مـرور الـنّـمـسـاويـة إيـدا فـايـفِـر بـالـعـراق عـام 1848

Pfiefer

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـنـدمـا وصـلـت إيـدا لـورا فـايـفـر Ida Laura PFEIFFER  إلى تـبـريـز في عـام 1848 قـادمـة مـن الـعـراق، وقـدّمـت نـفـسـهـا لـلـقـنـصـل الـبـريـطـاني فـيـهـا، نـظـر إلـيـهـا الـقـنـصـل بـدهـشـة، ولـم يـصـدّق أنّ هـذه الـنّـمـسـاويـة الّـتي بـلـغـت الـحـاديـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا كـانـت تـقـوم بـدورة حـول الـعـالـم بـدأتـهـا وحـدهـا وبـإمـكـانـيـات مـاديـة مـحـدودة مـنـذ سـنـتـيـن كـمـا قـصّـتـه عـلـيـه بـلـغـة إنـكـلـيـزيـة تـشـوبـهـا لـكـنـة ألـمـانـيـة قـاطـعـة الـحـدّة. وازدادت دهـشـتـه عـنـدمـا أخـبـرتـه إيـدا فـايـفـر أنّـهـا لـم تـكـن الـرّحـلـة الأولى الّـتي قـامـت بـهـا !

وقـد كـان كـلّ مـا ذكـرتـه هـذه الـمـغـامـرة الـنّـمـسـاويـة صـحـيـحـاً. فـقـد قـامـت بـخـمـس رحـلات بـدأتـهـا في سـنّ الـخـامـسـة والأربـعـيـن، واسـتـغـرقـت سـتّـة عـشـر عـامـاً. وأكـمـلـت خـلالـهـا دورتـيـن حـول الـعـالـم.

وقـد كـانـت إيـدا فـايـفـر كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا تـسـافـر وحـدهـا وبـإمـكـانـيـات مـالـيـة مـحـدودة. وكـانـت تـعـود مـن كـلّ رحـلـة بـنـبـاتـات وحـشـرات وفـراشـات تـهـديـهـا لـمـتـحـف الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي في فـيـيـنـا، ومـازالـت في مـجـمـوعـاتـه.

كـمـا نـشـرت سـرد رحـلاتـهـا في كـتـب مـنـذ الـرّحـلـة الأولى عـام 1842 إلى الـرّحـلـة الـخـامـسـة عـام 1858.

وقـد اعـتـرفـت الـجـمـعـيـات الـجـغـرافـيـة بـالـقـيـمـة الـعـلـمـيـة لـمـا كـتـبـتـه ومـا جـمـعـتـه، وانـضـمّـت إلى جـمـعـيـتي بـرلـيـن وبـاريـس الـجـغـرافـيـتـيـن.

ولـكـن لـنـبـدأ حـديـثـنـا بـالـكـلام عـن إيـدا لـورا فـايـفـر وعـن رحـلاتـهـا :

ولـدت إيـدا في فـيـيـنـا، عـاصـمـة الـنّـمـسـا سـنـة 1797. وكـان والـدهـا تـاجـراً غـنـيـاً. ويـبـدو أنّ والـدهـا، الـسّـيّـد ريـيـر Reyer، هـو الّـذي شـجـعـهـا عـلى مـمـارسـة الـرّيـاضـة وعـلى اكـتـسـاب مـعـارف كـانـت مـخـصـصـة لـلأولاد.

وفي عـام 1820، تـزوّجـت بـالـدّكـتـور فـايـفـر الّـذي كـان أكـبـر مـنـهـا عـمـراً بـأربـع وعـشـريـن سـنـة. وأصـبـح اسـمـهـا بـزواجـهـا مـنـه : إيـدا فـايـفـر. وأنـجـبـت مـنـه ولـديـن، لـكـنّ زوجـهـا تـوفي عـام 1838.

 

فايفر

وقـامـت إيـدا فـايـفـر بـأولى رحـلاتـهـا إلى “الأرض الـمـقـدّسـة” أي فـلـسـطـيـن في آذار 1842. وقـد زارت خـلالـهـا تـركـيـا وفـلـسـطـيـن ومـصـر. والـتـقـت في الـقـدس بـنـاشـر كـتـب مـن فـيـيـنـا اقـتـرح عـلـيـهـا نـشـر رحـلـتـهـا. وهـكـذا صـدر كـتـابـهـا الأوّل بـالـلـغـة الألـمـانـيـة عـام 1843 : “رحـلـة فـيـيـنـاويـة إلى الأرض الـمـقـدّسـة  Reise einer Wienerin in das Heilige Land”.

وقـامـت عـام 1845 بـرحـلـة إلى إيـزلـنـدة مـرّت خـلالـهـا بـأوربـا الـشّـرقـيـة وألـمـانـيـا والـدنـمـارك. وزارت عـام 1846 الـبـلـدان الإسـكـنـدنـافـيّـة.

وغـادرت الـنّـمـسـا مـن جـديـد في ذلـك الـعـام مـتـوجّـهـة نـحـو الـبـرازيـل لـتـبـدأ أولى رحـلـتـيـهـا حـول الـعـالـم. وبـعـد أن عـبـرت الـمـحـيـط الأطـلـسي، زارت الـبـرازيـل وذهـبـت إلى الـشّـيـلي، ثـمّ عـبـرت الـمـحـيـط الـهـادي نـحـو الـصّـيـن. وتـوقـفـت في طـريـقـهـا بـجـزيـرة تـاهـيـتي. ووصـلـت سـفـيـنـهـا إلى الـصّـيـن عـام 1947. ثـمّ زارت الـهـنـد، ووصـلـت إلى الـعـراق عـام 1848. ثـمّ أكـمـلـت طـريـقـهـا إلى بـلاد فـارس وصـعـدت نـحـو تـركـيـا.

ومـن تـركـيـا عـادت عـن طـريـق الـيـونـان إلى الـنّـمـسـا. ونـشـرت عـام 1850 كـتـاب : “رحـلـة امـرأة حـول الـعـالـم (حـرفـيـاً : إمـرأة تـسـافـر حـول الـعـالـم)          Eine Frau fährt um die Welt”.

وفي عـام 1851، تـركـت إيـدا فـايـفـر الـنّـمـسـا مـن جـديـد لـلـشّـروع في دورتـهـا الـثّـانـيـة حـول الـعـالـم. وقـد بـدأتـهـا هـذه الـمـرّة مـن إنـكـلـتـرة نـحـو أفـريـقـيـا الـجـنـوبـيـة وعـبـرت رأس الـرّجـاء الـصّـالـح نـحـو سـنـغـافـورة الّـتي أقـامـت بـهـا بـعـض الـوقـت ثـمّ تـجـولـت في مـالـيـزيـا وأنـدونـسـيـا، وزارت جـاوة وسـومـطـرة. وعـبـرت الـمـحـيـط الـهـادي بـعـد ذلـك مـن جـكـارتـا إلى كـالـيـفـورنـيـا. وهـكـذا وصـلـت إلى سـان فـرنـسـيـسـكـو في أيـلـول 1853، ثـمّ نـزلـت إلى خـط الإسـتـواء. وصـعـدت بـعـد ذلـك نـحـو بـنـمـا ثـمّ الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة مـن جـديـد، نـيـويـورك ومـسـاقـط نـيـاغـارا. وعـادت بـعـد ذلـك عـن طـريـق لـنـدن إلى الـنّـمـسـا.

وفي عـام 1856 بـدأت إيـدا فـايـفـر رحـلـتـهـا الـخـامـسـة والأخـيـرة. وبـعـد أن زارت بـرلـيـن ولـنـدن وبـاريـس نـزلـت نـحـو رأس الـرّجـاء الـصّـالـح ثـمّ إلى جـزيـرة مـوريـس في الـمـحـيـط الـهـنـدي الّـتي أقـامـت فـيـهـا خـمـسـة أشـهـر قـبـل أن تـكـمـل طـريـقـهـا إلى مـدغـشـقـر. وعـادت بـعـدهـا إلى جـزيـرة مـوريـس، وسـقـطـت مـريـضـة. ولـم تـسـتـطـع الـعـودة إلى الـنّـمـسـا إلّا في الـعـام الـتّـالي : 1857. ووصـلـت إلى فـيـيـنـا في شـهـر أيـلـول ثـمّ تـوفـيـت في الـشّـهـر الـتّـالي : تـشـريـن الأوّل 1857.

مـرور إيـدا فـايـفـر بـالـعـراق عـام 1848 :

Pfeifer

تـركـت إيـدا فـايـفـر فـيـيـنـا في الـنّـمـسـا في أوّل أيّـار 1846، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، لـتـبـداً رحـلـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي دارت فـيـهـا حـول الـعـالـم. وبـعـد أن عـبـرت الـمـحـيـط الأطـلـسي، زارت الـبـرازيـل وذهـبـت إلى الـشّـيـلي، ثـمّ عـبـرت الـمـحـيـط الـهـادي نـحـو الـصّـيـن. وتـوقـفـت في طـريـقـهـا بـجـزيـرة تـاهـيـتي. ووصـلـت سـفـيـنـهـا إلى الـصّـيـن عـام 1947، ثـمّ زارت الـهـنـد. ووصـلـت مـن بـومـبـاي عـن طـريـق الـخـلـيـج إلى شـط الـعـرب في 11 أيّـار 1848 ، ووصـلـت إلى الـبـصـرة في الـيـوم الـتّـالي.

وقـد تـكـلّـمـت إيـدا فـايـفـر عـن الـعـراق في ثـلاثـة فـصـول مـن كـتـابـهـا “رحـلـة امـرأة حـول الـعـالـم Eine Frau fährt um die Welt” الّـذي نـشـرتـه عـام 1850:

في الـفـصـل الـسّـابـع عـشـر “مـن بـومـبـاي إلى بـغـداد”، وفي الـفـصـل الـثّـامـن عـشـر “بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، بـغـداد وبـابـل”، وفي الـفـصـل الـتّـاسـع عـشـر “الـمـوصـل ونـيـنـوى”.

وقـد تـرجـمـتُ إلى الـلـغـة الـعـربـيـة صــفـحـات هـذه الـفـصـول الـثّـلاثـة الّـتي تـتـجـاوز الـثّـلاثـيـن صـفـحـة، ولـكـني سـأكـتـفي مـنـهـا في هـذا الـمـقـال بـمـقـاطـع تـبـدو لي عـلى جـانـب مـن الأهـمـيـة لأقـدّم لـكـم عـرضـاً مـخـتـصـراً لـلـكـتـاب (1).

وصـلـت إيـدا فـايـفـر إلى الـبـصـرة في 12 أيّـار 1848، وكـانـت تـحـمـل رسـالـة إلى الـوكـيـل الـبـريـطـاني فـيـهـا : أرمـني اسـمـه بـرسـيـغ Barseige، طـالـبـة مـنـه الـضّـيـافـة “فـلـيـس في الـمـديـنـة فـنـدق واحـد”، ولـكـنّ الـوكـيـل لـم يـعـرهـا اهـتـمـامـاً، فـأقـامـت عـلى مـتـن سـفـيـنـة كـانـت في الـبـصـرة.

وبـعـد أن ذكـرت تـاريـخ تـأسـيـس الـبـصـرة وأهـمـيـة الـمـديـنـة في الـمـاضي، كـتـبـت :

“لـيـس في الـبـصـرة بـقـايـا أثـريـة، لا لـمـسـاجـد جـمـيـلـة الـتّـشـيـيـد ولا لـخـانـات. وأسـوار الـمـديـنـة نـصـف خـربـة، ودور الـمـديـنـة صـغـيـرة لا تـجـذب عـيـن الـنّـاظـر، وطـرقـهـا مـتـلـوّيـة ضـيـقـة وقـذرة. أمّـا الـسّـوق، وهي دروب مـسّـقـفـة فـيـهـا دكـاكـيـن رديـئـة، فـلـيـس فـيـهـا مـا يـسـتـحـق الـشّـراء مـع أنّـهـا أهـمّ مـيـنـاء تـجـارة مـن الـهـنـد إلى تـركـيـا”، “وفي الـبـصـرة كـثـيـر مـن الـخـرائـب الـحـديـثـة الّـتي نـتـجـت عـن مـوت نـصـف سـكـانـهـا تـقـريـبـاً في طـاعـون 1832. ولـيـس في عـدد مـن دروبـهـا وسـاحـاتـهـا إلّا مـسـاكـن تـهـدمـت”.

“ويـقـال إنّ مـوقـع الـبـصـرة مـضـرّ بـالـصّـحـة فـالـسّـهـول الّـتي تـحـيـط بـهـا تـتّـصـل في أحـد أطـرافـهـا بـالـمـسـتـنـقـعـات الـكـثـيـرة الـمـلـيـئـة بـالـوحـول والـقـاذورات والّـتي تـنـبـعـث مـنـهـا روائـح كـريـهـة، ومـن الـطّـرف الآخـر بـغـابـات الـنّـخـيـل الّـتي تـوقـف هـبـوب الـرّيـاح”.

“والـحـرّ هـنـا شـديـد حـتّى أنّ كـلّ بـيـت تـقـريـبـاً لـه غـرفـة أوطـأ بـعـدة أقـدام مـن مـسـتـوى الـشّـارع فـتـحـت كـوّات في أعـالـيـهـا. وفـيـهـا يـقـضي الـنّـاس سـاعـات الـنّـهـار”.

“وغـالـبـيـة الـسّـكـان مـن الـعـرب، والـبـاقـون فـرس وأتـراك وأرمـن. ولـيـس فـيـهـا أوربـيـون. وقـد نـصـحـوني أن أتـلـفـع بـثـوب واسـع وأن أتـحـجـب عـنـدمـا أخـرج، وقـد فـعـلـت أوّل الـشّـيـئـيـن ولـكـنّي لـم أتـحـمـل الـحـجـاب في هـذا الـحـرّ الـشّـديـد وخـرجـت سـافـرة الـوجـه”.

” وكـان الإزار Iser  الّـذي ارتـديـتـه واسـعـاً وهـفـهـافـاً تـبـدو تـحـتـه مـلابـسي الأوربـيـة، ومـع ذلـك لـم يـضـايـقـني أحـد”.

وقـد قـبـل قـبـطـان بـاخـرة حـربـيـة بـريـطـانـيـة أن تـسـافـر مـعـه إلى بـغـداد :

“غـادرنـا الـبـصـرة في الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة مـن صـبـاح 17 أيّـار، ووصـلـنـا إلى الـقـرنـة بـعـد الـظّـهـر”. “ودخـلـنـا في دجـلـة، وراقـت لأعـيـنـنـا بـعـد حـوالي خـمـسـة كـيـلـومـتـرات رؤيـة غـابـات الـنّـخـيـل الّـتي كـنّـا قـد تـمـتـعـنـا بـتـأمّـلـهـا عـلى ضـفـاف شـطّ الـعـرب. ثـمّ انـتـهـت هـنـا فـجـأة. ومـا زالـت ضـفـتـا الـنّـهـر تـغـطـيـهـمـا نـبـاتـات مـزدهـرة وحـدائـق حـسـنـة بـيـنـهـا مـروج واسـعـة خـضـراء تـغـطي بـعـض أجـزائـهـا أجـمـات شـجـيـرات واطـئـة. ويـقـال إنّـهـا لا تـمـتـد إلّا إلى بـعـض كـيـلـومـتـرات مـن الـنّـهـر، ومـا بـعـدهـا لـيـس إلّا يـبـابـاً قـاحـلاً”.

“ورأيـنـا في عـدّة أمـاكـن عـشـائـر مـن الأعـراب نـصـبـوا مـضـاربـهـم في صـفـوف طـويـلـة أقـرب مـا يـمـكـن مـن ضـفـة الـنّـهـر. ولـبـعـضـهـم خـيـام مـغـلـقـة بـيـنـمـا اكـتـفى آخـرون بـصـرائـف مـن الـقـصـب أو بـبـعـض الـخـرق أو جـلـود الـحـيـوانـات تـربـط بـيـن صـاريـتـيـن، لا تـلـقي إلّا بـالـكـاد بـالـظّـل عـلى رؤوس سـاكـنـيـهـا لـتـقـيـهـم مـن لـهـب أشـعـة الـشّـمـس”، “وهـم لا يـغـيّـرون مـسـاكـنـهـم في الـشّـتـاء، وهـو فـصـل غـالـبـاً مـا تـهـبـط فـيـه درجـات الـحـرارة تـحـت الـصّـفـر، ويـرتـدون نـفـس الـمـلابـس الّـتي يـرتـدونـهـا في الـصّـيـف”،

“ومـظـاهـر هـؤلاء الـنّـاس مـخـيـفـة ومـلابـسـهـم عـبـاءات بـنّـيـة غـامـقـة، يـمـررهـا الـرّجـال بـيـن سـيـقـانـهـم ويـربـطـونـهـا حـول أخـاصـرهـم، بـيـنـمـا تـتـلـفـع بـهـا الـنّـسـاء. ويـتـراكـض الأطـفـال عـراة حـتّى سـنّ الـثّـانـيـة عـشـرة. وبـشـراتـهـم غـامـقـة الألـوان، وعـلى وجـوهـهـم وشـوم خـفـيـفـة. ويـجـدل الـرّجـال والـنّـسـاء شـعـورهـم في أربـع قـصـائـب تـتـدلى عـلى أكـتـافـهـم”. “وأسـلـحـة الـرّجـال عـصيّ سـمـيـكـة مـلـيـئـة بـالـعـقـد. وتـحـبّ الـنّـسـاء الـتّـزيـن بـعـقـود مـن حـبّـات الـزّجـاج والـمـحّـار وبـخـرق مـلـوّنـة. ويـضـعـن في مـنـاخـيـر أنـوفـهـنّ حـلـقـات واسـعـة”.

وبـعـد أن شـرحـت إيـدا فـايـفـر تـنـظـيـمـات الـمـجـتـمـع الـعـشـائـري ذكـرت :

“وغـالـبـا مـا يـأتـون، عـنـدمـا تـتـوقـف سـفـيـنـتـنـا، بـالأغـنـام وبـالـزّبـدة، وهي غـايـة في الـرّخـص. ولا يـزيـد ثـمـن الـخـروف عـلى خـمـسـة قـرانـات. وهي خـرفـان كـبـيـرة الأحـجـام سـمـيـنـة طـويـلـة الـصـوف وإلـيـاتـهـا ضـخـمـة”.         “وفي الـمـنـاطـق الّـتي تـغـطـيـهـا أدغـال وأعـشـاب رأيـت جـمـاعـات مـن الـخـنـازيـر الـبـرّيـة، ويـقـال إنّ فـيـهـا أسـوداً تـأتي مـن الـجـبـال وخـاصـة في الـشّـتـاء وتـلـتـهـم الأغـنـام والأبـقـار، ونـادراً مـا تـهـاجـم الـبـشـر. وقـد أبـصـرت بـاثـنـيـن مـنـهـا ولـكـن مـن بـعـيـد”.

ووصـلـت الـبـاخـرة بـعـد أربـعـة أيّـام إلى الـمـدائـن :

“21 أيّـار،

شـاهـدنـا الـيـوم خـرائـب قـصـر كـسـرى أنـوشـروان في طـيـسـفـون الّـتي كـانـت عـاصـمـة الـفـارثـيـيـن ثـمّ عـاصـمـة الإمـبـراطـوريـة الـفـارسـيـة الـحـديـثـة. وقـد خـرّبـهـا الـعـرب في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر. ومـقـابـلـهـا تـقـريـبـاً، في الـضّـفـة الـيـمـنى مـن دجـلـة، تـقـع سـلـوقـيـة، إحـدى أهـمّ مـدن بـلاد بـابـل، والّـتي كـان لـهـا في زمـن ازدهـارهـا حـكـومـة مـسـتـقـلـة. وكـان رؤسـاؤهـا مـن الإغـريـق. ويـرى الـمـسـافـر طـيـسـفـون مـرتـيـن فـالـنّـهـر يـدور دورة واسـعـة مـتـلـويـاً”.

ويـلاحـظ الـقـارئ مـن هـذا الـمـقـطـع مـعـرفـة إيـدا فـايـفـر الـسّـطـحـيـة بـالـتّـاريـخ.

وكـتـبـت عـنـدمـا وصـلـت إلى بـغـداد :

“وظـهـرت عـاصـمـة الـخـلافـة الـقـديـمـة في أبـهى حـلّـة وسـعـة مـن بـعـيـد، ولـكـنّـهـا فـقـدتـهـمـا عـنـدمـا اقـتـربـنـا مـنـهـا. وتـلامـعـت الـمـنـائـر والـقـبـاب في الـشّـمـس، فـهي يـغـطـيـهـا طـابـوق مـزجـج. وتـتـابـعـت الـقـصـور والـبـوابـات والأسـوار تـحـاذي مـيـاه دجـلـة الـبـنّـيـة الـطّـيـنـيـة، بـيـنـمـا تـغـطي الـبـسـاتـيـن الـمـلـيـئـة بـالـنّـخـيـل وأشـجـار فـواكـه أخـرى الـسّـهـول الـمـحـيـطـة بـالـمـديـنـة إلى مـدّ الـبـصـر”.

“ومـا كـادت بـاخـرتـنـا تـتـوقـف حـتّى أحـاطـ بـهـا رجـال مـن أهـل الـبـلـد. وكـان لـهـم مـراكـب غـريـبـة تـشـبـه الـسّـلال الـمـسـتـديـرة يـصـنـعـونـهـا مـن سـعـف الـنّـخـيـل ويـطـلـونـهـا بـالأسـفـلـت، ويـسـمـونـهـا قـفّـة  guffer. وقـطـر الـواحـدة سـتّـة أقـدام وعـلـوهـا ثـلاثـة أقـدام، وهي آمـنـة جـدّاً لا تـنـقـلـب أبـداً ويـمـكـنـهـا أن تـمـرّ بـأسـوء الـتّـيـارات. وقـد اخـتـرعـت في زمـن سـحـيـق الـقـدم”.

وكـان الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في بـغـداد عـالـم الآشـوريـات راولـنـسـن  Rawlinson، وقـد رفـضـت إيـدا فـايـفـر ضـيـافـتـه لـهـا لأنّـه كـان أعـزبـاً !

وتـبـدأ إيـد فـايـفـر الـفـصـل الـثّـامـن عـشـر مـن كـتـابـهـا بـذكـر تـاريـخ تـأسـيـس بـغـداد الّـتي تـعـتـبـرهـا “عـاصـمـة بـلاد آشـور !” وهي تـكـتـب أنّ سـكـان بـغـداد كـانـوا “سـتـيـن ألـفـاً، ثـلاثـة أربـاعـهـم مـن الأتـراك والـبـاقـيـن مـن الـيـهـود والـفـرس والأرمـن والـعـرب. ويـقـيـم فـيـهـا حـوالي خـمـسـيـن أو سـتّـيـن أوربـيـاً فـقـط “. وهـذا لا يـوافـق مـا ذكـره الـرّحـالـة الآخـرون الّـذيـن زاروا بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة.

“وكـان أوّل مـا انـبـغى لي الـحـصـول عـلـيـه هـنـا ثـوب واسـع أتـلـفـع بـه يـسـمى الإزار isar، وطـربـوش صـغـيـر ألـفّ حـولـه مـنـديـلاً لـيـصـيـر عـمـامـة صـغـيـرة. ولـكـنـني لـم أتـحـجـب بـالـقـنـاع الـسـمـيـك الـمـصـنـوع مـن شـعـور الـخـيـول الّـذي تـتـحـجـب بـه الـنّـسـاء هـنـا والّـذي يـكـاد يـمـنـعـهـنّ مـن الـتّـنـفـس. ومـن الـصّـعـب تـصـور عـذاب أشـدّ مـنـه لـلـنـسـاء خـارج الـدّار. ويـكـنـس الإزار تـراب الـطّـريـق عـنـدمـا نـسـيـر ويـحـتـاج إلى مـهـارة في الإمـسـاك بـأطـرافـه لـكي لا يـنـزلـق بـل يـغـطي الـجـسـد بـأكـمـلـه”، “وأنـا أشـفـق عـلى الـمـرأة الـمـسـكـيـنـة الـمـجـبـرة عـلى حـمـل طـفـلـهـا أو أشـيـاء ثـقـيـلـة أخـرى أو تـريـد غـسـل الـمـلابـس عـلى ضـفـة الـنّـهـر وهي تـعـدّل وضـع إزارهـا بـاسـتـمـرار. والـمـرأة لا تـعـود مـن غـسـيـلـهـا إلّا مـبـتـلّـة يـسـيـل مـنـهـا الـمـاء. وحـتّى أصـغـر الـبـنـات هـنـا يـلـبـسـن هـذا الإزار حـالـمـا يـخـرجـن مـن الـدّار”.

“وفي مـلابـسي الـشّـرقـيـة هـذه جـبـت الـمـديـنـة سـافـرة الـوجـه مـن غـيـر أن يـتـعـرض لي أحـد. وقـد تـفـحـصـت أحـيـاءهـا، وإن لـم يـكـن هـنـاك الـكـثـيـر مـمـا يـسـتـحـق أن يـزار، فـلـم يـبـق شئ مـن آثـار زمـن الـخـلـفـاء. وبـنـيـت الـدّور بـالـطّـابـوق الـمـحـروق، ولـهـا طـابـق واحـد [فـوق الـطّـابـق الأرضي]. ولا نـرى مـن الـدّروب إلّا خـلـفـيـاتـهـا، ونـادراً مـا نـرى جـزءاً مـن الـدّار بـنـوافـذ ضـيّـقـة عـلـيـهـا شـنـاشـيـل. ولا أسـتـثـني مـن ذلـك إلّا الـدّور الّـتي تـطـلّ واجـهـاتـهـا عـلى الـنّـهـر، فـفي واجـهـاتـهـا نـوافـذ، شـديـدة الـجـمـال في بـعـض الأحـيـان”، “وقـد بـدت لي الـدّروب ضـيّـقـة مـتـربـة مـلـيـئـة بـالـقـاذورات”، “وجـسـر الـقـوارب عـلى دجـلـة، وعـرضـه هـنـا 690 قـدمـاً، في حـالـة يـرثى لـهـا، ولـم أرَ أسـوء مـنـه في مـكـان آخـر”.

وكـتـبـت إيـدا فـايـفـر عـن أسـواق بـغـداد :

“والأسـواق شـديـدة الإمـتـداد. والـسّـوق الـعـتـيـقـة، وهي مـن بـقـايـا الأزمـان الـقـديـمـة، مـا زالـت فـيـهـا بـعـض الـعُـمـد الـحـسـنـة وبـعـض الـنّـقـوش، وبـوابـة خـان عـثـمـان (2) جـمـيـلـة وعـمـدهـا عـالـيـة. والـطّـرقـات الّـتي تـخـتـرقـهـا عـريـضـة يـمـكـن أن يـمـرّ فـيـهـا فـارس عـلى جـواده بـجـانـب اثـنـيـن مـن الـمـشـاة. والـبـاعـة والـصـنّـاع هـنـا، كـمـا في كـلّ أسـواق الـشّـرق، يـتـجـمـعـون حـسـب اخـتـصـاصـاتـهـم في دروب أو أزقّـة (3) مـنـفـصـلـة بـعـضـهـا عـن بـعـض. ونـجـد أفـضّـل الـمـحـلّات في مـنـازل خـاصـة أو في خـانـات الأسـواق (3). والـمـقـاهي الـرّثـة الـحـقـيـرة تـنـتـشـر في كـلّ مـكـان”.

“وقـصـر الـبـاشـا بـنـاء شـديـد الإتـسـاع، ولـكـنّـه رخـيـص الـتّـشـيـيـد يـفـتـقـر إلى الـذّوق الـسّـلـيـم، وهـو مـهـيـب عـنـدمـا نـنـظـر إلـيـه مـن بـعـيـد فـقـط.

ولـيـس هـنـاك إلّا قـلـيـل مـن الـجـوامـع الّـتي لـم يـنـفـق في تـشـيـيـدهـا الـكـثـيـر ولا حـسـن فـيـهـا إلّا طـابـوقـهـا الـمـزجـج الألـوان”.

