت :

“وبـعـد أن زرت الـضّـريـح ابـتـعـدت عـن طـريـقي لأرى جـانـب الـمـديـنـة الّـذي هـجـره أهـلـه وخـرب بـعـد تـفـشي وبـاء الـطّـاعـون الأخـيـر. وقـد وصـف لي الـسّـيـد زفـوبـودا Swoboda وأصـلـه مـن بـلاد الـمـجـر، وصـفـاً مـرعـبـاً حـال الـمـديـنـة في زمـن ذلـك. وقـد تـحـصّـن في داره مـع عـائـلـتـه وخـادمـة لـهـم، بـعـد أن مـلأوا الـحـجـر بـالـمـؤونـة، ولـم يـكـونـوا يـحـتـاجـون إلّا إلى الـمـاء. وقـد أغـلـق الأبـواب والـنّـوافـذ وجـصـصـهـا، ولـم يـسـمـح لأحـد بـالـصـعـود عـلى الـسّـطـح أو بـتـنـفـس الـهـواء الـخـارجي. وقـد اسـتـطـاع بـهـذا أن يـحـفـظ لأهـلـه صـحـتـهـم بـيـنـمـا تـسـاقـط كـثـيـر مـن جـيـرانـه مـوتى. وكـان مـسـتـحـيـلاً دفـن جـثـثـهـم فـتّـركـت تـتـفـسـخ في أمـاكـنـهـا. وبـعـد أن انـتـهي الـوبـاء دخـل أعـراب الـبـاديـة الـمـديـنـة لـيـسـلـبـوا ويـنـهـبـوا. وكـان ذلـك سـهـلاً عـلـيـهـم ولـم يـقـاومـهـم مـن بـقي مـن الأحـيـاء وأضـعـفـهـم الـوبـاء. وأجـبـروا الـسّـيـد زفـوبـودا مـثـلـمـا أجـبـروا الآخـريـن عـلى إعـطـائـهـم بـعـض مـا يـمـتـلـكـون”.

ويـبـدو أنّ أنـطـون زفـوبـودا سـاعـد إيـدا فـايـفـر كـلّـمـا احـتـاجـت إلـيـه خـلال إقـامـتـهـا في بـغـداد. وقـد كـتـبـت : “ولأسـافـر مـن بـغـداد إلى الـمـوصـل بـأمـن واطـمـئـنـان وبـأرخـص مـا يـمـكـن، طـلـبـت مـن الـسّـيـد زفـوبـودا أن يـنـصـحـني بـحـادي جـمـال يـقـود قـافـلـة يـثـق بـه”. ووجـد لـهـا الـسّـيـد زفـوبـودا قـافـلـة تـغـادر بـغـداد في 14 حـزيـران.

(أنـظـر مـقـالي :  مـرور الـنّـمـسـاويـة إيـدا فـايـفِـر بـالـعـراق عـام 1848)

وتـوفي أنـطـون في بـغـداد سـنـة 1878، في الـثّـانـيـة والـثّـمـانـيـن مـن عـمـره.

جـوزيـف مـاتـيـا زفـوبـودا :

وقـد ولـد ابـن أنـطـون الـبـكـر، جـوزيـف مـاتـيـا Joseph Mathia، ويـعـرف أيـضـاً بـيـوسـف الـبـغـدادي، في بـغـداد سـنـة 1840. وقـضى عـدّة سـنـوات مـع أخـيـه الـفـنّـان إسـكـنـدر سـانـدور  Alexander Sandor في بـومـبي، الـهـنـد قـبـل أن يـعـود إلى بـغـداد في 1857. (أنـظـر مـقـالي عـن إسـكـنـدر سـانـدور : “فـنّـان بـغـدادي مـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشر لا يـتـذكّـره أحـد”)     https://almilwana.blogspot.com/2015/04/3-1.html).

وبـدأ جـوزيـف مـاتـيـا يـتـعـلّـم الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة مـع زوج أخـتـه ريـشـارد روجـرز  Richard Rogers في 1859. واسـتـمـرّ  روجـرز يـعـلّـمـه إيـاهـا ثـلاث سـنـوات حـتّى وفـاتـه في الـبـصـرة في 1862.

