عـنـدمـا كـانـت الـرّطـبـة حـصـنـاً في وسـط الـصّـحـراء

rutba-6

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

في وسـط الـصّـحـراء الـعـراقـيـة ــ الـسّـوريـة، حـفـرت آبـار كـان يـسـتـقي مـنـهـا الـبـدو الـرّحـل، تـحـيـطـهـا تـلال في وسـطـهـا وادٍ جـاف. ودعـيـت الآبـار بـالـرّطـبـة، ثـمّ تـحـوّل الإسـم إلى “الـرُّطـبـة”. وصـارت طـرق الـقـوافـل تـمـرّ بـهـا وتـتـقـاطـع عـنـدهـا.

حـصـن الـرُّطـبـة :

وخـلال فـتـرة الإنـتـداب الـبـريـطـاني عـلى الـعـراق أدرك الـبـريـطـانـيـون أهـمـيـة مـوقـع آبـار الـرّطـبـة : Rutbah Wells  كـمـا كـانـوا يـسـمـونـهـا آنـذاك، وأنـشـأوا فـيـه قـاعـدة جـوّيـة ومـطـاراً عـسـكـريـاً فـيـه مـحـطـة إذاعـة لـلـمـراسـلات الـعـسـكـريـة. كـمـا كـانـت طـائـرات الـخـطـوط الـجـوّيـة لـلإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة The Imperial Airways  تـتـوقّـف فـيـه في طـريـقـهـا إلى الـهـنـد.

وفي عـام 1927 شـيّـدوا فـيـه حـصـنـاً : Rutbah Fort، بـنـايـة مـربـعـة واسـعـة لـيـس لـجـدرانـهـا نـوافـذ تـنـفـتـح عـلى الـخـارج. في زوايـهـا الأربـع أربـعـة أبـراج. وألـصـق بـأحـد أضـلاعـهـا بـنـاء مـثـلـث زاويـتـه الـمـدبـبـة مـوجـهـة نـحـو الـخـارج لـيـقـاوم ريـاح الـفـيـفـاء ورمـالـهـا.

سـيّـارات نـيـرن والـرّطـبـة :

ذكـرنـا في مـقـال سـابـق (1) كـيـف اسـتـطـاع الأخـوان نـورمـان وجـيـرالـد نـيـرن Norman and Gerald Nairn (وأصـلـهـمـا مـن نـيـوزيـلـنـدة) تـوقـيـع عـقـد مـع الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق وفـلـسـطـيـن، ومـع الـسّـلـطـات الـفـرنـسـيـة في سـوريـا لـنـقـل الـبـريـد بـيـن حـيـفـا وبـغـداد. وتـعـهـدّا بـإيـصـالـه بـمـدّة لا تـتـجـاوز الـيـومـيـن والـنّـصـف. وبـدأت أولى سـفـرات الـشّـركـة الّـتي أسـسـاهـا لـذلـك في نـهـايـة عـام 1923.

وبـعـد أن حـالـفـهـمـا الـنّـجـاح في مـهـمـتـهـمـا، وسّـعـا أعـمـال شـركـتـهـمـا لـتـشـمـل نـقـل الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع، واشـتـريـا بـاصـات كـاديـلاك تـتـسـع لـنـقـل سـبـعـة مـن الـرّكّـاب إلى جـانـب خـزّان مـاء واحـتـيـاطي وقـود، صـمـمـت خـصـيـصـاً لـقـطـع مـسـافـات طـويـلـة عـبـر الـبـراري الـقـاحـلـة.

وكـانـت الـبـاصـات تـسـيـر مـجـتـمـعـة، ثـلاثـة مـعـاً في الـغـالـب يـصـاحـبـهـا دلـيـل مـن الـبـدو يـتـبـع آثـار الـطّـريـق. وكـانـت الـطّـريـق إلى بـغـداد تـعـبـر الـفـرات في الـفـلـوجـة.

ثـمّ بـدأت الـشّـركـة بـاسـتـخـدام بـاصـات كـبـيـرة تـوفّـر بـعـض وسـائـل الـرّاحـة لـلـمـسـافـريـن، وزودت بـعـجـلات مـن نـوع جـديـد تـتـحـمـل قـسـاوة الـجـو وسـوء حـالـة الـطّـريـق.

وعـنـدمـا تـدهـورت الـحـالـة الأمـنـيـة عـلى هـذه الـطّـريـق، حـوّلـت الـشّـركـة مـسـيـر سـيّـاراتـهـا إلى الـطّـريـق الـجـنـوبـيـة مـن حـيـفـا إلى الـقـدس فـعـمـان ثـمّ الـرّطـبـة وبـغـداد.

وقـد سـمـحـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـسـيّـارات الأخـوَيـن نـيـرن بـالـتّـوقّـف بـالـرّطـبـة لـلـتّـزود بـالـوقـود، واسـتـعـمـال الـحـصـن لـلإسـتـراحـة بـيـن مـراحـل الـسّـفـرات.

وفـتـح الأخـوان نـيـرن في الـحـصـن نـزل اسـتـراحـة عـرف بـاسـم                   The Rutba Rest House، يـسـتـطـيـع الـمـسـافـرون فـيـه تـنـاول وجـبـات طـعـام عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة وقـضـاء الـلـيـل في أسـرّة مـريـحـة.

وكـانـت سـيّـارات نـيـرن تـقـطـع الـمـسـافـة بـيـن دمـشـق وبـغـداد (843 كـلـم.) بـأربـع وعـشـريـن سـاعـة. ولـم تـكـن تـتـوقّـف إلّا مـرّتـيـن : في الـرّطـبـة في حـوالي مـنـتـصـف الـطّـريـق، ثـمّ في الـرّمـادي. ولـم يـكـن عـلى الـحـدود مـخـفـر تـفـتـيـش ولا جـمـارك، وإنّـمـا كـانـت الـجـمـارك في الـرّمـادي.

وبـعـد اكـتـشـاف الـبـريـطـانـيـيـن لـلـنّـفـط الـعـراقي واسـتـخـراجـه في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن، مـرّت بـالـرّطـبـة أنـابـيـب نـفـط الـمـوصـل ــ حـيـفـا.

فـريـا م. سـتـارك في الـرّطـبـة :

إخـتـرقـت الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة فـريـا مـادلـيـن سـتـارك Freya Madeline STARK بـاديـة الـشّـام مـن دمـشـق إلى بـغـداد عـام 1929، وذكـرت في رسـالـة كـتـبـتـهـا إلى أخـتـهـا فـيـفـا Viva  في 26 تـشـريـن الأوّل 1929 :

“وصـلـنـا الـرّطـبـة عـلى ضـوء الـنّـجـوم، ورأيـنـا نـوراً يـشـع مـن بـعـيـد مـن فـوق الـجـدران الّـتي لـيـس لـهـا نـوافـذ ـ أربـعـة أبـراج وبـوابـة وشـرطي مـن أبـنـاء الـعـشـائـر بـوجـهـه الـعـربي الـوحـشي وبـنـجـمـة عـلى جـبـيـنـه، يـرتـدي مـعـطـفـاً أحـمـر طـويـلاً وبـيـده بـنـدقـيـة، يـنـتـصـب أمـام الـبـوابـة الـمـوصـدة.

11745858_495278620640042_2795898238070758125_n

وكـان هـذا الـمـكـان يـبـدو شـبـيـهـاً بـذلـك الّـذي أخـرجـه الـجـنّي مـن الـعـدم عـنـدمـا فـرك الـمـصـبـاح [الـسّـحـري].

وجـاء الـعـشـاء بـعـد ذلـك : سـمـك سـالـمـون ومـايـونـيـز وكـسـتـر وجـلي. ووجـدنـا عـلى الـجـدران أخـبـاراً وإعـلانـات عـن نـادي الـغـولـف في الـمـنـطـقـة، وسـمـعـنـا الـضّـبـاط الإنـكـلـيـز يـثـرثـرون عـن مـشـتـريـاتـهـم أو عـن صـيـدهـم ومـا إلى ذلـك، ويـبـدون لـطـفـاء مـقـارنـة بـالـضّـبـاط الـفـرنـسـيـيـن في سـوريـا.

وفي الـسّـاعـة الـواحـدة، فـتـحـت لـنـا الـبـوابـة، وسـرعـان مـا اخـتـفـت أضـواء الـرّطـبـة وراءنـا. ووصـلـنـا الـرّمـادي في الـثّـامـنـة [صـبـاحـاً] ومـررنـا بـالـجـمـارك. وبـعـد مـسـيـرة ثـلاث سـاعـات أخـرى أبـصـرنـا دجـلـة في الـثّـانـيـة [بـعـد الـظّـهـر]، ثـمّ اهـتـزّ تـحـتـنـا جـسـر الـقـوارب الـعـائـم في بـغـداد”. (2)

ولـديـنـا عـدد مـن الـصّـور تـنـتـمي إلى مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون E. Matson، الـتـقـطـت عـام 1932. وهي مـحـفـوظـة الآن في مـكـتـبـة الـكـونـغـرس الأمـريـكي. (3)

matson-rt-1

rutba-2

rutba

matson-rt-2

rutba-4

 

matson-rt-4

matson-rt-3

 

هـنـري مـورتـون في الـرّطـبـة :

وبـعـد 22 عـامـاً عـلى مـرور فـريـا سـتـارك بـالـرّطـبـة مـرّ بـهـا الـكـاتـب الـبـريـطـانـي هـنـري ف. مـورتـون Henry V. Morton. ووصـف الـلـيـلـة الّـتي قـضـاهـا فـيـهـا في كـتـابـه : “الـشّـرق الأوسـط  Middle East”  الّـذي نـشـر في لـنـدن عـام 1941 :

“رأيـت الـعـلـم الـعـراقي [عـنـدمـا وصـلـنـا] يـرفـرف فـوق الـبـوابـة، وصـاريـة الـلاسـلـكي تـرتـفـع نـحـو الـسّـمـاء مـن أحـد أبـراج الـحـصـن […] بـيـنـمـا كـان خـفـيـر مـسـلّـح بـزي رسـمي أزرق يـسـيـر أمـامـه جـيـئـة وذهـابـاً”.

“وكـان الـحـوش في الـدّاخـل مـدهـشـاً بـضـجـيـجـه وصـخـبـه مـقـارنـة بـالـصّـحـراء الـسـاكـنـة حـولـه”. “وانـفـتـح بـاب خـرج مـنـه رجـل قـصـيـر الـقـامـة يـرتـدي سـتـرة بـيـضـاء وسـألـني بـالإنـكـلـيـزيـة  : “هـل تـودّ أن تـغـتـسـل وتـمـشـط شـعـرك يـا سـيـدي ؟ لـديـنـا مـاء سـاخـن”. وتـبـعـتـه إلى غـرفـة نـصـبـت فـيـهـا حـوالي عـشـريـن مـغـسـلـة أعـدّت لـلـمـسـافـريـن. وكـان بـجـانـب كـلّ واحـدة مـنـهـا إنـاء مـعـدني مـطـلّي بـالـمـيـنـا مـلئ بـالـمـاء الـسّـاخـن وفـوقـه مـنـشـفـة نـظـيـفـة لـفّـت بـعـنـايـة. وكـان هـنـاك صـابـون إنـكـلـيـزي وأعـداد مـن الأمـشـاط وفـرشـات الـشّـعـر الـنـظـيـفـة”.

“ورأيـت لافـتـة كـتـب عـلـيـهـا “غـرفـة اسـتـراحـة”. فـتـحـت الـبـاب ورأيـت مـشـهـداً مـدهـشـاً حـقّـاً، كـان في الـغـرفـة أعـداد مـن طّـاولات الـخـيـزران الـصّـغـيـرة، وجـلـس رجـال ونـسـاء في مـقـاعـد مـن الـخـيـزران حـول مـدفـأة. وكـان أغـلـبـهـم مـن الإنـكـلـيـز، يـدخـن بـعـضـهـم سـجـائـر ويـرتـشـف آخـرون أكـواب شـاي. وغـامـرت بـالـجـلـوس بـجـانـب انـكـلـيـزيـة كـانـت تـرتـدي الـتّـويـد وتـقـرأ مـجـلّـة إنـكـلـيـزيـة”.

“كـان هـذا نـزل الإسـتـراحـة الّـذي فـتـحـتـه شـركـة نـيـرن لـزبـائـنـهـا في طـريـقـهـم مـن الـشّـرق إلى الـغـرب أو مـن الـغـرب إلى الـشّـرق، وكـانـت هـذه الـغـرفـة تـفـضي إلى غـرفـة طـعـام صـغـيـرة : كـانـت الـشّـراشـف الّـتي تـغـطـيـهـا واسـعـة تـنـزل حـتّى مـسـتـوى الأرضـيـة تـقـريـبـاً. ووضـعـت الـسّـكـاكـيـن والـشّـوكـات بـعـنـايـة شـديـدة …”.  (4)

rutba-1941

(صـورة لـحـصـن الـرّطـبـة الـتـقـطـت عـام 1941)

وفي الـثّـاني مـن أيّـار مـن ذلـك الـعـام، 1941، دخـلـت الـقـوات الـعـراقـيـة الـمـوالـيـة لـرشـيـد عـالي الـكـيـلاني الـحـصـن وسـيـطـرت عـلـيـه فـقـصـفـتـه طـائـرات الـقـوات الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة .R.A.F وفي الـعـاشـر مـن أيّـار أعـادت الـقـوات الـمـوالـيـة لـلـبـريـطـانـيـيـن احـتـلالـه.

وقـد اسـتـمـرت سـيّـارات نـيـرن تـتـوقـف في حـصـن الـرّطـبـة لـيـتـنـاول الـمـسـافـرون وجـبـة عـشـاء أوربـيـة في الـ Rutba Rest House ، ولـيـقـضـوا فـيـه لـيـلـة مـريـحـة حـتّى عـام 1956 عـنـدمـا أوقـفـت الـشّـركـة أسـفـارهـا بـيـن دمـشـق وبـغـداد.

وبـقي الـحـصـن مـنـتـصـبـاً إلى أن خـرّب في 1990/ 1991. وقـد احـتـلّـتـه الـقـوات الأمـريـكـيـة بـعـد غـزو عـام 2003، قـبـل أن يُـسـلّـم إلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 2010.

ــــــــــــــــــــــ

(1)  أنـظـر مـقـالي : “عـنـدمـا كـانـت سـيّـارات نـيـرن تـنـقـل الـمـسـافـريـن عـبـر الـبـاديـة ”  https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/05/19/%D8%B9%D9%80%D9%86%D9%80%D8%AF%D9%85%D9%80%D8%A7-%D9%83%D9%80%D8%A7%D9%86%D9%80%D8%AA-%D8%B3%D9%80%D9%8A%D9%91%D9%80%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D9%80%D9%8A%D9%80%D8%B1%D9%86-%D8%AA%D9%80%D9%86/

(2)  أنـظـر مـقـالي : “فـريـا مـادلـيـن سـتـارك والـعـراق”  https://sabahalnassery.wordpress.com/2015/04/14/%D9%81%D9%80%D8%B1%D9%8A%D9%80%D8%A7-%D9%85%D9%80%D8%A7%D8%AF%D9%84%D9%80%D9%8A%D9%80%D9%86-%D8%B3%D9%80%D9%80%D8%AA%D9%80%D8%A7%D8%B1%D9%83-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B9%D9%80%D8%B1%D8%A7%D9%82/

(3) أنـطـر مـقـالي : “صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون”   https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/06/30/%D8%B5%D9%80%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B9%D9%80%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%80%D8%AC%D9%80%D9%85%D9%80%D9%88%D8%B9%D9%80%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%8A%D9%80%D9%83-%D9%85%D9%80%D8%A7/

(4)  Henry Vollam MORTON, Middle East : a record of travel in the countries of Egypte, Palestine, Iraq, Turkey and Greece , London 1941.

 

 

رابـنـدرانـاث طـاغـور في بـغـداد

2%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كـان شـاعـر الـهـنـد الـكـبـيـر رابـنـدرانـاث طـاغـور  রবীন্দ্রনাথ ঠাকুর   أوّل أديـب شـرقي حـصـل عـلى جـائـزة نـوبـل لـلآداب في 1913 تـقـديـراً لأعـمـالـه الـقـصـصـيـة والـشّـعـريـة  الّـتي كـتـبـهـا بـالـلـغـتـيـن الـبـنـغـالـيـة والإنـكـلـيـزيـة، واحـتـلـت مـكـانـتـهـا الّـتي تـسـتـحـقـهـا في الأدب الـعـالـمي.

وفي عـام 1932، دعـاه الـشّـاه الـفـارسي مـحـمـد رضـا لـزيـارة إيـران. وأراد مـلـك الـعـراق فـيـصـل الأوّل أن يـكـرم طـاغـور هـو الآخـر، فـبـعـث لـه بـدعـوة لـزيـارة الـعـراق.

وقـد تـوجـه عـدد مـن كـبـار الـمـوظـفـيـن والأدبـاء والـمـثـقّـفـيـن الـعـراقـيـيـن، وعـلى رأسـهـم الـشّـاعـر جـمـيـل صـدقي الـزّهـاوي إلى خـانـقـيـن لاسـتـقـبـال طـاغـور، الّـذي كـان قـد تـجـاوز الـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، وعـادوا بـه بـالـقـطـار إلى بـغـداد في 19 أيّـار.

%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1

وكـان بـصـحـبـة أديـب الـهـنـد زوجـة ابـنـه، الـسّـيـدة بـراتـيـمـا ديـفي  Pratima Devi، والـشّـاعـر الـبـنـغـالي آمـيـا شـكـرافـارتي Amiya Chakravarti، وكـدرنـاث شـاتـيـرجي  Kedarnath Chatterjee.

وصـاحـبـت لـجـنـة الإسـتـقـبـال طـاغـور إلى بـغـداد بـالـقـطـار. وكـان في اسـتـقـبـالـه في الـمـحـطّـة عـدد مـن الـمـسـؤولـيـن ووجـهـاء الـمـديـنـة ومـثـقـفـيـهـا، مـن بـيـنـهـم  وزيـر الـدّفـاع جـعـفـر بـاشـا الـعـسـكـري والـسّـيّـد مـحـمّـد الـصّـدر والـعـلّامـة مـحـمّـد بـهـجـة الأثـري والـشّـاعـر مـعـروف الـرّصـافي والـصّـحـفي نـوري ثـابـت …

tagore-2

وقـد أخـتـيـر لإقـامـة طـاغـور في بـغـداد فـنـدق Tigris Palace في شـارع الـرّشـيـد والّـذي تـطـلّ خـلـفـيـتـه عـلى نـهـر دجـلـة.

