دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـرن كـامـل مـضى عـلى دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917، ومـا نـتـج عـن ذلـك مـن تـغــيـيـرات سـيـاسـيـة مـا زلـنـا نـعـاني مـن آثـارهـا، ومـن تـغـيـيـرات جـذريـة في طـرق حـيـاة الـعـراقـيـيـن الـمـاديـة والـفـكـريـة والـثّـقـافـيـة.

بـريـطـانـيـون وعـثـمـانـيـون :

 يـنـبـغي عـلـيـنـا أوّلاً أن نـضـفي مـعـاني واضـحـة ودقـيـقـة عـلى الـكـلـمـات الّـتي نـسـتـعـمـلـهـا في هـذا الـعـرض الـسّـريـع :

فـغـالـبـاً مـا يـسـتـعـمـل الـكـتّـاب والـصـحـفـيـون كـلـمـة “الإنـكـلـيـز” كـمـرادف لـكـلـمـة “الـبـريـطـانـيـيـن”، في حـيـن أنّ “إنـكـلـتـرة” مـمـلـكـة في بـريـطـانـيـا. وبـريـطـانـيـا تـضـمّ أيـضـاً إسـكـتـلـنـدة وإيـرلـنـدة وبـلاد الـويـلـز. والـجـنـود الـبـريـطـانـيـون الّـذيـن احـتـلّـوا الـعـراق قـبـل الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وخـلالـهـا لـم يـكـونـوا إنـكـلـيـزاً فـقـط وإنـمـا جـاءوا مـن كـلّ أرجـاء “بـريـطـانـيـا الـعـظـمى” ومـن “الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة”.

كـمـا يـسـتـعـمـلـون كـلـمـة “الأتـراك” كـمـرادف لـكـلـمـة “الـعـثـمـانـيـيـن” مـع أنّ الأتـراك كـانـوا قـلّـة في أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، وكـانـت أصـول جـنـود “الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة” مـن كـلّ أراضي الـدّولـة ومـن بـيـنـهـا ولايـات الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل.

ونـحـن نـسـتـعـمـل كـلـمـة “الـعـراق” مـع أنّـه لـم يـكـن هـنـاك كـيـان سـيـاسي بـهـذا الإسـم في تـلـك الـحـقـبـة الـزّمـنـيـة، وإنّـمـا كـان هـنـاك ثـلاث ولايـات عـثـمـانـيـة : ولايـات الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل، وكـان يـحـكـمـهـا ولاة “عـثـمـانـيـون”.

الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق :

بـدأت “حـمـلـة بـلاد مـابـيـن الـنّـهـريـن  The Mesopotamian Campaign” عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في 1914، قـبـل أن تـبـدأ الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى (بـدأت الـحـرب يـوم 28 تـمّـوز)، واحـتـلّـت الـبـصـرة وضـفـاف دجـلـة والـفـرات، لـحـمـايـة مـصـالـح شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة ــ الـفـارسـيـة Anglo-Persian Oil Company الّـتي كـانـت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة قـد وقـعـت مـعـهـا عـقـداً لـتـزويـد قـوّاتـهـا الـبـحـريـة بـالـوقـود. وقـد امـتـدّت عـمـلـيـات “الـحـمـايـة” هـذه إلى مـنـطـقـة الأهـوار وأطـراف الـصّـحـراء.

وبـعـد بـدايـة الـحـرب، أرسـل “مـكـتـب الـهـنـد” الـبـريـطـاني قـطـعـات مـسـلّـحـة مـن “جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـاني” لـحـمـايـة عـبـدان وشـطّ الـعـرب. وكـان الـجـيـش الـرّابـع الـعـثـمـاني يـحـمي ولايـة الـبـصـرة الّـتي كـانـت تـابـعـة لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة آنـذاك.

وفي الـخـامـس مـن تـشـريـن الـثّـاني عـام 1914، أعـلـنـت بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا الـحـرب عـلى الـدّولـة الـعـثّـمـانـيـة. وقـد أجـابـت حـكـومـة “جـمـعـيـة الإتـحـاد والـتّـرقي” بـإعـلانـهـا الـحـرب عـلـيـهـمـا في 14 تـشـريـن الـثّـاني.

وبـدأ الـهـجـوم الـبـريـطـاني بـقـصـف مـيـنـاء الـفـاو في 6 تـشـريـن الـثّـاني.

وقـد بـعـث حـاكـم الـكـويـت الـشّـيـخ مـبـارك الـصّـبـاح بـمـجـمـوعـة مـن رجـالـه لـمـسـانـدة الـبـريـطـانـيـيـن. كـمـا هـاجـم رجـالـه الـقـوات الـعـثـمـانـيـة في عـدّة أمـاكـن. وغـيّـر رايـتـه مـزيـلاً مـنـهـا الـنّـجـمـة والـهـلال، رمـز الـعـثـمـانـيـيـن وأبـدلـهـا بـرايـة حـمـراء في وسـطـهـا كـلـمـة “كـويـت”.

(صـورة مـبـارك الـصّـبـاح قـبـل الـحـرب، وصـورة رايـتـه الـجـديـدة)

واكـتـمـل احـتـلال الـبـصـرة الـنّـهـائي في 22 مـن ذلـك الـشّـهـر. وطـاردت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة الـقـوات الـعـثـمـانـيـة حـتّى الـقـرنـة وأسـرت حـاكـم الـبـصـرة الـعـثـمـاني وحـوالي ألـف رجـل مـن جـنـوده.

وفي 1915 بـدأ أعـضـاء مـن جـمـعـيـة ” الـفـتـاة” بـعـقـد اتـصـالات مـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة لـلـقـيـام بـحـركـة ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وقـد تـبـنّى الإنـكـلـيـز هـذا الـمـشــروع ودفـعـوا حـسـيـن، شـريـف مـكّـة وأولاده لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى”.

وفي نـيـسـان 1915، عـيّـن مـكـتـب الـهـنـد الـبـريـطـاني الـجـنـرال جـون نـيـكـسـون  John Nixon لـيـشـرف عـلى الـعـمـلـيـات الـعـسـكـريـة. وقـرر جـون نـيـكـسـون أن يـطـلـق عـمـلـيـة الـصّـعـود نـحـو بـغـداد. وهـكـذا أمـر تـشـارلـز تـاونـزنـد (يـكـتـب أيـضـاً طـاونـزنـد أو طـونـزنـد) Charles TOWNSHEND بـأن يـتـوجـه بـقـواتـه نـحـو الـكـوت.

وصـعـد تـاونـزنـد دجـلـة مـع قـوات قـلـيـلـة الـعـدد ونـجـح في هـزم عـدد مـن الـقـطـعـات الـعـثـمـانـيـة، وتـجـاوز الـكـوت نـحـو بـغـداد، ولـكـنّ الـعـثـمـانـيـيـن شـكّـلـوا في 5 تـشـريـن الأوّل جـيـشـاً سـادسـاً عـيّـنـوا لـقـيـادتـه الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـس  Field Marchal Von Der Goltz.

وفي 2 تـشـريـن الـثّـاني الـتـقـت قـوات تـاونـزنـد وقـوات فـون ديـر غـولـتـس في مـعـركـة طـيـسـفـون (سـلـمـان بـاك). وانـتـهـت الـمـعـركـة بـانـسـحـاب الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة. وطـاردتـهـا الـقـوات الـعـثـمـانـيـة حـتّى حـاصـرتـهـا في الـكـوت. وبـدأ الـحـصـار في 7 كـانـون الأوّل، ولـم يـسـتـطـع الـبـريـطـانـيـون كـسـر الـحـصـار رغـم مـحـاولاتـهـم الـمـتـكـررة :

جنود بريطانيون

(جـنـدي بـريـطـاني مـن فـصـيـلـة شـمـال سـتـفـوردشـر بـمـعـداتـه الـثّـقـيـلـة)

وتـوفي الـفـيـلـد مـرشـال فـون ديـر غـولـتـس بـعـد إصـابـتـه بـالـكـولـيـرا في 19 نـيـسـان 1916. وفي 24 نـيـسـان هـاجـمـت الـقـوات الـعـثـمـانـيـة الـكـوت ودخـلـت الـمـديـنـة، واسـتـسـلـم تـشـارلـز تـاونـزنـد وجـنـوده بـعـد خـمـسـة أيّـام :

جندي هندي بعد حصار الكوت

(جـنـدي هـنـدي مـن قـوّات الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة بـعـد الـحـصـار)

Townshend

(تـاونـزنـد في وسـط الـصّـورة بـعـد اسـتـسـلامـه في الـكـوت بـيـن ضـبّـاط عـثـمـانـيـيـن)

وبـعـد فـشـل الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـوصـول إلى الـكـوت لـفـك الـحـصـار، ثـمّ هـزيـمـتـهـا فـيـهـا، بـذلـت جـهـوداً كـبـيـرة لـتـحـسـيـن الـمـواصـلات بـيـن قـطـعـاتـهـا، ووسـعـت مـيـنـاء الـبـصـرة لاسـتـقـبـال أعـداد أكـثـر مـن الـبـواخـر ولـتـفـريـغـهـا بـسـرعـة كـمـا عـبّـدت الـطّـرق حـول الـمـديـنـة، وسـيّـرت سـفـنـاً بـخـاريـة في دجـلـة.

كـمـا شـكّـلـت إدارة لـلـسـكـك الـحـديـديـة بـعـد أن بـدأ الـمـاجـور فـردريـك كـول  Major Frederick Cole  وكـتـيـبـتـه الـهـنـديـة بـتـشــيـيـد خـط حـديـدي مـن الـبـصـرة بـاتـجـاه بـغـداد، وبـعـثـت حـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة إلى الـبـصـرة بـعـدد مـن عـربـات الـقـطـار.

وهـكـذا أمـكـن لـلـجـيـش الـبـريـطـاني أن يـجـلـب إلى جـبـهـة الـعـراق بـأعـداد أكـبـر مـن الـجـنـود والـمـعـدّات الـحـربـيـة وأن يـتـهـيـأ لـلـصـعـود نـحـو بـغـداد.

وبـدأت “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916 بـعـد أن وعـد الـبـريـطـانـيـون الـحـسـيـن، شــريـف مـكّـة، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا بـإنـشـاء مـمـلـكـة عـربـيـة لـه ولأولاده. ولـكـن بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا وقـعـتـا في 16 أيّـار مـن نـفـس الـعـام مـعـاهـدات سـايـسكـس ــ بـيـكـو لـتـقـسـيـم ولايـات الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـيـنـهـمـا مـن غـيـر أن تـعـلـمـا شـريـف مـكّـة بـذلـك.

وفي نـفـس الـعـام، 1916، وصـلـت الـمـس جـرتـرود بـيـل Gertrude BELL إلى الـبـصـرة بعـد أن قـضـت عـامـاً في الـمخـابـرات الـبـريـطـانـيـة في الـقـاهـرة.

وعـيّـن الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود                         Lieutenant General Frederick Stanley MAUDE عـلى رأس الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق،

مود 2

ووصـل مـن مـصـر مـع كـتـيـبـتـه إلى الـبـصـرة في أواخـر عـام 1916(1). واسـتـلـم في شـهـر كـانـون الأوّل 1917 أمـراً بـالـمـسـيـر نـحـو بـغـداد واحـتـلال مـا لـم يـكـن قـد احـتـل بـعـد مـن ولايـة الـبـصـرة ثـمّ ولايـتَي بـغـداد والـمـوصـل.

وألـقى الـجـنـرال مـود أوامـره بـبـدء الـهـجـوم في 13 كـانـون الأوّل. وتـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة عـلى ضـفـتي دجـلـة، وتـسـاقـطـت مـراكـز الـدّفـاع الـعـثـمـانـيـة أمـامـهـا.

وبـعـد أن اسـتـعـادت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة (بـمـسـاعـدة قـطـعـات هـنـديـة) الـكـوت مـن أيـدي الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة في 24 شـبـاط :

Tuck XXXXV

(نـصـب شـيّـده الأتـراك في الـكـوت قـبـل أن يـعـيـد الـبـريـطـانـيـون احـتـلالـهـا) (2)

دخـلـت طـيـسـفـون (سـلـمـان بـاك) بـعـد ذلـك بـعـدّة أيّـام،

بريطانيون أمام طاق كسرى (280x180)

ووصـلـت قـرب بـغـداد في 5 آذار. وقـد حـاول والي بـغـداد خـلـيـل بـاشـا إيـقـافـهـا أمـام نـهـر ديـالى ولـكـنّ قـوات الـجـنـرال مـود سـلـكـت طـريـقـاً أخـرى وعـادت إلى مـنـطـقـة ديـالى الّـتي احـتـلـتـهـا في 10 آذار، ثـمّ تـوجـهـت نـحـو بـغـداد، فـانـسـحـب خـلـيـل بـاشـا ثـمّ ركـب الـقـطـار تـاركـاً بـغـداد نـحـو سـامـراء.

ودخـلـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة (الّـتي شـكّـل أغـلـبـهـا جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـاني) في بـغـداد يـقـودهـا الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود في 11 آذار. (3)

مود في بغداد

ونـرى في الـصّـورة جـنـود الـفـوج الأوّل لـكـتـيـبـة هـامـبـشـر الـرّابـعـة                 The 1st Division of the 4th Hampshire Regiment، يـدخـلـون مـن بـاب الـمـعـظـم (بـاب الـسّـلـطـان) ويـسـيـرون في جـادّة خـلـيـل بـاشـا (خـلـيـل بـاشـا جـادة سي، الّـتي أصـبـحـت بـعـد ذلـك  The New Street ثـمّ شـارع الـرّشـيـد) بـيـن مـجـمـوعـات مـن أهـل الـمـديـنـة.

وقـد تـسـاءلـت عـنـدمـا تـفـحـصّـت هـذه الـصّـورة عـن مـن الـتـقـطـهـا بـعـد أن أعـدّ الـمـشـهـد، فـلا يـمـكـن أن تـكـون قـد الـتـقـطـت عـفـويـاً في زمـن كـانـت آلات الـتّـصـويـر فـيـه ضـخـمـة وثـقـيـلـة وتـحـتـاج الـصّـور الّـتي تـلـتـقـطـهـا إلى تـهـيـئـة وإعـداد، كـمـا تـسـاءلـت لـمـاذا كـان الـنّـاس يـنـظـرون إلى عـدسـة الـمـصـوّر بـدلاً مـن أن يـنـظـروا إلى الـجـنـرال وجـنـوده، ومـن وضـع الـمـنّـصـة الّـتي نـراهـا عـلى يـمـيـن الـصّـورة، حـتّى وجـدت الـجـواب في الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة في الأرشـيـفـات الـحـكـومـيـة لـلـمـمـلـكـة الـمـتّـحـدة. (4)

فـقـد ذكـرت هـذه الأرشـيـفـات أنّ الـفـوج الّـذي نـراه خـلـف الـجـنـرال مـود كـان مـخـيّـمـاً خـارج بـغـداد. وبـعـد أن دخـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد واسـتـولـت عـلى كـلّ الـمـديـنـة، اسـتـلـم هـذا الـفـوج أمـراً بـالـدّخـول فـيـهـا. وجُـمـع الـنّـاس عـلى جـانـبي الـطّـريـق لالـتـقـاط هـذه الـصّـورة لـكي تـنـشـر لأغـراض دعـائـيـة وتـسـتـعـمـل لإظـهـار قـوة الـجـيـش الـبـريـطـاني وانـتـصـاراتـه في الـحـرب، ولكي تـظـهـر “الـحـفـاوة” الّـتي اسـتـقـبـلـه الـعـراقـيـون بـهـا لـيـخـلـصـهـم مـن “الإضـطـهـاد الـعـثـمـاني”.

كـمـا أنّ لـديـنـا عـدّة صـور لـلـجـنـود الـبـريـطـانـيـيـن (ومـن بـيـنـهـم الـهـنـود) في بـغـداد عـام 1917 الـتـقـطـهـا الـكـولـونـيـل مـاك كـلـيـفـرتي Colonel A. H. McCleverty  مـن فـصـيـلـة The 2nd Queen Victoria’s Own Rajput Light Infantry جـمـعـت في ألـبـوم يـحـتـوي عـلى 103 مـنـهـا يـحـتـفـظ بـه مـتـحـف الـجـيـش الـوطـني  The National Army Museum في لـنـدن،  إخـتـرت لـكـم مـنـهـا صـورة لـلـقـطـعـات الـهـنـديـة تـسـيـر في شـارع الـرّشـيـد                          Indian troops marching through New Street :

القوات الهندية في شارع الرشيد

والـهـنـود يـنـقـلـون الـمـعـدّات عـلى ظـهـور الـحـمـيـر                                     Indian donckey transport, New Street :

Mc 5

والـهـنـود يـنـقـلـون الـمـعـدّات عـلى ظـهـور الـبـغـال

Indian troops and pack mule transport marching through New street :

باب المعظم 6

وصـور أخـرى لـلـجـنـود في بـغـداد :

 

ولـم يـقـرأ الـجـنـرال سـتـانـلي مـود خـطـابـه الـمـوجّـه لـلـبـغـداديـيـن، والـمـعـروف بـ  Proclamation of Baghdad ، إلّا في 19 آذار، أي بـعـد ثـمـانـيـة أيّـام مـن دخـولـه الى بـغـداد. وهـذا مـطـلـعـه بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وتـرجـمـتـه الّـتي نـشـرت بـالـلـغـة الـعـربـيـة :

 

ونـنـهي عـرضـنـا الـسّـريـع هـذا بـغـلاف مـجـلـة الـحـرب الـمـصـورة                     The War Illustrared  الّـتي صـدرت في لـنـدن في 24 آذار 1917 وعـلـيـهـا تـصـويـر خـيـالي لـلـجـنـرال مـود في طـريـقـه إلى بـغـداد :

with general Maude (3)

ــــــــــــــــــــــــ

(1) تـذكـر مـسـز سـتـوارت مـنـزيـس أنّـه وصـل إلى الـبـصـرة في شـهـر شـبـاط أو آذار 1916، وهـو مـا لا يـطـابـق مـجرى الأحـداث :

.Sir Stanley Maude & Others Memoirs By Mrs Stuart Menzies, London 1920

(2) بـطـاقـة بـريـديـة نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك الـلـنـدنـيـة. أنـظـر مـقالي :بـطـاقـات بـريـديـة عـن الـعـراق نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك في لـنـدن

(3) عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرت الـقـوات الـعـثـمانـيـة بـرج بـاب الـطّـلـسـم قـبـل انـســحـابـهـا مـن الـمـديـنـة.  وكـان الـبـرج قـد اسـتـعـمـل لـخـزن بارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد، فـتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجارة بـعـد انـفـجـار الـبـارود الـمـخـزون. ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

(4) (www.nationalarchives.gov.uk › … › First World War)

دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

دار الجنرال مود

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

الـجـنـرال سـتـانـلي مـود يـفـتـح بـغـداد ثـمّ يـمـوت فـيـهـا :

دخـل الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود  Lieutenant General Frederick Stanley MAUDE بـغـداد عـلى رأس قـوّاتـه الـبـريـطـانـيـة في 11 آذار  1917  بـعـد أن انـسـحـبـت الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة مـنـهـا. ولـم يـقـرأ خـطـابـه الـمـوجّـه لـلـبـغـداديـيـن، والـمـعـروف بـ Proclamation of Baghdad، إلّا في 19 آذار.

ثـمّ أكـمـلـت قـوّاتـه مـسـيـرتـهـا نـحـو سـامـراء لـتـكـمـل سـيـطـرتـهـا عـلى ولايـة بـغـداد وعـلى ولايـة الـمـوصـل.

وفي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـن نـفـس الـعـام، أقـيـم حـفـلٌ احـتـفـاءً بـه في مـدرسـة يـهـوديـة : الألـيـانـس الإسـرائـيـلـيـة، قـدمـت فـيـه مـسـرحـيـة هـامـلـت لـشـكـسـبـيـر بـالـعـربـيـة، وشـرب كـلّ الـحـاضـريـن فـنـاجـيـن قـهـوة. وذكـرت الـصّـحـفـيـة الأمـريـكـيـة إلـيـانـور إغـن Eleanor Egan الّـتي حـضـرت الـحـفـل أنّ الـجـنـرال مـود طـلـب حـلـيـبـاً. وجُـلـب لـه حـلـيـب لـم يـسـخـن إلى درجـة الـغـلـيـان، فـأضـافـه إلى قـهـوتـه وشـربـه.