وفي هـذه الـسّـنـة الّـتي تـوفي فـيـهـا روجـرز، أي 1862، بـدأ جـوزيـف مـاتـيـا يـعـمـل كـكـاتـب في شـركـة الإخـوة لـنـتـش Lynch Brothers  (بـيـت لـنـج)        The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company الّـتي كـانـت تـسـيّـر سـفـنـهـا الـبـخـاريـة بـيـن بـغـداد والـبـصـرة.(3)

وقـد بـدأ عـمـلـه في الـشّـركـة بـرحـلـة عـلى إحـدى سـفـنـهـا :(City of London) الّـتي كـان يـقـودهـا الـكـابـتـن هـولانـد Captain Holland. وبـقي يـشـتـغـل في هـذه الـشّـركـة طـيـلـة حـيـاتـه.

وقـد بـدأ جـوزيـف مـاتـيـا في1861ـ 1862 بـكـتـابـة دفـاتـر يـومـيـات، واسـتـمـر في كـتـابـتـهـا إلى 1908، سـنـة وفـاتـه. وقـد سـجّـل فـيـهـا حـيـاتـه الـيّـومـيـة وحـيـاة أقـربـائـه، وكـلّ سـفـراتـه عـلى سـفـن بـيـت لـنـج الـبـخـاريـة وحـمـولـتـهـا وأسـمـاء الـمـسـافـريـن الـمـهـمّـيـن عـلـيـهـا وعـلاقـتـه مـع مـن كـان حـولـه، كـمـا سـجّـل الأحـداث الّـتي جـرت في تـلـك الـفـتـرة. وقـد كـتـبـهـا كـلّـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة، وهـو يـذكـر أنّ إنـكـلـيـزيـتـه تـحـسـنـت يـومـاً بـعـد يـوم بـكـتـابـتـه لـهـذه الـيـومـيـات.

دفـاتـر زفـوبـودا   The Svoboda Diaries:

بـقي 61 دفـتـراً مـن دفـاتـر زفـوبـودا في مـجـمـوعـة يـعـقـوب سـركـيـس الّـتي كـان قـد أهـداهـا إلى مـكـتـبـة الـحـكـمـة.

وفي نـهـايـة سـتـيـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن حـصـلـت مـرغـريـت مـكـيـة، الّـتي كـانـت تـدرّس في بـغـداد، بـمـسـاعـدة جـامـعـة بـغـداد، عـلى مـنـحـة مـن مـؤسـسـة كـولـبـنـكـيـان لـتـتـفـرغ لـنـقـل الـدّفـاتـر وضـربـهـا عـلى الآلـة الـكـاتـبـة. ووجـدت أنّ سـبـعـة دفـاتـر فـقـدت مـن الـ 61 دفـتـر الأصـلـيـة : وهي 1 و 2 و3 و 5 و 6 و 10 و 43. وذلـك قـبـل أن تـصـل الـدّفـاتـر الـبـاقـيـة إلى يـعـقـوب سـركـيـس والّـتي أهـداهـا إلى جـامـعـة الـحـكـمـة.

وقـد أكـمـلـت مـرغـريـت مـكـيـة نـقـل ثـلاثـيـن دفـتـراً مـن دفـاتـر جـوزيـف مـاتـيـا، ووصـلـت إلى الـدّفـتـر الـسّـادس والـثّـلاثـيـن، أي مـن عـام 1891 إلى عـام  1892. وقـد مـلأت بـنـقـلـهـا لـهـذه الـدّفـاتـر أكـثـر مـن 5000 صـفـحـة مـكـتـوبـة عـلى الآلـة الـكـاتـبـة. ونـشـرت مـقـالاً عـنـهـا في عـام 1969 تـضـمّـن مـقـاطـع كـثـيـرة مـن الـدّفـاتـر :

Margret Makiya, The Svoboda Diaries, Bagdad College of Art Journal, June 1969.

لـكـنّ الـجـزء الأكـبـر مـن الـمـعـلـومـات الّـتي تـخـصّ عـائـلـة زفـوبـودا كـتـبـهـا إسـكـنـدر ريـشـارد، إبـن جـوزيـف مـاتـيـا، في دفـاتـر يـومـيـاتـه (وهـو يـكـتـب اسـمـه : إسـكـنـدر ازفوبودا).

