رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وقّـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني سـلـيـمـان الـقـانـوني مـع مـلـك فـرنـسـا فـرنـسـوا الأوّل مـعـاهـدة عـام 1535 تـخـوّل لـفـرنـسـا، ضـمـن “الإمـتـيـازات” الّـتي مـنـحـتـهـا الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـلـدّول الأوربـيـة، إرسـال قـنـاصـل إلى الـولايـات الـعـثـمـانـيـة: حـلـب ودمـشـق والإسـكـنـدريـة  وبـغـداد، والـسّـمـاح لـلإرسـالـيـات الـدّيـنـيـة بـدخـول أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـمـارسـة نـشـاطـاتـهـا فـيـهـا، أي فـتـح مـراكـز تـبـشـيـريـة كـاثـولـيـكـيـة فـيـهـا.

إنـشـاء نـيـابـة قـنـصـلـيـة فـرنـسـيـة في الـمـوصـل :

وهـكـذا أنـشـأت الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة عـام 1842 نـيـابـة قـنـصـلـيـة في الـمـوصـل، وكـان الـهـدف مـنـهـا “تـأسـيـس مـركـز آثـار في الـشّـرق”. ونـقـل بـول إمـيـل بـوتـا Paul Emile Botta مـن الإسـكـنـدريـة إلى الـمـوصـل لـيـشـغـل مـنـصـب “نـائـب قـنـصـل فـرنـسـا” فـيـهـا.(2)

WP_Paul-Émile_Botta

وكـان الـمـسـتـشـرق وعـالـم الآثـار جـول مـوهـل  Jules Mohl ، سـكـرتـيـر الـجـمـعـيـة الآسـيـويـة في بـاريـس قـد نـصـحـه، قـبـل الـتـحـاقـه بـمـنـصـبـه في الـمـوصـل، بـأن يـهـتـمّ بالـجـانـب الأثـري مـن مـهـمـتـه. وتـابـع جـول مـوهـل بـعـد ذلـك تـنـقـيـبـات بـوتـا مـن مـكـتـبـه  الـبـاريـسي.

وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ مـديـنـة الـمـوصـل تـقـع عـلى ضـفـة دجـلـة الـغـربـيـة :

فلاندان الموصل 4

وعـنـدمـا عـبـر بـول إمـيـل بـوتـا الـنّـهـر في ذلـك الـزّمـن وصـل إلى سهـل عـلـيـه تـلّان تـغـطـيـهـمـا الـمـسـاكـن. ومـن شـكـل الأرض حـزر أسـواراً خـمـاسـيـة الأضـلاع تـمـتـدّ عـلى حـوالي ثـلاثـة كـيـلـومـتـرات مـحـيـطـة بـالـتّـلّـيـن :

Felix Jones 2

قـويـنـجـق في الـشّـمـال والـنّـبي يـونـس في الـجـنـوب :

فلاندان نبي يونس

وكـان بـول إمـيـل بـوتـا قـد قـرأ كـلّ مـا اسـتـطـاع الـعـثـور عـلـيـه عـن مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة، عـاصـمـة الآشـوريـيـن، الّـتي ضـاعـت ذكـريـاتـهـا في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ سـقـوطـهـا في 612 قـبـل الـمـيـلاد، واخـتـفـت آثـارهـا في أعـمـاق الأرض تـحـت أكـوام الـتّـراب.

ولـم تـكـن الـمـراجـع الّـتي وجـدهـا تـتـجـاوز الـنّـصـوص الـتّـوراتـيـة ونـصـوص الـكـتّـاب الـيـونـانـيـيـن والـرّومـان والّـتي غـالـبـاً مـا تـخـتـلـط الـخـرافـات فـيـهـا بـالأسـاطـيـر.

وقـد ضـاعـت الـمـعـرفـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة الّـتي كـان الآشـوريـون قـد سـجّـلـوا بـهـا تـاريـخـهـم، ولـم يـعـد يـقـرأهـا أحـد مـنـذ قـرون طـويـلـة، وتـحـولـت إلى طـلاسـم يـحـيـطـهـا الإبـهـام والـغـمـوض.

بـول إمـيـل بـوتـا يـكـتـشـف آثـار الآشـوريـيـن :

حـاول أغـلـب الأوربـيـيـن الّـذيـن مـرّوا بـالـمـوصـل مـنـذ الـقـرن الـثّـاني عـشـر أن يـتـعـرّفـوا عـلى مـوقـع نـيـنـوى وعـلى بـقـايـا أسـوارهـا، فـعـبـروا دجـلـة وزاروا تـلّ قـويـنـجـق وتـلّ الـنّـبي يـونـس، وسـجـلّـوا مـلاحـظـاتـهـم الّـتي نـشـرهـا كـثـيـر مـنـهـم، ولـكـنّ بـول إمـيـل بـوتـا قـرر أن يـفـعـل أكـثـر مـن سـابـقـيـه، وأن يـقـوم بـحـفـريـات لـلـبـحـث عـن آثـارهـا.  وجـمـع عـدداً مـن الـعـمـال لـلـشّـروع في ذلـك.

وبـدأ عـمّـال بـوتـا يـحـفـرون في تـلّ قـويـنـجـق في ضـفـة نـهـر دجـلـة الـمـقـابـلـة لـلـمـوصـل، ولـكـنّ الـحـظ لـم يـحـالـفـه بـالـعـثـور عـلى شئ، فـتـرك هـذا الـتّـلّ ونـقـل حـفـريـاتـه في حـوالي مـنـتـصـف آذار 1843 إلى قـريـة خـورسـبـاد الّـتي تـقـع حـوالي 16 كـلـم. شـمـال شـرق الـمـوصـل. (3)

وفي خـورسـبـاد وجـد بـول إمـيـل بـوتـا مـنـحـوتـات جـداريـة، وأزاح الـتّـراب عـن جـزء كـبـيـر مـن قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (الّـذي حـكـم مـن 722 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد)، والـمـسـمى بـ “دور شـروكـيـن” أي حـصـن سـرجـون.

وأرسـل بـوتـا في الـخـامـس مـن شـهـر نـيـسـان رسـالـة إلى جـول مـوهـل في بـاريـس يـخـبـره فـيـهـا بـذلـك. وقـرأهـا مـوهـل أمـام أعـضـاء الـجـمـعـيـة الآسـيـويـة وأكـاديـمـيـة الـنّـقـوش والآداب.

ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر ذهـول الأوسـاط الـعـلـمـيـة في ذلـك الـزّمـن أمـام هـذا الإكـتـشـاف، فـقـد غـابـت نـيـنـوى والـدّولـة الآشـوريـة في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ سـقـوطـهـا عـام 612 قـبـل الـمـيـلاد  …  ووجـد بـوتـا آثـارهـا بـعـد أكـثـر مـن 2500 سـنـة !

وقـد كـتـب بـول إمـيـل بـوتـا إلى بـاريـس طـالـبـاً أن يـبـعـث لـه بـرسّـام لـيـرسـم الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز والـمـدوّرة والـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا.

وكـان طـبـيـعـيـاً أن تـخـتـار الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة رسـامـاً لـه مـعـرفـة بـالـمـنـطـقـة. واخـتـارت أوجـيـن فـلانـدان الّـذي عـاد في 1842 مـن بـعـثـتـه مـع بـسـكـال كـوسـت في بـلاد فـارس، والّـتي زار فـيـهـا الـعـراق كـمـا سـبـق أن رأيـنـا في مـقـال سـابـق. (4) وكـان أوجـيـن فـلانـدان الـرّسّـام الـمـنـاسـب لـيـشـغـل هـذه الـمـهـمّـة، فـكـلّـف بـهـا.

كـمـا بـعـثـت الـحـكـومـة لـبـول إمـيـل بـوتـا بـثـلاثـة آلاف فـرنـك ذهـب لـيـمـوّل الـتّـنـقـيـبـات، وطـلـبـت مـن سـفـيـر فـرنـسـا في الاسـتـانـة (إسـطـنـبـول) أن يـحـصـل لـه عـلى فـرمـان سـمـاح مـن الـسّـلـطـان بـمـتـابـعـة الـتّـنـقـيـبـات وتـوسـيـعـهـا، فـقـد كـانـت الـمـوصـل ولايـة يـحـكـمـهـا والي عـثـمـاني.

وفي بـدايـة شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1843، أصـدر بـاشـا الـمـوصـل أمـراً بـإيـقـاف الـتّـنـقـيـبـات، وانـتـظـر بـول إمـيـل بـوتـا وصـول أوجـيـن فـلانـدان لـيـأتي لـه مـن الاسـتـانـة بـالـفـرمـان الـجـديـد الّـذي كـان قـد طـلـبـه لـيـجـبـر الـبـاشـا عـلى الـسّـمـاح لـه بـإكـمـال حـفـريـاتـه.

رحـلـة أوجـيـن فـلانـدان الـثّـانـيـة إلى الـمـوصـل :

Flandin 7

وصـل أوجـيـن فـلانـدان  Eugène FLANDIN لـلـمـرّة الـثّـانـيـة إلى الـمـوصـل في 4 أيّـار 1844، وهـو مـا يـقـصّـه في الـقـسـم الـثّـاني مـن مـقـالـه : “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  Voyage en Mésopotamie”، الّـذي نـشـره عـام 1861 (أي بـعـد 18 سـنـة مـن وصـولـه إلى الـمـوصـل) في مـجـلـة “حـول الـعـالـم  Le tour du monde” الـفـرنـسـيـة (الـقـسـم الـرّابـع، مـن ص. 49 إلى ص. 65). (5)

وقـد تـرجـم الأب بـطـرس حـدّاد هـذا الـمـقـال تـحـت عـنـوان : “رحـلـة في مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ونـشـره عـام 2005، ولـكـنّي كـعـادتي في كـلّ مـقـالاتي، أتـرجـم لـكـم كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة مـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة.

كـتـب أوجـيـن فـلانـدان :  “كـنـت قـد عـدت مـن بـلاد فـارس وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن مـنـذ أشـهـر فـقـط. ولـم أجـد إلّا بـالـكـاد الـوقـت الـكـافي لأرتـاح مـن أتـعـاب سـفـرة دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـيـن شـهـراً، عـنـدمـا هـاجـت أوسـاط عـلـمـاء الآثـار ومـاجـت بـخـبـر لـم يـكـن يـتـوقـعـه أحـد : إكـتـشـف مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوى الـعـريـقـة في الـقـدم !

ولـم يـعـد عـالـم يـهـتـم بـتـاريـخ الـفـنّ أو بـالـتّـاريـخ الـقـديـم يـسـتـقـر في مـكـانـه انـفـعـالاً : فـسـيـمـلأ هـذا الإكـتـشـاف الّـذي كـاد الـعـلـمـاء يـفـقـدون الأمـل في مـجـيـئـه ثـغـرة في الـمـعـارف الـبـشـريـة، وربّـمـا سـيـقـلـب ظـهـراً عـلى عـقـب أنـظـمـة مـعـرفـيـة سُـلّـم بـصـحـتـهـا ! وقـد قـوبـل الإكـتـشـاف بـفـرح مـا بـعـده فـرح، فـهـو سـيـثـبـت أو سـيـنـفي نـصـوصـاً ومـعـلـومـات عـن الـمـاضي نـقـلـت جـيـلاً بـعـد جـيـل مـن غـيـر أن يـمـحّـص حـقـيـقـتـهـا أحـد.

إكـتـشـفـت نـيـنـوى إذن ! وكـان قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل، بـول إمـيـل بـوتـا، هـو الـمـنـقـب الّـذي أسـعـده الـحـظ  بـالـعـثـور عـلى آثـار الـمـوقـع. وقـد كـان يـعـرف أهـمـيـة مـا عـثـر عـلـيـه وإن لـم يـكـن قـد أدرك بـعـد مـدى قـيـمـتـه الـحـقـيـقـيـة.

ولـكي تـنـجـلي هـذه الـحـضـارة الآشـوريـة الّـتي خـربـت وانـدثـرت مـنـذ كـلّ هـذه الـقـرون الـطّـويـلـة، والّـتي لـم يـسـبـر إلـحـاح الـرّحالـة في تـفـحـص بـقـايـا آثـارهـا واسـتـطـلاعـهـا شـيـئـاً مـن أسـرارهـا، فـقـد كـان يـنـبـغي الإسـتـمـرار في الـتّـنـقـيـب، ثـمّ الإهـتـمام بـدراسـة ما يـخـرج مـن بـاطـن الأرض دراسـة مـتـأنـيـة مـتـعـمّـقـة.

وكـانـت الـمـوصـل بـعـيـدة، في قـلـب الـشّـرق، فـبـلاد آشـور تـجـاور بـلاد الـفـرس، وكـان الإعـتـقـاد سـائـداً بـأنّ الـفـنّ الـنّـيـنـوي لابـد أن يـشـبـه الـفـنّ الـفـارسـي. وكـان طـبـيـعـيـاً أن يـقـع اخـتـيـار مـن سـيـدرس آثـار خـرائـب نـيـنـوى عـلى مـن تـعـوّد عـلى الأسـفـار الـطّـويـلـة واكـتـسـب خـبـرة وسـط خـرائـب آسـيـا الـقـديـمـة.

وهـكـذا اخـتـارني هـؤلاء الّـذيـن أخـذوا مـسـؤولـيـة الإشـراف عـلى الإكـتـشـاف الـجـديـد. وشـرّفـني اخـتـيـاري لـهـذه الـمـهـمـة فـغـادرت بـاريـس مـن جـديـد نـحـو ضـفـاف دجـلـة في أوّل كـانـون الأوّل مـن عـام 1843. ووصـلـت الـسّـفـيـنـة الّـتي أقـلّـتـني إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) في الـخـامـس عـشـر مـن ذلـك الـشّـهـر.

ولـم يـكـن سـهـلاً الـقـيـام في تـركـيـا بـتـنـقـيـبـات مـثـل تـلـك الّـتي جـئـت لـهـا. وكـان لـهـذه الـصّـعـوبـة ســبـبـان : الأوّل إنّ الـشّـرقـيـيـن كـانـوا يـعـتـقـدون أنّ الأوربـيـيـن يـأتـون لـلـبـحـث عـن خـزائـن ذهـب دفـنـت في بـاطـن الأرض. والـثّـاني إنّ الأتـراك والـعـرب كـانـوا يـعـتـقـدون أنّ الآثـار الـمـطـمـورة في بـاطـن الأرض، وخـاصـة الـمـنـحـوتـة مـنـهـا، كـانـت ولاشـك مـن عـمـل الـشّـيـطـان وتـخـرج مـن جـهـنـم : “Allah ! Djehennâm … Div … Djinn … Allah !،  كـانـوا يـرددون بـرعـب. وكـان تـعـصـبـهـم يـجـعـل مـن الأبـحـاث الأثـريـة كـفـراً، ثـمّ أنّـهـم لـبـخـلهـم لـم يـكـونـوا يـصـدقـون أن يـكـون لـهـذه الأبـحاث دافـع آخـر غـيـر الـجـشـع”.

“ولـتـحـاشـي الـمـصـاعـب الّـتي تـعـرقـل الـتّـنـقـيـبـات، كـان يـنـبـغي الـحـصـول عـلى فـرمـان يـصـدره الـبـاب الـعـالي لـيـجـبـر بـاشـا الـمـوصـل عـلى تـسـهـيـل أعـمـالـنـا. ولـكـن كـان هـنـاك مـا يـعـقّـد أيـضـاً الـحـصـول عـلى الـفـرمـان، فـقـد أيـقـظـت الإكـتـشـافـات الـجـديـدة قـرب الـمـوصـل الـتّـنـافـس بـيـن مـمـثـلي الـحـكـومـات الأوربـيـة في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول). وكـان حـسـن حـظ الـفـرنـسـيـيـن الّـذيـن سـيـأخـذون ثـروات أثـريـة شـديـدة الأهـمـيـة قـد أثـار حـسـد سـفـراء الـدّول الأخـرى فـتـدخّـلـوا لـدى الـبـاب الـعـالي لـعـرقـلـة الـمـهـمـة الّـتي أنـيـط لي بـهـا. ومـع ذلـك فـقـد فـلـحـنـا في إزالـة هـذه الـمـصـاعـب وصـدر الـفـرمـان الـمـوجـه لـقـنـصـل [فـرنـسـا] في الـمـوصـل، فـشـرعـت في الـسّـفـر لأصـل إلى هـذه الـمـديـنـة بـأسـرع مـا يـمـكـنـني عـن طـريـق سـوريـا”.

وهـكـذا تـرك فـلانـدان إسـطـنـبـول عـن طـريـق الـبـحـر إلى بـيـروت :

“وفـيـهـا أعـددت قـافـلـتي الـصّـغـيـرة : خـادم [إيـطـالي] مـن جـنـوة يـتـكـلّـم الإيـطـالـيـة والـتّـركـيـة والـيـونـانـيـة، وطـبّـاخ مـاروني، وسـائـس كـلـداني كـاثـولـيـكي وثـلاثـة بـغّـالـيـن عـرب كـنـت قـد اكـتـريـت مـنـهـم عـشـرة مـن الـبـغـال وهـم في نـفـس الـوقـت أدلّـتي عـلى الـطّـريـق”.

وقـد سـار فـلانـدان ومـصـاحـبـوه بـمـحـاذاة سـاحـل الـبـحـر مـن بـيـروت إلى طـرابـلـس، ثـمّ تـوجـهـوا نـحـو شـمـال الـشّـرق إلى حـمـاة فـحـلـب. ووصـلـوا إلى الـمـوصـل في أوائـل أيّـار.

وبـعـد أن فـصّـل أوجـيـن فـلانـدان في الـكـلام عـن الـمـوصـل وسـكـانـهـا وأديـانـهـا، خـصـص مـقـاطـع طـويـلـة مـن سـرده لـلـيـزيـديـة. ثـمّ وصـف الـجـانـب الـشّـرقي لـدجـلـة، الـمـقـابـل لـلـمـوصـل بـتـلّـيـه : قـويـنـجـق في الـشّـمـال والـنّـبي يـونـس في الـجـنـوب :

“لـم يـكـن هـنـاك أمـل في أن نـجـد نـيـنـوى [الـقـديـمـة] لا في قـويـنـجـق ولا في نـبي يـونـس، فـقـد أنـهى سـكـان الأزمـان الـحـالـيـة تـخـريـب مـا كـان قـد بـدأه الـغـزاة في الأزمـان الـمـاضـيـة … ولـكـنّ الأقـدار شـاءت أن تـكـشـف أسـرار الـمـاضي في قـريـة صـغـيـرة، بـعـيـدة عـن طـرق الـقـوافـل، يـجـهـلـهـا الـمـسـافـرون ولـم يـسـمـع بـهـا عـلـمـاء الآثـار : حـوالي خـمـسـيـن مـنـزلاً تـكـالـبـت في أعـلى تـلّ يـرتـفـع حـوالي اثـني عـشـر أو ثـلاثـة عـشـر مـتـراً فـوق مـسـتـوى الـسّـهـول الـمـحـيـطـة بـه، وتـدعى هـذه الـقـريـة خـورسـبـاد.(6) سـكـانـهـا أكـراد اخـتـلـطـت دمـاؤهـم بـدمـاء عـربـيـة، وتـبـعـد حـوالي سـتّـة عـشـر كـيـلـومـتـراً عـن الـمـوصـل”.

index

“وأوّل مـا يـدلّ عـلى أنّ الـتّـل لـيـس طـبـيـعـيـاً وأنّـه نـتـج عـن تـخـريـب أبـنـيـة تـراكـمـت بـقـايـاهـا هـو أنّـه مـنـعـزل لـيـس بـجـنـبـه تـلّ آخـر […] وكـان أوّل مـا دلّ عـلى مـا يـحـويـه مـن كـنـوز أحـجـار مـقـطـوعـة واسـعـة عـريـضـة اسـتـعـمـلـهـا أحـد سـكـان الـقـريـة أرضـيـة لـداره.

وكـان يـنـبـغي الـتّـاكّـد مـن ذلـك، فـضـربـت مـعـاول [عـمـال بـوتـا] الأرض الـصـلـبـة … ويـا لـلـمـفـاجـأة ! يـا لـحـسـن الـحـظ هـذا الّـذي لـم يـحـلـم بـه أحـد ! فـقـد ظـهـر رأسٌ مـنـحـوتٌ رائـع الـجـمـال … وكـان يـنـبـغي الإسـتـمـرار في الـحـفـر، واتـسـعـت الـقـطـعـة الـحـجـريـة الّـتي أزيـح عـنـهـا الـتّـراب وبـدا الـرأس مـلـتـصـقـاً بـجـسـد، وأزيـح الـتّـراب عـن مـنـحـوتـات أخـرى … ولـم يـعـد هـنـاك شـكّ، فـهي مـجـمـوعـة مـن مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز كـانـت تـغـطي جـداراً حـفـرت الـمـعـاول جـانـبـاً مـنـه. ويـكـفي أن يـمـتـد الـنّـظـر عـلى سـعـة الـتّـلّ لـيـدرك الـمـنـقّـب كـمـيـات الـمـنـحـوتـات الـمـدفـونـة في أرجـائـه. فـكـيـف سـيـخـرجـهـا والـتّـلّ تـغـطـيـه مـسـاكـن الـقـريـة ؟”

“وأمـكـن لـلـمـنـقّـب الـحـصـول عـلى فـرمـان يـعـوّض الـسّـكـان عـن فـقـد دورهـم بـالـمـال ويـبـعـدهـم عـن الـقـريـة.

ولـم يـكـن ذلـك مـمـكـنـاً لـولا أنّ أهـل الـقـريـة أنـفـسـهـم كـانـوا يـودّون إبـدال مـسـاكـنـهـم الـمـنـعـزلـة بـمـسـاكـن في أسـفـل الـوادي قـرب نـهـر صـغـيـر يـجـري فـيـه. فـقـبـلـوا مـبـالـغ الـمـال الّـتي دفـعـت لـهـم وهـدّمـوا بـيـوتـهـم الـطيـنـيـة وأخـذوا مـا فـيـهـا مـن أخـشـاب ومـواد يـمـكـن اسـتـعـمـالـهـا، ثـمّ ذهـبـوا يـشـيـدون بـيـوتـاً طـيـنـيـة قـرب الـنّـهـر.

وكـان يـنـبـغي إيـجـاد أعـداد كـبـيـرة مـن الـعـمـال الآخـريـن لإنـجـاز هـذه الـحـفـريـات الـواسـعـة”.

وهـنـا يـذكـر فـلانـدان أن الـمـسـلـمـيـن لـم يـقـبـلـوا بـالـمـشـاركـة في الـتّـنـقـيـبـات خـوفـاً مـن الـجـنّ، ويـقـصّ كـيـف أنّ مـجـمـوعـات مـن الـمـقـاتـلـيـن الأكـراد يـتـرأسـهـا بـدر خـان بـك كـانـت قـد هـاجـمـت عـام 1842عـشـائـر مـسـيـحـيـة تـسـكـن الـجـبـال ودفـعـتـهـا لـلـهـرب والـلـجـوء إلى الـمـوصـل.

وهـكـذا اتّـصـل بـهـم بـول إمـيـل بـوتـا وشـغّـل أشـدّهـم قـوّة وعـزمـاً في تـنـقـيـبـات تـلّ خـورسـبـاد. وهـو يـسـمـيـهـم بـالـكـلـدان.

Flandin Méso Khosobad 3

قـصـر الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني :

فلاندان مخطط

بـدأت الـتّـنـقـيـبـات في شـهـر أيّـار ودامـت سـتّـة أشـهـر : “إرتـفـعـت درجـات الـحـرارة في أكـثـر مـن ثـلاثـة أشـهـر مـنـهـا إلى سـتّ وأربـعـيـن درجـة في الـظّـلّ، وهـبـت طـيـلـتـهـا ريـاح الـسّـمـوم الآتـيـة مـن الـصّـحـراء”.

واسـتـطـاع الـعـمـال خـلال هـذه الأشـهـر الـسّـت أن يـكـشـفـوا عـن جـزء مـن قـصـر كـبـيـر. وحـاول بـوتـا عـنـدمـا طـلـب مـنـهـم أن يـحـفـروا في أمـاكـن مـتـفـرّقـة مـن الـمـوقـع أن يـجـد الـمـقـايـيـس الـخـارجـيـة لـلـقـصـر.

botta 2

ورغـم أن بـول إمـيـل بـوتـا وأوجـيـن فـلانـدان شـاركـا في اكـتـشـاف الآثـار الّـتي حـقـقـت طـفـرة هـائـلـة في مـعـرفـتـنـا بـالـحـضـارة الآشـوريـة، فـقـد كـانـا في ذلـك الـحـيـن، مـثـل كـلّ مـعـاصـريـهـم يـجـهـلـون الـتّـاريـخ الـحـقـيـقي لـبـلاد آشـور … ونـسـتـغـرب أن يـتـكـلّـم فـلانـدان عـن الـمـلـك الأسـطـوري نـيـنـوس، الّـذي اخـتـلـقـه الـكـتّـاب الإغـريـق، كـمـا لـو كـان الـمـؤسـس الـحـقـيـقي لـمـديـنـة نـيـنـوى !

وكـانـت نـتـيـجـة هـذه الـتّـنـقـيـبـات اكـتـشـاف : “تـسـع قـاعـات وجـدت كـامـلـة لـم يـصـبـهـا ضـرر بـجـدرانـهـا الـمـنـتـصـبـة، وسـتّ قـاعـات تـهـدّم بـعـض جـدرانـهـا، وعـدد كـبـيـر مـن الـواجـهـات والأبـواب تـغـطـيـهـا كـلّـهـا مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز وكـتـاب مـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة”. “وكـلّ الـجـدران الـخـارجـيـة والـدّاخـلـيـة تـغـطّـيـهـا الـمـنـحـوتـات : مـشـاهـد صـوّرتـهـا أزامـيـل نـحـاتـيـن يـسـتـحـقـون إعـجـابـنـا”.

botta 3

“وشـيّـدت الـجـدران بـالـلِـبـن الـمـجـفـف تـحـت أشـعـة الـشّـمـس، وطـلـيـت بـالـقـار قـبـل أن تـغـطى بـألـواح واسـعـة مـن حـجـر الـجـبـس : إرتـفـاعـهـا ثـلاثـة أمـتـار وعـرضـهـا مـتـران أو ثـلاثـة. وفي عـدد مـن الـقـاعـات، قـسّـمـت الألـواح إلى شـريـطـيـن أفـقـيـيـن عـلـو كـلّ مـنـهـمـا حـوالي مـتـر و 20 سـم. صـوّرت فـيـهـا أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـخـاص ارتـفـاعـهـا حـوالي الـمـتـر. ويـفـصـل بـيـن الـشّـريـطـيـيـن نـصـوص مـنـقـوشـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة تـمـتـدّ  بـيـن طـرفي الألـواح. وفي قـاعـات أخـرى كـمـا في الـواجـهـات تـحـتـلّ الـمـنـحـوتـات الـجـدار بـكـامـلـه، وهي أكـثـر بـروزاً لـتـنـاسـب ضـخـامـة تـكـويـنـاتـهـا. وتـقـطـع بـعـض هـذه الـجـدران بـيـن الـحـيـن والـحـيـن أبـواب.