وفي الـيـوم الـتّـالي سـقـط مـريـضـاً، وشـخّـص طـبـيـبـه الـبـريـطـاني حـالـة كـولـيـرا مـن أخـطـر الأنـواع يـبـدو أن عـدواهـا انـتـقـلـت إلـيـه مـن الـحـلـيـب. وسـرت شـائـعـات بـأنّـه سُـمّـم، لأنّ الـكـابـتـن ولـسـن الّـذي وضـع نـفـس الـحـلـيـب في قـهـوتـه في نـفـس الـحـفـل لـم يـصـب بـشئ.

ومـات الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال سـتـانـلي مـود في 18 تـشـريـن الـثّـاني 1917 .

ويـذكـر عـدد مـن الّـذيـن كـتـبـوا عـنـه أنّـه مـات في نـفـس الـدّار الّـتي كـان قـد مـات فـيـهـا الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـز                            Field Marshal Von der Goltz تـسـعـة عـشـر شـهـراً قـبـل ذلـك.(1)

ودفـن الـجـنـرال مـود في الـمـقـبـرة الـعـسـكـريـة الـبـريـطـانـيـة قـرب بـاب الـمـعـظـم (2) :

 

وقـد أقـيـم لـه تـمـثـال مـن الـبـرونـز يـمـثّـلـه بـزيّـه الـعـسـكـري مـمـتـطـيـاً صـهـوة حـصـان، أزيـح عـنـه الـسّـتـار عـام 1923  أمـام دار الـمـنـدوبـيـة الـبـريـطـانـيـة الـسّـامـيـة في الـكـرخ :

وقـد بـقي الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً إلى أن أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة وحـطـمـتـه في 14 تـمّـوز 1958 :

إسقاط تمثال مود

أيـن كـانـت دار الـجـنـرال مـود ؟

ومـا ذكـرنـاه يـثـيـر تـسـاؤلات لـم أجـد عـلـيـهـا بـعـد أجـوبـة أكـيـدة، فـقـد وجـدت في كـتـاب إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت Staudt Ida Donges : “مـذكّـرات أمـريـكـيـة عـن الـتـدريـس والـسّـفـر في الـعـراق مـن 1924 إلى1947” (3) الّـذي سـبـق لي أن كـتـبـت عـنـه مـقـالاً (4)، أنّـهـا سـمـعـت بـعـد وصـولـهـا إلى بـغـداد مـع زوجـهـا في 1924 بـأنّ : “داراً كـبـيـرة فـرغـت قـرب نـادي الـضّـبّـاط الـبـريـطـانـيـيـن، في حيّ حـديـث مـن الـمـديـنـة، تـحـيـطـه غـابـات الـنّـخـيـل. وعـنـدمـا زرتـهـا حـلـت لـعـيـنيّ فـأجـرتـهـا حـالاً وبـلا تـردد. وبـانـتـقـالـنـا إلـيـهـا في الـخـريـف بـدأت حـيـاتـنـا الـعـمـلـيـة حـقّـاً. وكـانـت الـدّار تـنـاسـب تـمـامـاً مـا نـريـد، وإن اعـتـبـر الـبـعـض أنّـهـا بـعـيـدة عـن مـركـز الـمـديـنـة. وقـد أصـبـحـت الآن في وسـط الـمـديـنـة لـشـدّة مـا تـوسـعـت بـغـداد وامـتـدّت. وكـانـت داراً كـبـيـرة فـيـهـا 20 غـرفـة واسـعـة حـول حـوش مـفـتـوح، أمـامـهـا شـرفـات عـريـضـة”.

ثـمّ تـكـمـل إيـدا سـتـاوت : ” وكـان لـهـذا “الـقـصـر” الـمـهـيـب قـصّـة مـدهـشـة، فـقـد اسـتـعـمـلـه الـبـريـطـانـيـون نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم. وكـان الإيـطـالـيـون قـد اتـخـذوه قـنـصـلـيـة لـهـم، ووجـدنـا بـقـايـا رايـتـهـم عـلى الـسّـطـح حـيـنـمـا أجّـرنـا الـقـصـر. وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إخـتـارتـه الـقـيـادة الألـمـانـيـة مـقـرّاً لـهـا. وغـالـبـاً مـا حـذرونـا مـن أنّ شـبـح الـجـنـرال فـون ديـر غـولـتـز كـان يـتـجـوّل في أنـحـائـه”.(5)

وقـد أخـطـأت إيـدا سـتـاوت في بـعـض مـعـلـومـاتـهـا لأنّ فـون ديـر غـولـتـز لـم يـكـن تـحـت أوامـر الـقـيـادة الـعـلـيـا لـلـقـوات الألـمـانـيـة وإنّـمـا كـان يـعـمـل في الـقـوات الـعـثـمـانـيـة، وحـصـل عـلى رتـبـة بـاشـا، ولـهـذا كـان يـدعى بـغـولـتـز بـاشـا. وقـد عـهـد إلـيـه أنـور بـاشـا في 1915 بـالـجـيـش الـخـامـس الـعـثـمـاني. وسـار غـولـتـز بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس إلى جـنـوب بـغـداد وأوقـف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة.  ولـكـنّـه أصـيـب في 1916 بـالـتّـيـفـوئـيـد ومـات مـنـه في بـغـداد.

وإذا كـانـت الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت تـعـرف أنّ الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـز مـات في تـلـك الـدّار فـكـيـف لـم تـسـمـع بـأنّ الـجـنـرال سـتـانـلي مـود مـات فـيـهـا أيـضـاً في 1917 ؟

وهي تـذكـر أنّ الـبـريـطـانـيـيـن اسـتـعـمـلـوه نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم، فـهـل سـكـن الـجـنـرال مـود ومـات في مـا أصـبـح بـعـد ذلـك نـاديـاً لـضـبّـاطـه ؟

تـسـاؤلات كـنـت أودّ أن أجـد عـلـيـهـا أجـوبـة !

ولـم أجـد إلّا صـورة واحـدة مـا زالـت مـحـفـوظـة في أرشـيـفـات وكـالـة رول Rol  لـتـصـويـر الأنـبـاء ذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـبـهـا أنّـهـا لـلـدّار الّـتي سـكـنـهـا الـجـنـرال مـود في بـغـداد (وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال) (6)، ولـكـنّ الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف كـتـب لي بـأنّ الـبـعـض أشـار إلى أنّ الـمـنـزل الّـذي في هـذه الـصـورة كـان في الأصـل مـلـكـاً لأحـد الـوجـهـاء مـن عـائـلـة الـكـيـلاني، أو مـكـان إقـامـة آخـر ولاة الـعـثـمـانـيـيـن في بـغـداد، ومـكـانـه في شـارع الـرّشـيـد مـقـابـل سـيـنـمـا ومـسـرح الـنّـجـاح (سـيـنـمـا روكـسي سـابـقـاً). وقـد رمـم وأصـبـح مـتـحـفـاً لـمـقـتـنـيـات وهـدايـا الـزّعـيـم عـبـد الـكـريـم قـاسـم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   أنـظـر مـثـلاً : Lawrence Sondhaus, World War One, The Global Revolution, p. 372

(2)  أرسـل لي الـدّكـتـور خـالـد الـسّـلـطـاني بـهـاتـيـن الـصّـورتـيـن. وأقـدّم لـه جـزيـل شـكـري عـلى ذلـك.

(3)  Living in Romantic Baghdad : Un American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924 -1947, New York 2012

(4) أنـظـر مـقـالي :  إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

(5)  الـمـصـدر الـسّـابـق، وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ إيـدا سـتـاوت أكـمـلـت تـألـيـف كـتـابـهـا في 1951.

(6)  أنـظـر مـقـالي : الـعـراق في صـور وكـالـة رول Rol

صـور الـمـوصـل في ألـبـومـات الآبـاء الـدومـنـيـكـان

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كُـتـبـت مـقـالات كـثـيـرة عـن الآبـاء الـدّومـيـنـيـكـان (وهـو لـفـظ أصـحّ مـن : الـدّومـنـيـكـان) في الـعـراق، والـذّيـن كـان مـركـز نـشـاطـاتـهـم  في الـمـوصـل. وغـالـبـاً مـا كـانـت أهـداف كـتّـاب هـذه الـمـقـالات إدانـة أعـمـال الآبـاء الـتّـبـشـيـريـة، أو عـلى الـعـكـس مـن ذلـك، الإشـادة بـدورهـم الإيـجـابي في إدخـال كـثـيـر مـن مـكـونـات الـحـداثـة في مـنـطـقـة الـمـوصـل، والّـتي انـتـشـرت مـنـهـا بـعـد ذلـك في كـلّ أرجـاء الـعـراق مـنـذ الـقـرن الـثّـامـن عـشـر.

وإذا مـا تـابـعـنـا تـاريـخ إنـشـاء الـجـمـاعـة الـدّومـنـيـكـيـة وقـرأنـا بـعـض مـا نـشـروه هـم أنـفـسـهـم عـنـهـا فـسـتـظـهـر لـنـا صـورة أخـرى لـهـم ولـنـشـاطـاتـهـم. وسـأتـكـلّـم عـنـهـم هـنـا بـاخـتـصـار، وسـأعـرض بـعـض صـور ألـبـومـاتـهـم الّـتي جـمـعـوهـا عـن الـمـوصـل.

الـجـمـاعـة الـدّيـنـيـة الـدّومـنـيـكـيـة :

أنـشـئـت “الـجـمـاعـة الـدّيـنـيـة الـدّومـنـيـكـيـة” في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا عـام 1215 م. وقـد حـصـل مـؤسـسـهـا دومـنـيـك وأصـحـابـه مـن بـابـا رومـا، هـنـريـوس الـثّـالـث Honorius III عـلى وثـيـقـة اعـتـراف رسـمـيـة بـالـجـمـاعـة في عـام 1217.

ولأنّ الأوربـيـيـن كـانـوا يـعـتـبـرون الـعـراق مـن بـيـن أقـدم أمـاكـن الـشّـرق الّـتي ظـهـرت فـيـهـا الـمـسـيـحـيـة، فـقـد اتـجـه إلـيـه مـبـشـرو الـجـمـاعـة الـدّومـنـيـكـيـة مـنـذ إنـشـائـهـا.

ويـبـدو أنّ أحـد أصـحـاب الـقـديـس دومـنـيـك، مـؤسـس الـجـمـاعـة، وكـان اسـمـه غـلـيـوم دو مـونـفـيـرا Guillaume de Montferrat قـد وصـل إلى بـغـداد عـام 1235، وتـوصّـل إلى الـدّخـول في بـلاط الـخـلـيـفـة الـمـسـتـنـصـر بـالله.

وفي عـام 1290، وصـل الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي  Fra Ricoldo Pennini da Montecroce  (الّـذي كـان إيـطـالـيـاً مـن مـديـنـة فـلـورنـسـا) إلى الـمـوصـل قـادمـاً مـن شـيـراز.

وقـد جـاء فـرا ريـكـولـدو هـذا إلى الـمـوصـل ضـمـن الـبـعـثـة الّـتي كـان الـبـابـا نـيـقـولا الـرّابـع قـد بـعـثـهـا لـلـتّـبـشـيـر في الـشّــرق. وأقـام في مـديـنـة شـيـراز الّـتي بـشّـر فـيـهـا وتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة.

واتـصـل فـرا ريـكـولـدو  في الـمـوصـل بـالـنّـسـاطـرة، الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم مـنـشـقـيـن عـلى ديـن الـمـسـيـح، ووعـظـهـم ولـكـنّـهـم رفـضـوا اعـتـنـاق الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي.  وذهـب إلى مـعـبـد الـيـهـود ووعـظـهـم وتـنـاقـش مـعـهـم حـول “الـدّيـن الـحـقّ”.

ثـمّ أقـام في ديـر مـار مـتى شـمـال الـمـديـنـة لـيـتـنـاقـش مـع رهـبـانـه مـن الـيـعـاقـبـة الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم هـم الآخـريـن :”عـلى مـذهـب مـنـشـقّ عـلى الـدّيـن يـخـطئ في كـثـيـر مـن الإعـتـقـادات. وهـم لا يـتـبـعـون كـنـيـسـة رومـا”. ولـم يـسـتـطـع إدخـالـهـم في الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي.

ويـمـكـنـكـم قـراءة الـنّـصّ الّـذي كـتـبـه عـن ذلـك في الـمـلـحـق رقـم (1) في نـهـايـة هـذا الـمـقـال.

ثـمّ نـزل فـرا ريـكـولـدو إلى بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة وتـوقّـف في تـكـريـت. وفي بـغـداد اتّـصـل بـالـدّومـنـيـكـان الّـذيـن كـانـوا قـد اسـتـقـروا فـيـهـا. وقـد اسـتـطـاع الـدّخـول في الـمـدرسـتـيـن الـنّـظـامـيـة والـمـسـتـنـصـريـة والـدّراسـة فـيـهـمـا.  وفي بـغـداد شـرع في تـرجـمـة الـقـرآن إلى الـلاتـيـنـيـة.

BNF_MS_ar_384

ويـبـدو أنّـه كـان مـن بـيـن أوائـل الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـوا بـالـصّـابـئـة الـمـنـدائـيـيـن، ومـن أوائـل مـن كـتـب عـنـهـم.  وقـد أقـام في الـعـراق حـوالي عـشـر سـنـوات.

مـعـاهـدة “الإمـتـيـازات” :

وفي عـام 1535 وقّـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني سـلـيـمـان الـقـانـوني مـع مـلـك فـرنـسـا فـرنـسـوا الأوّل مـعـاهـدة تـخـوّل لـفـرنـسـا، ضـمـن “الإمـتـيـازات” الّـتي مـنـحـتـهـا الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـلـدّول الأوربـيـة، إرسـال قـنـاصـل إلى الـولايـات الـعـثـمـانـيـة : حـلـب ودمـشـق والإسـكـنـدريـة وبـغـداد، والـسّـمـاح لـلإرسـالـيـات الـدّيـنـيـة بـدخـول أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـمـارسـة نـشـاطـاتـهـا فـيـهـا، أي فـتـح مـراكـز تـبـشـيـريـة كـاثـولـيـكـيـة فـيـهـا.

وفي عـام 1553، أي بـعـد أكـثـر مـن مـائـتـيـن وخـمـسـيـن سـنـة عـلى زيـارة فـرا ريـكـولـدو لـلـعـراق، ذهـب راهـب مـن ديـر الـرّبـان هـرمـزد (قـرب بـلـدة الـقـوش) إلى رومـا، وكُـرّس فـيـهـا كـأوّل أب لـلـكـنـيـسـة الّـتي أسـمـيـت بـ “الـكـنـيـسـة الـكـلـدانـيـة”.

وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ كـثـيـراً مـن الـمـسـيـحـيـيـن الـعـراقـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـسـمـون بـ “الـنّـسـاطـرة” تـحـوّلـوا إلى الـكـاثـولـيـكـيـة عـام 1445، وأسـمـوا أنـفـسـهـم بـ “الـكـلـدان” إدعـاءً مـنـهـم بـرجـوع أصـولـهـم إلى الـبـابـلـيـيـن الـكـلـدانـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـنـتـسـبـون إلى كـلـدو، إسـم عـدّة قـبـائـل كـانـت لـهـا صـلات قـرابـة بـالآرامـيـيـن، والّـتي كـانـت قـد تـوطّـنـت في مـنـطـقـة الأهـوار، جـنـوب دجـلـة والـفـرات في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد. ثـمّ أنـشـأ الـكـلـدانـيـون الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة، آخـر دول الـعـراق الـقـديـم.

وعـنـدمـا عـاد هـذا الـرّاهـب إلى الـعـراق صـاحـبـه إلـيـهـا مـبـشـران مـن الـدّومـنـيـكـان الـفـرنـسـيـيـن لـمـسـاعـدتـه في مـهـمـتـه.

وفي عـام 1636، أرسـل بـابـا رومـا عـدداً مـن جـمـاعـة الـكـبـوشـيـيـن الـفـرنـسـيـيـن إلى الـمـوصـل، وفـتـحـوا فـيـهـا عـام 1638 مـركـز تـبـشـيـر، في دار تـطـلّ على نـهـر دجـلـة، في حـارة مـار إشـايـا، ولـكـنّـهـم تـركـوا الـمـديـنـة بـعـد أقـل مـن قـرن.

بـدايـة الإرسـالـيـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل :

ذهـب الـقـس خـضـر الـمـوصـلي عـام 1750 مـن الـمـوصـل إلى رومـا حـامـلاً مـعـه عـدداً مـن الـمـخـطـوطـات بـالـسّـريـانـيـة إلى مـكـتـبـة الـفـاتـيـكـان. وقـد دفـع مـجـيـئـه إلى رومـا الـبـابـا بـنـديـكـت الـرّابـع عـشـر إلى أن يـطـلـب مـن الـدّومـنـيـكـان الـفـرنـسـيـيـن أن يـحـلّـوا مـحـلّ الإيـطـالـيـيـن في إرسـالـيـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

وبـهـذا بـدأت رسـمـيّـاً الإرسـالـيـة الـدّومـنـيـكـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن والّـتي كـان مـركـزهـا الـمـوصـل. وكـان هـدفـهـا الأوّل إعـادة مـسـيـحـيي شـمـال الـعـراق “الـمـنـشـقّـيـن عـن الـكـنـيـسـة” إلى “ديـن الـحـق” حـسـب مـعـتـقـدات الـدّومـنـيـكـان أي إلى الـكـنـيـسـة الـكـاثـولـيـكـيـة الّـتي يـرأسـهـا الـبـابـا في رومـا.

وهـكـذا حـصـل دومـنـيـكـو لَـنـزا  Domenico Lanza  في 1756 عـلى فـرمـان مـن الـبـاب الـعـالي الـعـثـمـاني لـيـصـبـح رئـيـس الإرسـالـيـة. ويـذكـر الأب لَـنـزا أنّ عـدد سـكـان الـمـوصـل عـنـدمـا وصـلـهـا كـان حـوالي 300 ألـف سـاكـن. ووصـل بـعـده ذلـك الـعـام عـدد مـن الآبـاء الـفـرنـسـيـيـن.

Les pères Dominicains

وكـانـت الـبـدايـات الـتّـبـشـيـريـة لـلـدّومـنـيـكـان شـديـدة الـصّـعـوبـة، فـقـد تـوفي عـام 1871 واحـد مـن أوائـل الآبـاء الّـذيـن وصـلـوا إلى الـمـوصـل : الأب فـرنـسـوا تـوريـاني  P. François TURIANI، بـعـد أن أصـيـب بـإنـهـاك جـسـدي شـديـد وبـمـرض عـانى مـنـه طـويـلاً، قـبـل أن يـسـتـطـيـع كـسـب شـخـص واحـد إلى الـكـاثـولـيـكـيـة. ودفـن في الـمـقـبـرة الّـتي خـصـصـهـا الـدّومـنـيـكـان لـمـوتـاهـم في مـار يـعـقـوب، قـرب الـمـوصـل :

Dominicains 3

وكـان الآبـاء قـد اخـتـاروا إنـشـاء ديـر لـهـم في مـار يـعـقـوب.

Dominicains 2

وفي 1787، نـشـر الـدّومـنـيـكي مـورزيـو غـارزوني Maurizio Garzoni كـتـابـاً لـقـواعـد الـلـغـة الـكـرديـة ومـفـرداتـهـا، وكـان قـد مـارس الـتّـبـشـيـر بـيـن الأكـراد لـسـنـوات طـويـلـة.

وبـعـد انـدلاع الـثّـورة الـفـرنـسـيـة عـام 1789 م. والإضـطـرابـات الّـتي عـاشـتـهـا أوربـا بـعـد ذلـك تـوقّـفـت أعـمـال الإرسـالـيـة بـيـن 1815  و1840.

