إنـشـاء “قـاعـة الـصّـور” في بـغـداد عـام 1943

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـعـد أن طـرد الإنـكـلـيـز سـاطـع الـحـصـري (1) مـن الـعـراق في عـام 1941، وكـان يـشـغـل مـنـصـب الـمـديـر الـعـام لـلآثـار الـقـديـمـة، عـيّـن يـوسـف رزق الله غـنـيـمـة (2) لـيـخـلـفـه في مـنـصـبـه :

يوسف غنيمة

وفي حـزيـران 1943 أنـشـأت مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة “قـاعـة الـصّـور                 The Picture Gallery” ونـشـرت “دلـيـل قـاعـة الـرّسـوم الـوطنـيـة لـسـنـة 1943” الّـذي طـبـع في مـطـبـعـة الـحـكـومـة بـالـلـغـتـيـن الـعـربـيـة والإنـكـلـيـزيـة :

ويـضـمّ الـدّلـيـل، مـاعـدا الـغـلاف الـعـربي مـن الـيـمـيـن والـغـلاف الإنـكلـيـزي مـن الـيـسار كـلـمـة لـمـديـر الآثـار الـقـديـمـة الـعـام يـوسـف غـنـيـمـة بـالـعـربـيـة وتـرجـمـتـهـا بـالإنـكلـيـزيـة وقـائـمـة بـ “الـصّـور” بـالـعـربـيـة والإنـكـلـيـزيـة.

وكـان عـنـوان كـلـمـة يـوسـف غـنـيـمـة “قـاعـة الـصّـور  The Picture Gallery ” وتـحـت الـعـنـوان : “مـجـمـوعـة ثـابـتـة مـن لـوحـات زيـتـيـة ورسـوم مـصـنـوعـة في الـعـراق  A permanent Collection of Paintings and Drawings made in Iraq  “، ويـذكـر فـيـهـا أنّ الـمـديـريـة كـانـت قـد بـدأت بـجـمـع “الـصّـور الـمـعـروضـة في هـذه الـقـاعـة” مـنـذ أكـثـر مـن سـنـتـيـن، أي مـنـذ تـعـيـيـنـه مـديـراً لـهـا، وأنّـهـا تـضـمّ “صـور أشـخـاص ومـنـاظـر رسـمـت بـالـزّيـت أو بـالألـوان الـمـائـيـة أو بالـقـلـم الـرّصاص أو بـالـفـحـم عـدا مـا تـتـضـمّـنـه مـن الـرّسـوم الأولـيـة (اسـكـتـشـات) الـمـخـطوطـة بـالـمـداد”. والّـتي اخـتـيـرت “إمّـا لـمـزايـاهـا الـفـنّـيـة أو لأهـمـيـتـهـا، إذ تـمـثّـل طـبـيـعـة الـبـلاد وتـصـوّر أخـلاق أهـلـهـا”.

وكـان الـهـدف مـن إنـشـاء الـقـاعـة كـمـا كـتـبـه يـوسـف غـنـيـمـة : “أن تـكـون مـلـحـقـاً لـمـتـحـف الأزيـاء الـوطـنـيـة الـمـجـاور لـهـا”. وذكـر أنّ “بـعـض هـذه الـصّـور وعـلى الأخـص مـا يـتـعـلّـق مـنـهـا بـالـيـزيـديـة الـقـاطـنـيـن في مـنـطقـة الـشّـيـخـان قـد عـنـيـت بـوضـعـهـا هـذه الـمـديـريـة خـصـيـصـاً لـهـذه الـقـاعـة”. ويـقـصـد يـوسـف غـنـيـمـة بهـا لـوحات عـطـا صـبـري وفـائـق حـسـن الـلـذيـن كـانـا قـد قـامـا بـسـفـرة إلى شـمـال الـعـراق لـرسـمـهـا. وكـان عـطـا صـبـري وفـائـق حـسـن قـد عـرضـا بـعـضـهـا في مـعـرض “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” الـثّـاني في  1942، والـثّـالـث في 1943.

أمّـا “الـصّـور” الأخـرى فـقـد ذكـر يـوسـف غـنـيـمـة أنّ الـمـديـريـة كـانـت قـد اشـتـرتـهـا “مـن الـمـعـارض الـفـصـلـيـة والـدّوريـة الّـتي أقـامـهـا الـرّسـامـون الـعـراقـيـون في بـغـداد، وتـمّـت هـذه الـمـجـمـوعـة بـابـتـيـاع بـعـض إنـتـاج فـنـانـيـن أجـانـب أقـامـوا مـؤقـتـاً في بـغـداد”. وذكـر أنّـهـا كـانـت “مـحـاولـة أولى لـتـكـويـن مـجـمـوعـة وطـنـيـة  National collection ” عـلى أمـل أن تـكـون في يـوم مـن الأيّـام نـواة لـقـاعـة عـراقـيـة وطـنـيـة  Iraqi national Gallery “.

ومـن هـذا نـرى أنّ الـفـكـرة كـانـت في ذلـك الـوقـت تـكـويـن قـاعـة لـلـفـنّ الـمـنـتـج في الـعـراق، سـواء كـان الـفـنّـان عـراقـيـاً أو أجـنـبـيـاً أنـتـج عـمـلـه في الـعـراق أو عـن الـعـراق، وهي ولا شـك أوسـع مـمـا وصـلـت إلـيـه فـيـمـا بـعـد أي مـتـحـفـاً  لـلـفـنـانـيـن الـعـراقـيـيـن فـقـط.

كـانـت الـمـجـمـوعـة تـضـمّ 65 عـمـلاً :

34  “صـورة زيـتـيـة “، و 10 بـالـلـون الـمـائي، و 9 بـالـقـلـم، و 6 بـالـفـحـم (كـلّـهـا لـفـائـق حـسن) و 3 رسـم بالـمـداد (لـرسـامـيـن بـولـنـديـيـن) و 3 “كـاريـكـتـور” (لـسـعـاد سـلـيـم).

والـفـنـانـون الـمـشـاركـون كـانـوا :

كـونـك  Koenig  (كـتـب سـتّ مـرّات كـونـك، ومـرتـيـن كـونـيـك) :

شـارك بـ 8 أعـمـال.

والـمـقـصـود بـه ولا شـكّ الـرّسّـام الألـمـاني فـيـلـهـيـلـم  كـونـيـغ  Wilhelm König  وكـان قـد اخـتـيـر في 1931 لـيــسـاعـد عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان Julius JORDAN الّـذي عـيّـن مـديـراً لـلـمـتـحـف الـعـراقي في ذلـك الـعـام في رسـم الـقـطـع الأثـريـة وتـصـنـيـفـهـا. وقـد أقـام كـونـيـغ في الـعـراق إلى عـام 1940. ونـشـر بـعـد عـودتـه إلى ألـمـانـيـا كـتـابـاً عـن تـجـربـتـه الـعـراقـيـة : تـسـع سـنـوات في الـعـراق  Neun Jahre Irak.

حـافـظ الـدّروبي

شـارك بـ 3 أعـمـال، وكـان الـدّروبي قـد عـاد مـن بـعـثـتـه الـدّراسـيـة إلى رومـا في 1940،  وانـضـمّ إلى “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” في 1941 وشـارك في مـعـارضهـا، وأنـشـأ أوّل مـرسـم حـرّ في 1942.

عـيـسى حـنّـا

شـارك بـ 3 أعـمـال. وكـان حـنّـا قـد شـارك في 1941 في تـأسـيـس “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” مـع أكـرم شـكـري وكـريـم مـجـيـد، وشـارك في مـعـارضـهـا.

أكـرم شـكـري :

شـارك بـ 3 أعـمـال.

وكـان أكـرم شـكـري أوّل مـبـعـوث عـراقي إلى الـخـارج. درس في لـنـدن مـن 1931 إلى 1932. ثـمّ درّس الـرّسـم أربـع سـنـوات بـعـد عـودتـه إلى بـغـداد، وعـيّـن في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة في 1936. وكـان قـد شـارك في أوّل مـعـرض زراعي صـنـاعي نـظّـم في بـغـداد عـام 1932، بـلـوحـة كـان قـد رسـمـهـا في 1931، وبـعـثـها مـن لـنـدن، عـنـوانـهـا “ضـبـاب لـنـدن”، تـعـتـبـر أوّل لـوحـة “إنـطـبـاعـيـة” عـراقـيـة. وشـارك في تـأسـيـس “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” في 1941، وشـارك في مـعـارضـهـا.

بـول هـريـس  Paul HARRIS  :  صـورة واحـدة بـالـلـون الـمـائي،

إدفـارد مـاتـوشـجـاك MATUSZEZAK Edward، والإمـلاء الـصّحـيـح لاسـمـه (MATUSZCZAK) :

شـارك بـعـمـلـيـن.

ومـاتـوشـجـاك بـولـنـدي ولـد سـنـة 1906 والـتـحق بـأكـاديـمـيـة الـفـنـون الـجـمـيـلـة في كـراكـوف عـام 1930، وسـافـر في 1934 إلى بـاريـس، ودرس فـيـهـا الـفـنّ. وفي 1936 نـجـده في كـراكـوف رسّـامـاً وخـزّافـاً. وتـرك بـولـنـدة خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة ووصـل إلى بـغـداد في 1943 مـع قـوات                 Polish II corps ، وشـارك في الـمـعـرض الّـذي نـظّـمـه في بـغـداد مـكـتـب الـفـنـون الـتّـشــكـيـلـيـة لـلـجـنـود الـرّسـامـيـن في هـذه الـقـوّات.

سـايـكـس  Saykes  : صـورة واحـدة بـالـلـون الـمـائي،

تـركـفـيـتـج  (وكـتـب مـرّة ثـانـيـة تـركـفـيـتـشـج) Turkivich ، واسـمـه الـصّـحـيـح هـو Sygmunt TURKIEWICZ :

شـارك بـعـمـلـيـن.

وتـوركـفـيـتـج  فـنـان بـولـنـدي مـعـروف ولـد سـنـة 1913، ووصـل إلى بـغـداد عـام 1943مـع الـقـوات الـبـولـنـديـة  Polish II corps. وقـد أدار مـكـتـب الـفـنـون الـتّـشـكـيـلـيـة لـهـذه الـقـوّات في بـغـداد مـع الـفـنّـان يـوسـف جـابـسـكي ونـظّـم مـعـرضـاً  لـلـجـنـود الـرّسـامـيـن الّـذيـن كـانـوا حـوالي 30  فـنّـانـاً وفـنّـانـة. وشـارك هـو نـفـسـه في هـذا الـمـعـرض.

فـلـدواسـكي Wiedlauazki  (لا تـذكـرالـمـصـادر الّـتي تـكـلّـمـت عـن الـبـولـنـديـيـن في بـغـداد فـنـانـاً بـهـذا الإسـم) :

رسـم واحـد بـالـمـداد،

فـائـق حـسـن :

شـارك بـ 15 عـمـلاً.

وكـان فـائـق حـسـن قـد عـاد مـن بـعـثـتـه الـدّراسـيـة إلى بـاريـس في 1938، وأنـشـأ فـرع الـرّسـم في مـعـهـد الـفـنـون الـجـمـيـلـة عـام 1939، ودرّس فـيـه. وقـد شـارك في الـمـعـرض الـثّـاني لـجـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ في 1942، وفي الـمـعـرض الـثّـالـث في 1943 بـلـوحـات زيـتـيـة كـان قـد رسـمـهـا في رحـلـة مـشـتـركـة مـع عـطـا صـبـري في شـمـال الـعـراق.

عـطـا صـبـري :

شـارك بـ 22 عـمـلاً.

وكـان عـطـا صـبـري قـد عـاد مـن بـعـثـتـه الـدّراسـيـة إلى رومـا في 1940، وعـمـل رسّـامـاً في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة بـيـن 1940 و 1944، قـبـل أن يـمـارس الـتّـدريـس. وشـارك في مـعـارض “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” في 1941 و 1942       و 1943. وكـانـت مـشـاركـتـه في مـعـرضـيـهـا الـثّـاني والـثّـالـث بـلـوحـات زيـتـيـة كـان قـد رســمـهـا في رحـلـة مـشـتـركـة مـع فـائـق حـسـن في الـشّـمال، وعـرض صـوراً تـمـثّـل الـيـزيـديـة في مـنـطـقـة سـنـجـار.

يـوسـف يـاريـمـا  YAREMA  واسـمـه الـصّـحـيـح يـكـتـب  Joszef  JAREMA :

صـورة زيـتـيـة واحـدة.

ويـاريـمـا فـنـان بـولـنـدي مـعـروف ولـد سـنـة 1900.والـتـحـق بـأكـاديـمـيـة الـفـنـون في كـراكـوف عـام 1918. وفي 1923 شـارك في تأسـيـس “لـجـنـة بـاريـس  Komitet Paryski” الـفـنّـيـة، وسـافـر مـع زمـلائـه أعـضاء الـلـجـنـة ومـن بـيـنـهـم يـوسـف جـابـسـكي إلى بـاريـس وبـقي فـيـهـا يـدرس الـفـنّ ويـشـارك في الـمـعـارض حـتّى عـام 1931، ووصـل مـع قـوات Polish II corps إلى بـغـداد في 1943. وشـارك في مـعـرض الـرّسـامـيـن الـجـنـود في بـغـداد.

سـعـاد سـلـيـم :

شـارك بـ 3 أعـمـال (كـاريـكـتـور).

وسـعـاد إبـن الـفـنّـان الـرّائـد الـحـاج مـحـمّـد سـلـيـم عـلي الـمـوصـلي وشـقـيـق الـفـنّـانـيـن جـواد ونـزار ونـزيـهـة سـلـيـم. رسـم الـكـاريـكـاتـيـر في الـجـرائـد والـمـجـلّات مـثـل جـريـدة “حـبـزبـوز” الّـتي صـدرت في 1931. و درّس سـعـاد سـلـيـم الـرّسـم في 1936، وأقـام مـعـرضـه الـشّـخـصي الأوّل في قـاعـة جـمـعـيـة حـمـايـة الأطـفـال عـام 1941. وقـد انـضـمّ إلى “جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ” مـنـذ تـأسـيـسـهـا عـام 1941، وشـارك في مـعـارضـهـا، ونـشـر في نـفـس الـعـام كـتـابـاً بـثـلاثـة أجـزاء : “مـجـمـوعـة الـحـرب الـعـراقـيـة الـبـريـطانـيـة الـمـصـوّرة”.

وكـمـا ذكـر يـوسـف غـنـيـمـة فـإنّ جـزءاً كـبـيـراً مـن الأعـمـال “صـور أشـخـاص” :

طـفـل، هـيـلـيـن، إمـرأة تـلـكـيـفـيـة : لـعـيـسى حـنّـا،

صـبـيـان وأشـيـاء، فـتـاة : لأكـرم شـكـري،

أطـفـال : لـتـركـفـيـتـج،

أطـفـال : لـفـلـدواسـكي،

مـيـر عـزيـز بـك، صـالـح بـك، رسـور حـاج أحـمـد، مـحـمّـد أمـيـن أغـا، فـتى مـن راونـدوز، كـرديـان مـن راونـدوز، أغـا دراجـان، راونـدوزي، أم الـرّسـام، قـرويـان : لـفـائـق حـسـن،

إبـن الـشّـيـخ، أبـوعـبـد، فـتـاة مـن بـحـزاني، هـاني (إمـرأة يـزيـديـة مـن بـعـشـيـقـة)، شـيـخ عـادي، حـجي فـقـيـر شـمـو الـيـزيـدي، ريـحانـة ـ فـتـاة يـزيـديـة، الـيـتـيـم، صـبي يـزيـدي، فـيـروز حـجي الـيـزيـدي قـوال حـجي الـيـزيـدي، الـيـاس الـيـزيـدي، عـبـو عـجاج أغـا، سـعـيـد بـك، حـجي فـقـيـر شـمـو الـيـزيـدي، الـيـزيـديـة في مـهـرجـان الـرّبـيـع : لـعـطـا صـبـري.

والـجـزء الـمـهـمّ الآخـر مـن الأعـمـال مـنـاظـر طـبـيـعـيـة :
نـخـيـل، الـصّـنـادل عـلى دجـلـة، غـروب، الـمـهـيـلـة، الـجـسـر : لـكـونـك،

شـكـل بـغـداد، جـامـع الـمـراديـة : لـمـاتـوشـجـاك،

دجـلـة مـن فـوق سـطح الـمـطعـم : لـسـايـكـس،

راونـدوز، مـنـظـر مـن الأعـظـمـيـة، مـنـظـر في ضـواحي بـغـداد، بـابـل، نـخـيـل : لـفـائـق حـسـن،

قـريـة بـاعـذرا، قـريـة بـعـشـيـقـة، عـيـن سـفـني، مـدخـل شـيـخ عـادي : لـعـطـا صـبـري،

خـانـقـيـن : لـيـاريـمـا،

ثـلاث صـور كـاريـكـتـور تـحـمل نـفـس الـعـنـوان “صـفـحـة مـن الـحـيـاة الـعـراقـيـة ” : لـسـعـاد سـلـيـم.

ومـع ذلـك تـبـقى اسـتـثـناءات قـلـيـلـة فـقـد رسـم أكـرم شـكـري “حـيـاة جـامـدة ” في الـسّـمـاور، ورسـم كـونـيـك صـور حـيـوانـات : جـامـوس وجـامـوس الـمـاء.

ويـمـكـنـنـا أن نـلاحـظ، بـعـد قـراءة الـدّلـيـل، أنّ مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة ركّـزت جـهـودهـا عـلى شـراء “الـصّـور” أي الـرّسـوم والـلـوحـات، ولـم تـهـتـم بـالـمـنـحـوتـات.

ونـحـن لا نـعـرف الـمـعـايـيـر الّـتي اخـتـارت وفـقـهـا هـذه الأعـمـال، فـقـد كـان هـنـاك كـثـيـر مـن الـفـنـانـيـن في بـغـداد تـسـتـحـق أعـمـالـهـم أن تـدخـل في هـذه الـمـجـمـوعـة “إمّـا لـمـزايـاهـا الـفـنّـيـة أو لأهـمـيـتـهـا، إذ تـمـثّـل طـبـيـعـة الـبـلاد وتـصـوّر أخـلاق أهـلـهـا” مـثـل جـواد سـلـيـم الّـذي كـان في بـغـداد في تـلـك الـسّـنـوات وشـارك في مـعـارض جـمـعـيـة أصـدقـاء الـفـنّ بـلـوحـات ومـنـحـوتـات. كـمـا أنّـهـا لـم تـدخـل في مـجـمـوعـتـهـا أعـمـال واحـد مـن أهـمّ الـفـنـانـيـن الـبـولـنـديـيـن الّـذيـن وصـلـوا إلى بـغـداد وأعـني بـه يـوسـف جـابـسـكي  Josef CZAPSKY الّـذي شـارك في إدارة  مـكـتـب الـفـنـون الـتّـشـكـيـلـيـة لـقـوّات Polish II corps في بـغـداد، وشـارك في الـمـعـرض الّـذي أقـامـه الـمـكـتـب فـيـهـا. ويـذكـر لـه دلـيـل هـذا الـمـعـرض مـن بـيـن مـا عـرض لـوحـة لـحي مـن أحـيـاء بـغـداد.(3)

أمّـا عـن مـا حـدث لـهـذه “الـصّـور” بـعـد ذلـك، ومـاذا بـقي لـنـا مـنـهـا، فـسـنـتـتـبـعـه في مـقـال آخـر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)  نـشـر هـذا الـمـقـال في مـلـحـق جـريـدة الـمـدى الـعـراقـيـة في 2013/1/11، ثـمّ نـشـر في مـدونـة “الـمِـلـوَنـة” في 2014/4/22.

(1)  سـاطـع الـحـصـري (ولـد سـنـة 1879 وتـوفي سـنـة 1968) : إشـتـغـل في الإدارة الـعـثـمـانـيـة في مـطـلـع شـبـابـه، ثـمّ مـع فـيـصـل بـن الـحـسـيـن عـنـدمـا اخـتـيـر مـلـكـاً عـلى سـوريـا. وعـنـدمـا خـلـع الـفـرنـسـيـون فـيـصـل تـبـعـه إلى بـغـداد. وبـعـد أن نـصـب الإنـكـلـيـز فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق في 1921 تـحـت اسـم فـيـصـل الأوّل شـغـل سـاطـع الـحـصـري عـدة مـنـاصـب : مـعـاونـاً لـوزيـر الـمـعـارف ومـديـراً عـامـاً لـلـمـعـارف ومـديـراً لـدار الـمـعـلـمـيـن الـعـالـيـة ومـديـراً لـلآثـار الـعـامـة.

(2) يـوسـف غـنـيـمـة رزق الله (ولـد سـنـة 1885 وتـوفي سـنـة 1950) : شـارك في الـحـيـاة الـسّـيـاسـيـة والـفـكـريـة مـنـذ فـتـرة الـحـكـم الـعـثـمـاني، وشـغـل عـدّة مـنـاصـب وزاريـة في حـكـومـات الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة.

(3)  أنـظـر مـقـالي : يـوسـف جـابـسـكي، أهـمّ الـفـنـانـيـيـن الـبـولـنـديـيـن في بـغـداد عـام 1943

https://almilwana.blogspot.com/2015/04/4-1943-1943.html

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

Advertisements

“إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” والـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـصـصـت عـلـيـكـم في مـقـال سـابـق كـيـف وصـل عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه Walter ANDRAE  إلى الـعـراق عـام 1899 لـيـشـارك في تـنـقـيـبـات بـابـل الأثـريـة الّـتي كـان يـشـرف عـلـيـهـا روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE، وكـيـف دامـت مـشـاركـتـه فـيـهـا حـتّى عـام 1903. (1)

إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” :

وقـد الـتـقى فـالـتـر أنـدريـه في بـابـل بـاسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم (أكـتـب اسـمـه حـسـب الـلـفـظ الـمـحـلّي الّـذي سـجّـلـه فـالـتـر أنـدريـه في يـومـيـاتـه بـالـحـروف الـلاتـيـنـيـة، وبـالـلـفـظ الألـمـاني : Ismain Ibn Dschasim) الّـذي اشـتـغـل في خـدمـتـه.

وفي عـام 1904، طـلـب روبـرت كـولـدفـيـه مـن مـسـاعـده فـالـتـر أنـدريـه أن يـذهـب إلى قـلـعـة الـشّـرقـاط، وأن يـشـرع بـتـنـقـيـبـات أثـريـة فـيـهـا. وعـنـدمـا تـرك فـالـتـر أنـدريـه بـابـل تـبـعـه إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم، واشـتـغـل كـرئـيـس عـمّـال في تـنـقـيـبـاتـه.

وقـد أزاح فـالـتـر أنـدريـه الـتّـراب في قـلـعـة الـشّـرقـاط عـن آثـار مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة. وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـام 1914 تـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات، وتـرك فـالـتـر أنـدريـه الـعـراق عـائـداً إلى ألـمـانـيـا، ورجـع إسـمـاعـيـن إلى أهـلـه في الـحـلّـة.

ولـكـنّـه أسـرع لـلـقـاء فـالـتـر أنـدريـه عـنـدمـا سـمـع بـعـودتـه إلى الـعـراق عـام 1915 كـضـابـط في الـجـيـش الألـمـاني (الّـذي كـان يـقـاتـل بـجـانـب الـجـيـش الـعـثـمـاني)، وتـبـعـه كـمـا يـتـبـعـه ظـلّـه حـتّى عـام 1918 مـعـرضـاً نـفـسـه لـكـلّ مـخـاطـر سـنـوات الـحـرب عـلى ضـفـاف دجـلـة وديـالى وحـتّى في سـوريـا وفـلـسـطـيـن مـع أنّـه لـم يـكـن مـجـبـراً كـابـن عـشـائـر عـلى الـخـدمـة الـعـسـكـريـة في الـجـيـش الـعـثـمـاني. ولـم تـدفـعـه إلى ذلـك إلّا أواصـر الـمـودّة الّـتي كـانـت تـربـطـه بـفـالـتـر أنـدريـه.

كـتـب فـالـتـر أنـدريـه في يـومـيـاتـه عـن الّـذيـن عـمـل مـعـهـم :

“أغـلـب هـؤلاء الـنّـاس طـيـبـون بـطـبـعـهـم، وبـعـضـهـم مـثـالـيـون في ذلـك، ومـنـهـم خـاصّـة عـزيـزي إسـمـاعـيـن الّـذي ارتـبـط بي مـع أنّـه كـان مـالـكـاً ولـه بـعـض الـتّـجـارة. وسـأقـصّ عـلـيـكـم مـا يـلي لأريـكـم طـبـيـعـة الـعـلاقـة الّـتي كـانـت تـربـطـنـا :

جـاءني في يـوم مـن الأيّـام كـعـادتـه، وقـد عـقـد ذراعـيـه عـلى صـدره وقـال لي : “ولـد لي صـبي هـذا الـيـوم، فـمـاذا تـوّد أن أسـمـيـه ؟”، فـقـلـت لـه أن يـسـمـيـه “عـلي”. وهـكـذا أسـمـاه. وكـبـر عـلي وانـجـب، وصـار إسـمـاعـيـن بـذلـك جـدّاً لـسـتّـة عـشـر طـفـلاً عـاش مـنـهـم عـشـرة مـلأوا قـلـبـه بـهـجـة، وخـاصـة آخـر الـعـنـقـود. وقـد حـكى إسـمـاعـيـن لأحـفـاده كـلّ مـا جـرى في تـنـقـيـبـات الألـمـان، وهـم يـعـرفـون كـلّ شئ عـن الألـمـان. وكـان إسـمـاعـيـن سـنـداً لي في تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط لـحـلّ الـخـصـومـات بـيـن الـعـرب الّـتي كـانـت تـشـتـدّ أحـيـانـاً أمـامـنـا، وكـان مـرجـعـنـا في مـعـرفـة مـن يـمـكـن أن نـثـق بـه ومـن يـنـبـغي أن نـحـتـاط مـنـه”.

