فـهـارس الـمـقـالات الـمـنـشـورة في مـدونـة “بـيـن دجـلـة والـفـرات” 2015 ــ 2019

قـائـمـة تـحـتـوي عـلى الـمـقـالات الّـتي نـشـرت في مـدونـة “بـيـن دجـلـة والـفـرات” بـيـن آذار (مـارس) 2015  وكـانـون الأوّل (ديـسـمـبـر) 2019. وقـد رتّـبـت تـرتـيـبـاً زمـنـيـاً حـسـب مـواضـيـعـهـا مـن الأقـدم تـاريـخـيـاً وإلى الأكـثـر حـداثـة. وتـجـدون في بـدايـة كـلّ تـلـخـيـص عـنـوان الـمـقـال بـالـلـون الأحـمـر وقـد خـطّ تـحـتـه خـطّ. ويـمـكـنـكـم الـضّـغـط عـلى الـعـنـوان لـقـراءة الـمـقـال بـكـامـلـه، فـالـعـنـوان هـو الـرّابـط الّـذي يـوصـل إلى الـمـقـال الأصـلي  :

 

الـعـرب وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد

Karkar

تـأتي مـعـرفـتـنـا بـتـاريـخ الـعـرب في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد خـاصـة مـن الـنّـصـوص الآشـوريـة والـبـابـلـيـة الـحـديـثـة الّـتي كـانـت تـسـتـعـمـل الـلـغـة الأكّـديـة (بـالـلـهـجـتـيـن الـبـابـلـيـة والآشـوريـة) والـمـسـجـلـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة، مـنـذ أوّل ذكـر لـهـم سـنـة  853 قـبـل الـمـيـلاد، وحـتّى سـقـوط مـديـنـة بـابـل عـام 539 قـبـل الـمـيـلاد تـحـت ضـربـات الـفـرس الأخِمـيـنـيـيـن …

 

بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت

هيرودوت

يـعـتـبـر الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي عـاش في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد “أبـا الـتّـاريـخ”، ويـعـتـبـر كـتـابـه أقـدم كـتـاب في الـتّـاريـخ، ألّـفـه بـعـد أن سـافـر في أنـحـاء واسـعـة مـن الـعـالـم الـمـعـروف في زمـانـه لـيـعـرّف مـعـاصـريـه مـن الإغـريـق عـلى مـا يـجـرى حـولـهـم. وهـو يـذكـر أنّـه زار بـابـل ومـنـاطـق أخـرى مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن بـيـن مـا زار مـن بـلاد، أي بـعـد أقـلّ مـن قـرن عـلى سـقـوط بـابـل تـحـت ضـربـات جـيـش الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني كـورش (الأكـبـر) في 539 قـبـل الـمـيـلاد. وهـو يـخـصـص مـقـاطـع طـويـلـة مـن الـكـتـاب الأوّل لـلـكـلام عـن بـلاد بـابـل وعـادات أهـلـهـا وتـقـالـيـدهـم، وعـن ثـورة الـبـابـلـيـيـن عـلى الإحـتـلال الـفـارسي …

 

جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة

جنائن سميراميس 1683

لـم تـذكّـر الـنّـصـوص الـبـابـلـيـة الّـتي سُـجّـلـت بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة جـنـائـن مـعـلـقـة في بـابـل، ولـم يـجـد الـمـنـقـبـون خـلال حـمـلات الـتّـنـقـيـبـات الـمـتـتـالـيـة في مـوقـع بـابـل الـقـديـمـة (مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وطـيـلـة الـقـرن الـعـشـريـن) أثـراً لـهـذه الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة. فـكـيـف تـكـوّنـت هـذه الأسـطـورة عـنـد الإغـريـق (أي الـيـونـانـيـيـن الـقـدمـاء) ومـقـلـديـهـم الـرّومـان ؟ وكـيـف دخـلـت ضـمـن “عـجـائـب الـدّنـيـا الـسّـبـع” الّـتي صـنّـفـوهـا ؟

 

قـصّـة بـابـلـيـة في فِـلـم قـديـم

Intolerance 1916

أخـرج الأمـريـكي د. غـريـفـيـث D.W.Griffith  فِـلـم : (الـتّـعـصّـب : صـراع الـحـبّ عـبـر الـعـصـور Intolerance : Love’s Struggle Throughout the Ages) في 1916. ويـنـقـسـم الـفِـلـم إلى أربـعـة أجـزاء، يـمـثّـل كـلّ جـزء مـنـهـا فـتـرة زمـنـيـة مـخـتـلـفـة. ويـتـكـلّـم الـجـزء الـبـابـلي مـن الـفـلـم : The Fall of Babylone عـن سـقـوط عـاصـمـة الإمـبـراطـوريـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة تـحـت ضـربـات جـيـش كـورش الـكـبـيـر (أو كـيـروش) الـفـارسـي الإخـمـيـني في عـام 539 قـبـل الـمـيـلاد …

 

تـمـثـالان لآشـوربـانـيـبـال وجـلـجـامـش في سـان فـرانـسـيـسـكـو وسـيـدني

آشوربانيبال سان فرنسيسكو 2

نـصـب تـمـثـال آشـوربـانـيـبـال في The Civic Center في سـان فـرانـسـيـسـكـو، كـالـيـفـورنـيـا (الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة) عـام 1988، وتـمـثـال “جـلـجـامـش” في جـانـب مـن حـديـقـة جـامـعـة سـيـدني The University of Sydney في أسـتـرالـيـا عـام 2000. ولـكـن هـل هـمـا يـمـثّـلان حـقّـاً آشـوربـانـيـبـال وجـلـجـامـش ؟

 

أسـد بـابـل

توما أسد بابل

نـجـد أوّل ذكـر لأسـد ضـخـم الـحـجـم نـحـت في صـخـر الـغـرانـيـت وعـثـر عـلـيـه في مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة في مـقـال نـشـره الـفـرنـسي جـوزيـف دو بـوشـام عـام 1790 في جـريـدة الـعـلـمـاء في بـاريـس. وكـان بـعـض أهـل الـحـلّـة قـد ذكـروا لـه أنـهـم كـانـوا قـد وجـدوا صـنـمـاً مـدفـونـاً في بـاطـن الأرض. وبـعـد أن أخـذوه إلى الـمـكـان وحـفـروه لـه مـيّـز في أعـمـاق الـحـفـرة تـمـثـال أسـد … وسـجّـل الـبـريـطـاني كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش عـام 1817 في سـرد رحـلـتـه الـثّـانـيـة أنّـه اكـتـرى عـدداً مـن الـرّجـال حـفـروا يـومـاً كـامـلاً وأزاحـوا الـتّـراب عـن : “أسـد هـائـل الـحـجـم عـلى قـاعـدة، مـنـحـوتـاً في نـوع سئ مـن الـغـرانـيـت الـرّمـادي بـصـنـعـة رديـئـة. وكـانـت في فـمـه فـتـحـة دائـريـة يـمـكـن لـلـمـرء أن يـدخـل فـيـهـا قـبـضـتـه” …

 

لـوحـة «سـوق الـزّواج الـبـابـلي» لإدويـن لـونـغ

سوق الزواج البابلي

رسـم الـفـنّـان الإنـكـلـيـزي إدويـن لـونـغ Edwin LONG  عـام 1872 لـوحـة أسـمـاهـا : سـوق الـزّواج الـبـابـلي. وقـد وجـد إدويـن لـونـغ مـوضـوع لـوحـتـه في كـتـاب الـمـؤرّخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد، أي بـعـد أن سـقـطـت الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخّـرة وعـاصـمـتـهـا بـأيـدي الـفـرس الإخـمـيـنـيـيـن …

 

لـوحـة « سـمـيـرامـيـس تـشـيّـد مـديـنـة بـابـل » لإدغـار دُغـا

Dega 3

بـدأ الـفـنـان الـفـرنـسي إدغـار دُغـا عـام 1860 بـرسـم لـوحـة أسـمـاهـا “سـمـيـرامـيـس تـشـيّـد مـديـنـة بـابـل”، ولـكـنّـه تـركـهـا عـام 1862 مـن غـيـر أن تـكـتـمـل. ونـرى فـيـهـا الـمـلـكـة الأسـطـوريـة سـمـيـرامـيـس عـلى شـرفـة تـتـأمّـل مـديـنـة بـابـل الّـتي شُـرع في تـشـيـيـدهـا في الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـفـرات، تـصـاحـبـهـا نـسـاء بـلاطـهـا وخـلـفـهـنّ جـواد يـجـرّ عـربـة الـمـلـكـة الّـتي لا نـرى مـنـهـا إلّا مـقـدمـتـهـا. وقـد رسـم الـحـصـان والـعـربـة الـمـلـكـيـة الّـتي يـجـرّهـا تـمـامـاً مـثـلـمـا رآهـا في مـنـحـوتـات قـصـر سـرجـون الـثّـاني الّـتي كـان بـول إمـيـل بـوتـا، قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل، قـد عـثـر عـلـيـهـا في تـنـقـيـبـاتـه وبـعـثـهـا إلى مـتـحـف الـلـوفـر.

 

كـيـف خـرج الـسّـومـريـون مـن غـيـاهـب الـنّـسـيـان

كيف خرج السومريون من النسيان

بـعـد أن أزاح الـفـرنـسي بـول إمـيـل بـوتـا الـتّـراب عـن آثـار الآشـوريـيـن عـام 1843 في خـورسـبـاد، قـرب نـيـنـوى، خـرج تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد مـن غـيـاهـب ظـلام الـنّـسـيـان، واكـتـشـف الـعـالـم مـذهـولاً جـزءاً مـن تـاريـخ الـبـشـريـة غـاب عـن ذاكـرتـهـا مـدّة أكـثـر مـن ألـفَي سـنـة. ثـمّ اكـتـشـف الـعـالـم تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات في الألـف الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد بـتـنـقـيـبـات بـابـل. وقـد وسّـعـت تـنـقـيـبـات الـفـرنـسي إرنـسـت دو سَـرزيـك في بـلاد سـومـر (بـدأت عـام 1877) مـعـارفـنـا عـن تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن عـنـدمـا أوصـلـنـا إلى الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد الّـذي كـان الـعـالـم يـجـهـلـه جـهـلاً تـامّـاً قـبـلـهـا. وبـهـذا اكـتـشـف حـضـارة لـم يـكـن أحـد يـتـذكّـرهـا مـنـذ آلاف الـسّـنـيـن : الـحـضـارة الـسّـومـريـة. وقـد تـوصـل الـعـلـمـاء بـعـد ذلـك إلى مـعـرفـة الـلـغـة الـسّـومـريـة، وصـدرت لـهـا كـتـب قـواعـد قـبـل أن تـصـبـح دراسـتـهـا ودراسـة الـحـضـارة الـسّـومـريـة فـرعـاً مـن “عـلـم الآشـوريـات” يـسـمى بـ”عـلـم الـسّـومـريـات”. واغـتـنـت الـبـشـريـة بـاسـتـرجـاع أولى فـتـراتـهـا الـتّـاريـخـيـة الّـتي شـهـدت اخـتـراع الـكـتـابـة والّـتي أدخـلـتـهـا في الـحـضـارة …

 

الـمـتـاجـرة بـالآثـار الـبـابـلـيـة في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر

بلمبتون 322

قـرر مـسـؤولـو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن عـام 1887 إرسـال والـيـس بـدج إلى الـعـراق لـلـتـحـقـيـق في أمـر سـرقـات الـقـطـع الأثـريـة، خـاصـة وأنّـهـم اكـتـشـفـوا أنّ قـطـعـاً أثـريـة وألـواحـاً مـسـمـاريـة أخـرى سـرقـت مـن الـمـواقـع الّـتي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـنـقـب فـيـهـا وخـاصـة في بـابـل، وكـان بـعـضهـا يـبـاع في لـنـدن، عـلى بـعـد خـطـوات مـن الـمـتـحـف ! ووجـد والـيـس بـدج أن سـرقـات الـقـطـع الأثـريـة والـمـتـاجـرة بـهـا بـلـغـت حـدّاً لا يـتـصـوّره الـعـقـل …




لـوحـة « بـابـل » لـلـفـنّـان كـوبـكـا

كوبكا، بابل

رسـم الـفـنّـان الـتّـشـيـكي فـرانـتـيـشـيـك كـوبـكـا في 1906 لـوحـة زيـتـيـة أسـمـاهـا : “بـابـل”، تـصـوّر مـديـنـة بـابـل في الـصّـبـاح، فـقـد بـدأت أشـعـة الـشّـمـس تـنـيـر الـجـنـائـن الـمـعـلـقـة عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـفـرات. ونـرى في مـقـدمـة الـلـوحـة مـجـمـوعـة مـن الـنّـاس أمـام مـدخـل الـجـسـر: سـائـسَي خـيـل يـجـرّ كـلّ مـنـهـمـا جـواديَـن مـسـرجـيـن عـلى ظـهـورهـمـا أقـمـشـة (أو جـلـود ؟) ثـريّـة الـنّـقـوش، وخـلـفـهـمـا رجـل يـجـرّ حـمـاراً. كـمـا نـرى رجـالاً يـنـتـظـرون مـتّـكـئـيـن عـلى حـافـة الـجـسـر بـجـانـب حـارس يـرفـع رمـحـه، ورجـالاً آخـريـن قـادمـيـن نـحـوه. ونـرى عـلى الـجـسـر رجـالاً يـحـمـلـون لـوحـاً مـن الـخـشـب يـضـعـونـه كـعـارضـة عـلى ركـائـز الـجـسـر في جـانـبـيـه، وخـلـفـهـم رجـال آخـرون يـحـمـلـون ألـواحـاً أخـرى. ولـكـن مـاذا يـعـني كـلّ هـذا ؟

 

سـردنـبـال، أو كـيـف شُـوّهـت صـورة آشـوربـانـيـبـال لـمـدة قـرون طـويـلـة

سردنبال

روى الـكـتّـاب الـيـونـانـيـون حـكـايـات مـشـوهـة عـن الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال نـقـلـوهـا، كـمـا يـبـدو، عـن الـفـرس، بـعـد أن حـوّروا اسـمـه إلى سـردنـبـال Sardanapalus. وقـد أخـذهـا عـنـهـم الـكـتّـاب الـرّومـان، واسـتـمـرت في أوربـا في الـقـرون الـوسـطى وعـصـر الـنّـهـضـة وحـتّى الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر عـنـدمـا رسـم الـفـنّـان الـفـرنـسي أوجـيـن دولاكـروا عـام 1827 لـوحـتـه الـشّـهـيـرة : “مـوت ســردنـبـال” …

 

مـجـمـوعـة آثـارعـراقـيـة قـديـمـة يـعـلـوهـا الـغـبـار في مـتـحـف فـرنـسي صـغـيـر