وتـوجـه شـاعـر الـهـنـد الـكـبـيـر إلى الـقـصـر الـمـلـكي الّـذي اسـتـقـبـلـه فـيـه الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وكـبـار رجـال الـدّولـة، وعـلى رأسـهـم رئـيـس الـوزراء نـوري الـسّـعـيـد.

%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af

وقـد أعـجـب طـاغـور بـالـمـلـك فـيـصـل ووجـده مـتـواضـعـاً يـحـبّ الـبـسـاطـة في حـيـاتـه، كـمـا وجـده  واسـع الـمـعـرفـة مـغـرمـاً بـالـشّـعـر.

وفي الـمـسـاء، أقـام الـمـلـك ولـيـمـة احـتـفـاءً بـه. وقـد ألـقى طـاغـور خـلالـهـا قـصـيـدة كـان قـد نـظـمـهـا بـالـبـنـغـالـيـة لـهـذه الـمـنـاسـبـة :

« Abasan Holo Rati

Nibaiya Phelo Kalima-Molin

Gharer Koner Bati

Nikhiler Alo Purba Akashe

Jwalilo Punyadine

Eksathe Jara Chalibe Tahara

Sakalere Nik Chine ».

وتـبـعـهـا بـتـرجـمـتـهـا الإنـكـلـيـزيـة :

« The night has ended

Put out the light of the lamp

of thine own narrow corner

smudged with smoke

The great morning which is for all

appears in the East

Let its light reveal us

to each other

who walk on

the same

path of pilgrimage ».

وقـد تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة :

“مـضى الـلـيـل. أطـفئ نـور مـصـبـاحـك في زاويـتـك الـضّـيـقـة الـمـظـلـمـة، الّـتي سـخـمـهـا الـدّخـان، فـقـد انـبـثـق الـفـجـر في الـشّـرق … لـيـبـصـر كـلّ واحـد مـنّـا في ضـوئـه بـالآخـريـن  … بـكـلّ مـن يـسـيـرون عـلى نـفـس هـذا الـدّرب نـحـو الـمـكـان الـمـقـدّس ..

وعـنـدمـا تـغـدّى طـاغـور في الـغـد مـع الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، تـكـلّـم لـه عـن رغـبـتـه في زيـارة الـبـدو، فـأعـدّ لـه الـمـلـك سـفـرة إلى مـضـارب عـشـيـرة أعـراب على بـعـد حـوالي 25 كـلـم. عـن بـغـداد.

tagore-15-277x191

واسـتـقـبـلـه شـيـخـهـا تـحـت خـيـمـة واسـعـة ودعـاه لـتـنـاول الـهـبـيـط (وهـو نـوع مـن الـثّـريـد يـغـطّى خـبـزه بـالـرّز ولـحـم الـخـرفـان) مـعـهـم.

tagore-5

وزار طـاغـور مـعـالـم بـغـداد وذهـب إلى الـمـتـحـف الـعـراقي الّـذي كـان يـديـره في ذلـك الـحـيـن عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان Julius Jordan. وكـانـت دهـشـتـه كـبـيـرة لاكـتـشـاف كـلّ الـكـنـوز الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا الـمـتـحـف.

وقـد دعي طـاغـور خـلال أيّـام إقـامـتـه في بـغـداد إلى عـدد مـن الـمـحـافـل الّـتي أقـامـهـا لـه أدبـاء الـعـراق وصـحـفـيـوه ومـثـقـفـوه.

فـقـد أقـيـمـت لـه مـسـاء الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن أيّـار حـفـلـة في حـديـقـة أمـانـة الـعـاصـمـة حـضـرهـا رجـال الـدّولـة وعـلى رأسـهـم نـوري الـسّـعـيـد وعـدد مـن الـمـوظـفـيـن الأجـانـب. وفـيـهـا وأنـشـد مـعـروف الـرّصـافي قـصـيـدتـه “الـحـقـيـقـة الـمـطـلـقـة”، ومـطـلـعـهـا :

مـا لـلـحـقـيـقـةِ مـن بـدايـة          كـلّا، ولـيـس لـهـا نـهـايـة

%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b5%d8%a7%d9%81%d9%8a

وقـرأ الـزّهـاوي قـصـيـدة مـطـلـعـهـا :

كـنـتَ طـاغـور مـاثـلاً في خـيـالي        حـيـثـمـا الـتـفـتَّ أجـدكَ حـيـالي

وقـد شـبّـه طـاغـور بـعـد ذلـك صـوت الـزّهـاوي بـأمـواج بـحـر ثـائـر تـتـلاطـم. كـمـا ألـقى مـحـمّـد بـهـجـة الأثـري قـصـيـدة هـو الآخـر، أشـار فـيـهـا إلى الـوضـع الـسّـيـاسي الـمـتـوتـر مـنـذ تـوقـيـع الـحـكـومـة الـعـراقـيـة لـمـعـاهـدة 1930 مـع بـريـطـانـيـا. وكـان مـطـلـع قـصـيـدتـه :

بـسـمـتَ لـبـغـداد و بـغـداد ثـاكـلـة         فـلـم تـرَ إلّا أن تـهـشّ مـجـامـلـة

واسـتـمـع الـحـاضـرون إلى طـاغـور يـقـرأ أشـعـاره بـالـبـنـغـالـيـة، ويـتـبـعـهـا بـتـرجـمـتـهـا  الإنـكـلـيـزيـة. ثـمّ تـتـرجـم لـه إلى الـعـربـيـة.

وفي مـسـاء الـيـوم الـتّـالي نـظّـم نـادي الـمـعـلـمـيـن حـفـلـة عـشـاء تـكـريـمـاً لـطـاغـور أقـيـمـت في إحـدى قـاعـات فـنـدق  Tigris Palace  الّـذي كـان يـقـيـم فـيـه شـاعـر الـهـنـد. وبـعـد أن تـتـالـت الـخـطـب والـقـصـائـد في تـكـريـم الـضّـيـف، شـكـر طـاغـور الـحـاضـريـن وفـصّـل لـهـم الـكـلام عـن مـفـهـومـه لـلـتّـعـلـيـم.

ودعـاه وزيـر الـمـعـارف عـبـد الـحـسـيـن الـجـلـبي إلى حـفـل عـشـاء ألـقى فـيـه طـاغـور مـحـاضـرة عـن الـتّـعـلـيـم  الـحـرّ.

وقـد تـطـرّق طـاغـور في أحـد هـذه الـلـقـاءات إلى صـراع الـهـنـدوسـيـيـن والـمـسـلـمـيـن في الـهـنـد، ورجى ضـيـوفـه أن يـطـرحـوا الـمـشـكـلـة مـن رؤيـة روحـانـيـة مـثـالـيـة لـيـسـاعـدوا بـلـده الـهـنـد عـلى أن لا يـنـجـرف نـحـو تـعـصـبـات طـائـفـيـة ضـيّـقـة، وأن يـتـجـاوزهـا لـلـوصـول إلى اتـحـاد كـلّ الـهـنـود واسـتـقـلالـهـم الـكـامـل.

ولاهـتـمـام طـاغـور بـالـتّـعـلـيـم، وبـطـرق الـتّـدريـس ومـنـاهـجـه، فـقـد زار دار الـمـعـلـمـات في بـغـداد. وبـعـد أن تـعـرّف عـلى مـا كـان يـدرّس في الـمـدارس، وخـاصـة لـلـبـنـات، وتـحـاور مـع الـحـاضـريـن، ألـقى، تـلـبـيـة لـطـلـبـاتـهـم، بـعـضـاً مـن شـعـره.

ويـقـال إنّ طـاغـور ذهـب مـع أدبـاء عـراقـيـيـن إلى مـقـهى الـزّهـاوي، وإنّـه شـرب فـيـه”الـحـامـض”.

وأقـيـم لـطـاغـور حـفـل وداع في قـصـر الـشّـابـنـدر الـمـطـلّ عـلى دجـلـة، في مـحـلّـة الـسّـفـيـنـة في الأعـظـمـيـة حـضـره عـدد مـن الأدبـاء والـشّـعـراء والـصـحـفـيـيـن، وألـقى فـيـه إبـراهـيـم حـلـمي الـعـمـر وأنـور شـاؤول كـلـمـتـيـن بـالـمـنـاسـبـة.

ولـرغـبـة طـاغـور بـالإسـتـمـاع إلى الـمـوسـيـقى الـعـراقـيـة  فـقـد غـنّـت لـه الـسّـت جـلـيـلـة، وغـنّى مـحـمـد الـقـبـانـجي.

ومـا زلـنـا نـقـرأ هـنـا وهـنـاك أنّ طـاغـور نـظـم شـعـراً في بـغـداد تـرجـمـه جـمـيـل صـدقي الـزّهـاوي إلى الـعـربـيـة بـعـنـوان “يـا بـلـبـل غـنّي لـجـيـرانـا”، ولـحّـنـه صـالـح داود الـكـويـتي، وغـنّـتـه زكـيـة جـورج بـعـد ذلـك.

وقـد رسـم طـاغـور لـوحـة ــ قـصـيـدة وخـطّ كـلـمـاتـهـا وكـتـب في أسـفـلـهـا : “24 أيّـار 1932″، تـحـتـوي عـلى الـشّـعـر الّـذي ألـقـاه في ولـيـمـة الـمـلـك. ويـبـدو أنّـه أهـدى واحـدة مـثـلـهـا لـلـمـلـك فـيـصـل الأوّل قـبـل أن يـغـادر الـعـراق.

وغـادر طـاغـور ومـصـاحـبـيـه مـطـار بـغـداد عـلى مـتـن طـائـرة هـولـنـديـة في الـثّـلاثـيـن مـن أيّـار (أو الأوّل مـن حـزيـران)، ووصـلـوا إلى كـلـكـتـا في 3 حـزيـران.

وقـد وصـف طـاغـور رحـلـتـه في كـتـاب نـشـره بـعـد عـودتـه إلى الـهـنـد بـعـنـوان :  رحـلـة إلى بـلاد فـارس وإلى الـعـراق

Journey to Persia and Iraq: 1932  (1)

tagore-3

طـاغـور والـمـوت الـهـاطـل مـن الـسّـمـاء :

إلـتـقى طـاغـور بـالـمـرشـد الـدّيـني الـمـسـيـحي في  The British Air Force في بـغـداد. وقـد أخـبـره رجـل الـدّيـن الـبـريـطـاني هـذا أنّ طـائـرات الـقـوّات الـجـوّيـة الـبـريـطـانـيـة كـانـت تـقـصـف كـلّ يـوم قـرى ثـار شـيـوخـهـا عـلى سـيـطـرة الـبـريـطـانـيـيـن عـلى الـحـكـم بـعـد إبـرام مـعـاهـدة 1930. وكـانـت بـريـطـانـيـا، بـعـد اكـتـشـاف الـنّـفـط في شـمـال الـعـراق عـام 1927، قـد اشـتـرطـت عـلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة تـوقـيـع الـمـعـاهـدة مـقـابـل أن تـسـانـد الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة لـلـدّخـول في عـصـبـة الأمـم.

فـكـتـب طـاغـور عـن ذلـك في كـتـابـه الّـذي نـشـره عـن رحـلـتـه بـعـد رجـوعـه إلى الـهـنـد :

“هـنـاك يُـقـتـل رجـال ونـسـاء وأطـفـال، يـلاقـون حـتـفـهـم بـقـرارات تـصـدرهـا سـلـطـات الإمـبـريـالـيـة الـبـريـطـانـيـة الـعـلـيـا، الّـتي يـسـهـل عـلـيـهـا أن تـرشّ الـمـوت عـلى مـن لا تـراهـم لـبـعـدهـم الـجـغـرافي عـنـهـا. ويـبـدو هـؤلاء الّـذيـن لا يـحـسـنـون فـنّ الـقـتـل الـحـديـث ضـعـفـاء لا قـيـمـة لـهـم في أعـيـن الّـذيـن يـمـجّـدون مـهـارتـهـم في الـقـتـل”.

The men, women and children, there done to death, meet their fate by decree of the upper region of British imperialism, – which finds it so easy thus to shower death because of its distance from its individual victims. So dim and insignificant do those unskilled in the modern arts of killing appear to those who glory in such skill! »

(رحـلـة إلى بـلاد فـارس والـعـراق، ص. Journey to Persia p.23)

وكـتـب :

“يـعـتـبـر الـمـسـيـح أنّ كـلّ أبـنـاء الـبـشـريـة هـم أبـنـاء الله، ولـكـن الـمـسـيـحي الـحـديـث تـرك الأب والأبـنـاء في الـظّـل، لا يـمـكـنـه أن يـتـعـرّف عـلـيـهـم مـن عـلـو طـائـراتـه الـقـاصـفـة، ولـهـذا فـهـو عـنـدمـا يـضـرب، يـضـرب قـلـب الـمـسـيـح في صـمـيـمـه”.

Christ acknowledged all mankind to be the children of his Father; but for the modern Christian both Father and children have receded into shadows, unrecognizable from the height of his bombarding planes; for which reason these blows are being dealt at the very heart of Christ himself.

( رحـلـة إلى بـلاد فـارس والـعـراق. ص. Journey to Persia p. 23-24)

وقـد أدرك طـاغـور، بـعـد أن سـافـر بـالـطّـائـرة ورأى مـعـالـم الأرض تـخـتـلـط ثـمّ تـتـلاشى نـاظـراً إلـيـهـا مـن عـلـوه الـشّـاهـق، كـيـف يـسـهـل عـلى طـيّـار حـربي أن يـقـصـف رجـالاً ونـسـاءً وأطـفـالاً لا يـعـرفـهـم و لا يـمـكـنـه أن يـراهـم، فـكـتـب :

tagore-6

“وكـلّـمـا ارتـفـعـت الـطّـائـرة وعـلـت في الـسّـمـاء، كـلّـمـا اخـتـصـرت حـوّاسـنـا واخـتـزلـتـهـا إلى واحـدة فـقـط : حـاسـة الـبـصـر. وحـتّى هـذه لـم تـعـد لـهـا قـدراتـهـا الـكـامـلـة. وكـلّ مـا يـجـعـلـنـا نـعـتـقـد أنّ الأرض لـهـا وجـود واقـعي واضـح ومـتـنـوّع يـمّـحي شـيـئـاً فـشـيـئـاً، وتـتـحـوّل صـورتـهـا الـثـلاثـيـة الأبـعـاد إلى مـجـرد خـطـوط ومـسـاحـات. وهـكـذا بـفـقـدانـهـا لـجـوهـرهـا يـنـحـلّ تـأثـيـرهـا عـلى عـقـولـنـا وقـلـوبـنـا ويـتـراخى. وقـد أدركـت في أعـمـاقي مـا يـمـكـن أن يـنـتـج عـن هـذا الإبـتـعـاد عـن الـعـالـم عـنـدمـا تـتـاح لـلـمـرء فـرصـة أن يـمـطـر الـهـلاك عـلى أنـاس يـجـهـلـهـم بـعـيـداً في أسـفـل [طـائـرتـه]. مـن الـقـاتـل ومـن الـمـقـتـول ؟ ومـن ذو الـقـربى ومـن الـغـريـب ؟

As it (sc. the aeroplane) rises higher and higher, it reduces the play of our senses to that of one alone – of sight – and even that is not left in its fullness. All the signs for which we believe the earth to be obviously and variously real, are gradually wiped out, resolving its three-dimensional picture into lines of one dimension only. Thus deprived of its substantiality, its hold on our mind and heart is loosened. And it is borne in on me how terrible such aloofness can become, once it is found expedient to rain destruction on the vagueness below. Who is the slayer, who the slain? Who is kin, who is stranger?

(رحـلـة إلى بـلاد فـارس والـعـراق. ص. Journey to Persia p. 23)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أصـدرت دار نـشـر Orient Black Swan  طـبـعـة جـديـدة لـه في 2003.

بـطـاقـات بـريـديـة عـن الـعـراق نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك في لـنـدن

tuck-xxxxvi

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شـركـة رفـائـيـل تـك في لـنـدن :

بـدأ رفـائـيـل تـك Raphael Tuck  يـمـارس الـتّـجـارة بـمـسـاعـدة زوجـتـه في لـنـدن. وشـرعـا عـام 1866 بـبـيـع صـور لـرسـوم ولـبـطـاقـات تـهـاني. وتـحـسـنـت تـجـارتـهـمـا عـنـدمـا  أضـافـا إلـيـهـا بـيـع الـبـطـاقـات الـبـريـديـة.

وأصـبـحـت شـركـتـهـمـا بـعـد سـنـوات قـلـيـلـة مـن أهـم الـشّـركـات الـبـريـطـانـيـة الـمـخـتـصـة بـطـبـع الـبـطـاقـات وبـيـعـهـا في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وبـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن.

وشـارك ثـلاثـة مـن أبـنـائـهـمـا في تـسـيـيـر الـشّـركـة فـأصـبـح اسـمـهـا :           R. Tuck & Sons  ثـمّ أدار الإبـن الـثّـاني أدولـف الـشّـركـة حـتّى وفـاتـه في 1926.

tuck-34

(عـلامـة شـركـة رفـائـيـل تـك وأبـنـائـه الـمـسـجّـلـة)

وقـد قـصـف مـقـر الـشّـركـة في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة عـام 1940 ودُمـرت الـمـسـوّدات الأصـلـيـة لـلـصّـور الّـتي كـانـت فـيـه، ومـن بـيـنـهـا صـور الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن. ولـم يـبـق لـنـا إلّا الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الّـتي كـانـت قـد طـبـعـت عـنـهـا.

بـطـاقـات بـريـديـة طـبـعـتـهـا شـركـة ر. تـك لـحـسـاب عـبـد الـكـريـم الـبـصـراوي :

نـعـرف مـن الـنّـص الـمـكـتـوب عـلى ظـهـر عـدد مـن الـبـطـاقـات الـبـريـديـة أنّ الـشّـركـة الـلـنـدنـيـة طـبـعـتـهـا لـحـسـاب كـريـم الـبـصـراوي :

.Copyright Kerim

.Raphael Tuck & Sons’ « Collo- Photo » Post Card

.Art Publishers to Their Majesties The King & Queen

.Published for A. Kerim, Basra, Persian Gulf

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b5%d8%b1%d8%a9-2-2

وقـد تـكـلّـمـنـا في مـقـال سـابـق عـن كـريـم الـبـصـراوي هـذا (1) وقـلـنـا إنّ الإسـم    A. Kerim ربّـمـا كـان إخـتـصـاراً لـعـبـد الـكـريـم :  Abdul Kerim.  ويُـحـتـمـل إذن أن يـكـون الـمـقـصـود بـه عـبـد الـكـريـم إبـراهـيـم يـوسـف تـبـوني الّـذي كـان مـسـيـحـيـاً كـلـدانـيـا مـن الـبـصـرة، سـافـر إلى الـهـنـد في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر ودرس في بـومـبـاي. وقـد اشـتـرى هـنـاك آلـة تـصـويـر عـاد بـهـا إلى الـبـصـرة وفـتـح اسـتـوديـو تـصـويـر فـيـهـا.