“ولأسـتـطـيـع رؤيـة كـلّ أحـيـاء بـغـداد فـقـد صـعـدت بـعـد جـهـد جـهـيـد عـلى سـطـح خـان عـثـمـان (2)، وأعـجـبـت حـقّـاً بـامـتـداد الـمـديـنـة وبـمـوقـعـهـا الـمـخـتـار. ومـن الـمـسـتـحـيـل إدراك مـخـطـط مـديـنـة شـرقـيـة عـنـدمـا نـمـرّ بـدروبـهـا الـضّـيـقـة وطـرقـاتـهـا الّـتي تـتـشـابـه والّـتي يـصـعـب الـتّـفـريـق بـيـنـهـا ولـو سـلـكـنـاهـا مـرّات عـديـدة، ولـكـنّي مـن أعـلى الـخـان أبـصـرت بـالـمـديـنـة تـحـتي بـدورهـا الّـتي لا تـعـدّ ولا تـحـصى شـيـدّ بـعـضـهـا وسـط جـنـائـن حـسـنـة. ورأيـت آلافـاً وآلافـاً مـن الـسّـطـوح تـمـتـدّ تـحـت قـدميّ، والـنّـهـر الـرّائـع الـجـمـال يـجـري وسـط بـسـاتـيـن غـامـقـة الـخـضـرة وغـابـات نـخـيـل تـمـتـدّ عـلى ضـفـافـه عـدّة كـيـلـومـتـرات”، “وكـلّ الـمـبـاني، كـمـا سـبـق أن ذكـرت، شـيّـدت بـالـطّـابـوق الّـتي يـعـرف أنّ أغـلـبـه جـلـب مـن الـخـرائـب الـمـحـيـطـة بـبـابـل (4). وعـنـدمـا نـتـفـحّـصـهـا نـرى في أسـافـلـهـا آثـار أسـس قـديـمـة طـابـوقـهـا أكـبـر أحـجـامـاً، قـطـر الـواحـدة مـنـهـا حـوالي قـدمـيـن وكـأنّـهـا مـن الـحـجـر الـمـقـطـوع”.

الـبـيـوت الـبـغـداديـة :

“وداخـل كـلّ دار أجـمـل مـن خـارجـهـا، حـوشـهـا نـظـيـف الـتّـجـصـيـص ونـوافـذهـا مـتـعـددة، وغـرفـهـا واسـعـة عـالـيـة وإن لـم يـكـن أثـاثـهـا بـجـمـال أثـاث دور دمـشـق. ويـشـتـدّ الـحـرّ هـنـا في الـصـيـف إلى حـدّ أنّـه يـنـبـغي عـلى الـنّـاس أن يـتـحـولـوا ثـلاث مـرّات في الـيـوم، فـيـقـضـون أوّلى سـاعـات الـصّـبـاح في حـجـرهـم الـمـعـتـادة، ثـمّ يـنـزلـون في حـوالي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة إلى غـرف تـحـت الأرض يـسـمـونـهـا الـسّـراديـب، وهي تـشـبـه الأقـبـيـة عـلى عـمـق 15 أو 20 قـدمـاً، يـبـقـون فـيـهـا إلى الـمـغـرب. ثـمّ يـصـعـدون إلى الـسّـطـوح بـعـد أن تـغـيـب الـشّـمـس، وهـنـاك يـسـتـقـبـلـون الأهـل والأصـدقـاء يـثـرثـرون ويـرتـشـفـون الـشّـاي (5) إلى أن يـحـلّ الـلـيـل. وهي عـنـدهـم أشـدّ الـسّـاعـات مـتـعـة فـهـواء الـمـسـاء مـنـعـش يـعـيـد لـهـم حـيـويـتـهـم. ويـؤكـد الـكـثـيـر عـلى أنّ ضـوء الـقـمـر هـنـا أشـدّ لـمـعـانـا مـمـا هـو عـلـيـه في سـمـائـنـا [أي في أوربـا]، ولـكـنـني لـم أجـد هـذا صـحـيـحـاً. ويـنـام الـنّـاس عـلى الـسّـطـوح تـحـت نـامـوسـيـات تـركّـب فـوق أسـرتـهـم”، “وتـرتـفـع درجـات الـحـرارة في الـحـجـرات خـلال الـنّـهـار إلى أكـثـر مـن 37 درجـة، وفي الـشّـمـس إلى 50 أو 55 درجـة، ولـكـنّـهـا لا تـرتـفـع إلى أكـثـر من 31 درجـة في الـسّـراديـب. أمّـا في الـشّـتـاء فـالـبـرد يـشـتـدّ مـن مـغـيـب الـشّـمـس إلى ارتـفـاعـهـا في الـسّـمـاء في الـضّـحى فـيـشـعـل الـنّـاس الـنّـار في الـمـواقـد”.

وتـتـكـلّـم عـن حـبّـة بـغـداد :

“ويـعـتـبـر طـقـس الـمـنـطـقـة صـحّـيـاً كـثـيـراً، وحـتّى الأوربـيـون يـؤكّـدون ذلـك. ومـع ذلـك فـنـجـد هـنـا وبـاء يـرعـب الـفـتـيـات. وهـو لا يـصـيـب أهـل الـبـلـد فـقـط بـل الأجـانـب الّـذيـن يـقـيـمـون هـنـا عـدّة أشـهـر أيـضـاً. يــظـهـر كـدمّـلـة مـثـيـرة لـلإشـمـئـزاز، تـدعى بـحـبـة حـلـب Aleppo boil أو وشـم الـتّـمـرة (6) وتـبـدأ هـذه الـقـرحـة صـغـيـرة بـحـجـم رأس دبـوس ثـمّ تـتـوسـع لـتـصـل إلى حـجـم قـطـعـة نـقـود تـنـتـج عـنـهـا نـدبـة عـمـيـقـة. وهي غـالـبـاً مـا تـصـيـب الـوجـه. ونـادراً مـا نـجـد هـنـا وجـهـاً واحـداً مـن مـائـة وجـه لـم تـشـوهـه هـذه الـحـبّـة. ومـن لـيـس لـه إلّا نـدبـة واحـدة يـمـكـنـه أن يـعـتـبـر نـفـسـه مـحـظـوظـاً، فـقـد رأيـت أعـداداً مـن الـنّـاس شـوهـتـهـم حـبّـتـان أو ثـلاث. ولا تـسـلـم أجـزاء الـجـسـد الأخـرى مـنـهـا. وغـالـبـاً مـا تـظـهـر هـذه الـقـرحـة عـنـدمـا يـنـضـج الـتّـمـر، ولا تـنـتـهي إلّا في الـعـام الـتّـالي عـنـدمـا يـعـود هـذا الـفـصـل. وهـذا الـوبـاء لا يـصـيـب الـنّـاس إلّا مـرّة واحـدة في حـيـاتـهـم، وغـالـبـاً مـا يـصـيـبـهـم في طـفـولـتـهـم. ولـيـس لـهـذا الـوبـاء دواء، ولـيـس مـنـه وقـايـة. وقـد جـرب الأوربـيـون الـتّـطـعـيـم ضـدّه، وبـاءت جـهـودهـم بـالـفـشـل. ويـتـفـشى هـذا الـدّاء في مـنـاطـق عـدّة حـول نـهـر دجـلـة، ويـقـلّ كـلّـمـا ابـتـعـدنـا عـن الـنّـهـر. ويـمـكـن أن يـكـون لـه عـلاقـة بـتـبـخّـر مـاء الـنّـهـر أو بـالـطـيـن الـمـتـراكـم عـلى الـضّـفـاف، والإحـتـمـال الأوّل ضـعـيـف لأنّـه لا يـصـيـب الـعـامـلـيـن عـلى الـبـواخـر الإنـكـلـيـزيـة بـيـنـمـا يـصـيـب الأوربـيـيـن الّـذيـن يـقـيـمـون عـلى الـيـابـسـة. وقـد رأيـت واحـداً مـنـهـم غـطّـت جـسـده أربـعـون حـبّـة تـعـذّب مـنـهـا عـذابـاً شـديـداً. والـقـنـصـل الـفـرنـسي الّـذي يـنـبـغي أن يـبـقى هـنـا عـدّة سـنـوات لـم يـصـطـحـب زوجـتـه مـعـه خـشـيـة مـن أن يـعـرضـهـا لـخـطـر تـشـويـهـهـا. وبـعـد وصـولي إلى هـنـا بـعـدّة أسـابـيـع فـقـط اكـتـشـفـت عـلى ظـاهـر كـفي حـبّـة اتـسـعـت ولـكـنـهـا لـم تـدخـل في جـلـدي بـعـمـق ولـم تـتـرك نـدبـة دائـمـة. وابـتـهـجـت بـتـخـلـصي مـنـهـا بـهـذه الـسّـهـولـة، ولـكـن ابـتـهـاجي لـم يـدم طـويـلاً، فـقـد عـاد الـدّاء بـعـنـف بـعـد سـتّـة أشـهـر عـنـدمـا وصـلـت إلى أوربـا، وغـطـت جـسـدي ثـلاث عـشـرة حـبّـة تـصـارعـت مـعـهـا أكـثـر مـن ثـمـانـيـة أشـهـر”.

لـيـحـفـظ الـرّب الـمـلـكـة فـيـكـتـوريـا ! :

“ودعـيـت يـوم الـرّابـع والـعـشـريـن مـن أيّـار إلى حـفـل أقـامـه الـمـاجـور راولـنـسـن بـمـنـاسـبـة عـيـد مـيـلاد الـمـلـكـة. ولـم يـحـضـر الـعـشـاء إلّا الأوربـيـيـن. وبـعـد الـعـشـاء فـتـحـت الأبـواب لاسـتـقـبـال كـلّ أنـواع الـمـسـيـحـيـيـن مـن أرمـن ويـونـان … إلـخ. وأقـيـم الـحـفـل عـلى سـطـح دار الـقـنـصـلـيـة الّـذي غـطـيـت أرضـيـتـه بـالـسّـجّـاد. وجـلـس الـمـتـعـبـون عـلى أرائـك عـلـيـهـا وسـائـد، وأضـيـئـت الـمـصـابـيـح عـلى الـسّـطـح وفي الأحـواش والـحـدائـق فـأنـيـرت كـمـا لـو كـنّـا في  وضـح الـنّـهـار. وقـدّمـت مـشـروبـات مـنـعـشـة شـديـدة الـعـذوبـة جـعـلـت الأوربـيـيـن يـنـسـون تـقـريـبـاً أنّـهـم كـانـوا بـعـيـديـن عـن أوطـانـهـم. ولـكـنّـهـم لـم يـشـعـروا بـهـذا الـقـرب مـن أوطـانـهـم عـنـدمـا عـزفـت فـرقـتـان قـطـعـاً مـوسـيـقـيـة ! عـزفـت الأولى مـوسـيـقى أوربـيـة، والـثّـانـيـة مـوسـيـقى مـحـلّـيـة لـتـسـلي الـحـاضـريـن. وبـعـد أن أطـلـقـت ألـعـاب نـاريـة وشـعـلات مـلـوّنـة، دعي الـجـمـيـع لـتـنـاول وجـبـة خـفـيـفـة انـتـهـت بـهـا الأمـسـيـة”.

زيـنـة نـسـاء بـغـداد :

“وكـان بـيـن الـنّـسـاء والـفـتـيـات الـحـاضـرات بـعـض مـن رائـعـات الـجـمـال. وكـنّ جـمـيـعـاً خـلّابـات الأنـظـار لا يـمـكـن لـشـاب أن يـخـتـلـس إلـيـهـن الـنّـظـرات مـن غـيـر أن يـسـقـط في دائـرة سـحـرهـنّ. وهـذا يـعـود إلى مـهـارتـهـنّ في صـبـغ أهـدابـهـنّ وحـواجـبـهـنّ. وقـد أزلـن مـن حـواجـبـهـنّ كـل شـعـرة صـغـيـرة تـخـرج عـن تـخـطـيـطـهـا الـمـاهـر، أمّـا مـن لـيـس لـهـنّ مـا يـكـفي مـن شـعـر يـمـلأ هـذا الـتّـخـطـيـط فـقـد أكـمـلـن مـا يـنـقـص بـرسـمـه بـالـقـلـم. وكـلّ هـذا يـزيـد مـن بـريـق أعـيـنـهـنّ. ونـجـد رغـبـة الـتّـوصـل إلى هـذا الـجـمـال الـمـصـطـنـع حـتّى عـنـد نـسـاء الـعـامـة مـن الـخـادمـات”، “وارتـدت الـنّـسـاء مـلابـس عـلى الـطّـراز الـيـونـاني ــ الـتّـركي، فـلـبـسـن سـراويـل حـريـر ربـطـت أسـافـلـهـا حـول الـكـاحـلـيـن، وفـوق الـسّـراويـل ثـيـابـاً طـويـلـة طـرّزت بـخـيـوط الـذّهـب، ضـيّـقـة حـول الـكـتـفـيـن ثـمّ تـنـفـتـح وتـتـدلى بـسـعـة. أمّـا الـذّراعـان فـيـغـطـيـهـمـا الـحـريـر، ويـربـطـن خـاصـراتـهـنّ بـأحـزمـة بـعـرض الـكـف تـزيـنـهـا مـن الأمـام أزرار واسـعـة مـن ذهـب مـطـعـمـة بـالـمـيـنـا، وعـلى الـجـانـبـيـن أزرار أصـغـر مـنـهـا. وتـزيـن مـعـاصـمـهـنّ ونـحـورهـنّ وصـدورهـنّ أسـورة وقـلائـد مـن الـلـؤلـؤ والـجـواهـر وبـيـنـهـا قـطـع نـقـود مـن الـذّهـب. وتـنـحـدر جـدائـل رقـيـقـة مـن أعـلى رؤوسـهـن وتـسـقـط في أحـضـانـهـنّ. ومـن الـمـؤسـف أنّ ذوق بـعـضـهـنّ الـسّـيئ دفـعـهـن إلى صـبـغ شـعـورهـنّ فـتـحـول الـسّـواد الـلامـع إلى نـوع مـن الـبـنّي الأحـمـر الـشّـديـد الـقـبـح”.

“ورغـم أنّ مـظـهـر مـجـمـوعـة الـنّـسـاء جـذّاب فـصـحـبـتهـنّ لا مـتـعـة فـيـهـا ولا تـشـويـق، وقـد الـتـزمـن الـصّـمـت بـاسـتـمـرار، ولـم يـظـهـر عـلى وجـه أيّـة واحـدة مـنـهـنّ لا انـفـعـال ولا تـعـبـيـر عـن عـاطـفـة. وهـنّ يـحـتـجـن إلى بـهـارات الـحـيـاة : الـفـكـر والـتـعـلّـم، فـبـنـات الـبـلـد لـم يـعـلـمـونـهـنّ شـيـئـاً. وسـيـكـتـمـل تـعـلـيـمـهـنّ عـنـدمـا سـيـصـبـحـن قـادرات عـلى الـقـراءة بـلـغـاتـهـنّ (الأرمـنـيـة أو الـعـربـيـة)، ولـكـن حـتّى لـو تـوصـلـن إلى ذلـك، فـهـل سـيـجـدن مـا يـقـرأن مـا عـدا الـكـتـب الـدّيـنـيـة ؟”.

زيـارة لـحـريـم الـبـاشـا :

 “وقـد تـمـتـعـت بـزيـارة قـمـت بـهـا عـدّة أيّـام بـعـد ذلـك إلى حـريـم الـبـاشـا. وكـانـت الـنّـسـاء ثـرثـارات ضـاحـكـات مـلـيـئـات بـالـمـرح والـمـزاح، إلى حـدّ أنّـهـنّ تـجـاوزن تـقـريـبـاً مـا أتـحـمّـلـه. ووجـدت خـمـس عـشـرة مـنـهـنّ كـنّ قـد تـحـضّـرن لـزيـارتي، وتـزيّـنّ ولـبـسـن أبـهى ثـيـابـهـنّ مـثـل تـلـك الّـتي سـبـق أن وصـفـتـهـا. والإخـتـلاف الـوحـيـد هـو أنّ الـقـفـطـان Kaftan الّـذي ارتـديـنـه فـوق الـثّـيـاب كـان أقـصـر ومـن قـمـاش يـشـفّ عـمّـا تـحـتـه، وأنّ عـمـائـمـهـنّ كـان يـزيـنـهـا ريـش نـعـام. ولـم أرَ بـيـنـهـنّ واحـدة شـديـدة الـجـمـال. ومـا عـدا حـلاوة في أعـيـنـهـنّ، فـلـيـس فـيـهـنّ نـبـل ولا تـقـاطـيـع وجـوه مـعـبّـرة”.

“والـحـريـم الـصّـيـفي الّـذي اسـتـقـبـلـتـني الـنّـسـاء فـيـه حـسـن الـبـنـاء، حـسـب الأسـالـيـب الـحـديـثـة لـلـمـعــمـار الأوربي، وفـيـه نـوافـذ عـالـيـة جـيّـدة الإنـفـتـاح. ووقـفـت وسـط حـديـقـة زهـور صـغـيـرة تـحـيـطـهـا بـسـاتـيـن أشـجـار فـواكـه. وبـعـد أن بـقـيـت مـعـهـنّ أكـثـر مـن سـاعـة، مـدّت مـائـدة ووضـعـت حـولـهـا الـكـراسي. وقـد دعـتـني الـزّوجـة الـرّئـيـسـيـة لـلـجـلـوس، وكـانـت قـد جـلـسـت، ولـم تـنـتـظـر أن نـجـلـس قـبـل أن تـبـدأ بـاخـتـيـار مـا تـحـبّـه مـن الـصـحـون وتـأكـلـه بـأصـابـعـهـا. وقـد أجـبـرت أنـا أيـضـاً عـلى أخـذ الـطّـعـام بـأصـابـعي فـلـم يـكـن في الـدّار لا سـكـاكـيـن ولا شـوكـات. وفي نـهـايـة الـوجـبـة فـقـط جـلـبـت لي مـلـعـقـة شـاي صـغـيـرة مـن الـذّهـب لآكـل بـهـا. وكـانـت تـغـطي الـمـائـدة صـحـون مـن أكـلات مـمـتـازة، وأنـواع مـن الـرّز وكـمـيـات كـبـيـرة مـن الـحـلـويـات والـفـواكـه. وقـد وجـدتـهـا كـلّـهـا شـديـدة الـلـذة”.

“وبـعـد أن انـتـهـيـنـا جـلـسـنـا مـعـاً، ومـن لـم تـجـد مـقـعـداً جـلـسـت مـع أخـرى عـلى نـفـس الـمـقـعـد، ثـمّ جـاءت الإمـاء الـلاتي كـانـت بـيـنـهـنّ زنـجـيـات شـديـدات الـقـبـح وجـلـسـن حـول الـمـائـدة لـيـأكـلـن مـا تـركـنـاه.

ثـمّ جـلـبـت الـقـهـوة ودارت بـيـنـنـا في فـنـاجـيـن صـغـيـرة، وجـلـبـت الـنّـرجـيـلات. وكـانـت فـنـاجـيـن الـقـهـوة عـلى صـحـون صـغـيـرة مـن الـذّهـب طـعـمـت بـالـلـؤلـؤ والـفـيـروز”. “ويـمـكـنـنـا أن نـفـرّق بـيـن نـسـاء الـبـاشـا وبـيـن الـخـادمـات والإمـاء فـقـط مـن مـلابـسـهـنّ وجـواهـرهـنّ، أمّـا في طـريـقـة تـصـرفـاتـهـنّ فـلـم أجـد فـرقـاً كـبـيـراً. وجـلـسـت الـخـادمـات مـن غـيـر تـردد عـلى الأرائـك، وشـاركـن في الـحـديـث مـن غـيـر أن يـسـمـح لـهـنّ أحـد بـذلـك، ودخّـنّ وشـربـن الـقـهـوة مـثـلـنـا تـمـامـاً. ويـعـامـل أهـل الـبـلـد الـخـدم والـعـبـيـد أحـسـن بـكـثـيـر مـمـا نـفـعـلـه مـعـهـم في أوربـا. والـفـرق الـوحـيـد هـو أنّ الأتـراك مـا زالـوا يـمـتـلـكـون عـبـيـداً هـنـا”.

آثـار وبـاء الـطّـاعـون :

ذهـبـت إيـدا فـايـفـر لـرؤيـة قـبـر الـسّـيـدة زبـيـدة : “وبـعـد أن زرت الـضّـريـح ابـتـعـدت عـن طـريـقي لأرى جـانـب الـمـديـنـة الّـذي هـجـره أهـلـه وخـرب بـعـد تـفـشي وبـاء الـطّـاعـون الأخـيـر. وقـد وصـف لي الـسّـيـد زفـوبـودا Swoboda،(7) وأصـلـه مـن الـمـجـر، وصـفـاً مـرعـبـاً حـال الـمـديـنـة في زمـن ذلـك الـطّـاعـون. وقـد تـحـصّـن في داره مـع عـائـلـتـه وخـادمـة لـهـم، بـعـد أن مـلأوا الـحـجـر بـالـمـؤونـة، ولـم يـكـونـوا يـحـتـاجـون إلّا إلى الـمـاء. وقـد أغـلـق الأبـواب والـنّـوافـذ وجـصـصـهـا، ولـم يـسـمـح لأحـد بـالـصـعـود عـلى الـسّـطـح أو بـتـنـفـس الـهـواء الـخـارجي. وقـد اسـتـطـاع بـهـذا أن يـحـفـظ لأهـلـه صـحـتـهـم بـيـنـمـا تـسـاقـط كـثـيـر مـن جـيـرانـه مـوتى. وكـان مـسـتـحـيـلاً دفـن جـثـثـهـم فـتّـركـت تـتـفـسـخ في أمـاكـنـهـا. وبـعـد أن انـتـهي الـوبـاء دخـل أعـراب الـبـاديـة الـمـديـنـة لـيـسـلـبـوا  ويـنـهـبـوا. وكـان ذلـك سـهـلاً عـلـيـهـم ولـم يـقـاومـهـم مـن بـقي مـن الأحـيـاء وأضـعـفـهـم الـوبـاء. وأجـبـروا الـسّـيـد زفـوبـودا مـثـلـمـا أجـبـروا الآخـريـن عـلى إعـطـائـهـم بـعـض مـا يـمـتـلـكـون”.

“وتـركـت هـذه الـمـنـطـقـة الـمـؤلـمـة واتـجـهـت نـحـو واحـدة مـن الـجُـنـيـنـات الّـتي تـبـهـج الـقـلـب، والّـتي نـجـد مـنـهـا الـكـثـيـر في بـغـداد ومـا حـولـهـا. وكـلّـهـا طـبـيـعـيـة لـم يـنـظّـمـهـا أحـد، فـهي بـسـاتـيـن مـلـيـئـة بـأشـجـار فـواكـه مـن كـلّ صـنـف ونـوع : تـمـر وتـفّـاح ومـشـمـش وخـوخ وتـيـن وتـوت وأنـواع أخـرى، حـولـهـا حـيـطـان مـن الـطّـابـوق. ومـن الـمـؤسـف أنّـه لـيـس لـهـا تـنـظـيـم ولا نـظـافـة، وأنّـه لـيـس فـيـهـا أجـزاء يـزرع فـيـهـا الـعـشـب أو الـزّهـور ولـيـس في وسـطـهـا مـمـرات مـبـلـطـة يـمـكـن الـتّـمـشي عـلـيـهـا، ولـكـنّ فـيـهـا أعـداداً كـبـيـرة مـن الـسّـواقي مـن الـضّـروري حـفـرهـا لـريّ الأشـجـار في مـنـطـقـة لـيـس فـيـهـا مـا يـكـفي مـن الـطّـلّ والأمـطـار”.

وذهـبـت إيـد فـايـفـر مـن جـديـد لـزيـارة طـيـسـفـون / الـمـدائـن. غـادرت بـغـداد في الـصّـبـاح وعـادت إلـيـهـا قـبـل حـلـول الـلـيـل “فـبـغـداد مـثـل كـلّ الـمـدن الـتّـركـيـة تـغـلـق أبـوابـهـا حـال غـروب الـشّـمـس، ثـمّ تُـعـطى الـمـفـاتـيـح لـلـبـاشـا. ولا تـفـتـح أبـواب الـمـديـنـة إلّا بـعـد شـروق الـشّـمـس في الـغـد”.

وكـتـبـت : “وعـبـرنـا في حـوالي نـصـف الـطّـريـق نـهـر ديـالى عـلى عـبّـارة واسـعـة. وعـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة وجـدنـا عـدّة عـوائـل في صـرائـف تـكـسـب عـيـشـهـا مـن مـمـا يـدفـعـه الـنّـاس لاسـتـعـمـال الـعـبّـارة. وابـتـسـم لـنـا الـحـظ عـنـدمـا وجـدنـا عـنـدهـم خـبـزاً وزبـدة وحـلـيـبـاً أعـاد لـنـا حـيـويـتـنـا”.

ولـم تـجـد في طـاق كـسـرى أكـثـر مـمـا وجـدتـه في زيـارتـهـا الأولى، ولـكـن “عـلى مـسـافـة قـريـبـة مـن الآثـار يـنـتـصـب جـامـع بـسـيـط الـبـنـاء يـحـتـوي عـلى قـبـر سـلـمـان بـاك  Selamam Pak. وكـان هـذا الـرّجـل مـن أصـحـاب مـحـمّـد ولـهـذا يـكـرّم كـقـديـس. ولـم يـسـمـح لي بـدخـول الـمـسـجـد فـارتـضـيـت أن أكـتـفي بـتـفـحـصـه مـن خـلال بـابـه الـمـفـتـوح، وأبـصـرت بـقـبـر شـيّـد بـالـطّـابـوق تـحـيـطـه ألـواح مـن خـشـب صـبـغـت بـالأخـضـر”.

وفي طـريـق عـودتـهـا دعـيـت عـنـد أمـيـر فـارسي “يـقـيـم في بـغـداد، وتـركـهـا لـشـدّة الـحـرّ فـيـهـا وجـاء لـيـخـيـم عـلى ضـفـة دجـلـة”. وبـعـد أن شـربـت مـعـه ومـع رفـاقـه الـشّـاي والـقـهـوة ودخـنـت الـنّـارجـيـلـة وتـنـاولـت وجـبـة طـعـام دسـمـة زارت “إحـدى زوجـاتـه الّـتي كـانـت قـد جـاءت مـعـه” ووجـدتـهـا نـادرة الـجـمـال، ولـكـنّ الأمـيـر أكّـد لـهـا أنّ “زوجـاتـه الأخـريـات : أربـعـة في بـغـداد وأربـعـة في طـهـران تـركـهـنّ مـع أمّـه، يـفـقـن هـذه جـمـالاً” ! وقـد خـصـصـت إيـدا فـايـفـر مـقـاطـع طـويـلـة لـهـذه الـحـكـايـة الّـتي تـبـدو وكـأنّـهـا ذكـريـات مـن قـراءتـهـا لألـف لـيـلـة ولـيـلـة، والّـتي تـفـنـنـت في خـلـق تـفـاصـيـلـهـا لـتـشـويـق قـرائـهـا الأوربـيـيـن.