ونـجـد عـلى جـوانـب الأبـواب الـرئـيـسـيـة ثـيـرانـاً مـجـنـحـة ضـخـمـة بـرؤوس بـشـريـة، يـصـل ارتـفـاعـهـا إلى سـتّـة أمـتـار […] وقـد وجـدنـا مـنـهـا حـوالي عـشـريـن ثـوراً”.

Botta 28

“وفي الـدّاخـل عـلى جـدران الـقـاعـات نـوعـان مـن الـمـنـحـوتـات : الـضّـخـمـة الّـتي تـشـبـه مـنـحـوتـات الـجـدران الـخـارجـيـة،

والأقـلّ ضـخـامـة في شـريـطـيـن أفـقـيـيـن تـفـصـل بـيـنـهـمـا نـقـوش الـكـتـابـات”.

indexR7J4UZE9

“ومـا عـثـرنـا عـلـيـه لـيـس إلّا أسـافـل الـجـدران، وفـوق الألـواح الـمـنـحـوتـة كـانـت طـبـقـة أعـلى لـم نـعـثـر مـنـهـا عـلى شئ في أمـاكـنـهـا، ولـكـن قـطـعـاً مـحـطّـمـة الـتـقـطـت عـلى أرضـيـة الـقـاعـات تـدلّ عـلى أنّـهـا كـانـت مـن الـطّـابـوق الـمـزجـج الّـذي يـمـثّـل أجـزاءً مـجـمّـعـة لـرسـوم زاهـيـة الألـوان تـشـبـه الـمـشـاهـد الـمـنـحـوتـة أو لـشـرائـط زخـرفـيـة تـتـتـابـع فـيـهـا أشـكـال زهـور وأغـصـان مـورقـة”.  “وبـالـرّغـم مـن أنـني لـسـت مـتـأكّـداً مـن أنّ كـلّ جـدران قـصـر خـورسـبـاد كـانـت مـلـوّنـة، فـيـحـتـمـل أنّ تـكـون أجـزاء مـن مـنـحـوتـاتـهـا قـد لـوّنـت. وقـد وجـدنـا بـقـايـا أصـبـاغ، خـاصّـة عـلى صـور أسـلـحـة الـمـقـاتـلـيـن وألـجـمـة الـخـيـول وسـروجـهـا”.

ثـمّ يـسـتـمـر في عـرض آرائـه عـن أسـبـاب بـقـاء أجـزاء مـن الأصـبـاغ وزوال أجـزاء أخـرى، ويـعـزي ذلـك إلى تـنـوّع الـمـواد الّـتي اسـتـخـرجـت مـنـهـا الأصـبـاغ الـطّـبـيـعـيـة، وإلى اخـتـلاف قـدراتـهـا عـلى مـقـاومـة مـرور الـزّمـن.

وقـضى فـلانـدان سـتّـة أشـهـر يـرسـم بـدون تـوقّـف رغـم قـسـاوة الـطّـقـس كـلّ مـنـحـوتـات جـدران قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شـروكـيـن) في خـورسـبـاد الـقـلـيـلـة الـبـروز والـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان بـوتـا قـد عـثـر عـلـيـهـا.

إنـتـهـاء حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات :

وفي أواخـر شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1844، إعـتـبـر بـول إمـيـل بـوتـا أنّـه أكـمـل عـمـلـه، وأنّـه وجـد مـا كـان قـد أراد أن يـكـشـف عـنـه في قـصـر خـورسـبـاد، فـقـرر أن يـوقـف تـنـقـيـبـاتـه. وتـرك أوجـيـن فـلانـدان الـمـوصـل في 9  تـشـريـن الـثّـاني عـائـداً إلى بـاريـس.

وقـد وصـل فـلانـدان إلى بـاريـس يـحـمـل مـائـتـيـن وعـشـريـن رسـمـاً أظـهـرت لـلـعـلـمـاء ولـلـمـسـؤولـيـن أهـمـيـة اكـتـشـافـات بـول إمـيـل بـوتـا.

وطـلـب الـمـلـك لـويـس فـيـلـيـب نـفـسـه رؤيـة الـرّسـوم، وقـدّمـهـا لـه فـلانـدان. وأمـر الـمـلـك بـأن تـرسـل مـن مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في خـورسـبـاد أهـم الـقـطـع الأثـريـة لـتـعـرض في الـمـتـحـف الـمـلـكي، أي مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.

وقـد اسـتـمـر فـلانـدان يـرسـم في فـرنـسـا بـيـن الـحـيـن والآخـر لـوحـات يـسـتـوحـيـهـا مـن ذكـريـاتـه عـن رحـلـتـيـه إلى الـعـراق، كـمـا رأيـنـا في مـقـالـنـا الـسّـابـق، إلى أن تـوفي في مـديـنـة تـور سـنـة  1889.

نـقـل الـقـطـع الأثـريـة مـن خـورسـبـاد إلى بـاريـس :

قـضى بـول إمـيـل بـوتـا شـتـاء 1844/ 1845 في اخـتـيـار أكـثـر مـا يـمـكـن مـن أجـمـل الـقـطـع الأثـريـة لـتـبـعـث إلى الـمـتـحـف في بـاريـس. وقـدّر أن مـا وجـده يـمـكـن أن يـمـلأ ثـلاث أو أربـع قـاعـات كـامـلـة مـن الـمـتـحـف. ولـكـن صـعـوبـات الـنّـقـل وتـكـالـيـفـه الـبـاهـظـة أجـبـرتـه عـلى تـرك أعـداد كـبـيـرة مـنـهـا. ويـبـدو أنّـه تـرك ثـوريـن مـجـنـحـيـن لـم يـسـتـطـع أخـذهـمـا.

وقـد صـنـعـت عـربـات كـبـيـرة تـحـت إشـراف بـوتـا حـمّـلـت عـلـيـهـا الـقـطـع الأثـريـة، ومـن بـيـنـهـا ألـواح حـجـريـة واسـعـة الـمـقـايـيـس تـغـطـيـهـا مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز، وثـيـران مـجـنّـحـة، وأوصـلـتـهـا إلى ضـفـة دجـلـة. ثـمّ حـمّـلـت عـلى أكـلاك واسـعـة مـن الـخـشـب تـطـفـو عـلى مـئـات مـن الـقِـرب الـمـصـنـوعـة مـن جـلـود الـمـاعـز، نـزلـت بـهـا عـلى دجـلـة إلى الـبـصـرة.

وفي الـبـصـرة، حـمّـلـت الـقـطـع الأثـريـة عـلى سـفـيـنـة بـخـاريـة فـرنـسـيـة اسـمـهـا الـ “كـورمـوران  Le Cormoran”  يـوم 1 حـزيـران 1946. ووصـلـت إلى مـيـنـاء الـهـافـر في شـمـال فـرنـسـا في الـسّـابـع مـن كـانـون الأوّل. ومـنـهـا حـمّـلـت تـحـت إشـراف بـوتـا عـلى سـفـيـنـة نـهـريـة نـزلـت بـهـا عـلى نـهـر الـسّـيـن إلى بـاريـس. وفي بـاريـس نـقـلـت إلى مـتـحـف الـلـوفـر الّـذي وصـلـتـه في الـسّـاعـة الـثّـانـيـة مـن بـعـد ظـهـر الـثّـاني والـعـشـريـن مـن كـانـون الـثّـاني 1847.

إفـتـتـاح أوّل مـتـحـف آشـوري :

وفي 1 أيّـار 1847، إفـتـتـح مـلـك فـرنـسـا، لـويـس فـيـلـيـب “الـمـتـحـف الآشـوري Le musée assyrien، الّـذي خـصـصـت لـه قـاعـتـان في داخـل مـتـحـف الـلـوفـر.

Les antiquitÈs assyriennes dans la moitiÈ nord de l'aile de la Colonnade

وكـان بـول إمـيـل بـوتـا في بـاريـس في شـهـر شـبـاط عـام 1848 عـنـدمـا انـدلـعـت الـثّـورة الّـتي  أطـاحـت بـالـمـلـك لـويـس فـيـلـيـب وأعـلـنـت الـجـمـهـوريـة الـثّـانـيـة. ولـمـواقـفـه الـمـحـافـظـة خـلال هـذه الـثّـورة، سـحـبـت مـنـه قـنـصـلـيـة الـمـوصـل الّـتي كـان يـنـوي الـعـودة إلـيـهـا لإكـمـال تـنـقـيـبـاتـه، ونـقـل إلى الـقـدس، ثـمّ إلى طـرابـلـس الـغـرب.

وأهـمـلـت حـكـومـة الـجـمـهـوريـة الـثّـانـيـة الـشّـرق وآثـاره. ولـم يـعـيّـن خـلـف لـه في قـنـصـلـيـة الـمـوصـل إلّا في 1855، أي في زمـن الإمـبـراطـوريـة الـثّـانـيـة، عـنـدمـا أرسـل عـالـم الآثـار فـكـتـور بـلاس Victor PLACE  لـيـكـمـل الـتّـنـقـيـبـات في خـورسـبـاد. وسـنـتـكـلّـم عـنـه في مـقـال قـادم.

بـوتـا يـنـشـر كـتـاب : “مـعـالـم نـيـنـوى” :

monument de N.

وفي عـام 1849، صـدر عـن الـمـطـبـعـة الـوطـنـيـة في بـاريـس الـجـزء الأوّل مـن نـتـائـج تـنـقـيـبـات بـول إمـيـل بـوتـا  في قـصـر الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني : “دور شـروكـيـن”  في خـورسـبـاد بـعـنـوان : “مـعـالـم نـيـنـوى، إكـتـشـفـهـا ووصـفـهـا ب. إ. بـوتـا، وأخـذ مـقـايـيـسـهـا ورسـمـهـا أ. فـلانـدان                           Monument de Ninive découvert et décrit par M.P.E.Botta, mesuré et dessiné par M.E.Flandin” (7)

وكـان بـوتـا قـد اشـتـغـل عـلى إعـداد أجـزائـه الـخـمـسـة مـنـذ سـنـوات طـويـلـة.

ويـأتي عـنـوان الـكـتـاب مـن أنّ بـوتـا كـان يـعـتـقـد أنّـه اكـتـشـف قـصـر الـمـلـك في نـيـنـوى، في حـيـن أنـنـا نـعـرف الآن أن خـورسـبـاد كـانـت خـارج نـيـنـوى، وأنّ سـرجـون الـثّـاني شـيّـد قـصـره فـيـهـا لـيـبـتـعـد قـلـيـلاً عـن الـعـاصـمـة.

وقـد احـتـوى الـكـتـاب الـواسـع الـمـقـايـيـس (58×40 سـم.) عـلى الـرّسـوم الـرّائـعـة الـجـمـال لـلـمـوقـع ولـلـمـنـحـوتـات الـجـداريـة الـقـلـيـلـة الـنّـتـوء الّـتي كـان أوجـيـن فـلانـدان قـد نـفّـذهـا في أمـاكـنهـا. وحـفـرت هـذه الـرّسـوم عـلى الـخـشـب وطـبـعـت كـأعـمـال غـرافـيـكـيـة شـديـدة الـدّقـة في داخـل الـكـتـاب.

كـتـب بـول إمـيـل بـوتـا في مـقـدمـة الـكـتـاب : “أرسـلـت لي الـحـكـومـة بـرسّـام شـديـد الـمـهـارة لـكي يـنـفّـذ رسـومـاً بـالـغـة الـدّقّـة لـلآثـار، وحـتّى تـلـك الّـتي لا يـمـكـن إنـقـاذهـا والّـتي سـيـصـيـبـهـا الـخـراب، وبـهـذه الـرّسـوم سـيـسـتـطـيـع عـلـمـاء الآثـار دراسـتـهـا”.

واحـتـوى الـجـزء الـثّـاني عـلى تـكـمـلـة رسـوم أوجـيـن فـلانـدان لـلـمـنـحـوتـات الـجـداريـة والـتّـمـاثـيـل الـصّـغـيـرة :

ومـا تـحـدّى الـزّمـن مـن الـقـطـع الأثـريـة الّـتي احـتـفـظـت بـألـوانـهـا :

وقـد ضـاع كـثـيـر مـن هـذه الـمـنـحـوتـات والـقـطـع الـفـنّـيـة لـمـا مـرّت بـه مـن أهـوال مـنـذ تـلـك الـفـتـرة، ولـم يـبـقَ لـنـا مـنـهـا إلّا رسـوم أوجـيـن فـلانـدان الـمـذهـلـة بـدقّـتـهـا وجـمـالـهـا.

أمّـا الـجـزءان الـثّـالـث والـرّابـع فـقـد نـشـر فـيـهـمـا بـول إمـيـل بـوتـا الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة الّـتي كـان قـد عـثـر عـلـيـهـا في الـمـوقـع، رغـم أنّ الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة لـم تـكـن قـد حـلّـت طـلاسـمـهـا بـعـد.

Botta cunéiforme

كـتـب بـول إمـيـل بـوتـا في مـقـدمـة الـكـتـاب : “نـسـخـتُ كـلّ الـنـقـوش الـمـسـمـاريـة الّـتي أشـرفـت عـلى حـفـرهـا وطـبـعـهـا، وهي 190 نـقـشـاً طـبـعـت غـرافـيـكـيـاً عـلى 220 صـفـحـة. وقـد عـنـيـت بـأخـذ بـصـمـات ورقـيـة لـهـا كـلّـمـا أمـكـنـني ذلـك، أي 135 مـرّة. وهي بـنـفـس وضـوح ودقّـة الـنّـقـوش الأصـلـيـة، وأعـانـتـني بـعـد رجـوعي إلى بـاريـس عـلى تـصـحـيـح مـا كـنـت قـد نـسـخـتـه مـنـهـا في أمـاكـنـهـا”.

والـبـصـمـات الـورقـيـة الّـتي يـتـكـلّـم عـنـهـا بـوتـا طـريـقـة بـسـيـطـة لـلـحـصـول عـلى نـسـخ طـبـق الأصـل : تـلـصـق عـلى الـنّـقـش الـحـجـري أوراق مـبـتـلّـة طـبـقـة بـعـد طـبـقـة لـتـصـل إلى سـمـك مـعـيّـن. وبـعـد أن تـجـفّ تـتـحـوّل إلى مـا يـشـبـه الـورق الـمـقـوّى فـتـخـلـع مـن عـلى الـنـقـش. ويـظـهـر عـلـيـهـا بـارزاً كـلّ مـا هـو غـائـر عـلى الـنّـصّ وغـائـراً كـلّ مـا هـو بـارز عـلـيـه، وتـسـتـعـمـل كـقـالـب يـمـلأ بـمـادة سـائـلـة تـصـبـح بـعـد أن تـصـلـب نـسـخـة طـبـق الأصـل.

Botta 001

ومـا زالـت قـوالـب الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة هـذه في قـسـم الآثـار الـقـديـمـة مـن الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـاريـس.

وقـد كـرّس بـول إمـيـل بـوتـا الـجـزء الـخـامـس مـن الـكـتـاب لـلـكـلام عـن مـوقـع الـقـصـر ومـخـطــطـه الـهـنـدسي وعـن الـمـنـحـوتـات والـنّـقـوش الـمـسـمـاريـة الّـتي كـان قـد عـثـر عـلـيـهـا ونـشـرهـا في الأجـزاء الأربـعـة الأولى مـن الـكـتـاب.

وأتـذكّـر الـمـرّة الأولى الّـتي فـتـحـتُ فـيـهـا الـجـزء الأوّل مـن هـذا الـكـتـاب الـواسـع الـمـقـايـيـس بـعـد أن وضـعـتـه لي مـوظـفـة الـمـكـتـبـة عـلى طـاولـة خـصـصـتـهـا لي ومـسـحـت الـغـبـار الـمـتـراكـم عـلـيـه بـخـرقـة نـظـيـفـة… كـان ذلـك في بـدايـة ثـمـانـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، وكـنـت واقـفـاً لأسـتـطـيـع فـتـح غـلافـه الـمـغـطّى بـقـمـاش سـمـيـك غـامـق الـخـضـرة ولألـقي نـظـراتي مـن فـوق وأرى الـصّـفـحـات بـأكـمـلـهـا … وفـتـحـت الـكـتـاب مـن وسـطـه تـقـريـبـاً وبـقـيـت مـتـسـمّـراً في مـكـاني مـنـبـهـراً بـرسـم فـلانـدان لـمـنـحـوتـة قـلـيـلـة الـبـروز … ورأيـت امـرأة تـقـف بـجـانـبي وتـتـأمّـل مـثـلي بـصـمـت الـرّسـم الـرّائـع. وسـألـتـني بـصـوت خـافـت عـن هـذا الـكـتـاب “الـمـذهـل”. فـتـحـتُ لـهـا الـصّـفـحـة الأولى لـتـقـرأ الـعـنـوان. ثـمّ عـرفـت أنّـهـا كـانـت الـمـسـؤولـة عـن قـسـم الـكـتـب الـقـديـمـة في الـمـكـتـبـة، مـكـتـبـة مـديـنـة صـغـيـرة في وسـط فـرنـسـا اسـمـهـا لـيـمـوج. ولـم تـكـن الـمـكـتـبـة الـجـامـعـيـة تـمـتـلـك نـسـخـة مـنـه. قـالـت لي الـمـسـؤولـة إنّـهـا لـم تـكـن تـتـصـور أنّ مـكـتـبـتـهـا تـمـتـلـك مـثـل هـذا “الـكـنـز”.  وأخـبـرتـهـا أنّ مـا أمـامـنـا لـم يـكـن إلّا الـجـزء الأوّل مـن أجـزاء “الـكـنـز” الـخـمـسـة، وأنّ الـمـوظـفـة الّـتي جـلـبـتـه لي كـانـت قـد أخـبـرتـني أنّـه لـم يـنـزل مـن رفـوفـه مـنـذ سـنـوات طـويـلـة ولـم يـفـتـحـه أحـد.

وجـعـلـني هـذا أفـكّـر في حـال الـثّـقـافـة في كـلّ مـكـان وفي كـلّ الأزمـان، وكـيـف قـضى بـوتـا سـنـوات مـن الـجـهـد الـمـتـواصـل لإخـراج الـقـصـر مـن تـحـت أكـوام الـتّـراب ثـمّ نـسـخ الـنّـقـوش، وكـيـف قـضى فـلانـدان أشـهـراً عـانى بـهـا مـن أتـعـاب الـسّـفـر ومـن أتـعـاب الـعـمـل ومـن شـدّة الـحـرّ وضـربـات الـشّـمـس وعـواصـف الـتّـراب الـخـانـقـة، وكـيـف قـضى حـرفـيـو الـطّـبـاعـة مـا لا يـحـصى مـن الاشـهـر في حـفـر الـرّسـوم عـلى الـخـشـب وتـحـبـيـرهـا ثـمّ طـبـعـهـا عـلى الـورق لـلـوصـول إلى نـشـر كـتـاب صـدر بـدقّـة وجـمـال لـيـس بـعـدهـمـا دقّـة وجـمـال … وكـانـت نـتـيـجـة كـلّ هـذا أن تـبـقى أغـلـب نـسـخـه تـرقـد عـلى رفـوف الـمـكـتـبـات لا يـفـتـحـهـا أحـد ولا تـقـطـع أنـفـاس أحـد انـبـهـاراً …

ولا أدري كـم مـن قـرائي سـيـصـل إلى هـذ الـمـقـطـع ويـشـاركـني  رثـائي لـحـال الـمـعـرفـة في كـلّ زمـان ومـكـان …

مـلـحـق

حـوش خـورسـبـاد في مـتـحـف الـلـوفـر الآن :

بـعـد سـنـوات مـن الـعـمـل لـتـحـديـث مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس وتـوسـيـعـه، فـتـح  “مـتـحـف الـلـوفـر الـكـبـيـر  Le grand Louvre” أبـوابـه في صـيـغـتـه الـجـديـدة عـام 1993.

وقـد خـصـصـت فـيـه قـاعـة فـسـيـحـة كـانـت حـوشـاً سُـقّـف بـزجـاجـيـات واسـعـة أسـمي : “حـوش خـورسـبـاد  La cour Khorsabad”. وكـان الـهـدف مـنـه أن تـوضـع الـمـنـحـوتـات الـضّـخـمـة، وخـاصّـة الـثّـيـران الـمـجـنّـحـة في مـكـان يـوحي بـهـيـبـة قـاعـات الـقـصـور الآشـوريـة الـشّـديـدة الـضّـخـامـة، وأن يـضـيـئـهـا نـور الـنّـهـار الـنّـافـذ مـن زجـاجـيـات الـسّـقـف.

حوش خرسباد

ومـا زالـت أتـوقـف في كـلّ مـرّة أذهـب فـيـهـا لـزيـارتـهـا لأتـأمّـلـهـا في غـربـتـهـا، يـمـرّ أمـامـهـا الـسّـوّاح وزوّار الـمـتـحـف الّـذيـن يـجـهـل أغـلـبـهـم عـنـهـا كـلّ شئ، يـلـتـقـطـون أمـامـهـا صـوراً ويـمـضـون مـسـرعـيـن، وأتـصـوّرهـا وهي تـتـذكّـر بـأسى الـزّمـن الّـذي كـانـت تـنـتـصـب فـيـه شـامـخـة عـلى أبـواب قـصـر الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني “سـيّـد جـهـات الـدّنـيـا الأربـع” ويـقـطـع جـمـالـهـا وهـيـبـتـهـا أنـفـاس الـمـارّيـن بـهـا انـبـهـاراً وخـشـيـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  واسـمـه الـكـامـل جـان ــ بـاتـيـسـت أوجـيـن نـابـلـيـون فـلانـدان Jean-Baptiste Eugène Napoléon FLANDIN . ولـد في نـابـولي، في جـنـوب إيـطـالـيـا سـنـة 1809.  ودرس الـرّسـم عـلى يـدي الـفـنّـان الـفـرنـسي الـشّـهـيـر هـوراس فـيـرنـيـه Horace Vernet  في بـاريـس، ثـمّ صـاحـب الـجـيـش الـفـرنـسـي كـرسّـام إلى الـجـزائـر عـام 1837.

(2) نـشـر أوجـيـن فـلانـدان وبـسـكـال كـوسـت نـتـائـج بـعـثـتـهـمـا في كـتـاب بـخـمـسـة أجـزاء صـدرت في بـاريـس بـيـن عـامي 1843 و 1854 . إحـتـوى الـجـزء الأوّل عـلى الـنّـصّ والأجـزاء الأربـعـة الـتّـالـيـة عـلى الـرّسّـوم :

Voyage en Perse, entrepris par ordre de M. le Ministre des Affaires étrangères, d’après les instructions dressées par l’Institut pendant les années 1840 et 1841, 1 vol. de texte et 4 vol. planches. Paris 1843-1854.

(2) كـان بـوتـا في الأربـعـيـن مـن عـمـره عـنـدمـا وصـل إلى الـمـوصـل، فـقـد ولـد سـنـة 1802، ودرس الـطّـبّ والـعـلـوم الـطّـبـيـعـيـة وشـغـف بـدراسـة الـلـغـات. وقـد شـارك عـنـدمـا كـان في الـرّابـعـة والـعـشريـن مـن عـمـره، في رحـلـة عـلـمـيـة حـول الـعـالـم مـع الـقـبـطـان دوهـو سـيـلي Duhaut -Cilly  دامـت ثـلاث سـنـوات، ثـمّ عـيّـن قـنـصـلاً في الإسـكـنـدريـة عـام 1833، وحـسّـن فـيـهـا مـعـرفـتـه بـالـلـغـة الـعـربـيـة، وبـدأ يـهـتـمّ بـالآثـار الـقـديـمـة. وسـافـر بـوتـا في مـصـر والـيـمـن ولـبـنـان بـحـثـاً عـن أنـواع نـبـاتـيـة وحـيـوانـيـة يـبـعـثـهـا لـمـتـحـف الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي في بـاريـس.

(3) ذكـر بـوتـا أنّ قـرويـاً مـن خـورسـبـاد جـاء إلى حـفـريـات قـويـنـجـق لـلـتّـفـرّج، وعـنـدمـا عـرف أنّـهـم يـبـحـثـون عـن آثـار قـديـمـة أخـبـره أنّ في قـريـتـه مـنـحـوتـات عـلى الـحـجـر. وأرسـل بـوتـا بـعـض عـمـالـه مـع الـرّجـل لـيـتـأكّـد مـن ذلـك. وكـان مـا قـالـه الـرّجـل صـحـيـحـاّ، فـنـقـل بـوتـا حـفـريـاتـه في حـوالي مـنـتـصـف شـهـر آذار 1843 إلى خـورسـبـاد.

(4)  أنـظـر مـقـالي : لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

(5) Voyage en Mésopotamie par Eugène Flndin, chrgé de mission archéologique à Mossoul 1843-1845, dans: Le tour du monde, nouveau journal des voyages,deuxième semestre, Paris 1861, Pages 66- 80

(6) كـتـب الـيـعـقـوبي في “مـعـجـم الـبـلـدان” اسـم هـذه الـقـريـة : “خُـرُسـتـابـاذ”، ووصـفـهـا بـأنّـهـا : “قـريـة مـن شـرقي دجـلـة وأعـمـال نـيـنـوى ذات مـيـاه وكـروم كـثـيـرة، شـربـهـا مـن فـضـلـة مـيـاه رأس الـنّـاعـور الـمـسـمـاة بـالـزّرّاعـة، إلى جـانـبـهـا مـديـنـة قـديـمـة يـقـال لـهـا صـرعـون خـراب”.

وذكـر الـيـعـقـوبي عـن صـرعـون : “مـديـنـة كـانـت قـديـمـة في أعـمـال نـيـنـوى خـيـر أعـمـال الـمـوصـل، خـربـت ويـزعـمـون أنّ فـيـهـا كـنـوزاً قـديـمـة. يـحـكى أنّ جـمـاعـة وجـدوا فـيـهـا مـا اسـتـغـنـوا بـه، ولـهـا حـكـايـة وذكـر في الـسّـيـر الـقـديـمـة”.