وقـد وجـدت 42 بـطـاقـة عـلـيـهـا في أسـفـل يـسـارهـا عـلامـة الـشّـركـة، وفي أسـفـلـهـا أيـضـاً تـعـلـيـق بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة يـصـف الـمـشـهـد والـمـكـان الّـذي الـتـقـطـت فـيـه الـصّـورة.

ويـمـكـنـنـا أن نـصـنّـف هـذه الـبـطـاقـات في ثـلاث مـجـمـوعـات :

1 .  صـور تـتـعـلـق بـالـسّـلـطـات الإداريـة لـلـجـيـش الـبـريـطـاني في الـبـصـرة والـمـبـاني الإداريـة الـتّـابـعـة لـهـا :

صـورة لـمـبـنى الـحـكـومـة   »The Government House «  في الـبـصـرة. ونـلاحـظ الـعـلـم الـبـريـطـاني يـرفـرف فـوق الـمـبـنى، مـمـا يـدلّ عـلى أنّـه كـان مـقـرّ الإدارة الـبـريـطـانـيـة لـولايـة الـبـصـرة بـعـد أن دخـلـتـهـا الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في 1914. ولا شـكّ في أنّـه اسـتـعـمـل حـتّى عـام 1921، عـنـدمـا تـكـوّنـت الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة وضـمّـت ولايـة الـبـصـرة إلى ولايـة بـغـداد.

 

ونـجـد عـلى ظـهـر الـبـطـاقـة الـبـريـديـة الّـتي لـديـنـا أنّـهـا أرسـلـت مـن إيـران إلى بـلـجـيـكـا في 10 حـزيـران 1923، وعـلـيـهـا طـابـع إيـراني : “بـسـت مـمـالـك مـحـروسـة إيـران”. وهـذا يـدلّ عـلى أن عـبـد الـكـريـم اسـتـمـرّ في بـيـع بـطـاقـاتـه لـمـدة سـنـوات طـويـلـة .

ورشـات الـجـيـش الـبـريـطـاني الـهـنـدسـيـة  “Engineer Field Park”  في الـبـصـرة :

tuck-ii

مـخـازن الـعـتـاد “Ordnance Depôt” في الـبـصـرة  :

tuck-iv

ورشـات الـبـحـريـة لـلإصـلاح والـصّـيـانـة،  ومـبـنى الـجـمـارك  “Marine Repair shop and Customs” في الـبـصـرة. ولـديـنـا صـورة أخـرى لـمـبـنى الـجـمـارك “Customs House” الـتـقـطـت مـن جـهـة أخـرى :

الـمـسـتـشـفي الـبـريـطـاني  British General Hospital في الـبـصـرة :

tuck-xxxi

مـكـتـب الـبـريـد والـبـرق، شـارع الـسّـاحـل، الـبـصـرة   The Strand. Post & Telegraphs ، وهي الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال.

مـعـسـكـر بـريـطـاني في عـلي الـغـربي  British Camp, Ali Gharbi, Mesopotamia :

xxx

نـصـب شـيّـده الأتـراك في الـكـوت قـبـل أن يـعـيـد الـبـريـطـانـيـون احـتـلالـهـا  Turkish Obelisk Built before Re-occupation of Kut by the British :

tuck-xxxxv

جـنـود أسـتـرالـيـون  Australian Fleying Grops   في الـبـصـرة :

tuck-xxvii

حـطـام سـفـيـنـة في شـطّ الـعـرب Wreck of the « Ekbatana » Shatt- El- Arab  . وكـانـت سـفـيـنـة نـقـل أجـنـبـيـة اسـتـولـت عـلـيـهـا الـقـوات الـتّـركـيـة، وأغـرقـهـا الـبـريـطـانـيـون في الـخـامـس مـن تـشـريـن الـثّـاني عـام 1914 :

tuck-viii

حـطـام سـفـيـنـة حـربـيـة تـركـيـة “مـرمـرة” في نـهـر دجـلـة  Wreck of the « Mermaris » Turkish Gun Boat, River Tigris ، وهي ولا شـكّ قـد أغـرقـت في 1914:

tuck-xxi

 

  1. صـور الـبـصـرة و جـنـوب الـعـراق

صـورة الـقـشـلـة (ثـكـنـة جـنـود الـعـشـار) في الـبـصـرة                            Qashla (Ashar Barracks) Basra ، وكـانـت الـبـنـايـة قـد شـيّـدت في فـتـرة الـحـكـم الـعـثـمـاني لـلـمـديـنـة :

tuck-33

صـورة جـسـر وايـتـلي   Whiteley Bridge (أسـمي بـعـد ذلـك جـسـر الأمـيـر غـازي) في الـبـصـرة :

tuck-xxxx-iv

صـورة شـارع الـسّـاحـل  The Strand  في الـبـصـرة :

صـورتـان لـمـقـاهي الـعـرب Arab Coffee- Shops  في الـبـصـرة :

نـخـيـل  Date Palms في الـبـصـرة :

tuck-xxxiii

بـاعـة الـوقـود  Fuel Market  في الـبـصـرة :

tuck-xxxvi

عـبـور الـخـورة  Across the Kora  ، الـبـصـرة :

tuck-xx

صـورتـان لـنـهـر الـخـورة (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـخـورة)  Kora Creek :

مـدخـل نـهـر الـعـشّـار (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـعـشّـار)  Mouth of the Ashar Creek :

tuck

نـهـر الـعـشّـار (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـعـشّـار)  Ashar Creek  :

tuck-xiv

 

مـشـهـد خـلّاب لـشـطّ الـعـرب   A picturesque View on the Shatt- El- Arab

tuck-xix

الـمـحـمّـرة، الـضّـفـة الـيـسـرى لـشـطّ الـعـرب  Mohhammerah, Left Bank, Shatt- El- Arab :

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b5%d8%b1%d8%a9-2

قـبـر الـعـزيـر، الـضّـفـة الـيـمـنى لـدجـلـة  Ezra’s Tomb, Right Bank, Tigris :

tuck-xxxv

مـنـظـر لـنّـهـر الـفـرات River Scene, Euphrates :

tuck-x

صـورة لـلـنّـاصـريـة (مـثـلـمـا يـراهـا الـطّـائـر الـمـحـلّـق، كـمـا يـقـول الـنّـصّ الإنـكـلـيـزي) Birds eye View :

tuck-xxix

سـوق في الـنّـاصـريـة Bazaar Scene  :

tuck-xxviii-1918

أور “الـكـلـدانـيـة”  « Ur » of the Caldees, Nasiriyeh . والـصّـورة لـلـزّقّـورة. ويـبـدو أنّـهـا الـتـقـطـت قـبـل أن يـشـرع عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني لـيـونـارد وولي بـالـتّـنـقـيـب فـيـهـا عـام 1922 :

r-tuck-31

ضـفـة دجـلـة في مـديـنـة الـعـمـارة Amara, Tigris Bank . ونـقـرأ عـلى ظـهـر هـذه الـبـطـاقـة أنّـهـا أرسـلـت في 11 آب 1918 :

قـريـة أعـراب عـلى ضـفـة دجـلـة  (هـل هي في الأهـوار ؟) Arab Village on the Bank of the Tigris :

tuck-xxiv

فـتـاتـان صـابـئـيـتـان  Subean Girls :

tuck-xxxx

 

صـور بـغـداد :

إلـتـقـطـت هـذه الـصّـور ولا شـكّ بـعـد دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917.

صـورة شـارع”أصـيـل”  Typical Street  في بـغـداد :

tuck-xxxxx

مـحـطّـة قـطـار بـغـداد   Railway Station :

tuck-xxxxi

جـامـع الـكـاظـمـيـن   Kaza main Mosque :

tuck-xxxiv

مـقـبـرة مـسـلـمـيـن  Muslim Cemetry :

tuck-xxxxii

ونـنـهي عـرضـنـا بـصـورة لـلـنّـقـل الـنّـهـري  River Transport, Mesopotamia :

tuck-xxxxiii

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  ألـبـوم صـور طـبـعـتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925 : https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/05/12/%D8%A3%D9%84%D9%80%D8%A8%D9%80%D9%88%D9%85-%D8%B5%D9%80%D9%88%D8%B1-%D9%86%D9%80%D8%B4%D9%80%D8%B1%D8%AA%D9%80%D9%87-%D8%B4%D9%80%D8%B1%D9%83%D9%80%D8%A9-%D8%AD%D9%80%D8%B3%D9%80%D9%88-%D8%A5%D8%AE/

 

 

 

 

 

عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة

%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%84-%d8%b9%d9%85%d8%b1

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـادراً مـا نـجـد في كـتـب الـتّـاريـخ فـصـلاً فـيـه مـعـلـومـات وافـرة عـن مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة كـعـاصـمـة لـلـدّولـة الـسّـلـوقـيـة في الـعـراق الـقـديـم، وعـن دورهـا في تـكـويـن الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة الّـتي أدخـلـت في الـثّـقـافـة الـهـيـلـيـنـيـة (أي الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـثـيـراً مـن مـكـونـات ثـقـافـات مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة وخـاصـة الـثّـقـافـة الـبـابـلـيـة.

وسـأحـاول في هـذا الـمـقـال أن أقـدّم عـرضـاً مـبـسّـطـاً وواضـحـاً لـهـذه الـفـتـرة الّـتي لا تـقـلّ أهـمـيـة عـن الـفـتـرات الأخـرى مـن تـاريـخـنـا.

الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في الـشّـرق :

تـكـلّـمـنـا في مـقـال سـابـق عـن خـروج الإسـكـنـدر الـكـبـيـر مـن مـقـدونـيـا، شـمـال الـيـونـان، بـعـد مـقـتـل أبـيـه الـمـلـك فـيـلـيـب. (1) ورأيـنـا كـيـف عـبـر الـبـوسـفـور مـع جـيـشـه إلى آسـيـا عـام 334 قـبـل الـمـيـلاد، وكـيـف أسـقـط مـدن الـفـيـنـيـقـيـيـن وخـاصـة صـور وصـيـدا، ونـزل إلى مـصـر الّـتي أسـس فـيـهـا مـديـنـة الإسـكـنـدريـة. وكـيـف اعـتـرف بـه كـبـيـر كـهـنـة الإلـه آمـون ابـنـاً لـهـذا الإلـه، فـثـبّـت عـلى خـوذتـه قـرني الـكـبـش (رمـز الإلـه آمـون)، وصُـوّر بـهـمـا عـلى قـطـع الـنّـقـود الّـتي سـكّـهـا حـتّى أسـمي بـالإسـكـنـدر ذي الـقـرنـيـن.

ورأيـنـا كـيـف رجـع مـن مـصـر وصـعـد مـن جـديـد لـيـعـبـر الـفـرات ثـمّ دجـلـة، وكـيـف هـزم داريـا الـثّـالـث، آخـر مـلـوك الـسّـلالـة الـفـارسـيـة الأخِـمـيـنـيـة (الّـتي كـانـت قـد أسـقـطـت الـدّولـة الـبـابـلـيـة حـوالي ثـلاثـة قـرون قـبـل ذلـك) في مـعـركـة دارت في مـوقـع بـيـن الـمـوصـل وأربـيـل في الأوّل مـن تـشـريـن الأوّل عـام 331 قـبـل الـمـيـلاد.

ورأيـنـا كـيـف أنّ الإسـكـنـدر، بـعـد أن أسـقـط الـدّولـة الأخِـمـيـنـيـة، نـزل نـحـو بـابـل الّـتي فـتـح لـه أبـوابـهـا الـسّـطـراب الـفـارسـي مـازدي، وكـيـف دخـلـهـا الـمـقـدوني مـعـلـنـاً أنّـه جـاء يـحـررهـا مـن ربـقـة الـفـرس!

وكـيـف أقـام فـيـهـا شـهـراً أظـهـر خـلالـه تـقـديـسـه لآلـهـة الـبـابـلـيـيـن، وأمـر بـإعـادة تـشـيـيـد الـ “أي سَـجـيـل”، مـعـبـد الإلـه مـردوخ الّـذي كـانـت قـد تـهـدّمـت أجـزاء كـثـيـرة مـنـه (2)، ثـمّ كـيـف اتّـخـذ مـديـنـة بـابـل عـاصـمـة لامـبـراطـوريـتـه الـشّـرقـيـة. (3)

وقـد اخـتـار الإسـكـنـدر أن يـقـيـم في الـقـصـر الـصّـيـفي لـلـمـلـك نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني، الّـذي كـان الـفـرس الأخـمـيـنـيـون قـد اسـتـمـرّوا في اسـتـعـمـالـه قـصـراً يـسـكـنـه مـلـوكـهـم بـعـد أن اسـقـطـوا آخـر الـدّول الـبـابـلـيـة في الـقـرن الـسّـادس قـبـل الـمـيـلاد. (4)

ورأيـنـا كـيـف تـرك الإسـكـنـدر الـمـقـدوني بـابـل مـتّـجـهـا نـحـو الـشّـرق الّـذي غـزا أراضـيـه إلى مـا بـعـد أفـغـانـسـتـان الـحـالـيـة والـهـنـد، وضـمّـهـا إلى امـبـراطـوريـتـه.  ورأيـنـا أخـيـراً كـيـف رفـض جـنـوده الـمـتـعـبـون الإسـتـمـرار في الـتّـقـدم نـحـو أقـصى الـشّـرق، وكـيـف رجـع الإسـكـنـدر نـحـو بـابـل الّـتي مـات فـيـهـا في الـعـاشـر مـن حـزيـران سـنـة 323  قـبـل الـمـيـلاد، بـعـد أن عـانى مـن الـحـمى الّـتي دامـت أيّـامـاً طـويـلـة.

تـقـسـيـم إمـبـراطـوريـة الإسـكـنـدر :

وبـعـد مـوت الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل، إشـتـدّت الـصّـراعـات بـيـن قـوّاده. وتـقـاسـم الـمـنـتـصـرون مـنـهـم الأراضي الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلـيـهـا، فـانـفـصـل بـطـلـيـمـوس الـلاجي (بـطـلـيـمـوس بـن لاجـوس) بـمـصـر وأقـام فـيـهـا سـلالـة الـبـطـالـسـة  (أو الـبـطـالـمـة)، واتّـخـذ مـن الإسـكـنـدريـة عـاصـمـة لـه.

واسـتـولى أنـتـيـغـونـوس مـونـو فـثـالـمـوس (أنـتـيـغـونـوس الـوحـيـد الـعـيـن، أي الأعـور) عـلى بـلاد الإغـريـق وجـزء مـن غـرب آسـيـا.

واسـتـقـلّ سـلـوقـوس (ويـكـتـب أيـضـاً : سـلـوقـس) الّـذي أسـمى نـفـسـه بـ “نـيـكـاتـور Σέλευκος Νικάτωρ”، أي الـمـنـتـصـر، بـالـجـزء الـشّـرقي مـن الإمـبـراطـوريـة، والّـذي كـان يـمـتـدّ مـن سـوريـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد فـارس إلى الـهـنـد.

%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%82%d9%88%d8%b3-2

سـلـوقـوس في بـابـل :

وقـد دخـل سـلـوقـوس نـيـكـاتـور بـابـل عـام 312 قـبـل الـمـيـلاد، واتـخـذهـا عـاصـمـة لـه في بـدايـة حـكـمـه. وضـرب فـيـهـا عـمـلـة بـاسـمـه.

وقـد بـدأ سـلـوقـوس، حـال اسـتـيـلائـه عـلى بـابـل بـتـرمـيـم أجـزاء مـن مُـجـمّـع عـبـادة الإلـه مـردوخ، وبـإعـادة بـنـاء بـعـض أجـزائـه، وخـاصّـة مـعـبـد “أي سَـجـيـل” الـسّـفـلي، والـطـابـق الأرضي لـزقّـورتـه. وقـد أمـر بـاحـتـرام طـرق الـبـنـاء الأصـلـيـة وطـرازه.

وقـد أراد سـلـوقـوس ومـن جـاء بـعـده مـن مـلـوك الـسّـلالـة الـسّـلـوقـيـة بـتـرمـيـمـهـم لـلـبـنـايـات الـمـهـمّـة وخـاصّـة الـدّيـنـيـة مـنـهـا إظـهـار ارتـبـاطـهـم بـتـاريـخ الـمـديـنـة واحـتـرامـهـم لـه لـيـوثّـقـوا صـلاتـهـم بـوجـهـاء بـابـل الأصـلـيـيـن وبـرجـال ديـنـهـم.

ثـمّ شـرعـوا بـاسـتـعـمـال طـرق مـعـمـاريـة تـمـزج بـيـن الأسـالـيـب الـبـابـلـيـة والأسـالـيـب الـهـيـلـيـنـيـة (أي الإغـريـقـيـة)، كـانـت بـدايـة لـتـكـويـن ثـقـافـة هـلـنـسـتـيـة شـرقـيـة تـجـمـع بـيـن عـنـاصـر الـهـلـيـنـيـة وثـقـافـات الـشّـرق وخـاصـة الـبـابـلـيـة. وكـانـت تـخـتـلـف عـن الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة في مـصـر الـبـطـالـسـة في ذلـك الـزّمـن.

ثـمّ ظـهـرت شـيـئـاً فـشـيـئـاً في بـابـل بـنـايـات جـديـدة مـن أصـل هـيـلـيـني، مـثـل الـمـسـرح الّـذي كـان بـنـايـة رئـيـسـيـة في كـلّ مـديـنـة هـيـلـيـنـيـة. وكـان تـشـيـيـده في بـابـل يـدلّ عـلى إقـامـة جـالـيـة كـبـيـرة الأعـداد مـن الـيـونـانـيـيـن فـيـهـا.

seleucie-005

ولـكـنّ مـسـرح بـابـل لـم يـشـيـد بـالـصّـخـور والـحـجـر ولا حـتّى بـالـطّـابـوق الـمـفـخـور بـل بـالـلِـبـن، مـمـا يـدلّ عـلى أنّ الـيـونـانـيـيـن تـبـنّـوا هـذا الـنّـوع مـن طـرق الـبـنـاء بـسـرعـة. أمّـا في الأجـزاء الّـتي تـسـتـعـمـل فـيـهـا الـهـنـدسـة الـيـونـانـيـة الـصّـخـور والـحـجـر، كـالأعـمـدة وقـواعـدهـا ومـسـانـد الـسّـقـوف والـمـنـحـوتـات الـتّـزيـيـنـيـة، فـقـد اسـتُـعـمـل فـيـهـا خـلـيـط مـن الـجـصّ الـمـمـزوج بـأحـجـار مـكـسّـرة.