نص غوديا 001

نـقّـب الـفـرنـسي، الأب دو جُـنـويّـاك Abbé de Genouillac في تـلّـو (تـلّ لـوح) أي مـوقـع مـديـنـة لـغـش/ غـرسـو الـقـديـمـة مـن عـام 1929 إلى عـام 1931، لـحـسـاب مـتـحـف الـلـوفـر و وزارة الـتّـعـلـيـم الـعـام الـفـرنـسـيـة. وقـد أهـدى قـبـل وفـاتـه إلى مـتـحـف الآثـار Musée des Antiquités في مـديـنـة روان Rouen في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي، شـمـال فـرنـسـا، مـجـمـوعـة تـحـتـوي عـلى 650 قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـن مـا كـان قـد عـثـر عـلـيـه في تـنـقـيـبـاتـه في الـعـراق أو مـا اشـتـراه مـن مـهـربي الآثـار. والـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن هـذه الـقـطـع نـصـوص بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة. ومـا زالـت هـذه الـقـطـع تـرقـد في هـذا الـمـتـحـف …

 

مـغـامـرات الـدّكـتـور بـانـكـس

الدكتور بانكس

نـقّـب الـدكـتـور إدغـار جـيـمـس بـانـكـس  في 1903/ 1904 في بـسـمـايـة (مـوقـع مـديـنـة أدب الـقـديـمـة). وفي 1909 عـيّـن أسـتـاذاً لـلـغـات الـشّـرقـيـة والآثـارفي جـامـعـة تـولـيـدو في الأوهـايـو. وبـدأ يـسـافـر في كـلّ أنـحـاء الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة يـلـقي فـيـهـا مـحـاضـرات مـثـيـرة يـمـزج فـيـهـا بـيـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة والأسـاطـيـرالـتّـوراتـيـة والأنـاجـيـلـيـة الّـتي تـؤمـن بـهـا كـثـيـر مـن الأوسـاط الأمـريـكـيـة. وكـان يـغـتـنـم فـرص هـذه الـمـحـاضـرات لـيـعـرض ألـواحـاً مـسـمـاريـة (قـدّرت بـأكـثـر مـن 11،000 لـوح) كـان قـد اشــتـرى بـعـضـهـا مـن مـهـربي الآثـار في الـشّـرق، وجـلـب بـعـضـهـا مـن تـنـقـيـبـاتـه، ويـبـيـعـهـا إلى الـمـتـاحـف والـمـكـتـبـات والـجـامـعـات والـمـعـاهـد الـدّيـنـيـة …

 

بـدايـة اسـتـعـمـال الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

ترانشان 1

وصل الـفـرنـسي فـكـتـور بـلاس إلى الـمـوصـل عـام 1952 لـيـقـوم بـحـمـلـة تـنـقـيـبـات ثـانـيـة في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شَـروكـيـن) في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل. (وكـان بـول إمـيـل بـوتـا قـد قـام بـالـحـمـلـة الأولى في عـامَي  1843ــ 1844). وصـاحـبـه الـمـهـنـدس الـفـرنـسي  جـبـرائـيـل تـرانـشـان الّـذي الـتـقـط مـجـمـوعـات مـن الـصّـور يـظـهـر فـيـهـا الـعـمـال والـمـشـرفـون عـلى الـتّـنـقـيـبـات في كـلّ مـرحـلـة مـن مـراحـل عـمـلـهـم الـمـتـتـابـعـة. وتـحـتـفـظ الأرشـيـفـات الـوطـنـيـة الـفـرنـسـيـة بـ 51  صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـالأبـيـض والأسـود الـتـقـطـهـا تـرانـشـان …

 

كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش

جلجامش 8

وجـد الإنـكـلـيـزي جـورج سـمـيـث عـام 1872، في لـوح مـسـمـاري انـكـسـر بـعـضـه، (كـان قـد عـثـر عـلـيـه في بـقـايـا مـكـتـبـة آشـوربـانـيـبـال في نـيـنـوى) مـقـطـعـاً مـهـمـاً يـحـكي قـصّـة طـوفـان. وقـد ذكـر بـعـد ذلـك أنّـه حـالـمـا فـهـم مـحـتـوى الـلـوح الـفـخـاري الّـذي كـان يـقـرأه نـهـض مـن كـرسـيـه في مـكـتـبـه مـنـتـفـضـاً وانـطـلـق نـحـو الـقـاعـة في حـالـة انـفـعـال شـديـد وبـدأ يـخـلـع مـلابـسـه أمـام نـظـرات الـحـاضـريـن الـمـذهـولـة. وكـان الـمـقـطـع يـحـكي جـزءاً مـن الـقّـصـة الّـتي رواهـا أوتـا نـفـسـتـيـم لـجـلـجـامـش عـن الـطّـوفـان الّـذي أرسـلـتـه الآلـهـة لـعـقـاب الـبـشـر، وكـيـف اسـتـثـنـوه هـو، أوتـا نـفـسـتـيـم مـن بـيـن كـلّ الـبـشـر، وطـلـبـوا مـنـه أن يـصـنـع سـفـيـنـة أركـب عـلـيـهـا أهـلـه وأخـذ مـعـه مـن كـلّ حـيـوان اثـنـيـن. ثـمّ كـيـف أطـلـق، بـعـد أن انـتـهى الـطّـوفـان، حـمـامـة لـتـجـد الـيـابـسـة وتـحـطّ عـلـيـهـا. وأدرك سـمـيـث مـن قـراءة الـلـوح الـمـكـسـور أنّـه وجـد أصـل حـكـايـة الـطّـوفـان الّـتي نـقـلـهـا كُـتّـاب الـتّـوراة بـعـد ذلـك. وأنّ أوتـا نـفـسـتـيـم هـو الّـذي غـيّـروا اسـمـه إلى نـوح …

 

رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

botta1849bd1

أزاح الـفـرنـسي بـول إمـيـل بـوتـا عـام 1943، الـتّـراب عـن جـزء كـبـيـر مـن قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (الّـذي حـكـم مـن 722 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد)، والـمـسـمى بـ “دور شـروكـيـن” أي حـصـن سـرجـون، في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل، بـعـد أن غـابـت نـيـنـوى والـدّولـة الآشـوريـة في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ سـقـوطـهـا عـام 612 قـبـل الـمـيـلاد  …  ووجـد بـوتـا آثـارهـا بـعـد أكـثـر مـن 2500 سـنـة ! ووصـل الـرّسّـام أوجـيـن فـلانـدان مـن بـاريـس إلى الـمـوصـل في 1844 لـيـرسـم الـقـطـع الأثـريـة والـمـنـحـوتـات الـجـداريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا بـوتـا …

 

قـفـف دجـلـة وأكـلاكـهـا

قفف دجلة

عُـثـر عـلى مـنـحـوتـة جـداريـة في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـنـحـاريـب (حـكـم مـن 705 إلى 681 قـبـل الـمـيـلاد) تـمـثّـل قـفّـة واسـعـة الإسـتـدارة عـالـيـة الـحـواف يـسـيّـرهـا رجـلان جـلـسـا في طـرفـيـن مـنـهـا بـمـجـذافـيـن في نـهـر (فـقـد أظـهـر الـنّـحـات ضـفـتـيـه). وفي جـانـبي الـقـفّـة رجـلان يـصـيـدان الـسّـمـك إمـتـطى كـلّ واحـد مـنـهـمـا قـربـة مـنـفـوخـة. ونـجـد أقـدم وصـف لـهـا في كـتـاب الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد، بـعـد حـوالي خـمـسـيـن سـنـة مـن سـقـوطـهـا …

 

كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي

لشبونة

نـظّـمـت مـديـريـة الآثـار الـعـامـة عـام 1964 مـعـرضـاً ضـمّ أعـدداً كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد لـيـقـام في عـدد مـن الـمـدن الأوربـيـة. وقـد أقـيـم الـمـعـرض في مـديـنـة كـولـونـيـا  Köln، ألـمـانـيـا، وفي مـديـنـة تـوريـنـو  Torino، إيـطـالـيـا، وفي لـشـبـونـة، الـبـرتـغـال، وبـقي شـهـريـن في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس. ونـشـر دلـيـل لـلـمـعـرض الـلـوفـري بـ 130 صـفـحـة احـتـوى عـلى عـدد كـبـيـر مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة بـالأبـيـض والأسـود …

 

الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل

الإسكندر

تـرك الإسـكـنـدر مـقـدونـيـا، في شـمـال الـيـونـان، عـام 334 قـبـل الـمـيـلاد مـتـوجّـهـاً نـحـو آسـيـا. وبـعـد أن فـتـح مـدن الـفـنـيـقـيـيـن ثـمّ مـصـر أكـمـل طـريـقـه نـحـو الـشّـرق وعـبـر الـفـرات، ثـمّ دجـلـة، وهـزم داريـا الـثّـالـث، آخـر الـمـلـوك الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن، قـرب اربـيـل. ونـزل بـعـد ذلـك إلى بـابـل، الّـتي أقـام فـيـهـا شـهـراً قـبـل أن يـكـمـل مـسـيـره نـحـو أقـصى الـشّـرق. وبـعـد عـودتـه مـن الـشّـرق تـوقّـف مـن جـديـد في بـابـل عـام 323 ق. م.. وفـيـهـا أصـابـتـه حـمى لـم تـفـارقـه إلى أن مـات … ولـم يـكـن قـد بـلـغ الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره  …

 

الـمـدائـن وطـاق كـسـرى

طاق كسرى ستيرن

عـنـدمـا وصـل جـيـش سـعـد بـن الـوقّـاص عـام 637 م. إلى ضـفـاف دجـلـة، قـرب مـديـنـة سـلـمـان بـاك الـحـالـيـة، وجـد في هـذا الـمـوضـع عـدّة مـدن كـان بـعـضـهـا مـا زال قـائـمـاً وأكـثـرهـا حـلّ بـهـا الـخـراب. وقـد أسـمـاهـا الـعـرب بـعـد فـتـحـهـا بـ “الـمـدائـن”. ويـذكـر الـمـؤرخـون أنّـهـا كـانـت خـمـس (أو سـبـع) مـدن مـلـكـيـة، شـيّـدت في فـتـرات تـاريـخـيـة مـخـتـلـفـة ولـكـن الـواحـدة قـرب الأخـرى. وكـانـت أقـدم هـذه الـمـدن “سـلـوقـيـة دجـلـة” الّـتي شـيّـدهـا سـلـوقـوس عـام 311 قـبـل الـمـيـلاد، و”طـيـسـفـون” الّـتي أسـسـهـا  مـلـوك الـفـارثـيـيـن الأشـكـانـيـيـن عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة الـشّـرقـيـة، أي مـقـابـل مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة، لـيـسـكـنـهـا مـلـوكـهـم في فـصـول الـشّـتـاء. والّـتي نـجـد أوّل ذكـر لـهـا في عـام 221 قـبـل الـمـيـلاد  …

 

عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة

سلوقية تل عمر

بـعـد مـوت الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل سـنـة 324 قـبـل الـمـيـلاد، إشـتـدّت الـصّـراعـات بـيـن قـوّاده. وتـقـاسـم الـمـنـتـصـرون مـنـهـم الأراضي الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلـيـهـا الإسـكـنـدر … واسـتـقـلّ سـلـوقـوس بـالـجـزء الـشّـرقي مـن الإمـبـراطـوريـة، والّـذي كـان يـمـتـدّ مـن سـوريـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد فـارس إلى الـهـنـد. وفي عـام 311  قـبـل الـمـيـلاد، بـدأ سـلـوقـوس بـتـأسـيـس مـديـنـة جـديـدة لـه عـلى نـهـر دجـلـة، مـقـابـل مـديـنـة طـيـسـفـون. وأصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة، بـعـد أن أسـسـهـا سـلـوقـوس، واحـدة مـن أهـمّ عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة …

 

عـنـدمـا كـانـت حـدود الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة تـصـل إلى دجـلـة

septime sever

قـام الـرّومـان عـام 92 قـبـل الـمـيـلاد، أي تـحـت حـكـم الإمـبـراطـور أوغـسـطـس، بـأوّل مـحـاولـة لـعـبـور الـفـرات، ولـكـنّـهـا فـشـلـت. وفي بـدايـة عـام  116 بـعـد الـمـيـلاد، دخـل الإمـبـراطـور  الـرّومـاني تـريـانـوس في “سـلـوقـيـة دجـلـة” واحـتـلّ “طـيـسـفـون”. ثـمّ  اسـتـمـرّ  في مـسـيـرتـه نـحـو الـجـنـوب، وتـوقّـف في بـابـل لـيـزور الـقـصـر الّـذي مـات فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني.  وفي عـام 198 وصـل الإمـبـراطـور الـرّومـاني سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس أمـام طـيـسـفـون وفـتـحـهـا. وأنـشـا ”ولايـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن” الـرّومـانـيـة …

 

تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد وشـارلـمـان

Eginhard1

نـصـب شـارلـمـان، مـلـك دولـة الإفـرنـج، نـفـسـه في 800 م. إمـبـراطـوراً عـلى مـا أسـمـاه بـالإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة الـمـقـدّسـة. وتـروي الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الإفـرنـجـيـة أنّ شـارلـمـان كـان قـد بـعـث عـام 797 م. بـسـفـارة إلى بـلاط الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد في بـغـداد. وبـعـث لـه الـخـلـيـفـة بـسـفـارة حـمـلـت لـه هـدايـا مـن ضـمـنـهـا سـاعـة مـائـيـة وفـيـل …

 

«مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد»، لـوحـة لـلـفـنّـان يـوردايـنـس

هرون الرشيد

رسـم الـفـنّـان الـفـلامـنـكي يـعـقـوب يـوردايـنـس عـام 1663 لـوحـة عـنـوانـهـا : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان”. ونـرى فـيـهـا الإمـبـراطـور شـارلـمـان واقـفـاً مـرتـديـاً الـفـراء الـمـرقّـط، ويـظـلـلـه عـبـد بـمـظـلـة واسـعـة وحـولـه نـسـاء بـلاطـه ورجـالـه، وفي يـده صـولـجـان يـشـيـر بـه إلى ثـلاثـة مـن مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة الّـذيـن يـقـدّمـون لـه الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه هـرون الـرّشـيـد، ويـحـمـلـهـا خـدمـهـم الـعـراة الـصّـدور : آنـيـة وسـاعـة وبـيـضـة نـعـامـة ! كـمـا نـرى الـفـيـل الّـذي أتـوا بـه لـشـارلـمـان. ويـحـتـلّ الـطّـرف الأيـسـر مـن الـلـوحـة الـرّاهـبـان الـلـذان صـاحـبـا مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة …

 

«هـرون الـرّشـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارلـمـان» لـوحـة لـيـولـيـوس كـوكـيـرت

هرون 3 (6)

رسـم الألـمـاني يـولـيـوس كـوكـيـرت في 1864 لـوحـة أسـمـاهـا : “هـرون الـرشّـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارل الأكـبـر في بـغـداد عـام 786 م.” لـيـصـوّر الـسّـفـارة الّـتي أرسـلـهـا الإمـبـراطـور شـارلـمـان إلى بـلاط الـخـلـيـفـة في بـغـداد، والّـتي قـرأ وصـفـهـا في “سـيـرة شـارل الأكـبـر” الّـتي كـتـبـهـا إجـيـنـهـار، مـؤرّخ شـارلـمـان. ولـكـنّ الـرّسّـام أخـطـأ في تـأريـخ الـحـدث فـقـد وضـع في عـنـوان الـلـوحـة سـنـة 786، مـع أنـنـا نـفـهـم مـن نـصّ إجـيـنـهـار أنّ الـسّـفـيـريـن بـعـثـا إلى بـغـداد في 797 …

 