(7) Paul- Emile BOTTA, Monument de Ninive découvet et décrit par M. P.- E. Botta, mesuré et dessine par M. E. Flandin. ( 5 volumes), Paris, Imprimerie nationale, 1849- 1850

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

 

Advertisements

لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 

رحـلـة الـرّسّـام الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان الأولى إلى الـعـراق :

إخـتـار “مـعـهـد فـرنـسـا L’Institut de France” (الّـذي يـضـمّ كـلّ الأكـاديـمـيـات الـفـرنـسـيـة) عـام 1840 الـرّسّـام أوجـيـن فـلانـدان Eugène Flandin (1) لـلـمـشـاركـة في مـهـمّـة بـاسـم مـلـك فـرنـسـا، لـويـس فـيـلـيـب، يـرأسـهـا إدوار دو سـيـرسي Edouard de Sercey إلى بـلاد الـفـرس لـتـوثـيـق عـلاقـات سـيـاسـيـة واقـتـصـاديـة مـع مـحـمّـد شـاه قـجـر، ولـلـتـعـرف عـلى الـبـلـد ومـا يـجـاوره، ودراسـة الـمـواقـع الأثـريـة والـمـعـالـم الـحـديـثـة في الـمـنـطـقـة.

وضـمّـت الـبـعـثـة أيـضـاً الـمـعـمـاري وعـالـم الآثـار بـاسـكـال كـوسـت                  Pascal COSTE.

وبـعـد عـودة دو سـيـرسي إلى بـاريـس، أكـمـل فـلانـدان وكـوسـت رحـلـتـهـمـا عـبـر الـمـنـطـقـة لـدراسـة مـعـالـمـهـا الأثـريـة، وسـارا في طـرق لا يـعـرفـانهـا وفي جـو مـتـطـرّف في شــدّة بـرودتـه وحـرارتـه وبـيـن أنـاس لا يـفـهـمـان لا لـغـتـهـم ولا عـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم.

ودامـت سـفـرتهـمـا عـامـيـن مـرّا بـهـا بـيـن مـا مـرّا بـأصـفـهـان و شـيـراز و تـبـريـز وبـغـداد الّـتي وصـلاهـا في تـمّـوز عـام 1841، والـمـوصـل وحـلـب والـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) ثـمّ عـادا إلى بـاريـس.

ويـذكـر فـلانـدان وكـوسـت في الـفـصـل الـخـامـس عـشـر مـن الـجـزء الـثّـاني كـتـاب  نـشـراه في بـاريـس عـنـوانـه : “رحـلـة إلى بـلاد فـارس  Voyage en Perse “، (2) عـبـورهـمـا لـلـجـزء الـتّـركي مـن كـردسـتـان ووصـولـهـمـا إلى الـسّـلـيـمـانـيـة وإلى كـفـري ثـمّ إلى بـغـداد عـبـر الـبـاديـة.

Flandin er C

ويـتـكـلّـمـان في الـفـصـل الـسّـادس عـشـر عـن زيـارتـهـمـا لـطـيـسـفـون (الـمـدائـن) ولـسـفـرتـهـمـا إلى بـابـل، ويـتـكـلّـمـان عـن خـرائـب بـابـل وعـن الـحـلّـة ثـمّ عـودتـهـمـا إلى بـغـداد.

ومـن بـغـداد صـعـدا إلى الـمـوصـل فـديـار بـكـر ثـمّ حـلـب وبـيـروت، ثـمّ عـادا إلى فـرنـسـا.

وقـد ألـحـق بـالـكـتـاب ثـلاثـة أجـزاء تـضـمّ الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الّـتي أخـذت عـن رسـوم فـلانـدان وكـوسـت بـعـد أن حـفـرت عـلى الـخـشـب وطـبـعـت.

ونـجـد في ثـانـيـهـا أي في الـجـزء الـرّابـع مـن الـكـتـاب ثـمـانـيـة رسـوم عـن الـعـراق سـأضـعـهـا في أمـاكـنـهـا مـن الـمـقـاطـع الّـتي سـأتـرجـمـهـا مـن الـكـتـاب : واحـد لـجـسـر (ألـتـون كـوبـري)، وثـلاثـة لـطـاق كـسـرى، وأربـعـة لـبـابـل.

رسـوم فـلانـدان لـلـعـراق في رحـلـتـه الأولى ووصـفـه لـه :

بـعـد أن مـرّ فـلانـدان ومـصـاحـبـه كـوسـت بـالـسّـلـيـمـانـيـة، وبـألـتـون كـوبـري الّـذي رسـمـه فـلانـدان :

Flandin voyage Altoon Kopri

نـزلا بـكـفـري : “مـديـنـة صـغـيـرة وسـط الـصّـحـراء، وجـدنـا مـكـانـاً سـنـقـضي فـيـه الـلـيـل في حـوش تـظـلـلـه نـخـلات قـلـيـلـة”. وبـعـد أن أراحـوا خـيـولـهـم غـادراهـا في الـلـيـلـة الـتّـالـيـة نـحـو بـغـداد الّـتي وصـلاهـا في 7 تـمّـوز 18841 (وأتـرجـم في مـا يـلي كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة عـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة) :

“مـنـذ أن تـركـنـا تـبـريـز، قـبـل أربـعـة وثـلاثـيـن يـومـاً، ونـحـن نـسـيـر بـلا تـوقـف. ولـهـذا فـمـا أن كـشـفـت لـنـا أولى أضـواء الـفـجـر مـنـائـر بـغـداد فـوق أفـق الـصّحـراء الـمـهـتـزّ  حـتّى نـهـضـنـا نـحـيي عـاصـمـة الـخـلـفـاء بـسـرور مـا بـعـده سـرور.

وارتـفـعـت الـشّـمـس في هـذا الـيـوم، الـسّـابـع مـن تـمّـوز في سـمـاء شـديـدة الـصّـفـاء عـنـدمـا وصـلـنـا إلى بـاب الـكـاظـم، أي بـاب الـعـبـد (خـلـط بـيـن الـكـاظـم والـخـادم !). ولـم يـكـن الـبـغـداديـون، في هـذه الـسّـاعـة الـمـبـكـرة، قـد اسـتـيـقـظـوا مـن نـومـهـم بـعـد، ولـم نـر في الـدّروب إلّا الـكـراول  Caraouls  أي الـعـسـاسـيـيـن الأتـراك. ولـم نـسـتـطـع الـدّخـول فـقـد كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر أن تـفـتـح أبـواب الـمـديـنـة. وأخـيـراً وصـل الـضّـابـط الـمـسـؤول عـن الـبـوابـة. وبـعـد أن تـوضـأ وأقـام الـصـلاة، فـتـحـهـا ودخـلـنـا”.

ولـم يـجـدا الـقـنـصـل الـفـرنـسي ولا الـمـسـتـشـار في الـمـديـنـة، فـبـحـثـا عـن سـكـن، ووجـدا داراً رخـيـصـة الإيـجـار لأنّـهـمـا قـررا الإقـامـة في بـغـداد حـتّى يـنـتـهي الـقـيـظ، كـمـا كـانـا يـنـويـان زيـارة طـيـسـفـون (الـمـدائـن) وبـابـل.

ومـا أن ارتـاحـا مـن مـتـاعـب الـسّـفـر حـتّى شـرعـا في الـبـحـث عـن آثـار عـاصـمـة الـخـلـفـاء :

“وقـضـيـنـا الأيّـام الأولى في ذرع دروب الـمـديـنـة الـعـجـيـبـة الّـتي كـانـت تـمـثّـل لـنـا في بـدايـة إقـامـتـنـا فـيـهـا الـهـيـبـة الّـتي كـان تـضـفـيـهـا عـلـيـهـا ذكـريـات الـخـلـفـاء وحـضـارة تـلـك الـفـتـرة الإسـلامـيـة الـزّاهـرة. وعـلى الـقـارئ أنّ لا يـنـسى تـأثـيـر حـكـايـات “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” في خـيـالـنـا، نـحـن الأوربـيـيـن.

ولـكـن لـم يـعـد لـبـغـداد مـجـدهـا الـقـديـم، وتـراكـمـت طـبـقـات كـثـيـفـة مـن الأتـربـة غـطـت أسـافـل الـبـنـايـات الّـتي لا تـبـدو فـيـهـا إلّا بـالـكـاد آثـار هـرون الـرّشـيـد.

ونـجـد بـعـد بـحـث طـويـل في زوايـا الأسـواق أو عـلى ضـفـاف الـنّـهـر وسـط أكـوام خـرائـب ضـاعـت حـتّى لـم يـعـد أحـد يـتـذكّـر أسـمـاءهـا بـقـايـا جـدران عـلـيـهـا نـقـوش كـوفـيـة أو مـئـذنـة مـتـسـاقـطـة أو مـا ظـلّ قـائـمـاً مـن بـوابـة مـغـطـاة بـالـقـاشـاني ظـلّـت أجـزاء مـلـوّنـة مـنـهـا مـلـتـصـقـة بـخـلـفـيـة الـجـصّ الـمـتـشـقـق. ولا يـبـدو عـلى الأتـراك أنّـهـم يـبـالـون بـضـيـاع آثـار الـحـضـارة الّـتي كـانـت زاهـرة ونـافـسـت حـضـارة الـبـيـزنـطـيـيـن”.

“وعـلى الـمـسـافـر أن لا يـبـحـث عـن مـاضي الـمـديـنـة، وأن يـكـتـفي بـالـمـديـنـة الـحـالـيـة، أن يـتـأمّـل مـسـاجـدهـا الـجـديـدة وفـنـونـهـا الـحـاضـرة، فـفـيـهـا مـا يـشـبـع فـضـولـه. ثـمّ أنّ نـهـرهـا الـعـربي وسـمـاءهـا الـصّـافـيـة الّـتي تـعـكـس زرقـتـهـا عـلى آجـر قـبـاب مـسـاجـدهـا وعـلى رؤوس نـخـيـلـهـا الـبـالـغـة الـعـلـو سـتُـبـقي بـغـداد حـيّـة في ذاكـرتـه”.

“وبـغـداد مـكـان تـبـادل الـبـضـائـع والـسّـلـع بـيـن الـهـنـد وبـلاد الـفـرس وتـركـيـا، وأسـواقـهـا الـشّـديـدة الإمـتـداد لـهـا أهـمـيـة كـبـيـرة. ونـجـد فـيـهـا مـجـتـمـعـة مـا جـاء مـن مـنـاطـق مـخـتـلـفـة : مـنـتـجـات تـتـنـافـس في الـحـسـن وجـودة الـنّـوعـيـة. وفـيـهـا تُـنـزل حـمـولـتـهـا الـمـراكـب الـصّـاعـدة مـن الـخـلـيـج، والـقـوافـل الـنّـازلـة مـن آسـيـا الـصّـغـرى، وتـلـك الآتـيـة مـن سـوريـا ومـن جـزيـرة الـعـرب. كـلّ آسـيـا تـتـوجـه إلى بـغـداد الّـتي صـارت سـوقـاً شـديـدة الـسّـعـة لـتـجـارة بـالـغـة الـغـنى والـثّـراء، ومـركـز اتـصـالات بـيـن كـلّ شـعـوب هـذا الـجـزء مـن الـعـالـم.

ولـكي يـدرك الـقـارئ مـدى أهـمـيـة الـمـبـادلات الـتّـجـاريـة الّـتي تـجـري في بـغـداد يـكـفـيـنـا أن نـذكـر لـه أنّ فـيـهـا سـتـيـن شـركـة تـجـاريـة أوربـيـة جـاءت مـن كـلّ بـلـدان أوربـا”.

وقـد سـجّـل فـلانـدان بـعـد ذلـك وصـفـاً دقـيـقـاً لـمـديـنـة بـغـداد أنـهـاه بـالـمـقـطـع الـتّـالي عـن ولايـة بـغـداد :

“وبـغـداد مـن غـيـر شـكّ واحـدة مـن الأمـاكـن الأشـدّ أهـمّـيـة في الـقـارة الآسـيـويـة : مـوقـعـهـا عـلى نـهـر يـنـزل نـحـو الـمـحـيـط الـهـنـدي، وعـلى حـدود الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة مـن جـهـة وتـقـريـبـاً عـلى حـدود الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة مـن جـهـة أخـرى، تـحـاذي بـلاد الـفـرس مـن جـانـب وجـزيـرة الـعـرب مـن الـجـانـب الآخـر، يـضـفي عـلـيـهـا أهـمـيـة سـيـاسـيـة لا يـنـازعـهـا فـيـهـا مـنـازع. وفـوق ذلـك فـهي في وسـط مـنـطـقـة لا يـمـكـن تـصـور سـعـة خـيـراتـهـا لـو أعـدنـا لأهـلـهـا هـمّـة الـبـابـلـيـيـن وتـذكـرنـا حـضـارتـهـا الـمـاضـيـة، فـمـن كـركـوك إلى ضـفـاف الـخـلـيـج، ومـن جـبـال زاغـروس إلى الـفـرات تـمـتـد أراضٍ شـاسـعـة تـرويـهـا عـشـرات الأنـهـر، شـقّـت فـيـهـا قـنـوات قـديـمـة. وفي كـلّ مـكـان لا تـنـتـظـر هـذه الأراضي إلّا أن يـزرعـهـا الـزّارعـون ويـعـمّـروهـا، وأن تـسـتـخـرج مـن أعـمـاقـهـا ثـروات تـعـادل ثـروات الـهـنـد والـيـمـن الـسّـعـيـد”.

ونـفـهـم في آخـر هـذا الـمـقـطـع أنّـه يـدعـو الـسّـلـطـات الـفـرنـسـيـة وأصـحـاب رؤوس الأمـوال لـلـمـجئ إلى ولايـة بـغـداد لاسـتـثـمـار ثـرواتـهـا :

“وهـنـا يـمـكـن لـمـلايـيـن الـمـسـتـعـمـريـن أن يـغـتـنـوا مـن إنـتـاج الـسّـكّـر والـقـهـوة والـقـطـن وأحـسـن نـوعـيـات الـقـمـح لـو طـبّـقـوا فـيـهـا عـلـومـهـم الـزّراعـيـة [الـحـديـثـة] ومـعـارف حـضـارة يـحـتـقـرهـا الـبـدو لـقـلّـة حـاجـتـهـم إلـيـهـا”.

وكـتـب فـلانـدان مـلاحـظـاتـه عـن مـشـاريـع الإنـكـلـيـز في ولايـة بـغـداد :

“أدركـت إنـكـلـتـرة أهـمـيـة بـغـداد مـنـذ زمـن طـويـل. وإن لـم تـكـن قـد اسـتـعـمـرت هـذه الـمـنـطـقـة بـعـد فـهي تـبـذل كـلّ جـهـودهـا لـلـتّـوصـل إلى ذلـك. وفي انـتـظـار أن تـنـجـح في جـهـودهـا فـقـد جـعـلـت مـن [بـغـداد] مـركـزاً سـيـاسـيـاً شـديـد الأهـمـيـة، ووضـعـت فـيـه مـنـذ أكـثـر مـن عـشـريـن سـنـة مـقـيـمـاً تـدّل الـمـهـمـات الّـتي عـهـد إلـيـه بـهـا وأهـمـيـة الـمـوظـفـيـن الـمـحـيـطـيـن بـه عـلى مـشـروع إنـكـلـتـرة لـلـتـغـلـغـل في الـبـلـد. ويـكـفي أن نـرى الـمـبـالـغ الّـتي خـصـصـت لـمـهـمـتـه لـنـدرك عـظـمـهـا، كـمـا خـصـصـت لـحـراسـتـه قـطـعـات مـن الـجـنـود الإنـكـلـيـز والـهـنـود Sipayes . ووضـعـت في حـوش مـقـيـمـيـتـه مـدافـع، بـيـنـمـا ربـطـت في الـنّـهـر أمـامـهـا مـجـمـوعـة مـن الـسّـفـن الـبـخـاريـة، لـيـسـتـطـيـع الإتـصـال بـبـومـاي في الـهـنـد، وكـذلـك لـتـقـويـة مـكـانـتـه في داخـل مـديـنـة بـغـداد والّـتي تـمـتـد عـلى ضـفـتي الـنّـهـر. أمّـا فـرنـسـا فـقـد مـثّـلـهـا، حـتّى عـام 1841  مـوظـفـون قـنـصـلـيّـون قـلـيـلـو الـقـيـمـة …”.

ويـكـمـل كـلامـه عـن الـفـرق بـيـن الـمـشـاريـع الـفـرنـسـيـة والإنـكـلـيـزيـة :

“والـبـصـرة، الّـتي هي الأخـرى مـديـنـة مـهـمّـة، والّـتي تـقـع عـلى مـلـتـقى دجـلـة والـفـرات، كـان فـيـهـا قـنـصـل يـمـثـل فـرنـسـا مـنـذ أكـثـر مـن قـرن. وكـان فـيـهـا مـؤسـسـة تـجـاريـة فـرنـسـيـة مـهـمـة ومـكـتـب مـبـادلات، ولـكـن مـصـالـح مـواطـنـيـنـا في هـذه الـمـديـنـة الآن لا يـدافـع عـنـهـا أحـد، ولا يـمـثـلـنـا فـيـهـا إلّا عـمـيـل لا أهـمـيـة لـه يـرتـدي عـمـامـة وثـيـابـاً عـربـيـة، لا فـرق بـيـنـه وبـيـن أي واحـد مـن رؤسـاء raïas الـمـسـيـحـيـيـن. وصـارت دار الـقـنـصـلـيـة خـرابـاً لا يـجـد الـفـرنـسـيـون الّـذيـن يـمـرّون بـالـبـصـرة فـيـهـا لا أمـنـاً لأشـخـاصـهـم ولا حـمـايـة لـمـصـالـحـهـم. وعـلى الـعـكـس مـن ذلـك، شـيّـد الإنـكـلـيـز فـيـهـا بـنـايـة شـديـدة الـضّـخـامـة، مـسـوّرة مـحـصّـنـة، هي في نـفـس الـوقـت مـقـيـمـيـة لـمـسـؤولـيـهـا ولـعـمـلائـهـا، ومـركـزاً لإدارة بـحـريـتـهـا، ومـخـازن يـكـدّسـون فـيـهـا كـلّ مـا يـمـكـنـه أن يـنـفـعـهـم لإعـداد مـشـاريـعـهـم في الـمـسـتـقـبـل. وبـيـنـمـا تـتـلاشـى مـكـانـة فـرنـسـا تـعـظـم مـكـانـة إنـكـلـتـرة. وهـكـذا مـنـذ أواخـر الـقـرن الـمـاضي قـلّـت أهـمـيـة واحـدة مـنـهـمـا عـلى هـذه الـسّـواحـل الـبـعـيـدة بـيـنـمـا أزداد تـوسـع الأخـرى حـتّى شـمـل كـلّ أرجـاء الـعـالـم”.

ورغـم أنّ أوجـيـن فـلانـدان ومـصـاحـبـه لـم يـزورا الـبـصـرة فـقـد كـتـب مـا ذكـرنـاه نـقـلاً عـن الـفـرنـسـيـيـن الّـذيـن ألـتـقـيـا بـهـم في بـغـداد، وهـو ولا شـكّ يـمـثّـل آراءهـم عـن الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة في تـلـك الـفـتـرة.

الـمـدائـن :

Flandin voyage 2

تـرك أوجـيـن فـلانـدان ومـصـاحـبـوه بـغـداد بـعـد غـروب الـشّـمـس مـتّـجـهـيـن نـحـو الـمـدائـن (سـلـمـان بـاك) ووصـلـوهـا بـعـد مـسـيـرة خـمـس سـاعـات، في حـوالي مـنـتـصـف الـلـيـل. ويـذكـر فـلانـدان أنّ الـنّـاس كـانـوا يـسـمـون الإيـوان : “تـخـت كـسـرى” أي عـرش كـسـرى أو “طـاق كـسـرى”.

ولـم تـكـن مـعـرفـتـه بـتـاريـخ الـمـدائـن، أي طـيـسـفـون وسـلـوقـيـة دجـلـة، مـعـرفـة عـمـيـقـة، ولا تـتـجـاوز مـا كـان شـائـعـاً عـنـهـمـا في ذلـك الـحـيـن، ولـكـن الـرّسّـوم الـشّـديـدة الـدّقـة الّـتي نـفّـذهـا فـلانـدان عـن الـطـاق والـتـخـطـيـطـات الـهـنـدسـيـة الّـتي قـام بـهـا بـاسـكـال كـوسـت تـبـقى شـهـادات مـهـمّـة عـن حـال الـطّـاق عـنـدمـا زاراه :

ثـمّ عـادا إلى بـغـداد. وبـعـد أن بـقـيـا فـيـهـا عـدّة أيّـام غـادراهـا مـن جـديـد نـحـو الـحـلّـة، وقـد سـافـرا لـيـلاً لـشـدّة قـيـظ تـمّـوز، وقـطـعـا الـمـسـافـة في خـمـس مـراحـل هـبّـت خـلالـهـا عـواصـف تـراب : الـسّـم  sam. ووصـلا الـحـلّـة بـعـد يـومـيـن.

بـابـل :

Flandin voyage 6 

وبـعـد وصـف دقـيـق ومـفـصّـل لـلـقـنـوات الّـتي كـان الـبـابـلـيـون قـد شـقّـوهـا بـمـهـارة لـيـس بـعـدهـا مـهـارة لـيـحـولـوا الـفـيـافي إلى جـنّـات مـتـنـوعـة الـخـضـرة، وصـل فـلانـدان ومـصـاحـبـوه إلى : “قُـريـة تـهـدمـت أغـلـب دورهـا تُـدعى بـ “الـمـحـاويـل”. ومـا أن تـركـوا الـمـحـاويـل حـتّى أبـصـروا نـحـو الأفـق بـتـلال بـابـل.

وذهـبـوا إلى “تـلّ بـابـل” الّـذي وجـدوا عـلـيـه نـقـوشـاً بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة، ومـنـه رأوا تـلّاً آخـر يـدعي “الـقـصـر” تـسـلـقـاه والـتـقـطـا عـلـيـه ألـواحـاً تـغـطـيـهـا نـقـوش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة :

Flandin voyage

ويـمـكـنـنـا أن نـتـعـرف في الـنّـص الّـذي نـراه في أعـلى الـصّـورة عـلى اسـم الـمـلـك نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني :

Flandin voyage (2)

كـمـا تـسـلـقـا أيـضـاً تـلّ “عـمـران بـن عـلي” وتـلّاً آخـر “عـلى بـعـد ثـمـانـيـة كـيـلـومـتـرات شـرق “الـقـصـر” يـسـمـونـه “El Heimar” عـلـيـه بـقـايـا أبـنـيـة قـديـمـة…

ووجـدا : “تـلّاً واحـداً لـه أهـمـيـة في الـضّـفـة الـيـمـنى مـن الـفـرات، عـلى بـعـد تـسـعـة كـيـلـومـتـرات مـن الـحـلّـة : “بـيـرس نـمـرود Birs-Nemrod أو بـرج نـمـرود  Bourdj-Nemrod،وعـلـيـه الـبـرج الـوحـيـد الّـذي بـقي مـنـتـصـبـاً وسـط هـذا الـخـراب الـشّـامـل”.

Flandin voyage 7

وبـيـرس نـمـرود هـذا كـمـا أظـهـرتـه الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر مـوقـع مـديـنـة بـورسـيـبـا الـقـريـبـة مـن مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة.

ورسـم الـمـعـمـاري بـاسـكـال كـوسـت مـخـطـطـاً لـلـمـوقـع :

Flandin voyage 5

وكـانـت نـتـيـجـة بـحـثـهـمـا : “وهـكـذا نـرى أنّ بـابـل كـانـت أعـظـم مـدن الـدّنـيـا في الأزمـان الـقـديـمـة، وكـانـت رأس واحـدة مـن أوسـع الإمـبـراطـوريـات امـتـداداً كـمـا كـانـت روحـهـا، ولـكـنّ عـظـمـتـهـا نـفـسـهـا هي الّـتي تـسـبـبـت في سـقـوطـهـا، ولـم يـبـقَ مـنـهـا في أيّـامـنـا هـذه أثـر”.

وعـلـيـنـا أن لا نـنـسى هـنـا أنّ فـلانـدان وكـوسـت مـرّا بـبـابـل عـام 1841، قـبـل أن تـبـدأ الـتّـنـقـيـبـات الـعـلـمـيـة في الـمـوقـع بـأكـثـر مـن نـصـف قـرن، وأنّ مـعـرفـتـهـمـا بـهـا لـم تـكـن تـتجـاوز مـا كـانـا قـد وجـداه في أسـفـار الـتّـوراة وعـنـد الـمـؤلـفـيـن الـيـونـان والـرّومـان مـن نـصـوص تـمـتـزج الـخـرافـات فـيـهـا بـالأسـاطـيـر.

وبـعـد أن قـضـيـا ثـلاثـة أيّـام في الـحـلّـة، أرادا الـعـودة إلى بـغـداد مـع مـصـاحـبـيـهـم. ولـكـن الـعـشـائـر كـانـت قـد ثـارت ضـدّ الـوالي وامـتـدت الإضـطـرابـات إلى بـغـداد. ولـم يـسـمـح لـهـمـا حـاكـم الـحـلّـة بـتـرك الـمـديـنـة إلّا تـحـت حـراسـة أربـعـيـن فـارس ألـبـاني وأرنـؤوطي. ووصـلا بـغـداد في بـدايـة أيـلـول.

وعـنـدمـا أرادا تـرك بـغـداد، عـلـمـا بـأنّ الـعـشـائـر ثـارت أيـضـاً بـيـن بـغـداد والـمـوصـل مـنـذ شـهـر. وقـد اسـتـطـاع قـنـصـل فـرنـسـا في بـغـداد أقـنـاع بـاشـا كـركـوك الّـذي كـان يـنـوي الـعـودة إلى مـديـنـتـه بـأن يـصـاحـبـه فـلانـدان وكـوسـت.  وهـكـذا تـركـا بـغـداد في الـخـامـس مـن شـهـر أيـلـول.

ووصـلا إلى كـركـوك مـع الـبـاشـا الّـذي أمـر عـدداً مـن فـرسـانـه بـمـصـاحـبـتـهـمـا إلى الـمـوصـل. ومـن الـمـوصـل ذهـبـا إلى حـلـب عـن طـريـق ديـار بـكـر، ثـمّ إلى بـيـروت وفـرنـسـا الّـتي وصـلاهـا في الأوّل مـن كـانـون الأوّل 1841.

مـقـال نـشـره فـلانـدان عـام 1861 عـن رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق :

نـشـر أوجـيـن فـلانـدان عـام 1861 (أي بـعـد عـشـريـن سـنـة مـن زيـارتـه الأولى لـلـعـراق) في مـجـلـة “حـول الـعـالـم  Le tour du monde” الـفـرنـسـيـة (الـقـسـم الـرّابـع، مـن ص. 49 إلى ص. 65)، مـقـالاً عـنـوانـه : “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  Voyage en Mésopotamie”. والـمـقـال بـ 32  صـفـحـة. وفـيـه عـدد مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الـمـأخـوذة مـن رسـومـه.

وقـد تـرجـم هـذا الـمـقـال الأب بـطـرس حـدّاد تـحـت عـنـوان : “رحـلـة في مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ونـشـره عـام 2005، ولـكـنّي كـعـادتي في كـلّ مـقـالاتي، أتـرجـم لـكـم كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة مـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة.