ولـم يـغـيّـر الـيـونـانـيـون مـخـطـط مـديـنـة بـابـل، واسـتـمـرّت الأحـيـاء تـنـمـو بـطـريـقـة تـراكـمـيـة، تـسـتـنـد الـدّور بـعـضـهـا عـلى بـعـض. والـتّـجـديـد الـوحـيـد الّـذي أدخـلـوه في الـمـسـكـن الـبـابـلي كـان “الـطّـارمـة” في جـانـب حـوش الـدّار، أي في الـفـنـاء الـدّاخـلي، والّـتي يـسـتـنـد سـقـفـهـا عـلى أعـمـدة أسـطـوانـيـة.

الـتّـقـويـم الـسّـلـوقي :

وقـد أقـام سـلـوقـوس تـقـويـمـاً جـديـداً يـبـدأ بـسـنـة حـكـمـه (صـيـف 312 ق. م.) (5)، وتـبـعـه ابـنـه  أنـطـيـوخـوس  Ἀντίoχoς  في اسـتـعـمـالـه لـحـسـاب سـنـوات حـكـمـه. ثـمّ جـرى اسـتـعـمـالـه في بـلاد الـمـشـرق.

والـحـقـيـقـة هي أنّ سـلـوقـوس تـبـع في تـقـويـمـه الـسّـلـوقي مـا كـان قـد فـعـلـه سـيّـده الإسـكـنـدر الـمـقـدوني قـبـلـه عـنـدمـا أرّخ سـنـوات حـكـمـه ابـتـداءً بـشـهـر ديـوس الـيـونـاني عـام 336 ق. م. وشـهـر ديـوس يـقـابـل شـهـر تـشـريـتـو (أي تـشـريـن الأوّل) في الـتّـأريـخ الـبـابـلي.

وأبـقى سـلـوقـوس هـذا الـشّـهـر بـدايـة  لـلـسّـنـة الـمـقـدونـيـة، فـلا تـحـسـب سـنـوات حـكـم الـمـلـك الـجـديـد إلّا في شـهـر تـشـريـن الأوّل الّـذي يـلي تـتـويـجـه. أمّـا الـسّـنـة الـبـابـلـيـة فـقـد كـانـت تـبـدأ في شـهـر نـيـسـان، ولـم تـكـن سـنـوات حـكـم الـمـلـك الـجـديـد تـبـدأ عـنـد الـبـابـلـيـيـن إلّا في شـهـر نـيـسـان الّـذي يـلي تـتـويـجـه.

سـلـوقـيـة دجـلـة   Σελεύκεια:

وفي عـام 311  قـبـل الـمـيـلاد (في رأي أكـثـر الـمـؤرخـيـن)، بـدأ سـلـوقـوس بـتـأسـيـس مـديـنـة جـديـدة لـه عـلى نـهـر دجـلـة، حـوالي 60 كـيـلـومـتـراً شـمـال مـديـنـة بـابـل (الّـتي تـقـع عـلى نـهـر الـفـرات). في مـوقـع كـانـت عـلى ضـفـتـه الـمـقـابـلـة مـديـنـة يـذكـر الـمـؤلـفـون الإغـريـق أن اسـمـهـا كـان أوبـيـس  Opis.(6)

وتـطـلّ سـلـوقـيـة عـلى نـهـر دجـلـة مـن جـانـب وعـلى الـقـنـاة الـمـلـكـيـة الّـتي كـانـت قـد شـيّـدت قـبـل ذلـك بـقـرون لـتـربـط دجـلـة بـالـفـرات. وهي في الـمـكـان الّـذي أسـمـاه الـعـرب بـعـد ذلـك بـالـمـدائـن، ومـا يـسـمى الآن بـسـلـمـان بـاك في جـنـوب بـغـداد.

seleucie-004

وربّـمـا لـم يـسـتـقـرّ سـلـوقـوس فـيـهـا رسـمـيـاً إلّا عـنـدمـا تـوّج مـلـكـاً عـام 306 ق. م.(7) لـتـكـون لـه عـاصـمـة تـقـتـرن بـاسـمـه. ويـذكـر الـمـؤرخ الـرّومـاني أبـيـانـوس  Appianus  أنّ سـلـوقـوس تـوّج “مـلـكـاً عـلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد الأرمـن والـفـرس والـعـرب … وبـلاد أخـرى”.

وعـلى عـكـس مـديـنـة بـابـل الّـتي كـانـت قـد نـمـت وتـوسّـعـت قـرنـاً بـعـد قـرن حـتّى وصـلـت إلى أوج عـظـمـتـهـا، فـقـد شـيّـدت سـلـوقـيـة كـمـديـنـة جـديـدة انـطـلاقـاً مـن مـخـطـط طـبّـقـت فـيـه قـوانـيـن الـمـعـمـار الـجـديـدة الّـتي كـان الـيـونـانـيـون قـد اسـتـعـمـلـوهـا لأوّل مـرّة في تـشـيـيـد مـديـنـة الإسـكـنـدريـة في مـصـر، والّـتي كـانـت قـد انـتـفـعـت هي نـفـسـهـا مـن ابـتـكـارات الـمـعـمـاريـيـن الـبـابـلـيـيـن عـنـدمـا جـددوا أقـسـامـاً مـن مـديـنـة بـابـل في فـتـرتـهـا الأخـيـرة.

وقـد خـطـطـت الـعـاصـمـة الـجـديـدة لـيـسـكـنـهـا مـسـتـعـمـرون إغـريـق، مـنـهـم الـجـنـود الّـذيـن صـاحـبـوا فـتـوحـات الإسـكـنـدر الـمـقـدوني، ومـنـهـم مـن تـبـعـوا سـلـوقـوس في قـتـالـه ضـدّ قـادة الإسـكـنـدر الآخـريـن خـلال صـراعـهـم مـن أجـل الـسّـلـطـة، ومـنـهـم مـن وصـل إلـيـهـا بـعـد ذلـك.

وحـسـب مـخـطـط الـمـديـنـة الـجـديـد، شـيّـدت أبـنـيـتـهـا داخـل مـسـتـطـيـلات واسـعـة الـمـقـايـيـس (75 م. × 145 م.) تـحـيـطـهـا شـوارع مـسـتـقـيـمـة تـتـقـاطـع بـزوايـا حـادّة بـ  ْ90  درجـة. وكـانـت أكـبـر مـسـتـطـيـلات سـعـةً وجـدت في مـديـنـة هـلـنـسـتـيـة.

وقـد نـظّـمـت الـمـسـتـطـيـلات، كـمـا في مـديـنـة بـابـل في فـتـرتـهـا الأخـيـرة، في أحـيـاء يـشـغـل كـلّ واحـد مـنـهـا مـهـمّـة وظـيـفـيـة : سـيـاسـيـة أو ديـنـيـة أو صـنـائـعـيـة أو تـجـاريـة أو ثـقـافـيـة … أو في أحـيـاء سـكـنـيـة.

ويـقـدّر عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن نـقـبّـوا مـوقـع سـلـوقـيـة دجـلـة خـلال الـقـرن الـعـشـريـن مـسـاحـة الـمـديـنـة بـحـوالي 550 هـكـتـاراً (والـهـكـتـار الـواحـد يـعـادل عـشـرة آلاف مـتـر مـربـع)، وربّـمـا أكـثـر مـن ذلـك خـاصّـة وأنّـهـم لـم يـجـدوا بـعـد أسـوارهـا الـخـارجـيـة.

ولـم يـكـن لأيّ مـن الـمـدن الـيـونـانـيـة هـذا الإمـتـداد الـشّـاسـع. ولا شـكّ في أنّ سـلـوقـوس كـان قـد انـبـهـر بـسـعـة مـدن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة، وأراد إنـشـاء مـديـنـة تـضـاهـيـهـا في الـضّـخـامـة.

وقـد شـبّـه الـمـؤرخ الـرّومـاني بـلـيـنـيـوس الأكـبـر (الّـذي عـاش مـن سـنـة  23 إلى سـنـة 97 بـعـد الـمـيـلاد) مـخـطـطـ الـمـديـنـة بـ “نـسـر نـشـر جـنـاحـيـه عـلى سـعـتـيـهـمـا”. ويـبـدو أنّ قـنـاةً كـانـت تـفـصـل قـصـر الـمـلـك عـن الأحـيـاء الأخـرى الّـتي كـان فـيـهـا بـنـايـات إداريـة وسـوق مـركـزيـة وقـاعـة شـاسـعـة لـيـلـتـقي فـيـهـا سـكّـان الـمـديـنـة ومـسـرح واسـع …

ويـذكـر الـمـؤرّخـون الإغـريـق أنّـهـا شـيّـدت بـطـابـوق بـابـل ! وهـذا لا يـعـنى أنّ مـديـنـة بـابـل هـدمـت ونـقـل طـابـوقـهـا إلى الـمـديـنـة الـجـديـدة كـمـا فـهـمـه كـثـيـر مـمـن قـرأوا هـذه الـنّـصـوص بـعـد ذلـك، وإنّـمـا يـعـني أنّـهـا لـم تـشـيّـد بـالـحـجـر والـصـخـر مـثـل الـمـدن الإغـريـقـيـة الأخـرى بـل بـالـطـابـوق الـمـصـنـوع في بـلاد بـابـل.

كـمـا أراد سـلـوقـوس ولا شـكّ أن يـنـشئ مـديـنـة أفـضـل مـوقـعـاً مـن بـابـل الّـتي كـانـت قـد فـقـدت مـجـدهـا، لـتـكـون عـلى تـقـاطـع طـرق الـمـواصـلات والـتّـجـارة عـلى نـهـر دجـلـة والـقـنـاة الّـتي كـانـت تـربـطـه بـنـهـر الـفـرات، وعـلى مـقـربـة مـن شـرق دولـتـه (بـلاد الـفـرس والـهـنـد) ومـن غـربـهـا (سـوريـا).

وقـد أسـمـيـت عـاصـمـة سـلـوقـوس بـاسـمـه : سـلـوقـيـة  Σελεύκεια . ولـتـحـاشي الـخـلـط بـيـنـهـا وبـيـن مـدن أخـرى أسـسـهـا سـلـوقـوس وأسـمـيـت بـاسـمـه، فـقـد عُـرفـت بـسـلـوقـيـة دجـلـة.

ونُـقـل إلـيـهـا جـزء مـن سـكّـان بـابـل وخـاصـة صـنّـاعـهـا وتـجّـارهـا لـيـسـكـنـوهـا مـع الـمـسـتـعـمـريـن الإغـريـق. كـمـا جـذبـت الـمـديـنـة الـجـديـدة كـثـيـراً مـمـن جـاءوا يـسـكـنـونـهـا : سـوريـيـن وفـارثـيـيـن وفـرسـاً وأرمـن وهـنـوداً، وجـذبـت كـثـيـراً مـن الـتّـجّـار والـصّـرافـيـن الـيـهـود.

وقـد تـركـت بـابـل لأهـلـهـا. ورغـم أنّ سـلـوقـوس تـرك بـابـل وأهـمـلـهـا (زارهـا آخر مـرّة في عـام 301 قـبـل الـمـيـلاد) فـقـد دامـت أهـمـيـتـهـا، وإن قـلّـت، لـمـدة قـرنـيـن بـعـد ذلـك إلى أن اضـمـحـلّـت في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد.

ويـعـود تـاريـخ آخـر نـصّ كـتـب بـالـمـسـمـاريـة إلى عـام 75 م. وقـد سـقـطـت الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة بـعـد ذلـك في غـيـاهـب الـنّـسـيـان ولـم يـعـد أحـد يـقـرأهـا أو يـعـرف قـراءتـهـا.

وعـنـدمـا مـرّ الإمـبـراطـور الـرّومـاني تـراجـان بـبـابـل عـام 116 بـعـد الـمـيـلاد، وتـوقّـف بـهـا لـيـزور الـقـصـر الّـذي مـات بـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني، وجـدهـا خـرابـاً.

ولأنّ سـلـوقـيـة دجـلـة كـانـت تـقـع، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، عـلى تـقـاطـع طـرق الـتّـجـارة الّـتي كـانـت تـنـطـلـق في كـلّ الإتـجـاهـات فـسـرعـان مـا تـوسـعـت وازدهـرت. وقـد وضـعـهـا الـجـغـرافي الـيـونـاني سـتـرابـون Στράϐων  في أعـلى مـقـام مـن الـعـظـمـة بـعـد إسـكـنـدريـة مـصـر، وذكـر أنّ عـدد سـكـانـهـا تـجـاوز 600 ألـف سـاكـن.

سـلـوقـوس في سـوريـا :

وبـعـد أن اسـتـولى سـلـوقـوس عـلى شـمـال سـوريـا، الّـتي كـانـت تـحـت سـيـطـرة أنـتـيـغـونـوس مـونـو فـثـالـمـوس، وعـلى الـجـزء الـشّـرقي مـن آسـيـا الـصـغـرى عـام 301 قـبـل الـمـيـلاد، أسـس مـديـنـة أنـطـاكـيـة الّـتي أسـمـاهـا بـاسـم أبـيـه : “أنـطـيـوخــوس (أو أنـطـيـوقـوس)  Ἀντίoχoς ” في غـرب سـوريـا، واتّـخـذهـا عـاصـمـة لـه لـيـفـتـح مـمـلـكـتـه عـلى الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط ولا يـقـطـعـهـا عـن بـلاد الإغـريـق.

وأصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة الـمـديـنـة الـثّـانـيـة في الـدّولـة، ومـكـان إقـامـة ولي الـعـهـد.  وفي عـام 294 قـبـل الـمـيـلاد، عـيّـن سـلـوقـس ابـنـه أنـطـيـوخـوس نـائـب مـلـك مـقـيـمـاً في سـلـوقـيـة. وظـلّـت هـذه الـمـديـنـة بـعـده مـكـان إقـامـة أبـنـاء الـمـلـوك الـسّـلـوقـيـيـن حـتّى عـام 141 قـبـل الـمـيـلاد عـنـدمـا احـتـلّـهـا الـفـارثـيـون.

وبـعـد وفـاة سـلـوقـوس سـنـة 281 قـبـل الـمـيـلاد، خـلـفـه ابـنـه أنـطـيـوخـوس سـوتِـر Ἀντίoχoς ο Σωτήρ  الأوّل، الّـذي كـان يـعـتـبـر نـفـسـه مـلـكـاً عـلى بـابـل أيـضـاً.

%d8%a3%d9%86%d8%b7%d9%8a%d9%88%d8%ae%d9%88%d8%b3

وقـد شـارك هـذا الـمـلـك في احـتـفـالات رأس الـسّـنـة الـبـابـلي الّـتي كـانـت تـقـام في الأي سَـجـيـل، مـعـبـد الإلـه مـردوخ في بـابـل. وقـد عـثـر خـلال تـنـقـيـبـات أجـريـت في مـعـبـد الإلـه نـبـو في بـورسـيـبـا عـلى نـصّ لـهـذا الـمـلـك نـقـش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة عـلى مـخـروط مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور وضـع في أسـس الـبـنـاء حـسـب الـعـادات الـبـابـلـيـة والآشـوريـة.

مـا هي الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة ؟

أصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة، بـعـد أن أسـسـهـا سـلـوقـوس، كـمـا رأيـنـا، واحـدة مـن أهـمّ عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة. فـمـاهي الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة؟

كـثـيـراً مـا يـذكـر الـمـؤرخّـون الـغـربـيـون أنّ الـثّـقـافـة الـهـلـيـنـيـة (أي الإغـريـقـيـة أو الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـانـت تـرتـكـز عـلى نـظـام الـمـديـنـة. فـكـلّ مـديـنـة كـانـت مـسـتـقـلّـة يـحـكـمـهـا مـواطـنـوهـا الأحـرار الـمـيـسـورو الـحـال (وهـو مـا لـم يـكـن يـحـقّ لـلـعـبـيـد أو الـفـقـراء). يـشـرّعـون قـوانـيـنـهـا، ثـمّ يـخـلـصـون في تـطـبـيـقـهـا لـيـتـحـاشـوا أن يـسـتـبـدّ بـهـا طـاغـيـة يـنـفـرد بـالـسّـلـطـة، وهـو مـا يـسـمى بـالـنّـظـام الـدّيـمـقـراطي. ويـذكـرون أنّ هـذا كـان غـريـبـاً عـلى شـرقـيي تـلـك الأزمـان والّـذيـن كـان عـلى رأس مـدنـهـم ودولـهـم مـلـوك “إخـتـارتـهـم الآلـهـة” لـيـحـكـمـوا رعـيـتـهـم حـسـب مـشـيـئـاتـهـم.

ويـلاحـظ الـقـارئ أنّ في هـذا الـرّأي تـحـيّـزاً ورؤيـة ضـيّـقـة لـلأمـور، فـقـد كـان الإسـكـنـدر الـمـقـدوني حـسـب رأي نـفـس هـؤلاء الـدّارسـيـن مـمـثّـلاً لـلـثّـقـافـة الـهـيـلـيـنـيـة، ومـع ذلـك فـقـد كـان أبـوه مـلـكـاً مـسـتـبـدّاً عـلى مـقـدونـيـا. وكـان الإسـكـنـدر نـفـسـه مـلـكـاً مـسـتـبـدّاً قـاد مـئـات الآلاف مـن الـجـنـود لـيـحـقـقـوا لـه طـمـوحـاتـه في الـسّـيـطـرة عـلى كـلّ الـمـنـاطـق الـمـعـروفـة في زمـانـه. وذلـك قـبـل أن يـلـتـقي بـالـشّـرقـيـيـن، ويـتـأثّـر بـعـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم.

وكـلـمـة الـهـلـنـسـتـيـة  والـفـكـرة الّـتي تـعـبـرّ عـنـهـا اخـتـرعـهـا الألـمـاني يـوهـان غ. درويـسـن Johanne G. Droysen  في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، إشـتـقـهـا مـن كـلـمـة يـونـانـيـة تـعـني : “الـعـيـش عـلى طـريـقـة الـهـلـيـنـيـيـن (أي الـيـونـانـيـيـن الـقـدمـاء)”.  ويـعـني بـهـا الـثّـقـافـة الّـتي نـشـأت في الـشّـرق الـتّـابـع لـلإغـريـق، والـمـمـتـد في الأراضي الّـتي فـتـحـهـا الإسـكـنـدر الـمـقـدوني مـن مـصـر الـبـطـالـسـة إلى الـهـنـد.