وفي 1842، عـيّـن بـول أمـيـل بـوتـا  Paul- Emile BOTTA قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في الـمـوصـل، وبـقي في مـنـصـبـه إلى 1845. (1) وقـد جـرت في تـلـك الـفـتـرة مـحـاولات لـفـتـح مـدارس الإرسـالـيـة الّـتي كـانـت قـد أهـمـلـت، كـمـا أُنـشئ مـركـز تـبـشـيـري في ديـر مـار يـعـقـوب.

وفي عـام 1850، حـدثـت تـغـيـيـرات جـددت جـمـاعـة الـدّومـنـيـكـان وأعـادت لـهـا حـيـويـتـهـا، فـقـرر مـسـؤولـهـا بـعـث إرسـالـيـة جـديـدة إلى الـعـراق. وبُـعـث الـدّومـنـيـكي بـيـسـون  J.-B. Besson في 1856  لـيـدرس وضـعـيـة الـبـلـد والإمـكـانـيـات الـمـتـاحـة في تـلـك الـفـتـرة. وكـان بـيـسـون قـد درس الـفـنّ فـجـلـب مـعـه عـنـد عـودتـه إلى فـرنـسـا عـام 1858 عـدداً مـن الـرّسـوم والـتّـخـطـيـطـات عـن  مـنـطـقـة الـمـوصـل ومـشـاهـد حـيـاة الـقـرى فـيـهـا. وفي أيـلـول مـن نـفـس الـسّـنـة عـهـد إلـيـه بـرئـاسـة إرسـالـيـة الـمـوصـل الـتّـبـشـيـريـة، فـرجـع إلى الـعـراق ومـات في ديـر مـار يـعـقـوب بـعـد أن أصـيـب بـالـتـيـفـوئـيـد عـام 1861.

واشـتـرى آبـاء الـبـعـثـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل عـام 1860 مـطـبـعـة مـتـعـددة الـلـغـات مـن بـاريـس. وبـدأوا في عـام 1862يـطـبـعـون فـيـهـا بـالـعـربـيـة وبـالـسّـريـانـيـة الـكـلـدانـيـة الـكـتـب الّـتي كـانـوا يـحـتـاجـونـهـا في مـدارسـهـم (الّـتي كـانـت ثـلاث مـدارس لـلأولاد واثـنـتـيـن لـلـبـنـات)، بـالـلـغـتـيـن الـعـربـيـة والـسّـريـانـيـة ــ الـكـلـدانـيـة : كـتـب قـراءة وقـواعـد وتـاريـخ وجـغـرافـيـا وحـسـاب، وتـعـلـيـم ديـني …

وقـد اسـتـمـرت الـمـطـبـعـة تـشـتـغـل حـتّى عـام 1915، عـنـدمـا حـطّـمـهـا الأتـراك، وأوقـفـوا أعـمـال نـشـرهـا.

ولـديـنـا صـورة لـعـمـال ورشـة الـتّـجـلـيـد الـمـلـحـقـة بـالـمـطـبـعـة الـتـقـطـت في حـوالي عـام 1860:

Mosul 1890

وفي ذلـك الـعـام، 1862، شُـرع في تـشـيـيـد ديـر جـديـد في الـمـوصـل في داخـلـه كـنـيـسـة واسـعـة مـولـت تـشـيـيـد بـرج نـاقـوسـهـا أوجـيـني، زوجـة إمـبـراطـور فـرنـسـا نـابـلـيـون الـثّـالـث، الّـتي كـانـت تـعـرف الآبـاء الـدّومـنـيـكـان مـنـذ طـفـولـتـهـا عـنـدمـا كـانـت تـقـضي عـطـلـهـا في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا.

Dominicains

وقـد انـتـهى تـشـيـيـد الـدّيـر والـكـنـيـسـة في 1866. وفي 1876، نـصـبـت عـلى بـرج الـدّيـر سـاعـة كـانـت فـرنـسـا قـد أهـدتـهـا لـلإرسـالـيـة :

E. Dominicains Mossul 1880 (640x454)

كـمـا فـتـحـت مـدارس جـديـدة في الـمـوصـل وفي بـعـض قـراهـا.

وقـد وصـلـت في 1873 أولى أخـوات جـمـاعـة زيـارة الـعـذراء مـن مـديـنـة تـور في فـرنـسـا إلى الـمـوصـل لـيـلـتـحـقـن بـالـبـعـثـة الـدّومـنـيـكـيـة فـيـهـا. وهـكـذا حـاول مـبـشـرو الـدّومـنـيـكـان الـتّـغـلـغـل في الـحـيـاة الإجـتـمـاعـيـة لـلـمـوصـل عـن طـريـق فـتـح مـسـتـوصـفـات لـمـعـالـجـة الـمـرضى وفـتـح مـدارس لـتـعـلـيـم الـصّـغـار.

وقـد جـدّ جـديـد في مـهـمـات الـدّومـنـيـكـان في عـام 1878عـنـدمـا طـلـب مـنـهـم الـبـابـا لـيـون الـثّـالـث عـشـر أن يـفـتـحـوا حـلـقـة ديـنـيـة لـيـدرس فـيـهـا كـلـدانـيـون وسـريـان مـن أبـنـاء الـمـنـطـقـة ويـعـمـلـوا بـعـد تـخـرجـهـم مـنـهـا في كـنـائـس هـاتـيـن الـجـالـيـتـيـن :

Séminaire Dominicain

 

كـتـاب الأب دوفـال عـن الإرسـالـيـة الـتّـبـشـيـريـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل :

وفي 1889، نـشــر الأب دوفـال  Duval  كـتـابـاً في بـاريـس عـن الإرسـالـيـة الـتّـبـشـيـريـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل : « La mission des Dominicains à Mossoul »:

 

الإرسالية الدومنيكية 2 (436x640)

 

يـذكـر فـيـه أنّـهـا كـانـت تـتـألـف مـن 18 أبـاً و 12 أخـتـاً مـن جـمـاعـة تـقـديـم الـعـذراء.

ويـذكـر الأب دوفـال في كـتـابـه أنّ الـمـوصـل : “عـلى ارتـفـاع حـوالي مـائـة وسـتّـة أمـتـار فـوق سـطـح الـبـحـر، يـسـكـنـهـا 57 ألـف سـاكـن مـنـهـم 48 ألف ومـائـتي مـسـلـم، وثـلاثـة آلاف يـهـودي، وسـتّـة آلاف و 500 مـسـيـحي : 2000 كـلـداني كـاثـولـيـكي، و 2000 سـريـاني كـاثـولـيـكي، و 250 كـلـداني “مـا زالـوا في الـضـلال، أي لـم يـعـتـنـقـوا الـكـاثـولـيـكـيـة”، ومـائـتي بـروتـسـتـانـتي، وخـمـسـيـن مـن مـذاهـب أخـرى”.

ونـفـهـم مـن هـذا الـمـقـطـع أنّ الآبـاء الـدّومـنـيـكـان كـانـوا قـد نـجـحـوا في إدخـال أعـداد كـبـيـرة مـن أهـل الـمـوصـل ومـا حـولـهـا في الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي مـنـذ وصـولـهـم عـام 1750.

ويـكـمـل الأب دوفـال : “والـطّـقـس في الـمـوصـل صـحي، وإن كـان حـارّاً، وتـرتـفـع درجـات الـحـرارة في الـصّـيـف إلى 45ْ أو  50ْ في الـظّـل”.

“وأهـل الـمـوصـل عـرب، يـتـكـلّـمـون الـعـربـيـة، مـع أنّ الـلـغـة الـرّسـمـيـة الّـتي يـتـكـلّـمـهـا مـوظـفـو الـولايـة هي الـلـغـة الـتّـركـيـة [وطـبـعـاً فـالـكـاتـب يـقـصـد بـهـا الـلـغـة الـعـثـمـانـيـة]. أمّـا في قـرى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة فـالـمـسـلـمـون والـيـزيـديـة يـتـكـلّـمـون الـكـرديـة، وهي مـن الـلـهـجـات الـفـارسـيـة، ويـتـكـلّـم الـمـسـيـحـيـون لـهـجـة سـريـانـيـة ــ كـلـدانـيـة”.

وكـانـت بـعـثـة الآبـاء الـدّومـنـيـكـان تـنـظّـم دروسـاً تـبـشـيـريـة وتـديـر مـدرسـة بـنـات ذكـر الأب دوفـال أنّـه كـان فـيـهـا 160 تـلـمـيـذة بـيـنـهـنّ 26  مـسـلـمـة. وتـضـمّ أربـعـة أقـسـام : ثـلاثـة لـلـكـاثـولـيـكـيـات وقـسـم لـلـمـسـلـمـات. وتـعـلّـم في كـلّ قـسـم أخـت مـبـشـرة مـعـهـا مـسـاعـدة مـعـلـمـة مـن أهـل الـبـلـد. وتـدرّس فـيـهـا الـلـغـة الـفـرنـسـيـة [إلى جـانـب الـمـواد الأخـرى]”.

وكـان فـيـهـا دار يـتـامى ذكـر الأب دوفـال أنّـهـا : “تـفـتـح أبـوابـهـا لـبـنـات الـفـقـراء وتـعـلـمـهــنّ طـرق الـحـيـاة الـمـسـيـحـيـة لـتـجـعـل مـنـهـنّ مـعـلّـمـات يـشـتـغـلـن إمّـا في مـدارس الـقـرى الّـتي جـئـن مـنـهـا أو مـسـاعـدات مـعـلّـمـات في مـدارس الأخـوات الـدّيـنـيـة”.

كـمـا كـان فـيـهـا قـاعـة لاسـتـقـبـال الـبـنـات يـتـعـلّـمـن فـيـهـا الأعـمـال الـيـدويـة والـقـراءة وأصـول الـدّيـن و”الـتّـاريـخ الـمـقـدّس”.

وقـاعـة لاسـتـقـبـال الأطـفـال، “مـلـجـأ” كـمـا يـسـمـيـهـا الأب دوفـال : “يـرتـادهـا مـائـة وخـمـس بـنـات و 66 ولـداً تـشـرف عـلـيـهـم أخـت مـبـشّـرة ومـسـاعـدتـا تـعـلـيـم، ويـمـارسـون فـيـهـا تـمـاريـن ريـاضـيـة ويـتـعـلـمـون الـقـراءة والـحـسـاب”. وهي “روضـة أطـفـال” يـقـضـون فـيـهـا ثـلاث أو أربـع سـنـوات قـبـل أن يـدخـلـوا في مـدرسـة الأخـوات الـمـبـشّـرات.

وكـان الآبـاء الـدّومـنـيـكـان يـديـرون مـسـتـوصـفـاً طـبـيّـاً سـألـخـص لـكـم قـصّـة تـأسـيـسـه :

أرسـلـت الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة الـبـارون لـوجـون  Le baron LEJEUNE إلى بـلاد الـفـرس في أوائـل خـمـسـيـنـيـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وقـد أصـيـب في سـفـرتـه بـمـرض أنـهـكـه ومـات مـنـه بـعـد عـودتـه إلى بـاريـس. وقـررت والـدة الـبـارون أن تـشـيّـد في ذكـرى ابـنـهـا الـفـقـيـد مـسـتـوصـفـاً طـبـيـاً لـلـمـسـافـريـن إلى الـشّـرق. وقـد اخـتـارت قـبـل وفـاتـهـا سـنـة 1874 أن يـشـيّـد في الـمـوصـل، وأسـمى بـمـسـتـوصـف لـوجـون.

وفي 1902 أصـدر الآبـاء الـدّومـنـيـكـان مـجـلـة ديـنـيـة : “إكـلـيـل الـورود”. وقـد اهـتـمّـت بـأخـبـار الإخـتـراعـات الـحـديـثـة وتـعـريـف الـقـرّاء بـهـا.

ونـشـرت مـطـبـعـة الـدّومـنـيـكـان في الـمـوصـل عـام 1903 كـتـاب “جـمـع مـخـتـارات مـن الآداب الـفـرنـسـيـة”، وكـتـاب الأب شـفـالـيـه الـدّومـيـنـيـكي “الـمـطـالـعـات لـلـنّـصـوص الـفـرنـسـيـة “.

وبـعـد تـفـكـك الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة عـقـب انـتـهـاء الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى ودخـول الـعـراق تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني إزدهـرت الارسـالـيـات مـن جـديـد. واسـتـمـرّت نـشـاطـات الـدّومـنـيـكـان في الـعـراق إلى أن أغـلـقـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة حـلـقـتـهـم الـدّيـنـيـة في 1976 وغـادروا الـبـلـد.

أرشـيـفـات الـصّـور في ديـر الـدّومـنـيـكـان في الـمـوصـل :

تـحـتـوي هـذه الأرشـيـفـات عـلى 76 ألـبـومـاً بـقي مـنـهـا في أيّـامـنـا هـذه حـوالي 8800 صـورة الـتـقـطـت أقـدم صـورة مـنـهـا، وهي صـورة لـلأب بـيـسـون، في أربـعـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

وقـد جـمـع الآبـاء الـدّومـنـيـكـان أوّل ألـبـومـاتـهـم عـام 1900، والّـذي يـحـتـوي في بـدايـتـه عـلى صـور ديـرهـم وكـنـيـسـتـهـم :

Dominicains Mosul 3

وصـور الـمـوصـل مـثـل “جـسـر الـمـوصـل” :

جسر الموصل ÷÷أو “جـسـر الـقـوارب والـمـديـنـة” :

موصلأو “جـسـر الـقـوارب ونـيـنـوى” :

الموصل

وأسـوارهـا (مـثـل الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال)، ومـعـالـمـهـا الّـتي الـتـقـطـت في سـبـعـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وثـمـانـيـنـاتـه.

ثـمّ تـحـوّلـت الـصّـور شـيـئـاً فـشـيـئـاً إلى مـشـاهـد الـتـقـطـهـا الآبـاء الـفـرنـسـيـون لـمـا كـان غـريـبـاً عـلـيـهـم مـن أنـواع الـنّـاس ومـلابـسـهـم وعـاداتـهـم الإجـتـمـاعـيـة، عـلى طـريـقـة مـا كـان يـفـعـلـه الـرّسـامـون الـمـسـتـشـرقـون، مـثـل صـور الـفـقـراء بـمـلابـسـهـم الـرّثـة أو الـشّـحـاذيـن الّـذيـن يـقـرعـون عـلى أبـوابـهـم مـتـسـولـيـن أو “الـنـهـابـيـن الـسّـلابـيـن” عـلى ضـفـة الـنّـهـر.

ولـديـنـا صـور عـن بـاعـة عـلى قـارعـة الـطّـريـق :

Mission Dominicaine

وعـن غـسّـالات الـثّـيـاب عـلى ضـفـة دجـلـة :

الموصل 2

وعـن بـئـر في الـبـرّيـة :

Dominicains 5

وعـن أكـلاك دجـلـة :

Dominicains 18

وعـن طـحـن الـقـمـح في مـار يـعـقـوب :

Dominicains 12

وعـن شـيـخـيـن مـن الـيـزيـديـة :

Dominicains 20

ومـع أنـنـا لا نـعـرف أسـمـاء أغـلـب الّـذيـن الـتـقـطـوا هـذه الـصّـور فـإنّ بـعـضـهـا يـحـمـل أسـمـاء مـصـوريـهـا وبـهـذا يـمـكـن تـرتـيـبـهـا زمـنـيـاً وإلى مـا بـعـد مـنـتـصـف الـقـرن الـعـشـريـن.

ويـبـدو أنّ نـعّـوم الـصّـائـغ، تـعـلّـم فـنّ الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي عـنـد الآبـاء الـدّومـنـيـكـان قـبـل أن يـصـبـح أحـد رواد هـذا الـفـنّ في الـعـراق.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1)   أذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ بـول إمـيـل بـوتـا بـدأ يـنـقّـب في قـويـنـجـق، عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـمـوصـل عـام 1942 بـحـثـاً عـن آثـار نـيـنـوى الـقـديـمـة، ثـمّ تـرك قـويـنـجـق عـام  1843 ونـقـل تـنـقـيـبـاتـه إلى قـريـة خـورسـبـاد الّـتي اكـتـشـف فـيـهـا آثـار “دور شـروكـيـن” : قـصـرالـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني الّـذي يـعـود تـاريـخـه إلى الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد. وهـكـذا “اكـتـشــف” بـوتـا الـحـضـارة الآشـوريـة الّـتي كـانـت قـد ضاعـت في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ ســقـوط  “الـدّولـة الآشـوريـة الـحـديـثـة” قـبـل خـمـسـة وعـشـريـن قـرنـاً.

 

مـلـحـق (1)

وصـف فـرا ريـكـولـدو لـلـمـوصـل وعـلاقـاتـه بـالـنّـسـاطـرة والـيـعـاقـبـة :

كـتـب فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي  Fra Ricoldo Pennini da Montecroce  الّـذي كـان قـد وصـل إلى الـمـوصـل عـام 1290 سـرد رحـلاتـه بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة، بـعـنـوان :  Itinerarium أو Liber peregrinationis . وهـو نـصّ قـصـيـر لا يـتـجـاوز 79 صـفـحـة.

وفي مـا يـلي وصـفـه لـلـمـوصـل. ويـتـكـلّـم فـيـه عـن عـلاقـاتـه بـالـنّـسـاطـرة والـيـعـاقـبـة. وقـد تـرجـمـت لـكـم الـمـقـطـع (ص. 38 ومـا بـعـدهـا) مـن الـنّـصّ الأصـلي :

“مـن بـلاد الأكـراد Curtes سـرنـا مـسـافـة طـويـلـة،  ووصـلـنـا إلى نـيـنـوى  الـمـديـنـة الـكـبـيـرة الّـتي أرسـل إلـيـهـا يـونـس الـنّـبي والـمـبـشّـر، كـمـا ذكـر ذلـك الـكـتـاب الـمـقـدّس. وهي مـديـنـة عـظـيـمـة واسـعـة الإمـتـداد، تـقـع عـلى دجـلـة، أحـد أنـهـار الـجـنّـة [تـعـتـبـر الـتّـوراة دجـلـة والـفـرات مـن أنـهـار الـجـنّـة الأربـعـة]. وهـنـاك رأيـنـا الـتّـل الّـذي عـاش وبـشّـر عـلـيـه يـونـس، والـنّـبـع الّـذي كـان يـشـرب مـنـه ومـا زال يـدعى بـنـبـع يـونـس حـتّى الآن. وكـانـت مـديـنـة نـيـنـوى هـذه قـد خـرّبـت بـكـامـلـهـا، ومـع ذلـك مـا زلـنـا نـرى بـعـض أسـوارهـا الّـتي بـقـيـت. وقـد أعـيـد تـشـيـيـدهـا بـعـد ذلـك عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـنّـهـر، وتـسـمى في أيّـامـنـا هـذه : الـمـوصـل  Monsal. ومـلـوك الـمـديـنـة مـسـيـحـيـون، مـن الـنّـسـاطـرة الـمـنـشـقّـيـن عـلى ديـن الـمـسـيـح. وقـد انـصـتـوا بـاهـتـمـام شـديـد إلى وعـظـنـا وتـفـصـيـلـنـا في الـكـلام عـن عـقـيـدتـنـا، ولـكـنّـهـم رفـضـوا اعـتـنـاق مـذهـبـنـا الـكـاثـولـيـكي، وظـلّـوا في جـهـلـهـم يـرتـعـون.

وفي هـذه الـمـديـنـة كـثـيـر مـن الـيـهـود، وقـد نـاقـشـنـاهـم في مـعـبـدهـم، وفـنّـدنـا آراءهـم وأفـحـمـنـاهـم  في مـنـاقـشـات أمـام الـنّـاس الّـذيـن جـاءوا يـسـتـمـعـون إلـيـنـا.

وقـرب مـديـنـة نـيـنـوى الّـتي تـسـمى الآن الـمـوصـل عـلى نـهـر دجـلـة ديـر مـشـهـور عـالي الـمـقـام يـدعى بـديـر الـقـديـس مـتـاي (مـار مـتى) وفـيـه مـركـز كـنـيـسـة بـطـريـك الـيـعـاقـبـة. والـيـعـاقـبـة في الـشّـرق عـلى مـذهـب مـنـشـقّ عـلى الـدّيـن يـخـطئ في كـثـيـر مـن الإعـتـقـادات. وهـم لا يـتـبـعـون كـنـيـسـة رومـا. ويـدّعـون أنّ في هـذا الـدّيـر 300 راهـب. ووجـدنـاهـم شـديـدي الـزّهـد يـقـيـمـون كـثـيـراً مـن الـصّـلـوات الـطّـويـلـة. وقـدّاسـهـم بـطئ يـدوم وقـتـاً طـويـلاً، يـظّـلـون فـيـه واقـفـيـن، لا يـريـد أحـد مـنـهـم خـلالـه أن يـجـلـس.