وتـركـت بـغـداد مـن جـديـد لـزيـارة مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة.  وتـأمّـلـت في طـريـقـهـا إلى الـحـلّـة يـوم 31 أيّـار “عـشـيـرة أعـراب تـنـتـقـل نـحـو مـكـان أكـثـر عـشـبـاً” : “لـم أرَ أبـداً بـعـرانـاً بـهـذه الأعـداد الـكـبـيـرة كـمـا رأيـتـهـا هـذ الـيـوم. ربّـمـا كـانـت سـبـعـة آلاف أو ثـمـانـيـة آلاف”. وتـوقـفـت مـع دلـيـلـهـا في خـان نـصـري فـقـد ” ارتـفـعـت الـحـرارة إلى حـوالي 57 درجـة”. وقـد تـركـت لـنـا إيـدا فـايـفـر وصـفـاً دقـيـقـاً لـخـانـات زمـانـهـا :

“وخـانـات هـذه الـطـريـق مـن أفـضـل مـا رأيـت ومـن أكـثـرهـا أمـنـاً. وهي تـشـبـه مـن الـخـارج حـصـونـاً صـغـيـرة، تـفـضي بـوابـة عـالـيـة إلى حـوش واسـع في وسـطـهـا وتـحـيـطـهـا مـن كـلّ الـجـهـات إيـوانـات حـسـنـة بـنـيـت جـدرانـهـا الـسّـمـيـكـة بـالـطّـابـوق. وقـد فـصـل كـلّ إيـوان إلى حُـجـر مـتـجـاورة تـسـع كـلّ واحـدة مـنـهـا عـدّة أشـخـاص يـمـكـنـهـم أن يـرتـاحـوا فـيـهـا. ويـضـعـون أمـام الـحـجـر قـطـعـان حـيـوانـاتـهـم. وشـيّـدت في وسـط الـحـوش دكّـة واسـعـة عـلـوّهـا خـمـسـة أقـدام يـنـامـون عـلـيـهـا في لـيـالي الـصّـيـف. وفـيـهـا أيـضـاَ حـضـائـر يـمـكـن وضـع الـقـطـعـان فـيـهـا في الـلـيـل”، “وهـذه الـخـانـات أعـدّت لـلـقـوافـل، ويـمـكـنـهـا أن تـسـع أكـثـر مـن 500 مـسـافـر مـع حـيـوانـاتـهـم وأمـتـعـتـهـم. وتـشـيّـد الـحـكـومـة بـعـض هـذه الـخـانـات، ولـكـنّ أغـلـبـهـا شـيّـدت بـهـبـات أثـريـاء يـطـمـحـون إلى دخـول الـجـنـة بـمـسـاعـدتـهـم لـلـمـحـتـاجـيـن. ويـحـرس الـخـان عـشـرة أو اثـنـا عـشـر جـنـديـاً، وتـغـلـق بـوابـتـه في الـلـيـل. ولا يـدفـع الـمـسـافـرون أجـراً عـلى إقـامـتـهـم في الـخـان”، “وغـالـبـاً مـا يـعـيـش بـعـض الـعـرب وعـوائـلـهـم قـرب الـخـان أو حـتّى في داخـلـه، وهـم يـقـتـرحـون عـلى الـمـسـافـريـن حـلـيـب نـاقـة وخـبـزاً وقـهـوة، وفي بـعـض الأحـيـان لـحـوم جـمـال أو مـاعـز. ولـم يـعـجـبـني مـذاق حـلـيـب الـنّـاقـة، ولـكـنّ لـحـمـهـا يـشـبـه لـحـم الـبـقـر، وقـد دهـشـت عـنـدمـا أخـبـرني دلـيـلي أنـني كـنـت آكـل لـحـم إبـل”.

ووصـلـت “وسـط تـلال مـن جـدران خـربـت وتـهـاوت وتـكـومـت عـلـيـهـا كـسـر الـطّـابـوق. ويـسـمي الـعـرب هـذه الـتّـلال بـالـمـجـلِّـب“. وبـعـد أن تـكـلّـمـت عـن بـابـل مـعـتـمـدة عـلى مـا سـجّـلـه كـتـاب الـيـونـان والـرّومـان عـنـهـا مـن أسـاطـيـر رأت :

“تـلّاً آخـر مـن أكـوام الـخـرائـب يـقـع عـلى بـعـد حـوالي كـيـلـومـتـر ونـصـف يـسـمى الـقـصـر El Kasir، ويـذكـر الـبـعـض أنّ مـعـبـد بـعـل كـان عـلـيـه. ومـا زلـنـا نـرى فـيـه بـقـايـا جـدران ضـخـمـة وأعـمـدة، وفي حـفـرة رأيـنـا أسـداً مـن صـخـر الـغـرانـيـت الـرّمـادي الـغـامـق، كـبـيـر الـحـجـم إلى درجـة أنـني مـن بـعـيـد تـصـورتـه يـمـثّـل فـيـلاً. وتـكـسّـر هـذا الـتّـمـثـال في عـدّة مـواضـع، ولا يـبـدو لـنـا مـن رؤيـة مـا تـبـقى مـنـه أنّـه مـن صـنـعـة نـحـات مـاهـر”، “والـجـصّ شـديـد الـصّـلابـة حـتّى أنّـه مـن الأسـهـل أن نـكـسـر الـطّـابـوق مـن أن نـفـصـل طـابـوقـتـيـن جـصـصـتـا بـيـنـهـمـا. وكـلّ الـطّـابـوق في هـذه الـخـرائـب نـصـفـه أصـفـر ونـصـفـه أحـمـر، طـول كـلّ طـابـوقـة قـدم وعـرضـهـا يـقـارب طـولـهـا، أمّـا سـمـكـهـا فـهـو حـوالي سـنـتـم و30 مـلـم. وفي وسـط خـرائـب الـقـصـر تـنـتـصـب شـجـرة وحـيـدة مـن نـوع الـتّـنـوب الّـذي لا يـمـكـن رؤيـتـه في هـذه الـمـنـاطـق. ويـسـمـيـهـا الـعـرب أثـلـة Athalé   ويـقـدّسـونـهـا. وذكـر بـعـض الـكـتّـاب أنّ في هـذه الـشّـجـرة شـيـئـاً شـديـد الـغـرابـة، فـهـم يـعـتـبـرونـهـا مـن بـقـايـا الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة، ويـؤكّـدون عـلى أنّ أنـغـامـاً حـزيـنـة تـنـبـعـث مـنـهـا عـنـدمـا تـتـلاعـب الـرّيـاح بـأغـصـانـهـا. ولـكـن يـبـدو لـنـا أنّ هـذه الـشّـجـيـرة الـمـنـحـنـيـة الـمـقـصـومـة الـظّـهـر والّـتي لا يـتـجـاوز قـطـر جـذعـهـا عـدّة سـنـتـمـتـرات لا يـمـكـن أنّ تـكـون قـد زرعـت قـبـل ثـلاثـة آلاف سـنـة !”.

وبـعـد أن اكـتـفـت مـن زيـارة بـابـل بـمـا رأتـه وصـلـت إلى الـحـلّـة، وقـد اسـتـضـافـهـا “رجـل غـنّي مـن الـعـرب”. وبـعـد أن تـنـاولـت عـشـاءهـا أصـعـدوهـا إلى الـسّـطـح لـتـنـام :

“ولـم يـكـن حـول الـسّـطـح حـيـطـان وهـو مـا أعـجـبـني. وهـكـذا اسـتـطـعـت تـفـحـص تـصـرفـات الـجـيـران في دورهـم. ورأيـت الـنّـسـاء يـخـبـزن في تـنـانـيـر في الأحـواش. وفـرش الـرّجـال والأطـفـال الـحـصـران عـلى الـسّـطـوح ووضـعـوا عـلـيـهـا الـرّز والـخـضـرة وغـيـرهـا مـمـا يـأكـل. وبـدأ الـكـلّ بـالأكـل بـعـد أن انـتـهـت الـنّـسـاء مـن الـخـبـز. ورأيـت الـنّـسـاء يـجـلـسـن مـع الآخـريـن، وتـصـورت أنّ عـرب زمـاني هـذا عـلى جـانـب كـبـيـر مـن الـتّـحـضّـر لـيـسـاووا بـيـن الـرّجـل والـمـرأة، ولـكـنّي رأيـت، وا أسـفـاه، أنّ الـنّـسـاء الـمـسـكـيـنـات جـلـسـن لا لـيـأكـلـن ولـكـن لـيـطـردن الـذّبـاب عـن أزواجـهـنّ بـالـمـهـفّـات. ويـحـتـمـل أنّـهـنّ يـأكـلـن داخـل الـدّار بـعـد ذلـك، فـأنـا لـم أرهـنّ يـأكـلـن لا عـلى الـسّـطـح ولا حـتّى في الـحـوش. وقـد نـامـوا بـعـد ذلـك جـمـيـعـاً عـلى الـسّـطـح، وغـطى الـرّجـال والـنّـسـاء أجـسـادهـم بـالـسّـجـاد الّـذي افـتـرشـوه، ولـم أرَ أحـداً مـنـهـم يـخـلـع شـيـئـاً مـن ثـيـابـه قـبـل أن يـنـام”.

وتـركـت الـحـلّـة في 1 حـزيـران لـزيـارة بـيـرس نـمـرود الّـتي تـقـع “عـلى حـوالي عـشـرة كـيـلـومـتـرات مـن الـحـلّـة، في وسـط الـفـيـافي قـرب الـفـرات”. وتـسـلـقـت الـتّـل لـتـرى بـقـايـا الـبـرج الـمـنـتـصـب عـلـيـه : “ولـم يـتّـفـق الـنّـاس عـلى أصـل هـذا الـبـنـاء، فـبـعـضـهـم يـؤكّـد أنّـه بـقـايـا بـرج بـابـل وبـعـضـهـم أنّـه مـن بـقـايـا مـعـبـد بـعـل، ويـمـكـنـنـا أن نـلـقي مـن أعـلى الـتّـلّ بـنـظـرة شـامـلـة فـوق الـفـلاة لـنـرى مـديـنـة الـحـلّـة بـبـسـاتـيـنـهـا الـرّائـقـة لـلأنـظـار، ولـنـرى تـلالاً لا تـعـدّ ولا تـحـصى تـغـطـيـهـا الـخـرائـب وأكـوام الـطّـابـوق. وعـلى مـقـربـة مـن هـذه الآثـار يـنـتـصـب مـسـجـد مـحـمّـدي صـغـيـر”.

ورجـعـت بـعـد الـظّـهـر إلى الـحـلّـة، وتـجـوّلـت مـن جـديـد في الـمـديـنـة “الّـتي يـقـال إنّ سـكـانـهـا يـبـلـغـون 26،000”. ثـمّ عـادت إلى بـغـداد.

وأنـهـت أيـدا فـايـفـر حـديـثـهـا عـن بـغـداد الّـتي أقـامـت فـيـهـا أربـعـة أسـابـيـع بـذكـر رعـبـهـا مـن الـعـقـارب : “فـقـد سـمـعـت أنّـهـا لا تـعـدّ ولا تـحـصي في هـذا الـبـلـد ولـكـنـني لـم أرَ عـقـربـاً واحـدة لا في الـسّـراديـب ولا عـلى الـسّـطـوح. وخـلال الأسـابـيـع الأربـعـة الّـتي أقـمـت فـيـهـا في بـغـداد لـم أرَ إلّا عـقـربـاً واحـدة فـقـط في الـحـوش”.

الـصّـعـود إلى الـشّـمـال بـصـحـبـة قـافـلـة :

وغـادرت إيـفـا فـايـفـر بـغـداد في 17 حـزيـران بـصـحـبـة قـافـلـة تـصـعـد نـحـو الـمـوصـل. وكـتـبـت :

“والـمـسـافـة بـيـن بـغـداد والـمـوصـل 483 كـلـم. وتـسـتـغـرق الـرّحـلـة مـن 12 يـومـاً إلى 14 يـومـاً، يـمـتـطي الـمـسـافـرون فـيـهـا خـيـولاً أو بـغـالاً، ويـسـيـرون خـلال أشـهـر الـقـيـظ لـيـلاً”. “وقـد اكـتـريـت بـغـلاً أركـب عـلـيـه ويـحـمـل أمـتـعـتي الـقـلـيـلـة ودفـعـت لـذلـك ثـمـنـاً زهـيـداً : 15 قـرانـاً“.

“وسـافـرت مـثـل أفـقـر الـعـرب، ورضـيـت مـثـلـه أن تـحـرق أشـعـة الـشّـمـس الـمـلـتـهـبـة جـسـدي، وأن لا ابـتـلـع إلّا خـبـزاً ومـاءً، وحـفـنـة تـمـر أو قـطـعـة خـيـار إذا مـا أسـعـدني الـحـظ، واكـتـفـيـت بـالأرض سـريـراً أنـام عـلـيـه”،

“وكـنـت قـد سـجّـلـت في بـغـداد قـائـمـة كـلـمـات عـربـيـة لأسـتـطـيـع طـلـب مـا هـو ضـروري لي، ولـكـنّ الإشـارات أسـهـل عـنـدي مـن الـكـلـمـات، وبـفـضـل الإشـارات والـكـلـمـات اسـتـطـعـت الـتّـفـاهـم مـع الآخـريـن”.

“وكـانـت قـافـلـتـنـا صـغـيـرة : 26 دابّـة حـمّـلـت عـلى ظـهـور أغـلـبـهـا بـضـائـع، يـصـاحـبـهـا 12 رجـلاً مـن الـعـرب يـسـيـر خـمـسـة مـنـهـم عـلى أقـدامـهـم”.

Pfeiffer 3

وقـد صـعـدوا إلى الـمـوصـل عـن طـريـق دلّي عـبّـاس Deli-Abas  وكـفـري Küferi وكـركـوك  Kerku  وألـتـون كـوبـري Attum-Kobri ، ووصـلـوا إلى أربـيـل Erbil في 28 حـزيـران :

“وتـنـتـصـب الـمـديـنـة الـصّـغـيـرة الـمـحـصّـنـة عـلى مـرتـفـع مـنـعـزل في وسـط وادي”.

ووصـلـوا إلى الـمـوصـل في 30 حـزيـران، وأقـامـت إيـدا فـايـفـر عـنـد نـائـب قـنـصـل إنـكـلـتـرة في الـمـوصـل، كـرسـتـيـان رسّـام (8).

وزارت الـمـوصـل الّـتي لـم تـجـد فـيـهـا مـا يـجـذب الأنـظـار: “وهي مـحـاطـة بـأسـوار، ويـبـلـغ عـدد سـكـانـهـا 25،000  لا نـجـد بـيـنـهـم بـالـكـاد إلّا 12 أوربـيـاً”. “وأسـواقـهـا واسـعـة ولـكـن لـيـس فـيـهـا شئ مـن الـحـسـن. ونـرى بـيـنـهـا هـنـا وهـنـاك مـقـاهي وخـانـات”.

ولـكـنّـهـا تـركـت لـنـا وصـفـاً دقـيـقـاً لـبـيـوت الـمـوصـل في زمـانـهـا :

“وقـد لاحـظـتُ أنّ كـلّ مـداخـل الـمـسـاكـن ضـيّـقـة واطـئـة وعـلـيـهـا أبـواب سـمـيـكـة مـتـيـنـة. وهـذا مـن بـقـايـا الأزمـان الـمـاضـيـة الّـتي كـان الـنّـاس يـخـافـون فـيـهـا مـن هـجـوم الأعـداء عـلـيـهـم.

وعـنـدمـا نـدخـلـهـا نـرى في وسـطـهـا حـوشـاً شـديـد الـجـمـال وغـرفـاً عـالـيـة جـيّـدة الـتّـهـويـة، مـداخـلـهـا حـسـنـة ونـوافـذهـا مـقـوّسـة الأعـالي. وغـالـبـاً مـا تُـنـحـت إطـارات الـنـوافـذ والأبـواب مـن الـرّخـام. وتـصـنـع مـن الـرّخـام أيـضـاً درجـات الـسّـلالـم، وتـغـطى بـه جـدران الـطّـابـق الأرضي. ومـع أنّ الـرّخـام الّـذي تـغـطى بـه الـجـدران لـيـس جـيّـد الـنّـوعـيـة فـهـو مـع ذلـك أجـمـل مـن الـطّـابـوق. ويـجـلـب هـذا الـرّخـام مـن مـنـاجـم قـريـبـة مـن الـمـديـنـة”.

“وهـنـا أيـضـاً يـقـضي الـنّـاس أيـام الـقـيـظ في الـسّـراديـب  sardabs. وأسـوء أشـهـر الـقـيـظ هـنـا تـمّـوز الّـذي غـالـبـاً مـا تـهـبّ فـيـه ريـح الـسّـمـوم  simoom الـحـارقـة الـحـرارة. وخـلال إقـامـتي الـقـصـيـرة في الـمـوصـل تـوفي عـدد مـن الـنّـاس بـعـضـهـم بـعـد بـعـض فـجـأة. ويـعـزى سـبـب ذلـك إلى شـدّة الـحـرّ. وحـتّى الـسّـراديـب لا تـقي مـن الـحـرّ، فـدرجـات الـحـرارة تـرتـفـع فـيـهـا إلى مـا فـوق 37 درجـة”.

وصـاحـبـتـهـا أخـت كـرسـتـيـان رسّـام لـزيـارة آثـار نـيـنـوى الـقـديـمـة. وقـد ذهـب مـعـهـمـا أيـضـاً مـسـتـر روس  Ross.

وذكـرت خـلال حـديـثـهـا عـن تـلّ الـنّـبي يـونـس الـمـنـقّـب هـنـري أوسـتـن لّـيـارد الّـذي : ” قـام بـعـدّة حـفـريـات في تـلال قـريـبـة مـن نـبي يـونـس، وكـشـف عـن أجـزاء قـصـور تـغـطي جـدرانـهـا ألـواح مـن الـرّخـام عـلـيـهـا مـنـحـوتـات بـارزة. وهي تـصـوّر مـلـوكـاً عـلى رؤوسـهـم تـيـجـان مـطـعـمـة بـالـجـواهـر، وآلـهـة بـأجـنـحـة واسـعـة الإنـفـتـاح، وجـنـود بـأسـلـحـتـهـم ودروعـهـم، وحـصـون وقـلاع مـحـصّـنـة، ومـسـيـرات انـتـصـار، ومـشـاهـد صـيـد …”. “وعـلى كـثـيـر مـن الـجـدران وجـدت رمـوز تـشـبـه أشـكـالـهـا الـمـسـامـيـر تـكـوّن الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة              Cuneiform inscriptions”.

“وقـد خـلـعـت مـن الـجـدران أعـداد كـبـيـرة مـن ألـواح الـرّخـام هـذه الـمـنـحـوتـة والـمـنـقـوشـة عـلـيـهـا الـكـتـابـات وأرسـلـت إلى إنـكـلـتـرة. وعـنـدمـا كـنـت في الـبـصـرة رأيـت حـمـولـة سـفـيـنـة كـامـلـة مـن هـذه الآثـار”.

وكـتـبـت :

“وزرنـا مـنـابـع الـكـبـريـت، الـقـريـبـة مـن أسـوار الـمـوصـل. ولا تـبـدو شـديـدة الـحـرارة ولـكـنـهـا تـحـوي كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـكـبـريـت كـمـا تـدلّ عـلـيـه الـرّوائـح الـمـنـبـعـثـة مـنـهـا والّـتي نـشـمّـهـا مـن بـعـيـد. وهي تـنـبـع في أحـواض طـبـيـعـيـة أحـيـطـت بـحـيـطـان ارتـفـاعـهـا مـتـريـن ونـصـف (ثـمـانـيـة أقـدام). ويـمـكـن لـلـجـمـيـع الإسـتـحـمـام فـيـهـا مـجـانـاً، فـالـنّـاس هـنـا لـيـسـوا بـبـخـل الأوربـيـيـن ولا بـطـمـعـهـم.  ويـسـتـحـم الـرّجـال في سـاعـات مـن الـنّـهـار والـنّـسـاء في سـاعـات أخـرى”.

ونـزلـت دجـلـة بـعـد ذلـك عـلى كـلـك لـزيـارة تـنـقـيـبـات نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح الـقـديـمـة) “حـوالي 30 كـيـلـومـتـراً جـنـوب الـمـوصـل عـلى دجـلـة”.  وكـتـبـت :

“ووجـدنـا عـدداً مـن الأمـاكـن الّـتي حـفـرت، ولكـن لـم يـكـشـف إلّا عـن حـجـرات مـتـفـرقـة هـنـا أو هـنـاك، أو عـلى عـدّة حـجـرات مـتـلاصـقـة، لـم تـفـصـل حـيـطـانـهـا مـن الـخـارج عـن أكـوام الـتّـراب ولـم نـر لـهـا لا نـوافـذ ولا أبـواب. وتـشـبـه الـقـطـع الأثـريـة الّـتي وجـدت فـيـهـا تـلـك الّـتي عـثـر عـلـيـهـا قـرب الـمـوصـل ولـكـن بـكـمـيـات أكـبـر. ورأيـت عـدّة أصـنـام idols وعـدّة آبـاء هـول  sphynxes. وأقـصـد بـالأولى مـنـهـا حـيـوانـات لـهـا رؤوس بـشـر، عـظـيـمـة الأحـجـام تـقـارب أحـجـام الـفـيـلـة. وقـد عـثـر عـلى أربـعـة مـنـهـا، ومـن بـيـنـهـا اثـنـان تـحـطـمـت أجـزاء مـنـهـمـا. أمـا آبـاء الـهـول (وهي تـقـصـد ولا شـكّ الأسـود الـمـجـنـحـة) فـهـي أصـغـر أحـجـامـاً”.  “وقـبـل أن أصـل إلى هـنـا بـقـلـيـل، أرسـلـت مـسّـلـة وأسـود مـجـنـحـة وقـطـع أثـريـة أخـرى إلى إنـكـلـتـرة”.

“ومـن بـيـن كـلّ الـغـرف الّـتي أزيـح عـنـهـا الـتّـراب، هـنـاك واحـدة فـقـط طـلـيـت جـدرانـهـا ورسـمـت، ولـكـنّـه لـم يـمـكـن الـحـفـاظ عـلـيـهـا، فـمـا أن لامـسـهـا الـهـواء حـتّى تـكـسّـرت وتـسـاقـطـت شـظـايـا. وتـفـتـت الـرّخـام في بـعـض الأمـاكـن بـيـنـمـا تـكـسّـر في أجـزاء أخـرى، نـتـيـجـة الـحـرائـق الّـتي أشـعـلـت في هـذه الـمـديـنـة عـنـد سـقـوطـهـا، وخـربـتـهـا. وحـتّى الـطّـابـوق يـتـفـتـت تـحـت مـعـاول الـحـافـريـن”.

“وقـد تـوقـفـت الـحـفـريـات في تـلّ نـمـرود قـبـل حـوالي سـنـة، واسـتـدعي لَـيـارد إلى لـنـدن. وقـد أرسـل بـعـد ذلـك يـأمـر بـردم مـا كـان قـد حـفـر، فـقـد بـدأ الـعـرب بـتـخـريـب أجـزاء مـمـا فـيـه. وعـنـدمـا زرت مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات كـان بـعـض مـا حُـفـر قـد رُدم، ولـكـنّ أكـثـره كـان مـا زال مـفـتـوحـاً”.

نـحـو بـلاد الـفـرس :

 وقـد نـظّـم كـرسـتـيـان رسّـام لإيـدا فـايـفـر رحـلـتـهـا نـحـو راونـدوز في طـريـقـهـا إلى بـلاد الـفـرس (كـمـا كـانـت إيـران تـسـمى في تـلـك الأزمـان). وهي تـذكـر أنّـهـا كـتـبـت قـوائـم كـلـمـات بـالـعـربـيـة والـفـارسـيـة لـتـعـدّ رحـلـتـهـا.

وفي الـثّـامـن مـن شـهـر تـمّـوز تـركـت الـمـوصـل لـتـلـحـق بـقـافـلـة تـغـادر نـحـو بـلاد فـارس.

ووصـلـوا إلى راونـدوز في صـبـاح الـرّابـع عـشـر مـن تـمّـوز :

“وقـد سـحـرني مـوقـع هـذه الـمـديـنـة كـمـا سـحـرني مـرآهـا […] فـقـد شـيّـدت عـلى سـفـح مـرتـفـع مـنـعـزل تـحـيـط بـه الـجـبـال. وقـد بـنـيـت الـدّور الـواحـدة مـنـهـا أعـلى مـن الأخـرى، وغـطـيـت سـطـوحـهـا الـمـسـطّـحـة بـتـراب ضـغـط عـلـيـه بـشـدة حـتّى صـار مـثـل قـارعـة طـريـق يـمـكـن الـسّـيـر عـلـيـهـا. ويـصـيـر سـطـح دار سـفـلى حـوشـاً لـدار أعـلى مـنـهـا. ومـن الـصـعـب الـتّـفـريـق بـيـن الـسّـطـوح وبـيـن الـدّروب الـحـقـيـقـيـة. وقـد نـصـبـت عـلى بـعـض هـذه الـسّـطـوح جـذوع أشـجـار وأغـصـان لـتـكـون حـيـطـانـاً تـسـتـر أنـاسـاً يـنـامـون خـلـفـهـا. وتـحـيـط بـالـمـديـنـة في أسـفـل الـمـرتـفـع أسـوار مـحـصّـنـة”.

“وعـنـدمـا أبـصـرت بـعـش الـنّـسـور هـذا خـفـت أن لا أجـد فـيـه مـكـانـاً أقـضي فـيـه الـلـيـل، فـراونـدوز أكـثـر الـمـدن الّـتي رأيـتـهـا في حـيـاتي فـقـراً وبـؤسـاً”. ولـكـنّـهـا حـمـلـت رسـالـة كـان قـد كـتـبـهـا كـرسـتـيـان رسّـام لـبـائـع في الـسّـوق وجـدت عـنـده سـكـنـاً وأطـعـمـهـا خـبـزاً وجـبـنـة وبـطـيـخـاُ.

ومـن راونـدوز أكـمـلـت إيـدا فـايـفـر سـفـرتـهـا إلى بـلاد فـارس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  أتـمـنى أن أسـتـطـيـع نـشـر تـرجـمـة الـمـقـاطـع الّـتي تـتـكـلّـم فـيـهـا إيـدا فـايـفـر عـن الـعـراق بـكـامـلـهـا في كـتـاب مـع نـصـوص أخـرى إذا مـا وجـدت نـاشـراً يـقـبـل بـنـشـرهـا. ويـمـكـن لـقـرائي أن يـقـرأوا الـنّـصّ في تـرجـمـة إنـكـلـيـزيـة صـدرت عـام 1852 :

A Woman’s Journey Round the World from Vienna to Brazil, Chili, Tahiti, China, Hindoustan, Persia, and Asia Minor, London 1852.

Pfeiffer

(2) وتـقـصـد بـه خـان مـرجـان الـمـعـروف بـخـان الأورتـمـة.

(3) لا يـنـبـغي عـلـيـنـا أن نـنـسى أنّ كـلـمـة  زُقـاق الـعـربـيـة جـاءت مـن الـكـلـمـة الأكّـديـة  سـوقـاقُ الّـتي كـانـت تـدلّ، في بـابـل مـثـلاً، عـلى درب لا مـنـفـذ لـه في الـسّـوق (سـوقُ بـالأكّـديـة) كـانـت فـيـه مـحـتـرفـات الـصّـنـاع والـحـرفـيـيـن والّـتي كـانـوا يـبـيـعـون إنـتـاجـاتـهـم فـيـهـا، فـكـلـمـة  سُـقـاقُ كـانـت إذن في الأصـل صـيـغـة تـصـغـيـر لـكـلـمـة  سـوقُ، فـقـد كـان الـزّقـاق جـزءاً مـن الـسّـوق.

(4) جـاءت هـذه الـفـكـرة الـغـريـبـة مـن أنّ الرحـالـة الـغـربـيـيـن اعـتـقـدوا لـمـدة قـرون أنّ عـقـرقـوف كـانـت بـابـل وأنّ زقّـورتـهـا كـانـت بـرج بـابـل، وكـانـوا يـعـتـقـدون أنّ بـغـداد “بـابـل الـجـديـدة” الّـتي بـنـيـت بـطـابـوق “بـابـل الـقـديـمـة”.

(5) قـرأت في عـدّة مـقـالات مـن يـدّعي أنّ الـشّـاي أدخـلـه الإنـكـلـيـز إلى بـغـداد بـعـد عـام 1917، وإلـيـهـم يـرجـع إدمـان الـعـراقـيـيـن عـلى الـشّـاي، ونـرى هـنـا أنّ إيـدا فـايـفـر لاحـظـت هـذا الإدمـان عـام 1848 !

(6) والـمـقـصـود بـه : “حـبّـة بـغـداد”.

(7) الـمـقـصـود بـه هـنـا هـو الـتّـاجـر الـمـجـري أنـطـون زفـوبـودا (1796ــ 1878) الّـذي وصـل إلى بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وإقـام فـيـهـا لـمـمـارسـة الـتّـجـارة وفـيـهـا تـزوّج وإنـجـب أطـفـالـه. ومـن أشـهـر أبـنـائـه إسـكـنـدر سـانـدور الـرّسّـام وجـوزيـف مـاتـيـا الّـذي عـمـل عـلى بـواخـر شـركـة الإخـوة لِـنـتـش (لـنـج). وقـد تـوفي الـمـعـمـاري هـنـري إسـكـنـدر لـويـس زفـوبـودا، آخـر أفـراد هـذه الـعـائـلـة في بـغـداد عـام 2005.

أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق (3) :

ومقالي : http://almilwana.blogspot.fr/2015/04/3-1.html

(8) شـقـيـق عـالـم الآثـار هـرمـزد رسـام الّـذي شـارك في تـنـقـيـبـات الإنـكـلـيـزي هـنـري أوسـتـن لًـيـارد.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

رسـوم فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر عـن الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـدأت الـرّسـوم الأثـريـة تـظـهـر في مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر لـيـعـتـمـد عـلـيـهـا في تـنـفـيـذ الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـمـحـفـورة عـلى الـخـشـب أو الـمـعـدن) والّـتي كـانـت تـوضـع كـصـور تـوضـيـحـيـة في كـتـب عـلـم الآثـار وخـاصـة تـلـك الّـتي تـحـتـوي عـلى نـتـائـج حـمـلات الـتّـنـقـيـبـات.

فـبـعـد أن اكـتـشـف الـفـرنـسي بـول إمـيـل بـوتـا  Paul Emile BOTTA عـام 1843 في قـريـة خـورسـبـاد، عـلى الـضّـفـة الـشّـرقـيـة مـن دجـلـة، مـقـابـل مـديـنـة الـمـوصـل،  قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شـروكـيـن)، أرسـلـت لـه الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان  Eugène FLANDIN  لـيـرسـم لـه اكـتـشـافـاتـه الأثـريـة في أمـاكـنـهـا. (1)

وقـد قـام الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد  Austen Henry LAYARD  بـحـفـريـات في عـاصـمـتـيـن مـن عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة : نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح الـقـديـمـة)، وتـلّ قـويـنـجـق (في مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوي الـقـديـمـة) بـيـن عـامي 1845 و 1851.

وكـان لَـيـارد رسّـامـاً مـاهـراً نـفّـذ تـخـطـيـطـات كـثـيـرة لـلـمـنـحـوتـات وخـاصـة الـقـلـيـلـة الـبـروز الّـتي وجـدهـا خـلال تـنـقـيـبـاتـه في زمـن كـان الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي مـا يـزال في بـدايـاتـه وكـانـت آلاتـه ضـخـمـة صـعـبـة الإسـتـعـمـال.

Layard 2

وقـد أرسـلـت لـه مـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحـف الـبـريـطـاني                            The Trustees of the British Museum إبـتـداءً مـن عـام 1849 عـدداً مـن الـرّسّـامـيـن لـيـسـاعـدوه في مـهـمـتـه. وكـان مـن بـيـنـهـم فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر  Frederick Charles COOPER الّـذي سـاعـد لَـيـارد في حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الأثـريـة الـثّـانـيـة في 1849ــ1850 في نـمـرود ونـيـنـوى وفي مـواقـع أخـرى.

مدخل قصر نمرود كوبر

ولـم أجـد الـكـثـيـر عـن فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر قـبـل وصـولـه إلى شـمـال الـعـراق مـا عـدا أنّـه كـان قـد ولـد سـنـة 1810، أي أنّـه كـان في الـتّـاسـعـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره عـنـدمـا جـاء إلى الـمـوصـل.

ولـم يـكـتـفِ كـوبـر بـرسـم الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز والـقـطـع الأخـرى الّـتي أزيـح عـنـهـا الـتّـراب بـل رسـم تـخـطـيـطـات بـأقـلام مـتـنـوّعـة ورسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة لـمـشـاهـد مـن مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات، ولـلـنّـاس في الـمـنـاطـق الـتّي زارهـا خـلال إقـامـتـه في شـمـال الـعـراق وشـمـال شـرق سـوريـا ولـمـنـاظـرهـا الـطّـبـيـعـيـة.

وقـد وضـعـت في كـتـاب أوسـتـن هـنـري لَـيـارد “مـعـالـم نـيـنـوى  Monuments of Nineveh” الّـذي احـتـوى عـلى نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات (1848) وكـذلـك “الـمـجـمـوعـة الـثّـانـيـة مـن مـعـالـم نـيـنـوى” (1853) مـجـمـوعـة مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة عـلى الـحـجـر (لـيـثـوغـراف) أو الـغـرافـيـكـيـة (الـمـحـفـورة عـلى الـخـشـب أو عـلى الـمـعـدن) والّـتي اعـتـمـدت عـلى تـخـطـيـطـات نـفّـذهـا  فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر في مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات.

وعـنـدمـا صـدرت الـطّـبـعـات الـشّـعـبـيـة مـن كـتـاب لَـيـارد ابـتـداءً مـن عـام 1853 واسـتـمـرت إلى نـهـايـة الـقـرن، والّـتي ضـمـت إلى جـانـب الإكـتـشـافـات الأثـريـة في مـوقـعي نـمـرود ونـيـنـوى سـرد رحـلاتـه ومـغـامـراتـه في الـشّـرق، أضـيـف إلى الـتّـخـطـيـطـات الأصـلـيـة أعـمـال لـيـثـوغـراف وغـرافـيـك مـلـوّنـة تـعـتـمـد عـلى رسـوم فـردريـك كـوبـر بـالألـوان الـمـائـيـة، والّـتي تـصـوّر مـشـاهـد حـيّـة لـلـتّـنـقـيـبـات بـكـلّ مـراحـلـهـا : مـن الـحـفـريـات إلى نـقـل الـقـطـع الأثـريـة وخـاصـة الـضّـخـمـة الأحـجـام مـثـل الـثّـيـران الـمـجـنـحـة عـلى الـعـربـات إلى ضـفـة دجـلـة ثـمّ تـحـمـيـلـهـا عـلى الأكـلاك لـتـنـزل الـنّـهـر نـحـو الـبـصـرة.

قصر آشور ناصربال نمرود

Cooper 9

رسم مائي كوبركوبر

وقـد كـانـت الـتّـنـقـيـبـات في زمـن لَـيـارد ومـعـاصـريـه في مـرحـلـة طـفـولـتـهـا، لـم تـصـل بـعـد إلى الـدّقّـة الـعـلـمـيـة الّـتي وصـلـت إلـيـهـا بـعـد ذلـك، ولـم يـكـن لـحـفـريـات لَـيـارد تـخـطـيـط مـنـظّـم، بـل كـان يـحـفـر في أمـاكـن مـن الـمـوقـع يـخـمّـن فـيـهـا الـعـثـور عـلى مـنـحـوتـات ضـخـمـة أو بـقـايـا تـشـيـيـدات مـهـمّـة.

وتـريـنـا رسـوم فـردريـك كـوبـر كـيـف كـان لَـيـارد يـحـفـر أنـفـاقـاً تـحـت الأرض لـيـصـل إلى الـقـطـع الأثـريـة مـن غـيـر اهـتـمـام بـتـخـريـب أجـزاء مـن الـمـوقـع.

cooper 12

cooper 13

كوبر 5

تـحـمـيـل ثـور مـجـنـح عـلى كـلـك :

وكـان هـذا الـرّسـم بـالألـوان الـمـائـيـة يـنـسـب إلى لَـيـارد قـبـل أن يـظـهـر أنّـه عـمـل فـنّي نـفّـذه فـردريـك كـوبـر. وقـد وضـعـه لَـيـارد في الـفـصـل الـثّـامـن مـن طـبـعـة 1849 لـكـتـابـه نـيـنـوى وآثـارهـا Nineveh and Its Remains.

Cooper 8

ويـذكـر لَـيـارد في هـذا الـفـصـل مـن كـتـابـه أنّ الـثّـور الـمـجـنـح  حـمّـل في مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود عـلى كـلـك في 22 نـيـسـان 1847، وانـحـدر عـلى مـيـاه دجـلـة إلى الـبـصـرة. وحـمّـل عـنـد وصـولـه إلى الـبـصـرة عـلى سـفـيـنـة نـقـلـتـه إلى الـهـنـد ثـمّ دارت حـول أفـريـقـيـا قـبـل أن تـبـلـغ لـنـدن.

ورغـم أن كـوبـر لـم يـكـن في الـعـراق في تـلـك الـفـتـرة، ولـم يـصـل إلى نـمـرود إلّا في عـام 1849، فـهـو قـد رسـم في هـذا الـعـام مـشـهـد تـحـمـيـل ثـور مـجـنـح آخـر عـلى كـلـك، ولـهـذا وضـعـه لَـيـارد في حـديـثـه عـن تـحـمـيـل ثـور عـام 1847

وقـد سـقـط فـردريـك كـوبـر مـريـضـاً عـام 1850، فـتـرك مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات، ثـمّ عـاد إلى إنـكـلـتـرة.  وحـلّ تـومـاس س. بـيـل Thomas S. Bell مـحـلّـه، ولـكـنّ بـيـل مـات غـرقـاً في دجـلـة بـعـد سـتّـة أسـابـيـع مـن بـدايـة عـمـلـه مـع لَـيـارد.

ويـبـدو أنّ لَـيـارد لـم يـكـن راضـيـاً عـن رسـوم فـردريـك كـوبـر الّـتي كـان يـعـتـبـرهـا قـلـيـلـة الـدّقّـة، وكـان يـنـتـقـد كـوبـر لأنّـه لـم يـتـوصـل إلى فـهـم أعـمـاق روح الـفـنّ الآشـوري، وكـان يـخـاف عـنـدمـا عـاد كـوبـر إلى إنـكـلـتـرة بـعـد مـرضـه أن يـسـتـعـمـل مـا رآه ومـا رسـمـه في مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات مـن غـيـر أن يـأذن لـه بـذلـك.

ويـمـتـلـك قـسـم آثـار غـرب آسـيـا في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني رسـومـاً لـكـوبـر قـام بـهـا خـلال تـنـقـيـبـات نـيـنـوى ونـمـرود.

وقـد نـفّـذ فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر خـلال رحـلـتـه إلى الـشّـرق وإقـامـتـه في شـمـال الـعـراق وشـمـال شـرق سـوريـا، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، عـدداً كـبـيـراً مـن الـرسـوم والـلـوحـات بـالألـوان الـمـائـيـة، مـا زال أغـلـبـهـا في مـجـمـوعـة Searight في مـتـحـف  فـكـتـوريـا وألـبـرتVictoria and Albert Museum   في لـنـدن.

وقـد عـرض كـوبـر في عـامي 1852 و 1860 في الأكـاديـمـيـة الـمـلـكـيـة لـوحـتـيـن مـمـا رسـمـه خـلال حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات، كـمـا عـرض عـام 1866 لـوحـة “بـنـت الـبـاشـا  The Pasha’s Daughter”.

تـوفي فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر سـنـة 1880.

 

تـخـطـيـطـات ورسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة :

نـفّـذ فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر خـلال إقـامـتـه أو في سـفـراتـه  في شـمـال الـعـراق وشـمـال شـرق سـوريـا عـدداً كـبـيـراً مـن الـرسـوم والـلـوحـات بـالألـوان الـمـائـيـة، مـا زال أغـلـبـهـا في مـجـمـوعـة Searight   في مـتـحـف فـكـتـوريـا وألـبـرت      Victoria and Albert Museum   في لـنـدن، يـمـكـن رؤيـتـهـا في قـسـم الـرّسـوم والـمـطـبـوعـات Prints & Drawings Study Room :

خـيـام أعـراب عـلى الـخـابـور، 20×35,6 سـم. 1850 :

مضارب عرب كوبر

تـلّ قـويـنـجـق (نـيـنـوى) :

قوينجق كوبر

نـيـنـوى (رسـمـت مـن شـمـال الـشّـرق) 1849 :

نينوى كوبر 1849

يـزيـديـة مـن سـنـجـار، تـخـطـيـط عـلى ورق 1850:

يزيدية في سندار

كـمـا اشـتـرى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن 28 رسـمـاً لـفـردريـك كـوبـر لـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى صـور لـهـا.

وقـد وجـدت صـوراً لـرسـوم أخـرى :

الـمـوصـل كـمـا نـراهـا مـن ضـفـة دجـلـة الـشّـرقـيـة، رسـم بـالـحـبـر عـلى ورق :

Cooper

مـحـمـد أمـيـن، شـيـخ الـجـبـور :

F.c. Cooper (2)

رسـم كـتـب كـوبـر تـحـتـه :

“Suttini, sheikh of a bedao tribe called the Borege », سُـطـيـني، شـيـخ عـشـيـرة بـدو تـدعى بـو ريـج ؟ :

H0533-L05626503 (2)

وأعـداد أخـرى مـن رسـوم لـنـسـاء ورجـال ومـنـاظـر طـبـيـعـيـة :

Cooper 6 (5)F.c. CooperF.c. Cooper (4)Cooper 7 (4)H0533-L05626503 (3)كوبر 2Cooper 6 (2)Cooper 6 (3)Cooper 6 (4)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

 

 

 

رحـلـة هـنـري سـتـيـرن إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وجـدت بـالـصّـدفـة كـتـاب الـمـبـشـر هـنـري هـرون سـتـيـرن الّـذي نـشـره في لـنـدن عـام 1854  تـحـت عـنـوان : “إنـبـثـاق الـنّـور في الـشّـرق”. (1)

وبـعـد أن قـرأتـه أدركـت أنّ الـكـتـاب لا يـسـتـحـق أن يـتـرجـم بـكـامـلـه، ويـمـكـن الإكـتـفـاء بـتـرجـمـة مـقـاطـع تـهـمّـنـا مـنـه والّـتي يـتـكـلّـم فـيـهـا عـن الـعـراق، وبـنـشـر الأعـمـال الـطـبـاعـيـة الّـتي وضـعـت فـيـه والّـتي نـفّـذت عـن رسـوم خـطـطـت بـعـضـهـا زوجـة الـمـؤلـف الّـتي صـاحـبـتـه في بـعـض زيـارتـه، إلى الـحـلّـة وبـابـل مـثـلاً، وهـذا مـا سـأقـتـرحـه عـلـيـكـم.

ولـنـبـدأ بـالـكـلام عـن هـنـري سـتـيـرن هـذا لـيـسـتـطـيـع الـقـرّاء الأعـزّاء أن يـقـيّـمـوا مـا ذكـره في كـتـابـه :

وقـد ولـد هـنـري هـرون سـتـيـرن (يـلـفـظ اسـمـه شـتـيـرن بـالـلـغـة الألـمـانـيـة) في مـديـنـة قـريـبـة مـن فـرانـكـفـورت في ألـمـانـيـا سـنـة 1820. وكـان والـداه يـهـوديـيـن.

وارتـاد الـمـدرسـة في فـرانـكـفـورت، ثـمّ أرسـلـه أبـوه عـنـدمـا بـلـغ الـسّـابـعـة عـشـرة مـن عـمـره إلى مـديـنـة هـامـبـورغ لـيـمـارس الـتّـجـارة. وتـرك بـعـد عـامـيـن هـامـبـورغ إلى لـنـدن، في إنـكـلـتـرة، عـنـدمـا حـصـل عـلى عـمـل في شـركـة فـيـهـا. ولـكـنّ الـشّـركـة أفـلـسـت، وبـقي هـنـري هـرون عـاطـلاً يـتـسـكـع في الـشّـوارع إلى أن الـتـقى بـرجـل ديـن أقـنـعـه بـاعـتـنـاق الـمـذهـب الأنـكـلـيـكي (2) عـام 1840.

وقـد سـاعـدتـه جـمـاعـتـه الـجـديـدة في تـعـلّـم مـهـنـة الـطّـبـاعـة والـمـتـاجـرة فـيـهـا، ولـكـنّـه قـرر عـام 1842، وكـان في الـثّـانـيـة والـعـشـريـن مـن عـمـره أنّ يـكـرّس نـفـسـه لـلـتّـبـشـيـر بـيـن الـيـهـود لـيـدعـوهـم لاعـتـنـاق الـمـذهـب الأنـكـلـيـكي.

وانـضـمّ إلى الـجـمـعـيـة الـلـنـدنـيـة لـنـشـر الـدّيـن الـمـسـيـحي بـيـن الـيـهـود  The London Society for Promoting Christianity amongst the Jews. وهـكـذا أصـبـح : الـمـوقّـر هـنـري هـرون سـتـيـرن  Reverand Henry Aaron Stern.

وقـد أرسـلـتـه الـجـمـعـيـة الـلـنـدنـيـة إلى الـقـدس عـام 1844، ومـنـهـا سـافـر إلى الـعـراق عـام 1846 ثـمّ في عـام 1848. وفي أواخـر عـام 1849 عـاد إلى لـنـدن الّـتي بـقي فـيـهـا فـتـرة قـصـيـرة، ثـمّ غـادرهـا مـن جـديـد إلى بـغـداد في حـزيـران 1850.

وبـقي في بـغـداد ثـلاث سـنـوات، مـن 1950 إلى 1953 . وقـد سـافـر في تـلـك الـسّـنـوات في الـخـلـيـج وفي بـعـض مـدن سـاحـل جـزيـرة الـعـرب الـشّـرقي وفي بـلاد الـفـرس، قـبـل أن يُـنـقـل إلى إسـطـنـبـول الّـتي أقـام فـيـهـا مـن 1853 إلى 1859. وهـو مـا يـتـكـلّـم عـنـه في كـتـابـه الّـذي سـأعـرضـه عـلـيـكـم.

وأرسـلـتـه الـجـمـعـيـة الـلـنـدنـيـة بـعـد ذلـك لـلـتّـبـشـيـر في الـحـبـشـة الّـتي وصـلـهـا عـام 1860 وأقـام فـيـهـا حـتّى 1882. وقـد عـاد بـعـد ذلـك إلى لـنـدن الّـتي تـوفي فـيـهـا سـنـة 1885.

كـتـاب هـنـري سـتـيـرن :

ستيرن 2

يـقـول سـتـيـرن في مـقـدمـتـه الّـتي كـتـبـهـا في بـغـداد في الـرّابـع مـن شـبـاط عـام 1853 : “وبـيـنـمـا كـنـت أتـابـع جـهـودي بـيـن أقـوام الله الـقـديـمـة  [أي بـيـن الـيـهـود]  الّـذيـن أتـوجـه إلـيـهـم خـاصـة : أعـظـهـم بـالـتّـوبـة وبـالإيـمـان بـسـيـدنـا الـمـسـيـح، فـلـم أهـمـل الـتّـوجـه لـلآخـريـن. وأغـتـنـم كـلّ فـرصـة تـتـاح لي لأُشـرح لـلأرمـني ولـلـمـحـمّـدي (أي الـمـسـلـم) ولـلـبـابـوي (أي الـكـاثـولـيـكي) ولـمـن نـسـمـيـه بـالـبـروتـسـتـانـتي مـن هـو الـرّب [الـحـق] الّـذي هـو “الـسّـراط الـمـسـتـقـيـم والـحـقـيـقـة والـحـيـاة”.

وهـو يـعـتـذر في الـمـقـدمـة عـن قـلّـة تـشـويـق سـرده وركـاكـة أسـلـوبـه لـقـلّـة الـوقـت الّـذي كـان لـه في بـغـداد عـنـدمـا ألّـف كـتـابـه ولـشـدة حـرارة الـجـو الّـتي لـم تـسـمـح لـه بـتـهـذيـبـه.

ويـبـدأ الـكـتـاب بـرحـلـتـه الأولى عـام 1846 مـن دمـشـق إلى بـغـداد مـع قـافـلـة عـبـر الـبـاديـة الّـتي أحـسّ بـمـنـافـعـهـا عـلـيـه وتـكـلّـم عـن قـسـوة حـادي الـجـمـال والـجـهـود الّـتي بـذلـهـا لإنـقـاذ تـركي مـسـكـيـن، وعـن رغـبـتـه بـزيـارة آثـار مـديـنـة تـدمـر وخـيـبـة أمـلـه، وكـيـف تـرك جـمـالـه الـمـنـهـكـة، وعـن هـبـوب ريـاح الـسّـمـوم وعـن سـبـاحـتـه في مـيـاه الـفـرات عـنـدمـا وصـلـوا إلـيـه  :

“وفي الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة صـبـاحـاً وصـلـنـا إلى هـيـت.  وهي مـديـنـة صـغـيـرة عـلى ضـفـة الـفـرات. ونـزلـنـا قـرب الـنّـهـر … وبـيـنـمـا كـان الـكـلّ مـنـهـمـكـاً في الإسـتـعـداد لـعـبـور الـنّـهـر إغـتـنـمـت الـفـرصـة واغـتـسـلـت في مـاء هـذا الـنّـهـر الـنّـبـيـل”.

“وعـبـرنـا مـاء الـفـرات الـمـشـبـع بـالأوحـال ودخـلـنـا إلى هـيـت. وهي مـديـنـة Is الـقـديـمـة الّـتي ذكـر هـيـرودوت أنّـهـا كـانـت تـنـتـج بـعـض مـا كـانـت تـحـتـاجـه مـديـنـة نـبـوخـذ نـصـر [أي بـابـل]. والـمـديـنـة الآن خـلـيـط حـقـيـر مـن أكـواخ ومـسـاكـن لا أشـكـال واضـحـة لـهـا، لا يـكـاد الـمـرء يـبـصـر بـيـنـهـا بـالـطّـرقـات “.  ووجـد صـائـغ فـضـة يـهـودي قـاده عـنـد حـاخـام جـالـيـتـه. وبـقي في هـيـت عـدّة أيّـام، قـبـل أن تـكـمـل الـقـافـلـة طـريـقـهـا نـحـو بـغـداد.

ويـتـكـلّـم في الـفـصـل الـثّـاني عـن بـغـداد الّـتي وصـلـهـا في الـثّـامـن عـشـر مـن شـهـر تـشـريـن الأوّل، وتـبـدو مـعـرفـتـه بـالـتّـاريـخ مـحـدودة فـهـو يـسـمي الـخـلـيـفـة الـمـنـصـور بـ  Almans-am، ويـجـعـل مـن عـام 760 تـاريـخـاً لـتـشـيـيـد بـغـداد.

وقـد كـتـب : “عـنـدمـا أبـصـرت بـبـغـداد ورأيـت غـابـات نـخـيـل واسـعـة في وسـطـهـا هـنـا وهـنـاك مـجـمـوعـات دور ومـنـائـر مـزجـجـة الـزّرقـة تـرتـفـع نـحـو الـسّـمـاء وجـدتـهـا شـديـدة الـتّـأثـيـر عـلى الـنـفـس مـلـيـئـة بـالـهـيـبـة”. ولـكـنّـه غـيـر رأيـه عـنـدمـا اقـتـرب مـنـهـا ودخـل : “دروبـهـا الـضّـيـقـة الـقـذرة الّـتي يـوصـل الـواحـد مـنـهـا إلى الآخـر”، “فـلا تـبـصـر عـيـنـاي إلّا بـمـشـاهـد تـدعـو لـلإشـمـئـزاز لأطـفـال يـبـدون هـيـاكـل عـاريـة يـتـقـافـزون ويـتـمـرغـون في أتـربـة الـطّـرقـات ولـرجـال كـسـالى خـامـلـيـن يـدخـنـون مـسـتـلـقـيـن تـحـت طـارمـات مـهـتـرئـة هي مـقـاهـيـهـم”.

وكـتـب عـن أسـواقـهـا : “وأهـمّ مـا يـجـذب الإنـظـار ويـسـحـرهـا في كـلّ مـدن الـشّـرق هي أسـواقـهـا. وأسـواق بـغـداد أشـدهـا عـجـبـاً، فـنـحـن نـرى فـيـهـا أنـاسـاً مـن كـلّ الأنـواع والأجـنـاس ومـن كـلّ أرجـاء الـدّنـيـا، مـن سـور الـصّـيـن الـعـظـيـم إلى ضـفـاف الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسـط : الـتّـركي الـمـتـغـطـرس والـعـربي الـرّزيـن والـبـدوي الـسّـلاب الـنّـهّـاب والـكـردي الـمـفـتـرس والـفـارسي الـمـبـتـهـج والـيـهـودي الـمـغـتـم والـمـسـيـحي الـمـتـعـقـل والـهـنـدي الـوقـور والأفـريـقي الـمـكـشـر الإبـتـسـام في وسـط صـيـاح وصـراخ بـكـلّ الـلـغـات والـلـهـجـات”.

“وفي حـوالي الـسّـاعـة الـثّـالـثـة بـعـد الـظّـهـر يـعـود أغـلـب الـتّـجّـار إلى بـيـوتـهـم أو يـذهـبـون إلى الـمـقـاهي  coffee-shops أو إلى أمـاكـن الـلـهـو  beguile لـيـقـضـوا عـدّ سـاعـات في ظـلّ حـدائـق مـنـعـشـة”.

“وبـعـد ظـهـر يـوم الـجـمـعـة  Yom-i-Jumah تـتـوقـف كـلّ الأعـمـال، ويـذهـب الـتّـجـار الـمـحـمّـديـون إلى جـوامـعـهـم أو إلى حـريـمـهـم. أمّـا الـيـهـود فـيـعـدّون يـوم الـسّـبـت. ولـيـس في يـوم الـسّـبـت بـيـع ولا شـراء، لأنّ الـيـهـود الّـذيـن بـأيـديـهـم كـلّ تـجـارة بـغـداد ولـهـم كـلّ أربـاحـهـا لا يـذهـبـون إلى الـسّـوق ذلـك الـيـوم. وعـنـدمـا نـمـرّ بـالـسّـوق يـوم الـسّـبـت نـرى أغـلـب الـمـحـلّات مـغـلـقـة مـا عـدا الـمـطـاعـم والـمـخـابـز ودكـاكـيـن الـفـواكـه والـخـضـروات”.

“وأجـمـل مـا في بـغـداد، في ضـفـة دجـلـة الـشّـرقـيـة، الـصّـفـوف الـمـتـتـابـعـة مـن الـبـنـايـات الـضّـخـمـة الـمـتـيـنـة الـتّـشـيـيـد الّـتي تـتـخـلـلـهـا غـابـات أشـجـار الـفـواكـه والـنّـخـيـل. وتـحـاذي ضـفـتـه الـغـربـيـة غـابـات كـثّـة مـن الـنّـخـيـل وأشـجـار الـبـرتـقـال، نـجـد فـيـهـا هـنـا وهـنـاك بـعـض الأكـواخ”.

“ويـنـخـفـض مـسـتـوى مـيـاه دجـلـة في الـصّـيـف وتـسـيـل صـافـيـة شـفـافـة، ولـكـنّ أمـطـار الـشّـتـاء والـرّبـيـع وذوبـان ثـلـوج كـردسـتـان تـغـيّـر ألـوانـهـا وتـحـوّلـهـا إلى سـيـل هـادر وتـفـيـض إلى مـا حـولـهـا وتـغـرق الأراضي حـول الـنّـهـر. وقـد أغـرق فـيـضـانـا 1849 و1850 الـمـنـطـقـة بـكـامـلـهـا، ولـم يـسـتـطـع فـلّاحـو الـرّيـف ولا الـمـسـافـرون الـوصـول إلى الـمـديـنـة إلّا بـالـسّـفـن والـقـوارب”.

ويـنـتـقـد هـنـري سـتـيـرن الـحـكّـام الأتـراك. وكـان الـوالي الـعـثـمـاني في تـلـك الـفـتـرة مـحـمّـد نـجـيـب بـاشـا.

ويـتـكـلّـم عـن إهـمـال الـمـسـؤولـيـن لـلـنـظـافـة، وعـن الـمـسـتـوى الـمـنـخـفـض لـلـتّـعـلـيـم، فـلا يـتـلـقى الـطّـلاب في الـمـدارس إلّا تـعـلـيـمـاً ديـنـيـاً يـعـتـمـد عـلى الـحـفـظ عـن ظـهـر قـلـب، ولا يـدرسـون لا الـرّيـاضـيـات ولا الـهـنـدسـة ولا الـفـيـزيـاء ولا عـلـم الـفـلـك الّـتي كـانـت مـزدهـرة في زمـن الـخـلـفـاء. ويـرى أنّ رجـال الـدّيـن كـانـوا يـجـتهـدون في إبـقـاء الـنّـاس في جـهـلـهـم وفي اعـتـقـاداتـهـم بـالـغـيـبـيـات.