ورغـم أنّ الإغـريـقـيـة كـانـت لـغـة هـذه الـثّـقـافـة، فـقـد اسـتـوعـبـت أجـزاءً مـن الـثّـقـافـات الـشّـرقـيـة الّـتي نـشـأت عـلى أراضـيـهـا إلى جـانـب الـثّـقـافـة الـهـيـلـيـنـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة). ونـتـج عـن ذلـك انـفـتـاح وتـبـادلات ومـزج أثـرى كـلّ ثـقـافـات الـمـنـطـقـة واسـتـمـر عـبـر الـقـرون الّـتي تـبـعـت هـذه الـتّـجـربـة الـثّـقـافـيـة الـفـريـدة.

وقـد رأيـنـا كـيـف أنّ ثـقـافـة هـلـنـسـتـيـة كـانـت قـد بـدأت تـنـشـأ في بـابـل بـعـد أن سـيـطـر عـلـيـهـا الـيـونـانـيـون، وكـيـف أنّـهـم تـأثّـروا بـثـقـافـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وخـاصـة الـبـابـلـيـة في تـشـيـيـدهـم لـدورهـم ومـبـانـيـهـم. وقـد تـبـنّـوا عـادات كـانـت شـائـعـة عـنـد الـبـابـلـيـيـن، ودخـلـت في الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة كـدفـن الـنّـاس لـمـوتـاهـم في داخـل بـيـوتـهـم.

ورغـم أنّـه لـم يـنـقّـب مـن سـلـوقـيـة دجـلـة إلّا جـزء مـحـدود ولـم يـدرس إلّا جـزء أقّـل مـمـا عـثـر عـلـيـه فـيـهـا، فـقـد وجـد الـمـنـقّـبـون في أحـد مـعـابـدهـا نـصّـاً بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة يـذكـر أسـمـاء كـهـنـة الـمـلـوك. ويـحـتـمـل أن يـكـون الـمـعـبـد مـكـرّسـاً لـمـلـوك الـسّـلـوقـيـيـن الّـذيـن فـرضـوا ألـوهـيـتـهـم في حـيـاتـهـم أو بـعـد مـوتـهـم، ودخـلـوا في صـفـوف الآلـهـة كـمـا فـعـلـه قـبـلـهـم بـعـض الـمـلـوك الـشّـرقـيـيـن.

كـتـاب بـيـروسـوس :

وفي زمـن سـلـوقـوس، وزمـن خـلـفـه أنـطـيـوخـوس الأوّل عـاش بـيـروسـوس  Berossos (الّـذي يـسـمى أيـضـاً بـيـروسـوس الـكـلـداني).  واسـمـه بـالـلـغـة الـبـابـلـيـة : بـعـل رعـيـشـو، أي بـعـل راعـيـه. ويـدّعي الـبـعـض أنّ اسـمـه كـان آرامـيـاً : بـر حـوشـا ، أي ابـن حـوشـا.

وكـان رجـل ديـن بـابـلي في مـعـبـد الإلـه مـردوخ.  ولـد في الـزّمـن الّـذي أقـام فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل أو قـبـلـه بـقـلـيـل أي في أواخـر الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد كـتـب بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـتـاب بـابـل  Babyloniaka  (ويـعـرف أيـضـاً بـكـتـاب بـلاد الـكـلـدان Chaldaika ) الّـذي ألّـفـه لـلـمـلـك الـسّـلـوقي أنـطـيـوخـوس الأوّل بـيـن 290 و278 قـبـل الـمـيـلاد لـيُـعـرّف الإغـريـق بـحـضـارة بـلـده بـابـل.

ولـم يـصـلـنـا هـذا الـكـتـاب. ولـيـس لـديـنـا مـنـه إلّا تـلـخـيـص الإسـكـنـدر الـمـلـقّـب بـبـولي هـيـسـتـور (أي الـغـزيـر الـعـلـم)  Alexandre Polyhistor  لـه، واقـتـبـاسـات الـكـتّـاب الّـذيـن جـاءوا بـعـده مـثـل بـلـيـنـيـوس الأكـبـر Gaius Pilinus Seconus  وسـنـسـوريـنـوس  Censorinus وفـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   وفـيـتـروفـيـوس Vitruvius .

ولا شـكّ في أنّ مـؤلَّـف بـيـروسـوس لـم يـكـن الـوحـيـد الّـذي ألـفـه بـابـلي لـيـعـرّف الـعـالـم بـثـقـافـة بـلـده الّـتي كـانـت عـرضـة لـلإنـدثـار في ذلـك الـزّمـن، ولـكـنّـه الـوحـيـد الّـذي تـجـاوزت أجـزاء مـنـه الـقـرون الـطّـويـلـة لـيـصـلـنـا. ولا شـكّ أنّ الـيـونـانـيـيـن تـعـلّـمـوا في هـذه الـمـؤلـفـات كـثـيـراً مـمـا أدخـلـوه في ثـقـافـتـهـم وفي طـرق تـفـكـيـرهـم.

الـفـلـسـفـة في سـلـوقـيـة :

وقـد أصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة واحـداً مـن مـراكـز الـفـلـسـفـة الـرّواقـيـة. وكـانـت هـذه الـفـلـسـفـة الـيـونـانـيـة قـد نـشـأت في أثـيـنـا في الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. وكـان مـن روّادهـا زيـنـون وكـلـيـانـثـس.

وقـد عـلّـم في سـلـوقـيـة دجـلـة الـفـيـلـسـوف الـرّواقي ديـوجـيـن الـسّـلـوقي الـمـعـروف أيـضـاً بـديـوجـيـن الـبـابـلي (ولـد حـوالي سـنـة 240 وتـوفي حـوالي سـنـة 150 قـبـل الـمـيـلاد). كـمـا ولـد فـيـهـا تـلـمـيـذه وخـلـيـفـتـه في تـعـلـيـم الـفـلـسـفـة أبـولـودور الأثـيـني.

كـمـا كـان لـديـوجـيـن آخـر عـرف بـاسـم ديـوجـيـن الأبـيـقـوري في سـلـوقـيـة دجـلـة حـلـقـة عـلّـم فـيـهـا الـفـلـسـفـة الأبـيـقـوريـة.

وكـان فـيـهـا حـلـقـة تـدريـس لـفـيـلسـوف آخـر يـنـتـمي إلى الـمـدرسـة الـشّـكـوكـيـة : أيـفـرانـور   Euphranor  الـشّـكّـاك الـسّـلـوقي.

وقـد ولـد في سـلـوقـيـة دجـلـة حـوالي سـنـة 170 بـعـد الـمـيـلاد عـالـم الـفـلـك سـلـوقـوس (الّـذي أسـمي بـاسـم أوّل مـلـوك الـدّولـة). وكـان سـلـوقـوس الـسّـلـوقي هـذا واحـداً مـن اثـنـيـن، مـن كـلّ عـلـمـاء الـفـلـك في ذلـك الـزّمـن، يـؤمـنـان بـأنّ الأرض تـدور حـول الـشّـمـس، ولـيـسـت الـشّـمـس هي الّـتي تـدور حـول الأرض !

الـفـنّ الـهـلـنـسـتي :

رأيـنـا كـيـف حـوّر الـيـونـانـيـون فـنّ مـعـمـارهـم في بـابـل، وكـيـف شـيّـدوا مـسـرحـهـم (وهـو مـن أهـم مـبـاني الـمـديـنـة الـهـلـيـنـيـة) بـالـلِـبـن، وكـيـف اسـتـخـدمـوا في الأجـزاء الّـتي تـسـتـعـمـل فـيـهـا الـهـنـدسـة الـيـونـانـيـة الـصّـخـور والـحـجـر، كـالأعـمـدة وقـواعـدهـا ومـسـانـد الـسّـقـوف والـمـنـحـوتـات الـتّـزيـيـنـيـة، خـلـيـطـاً مـن الـجـصّ الـمـمـزوج بـأحـجـار مـكـسّـرة حـسـب الإمـكـانـيـات الـمـحـلّـيـة.

وقـد وجـد الـمـنـقّـبـون في جـزء مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة الّـذي تـخـتـرقـه الـطّـريـق الـجـنـوبـيـة دوراً كـبـيـرة تـحـيـطـهـا مـن الـجـانـبـيـن تـغـطّي واجـهـاتـهـا نـقـوش واسـعـة مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور، وحـول فـنـاءاتـهـا الـدّاخـلـيـة “طـارمـات” تـسـنـد سـقـوفـهـا أعـمـدة أسـطـوانـيـة. وهـو مـا يـدلّ عـلى مـزج بـيـن الإسـتـعـمـالات الـهـلـيـنـيـة والإسـتـعـمـالات الـشّـرقـيـة.

كـمـا وجـدوا بـقـايـا مـسـرح الـمـديـنـة، والـسّـاحـة الـواسـعـة agora (الّـتي كـانـت مـسـقّـفـة) والّـتي كـانـت مـكـان اجـتـمـاع سـكـان الـمـديـنـة. ووجـدوا بـجـانـبـهـا بـنـايـة مـسـتـطـيـلـة مـقـسّـمـة إلى غـرف تـنـفـتـح الـواحـدة مـنـهـا عـلى الأخـرى، شـيّـدت بـالـلِـبـن وغـطي سـطـحـهـا بـجـذوع نـخـيـل مـشـكّـلاً سـطـحـاً مـسـطّـحـاً. ويـبـدو أنّ هـذه الـبـنـايـة احـتـرقـت في حـوالي عـام 129 قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد وجـدوا فـيـهـا حـوالي 25 ألـف خـتـم مـن الـصّـلـصـال فـخـرهـا الـحـريـق، مـمـا يـفـسّـر اجـتـيـازهـا لـكـلّ هـذه الـقـرون ووصـولـهـا إلـيـنـا.

ويـعـتـقـد الـمـخـتـصّـون أنّ هـذه الـبـنـايـة كـانـت أرشـيـفـات الـمـديـنـة الّـتي اسـتـعـمـلـت مـنـذ الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. وعـلى هـذه الأخـتـام مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز أسـلـوب أغـلـبـهـا هـيـلـيـني، وتـظـهـر في بـعـضـهـا عـنـاصـر فـنّـيـة بـابـلـيـة تـقـلـيـديـة.

seleucie-006

كـمـا وجـدت فـيـهـا مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الـتّـمـاثـيـل الـصـغـيـرة الأحـجـام الّـتي صـنـعـت مـحـلّـيـاً. وهي كـثـيـرة الـشّـبـه بـالـتّـمـاثـيـل الّـتي وجـدت في الـفـتـرات الـبـابـلـيـة والّـتي كـان لـهـا دور ديـني بـتـقـريـب الأشـخـاص الّـذيـن تـصـوّرهـم مـن آلـهـتـهـم. وفي سـلـوقـيـة دجـلـة كـمـا في بـابـل تـخـتـلـف أسـالـيـب هـذه الـمـنـحـوتـات مـن الـواقـعـيـة الـتّـشـخـيـصـيـة إلى الإخـتـزال.

وقـد اسـتـمـرّت هـذه الأسـالـيـب الـهـلـنـسـتـيـة مـسـتـعـمـلـة حـتّى بـعـد سـيـطـر الـفـارثـيـون عـلى الـمـديـنـة، وبـقـيـت إلى الـفـتـرة الـفـارثـيـة الـمـتـأخّـرة، أي إلى بـدايـة الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد. ولا شـكّ في أنّـهـا أثّـرت بـعـد ذلـك أيـضـاً عـلى الـفـنّ الـسّـاسـاني.

سـلـوقـيـة الـفـارثـيـيـن :

وبـعـد أن اشـتـدّت قـوة الـفـارثـيـيـن، الّـذيـن جـاءوا مـن أراضي مـيـديـا في بـلاد الـفـرس، وامـتـدت سـيـطـرتـهـم عـلى الـمـمـتـلـكـات الـشّـرقـيـة لـلـدّولـة الـسّـلـوقـيـة، إسـتـطـاع مـلـكـهـم مـثـريـدات الأوّل فـتـح مـديـنـة بـابـل عـام 141 قـبـل الـمـيـلاد بـعـد أن اسـتـولى عـلى سـلـوقـيـة دجـلـة، واتّـخـذ سـلـوقـيـة عـاصـمـة شـتـائـيـة لـه. وفي عـام 139 قـبـل الـمـيـلاد، طـرد مـثـريـدات الأوّل الـحـاكـم الّـذي كـان يـحـكـم بـاسـم الـمـلـك الـسّـلـوقي أنـطـيـوخـوس الـسّـابـع مـن كـلّ الـمـنـاطـق الـشّـرقـيـة ومـن ضـمـنـهـا بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، واكـتـمـلـت لـه الـسّـيـطـرة عـلـيـهـا.

ثـمّ اخـتـار خـلـفـه مـثـريـدات الـثّـاني (حـكـم مـن 123 إلى 88 قـبـل الـمـيـلاد) أن يـشـيـد لـه عـاصـمـة جـديـدة : طـيـسـفـون، في الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـسـلـوقـيـة دجـلـة، حـكـم مـنـهـا كـلّ دولـتـه.

ورغـم سـقـوطـهـا بـأيـدي الـفـارثـيـيـن، فـقـد ظـلّـت سـلـوقـيـة دجـلـة مـديـنـة مـزدهـرة. ويـذكـر الـمـؤرخ الـرّومـاني بـلـيـنـيـوس الأكـبـر (الّـذي عـاش مـن سـنـة  23 إلى سـنـة 97 بـعـد الـمـيـلاد) أنّ جـمـارك الـمـديـنـة كـانـت مـا تـزال بـأيـدي سـكـانـهـا مـن الإغـريـق في زمـنـه، وأنّ عـدد سـكـانـهـا كـان يـقـارب 600 ألـف يـحـكـمـهـم مـجـلـس شـيـوخ عـدد أعـضـائـه 300.

وبـعـد أن أسـقـط الـمـلـك الـفـارسي الـسّـاسـاني أردشـيـر الأوّل دولـة الـفـارثـيـيـن عـام 224 بـعـد الـمـيـلاد، أصـبـحـت طـيـسـفـون عـاصـمـة الـدّولـة الـسّـاسـانـيـة. وظّـلـت إحـدى عـواصـمـهـم حـتّى الـفـتـح الإسـلامي عـام 651 م. الّـذي أسـقـط آخـر مـلـوكـهـم يـزدجـرد الـثّـالـث.

وقـد أطـلـق الـعـرب اسـم “الـمـدائـن” عـلى الـعـاصـمـتـيـن : سـلـوقـيـة وطـيـسـفـون (الـفـارثـيـة ــ الـسّـاسـانـيـة) وضـواحـيـهـمـا الـمـمـتـدة عـلى ضـفـتـي دجـلـة.

الـمـنـاطـق الأخـرى مـن الـعـراق الـقـديـم في الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة :

كـانـت الـوركـاء (في بـلاد سـومـر)(8) الـمـديـنـة الـثّـالـثـة في الأهـمـيـة في تـلـك الـحـقـبـة بـعـد سـلـوقـيـة دجـلـة وبـابـل. وقـد شـهـدت الـوركـاء نـهـضـة ثـقـافـيـة آنـذاك، وعـاد إلـيـهـا شئ مـن دورهـا الـدّيـني. وقـد ذكـر الـجـغـرافي الـيـونـاني سـتـرابـون والـمـؤرخ الـرّومـاني أبـيـانـوس الـلـذان عـاصـرا الـفـتـرتـيـن الـسّـلـوقـيـة والـفـارثـيـة أنّ الـوركـاء كـانـت مـركـزاً لـواحـدة مـن أهـمّ مـدارس عـلـم الـفـلـك والـتّـنـجـيـم في زمـنـيـهـمـا.

وقـد عـثـر خـلال الـتّـنـقـيـبـات عـلى بـنـايـات كـانـت قـد جـددت في الـعـصـر الـسّـلـوقي، ولـكـنّـهـا احـتـفـظـت في الـغـالـب بـأسـالـيـبـهـا وخـصـائـصـهـا الـتّـقـلـيـديـة.

وعـثـر في بـورسـيـبـا (الّـتي تـسـمى الآن بـيـرس نـمـرود) قـرب بـابـل عـلى نـصـوص مـسـمـاريـة تـذكـر تـشـيـيـد الـمـلـك أنـطـيـوخـوس الأوّل لـلإزيـدا، مـعـبـد الإلـه نـبـو. وعـثـر كـذلـك في أور عـلى نـصـوص مـسـمـاريـة تـذكـر تـرمـيـمـات وأعـمـال صـيـانـة لـلـمـعـابـد والأمـاكـن الـمـقـدسـة فـيـهـا.

وقـد وجـدت في أور وفي نـيـبـور أخـتـام مـن الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة. وعـثـر في نـيـبـور عـلى مـسـتـويـات سـلـوقـيـة في داخـل الـقـصـر احـتـفـظـت بـمـخـطـط الـبـنـاء الـقـديـم ولـكـن أضـيـفـت عـلـيـهـا “طـارمـات” تـسـتـنـد سـقـوفـهـا عـلى أعـمـدة مـن الـصـلـصـال الـمـفـخـور تـعـلـوهـا تـيـجـان زيّـنـت حـسـب الأسـلـوب الـيـونـاني الـدّوري.

ووجـدت مـسـتـويـات سـكـنـت في الـعـصـر الـسّـلـوقي في مـواقـع نـيـنـوى وتـلّ نـمـرود.

ومـن هـذا نـرى أنّ بـلاد بـابـل، الّـتي كـانـت بـيـن بـلاد سـومـر في الـجـنـوب وبـلاد آشـور في الـشّـمـال، كـان لـهـا دور رئـيـسي في تـكـويـن الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة في الـشّـرق.

آثـار مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة :

عـثـر الـمـنـقّـبـون عـلى آثـار سـلـوقـيـة في عـشـريـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن خـلال بـحـثـهـم عـن مـديـنـة أوبـيـس  Opis الّـتي ذكـرتـهـا الـمـصـادر الإغـريـقـيـة الّـتي تـكـلّـمـت عـن الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

وقـد بـدأت الـتّـنـقـيـبـات الأمـريـكـيـة الّـتي أشـرف عـلـيـهـا وتـرمـان L. Waterman مـن جـامـعـة مـيـشـغـان عـام 1927 (9). واسـتـمـرت إلى عـام 1932. ثـمّ نـقّـب فـي سـلـوقـيـة هـوبـكـنـس   C. Hopkins  في 1936/ 1937. وقـامـت جـامـعـة تـوريـنـو الإيـطـالـيـة بـتـنـقـيـبـات في الـمـوقـع مـن 1964 إلى 1968، ومـن 1985 إلى 1989.