مـقـتـل آخـر خـلـفـاء بـغـداد كـمـا رواه أوربـيـان

مقتل آخر الخلفاء

ذكـر الـتّـاجـر الـبـنـدقي مـاركـو بـولـو في سـرده لـرحـلـتـه إلى الـصّـيـن والـمـعـروف بـ “كـتـاب الـعـجـائـب” قـصـة إجـاعـة هـولاكـو لـلـخـلـيـفـة الـمـسـتـعـصـم بـالله بـعـد أن طـلـب مـنـه أن يـأكـل ذهـبـه، وجـعـل الـخـلـيـفـة يـمـوت جـوعـاً. ونـجـد نـفـس هـذه الـحـكـايـة عـن مـوت آخـر خـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن في نـصّ كـتـبـه الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو الّـذي زار الـمـوصـل وبـغـداد وأقـام فـيـهـمـا في أواخـر الـقـرن الـثّـالـث عـشـر الـمـيـلادي… ولـكـن مـن أيـن جـاءت هـذه الـحـكـايـة ؟ …

 

الـعـراقـيـون كـمـا رآهـم الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر

الإدريسي

تـرك ابـن جُـبـيـر مـديـنـة قـرطـبـة في الأنـدلـس عـام 1183 لـيـحـج إلى مـكّـة. ووصـل في عـام 1184، في خـلافـة الـمـسـتـضئ بـأمـر الله، مـن الـمـديـنـة إلى الـكـوفـة، ثـمّ مـرّ بـالـحـلّـة في طـريـقـه إلى بـغـداد. ومـع أنّ مـدّة إقـامـتـه في بـغـداد لـم تـتـجـاوز ثـلاثـة عـشـر يـومـاً فـقـد خـصـص مـقـطـعـاً طـويـلاً مـن كـتـابـه في وصـف الـبـغـداديـيـن، وأطـلـق عـلـيـهـم أحـكـامـاً قـاطـعـة رغـم قـلّـة مـعـرفـتـهـم لـهـم واخـتـلاطـه بـهـم …

 

الـعـراق في رحـلـة ابـن بـطـوطـة

إبن بطوطة 4

تـرك ابـن بـطّـوطـة مـديـنـتـه طـنـجـة، في الـمـغـرب، مـتـوجّـهـاً إلى مـكّـة لـلـحـج، ثـمّ زار الـعـراق في 1326. وبـعـد أن وصـل مـع الـركـب إلى الـنّـجـف سـافـر إلى الـبـصـرة، ثـمّ مـرّ بـالأهـوار قـبـل أن يـصـل إلى واسـط. ومـنـهـا ذهـب إلى الـكـوفـة فـالـحـلّـة فـبـغـداد. وصـعـد إلى الـمـوصـل وديـار بـكـر. ولا يـجـد قـارئ رحـلـة ابـن بـطّـوطـة في مـا دونـه عـن هـذه الـسّـفـرة مـا يـسـتـحـق الـذّكـر، فـهـو قـد نـقـل خـاصـة مـا كـتـبـه ابـن جُـبـيـر قـبـلـه بـعـد أن غـيّـر بـعـض جـمـلـه، ولـم يـضـف عـلـيـه إلّا الـقـلـيـل …

 

 رحـلـة يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر إلى الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـخـامـس عـشـر

شلتبيرجر

قـصّـة الألـمـاني يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر واحـدة مـن أعـجـب الـقـصـص، فـقـد ألـقـت بـه الأقـدار، مـن نـهـايـة الـقـرن الـرّابـع عـشـر إلى بـدايـة الـقـرن الـخـامـس عـشـر، مـن أسـر إلى أسـر ومـن بـلـد إلى بـلـد حـتّى وصـل إلى بـغـداد، الّـتي يـسـمـيـهـا “بـابـل الـجـديـدة “ بـيـن 1402 و 1405. ورغـم أنّـه لـم يـتـرك لـنـا عـنّـهـا إلّا نـصّـاً قـصـيـراً فـهـو مـع ذلـك شـديـد الأهـمـيـة …

 

وصـول أوائـل الـتّـجّـار الإنـكـلـيـز إلى الـعـراق في الـقـرن الـسّـادس عـشـر

ralph-fitch-1550-16111

تـرك سـتّـة مـن الـتّـجّـار الإنـكـلـيـز لـنـدن في شـبـاط 1583 مـتّـجـهـيـن نـحـو الـشّـرق. وصـاحـبـهـم رسّـام. ويـبـدو أنّ الـتّـاجـر الأكـثـر أهـمـيـة بـيـنـهـم كـان جـون نـيـوبـري فـقـد عـهـدت إلـيـه الـمـلـكـة إلـيـزابـيـث الأولى بـرئـاسـتـهـم وبـمـهـمـة حـمـل رسـالـتـهـا إلى الإمـبـراطـور الـمـغـولي جـلال الـدّيـن مـحـمّـد أكـبـر شـاه، ورسـالـتـهـا إلى مـلـك الـصّـيـن. ووصـلـت سـفـيـنـتـهـم إلى طـرابـلـس الـشّـرق. ومـنـهـا ذهـبـوا إلى حـلـب ثـمّ الـبـيـرا عـلى الـفـرات. وهـناك وجـدوا مـركـبـاً أنـزلـهـم إلى الـفـلـوجـة بـأسـبـوع واحـد. وفي الـفـلـوجـة إكـتـروا مـا يـقـارب الـمـائـة حـمـار لـيـحـمـلـوا عـلـيـهـا مـا جـلـبـوه مـن سـلـع، وتـوجـهـوا نـحـو بـغـداد الّـتي كـانـوا يـسـمـونـهـا مـثـل كـلّ مـعـاصـريـهـم : “بـابـل الـجـديـدة”. وقـد زاروا في طـريـقـهـم عـقـرقـوف (الّـتي ظـنّـوهـا بـابـل) وزقـورتـهـا الّـتي اعـتـبـروهـا “بـرج بـابـل” … ثـمّ نـزلـوا إلى الـبـصـرة وأكـمـل بـعـضـهـم طـريـقـهـم عـبـر الـخـلـيـج …

 

قـصـر الأخـيـضـر

Ukhaidir

مـن أكـثـر الأمـور غـرابـة أنّ نـجـد أوّل إشـارة إلى قـصـر الأخـيـضـر، بـاسـمـه الّـذي نـعـرفـه لـه في أيّـامـنـا هـذه، في سـرد الإيـطـالي بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه لـرحـلـتـه إلى الـعـراق عـنـدمـا مـرّ بـه في 29 حـزيـران  1625. ولا نـدري بـأيّ اسـم ذكـر الـمـؤرخـون الـعـرب هـذا الـبـنـاء الـضـخـم الّـذي بـهـر كـلّ مـن رآه، ولا كـيـف أشـيـر إلـيـه في “مـعـاجـم الـبـلـدان” أو في كـتـب “الـمـسـالـك” الّـتي تـتـبـعـت كـلّ طـرق الـدّولـة الـعـبـاسـيـة وفـصّـلـت في وصـف حـتّى أصـغـر الـقـرى الّـتي لـم تـكـن لـهـا أدنى أهـمـيـة … ومـاذا نـعـرف حـقّـاً عـن هـذا الـحـصـن أو الـقـصـر ؟

 

كـتـاب تـأبـيـن الـبـغـداديـة سـتّ مـعـاني زوجـة ديـلّا فـالـيـه

معاني 2

وصـل شـاب إيـطـالي في الـثّـلاثـيـن مـن عـمـره، اسـمـه بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه إلى بـغـداد في شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1616. وفي كـانـون الأوّل، تـزوّج بـبـغـداديـة اسـمـهـا مـعـاني الـجـويـري. وبـعـد أن زار بــيـيـتـرو بـابـل، سـافـر إلى بـلاد الـفـرس والـهـنـد مـصـطـحـبـاً مـعـه زوجـتـه الّـتي تـوفـيـت خـلال الـسّـفـرة. وعـاد بـيـيـتـرو بـجـثـمـان زوجـتـه الـمـحـنّـط الّـذي وضـع في صـنـدوق مـصـفّـح بـالـرّصـاص إلى إيـطـالـيـا، لـيـدفـنـهـا في رومـا عـام 1626. وأقـيـم لـهـا حـفـل تـأبـيـن في بـدايـة عـام 1627. وقـد نُـشـر بـهـذه الـمـنـاسـبـة كـتـاب بـالـلـغـة الإيـطـالـيـة، بـمـائـة وخـمـسـيـن صـفـحـة، عـنـوانـه : “حـفـل تـأبـيـن الـسّـيّـدة سـتّي مـعـاني الـجـويـري ديـلّا فـالـيـه الّـذي أقـيـم في رومـا عـام 1627″ …

 

رحـلات الـفـرنـسي تـافـرنـيـيـه الـسّـتّ إلى الـشّـرق في الـقـرن الـسّابـع عـشـر

tavernier

قـام الـتّـاجـر الـفـرنـسي جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه بـسـتّ رحـلات إلى الـشّـرق مـن عـام 1631 إلى عـام  1668. وقـد مـرّ بـالـعـراق في ثـلاث مـن هـذه الـرّحـلات. مـرّ بـبـغـداد مـروراً سـريـعـاً في رحـلـتـه الأولى. ومـرّ بـالـمـوصـل في رحـلـتـه الـثّـالـثـة. ونـزل دجـلـة عـلى كـلـك مـن الـمـوصـل إلى بـغـداد، ثـمّ أكـمـل طـريـقـه إلى الـبـصـرة في رحـلـتـه الـرّابـعـة. وهـو يـسـرد مـا حـدث لـه في رحـلاتـه الـسّـتّ في كـتـاب صـدر في بـاريـس عـام  1676 …

 

جـان أوتّـيـر في الـعـراق

جان أوتير

وصـل الـسّـويـدي جـان أوتّـيـر، “مـبـعـوث” مـلـك فـرنـسـا، لـويـس الـرّابـع عـشـر إلى الـشّـرق، إلى الـبـصـرة في 19 حـزيـران 1739. وبـقي فـيـهـا حـوالي أربـع سـنـوات، أولاً بـدون لـقـب رسـمي ثـمّ كـقـنـصـل لـفـرنـسـا ووكـيـل لـشـركـة بـلاد الـهـنـد. وقـد غـادرهـا في أيّـار 1743 …

 

رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري إلى الـعـراق

borgm_00620

دخـل عـبـد الـكـريـم بـن أكـيـبـات بـن مـحـمـد بـلاكي الـكـشـمـيـري في خـدمـة طـهـمـاسـب قـولي خـان الّـذي اسـتـولى عـلى الـحـكـم في بـلاد فـارس تـحـت اسـم نـادر شـاه، خـلال حـمـلـة حـربـيـة قـام بـهـا نـادر شـاه في الـهـنـد. وصـاحـبـه عـبـد الـكـريـم في طـريـق عـودتـه إلى بـلاد فـارس في 1739 م. وحـصـل مـن الـشّـاه عـلى إذن بـمـصـاحـبـة رئـيـس أطـبـائـه إلى مـكّـة.  وقـد مـرّ عـبـد الـكـريـم خـوجـة وأصـحـابـه في طـريـقـهـم إلى مـكّـة بـقـزويـن ثـمّ بـبـغـداد. وزاروا كـربـلاء والـنّـجـف والـكـوفـة قـبـل أن يـعـودوا إلى بـغـداد لـيـكـمـلـوا مـسـيـرهـم إلى مـكّـة والـمـديـنـة عـن طـريـق حـلـب ودمـشـق …

 

رحـلـة عـالـم طـبـيـعـيـات مـن زمـن الـثّـورة الـفـرنـسـيـة إلى الـعـراق

أولفيييه

بـعـد انـدلاع الـثّـورة الـفـرنـسـيـة في 1789، اخـتـارت حـكـومـة الـجـمـهـوريـة الـجـديـدة في 1792، عـالـم الـطّـبـيـعـيـات غـلـيـوم أنـطـوان أولـيـفـيـيـه، مـبـعـوثـاً إلى الـدّولـة الـعـثـمانـيـة بـصـحـبـة عـالـم طـبـيـعـيـات آخـر : جـان غـلـيـوم بـروغـيـيـر. وقـد وصـلا إلى بـغـداد في 26 نـيـسـان 1796، وأقـامـا فـيـهـا إلى 18 أيّـار. وزارا مـنـاطـق أخـرى مـن الـعـراق. ونـجـد في الـكـتـاب الّـذي نـشـره أولـيـفـيـه عـام 1802 عـن رحـلـتـه مـعـلـومـات لا تـعـدّ ولا تـحـصى عـن الـعـراق في ذلـك الـزّمـن …

 

يـومـيـات بـغـداد سـنـة 1831

بغداد 1831

وصـل الـمـبـشـر الإنـكـلـيـزي أنـطـوني نـوريـس غـروفـس إلى بـغـداد عـام 1829. وكـان في بـغـداد طـيـلـة سـنـة 1831 الـرّهـيـبـة بـالـمـصـائـب الّـتي حـلّـت بـأهـلـهـا (وبـاء الـطّـاعـون وفـيـضـان دجـلـة والإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة) والّـتي مـحـقـت أغـلـبـهـم. وقـد كـتـب الـمـبـشّـر غـروفـس يـومـيـات مـفـصّـلـة يـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـن قـراءتـهـا مـا حـدث في تـلـك الـسّـنـة يـومـاً بـعـد يـوم تـقـريـبـاً. وتـأتي أهـمـيـة هـذه الـيـومـيـات مـن أنّـهـا نـصّ تـاريـخي بـالـمـعـنى الـدّقـيـق لـلـكـلـمـة، أي أنّـهـا شـهـادة شـاهـد عـيـان سـجّـل مـا عـاشـه ومـا رآه ومـا سـمـعـه بـنـفـسـه  …

 

لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

فلاندان الرحلة الأولى

شـارك الـرّسّـام الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان في سـفـارة إلى بـلاد الـفـرس لـتـوثـيـق عـلاقـات سـيـاسـيـة واقـتـصـاديـة مـع مـحـمّـد شـاه قـجـر، ولـلـتـعـرف عـلى الـبـلـد ومـا يـجـاوره، ودراسـة الـمـواقـع الأثـريـة والـمـعـالـم الـحـديـثـة في الـمـنـطـقـة. وبـعـد انـتـهـاء الـمـهـمـة أكـمـل فـلانـدان بـصـحـبـة  الـمـعـمـاري وعـالـم الآثـار بـاسـكـال كـوسـت دراسـتـهـمـا لـلـمـعـالـم الأثـريـة في رحـلـة دامـت عـامـيـن مـرّا بـهـا بـيـن مـا مـرّا بـأصـفـهـان و شـيـراز وتـبـريـز وبـغـداد الّـتي وصـلاهـا في تـمّـوز عـام 1841، وزارا الـمـدائـن وبـابـل، ثـمّ الـمـوصـل وحـلـب وإسـطـنـبـول، ثـمّ عـادا إلى بـاريـس. ونـجـد في الـكـتـاب الّـذي نـشـراه عـن الـرّحـلـة عـدداً مـن الـرّسـوم الـرّائـعـة الـجـمـال عـن الـعـراق  …

 