عـلي بـن إسـمـاعـيـن :

“ويـسـتـحـق عـلي إبـن إسـمـاعـيـن أن أتـكـلّـم عـنـه هـو الآخـر، فـعـنـدمـا كـان رضـيـعـاً احـتـاج إلى مـهـد. وكـانـت حـقـيـبـتي الـمـصـنـوعـة في مـديـنـة درسـدن مـن الـجـلـد الـطّـبـيـعي قـد أصـابـهـا الـبـلـل ولـم أعـد اسـتـطـيـع غـلـقـهـا. ولاحـظـت أنّ إسـمـاعـيـن كـان يـنـظـر إلـيـهـا بـرغـبـة، فـفـصـلـنـاهـا نـصـفـيـن حـسـب طـلـبـه. وتـأرجـح عـلي في نـصـفـهـا الـسّـفـلي الّـذي عـلّـق كـمـهـد إلى أن كـبـر وبـدأ يـمـشي”.

“ولـم أنـتـبـه إلّا الآن إلى أنـني نـسـيـت أن أسـال إسـمـاعـيـن عـن أمّ عـلي. ولا شـكّ في أنّ هـذا كـان الـتّـصـرف الأفـضـل مـع عـربي، لأنّ أهـمّ شئ عـنـدهـم هـو الـرّجـل وأولاده”.

وتـرك فـالـتـر أنـدريـه الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى لـيـعـمـل في مـتـحـف بـرلـيـن، الّـذي أصـبـح فـيـه بـعـد ذلـك مـسـؤولاً عـن الآثـار الـشّـرقـيـة. وهي الـفـتـرة الّـتي جـمّـع فـيـهـا آلاف شـظـايـا الـطّـابـوق الـمـزجـج الألـوان الّـذي جـلـب مـن بـابـل لـيـشـيّـد بـوابـة عـشـتـار في داخـل الـمـتـحـف (2).

وشـارك إسـمـاعـيـن في الـسّـنـوات الـعـشـر الأخـيـرة مـن حـيـاتـه كـرئـيـس عـمّـال في تـنـقـيـبـات الـوركـاء الّـتي شـرع فـيـهـا عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان Julius Jordan بـعـد أن عـاد إلى هـذا الـمـوقـع عـام 1928 لـيـكـمـل تـنـقـيـبـات أثـريـة لـحـسـاب الـجـمـعـيـة الألـمـانـيـة الـشّـرقـيـة                  Orient- Gesellschaft كـانـت قـد بـدأت فـيـه عـام 1913 ثـمّ أوقـفـتـهـا الـحـرب.

ولا شـكّ في أنّ “إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” تـوفي في ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي وإن لـم أجـد سـنـة وفـاتـه.

ولـيـس لـديـنـا صـورة لاسـمـاعـيـن. وكـلّ مـا بـقي لـنـا لا يـتـعـدى رسـم كـاريـكـتـيـر نـفّـذه فـالـتـر أنـدريـه خـلال الـتّـنـقـيـبـات عـام 1908، نـرى فـيـه إسـمـاعـيـن في أقـصى الـيـمـيـن. وهـو الـرّسـم الّـذي وضـعـتـه في بـدايـة الـمـقـال :

أندريه إسماعين إبن جاسم 1908 (800x500)

كـمـا أنـنـا نـعـرف أنّ عـلي بـن إسـمـاعـيـن أصـبـح رئـيـس عـمّـال الـتّـنـقـيـبـات في الـوركـاء بـعـد أبـيـه. ولـيـس لـنـا صـورة لـعـلي بـن إسـمـاعـيـن.

وقـد حـصـل عـلي بـن إسـمـاعـيـن عـلى نـيـشـان “صـلـيـب الإسـتـحـقـاق” لـجـمـهـوريـة ألـمـانـيـا الـفِـدرالـيـة Bundersverdienstkreuz am Bande  في 12 كـانـون الأوّل عـام 1981. وقـد أخـذت جـهـود أبـيـه إسـمـاعـيـن بـنـظـر الإعـتـبـار عـنـدمـا مُـنـح هـذا الـتـقـديـر.

وتـوفي عـلي بـن إسـمـاعـيـن بـن جـاسـم في الـحـلّـة في الـعـشـريـن مـن شـبـاط عـام 1985.

رسـوم فـالـتـر أنـدريـه لـعـمـالـه الآخـريـن :

وجـدت رسـمـاً خـطـطـه فـالـتـر أنـدريـه بـالـحـبـر الـصّـيـني عـام 1900 لأحـد عـمـال مـوقـع تـنـقـيـبـات بـابـل وهـو يـدفـع عـربـة (عـلى سـكّـة حـديـديـة) مـلـيـئـة بـنـفـايـات الـتّـنـقـيـبـات. كـتـب فـالـتـر أنـدريـه : “وصـلـت الـسّـكـة الـحـديـديـة والـعـربـة أخـيـراً. فـبـعـد سـبـعـة أشـهـر مـن إرسـالـهـا مـن ألـمـانـيـا، وصـلـت إلى بـغـداد. وقـضـت شـهـريـن عـلى الـطّـريـق قـبـل أن تـصـلـنـا مـن بـغـداد” :

Andrae 10

ورسـمـاً لـجـمـعـة بـن بـركـلي (Jum’a ibn Barakli) نـفّـذه فـالـتـر أنـدريـه عـام 1902 بـالـقـلـم وبـالألـوان الـمـائـيـة، وكـان جـمـعـة صـبـيـاً يـحـمـل سـلالاً مـلـيـئـة بـالـتّـراب مـن مـوقـع الـحـفـريـات لـيـرمـيـهـا بـعـيـداً عـنـهـا. كـتـب فـالـتـر أنـدريـه : “رغـم أنّ مـلابـسـه كـانـت رثّـة فـقـد كـان صـبـيـاً مـرحـاً، واسـع الإبـتـسـامـة. وبـعـد فـتـرة قـصـيـرة مـن رسـمي لـه اقـتـرب جـمـعـة مـن أوربي في الـمـوقـع كـان يـحـمـل بـنـدقـيـة ووقـف لـصـقـه وانـطـلـقـت الـبـنـدقـيـة وقـتـلـت الـصّـبي. ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـور الـغـضـب الّـذي أثـارتـه هـذه الـحـادثـة الـمـؤسـفـة بـيـن الـعـرب وصـعـوبـة إقـنـاعـهـم بـأنّ الأوربي لـم يـكـن يـنـوي قـتـلـه. وقـبـلـوا الـدّيـة وتـحـاشـيـنـا الـثّـأر. وتـرك الأوربي صـاحـب الـبـنـدقـيـة مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات حـالاً ” :

جمعة إبن بركلي 1902 (564x800)

وفي قـلـعـة الـشّـرقـاط، وقـف عـبـد الله  أمـام فـالـتـر أنـدريـه لـيـرسـمـه مـرتـديـاً مـلابـس الـعـيـد الـجـديـدة. كـتـب فـالـتـر أنـدريـه أنّ “عـبـد الله كـان يـعـمـل في مـنـزل الـتّـنـقـيـبـات. وقـد ضـاعـف جـهـوده أمـلاً بـالـحـصـول عـلى مـكـافـأة. وكـانـت الـمـكـافـأة مـلابـس جـديـدة لـعـيـد الأضـحى (قـربـان بـيـرم  Korban-Bairam). وكـان ذراعـا الـقـمـيـص طـويـلـيـن يـنـزلان إلى الأرض” :

Andrae Abdullah

 

وعـنـدمـا عـاد فـالـتـر أنـدريـه إلى بـابـل في عـام 1926، إلـتـقي بـعـلي جـامـوس  (Ali Jamus) الّـذي كـان يـحـمـل الـمـاء إلى مـوقـع  الـتّـنـقـيـبـات في بـدايـة الـقـرن، ووجـده قـد شـاخ وفـقـد إحـدى عـيـنـيـه :

علي الجاموس

كـمـا وجـدت رسـمـاً آخـر بـالألـوان الـمـائـيـة نـفّـذه فـالـتـر أنـدريـه عـام 1899 لـحـبـيـب الـعـلّاوي (الأعـور)  Habib el Alauwi  شـيـخ الـكـويـرج                      scheich von Kuweiresch. وكـان حـبـيـب الـعـلّاوي قـد أجّـر لـلـبـعـثـة داراً كـان يـمـتـلـكـهـا في بـابـل، أصـبـحـت دار الـتّـنـقـيـبـات :

حبيب إبن علاوي 1902

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إسـتـعـمـلـت في كـثـيـر مـن مـقـاطـع هـذا الـمـقـال بـعـض مـا جـاء في كـتـاب بـويـهـمـر Boehmer والّـذي عـنـوانـه Bilder eines Ausgräbers ، الـصّـادر في بـرلـيـن عـام 1989.

(1)  أنـظـر مـقـالي : فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام .

(2) أنـظـر مـقـالي : كـيـف شـيّـد فـالـتـر أنـدريـه بـوابـة عـشـتـار في مـتـحـف بـرلـيـن .

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

دفـاتـر عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـاشـت عـائـلـة زفـوبـودا في بـغـداد خـلال الـقـرنـيـن الـتّـاسع عـشـر والـعـشريـن.

وتـبـدأ الـفـتـرة الـبـغـداديـة لـهـذه الـعـائـلـة بـأنـطـون زفـوبـودا Antone Svodoba الّـذي ولـد سـنـة 1796 في أوربـا الـشّـرقـيـة الّـتي كـانـت جـزءاً مـن الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ـ الـمـجـريـة (1)، واشـتـغـل بـالـتّـجـارة. وقـد عـمـل في فـيـيـنـا (الـنّـمـسـا)، ثـمّ جـاء مـن فـيـيـنـا عـن طـريـق الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) إلى بـغـداد.

وقـد أجّـر عـنـد وصـولـه إلى بـغـداد داراً في داخـل الـمـديـنـة الّـتي كـانـت تـحـيـط بـهـا الأسـوار، في جـانـب الـرّصـافـة، قـرب الـسّـراي وقـرب الأحـيـاء الـمـسـيـحـيـة والـقـنـصـلـيـات الأوربـيـة. واسـتـقـرّ في الـمـديـنـة يـتـاجـر بـالـكـريـسـتـال الّـذي كـان يـسـتـورده مـن مـنـطـقـة بـوهـيـمـيـا في أوربـا الـشّـرقـيـة وبـبـضـائـع أخـرى مـسـتـوردة.

وكـان أنـطـون زفـوبـودا يـتـكـلّـم عـدّة لـغـات أوربـيـة : الألـمـانـيـة والإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة والإيـطـالـيـة. وتـعـلّـم الـعـربـيـة والـتّـركـيـة لـتـسـيـيـر تـجـارتـه. كـمـا تـقـرّب مـن وجـهـاء الـبـلـد ومـن الـجـالـيـة الأوربـيـة في بـغـداد وخـاصـة الـدّبـلـومـاسـيـيـن مـنـهـم.

وقـد وثّـق عـلاقـات وديـة مـع الـقـنـصـل الـبـريـطـاني كـلـوديـوس ج. ريـج (ريـتـش)  Claudius James RICH الّـذي أقـام في بـغـداد مـن 1807  إلى 1821.

وكـان أنـطـون زفـوبـودا نـمـسـاوي ــ مـجـري الـجـنـسـيـة ولـهـذا كـان تـحـت حـمـايـة الـقـنـصـل الـبـريـطـاني، كـمـا كـان عـلى اتـصـال بـالـمـبـشـريـن الـدّيـنـيـيـن وبـالأوربـيـيـن الـمـسـافـريـن في الـشّـرق، وقـد حـافـظ عـلى صـلاتـه الـمـتـيـنـة بـكـلّ مـعـارفـه طـيـلـة حـيـاتـه وورثـهـا عـنـه أبـنـاؤه.

وفي 1825 تـزوّج أنـطـون بـفـتـاة بـغـداديـة مـسـيـحـيـة اسـمـهـا أوفـيـمي مـرادجـيـان، مـن عـائـلـة أرمـنـيـة امـتـهـنـت الـتّـجـارة مـنـذ أجـيـال، وأنـجـب مـنـهـا أحـد عـشـر ولـداً و بـنـتـاً. وبـهـذا أنـشـأ عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة.

وعـنـدمـا ازدهـرت تـجـارتـه، إشـتـرى أنـطـون أوّلاً الـدّار الّـتي كـان قـد أجّـرهـا عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد، ثـمّ اشـتـرى بـعـد ذلـك قـطـعـة أرض خـارج أسـوار الـمـديـنـة، جـنـوب الـبـاب الـشّـرقي عـلى ضـفـة دجـلـة، في مـنـطـقـة كـرد الـبـاشـا، وشـيّـد عـلـيـهـا داراً واسـعـة سـكـنـتـهـا عـائـلـتـه (2).

وقـد أقـام أنـطـون زفـوبـودا عـلاقـات مـتـيـنـة مـع الـوالي داود بـاشـا، آخـر الـمـمـالـيـك الّـذيـن حـكـمـوا بـغـداد، ثـمّ شـهـد سـقـوطـه في 1831.

ويـذكـر أنـطـون في إحـدى رسـائـلـه كـيـف فـقـد الـمـبـشـر الإنـكـلـيـزي أنـطـوني غـروفـس Anthony Groves  زوجـتـه وطـفـلـة رضـيـعـة كـانـت قـد ولـدت لـهـمـا في سـنـة 1931 الـرّهـيـبـة الّـتي عـانى فـيـهـا أهـل بـغـداد مـن وبـاء الـطّـاعـون وفـيـضـان نـهـر دجـلـة إضـافـة إلى الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة الّـتي صـاحـبـت سـقـوط داود بـاشـا.

وإذا مـا رجـعـنـا إلى الـيـومـيـات الّـتي سـجّـلـهـا أنـطـوني غـروفـس في بـغـداد عـامَي 1830 و 1831 نـجـده يـذكـر أنـطـون زفـوبـودا أربـع مـرّات :

Groves

في يـومـيـة 26 حـزيـران، ويـكـتـب اسـمـه Swoboda حـسـب الـلـفـظ الألـمـاني (يـلـفـظ حـرف w فـيـهـا v، أمّـا حـرف v فـيـلـفـظ f ). ويـذكـر أنّ “سـكـان الـمـديـنـة مـن الـمـحـمّـديـيـن (أي الـمـسـلـمـيـن) يـنـتـقـدون الـسّـلـطـان والـبـاشـا لإدخـالـهـمـا الـعـادات الأوربـيـة [في الـمـنـطـقـة]، ويـعـتـقـدون أنّـهـمـا اعـتـنـقـا الـمـسـيـحـيـة. وقـد سـأل أحـدهـم الـسـيـد زفـوبـودا عـن صـحـة مـا يـقـال مـن أنّ الـمـسـجـد الـقـديـم الـقـريـب مـن هـنـا سـيـحـول إلى كـنـيـسـة، وهـل أنّ ضـرب الـطّـبـول كـلّ مـسـاء عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة يـعـني أنّ الـبـاشـا اعـتـنـق الـدّيـن الـمـسـيـحي ؟”.

ويـذكـره في يـومـيـة 9 حـزيـران، ويـصـفـه بـأنّـه تـاجـر ألـمـاني (فـالـلـغـة الـرّسـمـيـة لـلإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ــ الـمـجـريـة كـانـت الألـمـانـيـة) : “أخـبـرني تـاجـر ألـمـاني، الـسّـيـد زفـوبـودا  Mr. Swoboda، أنّ أكـثـر مـن 15000 شـخـص مـاتـوا، بـعـضـهـم أصـيـبـوا بـالـطّـاعـون وبـعـضـهـم الآخـر بـسـقـوط دورهـم عـلـيـهـم في الـلـيـلـة الّـتي فـاض فـيـهـا نـهـر دجـلـة وأغـرق الـمـديـنـة”، ويـذكـر أنّ زفـوبـودا كـان يـمـتـلـك خـانـاً Khan في الـمـديـنـة.

ويـذكـره في يـومـيـة 23 آب، ويـسـمـيـه الـسّـيـد شـفـوبـودا Mr. Shwoboda : “وصـلـت رسـالـة أمـس إلى الـسّـيـد شـفـوبـودا  Mr. Shwoboda مـن طـبـيـب عـلي بـاشـا الـبـوهـيـمي الأصـل، والّـتي يـتـوجـه فـيـهـا إلى كـلّ الإفـرنـج Franks، ويـذكـر فـيـهـا أنّ عـلي بـاشـا أصـدر أمـراً لـكـلّ جـنـوده بـأن يـحـسـنـوا مـعـامـلـتـهـم”.

ويـذكـره أخـيـراً في يـومـيـة 6 أيـلـول : “إسـتـلـم الـسّـيـد زفـوبـودا Mr. Swoboda  رسـالـة مـن صـديـق لـه في داخـل مـعـسـكـر الـبـاشـا يـؤكّـد لـه فـيـهـا أنّ في حـوزة الـبـاشـا كـمـيـة كـبـيـرة مـن الـرّسـائـل والـطّـرود الـمـوجـهـة إلى الأوربـيـيـن”.

ومـن هـذا نـرى أهـمـيـة أنـطـون زفـوبـودا وسـط الـجـالـيـة الأوربـيـة في بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة.

وقـد الـتـقـت الـنّـمـسـاويـة إيـدا لـورا فـايـفـر Ida Laura PFEIFFER الّـتي مـرّت بـالـعـراق عـام 1848 وزارت بـغـداد بـأنـطـون زفـوبـودا. وبـعـد زيـارتـهـا لـمـا أسـمـتـه “ضـريـح الـمـلـكـة زبـيـدة”، كـتـبـت :

“وبـعـد أن زرت الـضّـريـح ابـتـعـدت عـن طـريـقي لأرى جـانـب الـمـديـنـة الّـذي هـجـره أهـلـه وخـرب بـعـد تـفـشي وبـاء الـطّـاعـون الأخـيـر. وقـد وصـف لي الـسّـيـد زفـوبـودا Swoboda وأصـلـه مـن بـلاد الـمـجـر، وصـفـاً مـرعـبـاً حـال الـمـديـنـة في زمـن ذلـك. وقـد تـحـصّـن في داره مـع عـائـلـتـه وخـادمـة لـهـم، بـعـد أن مـلأوا الـحـجـر بـالـمـؤونـة، ولـم يـكـونـوا يـحـتـاجـون إلّا إلى الـمـاء. وقـد أغـلـق الأبـواب والـنّـوافـذ وجـصـصـهـا، ولـم يـسـمـح لأحـد بـالـصـعـود عـلى الـسّـطـح أو بـتـنـفـس الـهـواء الـخـارجي. وقـد اسـتـطـاع بـهـذا أن يـحـفـظ لأهـلـه صـحـتـهـم بـيـنـمـا تـسـاقـط كـثـيـر مـن جـيـرانـه مـوتى. وكـان مـسـتـحـيـلاً دفـن جـثـثـهـم فـتّـركـت تـتـفـسـخ في أمـاكـنـهـا. وبـعـد أن انـتـهي الـوبـاء دخـل أعـراب الـبـاديـة الـمـديـنـة لـيـسـلـبـوا ويـنـهـبـوا. وكـان ذلـك سـهـلاً عـلـيـهـم ولـم يـقـاومـهـم مـن بـقي مـن الأحـيـاء وأضـعـفـهـم الـوبـاء. وأجـبـروا الـسّـيـد زفـوبـودا مـثـلـمـا أجـبـروا الآخـريـن عـلى إعـطـائـهـم بـعـض مـا يـمـتـلـكـون”.

ويـبـدو أنّ أنـطـون زفـوبـودا سـاعـد إيـدا فـايـفـر كـلّـمـا احـتـاجـت إلـيـه خـلال إقـامـتـهـا في بـغـداد. وقـد كـتـبـت : “ولأسـافـر مـن بـغـداد إلى الـمـوصـل بـأمـن واطـمـئـنـان وبـأرخـص مـا يـمـكـن، طـلـبـت مـن الـسّـيـد زفـوبـودا أن يـنـصـحـني بـحـادي جـمـال يـقـود قـافـلـة يـثـق بـه”. ووجـد لـهـا الـسّـيـد زفـوبـودا قـافـلـة تـغـادر بـغـداد في 14 حـزيـران.

(أنـظـر مـقـالي :  مـرور الـنّـمـسـاويـة إيـدا فـايـفِـر بـالـعـراق عـام 1848)

وتـوفي أنـطـون في بـغـداد سـنـة 1878، في الـثّـانـيـة والـثّـمـانـيـن مـن عـمـره.

جـوزيـف مـاتـيـا زفـوبـودا :

وقـد ولـد ابـن أنـطـون الـبـكـر، جـوزيـف مـاتـيـا Joseph Mathia، ويـعـرف أيـضـاً بـيـوسـف الـبـغـدادي، في بـغـداد سـنـة 1840. وقـضى عـدّة سـنـوات مـع أخـيـه الـفـنّـان إسـكـنـدر سـانـدور  Alexander Sandor في بـومـبي، الـهـنـد قـبـل أن يـعـود إلى بـغـداد في 1857. (أنـظـر مـقـالي عـن إسـكـنـدر سـانـدور : “فـنّـان بـغـدادي مـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشر لا يـتـذكّـره أحـد”)     https://almilwana.blogspot.com/2015/04/3-1.html).

وبـدأ جـوزيـف مـاتـيـا يـتـعـلّـم الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة مـع زوج أخـتـه ريـشـارد روجـرز  Richard Rogers في 1859. واسـتـمـرّ  روجـرز يـعـلّـمـه إيـاهـا ثـلاث سـنـوات حـتّى وفـاتـه في الـبـصـرة في 1862.

وفي هـذه الـسّـنـة الّـتي تـوفي فـيـهـا روجـرز، أي 1862، بـدأ جـوزيـف مـاتـيـا يـعـمـل كـكـاتـب في شـركـة الإخـوة لـنـتـش Lynch Brothers  (بـيـت لـنـج)        The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company الّـتي كـانـت تـسـيّـر سـفـنـهـا الـبـخـاريـة بـيـن بـغـداد والـبـصـرة.(3)

وقـد بـدأ عـمـلـه في الـشّـركـة بـرحـلـة عـلى إحـدى سـفـنـهـا :(City of London) الّـتي كـان يـقـودهـا الـكـابـتـن هـولانـد Captain Holland. وبـقي يـشـتـغـل في هـذه الـشّـركـة طـيـلـة حـيـاتـه.

وقـد بـدأ جـوزيـف مـاتـيـا في1861ـ 1862 بـكـتـابـة دفـاتـر يـومـيـات، واسـتـمـر في كـتـابـتـهـا إلى 1908، سـنـة وفـاتـه. وقـد سـجّـل فـيـهـا حـيـاتـه الـيّـومـيـة وحـيـاة أقـربـائـه، وكـلّ سـفـراتـه عـلى سـفـن بـيـت لـنـج الـبـخـاريـة وحـمـولـتـهـا وأسـمـاء الـمـسـافـريـن الـمـهـمّـيـن عـلـيـهـا وعـلاقـتـه مـع مـن كـان حـولـه، كـمـا سـجّـل الأحـداث الّـتي جـرت في تـلـك الـفـتـرة. وقـد كـتـبـهـا كـلّـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة، وهـو يـذكـر أنّ إنـكـلـيـزيـتـه تـحـسـنـت يـومـاً بـعـد يـوم بـكـتـابـتـه لـهـذه الـيـومـيـات.

دفـاتـر زفـوبـودا   The Svoboda Diaries:

بـقي 61 دفـتـراً مـن دفـاتـر زفـوبـودا في مـجـمـوعـة يـعـقـوب سـركـيـس الّـتي كـان قـد أهـداهـا إلى مـكـتـبـة الـحـكـمـة.