وأهـم جـزء مـن مـديـنـة سـلـوقـيـة وجـد في تـلّ عـمـر، مـقـابـل طـاق كـسـرى في طـيـسـفـون.

%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%84-%d8%b9%d9%85%d8%b1-2

 

ولا شـكّ في أنّ مـعـرفـتـنـا بـهـذه الـفـتـرة الـمـهـمّـة مـن تـاريـخ الـعـراق سـتـتـحـسـن إذا مـا نـقّـب الـمـوقـع بـكـامـلـه في يـوم مـن الأيّـام، وإذا مـا أولـيـنـاه شـيـئـاً أكـبـر مـن الـجـهـد والإهـتـمـام.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : “الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل” الـمـنـشـور في مـدونـتي : “بـيـن دجـلـة والـفـرات” :  https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/03/07/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%80%D9%83%D9%80%D9%86%D9%80%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%85%D9%80%D9%82%D9%80%D8%AF%D9%88%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D9%80%D9%85%D9%80%D9%88%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D9%80/

(2) خـلال تـنـقـيـبـاتـه في بـابـل في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، وجـد عـالـم الآثـار الألـمـاني روبـرت كـولـدِفي Robert Koledewey  في تـلّ الـحـمـيـرة أكـوام بـقـايـا الـخـرائـب الّـتي حـمـلـهـا الـعـمّـال مـن مـوقـع الأي سَـجـيـل، مـعـبـد الإلـه مـردوخ ومـن زقـورتـه : إي تي مـيـن أنـكي، بـعـد أن قـرر الإسـكـنـدر الـمـقـدوني إزاحـة مـا تـهـدّم مـنـهـمـا وإعـادة تـشـيـيـدهـمـا.

(3) لـم يـؤسـس الـمـقـدوني عـاصـمـة لـه، فـقـد بـهـرتـه مـديـنـة بـابـل الّـتي كـانـت قـد طـبّـقـت فـيـهـا، عـنـد إعـادة بـنـاء مـركـزهـا ومـعـالـمـهـا الـمـهـمّـة في فـتـرتـهـا الأخـيـرة، قـوانـيـن مـعـمـاريـة جـديـدة : تـقـسـيـم الـمـديـنـة إلى أجـزاء حـيـويـة وتـنـظـيـمـهـا لـيـشـغـل كـلّ قـسـم مـنـهـا دوره الـمـعـهـود بـه إلـيـه : الـسّـيـاسي والـدّيـني والـصّـنـائـعي والـتّـجـاري إلى جـانـب الأحـيـاء الـسّـكـنـيـة. وقـد اسـتـوعـب مـعـمـاريـة الـيـونـان هـذه الـقـوانـيـن وحـوّروهـا لـتـنـاسـب طـبـيـعـة مـدنـهـم، ثـمّ طـبّـقـوهـا وخـاصـة في تـشـيـيـد مـديـنـة الإسـكـنـدريـة في مـصـر.

(4) كـان اخـتـيـار الإسـكـنـدر هـذا سـيـاسـيـاً أراد بـه أن يـفـرض نـفـسـه كـمـلـك شـرعي وخـلـف لـلـمـلـوك الـشّـرقـيـيـن الّـذيـن حـكـمـوا بـابـل.

(5) وهـو في حـسـاب مـؤرخـيـن آخـريـن يـبـدأ في عـام 311 قـبـل الـمـيـلاد.

(6) كـانـت أوبي أو أوبـيـس هـذه في مـوقـع مـديـنـة قـديـمـة عـرفـت بـاسـم أكـشـاك، نـجـد لـهـا ذكـراً في الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة في زمـن حـمـورابي، مـلـك بـابـل (1955ــ 1913 قـبـل الـمـيـلاد) قـرب مـا أسـمي بـعـد ذلـك بـ”سـدّ نـبـوخـذ نـصـر” أو “الـسّـور الـحـامي مـن الـمـيـديـيـن”.

(7) أو في 305 قـبـل الـمـيـلاد في حـسـاب مـؤرخـيـن آخـريـن.

(8) كـانـت الـوركـاء واحـدة مـن أقـدم مـدن بـلاد سـومـر والّـتي يـعـود تـاريـخـهـا إلى مـا يـقـارب أربـعـة آلاف عـام قـبـل الـمـيـلاد (أي قـبـل سـتّـة آلاف عـام قـبـل زمـنـنـا هـذا !). وقـد عـثـر الـمـنـقّـبـون في الـوركـاء عـلى أقـدم نـصّ مـكـتـوب في تـاريـخ الـبـشـريـة، ولـهـذا يـقـال إنّ “الـكـتـابـة ولـدت في الـوركـاء”.

(9) مـوّل الـتّـنـقـيـبـات :  The Kelsey Museum of Archaeologie و   The American School of Oriental Rasaarch و The Toledo Museum and The Clevland Museum .

*  إسـتـعـنـت في بـعـض أقـسـام الـمـقـال بـبـعـض مـا ذكـره الـبـاحـث كـارلـو لـيـبـولـيـس في مـقـالـه عـن الـهـلـنـسـتـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، والـمـنـشـور في كـتـاب L’art en Mésopotamie الـصّـادر عـن دار نـشـر هـازان في 2006. أمّـا في أغـلـب مـا جـاء في الـمـقـال فـقـد اعـتـمـدت عـلى عـدد كـبـيـر مـن الـمـصـادر الـتّـاريـخـيـة.

 

 

 

 

بـغـداد 1919

حـصـلـت مـكـتـبـة جـامـعـة كـالـيـفـورنـيـا في لـوس أنـجـلـس عـلى ألـبـوم صـور يـعـود تـاريـخـه إلى 1919. ويـحـتـوي عـلى حـوالي 185 صـورة فـوتـوغـرافـيـة و 25 بـطـاقـة بـريـديـة عـلـيـهـا تـعـلـيـقـات بـخـطّ  الـيّـد.

ويـبـدو أنّـه كـان يـعـود إلى ضـابـط بـريـطـاني الـتـقـط الـصّـور خـاصّـة في بـغـداد والـبـصـرة، ولـكـن أيـضـاً في سـلـمـان بـاك وبـابـل والـنّـجـف والـكـوفـة … وتـصـوّر مـشـاهـد مـتـنـوّعـة مـثـل حـيـاة الـعـراقـيـيـن الـيـومـيـة والـمـقـاهي وقـوارب وقـفـف دجـلـة والـجـسـور وضـبـاط الـجـيـش الـبـريـطـاني والـجـوامـع والـكـنـائـس وجـني الـتّـمـر مـن عـلى الـنّـخـيـل …

وقـد وجـدت لـكـم عـدّة صـور نـشـرت مـنـهـا :

صـورة لـبـغـداديـة مـتـنـقّـبـة :

ucla-1919-7

وصـورة لـلـجـسـر الـقـديـم، جـسـر الـقـطـعـة في بـغـداد، ولـمـقهى وقـفـف ولـبـغـداديـيـن “arabs”.

وقـد تـوقـفـت الـقـفـف والأبـلام في شـريـعـة بـاب الـسّـيـف في جـانـب الـكـرخ (1):

ucla-1919-2

وصـورة  لـتـرامـوي بـغـداد ـ الـكـاظـمـيـة  الّـذي شـيّـد سـكّـتـه الألـمـان :

ucla-1919-3

وصـورة بـغـداد مـديـنـة الـجـوامـع (the City of Mosques ). وقـد الـتـقـطـت الـصـورة مـن فـوق بـاب الـمـعـظـم (1) :

ucla-1919-4

وصـورة لـطـاق كـسـرى :

ucla-1919-5

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أقـدّم شـكـري الـجـزيـل لـلأسـتـاذ أحـمـد إبـراهـيـم عـلى هـذه الـتّـوضـيـحـات الّـتي بـعـثـهـا لي.

مـحـلّات أوروزدي بـاك في بـغـداد

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-2

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شـاركـت شـركـة أوروزدي بـاك الـتّـجـاريـة مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع، وخـلال الـقـرن الـعـشـريـن في تـنـمـيـة الـثّـقـافـة الإسـتـهـلاكـيـة الـشّـرهـة في أوربـا الـشّـرقـيـة أوّلاً، ثـمّ في الـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط وفي شـمـال أفـريـقـيـا، بـفـتـحـهـا لـمـحـلات كـبـيـرة تـروّج لـلـبـضـائـع الأوربـيـة في غـالـبـيـة الـمـدن الـمـهـمّـة  في هـذه الـمـنـاطـق ومـن بـيـنـهـا بـغـداد والـبـصـرة.

فـكـيـف نـشـأت هـذه الـشّـركـة ؟ وكـيـف نـمـت وازدهـرت ؟

تـذكـر لـنـا الـمـصـادر الّـتي درسـت تـاريـخ هـذه الـشّـركـة أنّ عـائـلـة بـاخ Bach  كـانـت يـهـوديـة، إغـتـنـت مـن الـتّـجـارة في الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ـ الـمـجـريـة، ثـمّ تـشـاركـت مـع عـائـلـة يـهـوديـة أخـرى مـن أصـل نـمـسـاوي مـجـري : أوروزدي Orosdi. وهـكـذا تـزوّج  أدولـف أوروزدي Adolf Orosdi  بـأخـت مـوريـس بـاخ  Maurice Bach.

وكـان أدولـف أوروزدي ضـابـطـاً شـارك في حـركـة 1848 الـوطـنـيـة الـمـجـريـة. وبـعـد فـشـل الـحـركـة الّـتي قـمـعـهـا الـنّـمـسـاويـون، هـاجـر إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول)، عـاصـمـة الـدولـة الـعـثـمـانـيـة، وبـدأ يـمـارس فـيـهـا الـتّـجـارة.

وفـتـح في 1855 مـحـلّاً في مـحـلّـة غَـلَـطـة (جـالاتـا) عـلى الـبـوسـفـور لـبـيـع الـمـلابـس الـجـاهـزة الـمـسـتـوردة مـن أوربـا. وقـد نـمـت تـجـارتـه وتـوسـعـت بـعـد ذلـك، واسـتـمـرّ بـهـا ولـداه فـيـلـيـب ولـيـون مـن بـعـده.

ثـمّ تـشـارك ولـدا أوروزدي مـع هـيـرمـان  وجـوزيـف، إبـنَي مـوريـس بـاخ، واتّـفـق أربـعـتـهـم عـلى تـسـمـيـة شـركـتـهـم : أوروزدي ــ بـاخ.

وفي 1879، تـزوّج هـيـرمـان بـاخ في بـاريـس بـمـاتـيـلـد أوروزدي، أخـت فـيـلـيـب ولـيـون، وأقـامـا في هـذه الـمـديـنـة.

وقـد فـتـح الـشّـركـاء الأربـعـة في بـاريـس عـام 1888 الـمـكـتـب الـرّئـيـسي لـشـركـتـهـم الـتّـجـاريـة بـعـد أن غـيّـروا كـتـابـة اسـم Bach (الّـذي يـلـفـظ  “بـاك” بـالـفـرنـسـيـة ) إلى Back، وأصـبـح اسـم الـشّـركـة : Orosdi- Back.

وفي 1893 فـتـحـوا أوّل مـحـلاتـهـم في فـيـيـنـا، عـاصـمـة الـنّـمـسـا، وأصـبـحـت الـشّـركـة في 1895 شـركـة مـسـاهـمـة، وفـتـحـت مـحـلات كـبـرى في أوربـا الـشّـرقـيـة وفي تـركـيـا. وفي حـوالي عـام 1896 فـتـحـوا أوّل مـحـلاتـهـم في الـقـاهـرة، ثـمّ في تـونـس وفي حـلـب وبـيـروت.

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-4

وكـانـت هـذه الـمـحـلّات مـن نـوع جـديـد ظهـر في الـمـدن الأوربـيـة في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر،

وهي مـا تـسـمى بـالـفـرنـسـيـة : Grands magasins، وتـسـمى بـالإنـكـلـيـزيـة : Department stores.

ويـمـتـلـك كـلّ مـحـل مـن هـذه الـمـحـلّات الـكـبـرى شـخـص واحـد أو شـركـة واحـدة، وفـيـهـا أقـسـام مـتـعـددة تـبـيـع بـضـائـع مـتـنـوّعـة.

فـبـيـنـمـا كـان هـنـاك في الـمـاضي مـحـلّات مـخـتـصّـة في كـلّ نـوع مـن الـبـضـائـع والـسّـلـع : مـحـلّات لـلـمـلابـس وأخـرى لـلأحـذيـة والـمـصـنـوعـات الـجـلـديـة أو لـلـمـواد الـمـنـزلـيـة أو لـلـمـواد الـغـذائـيـة، جـمـعـت الـمـحـلّات الـكـبـرى كـلّ هـذه الـمـنـتـجـات في مـكـان واحـد. ولـم يـعـد الـزّبـائـن يـحـتـاجـون لـلـتّـنـقـل مـن مـحـلّ إلى آخـر وإنّـمـا يـجـدون كـلّ مـا يـحـتـاجـونـه في أقـسـام مـخـتـلـفـة في داخـل نـفـس الـمـحـلّ الـكـبـيـر. (1)

وفي بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، إشـتـرى عـمـر أفـنـدي الّـذي كـان مـن عـائـلـة الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـحـلات أوروزدي بـاك في مـصـر (في الـقـاهـرة والإسـكـنـدريـة وطـنـطـا …)، وتـحـوّل اسـمـهـا بـعـد ذلـك إلي مـحـلات عـمـر أفـنـدي.

مـحـلّات أوروزدي بـاك في بـغـداد :

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-6

كـمـا افـتـتـح مـحـل كـبـيـر لأوروزدي بـاك في بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة تـقـريـبـاً، أي في بـدايـة الـعـشـريـنـيـات، ثـمّ آخـر في الـبـصـرة. (2)

وقـد أجّـر مـؤسـسـوه في بـغـداد في الـبـدايـة مـحـلّاً في الـمـنـطـقـة الّـتي كـانـت تـدعى بـوقـف حـيـدر جـلـبي عـنـد بـدايـة شـارع الـمـسـتـنـصّـر، عـلى مـقـربـة مـن حـمـام حـيـدر الـشّـهـيـر. وكـان الـمـبـنى بـطـابـقـيـن ولـكـنّـه لـم يـكـن شـديـد الـسّـعـة. (3)

ونـجـد في خـارطـة مـديـنـة بـغـداد الـتّي نـشـرتـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة مـديـريـة الأشـغـال الـعـمـومـيـة في أمـانـة عـاصـمـة بـغـداد Public Works Departement عـام 1929 إسـم الـمـحـل مـكـتـوبـاً : Orosdiback ،مـن غـيـر خُـطـيـط فـاصـل بـيـن جـزئـيـه.(4)

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d9%88%d8%b2%d8%af%d9%8a-2

وفي 1950، إنـتـقـلـت مـحـلاّت أوروزدي بـاك، الّـتي يـسـمـيـهـا الـبـغـداديـون : أورزدي، إلى مـبـنـاهـا الـجـديـد الـواسـع في شـارع الـرّشـيـد، مـحـلّـة سـيّـد سـلـطـان عـلي. (3)

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-7

وقـد دهـش الـبـغـداديـون بـتـنـظـيـمـهـا وتـنّـوع أقـسـامـهـا .وكـانـت تـبـاع فـيـهـا، كـمـا في كـلّ الـمـحـلّات الـكـبـرى، أنـواع مـخـتـلـفـة مـن الـبـضـائـع والـسّـلـع الـمـحـلـيـة الـصّـنـع أو الـمـسـتـوردة : مـلابـس فـاخـرة لـلـنّـسـاء والـرّجـال والأطـفـال فـرنـسـيـة وإنـكـلـيـزيـة، وأجـهـزة مـنـزلـيـة واكـسـسـوارات مـن أشـهـر الـمـاركـات.

وكـانـت أطـقـم الـطّـعـام مـن الـبـورسـلـيـن : روزنـتـال  Rosenthal أو  Wedge Wood الإنـكـلـيـزيـة الـعـريـقـة، وأطـقـم الـفـضّـة : كـريـسـتـوفـل  Christofle، إلى جـانـب الـكـريـسـتـال الـبـوهـيـمي.

وكـان فـيـهـا قـسـم كـبـيـر لـلـقـرطـاسـيـة بـأنـواعـهـا بـمـا في ذلـك الـمـواد الـفـنّـيـة، وآخـر لـلـخـيـاطـة والـتّـطـريـز والـحـيـاكـة، وقـسـم لـمـعـدّات الـمـطـبـخ وأدوات الـطّـبـخ. (3)

وكـانـت مـحـلّات أوروزدي بـاك تـخـتـلـف عـن مـخـازن حـسـو إخـوان الّـتي كـانـت أكـثـر اهـتـمـامـاً بـاسـتـيـراد الـمـسـتـلـزمـات الـمـنـزلـيـة الـضّـخـمـة مـن أثـاث وأدوات وكـهـربـائـيـات مـن الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة. (3)

وكـانـت هـذه الـمـحـلّات تـتـوجـه لأفـراد الـطّـبـقـة الـمـتـوسّـطـة والـطّـبـقـة الـغـنّـيـة. ولـهـذا بـنـت سـمـعـتـهـا عـلى بـيـع مـنـتـجـات جـيّـدة الـنّـوعـيـة وعـلى أسـعـار ثـابـتـة تـكـتـب بـجـانـبـهـا، لا يـمـكـن لـلـزّبـائـن أن يـسـاومـوا عـلـيـهـا.

وكـانـت الـمـحـلّات تـشـغـل طـابـقـيـن (الـطّـابـق الأرضي والـطّـابـق الأوّل) نـصـب بـيـنـهـمـا مـصـعـد كـهـربـائي لـم يـر كـثـيـر مـن سـكّـان بـغـداد مـصـعـداً قـبـلـه. وكـان فـيـه مـصـطـبـة خـشـبـيـة يـسـتـريـح عـلـيـهـا الـمـسـنّـون.

وكـان مـدخـلـهـا عـلى شـارع الـرّشـيـد : بـابـهـا زجـاجي دوّار، يـقـف أمـامـه بـوّاب بـزيّ رسـمي نـظـيـف.

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-8

وتـحـيـط بـالـبـاب مـن جـانـبـيـه واجـهـات زجـاجـيـة كـانـت تـعـرض فـيـهـا بـضـائـع حـديـثـة لـجـذب أنـظـار الـمـارّة، ولـدفـعـهـم لـدخـول الـمـحـلّات لـلـتّـفـرج، ثـم لإغـرائـهـم بـعـد ذلـك بـالـشّـراء. وهـو أمـر سـائـد في كـلّ الـمـجـتـمـعـات الإسـتـهـلاكـيـة.