بـيـت لـنـج

بيت لنج

تـشـارك ثـلاثـة مـن الإخـوة لِـنـتـش (لـنـج) : سـتـيـفـن وهـنـري بـلـوس وتـومـاس كـيـر في لـنـدن عـام 1841 في إنـشـاء شـركـة “لِـنـتـش إخـوان الـمـحـدودة  Lynch Brothers’ Limited” الّـتي سـجّـلـت في هـذه الـمـديـنـة. وقـد أنـشئ لـهـا فـرع في الـبـصـرة أسـمـوه Lynch Brothers & Co.، وفـرع في بـغـداد أسـمـوه Stephen Lynch Company Ltd. وكـانـت الـشّـركـة تـسـتـورد الـبـضائـع مـن إنـكـلـتـرة إلى الـبـصـرة عـن طـريـق الـبـحـر، ثـمّ تـنـقـلـهـا إلى بـغـداد عـبـر دجـلـة.  ثـمّ أنـشـأ سـتـيـفـن لِـنـتـش عـام 1858، مـؤسـسـة مـصـرفـيـة في لـنـدن وبـغـداد. وفي عـام 1860 سـمـح الـبـاب الـعـالي لـشّـركـة Lynch Brothers بـنـقـل الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع عـلى الـنّـهـريـن : دجـلـة والـفـرات. وسـجّـلـت الـشّـركـة في سـجـلّ الـتّـجـارة في إنـكـلـتـرة في 1861، وأصـبـح اسـمـهـا The Euphrates and Tigris Steam Navigation Company …

 

رحـلـة هـنـري سـتـيـرن إلى الـعـراق

ستيرن

إنـضـمّ الألـمـاني هـنـري سـتـيـرن إلى الـجـمـعـيـة الـلـنـدنـيـة لـنـشـر الـدّيـن الـمـسـيـحي بـيـن الـيـهـود. وهـكـذا أصـبـح : الـمـوقّـر هـنـري سـتـيـرن. وقـد أرسـلـتـه الـجـمـعـيـة إلى الـقـدس عـام 1844، ومـنـهـا سـافـر إلى الـعـراق عـام 1846، ثـمّ في عـام 1848. وفي أواخـر عـام 1849 عـاد إلى لـنـدن الّـتي بـقي فـيـهـا فـتـرة قـصـيـرة، ثـمّ غـادرهـا مـن جـديـد إلى بـغـداد في حـزيـران 1850. وبـقي في بـغـداد ثـلاث سـنـوات، مـن 1950 إلى 1953. وهـو مـا يـتـكـلّـم عـنـه في كـتـاب نـشـره في لـنـدن عـام 1854 …

 

هـرمـز رسّـام والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

هرمز رسّام

بـدأ الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد عـام 1845 حـفـريـات في نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح الـقـديـمـة)، جـنـوب الـمـوصـل. وبـعـد أن اتـسـعـت تـنـقـيـبـاتـه احـتـاج لـمـن يـسـاعـده في الإشـراف عـلـيـهـا فـاخـتـار لـذلـك هـرمـز رسّـام، شـقـيـق كـرسـتـيـان رسّـام نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل. واسـتـمـرّ هـرمـز رسّـام في مـعـاونـة لّـيـارد في حـفـريـاتـه في قـلـعـة الـشّـرقـاط عـام 1847، ثـمّ في حـمـلـتـه الـثّـانـيـة عـام 1849. ثـمّ عـهـد الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى هـرمـز رسّـام بـالإشـراف عـلى حـفـريـات أخـرى …

 

رسـوم فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر عـن الـعـراق

مدخل قصر نمرود كوبر

قـام الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد بـحـفـريـات في عـاصـمـتـيـن مـن عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة : نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح الـقـديـمـة)، وتـلّ قـويـنـجـق (في مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوي الـقـديـمـة) بـيـن 1845 و 1851. وقـد أرسـلـت لـه مـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إبـتـداءً مـن عـام 1849 عـدداً مـن الـرّسّـامـيـن لـيـسـاعـدوه في مـهـمـتـه. وكـان مـن بـيـنـهـم فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر  الّـذي سـاعـد لَـيـارد في حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الأثـريـة الـثّـانـيـة في 1849ــ1850 في نـمـرود ونـيـنـوى وفي مـواقـع أخـرى . ولـم يـكـتـفِ كـوبـر بـرسـم الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز والـقـطـع الأخـرى الّـتي أزيـح عـنـهـا الـتّـراب بـل رسـم تـخـطـيـطـات بـأقـلام مـتـنـوّعـة ورسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة لـمـشـاهـد مـن مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات، ولـلـنّـاس في الـمـنـاطـق الـتّي زارهـا …

 

مـرور الـنّـمـسـاويـة إيـدا فـايـفِـر بـالـعـراق عـام 1848

Pfiefer

قـامـت الـنّـمـسـاويـة إيـدا لـورا فـايـفـر بـخـمـس رحـلات بـدأتـهـا في سـنّ الـخـامـسـة والأربـعـيـن، واسـتـغـرقـت سـتّـة عـشـر عـامـاً. وأكـمـلـت خـلالـهـا دورتـيـن حـول الـعـالـم. وكـانـت تـسـافـر وحـدهـا وبـإمـكـانـيـات مـالـيـة مـحـدودة. وتـعـود مـن كـلّ رحـلـة بـنـبـاتـات وحـشـرات وفـراشـات تـهـديـهـا لـمـتـحـف الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي في فـيـيـنـا، ومـازالـت في مـجـمـوعـاتـه. كـمـا نـشـرت سـرد رحـلاتـهـا في كـتـب مـنـذ الـرّحـلـة الأولى عـام 1842 إلى الـرّحـلـة الـخـامـسـة عـام 1858. وقـد وصـلـت إلى الـبـصـرة عـام 1848 قـادمـة مـن الـهـنـد، وزارت الـمـدائـن وبـغـداد وبـابـل، وصـعـدت مـع قـافـلـة إلى الـمـوصـل عـن طـريـق دلّي عـبّـاس وكـفـري وكـركـوك وألـتـون كـوبـري وأربـيـل. ثـمّ أكـمـلـت طـريـقـهـا إلى راونـدوز وإلى بـلاد فـارس، وصـعـدت نـحـو تـركـيـا …

 

دفـاتـر عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة

Alex. J. Svoboda 10

بـدأت عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة بـوصـول الـتّـاجـر الـمـجـري أنـطـون زفـوبـودا إلى بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر واسـتـقـراره فـيـهـا. وقـد تـزوّج أنـطـون عـام 1825 بـبـغـداديـة مـسـيـحـيـة مـن عـائـلـة أرمـنـيـة، وأنـجـب مـنـهـا أحـد عـشـر ولـداً وبـنـتـاً.  وقـد بـدأ ابـنـه جـوزيـف مـاتـيـا في1861ـ 1862 بـكـتـابـة دفـاتـر يـومـيـات، واسـتـمـر في كـتـابـتـهـا إلى 1908. وقـد سـجّـل فـيـهـا حـيـاتـه الـيّـومـيـة وحـيـاة أقـربـائـه، وكـلّ سـفـراتـه عـلى سـفـن بـيـت لـنـج الـبـخـاريـة الّـتي كـان يـعـمـل عـلـيـهـا كـمـا سـجّـل الأحـداث الّـتي جـرت في تـلـك الـفـتـرة. وقـد كـتـبـهـا كـلّـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة  … كـمـا كـتـب إسـكـنـدر ريـشـارد، إبـن جـوزيـف مـاتـيـا، دفـاتـر يـومـيـات مـدّة سـنـوات طـويـلـة  …

 

رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

عربستان

وصـل الأمـريـكي ولـيـام بـيـري فـوغ  عـلى مـتـن سـفـيـنـة بـخـاريـة إلى الـبـصـرة عـن طـريـق الـمـحـمـرة عـام 1874. ثـمّ صـعـد إلى بـغـداد وإلى الـمـوصـل لـيـزور نـيـنـوى  ويـتـأمّـل آثـارهـا. وقـام بـرحـلـة إلى مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة، ومـرّ بـكـربـلاء ووصـف مـعـالـمـهـا. ونـشر سرد رحـلـتـه إلى الـشـرق عـام 1875 في لـنـدن تـحـت عـنـوان : ”عـربـسـتـان أو “بـلاد ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” وهي رحـلات عـبـر مـصـر وجـزيـرة الـعـرب وبـلاد الـفـرس نـحـو بـغـداد”. ويـحـتـوي الـكـتـاب عـلى مـجـمـوعـة رائـعـة مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة عـن الـعـراق.

 

رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

ج. ديولافوا 8

سـافـرت الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا مـع زوجـهـا في الـعـراق لـمـدة أقـلّ مـن شـهـريـن. وصـلا إلى شـطّ الـعـرب في 21 تـشـريـن الـثّـاني 1881، وبـقـيـا في الـبـصـرة حـوالي أسـبـوعـيـن، ثـمّ صـعـدا إلى بـغـداد، وذهـبـا لـزيـارة بـابـل وأكـمـلا طـريـقـهـمـا إلى كـربـلاء. ونـزلا عـن طـريـق الـعـمـارة، ومـرّا بـأطـراف الأهـوار قـبـل أن يـسـتـمـرّا عـائـديـن إلى بـلاد فـارس … ونـشـرت ديـولافـوا عـام 1887 سـرد الـرحّـلـة في كـتـاب : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش”، الّـذي يـحـتـوي عـلى 336 عـمـلاً طـبـاعـيـاً نـفّـذت عـن صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلّـفـة. وهي أعـمـال شـديـدة الـدّقـة، رائـعـة الـجـمـال …

 

أربـع عـشـرة طـلـقـة في مـسـدس جـان !

أربع عشرة طلقة ...

سـافـرت الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا  مـع زوجـهـا في الـعـراق مـن أواخـر عـام 1881 إلى بـدايـة عـام 1882. وهي تـذكـر أنّـهـمـا في إحـدى سـفـراتـهـمـا أنـزلا أمـتـعـتـهـمـا عـلى ضـفـة الـنّـهـر وبـقـيـت تـحـرسـهـا لـوحـدهـا : ”عـنـدمـا جـاء ثـمـانـيـة مـن الأعـراب الـرُّحّـل عـلى الـضّـفـة الـخـالـيـة … “.

 

رسـوم أرثـر مـيـلـفـيـل لـبـغـداد في الـقـرن الـتّـاسـع عـشر

melville IV

وصـل الـرّسّـام الاسـكـتـلـنـدي أرثـر مـيـلـفـيـل إلى بـغـداد عـام 1882 وبـقي فـيـهـا شـهـراً رسـم خـلالـه لـوحـة بـالألـوان الـمـائـيـة كـلّ يـوم تـقـريـبـاً عـن مـعـالـم الـمـديـنـة الـمـعـمـاريـة ومـشـاهـد الـحـيـاة الـيـومـيـة فـيـهـا وعـن نـاسـهـا. ومـازالـت بـعـض هـذه الـرّسـوم في الـمـتـاحـف أو في مـجـمـوعـات خـاصـة …

 

الـكـاتـبـة الـفـرنـسـيـة جـان كـيـفـيـر، زوجـة سـلـيـمـان بـك غـزالـة

غزالة 7

بـعـد أن أنـهى عـبـد الأحـد سـلـيـمـان غـزالـة دراسـة الـطّـبّ في بـاريـس، عـيّـن عـام 1887 طـبـيـب صـحّـة في ولايـة بـغـداد. وقـد غـادر بـغـداد بـعـد ذلـك إلى الاسـتـانـة، وشـرع في مـمـارسـة الـطّـب فـيـهـا، ثـمّ عـيّـن في سـيـنـاء والأنـاضـول وحـلـب. ويـبـدو أنّـه سـافـر إلى بـاريـس مـن جـديـد في تـلـك الـفـتـرة. لـيـخـتـصّ في طـبّ الـعـيـون، ونـال اخـتـصـاصـه عـام 1890. وعـيّـن عـام 1895 مـفـتـشـاً صـحـيّـاً في لـيـبـيـا. وفي عـام 1897، سـافـر عـبـد الأحـد سـلـيـمـان غـزالـة مـن جـديـد  إلى بـاريـس وتـزوّج بـفـرنـسـيـة اسـمـهـا جـان كـيـفـيـر Jeanne Kieffer، وعـاد بـهـا إلى الاسـتـانـة. وكـانـت جـان كـيـفـيـر قـد بـدأت نـشـاطـاً أدبـيـاً دام طـيـلـة حـيـاتـهـا نـشـرت خـلالـه أكـثـر مـن 35 كـتـابـاً مـنـهـا قـصـص وروايـات وشـعـر، ومـنـهـا كـتـب تـاريـخ، ومـنـهـا أحـداث شـهـدتـهـا وروتـهـا. وكـلّـهـا بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة. نـشـرتـهـا بـاسـمـهـا، أو باسـم مـسـتـعـار : غي دافـلـيـن  …

 

صـور الـمـوصـل في ألـبـومـات الآبـاء الـدومـنـيـكـان

Dominicains 7

يـبـدو أنّ أحـد أصـحـاب الـقـديـس دومـنـيـك، مـؤسـس “الـجـمـاعـة الـدّيـنـيـة الـدّومـنـيـكـيـة”، وكـان اسـمـه غـلـيـوم دو مـونـفـيـرا قـد وصـل إلى بـغـداد عـام 1235، وتـوصّـل إلى الـدّخـول في بـلاط الـخـلـيـفـة الـمـسـتـنـصـر بـالله. وفي عـام 1290، وصـل الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي  إلى الـمـوصـل ثـمّ إلى بـغـداد، واتّـصـل بـالـدّومـنـيـكـان الّـذيـن كـانـوا قـد اسـتـقـروا فـيـهـا. وقـد اسـتـطـاع الـدّخـول في الـمـدرسـتـيـن الـنّـظـامـيـة والـمـسـتـنـصـريـة والـدّراسـة فـيـهـمـا. وفي بـغـداد شـرع في تـرجـمـة الـقـرآن إلى الـلاتـيـنـيـة. وفي عـام 1535، وقّـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني سـلـيـمـان الـقـانـوني مـع مـلـك فـرنـسـا فـرنـسـوا الأوّل مـعـاهـدة تـخـوّل لـفـرنـسـا، ضـمـن “الإمـتـيـازات” الّـتي مـنـحـتـهـا الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـلـدّول الأوربـيـة، بـعـث إرسـالـيـات ديـنـيـة إلى أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـمـارسـة نـشـاطـاتـهـا فـيـهـا، أي فـتـح مـراكـز تـبـشـيـريـة كـاثـولـيـكـيـة فـيـهـا. وبـدأت الإرسـالـيـة الـدّومـنـيـكـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن والّـتي كـان مـركـزهـا الـمـوصـل نـشـاطـاتـهـا رسـمـيـاً عـام 1750 …

 

فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

أندريه مدخل قرية عانة (613x800)

إخـتـار عـالـم الآثـار الألـمـاني روبـرت كـولـدفـيـه مـعـمـاريـاً شـابـاً اسـمـه فـالـتـر أنـدريـه لـيـسـاعـده في تـنـقـيـبـاتـه الأثـريـة في بـابـل والّـتي بـدأت في آذار 1899. وتـعـلّـم فـالـتـر أنـدريـه مـن كـولـدفـيـه طـريـقـة رسـم الآثـار والـقـطـع الأثـريـة. وفي عـام 1904 أرسـل روبـرت كـولـدفـيـه مـسـاعـده فـالـتـر أنـدريـه لـيـنـقّـب في قـلـعـة الـشّـرقـاط، مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة. وقـد اسـتـمـرت تـنـقـيـبـات فـالـتـر أنـدريـه فـيـهـا إلى عـام 1914. وقـد سـجّـل فـالـتـر أنـدريـه خـلال كـلّ إقـامـتـه في الـعـراق مـا كـان يـراه حـولـه بـتـخـطـيـطـات وبـرسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة رائـعـة الـجـمـال …