ثـمّ يـتـكـلّـم عـن أضـرار تـعـدد الـزّوجـات وعـن حـالـة الـنّـسـاء الـمـزريـة وعـن مـسـاكـن الأغـنـيـاء والـفـقـراء وسـوء طـقـس بـغـداد :

“ومـن أيّـار إلى تـشـريـن الـثّـاني يـصـبـح كـلّ جـهـد يـبـذلـه الإنـسـان عـذابـاً مـا بـعـده عـذاب، ويـنـزل أغـلـب سـكـان بـغـداد إلى الـسّـراديـب  surdaubs تـحـت الأرض لـيـتّـقـوا لـهـب أشـعـة الـشّـمـس، مـع أنـني غـالـبـاً مـا رأيـت الـثـرمـومـتـر يـشـيـر إلى مـا بـيـن 98 و °102 (أي بـيـن حـوالي 37 و 39  درجـة مـئـويـة) حـتّى في هـذه الأقـبـيـة الـمـعـقـودة الـسّـقـوف”.

“ويـصـعـدون في الـلـيـل عـلى الـسّـطـوح لـيـتـنـفـسـوا الـهـواء الـسّـاخـن ويـدخّـنـوا غـلايـيـنـهـم ويـرتـشـفـوا فـنـاجـيـن قـهـوة”. “وحـول كـلّ سـطـح حـيـطـان لـتـسـتـر أهـل الـبـيـت مـن الأنـظـار، وإن كـنّـا لا نـجـد هـذا دائـمـاً في بـيـوت الـمـسـيـحـيـيـن. ويـنـام بـعـضـهـم عـلى حـصـران وبـعـضـهـم عـلى مـطـارح، وقـلـيـل مـنـهـم فـقـط عـلى أسـرّة”.

“وتـبـدأ الـحـرارة بـالإنـخـفـاض في حـوالي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني لـيـقـتـرب الـخـريـف بـزوابـعـه وعـواصـفـه وتـخـتـفي زرقـة الـسّـمـاء الـصّـافـيـة وتـتـجـهـم وراء مـسـحـات ضـبـاب، وتـتـسـاقـط مـن حـيـن إلى حـيـن بـعـض قـطـرات الـمـطـر […] وتـهـطـل الأمـطـار سـيـولاً تـنـفـتـق عـنـهـا الـسّـمـاء في أواخـر كـانـون الأوّل ويـتـحـوّل الـتّـراب وحـولاً تـعـصـف بـهـا الـرّيـاح، وتـخـرج في خـلال أسـبـوعـيـن مـن الأرض الّـتي احـتـرقـت شـهـوراً قـبـل ذلـك خـضـرة مـدهـشـة تـغـطي أغـلـب الأمـاكـن”.

“وتـعـود لأشـعـة الـشّـمـس في شـبـاط بـعـض حـيـويـتـهـا وتـنـفـث دفـئـاً في أعـراق الأشـجـار الـمـشـتّـيـة، وتـبـث حـيـاة جـديـدة في الـنّـخـيـل وفي أشـجـار الـتّـيـن ويـمـتـلئ الـهـواء روائـح زكـيـة تـفـوح مـن الـبـسـاتـيـن الـمـتـكـاثـفـة الأغـصـان عـلى ضـفـاف دجـلـة. ورغـم ثـراء أراضـيـه وخـصـوبــتـهـا فـمـا زال الـبـلـد يـعـاني مـن فـقـر مـدقـع، ومـا زال يـفـقـد مـن أهـمـيـتـه يـومـاً بـعـد يـوم”.

ويـعـود هـنـري سـتـيـرن مـن جـديـد إلى الـكـلام عـن سـوء حـكـم الـوالي. ويـتـكـلّـم في الـفـصـل الـثّـالـث عـن سـكّـان بـغـداد “الّـذيـن كـان عـددهـم قـد بـلـغ في أيّـام مـجـد الـمـديـنـة إلى مـلـيـون شـخـص”. والّـذيـن “أصـبـحـت أعـدادهـم حـسـب آخـر الإحـصـائـيـات إلى 40 ألـف مـحـمّـدي و 1500 مـسـيـحي و 16 ألـف يـهـودي”.

“وهـؤلاء الـيـهـود هـم الّـذيـن يـمـتـلـكـون تـجـارة الـمـديـنـة وثـرائـهـا، ولـهـم مـخـازن مـلـيـئـة في كـلّ سـوق وأغـلـب مـا تـنـقـلـه الـقـوافـل سـلـعـهـم وبـضـائـعـهـم. وهـم الّـذيـن يـتـحـكّـمـون بـالـمـبـادلات الـتّـجـاريـة وإبـدال الأمـوال حـكـر لـهـم”، و”لـهـم [في بـغـداد] ثـلاثـة مـعـابـد كـبـيـرة وسـتّـة صـغـيـرة، والـكـبـيـرة مـنـهـا يـمـكـنـهـا اسـتـقـبـال ألـفي مـصـلّي، أمّـا الـصـغـيـرة فـبـيـن 100 و 600”.

ثـمّ يـنـتـقـد الـمـبـشـر هـنـري سـتـيـرن تـعـصـب حـاخـامـات الـيـهـود الّـذيـن جـاء، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا مـشـروعـه : “لـيـخـرجـهـم مـن ظـلام الـيـهـوديـة ويـدخـلـهـم في نـور الـمـذهـب الأنـكـلـيـكي”.

ويـسـهـب الـكـلام عـن سـوء تـصـرفـات حـاخـامـات الـيـهـود وعـن مـدارس الـيّـهـود لـلأطـفـال الّـتي تـعـلّـمـهـم مـسـاوئ الأخـلاق، وعـن احـتـقـارهـم لـجـهـود الـمـبـشـريـن.

ويـغـادر في الـفـصـل الـرّابـع بـغـداد لـيـزور بـابـل، ويـتـنـاول فـطـوره في الـضّـواحي قـرب قـبـر زمـرد خـاتـون الّـذي كـان الـبـغـداديـون يـسـمـونـه قـبـر الـسّـتّ زبـيـدة، ويـكـتـبـه هـنـري سـتـيـرن : Tomb of Sid Zobeida.

ثـمّ يـسـيـر مـع مـرافـقـيـه طـيـلـة الـنّـهـار وسـط “سـهـل بـابـل” : “الّـذي كـانـت تـغـطـيـه في الـمـاضي مـدن وبـلـدان مـعـمـورة مـا زالـت تـدلّ عـلـيـهـا تـلال وأكـوام طـابـوق وفـخـار وآثـار مـتـنـوعـة نـجـدهـا عـلى كـلّ أنـحـاء أرضـه”.

وقـد تـوقّـفـوا لـلـمـبـيـت في خـان “بـئـر الـنّـصـف  Bir-unusef”  الّـذي يـذكـر هـنـري سـتـيـرن أنّ اسـمـه أطـلـق عـلـيـه لأنّـه يـقـع في نـصـف الـطّـريـق بـيـن بـغـداد وبـابـل. وأكـمـلـوا طـريـقـهـم في الـيـوم الـتّـالي قـبـل طـلـوع الـفـجـر : “وكـانـت الـريـح قـارسـة الـبـرودة ارتـعـشـنـا مـنـهـا وارتـجـفـنـا في مـلابـسـنـا الـصّـيـفـيـة الـخـفـيـفـة”. “ولـكـن مـا أن ارتـفـعـت الـشّـمـس في الـسّـمـاء حـتّى اشـتـدت الـحـرارة وصـارت لا تـطـاق”.

ووصـلـوا في الـعـصـر asser إلى بـابـل الّـتي تـحـقـقـت فـيـهـا “لـعـنـة الـرّب”!  وأخـرج نـسـخـة الـتّـوراة الّـتي كـان يـحـمـلـهـا مـعـه لـيـقـرأ فـيـهـا عـن “تـخـريـب الـرّب لـبـابـل تـخـريـبـاً تـامّـاً فـلـم يُـبـقِ مـنـهـا أثـراً”، ولـهـذا لـم يـتـوقـف لـيـتـفـحـص آثـارهـا الـمـمـتـدة أمـام عـيـنـيـه حـتّى الـطـريـق الـمـؤدّيـة إلى الـحـلّـة. ثـمّ ذهـب لـيـزور الـجـالـيـة الـيـهـوديـة في مـعـبـدهـم لـيـنـاقـشـهـم ويـدعـوهـم لـتـرك ديـنـهـم واعـتـنـاق الـمـذهـب الأنـكـلـيـكي.

ولـكـنّـه يـعـود لـيـتـكـلّـم عـن “قـصـر نـبـوخـذ نـصـر” :

“وعـلى بـعـد حـوالي كـيـلـو مـتـر ونـصـف مـن الـمـقـلـب  Mujellibe، عـلى سـهـل مـمـتـد تـقـطـعـه قـنـوات خـربـة ومـسـتـنـقـعـات مـيـاه راكـدة

نـجـد الـقـصـر   the Kasr  الّـذي كـان مـن الـمـعـالـم الـعـظـيـمـة في مـا كـان بـابـل في الأزمـان الـقـديـمـة”. وأبـصـر “بـالـطـابـوق  الـمـحـطّـم والـقـرمـيـد الـمـزجـج ومـواد بـنـاء أخـرى تـراكـمـت تـلالاً”.

وكـتـب : “بـيـنـمـا كـنـت أتـمـعـن الـنـظـر في هـذه الـخـرائـب الـعـظـيـمـة رأيـت عـدّة فـلاحـيـن مـنـهـمـكـيـن بـمـسـاحـيـهـم بـإخـراج طـابـوق بـقي سـالـمـاً لـم يـتـكـسـر مـن بـيـن أكـوام الـتّـراب والـشّـظـايـا الـمـحـطّـمـة، يـحـمـلـونـه عـلى ظـهـور حـمـيـرهـم حـتّى ضـفـة الـنّـهـر ويـنـقـلـونـه عـلى مـركـب. والأمـر يـجـري عـلى هـذا الـمـنـوال مـنـذ قـرون طـويـلـة، ومـع ذلـك تـبـدو الـتّـلال كـمـا لـو لـم يـؤخـذ مـنـهـا شئ”.

“ونـزلـت جـنـوب الـقـصـر قـلـيـلاً إلى تـلّ الـعـمـران  el Amran،  عـلى بـعـد حـوالي مـائـة ذراع، ولأنّ الأمـطـار نـقـعـت الأرض فـقـد كـنـت أغـوص في كـلّ خـطـوة أخـطـوهـا إلى حـوالي ركـبـتَي، ثـمّ ارتـقـيـت الـتّـلّ لأدور بـأنـظـاري فـيـمـا حـولي”.

ستيرن 10

وتـرك هـنـري سـتـيـرن بـابـل مـع مـصـاحـبـيـه ووصـلـوا في الـظـهـيـرة إلى “كـفـل الـيـهـود Kiffel el Yehud” : “وقـد اسـتـضـافـنـا عـرب الـمـنـطـقـة، ولـكـنـنـا لـم نـسـتـطـع مـقـاومـة أسـراب الـحـشـرات والـهـوام الّـتي هـاجـمـتـنـا فـخـرجـنـا لـنـنـام في الـهـواء الـطّـلـق”.

وذهـب مـع مـرافـقـيـه في الـصّـبـاح لـيـزوروا ضـريـح حـزقـيـال. ثـمّ أجّـروا في الـمـسـاء مـركـبـاً وعـبـروا بـحـر الـنّـجـف  Baher el Nedgeff : “والـذّي تـكـوّن بـسـبـب تـحـطّـم الـسّـدود الّـتي كـانـت تـحـبـس مـيـاه الـفـرات”.

ستيرن 11

وعـنـد طـلـوع الـشّـمـس وصـلـوا إلى الـكـوفـة. ونـزل هـنـري سـتـيـرن مـن الـمـركـب لـيـزور آثـار الـمـديـنـة “الّـتي كـانـت مـشـهـورة فـيـمـا مـضى”.

وبـعـد أن تـنـاولـوا فـطـوراً مـن الـخـبـز والـحـلـيـب، إكـتـروا حـمـيـراً وأكـمـلـوا طـريـقـهـم إلى الـنّـجـف الّـتي يـسـمـيـهـا هـنـري سـتـيـرن “مـشـهـد عـلي  Meshed Ali” : “وكـان حـاكـم الـمـديـنـة أرنـؤوطـيـاً مـتـوحـش الـمـظـهـر احـتـفى بـاسـتـقـبـالـنـا. وكـان جـالـسـاً في حـجـرة صـغـيـرة وحـولـه أعـوانـه مـن الأتـراك والـفـرس والـعـرب وأنـواع أخـرى مـن أقـوام آسـيـا وشـعـوبـهـا، والّـذيـن كـانـوا يـتـبـارون فـيـمـا بـيـنـهـم بـمـن يـنـفـث دخـان تـبـغ أكـثـف مـن غـلـيـونـه لـيـمـلأ بـه الـمـكـان فـنـخـتـنـق بـه ! وقـد قـدّم لـنـا فـنـاجـيـن قـهـوة صـغـيـرة شـديـدة الـمـرارة”.

“وعـنـدمـا ودعـنـاه، أخـبـرنـا سـعـادتـه بـأنّـه سـيـسـتـدعى لـلـقـائـنـا كـلّ الـيـهـود الّـذيـن يـسـكـنـون الـمـديـنـة، ولـكـنّـه طـلـب مـنّـا أن لا نـتـدخـل في أمـور الـمـحـمـديـيـن”.

“ثـمّ شـقـقـنـا طـريـقـنـا بـيـن أكـوام الـبـشـر الـمـتـدافـعـة كـالـسّـيـول. وكـانـت الـطّـرقـات تـطـفـح بـالـزّوّار الـمـتـوجّـهـيـن إلى الـمـسـجـد أو الـعـائـديـن مـنـه. والـتـقـيـنـا في الـسّـوق بـبـعـض الـيـهـود الّـذيـن يـتـنـقـلّـون بـيـن مـشـهـد عـلي وبـغـداد، يـسـكـنـون هـنـا طـوراً وهـنـاك طـوراً آخـر. وعـرضـوا عـلـيـنـا آثـاراً بـابـلـيـة لـلـبـيـع …”.

وبـعـد انـتـهـاء مـهـمـتـه الـتّـبـشـيـريـة في الـنّـجـف عـاد هـنـري سـتـيـرن مـع مـرافـقـيـه إلى الـكـوفـة، ومـنـهـا أكـمـلـوا طـريـقـهـم عـائـديـن إلى بـابـل :

“وشـرعـنـا قـبـل فـجـر الـيـوم الـتّـالي في الـمـسـيـر. وبـعـد ثـلاث سـاعـات قـطـعـنـا فـيـهـا فـيـافي لـم نـلـتـق فـيـهـا بـأحـد، ولا شـكّ في أنّـهـا كـانـت في سـالـف الأزمـان تـعـجّ بـالـبـشـر الّـذيـن كـانـوا يـسـكـنـون بـابـل، أبـصـرنـا عـنـدمـا أشـرقـت الـشّـمـس بـآثـار “بـيـرس [نـمـرود]” تـنـتـصـب كـظـلّ عـمـلاق انـبـثـق مـن الـمـاضي وسـط هـذه الـفـلاة الـقـاحـلـة. وقـد اقـتـرحـت تـفـسـيـرات عـديـدة لـهـذا الـبـرج أشـهـرهـا أنّـه كـان مـعـبـد بـعـل، ولـكـنّ الإكـتـشـافـات الـحـديـثـة والأبـحـاث الـجـاريـة تـذكـر أنّ اسم “بـيـرس” جـاء مـن بـرسـيـف بـالـكـلـدانـيـة [أي الـبـابـلـيـة] وهـي الـمـديـنـة الّـتي يـسـمـيـهـا الإغـريـق  Borsippa”.

وهـو يـذكـر كـيـف أنّ “سـائـسي الـبـغـال والـخـدم لا يـفـهـمـون لـمـاذا نـعـرّض أنـفـسـنـا لـضـربـات الـشّـمـس الـعـنـيـفـة لـنـتـأمّـل أكـوام حـجـارة عـتـيـقـة يـتـحـاشى الـعـرب الـمـرور بـقـربـهـا خـوفـاً مـن الـشّـيـاطـيـن الّـتي تـرتـادهـا. ويـنـظـرون إلـيـنـا وهـم يـتـسـاءلـون : “لـمـاذا يـأتى هـؤلاء الإفـرنـج Franghees  إلى هـنـا ؟ هـل يـبـحـثـون عـن الـذّهـب أم عـن الـعـقـارب والـثّـعـابـيـن ؟ مـا أغـرب هـذه الأقـوام الّـتي تـتـجـوّل بـيـن الـخـرائـب في الـفـيـافي الـقـاحـلـة !”.

ووصـلـوا إلى الـحـلّـة في الـثّـانـيـة بـعـد الـظّـهـر ووجـدوا لـهـم مـكـانـاً لـلـمـبـيـت فـيـهـا. وبـقـوا فـيـهـا في الـيـوم الـتّـالي الّـذي كـان يـوم سـبـت لـيـقـضـيـه هـنـري سـتـيـرن مـع الـيـهـود فـيـهـا، ثـمّ تـركـوهـا يـوم الأحـد.

ويـتـكـلّـم في الـفـصـل الـخـامـس عـن مـهـام إرسـالـيـتـه الـتّـبـشـيـريـة، ثـمّ يـذكـر أنّـه نـزل في أواخـر كـانـون الأوّل مـن عـام 1846 عـلى بـاخـرة نـحـو الـبـصـرة.  ووصـلـوا يـوم 25 مـن ذلـك الـشّـهـر إلى طـيـسـفـون وأسـوار “سـلـوقـيـة دجـلـة” الـخـربـة : “وكـنـت قـد سـمـعـت كـثـيـراً بـطـاق كـسـرى، فـلا يـمـكـن أن أمـرّ بـقـربـه مـن غـيـر أن أذهـب لأحـيـيـه”. وقـبـل ربّـان الـسّـفـيـنـة طـلـب هـنـري سـتـيـرن لـلـنـزول إلى ضـفـة دجـلـة لـرؤيـة الـطّـاق.

“وبـعـد مـسـيـر مـتـعـب وصـلـت إلى إحـدى عـجـائـب الأزمـان الـقـديـمـة هـذه، وتـأمـلـتـهـا مـذهـولاً حـتّى نـسـيـت مـا حـلّ بـسـاقيّ مـن تـعـب”. “ولـيـس في الـشّـرق بـنـاء يـمـكـن أن يـنـافـسـه في الـضّـخـامـة ولا في الـفـخـامـة ولا في مـتـانـة الـتّـشـيـيـد”.

ستيرن 8

وقـد وجـد قـرب الـطّـاق تـمـثـالـيـن نـصـفـيـيـن : “أحـدهـمـا لـمـلـك عـلى رأسـه تـاج، والآخـر يـحـيـط بـرأسـه إكـلـيـل”، أخـذهـمـا مـعـه.

ونـجـد في كـتـابـه صـورة (لـيـثـوغـراف) لـطـاق كـسـرى نـراه فـيـهـا كـامـلاً بـجـنـاحـيـه.

وبـعـد أن عـاد هـنـري سـتـيـرن إلى الـضّـفـة بـعـد نـزهـتـه في طـيـسـفـون / الـمـدائـن وجـد أنّ سـفـيـنـتـه أكـمـلـت طـريـقـهـا ونـسـيـتـه !

وتـسـلـق مـع خـادمـه عـلى تـلّ وأبـصـرا بـالـسـفـيـنـة مـن بـعـيـد، فـنـزلا يـركـضـان بـكـلّ قـواهـمـا نـحـوهـا. وبـعـد سـاعـة مـن الـزّمـن وصـلا بـمـحـاذاتـهـا وشـرعـا في الـصّـيـاح : “ريّـس ! ريّـس ! Rais, Rais”، وصـاحـبـهـمـا في صـيـاحـهـمـا رعـاة الـمـنـطـقـة حـتّى سـمـعـهـمـا ربّـان الـسّـفـيـنـة واقـتـرب بـهـا مـن الـضّـفـة لـيـركـبـا مـن جـديـد !

وبـعـد أن أسـهـب في الـحـديـث عـن اسـتـقـلال شـيـوخ الـعـرب، وصـلـت الـسّـفـيـنـة إلى قـبـر الـعـزيـر الّـذي زاره سـتـيـرن.

وبـعـد سـبـعـة عـشـر يـومـاً مـن مـغـادرتـهـا لـبـغـداد وصـلـت الـبـاخـرة في الـمـسـاء إلى الـبـصـرة الّـتي يـكـتـب هـنـري سـتـيـرن اسـمـهـا : « Bussorah » :

“وأجّـرنـا في صـبـاح الـيـوم الـتّـالي بـلـمـاً  bellom ، ودفـعـتـنـا حـركـة الـمـدّ إلى الـنـهـر الّـذي يـخـتـرق الـمـديـنـة”.

وخـاب أمـل هـنـري سـتـيـرن بـرؤيـة إحـدى أهـم مـدن الـشّـرق عـنـدمـا أبـصـر أوّل مـا أبـصـر “بـدروب خـالـيـة مـن الـمـارّة وبـمـنـازل مـهـدمـة وبـمـظـهـر مـديـنـة نـهـبـت وخـربـت”. وعـنـدمـا زار الـسّـوق وجـد “أغـلـب الـدّكـاكـيـن إمّـا مـغـلـقـة أو في حـالـة خـربـة لا يـمـكـن أن يـثـق الـمـشـتـري بـبـضـائـعـهـا”. ولاحـظ أنّ سـوء مـظـهـر الـمـديـنـة وأسـواقـهـا يـنـعـكـس أيـضـاً عـلى مـظـاهـر سـكـانـهـا فـلـم يـرَ أحـداً مـنـهـم تـامّ الـصّـحـة أو مـسـتـقـيـم الإنـتـصـاب، ولـم يـرَ وجـهـاً يـشـعّ بـالـبـهـجـة. وحـتّى الـقـنـصـل الـبـريـطـاني بـهـيـمـنـتـه وسـيـطـرتـه لـم يـنـج مـن الـمـلاريـا الّـتي فـتـكـت بـالـمـديـنـة :

“وكـان في الـبـصـرة قـبـل ثـلاثـيـن عـامـاً سـتـيـن ألـف سـاكـن، وكـانـت تـجـارتـهـا مـزدهـرة وأسـواقـهـا تـطـفـح بـالـسّـلـع والـبـضـائـع، وسـكـانـهـا سـعـداء مـيـسـوري الـحـال أو أغـنـيـاء. ونـزلـت أعـدادهـم الآن إلى أقـل مـن ثـمـانـيـة آلاف، وخـربـت تـجـارة الـمـديـنـة (مـا عـدا بـيـع الـتّـمـر)”.

ويـتـطـرّق في الـفـصـل الـسّـادس إلى الـحـديـث عـن “الـمـحـمّـديـيـن”، وعـن الـتـقـاء دجـلـة بـالـفـرات في الـقـرنـة.

ثـمّ تـكـلّـم في الـفـصـل الـسّـابـع عـن جـولـة حـول الـخـلـيـج عـلى مـتـن إحـدى سـفـن شـركـة الـهـنـد الـشّـرقـيـة كـان قـد بـدأهـا في ربـيـع عـام 1848 بـحـثـاً عـن الـيـهـود.  ودخـل بـعـدهـا في بـلاد الـفـرس الّـتي خـصـص لـهـا الـفـصـول الـتّـالـيـة حـتّى الـفـصـل الـرّابـع عـشـر.

وعـاد في الـفـصـل الـخـامـس عـشـر إلى بـغـداد الّـتي غـادرهـا صـاعـداً إلى الـمـوصـل عـن طـريـق كـفـري وطـوز خـورمـاتـو  Touz Khormaton  وأربـيـل والـمـوصـل. ويـتـكـلّـم عـن مـوقـع نـيـنـوى :

“وفي وسـط الـخـراب الـشّـامـل يـنـتـصـب قـبـر الـنّـبي يـونـس، وحـيـداً لا يـحـيـط بـه شئ”.

أمّـا الـمـوصـل فـهي “تـبـدو عـنـدمـا نـنـظـر إلـيـهـا مـن الـضّـفـة الـشّـرقـيـة جـمـيـلـة شـديـدة الـهـيـبـة، ولـكـن مـا أن نـعـبـر جـسـر الـقـوارب الـمـهـتـزّ الـمـهـتـرئ الأخـشـاب حـتّى تـبـصـر الـعـيـن بـدروب وطـرقـات لا يـمـكـن تـمـيـيـز مـعـالـمـهـا وبـأسـواق حـقـيـرة وبـمـنـازل تـوشـك عـلى الإنـهـيـار”.

“وقـد نـتـج عـن تـتـابـع عـدّة ولاة فـاسـديـن تـحـوّل أعـداد مـن مـحـلّات سـكـنـيـة إلى حـقـول وصـحـارى بـعـد أن كـان يـسـكـنـهـا آلاف الـنّـاس يـمـارسـون مـهـنـاً مـزدهـرة”، “وأعـداد الـشّـحـاذيـن الّـذيـن يـهـاجـمـون الـمـارة في الـطّـرقـات تـدعـو إلى الـخـوف”، “ويـظـهـر فـسـاد حـكـم الـولاة والـفـوضى الّـتي نـتـجـت عـنـه في اخـتـفـاء الـنـشـاطـات فـأهـمـلـت الـحـقـول حـول أسـوار الـمـديـنـة”.

ستيرن 9

وكـان نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل في تـلـك الـفـتـرة كـرسـتـيـان رسّـام، شـقـيـق مـنـقّـب الآثـار هـرمـزد رسّـام. وذهـب هـنـري سـتـيـرن إلى مـكـتـبـه لـيـقـدّمـه إلى رئـيـس الـجـالـيـة الـيـهـوديـة في الـمـوصـل. وكـان هـدف سـتـيـرن كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا أن يـدعـوهـم لـتـرك ديـنـهـم واعـتـنـاق الـمـذهـب الأنـكـلـيـكي.

ثـمّ أكـمـل هـنـري سـتـيـرن طـريـقـه إلى زاخـو والـعـمـاديـة، ثـمّ إلى هـمـدان وقُـم. وتـنـتـهي الأقـسـام الـمـخـصـصـة لـلـعـراق في كـتـابـه هـنـا.

ويـصـل في تـلـخـيـصـه الأخـيـر إلى أنّ “نـوراً شـديـداً يـشـع عـلى الـشّـرق” ولـهـذا يـنـبـغي، حـسـب رأيـه، مـضـاعـفـة جـهـود الـتّـبـشـيـر.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) تـرجـمـت Dawnings وهـو غـسـق مـا قـبـل الـفـجـر بـانـبـثـاق الـنـور، وعـنـوان الـكـتـاب كـامـلاً :

Dawnings of Light in the East: with Biblical, Historical, and Statistical, Notices of Persons and Places in Persia, Coordistan, and Mesopotamia 1854

(2) الـمـذهـب الأنـكـلـيـكي أو الأنـكـلـيـكـاني، ويـسـمى بـالـكـنـيـسـة الأنـكـلـيـكـيـة، هـو مـا يـسـمـيـه الإنـكـلـيـز : Church of Englande. وقـد نـشـأ عـنـدمـا انـشـق الـمـلـك هـنـري الـثّـامـن عـام 1534 عـلى الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي، بـعـد أن رفـض بـابـا رومـا أن يـسـمـح لـه بـالـطّـلاق مـن كـاثـريـن الأرغـونـيـة لـيـتـزوّج بـآن بـولـيـيـن.