وهـم كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا خـارجـون عـلى الـدّيـن مـنـشـقـون، يـؤمـنـون بـأنّ الـمـسـيـح لـيـس لـه إلّا جـوهـر واحـد وطـبـيـعـة ومـشـيـئـة كـلّـهـا إلـهـيـة. وهـذا ضـلال لا يـوافـق عـقـيـدتـنـا الـكـاثـولـيـكـيـة، لأنّ لـلـمـسـيـح إلى جـانـب جـوهـره وطـبـيـعـتـه الإلـهـيـة طـبـيـعـة ومـشـيـئـة بـشـريـة. وتـنـصّ عـقـيـدتـنـا عـلى أن الـمـسـيـح إلـه حـق وفي نـفـس الـوقـت إنـسـان حـقـيـقي … [ثـمّ يـسـتـمـرّ في ذكـر الـفـروق بـيـن مـعـتـقـداتـهـم وأعـمـال عـدّة صـفـحـات]. (ص. 38 ومـا بـعـدهـا).

مـلـحـق (2)

إلـتـقـط “الأخ” رفـائـيـل الـنّـيـنـوي  Frère Raphaël (de Ninive) عـام 1904 صـوراً نـشـرتـهـا “الإرسـالـيـة الـكـبـوشـيـة في أرمـيـنـيـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” في ألـبـوم وضـعـت في آخـره صـورتـيـن لـبـعـض وسـائـل نـقـل ذلـك الـزّمـان. وقـد طـبـعـت الـصّـورتـان أيـضـاً كـبـطـاقـتـيـن بـريـديـتـيـن.

واحـدة لـلـتّـخـتـروان  Takhtarouan، وذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة أنّـه : وسـيـلـة نـقـل شـائـعـة لـلـسّـفـر في أنـحـاء بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

والـثّـانـيـة لـلـمـحـفّـة  Mahhaffa، وذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة أنّـهـا : نـوع مـن الـسّـلال تـثـبّـت عـلى ظـهـر بـغـل تـسـتـعـمـل لـلـسّـفـر في أنـحـاء بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

كـمـا وجـدت لـكـم بـطـاقـة بـريـديـة طـبـعـهـا الـكـبـوشـيـون ذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـبـهـا أنـهـا تـصـور : رعـاة غـنـم أكـراد في “صـحـراء: بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

Capucins 2

 

عـنـدمـا كـانـت الـرّطـبـة حـصـنـاً في وسـط الـصّـحـراء

rutba-6

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

في وسـط الـصّـحـراء الـعـراقـيـة ــ الـسّـوريـة، حـفـرت آبـار كـان يـسـتـقي مـنـهـا الـبـدو الـرّحـل، تـحـيـطـهـا تـلال في وسـطـهـا وادٍ جـاف. ودعـيـت الآبـار بـالـرّطـبـة، ثـمّ تـحـوّل الإسـم إلى “الـرُّطـبـة”. وصـارت طـرق الـقـوافـل تـمـرّ بـهـا وتـتـقـاطـع عـنـدهـا.

حـصـن الـرُّطـبـة :

وخـلال فـتـرة الإنـتـداب الـبـريـطـاني عـلى الـعـراق أدرك الـبـريـطـانـيـون أهـمـيـة مـوقـع آبـار الـرّطـبـة : Rutbah Wells  كـمـا كـانـوا يـسـمـونـهـا آنـذاك، وأنـشـأوا فـيـه قـاعـدة جـوّيـة ومـطـاراً عـسـكـريـاً فـيـه مـحـطـة إذاعـة لـلـمـراسـلات الـعـسـكـريـة. كـمـا كـانـت طـائـرات الـخـطـوط الـجـوّيـة لـلإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة The Imperial Airways  تـتـوقّـف فـيـه في طـريـقـهـا إلى الـهـنـد.

وفي عـام 1927 شـيّـدوا فـيـه حـصـنـاً : Rutbah Fort، بـنـايـة مـربـعـة واسـعـة لـيـس لـجـدرانـهـا نـوافـذ تـنـفـتـح عـلى الـخـارج. في زوايـهـا الأربـع أربـعـة أبـراج. وألـصـق بـأحـد أضـلاعـهـا بـنـاء مـثـلـث زاويـتـه الـمـدبـبـة مـوجـهـة نـحـو الـخـارج لـيـقـاوم ريـاح الـفـيـفـاء ورمـالـهـا.

سـيّـارات نـيـرن والـرّطـبـة :

ذكـرنـا في مـقـال سـابـق (1) كـيـف اسـتـطـاع الأخـوان نـورمـان وجـيـرالـد نـيـرن Norman and Gerald Nairn (وأصـلـهـمـا مـن نـيـوزيـلـنـدة) تـوقـيـع عـقـد مـع الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق وفـلـسـطـيـن، ومـع الـسّـلـطـات الـفـرنـسـيـة في سـوريـا لـنـقـل الـبـريـد بـيـن حـيـفـا وبـغـداد. وتـعـهـدّا بـإيـصـالـه بـمـدّة لا تـتـجـاوز الـيـومـيـن والـنّـصـف. وبـدأت أولى سـفـرات الـشّـركـة الّـتي أسـسـاهـا لـذلـك في نـهـايـة عـام 1923.

وبـعـد أن حـالـفـهـمـا الـنّـجـاح في مـهـمـتـهـمـا، وسّـعـا أعـمـال شـركـتـهـمـا لـتـشـمـل نـقـل الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع، واشـتـريـا بـاصـات كـاديـلاك تـتـسـع لـنـقـل سـبـعـة مـن الـرّكّـاب إلى جـانـب خـزّان مـاء واحـتـيـاطي وقـود، صـمـمـت خـصـيـصـاً لـقـطـع مـسـافـات طـويـلـة عـبـر الـبـراري الـقـاحـلـة.

وكـانـت الـبـاصـات تـسـيـر مـجـتـمـعـة، ثـلاثـة مـعـاً في الـغـالـب يـصـاحـبـهـا دلـيـل مـن الـبـدو يـتـبـع آثـار الـطّـريـق. وكـانـت الـطّـريـق إلى بـغـداد تـعـبـر الـفـرات في الـفـلـوجـة.

ثـمّ بـدأت الـشّـركـة بـاسـتـخـدام بـاصـات كـبـيـرة تـوفّـر بـعـض وسـائـل الـرّاحـة لـلـمـسـافـريـن، وزودت بـعـجـلات مـن نـوع جـديـد تـتـحـمـل قـسـاوة الـجـو وسـوء حـالـة الـطّـريـق.

وعـنـدمـا تـدهـورت الـحـالـة الأمـنـيـة عـلى هـذه الـطّـريـق، حـوّلـت الـشّـركـة مـسـيـر سـيّـاراتـهـا إلى الـطّـريـق الـجـنـوبـيـة مـن حـيـفـا إلى الـقـدس فـعـمـان ثـمّ الـرّطـبـة وبـغـداد.

وقـد سـمـحـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـسـيّـارات الأخـوَيـن نـيـرن بـالـتّـوقّـف بـالـرّطـبـة لـلـتّـزود بـالـوقـود، واسـتـعـمـال الـحـصـن لـلإسـتـراحـة بـيـن مـراحـل الـسّـفـرات.

وفـتـح الأخـوان نـيـرن في الـحـصـن نـزل اسـتـراحـة عـرف بـاسـم                   The Rutba Rest House، يـسـتـطـيـع الـمـسـافـرون فـيـه تـنـاول وجـبـات طـعـام عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة وقـضـاء الـلـيـل في أسـرّة مـريـحـة.

وكـانـت سـيّـارات نـيـرن تـقـطـع الـمـسـافـة بـيـن دمـشـق وبـغـداد (843 كـلـم.) بـأربـع وعـشـريـن سـاعـة. ولـم تـكـن تـتـوقّـف إلّا مـرّتـيـن : في الـرّطـبـة في حـوالي مـنـتـصـف الـطّـريـق، ثـمّ في الـرّمـادي. ولـم يـكـن عـلى الـحـدود مـخـفـر تـفـتـيـش ولا جـمـارك، وإنّـمـا كـانـت الـجـمـارك في الـرّمـادي.

وبـعـد اكـتـشـاف الـبـريـطـانـيـيـن لـلـنّـفـط الـعـراقي واسـتـخـراجـه في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن، مـرّت بـالـرّطـبـة أنـابـيـب نـفـط الـمـوصـل ــ حـيـفـا.

فـريـا م. سـتـارك في الـرّطـبـة :

إخـتـرقـت الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة فـريـا مـادلـيـن سـتـارك Freya Madeline STARK بـاديـة الـشّـام مـن دمـشـق إلى بـغـداد عـام 1929، وذكـرت في رسـالـة كـتـبـتـهـا إلى أخـتـهـا فـيـفـا Viva  في 26 تـشـريـن الأوّل 1929 :

“وصـلـنـا الـرّطـبـة عـلى ضـوء الـنّـجـوم، ورأيـنـا نـوراً يـشـع مـن بـعـيـد مـن فـوق الـجـدران الّـتي لـيـس لـهـا نـوافـذ ـ أربـعـة أبـراج وبـوابـة وشـرطي مـن أبـنـاء الـعـشـائـر بـوجـهـه الـعـربي الـوحـشي وبـنـجـمـة عـلى جـبـيـنـه، يـرتـدي مـعـطـفـاً أحـمـر طـويـلاً وبـيـده بـنـدقـيـة، يـنـتـصـب أمـام الـبـوابـة الـمـوصـدة.

11745858_495278620640042_2795898238070758125_n

وكـان هـذا الـمـكـان يـبـدو شـبـيـهـاً بـذلـك الّـذي أخـرجـه الـجـنّي مـن الـعـدم عـنـدمـا فـرك الـمـصـبـاح [الـسّـحـري].

وجـاء الـعـشـاء بـعـد ذلـك : سـمـك سـالـمـون ومـايـونـيـز وكـسـتـر وجـلي. ووجـدنـا عـلى الـجـدران أخـبـاراً وإعـلانـات عـن نـادي الـغـولـف في الـمـنـطـقـة، وسـمـعـنـا الـضّـبـاط الإنـكـلـيـز يـثـرثـرون عـن مـشـتـريـاتـهـم أو عـن صـيـدهـم ومـا إلى ذلـك، ويـبـدون لـطـفـاء مـقـارنـة بـالـضّـبـاط الـفـرنـسـيـيـن في سـوريـا.

وفي الـسّـاعـة الـواحـدة، فـتـحـت لـنـا الـبـوابـة، وسـرعـان مـا اخـتـفـت أضـواء الـرّطـبـة وراءنـا. ووصـلـنـا الـرّمـادي في الـثّـامـنـة [صـبـاحـاً] ومـررنـا بـالـجـمـارك. وبـعـد مـسـيـرة ثـلاث سـاعـات أخـرى أبـصـرنـا دجـلـة في الـثّـانـيـة [بـعـد الـظّـهـر]، ثـمّ اهـتـزّ تـحـتـنـا جـسـر الـقـوارب الـعـائـم في بـغـداد”. (2)

ولـديـنـا عـدد مـن الـصّـور تـنـتـمي إلى مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون E. Matson، الـتـقـطـت عـام 1932. وهي مـحـفـوظـة الآن في مـكـتـبـة الـكـونـغـرس الأمـريـكي. (3)

matson-rt-1

rutba-2

rutba

matson-rt-2

rutba-4

 

matson-rt-4

matson-rt-3

 

هـنـري مـورتـون في الـرّطـبـة :

وبـعـد 22 عـامـاً عـلى مـرور فـريـا سـتـارك بـالـرّطـبـة مـرّ بـهـا الـكـاتـب الـبـريـطـانـي هـنـري ف. مـورتـون Henry V. Morton. ووصـف الـلـيـلـة الّـتي قـضـاهـا فـيـهـا في كـتـابـه : “الـشّـرق الأوسـط  Middle East”  الّـذي نـشـر في لـنـدن عـام 1941 :

“رأيـت الـعـلـم الـعـراقي [عـنـدمـا وصـلـنـا] يـرفـرف فـوق الـبـوابـة، وصـاريـة الـلاسـلـكي تـرتـفـع نـحـو الـسّـمـاء مـن أحـد أبـراج الـحـصـن […] بـيـنـمـا كـان خـفـيـر مـسـلّـح بـزي رسـمي أزرق يـسـيـر أمـامـه جـيـئـة وذهـابـاً”.

“وكـان الـحـوش في الـدّاخـل مـدهـشـاً بـضـجـيـجـه وصـخـبـه مـقـارنـة بـالـصّـحـراء الـسـاكـنـة حـولـه”. “وانـفـتـح بـاب خـرج مـنـه رجـل قـصـيـر الـقـامـة يـرتـدي سـتـرة بـيـضـاء وسـألـني بـالإنـكـلـيـزيـة  : “هـل تـودّ أن تـغـتـسـل وتـمـشـط شـعـرك يـا سـيـدي ؟ لـديـنـا مـاء سـاخـن”. وتـبـعـتـه إلى غـرفـة نـصـبـت فـيـهـا حـوالي عـشـريـن مـغـسـلـة أعـدّت لـلـمـسـافـريـن. وكـان بـجـانـب كـلّ واحـدة مـنـهـا إنـاء مـعـدني مـطـلّي بـالـمـيـنـا مـلئ بـالـمـاء الـسّـاخـن وفـوقـه مـنـشـفـة نـظـيـفـة لـفّـت بـعـنـايـة. وكـان هـنـاك صـابـون إنـكـلـيـزي وأعـداد مـن الأمـشـاط وفـرشـات الـشّـعـر الـنـظـيـفـة”.

“ورأيـت لافـتـة كـتـب عـلـيـهـا “غـرفـة اسـتـراحـة”. فـتـحـت الـبـاب ورأيـت مـشـهـداً مـدهـشـاً حـقّـاً، كـان في الـغـرفـة أعـداد مـن طّـاولات الـخـيـزران الـصّـغـيـرة، وجـلـس رجـال ونـسـاء في مـقـاعـد مـن الـخـيـزران حـول مـدفـأة. وكـان أغـلـبـهـم مـن الإنـكـلـيـز، يـدخـن بـعـضـهـم سـجـائـر ويـرتـشـف آخـرون أكـواب شـاي. وغـامـرت بـالـجـلـوس بـجـانـب انـكـلـيـزيـة كـانـت تـرتـدي الـتّـويـد وتـقـرأ مـجـلّـة إنـكـلـيـزيـة”.

“كـان هـذا نـزل الإسـتـراحـة الّـذي فـتـحـتـه شـركـة نـيـرن لـزبـائـنـهـا في طـريـقـهـم مـن الـشّـرق إلى الـغـرب أو مـن الـغـرب إلى الـشّـرق، وكـانـت هـذه الـغـرفـة تـفـضي إلى غـرفـة طـعـام صـغـيـرة : كـانـت الـشّـراشـف الّـتي تـغـطـيـهـا واسـعـة تـنـزل حـتّى مـسـتـوى الأرضـيـة تـقـريـبـاً. ووضـعـت الـسّـكـاكـيـن والـشّـوكـات بـعـنـايـة شـديـدة …”.  (4)

rutba-1941

(صـورة لـحـصـن الـرّطـبـة الـتـقـطـت عـام 1941)

وفي الـثّـاني مـن أيّـار مـن ذلـك الـعـام، 1941، دخـلـت الـقـوات الـعـراقـيـة الـمـوالـيـة لـرشـيـد عـالي الـكـيـلاني الـحـصـن وسـيـطـرت عـلـيـه فـقـصـفـتـه طـائـرات الـقـوات الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة .R.A.F وفي الـعـاشـر مـن أيّـار أعـادت الـقـوات الـمـوالـيـة لـلـبـريـطـانـيـيـن احـتـلالـه.

وقـد اسـتـمـرت سـيّـارات نـيـرن تـتـوقـف في حـصـن الـرّطـبـة لـيـتـنـاول الـمـسـافـرون وجـبـة عـشـاء أوربـيـة في الـ Rutba Rest House ، ولـيـقـضـوا فـيـه لـيـلـة مـريـحـة حـتّى عـام 1956 عـنـدمـا أوقـفـت الـشّـركـة أسـفـارهـا بـيـن دمـشـق وبـغـداد.

وبـقي الـحـصـن مـنـتـصـبـاً إلى أن خـرّب في 1990/ 1991. وقـد احـتـلّـتـه الـقـوات الأمـريـكـيـة بـعـد غـزو عـام 2003، قـبـل أن يُـسـلّـم إلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 2010.

ــــــــــــــــــــــ

(1)  أنـظـر مـقـالي : “عـنـدمـا كـانـت سـيّـارات نـيـرن تـنـقـل الـمـسـافـريـن عـبـر الـبـاديـة ”  https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/05/19/%D8%B9%D9%80%D9%86%D9%80%D8%AF%D9%85%D9%80%D8%A7-%D9%83%D9%80%D8%A7%D9%86%D9%80%D8%AA-%D8%B3%D9%80%D9%8A%D9%91%D9%80%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D9%80%D9%8A%D9%80%D8%B1%D9%86-%D8%AA%D9%80%D9%86/

(2)  أنـظـر مـقـالي : “فـريـا مـادلـيـن سـتـارك والـعـراق”  https://sabahalnassery.wordpress.com/2015/04/14/%D9%81%D9%80%D8%B1%D9%8A%D9%80%D8%A7-%D9%85%D9%80%D8%A7%D8%AF%D9%84%D9%80%D9%8A%D9%80%D9%86-%D8%B3%D9%80%D9%80%D8%AA%D9%80%D8%A7%D8%B1%D9%83-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B9%D9%80%D8%B1%D8%A7%D9%82/

(3) أنـطـر مـقـالي : “صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون”   https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/06/30/%D8%B5%D9%80%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B9%D9%80%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%80%D8%AC%D9%80%D9%85%D9%80%D9%88%D8%B9%D9%80%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%8A%D9%80%D9%83-%D9%85%D9%80%D8%A7/

(4)  Henry Vollam MORTON, Middle East : a record of travel in the countries of Egypte, Palestine, Iraq, Turkey and Greece , London 1941.

 

 

رابـنـدرانـاث طـاغـور في بـغـداد

2%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كـان شـاعـر الـهـنـد الـكـبـيـر رابـنـدرانـاث طـاغـور  রবীন্দ্রনাথ ঠাকুর   أوّل أديـب شـرقي حـصـل عـلى جـائـزة نـوبـل لـلآداب في 1913 تـقـديـراً لأعـمـالـه الـقـصـصـيـة والـشّـعـريـة  الّـتي كـتـبـهـا بـالـلـغـتـيـن الـبـنـغـالـيـة والإنـكـلـيـزيـة، واحـتـلـت مـكـانـتـهـا الّـتي تـسـتـحـقـهـا في الأدب الـعـالـمي.

وفي عـام 1932، دعـاه الـشّـاه الـفـارسي مـحـمـد رضـا لـزيـارة إيـران. وأراد مـلـك الـعـراق فـيـصـل الأوّل أن يـكـرم طـاغـور هـو الآخـر، فـبـعـث لـه بـدعـوة لـزيـارة الـعـراق.

وقـد تـوجـه عـدد مـن كـبـار الـمـوظـفـيـن والأدبـاء والـمـثـقّـفـيـن الـعـراقـيـيـن، وعـلى رأسـهـم الـشّـاعـر جـمـيـل صـدقي الـزّهـاوي إلى خـانـقـيـن لاسـتـقـبـال طـاغـور، الّـذي كـان قـد تـجـاوز الـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، وعـادوا بـه بـالـقـطـار إلى بـغـداد في 19 أيّـار.