وفي نـهـايـة سـتـيـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن حـصـلـت مـرغـريـت مـكـيـة، الّـتي كـانـت تـدرّس في بـغـداد، بـمـسـاعـدة جـامـعـة بـغـداد، عـلى مـنـحـة مـن مـؤسـسـة كـولـبـنـكـيـان لـتـتـفـرغ لـنـقـل الـدّفـاتـر وضـربـهـا عـلى الآلـة الـكـاتـبـة. ووجـدت أنّ سـبـعـة دفـاتـر فـقـدت مـن الـ 61 دفـتـر الأصـلـيـة : وهي 1 و 2 و3 و 5 و 6 و 10 و 43. وذلـك قـبـل أن تـصـل الـدّفـاتـر الـبـاقـيـة إلى يـعـقـوب سـركـيـس والّـتي أهـداهـا إلى جـامـعـة الـحـكـمـة.

وقـد أكـمـلـت مـرغـريـت مـكـيـة نـقـل ثـلاثـيـن دفـتـراً مـن دفـاتـر جـوزيـف مـاتـيـا، ووصـلـت إلى الـدّفـتـر الـسّـادس والـثّـلاثـيـن، أي مـن عـام 1891 إلى عـام  1892. وقـد مـلأت بـنـقـلـهـا لـهـذه الـدّفـاتـر أكـثـر مـن 5000 صـفـحـة مـكـتـوبـة عـلى الآلـة الـكـاتـبـة. ونـشـرت مـقـالاً عـنـهـا في عـام 1969 تـضـمّـن مـقـاطـع كـثـيـرة مـن الـدّفـاتـر :

Margret Makiya, The Svoboda Diaries, Bagdad College of Art Journal, June 1969.

لـكـنّ الـجـزء الأكـبـر مـن الـمـعـلـومـات الّـتي تـخـصّ عـائـلـة زفـوبـودا كـتـبـهـا إسـكـنـدر ريـشـارد، إبـن جـوزيـف مـاتـيـا، في دفـاتـر يـومـيـاتـه (وهـو يـكـتـب اسـمـه : إسـكـنـدر ازفوبودا).

وقـد غـادر إسـكـنـدر في 1897، عـنـدمـا كـان في الـتّـاسـعـة عـشـرة مـن عـمـره، بـغـداد إلى الـقـاهـرة ثـمّ إلى إيـطـالـيـا وفـرنـسـا. وقـد خـصـص لـهـذه الأسـفـار جـزءاً مـن دفـاتـره، واسـتـمـرّ في كـتـابـة يـومـيـاتـه بـعـد أن رجـع إلى بـغـداد عـدّة سـنـوات بـعـد ذلـك. (أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق (3) : )

وكـان الأسـتـاذ هـنـري إسـكـنـدر لـويـس زفـوبـودا، الـمـهـنـدس الـمـعـمـاري الـمـعـروف، آخـر مـن بـقي مـن هـذه الـعـائـلـة في بـغـداد. وتـذكـر نـوف عـلّاوي Mrs Nowf Allawi، وهي مـعـمـاريـة عـمـلـت مـعـه، أنّـه كـان يـنـوي أن يـنـشـر هـذه الـيـومـيـات في كـتـاب، وأنّـهـمـا بـدءا بـتـحـقـيـق الـمـشـروع، ولـكـنّ الـغـزو الأمـريـكي لـلـعـراق أعـاق إكـمـال الـعـمـل في مـركـز الـمـخـطـوطـات الـوطـني في جـامـعـة بـغـداد، وكـذلـك في الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـغـداد.

ولا نـدري كـيـف وصـلـت الـدّفـاتـر إلى هـنـري زفـوبـودا، إذا صـحّ مـا ذكـرتـه نـوف عـلاوي، مـع أنّ الـ 61 دفـتـراً الّـتي بـقـيـت مـنـهـا، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، كـانـت في مـجـمـوعـة يـعـقـوب سـركـيـس الّـتي كـان قـد أهـداهـا إلى مـكـتـبـة الـحـكـمـة.

وقـد تـوفي هـنـري إسـكـنـدر لـويـس زفـوبـودا في 2005. وبـدلاً مـن أن تـسـلّـم نـوف عـلّاوي الـدّفـاتـر إلى وزارة الـثّـقـافـة الـعـراقـيـة كـجـزء مـن تـراث الـبـلـد الـثّـقـافي فـقـد قـررت الإتـصـال بـمـشـروع OTAP : The Ottoman Texts Archive Project في جـامـعـة واشـنـطـن، الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، الّـذي أسـرع مـسـؤولـوه بـأخـذهـا.

وقـد بـدأ مـشـروع الـ OTAP بـنـشـر 25 دفـتـراً مـنـهـا عـلى مـوقـعـه عـلى الانـتـرنـت. ولا نـجـد في الـمـوقـع ذكـراً لـمـجـمـوعـة يـعـقـوب سـركـيـس ولا لـلـعـمـل الّـذي قـامـت بـه مـرغـريـت مـكّـيـة.

ويـقـتـرح الـمـشـروع صـفـحـتـيـن جـنـبـاً لـجـنـب لـنـص يـومـيـات إسـكـنـدر ريـشـارد بـالـعـربـيـة وتـرجـمـتـه الإنـكـلـيـزيـة مـع شـروح ومـفـردات وفـهـارس. (4)

وبـانـتـظـار أن تـنـشـر دفـاتـر إسـكـنـدر ريـشـارد، (إبـن جـوزيـف مـاتـيـا) بـالـلـغـة الـعـربـيـة في طـبـعـة كـامـلـة ومـحـقـقـة، سـأحـاول أن أقـدّم لـكـم عـرضـاً إجـمـالـيـاً بـسـيـطـاً لـمـحـتـويـات دفـاتـر أبـيـه جـوزيـف مـاتـيـا (الـمـعـروف أيـضـاً بـيـوسـف الـبـغـدادي).

دفـاتـر جـوزيـف مـاتـيـا أو يـوسـف الـبـغـدادي :

يـذكـر جـوزيـف مـاتـيـا في يـومـيـاتـه (الّـتي نـشـرتـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة مـرغـريـت مـكّـيـة) كـيـف كـانـت الـمـلاحـة في دجـلـة صـعـبـةً، وكـيـف كـانـت الـسّـفـيـنـة الـبـخـاريـة تـقـضي يـومـيـن عـلى الأقـل بـيـن بـغـداد والـبـصـرة في أحـسـن الأحـوال، وتـقـتـضي الـسّـفـرة بـيـن سـتّـة أيّـام وعـشـرة في فـتـرات الـفـيـضـانـات. أمّـا صـعـود الـنّـهـر مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد فـقـد كان يـقـتـضي ثـلاثـة أيّـام ونـصـف عـلى الأقـل، وحـتّى ثـمـانـيـة أيّـام في بـعـض الأحـيـان. وعـنـدمـا يـنـخـفـض مـسـتـوى الـمـاء في الـصّـيـف، كـانـت الـمـلاحـة في الـلـيـل مـسـتـحـيـلـة، وحـتّى في الـنّـهـار كـانـت الـسّـفـيـنـة تـتـقـدم بـصـعـوبـة وبـطء.

ويـذكـر ضـجـر الـمـسـافـريـن الـشّـديـد في هـذه الـسّـفـرات الـطّـويـلـة ومـلـلـهـم مـن مـنـاظـر الـضّـفـاف الـجـرداء، ويـعـلـل هـذا بـأنّ حـاجـة الـسّـفـيـنـة لـلـحـطـب لـسـدّ حـاجـتـهـا لـبـخـار الـمـاء هي الّـتي عـرّت قـلـيـلاً فـقـلـيـلاً ضـفـتي الـنّـهـر مـن أشـجـار الـطّـرفـاء الّـتي كـانـت تـتـكـاثـف عـلـيـهـا.

ويـتـكـلّـم جـوزيـف مـاتـيـا في الـدّفـاتـر عـن نـفـس الـمـسـيـرة والـتّـوقـفـات الّـتي تـتـكـرر سـفـرة بـعـد سـفـرة، فـغـالـبـاً مـا كـانـت الـمـراكـب تـتـوقـف بـيـن الـبـصـرة والـقـرنـة لـزيـارة “جـنـة عـدن”، وبـعـد اجـتـيـاز الـقـرنـة تـمـرّ الـسّـفـيـنـة بـالأهـوار بـيـن مـزارع الـرّز.

ويـصـف جـوزيـف مـاتـيـا الـبـجـع الـمـسـمى بـأبي جـراب والـخـنـازيـر الـوحـشـيـة وأسـراب الأوز الـبـري الّـتي كـانـت فـيـهـا، وأكـواخ الـقـصـب الّـتي يـسـكـنـهـا الـمـعـدان. ثـمّ تـمـرّ الـسّـفـيـنـة بـقـبـر عـزرا (الـعـزيـر)، وهـو ضـريـح مـقـدّس كـان يـحـج إلـيـه الـيـهـود، ثـمّ أبـو سـدرة فـالـعـمـارة الّـتي أنـشـأت الـشّـركـة فـيـهـا مـخـزنـاً لـلـفـحـم، ثـمّ عـلي الـشّـرجي فـعـلي الـغـربي، وهي قـريـة صـغـيـرة عـلى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة فـيـهـا ضـريـحٌ يُـزار، ثـمّ شـيـخ سـعـد إلى أن تـتـوقـف في مـوت الـعـمـارة الّـذي أنـشـأت الـشّـركـة فـيـه مـخـزنـاً ثـانـيـاً لـلـفـحـم. ثـمّ الـعـزيـزيـة فـالـبـغـداديـة، الّـذي كـان حـصـنـاً بـني بـالـطّـيـن فـوق تـلّ كـان أحـد شـيـوخ عـشـيـرة الـزّبـيـديـة قـد شـيّـده لـيـفـرض الـخـاوة عـلى الـمـراكـب الـمـارّة بـه. وتـصـلّ الـسّـفـيـنـة بـعـد ذلـك إلى طـيـسـفـون ـ سـلـوقـيـة (سـلـمـان بـاك) قـبـل أن تـصـل إلى بـغـداد.

ولا يـهـمـل جـوزيـف مـاتـيـا في وصـفـه لأسـفـاره بـيـن بـغـداد والـبـصـرة ذكـر صـغـيـرة ولا كـبـيـرة ويـفـصّـل في مـقـطـع طـويـل كـيـف غـرقـت الـسّـفـيـنـة       The Dijla أمـام حـصـن الـبـغـداديـة في 1876. وقـد اسـتـدعي غـواصـون مـن إنـكـلـتـرة في مـحـاولـة لإخـراجـهـا مـن الـمـاء. وقـد انـقـذت بـعـض الـسّـلـع والـبـضـائـع، ولـكـنّ ارتـفـاعـاً سـريـعـاً لـمـيـاه نـهـر دجـلـة أجـبـرهـم عـلى تـركـهـا في أعـمـاق الـتّـيّـارات. وقـد حـلّ مـحـل هـذه الـسـفـيـنـة سـفـيـنـة أخـرى جـديـدة بـمـدخـنـتـيـن، صـنـعـت في إنـكـلـتـرة وركّـبـت في الـبـصـرة في 1877 واسـمـيـت “بـلـوس لـنـج Blosse Lynch”، يـمـكـنـهـا نـقـل 600  مـن الـمـسـافـريـن و 300  مـن أطـنـان الـبـضـائـع، وبـدأت سـفـراتـهـا في دجـلـة في 1878.

abdulaly-bros-5

ويـكـتـب  في الـثّـاني مـن تـمـوز 1878 أنّ الـحـنـطـة قـلّـت في الأسـواق وارتـفـعـت أسـعـارهـا لـقـلـة الـمـحـاصـيـل بـسـبـب نـدرة الأمـطـار وانـخـفـاض مـسـتـوى الـمـيـاه في الـنّـهـر. وفي 1879 شـحّ الـمـاء في دجـلـة حـتّى عـرقـل الـمـلاحـة الّـتي اسـتـحـالـت في بـعـض الـفـتـرات. وجـفّـت نـبـاتـات الـرّز وحـلّـت الـمـجـاعـة، واضـطـرت الـسّـلـطـات الـتّـركـيـة إلى تـشـيـيـد سـدود لإبـقـاء مـيـاه الأهـوار.

كـتـب في 12 حـزيـران : “وقـد أجـابـت الـحـكـومـة الـتّـركـيـة عـلى طـلـب شـيـوخ ألـبـو مـحـمّـد لـحـبـس مـاء الـنّـهـر بـسـدّ لـكي يـزرعـوا الـرّز، لأنّ مـسـتـوى الـمـاء لـم يـرتـفـع هـذا الـعـام. وإن لـم يـسـتـطـيـعـوا الـزّرع هـذا الـعـام فـسـتـفـقـد الـحـكـومـة حـوالي 000، 800 شـامي مـن الـضّـرائـب عـلى الـرّز. وقـد قـدّم أشـرف بـاشـا هـذا الـمـشـروع إلى والي بـغـداد، الّـذي أبـلـغـه لـلـقـنـصـل الـبـريـطاني أمـس. وهـو سـيـبـلّـغ بـذلـك مـسـؤولي شـركـة The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company وحـلّ الـقـحـط في شـتـاء 1879ـ 1880 واشـتـدت الـمـجـاعـة، خـاصـة في شـمـال الـبـلاد.

ويـذكـر في31 كـانـون الـثّـاني 1880 : “تـجـمـدت كـلّ أشـجـار الـلـيـمـون مـن شـدّة الـبـرد، وتـيـبّـس سـعـف الـنّـخـيـل في أمـاكـن مـن بـغـداد. وكـان الـطّـقـس قـاسـيـاً هـذا الـشّـتـاء في الـمـنـاطـق شـمـال الـمـوصـل، وتـسـاقـطـت كـمـيـات هـائـلـة مـن الـثّـلـوج”.

وفي 1880، سـيّـرت الـشّـركـة سـفـيـنـة بـخـاريـة جـديـدة The Khalifah، وبـدأت أولى سـفـراتـهـا مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد في 27 نـيـسـان. وقـد حـمـلّـت طـحـيـنـاً بـعـث لـيـخـفـف مـن الـمـجـاعـة في الـشّـمـال.”

Meso-Baghdad Khalifa Boat 1918[ 1200]

وقـد تـزوّج جـوزيـف مـاتـيـا في 1877 بـإلـيـزا جـبـرا مـاريـن أرمـلـة فـتـح الله صـايـغ، وأنـجـب مـنـهـا ولـداً: إسـكـنـدر ريـشـارد، وبـنـتـاً : كـارولـيـن أوفـيـمي روز. وتـوفي في بـغـداد سـنـة 1908.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  يـبـدو أنّـه ولـد في مـديـنـة Osijek  الّـتي تـقـع في كـرواتـيـا الـحـالـيـة والّـتي كـانـت جـزءاً مـن الـمـجـر في داخـل الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ــ الـمـجـريـة.

(2) سـكـنـت عـائـلـة زفـوبـودا هـذه الـدّار حـتّى وفـاة آخـر أفـرادهـا : الـمـعـمـاري الـمـعـروف هـنـري زفـوبـودا.

(3)  بـيـت لـنـج The House of Lynch : قـد أنـشـأ الإخـوة لِـنـتـش شـركـة       The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company عـام 1861، وبـدأوا بـبـاخـرتـيـن مـن 100 طـنّ بـيـن بـغـداد والـبـصـرة، كـانـت تـنـقـل مـعـاً الـمـسـافـريـن والـصّـوف والـتّـمـر والـرّز وبـضـائـع أخـرى.

(4) أنـظـر :

Joseph Svopoda. Svobodapedia. 1st ed. Seattle: University of Washington (The Ottoman Texts Archive  Project:  OTAP) , 2010.

Antone Svopoda. Svobodapedia. 1st ed. Seattle: University of Washington, 2011.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الـمـتـاجـرة بـالآثـار الـبـابـلـيـة في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

إسـتـلـم الـمـسـتـشـرق الـبـريـطـاني ولـيـام رايـت  W. Wright الّـذي كـان يـدرّس في جـامـعـة كـمـبـردج رسـالـة مـن الـمـسـتـشـرق الألـمـاني الـدّكـتـور سـاخـاو  Sachau  بـعـد عـودتـه مـن جـولـة في شـمـال الـعـراق عـام 1887/1886 يـخـبـره فـيـهـا أنّ أصـدقـاء لـه كـانـوا قـد زاروا نـيـنـوى وبـغـداد واشـتـروا مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الآثـار الآشـوريـة مـن حـارس الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في نـيـنـوى. كـمـا اشـتـروا 300 مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة الـبـابـلـيـة مـن حـارس الـتّـنـقـيـبـات في “أبـو حـبّـة”، جـنـوب بـابـل.

وقـد أبـلـغ مـسـؤولـو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني هـرمـزد رسّـام (1) الّـذي كـان قـد أشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات في الـمـوقـعـيـن وعـيّـن الـحـارسـيـن بـهـذا الأمـر، وطـلـبـوا مـنـه الـتّـحـقـيـق في هـذه الـمـتـاجـرة. وأجـاب هـرمـزد رسّـام أنّ مـا ذكـر عـن شـراء الألـمـان لـلآثـار كـان صـحـيـحـاً ولـكـنّـهـم لـم يـشـتـروهـا مـن حـرّاسـه وإنّـمـا مـن أهـل الـبـلـد.

ولـم يـقـتـنـع مـسـؤولـو الـمـتـحـف بـجـواب هـرمـزد رسّـام فـقـرروا إرسـال والـيـس بـدج Wallis BUDGE إلى الـعـراق لـلـتـحـقـيـق في الأمـر، خـاصـة وأنّـهـم اكـتـشـفـوا أنّ قـطـعـاً أثـريـة وألـواحـاً مـسـمـاريـة أخـرى سـرقـت مـن الـمـواقـع الّـتي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـنـقـب فـيـهـا وخـاصـة في بـابـل، وكـان بـعـضهـا يـبـاع في لـنـدن، عـلى بـعـد خـطـوات مـن الـمـتـحـف !

وكـان مـن بـيـن مـهـمـات والـيـس بـدج أيـضـاً أن يـتـقـرّب مـن مـهـربي الآثـار في الـعـراق لـيـشـتـري مـنـهـم مـا يـسـتـطـيـعـه وبـأسـعـار رخـيـصـة. وكـانـت مـهـمـتـه الـثّـالـثـة أن يـذهـب إلى إسـطـنـبـول لـلـحـصـول عـلى سـمـاح بـتـنـقـيـبـات جـديـدة لـلـحـصـول عـلى قـطـع أثـريـة وألـواح أخـرى.

كـمـا قـام والـيـس بـدج بـنـفـس الـمـهـمـة في مـصـر الّـتي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـعـاني فـيـهـا مـن نـفـس الـمـشـاكـل.  وعـاد إلى لـنـدن بـعـد هـذه الـسّـفـرات بـمـجـمـوعـات كـبـيـرة مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة وبـقـطـع أثـريـة وبـنـصـوص مـصـريـة.

والـيـس بـدج :

واليس بدج

 كـان إرنـسـت ألـفـريـد والـيـس بـدج  Wallis BUDGE قـد درس في جـامـعـة كـمـبـردج الـلـغـات الـشّـرقـيـة : الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة والـحـبـشـيـة والـعـربـيـة مـن 1878 إلى 1883، واسـتـمـرّ يـدرس الـلـغـة الآشـوريـة وحـده بـعـد ذلـك.

وعـيّـن عـام 1883، في قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة (الّـذي تـغـيّـر اسـمـه عـام 1886 لـيـصـبـح : قـسـم الآثـار الـمـصـريـة والآشـوريـة) في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني (2). وبـعـد إحـالـة الـمـسـؤول عـن الـقـسـم، بـيـتـر لـوبـاج ريـنـوف P. L. RENOUF عـلى الـتّـقـاعـد، عـيّـن والـيـس بـدج مـسـاعـداً لـمـسـؤول الـقـسـم، ثـمّ أصـبـح في عـام 1894 مـسـؤولاً عـنـه، وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1924.

وقـد وصـل والـيـس بـدج إلى الـعـراق في زيـارتـه الأولى عـام 1887 بـعـد أن قـضى عـدّة أشـهـر في مـصـر. وغـادر مـصـر عـن طـريـق الـبـحـر الأحـمـر إلى عـدن ثـمّ مـسـقـط وصـعـد الـخـلـيـج إلى الـبـحـريـن والـفـاو ووصـل إلى شـطّ الـعـرب والـبـصـرة. ومـن الـبـصـرة صـعـد إلى بـغـداد ثـمّ ذهـب لـزيـارة بـابـل.

وقـد فـصّـل والـيـس بـدج الـكـلام عـن سـفـراتـه إلى الـعـراق ومـصـر في كـتـاب بـجـزئـيـن صـدر في لـنـدن عـام 1920 بـعـنـوان : “إلى الـنّـيـل ودجـلـة، سـرد سـفـرات في مـصـر ومـا بـيـن الـنّـهـريـن لـصـالـح الـمـتـحـف الـبـريـطـاني بـيـن 1886 و 1913” :

 

الـمـتـاجـرة بـالآثـار الـبـابـلـيـة :

كـتـب والـيـس بـعـد أن زار بـابـل :

“عـنـدمـا عـدنـا إلى الـحـلّـة ذهـبـنـا إلى مـكـان إقـامـتـنـا في دار يـهـودي. وبـعـد قـلـيـل وصـل أهـل الـبـلـد الـواحـد بـعـد الآخـر وجـلـسـوا لـصـق جـدران الـغـرفـة، وأخـرج كـلّ مـنـهـم مـن ثـيـابـه قـطـعـاً أثـريـة.

وعـنـدمـا خـرجـوا في نـهـايـة الأمـسـيـة جـلـب مـضـيّـفـنـا عـدداً مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـهـمـة الّـتي كـان قـد حـصـل عـلى بـعـضـهـا مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة. واشـتـريـت بـعـضـاً مـنـهـا بـأسـعـار مـقـبـولـة، ومـن بـيـنـهـا وزن مـن حـجـر الـبـازلـت بـثـقـل ثـلـثي مـانـا وشـقـل واحـد.

وكـانـت ألـواح الـصـلـصـال الّـتي أرانـا إيـاهـا مـضـيّـفـنـا وأصـحـابـه قـد جـاءت مـن مـوقـعَـيـن [قـرب بـابـل] يـنـقّـب بـهـمـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني : “إبـراهـيـم الـخـلـيـل” و “جـمـجـمـة”. ويـعـود تـاريـخـهـمـا إلى الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة، واخـتـرت كـثــيـراً مـنـهـا واشـتـريـتـهـا.

وبـعـد أن انـتـهـيـنـا مـن الـبـيـع والـشّـراء جـلـسـنـا نـتـحـدّث حـتّى سـاعـة مـتـأخّـرة مـن الـلـيـل عـن تـنـقـيـبـات بـابـل والـمـنـاطـق الـمـجـاورة لـهـا. وكـان [مـضـيّـفي] مـتـلـهـفـاً إلى مـعـرفـة الـتّـاريـخ الـقـديـم لـلـبـلـد لأنّ مـعـلـومـاتـه لـم تـكـن تـتـجـاوز مـا قـرأه عـنـه في الـتّـوراة. ورغـم أنّ أعـداداً مـن كـتـب الـتّـاريـخ نـشـرت عـن الـمـوضـوع فـلـم يـكـن مـن بـيـنـهـا مـا كـتـب بـلـغـة يـحـسـنـهـا. ووجـدت أنّـه فـوق ذلـك كـان يـجـهـل جـهـلاً تـامّـاً كـتـب الـبـلاذري وابـن الأثـيـر والـمـسـعـودي وغـيـرهـم”.

وعـنـدمـا اسـتـجـوبـه والـيـس بـدج عـن نـبـش أهـل الـبـلـد عـن الآثـار في بـابـل أجـابـه :

“يـشـتـري تـجّـار مـن الـحـلّـة ومـن أمـاكـن أخـرى، وكـذلـك مـقـاولـو بـنـاء سـمـاحـاً مـن الـسّـلـطـات الـمـحـلّـيـة لـيـسـتـخـرجـوا طـابـوق الأبـنـيـة الأثـريـة، وكـذلـك الـسِّـبـاخ  sibâkh الّـذي يـسـتـعـمـل كـسـمـاد في الـحـقـول. ويـفـضـل الـعـمّـال الّـذيـن يـبـعـثـونـهـم لـذلـك أن يـنـبـشـوا في الـخـنـادق والأنـفـاق الـتّي حـفـرت خـلال تـنـقـيـبـات الـبـعـثـات الأوربـيـة، فـالـحـفـر فـيـهـا أسـهـل عـلـيـهـم، ولأنّـهـم يـجـدون فـيـهـا ألـواح صـلـصـال وأسـطـوانـات حـجـريـة [مـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة] وأحـجـار كـريـمـة … أنـزلـتـهـا الأمـطـار فـيـهـا”.