ويـأخـذ الـمـقـال مـا كـان فـلانـدان قـد نـشـره في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق مـن كـتـاب “رحـلـة إلى بـلاد فـارس”، مـع إضـافـات بـسـيـطـة هـنـا وهـنـاك.

ويـعـيـد سـرده في هـذا الـمـقـال لـمـسـيـرتـه مـع بـاسـكـال كـوست ومـصـاحـبـيـهـمـا مـن تـبـريـز إلى الـسّـلـيـمـانـيـة، ووصـولـهـمـا عـن طـريـق كـفـري إلى بـغـداد.

وخـلال وصـفـه لـبـغـداد يـتـكـلّـم عـن مـسـاجـد بـغـداد : “ومـن أجـمـلـهـا جـامـع الـمـيـدان أو مـا يـسـمى بـجـامـع  Ahmet Khiaïa   الّـذي يـغـطـيـه بـكـامـلـه آجـر مـزجـج تـتـشـابـك زخـارفـه بـأشـكـال رائـعـة وبـألـوان زاهـيـة. وهـو يـهـيـمـن عـلى سـاحـة الـمـيـدان الـواسـعـة الّـتي تـنـفـتـح عـلـيـهـا مـقـاهٍ ودكـاكـيـن وخـانـات مـسـافـريـن، والّـتي تـمـتـلئ مـنـذ الـصّـبـاح الـبـاكـر بأعـراب يـحـتـلّـونـهـا لـبـيـع بـطـيـخـهـم الأصـفـر وبـطـيـخـهـم الـسّـنـدي ودجـاجـهـم وأنـواع أخـرى مـمـا يـربّـون ويـجـنـون. وهي أيـضـاً مـحـطّـة وصـول قـوافـل الـشّـمـال أو مـغـادرتـهـا. وفـيـهـا تـنـزّل حـمـولات الـجـمـال في انـتـظـار الـقـوافـل الّـتي تـوصـلـهـا إلى آسـيـا الـصّـغـرى” :

Tour du monde

وكـتـب أوجـيـن فـلانـدان وهـو في جـانـب الـكـرخ :”ويـربـط بـيـن جـزئي الـمـديـنـة جـسـر قـوارب طـويـل جـدّاً فـدجـلـة نـهـر واسـع الـعـرض. ونـشـاهـد بـلا انـقـطـاع قـوافـل تـمـرّ عـلـيـه وخـيّـالـة وجـمـال مـحـمّـلـة وقـطـعـان غـنـم جـلـبـت مـن الأريـاف لإطـعـام سـكـان الـمـديـنـة” :

Tour du monde 3

“ونـجـد مـن جـهـتي الـنّـهـر مـقـاهي تـنـفـتـح طـارمـاتـهـا عـلـيـه يـجـلـس فـيـهـا بـغـداديـون يـدخـنـون في نـارجـيـلات أنـيـقـة أفـضـل أنـواع تـبـغ الـشّـرق وهـم يـحـتـسـون أحـسـن أنـواع قـهـوة مـخـا. وتـمـتـد أنـظـار الـجـالـس في الـمـقـهى عـبـر الـنّـهـر نـحـو الـصّـوب “الـمـقـابـل :

Flandin 2

“ويـمـكـنـنـا مـن هـذه الـجـهـة مـن الـنـهـر أن نـبـصـر قـرب الـمـديـنـة بـأربـع مـآذن مـمـشـوقـة مـغـطـاة بـالآجـر الـمـزجـج تـنـبـثـق مـن بـيـن غـابـات الـنّـخـيـل، وتـعـلـو بـيـنـهـا قـبـتـان يـغـطـيـهـمـا الآجـر الـمـزجـج أيـضـاً تـتـلامـعـان بـزخـارفـهـمـا الـمـتـشـابـكـة. وهـو جـامـع واسـع تـجـمـعـت حـولـه بـيـوت قـريـة يـسـكـن في كـلّ واحـد مـنـهـا تـقـريـبـاً “مُـلّا  molla” أي رجـل ديـن أو زوّار جـاءوا لـلـتّـعـبـد. ويـدعى هـذا الـبـنـاء “مـسـجـد الإمـام مـوسى  Matchid-Imam-Moussa” :

Flandin Imam Moussa 2

ورغـم أنّ فـلانـدان خـصـص مـقـطـعـاً مـن مـقـالـه لـ “قـبـر زبـيـدة”، فـلـم يـضـع رسـمـاً لـه، وإنّـمـا وضـع رسـمـاً لـضـريـح الـشّـيـخ عـمـر :

Tour du monde 2

كـمـا وضـع رسـمـاً يـظـهـر داخـل بـيـت بـغـدادي :

Flandin Méso 4

وفي كـلامـه عـن سـفـرتـه إلى الـحـلّـة وبـابـل وضـع أوجـيـن فـلانـدان رسـمـاً لـلـحـلّـة كـان قـد نـفّـذه عـام 1841 ولـم يـضـع في كـتـابـه عـام 1843، وكـتـب تـحـتـه “صـورة الـحـلّـة عـلى الـفـرات” :

Flandin Hilla 2

وأنـهى مـقـالـه بـمـغـادرة بـغـداد نـحـو الـمـوصـل ووضـع صـورة كـان قـد رسـمـهـا لـلـمـوصـل عـام 1841 ولـم يـضـعـهـا في كـتـابـه :

Flandin Mossoul

وسـنـخـصـص مـقـالـنـا الـمـقـبـل عـن عـودة أوجـيـن فـلانـدان إلى إلى الـمـوصـل في 4 أيّـار 1844، وعـن رسـومـه لـلآثـار الآشـوريـة.

 

مـلـحـق

نـفّـذ الـفـنّـان الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان عـدداً مـن الـرّسـوم والـلـوحـات عـن الـعـراق لـم يـنـشـرهـا في كـتـابـه : “رحـلـة إلى بـلاد فـارس” ولا في مـقـالـه “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ولـكـن مـا زالـت في مـجـمـوعـات الـمـتـاحـف أو في مـقـتـنـيـات بـعـض جـامـعي الأعـمـال الـفـنّـيـة ، مـثـل الـلـوحـة الـزّيـتـيـة (22×38 سـم.) الّـتي رسـمـهـا عـام 1843، بـعـنـوان : “مـشـهـد مـن بـغـداد        Vue de Bagdad” والّـتي يـحـتـفـظ بـهـا مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة مـرسـيـلـيـا (جـنـوب فـرنـسـا) تـحـت رقـم الـجـرد: 156. ولـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى صـورة لـلـوحـة رغـم مـحـاولاتي الـمـتـكـررة.

ولـديـنـا رسـم لـجـانـب الـرّصـافـة كـمـا رآه فـلانـدان مـن الـجـانـب الـمـقـابـل :

138522

و رسـمـان لأوجـيـن فـلانـدان بـالألـوان الـمـائـيـة نـفّـذهـمـا عـام 1841 عـنـوان الأوّل “بـغـداد  Bagdad” (16×5،28 سـم.):

Flandin Bagdad 3

والـثّـاني : “ذكـريـات مـن بـغـداد  Souvenir de Bagdad” (34×24 سـم.) :

Flandin souvenire de Bagdad

ولـوحـة زيـتـيـة رسـمـهـا عـام 1941 أيـضـاً عـنـوانـهـا : “رجـل مـن بـغـداد              Un homme de Bagdad”  (38×27 سـم.) :

Flandin un homme de Bagdad

ووجـدت لـيـثـوغـرافـيـا بـالأبـيـض والأسـود عـنـوانـهـا “الـنّـاعـورة، بـغـداد         Noria ou puits d’arrosage, Bagdad” :

Flandin Noria

وقـد رسـم في نـفـس هـذه الـفـتـرة بـالألـوان الـمـائـيـة والـغـواش (32×23 سـم.) : “نـسـور تـلـتـهـم جـمـلاً   Vautours dévorant un chameau” :

Flandin tableau

وتـحـتـفـظ مـكـتـبـة مـديـنـة مـرسـيـلـيـا في مـجـمـوعـاتـهـا الـتّـراثـيـة بـرسـم نـفّـذه بـاسـكـال كـوسـت يـوم 20 تـمّـوز 1841 : “مـشـهـد لـدجـلـة في بـغـداد” :

Pascal Cost

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  واسـمـه الـكـامـل جـان ــ بـاتـيـسـت أوجـيـن نـابـلـيـون فـلانـدان Jean-Baptiste Eugène Napoléon FLANDIN . ولـد في نـابـولي، في جـنـوب إيـطـالـيـا سـنـة 1809. ودرس الـرّسـم عـلى يـدي الـفـنّـان الـفـرنـسي الـشّـهـيـر هـوراس فـيـرنـيـه Horace Vernet  في بـاريـس، ثـمّ صـاحـب الـجـيـش الـفـرنـسـي كـرسّـام إلى الـجـزائـر عـام 1837.

(2) نـشـر أوجـيـن فـلانـدان وبـسـكـال كـوسـت نـتـائـج بـعـثـتـهـمـا في كـتـاب بـخـمـسـة أجـزاء صـدرت في بـاريـس بـيـن عـامي 1843 و 1854 . إحـتـوى الـجـزءان الأوّل والـثّـاني عـلى الـنّـصّ والأجـزاء الـثّـلاثـة الـتّـالـيـة عـلى الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الـمـأخـوذة مـن الـرّسّـوم :

Voyage en Perse, entrepris par ordre de M. le Ministre des Affaires étrangères, d’après les instructions dressées par l’Institut pendant les années 1840 et 1841, 2 vol. de texte et 3 vol. planches. Paris 1843-1854.

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

خـطـيـبـة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وجـدت قـبـل عـدّة سـنـوات عـنـد بـائـع كـتـب قـديـمـة عـدداً مـن مـجـلّـة بـاريـس مـاتـش (تـلـفـظ بـاري مـاتـش) Paris Match صـدر يـوم الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958.

ورغـم أنـني لا أقـرأ اعـتـيـاديـاً هـذ الـنّـوع مـن الـمـجـلّات الـمـصـورة، خـاصـة وأنّـهـا مـن الـمـجـلّات الـمـعـروفـة بـمـعـاداتـهـا لـقـضـايـانـا، إلّا أنـني اشـتـريـت هـذا الـعـدد الـقـديـم فـقـد كـان فـيـه مـقـال عـن الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني وآخـر عـن خـطـيـبـتـه، وصـور كـثـيـرة تـصـاحـبـهـمـا.

وقـد تـرجـمـت الـمـقـالـيـن ولـكـنّي تـركـتـهـمـا مـع الـمـجـلّـة في أحـد مـلـفّـاتي لـصـعـوبـة نـشـرهـمـا ورقـيـاً مـع الـصـور في ذلـك الـحـيـن. وفـتـحـت الـمـلـف بـالـصّـدفـة في الأسـبـوع الـمـاضي ووجـدت الـمـجـلّـة وتـرجـمـتي لـلـمـقـالـيـن، فـقـررت أن أنـشـر عـنـهـا هـذا الـعـرض.

غـلاف الـمـجـلّـة :

Paris match 485 (238x317)

نـقـرأ عـلى غـلاف مـجـلّـة “بـاري مـاتـش” الـبـاريـسـيـة الّـذي صـدر بـعـد اثـني عـشـر يـومـاً عـلى ثـورة 14 تـمّـوز في الـعـراق :

“بـيـروت، عـمّـان، بـغـداد، مـراسـلـونـا عـلى جـبـهـة الـشّـرق الأوسـط”،

ثـمّ تـحـتـه بـحـروف بـيـضـاء عـلى خـلـفـيـة سـوداء : “كـان يـنـبـغي أن تـتـزوّج الأمـيـرة الـصّـغـيـرة فـاضـلـة Fazilet بـفـيـصـل، مـلـك الـعـراق في شـهـر تـشـريـن الأوّل، ولـكـنّـهـم أُخـبـروهـا بـمـوتـه في غـرفـتـهـا في الـمـعـهـد الإنـكـلـيـزي الّـذي تـدرس فـيـه. وعـلى جـدار الـغـرفـة صـورة خـطـيـبـهـا”.

تـلـمـيـذة في مـعـهـد أسـكـوت :

ونـقـرأ في الـصـفـحـتـيـن 12 و 13 مـقـالاً عـنـوانـه : “في الـقـسـم الـدّاخـلي لـمـعـهـد أسـكـوت Ascot، فـاضـلـة الـرّائـعـة الـجـمـال تـبـكي خـطـيـبـهـا الـمـقـتـول”.

ثـمّ طـبـع مـا تـحـت الـعـنـوان بـالـحـروف الـثّـخـيـنـة : “في مـدرسـة عـلـيـا         high school راقـيـة، كـانـت فـاضـلـة تـتـهـيـأ لـلـزّواج بـمـلـك في الـثّـالـثـة والـعـشـريـن مـن عـمـره : فـيـصـل، مـلـك الـعـراق. وكـانـت في قـاعـة الـدّرس عـنـدمـا أخـبـروهـا بـانـدلاع ثـورة في بـغـداد وبـمـوت مـلـكـهـا. وكـانـت سـتـصـبـح مـلـكـة في تـشـريـن الأوّل”.

ويـبـدأ الـمـقـال (الّـذي أتـرجـمـه كـمـا هـو، مـن غـيـر تـغـيـيـر أسـلـوبـه ولا الـتّـدخـل في مـحـتـواه) والّـذي كـان الـهـدف مـنـه إثـارة فـضـول الـقـارئـات لـشـراء الـمـجـلّـة:

“أسـكـوت. طـبـيـعـة مـغـطـاة بـالـعـشـب الأخـضـر، عـلى بـعـد ثـلاثـة كـيـلـومـتـرات مـن مـيـدان سـبـاق الـخـيـل الـمـشـهـور. وفي أعـمـاق أشـجـار الـصّـنـوبـر الّـتي تـخـفـيـهـا تـنـتـصـب بـنـايـة تـامّـة الـبـيـاض : “Heathfield School”. مـدرسـة بـقـسـم داخـلي لـلـفـتـيـات، فـيـهـا 107 تـلـمـيـذات، و15 مُـدرّسـة وأربـع سـاحـات لـمـمـارسـة الـتّـنـس، وتـكـالـيـفـهـا 150 جـنـيـه ذهـب لـلـفـصـل الـدّراسي الـواحـد.

Fazilet 002 (521x640)

يـوم الإثـنـيـن 14 تـمّـوز، وكـكـلّ صـبـاح يـقـرع الـنّـاقـوس لـيـوقـظ الـفـتـيـات ويـنـهي أحـلامـهـنّ في الـسّـاعـة الـسّـابـعـة والـنّـصـف. ولـكـن هـل هـنـاك نـاقـوس في الـدّنـيـا يـسـتـطـيـع أن يـقـتـل حـلـم فـاضـلـة إبـراهـيـم Fazilet Ibrahim   ؟

وكـانـت فـاضـلـة في صـف الـمـس كـاثـلـيـن دودس، الّـتي كـانـت مـديـرة الـمـعـهـد أيـضـاً. ولا يـحـتـوي هـذا الـصّـف إلّا عـلى ثـمـاني تـلـمـيـذات.

وفـاضـلـة ابـنـة الأمـيـر مـحـمّـد عـلي إبـراهـيـم، ابـن عـم فـاروق، مـلـك مـصـر، وابـنـة الأمـيـرة خـان زادة حـفـيـدة آخـر سـلاطـيـن الـعـثـمـانـيـيـن (يـذكـر الـمـقـال أنّـهـا ابـنـتـه !) لا تـكـتـفي بـجـمـالـهـا، وإنّـمـا كـانـت تـريـد أن تـحـقـق، بـسـنـواتـهـا الـسّـبـعـة عـشـرة وخـضـرة عـيـنـيـهـا مـا سـتـكـتـمـل بـه دراسـتـهـا في Heathfield School : أن تـتـزوّج بـمـلـك، وهـو فـيـصـل مـلـك الـعـراق والـنّـفـط.

وأمـام نـافـذتـهـا الـمـفـتـوحـة عـلى نـسـيـم الـرّيـف الإنـكـلـيـزي وعـلى عـطـور الـعـطـلـة الـمـقـبـلـة، كـانـت فـاضـلـة تـمـشـط شـعـرهـا الـبـنّي، الـذّهـبي الإنـعـكـاسـات في أشـعـة شـمـس الـصّـبـاح. وكـانـت تـجـهـل أنّ عـلى بـعـد خـمـسـة آلاف كـلـم. في بـغـداد الـشّـديـدة الـقـرب مـن قـلـبـهـا، والّـتي ارتـفـعـت الـشـمـس عـالـيـة في سـمـائـهـا الآن، كـانـت الـمـآذن الـمـغـطـاة بـالـقـاشـاني الأزرق تـهـتـزّ بـهـديـر جـمـوع الـرّعـاع الـمـتـدافـعـة.

الـسّـاعـة الـثّـامـنـة. في قـاعـة الأكـل في Heathfield School، حـول pudding ضـخـم الـحـجـم، كـانـت الـفـتـيـات يـتـكـلّـمـن عـن مـشـاريـعـهـنّ بـاقـتـراب الـعـطـلـة، وتـعـطي الـواحـدة مـنـهـنّ لـلأخـرى عـنـوانـهـا وصـورهـا. وكـان عـلى فـاضـلـة، أن تـريـهـنّ مـن جـديـد صـورة تـتـأمّـلـهـا كـلّ واحـدة مـنـهـنّ قـبـل أن تـعـطـيـهـا لـجـارتـهـا، إلـتـقـطـت في مـديـنـة كـان (في جـنـوب فـرنـسـا) في الـعـام الـسّـابـق : نـراهـا “مـعـه” يـمـارسـان الـتّـزلّـج عـلى الـمـاء. كـانـت تـلـك صـورتـهـا الـمـفـضّـلـة. كـان فـيـصـل بـجـانـبـهـا  كـأبـولـو ــ مـلـك (1)، عـلى ابـتـسـامـتـه مـسـحـة مـن الـمـرارة، وتـتـطـايـر خـصـلات شـعـره الأسـود في الـرّيـح.

ومـا أن أبـصـرت بـه يـنـزل مـن يـخـتـه الـنّـاصـع الـبـيـاض الـمـسـمى بـالـمـلـكـة عـالـيـة The Queen Alia، حـتّى أغـرمـت فـاضـلـة بـهـذا الـرّجـل الـقـصـيـر الـقـامـة الـمـفـتـول الـعـضـلات والـمـلئ بـالـحـيـويـة، والّـذي كـان يـحـبّ كـلّ مـا تـحـبّـه هي : الـشّـمـس والـبـحـر والـمـيـكـانـيـك والـجـمـال.

ولـم تـكـن فـاضـلـة تـهـتـمّ بـمـا حـدث قـبـل ذلـك مـن عـلاقـات الـمـلـك الـغـرامـيـة : فـقـد قـضى شـهـر نـيـسـان بـصـحـبـة شـاهـنـاز  Shahnaz، بـنـت مـلـك الـفـرس، وشـهـر تـمّـوز مـع حـزيـمـة  Hazaïma،إحـدى بـنـات عـمّـه الـهـاشـمـيـات، وشـهـر آب بـصـحـبـة فـريـال، بـنـت الـمـلـك فـاروق، وشـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـع لالا عـائـشـة  Lalla Aïcha، بـنـت مـلـك الـمـغـرب (2). مـا كـانـت تـرغـب بـه فـاضـلـة هـو أن تـكـون الأخـيـرة (أي الّـتي سـيـبـقى مـعـهـا إلى آخـر حـيـاتـه).

وقـالـت الـفـتـيـات : “مـا أجـمـلـه !”. وتـضـاحـكـن حـول الـ  pudding. وفي نـفـس الـلـحـظـة، في عـاصـمـتـه الـمـشـتـعـلـة، عـمّـر فـيـصـل مـسـدسـه.

كـان ذلـك آخـر امـتـحـانـات الـسّـنـة الـدّراسـيـة : كـتـابـة مـقـالـة في مـوضـوع تـاريـخي. ووضـعـت فـاضـلـة حـول خـنـصـرهـا اسـتـثـنـائـيـاً خـاتـم الـخـطـوبـة، لـيـجـلـب لـهـا الـحـظ.

Fazilet 001 (712x800)

وعـادت إلى ذاكـرتـهـا أحـداث يـوم 16 أيـلـول 1957 في يـنـيـكـوي  Yenickoy، قـصـر عـائـلـتـهـا الـصّـيـفي قـرب إسـطـنـبـول، والـمـطـلّ عـلى شـواطئ الـبـوسـفـور. كـانـت تـرتـدي فـسـتـانـاً خـفـيـفـاً أصـفـر الـلـون لـيـمـوني، جـالـسـة بـيـن أمّـهـا وأبـيـهـا في ظـلّ شـجـرة بـلـوط، وتـجـيـب عـلى أسـئـلـة الـصّـحـفـيـيـن.

وكـان رئـيـس الـوزراء الـسّـيـد جـودت (3) بـنـفـسـه قـد جـاء لـيـطـلـب يـدهـا لـلـمـلـك حـامـلاً هـذا الـخـاتـم بـزمـردتـه الـهـائـلـة الـحـجـم.

وسـألـهـا الـصـحـفـيـون : مـتى سـيـعـقـد زواجـكـمـا ؟

ــ في الـخـريـف الـمـقـبـل، أجـابـت الأمّ، وحـتّى ذلـك الـحـيـن سـتـكـمـل فـاضـلـة دراسـتـهـا لـتـسـتـعـدّ لـمـهـنـتـهـا كـمـلـكـة.

أمّـا فـاضـلـة، فـلـم تـسـتـطـع أن تـلـفـظ إلّا أربـع كـلـمـات، مـازالـت تـهـمـس بـهـا لـنـفـسـهـا أمـام ورقـة الإمـتـحـان : “أنـا سـعـيـدة … أنـا سـعـيـدة”.

وفي بـغـداد، في وهـج الـشّـمـس الّـتي تـهـيـج حـتّى الـذّبـاب، سـقـط الـمـلـك الـصـغـيـر الـمـجـعّـد الـشّـعـر تـسـيـل مـنـه الـدّمـاء.

الـسّـاعـة الـعـاشـرة. دخـلـت الـمـس دودس في قـاعـة الـدّرس بـعـد أن اتـصـل بـهـا الـسّـفـيـر الـعـراقي، وهـمـسـت بـكـلـمـات في أذن فـاضـلـة الّـتي لـم تـسـتـطـع ضـبـط دمـوعـهـا.

وعـنـدمـا عـادت إلى غـرفـتـهـا، إرتـمـت فـاضـلـة عـلى سـريـرهـا وانـفـجـرت تـبـكي وفي يـدهـا آخـر رسـائـل فـيـصـل. كـان يـتـكـلّـم فـيـهـا عـن الـقـصـر الّـذي شـيّـده لـهـا عـلى ضـفـة دجـلـة، والّـذي كـلّـف عـشـرة مـلايـيـن بـاونـد : 120 غـرفـة و25 حـمـامـاً و20 نـافـورة تـنـفـث يـومـيـاً  1200 مـتـر مـكـعـب مـن الـمـيـاه في الـحـديـقـة. وعـرشـان جـنـبـاً لـجـنـب. (4)

وكـان يـنـوي أن يـأتي في نـهـايـة الـشّـهـر لـيـصـطـحـبـهـا مـع والـديـهـا في سـفـرة عـبـر بـلـدان أوربـا. وقـد اشـتـرى الـسّـفـيـر الـعـراقي لـذلـك داراً كـبـيـرة وسـط أراضٍ واسـعـة في سـتـانـويـل  Stanwell، قـرب Heathfield School. ووضـع فـيـهـا سـيـارة جـاغـوار تـنـتـظـر وصـولـه.

ونـهـضـت فـاضـلـة فـجـأة، ونـزلـت إلى قـاعـة الـدّرس واسـتـعـادت ورقـة الإمـتـحـان لـتـكـمـلـهـا : “يـنـبـغي أن أكـمـل كـمـا لـو أن شـيـئـاً لـم يـحـدث” قـالـت لـمـس دودس. قـررت أن تـسـتـمـر في تـعـلـيـمـهـا وتـكـمـلـه. ولـكـنّـهـا لـن تـذهـب هـذا الـمـسـاء إلى مـكـتـب الـبـريـد عـلى طـريـق  Maidenhead لـتـرسـل لـه رسـالـتـهـا كـكـلّ يـوم، ولـن يـراهـا زبـائـن الـفـورسـتـر هـوتـيـل تـتـذوّق بـلـذّة كـوب الآيـس كـريـم، ولا تـشـرب عـصـيـر بـرتـقـالـهـا بـعـد أن تـنـتـهي مـن مـمـارسـة لـعـبـة الـتّـنـس.

سـتـدخـل فـاضـلـة هـذا الـمـسـاء في قـاعـة الـمـبـارزات، وسـتـخـتـار سـيـفـاً لـتـتـبـارز بـه في الـحـديـقـة. فـهي تـضـرب بـسـرعـة وبـقـوة لا يـقـاومـهـا في ذلـك مـقـاوم. ولـن يـقـاومـهـا أحـد بـعـد الآن فـقـد كـبـرت فـاضـلـة الـصّـغـيـرة الـرّائـعـة الـجـمـال مـثـلـمـا لا تـكـبـر الـفـتـيـات إلى هـذا الـحـدّ إلّا في  Heathfield School”.

مـجـلّات وجـرائـد أخـرى :

ولـم تـكـن مـجـلّـة “بـاري مـاتـش” الـوحـيـدة الّـتي أسـرعـت بـنـشـر هـذا الـنّـوع مـن الـمـقـالات الـمـثـيـرة، فـقـد نـشـرت مـنـافـسـتـهـا، الـمـجـلّـة الـبـاريـسـيـة الـمـصـورة “أيّـام فـرنـسـا  Jours de France” مـقـالاً عـنـوانـه : “الأسـبـوع الـرّهـيـب الّـذي عـاشـتـه فـاضـلـة، الـخـطـيـبـة الـصّـغـيـرة لـمـلـك الـعـراق”، وصـوراً عـنـهـا هي الأخـرى في نـفـس الـيـوم، الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958، (فـعـطـلـة نـهـايـة الأسـبـوع تـبـدأ يـوم الـسّـبـت وتـسـتـمـر إلى الأحـد، ولـهـذا تـصـدر الـمـجـلّات الـمـصـورة في ذلـك الـيـوم).

Fazilet J. de France

كـمـا نـشـرت كـلّ الـصّـحـف مـقـالات عـنـهـا، لأنّ فـاضـلـة ولـدت في بـاريـس وكـانـت تـتـقـن الـفـرنـسـيـة بـيـن الـلـغـات الّـتي كـانـت تـتـقـنـهـا.