%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1

وكـان بـصـحـبـة أديـب الـهـنـد زوجـة ابـنـه، الـسّـيـدة بـراتـيـمـا ديـفي  Pratima Devi، والـشّـاعـر الـبـنـغـالي آمـيـا شـكـرافـارتي Amiya Chakravarti، وكـدرنـاث شـاتـيـرجي  Kedarnath Chatterjee.

وصـاحـبـت لـجـنـة الإسـتـقـبـال طـاغـور إلى بـغـداد بـالـقـطـار. وكـان في اسـتـقـبـالـه في الـمـحـطّـة عـدد مـن الـمـسـؤولـيـن ووجـهـاء الـمـديـنـة ومـثـقـفـيـهـا، مـن بـيـنـهـم  وزيـر الـدّفـاع جـعـفـر بـاشـا الـعـسـكـري والـسّـيّـد مـحـمّـد الـصّـدر والـعـلّامـة مـحـمّـد بـهـجـة الأثـري والـشّـاعـر مـعـروف الـرّصـافي والـصّـحـفي نـوري ثـابـت …

tagore-2

وقـد أخـتـيـر لإقـامـة طـاغـور في بـغـداد فـنـدق Tigris Palace في شـارع الـرّشـيـد والّـذي تـطـلّ خـلـفـيـتـه عـلى نـهـر دجـلـة.

وتـوجـه شـاعـر الـهـنـد الـكـبـيـر إلى الـقـصـر الـمـلـكي الّـذي اسـتـقـبـلـه فـيـه الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وكـبـار رجـال الـدّولـة، وعـلى رأسـهـم رئـيـس الـوزراء نـوري الـسّـعـيـد.

%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af

وقـد أعـجـب طـاغـور بـالـمـلـك فـيـصـل ووجـده مـتـواضـعـاً يـحـبّ الـبـسـاطـة في حـيـاتـه، كـمـا وجـده  واسـع الـمـعـرفـة مـغـرمـاً بـالـشّـعـر.

وفي الـمـسـاء، أقـام الـمـلـك ولـيـمـة احـتـفـاءً بـه. وقـد ألـقى طـاغـور خـلالـهـا قـصـيـدة كـان قـد نـظـمـهـا بـالـبـنـغـالـيـة لـهـذه الـمـنـاسـبـة :

« Abasan Holo Rati

Nibaiya Phelo Kalima-Molin

Gharer Koner Bati

Nikhiler Alo Purba Akashe

Jwalilo Punyadine

Eksathe Jara Chalibe Tahara

Sakalere Nik Chine ».

وتـبـعـهـا بـتـرجـمـتـهـا الإنـكـلـيـزيـة :

« The night has ended

Put out the light of the lamp

of thine own narrow corner

smudged with smoke

The great morning which is for all

appears in the East

Let its light reveal us

to each other

who walk on

the same

path of pilgrimage ».

وقـد تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة :

“مـضى الـلـيـل. أطـفئ نـور مـصـبـاحـك في زاويـتـك الـضّـيـقـة الـمـظـلـمـة، الّـتي سـخـمـهـا الـدّخـان، فـقـد انـبـثـق الـفـجـر في الـشّـرق … لـيـبـصـر كـلّ واحـد مـنّـا في ضـوئـه بـالآخـريـن  … بـكـلّ مـن يـسـيـرون عـلى نـفـس هـذا الـدّرب نـحـو الـمـكـان الـمـقـدّس ..

وعـنـدمـا تـغـدّى طـاغـور في الـغـد مـع الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، تـكـلّـم لـه عـن رغـبـتـه في زيـارة الـبـدو، فـأعـدّ لـه الـمـلـك سـفـرة إلى مـضـارب عـشـيـرة أعـراب على بـعـد حـوالي 25 كـلـم. عـن بـغـداد.

tagore-15-277x191

واسـتـقـبـلـه شـيـخـهـا تـحـت خـيـمـة واسـعـة ودعـاه لـتـنـاول الـهـبـيـط (وهـو نـوع مـن الـثّـريـد يـغـطّى خـبـزه بـالـرّز ولـحـم الـخـرفـان) مـعـهـم.

tagore-5

وزار طـاغـور مـعـالـم بـغـداد وذهـب إلى الـمـتـحـف الـعـراقي الّـذي كـان يـديـره في ذلـك الـحـيـن عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان Julius Jordan. وكـانـت دهـشـتـه كـبـيـرة لاكـتـشـاف كـلّ الـكـنـوز الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا الـمـتـحـف.

وقـد دعي طـاغـور خـلال أيّـام إقـامـتـه في بـغـداد إلى عـدد مـن الـمـحـافـل الّـتي أقـامـهـا لـه أدبـاء الـعـراق وصـحـفـيـوه ومـثـقـفـوه.

فـقـد أقـيـمـت لـه مـسـاء الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن أيّـار حـفـلـة في حـديـقـة أمـانـة الـعـاصـمـة حـضـرهـا رجـال الـدّولـة وعـلى رأسـهـم نـوري الـسّـعـيـد وعـدد مـن الـمـوظـفـيـن الأجـانـب. وفـيـهـا وأنـشـد مـعـروف الـرّصـافي قـصـيـدتـه “الـحـقـيـقـة الـمـطـلـقـة”، ومـطـلـعـهـا :

مـا لـلـحـقـيـقـةِ مـن بـدايـة          كـلّا، ولـيـس لـهـا نـهـايـة

%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b5%d8%a7%d9%81%d9%8a

وقـرأ الـزّهـاوي قـصـيـدة مـطـلـعـهـا :

كـنـتَ طـاغـور مـاثـلاً في خـيـالي        حـيـثـمـا الـتـفـتَّ أجـدكَ حـيـالي

وقـد شـبّـه طـاغـور بـعـد ذلـك صـوت الـزّهـاوي بـأمـواج بـحـر ثـائـر تـتـلاطـم. كـمـا ألـقى مـحـمّـد بـهـجـة الأثـري قـصـيـدة هـو الآخـر، أشـار فـيـهـا إلى الـوضـع الـسّـيـاسي الـمـتـوتـر مـنـذ تـوقـيـع الـحـكـومـة الـعـراقـيـة لـمـعـاهـدة 1930 مـع بـريـطـانـيـا. وكـان مـطـلـع قـصـيـدتـه :

بـسـمـتَ لـبـغـداد و بـغـداد ثـاكـلـة         فـلـم تـرَ إلّا أن تـهـشّ مـجـامـلـة

واسـتـمـع الـحـاضـرون إلى طـاغـور يـقـرأ أشـعـاره بـالـبـنـغـالـيـة، ويـتـبـعـهـا بـتـرجـمـتـهـا  الإنـكـلـيـزيـة. ثـمّ تـتـرجـم لـه إلى الـعـربـيـة.

وفي مـسـاء الـيـوم الـتّـالي نـظّـم نـادي الـمـعـلـمـيـن حـفـلـة عـشـاء تـكـريـمـاً لـطـاغـور أقـيـمـت في إحـدى قـاعـات فـنـدق  Tigris Palace  الّـذي كـان يـقـيـم فـيـه شـاعـر الـهـنـد. وبـعـد أن تـتـالـت الـخـطـب والـقـصـائـد في تـكـريـم الـضّـيـف، شـكـر طـاغـور الـحـاضـريـن وفـصّـل لـهـم الـكـلام عـن مـفـهـومـه لـلـتّـعـلـيـم.

ودعـاه وزيـر الـمـعـارف عـبـد الـحـسـيـن الـجـلـبي إلى حـفـل عـشـاء ألـقى فـيـه طـاغـور مـحـاضـرة عـن الـتّـعـلـيـم  الـحـرّ.

وقـد تـطـرّق طـاغـور في أحـد هـذه الـلـقـاءات إلى صـراع الـهـنـدوسـيـيـن والـمـسـلـمـيـن في الـهـنـد، ورجى ضـيـوفـه أن يـطـرحـوا الـمـشـكـلـة مـن رؤيـة روحـانـيـة مـثـالـيـة لـيـسـاعـدوا بـلـده الـهـنـد عـلى أن لا يـنـجـرف نـحـو تـعـصـبـات طـائـفـيـة ضـيّـقـة، وأن يـتـجـاوزهـا لـلـوصـول إلى اتـحـاد كـلّ الـهـنـود واسـتـقـلالـهـم الـكـامـل.

ولاهـتـمـام طـاغـور بـالـتّـعـلـيـم، وبـطـرق الـتّـدريـس ومـنـاهـجـه، فـقـد زار دار الـمـعـلـمـات في بـغـداد. وبـعـد أن تـعـرّف عـلى مـا كـان يـدرّس في الـمـدارس، وخـاصـة لـلـبـنـات، وتـحـاور مـع الـحـاضـريـن، ألـقى، تـلـبـيـة لـطـلـبـاتـهـم، بـعـضـاً مـن شـعـره.

ويـقـال إنّ طـاغـور ذهـب مـع أدبـاء عـراقـيـيـن إلى مـقـهى الـزّهـاوي، وإنّـه شـرب فـيـه”الـحـامـض”.

وأقـيـم لـطـاغـور حـفـل وداع في قـصـر الـشّـابـنـدر الـمـطـلّ عـلى دجـلـة، في مـحـلّـة الـسّـفـيـنـة في الأعـظـمـيـة حـضـره عـدد مـن الأدبـاء والـشّـعـراء والـصـحـفـيـيـن، وألـقى فـيـه إبـراهـيـم حـلـمي الـعـمـر وأنـور شـاؤول كـلـمـتـيـن بـالـمـنـاسـبـة.

ولـرغـبـة طـاغـور بـالإسـتـمـاع إلى الـمـوسـيـقى الـعـراقـيـة  فـقـد غـنّـت لـه الـسّـت جـلـيـلـة، وغـنّى مـحـمـد الـقـبـانـجي.

ومـا زلـنـا نـقـرأ هـنـا وهـنـاك أنّ طـاغـور نـظـم شـعـراً في بـغـداد تـرجـمـه جـمـيـل صـدقي الـزّهـاوي إلى الـعـربـيـة بـعـنـوان “يـا بـلـبـل غـنّي لـجـيـرانـا”، ولـحّـنـه صـالـح داود الـكـويـتي، وغـنّـتـه زكـيـة جـورج بـعـد ذلـك.

وقـد رسـم طـاغـور لـوحـة ــ قـصـيـدة وخـطّ كـلـمـاتـهـا وكـتـب في أسـفـلـهـا : “24 أيّـار 1932″، تـحـتـوي عـلى الـشّـعـر الّـذي ألـقـاه في ولـيـمـة الـمـلـك. ويـبـدو أنّـه أهـدى واحـدة مـثـلـهـا لـلـمـلـك فـيـصـل الأوّل قـبـل أن يـغـادر الـعـراق.

وغـادر طـاغـور ومـصـاحـبـيـه مـطـار بـغـداد عـلى مـتـن طـائـرة هـولـنـديـة في الـثّـلاثـيـن مـن أيّـار (أو الأوّل مـن حـزيـران)، ووصـلـوا إلى كـلـكـتـا في 3 حـزيـران.

وقـد وصـف طـاغـور رحـلـتـه في كـتـاب نـشـره بـعـد عـودتـه إلى الـهـنـد بـعـنـوان :  رحـلـة إلى بـلاد فـارس وإلى الـعـراق

Journey to Persia and Iraq: 1932  (1)

tagore-3

طـاغـور والـمـوت الـهـاطـل مـن الـسّـمـاء :

إلـتـقى طـاغـور بـالـمـرشـد الـدّيـني الـمـسـيـحي في  The British Air Force في بـغـداد. وقـد أخـبـره رجـل الـدّيـن الـبـريـطـاني هـذا أنّ طـائـرات الـقـوّات الـجـوّيـة الـبـريـطـانـيـة كـانـت تـقـصـف كـلّ يـوم قـرى ثـار شـيـوخـهـا عـلى سـيـطـرة الـبـريـطـانـيـيـن عـلى الـحـكـم بـعـد إبـرام مـعـاهـدة 1930. وكـانـت بـريـطـانـيـا، بـعـد اكـتـشـاف الـنّـفـط في شـمـال الـعـراق عـام 1927، قـد اشـتـرطـت عـلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة تـوقـيـع الـمـعـاهـدة مـقـابـل أن تـسـانـد الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة لـلـدّخـول في عـصـبـة الأمـم.

فـكـتـب طـاغـور عـن ذلـك في كـتـابـه الّـذي نـشـره عـن رحـلـتـه بـعـد رجـوعـه إلى الـهـنـد :

“هـنـاك يُـقـتـل رجـال ونـسـاء وأطـفـال، يـلاقـون حـتـفـهـم بـقـرارات تـصـدرهـا سـلـطـات الإمـبـريـالـيـة الـبـريـطـانـيـة الـعـلـيـا، الّـتي يـسـهـل عـلـيـهـا أن تـرشّ الـمـوت عـلى مـن لا تـراهـم لـبـعـدهـم الـجـغـرافي عـنـهـا. ويـبـدو هـؤلاء الّـذيـن لا يـحـسـنـون فـنّ الـقـتـل الـحـديـث ضـعـفـاء لا قـيـمـة لـهـم في أعـيـن الّـذيـن يـمـجّـدون مـهـارتـهـم في الـقـتـل”.

The men, women and children, there done to death, meet their fate by decree of the upper region of British imperialism, – which finds it so easy thus to shower death because of its distance from its individual victims. So dim and insignificant do those unskilled in the modern arts of killing appear to those who glory in such skill! »

(رحـلـة إلى بـلاد فـارس والـعـراق، ص. Journey to Persia p.23)

وكـتـب :

“يـعـتـبـر الـمـسـيـح أنّ كـلّ أبـنـاء الـبـشـريـة هـم أبـنـاء الله، ولـكـن الـمـسـيـحي الـحـديـث تـرك الأب والأبـنـاء في الـظّـل، لا يـمـكـنـه أن يـتـعـرّف عـلـيـهـم مـن عـلـو طـائـراتـه الـقـاصـفـة، ولـهـذا فـهـو عـنـدمـا يـضـرب، يـضـرب قـلـب الـمـسـيـح في صـمـيـمـه”.

Christ acknowledged all mankind to be the children of his Father; but for the modern Christian both Father and children have receded into shadows, unrecognizable from the height of his bombarding planes; for which reason these blows are being dealt at the very heart of Christ himself.

( رحـلـة إلى بـلاد فـارس والـعـراق. ص. Journey to Persia p. 23-24)

وقـد أدرك طـاغـور، بـعـد أن سـافـر بـالـطّـائـرة ورأى مـعـالـم الأرض تـخـتـلـط ثـمّ تـتـلاشى نـاظـراً إلـيـهـا مـن عـلـوه الـشّـاهـق، كـيـف يـسـهـل عـلى طـيّـار حـربي أن يـقـصـف رجـالاً ونـسـاءً وأطـفـالاً لا يـعـرفـهـم و لا يـمـكـنـه أن يـراهـم، فـكـتـب :

tagore-6

“وكـلّـمـا ارتـفـعـت الـطّـائـرة وعـلـت في الـسّـمـاء، كـلّـمـا اخـتـصـرت حـوّاسـنـا واخـتـزلـتـهـا إلى واحـدة فـقـط : حـاسـة الـبـصـر. وحـتّى هـذه لـم تـعـد لـهـا قـدراتـهـا الـكـامـلـة. وكـلّ مـا يـجـعـلـنـا نـعـتـقـد أنّ الأرض لـهـا وجـود واقـعي واضـح ومـتـنـوّع يـمّـحي شـيـئـاً فـشـيـئـاً، وتـتـحـوّل صـورتـهـا الـثـلاثـيـة الأبـعـاد إلى مـجـرد خـطـوط ومـسـاحـات. وهـكـذا بـفـقـدانـهـا لـجـوهـرهـا يـنـحـلّ تـأثـيـرهـا عـلى عـقـولـنـا وقـلـوبـنـا ويـتـراخى. وقـد أدركـت في أعـمـاقي مـا يـمـكـن أن يـنـتـج عـن هـذا الإبـتـعـاد عـن الـعـالـم عـنـدمـا تـتـاح لـلـمـرء فـرصـة أن يـمـطـر الـهـلاك عـلى أنـاس يـجـهـلـهـم بـعـيـداً في أسـفـل [طـائـرتـه]. مـن الـقـاتـل ومـن الـمـقـتـول ؟ ومـن ذو الـقـربى ومـن الـغـريـب ؟

As it (sc. the aeroplane) rises higher and higher, it reduces the play of our senses to that of one alone – of sight – and even that is not left in its fullness. All the signs for which we believe the earth to be obviously and variously real, are gradually wiped out, resolving its three-dimensional picture into lines of one dimension only. Thus deprived of its substantiality, its hold on our mind and heart is loosened. And it is borne in on me how terrible such aloofness can become, once it is found expedient to rain destruction on the vagueness below. Who is the slayer, who the slain? Who is kin, who is stranger?

(رحـلـة إلى بـلاد فـارس والـعـراق. ص. Journey to Persia p. 23)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أصـدرت دار نـشـر Orient Black Swan  طـبـعـة جـديـدة لـه في 2003.

بـطـاقـات بـريـديـة عـن الـعـراق نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك في لـنـدن

tuck-xxxxvi

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شـركـة رفـائـيـل تـك في لـنـدن :

بـدأ رفـائـيـل تـك Raphael Tuck  يـمـارس الـتّـجـارة بـمـسـاعـدة زوجـتـه في لـنـدن. وشـرعـا عـام 1866 بـبـيـع صـور لـرسـوم ولـبـطـاقـات تـهـاني. وتـحـسـنـت تـجـارتـهـمـا عـنـدمـا  أضـافـا إلـيـهـا بـيـع الـبـطـاقـات الـبـريـديـة.

وأصـبـحـت شـركـتـهـمـا بـعـد سـنـوات قـلـيـلـة مـن أهـم الـشّـركـات الـبـريـطـانـيـة الـمـخـتـصـة بـطـبـع الـبـطـاقـات وبـيـعـهـا في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وبـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن.

وشـارك ثـلاثـة مـن أبـنـائـهـمـا في تـسـيـيـر الـشّـركـة فـأصـبـح اسـمـهـا :           R. Tuck & Sons  ثـمّ أدار الإبـن الـثّـاني أدولـف الـشّـركـة حـتّى وفـاتـه في 1926.

tuck-34

(عـلامـة شـركـة رفـائـيـل تـك وأبـنـائـه الـمـسـجّـلـة)

وقـد قـصـف مـقـر الـشّـركـة في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة عـام 1940 ودُمـرت الـمـسـوّدات الأصـلـيـة لـلـصّـور الّـتي كـانـت فـيـه، ومـن بـيـنـهـا صـور الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن. ولـم يـبـق لـنـا إلّا الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الّـتي كـانـت قـد طـبـعـت عـنـهـا.

بـطـاقـات بـريـديـة طـبـعـتـهـا شـركـة ر. تـك لـحـسـاب عـبـد الـكـريـم الـبـصـراوي :

نـعـرف مـن الـنّـص الـمـكـتـوب عـلى ظـهـر عـدد مـن الـبـطـاقـات الـبـريـديـة أنّ الـشّـركـة الـلـنـدنـيـة طـبـعـتـهـا لـحـسـاب كـريـم الـبـصـراوي :

.Copyright Kerim

.Raphael Tuck & Sons’ « Collo- Photo » Post Card

.Art Publishers to Their Majesties The King & Queen

.Published for A. Kerim, Basra, Persian Gulf

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b5%d8%b1%d8%a9-2-2

وقـد تـكـلّـمـنـا في مـقـال سـابـق عـن كـريـم الـبـصـراوي هـذا (1) وقـلـنـا إنّ الإسـم    A. Kerim ربّـمـا كـان إخـتـصـاراً لـعـبـد الـكـريـم :  Abdul Kerim.  ويُـحـتـمـل إذن أن يـكـون الـمـقـصـود بـه عـبـد الـكـريـم إبـراهـيـم يـوسـف تـبـوني الّـذي كـان مـسـيـحـيـاً كـلـدانـيـا مـن الـبـصـرة، سـافـر إلى الـهـنـد في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر ودرس في بـومـبـاي. وقـد اشـتـرى هـنـاك آلـة تـصـويـر عـاد بـهـا إلى الـبـصـرة وفـتـح اسـتـوديـو تـصـويـر فـيـهـا.