وأكـمـل مـجـيـبـاً عـلى سـؤالـه : “والأمـر يـجـري عـلى هـذا الـمـنـوال مـنـذ أقـدم الأزمـان، والـنّـاس يـأتـون لأخـذ الـطّـابـوق لأبـنـيـتـهـم مـن بـابـل وبـيـرس [نـمـرود]. وقـد اشـتـرى أبي وجـدّي دائـمـاً الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان يـجـدهـا الـمـنـبّـشـون ويـبـيـعـانـهـا. ثـمّ أن أعـداداً مـن أصـحـاب الـمـراكـب يـعـيـشـون مـن نـقـل هـذا الـطّـابـوق إلى الـقـرى الـمـحـاذيـة لـلـنّـهـر جـنـوبـاً وشـمـالاً”. “وعـنـدمـا كـان الـنّـاس يـجـدون جـزءاً مـن بـنـاء أو جـداراً قـديـمـاً في الـخـرائـب كـانـوا يـتـظـافـرون عـلى هـدمـه مـعـاً ثـمّ يـتـقـاسـمـون الـطّـابـوق حـسـب مـا كـانـوا قـد اتّـفـقـوا عـلـيـه. وتـغـمـض الـسّـلـطـات أعـيـنـهـا مـقـابـل بـخـشـيـش bakhshîsh يـدفـعـونـه لـهـا.  ومـوظـفـو الـمـيـري أنـفـسـهـم يـأخـذون الـطّـابـوق عـنـدمـا يـحـتـاجـون إلـيـه مـثـلـمـا حـدث عـنـد تـشـيـيـد الـسّـد عـلى قـنـاة الـهـنـديـة الّـذي شـيّـد بـكـامـلـه بـطـابـوق نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني الّـذي أخـذ مـن بـابـل”.

وهـنـا أقـطـع سـرد والـيـس بـدج لأذكـر لـكـم مـا رآه الـمـبـشـر هـنـري سـتـيـرن Henry Stern عـنـد زيـارتـه لـبـابـل، وكـان قـد زار الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1844، ثـمّ عـاد إلـيـه عـام 1850 وأقـام فـيـه ثـلاث سـنـوات حـتّى عـام 1853، وكـتـب :

“بـيـنـمـا كـنـت أتـمـعـن الـنّـظـر في هـذه الـخـرائـب الـعـظـيـمـة رأيـت عـدّة فـلاحـيـن مـنـهـمـكـيـن بـمـسـاحـيـهـم بـإخـراج طـابـوق بـقي سـالـمـاً لـم يـتـكـسـر مـن بـيـن أكـوام الـتّـراب والـشّـظـايـا الـمـحـطّـمـة، يـحـمـلـونـه عـلى ظـهـور حـمـيـرهـم حـتّى ضـفـة الـنّـهـر ويـنـقـلـونـه عـلى مـركـب. والأمـر يـجـري عـلى هـذا الـمـنـوال مـنـذ قـرون طـويـلـة، ومـع ذلـك تـبـدو الـتّـلال كـمـا لـو لـم يـؤخـذ مـنـهـا شئ”. (أنـظـر مـقـالي : رحـلـة هـنـري سـتـيـرن إلى الـعـراق ).

وأعـود الآن إلى مـا كـتـب والـيـس بـدج الّـذي سـأل مـضـيّـفـه عـن فـائـدة الـحـرّاس الّـذيـن تـضـعـهـم بـعـثـات الـتّـنـقـيـبـات في الـمـواقـع، فـأجـابـه :

“لا أرى فـائـدة مـنـهـم، فـالـمـواقـع لـيـسـت مـلـكـاً لـهـذه الـبـعـثـات الأجـنـبـيـة، وإنّـمـا سـمـح لـهـا فـقـط أن تـنـقّـب فـيـهـا لـمـدد مـحـددة. ولـيـس لـهـذه الـبـعـثـات الـحـقّ في وضـع حـرّاس في أراضي الـسّـلـطـان. ثـمّ إنّ هـؤلاء الـحـرّاس عـاجـزون عـن مـنـع الآخـريـن مـن الـنّـبـش في الـمـوقـع. الـحـكـومـة فـقـط يـمـكـنـهـا أن تـحـافـظ عـلى الـمـواقـع وتـحـمـيـهـا، ولـهـذا كـان عـلى الـبـعـثـات أن تـطـلـب حـمـايـة الـجـنـود”.

وأكـمـل : “وإذا مـنـع الـنّـاس مـن الـحـفـر لأخـذ الـطّـابـوق مـن بـابـل أو مـن بـيـرس [نـمـرود] فـمـن أيـن يـمـكـنـهـم أخـذه لـتـشـيـيـد مـنـازلـهـم ؟ فـلا يـمـكـن أن يـسـحـب مـنـهـم هـذا الإمـتـيـاز الّـذي تـعـودوا عـلى اسـتـعـمـالـه مـنـذ قـرون طـويـلـة. وجـوامـع الـحـلّـة والـكـوفـة ومـسـجـد حـسـيـن  Masjid Husen ومـسـجـد عـلي Masjid Alî ومـعـابـد الـيـهـود ودار كـلّ يـهـودي وشـيـعي وسـنّي شـيّـدت بـكـامـلـهـا بـطـابـوق بـابـل. وعـنـدمـا اسـتـخـرج الـمـنـقّـبـون الـبـريـطـانـيـيـن في حـوالي 1880 تـمـاثـيـل مـن الـحـجـر الـجـيـري مـن بـاطـن الأرض، حـطّـمـهـا الـنّـاس بـعـدهـم واسـتـعـمـلـوهـا في جـصّ الـبـنـاء. ولـم يـكـن عـلـيـهـم أن يـتـركـوهـا في وسـط الـخـرائـب بـعـد أن اسـتـخـرجـوهـا”.

بيرس نمرود بدج

وعـنـدمـا ألـحّ والـيـس بـدج في اسـتـجـواب مـضـيّـفـه أجـابـه أنّـه لـم يـمـارس الـحـفـر لأخـذ الـطّـابـوق فـقـد أصـبـحـت تـكـالـيـف ذلـك أكـثـر مـمـا كـانـت عـلـيـه في الـمـاضي، فـقـد أخـذ الـنّـاس الـطّـابـوق الّـذي كـان قـريـبـاً مـن سـطـح الأرض ويـنـبـغي الآن الـحـفـر عـمـيـقـاً لـلـوصـول إلـيـه، ثـمّ أن كـثـيـراً مـن الـطّـابـوق تـكـسّـر لـقـلـة عـنـايـة الـنّـاس في جـمـعـه ولـم يـعـد لـه قـيـمـة. والـسّـبـب في ذلـك أن الـجـدران شـيّـدت بـطـبـقـات مـن الـقـار وضـعـت بـيـن الـطّـابـوق تـربـط بـيـنـه ربـطـاً وثـيـقـاً ولـهـذا يـصـعـب فـصـل طـابـوقـة عـن أخـرى فـيـتـحـطـم كـثـيـر مـنـهـا. والـنّـاس يـحـتـاجـون إلى آلات أفـضـل لـلـقـيـام بـهـذا الـعـمـل ولـكـن لا يـمـكـن شـراؤهـا فـلا أحـد في الـحـلّـة يـعـرف كـيـف يـصـنـعـهـا. وقـد سـمـع أنّ الإفـرنـجـيـيـن  Franjîs يـسـتـعـمـلـون نـوعـاً مـن الـبـارود لإسـقـاط الـجـدران. وذكـر أن بـعـض أصـدقـائـه رأوا الـمـهـنـدس الـفـرنسي الـعـالي [ويـقـصـد بـه مـوجـيـل Moujel ] يـسـتـعـمـل هـذا الـبـارود عـنـدمـا جـمـع الـطّـابـوق الّـذي أصـلـح بـه سـدّة [الـهـنـديـة]. وقـد سـاعـدوه في ذلـك، ودفـع لـهـم أجـرهـم “بـكـرم الأمـراء”.

ثـمّ أخـبـره أنّـه لا يـعـرف شـيـئـاً عـن الـقـطـع الأثـريـة، وسـألـه عـن أي نـوع مـن الآثـار كـان يـبـحـث وكـيـف يـمـكـنـه أن يـعـرف أنّـهـا أصـلـيـة ولـيـسـت مـزيـفـة :

“فـشـرحـت لـه حـسـب مـا اسـتـطـعـت بـلـغـتي الـعـربـيـة الـضّـعـيـفـة الـفـرق بـيـن ألـواح الـصّـلـصـال الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة والـبـابـلـيـة الـمـتـأخّـرة ووصـفـت لـه الأسـطـوانـات والأخـتـام … إلـخ. الّـتي كـنّـا نـبـحـث عـنـهـا. وذكـرت لـه أسـمـاء بـعـض الـمـواقـع الّـتي عـثـر فـيـهـا عـلى ألـواح مـسـمـاريـة، وألـحـحـت عـلـيـه أن يـبـدأ بـالاتـصـال بـسـكـان ضـفـاف شـطّ الـحي. وبـالـمـقـابـل أعـطـاني أسـمـاء الأشـخـاص الّـذيـن كـان يـعـمـل مـعـهـم في بـغـداد ولـنـدن ووعـدني أن يـبـعـث لي عـن طـريـقـهـم بـالـقـطـع الأثـريـة الّـتي أراني إيـاهـا هـذا الـمـسـاء. وقـد وفى لي بـوعـده وبـعـث بـمـجـمـوعـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة إلى لـنـدن واشـتـرتـهـا مـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحف الـبـريـطـاني. وكـان مـن بـيـن مـا طـلـبـت مـنـه أن يـبـحـث عـنـهـا أخـتـام مـن الـهـيـمـاتـيـت (حـجـر الـدّم) الّـتي نـقـشـت عـلـيـهـا تـصـاويـر آلـهـة بـابـل الـقـديـمـة ومـشـاهـد أسـطـوريـة … إلـخ. وقـد أجـابـني أنّـه رغـم أنّ أعـداداً كـبـيـرة مـنـهـا وجـدت في الـتّـلـول tulûl فـإنّـهـا نـادراً مـا تـصـل إلى الـمـدن لأنّ الـفـلاحـيـن يـحـتـفـظـون بـهـا ويـرتـدونـهـا كـتـعـاويـذ. والـرّجـال مـثـل الـنّـسـاء يـدخـلـون في ثـقـوبـهـا خـيـوط قـنّـب ويـربـطـونـهـا تـحـت أذرعـهـم الـيـمـنى. وبـعـد أن تـحـتـك الأخـتـام بـمـلابـسـهـم الـمـلـيـئـة بـالـرّمـل والـغـبـار عـدّة سـنـوات تـفـقـد الـتّـصـاويـر الـمـنـقـوشـة عـلـيـهـا أشـكـالـهـا ولا يـمـكـن قـراءة كـتـابـاتـهـا الـمـسـمـاريـة”.

ويـكـمـل والـيـس بـدج قـائـلاً : “ولا شـكّ في أنّـه لا يـمـكـن إيـقـاف الـحـفـريـات الّـتي نـعـتـبـرهـا “غـيـر شـرعـيـة”. ويـبـدو أكـيـداً أنّـه لا حـقّ لـنـا في وضـع حـراسـنـا في أمـاكـن الـتّـنـقـيـبـات، وهي ضـدّ حـقـوقـهـم الّـتي ورثـوهـا مـنـذ زمـن طـويـل. وأدركـت مـمـا ذكـره مـضـيّـفي أنّ الـخـنـادق والأنـفـاق الّـتي حـفـرهـا الـمـنـقـبـون الـبـريـطـانـيـون الأوائـل تـسـاعـد الـبـاحـثـيـن عـن الـطّـابـوق الّـذيـن يـنـبـشـون فـيـهـا وتـسـهـل لـهـم عـمـلـهـم. ولا يـمـكـنـنـا إلّا أن نـأسـف عـنـدمـا نـفـكّـر بـأنّ مـا فـعـلـه راولـنـسـن ومـن تـبـعـوه سـبّـب إسـقـاط جـدران قـصـور بـابـل وسـرقـة طـابـوقـهـا. ومـن الـواضـح أنّ هـنـاك مـتـاجـرة مـنـظـمـة بـالـقـطـع الأثـريـة. وإذا لـم تـسـتـطـع حـكـومـة بـغـداد [الـعـثـمـانـيـة] إيـقـافـهـا، فـكـيـف يـمـكـن لأجـنـبي أن يـفـعـل ذلـك؟ وحـتّى لـو كـان مـن الـسّـهـل عـلى حـمـدي بـك ووزراء إسـطـنـبـول تـشـريـع قـوانـيـن، فـهـل كـانـوا سـيـسـتـطـيـعـون تـطـبـيـقـهـا في مـنـطـقـة تـبـعـد عـنـهـم بـحـوالي ألـفي كـيـلـومـتـر ؟”.

“ومـنـذ زيـارتي لـلـحـلّـة، بـدأ انـتـبـاه أهـل الـبـلـد يـزداد عـنـدمـا يـحـفـرون ويـجـدون ألـواحـاً مـسـمـاريـة، ويـبـذلـون جـهـداً لـكي لا يـكـسـروهـا بـمـعـاولـهـم، لا لأنّـهـم يـقـدّرون قـيـمـتـهـا الـتّـاريـخـيـة ولـكـن لأني لا أشـتـريـهـا مـنـهـم إذا تـكـسّـرت أجـزاء مـنـهـا”.

ويـكـمـل والـيـس بـدج : “وتـركـنـا الـحـلّـة في فـجـر الـيـوم الـتّـالي عـائـديـن إلى جـمـجـمـة لـنـسـتـطـلـع خـرائـب بـابـل. ويـبـدو أن الـكـلّ بـدأوا يـعـرفـون أنـنـا نـشـتـري قـطـعـاً أثـريـة، فـفي عـدّة أمـاكـن، أوقـفـنـا رجـال، وحـتّى أطـفـال وألـحـوّا عـلـيـنـا لـشـراء ألـواح مـسـمـاريـة يـحـمـلـونـهـا في أيـديـهـم. واشـتـريـت عـدداً مـن الألـواح الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة بـأثـمـان زهـيـدة وعـدّة قـطـع كـبـيـرة مـن نـصّ أصـرحـدون الأسـطـواني دفـعـت مـجـيـدي (3) majîdî  لـكـلّ واحـد مـنـهـا”.

“وذهـبـنـا في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن شـبـاط إلى تـلّ جـمـجـمـة […] لـنـرى الـجـزء الّـذي كـان قـد نـقّـبـه هـرمـزد رسّـام. وكـان بـعـض أهـل الـمـنـطـقـة يـعـرفـون مـوقـعـه فـقـادونـا إلـيـه حـالاً. ووجـدنـا رجـالاً يـحـفـرون في كـلّ مـكـان، لا بـحـثـاً عـن الـطـابـوق، كـمـا تـصـورنـا، بـل عـن الألـواح الـمـسـمـاريـة. وطـلـبـنـا مـقـابـلـة الـحـارس الّـذي كـان يـنـبـغي أن يـكـون في الـمـوقـع أو قـربـه، ولـكـن لـم يـكـن هـنـاك حـارس. واسـتـغـرب أهـل الـبـلـد مـن سـؤالـنـا وأخـبـرونـا أنّـهـم لـم يـروا أبـداً حـارسـاً ولا عـسـاسـاً في الـمـكـان وأنّ لـكـلّ مـنـهـم الـحـق في الـحـفـر في أيـن مـكـان كـان مـن الـخـرائـب، يـأخـذون مـنـهـا الـسّـبـاخ لـحـقـولـهـم والـطّـابـوق لـبـنـاء مـنـازلـهـم، إلّا إذا مـنـعـهـم مـن ذلـك حـاكـم الـحـلّـة الـتّـركي. ثـمّ ذهـب أحـدهـم وعـاد بـسـلّـة مـلـيـئـة بـألـواح مـن الـفـتـرة الـفـارسـيـة والـفـتـرات الـمـتـأخّـرة.

لوح مسماري بدج

وعـنـدمـا سـألـنـاهـم لـمـاذا يـحـفـرون في الـلـيـل وهـم يـسـتـطـيـعـون الـحـفـر في الـنّـهـار، أجـابـونـا أنّـهـم يـحـفـرون في الـظّـلام لأخـذ الألـواح الـمـسـمـاريـة لأنّ قـيـمـتـهـا أكـبـر مـن قـيـمـة الـطّـابـوق. ويـشـتـريـهـا مـنـهـم مـوظـفـون في الـحـلّـة يـأخـذونـهـا خـفـيـة إلى بـغـداد ويـبـيـعـونـهـا لـتـجـار يـصـدرونـهـا إلى إنـكـلـتـرة. واشـتـريـنـا مـنـهـم كـلّ الألـواح الّـتي في الـسّـلّـة بـبـضـعـة قـروش لـلّـوح الـواحـد. وسـمـعـنـا نـفـس هـذا الـكـلام خـلال تـجـوالـنـا فـيـمـا حـول جـمـجـمـة، ورأيـنـا بـعـضـاً مـن أهـل الـبـلـد يـحـمـلـون ألـواحـاً كـسّـرت ضـربـات الـمـعـاول بـعـض أجـزائهـا ولا تـسـتـحـق الـشّـراء”.

ويـتـكـلّـم عـن تـنـقـيـبـات هـرمـزد رسـام الّـتي قـام بـهـا لـحـسـاب الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في تـلال “أبـو حـبّـة (مـوقـع مـديـنـة سـيـبـار الـقـديـمـة)” والّـتي كـان قـد بـدأهـا قـبـل أن يـحـصـل عـلى سـمـاح مـن الـسّـلـطـات الـتّـركـيـة الّـتي أجـبـرتـه عـلى إيـقـافـهـا بـعـد أن حـفـر ثـلـث الـمـوقـع. وقـد سـمـع والـيـس بـدج أنّ الـمـسـؤول الـتّـركي اسـتـولى عـلى أعـداد كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة في الـمـوقـع وبـاعـهـا لـتـجّـار الآثـار. ومـنـذ ذلـك الـحـيـن نـظّـم هـؤلاء الـتّـجـار حـفـريـاتـهـم في “أبـوحـبّـة” بـأنـفـسـهـم وبـعـثـوا مـا وجـدوه إلى لـنـدن”.

“وتـلال “أبـو حـبّـة” أربـعـة، ثـلاثـة مـنـهـا كـبـيـرة والـتّـل الـرّابـع صـغـيـر […] وفي عـدّة أمـاكـن مـنـهـا نـبـشـت الأرض وحـفـرت في سـفـوح الـتّـلال أنـفـاق لأنّ هـدف الـسّـيّـد رسّـام كـان الـعـثـور عـلى قـطـع أثـريـة بـأسـرع مـا يـمـكـن وبـأقـلّ الـتّـكـالـيـف”. “ووجـد في أحـد هـذه الـتّـلال بـقـايـا مـئـات مـن الـحُـجـر الـصّـغـيـرة الّـتي كـان فـيـهـا كـلّـهـا ألـواح مـسـمـاريـة مـن صـلـصـال لـم يـفـخـر وخـاصـة مـن فـتـرة حـكـم الـمـلـك الـبـابـلي نـبـو نـيـد (مـن 556 إلى 538 قـبـل الـمـيـلاد). وقـد وضـعـهـا أهـل الـبـلـد في الـنّـار لـيـحـولـوهـا إلى فـخـار صـلـب ولـكـنّـهـا تـكـسّـرت وتـسـاقـطـت شـظـايـا”.

وقـد وجـد والـيـس بـدج الـحـارس الّـذي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـدفـع لـه راتـبـاً لـحـراسـة الـمـوقـع وعـرف مـنـه أنّـه كـان هـو نـفـسـه يـجـمـع الآثـار الّـتي كـان أهـل الـبـلـد يـنـبـشـون الـتّـلال بـحـثـاً عـنـهـا ويـحـمـلـهـا إلى بـغـداد لـيـبـيـعـهـا لـه شـقـيـقـاه فـيـهـا.

وعـنـدمـا سـألـه كـيـف يـسـتـطـيـع عـبـور جـسـر الـقـوارب مـن غـيـر أن يـشـتـبـه بـه مـوظـفـو الـجـمـرك  gumruk، شـرح لـه  أنّـه كـان يـرتـدي مـعـطـفـاً واسـعـاً يـنـزل إلى قـدمـيـه خـاط في بـطـانـتـه صـفـوفـاً مـن الـجـيـوب الـصـغـيـرة يـضـع فـيـهـا الألـواح. أمّـا في مـا يـخـصّ الـقـطـع الأثـريـة الـكـبـيـرة فـيـدخـلـهـا لـه أصـدقـاء يـصـاحـبـون قـافـلـة ويـضـعـونـهـا في داخـل الـسّـلـع وفي بـعـض الأحـيـان يـسـاعـده أصـدقـاء إيـرانـيـون يـجـلـبـون تـوابـيـت الـمـوتى لـتـدفـنّ في كـربـلاء”.

وكـتـب والـيـس بـدج في الـنّـهـايـة : “وخـلاصـة الأمـر هـو أنـني وجـدت مـا طـلـب مـنّي راولـنـسـن أن أجـده، ولـكـن الـواضـح أنـنـا لـن نـسـتـطـيـع إيـقـاف الـتّـهـريـب”.

وعـاد مـتـأسّـفـاً إلى الـكـلام عـن آلاف الألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي كـانـت تـتـحـطـم وتـتـهـشـم بـاسـتـمـرار : “وحـتّى الّـذيـن يـحـفـرون في وضـح الـنّـهـار يـكـسّـرون الألـواح بـمـعـاولـهـم ويـحـطـمـونـهـا بـمـسـاحـيـهـم فـمـا بـالـك بـالّـذيـن يـحـفـرون خـفـيـة في ظـلام الـلـيـل”.

“والـمـتـاجـرون بـالألـواح أيـضـاً لا يـعـتـنـون بـهـا في نـقـلـهـم لـهـا، فـأحـد هـؤلاء الـمـهـربـيـن مـثـلاً مـلأ بـهـا عـدّة صـنـاديـق وأرسـلـهـا مـع قـافـلـة تـوصـلـهـا إلى دمـشـق لـتـحـمّـل عـلى بـاخـرة مـن بـيـروت. ووصـلـت الـقـافـلـة إلى دمـشـق بـعـد أربـعـة أو خـمـسـة أسـابـيـع، وعـنـدمـا فـتـحـت الـصّـنـاديـق وجـد فـيـهـا شـظـايـا ألـواح مـحـطّـمـة لـقـلـة عـنـايـة مـرسـلـهـا بـتـغـلـيـفـهـا لـلـحـفـاظ عـلـيـهـا. ووضـعـهـا مـهـرب آخـر في بـالات مـن الـصـوف لـيـخـرجـهـا مـن الـبـلـد، وعـنـدمـا أدخـلـوا الـبـالات في مـكـائـن لـتـضـغـط قـبـل تـصـديـرهـا طـحـنـت الألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي تـحـولـت إلى دقـيـق يـتـطـايـر. وحـتّى الـمـوظـفـون الأتـراك لا يـولـون اهـتـمـامـاً بـالألـواح الـمـصـادرة مـن الـمـهـربـيـن والّـتي يـرسـلـونـهـا إلى الـمـتـحـف الـعـثـمـاني في إسـطـنـبـول، فـغـالـبـاً مـا تـصـل حـطـامـاً لا نـفـع مـنـه”.

وفي بـعـثـتـه الـثّـالـثـة زار والـيـس بـدج إسـطـنـبـول والـمـوصـل وبـغـداد في 1888ــ1889 لـلـتّـحـقـيـق في سـرقـات الآثـار الآشـوريـة، وهـو مـا سـأخـصـص لـه مـقـالاً قـادمـاً.

الـدّكـتـور إدغـار جـيـمـس بـانـكـس والآثـار الـعـراقـيـة :

وأنـهي مـقـالي بـذكـر قـصّـة إدغـار جـيـمـس بـانـكـس Edgar James BANKS الّـذي وصـل إلى بـغـداد في عـام 1898 لـيـشـغـل مـنـصـب قـنـصـل الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة في بـغـداد. وكـانـت هـذه الـقـنـصـلـيـة قـد أنـشـئـت عـدّة سـنـوات قـبـل ذلـك عـنـدمـا بـعـث هـنـري هـايـز إلى بـغـداد في 1889.

وفي بـغـداد شـرع بـانـكـس بـشـراء مـئـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة (الـرّقـم الـطّـيـنـيـة) مـن الـمـتـاجـريـن بـالآثـار. وخـلال إقـامـتـه في إسـطـنـبـول عـام 1900، إشـتـرى عـدّة مـئـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة مـن مـهـربي الآثـار، وعـاد بـهـا إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة.

وقـد أشـرف الـدّكـتـور بـانـكـس في  1904/1903 عـلى تـنـقـيـبـات بـسـمـايـة (مـوقـع مـديـنـة أدب الـقـديـمـة) في جـنـوب بـابـل.

الدكتور بانكس

(الـدّكـتـور بـانـكـس بـالـمـلابـس الـعـربـيـة)

وبـعـد عـودتـه إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، عـيّـن عـام 1909أسـتـاذاً لـلـغـات الـشّـرقـيـة والآثـار في جـامـعـة تـولـيـدو في الأوهـايـو.

وبـدأ يـسـافـر في كـلّ أنـحـاء الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة يـلـقي فـيـهـا مـحـاضـرات مـثـيـرة يـمـزج فـيـهـا بـيـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة والأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة والأنـاجـيـلـيـة الّـتي تـؤمـن بـهـا كـثـيـر مـن الأوسـاط الأمـريـكـيـة.