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.  يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

فـهـارس الـمـقـالات الـمـنـشـورة في مـدونـة “بـيـن دجـلـة والـفـرات” 2015 ــ 2017

قـائـمـة تـحـتـوي عـلى 85 مـقـالاً نـشـرت في مـدونـة “بـيـن دجـلـة والـفـرات” بـيـن آذار / مـارس 2015  و كـانـون الأوّل / ديـسـمـبـر 2017. وقـد وضـع نـفـس الـمـقـال أحـيـانـاً في عـدّة أبـواب لـتـسـهـيـل الـبـحـث :

عـن الـعـراق الـقـديـم :

الـعـرب وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد

قرقر

بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت

هيرودوت

جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة

jardin13

قـصّـة بـابـلـيـة في فِـلـم قـديـم

التعصب 01

تـمـثـالان لآشـوربـانـيـبـال وجـلـجـامـش في سـان فـرانـسـيـسـكـو وسـيـدني

آشوربانيبال سان فرنسيسكو 2

لـوحـة « سـوق الـزّواج الـبـابـلي » لإدويـن لـونـغ

سوق الزواج البابلي

ســـردنـبـال، أو كـيـف شُـوّهـت صـورة آشـوربـانـيـبـال لـمـدة قـرون طـويـلـة

سردنبال 4

مـجـمـوعـة آثـارعـراقـيـة قـديـمـة يـعـلـوهـا الـغـبـار في مـتـحـف فـرنـسي صـغـيـر

نص غوديا 001

كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش

%d8%ac%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%85%d8%b4-8

قـفـف دجـلـة وأكـلاكـهـا

Dieulafoy 17

كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي

Torino

الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل

الإسكندر

عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة

%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%84-%d8%b9%d9%85%d8%b1

عـنـدمـا كـانـت حـدود الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة تـصـل إلى دجـلـة

Philippe A 001 (423x640)

تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد و شـارلـمـان

مـقـتـل آخـر خـلـفـاء بـغـداد كـمـا رواه أوربـيـان

ماركو بولو كتاب العجائب

 

عـن الـعـراق الـحـديـث :

 

بـيـت لـنـج

بيت لنج

صـور مـحـطـة قـطـار بـغـداد 1917

محطة بغداد 11

بـدايـة اسـتـعـمـال الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

ترانشان 1

مـلـعـب لـو كـوربـوزيـيـه الـرّيـاضي في بـغـداد

لوكوربزييه 5

ألـبـوم صـور نـشـرتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925

Hasso Brs 6

عـنـدمـا كـانـت سـيّـارات نـيـرن تـنـقـل الـمـسـافـريـن عـبـر الـبـاديـة

Nairn XII

ديـوك إلـيـنـغـتـون في بـغـداد عـام 1963

Ellington II

خـارطـتـان لـمـديـنـة بـغـداد 1929 و1933

خارطة بغداد 1929

حـفـلـة في حـديـقـة قـصـر الـمـلـك

ماتسون فيصل

بـدايـة اهـتـمـام الـعـراقـيـيـن بـآثـارهـم الـقـديـمـة

%d8%a5%d9%84%d8%af%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%af%d9%88-%d9%85%d8%aa%d8%ad%d9%81

تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

%d8%ac%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d9%88%d8%af-%d8%a8%d9%8a%d9%84-4

كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش

%d8%ac%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%85%d8%b4-8

حـرامي بـغـداد

%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-1924-2

« تـان تـان » والـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%ba%d9%84%d8%a7%d9%81

أوروزدي بـاك في بـغـداد

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d8%b2%d8%af%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%83-8

رابـنـدرانـاث طـاغـور في بـغـداد

2%d8%b7%d8%a7%d8%ba%d9%88%d8%b1

عـنـدمـا كـانـت الـرّطـبـة حـصـنـاً في وسـط الـصّـحـراء

rutba-6

دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

دار الجنرال مود

دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917

مود في بغداد

نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة

عبد الإله 4 001 (477x800)

خـطـيـبـة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

Paris match 485 (238x317)

الـجـنـاح الـعـراقي في مـعـرض بـاريـس الـعـالـمي عـام 1937

الجناح العراقي باريس 1937

كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي

trésors

حـمّـودي والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

expedition-house-staff

مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد

مكنزي

صـور عـن الـعـراق :

رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

عربستان

صـور عـن الـعـراق في دعـايـة لـشـركـة فـرنـسـيـة عـام 1936

pupier irak 1

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (1) :

Abdulaly 1

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (2) :

منظر جويEldorado XXX

صـور عـن الـعـراق (3) :

Alex. J. Svoboda 6

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (4) :

Hoory 75

رسـوم دونالـد مـاكـسـويـل ولـوحـاتـه عـن الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن

(c) IWM (Imperial War Museums); Supplied by The Public Catalogue Foundation

صـور قـديـمـة لـبـغـداد في كـتـاب حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة

La Province de Bagdad

صـور مـحـطـة قـطـار بـغـداد 1917

هنود في محطة القطار 1917

رسـوم أرثـر مـيـلـفـيـل لـبـغـداد في الـقـرن الـتّـاسـع عـشر

بيلفيل بغداد

ألـبـوم صـور نـشـرتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925

Hasso Brs 8

صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون

Matson Ir 57

حـفـلـة في حـديـقـة قـصـر الـمـلـك

maston-f-1

صـور الـمـوصـل في ألـبـومـات الآبـاء الـدومـنـيـكـان

Dominicains 7

بـغـداد 1919

ucla-1919-7

الـعـراق في صـور وكـالـة رول Rol

فيصل في فرساي 3

 

الـعـراق كـمـا رآه الأجـانـب :

إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

living-240

رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

فوغ 12

مـن يـتـذكّـر دزمـونـد سـتـيـوارت ؟

D

أربـع عـشـرة طـلـقـة في مـسـدس جـان !

mideast-foreign-eyes-antiquity-modern-10

فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق

F S 9

« صـنـدوق الـدّنـيـا » كـمـا وصـفـتـه أجـاثـا كـريـسـتي

صندوق الدنيا

بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت

هيرودوت

جـان أوتّـيـر في الـعـراق

Jonas Otter

رحـلات الـفـرنـسي تـافـرنـيـيـه الـسـتّ إلى الـشّـرق في الـقـرن الـسّابـع عـشـر

tavernier

كـتـاب تـأبـيـن الـبـغـداديـة سـتّ مـعـاني زوجـة ديـلّا فـالـيـه

معاني 2

رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري إلى الـعـراق

Portrait-of-Nadir-Shah

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق

ag. 3

روايـة « جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia  » لأجـاثـا كـريـسـتي.

murder 5

روايـة : « مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad » لأجـاثـا كـريـسـتي.

they 5

رحـلـة يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر إلى الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـخـامـس عـشـر

شلتبيرجر

وصـول أوائـل الـتّـجّـار الإنـكـلـيـز إلى الـعـراق في الـقـرن الـسّـادس عـشـر

220px-RichardHakluyt-BristolCathedral-stainedglasswindow

مـغـامـرات الـدّكـتـور بـانـكـس

بانكس بالملابس العربية

ثـلاثـة بـريـطـانـيـيـن في أهـوار جـنـوب الـعـراق

ثيسجير 13

الـعـراقـيـون كـمـا رآهـم الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر

خارطة الإدريسي

الـعـراق في رحـلـة ابـن بـطـوطـة

إبن بـطـوطـة

رحـلـة عـالـم طـبـيـعـيـات مـن زمـن الـثّـورة الـفـرنـسـيـة إلى الـعـراق

أولفيييه

قـصّـة بـابـلـيـة في فِـلـم قـديـم

التعصب 04

« تـان تـان » والـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%ba%d9%84%d8%a7%d9%81

الـكـاتـبـة الـفـرنـسـيـة جـان كـيـفـيـر، زوجـة سـلـيـمـان بـك غـزالـة

%d8%ba%d8%b2%d8%a7%d9%84%d8%a9-7

رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

ج. ديولافوا 8

لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

138522

رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

botta1849bd1

الـبـيـت الـتّـراثي كـمـا وصـفـتـه أربـع أجـنـبـيـات

لورنا سليم

مـقـتـل آخـر خـلـفـاء بـغـداد كـمـا رواه أوربـيـان

ماركو بولو كتاب العجائب

 

لـوحـات ورسـوم عـن الـعـراق الـقـديـم والـحـديـث :

رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

فوغ 6

شـارع الـرّشـيـد كـمـا رأتـه مـاري بـاركـر في 1930

artist; (c) Greenway; Supplied by The Public Catalogue Foundation

« مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد »، لـوحـة لـلـفـنّـان يـوردايـنـس

هرون الرشيد

« هـرون الـرّشـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارلـمـان » لـوحـة لـيـولـيـوس كـوكـيـرت

هرون 7

رسـوم دونالـد مـاكـسـويـل ولـوحـاتـه عـن الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن

D. Maxwell

لـوحـة « سـوق الـزّواج الـبـابـلي » لإدويـن لـونـغ

سوق الزواج البابلي

لـوحـة « سـمـيـرامـيـس تـشـيّـد مـديـنـة بـابـل » لإدغـار دُغـا

سميراميس تشييد

لـوحـة « بـابـل » لـلـفـنّـان كـوبـكـا

كوبكا بابل 2 (2)

رسـوم أرثـر مـيـلـفـيـل لـبـغـداد في الـقـرن الـتّـاسـع عـشر

ميلفيل 6

ســـردنـبـال، أو كـيـف شُـوّهـت صـورة آشـوربـانـيـبـال لـمـدة قـرون طـويـلـة

سردنبال 4

أوغـسـطـس إدويـن جـون يـرسـم صـورة الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن

5063900310_8635a394f4_o

لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

138522

رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

botta1849bd1

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذه الـمـقـالات.

مـقـتـل آخـر خـلـفـاء بـغـداد كـمـا رواه أوربـيـان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

لـطـالـمـا قـرأنـا وأعـدنـا قـراءة مـا ذكـره ابـن كـثـيـر في مـوسـوعـتـه “الـبـدايـة والـنّـهـايـة” عـن “سـنـة سـتّ وخـمـسـيـن وسـتـمـائـة” أي 1258 م. الّـتي “فـيـهـا أخـذت الـتّـتـار بـغـداد، وقـتـلـوا أكـثـر أهـلـهـا حـتّى الـخـلـيـفـة، وانـقـضـت دولـة بـني الـعـبـاس مـنـهـا”.

سقوط بغداد

وكـانـت “عـسـاكـر سـلـطـان الـتّـتـار هـولاكـوقـان”(1) قـد “جـاءت إلـيـهـم أمـداد صـاحـب الـمـوصـل [بـدر الـدّيـن لـؤلـؤ] يـسـاعـدونـهـم عـلى الـبـغـاددة”.

Badr_al-Din_Lu'lu'   (بـدر الـديـن لـؤلـؤ)

و “أحـاطـت الـتّـتـار بـدار الـخـلافـة يـرشـقـونـهـا بـالـنّـشّـاب مـن كـلّ جـانـب، حـتّى أصـيـبـت جـاريـة كـانـت تـلـعـب بـيـن يـدي الـخـلـيـفـة وتـضـحـكـه”، “فـأمـر الـخـلـيـفـة بـزيـادة الاحـتـراز وكـثـرة الـسّـتـائـر عـلى دار الـخـلافـة”.

ويـبـدو أنّ الـخـلـيـفـة لـم يـكـن قـد اسـتـمـع إلى نـصـيـحـه وزيـره بـإرسـال “هـدايـا سـنـيّـة” إلى هـولاكـو خـان (الّـذي يـسـمـيـه ابـن كـثـيـر هـولاكـوقـان) و”أرسـل شـيـئـاً مـن الـهـدايـا احـتـقـرهـا سـلـطـان الـتّـتـار […] ووصـل إلى بـغـداد بـجـنـوده الـكـثـيـرة”. و”أحـاطـوا بـبـغـداد مـن نـاحـيـتـهـا الـغـربـيـة والـشّـرقـيـة، وجـنـود بـغـداد في غـايـة الـقـلّـة”.  “وقـتـلـوا الـخـلـيـفـة رفـسـاً وهـو في جُـوالِـق (2) لـئـلا يـقـع إلى الأرض شئ مـن دمـه، خـافـوا أن يـؤخـذ بـثـأره فـيـمـا قـيـل لـهـم. وقـيـل بـل خـنـق. ويـقـال : غُـرِّق، فـالله أعـلـم” (3).

ولـكـنّ مـرجـعـنـا هـذا عـن سـقـوط بـغـداد لـم يـكـتـبـه ابـن كـثـيـر إلّا بـعـد أكـثـر مـن قـرن كـامـل عـلى وقـوع الأحـداث، فـقـد تـوفي سـنـة 1372 م. وكـان ابـن كـثـيـر الـدّمـشـقي فـقـيـهـا جـمـع مـا سـمـعـه ومـا وصـل إلـيـه مـن الأخـبـار في كـتـاب بـعـدّة أجـزاء تـعـوّدنـا عـلى تـصـنـيـفـه بـيـن “كـتـب الـتّـاريـخ”. وكـان يـأخـذ هـذه الأخـبـار مـن غـيـر تـمـحـيـص ولا تـدقـيـق ويـذكـرهـا كـمـا وصـلـتـه : ربّـمـا قـتـل الـخـلـيـفـة رفـسـاً أو خُـنـق أو غُـرِّق … فـهـو إذن لا يـعـرف بـالـضّـبـط كـيـف قُـتـل آخـر خـلـفـاء بـني الـعـبّـاس، خـاصـة وأنّ الـنّـاس حـولـه كـانـوا قـد نـسـوا هـذه الأحـداث الـبـعـيـدة عـنـهـم زمـنـيـاً والّـتي جـرت في مـكـان بـعـيـد عـنـهـم : في بـغـداد، وهـم في دمـشـق.

Baghdad_1258

ونـجـد نـفـس الإخـتـلافـات في مـوت الـمـسـتـعـصـم عـنـد أبي الـفـداء (الـمـتـوفى سـنـة 1331 م.) في كـتـابـه “الـمـخـتـصـر في أخـبـار الـبـشـر” (4) إذ كـتـب : “ولـم يـقـع الإطـلاع عـلى كـيـفـيـة قـتـلـه، فـقـيـل خُـنـق، وقـيـل وضـع في عـدل ورفـسـوه حـتّى مـات، وقـيـل غـرق في دجـلـة”.

ويـذكـر رشـيـد الـدّيـن فـضـل الله الـهـمـذاني في كـتـاب “جـامـع الـتّـواريـخ” مـوت الـمـسـتـعـصـم رفـسـاً (5) وهـو مـا يـذكـره أيـضـاً إبـن الـفـوطي (تـوفي سـنـة 1323) في كـتـاب “الـحـوادث الـجـامـعـة”، وأبـو إسـحـق الـجـوزجـاني (تـوفي سـنـة 1299 م.) في كـتـابـه “طـبـقـات نـاصـري” (6).

ونـجـد في مـصـادر أخـرى أنّ هـولاكـو بـعـد أن سـلّـم لـه الـخـلـيـفـة نـفـسـه، وقـبـل أن يـقـتـلـه، حـرمـه مـن الـطّـعـام، فـلـمـا جـاع الـخـلـيـفـة وطـلـب طـعـامـاً قـدّم لـه طـبـقـاً مـلـيـئـاً ذهـبـاً، وأمـره أن يـأكـل، فـقـال الـخـلـيـفـة : “كـيـف يـأكـل الـذّهـب ؟” فـرد عـلـيـه هـولاكـو : إن كـنـت تـعـرف أنّ الـذّهـب لا يـؤكـل فـلـم اخـتـزنـتـه، ولـم تـوزعـه عـلى جـنـدك لـيـصـونـوا لـك مـلـكـك الـمـوروث مـن هـجـمـاتـنـا ؟ ولـم لـم تـصـنـع مـن أبـواب الـحـديـد سـهـامـاً وتـسـرع إلى ضـفـة نـهـر جـيـحـون لـتـحـول دون عـبـوري ؟ فـأجـاب الـخـلـيـفـة : “هـكـذا قـدّر الله”. فـقـال هـولاكـو : “وسـيـجـري عـلـيـك تـقـديـر الله”.(7)

نـصّ مـاركـو بـولـو عـن مـوت الـخـلـيـفـة :

وقـد ذكـر الـتّـاجـر الـبـنـدقي مـاركـو بـولـو في سـرده لـرحـلـتـه إلى الـصّـيـن والـمـعـروف بـ “كـتـاب الـعـجـائـب” قـصـة إجـاعـة هـولاكـو لـلـخـلـيـفـة الـمـسـتـعـصـم بـالله بـعـد أن طـلـب مـنـه أن يـأكـل ذهـبـه، ولـكـنّـه جـعـل الـخـلـيـفـة يـمـوت جـوعـاً بـدلاً مـن أن يـقـتـل.

وهـو يـذكـر هـذه الـرّوايـة في حـديـثـه عـن مـديـنـتي الـمـوصـل وبـغـداد في رحـلـتـه مـع أبـيـه وعـمّـه نـحـو الـشّـرق الأقـصى. ويـحـتـمـل أنّـه قـد زارهـمـا في حـوالي عـام 1972، أي بـعـد حـوالي 14 سـنـة عـلى سـقـوط بـغـداد تـحـت ضـربـات الـتّـتـار. ولا شـكّ في أنّ الـرّوايـة الّـتي يـذكـرهـا عـن مـوت الـخـلـيـفـة كـانـت ذائـعـة في زمـنـه، وسـمـعـهـا في الـمـوصـل أو في بـغـداد، أو ربّـمـا في بـلاد الـفـرس، كـمـا سـمـعـهـا فـرا ريـكـولـدو الّـذي سـنـتـكـلّـم عـنـه بـعـد ذلـك.

ولـنـبـدأ بـالـكـلام عـن مـاركـو بـولـو وعـن مـا رواه في “كـتـاب الـعـجـائـب”.

مـاركـو بـولـو يـتـكـلّـم عـن الـمـوصـل وبـغـداد :

ولـد مـاركـو بـولـو Marco Polo  في الـبـنـدقـيـة Venezia (إيـطـالـيـا) سـنـة 1245م. وفي عـام 1260 تـرك أبـوه وعـمّـه مـديـنـة الـبـنـدقـيـة إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة، عـاصـمـة الـدّولـة الـبـيـزنـطـيـة، فـقـد كـان لـهـمـا في حيّ الـبـنـادقـة فـيـهـا عـدّة مـحـلّات تـجـاريـة. وانـتـقـلا عـام 1261 إلى مـديـنـة سـولـدايـا عـلى ضـفـاف الـبـحـر الأسـود. ثـمّ أكـمـلا سـفـرهـمـا نـحـو الـشّـرق ووصـلا في آسـيـا الـوسـطى إلى بـلاط حـفـيـد جـنـكـيـز خـان. وحـصـلا مـنـه عـلى سـمـاح لـهـمـا بـالـمـتـاجـرة مـع الـشّـرق. وكـان مـاركـو بـولـو في الـخـامـسـة عـشـرة مـن عـمـره عـنـدمـا عـاد أبـوه وعـمّـه إلى الـبـنـدقـيـة.

وقـد صـاحـبـهـمـا عـنـدمـا غـادرا الـبـنـدقـيـة مـن جـديـد نـحـو الـشّـرق عـام 1271م. وكـان في صـحـبـتـهـمـا أيـضـاً راهـبـان دومـنـيـكـيـان أرسـلـهـمـا بـابـا رومـا. ووصـلـوا بـعـد سـفـر دام ثـلاث سـنـوات إلى بـلاط  قـبـلاي خـان، سـلـطـان الـمـنـغـول في الـصّـيـن.

ويـبـدو أنّـه مـرّ بـالـمـوصـل وبـغـداد مـع أنّـه لا يـذكـر في سـرده إن كـان قـد مـرّ بـهـمـا أمّ سـمـع مـا يـرويـه عـنـهـمـا عـنـدمـا مـرّ قـربـهـمـا في طـريـقـه إلى الـصّـيـن أي في حـوالي عـام 1272م.

وبـعـد عـودة مـاركـو بـولـو عـام 1295 مـن رحـلـتـه الّـتي دامـت 26 سـنـة، شـارك في مـعـركـة بـيـن الـبـنـادقـة والـجـنـويـيـن. وقـبـض عـلـيـه الـجـنـويـون عـام 1296 وسـجـنـوه.

وفي سـجـنـه في مـديـنـة جـنـوة، أمـلى سـرد رحـلـتـه عـلى رسـتـيـكـلّـو الـبـيـزانـوي Rustichello da Pisa. وقـد نـشـر هـذا الـسّـرد عـام 1298. وعـرف بـعـد ذلـك بـاسـم “كـتـاب الـعـجـائـب”.

وبـعـد إطـلاق سـراحـه عـام 1299، عـاد مـاركـو بـولـو إلى الـبـنـدقـيـة، وتـزوّج وأنـجـب ثـلاث بـنـات. وتـوفي في الـبـنـدقـيـة سـنـة 1324.

 كـتـب مـاركـو بـولـو عـن مـمـلـكـة الـمـوصـل الّـتي مـرّ بـهـا في طـريـق رحـلـتـه إلى الـشّـرق، في الـفـصـل الـخـامـس عـشـر مـن “كـتـاب الـعـجـائـب” :

تـقـع مـمـلـكـة الـمـوصـل  Mosul ،في الـشّـرق، ويـحـاذي جـزء مـنـهـا أرمـيـنـيـا الـكـبـرى. والـعـرب الّـذيـن يـسـكـنـونـهـا مـحـمّـديـونMaomettani   (8)، وفـيـهـا كـثـيـر مـن الـمـسـيـحـيـيـن انـقـسـمـوا إلى نـسـاطـرة ويـعـاقـبـة، لـهـم بـطـريـرك عـظـيـم يـسـمـونـه كـاثـولـيـك cattolico  يـعـيّـن أسـاقـفـة وآبـاء ورجـال ديـن يـبـعـثـهـم في كـلّ أرجـاء الـشّـرق كـمـا يـفـعـل بـابـا رومـا في الـبـلاد الـلاتـيـنـيـة.

وتـصـنـع في الـمـوصـل أقـمـشـة عـالـيـة الـقـيـمـة مـن خـيـوط الـذّهـب ومـن الـحـريـر. وفي جـبـال هـذه الـمـمـلـكـة أقـوام يـدعـون بـالأكـراد Cardis، بـعـضـهـم نـسـاطـرة وبـعـضـهـم يـعـاقـبـة وبـعـضـهـم مـحـمّـديـون Maomettani ، وهـم لـصـوص لـيـس مـثـلـهـم لـصـوص”.

وكـتـب عـن بـغـداد في الـفـصـل الـسّـادس عـشـر مـن كـتـابـه :

“وفي ذلـك الـجـزء مـن الـعـالـم مـديـنـة عـظـيـمـة تـدعى  بـغـداد Baldachi، اخـتـارهـا مـقـرّاً لـحـكـمـه كـبـيـر الـسّـرزانـيـيـن  Saraceni،(9) الّـذي يـسـمـونـه خـلـيـفـة Califfo.  ولا نـجـد مـديـنـة أجـمـل مـنـهـا في تـلـك الـمـنـاطـق. وتـصـنـع فـيـهـا أقـمـشـة مـن الـحـريـر وخـيـوط الـذّهـب بـطـرق مـتـنـوّعـة.

ماركو بولو كتاب العجائب 2

وفي عـام 1250 (10)، ضـرب هـولاكـو Houlagou، كـبـيـر الـتّـرتـار Tartari، الـحـصـار أمـام هـذه الـمـديـنـة، واشـتـدّ في حـصـارهـا حـتّى سـقـطـت تـحـت ضـربـاتـه. وكـان في الـمـديـنـة أكـثـر مـن مـائـة ألـف مـقـاتـل هـزمـهـم هـولاكـو.

وكـان لـلـخـلـيـفـة Califfo ، سـلـطـان الـمـديـنـة، بـرج مـلئ بـالـذّهـب والـفـضّـة والـجـواهـر وثـروات أخـرى لا تـقـدّر قـيـمـتـهـا. ولـكـنّـه بـدلاً مـن أن يـنـفـق مـنـهـا عـلى جـنـوده، كـان يـكـتـنـزهـا لـنـفـسـه، وسـبـب بـخـلـه ضـيـاع مـديـنـتـه مـنـه.

وبـعـد أن دخـل هـولاكـو الـمـديـنـة، أمـر بـحـبـس الـخـلـيـفـة في بـرجـه الّـذي يـحـفـظ فـيـه كـنـوزه، وأمـر أن لا يـعـطى لـه طـعـام ولا مـاء، وقـال لـه : “لـو لـم يـدفـعـك بـخـلـك إلى الإحـتـفـاظ  بـكـنـزك لـك وحـدك لاسـتـطـعـت أن تـسـلـم وتـحـتـفـظ بـمـديـنـتـك. لـتـنـعـم الآن بـه عـلى هـواك : كُـلْ مـنـه واشـربْ إن اسـتـطـعـت ! مـا دام هـذا أكـثـر مـا تـحـبّ. وهـكـذا مـات هـذا الـبـائـس بـيـن كـنـوزه.

ماركو بولو كتاب العجائب 3

ويـمـرّ بـالـمـديـنـة نـهـر عـظـيـم، يـصـبّ في بـحـر الـهـنـد. وبـيـن الـمـديـنـة ومـصـبّ الـنّـهـر 18 مـيـلاً (11)، ولـهـذا يـسـهـل جـلـب الـسّـلـع والـبـضـائـع مـن الـهـنـد بـكـثـرة”.

نـصّ الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو عـن مـوت الـخـلـيـفـة :

ونـجـد نـفـس هـذه الـحـكـايـة عـن مـوت آخـر خـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن في نـصّ كـتـبـه الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو الّـذي زار الـمـوصـل وبـغـداد وأقـام فـيـهـمـا في أواخـر الـقـرن الـثّـالـث عـشـر الـمـيـلادي. ولـكـنّ فـرا ريـكـولـدو ذكـر في روايـتـه تـفـاصـيـل لـم يـذكـرهـا مـاركـو بـولـو.

الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو :

وصـل الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي     Fra Ricoldo Pennini da Montecroce  الّـذي كـان إيـطـالـيـاً مـن مـديـنـة فـلـورنـسـا، إلى الـمـوصـل قـادمـاً مـن شـيـراز في عـام 1290.

وقـد جـاء فـرا ريـكـولـدو هـذا إلى الـمـوصـل ضـمـن الـبـعـثـة الّـتي كـان الـبـابـا نـيـقـولا الـرّابـع قـد أرسـلـهـا لـلـتّـبـشـيـر في الـشّـرق. وأقـام في مـديـنـة شـيـراز الّـتي بـشّـر فـيـهـا وتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة.

فرا ريكولدو(فـرا ريـكـولـدو أمـام الـبـابـا)

واتـصـل فـرا ريـكـولـدو في الـمـوصـل بـالـنّـسـاطـرة، الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم مـنـشـقـيـن عـلى ديـن الـمـسـيـح، ووعـظـهـم ولـكـنّـهـم رفـضـوا اعـتـنـاق الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي. وذهـب إلى مـعـبـد الـيـهـود ووعـظـهـم وتـنـاقـش مـعـهـم حـول “الـدّيـن الـحـقّ”. ثـمّ أقـام في ديـر مـار مـتى شـمـال الـمـديـنـة لـيـتـنـاقـش مـع رهـبـانـه مـن الـيـعـاقـبـة الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم هـم الآخـريـن :”عـلى مـذهـب مـنـشـقّ عـلى الـدّيـن يـخـطئ في كـثـيـر مـن الإعـتـقـادات. وهـم لا يـتـبـعـون كـنـيـسـة رومـا”. ولـم يـسـتـطـع إدخـالـهـم في الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي.

ثـمّ نـزل فـرا ريـكـولـدو إلى بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة وتـوقّـف في تـكـريـت. ووصـل بـغـداد إذن في 1290 أو 1291، أي بـعـد 23 أو 33 سـنـة بـعـد انـتـهـاء الـخـلافـة الـعـبـاسـيـة فـيـهـا.

وفي بـغـداد اتّـصـل بـالـدّومـنـيـكـان الّـذيـن كـانـوا قـد اسـتـقـروا فـيـهـا. وقـد اسـتـطـاع الـدّخـول في الـمـدرسـتـيـن الـنّـظـامـيـة والـمـسـتـنـصـريـة والـدّراسـة فـيـهـمـا. وفي بـغـداد شـرع في تـرجـمـة الـقـرآن إلى الـلاتـيـنـيـة.

BNF_MS_ar_384

ويـبـدو أنّـه كـان مـن بـيـن أوائـل الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـوا بـالـصّـابـئـة الـمـنـدائـيـيـن، ومـن أوائـل مـن كـتـب عـنـهـم. وقـد أقـام في الـعـراق حـوالي عـشـر سـنـوات.

كـتـب فـرا ريـكـولـدو في سـرداً لـرحـلاتـه بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة الـمـعـروف بـعـنـوان Itinerarium  أو Liber peregrinationis . وهـو نـصّ قـصـيـر لا يـتـجـاوز 79 صـفـحـة، يـبـدو أنّـه كـتـبـه خـلال إقـامـتـه في بـغـداد.