وقـد وجـدت 42 بـطـاقـة عـلـيـهـا في أسـفـل يـسـارهـا عـلامـة الـشّـركـة، وفي أسـفـلـهـا أيـضـاً تـعـلـيـق بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة يـصـف الـمـشـهـد والـمـكـان الّـذي الـتـقـطـت فـيـه الـصّـورة.

ويـمـكـنـنـا أن نـصـنّـف هـذه الـبـطـاقـات في ثـلاث مـجـمـوعـات :

1 .  صـور تـتـعـلـق بـالـسّـلـطـات الإداريـة لـلـجـيـش الـبـريـطـاني في الـبـصـرة والـمـبـاني الإداريـة الـتّـابـعـة لـهـا :

صـورة لـمـبـنى الـحـكـومـة   »The Government House «  في الـبـصـرة. ونـلاحـظ الـعـلـم الـبـريـطـاني يـرفـرف فـوق الـمـبـنى، مـمـا يـدلّ عـلى أنّـه كـان مـقـرّ الإدارة الـبـريـطـانـيـة لـولايـة الـبـصـرة بـعـد أن دخـلـتـهـا الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في 1914. ولا شـكّ في أنّـه اسـتـعـمـل حـتّى عـام 1921، عـنـدمـا تـكـوّنـت الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة وضـمّـت ولايـة الـبـصـرة إلى ولايـة بـغـداد.

 

ونـجـد عـلى ظـهـر الـبـطـاقـة الـبـريـديـة الّـتي لـديـنـا أنّـهـا أرسـلـت مـن إيـران إلى بـلـجـيـكـا في 10 حـزيـران 1923، وعـلـيـهـا طـابـع إيـراني : “بـسـت مـمـالـك مـحـروسـة إيـران”. وهـذا يـدلّ عـلى أن عـبـد الـكـريـم اسـتـمـرّ في بـيـع بـطـاقـاتـه لـمـدة سـنـوات طـويـلـة .

ورشـات الـجـيـش الـبـريـطـاني الـهـنـدسـيـة  “Engineer Field Park”  في الـبـصـرة :

tuck-ii

مـخـازن الـعـتـاد “Ordnance Depôt” في الـبـصـرة  :

tuck-iv

ورشـات الـبـحـريـة لـلإصـلاح والـصّـيـانـة،  ومـبـنى الـجـمـارك  “Marine Repair shop and Customs” في الـبـصـرة. ولـديـنـا صـورة أخـرى لـمـبـنى الـجـمـارك “Customs House” الـتـقـطـت مـن جـهـة أخـرى :

الـمـسـتـشـفي الـبـريـطـاني  British General Hospital في الـبـصـرة :

tuck-xxxi

مـكـتـب الـبـريـد والـبـرق، شـارع الـسّـاحـل، الـبـصـرة   The Strand. Post & Telegraphs ، وهي الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال.

مـعـسـكـر بـريـطـاني في عـلي الـغـربي  British Camp, Ali Gharbi, Mesopotamia :

xxx

نـصـب شـيّـده الأتـراك في الـكـوت قـبـل أن يـعـيـد الـبـريـطـانـيـون احـتـلالـهـا  Turkish Obelisk Built before Re-occupation of Kut by the British :

tuck-xxxxv

جـنـود أسـتـرالـيـون  Australian Fleying Grops   في الـبـصـرة :

tuck-xxvii

حـطـام سـفـيـنـة في شـطّ الـعـرب Wreck of the « Ekbatana » Shatt- El- Arab  . وكـانـت سـفـيـنـة نـقـل أجـنـبـيـة اسـتـولـت عـلـيـهـا الـقـوات الـتّـركـيـة، وأغـرقـهـا الـبـريـطـانـيـون في الـخـامـس مـن تـشـريـن الـثّـاني عـام 1914 :

tuck-viii

حـطـام سـفـيـنـة حـربـيـة تـركـيـة “مـرمـرة” في نـهـر دجـلـة  Wreck of the « Mermaris » Turkish Gun Boat, River Tigris ، وهي ولا شـكّ قـد أغـرقـت في 1914:

tuck-xxi

 

  1. صـور الـبـصـرة و جـنـوب الـعـراق

صـورة الـقـشـلـة (ثـكـنـة جـنـود الـعـشـار) في الـبـصـرة                            Qashla (Ashar Barracks) Basra ، وكـانـت الـبـنـايـة قـد شـيّـدت في فـتـرة الـحـكـم الـعـثـمـاني لـلـمـديـنـة :

tuck-33

صـورة جـسـر وايـتـلي   Whiteley Bridge (أسـمي بـعـد ذلـك جـسـر الأمـيـر غـازي) في الـبـصـرة :

tuck-xxxx-iv

صـورة شـارع الـسّـاحـل  The Strand  في الـبـصـرة :

صـورتـان لـمـقـاهي الـعـرب Arab Coffee- Shops  في الـبـصـرة :

نـخـيـل  Date Palms في الـبـصـرة :

tuck-xxxiii

بـاعـة الـوقـود  Fuel Market  في الـبـصـرة :

tuck-xxxvi

عـبـور الـخـورة  Across the Kora  ، الـبـصـرة :

tuck-xx

صـورتـان لـنـهـر الـخـورة (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـخـورة)  Kora Creek :

مـدخـل نـهـر الـعـشّـار (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـعـشّـار)  Mouth of the Ashar Creek :

tuck

نـهـر الـعـشّـار (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـعـشّـار)  Ashar Creek  :

tuck-xiv

 

مـشـهـد خـلّاب لـشـطّ الـعـرب   A picturesque View on the Shatt- El- Arab

tuck-xix

الـمـحـمّـرة، الـضّـفـة الـيـسـرى لـشـطّ الـعـرب  Mohhammerah, Left Bank, Shatt- El- Arab :

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b5%d8%b1%d8%a9-2

قـبـر الـعـزيـر، الـضّـفـة الـيـمـنى لـدجـلـة  Ezra’s Tomb, Right Bank, Tigris :

tuck-xxxv

مـنـظـر لـنّـهـر الـفـرات River Scene, Euphrates :

tuck-x

صـورة لـلـنّـاصـريـة (مـثـلـمـا يـراهـا الـطّـائـر الـمـحـلّـق، كـمـا يـقـول الـنّـصّ الإنـكـلـيـزي) Birds eye View :

tuck-xxix

سـوق في الـنّـاصـريـة Bazaar Scene  :

tuck-xxviii-1918

أور “الـكـلـدانـيـة”  « Ur » of the Caldees, Nasiriyeh . والـصّـورة لـلـزّقّـورة. ويـبـدو أنّـهـا الـتـقـطـت قـبـل أن يـشـرع عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني لـيـونـارد وولي بـالـتّـنـقـيـب فـيـهـا عـام 1922 :

r-tuck-31

ضـفـة دجـلـة في مـديـنـة الـعـمـارة Amara, Tigris Bank . ونـقـرأ عـلى ظـهـر هـذه الـبـطـاقـة أنّـهـا أرسـلـت في 11 آب 1918 :

قـريـة أعـراب عـلى ضـفـة دجـلـة  (هـل هي في الأهـوار ؟) Arab Village on the Bank of the Tigris :

tuck-xxiv

فـتـاتـان صـابـئـيـتـان  Subean Girls :

tuck-xxxx

 

صـور بـغـداد :

إلـتـقـطـت هـذه الـصّـور ولا شـكّ بـعـد دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917.

صـورة شـارع”أصـيـل”  Typical Street  في بـغـداد :

tuck-xxxxx

مـحـطّـة قـطـار بـغـداد   Railway Station :

tuck-xxxxi

جـامـع الـكـاظـمـيـن   Kaza main Mosque :

tuck-xxxiv

مـقـبـرة مـسـلـمـيـن  Muslim Cemetry :

tuck-xxxxii

ونـنـهي عـرضـنـا بـصـورة لـلـنّـقـل الـنّـهـري  River Transport, Mesopotamia :

tuck-xxxxiii

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  ألـبـوم صـور طـبـعـتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925 : https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/05/12/%D8%A3%D9%84%D9%80%D8%A8%D9%80%D9%88%D9%85-%D8%B5%D9%80%D9%88%D8%B1-%D9%86%D9%80%D8%B4%D9%80%D8%B1%D8%AA%D9%80%D9%87-%D8%B4%D9%80%D8%B1%D9%83%D9%80%D8%A9-%D8%AD%D9%80%D8%B3%D9%80%D9%88-%D8%A5%D8%AE/

 

 

 

 

 

عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة

%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%84-%d8%b9%d9%85%d8%b1

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـادراً مـا نـجـد في كـتـب الـتّـاريـخ فـصـلاً فـيـه مـعـلـومـات وافـرة عـن مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة كـعـاصـمـة لـلـدّولـة الـسّـلـوقـيـة في الـعـراق الـقـديـم، وعـن دورهـا في تـكـويـن الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة الّـتي أدخـلـت في الـثّـقـافـة الـهـيـلـيـنـيـة (أي الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـثـيـراً مـن مـكـونـات ثـقـافـات مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة وخـاصـة الـثّـقـافـة الـبـابـلـيـة.

وسـأحـاول في هـذا الـمـقـال أن أقـدّم عـرضـاً مـبـسّـطـاً وواضـحـاً لـهـذه الـفـتـرة الّـتي لا تـقـلّ أهـمـيـة عـن الـفـتـرات الأخـرى مـن تـاريـخـنـا.

الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في الـشّـرق :

تـكـلّـمـنـا في مـقـال سـابـق عـن خـروج الإسـكـنـدر الـكـبـيـر مـن مـقـدونـيـا، شـمـال الـيـونـان، بـعـد مـقـتـل أبـيـه الـمـلـك فـيـلـيـب. (1) ورأيـنـا كـيـف عـبـر الـبـوسـفـور مـع جـيـشـه إلى آسـيـا عـام 334 قـبـل الـمـيـلاد، وكـيـف أسـقـط مـدن الـفـيـنـيـقـيـيـن وخـاصـة صـور وصـيـدا، ونـزل إلى مـصـر الّـتي أسـس فـيـهـا مـديـنـة الإسـكـنـدريـة. وكـيـف اعـتـرف بـه كـبـيـر كـهـنـة الإلـه آمـون ابـنـاً لـهـذا الإلـه، فـثـبّـت عـلى خـوذتـه قـرني الـكـبـش (رمـز الإلـه آمـون)، وصُـوّر بـهـمـا عـلى قـطـع الـنّـقـود الّـتي سـكّـهـا حـتّى أسـمي بـالإسـكـنـدر ذي الـقـرنـيـن.

ورأيـنـا كـيـف رجـع مـن مـصـر وصـعـد مـن جـديـد لـيـعـبـر الـفـرات ثـمّ دجـلـة، وكـيـف هـزم داريـا الـثّـالـث، آخـر مـلـوك الـسّـلالـة الـفـارسـيـة الأخِـمـيـنـيـة (الّـتي كـانـت قـد أسـقـطـت الـدّولـة الـبـابـلـيـة حـوالي ثـلاثـة قـرون قـبـل ذلـك) في مـعـركـة دارت في مـوقـع بـيـن الـمـوصـل وأربـيـل في الأوّل مـن تـشـريـن الأوّل عـام 331 قـبـل الـمـيـلاد.

ورأيـنـا كـيـف أنّ الإسـكـنـدر، بـعـد أن أسـقـط الـدّولـة الأخِـمـيـنـيـة، نـزل نـحـو بـابـل الّـتي فـتـح لـه أبـوابـهـا الـسّـطـراب الـفـارسـي مـازدي، وكـيـف دخـلـهـا الـمـقـدوني مـعـلـنـاً أنّـه جـاء يـحـررهـا مـن ربـقـة الـفـرس!

وكـيـف أقـام فـيـهـا شـهـراً أظـهـر خـلالـه تـقـديـسـه لآلـهـة الـبـابـلـيـيـن، وأمـر بـإعـادة تـشـيـيـد الـ “أي سَـجـيـل”، مـعـبـد الإلـه مـردوخ الّـذي كـانـت قـد تـهـدّمـت أجـزاء كـثـيـرة مـنـه (2)، ثـمّ كـيـف اتّـخـذ مـديـنـة بـابـل عـاصـمـة لامـبـراطـوريـتـه الـشّـرقـيـة. (3)

وقـد اخـتـار الإسـكـنـدر أن يـقـيـم في الـقـصـر الـصّـيـفي لـلـمـلـك نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني، الّـذي كـان الـفـرس الأخـمـيـنـيـون قـد اسـتـمـرّوا في اسـتـعـمـالـه قـصـراً يـسـكـنـه مـلـوكـهـم بـعـد أن اسـقـطـوا آخـر الـدّول الـبـابـلـيـة في الـقـرن الـسّـادس قـبـل الـمـيـلاد. (4)

ورأيـنـا كـيـف تـرك الإسـكـنـدر الـمـقـدوني بـابـل مـتّـجـهـا نـحـو الـشّـرق الّـذي غـزا أراضـيـه إلى مـا بـعـد أفـغـانـسـتـان الـحـالـيـة والـهـنـد، وضـمّـهـا إلى امـبـراطـوريـتـه.  ورأيـنـا أخـيـراً كـيـف رفـض جـنـوده الـمـتـعـبـون الإسـتـمـرار في الـتّـقـدم نـحـو أقـصى الـشّـرق، وكـيـف رجـع الإسـكـنـدر نـحـو بـابـل الّـتي مـات فـيـهـا في الـعـاشـر مـن حـزيـران سـنـة 323  قـبـل الـمـيـلاد، بـعـد أن عـانى مـن الـحـمى الّـتي دامـت أيّـامـاً طـويـلـة.

تـقـسـيـم إمـبـراطـوريـة الإسـكـنـدر :

وبـعـد مـوت الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل، إشـتـدّت الـصّـراعـات بـيـن قـوّاده. وتـقـاسـم الـمـنـتـصـرون مـنـهـم الأراضي الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلـيـهـا، فـانـفـصـل بـطـلـيـمـوس الـلاجي (بـطـلـيـمـوس بـن لاجـوس) بـمـصـر وأقـام فـيـهـا سـلالـة الـبـطـالـسـة  (أو الـبـطـالـمـة)، واتّـخـذ مـن الإسـكـنـدريـة عـاصـمـة لـه.

واسـتـولى أنـتـيـغـونـوس مـونـو فـثـالـمـوس (أنـتـيـغـونـوس الـوحـيـد الـعـيـن، أي الأعـور) عـلى بـلاد الإغـريـق وجـزء مـن غـرب آسـيـا.

واسـتـقـلّ سـلـوقـوس (ويـكـتـب أيـضـاً : سـلـوقـس) الّـذي أسـمى نـفـسـه بـ “نـيـكـاتـور Σέλευκος Νικάτωρ”، أي الـمـنـتـصـر، بـالـجـزء الـشّـرقي مـن الإمـبـراطـوريـة، والّـذي كـان يـمـتـدّ مـن سـوريـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد فـارس إلى الـهـنـد.

%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%82%d9%88%d8%b3-2

سـلـوقـوس في بـابـل :

وقـد دخـل سـلـوقـوس نـيـكـاتـور بـابـل عـام 312 قـبـل الـمـيـلاد، واتـخـذهـا عـاصـمـة لـه في بـدايـة حـكـمـه. وضـرب فـيـهـا عـمـلـة بـاسـمـه.

وقـد بـدأ سـلـوقـوس، حـال اسـتـيـلائـه عـلى بـابـل بـتـرمـيـم أجـزاء مـن مُـجـمّـع عـبـادة الإلـه مـردوخ، وبـإعـادة بـنـاء بـعـض أجـزائـه، وخـاصّـة مـعـبـد “أي سَـجـيـل” الـسّـفـلي، والـطـابـق الأرضي لـزقّـورتـه. وقـد أمـر بـاحـتـرام طـرق الـبـنـاء الأصـلـيـة وطـرازه.

وقـد أراد سـلـوقـوس ومـن جـاء بـعـده مـن مـلـوك الـسّـلالـة الـسّـلـوقـيـة بـتـرمـيـمـهـم لـلـبـنـايـات الـمـهـمّـة وخـاصّـة الـدّيـنـيـة مـنـهـا إظـهـار ارتـبـاطـهـم بـتـاريـخ الـمـديـنـة واحـتـرامـهـم لـه لـيـوثّـقـوا صـلاتـهـم بـوجـهـاء بـابـل الأصـلـيـيـن وبـرجـال ديـنـهـم.

ثـمّ شـرعـوا بـاسـتـعـمـال طـرق مـعـمـاريـة تـمـزج بـيـن الأسـالـيـب الـبـابـلـيـة والأسـالـيـب الـهـيـلـيـنـيـة (أي الإغـريـقـيـة)، كـانـت بـدايـة لـتـكـويـن ثـقـافـة هـلـنـسـتـيـة شـرقـيـة تـجـمـع بـيـن عـنـاصـر الـهـلـيـنـيـة وثـقـافـات الـشّـرق وخـاصـة الـبـابـلـيـة. وكـانـت تـخـتـلـف عـن الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة في مـصـر الـبـطـالـسـة في ذلـك الـزّمـن.

ثـمّ ظـهـرت شـيـئـاً فـشـيـئـاً في بـابـل بـنـايـات جـديـدة مـن أصـل هـيـلـيـني، مـثـل الـمـسـرح الّـذي كـان بـنـايـة رئـيـسـيـة في كـلّ مـديـنـة هـيـلـيـنـيـة. وكـان تـشـيـيـده في بـابـل يـدلّ عـلى إقـامـة جـالـيـة كـبـيـرة الأعـداد مـن الـيـونـانـيـيـن فـيـهـا.

seleucie-005

ولـكـنّ مـسـرح بـابـل لـم يـشـيـد بـالـصّـخـور والـحـجـر ولا حـتّى بـالـطّـابـوق الـمـفـخـور بـل بـالـلِـبـن، مـمـا يـدلّ عـلى أنّ الـيـونـانـيـيـن تـبـنّـوا هـذا الـنّـوع مـن طـرق الـبـنـاء بـسـرعـة. أمّـا في الأجـزاء الّـتي تـسـتـعـمـل فـيـهـا الـهـنـدسـة الـيـونـانـيـة الـصّـخـور والـحـجـر، كـالأعـمـدة وقـواعـدهـا ومـسـانـد الـسّـقـوف والـمـنـحـوتـات الـتّـزيـيـنـيـة، فـقـد اسـتُـعـمـل فـيـهـا خـلـيـط مـن الـجـصّ الـمـمـزوج بـأحـجـار مـكـسّـرة.

ولـم يـغـيّـر الـيـونـانـيـون مـخـطـط مـديـنـة بـابـل، واسـتـمـرّت الأحـيـاء تـنـمـو بـطـريـقـة تـراكـمـيـة، تـسـتـنـد الـدّور بـعـضـهـا عـلى بـعـض. والـتّـجـديـد الـوحـيـد الّـذي أدخـلـوه في الـمـسـكـن الـبـابـلي كـان “الـطّـارمـة” في جـانـب حـوش الـدّار، أي في الـفـنـاء الـدّاخـلي، والّـتي يـسـتـنـد سـقـفـهـا عـلى أعـمـدة أسـطـوانـيـة.

الـتّـقـويـم الـسّـلـوقي :

وقـد أقـام سـلـوقـوس تـقـويـمـاً جـديـداً يـبـدأ بـسـنـة حـكـمـه (صـيـف 312 ق. م.) (5)، وتـبـعـه ابـنـه  أنـطـيـوخـوس  Ἀντίoχoς  في اسـتـعـمـالـه لـحـسـاب سـنـوات حـكـمـه. ثـمّ جـرى اسـتـعـمـالـه في بـلاد الـمـشـرق.

والـحـقـيـقـة هي أنّ سـلـوقـوس تـبـع في تـقـويـمـه الـسّـلـوقي مـا كـان قـد فـعـلـه سـيّـده الإسـكـنـدر الـمـقـدوني قـبـلـه عـنـدمـا أرّخ سـنـوات حـكـمـه ابـتـداءً بـشـهـر ديـوس الـيـونـاني عـام 336 ق. م. وشـهـر ديـوس يـقـابـل شـهـر تـشـريـتـو (أي تـشـريـن الأوّل) في الـتّـأريـخ الـبـابـلي.