وقـد نـشـرت واحـدة مـن هـذه الـصـحـف : “Nouvelliste Valaisan”  يـوم الإثـنـيـن 21 تـمّـوز مـعـلـومـات أخـذتـهـا عـن مـراسـل وكـالـة الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة  A.F.P.  في لـنـدن يـذكـر فـيـه مـا يـلي :

“بـكـت الأمـيـرة فـاضـلـة (عـمـرهـا 17 سـنـة) بـصـحـبـة دوقـة كـنـت          Duchess of Kent، مـقـتـل خـطـيـبـهـا فـيـصـل، مـلـك الـعـراق، وقـررت أن تـتـرك إنـكـلـتـرة حـيـث تـكـمـل دراسـتـهـا في مـعـهـد  Heathfield School الـرّاقي، قـرب أسـكـوت  Ascot، وتـعـود إلى تـركـيـا هـذا الأسـبـوع. وقـد أبـلـغـهـا سـفـيـر الـعـراق في لـنـدن في الـخـمـيـس الـمـاضي أنّ كـلّ أمـل قـد ضـاع وانـتـهى. وقـد طـلـبـت خـاتـم خـطـبـتـهـا بـزمـردتـه الـضّـخـمـة، والّـذي كـان مـحـفـوظـاً في صـنـدوق مـصـفـح في الـمـعـهـد، ووضـعـته حـول بـنـصـرهـا. ولـم يـرهـا أحـد بـعـد ذلـك، فـقـد أغـلـقـت عـلـيـهـا بـاب غـرفـتـهـا. […] وكـان يـنـبـغي أن تـلـتـقي فـاضـلـة بـخـطـيـبـهـا في عـطـلـة نـهـايـة هـذا الأسـبـوع، فـقـد كـان الـمـلـك فـيـصـل يـنـوي أن يـمـرّ بـإنـكـلـتـرة، بـعـد انـتـهـاء اجـتـمـاعـات حـلـف بـغـداد في إسـطـنـبـول. وكـان في الـنّـيـة أعـداد وجـبـة عـشـاء لـعـشـريـن مـدعـوّاً في الـقـصـر الّـذي تـمـتـلـكـه الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة الـعـراقـيـة في مـقـاطـعـة Surrey جـنـوب لـنـدن، ولـكـنّ الـنّـوافـذ ظـلّـت مـغـلـقـة”.

ونـلاحـظ اخـتـلافـات بـيـن مـعـلـومـات مـجـلّـة بـاري مـاتـش وبـيـن مـراسـل وكـالـة الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة حـول إعـلام الأمـيـرة فـاضـلـة بـمـقـتـل خـطـيـبـهـا. هـل أعـلـمـوهـا بـه بـعـد سـاعـة مـن وقـوعـه أي في الـعـاشـرة مـن صـبـاح يـوم الإثـنـيـن أم بـعـد ثـلاثـة أيّـام، أي في يـوم الـخـمـيـس ؟ وحـول بـقـاء الأمـيـرة فـاضـلـة في مـدرسـتـهـا بـعـد ذلـك أو عـودتـهـا إلى تـركـيـا، وحـول قـصـر الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة. وصـحـيـح أنّ Stanwell  تـقـع في الـ  Surrey ، ولـكـنّ هـل الـمـقـصـود بـه هـو الـقـصـر الّـذي كـان الـوصي عـبـد الإلـه قـد اشـتـراه لـلـعـائـلـة الـمـلـكـيـة أم داراً كـبـيـرة وسـط “بـارك” واسـع اشـتـراه الـسّـفـيـر الـعـراقي لـيـلـتـقي الـمـلـك فـيـصـل بـخـطـيـبـتـه ؟ ويـبـدو أنّ مـعـلـومـات مـجـلّـة بـاري مـاتـش الـبـاريـسـيـة هي الـخـاطـئـة.

كـمـا نـشـرت مـجـلّـة لايـف Life الأمـريـكـيـة مـقـالاً في 28 تـمّـوز 1958 وضـعـت فـيـه صـورة لـفـاضـلـة :

Fazilet

مـاذا نـعـرف عـن الأمـيـرة فـاضـلـة ؟

 

فـاضـلـة Fazilet (أو فـضـيـلـة كـمـا يـكـتـب اسـمـهـا في كـثـيـر مـن الـمـنـشـورات في أيّـامـنـا هـذه)، واسـمـهـا الـكـامـل صـبـيـحـة فـاضـلـة هـانـم سـلـطـان، الإبـنـة الـوحـيـدة لـلأمـيـر مـحـمّـد عـلي بـن مـحّـمـد بـن وحـيـد الّـديـن بـن إبـراهـيـم بـن أحـمـد بـن رفـعـت بـن إبـراهـيـم بـن مـحـمّـد عـلي بـاشـا مـصـر الـكـبـيـر.  وقـد كـان والـدهـا إذن ابـن عـمّ الـمـلـك فـاروق. أمّـا والـدتـهـا فـقـد كـانـت زهـراء خـان زادة Hanzadé سـلـطـان، ابـنـة الأمـيـر عـمـر فـاروق بـن عـبـد الـمـجـيـد الـثّـاني، آخـر خـلـفـاء الـعـثـمـانـيـيـن.

وقـد ولـدت فـاضـلـة في بـاريـس سـنـة 1941.

Fazilet 7

ويـبـدو أنّـهـا تـزوّجـت بـعـد وفـاة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـمـهـنـدس، وأنـجـبـت مـنـه ولـديـن، وأنّـهـا عـمـلـت في ثـمـانـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي في مـنـظـمـة الـيـونـسـكـو.

 

مـقـال مـجـلّـة بـاري مـاتـش  Paris Match الـبـاريـسـيـة عـن الـمـلـك فـيـصـل :

والـمـقـال الّـذي نـشـر في نـفـس عـدد يـوم الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958  ابـتـداءً مـن صـفـحـة 32 عـن “الـمـلـك الـشّـاب يـسـبـح في دمـائـه” يـبـدأ بـمـقـطـع طـبـع بـحـروف ثـخـيـنـة :

“في الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة مـن صـبـاح 14 تـمّـوز كـان مـسـؤولـون يـرتـدون الـمـلابـس الأوربـيـة يـنـتـظـرون في مـطـار إسـطـنـبـول وصـول طـائـرة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني الّـذي سـيـحـضـر مـؤتـمـراً لـلـدّول الـمـشـاركـة في حـلـف بـغـداد. ولـكـنّ الـطـائـرة لـم تـصـل أبـداً. وفي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة وعـشـريـن دقـيـقـة سـمـع الـعـالـم بـأنّ ثـورة انـفـجـرت في الـعـراق، ولـم يـسـتـطـع الـمـلـك الّـذي كـان في الـثّـالـثـة والـعـشـريـن مـن عـمـره أن يـغـادر بـلـده”.

وفـوق الـتّـعـلـيـق صـورة كـتـب تـحـتـهـا : “رمي جـنـود الـحـرس أسـلـحـتـهـم أمـام الـقـصـر الـمـلـكي وهـربـوا”، والـصّـورة تـظـهـر في الـحـقـيـقـة الـمـقـبـرة الـمـلـكـيـة!

Fazilet 005 (605x640)

ونـرى عـلى الـصّـفـحـة الـمـقـابـلـة صـورة بـالألـوان في أسـفـل يـسـارهـا تـعـلـيـق بـحـروف بـيـضـاء عـلى الـخـلـفـيـة الـغـامـقـة :

20 05 2017 009 (617x640)

“الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني في مـكـتـبـه في الـقـصـر، أمـام تـمـثـال نـصـفي لـجـده فـيـصـل الأوّل، الّـذي نـصـبـه عـلى عـرشـه الـكـولـونـيـل لـورنـس الـشّـديـد الـشّـهـرة. وعـلى حـافـة الـمـدفـأة الـجـداريـة صـور : تـشـانـغ كـاي شـك  Tchang Kaï-chek، ومـلـك الـبـاكـسـتـان مـرزا Mirza، وفـيـلـيـب وإلـيـزابـيـث”.

وعـلـيـنـا أن نـضـيـف عـلى مـعـلـومـات الـمـقـطـع تـصـحـيـحـيـن : الأوّل هـو أنّ الـكـولـونـيـل لـورنـس كـان لـه دور في دفـع الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة وأولاده، ومـن بـيـنـهـم فـيـصـل لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916 ، ولـكـن لـم يـكـن لـه عـلاقـة بـارتـقـاء فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق عـام 1921، والـثّـاني أنّ الـصّـورة لا تـظـهـر إلّا جـانـبـاً مـن مـكـتـب الـمـلـك الّـذي كـان فـيـه أيـضـاً أعـداد مـن صـور رؤسـاء الـدّول الآخـريـن، أهـدوهـا لـه ضـمـن عـلاقـاتـهـم الـدّبـلـومـاسـيـة مـعـه.

ونـجـد في صـفـحـتي 34 و 35 صـوراً عـن الـعـراق وعـنـوانـاً بـحـروف ضـخـمـة : “سـقـوط فـيـصـل واشـتـعـال الـعـراق سـيـخـلّان بـتـوازن سـوق الـنّـفـط الـعـالـمي”، ونـصّـاً بـحـروف ثـخـيـنـة :

“يـحـتـلّ الـعـراق مـكـانـة مـهـمّـة في نـفـط الـشّـرق الأوسـط الّـذي يـمـثـل 60 بـالـمـائـة مـن مـخـزون الـنّـفـط في الـعـالـم. وإذا سـقـط هـذا الـمـخـزون، الّـذي يـمـدّ فـرنـسـا بـثـلـث احـتـيـاجـاتـهـا، بـيـدي جـمـال عـبـد الـنّـاصـر فـسـيـخـتـلّ تـوازن سـوق الـنّـفـط الـعـالـمي، وبـهـذا سـيـخـتـلّ الـتّـوازن الّـذي يـجـهـد الـجـمـيـع بـالـمـحـافـظـة عـلـيـه بـيـن الـشّـرق والـغـرب. ولـهـذا يـعـمـل الـغـرب عـلى إيـقـاف الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة في الـشّـرق الأوسـط. وفي قـلـب مـصـادر نـفـطـنـا نـجـد الـعـراق بـآبـار كـركـوك والـمـوصـل والـبـصـرة وأنـابـيـبـه الّـتي تـوصـل الـنّـفـط إلى مـوانئ سـوريـا مـن جـهـة وإلى الـخـلـيـج مـن الـجـهـة الأخـرى”.

ونـلاحـظ أنّ خـوف الـغـرب مـن جـمـال عـبـد الـنّـاصـر في تـلـك الـسّـنـوات دفـعـتـه إلى الإعـتـقـاد بـأنّ عـبـد الـنّـاصـر كـان وراء ثـورة 14 تـمّـوز في الـعـراق.

ووضـعـت الـمـجـلّـة في صـفـحـتي 36 و37 خـارطـة واسـعـة لـمـصـادر الـنّـفـط في الـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط ونـسـب اسـتـهـلاك الـبـلـدان الـغـربـيـة لـه.

ونـرى في الـصّـفـحـة 38 أربـع صـور تـحـيـط عـنـوانـاً ضـخـمـاً : “كـان سـيّـد الـنّـفـط مـخـلـصـاً لإنـكـلـتـرة الّـتي قـضى فـيـهـا سـنـوات مـراهـقـتـه”.

الـصّـورة الأولى لـفـيـصـل وابـن عـمّـه حـسـيـن : “في كـلـيـة هـارو Harrow، أصـبـح أحـدهـمـا مـلـكـاً عـلى الـعـراق والآخـر مـلـكـاً عـلى الأردن” :

Fazilet 006 (442x640)

والـثّـانـيـة لـفـيـصـل وإلـيـزابـيـث الـثّـانـيـة : “الـمـلـكـة تـسـتـقـبـل فـيـصـل في لـنـدن عـام 1956” (5)

Fazilet 007 (379x640)

والـثّـالـثـة مـع مـدرّبـه في الـمـلاكـمـة : “كـان الـمـلـك الـشّـاب، الّـذي تـربّى عـلى الـطّـريـقـة الإنـكـلـيـزيـة، ريـاضـيـاً مـتـحـمّـسـاً” :

Fazilet 008 (640x475)

والـصّـورة الـرّابـعـة لـفـيـصـل مـع حـسـن بـن مـحـمّـد الـخـامـس والّـذي أصـبـح بـعـد ذلـك مـلـك الـمـغـرب بـاسـم الـحـسـن الـثّـاني :

“في عـام 1955، يـسـبـح في Eden Roc عـلى الـرّيـفـيـرا  La côte d’Azur (جـنـوب فـرنـسـا) بـصـحـبـة الأمـيـر مـولاي حـسـن” :

Fazilet 009 (640x581)

ونـرى في الـصّـفـحـة الـمـقـابـلـة صـورة واسـعـة كـتـب في أسـفـلـهـا بـحـروف بـيـضـاء عـلى الـخـلـفـيـة الـغـامـقـة :

“تـحـت خـيـمـتـه في وسـط الـصّـحـراء، كـان الـشّـاب الـغـربي (أي الّـذي تـلـقى تـربـيـة غـربـيـة) والّـذي أصـبـح مـلـكـاً و عـسـكـريـاً يـرغـب في تـوثـيـق عـلاقـاتـه بـشـيـوخ الـنّـفـط الـعـرب الإقـطـاعـيـيـن. ونـراه هـنـا يـسـتـقـبـل الـمـلـك ابـن سـعـود” :

Fazilet 010 (465x640)

وأكـرر في نـهـايـة مـقـالي أنـني لـم أتـرجـم نـصـوص هـذه الـمـجـلّات لـقـيـمـتـهـا الـعـلـمـيـة ولا لـحـقـيـقـتـهـا الـتّـاريـخـيـة، ولـكـن لـنـعـرف كـيـف تـلـقى الـغـربـيـون مـا حـدث في بـلـدنـا.

ــــــــــــــــــ

(1)  كـان أبـولـون  Απολλων  في الـمـيـثـولـوجـيـا الإغـريـقـيـة  إلـه الـنّـور والـجـمـال والـفـنّـون.

(2)  يـلاحـظ الـقـارئ أن كـاتـب الـمـقـال حـوّل الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني إلى سـلـطـان مـن سـلاطـيـن “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” يـغـيّـر امـرأة كـلّ لـيـلـة تـقـريـبـاً !

(3) كـان عـلي جـودت الأيـوبي رئـيـس وزراء الـعـراق في 1957.

(4) لـفـت الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف انـتـبـاهي إلى أنّ هـذا الـقـصـر أصـبـح بـعـد ذلـك “الـقـصـر الـجـمـهـوري” في مـنـطـقـة كـرّادة مـريـم، والّـذي لـم يـسـتـعـمـلـه عـبـد الـكـريـم قـاسـم وإنّـمـا اتـخـذ مـن وزارة الـدّفـاع الـقـديـمـة مـقـرّاً لـلـحـكـم.

(5) قـام الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـأول زيـارة رسـمـيـة إلى إنـكـلـتـرة بـيـن 16 و19 تـمّـوز 1956.

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال

 

 

 

 

 

 

 

 

رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـعـرف أغـلـب الـمـهـتـمـيـن بـتـاريـخ الـعـراق الـحـديـث كـتـاب رحـلـة الـفـرنـسـيـة مـدام ديـولافـوا إلى الـعـراق، أو سـمـعـوا بـه عـلى الأقـل.

وقـد صـدرت في بـغـداد عـام 1958 تـرجـمـة عـلي الـبـصـري لـلـكـتـاب بـعـنـوان : “رحـلـة مـدام ديـولافـوا مـن الـمـحـمّـرة إلى الـبـصـرة وبـغـداد 1299 هـ. 1881 م.”،  لـكـنّـهـا تـرجـمـة عـن الـلـغـة الـفـارسـيـة لا عـن الـلـغـة الـفـرنـسـيـة مـبـاشـرة، فـهي إذن تـرجـمـة عـن تـرجـمـة ! (1)

وقـد وجـدت في الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـاريـس الـنّـصّ الأصـلي لـلـكـتـاب الّـذي نـشـر عـام 1887 بـعـنـوان : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش (سـوسـة)  La Perse, la Chaldée et la Susiane”. وتـكـمـلـة  الـعـنـوان : “سـرد رحـلـة، يـحـتـوي عـلى 336 عـمـلاً طـبـاعـيـاً  Gravures نـفّـذت عـن صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلّـفـة وخـارطـتـيـن” :

ديولافوا 2 (420x640)

وقـد دهـشـت خـلال قـراءتي لـلـكـتـاب بـأنّ نـصّـه قـلـيـل الأهـمـيـة، لا يـسـتـحـق الـمـكـانـة الّـتي أولـيـنـاه إيّـاهـا، فـقـد اخـتـرقـت الـمـؤلـفـة بـصـحـبـة زوجـهـا بـسـرعـة ولايـتي الـبـصـرة وبـغـداد صـعـوداً ونـزولاً بـأقـلّ مـن شـهـريـن، وعـنـدمـا كـانـت لا تـجـد الـوقـت لـتـتـفـحّـص مـا تـمـرّ بـه تـسـتـشـهـد لـقـرائـهـا بـمـا كـتـبـه الـمـؤرخـون أو الـرّحـالـة الّـذيـن سـبـقـوهـا. ورغـم ذلـك نـجـد في كـتـابـهـا بـعـض الـمـلاحـظـات الـثّـاقـبـة، ومـقـاطـع أدبـيـة جـمـيـلـة فـيـهـا كـثـيـر مـن الـشّـاعـريـة.

الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة في الـكـتـاب :

وتـأتي أهـمـيـة الـكـتـاب الـحـقـيـقـيـة مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الـشّـديـدة الـدّقـة والـرّائـعـة الـجـمـال الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا، والّـتي نـرى بـعـضـهـا يـنـشـر هـنـا وهـنـاك مـن غـيـر ذكـر لـمـصـدرهـا في أغـلـب الأحـيـان.

وقـد حُـفـرت هـذه الأعـمـال عـلى الـخـشـب وطـبـعـت عـلى الـورق اعـتـمـاداً عـلى صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلـفـة. وقـد قـام 35 حـفّـاراً فـنّـيـاً مـن الـحـرفـيـيـن بـتـنـفـيـذ هـذه الأعـمـال بـمـهـارة بـالـغـة.

والأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي تـهـمّـنـا تـبـدأ بـرقـم 245 عـنـدمـا دخـلـت جَـيـن ديـولافـوا مـع زوجـهـا ومـصـاحـبـيـهـمـا شـطّ الـعـرب، وتـنـتـهي بـرقـم 305 عـنـدمـا تـركـت مـنـطـقـة الـعـمـارة وعـادت إلى إيـران. وهي سـتّـون عـمـلاً تـسـتـحـق الـتّـأمّـل. ولـن أسـتـطـيـع أن أريـكـم في هـذا الـمـقـال إلّا مـخـتـارات مـنـهـا.

وأودّ أن ألـفـت انـتـبـاه قـرائي إلى أمـريـن : أوّلـهـمـا تـكـالـيـف رحـلـة جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا الـبـاهـظـة ،ومـا أنـفـقـاه مـن مـبـالـغ طـائـلـة عـلى مـصـاحـبـيـهـمـا وخـدمـهـمـا والـحـراس الّـذيـن أحـاطـوهـم وتـكـفّـلـوا بـأمـنـهـم، إضـافـة إلى مـا كـلّـفـه حـفـر الـصّـور وطـبـعـهـا لـيـنـشـر الـكـتـاب، وثـانـيـهـمـا أن يـتـصـوروا آلـة الـتّـصـويـر الـضـخـمـة الـحـجـم الـصّـعـبـة الإسـتـعـمـال في ذلـك الـزّمـن، ومـا تـطـلّـبـه الـتـقـاط الـصّـور مـن جـهـود وتـنـظـيـم ومـن صـبـر لـقـهـر الـمـصـاعـب وتـحـمـل الـمـشـقّـات، ثـمّ مـا تـطـلّـبـه حـفـرهـا وطـبـعـهـا مـن جـهـود الـحـفّـاريـن الّـتي دامـت فـتـرات طـويـلـة، ولـهـذا فـالـكـتـاب رغـم نـواقـصـه كـنـز يـحـتـوي عـلى جـزء مـن تـاريـخـنـا في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر يـنـبـغي أن نـهـتـمّ بـه.

ولـنـبـدأ بـالـكـلام عـن الـمـؤلّـفـة الّـتي سـردت الـرّحـلـة.

مـدام جَـيـن ديـولافـوا :

ديولافوا 3 (508x640)

ولـدت جَـيـن (أو جـان حـسـب الـلـفـظ الـفـرنـسي) هـنـريـيـت مـاغـر سـنـة 1851 في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا، في عـائـلـة غـنـيّـة. وأدخـلـهـا أهـلـهـا ديـر راهـبـات تـلـقّـت فـيـه تـعـلـيـمـاً يـنـاسـب مـسـتـوى طـبـقـتـهـا الإجـتـمـاعـيـة، وتـعـلّـمـت عـدّة لـغـات ومـهـرت في الـرّسـم والـتّـصـويـر.

ثـمّ الـتـقـت بـمـارسـيـل ديـولافـوا الّـذي كـان مـهـنـدسـاً مـشـغـوفـاً بـعـلـم الآثـار، وتـزوّجـا في 1870. وأصـبـح اسـمـهـا جَـيـن (أو جـان) ديـولافـوا  Jane Dieulafoy .

وفي عـام 1879 (وكـانـت في الـثّـامـنـة والـعـشـريـن مـن عـمـرهـا) صـاحـبـت جَـيـن زوجـهـا إلى بـلاد الـفـرس (إيـران الـحـالـيـة) في رحـلـة كـان الـهـدف مـنـهـا دراسـة الـعـلاقـات بـيـن الـفـنـون الـشّـرقـيـة والـفـنـون الـغـربـيـة.

وفي عـامي 1881 و1882 جـابـا أرجـاء بـلاد فـارس (إيـران) وولايـتَي الـبـصـرة وبـغـداد (الـلـتـيـن كـانـتـا تـحـت الـحـكـم الـعـثـمـاني) وقـطـعـا في أربـعـة عـشـر شـهـراً مـا يـقـارب الـسّـتّـة آلاف كـيـلـومـتـر. ونـلاحـظ أنّـهـمـا لـم يـخـصـصـا لـزيـارة الـولايـتـيـن الـعـراقـيـتـيـن إلّا أقـلّ مـن شـهـريـن : مـن 21 تـشـريـن الـثّـاني 1881 إلى 11 كـانـون الـثّـاني 1882.

وكـانـت جَـيـن قـويـة الـشّـخـصـيـة لا تـخـشى شـيـئـاً ولا تـهـاب أحـداً، تـرتـدي مـلابـس  رجـالـيـة وتـعـتـلي صـهـوة حـصـان. وكـانـت تـكـتـب يـومـيـات الـرّحـلـة وتـسـجّـل مـلاحـظـات وتـخـطـط رسـومـاً وتـلـتـقـط  صـوراً فـوتـوغـرافـيـة.

وفي أواخـر عـام 1883 عـادت جَـيـن مـع زوجـهـا إلى بـلاد فـارس لـيـنـقـبـا في مـديـنـة سـوسـة. وقـد أزاحـا الـتّـراب عـن قـصـر الـمـلـك الأخـمـيـني داريـا الأوّل، الّـذي شـيّـد في الـقـرن الـسّـادس قـبـل الـمـيـلاد. وعـادا بـعـد ذلـك إلى بـاريـس بـمـجـمـوعـة آثـار مـا زالـت مـعـروضـة في مـتـحـف الـلـوفـر. ورغـم نـجـاح مـهـمـتـهـمـا فـلـم تـقـتـرح عـلـيـهـمـا الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة مـهـمـات تـنـقـيـبـات أخـرى ولـم يـعـودا بـعـد ذلـك إلى الـشّـرق، واكـتـفـيـا بـالـتّـجـوّل في جـنـوب أوربـا.

وقـد نـشـرت جَـيـن سـرد رحـلـتهـا مـع زوجـهـا في مـجـلّـة أوّلاً ثـمّ، في عـام 1887، في كـتـاب عـنـوانـه : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش (سـوسـة) La Perse, La Chaldée, La Susiane”.

وفي عـام 1890 نـشـرت جَـيـن أوّل روايـاتـهـا الـتّـاريـخـيـة. وقـبـيـل الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى نـشـطـت في الـدّعـوة لإدخـال الـنّـسـاء في الـجـيـش لـيـسـاويـن الـرّجـال في الـدّفـاع عـن الـوطـن. وبـعـد بـدايـة الـحـرب في 1914 عـيّـن زوجـهـا كـولـونـيـلاً  في الـهـنـدسـة الـحـربـيـة،  وأرسـل إلى مـديـنـة الـرّبـاط في الـمـغـرب. وصـاحـبـتـه جَـيـن إلـيـهـا، وشـرعـت في حـمـلـة إزاحـة الـتّـراب عـن بـقـايـا جـامـع حـسـن، ولـكـنّ حـالـتـهـا الـصّـحـيـة تـدهـورت فـأرجـعـت إلى فـرنـسـا الّـتي تـوفـيـت فـيـهـا سـنـة 1916.

سـرد الـرّحـلـة إلى الـعـراق :

وصـلـت جَـيـن ديـولافـوا بـصـحـبـة زوجـهـا مـارسـيـل إلى الـعـشـار قـادمـة مـن بـلاد فـارس عـلى مـركـب. وعـنـدمـا وصـلا إلى شـطّ الـعـرب في 21 تـشـريـن الـثّـاني، كـتـبـت :

“في الـثّـامـنـة (صـبـاحـاً) دخـل مـركـبـنـا في مـصـبّ نـهـر واسـع يـبـدو بـحـراً. هـذا هـو شـطّ الـعـرب الّـذي يـشـكّـلـه الـتـقـاء دجـلـة بـالـفـرات”. “وفي حـوالي الـواحـدة (بـعـد الـظّـهـر) مـررنـا أمـام الـمـحـمّـرة، قـريـة كـبـيـرة تـحـيـطـهـا أسـوار”. ونـزلـوا في ضـيـافـة شـيـخـهـا.

Dieulafoy II

وعـنـدمـا دخـلا شـطّ الـعـرب كـتـبـت :

” 3 كـانـون الأوّل  1881

نُـصـبـت أمـام كـلّ قـريـة خـزانـات مـن الـشّـبـاك في مـاء الـنّـهـر تـسـتـعـمـل كـ “أقـفـاص” لـلأسـمـاك. فـفي بـعـض فـتـرات الـسّـنـة يـصـطـاد الـفـلاحـون كـمـيـات كـبـيـرة مـن الأسـمـاك، ولأنّـهـم لا يـسـتـطـيـعـون أكـلـهـا كـلّـهـا فـهـم يـضـعـون أغـلـبـهـا في هـذه الـشّـبـاك وسـط الـمـاء الـجـاري لـيـحـفـظـوهـا لـلـفـتـرات الّـتي يـقـلّ فـيـهـا الـصّـيـد.