ونـجـد في سـرد فـرا ريـكـولـدو نـفـس هـذه الـحـكـايـة الـغـريـبـة الّـتي ذكـرهـا مـاركـو بـولـو عـن مـوت آخـر خـلـفـاء بـني الـعـبّـاس (في بـغـداد)، بـعـد أن أضـاف إلـيـهـا تـفـاصـيـل آخـرى.

كـتـب عـن بـغـداد:

“وعـنـدمـا خـرج الـتّـتـار لـغـزو الـبـلاد وصـلـوا إلى مـديـنـة قـريـبـة مـن بـغـداد Baldach  كـان فـيـهـا كـثـيـر مـن الـمـسـيـحـيـيـن والـمـسـلـمـيـن. وكـانـت أوامـر الـخـان (أي هـولاكـو) أن لا يـدخـل الـتّـتـار في دور الـمـسـيـحـيـيـن وأن لا يـؤذوهـم، وأن يـقـتـلـوا مـن أمـسـكـوا بـه مـن الـمـسـلـمـيـن. ودعـا الـمـسـيـحـيـون جـيـرانـهـم الـمـسـلـمـيـن أن يـلـتـجـئـوا عـنـدهـم، تـدفـعـهـم لـذلـك الـشّـفـقـة بـهـم. وعـنـدمـا سـمـع الـخـان بـالأمـر أمـر أن يـقـتـلـوا جـمـيـعـاً.

وبـعـد ذلـك ذهـبـوا إلى بـغـداد Baldach الـشّـديـدة الـنّـبـل، وفـتـحـوهـا بـالـقـوة. وكـان الـخـلـيـفـة، وهـو عـنـد الـمـسـلـمـيـن شـبـيـه بـالـبـابـا عـنـد الـمـسـيـحـيـيـن، قـد جـمـع في قـصـره الـشّـديـد الـفـخـامـة كـنـوزاً لا تـعـد ولا تـحـصى. وقـد أعـمـاه غـروره وغـطـرسـتـه، ولـم يـرد أن يـصـدّق مـن أخـبـره بـدخـول الـتّـتـار في مـمـلـكـتـه، وبـقي في قـصـره لا يـغـادره. وقـد قـبـض عـلـيـه الـتّـتـار وحـاكـمـوه مـحـاكـمـة قـاسـيـة أدانـوه فـيـهـا، وحـبـسـوه في غـرفـة مـحـكـمـة الـحـراسـة لا يـأكـل فـيـهـا ولا يـشـرب. وبـعـد أن بـقي ثـلاثـة أيّـام بـدون أكـل ولا شـرب، رجـاهـم أن يـطـعـمـوه، فـأخـذ الـتّـتـار مـن الـفـضّـة والـذّهـب أكـوامـاً رمـوهـا أمـامـه وطـلـبـوا مـنـه أن يـأكـل مـنـهـا. وعـنـدمـا أجـابـهـم الـخـلـيـفـة أنّـه لا يـسـتـطـيـع أن يـأكـل إلّا الـخـبـز وغـيـره مـن الـطـعـام، قـال لـه الـتّـتـار : “مـا دمـت لا تـأكـل لا الـفـضّـة ولا الـذّهـب ولا الأحـجـار الـكـريـمـة وإنّـمـا تـأكـل الـطّـعـام مـثـل كـلّ الـنّـاس، فـلـمـاذا أجـعـت الـنّـاس لـتـجـمـع هـذه الـكـنـوز الـعـظـيـمـة ؟ أجـابـهـم [الـخـلـيـفـة] : لـم أجـمـع هـذه الـكـنـوز وإنّـمـا جـاءتـني مـن آبـائي وأجـدادي فـاحـتـفـظـت بـهـا. قـال لـه الـتّـتـار : “فـلـمـاذا لـم تـخـرجـهـا وتـنـتـفـع بـهـا أنـتَ ورجـالـك. ولـكـنـت اسـتـطـعـت بـربـع ربـعـهـا أن تـصـدّنـا وتـدفـعـنـا عـنـك. وعـنـدهـا لـم يـسـتـطـع الـخـلـيـفـة أن يـجـيـبـهـم بـشئ. وأذاب الـتّـتـار الـذّهـب وصـبّـوه وهـو يـغـلي في حـلـقـومـه قـائـلـيـن لـه : “إن لـم يـكـن قـلـبـكَ قـد شـبـع مـن الـذّهـب فـهـا سـتـتـشـبّـع بـه”. وهـكـذا قـتـلـوا الـخـلـيـفـة، وعـادوا إلى وسـط الـمـديـنـة واسـتـمـرّوا أربـعـيـن يـومـاً يـقـتـلـون ويـمـيـتـون أهـل بـغـداد”.

(أنـظـر مـقـالي : صـور الـمـوصـل في ألـبـومـات الآبـاء الـدومـنـيـكـان ).

ولا نـدري مـمـن سـمـع مـاركـو بـولـو وفـرا ريـكـولـدو هـذه الـرّوايـة الّـتي يـبـدو أنّ الـواحـد مـنـهـمـا لـم يـنـقـلـهـا مـن الآخـر، فـقـد سـجّـلـهـا مـاركـو بـولـو في سـجـنـه في مـديـنـة جـنـوة عـام 1297، بـيـنـمـا كـان فـرا ريـكـولـدو في بـغـداد. وإذا مـا تـقـبـلـنـا مـا تـذكـره الـمـصـادر الّـتي لـديـنـا عـن فـرا ريـكـولـدو مـن أنّـه كـتـب سـرد رحـلـتـه خـلال إقـامـتـه في بـغـداد قـبـل أن يـعـود إلى مـديـنـتـه فـلـورنـسـا، فـلا يـمـكـن أن يـكـون قـد قـرأهـا عـنـد مـاركـو بـولـو. فـهـل كـانـت قـصّـة اخـتـلـقـهـا الـمـنـغـول ونـشـرهـا جـنـودهـم وسـمـعـهـا مـاركـو بـولـو وفـرا ريـكـولـدو مـنـهـم في الـشّـرق ؟ أم أنّـهـا كـانـت شـائـعـة بـيـن الـنّـاس في ذلـك الـزّمـن ؟

وتـذكّـرنـا الـقـصّـة في بـعـض تـفـاصـيـلـهـا بـأسـطـورة الـمـلـك مـيـداس الّـتي رواهـا كـتّـاب الإغـريـق والّـتي مـا زالـت شـديـدة الـشّـيـوع عـن الأوربـيـيـن.

أسـطـورة الـمـلـك مـيـداس  Μίδας ،

تـروي الأسـاطـيـر الإغـريـقـيـة أنّ الإلـه ديـونـسـوس Διώνυσος  اسـتـجـاب لـدعـاء الـمـلـك مـيـداس ووهـبـه الـقـدرة عـلى تـحـويـل كـلّ مـا تـمـسـه يـداه إلى ذهـب. ومـا أن تـحـقـقـت أمـنـيـة الـمـلـك مـيـداس حـتّى تـحـوّل كـلّ مـا يـمـدّ إلـيـه يـديـه وحـتّى طـعـامـه وشـرابـه إلى ذهـب. واسـتـجـاب الإلـه ديـونـسـوس لـدعـائـه مـن جـديـد، قـبـل أن يـمـوت مـن الـجـوع والـعـطـش، وأمـره لـيـنـقـذه مـن شـهـوتـه لـلـذّهـب أن يـسـبـح في نـهـر بـاكـتـول. ويـقـال إنّ مـيـاه نـهـر بـاكـتـول لا تـزال تـتـلامـع فـيـهـا صـفـائـح الـذّهـب الـرقـيـقـة مـنـذ ذلـك الـحـيـن !

وربّـمـا كـان بـعـض الـتّـشـابـه بـيـن الـحـكـايـتـيـن هـو الّـذي جـعـل هـذيـن الأوربـيـيَـن يـتـذكّـرانـهـا في سـرديـهـمـا ويـقـصـانـهـا عـلـيـنـا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  لـم يـكـن هـولاكـو سـلـطـان الـتّـتـار وإنّـمـا الأخ الأصـغـر لـمـنـكـوقـا آن سـلـطـان الـتّـتـار الّـذي بـعـثـه لـيـقـضي عـلى الإسـمـاعـيـلـيـة ولـيـخـضـع الـخـلـيـفـة الـعـبـاسي.

(2)  الـجـوالِـق : وعـاء مـن صـوف أو شـعـر أو غـيـرهـمـا، ويـقـال أيـضـاً : الـغِـرارة:

(3)  إبـن كـثـيـر، الـبـدايـة والـنّـهـايـة، تـحـقـيـق عـبـد الله الـتّـركي، الـجـزء الـثّـامـن عـشـر. ص. 359.

(4) أبـو الـفـدا، “الـمـخـتـصـر في تـاريـخ الـبـشـر”، الـجـزء الـثّـالـث، ص. 203.

(5) إبـن الـفـوطي، “الـحـوادث الـجـامـعـة” ص.327.

(6)  ص. 430.

(7)  “رسـالـة فـتـح بـغـداد” الـمـلـحـقـة بـكـتـاب “تـاريـخ جـهـانـكـشـاي”، الـجـزء الـثّـالـث، ص. 291، واسـتـشـهـد بـهـذا الـنّـص فـؤاد عـبـد الـمـعـطي الـصّـيـاد في كـتـابـه “الـمـغـول في الـتّـاريـخ” ص. 267.

(8) أسـمى الأوربـيـون الـمـسـلـمـيـن بـ “الـمـحـمّـديـيـن” قـرونـاً طـويـلـة، ولـم يـسـتـعـمـلـوا في الـقـرون الـوسـطى كـلـمـتي “إسـلام” و “مـسـلـم” إلّا بـاسـتـثـنـائـيـن (عـنـد غـلـيـوم الـطّـرابـلـسـي وعـنـد بـطـرس ألـفـونـسـي)، وغـالـبـيـة الـكـتّـاب الأوربـيـيـن لـم يـكـونـوا يـعـرفـونـهـمـا.

ولـم تـظـهـر الـكـلـمـتـان قـبـل الـقـرن الـسّـادس عـشـر: ظـهـرت كـلـمـة musulman (مـسـلـم) لأوّل مـرّة في الـلـغـة الـفـرنـســيـة عـام 1551، وكـلـمـة islam  في 1697. ولا نـجـد في الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة كـلـمـة Islam  قـبـل عـام 1613 وكـلـمـة  moslim  قـبـل 1615.

(9) جـاءت الـكـلـمـة مـن الـلـغـة الإغـريـقـيـة الـمـتـأخـرة Sarakenoi  لـتـدلّ عـلى قـبـائـل الـرّحّـل في بـلاد الـعـرب، ونـجـدهـا عـنـد الـجـغـرافي بـطـلـيـمـوس في الـقـرن الـثّـاني م.، واسـتـعـمـلـهـا الـبـيـزنـطـيـون في الـقـرن الـسّـادس لـتـدلّ عـلى الـعـرب. وتـحـولـت في الـلـغـة الـلاتـيـنـيـة الـمـتـأخّـرة إلى : Sarracenus  وجـمـعـهـا  Sarraceni.

وقـد اسـتـعـمـلـهـا الأوربـيـون في الـقـرون الـوسـطى لـيـفـرقـوا بـيـن الـمـسـلـمـيـن “الـسـرزانـيـيـن” الّـذيـن جـاءوا مـن الـشّـرق مـع الـفـتـح الإسـلامي لإسـبـانـيـا (الأنـدلـس) وبـيـن “الـمـوريـيـن” (Maures  بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة، و Moors  بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة). وهي كـلـمـة مـن أصـل فـنـيـقي، اســتـعـمـلـهـا الـفـنـيـقـيـون بـعـد أن  أنـشـأوا قـرت حـدشـت (الّـتي أسـمـاهـا الإغـريـق قـرطـاج) كـمـسـتـعـمـرة لـهـم في تـونـس الـحـالـيـة في الـقـرن الـتّـاسـع قـبـل الـمـيـلاد. وكـانـت الـكـلـمـة تـعـني في لـغـتـهـم : الـغـربـيـيـن أو ســكّـان الـغـرب، ثـمّ أخـذهـا مـنـهـم الـرّومـان الّـذيـن ســيـطـروا عـلى شــمـال أفـريـقـيـا واســمـوا مـنـطـقـتي الـجـزائـر الـحـالـيـة والـمـغـرب الأقـصى بـمـوريـتـانـيـا، أي “بـلاد الـمـوريـيـن” واســمـوا ســكـانـهـا بـالـمـوريـيـن.

(10)  جـعـل مـاركـو بـولـو سـقـوط بـغـداد في 1250عـام  بـدلاً مـن 1258.

(11)  يـعـادل الـمـيـل الإيـطـالي حـوالي كـيـلـومـتـر وثـلـث. وهـذا يـعـني أنّـه كـان يـعـتـقـد أنّ نـهـر دجـلـة يـصـب في “بـحـر الـهـنـد” حـوالي 25 كـيـلـومـتـراً جـنـوب بـغـداد ! وربّـمـا جـاء الـخـطـأ مـن الـنّـاسـخ.

(12)  ص. 31  ــ 33.

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

 

 

مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كـتـبـت جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell الّـتي كـانـت تـعـمـل في سـكـرتـاريـة الـمـنـدوب الـسّـامي في بـغـداد، في 7 تـشـريـن الـثّـاني مـن عـام 1923 إلى زوجـة أبـيـهـا :

“لـديـنـا هـنـا رجـل شـديـد الـهـمّـة اسـمـه مـكـنـزي Mackenzie أنـشـأ مـكـتـبـة مـمـتـازة ومـزدهـرة. وقـد كـان كـتـبـيـاً قـبـل الـحـرب ويـعـرف كـلّ شئ عـن الـكـتـب. ومـكـتـبـتـه مـن بـيـن أكـثـر مـا يـثـيـر الإعـجـاب في بـغـداد، ويـشـتـري الـكـلّ كـتـبـهـم فـيـهـا”.(1)

وذكـرت الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت Ida Staudt الّـتي وصـلـت إلى بـغـداد مـع زوجـهـا في عـام 1924 :

“ومـا يـثـبـت الإهـتـمـام الّـذي يـولـيـه أهـل بـغـداد لـطـرق الـتّـفـكـيـر الـحـديـثـة ارتـيـادهـم لـمـكـتـبـة لا تـبـيـع إلّا كـتـبـاً إنـكـلـيـزيـة. وكـانـت هـذه الـمـكـتـبـة الـمـهـمّـة قـد فـتـحـت قـبـل وصـولـنـا إلى بـغـداد. ويـقـال إنّ مـكـتـبـة مـكـنـزي هـذه أضـخـم دار بـيـع كـتـب إنـكـلـيـزيـة في كـلّ أرجـاء الـعـالـم الّـتي تـقـع شـرق بـرلـيـن. ونـجـد عـلى رفـوفـهـا أفـضـل الـكـتـب في الـتّـاريـخ والآداب والـعـلـوم والإقـتـصـاد والـفـلـسـفـة والأديـان. ولـم تـكـن تـحـتـوي لـمـدة طـويـلـة عـلى أي كـتـاب سـردي حـديـث”.

(أنـظـر مـقـالي :إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947 ).

 

ولـكـن مـن كـان مـكـنـزي هـذا ؟ ومـتى وصـل إلى بـغـداد وفـتـح مـكـتـبـتـه فـيـهـا ؟

ولـد كـيـنـيـث مـكـنـزي Kenneth MacKenzie في إسـكـوتـلـنـدة سـنـة 1880. وفي عـام 1901، فـتـح مـكـتـبـة صـغـيـرة في لـنـدن، ثـمّ قـاتـل في صـفـوف الـقـوات الـبـريـطـانـيـة عـلى الـجـبـهـة الـفـرنـسـيـة خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وجـرح فـيـهـا.

وقـد وصـل كـيـنـيـث مـكـنـزي إلى بـغـداد بـعـد نـهـايـة الـحـرب عـام 1918. ويـبـدو أنّ هـمـفـري بـومـان  Humphrey Bowman  الّـذي كـان مـديـراً لـلـمـعـارف في بـغـداد مـن 1918 إلى 1920 هـو الّـذي اقـتـرح عـلـيـه أن يـأتي إلى بـغـداد لـفـتـح مـكـتـبـة فـيـهـا عـنـدمـا الـتـقى بـه في لـنـدن.

وقـد فـتـح مـكـنـزي أوّلاً، مـكـتـبـة “حـكـومـيـة” في بـنـايـة الـسّـراي، أسـمـيـت   Government bookshop.

وبـعـد انـتـهـاء الـحـكـم الـعـسـكـري الـبـريـطـاني وتـأسـيـس الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة عـام 1921، حـصـل كـيـنـيـث مـكـنـزي عـلى احـتـكـار مـن وزارة الـمـعـارف لاسـتـيـراد الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة لـلـمـدارس الـعـراقـيـة.

ولـم تـكـن مـكـتـبـة مـكـنـزي الـوحـيـدة في بـغـداد الّـتي تـبـيـع الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة في تـلـك الـفـتـرة، فـقـد بـدأت عـدّة مـكـتـبـات يـمـتـلـكـهـا يـهـود بـجـلـب كـتـب إنـكـلـيـزيـة، ولـكـن مـكـتـبـة مـكـنـزي كـانـت الـوحـيـدة الـمـتـخـصـصـة بـهـا، والّـتي كـانـت تـتـوجـه في بـدايـتـهـا لـلـبـريـطـانـيـيـن الّـذيـن ازدادت أعـدادهـم فـيـهـا بـعـد احـتـلال قـوّاتـهـم لـهـا في 11 آذار 1917.

وتـزوّج كـيـنـيـث مـكـنـزي بـعـد ذلـك بـقـلـيـل بـاسـكـتـلـنـديـة أتى بـهـا إلى بـغـداد. ولا نـعـرف في أيّ عـام بـالـضـبـط وصـل دونـالـد مـكـنـزي شـقـيـق زوجـة كـيـنـيـث إلى بـغـداد. ولـكـن يـبـدو أنّ ذلـك كـان بـدعـوة مـن كـيـنـيـث. وقـد قـرأت أنّـه تـرك إسـكـوتـلـنـدة عـام 1924 إلى كـنـدا، وأنّـه وصـل إلى بـغـداد عـام 1925.

وأنـهـت حـكـومـة الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة عـقـدهـا مـع مـكـنـزي لإدارة الـمـكـتـبـة الـحـكـومـيـة عـام 1925. وقـد اشـتـرى مـكـنـزي الـمـكـتـبـة مـنـهـا وحـوّلـهـا إلى :  “MacKenzie & MacKenzie bookshop”، وأدارهـا مـع دونـالـد. وانـتـقـلـت الـمـكـتـبـة إلى الـنّـادي الـبـريـطـاني في  The New Street الّـذي أصـبـح بـعـد ذلـك شـارع الـرّشـيـد.

وتـوفي كـيـنـيـث مـكـنـزي سـنـة 1928 بـجـلـطـة قـلـبـيـة، (2) وأدار دونـالـد مـكـنـزي الـمـكـتـبـة بـعـد ذلـك.

وتـحـوّلـت الـمـكـتـبـة إلى مـكـان آخـر في شـارع الـرشـيـد (مـحـلّـة راس الـقـريـة) في أسـفـل الـبـنـايـة الّـتي كـانـت فـيـهـا مـكـاتـب شـركـة الإخـوان لِـنـتـش (بـيـت لـنـج).

وقـد نـشـرت مـكـتـبـة مـكـنـزي كـتـبـاً بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة

مـثـل كـتـاب دوروثي مـاكي  Dorothy MacKay عـن مـدن الـعـراق الـقـديـمـة       The Ancient Cities of Irak الّـذي نـشـرتـه عـام 1926، أو كـتـاب  C.A. HOOPER عـن الـقـانـون الـدّسـتـوري في الـعـراق The Constitutional Law of Iraq  الّـذي نـشـرتـه عـام 1928.

وقـد تـرك كـيـنـيـث مـكـنـزي في بـدايـة أربـعـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي إدارة الـمـكـتـبـة لإسـكـنـدر، رئـيـس مـسـاعـديـه. (3)

وتـوفي في بـغـداد سـنـة 1946.

الـمـكـتـبـة بـعـد وفـاة صـاحـبـهـا :

بـعـد أن وصـل جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا إلى بـغـداد عـام 1948 لـيـدرّس الأدب الإنـكـلـيـزي، ذهـب أوّل مـا ذهـب إلى مـكـتـبـة مـكـنـزي. وهـو يـقـصّ ذلـك في كـتـابـه “شـارع الأمـيـرات” :

“لأسـتـطـلـع آخـر مـا وصـل إلى بـغـداد مـن كـتـب إنـكـلـيـزيـة، وأتـحـدّث إلى صـاحـبـهـا كـريـم. وهـو عـراقي شـديـد الـلـطـف ورث تـلـك الـمـكـتـبـة عـن أصـحـابـهـا الإنـكـلـيـز لأنّـه كـان يـعـمـل مـعـهـم في إدارتـهـا مـنـذ أيـام تـأسـيـسـهـا قـبـل الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة، وغـدت لـه خـبـرة بـمـا يـسـتـجـدّ في عـالـم الـكـتـب الأجـنـبـيـة مـضـيـفـاً إلى ذلـك تـعـامـلـه مـع الـكـتـب الـعـربـيـة، الـتّـراثـيـة مـنـهـا والـحـديـثـة.

وقـد أضـحـت مـكـتـبـتـه هـذه في شـارع الـرّشـيـد (الـشّـارع الأهـمّ في بـغـداد يـومـئـذ) مـلـتـقى لـلـمـثـقـفـيـن مـن عـراقـيـيـن وأجـانـب، وكـلّـهـم عـلى صـلـة شـخـصـيـة بـصـاحـبـهـا الّـذي يـتـابـع اهـتـمـامـاتـهـم الـفـكـريـة، ويـحـاول تـلـبـيـة مـا يـطـلـبـون مـن كـتـب. وقـد أبـقى عـلى تـسـمـيـة الـمـكـتـبـة بـ “مـكـنـزي” لـشـهـرة الـتّـسـمـيـة وتـمـيـزهـا حـتّى بـات هـو نـفـسـه تـجـوزاً يـعـرف بـكـريـم مـكـنـزي. وبـقـيـت الـمـكـتـبـة مـعـلـمـاً مـن مـعـالـم الـمـديـنـة”.

ويـذكـر أحـد تـقـاريـر الأمـم الـمـتـحـدة الـصّـادر عـام 1949 مـكـتـبـة مـكـنـزي كـالـتّـالي :

Irak : MacKenzie’s Bookshop, Booksellers and Stationers, Baghdad.

ونـفـهـم مـن هـذا الـسّـطـر الـمـخـصـص لـلـمـكـتـبـة في هـذا الـجـرد أنّـه كـان لـهـا أكـثـر مـن صـاحـب، وأنّـهـا كـانـت تـمـارس بـيـع الـقـرطـاسـيـات إلى جـانـب بـيـع الـكـتـب.

مـكـتـبـة مـكـنـزي في إحـدى روايـات أجـاثـا كـريـسـتي :

ألّـفـت الإنـكـلـيـزيـة أجـاثـا كـريـسـتي، كـاتـبـة الـرّوايـات الـبـولـيـسـيـة الـشّـهـيـرة روايـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق : “مـوعـد في بـغـداد           « They Came to Baghdad في عـام 1951.

ونـتـابـع في الـفـصـل الـسّـادس مـنـهـا فـيـكـتـوريـا، بـطـلـة الـرّوايـة، وهي تـبـحـث في بـغـداد عـن مـكـتـب “غـصـن الـزّيـتـون” :

“ووصـلـت إلى شـارع الـرّشـيـد واسـتـدارت يـمـيـنـاً. وكـانـت بـغـداد عـلى عـكـس مـا كـانـت تـتـصـوره عـنـهـا تـمـامـاً. شـارع رئـيـسي مـزدحـم مـكـتـظ بـالـنّـاس، وسـيـارات تـقـرع مـنـبـهـاتـهـا بـعـنـف، ونـاس يـتـصـايـحـون، وبـضـائـع أوربـيـة في واجـهـات الـمـحـلّات. وكـان الـنّـاس حـولـهـا يـبـصـقـون في كـلّ مـكـان بـعـد أن يـحـكّـوا حـنـاجـرهـم بـنـحـنـحـات مـلـحّـة وعـالـيـة. ولـم تـجـد شـخـصـيـات شـرقـيـة غـريـبـة وغـامـضـة، فـأغـلـبـيـة الـنّـاس يـرتـدون مـلابـس غـربـيـة رخـيـصـة ومـهـتـرئـة، سـتـرات جـيـش وقـوّات جـوّيـة قـديـمـة. وتـبـدو الأشـكـال الـمـتـفـوّطـة والـمـرتـديـة عـبـاءات سـوداء الّـتي نـلـمـحـهـا هـنـا وهـنـاك ضـائـعـة في وسـط هـذا الـخـلـيـط مـن الـمـلابـس الأوربـيـة”.

“ولـم تـجـد أحـداً يـسـتـطـيـع أن يـدلّـهـا عـلى طـريـقـهـا، لا أصـحـاب الـمـحـلّات ولا الـشّـرطـة الّـذيـن رأتـهـم يـحـركـون أذرعـهـم بـعـنـفـوان ويـطـلـقـون صـفـاراتـهـم، ولا صـاحـب الـمـكـتـبـة الّـتي عـرضـت في واجـهـتـهـا بـعـض الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة. ثـمّ أكـمـلـت طـريـقـهـا، وعـنـدهـا هـاجـمـت أذنـيـهـا أصـوات رهـيـبـة لـضـربـات مـطـارق عـنـيـفـة جـاءت مـن زقـاق مـعـتـم،  وتـذكـرت مـا أخـبـروهـا بـه مـن إنّ مـكـتـب “غـصـن الـزّيـتـون” كـان قـرب سـوق الـصّـفـافـيـر”.

و”صـاحـب الـمـكـتـبـة الّـتي عـرضـت في واجـهـتـهـا بـعـض الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة” عـام 1951 كـان ولا شـكّ كـريـم الّـذي تـكـلّـم عـنـه جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا في عـام 1948. ولأنّـه لـم يـكـن إنـكـلـيـزيـاً فـقـد اكـتـفـت الـكـاتـبـة بـذكـره ذكـراً عـابـراً ولـم تـتـكـلّـم عـن مـكـتـبـتـه.

(أنـظـر مـقـالي : روايـة : « مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad » لأجـاثـا كـريـسـتي. ).

ولـم تـشـر أجـاثـا كـريـسـتي إلى مـكـتـبـة مـكـنـزي في الـقـسـم الّـذي خـصـصـتـه لـبـغـداد مـن سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : An Autobiography الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977 ، بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976.

وقـد ذكـر في إحـدى مـنـشـورات الـ F.A.O  (Food and Agriculture Organization) الـتّـابـعـة لـهـيـئـة الأمـم الـمـتـحـدة عـام 1965 أن مـكـتـبـة مـكـنـزي كـانـت تـوزع هـذه الـمـنـشـورات في بـغـداد.

وقـد ظـلّـت الـمـكـتـبـة مـزدهـرة حـتّى الـسّـبـعـيـنـيـات، ثـمّ أغـلـقـت في تـسـعـيـنـات الـقـرن الـمـاضي.

 

الـخـلـط بـيـن كـيـنـيـث ودونـالـد مـكـنـزي :

  يـذكـر طـارق ي. إسـمـاعـيـل في الـصّـفـحـة 5 مـن كـتـابـه عـن تـاريـخ الـحـزب الـشّـيـوعي في الـعـراق The Rise and Fall of the Communiste Party of Iraq  (4) أنّ “نـمـو الـفـكـر الإشـتـراكي بـيـن الـعـراقـيـيـن تـأثّـر بـالأجـانـب الـتّـقـدمـيـيـن الإشـتـراكـيـيـن الّـذيـن اشـتـغـلـوا مـع الـبـريـطـانـيـيـن في الـعـراق، ومـن بـيـنـهـم الإسـكـتـلـنـدي دونـالـد م. مـكـنـزي الّـذي فـتـح مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد عـام 1925 وأدارهـا حـتّى وفـاتـه عـام 1946”.