 

كـيـف شـيّـد فـالـتـر أنـدريـه بـوابـة عـشـتـار في مـتـحـف بـرلـيـن

أندريه بوابة عشتار برلين 2

مـا زال زوّار مـتـحـف بـرلـيـن يـتـأمـلـون بـذهـول الـبـوابـة الـمـتـلامـعـة الـزّرقـة بـثـيـرانـهـا وتـنـيـنـاتـهـا. ويـعـتـقـد كـثـيـر مـنـهـم أنّ الـمـنـقـبـيـن خـلـعـوا الـبـوابـة مـن بـابـل ونـصـبـوهـا في بـرلـيـن ! ولـكـن كـيـف اسـتـطـاع الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه تـجـمـيـع كـسـر الـطّـابـوق الـمـزجـج الألـوان الّـذي وجـده مـحـطّـمـاً مـتـنـاثـراً لـيـعـيـد تـشـكـيـل صـور الـثّـيـران والـحـيـوانـات الـخـرافـيـة (الـتّـنـيـنـات) الّـتي كـانـت تـغـطي جـدران بـوابـة عـشـتـار والأسـود الـمـتـتـابـعـة عـلى جـانـبي درب الـمـسـيـرات ؟ والّـذي تـطـلّـب سـنـوات طـويـلـة مـن الـعـمـل الـمـسـتـمـرّ …

 

“إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم” والـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة

أندريه إسماعين إبن جاسم 1908 (800x500)

إلـتـقى فـالـتـر أنـدريـه في بـابـل بـاسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم عـنـدمـا نـقّـب مـع روبـرت كـولـدفـيـه في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وعـنـدمـا ذهـب فـالـتـر أنـدريـه لـيـنـقّـب في قـلـعـة الـشّـرقـاط، تـبـعـه إسـمـاعـيـن إبـن جـاسـم، واشـتـغـل كـرئـيـس عـمّـال في تـنـقـيـبـاتـه. وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـام 1914 تـوقـفـت الـتّـنـقـيـبـات، وتـرك فـالـتـر أنـدريـه الـعـراق عـائـداً إلى ألـمـانـيـا، ورجـع إسـمـاعـيـن إلى أهـلـه في الـحـلّـة. ولـكـنّ فـالـتـر أنـدريـه عـاد إلى الـعـراق عـام 1915 كـضـابـط في الـجـيـش الألـمـاني (الّـذي كـان يـقـاتـل بـجـانـب الـجـيـش الـعـثـمـاني)، فـأسـرع إسـمـاعـيـن لـلـقـائـه وتـبـعـه كـمـا يـتـبـعـه ظـلّـه حـتّى عـام 1918 مـعـرضـاً نـفـسـه لـكـلّ مـخـاطـر سـنـوات الـحـرب …

 

مـن نـيـويـورك إلى بـغـداد عـام 1914

img257 (558x800)

نـشـرت مـجـلّـة الـنّـاشـيـونـال جـيـوغـرافـيـك الأمـريـكـيـة في عـددهـا الـصّـادر في شـهـر كـانـون الأوّل 1914، مـقـالـيـن عـن الـعـراق، عـنـوان الأوّل مـنـهـمـا : “الـمـكـان الّذي عـاش فـيـه آدم وحـواء”، الّـذي كـتـبـه فـردريـك سِـمـبِـك وشـاركـت فـيـه زوجـتـه مـرغـريـت. وقـد غـادرا نـيـويـورك في نـهـايـة عـام 1913 وأقـامـا في الـعـراق سـنـة، وتـكـلّـمـا في الـمـقـال عـن بـغـداد خـاصّـة، وزارت مـرغـريـت “حـريـم” رجـل غـنّي … وأهـمّ مـا في الـمـقـال الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي تـصـاحـبـه. وقـد الـتـقـط فـردريـك سِـمـبِـك بـنـفـسـه عـدداً مـنـهـا بـيـنـمـا أخـذ غـالـبـيـهـا مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood.

 

صـور قـديـمـة لـبـغـداد في كـتـاب حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة

حبيب شيحة

نـشـر الـسّـوري حـبـيـب شـيـحـة، في الـقـاهـرة عـام 1908، كـتـابـاً بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة عـن “ولايـة بـغـداد”، خـصـص قـسـمـه الأوّل لـتـاريـخ بـغـداد، والـثّـاني لـولايـة بـغـداد “الـحـالـيـة” أي في زمـنـه. ويـحـتـوي الـكـتـاب عـلى 12 صورة فـوتـوغـرافـيـة، واحـدة مـنـهـا عـن “مـقـهى قـرب بـغـداد”. ونـلاحـظ عـلى يـمـيـن هـذه الـصّـورة جـدار الـمـقـهى الـمـغـطى بـالـرّسـوم (بـطـل الـمـشـهـد رجـل مـلـتـحي يـمـسـك بـقـرن حـيـوان خـرافي (عـفـريـت) وعـلى يـمـيـنـه أسـد) …

 

دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917

Entering-Baghdad

تـقـدمـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في 1914، قـبـل أن تـبـدأ الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، واحـتـلّـت الـبـصـرة وضـفـاف دجـلـة والـفـرات، لـحـمـايـة مـصـالـح شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة ــ الـفـارسـيـة. وفي 1915، تـوجّـه تـشـارلـز تـاونـزنـد بـقـواتـه نـحـو الـكـوت، ولـكـنّ الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة هـزمـتـهـم. وعـيّـن الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود عـام 1916 عـلى رأس الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق. واسـتـلـم في شـهـر كـانـون الأوّل 1917 أمـراً بـالـمـسـيـر نـحـو بـغـداد. ودخـل الـجـنـرال مـود وجـنـوده بـغـداد في 11 آذار …

 

دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

دار الجنرال مود

دخـل الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود بـغـداد عـلى رأس قـوّاتـه الـبـريـطـانـيـة في 11 ذار 1917، ومـات فـيـهـا في 18 تـشـريـن الـثّـاني مـن نـفـس الـعـام. وتـذكـر أغـلـب الـمـصـادر الّـتي لـديـنـا عـنـه أنّـه سـكـن في دار بـغـداديـة خـلال هـذه الأشـهـر. وهي الّـتي مـات فـيـهـا. وتـذكـر أيـضـاً أنّـهـا نـفـس الـدّار الّـتي كـان قـد مـات فـيـهـا الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـس تـسـعـة عـشـر شـهـراً قـبـل ذلـك. وديـر غـولـتـس هـو الّـذي هـزم الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـكـوت عـنـدمـا كـان يـقـود الـجـيـش الـعـثـمـاني …

 

صـور مـحـطـة قـطـار بـغـداد 1917

محطة قطار بغداد

فـكّـر الألـمـان مـنـذ سـبـعـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر بـمـدّ خـطّ سـكـك حـديـديـة بـيـن بـرلـيـن وأراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـكي تـتـوصـل ألـمـانـيـا إلى الـتّـغـلـغـل في مـنـاطـق الـشّـرق. ولـكـنّ الـمـفـاوضـات لـفـتـح خـطّ بـرلـيـن ــ بـغـداد، اسـتـغـرقـت زمـنـاً طـويـلاً. ولـم يـشـرع الألـمـان في الـعـمـل عـلى خـط الـسّــكّـة الـحـديـديـة الـعـريـض مـن بـغـداد بـاتـجـاه الـشّـمـال إلّا عـام 1912، بـعـد وضـع الـحـجـر الأسـاس في مـحـطـة بـغـداد في جـانـب الـكـرخ. ولـم يـكـن الـخـطّ قـد تـجـاوز بـغـداد ــ سـامـراء عـنـدمـا وصـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة أمـام أسـوار بـغـداد في آذار 1917 …

 

مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم في بـغـداد

باب الطلسم 1914

وصـلـتـنـا رسـوم وصـور فـوتـوغـرافـيـة لـبـاب الـحـلـبـة في بـغـداد ولـلـمـنـحـوتـات الّـتي كـانـت تـحـيـط بـه والّـتي تـأمّـلـهـا الـبـغـداديـون قـرونـاً طـويـلـة قـبـل تـدمـيـره في 11 آذار 1917. وكـانـت الـعـامـة تـسـمـيـه “بـاب الـطّـلـسـم” لـغـمـوض مـعـاني مـنـحـوتـاتـه الّـتي كـان يـصـعـب عـلـيـهـم إدراك مـغـزاهـا بـعـد أن أنـسـاهـم إيـاهـا مـرور الـقـرون. وعـنـدمـا نـتـأمّـل نـحـن، في زمـانـنـا هـذا، الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـت لـهـذه الـمـنـحـوتـات والـرّسـوم الّـتي خـطـطـت لـهـا، نـحـسّ بـهـذا الـغـمـوض الّـذي كـان يـحـيـط بـهـا. وتـدفـعـنـا الـرّغـبـة في إدراك مـغـزاهـا ومـعـانـيـهـا إلى مـحـاولـة تـحـلـيـلـهـا ومـقـارنـتـهـا بـمـا وصـلـنـا مـن مـنـحـوتـات أخـرى عـلّـنـا نـتـوصـل إلى تـحـسـيـن مـعـرفـتـنـا بـهـا، وبـجـزء مـن تـراثـنـا الّـذي ضـاع مـنّـا بـضـيـاعـهـا …

 

الـعـراق في صـور وكـالـة رول Rol

فيصل في فرساي 3

أنـشـأ الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي الـفـرنـسي مـارسـيـل رول في بـاريـس عـام 1904 “وكـالـة تـصـويـر فـوتـوغـرافي لـلأنـبـاء”  أسـمـاهـا : “مـارسـيـل رول وشـركـاؤه”. وكـانـت تـبـعـث مـصـوريـهـا في أنـحـاء الـعـالـم لالـتـقـاط صـور لأهـمّ الأحـداث الّـتي تـجـري فـيـه، وتـبـيـعـهـا بـعـد ذلـك إلى الـجـرائـد والـمـجـلّات الّـتي تـحـتـاجـهـا. وقـد وجـدت في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق مـن هـذه الأرشـيـفـات صـوراً كـثـيـرة  بـالأسـود والأبـيـض حـاولـت تـصـنـيـفـهـا حـسـب الأمـاكـن الّـتي الـتـقـطـت فـيـهـا أو حـسـب مـواضـيـعـهـا أو حـسـب الـسّـنـوات الّـتي الـتـقـطـت بـهـا …

 

مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد

مكنزي

وصـل الإسـكـتـلـنـدي كـيـنـيـث مـكـنـزي إلى بـغـداد بـعـد نـهـايـة الـحـرب عـام 1918. ويـبـدو أنّ هـمـفـري بـومـان الّـذي كـان مـديـراً لـلـمـعـارف في بـغـداد مـن 1918 إلى 1920 هـو الّـذي اقـتـرح عـلـيـه أن يـأتي إلى بـغـداد لـفـتـح مـكـتـبـة فـيـهـا عـنـدمـا الـتـقى بـه في لـنـدن. وقـد فـتـح مـكـنـزي أوّلاً، مـكـتـبـة “حـكـومـيـة” في بـنـايـة الـسّـراي. وبـعـد تـأسـيـس الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة عـام 1921، حـصـل كـيـنـيـث مـكـنـزي عـلى احـتـكـار مـن وزارة الـمـعـارف لاسـتـيـراد الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة لـلـمـدارس الـعـراقـيـة. وبـعـد أن انـتـهى عـقـده مـع الـحـكـومـة اشـتـرى مـكـنـزي الـمـكـتـبـة مـنـهـا وحـوّلـهـا إلى  “MacKenzie & MacKenzie bookshop” …

 

رسـوم دونـالـد مـاكـسـويـل ولـوحـاتـه عـن الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن

دونالد ماكسويل

شـارك الـرّسّـام الـبـريـطـاني دونـالـد مـاكـسـويـل في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى كـضـابـط في الـبـحـريـة الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة، ثـمّ كـرسّـام رسـمي . ورسـم خـلال تـلـك الـفـتـرة سـفـن الـبـحـريـة الـبـريـطـانـيـة وعـمـلـيـاتـهـا الـحـربـيـة. وقـد بـعـثـه الـمـتـحـف الـحـربي عـام 1919 إلى الـعـراق لـيـنـفـذ رسـومـاً ولـوحـات عـن الـسّـفـن الـحـربـيـة وعـن الـمـلاحـة في دجـلـة والـفـرات. وقـد نـشـر دونـالـد مـاكـسـويـل في لـنـدن عـام 1921 كـتـابـاً يـسـرد فـيـه رحـلـتـه. وصـاحـب نـصّـه بـعـدد كـبـيـر مـن الإسـكـتـشـات بـعـدّة ألـوان أو بـلـون واحـد، وبـعـدد مـن الـتـخـطـيـطـات …

 

بـغـداد 1919

بغداد 19

حـصـلـت مـكـتـبـة جـامـعـة كـالـيـفـورنـيـا في لـوس أنـجـلـس عـلى ألـبـوم صـور يـعـود تـاريـخـه إلى 1919. ويـحـتـوي عـلى حـوالي 185 صـورة فـوتـوغـرافـيـة و 25 بـطـاقـة بـريـديـة عـلـيـهـا تـعـلـيـقـات بـخـطّ  الـيّـد. ويـبـدو أنّـه كـان يـعـود إلى ضـابـط بـريـطـاني الـتـقـط الـصّـور خـاصّـة في بـغـداد والـبـصـرة، ولـكـن أيـضـاً في سـلـمـان بـاك وبـابـل والـنّـجـف والـكـوفـة … وتـصـوّر مـشـاهـد مـتـنـوّعـة مـثـل حـيـاة الـعـراقـيـيـن الـيـومـيـة والـمـقـاهي وقـوارب وقـفـف دجـلـة والـجـسـور وضـبـاط الـجـيـش الـبـريـطـاني والـجـوامـع والـكـنـائـس وجـني الـتّـمـر مـن عـلى الـنّـخـيـل …

 

أوغـسـطـس إدويـن جـون يـرسـم صـورة الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن

5063900310_8635a394f4_o

كـان الـفـنّـان أوغـسـطـس إدويـن جـون قـد أجّـر مـرسـمـاً في بـاريـس عـام 1919 عـنـدمـا جـاء إلـيـهـا الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن لـيـنـوب عـن أبـيـه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة في مـؤتـمـر الـصّـلـح. وقـد طـلـب مـنـه إدويـن جـون أن يـجـلـس أمـامـه لـيـرسـمـه. ووافـق الأمـيـر فـيـصـل (الّـذي أصـبـح بـعـد ذلـك مـلـكـاً عـلى سـوريـا، ثـمّ مـلـكـاً عـلى الـعـراق تـحـت اسـم فـيـصـل الأوّل). وكـان الـكـولـونـيـل لـورنـس بـصـحـبـة الأمـيـر فـيـصـل. والـحـقـيـقـة أنّ أدويـن جـون رسـم لـوحـتـيـن لـفـيـصـل مـا زالـت الأولى مـنـهـمـا في مـتـحـف أشـمـولـيـان في جـامـعـة أكـسـفـورد، والـثّـانـيـة في مـتـحـف بـرمـنـغـهـام …