وكـان يـغـتـنـم فـرص هـذه الـمـحـاضـرات لـيـعـرض ألـواحـاً مـسـمـاريـة (قـدّرت بـأكـثـر مـن 11،000 لـوح ) كـان قـد اشـتـرى بـعـضـهـا مـن مـهـربي الآثـار في الـشّـرق، وجـلـب بـعـضـهـا مـن تـنـقـيـبـاتـه، ويـبـيـعـهـا إلى الـمـتـاحـف والـمـكـتـبـات والـجـامـعـات والـمـعـاهـد الـدّيـنـيـة.

وكـان أهـم مـا بـاعـه الـدّكـتـور بـانـكـس لـوح يـعـود إلى فـتـرة تـتـراح بـيـن 1900 إلى 1700 قـبـل الـمـيـلاد، إشـتـراه مـنـه جـورج بـلـمـبـتـون G. Plimpton  فـيـمـا اشـتـراه في 1922 أو 1923، ثـمّ أهـداه إلى جـامـعـة كـولـومـبـيـا في 1936، ولـهـذا يـعـرف بـ Plimpton 322، عـلـيـه نـصّ ريـاضـيـات بـابـلي بـأرقـام مـسـمـاريـة عـلى أربـعـة أعـمـدة بـخـمـسـة عـشـر سـطـراً، يـشـرح فـيـه عـالـم الـرّيـاضـيـات الـبـابـلي جـزءاً مـمـا عُـرف بـعـد ذلـك بـقـرون بـ “مـبـرهـنـة فـيـثـاغـورس”، أي أنّ الـعـالـم الـرّيـاضي الـبـابـلي كـان قـد وجـد جـزءاً مـن الـمـبـرهـنـة عـدّة قـرون قـبـل أن يـولـد فـيـثـاغـورس !

(أنـظـر مـقـالي : مـغـامـرات الـدّكـتـور بـانـكـس )

ومـا ذكـرتـه لـكـم لـيـس إلّا جـزءاً صـغـيـراً مـن الـمـتـاجـرة بـآثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي نـتـجـت عـن الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة ومـا تـبـعـهـا مـن اهـتـمـام الأوربـيـيـن بـالآثـار الّـتي اكـتـشـفـتـهـا، والّـتي مـا زالـت مـزدهـرة إلى أيّـامـنـا هـذه. وسـنـعـود إلى هـذا الـمـوضـوع في مـقـالات أخـرى قـادمـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  ولـد هـرمـزد رسّـام Hormuzd Rassam في الـمـوصـل سـنـة 1826 في عـائـلـة كـاثـولـيـكـيـة كـلـدانـيـة. وكـان أخـوه كـرسـتـيـان رسّـام نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل.

وعـنـدمـا كـان في الـعـشـريـن مـن عـمـره اشـتـغـل مـع أوسـتـن هـنـري لَـيـارد Austen Henry Layard الّـذي بـدأ أولى حـمـلات تـنـقـيـبـاتـه في نـيـنـوى بـيـن 1845 و1847. وقـد سـاعـده لَـيـارد لـلـذّهـاب إلى إنـكـلـتـرة والـدّراسـة في Magdalen Colleg في أكـسـفـورد الّـتي قـضى فـيـهـا 18 شـهـراً، ثـمّ عـاد إلى الـمـوصـل لـيـسـاعـد لَـيـارد في حـمـلـتـه الـثّـانـيـة في 1849ــ1851. وبـعـد أن عـاد لَـيـارد إلى إنـكـلـتـرة أكـمـل هـرمـزد رسّـام الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود وفي تـلّ قـويـنـجـق مـن 1852 إلى 1854. وقـد تـوصـل إلى اكـتـشـافـات مـهـمـة كـالـعـثـور عـلى ألـواح مـن مـلـحـمـة جـلـجـامـش اسـتـطـاع عـالـم الآشـوريـات الـبـريـطـاني جـورج سـمـيـث قـراءتـهـا بـعـد ذلـك. (أنـظـر مـقـالي : كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش )

وبـعـد انـتـهـاء الـتّـنـقـيـبـات ذهـب هـرمـزد رسّـام إلى إنـكـلـتـرة. وسـاعـده لَـيـارد في تـعـيـيـنـه في الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة في عـدن. ثـمّ بـعـث عـام 1864 إلى الـحـبـشـة يـحـمـل رسـالـة إلى امـبـراطـورهـا مـن الـمـلـكـة فـكـتـوريـا. ولـم تـنـجـح سـفـارتـه وسـجـن في الـحـبـشـة عـدّة سـنـوات إلى أن سـقـط الإمـبـراطـور عـام 1868.

وبـعـد عـودتـه إلى إنـكـلـتـرة بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـن جـديـد لـيـشـرف عـلى تـنـقـيـبـات أثـريـة في نـيـنـوى. ثـمّ أقـام مـنـذ 1882 في مـديـنـة بـرايـتـون في جـنـوب إنـكـلـتـرة حـتّى وفـاتـه فـيـهـا سـنـة 1910.

(2)  ولـد إرنـسـت إلـفـريـد والـيـس بـدج  Sir Ernest Alfred Wallis BUDGE في إنـكـلـتـرة عـام 1857.

وبـدأ اهـتـمـامـه بـالـلـغـات قـبـل أن يـبـلـغ الـعـاشـرة مـن عـمـره، ولـكـنـه أجـبـر عـلى تـرك الـمـدرسـة في سـنّ الـثّـانـيـة عـشـرة لـيـكـسـب قـوتـه كـكـاتـب في مـكـتـب تـوثـيـق عـقـود.

وقـد اغـتـنـم كـلّ أوقـات فـراغـة لـيـدرس الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة، ووجـد رجـلاً يـحـسـن هـذه الـلـغـات إسـمـه تـشـارلـز سـيـجـر تـطـوع لـمـساعـدتـه عـلى ذلـك. ثـمّ بـدأ في 1872بـالـتـردد عـلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن والإهـتـمـام بـالـلـغـة الآشـوريـة.

وقـدمـه سـيـجـر إلى الـمـسـؤول عـن قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة صـمـوئـيـل بـرش Samuel BIRCH وإلى مـساعـده عـالـم الآشـوريـات جـورج سـمـيـث George Smith . وقـد سـاعـده سـمـيـث في تـعـلّـم قـراءة الـمـسـمـاريـة، كـمـا سـمـح لـه بـرش بـدراسـة الألـواح الـمـسـماريـة في مـكـتـبـه. وقـرأ والـيـس بـدج نـصـوص الـمـنـقـبـيـن مـثـل الـكـتـب الّـتي نـشـرهـا أوسـتـن هـنـري لَـيـارد .

وقـد قـضى والـيـس بـدج كـلّ أوقـات فـراغـه مـن عـام 1869 إلى عـام 1878 في دراسـة الـلـغـة الآشـوريـة، وكـان يـذهـب في ظهـر كـلّ يـوم، أي في وقـت الـغـداء الّـذي كان يـسـمـح لـه فـيـه بـالـتّـوقـف عـن الـعـمـل، إلى كـاتـدرائـيـة سـانـت بـول لـيـغـتـنـم الـهـدوء فـيـهـا لـلـدّراسـة، حـتّى لاحـظـه عـازف الأرغـون فـيـهـا، وعـرف بـشـغـفـه بـالـدّراسـة، فـاتـصّـل بـصـاحـب الـمـكـتـب الّـذي يـعـمـل فـيـه والـيـس بـدج وأخـبـره بـمـثـابـرة مـوظـفـه الـشّـاب عـلى الـدّراسـة.

وكـان صـاحـب الـمـكـتـب عـضـواً في الـبـرلـمـان، فـتـكـلّـم مـع رئـيـس الـوزراء غـلادسـتـون عـن رغـبـة بـدج بـدراسـة الـلـغـات الـشّـرقـيـة … وهـكـذا أرسـل بـدج إلى جـامـعـة كـمـبـردج مـن 1878 إلى 1883، ودرس فـيـهـا الـلـغـات الـشّـرقـيـة : الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة والـحـبـشـيـة والـعـربـيـة. واسـتـمـر يـدرس الـلـغـة الآشـوريـة وحـده بـعـد ذلـك.

وفي عـام 1883، عـيّـن والـيـس بـدج في قـسـم الآثـار الـمـصـريـة والآشـوريـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني وشـرع يـدرس، في أوقـات فـراغـه، الـلـغـة الـمـصـريـة الـقـديـمـة بـمـسـاعـدة صـمـوئـيـل بـرش واسـتـمـر في ذلـك حـتّى وفـاة بـرش عـام 1885. وعـنـدمـا عـيّـن ريـنـوف  RENOUF  خـلـفـاً لـبـرش، أكـمـل بـدج دراسـة الـلـغـة الـمـصـريـة الـقـديـمـة مـعـه إلى أن تـرك ريـنـوف الـمـتـحـف الـبـريـطاني عـام 1891. وقـد عـيّـن والـيـس بـدج بـعـد إحـالـة ريـنـوف عـلى الـتّـقـاعـد مـسـاعـداً لـمـسـؤول الـقـسـم، ثـمّ أصـبـح في عـام 1894 مـسـؤولاً عـنـه، وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1924.

ونـشـر والـيـس بـدج في 1914 كـتـابـاً يـحـتـوي عـلى 53 صـورة مـمـتـازة الـنّـوعـيـة لـتـمـاثـيـل وجـداريـات مـنـحـوتـة مـن زمـن آشــور نـاصـربـال مـع نـصـوص شـرح، ونـشـر دلـيـل الـمـجـمـوعـات الـبـابـلـيـة والآشـوريـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني.

(3) ضـرب الـرّيـال الـمـجـيـدي في زمـن الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني عـبـد الـمـجـيـد (حـكـم مـن 1839 إلى 1861). وكـان الـمـجـيـدي مـن الـفـضّـة ويـسـاوي 20 قـرشـاً. وكـانـت قـيـمـتـه خُـمـس الـلـيـرة الـذّهـبـيـة.

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

مـن نـيـويـورك إلى بـغـداد عـام 1914

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـشـرت مـجـلّـة الـنّـاشـيـونـال جـيـوغـرافـيـك The National Geographic Magazine الأمـريـكـيـة في عـددهـا الـسّـادس (مـجـمـوعـة 26) الـصّـادر في شـهـر كـانـون الأوّل 1914، مـقـالـيـن عـن الـعـراق، عـنـوان الأوّل مـنـهـمـا : الـمـكـان الّذي عـاش فـيـه آدم وحـواء Where Adam and Eve Lived، والـثّـاني : Mystic Nedjef, the Shia Mecca.

ناشونال جيوغرافيك

وهـذه الـمـجـلّـة تـصـدرهـا الـجـمـعـيـة الـجـغـرافـيـة الأمـريـكـيـة                     The National Geographic Society الّـتي أسـسـت عـام 1888 ، والّـتي كـان مـشـروعـهـا : “نـشـر الـمـعـارف الـجـغـرافـيـة” .

وسـأبـدأ بـالـكـلام عـن الـمـقـال الأوّل الّـذي كـتـبـه فـردريـك سِـمـبِـك                 Frederick Simpich، وشـاركـت فـيـه زوجـتـه مـرغـريـت  Margaret .

وفـردريـك سِـمـبِـك  وزوجـتـه يـسـتـعـمـلان صـيـغـة الـمـتـكـلّـم، فـلا نـعـرف بـالـضّـبـط مـن كـتـب مـاذا، ولـكـن يـبـدو أنّ مـرغـريـت كـتـبـت مـا يـتـعـلّـق بـنـسـاء بـغـداد وخـاصـة زيـارتـهـا لـ “حـريـم” رجـل مـن أغـنـيـائـهـا، وكـذلـك عـن نـسـاء الـبـاديـة.

والـمـقـال طـويـل يـمـلأ اثـنـتـيـن وأربـعـيـن صـفـحـة (مـن صـفـحـة 546 إلى صـفـحـة  588)، أرفـقـت بـه 35 صـورة فـوتـوغـرافـيـة تـعـودنـا عـلى رؤيـتـهـا في كـثـيـر مـن مـواقـع الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة بـدون إشـارة إلى مـصـدرهـا.

ولا شـكّ في أنّ هـذه الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة أهـمّ بـكـثـيـر مـن الـمـعـلـومـات الّـتي ذكـرت في الـمـقـال. وقـد الـتـقـط فـردريـك سِـمـبِـك بـنـفـسـه عـدداً مـنـهـا بـيـنـمـا أخـذ غـالـبـيـهـا مـن أرشـيـفـات  (1)Underwood and Underwood

الـسّـفـر مـن نـيـويـورك إلى بـغـداد :

يـبـدأ الـمـقـال بـالـكـلام عـن سـحـر اسـم “بـغـداد” ومـا يـثـيـره في مـخـيـلـة الـقـارئ الأمـريـكي في ذلـك الـزّمـن مـن صـور “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” و “هـرون الـرّشـيـد” … ولـكـنّ الـوصـول إلى الـعـراق كـان صـعـبـاً فـقـد قـضى كـاتـب الـمـقـال أيـامـاً عـديـدة يـبـحـث عـن وكـالـة سـفـر يـمـكـن أن تـوصـلـه وزوجـتـه إلى بـغـداد. واسـتـطـاع الـحـصـول في الـنـهـايـة عـلى بـطـاقـة تـوصـلـهـمـا مـن نـيـويـورك إلى مـصـر، وأخـرى مـن مـصـر إلى عـدن، ثـمّ مـن عـدن إلى بـومـبـاي، ومـنـهـا إلى كـراتـشي فـمـسـقـط. ومـن مـسـقـط إلى الـبـصـرة.

ويـبـدو أنّ كـاتـب الـمـقـال غـادر نـيـويـورك مـع زوجـتـه في نـهـايـة عـام 1913 أو بـدايـة 1914، فـهـو يـذكـر أنّـهـمـا أقـامـا في الـعـراق سـنـة، وقـد نـشـر مـقـالـهـمـا في نـهـايـة عـام 1914.

وعـنـدمـا كـانـا عـلى مـتـن الـبـاخـرة الّـتي عـبـرت بـهـمـا الـمـحـيـط الأطـلـسي نـظـر إلـيـهـمـا الـقـبـطـان بـدهـشـة عـنـدمـا أخـبـراه بـوجـهـتـهـمـا، ثـمّ هـمـس لـصـبي الـبـاخـرة أن يـأتي لـه بـأطـلـس فـقـد أثـار اسـم بـغـداد فـضـولـه وأراد أن يـعـرف في أي مـكـان في الـعـالـم تـقـع هـذه الـمـديـنـة !

بـغـداد :

وبـعـد سـفـرة طـويـلـة اقـتـربـا مـن بـغـداد، الّـتي تـقـع في : “بـلاد الـعـرب الـتّـركـيـة  Turkish Arabia”، وبـدت لـهـمـا في الأفـق قـبـابـهـا ومـنـائـرهـا الـرّائـعـة الـجـمـال، ثـمّ أبـصـرا بـجـسـر الـقـوارب الّـذي يـربـط بـيـن جـانـبي الـمـديـنـة، وخـاصـة بـجـانـبـهـا الـغـربي الّـذي تـحـيـط بـ “الـمـديـنـة الـقـديـمـة” فـيـه غـابـات الـنّـخـيـل والـبـرتـقـال.

ونـزلا مـن الـبـاخـرة لـيـركـبـا “قـفّـة” تـوصـلـهـمـا إلى الـشّـاطئ. ويـصـف سِـمـبـك تـلـك “الـقـفّـة” بـأنّـهـا مـسـتـديـرة مـثـل سـلّـة حـيـكـت مـن أغـصـان الـصّـفـصـاف قـطـرهـا حـوالي 6 أقـدام طـلـيـت بـالـقـار، ووضـعـت لـهـا صـورة طـالـمـا تـعـوّدنـا عـلى رؤيـتـهـا مـن غـيـر أن نـعـرف أنّـهـا أخـذت مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood، وقـد وضـعـت نـسـخـتـهـا الأصـلـيـة في بـدايـة الـمـقـال (وانـظـر الـمـلـحـق في آخـر الـمـقـال) :

NG من الباخرة على قفة

ونـقـرأ في الـمـقـال أنّـه لـم يـكـن في بـغـداد شـوارع وإنّـمـا دروب لا يـمـكـن فـيـهـا لـحـمـاريـن أن يـتـجـاوز الـواحـد مـنـهـمـا الآخـر، وأنّ سـوراً كـان يـحـيـط بـالـمـديـنـة مـا زالـت بـعـض أبـوابـه قـائـمـة، وأنّ الـدور الـبـغـداديـة مـسـطـحـة الـسّـقـوف، لا نـوافـذ لـهـا وتـحـيـط بـحـوش داخـلي، وأنّ الـعـرب يـقـضـون لـيـالي الـصّـيـف عـلى الـسّـطـوح يـضـربـون عـلى الـطّـبـول ويـنـفـخـون في الـنّـايـات بـيـنـمـا تـرقـص نـسـاؤهـم !

وأول مـا نـلاحـظـه في هـذا الـمـقـال عـنـد قـراءتـه سـطـحـيـة الـمـعـلـومـات الّـتي وضـعـت فـيـه وقـلّـة تـنـظـيـم الـسّـرد فـنـحـن نـجـد في نـفـس الـمـقـطـع اسـتـطـرادات يـقـفـز فـيـهـا الـكـاتـب مـن مـوضـوع إلى آخـر، ثـمّ يـكـمـل حـديـثـه عـن الـمـوضـوع الأول في الـمـقـطـع الـتّـالي أو الّـذي بـعـده !

ولا شـكّ في أنّ الـقـارئ كـان يـنـتـظـر أن يـجـد مـقـالاً جـديّـاً في مـجـلّـة تـصـدرهـا جـمـعـيـة جـغـرافـيـة، ولـكـنّـه لا يـقـرأ إلّا اسـتـطـلاعـاً صـحـفـيـاً مـسـطّـحـاً لا تـعـمّـق فـيـه ولا تـدقـيـق.

وتـزداد دهـشـتـه عـنـدمـا يـذكـر كـاتـب الـمـقـال، الّـذي لـم يـكـلـف نـفـسـه مـشـقّـة قـراءة كـتـاب تـاريـخ عـن بـغـداد، أنّ الـخـلـيـفـة الـمـنـصـور شـيّـد الـمـديـنـة سـنـة 731 م. ! ويـنـتـقـد مـاضـيـهـا “الـمـلئ بـالـعـنـف” مـقـارنـة بـحـاضـرهـا الّـذي بـدأت فـيـه تـتـحـضّـر بـفـضـل احـتـكـاكـهـا بـأوربـا الـحـديـثـة !

ونـعـود إلى الـمـقـال، ونـقـرأ فـيـه أنّـه “شـيّـدت أمـام الـنّـهـر، بـعـيـداً عـن أحـيـاء الـعـرب، قـنـصـلـيـات الـدّول الأجـنـبـيـة الـمـهـيـبـة ومـكـاتـب الـتّـجـارة والـدّور الـفـخـمـة لأغـنـيـاء الـيـهـود والأرمـن والـيـونـان والـسّـوريـيـن، أي الـرّجـال الّـذيـن صـنـعـوا بـغـداد الـحـديـثـة”، ولـكـنّ “زمـن عـلي بـابـا (وحـكـايـات ألـف لـيـلـة ولـيـلـة) كـان قـد مـضى، وأغـلـب قـصـور الـمـديـنـة الـقـديـمـة ومـسـاجـدهـا تـتـسـاقـط خـرابـاً”.

ويـتـكـلّـم عـن طـرقـات بـغـداد الآمـنـة في الـلـيـل مـثـلـهـا مـثـل شـوارع نـيـويـورك أو لـنـدن، ويـذكـر أنّ مـقـر قـيـادة الـجـيـش الـسّـادس الـعـثـمـاني، الّـذي يـضـمّ 25000  جـنـدي، كـان في بـغـداد.

ويـتـكـلّـم عـن تـجـارة بـغـداد الّـتي سـيـطـر عـلـيـهـا الأرمـن والـيـهـود الّـذيـن يـصـدّرون بـالـبـواخـر الـصّـوف والـتّـمـر والـسّـجـاد إلى أمـريـكـا ويـسـتـوردون مـن مـديـنـة مـانـشـسـتـر الإنـكـلـيـزيـة بـضـائـع تـصـل قـيـمـتـهـا إلى مـا يـعـادل 5 مـلايـيـن دولار سـنـويـاً.

ويـعـود كـاتـب الـمـقـال إلى ذكـر أنّ “دروب بـغـداد الـضّـيـقـة تـسـتـمـرّ في ضـجـيـجـهـا بـعـد حـلـول الـلـيـل بـوقـع الـدّنـابـك الـمـمـل وصـخـب الـنّـاي الـحـاد. وتـغـني نـسـاء مـطـلـيـات الـوجـوه مـتـزيّـنـات بـأقـراط وحـجـول ومـرتـديـات سـراويـل واسـعـة ويـرقـصـن عـلى الـسّـطـوح. ولـكـنّ الأقـراط والـحـجـول مـسـتـوردة مـن الـنّـمـسـا. أمّـا الـنّـسـاء فـجـئـن مـن بـورسـعـيـد”.  “ونـجـد أعـداداً مـن الـمـقـاهي عـلى ضـفـة دجـلـة يـجـلـس فـيـهـا في الـمـسـاء سـمـاسـرة يـدخـنـون الـنّـارجـيـلـة ويـتـحـدثـون عـن تـجـاراتـهـم. وحـتّى طـرابـيـشـهـم اسـتـوردت مـن ألـمـانـيـا”.

ونـلاحـظ أنّ كـاتـب الـمـقـال أخـطـأ هـنـا أيـضـاً فـالـطـرابـيـش كـانـت تـسـتـورد خـاصـة مـن مـديـنـة “فـيـيـنـا” عـاصـمـة الـنّـمـسـا، ولـهـذا كـان الـبـغـداديـون يـسـمـونـهـا “الـفـيـنـة”.

ويـكـمـل : “ولا تـصـنـع في بـغـداد مـمـا يـرتـدون إلّا نـعـالـهـم الـجـلـديـة الـحـمـراء الـمـرتـفـعـة الـمـقـدمـات وكـوفـيـاتـهـم  keffeyas  الـبـرّاقـة  وعـبـاءاتـهـم  abbas الـواسـعـة”.

“وتـبـدو دروب الأسـواق أنـفـاقـاً عـقّـدت سـقـوفـهـا بـالـطّـابـوق لـتـحمي الـنّـاس مـن لـهـب الـقـيـظ. وهي تـقـطـع حيّ الأسـواق مـثـل مـسـالـك مـا تـحـت الأرض subways  في كـل الإتـجـاهـات، طـويـلـة خـانـقـة قـلـيـلـة الإضـاءة مـكـتـظـة بـالـنّـاس والـبـغـال والـجـمـال. وعـلى كـلّ جـانـب مـنـهـا دكـاكـيـن لا تـتـجـاوز سـعـتـهـا سـعـة أكـشـاك الـهـواتـف الـعـامـة telephone booths   يـتـربّـع فـيـهـا تـاجـر يـهـودي أو عـربي تـتـكـوّم حـولـه بـضـائـع تـصـل إلى الـسّـقـف”.

“ويـنـصّ قـانـون مـعـمـار قـديـم عـلى أن سـقـف الـسّـوق يـنـبـغي أن يـشـيّـد عـلى ارتـفـاع يـمـكـن لـراكـب جـمـل يـحـمـل رمـحـه أن يـمـرّ تـحـتـه. ومـع ذلـك يـتـرك الـبـدو في أيّـامـنـا هـذه جـمـالـهـم خـارج أبـواب الـمـديـنـة”، “وتـرتـفـع مـن حـنـاجـر لا تـعـدّ ولا تـحـصى نـقـاشـات بـالـعـربـيـة والأرمـنـيـة والـتّـركـيـة والـكـرديـة والـفـارسـيـة والـيـونـانـيـة والـهـنـدوسـتـانـيـة والـفـرنـسـيـة، وتـسـمـع صـيـاح : “بـالـك ! Barlak” … “بـالـك أفـنـدي ! Barlak Effendi”.

“ويـمـكـن الـتّـعـرف عـلى سـكـان الـبـاديـة بـيـنـهـم مـن أوّل نـظـرة : مـن شـعـورهـم الـكـثّـة الـمـنـسـدلـة عـلى أكـتـافـهـم  ومـن مـلابـسـهـم الّـتي بـهـتـت ألـوانـهـا تـحـت ضـربـات الـشّـمـس ومـن هـراواتـهـم الـضّـخـمـة ومـن نـظـراتـهـم الـمـتـوحـشـة. وتـراهـم يـرفـعـون أطـراف عـبـاءاتـهـم إلى أنـوفـهـم لـتـحـمـيـهـم مـن روائـح الـسّـوق الـكـريـهـة وهـم الّـذيـن تـعـودوا عـلى اسـتـنـشـاق الـهـواء الـنـقي في فـيـافـيـهـم. ويـمـوت آلاف مـن أهـل الـسّـوق مـن مـرض الـسّـل كـلّ عـام”.