ونـلاحـظ أنّ الـمـؤلـف يـخـلـط بـيـن كـيـنـيـث مـكـنـزي الّـذي وصـل إلى بـغـداد بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وفـتـح مـكـتـبـة زارتـهـا جـرتـرود بـيـل عـام 1923، وبـيـن شـقـيـق زوجـتـه دونـالـد الّـذي وصـل إلى بـغـداد عـام 1925 وشـارك في إدارة الـمـكـتـبـة، والّـذي كـان اشـتـراكيّ الأفـكـار.

ويـكـمـل طـارق إسـمـاعـيـل الـكـلام عـن دونـالـد مـكـنـزي : “وقـد خـفـض مـكـنـزي أسـعـار عـدد مـن الـكـتـب الأجـنـبـيـة، وخـاصـة تـلـك الّـتي تـعـرض الأفـكـار الإشـتـراكـيـة لـيـبـيـعـهـا لـشـبـاب الإشـتـراكـيـيـن الـعـراقـيـيـن بـسـعـر الـكـلـفـة بـيـنـمـا كـان يـبـيـعـهـا بـأسـعـار أغـلى لـلـبـريـطـانـيـيـن ولـلـعـراقـيـيـن الـمـيـسـوري الـحـال”.

ويـتـكـلّـم عـن زوجـة دونـالـد مـكـنـزي “الّـتي لـعـبـت دوراً مـهـمّـاً في نـشـر الأفـكـار الإشـتـراكـيـة في أوسـاط الـجـمـعـيـات الـنّـسـائـيـة. ويـبـدو أنّـهـا اتّـصـلـت بـهـذه الـجـمـعـيـات خـلال انـعـقـاد مـؤتـمـر الـنّـسـائي الـشّـرقي الأوّل في دمـشـق في تـمّـوز 1930.

وقـد ألـقـت زوجـة مـكـنـزي مـحـاضـرات مـع أمـريـكـيـة تـدعى Miss Kerr في الـنّـوادي الـنّـسـائـيـة وفي مـدارس الـبـنـات الّـتي كـانـت قـد ازدهـرت فـيـهـا الـمـبـادئ الإشـتـراكـيـة”.

 

حـول صورة الـمـكـتـبـة

وضـعـت في بـدايـة الـمـقـال الـصّـورة الّـتي نـجـدهـا في كـلّ مـكـان عـن “مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد”، ومـع ذلـك نـقـرأ عـلـيـهـا : J.W. MacKenzie، وهـو مـا يـبـدو لي غـريـبـاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  Nov 7 Secretariat of the High Commissioner, Baghdad. Darling Mother. We have here a very enterprising man called Mackenzie who has established a flourishing and quite excellent bookshop. He was a bookseller before the war and he knows about books. His shop is one of the most remarkable things in Baghdad – everybody buys there.

(2)إسـتـعـمـلـت كـثـيـراً مـن الـمـعـلـومـات الّـتي وجـدتـهـا في مـقـال وقّـعـه عـلي أبـو طـحـيـن ونـشـرتـه الـكـارديـنـيـا عـام 2013.  وقـد وجـدت نـفـس الـمـقـال ولـكـنّ بـتـوقـيـع الـدّكـتـور إبـراهـيـم خـلـيـل الـعـلاف الّـذي نـشـره في مـدونـتـه عـام 2014.  ولا أدري لأيّ مـنـهـمـا أوجـه الـشّـكـر !

وأضـيـف أنـني قـرأت في عـدّة مـواضـع أن كـيـنـيـث مـكـنـزي تـوفي في بـغـداد بـسـكـتـة قـلـبـيـة سـنـة 1946، وهـذ يـعـود أيـضـاً إلى الـخـلـط بـيـن كـيـنـيـث ودونـالـد.

(3) حـسـب مـا ذكـره نسـيـم رجـوان Nissim Rejwan الّـذي كـان يـديـر مـكـتـبـة “الـرّابـطـة” (لـصـاحـبـهـا عـبـد الـفـتّـاح إبـراهـيـم) في بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة وسـجّـلـه في كـتـابـه عـن “آخـر يـهـود بغـداد  The Last Jews in Baghdad”.

(4) Cambridge University Press 2009

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

عـنـدمـا كـانـت حـدود الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة تـصـل إلى دجـلـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـتـذكـر الـقـلـيـل مـنّـا أنّ سـيـاسـة الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة الـتّـوسـعـيـة في الـقـرن الـثّـاني بـعـد الـمـيـلاد، وضـرورة حـمـايـة حـدودهـا الـشّـرقـيـة ضـدّ الـفـرس دفـعـتـهـا إلى إرسـال جـيـوشـهـا حـتّى نـهـر دجـلـة، قـاد بـعـضـهـا أبـاطـرة رومـان هـزمـوا أوقـتـلـوا أو أسـروا بـيـن دجـلـة والـفـرات … واكـتـسـب بـعـضـهـم بـعـض أراضـيـهـا الّـتي سـرعـان مـا فـقـدوهـا.

الـفـرس والـرّومـان

أذكّـر قـرائي أوّلاً بـبـعـض الـمـعـلـومـات الّـتي لا يـنـبـغي أن نـنـسـاهـا لـنـسـتـطـيـع مـتـابـعـة مـا حـدث في تـلـك الـحـقـبـة الـزّمـنـيـة :

الـفـرس يـسـقـطـون الـدّولـة الـبـابـلـيـة الأخـيـرة :

عـلـيـنـا أن نـعـود إلى الـقـرن الـسّـادس قـبـل الـمـيـلاد عـنـدمـا دخـل الـفـارسي كـورش (قـيـروش) الأكـبـر مـديـنـة بـابـل في 539 قـبـل الـمـيـلاد، وأسـقـط الإمـبـراطـوريـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة. وهـكـذا أنـهى آخـر حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي كـانـت قـد دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة قـبـلـه.

وأسـس كـورش عـلى أنـقـاض الـدّولـة الـبـابـلـيـة إمـبـراطـوريـة فـارسـيـة أخـمـيـنـيـة حـاول مـدّهـا إلى كـلّ الـجـهـات.

إسـتـيـلاء الإسـكـنـدر الـمـقـدوني عـلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

الإسكندر المقدوني

وعـنـدمـا اتّـجـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني (الأكـبـر) نـحـو الـشّـرق بـعـد حـوالي قـرنـيـن مـن ذلـك، هـزم آخـر مـلـوك هـذه الـسّـلالـة الـفـارسـيـة الأخـمـيـنـيـة في مـعـركـة دارت في مـوقـع بـيـن الـمـوصـل وأربـيـل في الأوّل مـن تـشـريـن الأوّل عـام 331 قـبـل الـمـيـلاد. وبـهـذا أسـقـط دولـتـهـم.

ثـمّ نـزل الإسـكـنـدر نـحـو بـابـل الّـتي أقـام فـيـهـا شـهـراً أظـهـر خـلالـه تـقـديـسـه لآلـهـة الـبـابـلـيـيـن، وأمـر بـإعـادة تـشـيـيـد الـ “أي سَـجـيـل”، مـعـبـد الإلـه مـردوخ الّـذي كـانـت قـد تـهـدّمـت أجـزاء كـثـيـرة مـنـه، واتّـخـذ مـديـنـة بـابـل عـاصـمـة لامـبـراطـوريـتـه الـشّـرقـيـة، واخـتـار أن يـقـيـم في الـقـصـر الـصّـيـفي لـلـمـلـك نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني.

وتـرك الإسـكـنـدر الـمـقـدوني بـابـل مـتّـجـهـا نـحـو الـشّـرق الّـذي غـزا أراضـيـه إلى مـا بـعـد أفـغـانـسـتـان الـحـالـيـة والـهـنـد، وضـمّـهـا إلى امـبـراطـوريـتـه. وبـعـد أن رفـض جـنـوده الـمـتـعـبـون الإسـتـمـرار في الـتّـقـدم نـحـو أقـصى الـشّـرق، رجـع الإسـكـنـدر نـحـو بـابـل الّـتي مـات فـيـهـا سـنـة 323 قـبـل الـمـيـلاد.

(أنـظـر مـقـالي : الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل)

الـدّولـة الـسّـلـوقـيـة :

وبـعـد مـوت الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل، إشـتـدّت الـصّـراعـات بـيـن قـوّاده. وتـقـاسـم الـمـنـتـصـرون مـنـهـم الأراضي الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلـيـهـا، فـاسـتـقـلّ سـلـوقـوس (ويـكـتـب اسـمـه أيـضـاً : سـلـوقـس) الّـذي أسـمى نـفـسـه بـ “نـيـكـاتـور Σέλευκος Νικάτωρ”، أي الـمـنـتـصـر، بـالـجـزء الـشّـرقي مـن الإمـبـراطـوريـة، والّـذي كـان يـمـتـدّ مـن سـوريـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد فـارس إلى الـهـنـد.

seleucos 1er

وقـد دخـل سـلـوقـوس نـيـكـاتـور بـابـل عـام 312 قـبـل الـمـيـلاد، واتـخـذهـا عـاصـمـة لـه في بـدايـة حـكـمـه قـبـل أن يـبـدأ في عـام 311  قـبـل الـمـيـلاد بـتـأسـيـس عـاصـمـة جـديـدة لـه عـلى نـهـر دجـلـة، حـوالي 60 كـيـلـومـتـراً شـمـال مـديـنـة بـابـل. في مـوقـع كـانـت عـلى ضـفـتـه الـمـقـابـلـة مـديـنـة يـذكـر الـمـؤلـفـون الإغـريـق أن اسـمـهـا كـان أوبـيـس  Opis.

وتـطـلّ الـمـديـنـة الـجـديـدة الّـتي أسـمـاهـا سـلـوقـيـة عـلى نـهـر دجـلـة مـن جـانـب وعـلى الـقـنـاة الـمـلـكـيـة الّـتي كـانـت قـد شـيّـدت قـبـل ذلـك بـقـرون لـتـربـط دجـلـة بـالـفـرات. وهي في الـمـكـان الّـذي أسـمـاه الـعـرب بـعـد ذلـك بـالـمـدائـن، ومـا يـسـمى الآن بـسـلـمـان بـاك في جـنـوب بـغـداد.

وبـعـد أن اسـتـولى سـلـوقـوس عـلى شـمـال سـوريـا، وعـلى الـجـزء الـشّـرقي مـن آسـيـا الـصـغـرى عـام 301 قـبـل الـمـيـلاد، أسـس مـديـنـة أنـطـاكـيـة الّـتي أسـمـاهـا بـاسـم أبـيـه : “أنـطـيـوخــوس  Ἀντίoχoς”، في غـرب سـوريـا، واتّـخـذهـا عـاصـمـة لـه لـيـفـتـح مـمـلـكـتـه عـلى الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط، ولـكي لا يـقـطـعـهـا عـن بـلاد الإغـريـق.

وأصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة الـمـديـنـة الـثّـانـيـة في الـدّولـة، ومـكـان إقـامـة ولي الـعـهـد.

(أنـظـر مـقـالي :عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة )

سـيـطـرة الـفـرس الـفـارثـيـيـن :

تـعـززت سـلـطـة أرسـاك (أو أرشـك)، شـيـخ إحـدى الـقـبـائـل الـفـارسـيـة في حـوالي عـام 250 قـبـل الـمـيـلاد، وامـتـدت هـيـمـنـتـه عـلى مـا حـول أراضـيـه في فـارثـيـا، في شـمـال شـرق بـلاد الـفـرس. وأنـشـأ بـهـذا سـلالـة أسـمـيـت بـالـسّـلالـة الـفـارثـيـة الأرشـكـيـة.

وقـد اسـتـطـاع أحـد مـلـوكـهـم، مـيـثـريـدات الأوّل، بـعـد ذلـك الإسـتـيـلاء عـلى بـلاد الـمـيـديـيـن وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. ودخـل سـلـوقـيـة دجـلـة عـام 141 قـبـل الـمـيـلاد واحـتـلّـهـا. ولـكـنّ الـمـلـك الـسّـلـوقي ديـمـتـريـوس الـثّـاني اسـتـعـاد مـنـه بـعـد ذلـك مـنـطـقـة بـابـل وبـلاد الـمـيـديـيـن.

ولـم يـدم انـتـصـار الـمـلـك الـسّـلـوقي طـويـلاً، فـقـد هـاجـمـه الـفـارثـيـون مـن جـديـد واسـتـعـادوا مـا كـان قـد اسـتـولى عـلـيـه.

وقـد شـيّـد الـفـارثـيـون مـديـنـة طـيـسـفـون مـقـابـل مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة واتّـخـذهـا مـلـوكـهـم عـاصـمـة ثـانـيـة يـقـضـون فـيـهـا الـشّـتـاء.

عـبـور الـرّومـان لـلـفـرات :

وقـام الـقـائـد الـرّومـاني كـراسـوس Crassus في 92 قـبـل الـمـيـلاد، أي تـحـت حـكـم الإمـبـراطـور أوغـسـطـس، بـأوّل مـحـاولـة لـعـبـور الـفـرات نـحـو الـشّـرق ولـكـنّ قـواتـه هـزمـت أمـام الـفـارثـيـيـن.

وفي عـام 106 م. أرسـل الإمـبـراطـور تـرايـانـوس Traianus (تـراجـان) أمـراً إلى حـاكـم سـوريـا الـرّومـاني بـالإسـتـيـلاء عـلى مـمـلـكـة الأنـبـاط في سـلـع (الـبـتـراء)(1) وضـمّ أراضـيـهـا إلى مـمـتـلـكـات الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة.

Trajan

وكـان ذلـك بـعـد وفـاة مـلـكـهـا ربّ بـعـل الـثّـاني.

وقـد أنـشـأ الإمـبـراطـور تـرايـانـوس في 22 آذار مـن عـام 106 “ولايـة (2) بـلاد الـعـرب” الـرّومـانـيـة Provincia Arabia وجـعـل بُـصـرى عـاصـمـة لـهـا.

وكـان هـدفـه مـن ذلـك تـعـزيـز حـدوده الـشّـرقـيـة وإعـداد حـمـلـة عـسـكـريـة ضـدّ الـفـارثـيـيـن.

وفي خـريـف عـام 113م.، تـرك الإمـبـراطـور تـرايـانـوس رومـا، ووصـل أنـطـاكـيـة في سـوريـا في ربـيـع عـام 114.

ويـذكّـر الـمـؤرخـون الـرّومـان أنّـه اسـتـقـبـل عـدّة وفـود مـن حـكـام الـمـنـطـقـة، ومـن بـيـنـهـم شـيـوخ عـرب مـن شـمـال مـا بـيـن الـنّـهـريـن مـثـل مـا نـوس Mannos مـن عـشـائـر الـسّـيـنـيـيـن في Singara (أي سـنـجـار).

وبـدأ بـضـمّ كـلّ مـنـطـقـة أرمـيـنـيـا إلى دولـتـه وجـعـلـهـا ولايـة عـيّـن لـهـا حـاكـمـاً رومـانـيـاً، ثـمّ اتـجـه إلـيـهـا وأخـضـعـهـا لـسـيـطـرتـه، كـمـا أخـضـع الـقـوقـازيـيـن.

وتـرك أرمـيـنـيـا في ربـيـع عـام 115م. مـتّـجـهـاً نـحـو الـجـنـوب وفـتـح نـصـيـبـيـن ومـدن أخـرى مـن مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وأنـشـأ في أواخـر 115 “ولايـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن Provincia Mesopotamia”، وقـضى الـشّـتـاء في أنـطـاكـيـة.

وفي بـدايـة عـام 116، دخـلـت الـقـوّات الـرّومـانـيـة في سـلـوقـيـة دجـلـة ثـمّ احـتـلّـت طـيـسـفـون، عـاصـمـة الـفـارثـيـيـن الّـتي هـرب مـنـهـا الـمـلـك الـفـارثي.

وقـد اسـتـمـرّ الإمـبـراطـور تـرايـانـوس في مـسـيـرتـه نـحـو الـجـنـوب حـتّى الـخـلـيـج لـيـسـتـولي عـلى مـمـتـلـكـات أعـدائـه. وتـوقّـف في بـابـل لـيـزور الـقـصـر الّـذي مـات فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني.

Empire 001

وبـعـد مـوت تـرايـانـوس سـنـة 117 تـرك الإمـبـراطـور هـادريـانـوس  Hadrianus الّـذي خـلـفـه كـلّ مـا كـان الـرّومـان قـد كـسـبـوه مـن أراضي في الـشّـرق.

وبـعـد وفـاة الإمـبـراطـور الـرّومـاني أنـتـونـيـنـوس الـتّـقي Antoninus Pius عـام 161 م. عـبـر الـمـلـك الـفـارثي فـولـوجـيـس الـثّـالـث نـهـو الـفـرات بـاتـجـاه الـغـرب وغـزا مـواقـع الـرّومـان.

VologasesIII.2

(فـولـوجـيـس الـثّـالـث)

وأرسـل الإمـبـراطـور الـرّومـاني الـجـديـد، مـاركـوس أنـتـونـيـنـوس Marcus Antoninus حـمـلـة ضـدّ الـفـارثـيـيـن، ولـكـنّ جـيـشـه لـم يـسـتـطـع الـتّـغـلـب عـلـيـهـم إلّا في عـام 165. وعـبـر الـرّومـان الـفـرات بـاتـجـاه الـشّـرق لـيـسـيـطـروا عـلى مـنـطـقـة الـرّهـا (أورفـة في أيّـامـنـا هـذه).

فـتـرة أبـاطـرة الـعـسـكـر :

إخـتـار عـسـكـر الـرّومـان عـام 193 م. أحـد قـادتـهـم، سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس Septimius Severus ونـصـبـوه إمـبـراطـوراً. وكـان سـبـتـمـيـوس مـن أصـل بـنـيـقي (3)، ولـد في لـبـدة Leptis Magna في لـيـبـيـا الـحـالـيـة. (4)

وقـد قـاد الإمـبـراطـور سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس حـمـلـتـيـن في الـشّـرق، الأولى في عـامي 194 و195 والّـتي هـزم فـيـهـا جـيـش مـلـك حـذيـاب (الّـتي كـانـت تـمـتـد بـيـن الـزّاب الـكـبـيـر والـزّاب الـصّـغـيـر)، والـثّـانـيـة عـام 197 والّـتي لـم يـسـتـطـع خـلالـهـا فـتـح الـحـضـر (حـضـرة شـمـس) رغـم حـصـاره الـطّـويـل لـهـا.

وفي عـام 198 وصـل أمـام طـيـسـفـون وحـاصـرهـا، وهـرب مـنـهـا الـمـلـك الـفـارثي فـولـوجـيـس الـرّابـع قـبـل أن تـفـتـح أبـوابـهـا لـلإمـبـراطـور الـرّومـاني.

Vologès IV

(فـولـوجـيـس الـرّابـع)

وأنـشـأ الإمـبـراطـور سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس عـام 198/199  م. ولايـة عـلى الـحـدود الـشّـرقـيـة لـدولـتـه أسـمـاهـا ” ولايـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن Provincia Mesopotamia”. ثـمّ عـاد إلى رومـا في 199 م.

وقـد شُـيّـد في رومـا عـام 203 م. قـوس نـصـر مـن الـحـجـر عـلـيـه نـصّ بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة يـفـتـخـر بـانـتـصـارات الإمـبـراطـور سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس عـلى الـفـارثـيـيـن والـعـرب  Parthico Arabico.

قوس نصر

septime sevser 2

وفي عـامي 231 و 232 م. قـاد الإمـبـراطـور سـيـفـيـروس الإسـكـنـدر Severus Alexander  حـمـلـة ضـدّ الـفـرس عـلى ضـفـاف الـفـرات.

الـسّـاسـانـيـون يـخـلـفـون الـفـارثـيـيـن :

وبـعـد أن أسـقـط الـفـارسي أردشـيـر آخـر مـلـوك الـفـارثـيـيـن، أرطـبـان الـخـامـس، تـوّج مـلـكـاً عـام 224 في طـيـسـفـون وأنـشـأ سـلالـة الـسّـاسـانـيـيـن الـفـارسـيـة. وأتـخـذ طـيـسـفـون عـاصـمـة لـه.

وعـنـدمـا وصـل شـابـور الأوّل إلى الـحـكـم في 240 شـرع في تـوسـيـع دولـتـه الـسّـاسـانـيـة وعـبـر الـفـرات لـيـهـاجـم الـمـواقـع الـرّومـانـيـة. وجـمـع الإمـبـراطـور الـرّومـاني غـورديـانـوس  Gordianus الـثّـالـث قـوّاتـه وسـار لـلـقـاء الـمـلـك الـسّـاسـاني.

وقـد اسـتـطـاع الـرّومـاني في الـبـدايـة دفـع الـفـرس واسـتـعـادة حـرّان ونـصـيـبـيـن والـحـضـر، وعـيّـن قـائـديـن، كـان أحـدهـمـا فـيـلـيـب الـعـربي Phillipus Arabs.(5)

ودارت مـعـركـة عـنـيـفـة بـيـن الـفـرس والـرّومـان في شـبـاط 244 م. في الأنـبـار، قـرب الـفـلـوجـة، جـرح فـيـهـا الإمـبـراطـور الـرّومـاني جـراحـاً قـاتـلـة، مـات مـنـهـا. وتـشـتـت جـيـشـه بـيـن قـتـلى وأسـرى بـأيـدي الـفـرس.

وبـعـد وفـاة غـورديـانـوس الـثّـالـث عـام 244 م. إرتـقى فـيـلـيـب الـعـربي عـرش الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة.

Philippe A 001 (423x640)

وقـد تـفـاوض مـع الـفـرس الـسّـاسـانـيـيـن لإحـلال الـصّـلـح ودفـع مـبـالـغ طـائـلـة لـشـراء الأسـرى الـرّومـان وتـحـريـرهـم.

وفي عـام 259، تـوجّـه الإمـبـراطـور الـرّومـاني فـالـيـريـانـوس Valerianus لـيـقـاتـل الـسّـاسـاني شـابـور الأوّل بـيـن حـرّان والـرّهـا، ولـكـنّـه خـسـر الـمـعـركـة وسـقـط أسـيـراً بـأيـدي الـفـرس الّـذيـن أخـذوه مـثـقـلاً بـالأغـلال إلى طـيـسـفـون. وقـد رفـض خـلـفـه الـتّـفـاوض مـع الـفـرس ودفـع فـديـتـه. ومـات الإمـبـراطـور فـالـيـريـانـوس في أسـره.

وقـد جـمـع شـابـور في مـنـحـوتـة قـلـيـلـة  الـبـروز انـتـصـاراتـه الـمـتـفـرّقـة عـلى أبـاطـرة الـرّومـان الـثـلاثـة في مـشـهـد واحـد، نـرى فـيـه حـوافـر فـرسـه تـطـأ جـسـد الإمـبـراطـور غـورديـانـوس، ونـراه يـجـرّ خـلـفـة الإمـبـراطـور فـالـيـريـانـوس أسـيـراً مـكـبّـلاً بـالأغـلال، بـيـنـمـا ارتـمى أمـامـه الإمـبـراطـور فـيـلـيـب الـعـربي يـرجـوه الـعـفـو :

shapur et Romains 2

وفي عـام 260 م. غـزا شـابـور الأوّل مـن جـديـد مـا بـقي لـلـرّومـان مـن مـمـتـلـكـات في مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وحـاصـر حـرّان والـرّهـا.

وأرسـل الـرّومـان أُذيـنـة الـثّـاني، مـلـك تـدمـر، عـلى رأس جـيـش هـاجـم الـسّـاسـانـيـيـن وطـاردهـم حـتّى طـيـسـفـون مـرتـيـن : في عـامي 261 و 267. وضـمّ أُذيـنـة مـنـاطـق مـا بـيـن الـنّـهـريـن إلى مـمـلـكـتـه.

أذينة 2

وفي عـام 272 حـاصـر الإمـبـراطـور الـرّومـاني أورلـيـانـوس  Aurelianus تـدمـر الّـتي كـانـت تـحـكـمـهـا زنـوبـيـا، أرمـلـة أُذيـنـة، الّـتي يـسـمـيـهـا الـعـرب بـالـزّبّـاء.

Zénobie 2

وبـعـد أن فـتـحـهـا أرسـل زنـوبـيـا أسـيـرة إلى رومـا، وضـمّ مـمـلـكـتـهـا إلى أراضي أمـبـراطـوريـتـه.

وقـد قـاد الإمـبـراطـور أورلـيـانـوس كـاريـنـوس  Aurelianus Carinus حـمـلـة ضـد الـسّـاسـانـيـيـن عـام 282، ولـكـنّـه لـم يـفـلـح في عـبـور الـفـرات نـحـو الـشّـرق.

وقـاد الإمـبـراطـور ديـوكـلـتـيـانـوس (ديـوقـلـيـان)   Diocletianusهـو الآخـر جـيـشـه حـتّى نـصـيـبـيـن عـام 298، وأجـبـر  الـسّـاسـانـيـيـن عـلى الإعـتـراف بـحـدود الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة شـرق دجـلـة.

وظـلّـت الأمـور عـلى هـذه الـحـال حـتّى سـقـوط الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة الـغـربـيـة نـهـائـيـاً عـام 476 بـعـد الـمـيـلاد.

ويـنـبـغي أن نـفـرّق بـيـن رومـان الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة وبـيـن الـبـيـزنـطـيـنـيـن الّـذيـن يـسـمـيـهـم الـقـرآن بـالـرّوم، والّـذيـن كـانـت لـهـم حـروبـهـم مـع الـفـرس. وقـد فـتـح الـبـيـزنـطـيـون طـيـسـفـون، عـاصـمـة الـفـرس الـسّـاسـانـيـيـن عـام 627 م. ونـهـبـوهـا، عـشـرة أعـوام قـبـل أن يـفـتـحـهـا الـمـسـلـمـون عـام 637. ولـكـنّ هـذا سـيـكـون مـوضـوعـاً لـمـقـال قـادم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يـعـني اسـم سـلـع الـصّـخـر، وقـد تـرجـمـه الـيـونـانـيـون إلى πέτρα (يـلـفـظ بـالـحـروف الـلاتـيـنـيـة petra)، وقـد عـربـنـاه (أو حـورنـاه) إلى الـبـتـراء. وكـان سـقـوط سـلـع في 106 مـيـلاديـة حـدثـاً مـهـمـاً عـنـد الـعـرب حـتّى أنّـهـم كـانـوا يـؤرخـون الأحـداث : “مـن سـقـوط سـلـع”.

(2) وهي جـزء مـن الـتّـقـسـيـم الإداري لـلإمـبـراطـوريـة، وهي بـالأحـرى تـعـادل “ولايـة” في الـتّـقـسـيـم الإداري لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة أكـثـر مـنـهـا “مـقـاطـعـة” الّـتي شـاع اسـتـعـمـالـهـا رغـم أنّ الـكـلـمـة لـيـس لـهـا هـذا الـمـعـنى الإداري.

(3) الـبـنـيـقـيـون هـم فـنـيـقـيـون تـركـوا مـمـلـكـة صـور عـلى الـسّـاحـل الـشّـرقي لـلـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط  (في لـبـنـان في أيّـامـنـا هـذه) وأسـسـوا مـسـتـعـمـرة تـجـاريـة أسـمـوهـا قـرت حـدشـت (الـمـديـنـة الـحـديـثـة) الّـتي حـوّر الإغـريـق اسـمـهـا إلى (قـرطـاج) عـلى الـسّـاحـل الـجـنـوبي لـلـبـحـر الـمـتـوسّـط (في تـونـس في أيّـامـنـا هـذه).

(4) تـزوّج سـبـتـمـيـوس بـيـولـيـا دومـنـة Iulia Domna، إبـنـة كـبـيـر كـهّـان حـمـص.

(5)   يـبـدو أنّ فـيـلـيـب الـعـربي كـان ابـن شـيـخ مـن سـلـع (الـبـتـراء) ولـد حـوالي 204 م. عـنـدمـا كـانـت الـمـنـطـقـة تـشـكّـل “ولايـة بـلاد الـعـرب” كـجـزء مـن الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة. وبـعـد وفـاة غـورديـانـوس الـثّـالـث إرتـقى عـرش الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة. تـوفي سـنـة 249 م.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.