 

فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

فيصل وجرترود

إلـتـقـت الـبـريـطـانـيـة جـرتـرود بـيـل بـالأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن في بـاريـس عـام 1919. ويـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـن خـلال الـرّسـائـل الّـتي كـتـبـتـهـا الـمـس بـيـل لأبـيـهـا ولـزوجـة أبـيـهـا، ومـن الـنّـصـوص الأخـري الّـتي تـركـتـهـا، عـلاقـات الـصّـداقـة والـثّـقـة الـمـتـبـادلـة الّـتي ربـطـت بـيـنـهـا وبـيـن الأمـيـر فـيـصـل مـنـذ هـذا الـلـقـاء، ودورهـا في اخـتـيـاره لـعـرش الـعـراق وتـتـويـجـه مـلـكـاً عـلـيـه في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب عـام 1921 تـحـت اسـم “فـيـصـل الأوّل” …

 

فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الـثّـاني

Sargent, John Singer, 1856-1925; Gertrude Bell

قـبـل أن يـنـتـهي الأسـبـوع الأوّل الّـذي تـلا تـتـويـجـه في آب عـام 1921، دعـا الـمـلـك فـيـصـل الـمـس جـرتـرود بـيـل لـيـسـتـشـيـرهـا في تـصـمـيـم الـعـلـم الـجـديـد وفي شـعـار الـمـمـلـكـة. وكـانـت جـرتـرود قـد أعـدّت لـلأمـيـر فـيـصـل سـكـنـاً في جـانـب مـن الـسّـراي وبـدأت بـإعـداد دار لـلـمـلـك تـطـلّ عـلى نـهـر دجـلـة. وكـانـت عـائـلـة الـمـلـك فـيـصـل قـد بـقـيـت في مـكّـة. وشـرع فـيـصـل في عـام 1924، بـجـلـب أفـراد عـائـلـتـه إلى بـغـداد. فـأتى بـشـقـيـقـه الأصـغـر زيـد، ثـمّ أتى بـعـد ذلـك بـابـنـه الـوحـيـد غـازي الّـذي كـان في الـثّـانـيـة عـشـرة مـن عـمـره …

 

عـنـدمـا كـانـت سـيّـارات نـيـرن تـنـقـل الـمـسـافـريـن عـبـر الـبـاديـة

Nairn XII

قـاتـل الأخـوان نـورمـان وجـيـرالـد نـيـرن في صـفـوف الـقـوات الـنـيـوزيـلـنـديـة في الـجـيـش الـبـريـطـاني خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى. وشـاركـا في مـعـارك الـشّـرق الأدنى، ثـمّ بـقـيـا في الـمـنـطـقـة بـعـد انـتـهـاء الـحـرب. وفي 1919 فـتـحـا مـحـلّاً في بـيـروت لـبـيـع سـيّـارات مـن مـخـلّـفـات الـحـرب. ثـمّ اسـتـعـمـلا، في 1920، الـسّـيّـارات الّـتي لـم يـسـتـطـيـعـا بـيـعـهـا لـنـقـل الـمـسـافـريـن بـيـن بـيـروت وحـيـفـا، وكـذلـك لـنـقـل الـبـريـد. وقـامـا بـعـدّة رحـلات عـبـر الـبـاديـة بـيـن بـغـداد ودمـشـق وتـوصـلا إلى اخـتـيـار الـطّـريـق والـسّـيّـارات الـقـادرة عـلى سـلـكـهـا لـنـقـل الـبـريـد. وبـعـد أن حـالـفـهـمـا الـنّـجـاح، وسّـعـا إعـمـال شـركـتـهـمـا لـتـضـمّ نـقـل الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع …

 

حـمّـودي والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

Hammodi 3

عـنـدمـا نـقـرأ عـن الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة لا نـجـد غـالـبـاً إلّا أسـمـاء عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أشـرفـوا عـلـيـهـا وأحـيـانـاً أسـمـاء بـعـض مـن سـاعـدوهـم فـيـهـا. ولا نـجـد إلّا نـادراً أسـمـاء الـعـمّـال الّـذيـن حـفـروا وأزاحـوا الـتّـراب عـن الـمـواقـع الأثـريـة ووجـدوا الـقـطـع الـقـيّـمـة الّـتي كـانـت تـرقـد فـيـهـا. ومـن أشـهـر هـؤلاء ولا شـكّ الـشّـيـخ حـمّـودي. وقـد اشـتـغـل حـمّـودي، وهـو مـحـمّـد بـن الـشّـيـخ إبـراهـيـم، كـرئـيـس عـمّـال خـاصّـة مـع لـيـونـارد وولي ومـاكـس مـالـوان. وكـان مـالـوان زوج الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة الـشّـهـيـرة أجـاثـا كـريـسـتي، الّـتي ذكـرت حـمّـودي عـدّة مـرّات في كـتـابـهـا: “تـعـال أخـبـرني كـيـف تـعـيـش” …

 

الـمـعـمـاري ج. م. ولـسـن في الـعـراق

المعماري ولسن

بـعـد أن شـارك الـمـعـمـاري الإسـكـتـلـنـدي جـيـمـس مـولـيـسـون ولـسـن في تـشـيـيـد عـاصـمـة جـديـدة في الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة : نـيـو دلـهي، أي دلـهي الـجـديـدة، جـنّـد في جـيـش الـهـنـد عـام 1915، وخـدم في كـتـيـبـة خـيّـالـة الـبـنـجـاب، وتـرقّى إلى رتـبـة مـيـجـر. وبـعـد انـتـهـاء الـحـرب، عـيّـن عـام 1920 مـديـراً لـلأشـغـال الـمـدنـيـة في بـغـداد، وكـان في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره. ثـمّ مـديـراً لـلأشـغـال الـعـمـومـيـة. وصـمـم عـام 1921 مـسـتـشـفى مـود الـتّـذكـاري في الـبـصـرة، و“الـبـلاط الـمـلـكي” في الـكـسـرة عـام 1923، ثـمّ جـامـعـة آل الـبـيـت في بـغـداد، و مـكـاتـب مـيـنـاء الـبـصـرة، ومـيـنـاء الـبـصـرة الـجـوّي أي مـطـار الـبـصـرة. ولـكـن أهـمّ إنـجـازاتـه كـانـت ولا شـكّ “مـحـطّـة قـطـار بـغـداد الـعـالـمـيـة” الّـتي صـمـمـهـا عـام  1947 …

 

عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب وتـشـكـيـل الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة عـام 1921

عبد الرحمن النقيب

عـهـدت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة لـجـرتـرود بـيـل، سـكـرتـيـرة الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في بـغـداد بـتـنـفـيـذ اسـتـفـتـاء حـول مـشـروع إنـشـاء دولـة مـوحّـدة لـلـولايـات الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، يـكـون لـهـا اسـتـقـلالـهـا الـذّاتي ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني. ولـتـكـمـل الإسـتـفـتـاء، قـررت الـمـس بـيـل أن تـبـادر إلى الإلـتـقـاء بـوجـهـاء الـعـراق ورجـالـه الـمـهـمّـيـن لـتـسـتـشـيـرهـم في الأمـر. وقـد سـجّـلـت جـرتـرود بـيـل في الـمـلـحـق الّـذي أرسـلـتـه إلى مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس نـصّ لـقـاءهـا بـالـسّـيّـد عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي الـكـيـلاني، نـقـيـب أشـراف بـغـداد في 6 شـبـاط 1920 …

 

إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

المدرسة الأمريكية

قـبـلـت الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت  Ida Staudt مـع زوجـهـا عـام 1924 مـهـمّـة فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد The Americain School for Boys، وكـانـت في الـتّـاسـعـة والأربـعـيـن مـن عـمـرهـا. وأقـامـت مـع زوجـهـا في بـغـدادالّـتي أحـبّـتـهـا كـثـيـراً إلى عـام 1947، وهـو مـا تـرويـه في كـتـابـهـا :

Living in Romantic Baghdad: An American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924-1947

 

ألـبـوم صـور نـشـرتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925

Hasso Brs 6

نـشـرت شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925 ألـبـوم صـور بـعـنـوان : Camera Studies in Iraq. وقـد ذُكـر فـيـه أنّ الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي  أ. كـريـم A. Kerim كـان قـد الـتـقـط الـصّـور في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي. والـمـقـصـود بـه عـبـد الـكـريـم إبـراهـيـم يـوسـف تـبـوني الّـذي كـان مـسـيـحـيـاً كـلـدانـيـا مـن الـبـصـرة، سـافـر إلى الـهـنـد في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر ودرس في بـومـبـاي. وقـد اشـتـرى هـنـاك آلـة تـصـويـر عـاد بـهـا إلى الـبـصـرة وفـتـح اسـتـوديـو تـصـويـر فـيـهـا …  ويـحـتـوي الألـبـوم  عـلى 73 صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـلـون بـنّي، طـبـعـت 35 صـورة مـنـهـا كـلّ واحـدة عـلى صـفـحـة كـامـلـة، والـبـاقـيـة صـورتـيـن أو أربـعـة في كـلّ صـفـحـة …

 

مـحـلّات أوروزدي بـاك في بـغـداد

أورزدي باك 2

إغـتـنـت عـائـلـة بـاخ الـيـهـوديـة مـن الـتّـجـارة في الإمـبـراطـوريـة الـنّـمـسـاويـة ـ الـمـجـريـة، ثـمّ تـشـاركـت مـع عـائـلـة يـهـوديـة أخـرى مـن أصـل نـمـسـاوي مـجـري : أوروزدي. واتّـفـق ولـدا أوروزدي مـع ابـنَي مـوريـس بـاخ عـلى تـسـمـيـة شـركـتـهـم : “أوروزدي ــ بـاخ”. وقـد فـتـح الـشّـركـاء الأربـعـة في بـاريـس عـام 1888 الـمـكـتـب الـرّئـيـسي لـشـركـتـهـم الـتّـجـاريـة بـعـد أن غـيّـروا كـتـابـة اسـم بـاخ Bach الألـمـاني (الّـذي يـلـفـظ  “بـاك” بـالـفـرنـسـيـة ) إلى Back، وأصـبـح اسـم الـشّـركـة : Orosdi- Back  … وقـد افـتـتـح مـحـل كـبـيـر لأوروزدي بـاك في بـغـداد في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، ثـمّ آخـر في الـبـصـرة  …

 

عـنـدمـا كـانـت الـرّطـبـة حـصـنـاً في وسـط الـصّـحـراء

الرطبة

حـفـرت آبـار في وسـط الـصّـحـراء الـعـراقـيـة ــ الـسّـوريـة، كـان يـسـتـقي مـنـهـا الـبـدو الـرّحـل، تـحـيـطـهـا تـلال في وسـطـهـا وادٍ جـاف. ودعـيـت الآبـار بـالـرّطـبـة، ثـمّ تـحـوّل الإسـم إلى “الـرُّطـبـة”. وصـارت طـرق الـقـوافـل تـمـرّ بـهـا وتـتـقـاطـع عـنـدهـا. وأنـشـأ الـبـريـطـانـيـون فـيـهـا قـاعـدة جـوّيـة ومـطـاراً عـسـكـريـاً فـيـه مـحـطـة إذاعـة لـلـمـراسـلات الـعـسـكـريـة. كـمـا كـانـت طـائـرات الـخـطـوط الـجـوّيـة لـلإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة تـتـوقّـف فـيـهـا في طـريـقـهـا إلى الـهـنـد. وفي عـام 1927 شـيّـدوا فـيـهـا حـصـنـاً : بـنـايـة مـربـعـة واسـعـة لـيـس لـجـدرانـهـا نـوافـذ تـنـفـتـح عـلى الـخـارج. في زوايـهـا الأربـع أربـعـة أبـراج. وألـصـق بـأحـد أضـلاعـهـا بـنـاء مـثـلـث زاويـتـه الـمـدبـبـة مـوجـهـة نـحـو الـخـارج لـيـقـاوم ريـاح الـفـيـفـاء ورمـالـهـا …

 

بـدايـة اهـتـمـام الـعـراقـيـيـن بـآثـارهـم الـقـديـمـة

بداية اهتمام العراقيين بآثارهم

أنـشـأ الـجـيـش الـبـريـطـاني في 1918 وظـيـفـة لآثـاري يـلـحـق بـه، مـهـمـتـه مـراقـبـة آثـار الـبـلـد وحـمـايـتـهـا، وكـذلـك الإشــراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات فـيـه. وقـد اسـتـولـت سـكـرتـيـرة الـشـؤون الـشّـرقـيـة الـمـس جـيـرتـرود بـيـل عـلى إدارة الآثـار. وشـرعـت بـكـتـابـة مـسـودة لـنـصّ قـانـوني لـتـنـظـيـم الـتّـنـقـيـبـات أرادت إصـداره. وقـد تـبـنّـت الـمـس بـيـل مـنـذ عـام 1923 مـشـروع تـأسـيـس مـتـحـف وطـني عـراقي لـحـفـظ الـمـجـمـوعـات الأثـريـة الّـتي تـراكـمـت عـامـاً بـعـد عـام في قـاعـات الـسّـراي الـقـديـمـة. وفـتـح الـمـتـحـف أبـوابـه لـلـزوّار في حـزيـران 1926. وفي عـام 1936،صـدر قـانـون آثـار جـديـد يـنـصّ عـلى أن يـحـتـفـظ الـعـراق بـكـلّ الـقـطـع الأثـريـة الّـتي لـم يـعـثـر مـنـهـا إلّا عـلى نـسـخـة واحـدة، أمّـا إذا كـانـت مـتـعـددة الـنّـسـخ فـيـتـقـاسـمـهـا مـع الـمـنـقـبـيـن …

 

تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

تمثال جرترود

تـبـنّـت الـمـس جـرتـرود بـيـل مـنـذ عـام 1923 مـشـروع تـأسـيـس مـتـحـف وطـني عـراقي لـحـفـظ الـمـجـمـوعـات الأثـريـة الّـتي تـراكـمـت عـامـاً بـعـد عـام في قـاعـات الـسّـراي الـقـديـمـة. وشُـيّـدت لـه بـنـايـة في مـنـطـقـة “عـلاوي الـحـلّـة”. وفـتـح الـمـتـحـف أبـوابـه لـلـزوّار في حـزيـران 1926. وتـوفـيـت (الـخـاتـون)، كـمـا كـان الـبـغـداديـون يـسـمـون الـمـس جـرتـرود بـيـل، في بـغـداد عـام 1926. وقـد نـصـبـت في ذكـراهـا، في مـدخـل الـمـتـحـف الـعـراقي،  لـوحـة مـن الـبـرونـز فـوقـهـا تـمـثـال لـهـا. وعـلى الـلـوحـة نـصّ بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في نـصـفـهـا الأيـسـر، وتـرجـمـتـه إلى الـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصـف الأيـمـن، أزاح الـمـلـك فـيـصـل الأوّل الـسّـتـارة عـنـه …

 