“ولـلـبـاعـة الـمـتـجـولـيـن طـريـقـتـهـم في مـمـازحـة الـمـشـتـريـن، فـيـصـيـح بـائـع الـزّهـور بـالـمـارّة وهـو يـمـدّ بـبـاقـاتـه : “صـالـح حـمـاتـك !”. ويـنـادي بـائـع الـفـطـائـر الـمـشـويّـة : “أمّ الـنّـاريـن ! أمّ الـنّـاريـن !”.

“ونـجـد في الـدّروب الـجـانـبـيـة أمـاكـن مـبـهـرجـة هي الـمـسـارح الـشّـديـدة الإضـاءة في الـلـيـل والّـتي يـشـرب فـيـهـا الـنّـاس كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـقـهـوة، ونـرى فـيـهـا سـاحـراً يـبـتـلـع سـيـوفـاً أو يـخـرج عـلاجـيـم ضـفـادع مـن عـمـامـتـه الـوسـخـة …”.

“وتـبـقى الأسـواق مـفـتـوحـة كـلّ الـلـيـل في رمـضـان، فـالـمـسـلـمـون يـصـومـون طـيـلـة الـنّـهـار لـمـدّة شـهـر ولا يـأكـلـون إلّا في الـلـيـل بـعـد أن يـضـرب مـدفـع الـسّـراي في الـمـغـرب”.

“وأكـل الـنّـاس شـديـد الـدّسـم. دهـن يـسـتـخـرجـونـه مـن ألـيـات الـنّـعـاج ونـقـانـق مـن لـحـم الـمـاعـز وقـرع ورمّـان ولـيـمـون وتـمـر وتـيـن مـجـفـف ولـحـم خـرفـان وبـقـر. نـجـد عـنـدهـم كـلّ أكـل إلّا لـحـم الـخـنـزيـر. ولا أحـد يـمـوت هـنـا مـن الـجـوع. أمّـا الـمـتـسـولـون فـهـم قـلّـة”.

جـنـات عـدن :

“وتـقـع الـمـنـطـقـة الّـتي تـعـتـبـر “جـنّـة عـدن” حـوالي 80 كـلـم. غـرب بـغـداد، عـلى ضـفـاف نـهـر الـفـرات. ورأيـت في الـمـسـيّـب 4000  رجـل يـحـفـرون مـثـل حـيـوانـات الـخـلـد في سـهـول مـنـطـقـة بـابـل لـيـجـددوا واحـدة مـن الـقـنـوات الّـتي يـمـلأهـا مـاء الـنّـهـر. وفي قـعـر هـذه الـقـنـاة الّـتي مـا زالـت جـافـة كـانـوا يـشـيـدون سـدّاً كـبـيـراً. وكـانـوا يـسـتـعـمـلـون آلات اسـتـوردت مـن أمـريـكـا. وعـنـدمـا سـيـكـتـمـل سـيـمـلأ بـالـمـاء الّـذي سـيـرتـفـع خـلـف الـسّـدّ ويـسـتـعـمـل لـلـسـقي”.

“وكـان نـظـام الـرّي في زمـن نـبـوخـذ نـصـر يـوزع الـمـاء عـلى كـلّ أراضي بـلاد بـابـل ويـصـل قـرب بـغـداد. وتـجـري قـنـاة “الـنّـهـروان” الـضّـخـمـة بـمـحـاذاة دجـلـة مـسـافـة حـوالي 485 كـلـم. وهي بـعـرض 350 قـدم. وكـتـب هـيـرودوت عـنـدمـا زار الـمـنـطـقـة أنّـهـا كـانـت امـتـدادت خـضـرة مـن طـرف إلى طـرف”.

ورغـم أنّ طـرق الـرّي الـقـديـمـة كـانـت سـائـدة الإسـتـعـمـال فـإنّ : “مـكـائـن الـسّـقي والـضّـخ بـدأت تـحـتـل مـكـانـة كـبـيـرة بـسـرعـة، وبـيـعـت أكـثـر مـن 300 مـنـهـا إلى الـفـلاحـيـن حـول بـغـداد في 1909/ 1910”.

“وحـفـرت آبـار نـفـط في مـنـطـقـة نـهـر الـكـارون، جـنـوب بـغـداد، وربـطـت بـهـا أنـابـيـب تـنـقـلـه، وأنـشـأت لـه مـصـافي. وجُـلـبـت عـشـرون ألـف طـنّ مـن الأنـابـيـب مـن الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، ووظّـف مـخـتـصّـون أمـريـكـان في الـتّـنـقـيـب عـن الـنّـفـط”. “ويـتـراوح سـعـر طـنّ الـفـحـم في بـغـداد بـيـن 15 و20 دولاراً. ولـكـنّ الـنّـفـط سـيـسـتـعـمـل كـوقـود مـن الآن فـصـاعـداً”.

ويـكـتـب عـن الأجـانـب في بـغـداد : “وكـان يـعـيـش في بـغـداد قـبـل الـحـرب حـوالي خـمـسـيـن أجـنـبـيـاً، بـيـن بـريـطـاني وألـمـاني وروسي وإيـطـالي وفـرنـسي. إثـنـا عـشـر مـنـهـم كـانـوا قـنـاصـل أو مـوظـفي قـنـصـلـيـات، وغـالـبـيـة الـبـاقـيـن كـانـت تـعـمـل في الـتّـجـارة. ولـم يـتـعـود الـعـرب عـلى تـسـمـيـتـهـم بـأسـمـائـهـم وإنّـمـا بـمـهـنـهـم، فـمـسـتـورد عـرق الـسّـوس مـثـلاً يـدعـونـه “أبـو الـسّـوس  Abu Sus”، وهـنـاك أيـضـاً “أبـو الـزّوالي” و “أبـو الـبـواخـر”، ويـسـمـون طـبـيـب الأسـنـان “أبـو الأسـنـان”.

ويـتـكـلـم عـن الـسّـراديـب والـعـقـارب الّـتي “تـجـول فـيـهـا عـلى هـواهـا، ولـكـن لـدغـاتـهـا لـيـسـت قـاتـلـة”، وعـن عـواصـف الـعـجـاج الـخـانـقـة. ثـمّ يـتـكـلّـم عـن “حـبّـة بـغـداد أو حـبّـة الـتّـمـر date boil”، والـمـعـروفـة في أمـاكـن أخـرى كـ “حـبّـة حـلـب” أو “حـبّـة الـنّـيـل” أو “حـبّـة دلـهي”. “وكـادت واحـدة مـنـهـا أن تـلـتـهـم أنـف أحـد قـنـاصـل حـلـب الـبـريـطـانـيـيـن بـكـامـلـه. ورأيـت آثـارهـا عـلى وجـوه كـلّ الـبـغـاددة تـقـريـبـاً”.

ويـذكـر أنّـه كـان في بـغـداد 180  ألـف سـاكـن : 120  ألـف مـسـلـم سـنّي و 15  ألـف مـسـلـم شـيـعي و 40 ألـف يـهـودي وألـف و 600  كـلـداني وألـف و 200  سـريـاني و 150  يـونـانـيـاً  و 75 هـنـديـاً و 40  أوربـيـاً. “ويـحـفـظ هـذا الإخـتـلاط الـتّـوازن الـسّـلـمي ويـنـقـذ بـغـداد مـن الـصّـراعـات الـطّـائـفـيـة والـمـذابـح الّـتي تـحـدث في مـنـاطـق أخـرى”.

ويـذكـر أنّـه كـان في بـغـداد 67 مـسـجـداً و 27 مـعـبـد يـهـود و 7 كـنـائـس. “ويـقـيـم “الـمـقـيـم” الـبـريـطـاني في بـعـض أيّـام الأحـد قـدّاسـاً لـلأجـانـب بـيـنـمـا تـتـرفـع أصـوات جـنـوده الـهـنـود بـالـصّـلاة في مـسـجـد شـيّـدتـه لـهـم الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة”.

وهـو يـذكـر أنّـه عـاد إلى الـوراء عـشـريـن قـرنـاً عـنـدمـا خـرج مـن بـاخـرتـه في بـغـداد ورأى رجـالاً يـرتـدون مـلابـس زمـن الـتّـوراة : الـعـمـائـم والـنّـعـال والـعـبـاءات الـواسـعـة يـدعـو الـواحـد مـنـهـم الآخـر : يـوسـف ومـوسى … وتـسـيـر عـلى ضـفـاف الـنّـهـر نـسـاء رائـعـات الإنـتـصـاب يـحـمـلـن عـلى أكـتـافـهـن جـرار الـمـاء.

وتـبـدي زوجـة الـكـاتـب الّـتي تـكـلّـمـت مـع نـسـاء بـغـداد اسـتـغـرابـهـا مـن جـهـلـهـنّ بـأمـريـكـا. وهي تـخـلـط شـخـصـيـات الـتّـوراة الأسـطـوريـة بـالـشّـخـصـيـات الـتّـاريـخـيـة عـنـدمـا تـتـكـلّـم عـن بـابـل، ولـنـقـل أنّـهـا تـجـهـل تـاريـخ بـابـل وتـأتي أغـلـب مـعـلـومـاتـهـا عـنـهـا مـن أسـاطـيـر الـتّـوراة.

وتـتـكـلّـم عـن زيـارتـهـا في بـغـداد لـلـحـريـم  hareem  “كـمـا يـسـمـون الـنّـسـاء هـنـا”، في دار رجـل غـني كـان لـه مـنـصـب مـهـمّ في زمـن الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد. وقـد ذهـبـت إلى قـصـر هـذا الـبـاشـا قـرب بـاب الـمـعـظـم في صـبـاح يـوم ربـيـعي، واجـتـازت إسـطـبـلات خـيـول وكـلاب سـلـوقـيـة لـلـصّـيـد. وقـد أدخـلـهـا الـبـاشـا بـنـفـسـه إلى الـدّار وتـكـلّـم مـعـهـا بـلـغـة فـرنـسـيـة صـحـيـحـة وأراهـا صـقـوره وأسـديـن في قـفـص ثـمّ دخـلا مـن “بـاب الـحـرمـلـك” إلى قـسـم الـدّار الـمـخـصـص لـلـنّـسـاء الـمـحـاط بـحـيـطـان لا نـوافـذ فـيـهـا، والّـذي كـان حـوشـاً تـحـيـطـه الـغـرف مـن ثـلاث جـهـات.

ولـم يـكـن هـنـاك أثـاث كـثـيـر : سـجـاد عـلى الأرض وكـراسي مـغـطـاة بـنـسـيـج الـبـلـش الأحـمـر وبـعـض الإريـكـات. وعـنـدمـا نـادى الـبـاشـا خـرجـت الـنّـسـاء مـن الـغـرف : أربـع عـشـرة امـرأة كـان مـن بـيـنـهـنّ زوجـاتـه. ولـم تـجـدهـنّ جـمـيـلات حـسـب مـعـايـيـرهـا الـغـربـيـة ولا أنـيـقـات الـمـلـبـس. وبـعـد أن تـركـهـنّ الـبـاشـا اقـتـربـت الـنّـسـاء مـنـهـا يـتـفـحـصـنّـهـا بـفـضـول ويـتـصـايـحـن : ” All-a-a-h !”. ثـمّ ذكـرت أسـئـلـتـهـنّ الـمـسـتـغـربـة وقـارنـت بـيـن حـالـهـنّ وحـال الأمـريـكـيـات.

ونـجـد في وصـفـهـا لـ “الـحـريـم” نـفـس الـكـلـشـيـهـات الّـتي نـقـرأهـا عـنـد كـثـيـر مـمـن كـتـبـوا عـن “الـشّـرق” مـن الـغـربـيـيـن : الـتّـخـيـلات الـشّـبـقـيـة عـن مـكـان مـلئ بـنـسـاء رائـعـات الـجـمـال شـهـيّـات الأجـسـاد يـقـتـلـهـنّ الـضّـجـر في سـجـنـهـنّ الّـذي لا يـخـرجـن مـنـه، يـقـضـيـن نـهـارهـنّ مـرتـمـيـات وهـنّ أنـصـاف عـاريـات عـلى أرائـك، يـسـتـمـعـن إلى عـبـد يـعـزف لـهـنّ عـلى الـعـود ويـشـربـن الـشّـاي أو الـقـهـوة وهـنّ يـلـتـهـمـن قـطـعـاً مـن “راحـة الـحـلـقـوم”. وطـبـعـاً يـتـحـكّـم فـيـهـنّ “شـرقي” غـامـق الـبـشـرة شـهـواني مـسـتـبـد عـنـيـف … ولـهـذا تـكـون خـيـبـة الأمـل شـديـدة عـنـدمـا تـدخـل امـرأة غـربـيـة في “حـريـم” شـرقي لـتـكـتـشـف أنّـه جـزء مـخـصـص لـلـنّـسـاء في دار رجـل غـنيّ، تـسـكـن فـيـه زوجـاتـه (إن كـان لـه أكـثـر مـن واحـدة) ونـسـاء الـعـائـلـة الأخـريـات.

وتـتـهـمّ مـرغـريـت سِـمـبِـك الـكـتّـاب الّـذيـن كـانـت قـد قـرأت وصـف “الـحـريـم” عـنـدهـم بـأنّـهـم خـدعـوهـا عـنـدمـا صـوّروا لـهـا هـذا الـمـكـان “الـعـادي” كـمـكـان “اسـتـثـنـائي”.

وتـذكـر بـعـد ذلـك أنّ نـسـاء الـبـاديـة لا يـعـانـيـن مـن هـذا الـحـبـس في داخـل الـدّار، وأنّ الـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن الـرّجـال لا يـتـزوجـون بـأكـثـر مـن امـرأة لـقـلّـة إمـكـانـيـاتـهـم الـمـاديّـة، ثـمّ تـتـكـلّـم عـن حـال الـمـرأة في عـشـيـرتـهـا ودفـاع أهـلـهـا عـنـهـا. وتـسـتـمـر في الـكـلام عـن الـبـدو وعـاداتـهـم مـعـتـمـدة عـلى مـا قـرأتـه عـنـد الـكـتّـاب الـغـربـيـيـن.

ويـتـوقـع كـاتـبـا الـمـقـال في الـنّـهـايـة أن تـقـرّب وسـائـل الـنّـقـل الـحـديـثـة، الّـتي كـانـت تـتـحـسـن بـاسـتـمـرار، بـغـداد مـن بـاقي الـعـالـم، وأنّ يـصـبـح الـعـراق واحـداً مـن الـمـراكـز الـسّـيـاحـيـة الـمـهـمّـة في الـشّـرق، وأن يـعـود الـنّـاس لـزيـارة بـلـد جـدهـم آدم الـقـديـم !

الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة :

أهـمّ مـا في الـمـقـال كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي تـصـاحـبـه. وقـد الـتـقـط فـردريـك سِـمـبِـك بـنـفـسـه عـدداً مـنـهـا بـيـنـمـا أخـذ غـالـبـيـهـا مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood.

وصـل كـاتـبـا الـمـقـال مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد عـلى مـتـن واحـدة مـن الـبـواخـر الّـتي كـانـت تـنـقـل الـمـسـافـريـن والّـتي صـوّرهـا فـردريـك سِـمـبِـك. ونـلاحـظ حـولـهـا عـدداً مـن الـقـفـف :

NG بواخر دجلة

ويـصـل الـمـسـافـرون مـن الـبـاخـرة إلى الـشّـريـعـة عـلى شـاطئ الـنّـهـر عـلى قـفّـة، كـمـا في الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال.

ويـنـزلـون مـنـهـا لـيـدخـلـوا في الـمـديـنـة :

بغداد 1914

ثـمّ نـجـد أربـع صـور فـوتـوغـرافـيـة أخـذت مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood،

الأولى صـورة “لـلـشّـارع الـرّئـيـسي” الّـذي نـرى عـلى يـسـاره بـنـايـة الـسّـراي ونـلاحـظ مـارّة يـنـتـمـون إلى عـدد مـن الـجـالـيـات الّـتي تـقـيـم في بـغـداد ورجـال شـرطـة وجـنـود مـن الـجـيـش الـعـثـمـاني  :

NG جادة بغداد الرئيسية

وصـورة لأحـد أزقّـة بـغـداد  :

زقاق في بغداد

ثـمّ صـورة دار لـثـري يـهـودي تـطـلّ عـلى دجـلـة في شـمـال الـمـديـنـة :

NG دار يهودي على دجلة شمال بغداد

وصـورة عـربـتَي تـرامـوي بـطـابـقـيـن تـجـرّهـا خـيـول عـلى سـكّـة حـديـديـة :

NG تراموي بغداد الكاظمية

وأضـع نـفـس الـصّـورة كـمـا نـشـرت في كـتـاب 2001 (أنـظـر الـمـلـحـق في آخـر الـمـقـال) :

img256 (563x800)

ثـمّ نـرى بـعـد ذلـك صـورتـيـن الـتـقـطـهـمـا فـردريـك سِـمـبِـك، الأولى لـبـاب الـحـلـبـة الّـذي يـسـمـيـه الـعـامـة بـاب الـطّـلّـسـم (2) :

NG باب الطلسم

والـثّـانـيـة لـسـوق في الـمـديـنـة الـقـديـمـة نـرى فـيـهـا حـزمـات سـعـف نـخـيـل عـلى ظـهـور حـمـيـر :

NG سوق في بغداد

ثـمّ صـورتـيـن أخـذتـا مـن أرشـيـفـات  Underwood and Underwood  الأولى لـزقـورة الإلـه نـبـو في بـورسـيـبـا (بـيـرس نـمـرود) كـتـب تـحـتـهـا في الـمـقـال أنّـهـا “بـرج بـابـل” الّـذي تـكـلّـمـت عـنـه الـتّـوراة :

NG بيرس نمرود

والـثّـانـيـة لـزقـورة دور كـوريـغـالـزو في عـقـرقـوف الّـتي كـتـب تـحـتـهـا أنّـهـا مـن الـمـعـالـم الـبـابـلـيـة قـرب بـغـداد، مـع أنّـهـا تـعـود لـلـفـتـرة الـكـاسـيـة (أو الـكـاشـيـة) :

NG عقرقوف

وصـورة الـتـقـطـهـا فـردريـك سِـمـبِـك لـصـرائـف عـلى الـفـرات قـرب كـربـلاء :

اNG الأهوار

ومـجـمـوعـة  صـور أخـذت مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood، لـصـانـعي قـفـف عـلى ضـفـة دجـلـة في بـغـداد :

قفة 2

ولـقـريـة في “جـنـوب الـفـرات” :

صرائف في جنوب الفرات

ولـقـريـة “عـرب” في جـنـوب “بـلاد بـابـل” :

جنوب بابل

ولـمـضـيـف الـشّـيـخ ولـجـامـوس في الأهـوار :

أهوار 2

ولـمـشـحـوف في الأهـوار :

أهوار 3

ولـ “جـنـة عـدن” عـلى الـفـرات :

قرية على الفرات

ولـمـديـنـة تـكـريـت عـلى دجـلـة، الّـتي يـصـفـهـا الـمـقـال بـأنّـهـا : “واحـدة مـن أقـدم مـدن جـنـوب غـرب آسـيـا”، ويـنـقـل مـا كـان الـنّـاس يـعـتـقـدونـه في ذلـك الـزّمـن مـن أنّ الـمـلـك الـسّـاسـاني شـابـور الأوّل هـو الّـذي أسـسـهـا في الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد. ونـحـن نـعـرف الآن مـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة أنّ تـأسـيـسـهـا يـعـود إلى زمـن الـدّولـة الآشـوريـة في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد :

تكريت

ولـخـان في الـفـلـوجـة :

خان في الفلوجة

ويـنـتـهي الـمـقـال بـصـورة لـمـقـهى في الـمـوصـل :

مقهى في الموصل

 

مـلـحـق

نـشـرت الـجـمـعـيـة الـجـغـرافـيـة الّـتي تـصـدر عـنـهـا مـجـلّـة The National Geographic Magazine كـتـابـاً عـام 2001، احـتـوى عـلى مـخـتـارات مـن أرشـيـفـاتـهـا الـمـتـعـلّـقـة بـالـبـلـدان الـمـسـلـمـة.

وقـد أعـيـد فـيـه نـشـر الـمـقـطـع الّـذي كـتـبـتـه مـرغـريـت سِـمـبِـك عـن “الـحـريـم” في مـقـال عـام 1914 الأوّل، وجـزء مـن الـمـقـال الـثّـاني الّـذي كـتـبـه فـردريـك سِـمـبِـك عـن الـنّـجـف.

كـمـا نـشـرت عـدداً مـن الـصـور مـنـهـا صـورة واسـعـة عـلى صـفـحـتـيـن (لـوّنـت يـدويـاً) لـمـقـهى بـغـدادي الـتـقـطـهـا  Eric Keast BURKE عـام 1922، وأضـعـهـا بـقـسـمـيـن :

وقـد الـتـقـط نـفـس الـمـصـور وفي نـفـس الـعـام صـورة لـمـنـارة الـمـوصـل الـحـدبـاء

img261 (549x800)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  أنـشـأ الأخـوان أنـدروود Underwood  عـام 1881 شـركـة لـلـتـصـويـر في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة. ثـمّ قـامـا بـتـصـويـر الأحـداث وبـيـعـهـا لـوكـالات الأنـبـاء في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، وفـتـحـا عـدداً مـن الـمـكـاتـب في مـدن مـخـتـلـفـة مـن الـعـالـم. وقـد بـعـثـا بـمـصـوريـن إلى الـشّـرق الأدنى في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى. وتـحـتـوي أرشـيـفـات الـشّـركـة عـلى عـدد كـبـيـر مـن صـور الـتـقـطـت في الـعـراق.

(2)  أنـظـر مـقـالي :  مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم في بـغـداد

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم في بـغـداد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وصـلـتـنـا رسـوم وصـور فـوتـوغـرافـيـة لـبـاب الـحـلـبـة (أو بـاب الـطّـلـسـم) في بـغـداد ولـلـمـنـحـوتـات الّـتي كـانـت تـحـيـط بـه والّـتي تـأمّـلـهـا الـبـغـداديـون قـرونـاً طـويـلـة قـبـل تـدمـيـره في 11 آذار 1917.

وكـان الـبـاب يـفـضى إلى مـيـدان سـبـاق الـخـيـل في زمـن الـعـبـاسـيـيـن، ومـنـه جـاء اسـمـه “بـاب الـحـلـبـة”، ولـكـنّ الـعـامـة كـانـت تـسـمـيـه “بـاب الـطّـلـسـم” لـغـمـوض مـعـاني مـنـحـوتـاتـه الّـتي كـان يـصـعـب عـلـيـهـم إدراك مـغـزاهـا بـعـد أن أنـسـاهـم إيـاهـا مـرور الـقـرون.

وعـنـدمـا نـتـأمّـل نـحـن، في زمـانـنـا هـذا، الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـت لـهـذه الـمـنـحـوتـات والـرّسـوم الّـتي خـطـطـت لـهـا، نـحـسّ بـهـذا الـغـمـوض الّـذي كـان يـحـيـط بـهـا. وتـدفـعـنـا الـرّغـبـة في إدراك مـغـزاهـا ومـعـانـيـهـا إلى مـحـاولـة تـحـلـيـلـهـا ومـقـارنـتـهـا بـمـا وصـلـنـا مـن مـنـحـوتـات أخـرى عـلّـنـا نـتـوصـل إلى تـحـسـيـن مـعـرفـتـنـا بـهـا، وبـجـزء مـن تـراثـنـا الّـذي ضـاع مـنّـا بـضـيـاعـهـا.

بـاب الـطّـلـسـم :

ثـالـث أبـواب الـجـانـب الـشّـرقي مـن سـور بـغـداد (جـانـب الـرّصـافـة). وكـان في الـحـقـيـقـة بـرجـاً شـبـه دائـري كـمـا نـراه في رسـم طـبـاعي (1)

أسوار بغداد 2

أو في صـورة فـوتـوغـرافـيـة مـن عـام 1908 (2)

أسوار بغداد

ويـنـفـتـح عـلى داخـل الـمـديـنـة بـواجـهـة عـالـيـة في أسـفـلـهـا بـاب عـقـد أعـلاه بـالـحـجـر وكُـسـر تـقـويـسـه قـلـيـلاً في وسـطـه.

باب الطلسم 13باب الطلسم 2

ونـلاحـظ في الـرّسـوم والـصّـور أنّ عـتـبـة الـبـاب كـانـت مـرتـفـعـة عـن مـسـتـوى الأرض، وهـذا طـبـيـعي فـقـد كـان يـحـاذي الأسـوار مـن الـدّاخـل خـنـدق عـمـيـق يـمـلأ مـن مـاء دجـلـة، كـان حـمـايـة إضـافـيـة تـمـنـع حـتّى مـن اسـتـطـاع اقـتـحـام الـبـاب مـن الأعـداء مـن الـدّخـول في الـمـديـنـة بـعـد أن يـسـحـب مـنـه الـجـسـر الـخـشـبي الّـذي يـربـطـه بـداخـل الـمـديـنـة.