ولـم أرَ أبـداً مـنـاظـر بـمـثـل ثـراء ضـفـاف شـط الـعـرب : أشـجـار نـخـيـل رائـعـة الـجـمـال تـتـشـامـخ كـمـا لـو كـانـت تـتـبـارى في الـقـوة والأنـاقـة، يـغـطي أراضـيـهـا عـشـب كـثّ وتـخـتـرقـهـا هـنـا وهـنـاك قـنـوات تـسـبـح فـيـهـا بـهـدوء قـطـعـان جـامـوس لا تـخـرج مـن الـمـاء إلّا رؤوسـهـا… وعـبـر بـنـا الـبـلـم  belem الـنّـهـر لـيـتـوقـف أمـام أجـمـات مـن نـبـاتـات الـمـوز”.

وكـتـبـت عـنـدمـا وصـلا إلى الـعـشّـار :

ج. ديولافوا 29

“هـا أنـا في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة Venice ، ولـكـن مـديـنـة بـنـدقـيـة في مـدار الـسّـرطـان (2)، سـمـاؤهـا صـافـيـة لا غـيـوم فـيـهـا، تـخـتـفي دورهـا وسـط غـابـات نـخـيـل وأشـجـار يـثـقـلـهـا بـرتـقـالـهـا ونـبـاتـات مـوز واسـعـة الأوراق وسـنـط يـفـوح عـطـر أزهـارهـا. وتـنـحـدر الـمـنـازل أحـيـانـاً نـحـو الـمـاء وتـنـسـحـب أحـيـانـاً وراء رصـيـف ضـيّـق يـحـفّـهـا. وربـطـت أمـام أجـمـل هـذه الـمـنـازل قـوارب نـحـيـلـة أشـدّ أنـاقـة مـن جـنـدولات الـبـنـدقـيـة. وكـان تـحـت قـدميَّ الـخـضـرة والأزهـار والـفـواكـه والـمـيـاه الـمـتـلامـعـة الـهـادئـة الـجـريـان وفـوق رأسي سـمـاء تـنـبـض فـيـهـا نـجـوم بـرّاقـة لا تـعـدّ ولا تـحـصى”.

وعـنـدمـا وصـلا إلى الـبـصـرة :

ج. ديولافوا 27

“تـوقـف بـلـمـنـا أمـام الـضّـفـة. وبـعـد أن عـبـرنـا سـاحـة في وسـطـهـا بـنـاء مـسـقّـف حـفـظـت فـيـه كـمـيـات هـائـلـة مـن الـحـبـوب يـدور حـولـهـا حـرّاس في أيـديـهـم فـوانـيـس، دقّ دلـيـلـنـا عـلى بـاب الـقـنـصـلـيـة [الـفـرنـسـيـة] قـبـل أن تـشـرق الـشّـمـس. وبـعـد وصـولـنـا أبـدلـت مـلابـسي الّـتي كـان قـد بـلـلـهـا الـنـدى كـمـا لـو كـنـت قـد سـبـحـت في مـيـاه قـنـاة الـعـشّـار”.

” 4 كـانـون الأوّل

حـسـبـمـا نـتـجـول في الـبـصـرة في فـتـرة الـمـدّ أو في فـتـرة الـجـزر نـتـمـشى في أرجـاء الـجـنّـة أو نـخـوض في سـواقي الـمـيـاه الـقـذرة ! عـنـدمـا خـرجـت هـذا الـمـسـاء كـان الـمـاء قـد انـسـحـب مـن الـقـنـوات مـظـهـراً طّـيـنـاً نـتـن الـسّـواد وقـاذورات مـن كـلّ الأنـواع. وكـانـت الـقـوارب وسـط هـذه الـزّبـالـة تـبـدو وكـأنّـهـا حـطـام مـراكـب، بـيـنـمـا فـاحـت الـرّوائـح الـكـريـهـة. وجـعـلـنـا كـلّ هـذا نـنـسى مـا كـنّـا قـد رأيـنـاه مـن سـحـر غـابـات الـنّـخـيـل وأشـجـار الـبـرتـقـال.

ج.ديولافوا 30

ونـتـانـة الـقـنـوات وقـت الـجـزر وكـذلـك شـدّة الـحـرارة والـرّطـوبـة هـمـا الـسّـبـبـان الـرّئـيـسـيـان لـلأوبـئـة الّـتي تـصـيـب الـمـديـنـة. ويـنـبـغي أن نـضـيـف إلـيـهـمـا سـبـبـاً ثـالـثـاً هـو لا مـبـالاة الـسّـلـطـات الـتّـركـيـة وإهـمـالـهـا، فـقـد حـطّـمـت الـمـيـاه الـسّـدود شـمـال الـمـديـنـة مـنـذ حـوالي سـتـيـن سـنّـة وطـفـحـت في الـسّـهـول لـتـشـكّـل مـسـتـنـقـعـات شـاسـعـة تـعـيـد مـلأهـا كـلّ عـام فـيـضـانـات الـنّـهـر. ومـنـذ زمـن الـضّـر ذلـك عـمّـت الـحـمى طـيـلـة الـسّـنـة مـهـلـكـة كـثـيـراً مـن أهـل الـبـصـرة وقـراهـا”.

مـلابـس أهـل الـبـصـرة :

ج.ديولافوا 26

“وإن كـانـت الـسّـيـدات الـمـسـيـحـيـات قـد تـركـن جـزءاً مـن ثـيـابـهـنّ الـتّـقـلـيـديـة وتـبـنـيـن الـمـودات الإفـرنـجـيـة فـإنّ رجـالـهـنّ ضـحّـوا تـمـام الـتّـضـحـيـة بـمـلابـسـهـم الـشّـرقـيـة، فـقـد ارتـدوا جـمـيـعـهـم بـنـاطـيـل (بـنـطـرونـات) بـألـوان رصـاصـيـة مـصـفـرّة تـقـتـرب مـن الأحـمـر الـبـنـفـسـجي وسـتـرات شـديـدة الـقـبـح خـيـطـت في قـمـاش يـصـعـب عـلى الـعـيـن تـحـديـد ألـوانـهـا. وهـم يـفـقـدون في ارتـدائـهـم لـهـا الـهـيـبـة والـوقـار الّـتي تـضـفـيـهـا عـلى الـمـسـلـمـيـن الـعـبـاءات الـبـنّـيـة الألـوان أو الـقـهـوائـيـة الـمـخـطـطـة بـخـيـوط الـذّهـب أو بـالـحـريـر وقـطـع الـقـمـاش الـزّاهـيـة الألـوان الّـتي تـغـطي رؤوسـهـم تـحـيـطـهـا عُـقُـل مـن وبـر الـجـمـال أو جـدائـل مـن الـصـوف لـفّـت عـلـيـهـا  خـيـوط مـن الـفـضّـة”.

وكـتـبـت في 6 كـانـون الأوّل عـن تـركـهـمـا لـلـبـصـرة بـعـد أن أصـيـبـا بـحـمـى ألـزمـتـهـمـا الـفـراش: “وهـنـاك خـدمـتـان لـبـواخـر تـربـط الـبـصـرة بـبـغـداد. أولاهـمـا أنـشـأتـهـا شـركـة لِـنـتـش (بـيـت لـنـج) Linch  (والـصـحـيـح أنّ اسـمـهـا يـكـتـب Lynch ) الـلـنـدنـيـة وتـسـيـر أسـبـوعـيـاً بـدون تـأخـيـر. ورغـم أن بـواخـرهـا بـسـيـطـة الـتّـأثـيـث فـهي نـظـيـفـة بـالـقـدر الّـذي تـسـمـح بـه عـادات الـمـسـافـريـن الّـذيـن اعـتـادوا عـلى الـطّـبـخ فـوق الـبـاخـرة، والـثّـانـيـة تـمـلـكـهـا الإدارة الـتّـركـيـة وتـسـيـر مـرّتـيـن في الـشّـهـر. وقـد أسـرعـنـا بـحـجـز مـكـانـيـن عـلى سـفـيـنـة تـركـيـة اسـمـهـا “الـمـوصـل” سـتـغـادر الـبـصـرة هـذا الـصّـبـاح بـتـأخّـر أسـبـوع كـامـل”.

وعـنـدمـا وصـلـت الـقـرنـة صـوّرت فـيـهـا مـنـظـراً مـدهـشـاً :

ج. ديولافوا 20

طـاق كـسـرى :

10 كـانـون الأوّل

ومـن الـسّـفـيـنـة “الـمـوصـل” ذهـبـت مـدام ديـولافـوا مـع زوجـهـا بـقـارب إلى ضـفـة الـنّـهـر لـرؤيـة الـطّـاق، وكـان يـحـيـطـه جـنـاحـاه، قـبـل أن يـنـهـار جـنـاحـه الأيـمـن في يـوم 15 نـيـسـان مـن عـام 1887 :

“شـيّـد طـاق كـسـرى بـأكـمـلـه بـالـطّـابـوق الـسّـمـيـك. واجـهـتـه طـولـهـا 91 مـتـراً وارتـفـاعـهـا 35 مـتـراً، وهي مـسـتـطـيـل هـائـل تـنـفـتـح في وسـطـه قـاعـة مـعـقـودة الـسّـقـف عـرضـهـا 35 مـتـراً. ويـصـل ارتـفـاع هـذه الـقـاعـة الـرّئـيـسـيـة إلى قـمّـة الـبـنـايـة ولـهـذا أطـلـق أهـل الـبـلـد عـلـيـهـا كـلّـهـا “طـاق كـسـرى  Tag Kesra”. وكـان عـلى يـمـيـن هـذه الـقـاعـة وعـلى يـسـارهـا أروقـة تـحـاذيـهـا، كـانـت ولا شـكّ مـخـصـصـة لـلـحـرس ولـلـحـاشـيـة وكـتّـاب الـبـلاط”.

بـغـداد :

ج. ديولافوا 15

” 12 كـانـون الأوّل

وصـلـت سـفـيـنـتـنـا إلى بـغـداد. نـهـضـت في الـفـجـر وفـتـحـت الـبـاب. ومـا أشـدّ مـا كـانـت دهـشـتي عـنـدمـا رأيـت طـبـقـة نـحـيـلـة مـن الـصّـقـيـع تـغـطي خـشـب أرضـيـة الـسّـفـيـنـة وأقـفـاص الـدّجـاج. هـا قـد أتى أوّل صـقـيـع الـشّـتـاء الأبـيـض. مـا أروع طـقـس الـشّـرق ! فـالـشّـتـاء هـنـا لا يـغـطي الأرض بـثـوب الـحـزن. وهـو لا يـغـيّـر إلّا بـالـكـاد مـظـهـر الـطّـبـيـعـة  : وقـد بـدا لي صـقـيـع بـغـداد في وسـط خـضـرة الأشـجـار وكـأنـنـا في ربـيـع مـسـتـمـر.

وقـلـيـلاً فـقـلـيـلاً أشـرقـت الـشّـمـس وأضـاءت الـسّـمـاء ورأيـت عـلى الـضّـفـة الـيـمـنى بـنـايـات الـسّـراي والـقـشـلـة وقـبـاب الـجـوامـع مـن الآجـر الـمـزجـج الّـتي سـرعـان مـا غـطـتـهـا بـقـع صـغـيـرة سـوداء : حـمـام لا يـحـصى ولا يـعـد يـحـطّ عـلـيـهـا لـيـجـفـف ريـشـه حـالـمـا تـرتـفـع الـشّـمـس. وأبـصـرت بـالـمـنـائـر الـمـمـشـوقـة الّـتي تـضـاهي الـنّـخـيـل الـبـاسـقـة حـولـهـا سـمـوّاً نـحـو الـسّـمـاء، والـمـدرسـة [الـمـسـتـنـصـريـة] وبـنـايـات الـجـمـارك الـجـمـيـلـة الّـتي بـدأ يـمـرّ أمـامـهـا يـهـود وأرمـن وعـرب بـمـلابـسـهـم الـكـثـيـرة الألـوان. وأخـيـراً في شـمـال رصـيـف الـمـيـنـاء لـمـحـت في وسـط ضـبـاب دجـلـة حـدائـق رائـعـة الـجـمـال في وسـطـهـا دار الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة. وكـانـت الـطّـبـيـعـة عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة أكـثـر خـضـرة”.

Dieulafoy 34

وتـصـف دار الـقـنـصـلـيـة الـفـرنـسـيـة في بـغـداد :

“شـيّـد دار الـقـنـصـلـيـة بـغـداديـون لـيـسـكـنـهـا بـغـداديـون. وفي وسـط درب ضـيّـق [= دربـونـة] يـنـتـصـب جـدار عـالٍ لا فـتـحـة فـيـه إلّا بـاب يـسـمـح  بـالـكـاد لـفـارس أن يـمـرّ فـيـه عـلى فـرسـه. وبـعـد أن يـمـرّ الـمـرء بـالـمـدخـل يـصـل إلى رواق يـقـيـم فـيـه الـحـرس (الـخـواص  cawas)  الّـذيـن عـهـد إلـيـهـم بـحـمـايـة الـقـنـصـل ومـصـاحـبـتـه في تـنـقّـلاتـه. ويـقـومـون أيـضـاً بـالـتّـسـوق وجـلـب الـضّـروريـات. ونـصـل بـعـدهـا إلى حـوش واسـع تـنـفـتـح عـلـيـه أبـواب الـمـطـابـخ والإسـطـبـلات ومـحـلاّت الـسّـروج وبـاقي غـرف خـدمـة الـدّار. ومـن بـاب فـتـح في جـانـب مـن الـحـوش نـصـل إلى حـوش ثـاني شـيّـدت حـولـه غـرف الـسّـكـن بـشـنـاشـيـلـهـا وبـنـوافـذهـا الـمـغـطـاة بـقـطـع الأخـشـاب والـزّجـاج الـمـتـشـابـكـة الـمـغـطـاة بـنـسـيـج مـحـبّـك أبـيـض وأحـمـر لـيـحـمي الـدّاخـل مـن حـرارة الـشّـمـس الـمـشـتـدّة في وسـط الـنّـهـار.

مـا قـلـتـه يـخـصّ مـخـطـط الـدّار، أمّـا عـن طـريـقـة تـشـيـيـده فـإنّ قـيـظ الـصّـيـف وقـرّ بـرد الـشّـتـاء يـجـبـران الـسّـاكـنـيـن عـلى تـغـيـيـر أمـاكـنـهـم في كـثـيـر مـن الأحـيـان. وهـم يـشـيـدون دوراً يـجـدون فـيـهـا حـلـولاً لـمـشـاكـل الـطّـقـس أربـع مـرّات في الـسّـنـة : وفي كـلّ الـمـسـاكـن غـرف مـعـقـودة الـسّـقـوف حـفـرت عـلى عـمـق ثـلاثـة أمـتـار أو أربـعـة. وفي هـذه الـغـرفـة الّـتي تـسـمـى (سـرداب  sedab) والّـتي تـشـبـه الـزّيـر زمـيـن  zir zamin عـنـد الـفـرس تـنـزل كـلّ الـعـوائـل الـبـغـداديـة مـنـذ أن يـحـلّ الـرّبـيـع مـع أثـاث الـدّار وكـلّ مـا يـحـتـاجـونـه في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة، فـلـو تـركـوا الأثـاث الـخـشـبي في خـارج الـسّـرداب لأكـلـه الـعـث وتـسـاقـط مـن شـدّة الـحـرّ. وعـنـدمـا تـرتـفـع درجـات الـحـرارة يـنـزل الـنّـاس بـسـرعـة في الـسّـراديـب الّـتي يـتـغـيـر الـهـواء فـيـهـا مـارّاً بـالـبـادكـيـر  badguird (وهي الـمـلـقـفـات)، ولا يـخـرجـون مـنـهـا إلّا في الأصـيـل لـيـتـنـفـسـوا هـواءً خـانـق الـحـرارة، فـدرجـات الـحـرارة لا تـهـبـط إلّا قـلـيـلاً بـغـد غـروب الـشّـمـس”.

فـصـول الـسّـنـة الـبـغـداديـة :

ج. يولافوا 9

رغـم قـصـر الـفـتـرة الّـتي أقـامـت فـيـهـا ديـولافـوا في بـغـداد، فـهي تـتـكـلّـم عـن الـطّـقـس في هـذه الـمـديـنـة وعـن تـعـاقـب فـصـول الـسّـنـة فـيـهـا كـمـا لـو كـانـت قـد عـاشـت فـيـهـا سـنـوات طـويـلـة. وهي ولا شـكّ قـد سـجّـلـت مـا سـمـعـتـه مـن الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـت بـهـم ونـقـلـتـه عـنـهـم بـكـلّ نـواقـصـه ومـبـالـغـاتـه :

“والـمـديـنـة مـيّـتـة لا حـركـة فـيـهـا في الـنّـهـار ولـكـنّـهـا تـعـود إلى الـحـيـاة في الـمـغـرب، فـتـجـتـمـع الـنّـسـاء ويـتـزاورن مـتـنـقـلات مـن سـطـح إلى سـطـح، ويـقـضـيـن الـلـيـل في الـثّـرثـرة وهـنّ يـدخـنّ ويـشـربـن الـشـربـت  cherbet. وهـنّ مـجـبـرات، لـيـتـحـاشـيـن الـبـعـوض، عـلى إطـفـاء الأضـواء والـبـقـاء في الـظـلام. ويـجـبـرهـنّ فـصـل الـقـيـظ عـلى فـراغ مـمـل. ويـنـزل الـجـمـيـع في الـفـجـر إلى الـسّـرداب لـيـقـضـوا الـنّـهـار في خـمـود وركـود يـصـيـبـان حـتّى أنـشـط الـنّـاس مـنـهـم.

وعـنـدمـا يـحـلّ الـبـرد يـصـعـد الـنّـاس إلى غـرف الـطّـابـق الأوّل، ورغـم أنّـهـم يـوقـدون الـنّـار في الـمـواقـد فـهـم يـظـلـون يـرتـجـفـون مـن شـدّة الـبـرد وخـاصـة بـعـد أن أضـعـفـتـهـم شـدّة الـحـرّ واسـتـنـزفـت حـيـويـتـهـم.

ج. ديولافوا 3

ولـيـسـت حـال نـسـاء بـغـداد بـأفـضـل في الـشّـتـاء مـنـهـا في الـصّـيـف فـالـطّـرقـات الـضّـيّـقـة  تـتـحـول إلى مـسـتـنـقـعـات وحـول يـصـعـب عـبـورهـا بـتـنّـورات أوربـيـة، وتـغـطـيـهـا قـاذورات مـن كـلّ الأنـواع تـوصـلـهـا أنـابـيـب إلى بـلالـيـع مـفـتـوحـة لـيـس عـلـيـهـا أغـطـيـة حـفـرت أمـام كـلّ دار. وعـنـدمـا تـمـطـر الـسّـمـاء مـدّة طـويـلـة تـمـتـلئ الـبـالـوعـة وتـنـسـكـب أنـابـيـب الـقـاذورات مـبـاشـرة في الـطّـرقـات. والـرّجـال أنـفـسـهـم لا يـخـرجـون في الـمـسـاء إلّا ويـتـقـدمـهـم خـدم يـحـمـلـون مـشـاعـل عـلى ارتـفـاع عـشـريـن سـنـتـمـتـراً مـن الأرض (لـتـنـيـر لـهـم الـدّروب الـمـلـيـئـة بـالـحـفـر والـوحـول). ولا عـجـب في أنّ الـطّـاعـون يـتـفـشى في الـمـديـنـة في هـذا الـفـصـل الـسّئ مـن الـسّـنـة ويـدوم حـتّى أيّـار أو حـزيـران، وعـنـدهـا يـشـتـد الـحـرّ إلى درجـة تـقـتـل الـوبـاء.

والـفـصـل الـوحـيـد الّـذي رحـم الله بـه أهـل بـغـداد الـمـسـاكـيـن هـو الـخـريـف، لـيـخـفـف عـنـهـم عـيـش الـقـهـر والـضّـنـك الّـذي فـرض عـلـيـهـم في ثـلاثـة أربـاع الـسّـنـة الـبـاقـيـة. فـمـازال الـجـو مـعـتـدلاً ومـشـمـسـاً، لا أمـطـار فـيـه ولا عـواصـف.

وتـغـتـنـم الـعـوائـل الـمـيـسـورة الـحـال عـذوبـة الـطّـقـس لـتـضـرب خـيـامـهـا في سـهـول طـيـسـفـون وسـلـوقـيـة.(3) وأحـبّ هـوايـاتـهـم في هـذه الـفـتـرة صـيـد الـخـنـازيـر الـبـرّيـة، وهـو صـيـد شـديـد الإثـارة ولـكـنّـه بـالـغ الـخـطـورة. وغـالـبـاً مـا تـصـيـب الأوربـيـيـن مـن مـطـاردة الـحـيـوان بـالـرّمـاح الّـتي تـرمى عـلـيـه عـلى أرض مـتـعـرجـة مـلـيـئـة بـالـحـفـر جـراح وأضـرار بـالـغـة. ولا تـحـضـر الـنّـسـاء في الـغـالـب هـذا الـصّـيـد الـمـلئ بـالـمـخـاطـر ويـكـتـفـيـن بـإطـلاق الـنّـار عـلى طـائـر الـحـجـل أو عـلى طـيـور الـمـاء الّـتي تـعـج بـهـا ضـفـاف دجـلـة.

ومـا أشـد خـيـبـة أمـل الـمـوظـفـيـن [الأوربـيـيـن] الـمـسـاكـيـن الّـذيـن حـكـم عـلـيـهـم بـالـعـيـش في هـذا الـبـلـد بـعـد أن تـعـوّدوا عـلى تـخـيّـل سـحـره مـن خـلال قـراءتـهـم لـحـكـايـات ألـف لـيـلـة ولـيـلـة ! “.

تـرامـواي الـكـاظـمـيـة :

“ركـبـنـا في الـضّـفـة الـيـمـنى مـن الـنـهـر الـتّـرمـواي الّـذي يـنـبـغي أن يـوصـلـنـا، حـسـب مـا هـو مـكـتـوب، إلى الـكـاظـمـيـن خـلال ربـع سـاعـة أو عـشـريـن دقـيـقـة. ولـكـنّـه تـوقّـف في وسـط الـطّـريـق وطـلـب مـنّـا الـمـسـؤول أن نـنـزل، وأخـبـرنـا بـبـطء شـرقي وخـمـول أنّ الـعـربـة سـتـسـقـط مـن عـلى سـكـتـهـا. وتـنـعـطـف الـسّـكّـة في هـذا الـجـزء مـنـهـا انـعـطـافـة قـوّيـة.

وقـد انـخـسـفـت الأرض تـحـت الـسّـكّـة إلى درجـة أنّ الـعـربـة لـو اسـتـمـرت في مـسـيـرهـا لانـقـذفـت مـنـهـا وسـقـطـت عـلى جـانـبـهـا. وهـذه الـحـالـة تـدوم مـنـذ ثـمـانـيـة عـشـر شـهـراً. فـهـل تـعـتـقـدون أنّ الأتـراك حـاولـوا خـلال هـذه الـسّـنـة والـنّـصـف أن يـصـلـحـوا خـلـل الـسّـكّـة ؟

وبـدلاً مـن ذلـك، وضـعـت الـشّـركـة بـجـانـب الـجـزء الّـذي يـنـبـغي تـصـلـيـحـه عـدداً مـن الـحـمـالـيـن hammals :  وعـنـدمـا تـصـلّ عـربـة يـنـزل مـنـهـا الـرّكّـاب، ويـرفـع الـحـمـالـون الـعـربـة فـوق الـسّـكّـة. ولأنّ الـمـسـافـة بـيـن بـغـداد والـكـاظـمـيـة لا تـتـجـاوز أربـعـة كـيـلـومـتـرات، ولأنّ الـرّكـاب يـضـيـعـون ربـع سـاعـة مـن وقـتـهـم كـلـمـا وصـلـوا إلى هـذا الـجـزء مـن الـسّـكـة، فـقـد بـدأ الـنّـاس يـفـضـلـون قـطـع الـمـسـافـة عـلى أقـدامـهـم بـدلاً مـن ركـوب الـتّـرام.

وأعـتـقـد أن سـاعـتـيـن مـن الـعـمـل كـانـت سـتـكـفي لـردم جـزء الأرض الّـذي انـخـسـف تـحـت الـسّـكـة لـكي تـثّـبـت تـثـبـيـتـاً مـتـيـنـاً !”.

وبـعـد كـلّ هـذا الـجـهـد لـم تـسـتـطـع جَـيـن الـدّخـول “جـامـع الإمـام مـوسى

la mosquée de l’imam Moussa”. وعـنـدمـا قـصّـت مـغـامـراتـهـا عـلى مـهـنـدس الـولايـة الـفـرنـسي، مـسـيـو مـوجِـل Mougel، وعـدهـا أن يـبـعـث لـهـا في الـغـد بـصـورة الـجـامـع الّـتي كـان قـد الـتـقـطـهـا قـبـل ذلـك. فـقـد اسـتـطـاع الـدّخـول فـيـه، رغـم أنّـه كـان مـسـيـحـيـاً، لـيـنـصـب سـاعـة جـديـدة في حـوشـه، واغـتـنـم الـفـرصـة لـيـنـصـب آلـة تـصـويـره عـلى سـطـح يـطـلّ عـلى الـحـوش. وطـبـعـاً فـقـد أرسـل لـهـا بـالـصّـورة في الـيـوم الـتّـالي.