وقـد غـادر إسـكـنـدر في 1897، عـنـدمـا كـان في الـتّـاسـعـة عـشـرة مـن عـمـره، بـغـداد إلى الـقـاهـرة ثـمّ إلى إيـطـالـيـا وفـرنـسـا. وقـد خـصـص لـهـذه الأسـفـار جـزءاً مـن دفـاتـره، واسـتـمـرّ في كـتـابـة يـومـيـاتـه بـعـد أن رجـع إلى بـغـداد عـدّة سـنـوات بـعـد ذلـك. (أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق (3) : )

وكـان الأسـتـاذ هـنـري إسـكـنـدر لـويـس زفـوبـودا، الـمـهـنـدس الـمـعـمـاري الـمـعـروف، آخـر مـن بـقي مـن هـذه الـعـائـلـة في بـغـداد. وتـذكـر نـوف عـلّاوي Mrs Nowf Allawi، وهي مـعـمـاريـة عـمـلـت مـعـه، أنّـه كـان يـنـوي أن يـنـشـر هـذه الـيـومـيـات في كـتـاب، وأنّـهـمـا بـدءا بـتـحـقـيـق الـمـشـروع، ولـكـنّ الـغـزو الأمـريـكي لـلـعـراق أعـاق إكـمـال الـعـمـل في مـركـز الـمـخـطـوطـات الـوطـني في جـامـعـة بـغـداد، وكـذلـك في الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـغـداد.

ولا نـدري كـيـف وصـلـت الـدّفـاتـر إلى هـنـري زفـوبـودا، إذا صـحّ مـا ذكـرتـه نـوف عـلاوي، مـع أنّ الـ 61 دفـتـراً الّـتي بـقـيـت مـنـهـا، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، كـانـت في مـجـمـوعـة يـعـقـوب سـركـيـس الّـتي كـان قـد أهـداهـا إلى مـكـتـبـة الـحـكـمـة.

وقـد تـوفي هـنـري إسـكـنـدر لـويـس زفـوبـودا في 2005. وبـدلاً مـن أن تـسـلّـم نـوف عـلّاوي الـدّفـاتـر إلى وزارة الـثّـقـافـة الـعـراقـيـة كـجـزء مـن تـراث الـبـلـد الـثّـقـافي فـقـد قـررت الإتـصـال بـمـشـروع OTAP : The Ottoman Texts Archive Project في جـامـعـة واشـنـطـن، الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، الّـذي أسـرع مـسـؤولـوه بـأخـذهـا.

وقـد بـدأ مـشـروع الـ OTAP بـنـشـر 25 دفـتـراً مـنـهـا عـلى مـوقـعـه عـلى الانـتـرنـت. ولا نـجـد في الـمـوقـع ذكـراً لـمـجـمـوعـة يـعـقـوب سـركـيـس ولا لـلـعـمـل الّـذي قـامـت بـه مـرغـريـت مـكّـيـة.

ويـقـتـرح الـمـشـروع صـفـحـتـيـن جـنـبـاً لـجـنـب لـنـص يـومـيـات إسـكـنـدر ريـشـارد بـالـعـربـيـة وتـرجـمـتـه الإنـكـلـيـزيـة مـع شـروح ومـفـردات وفـهـارس. (4)

وبـانـتـظـار أن تـنـشـر دفـاتـر إسـكـنـدر ريـشـارد، (إبـن جـوزيـف مـاتـيـا) بـالـلـغـة الـعـربـيـة في طـبـعـة كـامـلـة ومـحـقـقـة، سـأحـاول أن أقـدّم لـكـم عـرضـاً إجـمـالـيـاً بـسـيـطـاً لـمـحـتـويـات دفـاتـر أبـيـه جـوزيـف مـاتـيـا (الـمـعـروف أيـضـاً بـيـوسـف الـبـغـدادي).

دفـاتـر جـوزيـف مـاتـيـا أو يـوسـف الـبـغـدادي :

يـذكـر جـوزيـف مـاتـيـا في يـومـيـاتـه (الّـتي نـشـرتـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة مـرغـريـت مـكّـيـة) كـيـف كـانـت الـمـلاحـة في دجـلـة صـعـبـةً، وكـيـف كـانـت الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة تـقـضي يـومـيـن عـلى الأقـل بـيـن بـغـداد والـبـصـرة في أحـسـن الأحـوال، وتـقـتـضي الـسّـفـرة بـيـن سـتّـة أيّـام وعـشـرة في فـتـرات الـفـيـضـانـات. أمّـا صـعـود الـنّـهـر مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد فـقـد كان يـقـتـضي ثـلاثـة أيّـام ونـصـف عـلى الأقـل، وحـتّى ثـمـانـيـة أيّـام في بـعـض الأحـيـان. وعـنـدمـا يـنـخـفـض مـسـتـوى الـمـاء في الـصّـيـف، كـانـت الـمـلاحـة في الـلـيـل مـسـتـحـيـلـة، وحـتّى في الـنّـهـار كـانـت الـسّـفـيـنـة تـتـقـدم بـصـعـوبـة وبـطء.