ونـرى في رسـم نـفّـذ عـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـتـهـا الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا  DIEULAFOY عـام 1882 (3) أنّ تـحـصـيـنـاً أخـر كـان يـقـابـل الـبـاب مـن جـهـة داخـل الـمـديـنـة.

ج, ديولافوا 12

ونـلاحـظ في هـذا الـرّسـم الّـذي كـان تـنـفـيـذاً دقـيـقـاً لـلـصـورة الـفـوتـوغـرافـيـة أنّ ارتـفـاع الـبـنـاء يـسـاوي حـوالي 10 مـرّات ارتـفـاع الـرّجـل الـواقـف بـجـانـبـه.

ولـكـنـنـا نـجـد في تـخـطـيـط رسـمـه عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه في بـغـداد عـام 1899 :

فالتر أندريه بات الطلسم

أنّ ارتـفـاع الـبـرج لا يـسـاوي إلّا حـوالي 9 مـرّات ارتـفـاع الـرّجـل الـواقـف أمـام الـبـاب. ومـن هـذا يـمـكـن أن نـسـتـنـتـج أنّ ارتـفـاع مـا تـبـقى مـن الـبـنـاء في ذلـك الـزّمـن كـان بـيـن 15 و 18 مـتـراً.

كـمـا نـلاحـظ صـفـيـن مـن الـطـاقـات الـضّـيـقـة الـمـسـتـطـيـلـة الّـتي كـان الـقـوّاسـون يـرمـون مـن خـلالـهـا نـبـالـهـم مـن غـيـر أن يـراهـم الأعـداء ولا يـمـكـنـهـم أن يـصـيـبـوهـم.

ولـديـنـا عـدّة صـور فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـتـهـا جـرتـرود بـيـل في عـام 1910 ونـشـرتـهـا في الـعـام الـتّـالي (4)

باب الطلسم بيل 3

باب الطلسم بيل

منحوتات باب الطلسم بيل

 

الـشّـريـط الـمـخـطـوط في أعـلى الـبـنـاء :

ونـرى فـوق الـصّـف الـثّـاني مـن الـطّـاقـات شـريـطـاً مـنـحـوتـاً في الـطّـابـوق عـلـيـه نـصّ مـخـطـوط، كـان كـارسـتـن نـيـبـور  Karsten Niebuhr قـد نـسـخـه في بـغـداد سـنـة 1764 ونـشـره عـام 1772(3) :

نيبور باب الطلسم

ثـمّ نـسـخـه لـويـس مـاسـيـنـيـون Louis MASSIGNON  عـام 1907 ونـشـره كـمـا يـلي :

“بـسـم الله الـرّحـمـن الـرّحـيـم. وإذ يـرفـع إبـراهـيـم الـقـواعـد مـن الـبـيـت وإسـمـاعـيـل، ربّـنـا تـقـبّـل مـنّـا إنّـك أنـت الـسّـمـيـع الـعـلـيـم. هـذا مـا أمـر بـعـمـلـه سـيّـدنـا ومـولانـا الإمـام الـمـفـتـرض الـطـاعـة عـلى كـافـة الأنـام أبـو الـعـبّـاس أحـمـد الـنّـاصـر لـديـن الله أمـيـر الـمـؤمـنـيـن وخـلـيـفـة رب الـعـالـمـيـن وحـجّـة الله عـز وجـلّ عـلى الـخـلـق أجـمـعـيـن صـلـوات الله عـلـيـه وعـلى آبـائـه الـطّـاهـريـن ولا زالـت دعـوتـه الـهـدايـة عـلى يـفـاع الـحـق مـنـارا والـخـلائـق لـهـا أتـبـاعـاً وأنـصـارا وطـاعـتـه الـمـفـتـرضـة لـلـمـؤمـنـيـن أسـمـاعـاً وأبـصـارا وافـق الـفـراغ في سـنـة ثـمـان عـشـر وسـتـمـائـة وصـلـواتـه عـلى سـيـدنـا مـحـمّـد الـنّـبي وآلـه الـطّـيـبـيـن الـطّـاهـريـن”. (5)

وكـان نـيـبـور قـد قـرأ : “وهـذا مـا أمـر بـعـمـارتـه” بـدلاً مـن “بـعـمـلـه”، وقـرأ : “عـلى آلـه” بـدلاً مـن “عـلى آبـائـه”، وقـرأ نـيـبـور “ولا زالـت دعـوة الـمـدعي عـلى تـبـاع الـحـق مـنـازلـه” بـيـنـمـا قـرأ مـاسـيـنـيـون : “ولا زالـت دعـوتـه الـهـدايـة عـلى يـفـاع الـحـقّ مـنـارا”.

ونـفـهـم مـن هـذا الـنّـصّ أن الـفـراغ مـن عـمـارة الـبـرج، أي تـجـديـده، كـان في زمـن الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله عـام 1221 م. / 1222 م. أي قـبـل حـوالي 36 سـنـة مـن سـقـوط بـغـداد بـأيـدي الـتّـتـار عـام 1258 م.

وقـد اسـمي هـذا الـبـاب أيـضـاً بـ “بـاب الـفـتـح” لأنّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـراد الـرّابـع، بـعـد أن أخـذ بـغـداد مـن أيـدي الـصّـفـويـيـن، دخـلـهـا مـن بـاب الـطّـلـسـم. وقـد أمّـر بـرقـمـه بـالـطّـابـوق.

وتـذكـر الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا DIEULAFOY  أنّـهـا رأت  الـنّـصّ الـتّـالي الّـذي أمـر مـراد  الـرّابـع بـنـقـشـه عـلـيـه : “فـتـح الـسّـلـطـان مـراد بـغـداد في 24 كـانـون الأوّل عـام 1638 ودخـلـهـا مـن بـاب الـطّـلـسـم بـعـد أن ضـرب الـحـصـار أربـعـيـن يـومـاً أمـامـهـا”(6). ولا يـمـكـنـنـا الـتّـأكـد مـمـا ذكـرتـه ديـولافـوا فـهـو لا يـظـهـر في الـرّسـوم والـصّـور الّـتي وضـعـتـهـا في كـتـابـهـا.

ديولافوا منحوتات باب الطلسم

الـمـنـحـوتـات الـمـحـيـطـة بـالـبـاب :

وتـحـيـط بـأعـلى الـبـاب مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز مـعـقّـدة الـتّـركـيـب ربّـمـا يـعـود تـاريـخ تـنـفـيـذهـا إلى فـتـرة تـجـديـد بـنـاء الـبـرج في زمـن الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله كـمـا سـبـق أن رأيـنـا.

ونـرى في وسـط أعـلى الـبـاب رجـلاً تـربّـع جـالـسـاً يـعـلـو رأسـه تـاج يـمـسـك بـلـسـاني ثـعـبـانـيـن مـجـنـحـيـن خـرافـيـيـن : “تـنـيـنـيـن” شـديـدي الـطـول يـتـلـوّى جـسـد كـلّ مـنـهـمـا مــلـتـفّـاً عـلى نـفـسـه عـدّة مـرّات في عـقـد مـتـلابـسـة حـتّى يـنـزل ذنـبـه إلى أسـفـل الـقـوس، تـمـامـاً فـوق رأس كـلّ مـن الأسـديـن الـجـالـسـيـن فـوق الـعـمـوديـن الـلـذيـن يـسـتـنـد عـلـيـهـمـا الـقـوس.

Bab Talism 2

باب الطلسم 2

وفي مـحـاولـتـنـا لـفـهـم مـغـزى هـذه الـمـنـحـوتـات عـلـيـنـا أن نـتـكـلّـم أوّلاً عـن الـثّـعـبـانـيـن الـمـجـنـحـيـن، ثـمّ عـن تـصـويـر الـخـلـيـفـة مـتـربـع الـجـلـوس، ثـمّ عـن الأسـديـن الـلـذيـن تـرتـكـز عـلـيـهـمـا الـمـنـحـوتـات.

“الـتّـنـيـنـان” الـمـجـنـحـان :

يـذكـر مـؤرخـو الـفـنّ أنّـه كـانـت عـلى أسـوار قـونـيـا في تـركـيـا، وعـلى أسـوار ديـار بـكـر، حـسـب الـصّـور الّـتي الـتـقـطـت لـهـا قـبـل هـدمـهـا، مـنـحـوتـات ثـعـابـيـن تـنـيـنـيّـة تـشـبـه ثـعـابـيـن بـاب الـطـلـسـم.

كـمـا يـمـكـنـنـا رؤيـة ثـعـابـيـن مـتـلـوّيـة عـلى “بـاب الـحـيـايـا” في قـلـعـة حـلـب :

قلعة حلب باب الحيايا

ولـديـنـا صـور لـواجـهـة بـنـاء في بـغـداد كـانـت تـعـلـو بـابـه مـنـحـوتـة عـلـيـهـا ثـعـبـانـان وأسـدان :

أسدان وثعبانان

ويـصـعـب عـلـيـنـا الـتّـوصـل إلى تـحـديـد بـدايـات ظـهـور مـثـل هـذه الـمـنـحـوتـات الّـتي لا يـمـكـن ربـطـهـا بـفـنـون الـشّـرق الأدنى الـقـديـمـة وخـاصـة فـنـون بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

ويـعـتـقـد بـعـض الـباحـثـيـن أنّـهـا تـمـثّـل الـخـلـيـفـة قـابـضـاً عـلى عـدويـه مـلـك خـوارزم وسـلـطـان الـمـنـغـول، أو ربّـمـا الـخـلـيـفـة الّـذي يـمـسـك بـيـن يـديـه بـزمـام الـعـالـم الـنّـاطـق بـلـسـانـيـن، الـعـربي والأعـجـمي.

وأذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز هـنـا إلى أنّ سـلـطـة الـخـلـيـفـة كـانـت مـحـدودة في تـلـك الـفـتـرة، وإن حـاول الـنّـاصـر لـديـن الله أن يـعـيـد لـلـخـلافـة بـعـض هـيـبـتـهـا، فـقـد كـان الـحـكـم الـحـقـيـقي بـيـد الـسّـلـطـان الـسّـلـجـوقي مـنـذ أن دخـل الـسّـلاجـقـة بـغـداد عـام 1105 م. وسـيـطـروا عـلى الـخـلافـة.

ولـم يـحـفـظ لـنـا الـتّـاريـخ، حـسـب مـا أعـرفـه، تـصـاويـر الـنّـاصـر لـديـن الله ولا تـصـاويـر أبـيـه الـمـسـتـضئ، ولـكـن وصـلـتـنـا قـطـعـة ذهـبـيـة تـصـوّر الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر بـالله (حـكـم مـن 908 م. إلى 923 م.) يـجـلـس مـتـربـعـاً عـلى سـريـر الـمـلـك. (7)

المقتدر في برلين

 

صـورة الـخـلـيـفـة في بـلاد الأرمـن :

كـمـا نـجـد عـلى أحـد جـدران كـنـيـسـة أخـتَـمـار الأرمـنـيـة في جـزيـرة وسـط بـحـيـرة “وان” في جـنـوب شـرق تـركـيـا مـنـحـوتـة يـذكـر مـؤرخـو الـفـنّ (8) أنّـهـا تـصـوّر الـخـلـيـفـة الـعـبـاسي الـمـقـتـدر بـالله. وقـد أمـر بـتـشـيـيـد الـكـنـيـسـة مـلـك أرمـيـنـيـا غـاجـيـك Gagik عـام 915 م. وأكـمـل تـشـيـيـدهـا عـام 921 م.

وقـد أقـام الـمـلـك غـاجـيـك عـلاقـات وديـة مـع الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر الّـذي سـانـده مـرتـيـن لـلـوصـول إلى ارتـقـاء عـرش بـلاد الأرمـن. ويـبـدو أنّ الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر سـاعـد الـمـلـك غـاجـيـك مـادّيـا في تـشـيـيـد كـنـيـسـة أخـتـمـار.

ونـرى في وسـط الـمـنـحـوتـة الـخـلـيـفـة يـجـلـس مـتـربـعـاً تـحـيـط بـرأسـه هـالـة مـسـتـديـرة. وقـد صـوّر مـواجـهـة يـنـظـر إلى الـمـشـاهـد بـعـيـنـيـن كـانـتـا مـطـعـمـتـيـن ولا شـكّ بـنـوع مـن الـصّـدف كـمـا في مـنـحـوتـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة، ضـاعـتـا ولـم يـبـق إلّا الـثّـقـبـيـن الّـذيـن كـانـتـا مـثّـبـتـتـيـن بـهـمـا. ونـرى عـلى جـبـهـتـه، فـوق شـعـره الـمـنـسـدل عـلى كـتـفـيـه تـاجـاً كـان هـو الآخـر مـطـعـمـاً لـم يـبـق مـنـه إلّا الـثّـقـوب الـخـمـسـة الّـتي كـان مـثـبّـتـاً عـلـيـهـا :

خليفة أختمار

وقـد صـوّر جـالـسـاً يـحـمـل بـيـده الـيـمـنى كـأس الـسّـلـطـنـة عـلى الـعـالـم ويـرفـع يـده الـيـسـرى آمـراً، في داخـل غـصـن الـكـروم الـمـلـتـوي الـمـلـتـف حـولـه وفـوق مـرافـقـه الـمـنـتـصـب عـلى يـمـيـنـه. ونـلاحـظ أن هـذا الـمـرافـق، مـثـل الـمـرافـق الآخـر الـمـنـتـصـب عـلى يـسـار الـخـلـيـفـة، يـرتـدي ثـوبـاً طـويـلاً مـنـسـدلاً عـلى سـروالـه وحـزامـاً مـرصـعـاً بـالـمـسـامـيـر الـمـعـدنـيـة عـلى طـريـقـة الأتـراك. ويـمـدّ إلـيـه كـلاهـمـا بـرمـانـة. والـرّمّـان وعـنـاقـيـد الـكـروم الـمـحـيـطـة بـالـخـلـيـفـة مـن فـواكـه الـجـنّـة.

ونـلاحـظ الـتّـشـابـه بـيـن صـورة الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر عـلى الـقـطـعـة الـذّهـبـيـة وبـيـن صـورتـه عـلى جـدار أخـتـمـار.

صـورة الـخـلـيـفـة في صـقـلـيـة :

كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة لـمـلـك يـجـلـس مـتـربـعـاً مـثـل مـا رأيـنـاه في صـورتَي الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر، ولـكـنّـهـا في هـذه الـمـرّة رسـمـت عـلى سـقـف كـنـيـسـة قـصـر الـمـلـك روجـر الـثّـاني في مـديـنـة بَـلَـرم Palermo (في صـقـلـيـة، جـنـوب إيـطـالـيـا)، والّـتي كـانـت عـاصـمـتـه.

وأذكّـر الـقـارئ هـنـا بـأنّ صـقـلـيـة حـكـمـهـا الـفـاطـمـيـون مـنـذ بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع الـمـيـلادي إلى أن حـدثـت صـراعـات عـلى الـحـكـم في حـوالي عـام 1030 مـمـا سـهـلّ عـلى الـقـائـد الـنّـورمـانـدي روجـر جـسـكـار (الـمـعـروف بـروجـر الأوّل) الإسـتـيـلاء عـلـيـهـا بـيـن 1060 و 1090.

وقـد ظـهـرت تـأثـيـرات فـنّ الـفـاطـمـيـيـن عـلى إنـجـازات فـتـرة حـكـم خـلـفـه روجـر الـثّـاني الـفـنّـيـة والـمـعـمـاريـة، فـقـد كـان مـلـك صـقـلـيـة هـذا مـعـجـبـاً بـالـثّـقـافـة الـعـربـيـة وبـالـفـنـون الإسـلامـيـة. و كـمـا ذكـر الـصّـفـدي في “الـوافي بـالـوفـيـات”، فـ “هـو الـذّي اسـتـقـدم الـشّـريـف الإدريـسي صـاحـب كـتـاب “نـزهـة الـمـشـتـاق في اخـتـراق الآفـاق” لـيـصـنـع لـه شـيـئـاً في شـكـل صـورة الـعـالـم”، أي كـرة أرضـيـة مـن الـمـعـدن.

ونـحـن نـعـرف مـدى تـأثّـر الـفـاطـمـيـيـن بـالـفـنّ الـعـبـاسي وخـاصـة فـنّ سـامـراء (9). وهـكـذا وصـلـت صـورة الـخـلـيـفـة إلى كـنـيـسـة قـصـر بـلـرم لـيـجـلـس مـتـربـعـاً بـيـن أتـبـاعـه عـلى سـقـفـهـا :

خليفة صقلية

وقـد اكـتـمـل تـشـيـيـد كـنـيـسـة قـصـر بـلـرم في حـوالي عـام 1140 م. ويـمـكـنـنـا أن نـتـأمّـل عـلى سـقـف هـذه الـكـنـيـسـة مـقـرنـصـات

بلرم كنيسة القصر

ونـقـوشـاً بـالـخـط الـكـوفي حـول أشـكـال هـنـدسـيـة مـن بـيـنـهـا نـجـوم مـثـمّـنـة

بلرم 3

 

صـورتـا الأسـديـن :

 نـلاحـظ أنّ كـلّ واحـد مـن الأسـديـن جـالـس عـلى قـائـمـتـيـه الـخـلـفـيـتـيـن بـيـنـمـا اتّـكـأ رأسـه عـلى قـائـمـتـيـه الأمـامـيـتـيـن والّـتـفّ ذيـلـه حـول جـسـده.

أسد بيل

وهـمـا لا يـشـبـهـان أسـود أسـوار ديـار بـكـر الـمـجـنـحـة والّـتي جـاءت ولا شـكّ مـن أسـوار أكـثـر قـدمـاً وأدخـلـت بـعـد ذلـك في الأسـوار الإسـلامـيـة (مـن الـقـرن الـعـاشـر إلى الـقـرن الـثّـالـث عـشـر) :

أسد ديار بكر

ويـمـكـنـنـا أن نـسـتـنـتـج مـمـا عـرضـنـاه أنّ أسـلـوب مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم مـخـتـلـف عـن أسـالـيـب الـفـنـون الـعـبّـاسـيـة وخـاصـة أسـالـيـب سـامـراء، ويـظـهـر فـيـه بـوضـوح تـأثـيـر فـنـون الـسّـلاجـقـة الأتـراك. ويـشـبـه أسـلـوب صـورة الـخـلـيـفـة (إن صـحّ أنّـهـا تـصـوّر الـخـلـيـفـة) أسـلـوب صـورة بـدر الـدّيـن لـؤلـؤ، صـاحـب الـمـوصـل، في ذلـك الـزّمـن تـقـريـبـاً. (10)

بدر الدين لؤلؤ

وأخـتـم عـرضي الـسّـريـع بـالـتّـأكـيـد عـلى أنّ هـدفي مـن كـتـابـة هـذه الـمـلاحـظـات لـم يـكـن  إعـطـاء تـفـسـيـرات لـمـعـاني هـذه الـمـنـحـوتـات، وإنّـمـا كـان هـدفي الـتّـنـبـيـه إلـيـهـا وإثـارة تـسـاؤلات عـن أسـالـيـبـهـا ومـغـزى وضـعـهـا عـلى هـذا الـبـاب لأنّي لـم أتـوصـل بـعـد إلى إيـجـاد دراسـات ولا حـتّى مـقـالات عـنـهـا في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة.

وأذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز مـن جـديـد بـأنّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـراد الـرّابـع، بـعـد أن هـزم الـصّـفـويـيـن ودخـل بـغـداد، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، في 24 كـانـون الأوّل عـام 1638 م.، أمـر بـرقـم فـتـحـة الـبـاب بـالـطّـابـوق لـيـمـنع أعـداءه الـفـرس مـن دخـول الـمـديـنـة مـن جـهـة الـشّـرق، وهـو مـا نـراه عـلى الـصّـور الـتّي الـتـقـطـت لـلـبـرج.

وفي عـام 1657، أمـر والي بـغـداد مـحـمّـد بـاشـا الـخـاصـكي بـتـرمـيـم بـاب الـطّـلـسـم بـعـد أن خـرّب فـيـضـان دجـلـة في الـعـام الـسّـابـق بـعـض أجـزائـه.

ثـمّ اسـتـعـمـل الـبـرج في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، لـخـزن بـارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد. وعـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرتـه الـقـوات الـعـثـمـانـيـة  قـبـل انـسـحـابـهـا مـن الـمـديـنـة في 11 آذار 1917، وتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجـارة، ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

ولا شـكّ في الـمـنـحـوتـات الّـتي ضـاعـت مـنّـا بـضـيـاع الـبـاب تـسـتـحـق أن يـخـصـص لـهـا فـصـل في تـاريـخ الـفـنّ الـعـراقي الّـذي يـنـبـغي أن يـسـجّـل جـدّيـاً في يـوم مـن الأيّـام …

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نـشـر الـرّسـم في عـام 1875 في كـتـاب William Perry FOGG :

»Arabistan or The land of The Arbian Nights »

أنـظـر مـقـالي : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

(2) في كـتـاب La Province de Bagdad لـحـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة. أنـظـر مـقـالي : صـور قـديـمـة لـبـغـداد في كـتـاب حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة

(3) حُـفـر الـرّسـم عـلى الـخـشـب وطـبـع، ووضـعـتـه جـان ديـولافـوا Jane DIEULAFOY  في كـتـاب نـشـرتـه عـن رحـلـتـهـا إلى الـعـراق في 1881/1882. أنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

(3)    Karsten Niebuhr, Reisebeschreibung, II, 294.

(4)  Gertrude Bell, Amurath to Amurath, London 1911

من مراد إلى مراد

(5) 47-48. Louis MASSIGNON, Mission en Mésopotami.

(6) p. 569

(7)  مـحـفـوظـة في مـكـتـب الـمـدالـيـات Münzkabinett  في مـتـحـف الـدّولـة Staatliche Museen  في بـرلـيـن عـاصـمـة ألـمـانـيـا.

(8) أنـظـر خـاصـة كـاتـريـنـا أوتـو ــ دورن  Katharina OTTO-DORN : “الـفـنّ الإسـلامي  Kunst des Islam”، بـادن بـادن 1964، والـقـسـم الّـذي كـتـبـتـه بـيـانـكـا مـاريـا الـفـيـيـري Bianca Maria Alfieri مـن كـتـاب Le Califat de Bagdad، الّـذي نـشـرتـه مـؤسـسـة FDD عـام 1988.

(9) بـعـد أن أشـتـدّ ضـعـف حـكـم الـعـبـاسـيـيـن وانـحـطـت سـلـطـتـهـم عـنـدمـا سـاد عـلـيـهـم الأمـراء الـبـويـهـيـون ثـمّ سـلاطـيـن الـسّـلاجـقـة الّـذيـن اسـتـولـوا عـلى الـحـكـم الـفـعـلي وتـركـوا لـلـخـلـفـاء سـلـطـة صـوريـة، تـرك كـثـيـر مـن الـصّـنـاع، وخـاصـة الـخـزفـيـون، الـعـراق نـحـو مـنـاطـق أكـثـر ثـراءً، ووصـلـت أعـداد مـنـهـم إلى مـصـر لـيـعـمـلـوا فـيـهـا، كـمـا أظـهـرتـه تـنـقـيـبـات مـديـنـة الـفـسـطـاط الأثـريـة.

(10)  أنـظـر مـقـالي : مـقـتـل آخـر خـلـفـاء بـغـداد كـمـا رواه أوربـيـان

 

كـيـف شـيّـد فـالـتـر أنـدريـه بـوابـة عـشـتـار في مـتـحـف بـرلـيـن

الـدكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـصـصـت عـلـيـكـم في مـقـال سـابـق كـيـف وصـل الألـمـاني  فـالـتـر أنـدريـه Walter ANDRAE  إلى الـعـراق في عـام 1899 لـيـشـارك في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة الألـمـانـيـة في مـوقـع بـابـل الّـتي أشـرف عـلـيـهـا  روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE، وكـيـف بـقي في بـابـل إلى عـام 1903 ثـمّ عُـهـد إلـيـه بـالإشـراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) والّـتي قـادهـا حـتّى عـام 1914.

كـمـا أريـتـكـم عـدداً مـن تـخـطـيـطـاتـه ورسـومـه بـأقـلام الألـوان وبـالألـوان الـمـائـيـة الّـتي نـفّـذهـا طـيـلـة كـلّ تـلـك الـسّـنـوات عـن مـواقـع الآثـار والـمـنـاطـق الّـتي زارهـا والـنّـاس الّـذيـن الـتـقى بـهـم. (1)

وأكـمـل في هـذا الـمـقـال الـحـديـث عـن اسـتـمـراره، بـعـد أن أنـهى الـتّـنـقـيـبـات وعـاد إلى ألـمـانـيـا، في جـهـوده لـدراسـة الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا وفي نـشـر نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الّـتي مـا زالـت تـعـتـبـر مـن الـمـصـادر الأسـاسـيـة لـدراسـة تـاريـخ بـابـل ومـديـنـة آشـور. وإلى جـانـب ذلـك اسـتـمـرّ في تـجـمـيـع كـسـر الـطّـابـوق الـمـزجـج الألـوان وإعـادة تـشـكـيـل صـور الـثّـيـران والـحـيـوانـات الـخـرافـيـة (الـتّـنـيـنـات) الّـتي كـانـت تـغـطي جـدران بـوابـة عـشـتـار والأسـود الـمـتـتـابـعـة عـلى جـانـبي درب الـمـسـيـرات.