ج. ديولافوا 4

وقـد زارت مـدام ديـولافـوا مـقـابـر الـكـرخ و”قـبـر الـسّـت زبـيـدة” الّـذي هـو في الـحـقـيـقـة قـبـر زمـرد خـاتـون، زوجـة الـمـسـتـضئ بـالله ووالـدة الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله :

ج. ديولافوا 1

وصـوّرت ضـريـح الـشّـيـخ عـمـر الـسّـهـروردي :

ج. ديولافوا 11

وجـامـع الـشّـيـخ عـبـد الـقـادر الـجـيـلاني:

ج. ديولافوا 10

وجـامـع الـمـيـدان :

ج. ديولافوا 7

وأبـدت إعـجـابـهـا بـالـعـبـقـريـة الـمـعـمـاريـة لـمـن شـيّـدوا خـان مـرجـان الّـذي ذكـرتـه بـاسـم خـان الأورتـمـة (أي الـخـان الـمـغـطى) كـمـا كـان مـعـروفـاً في ذلـك الـزّمـن :

Dieulafoy 20

ووضـعـت صـورة لـبـغـداد الـتـقـطـت مـن فـوق سـطـح الـخـان :

Dieulafoy 21

ثـمّ ذكـرت : “وعـلى بـعـد خـطـوات مـن الـخـان مـا زالـت تـنـتـصـب مـنـارة سـوق الـغـزل الـرّائـعـة الـجـمـال بـمـئـذنـتـهـا الـمـحـاطـة بـالـمـقـرنـصـات والّـتي تـمـثّـل عـلى كـلّ خـصـائـص فـنّ الـقـرن الـثّـاني عـشـر” :

Dieulafoy 22

وقـريـبـاً مـنـهـا تـنـتـصـب بـنـايـة مـدرسـة [الـمـدرسـة الـمـسـتـنـصـريـة] الّـتي تـحـولـت إلى مـخـازن لـلـجـمـارك والـمـشـهـورة بـنـقـوشـهـا الـمـكـتـوبـة بـخـط بـديـع :

Dieulafoy 23

ثـمّ تـكـلّـمـت عـن أسـواق بـغـداد، وكـتـبـت في 20 كـانـون الأوّل :

“هـاجـت بـغـداد ومـاجـت فـقـد احـتـرق جـزء مـن الـسّـوق في الـلـيـل. وقـد أطـفـئـت الـنّـيـران بـسـرعـة بـطـريـقـة عـجـيـبـة، وأنـقـذت الـدّكـاكـيـن مـن الـلـهـب ومـن نـهـب الـلـصـوص : فـمـا أن بـدأ الـحـريـق حـتّى تـسـارع الـتّـجّـار بـالـصّـعـود فـوق الـسّـطـوح وكـسّـروا بـالـفـؤوس الـسّـقـوف الـخـشـبـيـة الـمـغـطـاة بـالـتّـراب والّـتي تـحـمى أزقّـة الـسّـوق الـمـمـتـدّة بـيـن الـدّكـاكـيـن مـن حـرارة أشـعـة الـشّـمـس. وانـطـفـأت الـنّـار بـسـقـوط هـذه الـسّـقـوف الـمـغـطـاة بـالـتّـراب عـلـيـهـا. وسـيـنـتـظـر الـتّـجّـار يـومـيـن أو ثـلاثـة لـيـتـأكّـدوا مـن انـطـفـاء مـا يـمـكـن أن يـكـون قـد بـقي مـن جـمـر تـحـت الأنـقـاض، ثـمّ سـيـزيـلـون أكـوام الـخـشـب والـتّـراب ويـنـظّـفـون الأزقّـة، وسـيـعـيـدون تـشـيـيـد الـسّـقـوف ويـفـتـحـون دكـاكـيـنـهـم الّـتي لـم تـصـبـهـا الأضـرار”.

وتـعـجـبّـت مـن ضـخـامـة أسـمـاك دجـلـة :

أسماك بغداد

ووضـعـت جَـيـن ديـولافـوا رسـمـيـن لـبـاب الـطّـلـسـم والـمـنـحـوتـه الّـتي كـانـت تـحـيـطـه. وكـان بـاب الـطّـلـسـم أحـد أبـواب سـور بـغـداد، وبـقي مـنـتـصـبـاً حـتّى يـوم 11 آذار 1917 (4):

ولأنّ جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا لـم يـسـتـطـيـعـا الـذّهـاب لـرؤيـة قـصـور الـمـلـوك الآشـوريـيـن في نـيـنـوى ومـا حـولـهـا “لـبـعـدهـا الـشّـديـد” عـن بـغـداد، فـقـد قـررا الـسّـفـر إلى بـابـل في يـوم 14 كـانـون الأوّل 1881.

ولاحـظـت جَـيـن أنّـهـم حـالـمـا ابـتـعـدوا عـن بـغـداد تـحـوّلـت الـطّـبـيـعـة إلى فـيـافي قـاحـلـة، ورأت “آثـار قـنـوات كـانـت تـخـصّـب هـذه الأراضي في الأزمـان الـقـديـمـة، مـا زلـنـا نـرى مـنـهـا بـقـايـا سـدود تـهـدّمـت”. ولـكي تـثـبـت أنّ تـرك الـرّي وإهـمـال الـزّراعـة لـم يـبـدأ إلّا في الـفـتـرات الأخـيـرة فـقـد اسـتـشـهـدت بـمـا ذكـره الـرّحـالـة الأنـدلـسي ابـن جـبـيـر الّـذي زار الـعـراق في الـقـرن الـثّـاني عـشـر بـعـد الـمـيـلاد :”والـطّـريـق مـن الـحـلّـة إلى بـغـداد أحـسـن طـريـق وأجـمـلـهـا، في بـسـائـط مـن الأرض وعـمـائـر، تـتّـصـل بـهـا الـقـرى يـمـيـنـاً وشـمـالاً […] والأمـن فـيـهـا مـتّـصـل”. (5) وأوصـلـهـا هـذا إلى اسـتـنـتـاج غـريـب: “وهـكـذا نـرى أنّ الـمـسـلـمـيـن بـعـد وصـولـهـم إلى هـذه الأراضي سـرعـان مـا حـوّلـوا ثـرواتـهـا الـهـائـلـة إلى عـدم”.

ويـبـدو لـنـا لأوّل وهـلـة أنّ جـهـلـهـا بـتـاريـخ الـمـنـطـقـة كـان شـديـداً إلى درجـة أنّـهـا لـم تـدرك أنّ ابـن جـبـيـر كـان مـسـلـمـاً هـو نـفـسـه، وتـكـلّـم عـن الـمـنـطـقـة بـعـد خـمـسـة قـرون عـلى وصـول الـمـسـلـمـيـن إلـيـهـا. ولـكـن الـمـسـلـمـيـن الّـذيـن تـقـصـدهـم هـنـا هـم الأتـراك الّـذيـن كـانـت تـكـرهـهـم كـراهـيـة شـديـدة وانـتـقـدتـهـم في كـلّ مـا لـم يـعـجـبـهـا.

وصـوّرت نـهـر الـفـرات عـنـد مـروره بـالـحـلّـة :

Dieulafoy 26

ووصـلـت مـع مـصـاحـبـيـهـا إلى بـابـل بـعـد يـومـيـن مـن مـغـادرتـهـم لـبـغـداد. وكـانـت خـيـبـة أمـلـهـا بـالـغـة فـقـد : “اخـتـرقـتُ الـمـديـنـة مـن غـيـر أن أنـتـبـه إلى وجـودهـا !”. وعـلـيـنـا أن نـشـيـر هـنـا إلى قـلّـة الـمـعـلـومـات عـن الـمـوقـع في زمـنـهـا فـلـم تـبـدأ الـتّـنـقـيـبـات الـجـدّيـة إلّا بـالـبـعـثـات الألـمـانـيـة في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

Dieulafoy 29

وهي تـصـف لـنـا حـال الـحـفـريـات في زمـنـهـا : “تـحـفـر إنـكـلـتـرة الأرض وتـقـلّـبـهـا مـنـذ سـنـوات في مـوقـع قـصـر نـبـوخـذ نـصـر. ويـأتي هـنـا كـلّ عـام مـسـؤول مـن الـمـتـحـف الـبـريـطـاني لـيـراقـب الـتّـنـقـيـبـات، ولـكـنّ مـراقـبـة الـمـوقـع الـيـومـيـة عـهـد بـهـا إلى أرمـني. وقـد أخـذنـا إلـيـه دلـيـلـنـا. وأرانـا هـذا الـرّجـل مـا وجـده في حـفـريـاتـه، فـقـد عـثـر عـمّـالـه مـنـذ سـتّـة أشـهـر عـلى ألـواح صـلـصـال عـلـيـهـا نـصـوص مـسـمـاريـة، وكـسـر لـمـنـحـوتـات تـمـثّـل حـيـوانـات ألـيـفـة، وعـلى أواني مـن الـعـقـيـق وعـلى تـمـاثـيـل مـن الـصـلـصـال بـأسـلـوب إغـريـقي أصـيـل”.

ونـفـهـم مـن هـذا أنّ الأرمـني كـان قـد وصـل إلى الـطّـبـقـة الـسّـلـوقـيـة  (6) مـن الـمـوقـع، وهي طـبـقـة حـديـثـة لا يـعـود تـاريـخـهـا إلى أقـدم مـن الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد.  أمّـا الـمـسـؤول فـقـد كـان والـيـس بـدج  Wallis BUDGE الّـذي بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـنـذ عـام 1877 لـيـنـقّـب في بـابـل. وهـذا الـمـقـطـع بـالـغ الأهـمـيـة لأنـنـا نـرى مـن خـلالـه طـرق “الـتّـنـقـيـبـات” في تـلـك الـفـتـرة.

وتـفـحـصـت “أسـد بـابـل” الّـذي وصـفـتـه : “أسـد مـن حـجـر الـبـازلـت بـصـنـعـة بدائـيـة، شـديـدة الـبـربـريـة”  :

Dieulafoy 30

ووصـلـت جّـيـن مـع مـصـاحـبـيـهـا إلى كـربـلاء 20 كـانـون الأوّل. وبـعـد أن سـمـح لـهـم بـدخـول الـمـديـنـة وقـضـاء الـلـيـل فـيـهـا : “صـعـدتُ إلى الـسّـطـوح، مـكـاني الـمـعـتـاد الّـذي أنـظـر مـنـه. واسـتـطـعـت أخـيـراً أن أبـصـر بـالـمـديـنـة بـكـامـلـهـا. تـنـتـصـب عـلى يـسـاري قـبّـة ضـريـح الـحـسـيـن ومـنـائـره الـمـطـلـيّـة بـالـذّهـب، وعـلى يـمـيـني قـبّـة مـن الآجـر الأزرق الـفـيـروزي، شـيّـدت ولا شـكّ في زمـن أواخـر الـصّـفـويـيـن”.

Dieulafoy 33

ولـم يـسـمـح لـهـم بـأكـثـر مـن ذلـك، فـتـركـوا الـمـديـنـة وعـادوا إلى بـغـداد الّـتي وصـلـوهـا في 22 كـانـون الأوّل.

ثـمّ غـادروا بـغـداد بـعـد ظـهـر يـوم 26 كـانـون الأوّل نـحـو طـيـسـفـون / الـمـدائـن (سـلـمـان بـاك)، وتـأمّـلـت جَـيـن الـفـلاحـيـن يـبـذرون الـشّـعـيـر. وقـضـوا يـومـيـن يـتـفـحّـصـون الـطّـاق بـجـنـاحـيـه (قـبـل أن يـنـهـار جـنـاحـه الأيـمـن عـام 1887) وبـقـايـا الـقـصـر وآثـار الـمـديـنـة الـسّـاسـانـيـة الّـتي كـانـت تـحـيـطـه، وعـبـروا الـنّـهـر لـيـتـفـحّـصـوا بـقـايـا مـديـنـة “سـلـوقـيـة دجـلـة”.

وركـبـوا في 28 كـانـون الأوّل الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة “الـخـلـيـفـة  The Khalifah” (الّـتي كـتـبـتـهـا  Khalifé) نـحـو الـبـصـرة. وكـانـت شـركـة الإخـوة لِـنـتـش (بـيـت لـنـج) The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company قـد اشـتـرت هـذه الـسّـفـيـنـة عـام 1880 وسـيّـرتـهـا عـلى نـهـر دجـلـة بـيـن بـغـداد والـبـصـرة.

ووصـلـوا إلى الـعـمـارة في الأوّل مـن شـهـر كـانـون الـثّـاني 1882،

Dieulafoy 35

وأقـامـوا عـنـد تـاجـر مـسـيـحي اسـمـه عـيـسى قـصّ عـلـيـهـم قـصـصـاً غـريـبـة عـن قـبـيـلـة بـني لام نـقـلـتـهـا جَـيـن ديـولافـوا كـمـا سـمـعـتـهـا ! وحـضـرت مـع زوجـهـا قـدّاسـاً في كـنـيـسـة كـانـت قـد شـيّـدتـهـا الـجـالـيـة الـمـسـيـحـيـة الـكـثـيـرة الأعـداد في الـعـمـارة.

ولـم يـغـادروا الـعـمـارة إلّا في الـسّـابـع مـن كـانـون الـثّـاني مـتّـجـهـيـن نـحـو مـضـارب دويـرج  Douéridj. ومـرّوا بـأطـراف الأهـوار، وقـضـوا لـيـلـة رهـيـبـة تـحت الأمـطـار في الـرّيـاح الـعـاصـفـة:

Dieulafoy 36

ثـمّ اسـتـضـافـهـم شـيـوخ بـني لام  Beni Laam.  وسـجّـلـت جّـيـن ديـولافـوا مـلاحـظـات مـفـصّـلـة عـن طـرق مـعـيـشـتـهـم.

Dieulafoy 31

واتـجـهـت مـع مـصـاحـبـيـهـا في 11 كـانـون الـثّـاني نـحـو دزفـول، قـرب مـديـنـة شـوش في جـنـوب غـرب إيـران.

وهـكـذا انـتـهـت سـفـرة جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا مـارسـيـل في ولايـتَي الـبـصـرة وبـغـداد والّـتي دامـت أقـلّ مـن شـهـريـن .

مـلـحـق

أعـادت دار نـشـر فـيـبـوس Phébus الـبـاريـسـيـة عـام 1990 إصـدار الـكـتـاب في سـلـسـلـة كـتـب جـيـب (بـالـقـطـع الـصّـغـيـر) خـصـصـتـهـا لـسـرديـات الـرّحـلات، وهي تـلاقي نـجـاحـاً كـبـيـراً ونـجـدهـا في كـلّ الـمـكـتـبـات في كـلّ أنـحـاء فـرنـسـا.

ونـشـرت هـذا الـكـتـاب بـجـزئـيـن عـنـوّنـت ثـانـيـه : “الـشّـرق تـحـت الـحـجـاب، مـن شـيـراز إلى بـغـداد 1881ــ1882

L’Orient sous le voile, de Chiraz à Bagdad 1881-1882”.

ووضـعـت فـيـه عـدّة صـور مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا.

وقـد أعـيـد طـبـع الـكـتـاب عـدّة مـرّات مـنـذ ذلـك الـحـيـن، وبـيـعـت مـنـه نـسـخ لا تـعـدّ ولا تـحـصى. ولا يـحـتـوى الـكـتـاب في طـبـعـتـه الـشّـعـبـيـة هـذه إلّا عـلى نـصّ الـسّـرد، فـلـم يـتـكـلّـف الـنّـاشـر عـنـاء كـتـابـة مـقـدمـة لـه ولا هـوامـش لـتـصـحـيـح أخـطـائـه ولا حـتّى بـيـان الـسّـيـاق الـتّـاريـخي الّـذي كـتـب فـيـه. ويـقـرأه الـقـارئ الـحـديـث كـمـلاحـظـات شـاهـدة عـيـان عـن الـعـراق، ويـسـتـقي فـيـه مـعـرفـتـه عـنّـا !

Dieulafoy

ـــــــــ

(1)  “رحـلـة مـدام ديـولافـوا مـن الـمـحـمّـرة إلى الـبـصـرة وبـغـداد 1299 هـ. 1881 م.” تـرجـمـة عـلي الـبـصـري ، وتـقـديـم مـصـطـفى جـواد، بـغـداد 1958. وصـدرت لـهـا طـبـعـة جـديـدة عـن الـدّار الـعـربـيـة لـلـمـوسـوعـات عـام 2007.

(2) تـقـصـد بـهـا مـديـنـة الـبـنـدقـيـة Venezia في إيـطـالـيـا.  أمّـا عـن مـدار الـسّـرطـان فـهـو في الـحـقـيـقـة يـمـرّ  جـنـوب الـخـلـيـج، بـعـيـداً عـن الـعـشّـار.

(3) في الـمـدائـن أي سـلـمـان بـاك قـرب طـاق كـسـرى.

(4) عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرت الـقـوات الـعـثـمانـيـة بـرج بـاب الـطّـلـسـم قـبـل انـســحـابـهـا مـن الـمـديـنـة.  وكـان الـبـرج قـد اسـتـعـمـل لـخـزن بارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد، فـتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجارة بـعـد انـفـجـار الـبـارود الـمـخـزون. ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

(5) أنـظـر مـقـالي : الـعـراقـيـون كـمـا رآهـم الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر

(6) أنـظـر مـقـالي : عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وجـدت في كـتـاب نـشـره الـمـؤرخ الـبـريـطـاني فـيـلـيـب مـانـسـل  Philip MANSEL  صـورة لـعـبـد الإلـه، الـوصي عـلى عـرش الـعـراق، في نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة.(1)  كـمـا أنّ الـكـاتـب ذكـر مـعـلـومـات كـثـيـرة عـن إنـشـاء هـذا الـنّـادي في عـام 1943.

وقـد أكّـد فـيـلـيـب مـانـسـل عـلى أنّـه اسـتـطـاع الإطّـلاع عـلى وثـائـق الأرشـيـفـات الـبـريـطـانـيـة وأعـتـمـد في بـحـثـه عـلى مـا كـتـبـه سـابـقـوه. وأعـتـقـد أنّ تـرجـمـة بـعـض مـا كـتـبـه عـن ذلـك يـمـكـن أن يـضـيـف أشـيـاء جـديـدة عـلى مـعـارفـنـا عـن تـاريـخـنـا الـحـديـث، ويـمـكـن أن يـثـيـر نـقـاشـاً لـتـوضـيـح مـواقـفـنـا مـنـه. وطـبـعـاً فـلـيـس هـنـاك حـقـائـق مـطـلـقـة لا يـمـكـن مـنـاقـشـتـهـا في مـيـدان الـتّـاريـخ … ومـن الـنّـقـاش يـنـبـثـق الـنّـور !

ذكـر فـيـلـيـب مـانـسـل أنّـه بـعـد وفـاة مـلـك الـعـراق غـازي الأوّل في حـادثـة اصـطـدام سـيـارة عـام 1939، إسـتـطـاعـت زوجـتـه، الـمـلـكـة عـالـيـة أن تـفـرض أخـاهـا عـبـد الإلـه كـوصي عـلى ابـنـهـا ولي الـعـهـد فـيـصـل بـن غـازي بـدلاً مـن الأمـيـر زيـد شـقـيـق الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وأكـبـر رجـال الـعـائـلـة سـنّـاً، والّـذي كـان يـنـبـغي أن تـعـهـد إلـيـه الـوصـايـة.

عالية وفيصل

ولـم يـكـن عـبـد الإلـه إلّا في الـسّـادسـة والـعـشـريـن مـن عـمـره. (2)

عبد الإله وفيصل

وكـان عـبـد الإلـه قـد درس في The Victoria College في الإسـكـنـدريـة، وشـغـف بـحـبّ إنـكـلـتـرة والإنـكـلـيـز وعـاداتـهـم وطـرق حـيـاتـهـم “الـرّاقـيـة”. وكـان لـه في بـغـداد عـدد مـن الأصـدقـاء الإنـكـلـيـز الـمـقـرّبـيـن. وحـتّى سـيـارتـه الـ  Rolls-Royce  كـان يـعـتـني بـهـا “فـيـتـرجي” إنـكـلـيـزي !

وكـان أثـاث مـسـكـنـه في قـصـر الـرحـاب إنـكـلـيـزيـاً، تـتـصـدّره صـورة لـلـعـائـلـة الـحـاكـمـة الـبـريـطـانـيـة أهـديـت خـصـيـصـاً لـه. وكـان عـبـد الإلـه قـد شـيّـد هـذا الـقـصـر في بـغـداد عـام 1937 وأسـمـاه “قـصـر الـرّحـاب” بـاسـم الـقـريـة الـصّـغـيـرة في الـحـجـاز الّـتي جـاءت مـنـهـا عـائـلـة جـدّه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة.

كـمـا اشـتـرى عـبـد الإلـه لـعـائـلـتـه الـمـالـكـة شـقـة في ضـواحي لـنـدن لـقـضـاء فـتـرات طـويـلـة فـيـهـا.

وكـان فـيـصـل بـن غـازي عـنـدمـا تـوفي أبـوه في الـرّابـعـة مـن عـمـره، وبـقي في قـصـر الـزّهـور يـسـكـنـه مـع والـدتـه الـمـلـكـة عـالـيـة. فـأحـاطـه خـالـه عـبـد الإلـه، الـوصيّ عـلـيـه بـمـربـيـة ومـشـرفـة ومـسـؤول تـربـيـة جـاءوا مـبـاشـرة مـن إنـكـلـتـرة. ويـبـدو أنّ مـربـيـتـه مـس بـورلانـد Miss Borland الّـتي ظـلّـت تـعـمـل في الـقـصـر فـتـرة طـويـلـة كـان لـهـا عـلـيـه تـأثـيـر شـديـد.

Faisal II

وبـعـثـه الـوصي عـبـد الإلـه بـعـد ذلـك لـيـدرس في إنـكـلـتـرة، إلى سـانـدرويـد Sandroyd أوّلاً، ثـمّ إلى هـارو Harrow.

Faisal at Harrow 1950

ويـبـدو أنّ فـيـصـل بـن غـازي أحـبّ كـلـيـة هـارو الّـتي كـان أبـوه الـمـلـك غـازي قـد ارتـادهـا في صـبـاه وكـرهـهـا كـراهـيـة شـديـدة.

Faysal II 3

وقـد نـمـا دور الإدارة الـبـريـطـانـيـة في تـسـيـيـر شـؤون الـدّولـة خـلال فـتـرة وصـايـة عـبـد الإلـه، بـعـد أن كـان قـد اضـمـحـلّ في فـتـرة حـكـم الـمـلـك غـازي الأوّل. وأصـبـح مـسـتـشـار الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد سـتـيـوارت بـيـروني  Stewart Perowne مـتـسـلّـطـاً إلى حـدّ أنّ بـعـض الـمـراقـبـيـن الـسّـيـاسـيـيـن أسـمـوا الـعـراق بـمـمـلـكـة بـيـروني : “Perownia”.

وفي عـام 1943، أنـشـأ الـوصي عـبـد الإلـه نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة. ووصـلـت كـلاب الـصّـيـد مـن إنـكـلـتـرة بـالـبـاخـرة، وشُـيّـد لـهـا وِجـار قـرب قـصـر الـزّهـور. وكـانـت تـكـالـيـف إطـعـامـهـا والإعـتـنـاء بـهـا تـؤخـذ مـن مـخـصـصـات إطـعـام جـنـود الـجـيـش الـعـراقي !

وكـان الـوصيّ عـبـد الإلـه يـمـارس صـيـد الـثّـعـالـب وبـنـات آوى (كـمـا يـفـعـل الإنـكـلـيـز في ريـفـهـم !)، يـطـاردهـا بـصـحـبـة ضـبـاط الـحـرس الـمـلـكي وضـبـاط الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق.

عبد الإله 4 001

ونـرى في الـصّـورة مـن الـيـسـار إلى الـيـمـيـن : مـسـتـشـار الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد، سـتـيـوارت بـيـروني  Stewart Perowne، والـلـيـوتـنـات كـولـونـيـل جـيـرالـد دي غـاوري Lieutenant- colonel Gerald de Gaurey الّـذي ألّـف بـعـد ذلـك (في 1961) كـتـابـاً عـن الـحـيـاة الـسّـيـاسـيـة في الـعـراق : Three Kings in Baghdad.

أمّـا الـولـد الـصّـغـيـر الّـذي نـراه مـعـهـم وهـو يـداعـب الـكـلـب فـقـد كـان جـيـمـس مـوس الإبـن  James B. Moose Jr.  إبـن الـمـسـؤول عـن الـشـؤون الأمـريـكـيـة في بـغـداد.

ونـرى عـلى يـمـيـن الـصّـورة الـوصي عـبـد الإلـه أنـيـقـاً مـنـتـصـب الـقـامـة في مـلابـس صـيـده الإنـكـلـيـزيـة.

مـلـحـق

وجـدت في الـعـدد الصّـادر في 2 أيّـارــ مايو 1953 مـن مـجـلّـة الـمـصـور الـقـاهـريـة والّـذي يـحـتـوي عـلى مـقـابـلـة أجراهـا حـبـيـب جـامـاتي مـع الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـمـنـاسـبـة ارتـقـائـه عـرش الـعـراق مـقـطـعـاً يـتـكـلّـم عـن هـوايـة الـمـلـك لـلـصّـيـد :

“الـصّـحـفي : وهـل تـجـيـدون الـفـروسـيـة ؟ الـمـلـك : أجـل، ولـكـنّي أتـجـنـب الـسّـرعـة وأنـا عـلى ظـهـر الـحـصـان كـمـا أتـجـنـبـهـا وأنـا في الـسّـيّـارة. […] “الـصّـحـفي : ومـاذا تـفـضّـلـون بـيـن الـحـيـوانـات الألـيـفـة ؟ “الـمـلـك : الـكـلاب … وقـد وصـلـني مـنـهـا أخـيـراً هـذان الـكـلـبـان، هـديـة مـن مـلـك الأفـغـان. وقـال الـمـلـك فـيـصـل إنّـه يـعـنى أيـضـاً بـكـلاب الـصّـيـد، وإنّـه يـخـرج أحـيـانـاً بـتـلـك الـكـلّاب فـيـصـطـاد الـطّـيـور، ولـكـنّـه لا يـصـطـاد عـلى ظـهـور الـخـيـل ولا بـواسـطـة الـصّـقـور …”.

المصور 1953 4 (3)

المصور 1953 2 (4) (562x800) (450x640)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  Philip MANSEL, Sultans in Splendour, London 1988.

(2)  كـان عـبـد الإلـه وأخـتـه الـمـلـكـة عـالـيـة مـن أبـنـاء عـلي بـن الـحـسـيـن. وكـان عـلي قـد تـوّج مـلـكـاً عـلى مـمـلـكـة الـحـجـاز الـهـاشـمـيـة في أواخـر عـام 1924 خـلـفـاً لأبـيـه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة، ولـكـنّ قـوّات آل سـعـود هـزمـتـه في نـهـايـة عـام 1925، فـتـرك مـكّـة إلى الـهـنـد ثـمّ اسـتـقـرّ في بـغـداد، قـرب أخـيـه الـمـلـك فـيـصـل الأوّل حـتّى وفـاتـه سـنـة 1935.

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـرن كـامـل مـضى عـلى دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917، ومـا نـتـج عـن ذلـك مـن تـغــيـيـرات سـيـاسـيـة مـا زلـنـا نـعـاني مـن آثـارهـا، ومـن تـغـيـيـرات جـذريـة في طـرق حـيـاة الـعـراقـيـيـن الـمـاديـة والـفـكـريـة والـثّـقـافـيـة.

بـريـطـانـيـون وعـثـمـانـيـون :

 يـنـبـغي عـلـيـنـا أوّلاً أن نـضـفي مـعـاني واضـحـة ودقـيـقـة عـلى الـكـلـمـات الّـتي نـسـتـعـمـلـهـا في هـذا الـعـرض الـسّـريـع :

فـغـالـبـاً مـا يـسـتـعـمـل الـكـتّـاب والـصـحـفـيـون كـلـمـة “الإنـكـلـيـز” كـمـرادف لـكـلـمـة “الـبـريـطـانـيـيـن”، في حـيـن أنّ “إنـكـلـتـرة” مـمـلـكـة في بـريـطـانـيـا. وبـريـطـانـيـا تـضـمّ أيـضـاً إسـكـتـلـنـدة وإيـرلـنـدة وبـلاد الـويـلـز. والـجـنـود الـبـريـطـانـيـون الّـذيـن احـتـلّـوا الـعـراق قـبـل الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وخـلالـهـا لـم يـكـونـوا إنـكـلـيـزاً فـقـط وإنـمـا جـاءوا مـن كـلّ أرجـاء “بـريـطـانـيـا الـعـظـمى” ومـن “الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة”.