ويـذكـر ضـجـر الـمـسـافـريـن الـشّـديـد في هـذه الـسّـفـرات الـطّـويـلـة ومـلـلـهـم مـن مـنـاظـر الـضّـفـاف الـجـرداء، ويـعـلـل هـذا بـأنّ حـاجـة الـسّـفـيـنـة لـلـحـطـب لـسـدّ حـاجـتـهـا لـبـخـار الـمـاء هي الّـتي عـرّت قـلـيـلاً فـقـلـيـلاً ضـفـتي الـنّـهـر مـن أشـجـار الـطّـرفـاء الّـتي كـانـت تـتـكـاثـف عـلـيـهـا.

ويـتـكـلّـم جـوزيـف مـاتـيـا في الـدّفـاتـر عـن نـفـس الـمـسـيـرة والـتّـوقـفـات الّـتي تـتـكـرر سـفـرة بـعـد سـفـرة، فـغـالـبـاً مـا كـانـت الـمـراكـب تـتـوقـف بـيـن الـبـصـرة والـقـرنـة لـزيـارة “جـنـة عـدن”، وبـعـد اجـتـيـاز الـقـرنـة تـمـرّ الـسّـفـيـنـة بـالأهـوار بـيـن مـزارع الـرّز.

ويـصـف جـوزيـف مـاتـيـا الـبـجـع الـمـسـمى بـأبي جـراب والـخـنـازيـر الـوحـشـيـة وأسـراب الأوز الـبـري الّـتي كـانـت فـيـهـا، وأكـواخ الـقـصـب الّـتي يـسـكـنـهـا الـمـعـدان. ثـمّ تـمـرّ الـسّـفـيـنـة بـقـبـر عـزرا (الـعـزيـر)، وهـو ضـريـح مـقـدّس كـان يـحـج إلـيـه الـيـهـود، ثـمّ أبـو سـدرة فـالـعـمـارة الّـتي أنـشـأت الـشّـركـة فـيـهـا مـخـزنـاً لـلـفـحـم، ثـمّ عـلي الـشّـرجي فـعـلي الـغـربي، وهي قـريـة صـغـيـرة عـلى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة فـيـهـا ضـريـحٌ يُـزار، ثـمّ شـيـخ سـعـد إلى أن تـتـوقـف في مـوت الـعـمـارة الّـذي أنـشـأت الـشّـركـة فـيـه مـخـزنـاً ثـانـيـاً لـلـفـحـم. ثـمّ الـعـزيـزيـة فـالـبـغـداديـة، الّـذي كـان حـصـنـاً بـني بـالـطّـيـن فـوق تـلّ كـان أحـد شـيـوخ عـشـيـرة الـزّبـيـديـة قـد شـيّـده لـيـفـرض الـخـاوة عـلى الـمـراكـب الـمـارّة بـه. وتـصـلّ الـسّـفـيـنـة بـعـد ذلـك إلى طـيـسـفـون ـ سـلـوقـيـة (سـلـمـان بـاك) قـبـل أن تـصـل إلى بـغـداد.

ولا يـهـمـل جـوزيـف مـاتـيـا في وصـفـه لأسـفـاره بـيـن بـغـداد والـبـصـرة ذكـر صـغـيـرة ولا كـبـيـرة ويـفـصّـل في مـقـطـع طـويـل كـيـف غـرقـت الـسّـفـيـنـة       The Dijla أمـام حـصـن الـبـغـداديـة في 1876. وقـد اسـتـدعي غـواصـون مـن إنـكـلـتـرة في مـحـاولـة لإخـراجـهـا مـن الـمـاء. وقـد انـقـذت بـعـض الـسّـلـع والـبـضـائـع، ولـكـنّ ارتـفـاعـاً سـريـعـاً لـمـيـاه نـهـر دجـلـة أجـبـرهـم عـلى تـركـهـا في أعـمـاق الـتّـيّـارات. وقـد حـلّ مـحـل هـذه الـسـفـيـنـة سـفـيـنـة أخـرى جـديـدة بـمـدخـنـتـيـن، صـنـعـت في إنـكـلـتـرة وركّـبـت في الـبـصـرة في 1877 واسـمـيـت “بـلـوس لـنـج Blosse Lynch”، يـمـكـنـهـا نـقـل 600  مـن الـمـسـافـريـن و 300  مـن أطـنـان الـبـضـائـع، وبـدأت سـفـراتـهـا في دجـلـة في 1878.