وقـد صـمـم مـشـروعـه لإعـادة تـشـيـيـد “بـوابـة عـشـتـار” و “درب الـمـواكـب” في قـاعـات مـتـحـف بـرلـيـن عـلى الـورق بـعـشـرات الـتّـخـطـيـطـات والـرّسـوم الـمـائـيـة الّـتي مـا زال الـمـتـحـف يـحـتـفـظ مـنـهـا بـأعـداد كـبـيـرة (مـثـل رسـمـه لـلـبـوابـة الّـذي وضـعـتـه في بـدايـة الـمـقـال) حـتّى تـوصّـل إلى تـنـفـيـذه.

ومـا زال زوّار الـمـتـحـف يـتـأمـلـون بـذهـول الـبـوابـة الـمـتـلامـعـة الـزّرقـة بـثـيـرانـهـا وتـنـيـنـاتـهـا. ويـعـتـقـد أغـلـب هـؤلاء الـزّوار أنّ الـمـنـقـبـيـن خـلـعـوا الـبـوابـة مـن بـابـل ونـصـبـوهـا في بـرلـيـن ! وقـد قـلـدنـاهـا نـحـن أنـفـسـنـا ونـصـبـنـا مـنـهـا نـسـخـاً مـعـتـقـديـن أنّـهـا بـوابـتـنـا الأصـلـيـة !

بوابة عشتار 3برلين

وسـأعـيـد بـعـض مـا كـنـت قـد ذكـرتـه في الـمـقـال الـسّـابـق لـنـسـتـطـيـع مـتـابـعـة جـهـود فـالـتـر أنـدريـه مـن الـبـدايـة :

بـدايـات فـالـتـر أنـدريـه :

رأيـنـا في الـمـقـال الـسّـابـق كـيـف اخـتـار روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE الـمـسـؤول عـن بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل فـالـتـر أنـدريـه لـيـسـاعـده كـرسّـام يـعـمـل مـعـه في الـمـوقـع.

ونـتـذكّـر كـيـف بـدأت الـتّـنـقـيـبـات في بـابـل في 26 آذار 1899، وفـيـهـا تـعـلّـم فـالـتـر أنـدريـه مـن كـولـدفـيـه مـنـاهـج الـتّـنـقـيـبـات الـحـديـثـة. وكـانـت تـلـك بـدايـة حـيـاة جـديـدة لـه كـرّسـهـا حـتّى وفـاتـه لـدراسـة آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. كـمـا تـعـلّـم مـن كـولـدفـيـه طـريـقـة رسـم الآثـار والـقـطـع الأثـريـة.

ونـتـذكّـر أيـضـاً كـيـف بـدأ روبـرت كـولـدفـيـه تـنـقـيـبـاتـه الـبـابـلـيـة في تـلّ الـقـصـر الّـذي وجـدت فـيـه كِـسـر طـابـوق جـعـلـتـه يـخـمّـن أن الـمـوقـع كـان عـلـيـه بـنـاء مـهـمّ غـطّـت جـدرانـه قـطـع فـنّـيـة شـديـدة الـدّقّـة والـمـهـارة عـلـيـهـا تـصـاويـر حـيـوانـات خـرافـيـة “تـنّـيـنـات” وثـيـران قـلـيـلـة الـبـروز. وكـان بـعـض هـذا الـطّـابـوق مـزجـج الألـوان مـسـطـحـاً أو عـلـيـه تـصـاويـر قـلـيـلـة الـبـروز. وقـد عـهـد كـولـدفـيـه إلى فـالـتـر أنـدريـه بـإعـادة تـركـيـب الـطّـابـوق الـمـزجـج الّـذي وجـده مـهـشـمـاً في الـمـوقـع.

وأدرك كـولـدفـيـه أن شـظـايـا الـطّـابـوق تـسـاقـطـت مـمـا كـان في الـمـاضي بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب الّـذي كـان يـفـضي إلـيـهـا، والّـذي كـان مـرصـوفـاً بـالـحـجـارة وعـلى جـانـبـيـه جـداران مـن الـطّـابـوق. وكـان درب الـمـواكـب يـمـتـدّ مـسـتـقـيـمـاً عـلى حـوالي 900 مـتـراً، تـزيـنـه أسـود مـتـتـابـعـة مـن الـجـانـبـيـن. ويـقـدر عـدد هـذه الأسـود في زمـن إعـادة نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني (حـكـم مـن 605 إلى 562 قـبـل الـمـيـلاد) لـتـشـيـيـد الـدّرب بـحـوالي 120 أسـداً.

وكـانـت بـوابـة عـشـتـار في الـحـقـيـقـة بـوابـتـيـن تـنـفـتـحـان الـواحـدة عـلى الأخـرى مـن جـانـبي الـسّـور الـمـزدوج. وبـعـد أن أزيـحـت أطـنـان مـن الـتّـراب ظـهـرت الـبـوابـة الـدّاخـلـيـة الّـتي يـفـضي إلـيـهـا درب الـمـواكـب، وكـانـت لا تـزال تـرتـفـع 12 مـتـراً، تـزيـنـهـا صـفـوف يـعـلـو الـواحـد مـنـهـا الآخـر مـن الـثّـيـران والـتّـنـيـنـات.

Iraq. Babylon. The Ishtar Gate

(بـقـايـا بـوابـة عـشـتـار في بـابـل عـام 1932، صـورة مـن مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون)

بوابة عشتار كولدفيه  (تـخـطـيـط رسـمـه روبـرت كـولـدفـيـه في الـمـوقـع)

وقـد اسـتـنـتـج الـمـنـقّـبـون أنّـه كـان عـلـيـهـا في الأصـل 575 ثـوراً وتـنـيـنـاً عـلى 13 صـفّ. ولأنّ الـدّرب رفـع مـسـتـواه عـدّة مـرّات فـقـد غـارت الـصّـفـوف الـسّـفـلى مـن الـحـيـوانـات الـبـارزة الـنّـحـت في بـاطـن الأرض.

وكـان الأزرق الـلـون الأكـثـر اسـتـعـمـالاً وخـاصـة في الـخـلـفـيـات، أمّـا الـحـيـوانـات فـقـد كـانـت تـتـتـابـع أمّـا بـيـضـاء أو بـنّـيـة مـصـفـرّة. وكـان الأسـد رمـزاً لـلإلـهـة عـشـتـار والـتّـنـيـن الـثّـعـبـاني الـرأس رمـز الإلـه مـردوخ، أمّـا الـثّـور فـقـد كـان رمـز الإلـه حـدّاد (أداد).

وكـان الـطّـابـوق الّـذي جـمّـعـه فـالـتـر يـصـوّر أسـوداً حـولـهـا زهـور مـنـقـوشـة كـانـت تـغـطي جـوانـب درب الـمـسـيـرات،

Andrae 2

ويـصـوّر أسـوداً حـولـهـا سـعـف وأغـصـان لـولـبـيـة كـانـت عـلى واجـهـة قـاعـة الـعـرش.

وبـعـد أن اشـتـغـل فـالـتـر أنـدريـه عـلى شـظـايـا الـطّـابـوق عـامـاً كـامـلاً يـضـع الـقـطـع الـصـغـيـرة الـواحـدة بـجـنـب الأخـرى ويـؤلـف بـيـنـهـا اسـتـطـاع إعـادة تـركـيـب بـعـضـهـا، ولـو جـزئـيـاً.

وكـان، إلى جـانـب اشـتـغـالـه لـيـلاً ونـهـاراً بـإعـادة تـركـيـب شـظـايـا الـطّـابـوق لإيـجـاد ألـوان الأسـود الـبـابـلـيـة، يـرسـم مـخـطـطـات الـمـواقـع والـقـطـع الأثـريـة ويـسـاعـد كـولـدفـيـه في أعـمـال الـتّـنـقـيـبـات الأخـرى.

وقـد اسـتـمـرّ فـالـتـر أنـدريـه في الـعـمـل في بـابـل إلى عـام 1903، ثـمّ عُـهـد إلـيـه بـالأشـراف عـلى تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) والّـتي قـادهـا حـتّى عـام 1914.

سـنـوات الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى :

وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، إسـتـدعي فـالـتـر أنـدريـه لـيـشـارك فـيـهـا. وأرسـل إلى جـبـهـة الـقـتـال في فـرنـسـا عـام 1915، ثـمّ أرسـل لـيـخـدم تـحـت أوامـر الـفـيـلـد مـارشـال فـون ديـر غـولـتـس الـمـعـروف بـغـولـتـس بـاشـا (أو غـولـتـز بـاشـا لـلّـذيـن لا يـحـسـنـون الـلـفـظ الألـمـاني) الّـذي عـهـد إلـيـه بـقـيـادة جـيـش عـثـمـاني كـان يـحـاول إيـقـاف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة أمـام الـكـوت. وقـد بـعـث لـه الـجـيـش الألـمـاني بـعـض عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن نـقّـبـوا في الـعـراق كـمـسـتـشـاريـن لـيـنـتـفـع مـن تـجـاربـهـم ومـعـرفـتـهـم بـالـبـلـد وأهـلـه. وهـكـذا نـزل فـالـتـر أنـدريـه مـن حـلـب في مـركـب عـلى الـفـرات نـحـو بـغـداد.

وقـد نـجـح غـولـتـس بـاشـا في حـصـار الـبـريـطـانـيـيـن في الـكـوت وهـزمـهـم هـزيـمـة كـامـلـة. وقـضى فـالـتـر أنـدريـه سـنـوات الـحـرب بـيـن الـعـراق وسـوريـا وفـلـسـطـيـن، مـا عـدا إجـازة قـصـيـرة عـاد فـيـهـا إلى أوربـا لـرؤيـة زوجـتـه وابـنـه الـصّـغـيـر. وقـضـوا جـزءاً مـنـهـا عـلى سـواحـل بـحـيـرة كـونـسـتـانـس الّـتي تـقـع بـيـن ألـمـانـيـا والـنّـمـسـا وسـويـسـرة. وهـنـاك اشـتـرى مـنـزلاً ريـفـيـاً صـغـيـراً قـبـل أن يـعـود إلى جـبـهـة الـشّـرق.

وبـعـد أن خـسـر الألـمـان وحـلـفـاؤهـم الـعـثـمـانـيـون الـحـرب، أعـيـد مـن لـم يـقـتـل مـن الـجـنـود والـضّـبـاط إلى ألـمـانـيـا عـام 1919.

عـلى سـواحـل بـحـيـرة كـونـسـتـانـس :

وقـضى فـالـتـر أنـدريـه سـنـتـيـن، مـن 1919 إلى 1921 في مـنـزلـه قـرب بـحـيـرة كـونـسـتـانـس يـنـظّـم مـلاحـظـاتـه الّـتي كـان قـد سـجّـلـهـا عـن تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط، ويـكـمـل مـا مـنـعـتـه سـنـوات الـحـرب مـن إكـمـالـه لـنـشـر نـتـائـجـهـا ودراسـة الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان قـد وجـدهـا وإعـادة تـركـيـب مـا تـكـسـر مـنـهـا وتـطـايـر شـظـايـا. وقـد فـكّـر خـلال سـنـتَي الـبـطـالـة تـلـك أن يـفـتـح مـرسـمـاً ويـمـتـهـن الـفـنّ.

في مـتـحـف بـرلـيـن :

وعـنـدمـا قـرر روبـرت كـولـدفـيـه عـام 1921 أن يـتـوقّـف عـن الإشـراف عـلى قـسـم آثـار الـشّـرق الأدنى في مـتـحـف بـرلـيـن، بـعـد سـنـوات طـويـلـة مـن جـهـود مـتـواصـلـة في عـلـم الآثـار، اقـتـرح أن يـحـلّ فـالـتـر أنـدريـه مـحـلّـه. وعـيّـن فـالـتـر الّـذي وصـل إلى بـرلـيـن لـلإقـامـة فـيـهـا مـع عـائـلـتـه. وبـدأ، إلى جـانـب الـمـحـاضـرات الّـتي طـلـب مـنـه أن يـلـقـيـهـا عـلى طـلاب مـعـهـد الـتّـقـنـيـة، بـالـعـمـل مـع مـسـاعـديـه عـلى صـنـاديـق قـطـع الآثـار الّـتي جـلـبـت مـن تـنـقـيـبـات الـعـراق وخـزنـت في الـمـتـحـف.

طابوق بابل

وفي عـام 1925، إسـتـطـاع أن يـقـنـع الـمـسـؤولـيـن الـبـرتـغـالـيـيـن بـإعـادة الـصّـنـاديـق الّـتي تـحـتـوي عـلى الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان قـد وجـدهـا في تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط والّـتي حـمّـلـت في الـبـصـرة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، عـلى بـاخـرة أوصـلـتـهـا إلى لـشـبـونـة.

وبـعـد أن تـوفي روبـرت كـولـدفـيـه عـام 1925، أصـبـح فـالـتـر أنـدريـه مـشـرفـاً عـلى نـشـر مـا لـم يـكـتـمـل نـشـره بـعـد مـن نـتـائـج تـنـقـيـبـات بـابـل إلى جـانـب عـمـلـه في إكـمـال جـرد الآثـار الّـتي وجـدهـا في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) وتـصـنـيـفـهـا.

وفي حـوالي مـنـتـصـف عـام 1926، وصـلـت إلى بـرلـيـن رسـالـة مـن جـيـرتـرود بـيـل Gertrude Bell تـذكـر فـيـهـا أنّ الـحـكـومـة الـعـراقـيـة قـررت إعـادة الـصّـنـاديـق الـضّـخـمـة الّـتي تـحـتـوي عـلى الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا الألـمـان في تـنـقـيـبـات بـابـل وبـقـيـت فـيـهـا مـنـذ 1917 ! وكـانـت الـصّـنـاديـق تـحـتـوي عـلى حـوالي 300  ألـف كـسـرة مـن الـطّـابـوق، وبـعـضـه مـزجـج الألـوان، الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في تـلّ الـقـصـر.

وكـانـت جـيـرتـرود بـيـل قـد زارت الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل عـام 1909،

جرترود بيل في بابل

كـمـا زارت مـرتـيـن في تـلـك الـفـتـرة تـقـريـبـاً مـوقـع تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) وربـطـتـهـا عـلاقـات صـداقـة بـفـالـتـر أنـدريـه.

وصـادف أن أفـرغ الـجـنـاح الـجـنـوبي مـن قـسـم آثـار الـشّـرق الأدنى في تـلـك الـفـتـرة، ونـقـلـت الآثـار الـمـصـريـة الّـتي كـانـت فـيـه إلى جـانـب آخـر مـن مـتـحـف بـرلـيـن، فـسـنـحـت الـفـرصـة لـتـخـصـيـص هـذا الـجـنـاح لآثـار بـابـل وقـلـعـة الـشّـرقـاط (مـديـنـة آشـور) وطـرحـت فـكـرة إعـادة تـشـيـيـد بـعـض الـمـبـاني الـقـديـمـة فـيـه.

وقـد قـررت الـحـكـومـة الألـمـانـيـة إرسـال فـالـتـر أنـدريـه إلى بـغـداد لـتـنـظـيـم عـمـلـيـات نـقـل الـصّـنـاديـق إلى بـرلـيـن، واخـتـارت لـمـسـاعـدتـه عـالـم الآثـار يـولـيـوس يـوردان Julius Jordan.

وفي الـطّـريـق، سـمـع فـالـتـر أنـدريـه بـوفـاة جـيـرتـرود بـيـل، ولـكـنّـه، عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد، وجـد أنّ الـمـسـؤولـيـن في الـعـراق لـم يـغـيـروا رأيـهـم في إرسـال الـصّـنـاديـق إلى بـرلـيـن.

وذهـب إلى بـابـل ووجـد الـصّـنـاديـق بـكـامـلـهـا في بـيـت الـمـنـقّـبـيـن، ولـكـنّ أغـلـب أخـشـابـهـا كـانـت قـد اهـتـرأت وتـكـسّـرت. وعـنـدمـا سـمـع عـمّـالـهـم الّـذيـن كـانـوا مـعـهـم في الـتّـنـقـيـبـات بـرجـوع فـالـتـر أنـدريـه جـاءوا مـن الـحـلّـة والـقـرى الـقـريـبـة مـنـهـا لـيـحـيـوه ولـيـسـاعـدوه في إصـلاح الـصّـنـاديـق،

أندريه 1926

وفي نـقـل الـقـطـع الأثـريـة عـلى مـتـن مـركـب نـقـلـهـا إلى الـبـصـرة.

وفي 20 كـانـون الـثّـاني 1927، وصـل إلى بـرلـيـن 536 صـنـدوقـاً مـن بـابـل كـان بـيـنـهـا 400 مـلـيـئـة بـكـسـر طـابـوق مـزجـج الألـوان.

ونـتـج أيـضـاً عـن زيـارة فـالـتـر أنـدريـه لـبـغـداد تـوصـلـه إلى إقـنـاع الـمـسـؤولـيـن بـقـبـول بـعـثـة ألـمـانـيـة لإكـمـال الـتّـنـقـيـبـات الّـتي كـان قـد بـدأهـا مـع زمـلائـه في الـوركـاء عـام 1913. وبـدأت الـحـفـريـات في الـعـام الـتّـالي، 1928، وأشـرف عـلـيـهـا فـالـتـر أنـدريـه مـن مـكـتـبـه في بـرلـيـن.

وقـد بـدأت جـهـود فـالـتـر أنـدريـه في إخـراج حـطـام الـطّـابـوق مـن صـنـاديـقـهـا وتـجـمـيـعـهـا لـتـشـكّـل مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز في نـهـايـة عـام 1927. وقـد جـرت هـذه الأعـمـال في إحـدى قـاعـات الـمـتـحـف.

ونـظّـفـت الـقـطـع ورتّـبـت لـتـكـوّن صـور حـيـوانـات ونـبـاتـات وأشـكـال زخـرفـيـة ثـمّ جـمـعـت في ألـواح واسـعـة. ولـمـلأ الـفـراغـات والـثّـغـرات الـواسـعـة طـلـب فـالـتـر أنـدريـه مـن ثـلاثـة مـعـامـل لـصـنـع الـخـزف في بـرلـيـن أن تـحـاول الـتّـوصـل إلى إنـتـاج طـابـوق مـزجـج الألـوان يـقـتـرب مـمـا كـان يـصـنـعـه الـبـابـلـيـون.

واشـتـغـل فـالـتـر أنـدريـه في نـفـس الـوقـت في تـخـطـيـط مـشـروعـه لإعـادة تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار

أندريه بوابة برلين

ودرب الـمـواكـب ورسـمـه بـالألـوان الـمـائـيـة،

ولـكـنّ أوّل عـائـق صـادفـه هـو أنّـه لا يـسـتـطـيـع تـوسـيـع مـقـايـيـس قـاعـات الـمـتـحـف الّـتي وضـعـت تـحـت تـصـرفـه، فـكـان عـلـيـه أن يـعـدّل مـقـايـيـس مـشـروعـه لـيُـركّـب بـوابـة ودربـاً أصـغـر في قـاعـات الـمـتـحـف !

واسـتـمـرّ الـعـمـل عـلى تـركـيـب الـطّـابـوق مـن الـكـسـر الـمـهـشـمـة وتـشـكـيـلـهـا في صـور مـقـبـولـة الأشـكـال وفي ألـواح واسـعـة لـتـشـيـيـد الـبـوابـة والـدّرب حـتّى بـدايـة ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي. وقـلّـت الـمـبـالـغ الـمـخـصـصـة لـهـا، مـمـا أجـبـر فـالـتـر أنـدريـه عـلى إضـاعـة جـزء مـن وقـتـه في مـفـاوضـات مـسـتـمـرة مـع مـسـؤولي وزارة الـمـالـيـة.

ولـكـثـرة الـقـطـع الـمـحـطّـمـة الّـتي جـلـبـت مـن بـابـل الّـتي ركّـبـت مـنـهـا تـصـاويـر حـيـوانـات ونـبـاتـات والّـتي فـاضـت عـن احـتـيـاج فـالـتـر أنـدريـه لإعـادة تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب بـالـمـقـايـيـس الّـتي أُجـبـر عـلى تـصـغـيـرهـا، فـقـد اقـتـرح إهـداء بـعـضـهـا لـلـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد وبـيـع مـا تـبـقى مـنـهـا لـمـتـاحـف أوربـيـة وأمـريـكـيـة. وهـكـذا اسـتـطـاع بـالـمـبـالـغ الـمـكـتـسـبـة الاسـتـمـرار في مـشـروعـه.

وقـد اسـتـمـرّ فـالـتـر أنـدريـه مع مـسـاعـديـه بـالـقـيـام بـعـدد مـن الـمـهـمّـات في نـفـس الـوقـت : جـرد الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في مـوقـع الـوركـاء مـنـذ عـام 1928 وتـصـنـيـفـهـا والإشـراف عـلى نـشـر نـتـائـجـهـا، إلى جـانـب نـشـره لـدراسـاتـه عـن آثـار قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة)، والإشـراف عـلى أعـمـال الـبـنـاء في قـاعـات آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وتـدريـسـه في مـعـهـد الـتّـكـنـولـوجـيـا في بـرلـيـن.

وقـد اكـتـمـل في عـام 1930 تـشـيـيـد الأجـزاء الـرّئـيـسـيـة مـن الـمـشـروع : بـوابـة عـشـتـار بـارتـفـاعـهـا الـبـالـغ  14 مـتـراً و 73 سـم. وبـعـرض 15 مـتـراً و 70 سـم. :

بوابة عشتار 3برلين

ودرب الـمـواكـب الّـذي امـتـدّ داخـل الـمـتـحـف 30 مـتـراً وبـعـرض ثـمـانـيـة أمـتـار. ويـرتـفـع الـجـداران الـمـحـيـطـان بـه 12 مـتـراً و 50 سـم. :

 

بـيـنـمـا اسـتـمـرّ الـعـمـل عـلى الأجـزاء الـبـاقـيـة.

وفي عـام 1932، قـام فـالـتـر أنـدريـه بـسـفـرة إلى سـوريـا والـعـراق زار خـلالـهـا الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة وخـاصـة تـنـقـيـبـات الألـمـان في الـوركـاء.

وفـتـحـت الـقـاعـات الـبـابـلـيـة لـزوّار مـتـحـف بـرلـيـن بـعـد اكـتـمـالـهـا الـنّـهـائي عـام 1936.

خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة :

وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة عـام 1939، وضـعـت كـل قـطـع الـمـتـحـف الأثـريـة في صـنـاديـق لـتـحـفـظ في قـاعـات مـحـصّـنـة بـيـنـمـا شـيّـدت جـدران مـن الـطّـابـوق لـحـمـايـة بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب والأجـزاء الـمـشـيّـدة الأخـرى. ولـكـنّ قـصـف بـرلـيـن في نـهـايـة الـحـرب، والّـذي أدّى إلى انـهـيـار أجـزاء مـن الـمـتـحـف، عـرّض الأجـزاء الـمـشـيّـدة في الأقـسـام الـبـابـلـيـة لـلـتـخـريـب والـقـطـع الأثـريـة لـلـنـهـب. ولـم يـسـلـم مـا تـبـقى مـنـهـا إلّا بـعـد أن دخـلـت الـقـوّات الـسّـوفـيـتـيـة بـرلـيـن ووضـعـت جـنـوداً لـحـراسـة الـمـتـحـف والـكـنـوز الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا.

وقـد أعـيـد بـعـد انـتـهـاء الـحـرب تـشـيـيـد مـا تـهـدّم مـن الـمـتـحـف، وتـرمـيـم مـا تـخـرّب مـنـه، وأعـيـدت مـجـمـوعـات الـقـطـع الأثـريـة إلى قـاعـاتـهـا ورمـمـت بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب ومـا تـبـقى مـن واجـهـة قـاعـة الـعـرش، وهـو مـا يـمـكـن لـكـلّ زوار الـمـتـحـف أن يـتـأمـلـوه في أيّـامـنـا هـذه.

وفي عـام 1946، وكـان في الـحـاديـة والـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، عـيّـن فـالـتـر أنـدريـه أسـتـاذاً لـلـهـنـدسـة الـمـعـمـاريـة وتـاريـخ الـمـعـمـار في مـعـهـد بـرلـيـن الـتّـكـنـولـوجي الّـذي أصـبـح “الـجـامـعـة الـتّـكـنـولـوجـيـة”، واسـتـمـرّ في الـتّـدريـس إلى عـام 1951، ثـمّ أصـبـح رئـيـسـاً فـخـريـاً لـلـجـامـعـة عـام 1952، أربـع سـنـوات قـبـل وفـاتـه عـام 1956.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.