وأبـقى سـلـوقـوس هـذا الـشّـهـر بـدايـة  لـلـسّـنـة الـمـقـدونـيـة، فـلا تـحـسـب سـنـوات حـكـم الـمـلـك الـجـديـد إلّا في شـهـر تـشـريـن الأوّل الّـذي يـلي تـتـويـجـه. أمّـا الـسّـنـة الـبـابـلـيـة فـقـد كـانـت تـبـدأ في شـهـر نـيـسـان، ولـم تـكـن سـنـوات حـكـم الـمـلـك الـجـديـد تـبـدأ عـنـد الـبـابـلـيـيـن إلّا في شـهـر نـيـسـان الّـذي يـلي تـتـويـجـه.

سـلـوقـيـة دجـلـة   Σελεύκεια:

وفي عـام 311  قـبـل الـمـيـلاد (في رأي أكـثـر الـمـؤرخـيـن)، بـدأ سـلـوقـوس بـتـأسـيـس مـديـنـة جـديـدة لـه عـلى نـهـر دجـلـة، حـوالي 60 كـيـلـومـتـراً شـمـال مـديـنـة بـابـل (الّـتي تـقـع عـلى نـهـر الـفـرات). في مـوقـع كـانـت عـلى ضـفـتـه الـمـقـابـلـة مـديـنـة يـذكـر الـمـؤلـفـون الإغـريـق أن اسـمـهـا كـان أوبـيـس  Opis.(6)

وتـطـلّ سـلـوقـيـة عـلى نـهـر دجـلـة مـن جـانـب وعـلى الـقـنـاة الـمـلـكـيـة الّـتي كـانـت قـد شـيّـدت قـبـل ذلـك بـقـرون لـتـربـط دجـلـة بـالـفـرات. وهي في الـمـكـان الّـذي أسـمـاه الـعـرب بـعـد ذلـك بـالـمـدائـن، ومـا يـسـمى الآن بـسـلـمـان بـاك في جـنـوب بـغـداد.

seleucie-004

وربّـمـا لـم يـسـتـقـرّ سـلـوقـوس فـيـهـا رسـمـيـاً إلّا عـنـدمـا تـوّج مـلـكـاً عـام 306 ق. م.(7) لـتـكـون لـه عـاصـمـة تـقـتـرن بـاسـمـه. ويـذكـر الـمـؤرخ الـرّومـاني أبـيـانـوس  Appianus  أنّ سـلـوقـوس تـوّج “مـلـكـاً عـلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد الأرمـن والـفـرس والـعـرب … وبـلاد أخـرى”.

وعـلى عـكـس مـديـنـة بـابـل الّـتي كـانـت قـد نـمـت وتـوسّـعـت قـرنـاً بـعـد قـرن حـتّى وصـلـت إلى أوج عـظـمـتـهـا، فـقـد شـيّـدت سـلـوقـيـة كـمـديـنـة جـديـدة انـطـلاقـاً مـن مـخـطـط طـبّـقـت فـيـه قـوانـيـن الـمـعـمـار الـجـديـدة الّـتي كـان الـيـونـانـيـون قـد اسـتـعـمـلـوهـا لأوّل مـرّة في تـشـيـيـد مـديـنـة الإسـكـنـدريـة في مـصـر، والّـتي كـانـت قـد انـتـفـعـت هي نـفـسـهـا مـن ابـتـكـارات الـمـعـمـاريـيـن الـبـابـلـيـيـن عـنـدمـا جـددوا أقـسـامـاً مـن مـديـنـة بـابـل في فـتـرتـهـا الأخـيـرة.

وقـد خـطـطـت الـعـاصـمـة الـجـديـدة لـيـسـكـنـهـا مـسـتـعـمـرون إغـريـق، مـنـهـم الـجـنـود الّـذيـن صـاحـبـوا فـتـوحـات الإسـكـنـدر الـمـقـدوني، ومـنـهـم مـن تـبـعـوا سـلـوقـوس في قـتـالـه ضـدّ قـادة الإسـكـنـدر الآخـريـن خـلال صـراعـهـم مـن أجـل الـسّـلـطـة، ومـنـهـم مـن وصـل إلـيـهـا بـعـد ذلـك.

وحـسـب مـخـطـط الـمـديـنـة الـجـديـد، شـيّـدت أبـنـيـتـهـا داخـل مـسـتـطـيـلات واسـعـة الـمـقـايـيـس (75 م. × 145 م.) تـحـيـطـهـا شـوارع مـسـتـقـيـمـة تـتـقـاطـع بـزوايـا حـادّة بـ  ْ90  درجـة. وكـانـت أكـبـر مـسـتـطـيـلات سـعـةً وجـدت في مـديـنـة هـلـنـسـتـيـة.

وقـد نـظّـمـت الـمـسـتـطـيـلات، كـمـا في مـديـنـة بـابـل في فـتـرتـهـا الأخـيـرة، في أحـيـاء يـشـغـل كـلّ واحـد مـنـهـا مـهـمّـة وظـيـفـيـة : سـيـاسـيـة أو ديـنـيـة أو صـنـائـعـيـة أو تـجـاريـة أو ثـقـافـيـة … أو في أحـيـاء سـكـنـيـة.

ويـقـدّر عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن نـقـبّـوا مـوقـع سـلـوقـيـة دجـلـة خـلال الـقـرن الـعـشـريـن مـسـاحـة الـمـديـنـة بـحـوالي 550 هـكـتـاراً (والـهـكـتـار الـواحـد يـعـادل عـشـرة آلاف مـتـر مـربـع)، وربّـمـا أكـثـر مـن ذلـك خـاصّـة وأنّـهـم لـم يـجـدوا بـعـد أسـوارهـا الـخـارجـيـة.

ولـم يـكـن لأيّ مـن الـمـدن الـيـونـانـيـة هـذا الإمـتـداد الـشّـاسـع. ولا شـكّ في أنّ سـلـوقـوس كـان قـد انـبـهـر بـسـعـة مـدن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة، وأراد إنـشـاء مـديـنـة تـضـاهـيـهـا في الـضّـخـامـة.

وقـد شـبّـه الـمـؤرخ الـرّومـاني بـلـيـنـيـوس الأكـبـر (الّـذي عـاش مـن سـنـة  23 إلى سـنـة 97 بـعـد الـمـيـلاد) مـخـطـطـ الـمـديـنـة بـ “نـسـر نـشـر جـنـاحـيـه عـلى سـعـتـيـهـمـا”. ويـبـدو أنّ قـنـاةً كـانـت تـفـصـل قـصـر الـمـلـك عـن الأحـيـاء الأخـرى الّـتي كـان فـيـهـا بـنـايـات إداريـة وسـوق مـركـزيـة وقـاعـة شـاسـعـة لـيـلـتـقي فـيـهـا سـكّـان الـمـديـنـة ومـسـرح واسـع …

ويـذكـر الـمـؤرّخـون الإغـريـق أنّـهـا شـيّـدت بـطـابـوق بـابـل ! وهـذا لا يـعـنى أنّ مـديـنـة بـابـل هـدمـت ونـقـل طـابـوقـهـا إلى الـمـديـنـة الـجـديـدة كـمـا فـهـمـه كـثـيـر مـمـن قـرأوا هـذه الـنّـصـوص بـعـد ذلـك، وإنّـمـا يـعـني أنّـهـا لـم تـشـيّـد بـالـحـجـر والـصـخـر مـثـل الـمـدن الإغـريـقـيـة الأخـرى بـل بـالـطـابـوق الـمـصـنـوع في بـلاد بـابـل.

كـمـا أراد سـلـوقـوس ولا شـكّ أن يـنـشئ مـديـنـة أفـضـل مـوقـعـاً مـن بـابـل الّـتي كـانـت قـد فـقـدت مـجـدهـا، لـتـكـون عـلى تـقـاطـع طـرق الـمـواصـلات والـتّـجـارة عـلى نـهـر دجـلـة والـقـنـاة الّـتي كـانـت تـربـطـه بـنـهـر الـفـرات، وعـلى مـقـربـة مـن شـرق دولـتـه (بـلاد الـفـرس والـهـنـد) ومـن غـربـهـا (سـوريـا).

وقـد أسـمـيـت عـاصـمـة سـلـوقـوس بـاسـمـه : سـلـوقـيـة  Σελεύκεια . ولـتـحـاشي الـخـلـط بـيـنـهـا وبـيـن مـدن أخـرى أسـسـهـا سـلـوقـوس وأسـمـيـت بـاسـمـه، فـقـد عُـرفـت بـسـلـوقـيـة دجـلـة.

ونُـقـل إلـيـهـا جـزء مـن سـكّـان بـابـل وخـاصـة صـنّـاعـهـا وتـجّـارهـا لـيـسـكـنـوهـا مـع الـمـسـتـعـمـريـن الإغـريـق. كـمـا جـذبـت الـمـديـنـة الـجـديـدة كـثـيـراً مـمـن جـاءوا يـسـكـنـونـهـا : سـوريـيـن وفـارثـيـيـن وفـرسـاً وأرمـن وهـنـوداً، وجـذبـت كـثـيـراً مـن الـتّـجّـار والـصّـرافـيـن الـيـهـود.

وقـد تـركـت بـابـل لأهـلـهـا. ورغـم أنّ سـلـوقـوس تـرك بـابـل وأهـمـلـهـا (زارهـا آخر مـرّة في عـام 301 قـبـل الـمـيـلاد) فـقـد دامـت أهـمـيـتـهـا، وإن قـلّـت، لـمـدة قـرنـيـن بـعـد ذلـك إلى أن اضـمـحـلّـت في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد.

ويـعـود تـاريـخ آخـر نـصّ كـتـب بـالـمـسـمـاريـة إلى عـام 75 م. وقـد سـقـطـت الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة بـعـد ذلـك في غـيـاهـب الـنّـسـيـان ولـم يـعـد أحـد يـقـرأهـا أو يـعـرف قـراءتـهـا.

وعـنـدمـا مـرّ الإمـبـراطـور الـرّومـاني تـراجـان بـبـابـل عـام 116 بـعـد الـمـيـلاد، وتـوقّـف بـهـا لـيـزور الـقـصـر الّـذي مـات بـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني، وجـدهـا خـرابـاً.

ولأنّ سـلـوقـيـة دجـلـة كـانـت تـقـع، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، عـلى تـقـاطـع طـرق الـتّـجـارة الّـتي كـانـت تـنـطـلـق في كـلّ الإتـجـاهـات فـسـرعـان مـا تـوسـعـت وازدهـرت. وقـد وضـعـهـا الـجـغـرافي الـيـونـاني سـتـرابـون Στράϐων  في أعـلى مـقـام مـن الـعـظـمـة بـعـد إسـكـنـدريـة مـصـر، وذكـر أنّ عـدد سـكـانـهـا تـجـاوز 600 ألـف سـاكـن.

سـلـوقـوس في سـوريـا :

وبـعـد أن اسـتـولى سـلـوقـوس عـلى شـمـال سـوريـا، الّـتي كـانـت تـحـت سـيـطـرة أنـتـيـغـونـوس مـونـو فـثـالـمـوس، وعـلى الـجـزء الـشّـرقي مـن آسـيـا الـصـغـرى عـام 301 قـبـل الـمـيـلاد، أسـس مـديـنـة أنـطـاكـيـة الّـتي أسـمـاهـا بـاسـم أبـيـه : “أنـطـيـوخــوس (أو أنـطـيـوقـوس)  Ἀντίoχoς ” في غـرب سـوريـا، واتّـخـذهـا عـاصـمـة لـه لـيـفـتـح مـمـلـكـتـه عـلى الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط ولا يـقـطـعـهـا عـن بـلاد الإغـريـق.

وأصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة الـمـديـنـة الـثّـانـيـة في الـدّولـة، ومـكـان إقـامـة ولي الـعـهـد.  وفي عـام 294 قـبـل الـمـيـلاد، عـيّـن سـلـوقـس ابـنـه أنـطـيـوخـوس نـائـب مـلـك مـقـيـمـاً في سـلـوقـيـة. وظـلّـت هـذه الـمـديـنـة بـعـده مـكـان إقـامـة أبـنـاء الـمـلـوك الـسّـلـوقـيـيـن حـتّى عـام 141 قـبـل الـمـيـلاد عـنـدمـا احـتـلّـهـا الـفـارثـيـون.

وبـعـد وفـاة سـلـوقـوس سـنـة 281 قـبـل الـمـيـلاد، خـلـفـه ابـنـه أنـطـيـوخـوس سـوتِـر Ἀντίoχoς ο Σωτήρ  الأوّل، الّـذي كـان يـعـتـبـر نـفـسـه مـلـكـاً عـلى بـابـل أيـضـاً.

%d8%a3%d9%86%d8%b7%d9%8a%d9%88%d8%ae%d9%88%d8%b3

وقـد شـارك هـذا الـمـلـك في احـتـفـالات رأس الـسّـنـة الـبـابـلي الّـتي كـانـت تـقـام في الأي سَـجـيـل، مـعـبـد الإلـه مـردوخ في بـابـل. وقـد عـثـر خـلال تـنـقـيـبـات أجـريـت في مـعـبـد الإلـه نـبـو في بـورسـيـبـا عـلى نـصّ لـهـذا الـمـلـك نـقـش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة عـلى مـخـروط مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور وضـع في أسـس الـبـنـاء حـسـب الـعـادات الـبـابـلـيـة والآشـوريـة.

مـا هي الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة ؟

أصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة، بـعـد أن أسـسـهـا سـلـوقـوس، كـمـا رأيـنـا، واحـدة مـن أهـمّ عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة. فـمـاهي الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة؟

كـثـيـراً مـا يـذكـر الـمـؤرخّـون الـغـربـيـون أنّ الـثّـقـافـة الـهـلـيـنـيـة (أي الإغـريـقـيـة أو الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـانـت تـرتـكـز عـلى نـظـام الـمـديـنـة. فـكـلّ مـديـنـة كـانـت مـسـتـقـلّـة يـحـكـمـهـا مـواطـنـوهـا الأحـرار الـمـيـسـورو الـحـال (وهـو مـا لـم يـكـن يـحـقّ لـلـعـبـيـد أو الـفـقـراء). يـشـرّعـون قـوانـيـنـهـا، ثـمّ يـخـلـصـون في تـطـبـيـقـهـا لـيـتـحـاشـوا أن يـسـتـبـدّ بـهـا طـاغـيـة يـنـفـرد بـالـسّـلـطـة، وهـو مـا يـسـمى بـالـنّـظـام الـدّيـمـقـراطي. ويـذكـرون أنّ هـذا كـان غـريـبـاً عـلى شـرقـيي تـلـك الأزمـان والّـذيـن كـان عـلى رأس مـدنـهـم ودولـهـم مـلـوك “إخـتـارتـهـم الآلـهـة” لـيـحـكـمـوا رعـيـتـهـم حـسـب مـشـيـئـاتـهـم.

ويـلاحـظ الـقـارئ أنّ في هـذا الـرّأي تـحـيّـزاً ورؤيـة ضـيّـقـة لـلأمـور، فـقـد كـان الإسـكـنـدر الـمـقـدوني حـسـب رأي نـفـس هـؤلاء الـدّارسـيـن مـمـثّـلاً لـلـثّـقـافـة الـهـيـلـيـنـيـة، ومـع ذلـك فـقـد كـان أبـوه مـلـكـاً مـسـتـبـدّاً عـلى مـقـدونـيـا. وكـان الإسـكـنـدر نـفـسـه مـلـكـاً مـسـتـبـدّاً قـاد مـئـات الآلاف مـن الـجـنـود لـيـحـقـقـوا لـه طـمـوحـاتـه في الـسّـيـطـرة عـلى كـلّ الـمـنـاطـق الـمـعـروفـة في زمـانـه. وذلـك قـبـل أن يـلـتـقي بـالـشّـرقـيـيـن، ويـتـأثّـر بـعـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم.

وكـلـمـة الـهـلـنـسـتـيـة  والـفـكـرة الّـتي تـعـبـرّ عـنـهـا اخـتـرعـهـا الألـمـاني يـوهـان غ. درويـسـن Johanne G. Droysen  في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، إشـتـقـهـا مـن كـلـمـة يـونـانـيـة تـعـني : “الـعـيـش عـلى طـريـقـة الـهـلـيـنـيـيـن (أي الـيـونـانـيـيـن الـقـدمـاء)”.  ويـعـني بـهـا الـثّـقـافـة الّـتي نـشـأت في الـشّـرق الـتّـابـع لـلإغـريـق، والـمـمـتـد في الأراضي الّـتي فـتـحـهـا الإسـكـنـدر الـمـقـدوني مـن مـصـر الـبـطـالـسـة إلى الـهـنـد.

ورغـم أنّ الإغـريـقـيـة كـانـت لـغـة هـذه الـثّـقـافـة، فـقـد اسـتـوعـبـت أجـزاءً مـن الـثّـقـافـات الـشّـرقـيـة الّـتي نـشـأت عـلى أراضـيـهـا إلى جـانـب الـثّـقـافـة الـهـيـلـيـنـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة). ونـتـج عـن ذلـك انـفـتـاح وتـبـادلات ومـزج أثـرى كـلّ ثـقـافـات الـمـنـطـقـة واسـتـمـر عـبـر الـقـرون الّـتي تـبـعـت هـذه الـتّـجـربـة الـثّـقـافـيـة الـفـريـدة.

وقـد رأيـنـا كـيـف أنّ ثـقـافـة هـلـنـسـتـيـة كـانـت قـد بـدأت تـنـشـأ في بـابـل بـعـد أن سـيـطـر عـلـيـهـا الـيـونـانـيـون، وكـيـف أنّـهـم تـأثّـروا بـثـقـافـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وخـاصـة الـبـابـلـيـة في تـشـيـيـدهـم لـدورهـم ومـبـانـيـهـم. وقـد تـبـنّـوا عـادات كـانـت شـائـعـة عـنـد الـبـابـلـيـيـن، ودخـلـت في الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة كـدفـن الـنّـاس لـمـوتـاهـم في داخـل بـيـوتـهـم.

ورغـم أنّـه لـم يـنـقّـب مـن سـلـوقـيـة دجـلـة إلّا جـزء مـحـدود ولـم يـدرس إلّا جـزء أقّـل مـمـا عـثـر عـلـيـه فـيـهـا، فـقـد وجـد الـمـنـقّـبـون في أحـد مـعـابـدهـا نـصّـاً بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة يـذكـر أسـمـاء كـهـنـة الـمـلـوك. ويـحـتـمـل أن يـكـون الـمـعـبـد مـكـرّسـاً لـمـلـوك الـسّـلـوقـيـيـن الّـذيـن فـرضـوا ألـوهـيـتـهـم في حـيـاتـهـم أو بـعـد مـوتـهـم، ودخـلـوا في صـفـوف الآلـهـة كـمـا فـعـلـه قـبـلـهـم بـعـض الـمـلـوك الـشّـرقـيـيـن.

كـتـاب بـيـروسـوس :

وفي زمـن سـلـوقـوس، وزمـن خـلـفـه أنـطـيـوخـوس الأوّل عـاش بـيـروسـوس  Berossos (الّـذي يـسـمى أيـضـاً بـيـروسـوس الـكـلـداني).  واسـمـه بـالـلـغـة الـبـابـلـيـة : بـعـل رعـيـشـو، أي بـعـل راعـيـه. ويـدّعي الـبـعـض أنّ اسـمـه كـان آرامـيـاً : بـر حـوشـا ، أي ابـن حـوشـا.

وكـان رجـل ديـن بـابـلي في مـعـبـد الإلـه مـردوخ.  ولـد في الـزّمـن الّـذي أقـام فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل أو قـبـلـه بـقـلـيـل أي في أواخـر الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد كـتـب بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـتـاب بـابـل  Babyloniaka  (ويـعـرف أيـضـاً بـكـتـاب بـلاد الـكـلـدان Chaldaika ) الّـذي ألّـفـه لـلـمـلـك الـسّـلـوقي أنـطـيـوخـوس الأوّل بـيـن 290 و278 قـبـل الـمـيـلاد لـيُـعـرّف الإغـريـق بـحـضـارة بـلـده بـابـل.