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-5

وكـان الـجـديـد عـلى كـثـيـر مـن الـبـغـداديـيـن أيـضـاً أنّ الـمـحـلّات وظّـفـت بـائـعـات يـرتـديـن زيّـاً مـوحّـداً. وكـانـت سـيـاسـة هـذه الـمـحـلّات أن يـبـتـسـم كـلّ الـعـامـلـيـن فـيـهـا ومـن ضـمـنـهـم الـبـائـعـات، وأنّ يـظـهـروا لـلـزّبـائـن الـلـطـف والإحـتـرام. وهـذا مـن مـمـيـزات كـلّ الـمـحـلّات “الـرّاقـيـة”.

وفي مـطـلـع سـتـيـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن، عـرضـت مـحـلّات أوروزدي بـاك لـلـبـيـع. وتـشـارك في شـرائـهـا رجـلا أعـمـال وصـنـاعـة في بـغـداد : مـنـذر فـتّـاح، مـن أصـحـاب مـعـامـل فـتّـاح بـاشـا، والـمـصـرفي الـسّـيّـد مـهـدي الـرّحـيـم. وحـوّلا اسـمـهـا إلى : شـركـة الـمـخـازن الـعـراقـيـة. وتـشـكّـل مـجـلـس لإدارتـهـا يـضـمّ رجـال أعـمـال ومـثـقـفـيـن تـرأسـهـم عـلي حـيـدر الـرّكـابي (الّـذي كـان مـديـراً لـنـادي الـمـنـصـور مـنـذ تـأسـيـسـه في 1951).

وكـان في مـحـلّات أوروزدي بـاك، إلى جـانـب الأقـسـام الّـتي تـحـتـوي عـلى كـثـيـر مـن الـمـنـتـوجـات الـمـتـنـوّعـة، مـقـهى في الـطّـابـق الأول، وتـطـلّ نـوافـذه عـلى نـهـر دجـلـة، ولـكـنّـه كـان مـخـصـصـاً لـلـنّـسـاء.

وأنـشـأت مـكـتـبـة تـبـيـع كـتـبـاً عـربـيـة وأجـنـبـيـة وتـعـاقـدت الـشّـركة مـع كـبـريـات دور الـنّـشـر مـثـل بـيـنـجـويـن   Penguin وفـابـيـر أند فـابـيـر    Faber & Faber  لـتـزويـدهـا بـمـنـشـوراتـهـا، وعـرضـت لـلـبـيـع الـكـتـب الـفـنّـيـة الـصّـادرة عـن Thames & Hudson والـمـوسـوعـة الـبـريـطـانـية   Encyclopedia Britannica الـتّي كـانـت تـبـاع بـالأقـسـاط. (3)

ولـديـنـا صـورة لـهـا :

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-3

وكـان  فـيـهـا مـكـتـبـة لـبـيـع أسـطـوانـات الـمـوسـيـقى الـكـلاسـيـكـيـة والـمـعـاصـرة لأحـدث مـا كـان يـصـدر في الـعـالـم. (3)

ويـبـدو أنّـه كـان فـيـهـا، في فـتـرة مـن الـفـتـرات، صـالـون نـسـائي فـيـه “كـوافـيـره” (وهي كـلـمـة أرقى مـن كـلـمـة “حـلّاقـة” !)، وأنّـهـا جـلـبـت لـهـذا الـصّـالـون خـبـيـرة أجـنـبـيـة مـخـتـصّـة بـالـتّـجـمـيـل الـنّـسـائي.

وفي فـتـرات الـتّـنـزيـلات، كـانـت الـمـحـلّات تـأتي بـفـرقـة مـوسـيـقـيـة تـعـزف في داخـلـهـا لـجـذب الـزّبـائـن.

مـن مـحـلّات أوروزدي بـاك إلى “الأسـواق الـمـركـزيـة” :

orosdi

وقـد أمـمـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة مـحـلّات أوروزدي بـاك في سـبـعـيـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن، وأصـبـحـت مـلـكـاً لـلـدّولـة تـحـت اسـم : “الأسـواق الـمـركـزيـة”. وأنـشـئـت شـركـة حـكـومـيـة لإدارتـهـا بـاسـم “الـشّـركـة الـعـامـة لـلأسـواق الـمـركـزيـة”، كـانـت تـابـعـة لـوزارة الـتّـجـارة.

وفـتـحـت لـهـا فـروعـاً في عـدد مـن أحـيـاء بـغـداد مـثـل الـكـرادة والـمـنـصـور والـعـدل والـشّـعـب والـبـلـديـات، ثـمّ فـتـحـت لـهـا فـروعـاً في الـمـحـافـظـات.

ولا يـمـكـن لأحـد أن يـقـلـل مـن أهـمـيـة مـحـلّات أوروزدي بـاك الّـتي واكـبـت ولا شـكّ دخـول الـمـجـتـمـع الـعـراقي (أو عـلى الأقـلّ الـمـجـتـمـع الـبـغـدادي) في الـثّـقـافـة الإسـتـهـلاكـيـة، والّـتي تـحـتـل مـكـانـتـهـا في ذاكـرتـنـا الـجـمـاعـيـة.  فـمـن مـن أبـنـاء جـيـلي ومـن أبـنـاء الـجـيـل الّـذي سـبـقـنـا مـن لـم يـمـرّ أمـام واجـهـاتـهـا ولـم يـتـوقـف لـلـتـفـرج عـلـيـهـا، أو لـم يـدخـل فـيـهـا؟

ومـع ذلـك فـقـد قـرأت عـدداً كـبـيـراً مـن “مـقـالات” نـشـرت عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة كـتـب مـؤلـفـوهـا ما لا يـكـاد أن يـتـصـوره الـعـقـل مـن الإخـتـلاقـات والـتّـلـفـيـقـات، وخـاصـة فـيـمـا يـتـعـلـق بـإنـشـاء هـذه الـمـحـلّات.

وقـد عـجـبـت مـن قـدرات الـبـعـض عـلى الإخـتـراع، فـقـد جـعـل كـاتـب مـقـال واسـع الـنّـشـر مـن أوروزدي بـاك تـاجـراً عـراقـيـاً أرمـنـيـاً ! وجـعـلـه آخـر فـرنـسـيـاً فـتـح أوّل مـحـلاّتـه في بـغـداد !

أمّـا فـيـمـا يـتـعـلـق بـاسـم هـذه الـمـحـلّات : أوروزدي بـاك Orosdi- Back، وهـو كـمـا رأيـنـا اسـم مـركّـب مـن اسـمَي عـائـلـتـيـن مـجـريـتـيـن تـشـاركـتـا في الـتّـجـارة. فـقـد ادّعى الـبـعـض أنّـه جـاء مـن الإنـكـلـيـزيـة  Ours Day Bag [هـكـذا !] وتـرجـمـوهـا : حـقـيـبـة تـسـوقـنـا الـيـومي ! أو أنّـهـا اسـم شـركـة أجـنـبـيـة افـتـتـحـت لـهـا أوّل سـوق في بـغـداد بـهـذا الإسـم، أو أنّـهـا كـلـمـة فـرنـسـيـة تـعـني سـوق أو مـول … وهي كـلّـهـا، كـمـا يـرى الـقـارئ الـعـزيـز بـنـفـسـه تـنـمّ عـن جـهـل مـخـتـرعـيـهـا بـالـتّـاريـخ وبـالـلـغـات الأجـنـبـيـة !

 وبـيـن كـلّ هـذه الـمُـضـحـكـات الـمُـبـكـيـات، قـرأت في كـتـاب صـدر قـبـل سـنـوات لـكـاتـب مـشـهـور (5) تـفـسـيـراً أكـثـر غـرابـة لـهـذا الإسـم. فـبـعـد أن تـكـلّـم الـمـؤلـف عـن : “أجـمـل وأرقى مـخـزن في بـغـداد الـخـمـسـيـنـيـة والـسـتـيـنـيـة، وهـو مـا يـسـمـيـه الـبـغـداديـون أورزدي”، ذكـر :

“لـم أكـن أعـرف وأنـا أردد مـع الـبـغـداديـيـن بـالـدارجـة الـعـراقـيـة اسـم “أورزدي” مـا مـعـنى هـذه الـكـلـمـة ومـن أيـن جـاءت. وكـنـت أظـنـهـا اسـم صـاحـب الـمـكـان ولـكـنـني في فـرنـسـا قـرأت ريـبـورتـاجـاً صـحـفـيـاً وجـدت فـيـه اسـم “أورزدي بـاك” مـكـتـوبـاً بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة لأنـه مـن أصـل فـرنـسي. وقـد وضـعـه كـاتـب الـمـقـال بـشـكـل تـلـقـائي بـاعـتـبـاره نـوعـاً مـن الـتـوثـيـق في نـقـل الأسـمـاء … وإذا بي أقـرأ :Aux roses du bac   أي إلى أزهـار الـمـزهـريـة “.

ولا يـحـقّ لـنـا أن نـنـتـقـد هـذا الـمـؤلـف لـجـهـلـه بـالـتّـاريـخ، فـهـو قـد نـقـل هـذا الـتّـأويـل الـغـريـب لـقـرائـه كـمـا قـرأه، مـن غـيـر تـدقـيـق ولا تـمـحـيـص. ومـع ذلـك فـقـد كـان عـلـيـه أن يـتـحـاشى الـسّـقـوط في إغـراء الـكـتـابـة الـمـتـعـجّـلـة والـنّـشـر الـسّـريـع، فـتـسـجـيـل تـاريـخـنـا الـحـديـث يـتـطـلّـب مـنّـا جـمـيـعـاً جـهـوداً مـسـتـمـرة في لـمّ شـتـاتـه وتـأنـيـاً في جـمـع أجـزائـه لـكي لا يـضـيـع مـنّـا ويـتـلاشى ذكـره.

مـلـحـق :

إسـتـلـمـت رسـالـة مـن الـكـاتـبـة والـشّـاعـرة ونـاقـدة الـفـنّ الـكـبـيـرة مي مـظـفّـر تـحـتـوي عـلى مـعـلـومـات قـيّـمـة وشـديـدة الأهـمـيـة عـن مـحـلّات أوروزدي بـاك في بـغـداد يـسـعـدني أن أنـشـرهـا كـتـكـمـلـة لـمـقـالي (الّـذي اسـتـعـمـلـت فـيـه مـقـاطـع مـنـهـا) :

“لقد عايشنا هذا المخزن وكان حلم طفولتنا أن نقتني منه لعبة، حين كانت اللعب في الأربعينيات والخمسينيات لا تقدم إلا في المناسبات الخاصة: العيد أو عيد الميلاد أو التفوق في الدراسة.

اسمح لي أن أنقل لك ما أعرفه عن هذا المكان :

حين تأسس أوروزدي باك في العشرينيات كما ذكرت، اتخذ موقعه في ركن المنطقة التي كانت تدعى بوقف حيدر جلبي عند بداية شارع المستنصر، على مقربة من حمام حيدر الشهير. (بالمناسبة حيدر جلبي جدي الأكبر وفي تلك المرحلة من الأربعينيات وحتى وفاته في 1949 كان والدي المتولي عن الوقف وبعد وفاته انتقلت إلى ابن خالته المحامي فاضل بابان).، وكان مؤجرا من الوقفية.

كان المبنى كما أتذكر بطابقين ولم يكن واسعا جدا وكانت بضاعته فرنسية على الأغلب ولم يكن يحتوي على مكتبة لبيع الكتب. هذا ما أستطيع قوله عن المكان لصغر سني آنذاك، وكل ما لصق بذاكرتي أن الألعاب الجميلة كانت توضع في مقدمة المخزن. (راجع قصتي عن هذا المكان في مجموعة ألم يبق منهم أحد).

في 1950 انتقل المخزن إلى مبناه الجديد الواسع في شارع الرشيد، محلة سيد سلطان علي، وقد حضرت مع أهلي الافتتاح الكبير ورأيت دهشة الناس بالمصعد الذي يذهب إلى الطابق الثاني وكان يحتوي على مصطبة خشبية لراحة المسنين. كان مدهشا بتنظيمه وتنوع أقسامه التي بين الملابس الفاخرة الفرنسية والإنجليزية للرجال والنساء والأطفال والأجهزة المنزلية والإكسسوارات من أشهر   الماركات، كانت أطقم الطعام البورسلين من نوع روزنتال  Rosenthal وWedge Wood   الإنجليزية العريقة، وأطقم الفضة كريستوفل Christofle، والكريستال البوهيمي كمثال. وكان فيها قسم كبير  للقرطاسية بأنواعها بما في ذلك المواد الفنية، وآخر لعدد الخياطة والتطريز والحياكة، وقسم لأغراض المطبخ.

وكان اختلافه عن مخازن حسو اخوان أن الأخير كان أكثر اهتماما باستيراد المستلزمات المنزلية الضخمة من أثاث وأدوات وكهربائيات، والتي كان يستوردها من أمريكا.

في مطلع الستينيات، بيعت مخازن أوروزدي باك، واشتراها شراكة اثنان من رجال الأعمال والصناعة في بغداد هما منذر فتاح من أصحاب معامل فتاح باشا، والمصرفي السيد مهدي الرحيم. وبدأت محلات أورزدي باك التي أصبح اسمها شركة المخازن العراقية، تستعيد نشاطها. فتشكلت هيئة إدارتها من مجلس يمثل نخبة من رجال الأعمال والمثقفين برئاسة الأستاذ علي حيدر الركابي، الذي كان مديرا لنادي المنصور منذ تأسيسه في 1951.

كان من أولويات مهام الإدارة أن ترقى بالذوق العام بعد أن بدأ يتدنى نتيجة للقيود الاقتصادية، سواء أكان في الملبس أو الأدوات المنزلية أو الأثاث. وتولت الإشراف على ذلك السيدة سعاد العمري المعروفة بذوقها الراقي وحسن اطلاعها وثقافتها.

%d8%b3%d8%b9%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d8%b1%d9%8a

(السيدة سعاد العمري رئيسة جمعية الهلال الأحمر في لقاء مع الملك فيصل الثاني والسيد محمد الصدر رئيس مجلس الأعيان في منتصف الخمسينيات).

وبدأت المؤسسة تعتمد على الإنتاج المحلي إلى جانب الاستيراد الذي اعتمد أكثر على الملابس الإنجليزية، والأثاث حديث التصميم من الدنمارك، مع استحداث قسم خاص للخياطة والاعتماد على تصنيع الأثاث محليا بمواصفات حديثة خاصة.

وكانت البرامج الثقافية من صلب مشاريعها، فتتوج افتتاح المؤسسة بمعرض شخصي للفنان فائق حسن. كما أنشأت، ولأول مرة، مكتبة لبيع الكتب العربية والأجنبية معظمها بالإنجليزية والفرنسية بشكل محدود، وبأسعار ميسرة، إذ تعاقدت الشركة مع كبريات دور النشر مثل بينجوين   Penguinوفايبر أند فيبر    Faber & Faber،والكتب الفنية الصادرة عن Thames & Hudson والموسوعة البريطانية   Encyclopedia Britannicaالتي كانت تباع بالأقساط.

كما خصصت مكتبة ضخمة لبيع الاسطوانات الكلاسيكية والمعاصرة لأحدث الإصدارات في العالم. هكذا كنا نجد المثقف العراقي، النهم بطبيعته للمعرفة، يواكب مستجدات الأحداث والأفكار وأساليب التعبير على امتداد العصور.

وكان من ضمن مشاريع السيدة العمري استحداث مقهى مطل على دجلة أسوة بما تتبعه المخازن الكبيرة مثل هارودز وسلفرجز ولافاييت. لكن المقهى كان مخصصا للنساء فقط .

وحين شملت أحكام التأميم هذه المحلات تولت وزارة التجارة إدارة المخازن، ومن بعد أطلق على هذ المؤسسة الأسواق المركزية وانتشرت في كل أنحاء العراق”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  وجـدت عـدّة مـقـالات تـعـتـبـر مـحلات أوروزدي باك في بـغـداد “أول مـول في الـشـرق الأوسط !”. ومـن الـواضـح أنّ كـاتـبـيـهـا يـجـهـلـون الـفـرق بـيـن الـ Department stores و بين الـ  Mall.    فـالـمـول Mall مـركـز تـجـاري شـديد الـضّـخـامـة يـضـمّ مـحـلات مـخـتـلـفـة تـنـتـمي لـشـركـات مـخـتـلـفـة. وقـد  ظـهـر هـذا الـنّـوع مـن الـمـراكـز الـتّـجـاريـة في الـقـرن الـعـشـريـن، بـعـد فـتـرة طـويـلـة مـن ظـهـور الـمـخـازن الـكـبـرى مـثـل أوروزدي بـاك.

(2) Uri M. Kupferschmit, European Department Stores and Middle Eastern Consumers : The Orosdi-Back Saga, Istanbul, Osmanli Bankasi Arsiv ve Arastirma Merkezi , 2007

(3)  أرسـلـت لي الأديـبـة الـكـبـيـرة مي مـظـفّـر بـكـلّ هـذه الـمـعـلـومـات الـقـيّـمـة.

(4) أنـظـر مـقـالي : خـارطـتـان لـمـديـنـة بـغـداد في 1929 و1933:

https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/06/15/%D8%AE%D9%80%D8%A7%D8%B1%D8%B7%D9%80%D8%AA%D9%80%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%80%D9%85%D9%80%D8%AF%D9%8A%D9%80%D9%86%D9%80%D8%A9-%D8%A8%D9%80%D8%BA%D9%80%D8%AF%D8%A7%D8%AF-1929-%D9%881933/

(5)   ” يـوم في بـغـداد” الّـذي نُـشـر في سـلـسـلـة “كـتـاب في جـريـدة” عـدد 128 ، ص. 12.

 

 

 

“تـان تـان” والـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

في أواخـر خـمـسـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، كـان أخي الأكـبـر مـنّي، خـالـد، يـذهـب كـلّ أسـبـوع لـيـشـتـري عـنـد بـائـع الـجـرائـد الـقـريـب مـن حـيّـنـا في بـغـداد الـعـدد الأخـيـر مـن “سـمـيـر، مـجـلّـة الأولاد” الـقـاهـريـة. (1)

samir

وكـنـت أصـاحـبـه مـع أخي الأصـغـر مـنّي، طـلال، أو كـنّـا نـنـتـظـره في الـدّار. وكـنّـا نـنـتـظـر بـعـد ذلـك بـنـفـاد صـبـر أن يـنـتـهي مـن قـراءتـهـا لـنـرتـمي عـلـيـهـا ونـلـتـهـم مـا فـيـهـا بـأسـرع مـا يـمـكـن، عـلى شـرفـة دارنـا الـمـطـلّـة عـلى دجـلـة، أو في حـديـقـتـنـا تـحـت ظـلال أشـجـار الـنّـارنـج.