كـمـا يـسـتـعـمـلـون كـلـمـة “الأتـراك” كـمـرادف لـكـلـمـة “الـعـثـمـانـيـيـن” مـع أنّ الأتـراك كـانـوا قـلّـة في أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، وكـانـت أصـول جـنـود “الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة” مـن كـلّ أراضي الـدّولـة ومـن بـيـنـهـا ولايـات الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل.

ونـحـن نـسـتـعـمـل كـلـمـة “الـعـراق” مـع أنّـه لـم يـكـن هـنـاك كـيـان سـيـاسي بـهـذا الإسـم في تـلـك الـحـقـبـة الـزّمـنـيـة، وإنّـمـا كـان هـنـاك ثـلاث ولايـات عـثـمـانـيـة : ولايـات الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل، وكـان يـحـكـمـهـا ولاة “عـثـمـانـيـون”.

الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق :

بـدأت “حـمـلـة بـلاد مـابـيـن الـنّـهـريـن  The Mesopotamian Campaign” عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في 1914، قـبـل أن تـبـدأ الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى (بـدأت الـحـرب يـوم 28 تـمّـوز)، واحـتـلّـت الـبـصـرة وضـفـاف دجـلـة والـفـرات، لـحـمـايـة مـصـالـح شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة ــ الـفـارسـيـة Anglo-Persian Oil Company الّـتي كـانـت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة قـد وقـعـت مـعـهـا عـقـداً لـتـزويـد قـوّاتـهـا الـبـحـريـة بـالـوقـود. وقـد امـتـدّت عـمـلـيـات “الـحـمـايـة” هـذه إلى مـنـطـقـة الأهـوار وأطـراف الـصّـحـراء.

وبـعـد بـدايـة الـحـرب، أرسـل “مـكـتـب الـهـنـد” الـبـريـطـاني قـطـعـات مـسـلّـحـة مـن “جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـاني” لـحـمـايـة عـبـدان وشـطّ الـعـرب. وكـان الـجـيـش الـرّابـع الـعـثـمـاني يـحـمي ولايـة الـبـصـرة الّـتي كـانـت تـابـعـة لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة آنـذاك.

وفي الـخـامـس مـن تـشـريـن الـثّـاني عـام 1914، أعـلـنـت بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا الـحـرب عـلى الـدّولـة الـعـثّـمـانـيـة. وقـد أجـابـت حـكـومـة “جـمـعـيـة الإتـحـاد والـتّـرقي” بـإعـلانـهـا الـحـرب عـلـيـهـمـا في 14 تـشـريـن الـثّـاني.

وبـدأ الـهـجـوم الـبـريـطـاني بـقـصـف مـيـنـاء الـفـاو في 6 تـشـريـن الـثّـاني.

وقـد بـعـث حـاكـم الـكـويـت الـشّـيـخ مـبـارك الـصّـبـاح بـمـجـمـوعـة مـن رجـالـه لـمـسـانـدة الـبـريـطـانـيـيـن. كـمـا هـاجـم رجـالـه الـقـوات الـعـثـمـانـيـة في عـدّة أمـاكـن. وغـيّـر رايـتـه مـزيـلاً مـنـهـا الـنّـجـمـة والـهـلال، رمـز الـعـثـمـانـيـيـن وأبـدلـهـا بـرايـة حـمـراء في وسـطـهـا كـلـمـة “كـويـت”.

(صـورة مـبـارك الـصّـبـاح قـبـل الـحـرب، وصـورة رايـتـه الـجـديـدة)

واكـتـمـل احـتـلال الـبـصـرة الـنّـهـائي في 22 مـن ذلـك الـشّـهـر. وطـاردت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة الـقـوات الـعـثـمـانـيـة حـتّى الـقـرنـة وأسـرت حـاكـم الـبـصـرة الـعـثـمـاني وحـوالي ألـف رجـل مـن جـنـوده.

وفي 1915 بـدأ أعـضـاء مـن جـمـعـيـة ” الـفـتـاة” بـعـقـد اتـصـالات مـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة لـلـقـيـام بـحـركـة ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وقـد تـبـنّى الإنـكـلـيـز هـذا الـمـشــروع ودفـعـوا حـسـيـن، شـريـف مـكّـة وأولاده لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى”.

وفي نـيـسـان 1915، عـيّـن مـكـتـب الـهـنـد الـبـريـطـاني الـجـنـرال جـون نـيـكـسـون  John Nixon لـيـشـرف عـلى الـعـمـلـيـات الـعـسـكـريـة. وقـرر جـون نـيـكـسـون أن يـطـلـق عـمـلـيـة الـصّـعـود نـحـو بـغـداد. وهـكـذا أمـر تـشـارلـز تـاونـزنـد (يـكـتـب أيـضـاً طـاونـزنـد أو طـونـزنـد) Charles TOWNSHEND بـأن يـتـوجـه بـقـواتـه نـحـو الـكـوت.

وصـعـد تـاونـزنـد دجـلـة مـع قـوات قـلـيـلـة الـعـدد ونـجـح في هـزم عـدد مـن الـقـطـعـات الـعـثـمـانـيـة، وتـجـاوز الـكـوت نـحـو بـغـداد، ولـكـنّ الـعـثـمـانـيـيـن شـكّـلـوا في 5 تـشـريـن الأوّل جـيـشـاً سـادسـاً عـيّـنـوا لـقـيـادتـه الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـس  Field Marchal Von Der Goltz.

وفي 2 تـشـريـن الـثّـاني الـتـقـت قـوات تـاونـزنـد وقـوات فـون ديـر غـولـتـس في مـعـركـة طـيـسـفـون (سـلـمـان بـاك). وانـتـهـت الـمـعـركـة بـانـسـحـاب الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة. وطـاردتـهـا الـقـوات الـعـثـمـانـيـة حـتّى حـاصـرتـهـا في الـكـوت. وبـدأ الـحـصـار في 7 كـانـون الأوّل، ولـم يـسـتـطـع الـبـريـطـانـيـون كـسـر الـحـصـار رغـم مـحـاولاتـهـم الـمـتـكـررة

جنود بريطانيون

(جـنـدي بـريـطـاني مـن فـصـيـلـة شـمـال سـتـفـوردشـر بـمـعـداتـه الـثّـقـيـلـة)

وتـوفي الـفـيـلـد مـرشـال فـون ديـر غـولـتـس بـعـد إصـابـتـه بـالـكـولـيـرا في 19 نـيـسـان 1916. وفي 24 نـيـسـان هـاجـمـت الـقـوات الـعـثـمـانـيـة الـكـوت ودخـلـت الـمـديـنـة، واسـتـسـلـم تـشـارلـز تـاونـزنـد وجـنـوده بـعـد خـمـسـة أيّـام :

جندي هندي بعد حصار الكوت

(جـنـدي هـنـدي مـن قـوّات الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة بـعـد الـحـصـار)

Townshend

(تـاونـزنـد في وسـط الـصّـورة بـعـد اسـتـسـلامـه في الـكـوت بـيـن ضـبّـاط عـثـمـانـيـيـن)

وبـعـد فـشـل الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـوصـول إلى الـكـوت لـفـك الـحـصـار، ثـمّ هـزيـمـتـهـا فـيـهـا، بـذلـت جـهـوداً كـبـيـرة لـتـحـسـيـن الـمـواصـلات بـيـن قـطـعـاتـهـا، ووسـعـت مـيـنـاء الـبـصـرة لاسـتـقـبـال أعـداد أكـثـر مـن الـبـواخـر ولـتـفـريـغـهـا بـسـرعـة كـمـا عـبّـدت الـطّـرق حـول الـمـديـنـة، وسـيّـرت سـفـنـاً بـخـاريـة في دجـلـة.

كـمـا شـكّـلـت إدارة لـلـسـكـك الـحـديـديـة بـعـد أن بـدأ الـمـاجـور فـردريـك كـول  Major Frederick Cole  وكـتـيـبـتـه الـهـنـديـة بـتـشــيـيـد خـط حـديـدي مـن الـبـصـرة بـاتـجـاه بـغـداد، وبـعـثـت حـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة إلى الـبـصـرة بـعـدد مـن عـربـات الـقـطـار.

وهـكـذا أمـكـن لـلـجـيـش الـبـريـطـاني أن يـجـلـب إلى جـبـهـة الـعـراق بـأعـداد أكـبـر مـن الـجـنـود والـمـعـدّات الـحـربـيـة وأن يـتـهـيـأ لـلـصـعـود نـحـو بـغـداد.

وبـدأت “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916 بـعـد أن وعـد الـبـريـطـانـيـون الـحـسـيـن، شــريـف مـكّـة، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا بـإنـشـاء مـمـلـكـة عـربـيـة لـه ولأولاده. ولـكـن بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا وقـعـتـا في 16 أيّـار مـن نـفـس الـعـام مـعـاهـدات سـايـسكـس ــ بـيـكـو لـتـقـسـيـم ولايـات الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـيـنـهـمـا مـن غـيـر أن تـعـلـمـا شـريـف مـكّـة بـذلـك.

وفي نـفـس الـعـام، 1916، وصـلـت الـمـس جـرتـرود بـيـل Gertrude BELL إلى الـبـصـرة بعـد أن قـضـت عـامـاً في الـمخـابـرات الـبـريـطـانـيـة في الـقـاهـرة.

وعـيّـن الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود                         Lieutenant General Frederick Stanley MAUDE عـلى رأس الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق،

مود 2

ووصـل مـن مـصـر مـع كـتـيـبـتـه إلى الـبـصـرة في أواخـر عـام 1916(1). واسـتـلـم في شـهـر كـانـون الأوّل 1917 أمـراً بـالـمـسـيـر نـحـو بـغـداد واحـتـلال مـا لـم يـكـن قـد احـتـل بـعـد مـن ولايـة الـبـصـرة ثـمّ ولايـتَي بـغـداد والـمـوصـل.

وألـقى الـجـنـرال مـود أوامـره بـبـدء الـهـجـوم في 13 كـانـون الأوّل. وتـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة عـلى ضـفـتي دجـلـة، وتـسـاقـطـت مـراكـز الـدّفـاع الـعـثـمـانـيـة أمـامـهـا.

وبـعـد أن اسـتـعـادت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة (بـمـسـاعـدة قـطـعـات هـنـديـة) الـكـوت مـن أيـدي الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة في 24 شـبـاط :

Tuck XXXXV

(نـصـب شـيّـده الأتـراك في الـكـوت قـبـل أن يـعـيـد الـبـريـطـانـيـون احـتـلالـهـا) (2)

دخـلـت طـيـسـفـون (سـلـمـان بـاك) بـعـد ذلـك بـعـدّة أيّـام،

بريطانيون أمام طاق كسرى (280x180)

ووصـلـت قـرب بـغـداد في 5 آذار. وقـد حـاول والي بـغـداد خـلـيـل بـاشـا إيـقـافـهـا أمـام نـهـر ديـالى ولـكـنّ قـوات الـجـنـرال مـود سـلـكـت طـريـقـاً أخـرى وعـادت إلى مـنـطـقـة ديـالى الّـتي احـتـلـتـهـا في 10 آذار، ثـمّ تـوجـهـت نـحـو بـغـداد، فـانـسـحـب خـلـيـل بـاشـا ثـمّ ركـب الـقـطـار تـاركـاً بـغـداد نـحـو سـامـراء.

ودخـلـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة (الّـتي شـكّـل أغـلـبـهـا جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـاني) في بـغـداد يـقـودهـا الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود في 11 آذار. (3)

مود في بغداد

ونـرى في الـصّـورة جـنـود الـفـوج الأوّل لـكـتـيـبـة هـامـبـشـر الـرّابـعـة                 The 1st Division of the 4th Hampshire Regiment، يـدخـلـون مـن بـاب الـمـعـظـم (بـاب الـسّـلـطـان) ويـسـيـرون في جـادّة خـلـيـل بـاشـا (خـلـيـل بـاشـا جـادة سي، الّـتي أصـبـحـت بـعـد ذلـك  The New Street ثـمّ شـارع الـرّشـيـد) بـيـن مـجـمـوعـات مـن أهـل الـمـديـنـة.

وقـد تـسـاءلـت عـنـدمـا تـفـحـصّـت هـذه الـصّـورة عـن مـن الـتـقـطـهـا بـعـد أن أعـدّ الـمـشـهـد، فـلا يـمـكـن أن تـكـون قـد الـتـقـطـت عـفـويـاً في زمـن كـانـت آلات الـتّـصـويـر فـيـه ضـخـمـة وثـقـيـلـة وتـحـتـاج الـصّـور الّـتي تـلـتـقـطـهـا إلى تـهـيـئـة وإعـداد، كـمـا تـسـاءلـت لـمـاذا كـان الـنّـاس يـنـظـرون إلى عـدسـة الـمـصـوّر بـدلاً مـن أن يـنـظـروا إلى الـجـنـرال وجـنـوده، ومـن وضـع الـمـنّـصـة الّـتي نـراهـا عـلى يـمـيـن الـصّـورة، حـتّى وجـدت الـجـواب في الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة في الأرشـيـفـات الـحـكـومـيـة لـلـمـمـلـكـة الـمـتّـحـدة. (4)

فـقـد ذكـرت هـذه الأرشـيـفـات أنّ الـفـوج الّـذي نـراه خـلـف الـجـنـرال مـود كـان مـخـيّـمـاً خـارج بـغـداد. وبـعـد أن دخـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد واسـتـولـت عـلى كـلّ الـمـديـنـة، اسـتـلـم هـذا الـفـوج أمـراً بـالـدّخـول فـيـهـا. وجُـمـع الـنّـاس عـلى جـانـبي الـطّـريـق لالـتـقـاط هـذه الـصّـورة لـكي تـنـشـر لأغـراض دعـائـيـة وتـسـتـعـمـل لإظـهـار قـوة الـجـيـش الـبـريـطـاني وانـتـصـاراتـه في الـحـرب، ولكي تـظـهـر “الـحـفـاوة” الّـتي اسـتـقـبـلـه الـعـراقـيـون بـهـا لـيـخـلـصـهـم مـن “الإضـطـهـاد الـعـثـمـاني”.

كـمـا أنّ لـديـنـا عـدّة صـور لـلـجـنـود الـبـريـطـانـيـيـن (ومـن بـيـنـهـم الـهـنـود) في بـغـداد عـام 1917 الـتـقـطـهـا الـكـولـونـيـل مـاك كـلـيـفـرتي Colonel A. H. McCleverty  مـن فـصـيـلـة The 2nd Queen Victoria’s Own Rajput Light Infantry جـمـعـت في ألـبـوم يـحـتـوي عـلى 103 مـنـهـا يـحـتـفـظ بـه مـتـحـف الـجـيـش الـوطـني  The National Army Museum في لـنـدن،  إخـتـرت لـكـم مـنـهـا صـورة لـلـقـطـعـات الـهـنـديـة تـسـيـر في شـارع الـرّشـيـد                          Indian troops marching through New Street :

القوات الهندية في شارع الرشيد

والـهـنـود يـنـقـلـون الـمـعـدّات عـلى ظـهـور الـحـمـيـر                                     Indian donckey transport, New Street :

Mc 5

والـهـنـود يـنـقـلـون الـمـعـدّات عـلى ظـهـور الـبـغـال

Indian troops and pack mule transport marching through New street :

باب المعظم 6

وصـور أخـرى لـلـجـنـود في بـغـداد :

 

ولـم يـقـرأ الـجـنـرال سـتـانـلي مـود خـطـابـه الـمـوجّـه لـلـبـغـداديـيـن، والـمـعـروف بـ  Proclamation of Baghdad ، إلّا في 19 آذار، أي بـعـد ثـمـانـيـة أيّـام مـن دخـولـه الى بـغـداد. وهـذا مـطـلـعـه بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وتـرجـمـتـه الّـتي نـشـرت بـالـلـغـة الـعـربـيـة :

 

ونـنـهي عـرضـنـا الـسّـريـع هـذا بـغـلاف مـجـلـة الـحـرب الـمـصـورة                     The War Illustrared  الّـتي صـدرت في لـنـدن في 24 آذار 1917 وعـلـيـهـا تـصـويـر خـيـالي لـلـجـنـرال مـود في طـريـقـه إلى بـغـداد :

with general Maude (3)

ــــــــــــــــــــــــ

(1) تـذكـر مـسـز سـتـوارت مـنـزيـس أنّـه وصـل إلى الـبـصـرة في شـهـر شـبـاط أو آذار 1916، وهـو مـا لا يـطـابـق مـجرى الأحـداث :

.Sir Stanley Maude & Others Memoirs By Mrs Stuart Menzies, London 1920

(2) بـطـاقـة بـريـديـة نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك الـلـنـدنـيـة. أنـظـر مـقالي :بـطـاقـات بـريـديـة عـن الـعـراق نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك في لـنـدن

(3) عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرت الـقـوات الـعـثـمانـيـة بـرج بـاب الـطّـلـسـم قـبـل انـســحـابـهـا مـن الـمـديـنـة.  وكـان الـبـرج قـد اسـتـعـمـل لـخـزن بارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد، فـتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجارة بـعـد انـفـجـار الـبـارود الـمـخـزون. ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

(4) (www.nationalarchives.gov.uk › … › First World War)

 

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

دار الجنرال مود

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

الـجـنـرال سـتـانـلي مـود يـفـتـح بـغـداد ثـمّ يـمـوت فـيـهـا :

دخـل الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود  Lieutenant General Frederick Stanley MAUDE بـغـداد عـلى رأس قـوّاتـه الـبـريـطـانـيـة في 11 آذار  1917  بـعـد أن انـسـحـبـت الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة مـنـهـا. ولـم يـقـرأ خـطـابـه الـمـوجّـه لـلـبـغـداديـيـن، والـمـعـروف بـ Proclamation of Baghdad، إلّا في 19 آذار.

ثـمّ أكـمـلـت قـوّاتـه مـسـيـرتـهـا نـحـو سـامـراء لـتـكـمـل سـيـطـرتـهـا عـلى ولايـة بـغـداد وعـلى ولايـة الـمـوصـل.

وفي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـن نـفـس الـعـام، أقـيـم حـفـلٌ احـتـفـاءً بـه في مـدرسـة يـهـوديـة : الألـيـانـس الإسـرائـيـلـيـة، قـدمـت فـيـه مـسـرحـيـة هـامـلـت لـشـكـسـبـيـر بـالـعـربـيـة، وشـرب كـلّ الـحـاضـريـن فـنـاجـيـن قـهـوة. وذكـرت الـصّـحـفـيـة الأمـريـكـيـة إلـيـانـور إغـن Eleanor Egan الّـتي حـضـرت الـحـفـل أنّ الـجـنـرال مـود طـلـب حـلـيـبـاً. وجُـلـب لـه حـلـيـب لـم يـسـخـن إلى درجـة الـغـلـيـان، فـأضـافـه إلى قـهـوتـه وشـربـه.

وفي الـيـوم الـتّـالي سـقـط مـريـضـاً، وشـخّـص طـبـيـبـه الـبـريـطـاني حـالـة كـولـيـرا مـن أخـطـر الأنـواع يـبـدو أن عـدواهـا انـتـقـلـت إلـيـه مـن الـحـلـيـب. وسـرت شـائـعـات بـأنّـه سُـمّـم، لأنّ الـكـابـتـن ولـسـن الّـذي وضـع نـفـس الـحـلـيـب في قـهـوتـه في نـفـس الـحـفـل لـم يـصـب بـشئ.

ومـات الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال سـتـانـلي مـود في 18 تـشـريـن الـثّـاني 1917 .

ويـذكـر عـدد مـن الّـذيـن كـتـبـوا عـنـه أنّـه مـات في نـفـس الـدّار الّـتي كـان قـد مـات فـيـهـا الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـز                            Field Marshal Von der Goltz تـسـعـة عـشـر شـهـراً قـبـل ذلـك.(1)

ودفـن الـجـنـرال مـود في الـمـقـبـرة الـعـسـكـريـة الـبـريـطـانـيـة قـرب بـاب الـمـعـظـم (2) :

 

وقـد أقـيـم لـه تـمـثـال مـن الـبـرونـز يـمـثّـلـه بـزيّـه الـعـسـكـري مـمـتـطـيـاً صـهـوة حـصـان، أزيـح عـنـه الـسّـتـار عـام 1923  أمـام دار الـمـنـدوبـيـة الـبـريـطـانـيـة الـسّـامـيـة في الـكـرخ :

وقـد بـقي الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً إلى أن أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة وحـطـمـتـه في 14 تـمّـوز 1958 :

إسقاط تمثال مود

أيـن كـانـت دار الـجـنـرال مـود ؟

ومـا ذكـرنـاه يـثـيـر تـسـاؤلات لـم أجـد عـلـيـهـا بـعـد أجـوبـة أكـيـدة، فـقـد وجـدت في كـتـاب إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت Staudt Ida Donges : “مـذكّـرات أمـريـكـيـة عـن الـتـدريـس والـسّـفـر في الـعـراق مـن 1924 إلى1947” (3) الّـذي سـبـق لي أن كـتـبـت عـنـه مـقـالاً (4)، أنّـهـا سـمـعـت بـعـد وصـولـهـا إلى بـغـداد مـع زوجـهـا في 1924 بـأنّ : “داراً كـبـيـرة فـرغـت قـرب نـادي الـضّـبّـاط الـبـريـطـانـيـيـن، في حيّ حـديـث مـن الـمـديـنـة، تـحـيـطـه غـابـات الـنّـخـيـل. وعـنـدمـا زرتـهـا حـلـت لـعـيـنيّ فـأجـرتـهـا حـالاً وبـلا تـردد. وبـانـتـقـالـنـا إلـيـهـا في الـخـريـف بـدأت حـيـاتـنـا الـعـمـلـيـة حـقّـاً. وكـانـت الـدّار تـنـاسـب تـمـامـاً مـا نـريـد، وإن اعـتـبـر الـبـعـض أنّـهـا بـعـيـدة عـن مـركـز الـمـديـنـة. وقـد أصـبـحـت الآن في وسـط الـمـديـنـة لـشـدّة مـا تـوسـعـت بـغـداد وامـتـدّت. وكـانـت داراً كـبـيـرة فـيـهـا 20 غـرفـة واسـعـة حـول حـوش مـفـتـوح، أمـامـهـا شـرفـات عـريـضـة”.

ثـمّ تـكـمـل إيـدا سـتـاوت : ” وكـان لـهـذا “الـقـصـر” الـمـهـيـب قـصّـة مـدهـشـة، فـقـد اسـتـعـمـلـه الـبـريـطـانـيـون نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم. وكـان الإيـطـالـيـون قـد اتـخـذوه قـنـصـلـيـة لـهـم، ووجـدنـا بـقـايـا رايـتـهـم عـلى الـسّـطـح حـيـنـمـا أجّـرنـا الـقـصـر. وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إخـتـارتـه الـقـيـادة الألـمـانـيـة مـقـرّاً لـهـا. وغـالـبـاً مـا حـذرونـا مـن أنّ شـبـح الـجـنـرال فـون ديـر غـولـتـز كـان يـتـجـوّل في أنـحـائـه”.(5)

وقـد أخـطـأت إيـدا سـتـاوت في بـعـض مـعـلـومـاتـهـا لأنّ فـون ديـر غـولـتـز لـم يـكـن تـحـت أوامـر الـقـيـادة الـعـلـيـا لـلـقـوات الألـمـانـيـة وإنّـمـا كـان يـعـمـل في الـقـوات الـعـثـمـانـيـة، وحـصـل عـلى رتـبـة بـاشـا، ولـهـذا كـان يـدعى بـغـولـتـز بـاشـا. وقـد عـهـد إلـيـه أنـور بـاشـا في 1915 بـالـجـيـش الـخـامـس الـعـثـمـاني. وسـار غـولـتـز بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس إلى جـنـوب بـغـداد وأوقـف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة.  ولـكـنّـه أصـيـب في 1916 بـالـتّـيـفـوئـيـد ومـات مـنـه في بـغـداد.

وإذا كـانـت الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت تـعـرف أنّ الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـز مـات في تـلـك الـدّار فـكـيـف لـم تـسـمـع بـأنّ الـجـنـرال سـتـانـلي مـود مـات فـيـهـا أيـضـاً في 1917 ؟

وهي تـذكـر أنّ الـبـريـطـانـيـيـن اسـتـعـمـلـوه نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم، فـهـل سـكـن الـجـنـرال مـود ومـات في مـا أصـبـح بـعـد ذلـك نـاديـاً لـضـبّـاطـه ؟

تـسـاؤلات كـنـت أودّ أن أجـد عـلـيـهـا أجـوبـة !

ولـم أجـد إلّا صـورة واحـدة مـا زالـت مـحـفـوظـة في أرشـيـفـات وكـالـة رول Rol  لـتـصـويـر الأنـبـاء ذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـبـهـا أنّـهـا لـلـدّار الّـتي سـكـنـهـا الـجـنـرال مـود في بـغـداد (وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال) (6)، ولـكـنّ الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف كـتـب لي بـأنّ الـبـعـض أشـار إلى أنّ الـمـنـزل الّـذي في هـذه الـصـورة كـان في الأصـل مـلـكـاً لأحـد الـوجـهـاء مـن عـائـلـة الـكـيـلاني، أو مـكـان إقـامـة آخـر ولاة الـعـثـمـانـيـيـن في بـغـداد، ومـكـانـه في شـارع الـرّشـيـد مـقـابـل سـيـنـمـا ومـسـرح الـنّـجـاح (سـيـنـمـا روكـسي سـابـقـاً). وقـد رمـم وأصـبـح مـتـحـفـاً لـمـقـتـنـيـات وهـدايـا الـزّعـيـم عـبـد الـكـريـم قـاسـم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   أنـظـر مـثـلاً : Lawrence Sondhaus, World War One, The Global Revolution, p. 372

(2)  أرسـل لي الـدّكـتـور خـالـد الـسّـلـطـاني بـهـاتـيـن الـصّـورتـيـن. وأقـدّم لـه جـزيـل شـكـري عـلى ذلـك.

(3)  Living in Romantic Baghdad : Un American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924 -1947, New York 2012

(4) أنـظـر مـقـالي :  إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

(5)  الـمـصـدر الـسّـابـق، وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ إيـدا سـتـاوت أكـمـلـت تـألـيـف كـتـابـهـا في 1951.

(6)  أنـظـر مـقـالي : الـعـراق في صـور وكـالـة رول Rol

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.