ولـم يـصـلـنـا هـذا الـكـتـاب. ولـيـس لـديـنـا مـنـه إلّا تـلـخـيـص الإسـكـنـدر الـمـلـقّـب بـبـولي هـيـسـتـور (أي الـغـزيـر الـعـلـم)  Alexandre Polyhistor  لـه، واقـتـبـاسـات الـكـتّـاب الّـذيـن جـاءوا بـعـده مـثـل بـلـيـنـيـوس الأكـبـر Gaius Pilinus Seconus  وسـنـسـوريـنـوس  Censorinus وفـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   وفـيـتـروفـيـوس Vitruvius .

ولا شـكّ في أنّ مـؤلَّـف بـيـروسـوس لـم يـكـن الـوحـيـد الّـذي ألـفـه بـابـلي لـيـعـرّف الـعـالـم بـثـقـافـة بـلـده الّـتي كـانـت عـرضـة لـلإنـدثـار في ذلـك الـزّمـن، ولـكـنّـه الـوحـيـد الّـذي تـجـاوزت أجـزاء مـنـه الـقـرون الـطّـويـلـة لـيـصـلـنـا. ولا شـكّ أنّ الـيـونـانـيـيـن تـعـلّـمـوا في هـذه الـمـؤلـفـات كـثـيـراً مـمـا أدخـلـوه في ثـقـافـتـهـم وفي طـرق تـفـكـيـرهـم.

الـفـلـسـفـة في سـلـوقـيـة :

وقـد أصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة واحـداً مـن مـراكـز الـفـلـسـفـة الـرّواقـيـة. وكـانـت هـذه الـفـلـسـفـة الـيـونـانـيـة قـد نـشـأت في أثـيـنـا في الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. وكـان مـن روّادهـا زيـنـون وكـلـيـانـثـس.

وقـد عـلّـم في سـلـوقـيـة دجـلـة الـفـيـلـسـوف الـرّواقي ديـوجـيـن الـسّـلـوقي الـمـعـروف أيـضـاً بـديـوجـيـن الـبـابـلي (ولـد حـوالي سـنـة 240 وتـوفي حـوالي سـنـة 150 قـبـل الـمـيـلاد). كـمـا ولـد فـيـهـا تـلـمـيـذه وخـلـيـفـتـه في تـعـلـيـم الـفـلـسـفـة أبـولـودور الأثـيـني.

كـمـا كـان لـديـوجـيـن آخـر عـرف بـاسـم ديـوجـيـن الأبـيـقـوري في سـلـوقـيـة دجـلـة حـلـقـة عـلّـم فـيـهـا الـفـلـسـفـة الأبـيـقـوريـة.

وكـان فـيـهـا حـلـقـة تـدريـس لـفـيـلسـوف آخـر يـنـتـمي إلى الـمـدرسـة الـشّـكـوكـيـة : أيـفـرانـور   Euphranor  الـشّـكّـاك الـسّـلـوقي.

وقـد ولـد في سـلـوقـيـة دجـلـة حـوالي سـنـة 170 بـعـد الـمـيـلاد عـالـم الـفـلـك سـلـوقـوس (الّـذي أسـمي بـاسـم أوّل مـلـوك الـدّولـة). وكـان سـلـوقـوس الـسّـلـوقي هـذا واحـداً مـن اثـنـيـن، مـن كـلّ عـلـمـاء الـفـلـك في ذلـك الـزّمـن، يـؤمـنـان بـأنّ الأرض تـدور حـول الـشّـمـس، ولـيـسـت الـشّـمـس هي الّـتي تـدور حـول الأرض !

الـفـنّ الـهـلـنـسـتي :

رأيـنـا كـيـف حـوّر الـيـونـانـيـون فـنّ مـعـمـارهـم في بـابـل، وكـيـف شـيّـدوا مـسـرحـهـم (وهـو مـن أهـم مـبـاني الـمـديـنـة الـهـلـيـنـيـة) بـالـلِـبـن، وكـيـف اسـتـخـدمـوا في الأجـزاء الّـتي تـسـتـعـمـل فـيـهـا الـهـنـدسـة الـيـونـانـيـة الـصّـخـور والـحـجـر، كـالأعـمـدة وقـواعـدهـا ومـسـانـد الـسّـقـوف والـمـنـحـوتـات الـتّـزيـيـنـيـة، خـلـيـطـاً مـن الـجـصّ الـمـمـزوج بـأحـجـار مـكـسّـرة حـسـب الإمـكـانـيـات الـمـحـلّـيـة.

وقـد وجـد الـمـنـقّـبـون في جـزء مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة الّـذي تـخـتـرقـه الـطّـريـق الـجـنـوبـيـة دوراً كـبـيـرة تـحـيـطـهـا مـن الـجـانـبـيـن تـغـطّي واجـهـاتـهـا نـقـوش واسـعـة مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور، وحـول فـنـاءاتـهـا الـدّاخـلـيـة “طـارمـات” تـسـنـد سـقـوفـهـا أعـمـدة أسـطـوانـيـة. وهـو مـا يـدلّ عـلى مـزج بـيـن الإسـتـعـمـالات الـهـلـيـنـيـة والإسـتـعـمـالات الـشّـرقـيـة.

كـمـا وجـدوا بـقـايـا مـسـرح الـمـديـنـة، والـسّـاحـة الـواسـعـة agora (الّـتي كـانـت مـسـقّـفـة) والّـتي كـانـت مـكـان اجـتـمـاع سـكـان الـمـديـنـة. ووجـدوا بـجـانـبـهـا بـنـايـة مـسـتـطـيـلـة مـقـسّـمـة إلى غـرف تـنـفـتـح الـواحـدة مـنـهـا عـلى الأخـرى، شـيّـدت بـالـلِـبـن وغـطي سـطـحـهـا بـجـذوع نـخـيـل مـشـكّـلاً سـطـحـاً مـسـطّـحـاً. ويـبـدو أنّ هـذه الـبـنـايـة احـتـرقـت في حـوالي عـام 129 قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد وجـدوا فـيـهـا حـوالي 25 ألـف خـتـم مـن الـصّـلـصـال فـخـرهـا الـحـريـق، مـمـا يـفـسّـر اجـتـيـازهـا لـكـلّ هـذه الـقـرون ووصـولـهـا إلـيـنـا.

ويـعـتـقـد الـمـخـتـصّـون أنّ هـذه الـبـنـايـة كـانـت أرشـيـفـات الـمـديـنـة الّـتي اسـتـعـمـلـت مـنـذ الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. وعـلى هـذه الأخـتـام مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز أسـلـوب أغـلـبـهـا هـيـلـيـني، وتـظـهـر في بـعـضـهـا عـنـاصـر فـنّـيـة بـابـلـيـة تـقـلـيـديـة.

seleucie-006

كـمـا وجـدت فـيـهـا مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الـتّـمـاثـيـل الـصـغـيـرة الأحـجـام الّـتي صـنـعـت مـحـلّـيـاً. وهي كـثـيـرة الـشّـبـه بـالـتّـمـاثـيـل الّـتي وجـدت في الـفـتـرات الـبـابـلـيـة والّـتي كـان لـهـا دور ديـني بـتـقـريـب الأشـخـاص الّـذيـن تـصـوّرهـم مـن آلـهـتـهـم. وفي سـلـوقـيـة دجـلـة كـمـا في بـابـل تـخـتـلـف أسـالـيـب هـذه الـمـنـحـوتـات مـن الـواقـعـيـة الـتّـشـخـيـصـيـة إلى الإخـتـزال.

وقـد اسـتـمـرّت هـذه الأسـالـيـب الـهـلـنـسـتـيـة مـسـتـعـمـلـة حـتّى بـعـد سـيـطـر الـفـارثـيـون عـلى الـمـديـنـة، وبـقـيـت إلى الـفـتـرة الـفـارثـيـة الـمـتـأخّـرة، أي إلى بـدايـة الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد. ولا شـكّ في أنّـهـا أثّـرت بـعـد ذلـك أيـضـاً عـلى الـفـنّ الـسّـاسـاني.

سـلـوقـيـة الـفـارثـيـيـن :

وبـعـد أن اشـتـدّت قـوة الـفـارثـيـيـن، الّـذيـن جـاءوا مـن أراضي مـيـديـا في بـلاد الـفـرس، وامـتـدت سـيـطـرتـهـم عـلى الـمـمـتـلـكـات الـشّـرقـيـة لـلـدّولـة الـسّـلـوقـيـة، إسـتـطـاع مـلـكـهـم مـثـريـدات الأوّل فـتـح مـديـنـة بـابـل عـام 141 قـبـل الـمـيـلاد بـعـد أن اسـتـولى عـلى سـلـوقـيـة دجـلـة، واتّـخـذ سـلـوقـيـة عـاصـمـة شـتـائـيـة لـه. وفي عـام 139 قـبـل الـمـيـلاد، طـرد مـثـريـدات الأوّل الـحـاكـم الّـذي كـان يـحـكـم بـاسـم الـمـلـك الـسّـلـوقي أنـطـيـوخـوس الـسّـابـع مـن كـلّ الـمـنـاطـق الـشّـرقـيـة ومـن ضـمـنـهـا بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، واكـتـمـلـت لـه الـسّـيـطـرة عـلـيـهـا.

ثـمّ اخـتـار خـلـفـه مـثـريـدات الـثّـاني (حـكـم مـن 123 إلى 88 قـبـل الـمـيـلاد) أن يـشـيـد لـه عـاصـمـة جـديـدة : طـيـسـفـون، في الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـسـلـوقـيـة دجـلـة، حـكـم مـنـهـا كـلّ دولـتـه.

ورغـم سـقـوطـهـا بـأيـدي الـفـارثـيـيـن، فـقـد ظـلّـت سـلـوقـيـة دجـلـة مـديـنـة مـزدهـرة. ويـذكـر الـمـؤرخ الـرّومـاني بـلـيـنـيـوس الأكـبـر (الّـذي عـاش مـن سـنـة  23 إلى سـنـة 97 بـعـد الـمـيـلاد) أنّ جـمـارك الـمـديـنـة كـانـت مـا تـزال بـأيـدي سـكـانـهـا مـن الإغـريـق في زمـنـه، وأنّ عـدد سـكـانـهـا كـان يـقـارب 600 ألـف يـحـكـمـهـم مـجـلـس شـيـوخ عـدد أعـضـائـه 300.

وبـعـد أن أسـقـط الـمـلـك الـفـارسي الـسّـاسـاني أردشـيـر الأوّل دولـة الـفـارثـيـيـن عـام 224 بـعـد الـمـيـلاد، أصـبـحـت طـيـسـفـون عـاصـمـة الـدّولـة الـسّـاسـانـيـة. وظّـلـت إحـدى عـواصـمـهـم حـتّى الـفـتـح الإسـلامي عـام 651 م. الّـذي أسـقـط آخـر مـلـوكـهـم يـزدجـرد الـثّـالـث.

وقـد أطـلـق الـعـرب اسـم “الـمـدائـن” عـلى الـعـاصـمـتـيـن : سـلـوقـيـة وطـيـسـفـون (الـفـارثـيـة ــ الـسّـاسـانـيـة) وضـواحـيـهـمـا الـمـمـتـدة عـلى ضـفـتـي دجـلـة.

الـمـنـاطـق الأخـرى مـن الـعـراق الـقـديـم في الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة :

كـانـت الـوركـاء (في بـلاد سـومـر)(8) الـمـديـنـة الـثّـالـثـة في الأهـمـيـة في تـلـك الـحـقـبـة بـعـد سـلـوقـيـة دجـلـة وبـابـل. وقـد شـهـدت الـوركـاء نـهـضـة ثـقـافـيـة آنـذاك، وعـاد إلـيـهـا شئ مـن دورهـا الـدّيـني. وقـد ذكـر الـجـغـرافي الـيـونـاني سـتـرابـون والـمـؤرخ الـرّومـاني أبـيـانـوس الـلـذان عـاصـرا الـفـتـرتـيـن الـسّـلـوقـيـة والـفـارثـيـة أنّ الـوركـاء كـانـت مـركـزاً لـواحـدة مـن أهـمّ مـدارس عـلـم الـفـلـك والـتّـنـجـيـم في زمـنـيـهـمـا.

وقـد عـثـر خـلال الـتّـنـقـيـبـات عـلى بـنـايـات كـانـت قـد جـددت في الـعـصـر الـسّـلـوقي، ولـكـنّـهـا احـتـفـظـت في الـغـالـب بـأسـالـيـبـهـا وخـصـائـصـهـا الـتّـقـلـيـديـة.

وعـثـر في بـورسـيـبـا (الّـتي تـسـمى الآن بـيـرس نـمـرود) قـرب بـابـل عـلى نـصـوص مـسـمـاريـة تـذكـر تـشـيـيـد الـمـلـك أنـطـيـوخـوس الأوّل لـلإزيـدا، مـعـبـد الإلـه نـبـو. وعـثـر كـذلـك في أور عـلى نـصـوص مـسـمـاريـة تـذكـر تـرمـيـمـات وأعـمـال صـيـانـة لـلـمـعـابـد والأمـاكـن الـمـقـدسـة فـيـهـا.

وقـد وجـدت في أور وفي نـيـبـور أخـتـام مـن الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة. وعـثـر في نـيـبـور عـلى مـسـتـويـات سـلـوقـيـة في داخـل الـقـصـر احـتـفـظـت بـمـخـطـط الـبـنـاء الـقـديـم ولـكـن أضـيـفـت عـلـيـهـا “طـارمـات” تـسـتـنـد سـقـوفـهـا عـلى أعـمـدة مـن الـصـلـصـال الـمـفـخـور تـعـلـوهـا تـيـجـان زيّـنـت حـسـب الأسـلـوب الـيـونـاني الـدّوري.

ووجـدت مـسـتـويـات سـكـنـت في الـعـصـر الـسّـلـوقي في مـواقـع نـيـنـوى وتـلّ نـمـرود.

ومـن هـذا نـرى أنّ بـلاد بـابـل، الّـتي كـانـت بـيـن بـلاد سـومـر في الـجـنـوب وبـلاد آشـور في الـشّـمـال، كـان لـهـا دور رئـيـسي في تـكـويـن الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة في الـشّـرق.

آثـار مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة :

عـثـر الـمـنـقّـبـون عـلى آثـار سـلـوقـيـة في عـشـريـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن خـلال بـحـثـهـم عـن مـديـنـة أوبـيـس  Opis الّـتي ذكـرتـهـا الـمـصـادر الإغـريـقـيـة الّـتي تـكـلّـمـت عـن الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

وقـد بـدأت الـتّـنـقـيـبـات الأمـريـكـيـة الّـتي أشـرف عـلـيـهـا وتـرمـان L. Waterman مـن جـامـعـة مـيـشـغـان عـام 1927 (9). واسـتـمـرت إلى عـام 1932. ثـمّ نـقّـب فـي سـلـوقـيـة هـوبـكـنـس   C. Hopkins  في 1936/ 1937. وقـامـت جـامـعـة تـوريـنـو الإيـطـالـيـة بـتـنـقـيـبـات في الـمـوقـع مـن 1964 إلى 1968، ومـن 1985 إلى 1989.

وأهـم جـزء مـن مـديـنـة سـلـوقـيـة وجـد في تـلّ عـمـر، مـقـابـل طـاق كـسـرى في طـيـسـفـون.

%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%84-%d8%b9%d9%85%d8%b1-2

 

ولا شـكّ في أنّ مـعـرفـتـنـا بـهـذه الـفـتـرة الـمـهـمّـة مـن تـاريـخ الـعـراق سـتـتـحـسـن إذا مـا نـقّـب الـمـوقـع بـكـامـلـه في يـوم مـن الأيّـام، وإذا مـا أولـيـنـاه شـيـئـاً أكـبـر مـن الـجـهـد والإهـتـمـام.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : “الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل” الـمـنـشـور في مـدونـتي : “بـيـن دجـلـة والـفـرات” :  https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/03/07/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%80%D9%83%D9%80%D9%86%D9%80%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%85%D9%80%D9%82%D9%80%D8%AF%D9%88%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D9%80%D9%85%D9%80%D9%88%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D9%80/

(2) خـلال تـنـقـيـبـاتـه في بـابـل في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، وجـد عـالـم الآثـار الألـمـاني روبـرت كـولـدِفي Robert Koledewey  في تـلّ الـحـمـيـرة أكـوام بـقـايـا الـخـرائـب الّـتي حـمـلـهـا الـعـمّـال مـن مـوقـع الأي سَـجـيـل، مـعـبـد الإلـه مـردوخ ومـن زقـورتـه : إي تي مـيـن أنـكي، بـعـد أن قـرر الإسـكـنـدر الـمـقـدوني إزاحـة مـا تـهـدّم مـنـهـمـا وإعـادة تـشـيـيـدهـمـا.

(3) لـم يـؤسـس الـمـقـدوني عـاصـمـة لـه، فـقـد بـهـرتـه مـديـنـة بـابـل الّـتي كـانـت قـد طـبّـقـت فـيـهـا، عـنـد إعـادة بـنـاء مـركـزهـا ومـعـالـمـهـا الـمـهـمّـة في فـتـرتـهـا الأخـيـرة، قـوانـيـن مـعـمـاريـة جـديـدة : تـقـسـيـم الـمـديـنـة إلى أجـزاء حـيـويـة وتـنـظـيـمـهـا لـيـشـغـل كـلّ قـسـم مـنـهـا دوره الـمـعـهـود بـه إلـيـه : الـسّـيـاسي والـدّيـني والـصّـنـائـعي والـتّـجـاري إلى جـانـب الأحـيـاء الـسّـكـنـيـة. وقـد اسـتـوعـب مـعـمـاريـة الـيـونـان هـذه الـقـوانـيـن وحـوّروهـا لـتـنـاسـب طـبـيـعـة مـدنـهـم، ثـمّ طـبّـقـوهـا وخـاصـة في تـشـيـيـد مـديـنـة الإسـكـنـدريـة في مـصـر.

(4) كـان اخـتـيـار الإسـكـنـدر هـذا سـيـاسـيـاً أراد بـه أن يـفـرض نـفـسـه كـمـلـك شـرعي وخـلـف لـلـمـلـوك الـشّـرقـيـيـن الّـذيـن حـكـمـوا بـابـل.

(5) وهـو في حـسـاب مـؤرخـيـن آخـريـن يـبـدأ في عـام 311 قـبـل الـمـيـلاد.

(6) كـانـت أوبي أو أوبـيـس هـذه في مـوقـع مـديـنـة قـديـمـة عـرفـت بـاسـم أكـشـاك، نـجـد لـهـا ذكـراً في الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة في زمـن حـمـورابي، مـلـك بـابـل (1955ــ 1913 قـبـل الـمـيـلاد) قـرب مـا أسـمي بـعـد ذلـك بـ”سـدّ نـبـوخـذ نـصـر” أو “الـسّـور الـحـامي مـن الـمـيـديـيـن”.

(7) أو في 305 قـبـل الـمـيـلاد في حـسـاب مـؤرخـيـن آخـريـن.

(8) كـانـت الـوركـاء واحـدة مـن أقـدم مـدن بـلاد سـومـر والّـتي يـعـود تـاريـخـهـا إلى مـا يـقـارب أربـعـة آلاف عـام قـبـل الـمـيـلاد (أي قـبـل سـتّـة آلاف عـام قـبـل زمـنـنـا هـذا !). وقـد عـثـر الـمـنـقّـبـون في الـوركـاء عـلى أقـدم نـصّ مـكـتـوب في تـاريـخ الـبـشـريـة، ولـهـذا يـقـال إنّ “الـكـتـابـة ولـدت في الـوركـاء”.

(9) مـوّل الـتّـنـقـيـبـات :  The Kelsey Museum of Archaeologie و   The American School of Oriental Rasaarch و The Toledo Museum and The Clevland Museum .

*  إسـتـعـنـت في بـعـض أقـسـام الـمـقـال بـبـعـض مـا ذكـره الـبـاحـث كـارلـو لـيـبـولـيـس في مـقـالـه عـن الـهـلـنـسـتـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، والـمـنـشـور في كـتـاب L’art en Mésopotamie الـصّـادر عـن دار نـشـر هـازان في 2006. أمّـا في أغـلـب مـا جـاء في الـمـقـال فـقـد اعـتـمـدت عـلى عـدد كـبـيـر مـن الـمـصـادر الـتّـاريـخـيـة.