abdulaly-bros-5

ويـكـتـب  في الـثّـاني مـن تـمـوز 1878 أنّ الـحـنـطـة قـلّـت في الأسـواق وارتـفـعـت أسـعـارهـا لـقـلـة الـمـحـاصـيـل بـسـبـب نـدرة الأمـطـار وانـخـفـاض مـسـتـوى الـمـيـاه في الـنّـهـر. وفي 1879 شـحّ الـمـاء في دجـلـة حـتّى عـرقـل الـمـلاحـة الّـتي اسـتـحـالـت في بـعـض الـفـتـرات. وجـفّـت نـبـاتـات الـرّز وحـلّـت الـمـجـاعـة، واضـطـرت الـسّـلـطـات الـتّـركـيـة إلى تـشـيـيـد سـدود لإبـقـاء مـيـاه الأهـوار.

كـتـب في 12 حـزيـران : “وقـد أجـابـت الـحـكـومـة الـتّـركـيـة عـلى طـلـب شـيـوخ ألـبـو مـحـمّـد لـحـبـس مـاء الـنّـهـر بـسـدّ لـكي يـزرعـوا الـرّز، لأنّ مـسـتـوى الـمـاء لـم يـرتـفـع هـذا الـعـام. وإن لـم يـسـتـطـيـعـوا الـزّرع هـذا الـعـام فـسـتـفـقـد الـحـكـومـة حـوالي 000، 800 شـامي مـن الـضّـرائـب عـلى الـرّز. وقـد قـدّم أشـرف بـاشـا هـذا الـمـشـروع إلى والي بـغـداد، الّـذي أبـلـغـه لـلـقـنـصـل الـبـريـطاني أمـس. وهـو سـيـبـلّـغ بـذلـك مـسـؤولي شـركـة The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company وحـلّ الـقـحـط في شـتـاء 1879ـ 1880 واشـتـدت الـمـجـاعـة، خـاصـة في شـمـال الـبـلاد.

ويـذكـر في31 كـانـون الـثّـاني 1880 : “تـجـمـدت كـلّ أشـجـار الـلـيـمـون مـن شـدّة الـبـرد، وتـيـبّـس سـعـف الـنّـخـيـل في أمـاكـن مـن بـغـداد. وكـان الـطّـقـس قـاسـيـاً هـذا الـشّـتـاء في الـمـنـاطـق شـمـال الـمـوصـل، وتـسـاقـطـت كـمـيـات هـائـلـة مـن الـثّـلـوج”.

وفي 1880، سـيّـرت الـشّـركـة سـفـيـنـة بـخـاريـة جـديـدة The Khalifah، وبـدأت أولى سـفـراتـهـا مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد في 27 نـيـسـان. وقـد حـمـلّـت طـحـيـنـاً بـعـث لـيـخـفـف مـن الـمـجـاعـة في الـشّـمـال.”

Meso-Baghdad Khalifa Boat 1918[ 1200]

وقـد تـزوّج جـوزيـف مـاتـيـا في 1877 بـإلـيـزا جـبـرا مـاريـن أرمـلـة فـتـح الله صـايـغ، وأنـجـب مـنـهـا ولـداً: إسـكـنـدر ريـشـارد، وبـنـتـاً : كـارولـيـن أوفـيـمي روز. وتـوفي في بـغـداد سـنـة 1908.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  يـبـدو أنّـه ولـد في مـديـنـة Osijek  الّـتي تـقـع في كـرواتـيـا الـحـالـيـة والّـتي كـانـت جـزءاً مـن الـمـجـر في داخـل الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ــ الـمـجـريـة.

(2) سـكـنـت عـائـلـة زفـوبـودا هـذه الـدّار حـتّى وفـاة آخـر أفـرادهـا : الـمـعـمـاري الـمـعـروف هـنـري زفـوبـودا.

(3)  بـيـت لـنـج The House of Lynch : قـد أنـشـأ الإخـوة لِـنـتـش شـركـة       The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company عـام 1861، وبـدأوا بـبـاخـرتـيـن مـن 100 طـنّ بـيـن بـغـداد والـبـصـرة، كـانـت تـنـقـل مـعـاً الـمـسـافـريـن والـصّـوف والـتّـمـر والـرّز وبـضـائـع أخـرى.

(4) أنـظـر :

Joseph Svopoda. Svobodapedia. 1st ed. Seattle: University of Washington (The Ottoman Texts Archive  Project:  OTAP) , 2010.

Antone Svopoda. Svobodapedia. 1st ed. Seattle: University of Washington, 2011.