وقـد اكـتـشـفـنـا في هـذه الـمـجـلّـة، إلى جـانـب مـغـامـرات “تـهـتـه وسـمـيـر”

samir-2

و “بـعـجـر” و “بـاسـل الـكـشّـاف الـشّـجـاع”، مـغـامـرات أخـرى كـتـبـهـا ورسـمـهـا الـبـلـجـيـكي هـيـرجـيـه : “مـغـامـرات تـان تـان”.

مـغـامـرات تـان تـان :

نـجـد في مـكـتـبـات الـغـرب أعـداداً هـائـلـة مـن ألـبـومـات لـنـصـوص سـرديـة مـرسـومـة، يـسـمـيـهـا الأمـريـكـان بـالـكـومـيـكـس  Comics والـفـرنـسـيـون بـالـ Bandes dessinées   أي الـشّـرائـط الـمـرسـومـة.

وكـانـت هـذه الألـبـومـات تـتـوجّـه في الأصـل لـلـنّـاشـئـة ولـكـنّـهـا تـتـوجـه الآن لـكـلّ الـنّـاس مـن كـلّ الأعـمـار.

وقـد ادّعى الـرّسّـام الـبـلـجـيـكي جـورج ريـمي (1907ـ 1983) والـمـعـروف بـاسـم هـيـرجـيـه  Hergé (الـنّـاطـق بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة) بـأنّ أعـمـار قـرّاء ألـبـومـاتـه تـان تـان Tintin (أسـمـاهـا بـاسـم بـطـلـهـا الـشّـاب) تـتـراوح بـيـن سـبـعـة وسـبـعـة وسـبـعـيـن عـامـاً. وصـارت جـمـلـة :  “مـن سـبـعـة إلى سـبـعـة وسـبـعـيـن”  شـعـاراً دعـائـيـاً لـه يـردده الـجـمـيـع حـالـمـا يُـذكـر اسـم تـان تـان. (2)

ويـقـال إنّ الـجـنـرال ديـغـول أجـاب صـحـفـيـاً ذكـر لـه أنّـه كـان أشـهـر شـخـصـيـة فـرنـسـيـة في الـعـالـم : “تـان تـان أشـهـر مـنّي !”.

وقـد نـشـر هـيـرجـيـه أوّل ألـبـومـات “تـان تـان” سـنـة 1929.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d9%88%d9%85%d9%8a%d9%84%d9%88

 

وتـأتي أهـمـيـة هـيـرجـيـه مـن أنّـه خـلـق أسـلـوبـاً جـديـداً في رسـم قـصـصـه عُـرف بـأسـلـوب “الـخـطـوط الـواضـحـة”، فـهـو قـد تـخـلـص في رسـومـه مـن كـلّ الـتّـفـاصـيـل الـثّـانـويـة الّـتي كـانـت تـثـقـلـهـا، ولـم يُـبـقِ إلّا الـخـطـوط الـرّئـيـسـيـة الـبـالـغـة الـوضـوح والـنّـقـاء لـلأشـخـاص والأمـاكـن والأشـيـاء الّـتي يـمـلأهـا بـألـوان زاهـيـة صـافـيـة.

وقـد حـسّـن أسـلـوبـه شـيـئـاً فـشـيـئـاً إلى أن بـلـغ بـه درجـة عـالـيـة مـن الـجـمـالـيـة. وتـبـعـه في ذلـك عـدد كـبـيـر مـن الـرّسّـامـيـن حـتّى أصـبـح أسـلـوب “الـخـطـوط الـواضـحـة” مـدرسـة فـنّـيـة اكـتـسـبـت نـفـس أهـمـيـة الـمـدارس الـفـنّـيـة الأخـرى.

وقـد خُـصـص لـلـرّسّـام هـيـرجـيـه ولـشـخـصـيـتـه الـمـرسـومـة “تـان تـان” مـتـحـف في مـديـنـة بـروكـسـل، عـاصـمـة بـلـجـيـكـا. كـمـا تـقـام لـه مـعـارض فـنّـيـة مـهـمّـة في الـمـتـاحـف وقـاعـات الـعـرض مـثـل الـمـعـرض الّـذي أقـيـم في بـاريـس هـذا الـعـام.

تـان تـان في بـلاد الـذّهـب الأسـود :

نـشـر هـيـرجـيـه بـيـن أيـلـول 1939 وأيّـار 1940 قـصّـة سـرديّـة بـرسـوم في خـانـات مـتـتـابـعـة في مـجـلّـة “صـغـيـر الـقـرن الـعـشـريـنLe petit Vingtième ” الـبـلـجـيـكـيـة  تـحـت عـنـوان : “تـان تـان في بـلاد الـذّهـب الأسـود”. وكـانـت رسـومـهـا بـالأبـيـض والأسـود.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%b5%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d9%86

ثـمّ أعـاد نـشـرهـا في مـجـلّـة “تـان تـان” ولـكـن بـالألـوان هـذا الـمـرّة بـيـن 1948 و1950. ونـشـر قـصّـتـه الـمـرسـومـة هـذه بـالألـوان في ألـبـوم عـام 1950.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%ba%d9%84%d8%a7%d9%81-3

وقـد نـشـر هـيـرجـيـه قـصـتـه هـذه، كـمـا ذكـرنـا في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة. وهي قـصـة خـيـالـيـة لـهـا عـلاقـة بـالـصّـراع بـيـن الـمـعـسـكـريـن الـمـتـحـاربـيـن : الـحـلـفـاء والـمـحـور، رغـم أنّـه رسـمـهـا قـبـل انـدلاع الـحـرب.

ويـنـبـغي أنّ أشـيـر هـنـا إلى أنّ مـجـلّـة  “صـغـيـر الـقـرن الـعـشـريـن  Le petit Vingtième”  الّـتي نـشـرهـا فـيـهـا أوّل مـرّة كـانـت مـجـلّـة يـمـيـنـيـة تـروّج لـلأفـكـار الإسـتـعـمـاريـة الإسـتـعـلائـيـة، وتـلـقي عـلى “الـشّـعـوب الـمـتـخـلّـفـة” نـظـرة فـيـهـا كـثـيـر مـن الـسّـخـريـة الإحـتـقـاريـة.

قـصّـة الألـبـوم :

tintin-couverture

تـبـدأ الـقـصّـة بـتـوصّـل مـجـمـوعـات إجـرامـيـة إلى تـسـويـق وقـود “بـنـزيـن” مـغـشـوش أدّى إلى انـفـجـار عـدّة سـيّـارات، ولـهـذا قـررّ الـصّـحـفي الـشّـاب تـان تـان الـسّـفـر إلى الـشّـرق الأدنى لـيـحـقـق في الأمـر.

%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86

وصـاحـبـه في مـغـامـرتـه هـذه، مـثـلـمـا في كـلّ الـمـغـامـرات الأخـرى كـلـبـه الأبـيـض الـصّـغـيـر “مـيـلـو”، ورفـيـقـه الـطّـيـب الـقـلـب الـسّـكّـيـر الـمـعـربـد الـقـبـطـان هـادوك.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d9%88%d8%a3%d8%b5%d8%ad%d8%a7%d8%a8%d9%87

وعـنـدمـا وصـل تـان تـان إلى إمـارة خـمـيـد Khmed    وجـد أنّ شـركـتـيـن مـنـتـجـتـيـن لـلـنّـفـط  : الأرابـكـس    l’Arebex   والـسـكـويـل بـيـتـرولـيـوم  la Skoil Petroleum  كـانـتـا قـد أشـعـلـتـا صـراعـاً عـلى الـسّـلـطـة بـيـن الأمـيـر مـحـمّـد بـن كـالـيـش الـزّاب  l’émir Mohammed Ben Kalish Ezab

%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1

والـشّـيـخ بـاب الإحـر  Bab El Ehr.

%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%b1

ونـرى طـائـرات الأمـيـر تـلقي عـلى مـضـارب الـشّـيـخ بـأوراق هـجـمـات دعـائـيـة ضـدّه، ونـرى الـشّـيـخ يـسـبّ ويـلـعـن بـالـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصّ، و”مـيـلـو”، كـلـب تـاتـان الأبـيـض الـصّـغـيـر يـطـلـب مـنـه بـالـفـرنـسـيـة : “لا تـسـتـمـع إلـيـه، فـلابـد أنّ مـا يـقـولـه شـديـد الـبـذاءة”.

tintin-au-paysواكـتـشـف تـان تـان أيـضـاً أنّ الألـمـاني دكـتـور مـيـلـر docteur Müller  الـذّي انـتـحـل شـخـصـيـة عـالـم آثـار، كـان يـمـثّـل شـركـة سـكـويـل،  وأنّـه كـان عـمـيـلاً سـريّـاً لـ “قـوّة أجـنـبـيـة” تـريـد الـسّـيـطـرة عـلى آبـار الـنّـفـط وعـلى مـخـزونـه في الـعـالـم لـتـسـتـطـيـع احـتـكـاره في حـالـة انـدلاع حـرب وإفـسـاد مـا يـسـتـطـيـع الأعـداء الـحـصـول عـلـيـه. ويـقـصـد بـالـقـوّة الأجـنـبـيـة ألـمـانـيـا الّـتي كـانـت تـسـتـعـد لـدخـول الـحـرب ضـدّ الـحـلـفـاء ومـن بـيـنـهـم فـرنـسـا وتـابـعـتـهـا بـلـجـيـكـا.

وفي الـصّـيـغـة الأولى الّـتي نـشـرت في 1939، أثـار تـان تـان الـشّـكـوك بـأنّـه كـان يـتـاجـر بـالـمـخـدرات، وقـبـض عـلـيـه. وخـلال نـقـلـه إلى الـسّـجـن اسـتـطـاع بـعـض أعـضـاء مـنـظـمـة الأرغـون الـصّـهـيـونـيـة الإرهـابـيـة خـطـفـه مـن بـيـن أيـدي رجـال الـشّـرطـة مـعـتـقـديـن أنّـه كـان زمـيـلـهـم سـالـمـون غـولـدشـتـايـن، فـقـد كـان الـشّـبـه بـيـنـهـمـا كـبـيـراً. ولـكـن رجـال الـشّـيـخ بـاب الإحـر تـابـعـوهـم مـعـتـقـديـن هـم أيـضـاً أنّـه غـولـدشـتـايـن وقـبـضـوا عـلـيـه. وبـعـد أن اكـتـشـفـوا الـحـقـيـقـة تـركـوه وحـده وسـط الـصّـحـراء حـتّى أغـمي عـلـيـه مـن الـعـطـش!

ولـكـن هـذا الـجـزء مـن الـقـصّـة حـذف في صـيـغـة 1948، أي بـعـد إنـشـاء دولـة إسـرائـيـل، ومـحـو دور الـمـنـظـمـات الإرهـابـيـة في إنـشـائـهـا مـن مـقـالات الـصّـحـافـة وكـتـب الـتّـاريـخ في الـغـرب. وتـغـيّـر الـسّـيـنـاريـو. وقـد أثّـار تـان تـان في الـسّـيـنـاريـو الـجـديـد الـشّـكـوك بـأنّـه كـان يـمـدّ الـشّـيـخ بـاب الإحـر بـالـسّـلاح، فـقـبـض عـلـيـه رجـال الأمـيـر مـحـمّـد بـن كـالـيـش الـزّاب.

وقـد اسـتـطـاع الـشّـيـخ بـاب الإحـر خـطـفـه مـن قـصـر الأمـيـر. ولـكـنّـه أدرك خـطـأه بـعـد ذلـك فـ “تـان تـان” لا يـتـاجـر بـالأسـلـحـة، ولـهـذا اصـطـحـبـه رجـالـه إلى الـصّـحـراء وتـركـوه وحـده بـلا مـاء.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86

ولـكـنّ تـان تـان بـعـد أن غـشي عـلـيـه اسـتـعـاد وعـيـه، وأبـصـر بـالـدّكـتـور مـيـلـر وهـو يـخـرب أنـابـيـب الـنّـفـط.

وبـعـد ذلـك وصـل رجـلا الـشّـرطـة الـمـدنـيـيـن دوبـونـت و دوبـونـد (وهـمـا شـخـصـان مـضـحـكـان)

%d8%af%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%86%d8%aa-%d9%88%d8%af%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%86%d8%af-2

وكـانـا يـحـقـقـان في نـفـس الـقـضّـيـة. وأنـقـذاه وأعـاداه إلى الـمـديـنـة الّـتي فـيـهـا قـصـر الأمـيـر مـحـمّـد بـن كـالـيـش الـزّاب.

وفي نـفـس الـوقـت، تـوصّـل الـدّكـتـور مـيـلـر إلى خـطـف عـبـد الله، إبـن الأمـيـر، لـيـجـبـر والـده الأمـيـر عـلى طـرد شـركـة الأرابـكـس مـن أراضـيـه ولـيـتـرك إنـتـاج الـنّـفـط لـشـركـة الـسـكـويـل بـيـتـرولـيـوم. واتّـهـم الـدّكـتـور مـيـلـر الـشّـيـخ بـاب الإحـر بـخـطـف ابـن الأمـيـر لـكي يـبـعـد عـنـه الـشّـكـوك.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-40

واسـتـلـم الأمـيـر رسـالـة الـدّكـتـور مـيـلـر الّـتي وقّـعـهـا بـاسـم الـشّـيـخ

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-005

ونـلاحـظ أنّ الّـذي كـتـبـهـا بـالـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصّ الأصـلي، والّـذي لـم أجـد عـنـه أيّـة مـعـلـومـات، كـتـب “مـحـمـد بـن خـلـيـل” بـدلاً مـن ” l’émir Mohammed Ben Kalish Ezab “، وكـتـب “بـاب الأمـيـر”  بـدلاً مـن “Bab El Ehr”.  ولا بـدّ أنّـه فـعـل ذلـك لأنّ الأسـمـاء الـغـريـبـة الـمـضـحـكـة الّـتي اخـتـلـقـهـا الـرّسّـام هـيـرجـيـه لـشـخـصـيـاتـه لـيـس لـهـا عـلاقـة بـالأسـمـاء الـعـربـيـة، ولـم تـقـنـع الـذّي تـرجـمـهـا لـه والّـذي كـان ولا شـكّ مـن أصـل عـربي.

وقـد أرى الأمـيـر الـرّسـالـة لـتـان تـان، وأراه أيـضـاً لـوحـة تـصـوّر ابـنـه عـبـد الله الـمـخـتـطـف.

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d9%84%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%87%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%b3%d9%88%d8%af

ونـفـتـح أعـيـنـنـا عـلى سـعـتـهـا دهـشـة، فـصـورة الـطّـفـل مـنـقـولـة بـتـفـاصـيـلـهـا وجـزئـيـاتـهـا عـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة لـفـيـصـل بـن غـازي، الّـذي تـوّج بـعـد ذلـك تـحـت اسـم فـيـصـل الـثّـاني، مـلـك الـعـراق.

وكـانـت الـصّـورة قـد الـتـقـطـت عـام 1940، عـنـدمـا كـان فـيـصـل طـفـلاً في الـخـامـسـة مـن عـمـره.

%d9%81%d9%8a%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%b7%d9%81%d9%84%d8%a7%d9%8b-2

 

ولـنـتـفـحـصّ الـصّـورة والـرّسـم الـمـنـقـول عـنـهـا، ولـنـدقـق في الـتّـفـاصـيـل … لـيـس هـنـاك مـن شـكّ : رسـم هـيـرجـيـه نـسـخـة مـن صـورة فـيـصـل طـفـلاً، بـعـد أن غـيّـر الـرّسّـام مـلامـح الـمـلـك الـصّـغـيـر الـعـذبـة الـوديـعـة وحـوّلـهـا إلى مـلامـح وقـاحـة وعـنـاد لـيـخـلـق شـخـصـيـة الـولـد الـشّـقي، وحـوّل بـشـرتـه الـبـيـضـاء إلى بـشـرة غـامـقـة الـلـون !

وقـد أدرك تـان تـان خـطّـة الـدّكـتـور مـيـلـر واسـتـطـاع إيـجـاد عـبـد الله، إبـن الأمـيـر الـمـدلـل الّـذي كـان سـعـيـداً في الـمـكـان الّـذي وضـعـه فـيـه خـاطـفـه الّـذي أعـطـاه كـثـيـراً مـن الـلـعـب. وكـان عـبـد الله مـنـهـمـكـاً في إثـارة أعـصـاب تـان تـان بـشـقـاوتـه ولـم يـكـن يـريـد تـرك هـذا الـمـكـان الـمـمـتـع. وقـد اسـتـطـاع تـان تـان بـعـد صـعـوبـات بـالـغـة أن يـرجـعـه إلى قـصـر أبـيـه.

وقـد اسـتـطـاع تـان تـان أيـضـاً، بـمـسـاعـدة صـديـقـه الـكـابـتـن هـادوك الـقـبـض عـلى الـدّكـتـور مـيـلـر،

%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d9%8a%d9%84%d8%b1

وعـثـر عـلى الـمـادة الـخـطـرة الّـتي كـانـت تـوضـع في وقـود “الـبـنـزيـن” لـتـفـجـيـر الـسّـيّـارات. وقـد بـعـثـاهـا إلى الـبـروفـسـور تـورنـسـول الّـذي وجـد لـهـا مـادّة مـضـادة لـيـنـقـذ أرواح الآلاف مـن سـوّاق الـسّـيّـارات !

ورغـم سـذاجـة الـقـصّـة والأسـمـاء الـغـريـبـة الّـتي اخـتـلـقـهـا هـيـرجـيـه لـشّـيـوخ الـنّـفـط فـمـا زال الألـبـوم يـطـبـع ويـعـاد طـبـعـه وتـبـاع مـنـه آلاف الـنّـسـخ …

ومـا زال الـصّـغـار والـكـبـار يـتـأمّـلـون صـورة الـطّـفـل الـمـدلـل الـشّـقي عـبـد الله، إبـن الأمـيـر مـحـمّـد بـن كـالـيـش الـزّاب، وهـم لا يـعـرفـون أنّـهـا نـسـخـت مـن صـورة الـطّـفـل فـيـصـل الـثّـاني، إبـن مـلـك الـعـراق غـازي، وحـفـيـد الـمـلـك فـيـصـل الأوّل.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  كـانـت الـمـجـلّـة تـصـدر عـن دار الـهـلال. (صـدر عـددهـا الأوّل في أبـريـل/ نـيـسـان 1956).

(2)  أخـذت مـجـلّـة سـمـيـر الـقـاهـريـة هـذا الـشّـعـار الـدّعـائي وحـولـتـه إلى : “مـن 8 إلى 88”.