حـرامي بـغـداد

حرامي بغداد 1924 (2)

مـن بـيـن الأفـلام الّـتي أخـرجـت عـن حـرامي بـغـداد نـجـد أربـعـة أ لـهـا نـفـس الـعـنـوان : The Thief of Baghdad، أخـرجـت في سـنـوات 1924 و 1940 و 1961 و 1978، مـا عـدا الـفِـلـم الألـمـاني الّـذي أخـرج في 1952 كـصـيـغـة مـحـلـيـة لـفِـلـم 1940، والـفِـلـم الـهـنـدي الّـذي أخـرج في  1977… وكـلّ هـذه الأفـلام سـاذجـة الـمـحـتـوى بـسـيـطـة الـعـرض، هـدفـهـا تـسـلـيـة الـمـشـاهـد ونـقـلـه إلى أجـواء غـريـبـة عـجـيـبـة، لا عـمـق فـيـهـا ولا ابـتـكـار رغـم الـنّـجـاح الـسّـاحـق الّـذي لاقـتـه …

 

شـارع الـرّشـيـد كـمـا رأتـه مـاري بـاركـر في 1930

شارع الرشيد باركر

رسـمـت الإنـكـلـيـزية مـاري بـاركـر عـام 1930 لـوحـة “شـارع الـرّشـيـد”. وجـمـعـت فـيـهـا في نـفـس الـمـكـان وفي نـفـس الـوقـت كـلّ الـمـشـاهـد الـغـريـبـة عـلـيـهـا الّـتي رأتـهـا في شـوارع بـغـداد …

 

رابـنـدرانـاث طـاغـور في بـغـداد

2طاغور

بـعـث مـلـك الـعـراق فـيـصـل الأوّل بـدعـوة لـشـاعـر الـهـنـد الـكـبـيـر رابـنـدرانـاث طـاغـور  لـزيـارة الـعـراق. وأقـام طـاغـور في بـغـداد مـن 19 إلى 30 آيّـار 1932. وقـد أقـيـمـت لـه ولائـم، ودعي إلى احـتـفـالات وزار مـعـالـم الـمـديـنـة، وأعـدّ لـه الـمـلـك سـفـرة إلى مـضـارب عـشـيـرة أعـراب وأكـل الـهـبـيـط مـعـهـم … وقـد سـجّـل طـاغـور سـرد رحـلـتـه في كـتـاب نـشـره بـعـد عـودتـه إلى الـهـنـد …

 

خـارطـتـان لـمـديـنـة بـغـداد 1929 و1933

خارطة بغداد 1929 (2) (640x577)

أصـدرت مـديـريـة الأشـغـال الـعـمـومـيـة في بـغـداد عـام 1929 خـارطـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة لـمـديـنـة بـغـداد طـبـعـت في لـنـدن. وظـهـرت نـفـس الـخـارطـة تـقـريـبـاً مـع تـغـيـيـرات طـفـيـفـة وبـالألـوان في دلـيـل كـوك Cook الـسّـيـاحي لـسـنـة 1934. ويـمـكـنـنـا أن نـزور أحـيـاء بـغـداد كـمـا كـانـت في ذلـك الـزمـن ومـعـالـمـهـا الّـتي كـانـت مـا تـزال قـائـمـة بـمـتـابـعــتـنـا لـهـا عـلى الـخـارطـة …

 

صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون

Matson Ir 57

تـضـمّ مـجـمـوعـة صـور ج. إريـك مـاتـسـون و زوجـتـه إديـث  أكـثـر مـن 22 ألـف زجـاجـيـة ومـسـودّة صـور وشـفـافـيـات كـان قـد بـدأهـا قـسـم الـتّـصـويـر لـلـمـسـتـعـمـرة الأمـريـكـيـة في الـقـدس، ثـمّ أكـمـلـتـهـا “خـدمـات مـاتـسـون الـتّـصـويـريـة”. وتـضـمّ الـمـجـمـوعـة أيـضـاً أكـثـر مـن ألـف صـورة مـطـبـوعـة وأحـد عـشـر ألـبـوم صـور. ونـجـد في هـذه الـمـجـمـوعـة أعـداداً كـبـيـرة مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي ذُكـر في تـصـنـيـفـهـا أنّـهـا الـتـقـطـت في الـعـراق عـام 1932، ولا شـكّ أنّ في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق صـور أقـدم دخـلـت في الـمـجـمـوعـة واخـتـلـطـت بـصـور 1932 …

 

حـفـلـة في حـديـقـة قـصـر الـمـلـك

Maston F 29

مـن بـيـن الـصّـور الّـتي تـضـمّـهـا مـجـمـوعـة الأمـريـكي إريـك مـاتـسـون وزوجـتـه إيـديـث عـن الـعـراق، نـجـد 29 صـورة مـنـهـا الـتـقـطـت أمـام “قـصـر” الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وفي حـديـقـتـه، في 6 تـشـريـن الأوّل 1932. وقـد جـرت في ذلـك الـيـوم، احـتـفـالات بـدخـول الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في “عـصـبـة الأمـم” انـتـهـت بـحـفـلـة في “قـصـر” الـمـلـك، أي “الـبـلاط الـمـلـكي” في الـكـسـرة، وفي حـديـقـتـه الـواسـعـة. ويـمـكـنـنـا مـن تـحـلـيـل تـفـاصـيـل صـور إريـك مـاتـسـون الّـتي الـتـقـطـت في ذلـك الـيـوم اقـتـراح تـرتـيـب زمـني لـهـا يـبـدأ مـن الـصّـبـاح ويـنـتـهي وقـت الـغـروب  …

 

صـور عـن الـعـراق في دعـايـة لـشـركـة فـرنـسـيـة عـام 1936

pupier irak 1

أصدرت شـركـة بـوبـيـه الـفـرنـسـيـة لـلـشـوكـولاتـة  La chocolatterie Pupier عـام 1936 ألـبـومـاً دعـائـيـاً مـصـوّراً لـقـارة آسـيـا، خـصـصـت فـيـه صـفـحـة لـلـعـراق وضـعـت فـيـهـا تـسـعـة رسـوم بـالألـوان …

 

الـجـنـاح الـعـراقي في مـعـرض بـاريـس الـعـالـمي عـام 1937

الجناح العراقي

شـارك الـعـراق في مـعـرض عـالـمي أقـيـم في بـاريـس مـن 25 أيّـار إلى 25 تـشـريـن الـثـاني عـام 1937، أسـمي : “الـمـعـرض الـعـالـمي لـلـفـنـون والـتّـقـنـيـات الـمـطـبّـقـة عـلى الـحـيـاة الـحـديـثـة”. وقـد عـهـد بـتـصـمـيـم الـجـنـاح الـعـراقي إلى الـمـعـمـاري الـفـرنـسي ألـبـيـر لابـراد، وسـاعـده الـمـعـمـاري لـيـون بـزان. وعـيّـنـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة الـمـعـمـاري أحـمـد مـخـتـار مـسـتـشـاراً مـعـمـاريـاً لـلـمـشـروع، وأرسـلـتـه إلى بـاريـس لـيـشـرف عـلى تـنـفـيـذه. وقـد نـشـر بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة : “دلـيـل الـجـنـاح الـعـراقي” الّـذي وزّع عـلى زوّار الـجـنـاح. كـمـا نـشـر مـلـف عـلى شـكـل كـتـيـب بـأربـع وعـشـريـن صـفـحـة يـحـتـوي عـلى مـعـلـومـات شـديـدة الأهـمـيـة عـن الـعـراق في تـلـك الـسّـنـوات …

 

« تـان تـان » والـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

tintin couverture

نـشـر الـرّسّـام هـيـرجـيـه بـيـن أيـلـول 1939 وأيّـار 1940 قـصّـة سـرديّـة بـرسـوم في خـانـات مـتـتـابـعـة في مـجـلّـة “صـغـيـر الـقـرن الـعـشـريـن ” الـبـلـجـيـكـيـة  تـحـت عـنـوان : “تـان تـان في بـلاد الـذّهـب الأسـود”. وكـانـت رسـومـهـا بـالأبـيـض والأسـود. ثـمّ أعـاد نـشـرهـا في مـجـلّـة “تـان تـان” ولـكـن بـالألـوان هـذا الـمـرّة بـيـن 1948 و1950. ونـشـر قـصّـتـه الـمـرسـومـة هـذه بـالألـوان في ألـبـوم عـام 1950. ويـذهـب فـيـهـا بـطـلـهـا الـصّـحـفي الـشّـاب “تـان تـان” ومـعـه كـلـبـه الـصّـغـيـر “مـيـلـو” لـلـتـحـقـيـق في قـضـيـة : قـوّة أجـنـبـيـة تـريـد الـسّـيـطـرة عـلى آبـار الـنّـفـط وعـلى مـخـزونـه في الـعـالـم لـتـسـتـطـيـع احـتـكـاره في حـالـة انـدلاع حـرب … ونـجـد في أحـد رسـوم الألـبـوم صـورة طـفـل مـنـقـولـة بـتـفـاصـيـلـهـا وجـزئـيـاتـهـا عـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة لـفـيـصـل بـن غـازي، الّـذي تـوّج بـعـد ذلـك تـحـت اسـم فـيـصـل الـثّـاني، مـلـك الـعـراق  …

 

نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة

club de chasse

أنـشـأ الـوصي عـبـد الإلـه عـام 1943 “نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي” في الـحـارثـيـة. ووصـلـت كـلاب الـصّـيـد مـن إنـكـلـتـرة بـالـبـاخـرة، وشُـيّـد لـهـا وِجـار قـرب قـصـر الـزّهـور. وكـان الـوصيّ عـبـد الإلـه يـمـارس صـيـد الـثّـعـالـب وبـنـات آوى (كـمـا يـفـعـل الإنـكـلـيـز في ريـفـهـم !)، يـطـاردهـا بـصـحـبـة ضـبـاط الـحـرس الـمـلـكي وضـبـاط الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق …

 

إنـشـاء “قـاعـة الـصّـور” في بـغـداد عـام 1943

Picture G.

أنـشـأت مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة عـام 1943 “قـاعـة الـصّـور The Picture Gallery” ونـشـرت “دلـيـل قـاعـة الـرّسـوم الـوطنـيـة لـسـنـة 1943” بـالـلـغـتـيـن الـعـربـيـة والإنـكـلـيـزيـة. ونـقـرأ فـيـه أنّ الـمـديـريـة كـانـت قـد بـدأت بـجـمـع “الـصّـور الـمـعـروضـة في هـذه الـقـاعـة” مـنـذ أكـثـر مـن سـنـتـيـن، وأنّـهـا تـضـمّ “صـور أشـخـاص ومـنـاظـر رسـمـت بـالـزّيـت أو بـالألـوان الـمـائـيـة أو بالـقـلـم الـرّصاص أو بـالـفـحـم عـدا مـا تـتـضـمّـنـه مـن الـرّسـوم الأولـيـة (اسـكـتـشـات) الـمـخـطوطـة بـالـمـداد”. والّـتي اخـتـيـرت “إمّـا لـمـزايـاهـا الـفـنّـيـة أو لأهـمـيـتـهـا، إذ تـمـثّـل طـبـيـعـة الـبـلاد وتـصـوّر أخـلاق أهـلـهـا”. وكـان الـهـدف مـن إنـشـاء الـقـاعـة : “أن تـكـون مـلـحـقـاً لـمـتـحـف الأزيـاء الـوطـنـيـة الـمـجـاور لـهـا” …

 

مـلـعـب لـو كـوربـوزيـيـه الـرّيـاضي في بـغـداد

لوكوربزييه 5

بـعـد أن أنـشئ “مـجـلـس الإعـمـار” في بـغـداد عـام 1950، تـبـنّـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 1955 مـشـروع تـوسـيـع مـديـنـة بـغـداد وتـحـديـثـهـا. وقـد طـلـبـت مـن أهـمّ الـمـعـمـاريـيـن الـعـالـمـيـيـن في تـلـك الـفـتـرة وأشـهـرهـم الـمـشـاركـة فـيـه. وهـكـذا رسـم الـمـعـمـاري الأمـريـكي فـرانـك لـويـد رايـت مـخـطـطـاً عـامـاً لـمـركـز الـمـديـنـة، كـمـا صـمـم دار أوبـرا، وصـمـم الـمـعـمـاري الألـمـاني فـالـتـيـر غـروبـيـوس، مـؤسـس الـبـاوهـاوس، مـديـنـة جـامـعـيـة شـاسـعـة … أمّـا الـمـعـمـاري الـسّـويـسـري  الـمـشـهـور بـاسـم لـو كـوربـوزيـيـه  فـقـد عـهـد إلـيـه بـتـصـمـيـم مـديـنـة أولـمـبـيـة في بـغـداد تـضـمّ مـلـعـبـاً ريـاضـيـاً مـفـتـوحـاً (5000 مـقـعـد) ومـلـعـبـاً مـغـلـقـاً (أي مـسـقّـفـاً) وهـو مـايـسـمى بـالـجـمـنـازيـوم (3500 مـقـعـد) ومـسـبـحـاً أولـمـبـيـاً لـخـمـسـة آلاف مـشـاهـد …  وشـيّـد الـمـلـعـب الـرّيـاضي الّـذي صـمـمـه لـوكـوربـوزيـيـه بـعـد خـمـسـة وعـشـريـن عـامـاً، أي في عـام 1980 ! …

 

خـطـيـبـة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

Fazilet 4 (640x640)

نـشـرت مـجـلّـة “بـاري مـاتـش” الـبـاريـسـيـة في عـددهـا الّـذي صـدر بـعـد اثـني عـشـر يـومـاً عـلى ثـورة 14 تـمّـوز 1958 في الـعـراق : “بـيـروت، عـمّـان، بـغـداد، مـراسـلـونـا عـلى جـبـهـة الـشّـرق الأوسـط”، ثـمّ تـحـتـه بـحـروف بـيـضـاء عـلى خـلـفـيـة سـوداء : “كـان يـنـبـغي أن تـتـزوّج الأمـيـرة الـصّـغـيـرة فـاضـلـة Fazilet بـفـيـصـل، مـلـك الـعـراق في شـهـر تـشـريـن الأوّل، ولـكـنّـهـم أُخـبـروهـا بـمـوتـه في غـرفـتـهـا في الـمـعـهـد الإنـكـلـيـزي الّـذي تـدرس فـيـه. وعـلى جـدار الـغـرفـة صـورة خـطـيـبـهـا”. ونـقـرأ في الـصـفـحـتـيـن 12 و 13 مـقـالاً عـنـوانـه : “في الـقـسـم الـدّاخـلي لـمـعـهـد أسـكـوت Ascot، فـاضـلـة الـرّائـعـة الـجـمـال تـبـكي خـطـيـبـهـا الـمـقـتـول” …

 

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (1) :

Abdulaly 2

أنـشـأ هـنـدي مـن الـرّعـايـا الـبـريـطـانـيـيـن في الـعـراق، عـبـدُ الـعـلي آدمـس مـؤسـسـة أسـمـاهـا “عـبـدُالـعـلي اخـوانـا” (إخـوان). وكـان لـهـا نـشـاطـات مـتـنـوعـة في بـغـداد. وقـد طـبـعـت الـمـؤسـسـة بـطـاقـات بـريـديـة عـن صـور لـلـعـراق وبـاعـتـهـا خـلال سـنـوات طـويـلـة …

 

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (2) :

إلدرورادو

وصـلـتـنـا أعـداد كـبـيـرة مـن صـور الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الّـتي طـبـعـهـا اسـتـوديـو إلدورادو لـلـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي Eldorado Photo Studio، والّـذي كـان لـه مـحـل في شـارع الـرّشـيـد في بـغـداد في الـنّـصـف الأوّل مـن الـقـرن الـعـشـريـن. وكـانـت هـذه الـبـطـاقـات تـوضـع في ظـروف (وهـذا الـجـمـع أصـحّ مـن “مـظـاريـف”). كـمـا كـان يـعـرض لـلـبـيـع مـجـمـوعـات مـخـتـارة Selected Photogaphs يـضـعـهـا في ظـروف كـبـيـرة. وتـصـوّر أغـلـب الـبـطـاقـات مـعـالـم بـغـداد، وتـصـور بـعـضـهـا أسـواق بـغـداد، وطـاق كـسـرى، والـبـصـرة والـعـشّـار …

 

صـور عـن الـعـراق (3) :

زفوبودا

وصـلـتـنـا صـور لـبـطـاقـات بـريـديـة عـن الـعـراق طـبـعـهـا إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا. وهـو يـنـتـمي إلى عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة الّـتي بـدأت بـوصـول الـتّـاجـر الـمـجـري أنـطـون زفـوبـودا إلى بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر واسـتـقـراره فـيـهـا. وقـد تـزوّج أنـطـون عـام 1825 بـبـغـداديـة مـسـيـحـيـة مـن عـائـلـة أرمـنـيـة، وأنـجـب مـنـهـا أحـد عـشـر ولـداً وبـنـتـاً.  ويـبـدو أنّ إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا هـو إسـكـنـدر ريـشـارد، إبـن جـوزيـف مـاتـيـا، الإبـن الـثّـاني لأنـطـون زفـوبـودا .وقـد ولـد إسـكـنـدر ريـشـارد في بـغـداد سـنـة 1878…

 

صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (4) :

Hoory 75

وصـلـتـنـا أعـداد مـن الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الّـتي كُـتـب في أسـفـل يـمـيـن حـاشـيـتـهـا (إطـارهـا) بـالـحـروف الـمـطـبـعـيـة :  J.S. Hoory , Baghdad. كـمـا كـتـب في أسـفـل يـسـار حـاشـيـتـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة وبـالـحـروف الـمـطـبـعـيـة وصـف الـمـشـهـد الّـذي تـصـوّره. وأُضـيـف عـلى كـثـيـر مـنـهـا تـعـلـيـق مـخـطـوط بـالـعـربـيـة، في داخـل الـصّـورة ولـيـس عـلى الإطـار. وأغـلـب هـذه الـبـطـاقـات الـبـريـديـة تـصـوّر مـشـاهـد مـن مـديـنـة بـغـداد ومـا حـولـهـا أو الـمـوصـل أو كـركـوك أو أربـيـل أو الـبـصـرة، ومـعـالـمـهـا الـدّيـنـيـة والـمـدنـيـة …

 

فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق

فريا ستارك

وصـلـت الـبـريـطـانـيـة فـريـا مـادلـيـن سـتـارك إلى بـغـداد عـام 1929. وقـد اسـتـفـزت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا الـعـربـيـة الّـتي كـانـت قـد تـعـلّـمـتـهـا في مـعـهـد الـدّراسـات الـشّـرقـيـة في لـنـدن. كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات. وعـمـلـت مـحـررة في Baghdad Times في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلـك في كـتـاب نـشـرتـه تـحـت عـنـوان “إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة « Baghdad sketches  … وفي أواخـر سـنـوات حـيـاتـهـا، أعـدّت مـخـتـارات مـن رسـائـلـهـا الّـتي كـتـبـتـهـا إلى أهـلـهـا ومـعـارفـهـا طـيـلـة حـيـاتـهـا والّـتي كـانـت قـد احـتـفـظـت بـنـسـخ مـنـهـا ونـشـرتـهـا في ثـمـانـيـة أجـزاء، مـن 1974 إلى 1982. ونـجـد فـيـهـا مـعـلـومـات لا تـقـدر قـيـمـتـهـا عـن الـحـيـاة في الـعـراق عـنـدمـا عـاشـت فـيـه …

 

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق

British author (Agatha Christie) have breakfast on the balcony from hotel (Maud) to its owner (Mikhail Zia) Baghdad.

جـاءت الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة أجـاثـا كـريـسـتي إلى الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1929، وزارت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريّـة في أور. والـتـقـت بـعـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان، الّـذي أغـرم بـهـا وتـزوّجـهـا. وقـد صـاحـبـت أجـاثـا زوجـهـا مـاكـس إلى الـمـواقـع الأثـريـة، وبـدءا في 1931/ 1932 مـوسـم تـنـقـيـبـاتـهـمـا الأوّل في نـيـنـوى، ثـمّ اسـتـمـرّا في ذلـك سـنـوات طـويـلـة كـانـت تـكـتـب خـلالـهـا روايـاتـهـا الـبـولـيـسـيـة الـشّـديـدة الـشـهـرة، وتـنـشـرهـا في لـنـدن. وكـان لـهـمـا في بـغـداد دار تـركـيـة قـديـمـة في الـصّـوب الـغـربي لـدجـلـة … وتـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في أربـعـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : روايـة “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” وروايـة «They Came to Baghdad»، وفي كـتـابَـيـن تـسـرد فـيـهـمـا ذكـريـاتـهـا : “تـعـال اخـبـرني كـيـف تـعـيـش الّـذي صـدر في 1946، وسـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : «An Autobiography» …

 

روايـة «جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia» لأجـاثـا كـريـسـتي.

murder 2

نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي روايـتـهـا الـبـولـيـسـيـة الأولى هـذه الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق في 1936. والـقـصّـة تـرويـهـا مـمـرضـة جـاءت إلى بـغـداد تـصـاحـب امـراة إنـكـلـيـزيـة. ولـكـنّـهـا، بـعـد انـتـهـاء مـهـمـتـهـا، قـبـلـت أن تـعـتـني بـانـكـلـيـزيـة أخـرى، لـويـز زوجـة عـالـم الآثـار الـسّـويـدي الـدّكـتـور إريـك لايـنـدر في مـوقـع تـنـقـيـبـات أثـريـة. وتـحـدث جـريـمـة ، ويـنـبـغي إيـجـاد الـقـاتـل …

 

روايـة : «مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad» لأجـاثـا كـريـسـتي.

they 5

نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي روايـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق : «They Came to Baghdad» في 1951. وهـذه الـرّوايـة مـلـيـئـة بـوصـف أمـاكـن في الـعـراق. ونـلـتـقي فـيـهـا بـعـدد مـن “الـعـراقـيـيـن”. وهي في الـحـقـيـقـة لـيـسـت روايـة بـولـيـسـيـة بـالـمـعـنى الـمـتـعـارف عـلـيـه : أي جـريـمـة غـامـضـة يـجـد لـهـا الـحـلّ مـحـقـق ذكي يـسـتـنـتـج مـن أحـداثـهـا الـمـبـعـثـرة كـيـفـيـة حـدوثـهـا ويـتـوصـل إلى كـشـف الـمـجـرم الّـذي قـام بـهـا. ولـنـقـل إنّ هـذه الـرّوايـة تـقـتـرب كـثـيـراً مـن روايـات الـتـجـسـس فـفـيـهـا تـآمـر ضـدّ أمـن الـبـشـريـة ومـجـرمـون يـحـاولـون الـسّـيـطـرة عـلـيـهـا. وقـد اسـتـغـلّـت الـكـاتـبـة خـوف الـغـربـيـيـن مـن انـدلاع حـرب عـالـمـيـة ثـالـثـة لـتـألـيـفـهـا …

 

«صـنـدوق الـدّنـيـا» كـمـا وصـفـتـه أجـاثـا كـريـسـتي

صندوق الدنيا

تـصـف أجـاثـا كـريـسـتي في روايـتـهـا : “مـوعـد في بـغـداد  They Came to Baghdad” الّـتي صـدرت عـام 1951، كـيـف الـتـقـت بـطـلـة الـقـصّـة بـرجـلـيـن يـحـمـلان “صـنـدوق الـدّنـيـا” : وهي آلـة مـن الـخـشـب بـداخـلـهـا صـور يـمـكـن رؤيـتـهـا مـن خـلال ثـقـبـيـن فـيـهـا …

 

سـريـالي مـن بـغـداد

s.alexandrian

ولـد لـوسـيـان إسـكـنـدريـان في بـغـداد. وأصـيـب في طـفـولـتـه بـمـرض أصـاب سـاقـيـه، مـمـا دفـع والـديـه لإرسـالـه إلى فـرنـسـا عـنـد جـدتـه، أمّ أمّـه، ولـم يـكـن قـد بـلـغ الـسّـادسـة مـن عـمـره. وفي عـام 1947، وكـان في سـنّ الـعـشـريـن، إلـتـقى في بـاريـس بـأنـدريـه بـرُتـون، رئـيـس الـحـركـة الـسّـريـالـيـة … وبـدأت عـلاقـاتـه بـالـحـركـات الـطّـلائـعـيـة، الأدبـيـة مـنـهـا والـفـنّـيـة الّـتي نـشـر عـنـهـا أعـداداً مـن الـكـتـب بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة بـاسـمـه الأدبي : “سـاران ألـكـسـنـدريـان” …

 

مـن يـتـذكّـر دزمـونـد سـتـيـوارت ؟

دزموند ستيوارت

حـصـل دزمـونـد سـتـيـوارت عـلى الـمـاجـسـتـيـر في الآداب مـن جـامـعـة أوكـسـفـورد في نـهـايـة الـعـام الـدّراسـي 1948. وفي خـريـف ذلـك الـعـام وصـل إلى بـغـداد بـعـد أن تـعـاقـد مـع كـلـيـة الآداب لـيـدرّس فـيـهـا الأدب الإنـكـلـيـزي.  ونـشـر في 1952 : The Memoirs of Alcibiades،وهي رغـم عـنـوانـهـا سـيـرة ذاتـيـة روائـيـة عـن حـيـاتـه في الـعـراق. كـمـا نـشـر أشـهـر كـتـبـه عـن الـعـراق، وهي روايـتـه : The Unsuitable Englishman. ونـشـر كـتـبـاُ ومـقـالات أخـرى عـن الـعـراق والأدب الـعـراقي … كـمـا عـاش في بـيـروت والـقـاهـرة وزار مـخـيـمـات الـلاجـئـيـن الـفـلـسـطـيـنـيـيـن وكـتـب كـتـبـاً تـاريـخـيـة وقـام بـتـرجـمـات …

 

ثـلاثـة بـريـطـانـيـيـن في أهـوار جـنـوب الـعـراق

Thesiger XXIII

وصـل الـبـريـطـاني ولـفـريـد ثـيـسـجـر إلى الأهـوار في أواخـر عـام 1951، وسـقـط حـالاً في دائـرة سـحـرهـا. ثـمّ أقـام فـيـهـا عـدّة مـرّات ولـمـدة أشـهـر طـويـلـة حـتّى حـزيـران 1958. وفي بـدايـة 1952، إلـتـقى بـغـافـن يـونـغ الّـذي كـان بـريـطـانـيـاً هـو الآخـر، ويـعـمـل في شـركـة في الـبـصـرة بـولـفـريـد ثـيـسـجـر الّـذي تـحـدّث لـه عـن الأهـوار، فـذهـب إلـيـهـا يـونـغ مـعـه. ثـمّ رجـع إلـيـهـا عـدّة مـرّات بـعـد ذلـك وأقـام فـيـهـا فـتـرات طـويـلـة، إلى أن تـرك عـمـلـه وغـادر الـعـراق. كـمـا أنّ ولـفـريـد ثـيـسـجـر  اصـطـحـب مـعـه إلى الأهـوار في 1956 عـالـم الـطّـبـيـعـيـات الإسـكـتـلـنـدي غـافـن مـاكـسـويـل …

 

الـبـيـت الـتّـراثي كـمـا وصـفـتـه أربـع أجـنـبـيـات

البيت التراثي

أربـع نـظـرات ألـقـتـهـا أجـنـبـيـات عـلى بـيـوتـنـا الـقـديـمـة : فـرنـسـيـة زارت الـعـراق بـصـحـبـة زوجـهـا في نـهـايـة 1881 وبـدايـة 1882، وأمـريـكـيـة جـاءت إلى بـغـداد مـع زوجـهـا عـام 1924 لـفـتـح مـدرسـة لـلـبـنـيـن، وسـكـنـت في عـدّة بـيـوت بـغـداديـة حـتّى عـام 1947، وإنـكـلـيـزيـة وصـلـت الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1928، ثـمّ عـادت إلـيـه مـراراً وسـكـنـت في بـيـوت بـغـداديـة أسـهـبـت في وصـفـهـا، وانـكـلـيـزيـة أخـرى شـديـدة الـشّـهـرة سـكـنـت بـيـتـاً بـغـداديـاً يـطـلّ عـلى دجـلـة، وتـكـلّـمـت عـن بـيـوت عـراقـيـة في روايـتـيـن مـن روايـاتـهـا وفي كـتـب ذكـريـات …

 

الـسّـنـوات الـبـغـداديـة لـمـارغـو كـيـرتـيـكـار

Margo K

نـشـرت مـارغـو كـيـرتـيـكـار عـام 2011، كـتـاب ذكـريـات بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة عـن : “بـغـداد في الـمـاضي : عـقـداهـا الـذّهـبـيـان في أربـعـيـنـات [الـقـرن الـمـاضي] وخـمـسـيـنـاتـه”. ويـبـدأ الـكـتـاب في ربـيـع 1959 عـنـدمـا كـانـت مـارغـو تـسـتـعـد لـمـغـادرة بـغـداد لـلـدّراسـة… ولـكـنّ عـاصـفـة عـجـاج تـمـنـع الـطّـائـرة مـن الإقـلاع وتـعـود مـع أهـلـهـا إلى الـدّار. ثـمّ تـتـكـلّـم عـن “كـيـف جـاءت الأقـدار بـالـحـبّ في ربـيـع 1939” عـنـدمـا الـتـقى أبـوهـا الـهـنـدي، الّـذي كـان قـد اسـتـقـرّ في بـغـداد بـعـد أسـفـار طـويـلـة بـأمّـهـا الـسّـوريـة … وتـسـتـمـرّ مـارغـو في ذكـريـاتـهـا عـن بـغـداد وحـيـاتـهـا الـسّـعـيـدة فـيـهـا …

 

ديـوك إلـيـنـغـتـون في بـغـداد عـام 1963

إلينغتون

مـرّ ديـوك إلـيـنـغـتـون بـبـغـداد عـام 1963، وأقـام حـفـلـة “مـوسـيـقى جـاز ” مـع فـرقـتـه في قـاعـة الـخـلـد، يـوم 12 تـشـريـن الـثّـاني. وكـانـت مـحـطـة تـلـفـزيـون بـغـداد قـد اسـتـعـدّت لـنـقـل جـزء مـن الأمـسـيـة، ولـكـنّـهـا قـررت بـعـد ذلـك تـغـيـيـر بـرامـجـهـا وبـث الأمـسـيـة بـكـامـلـهـا ابـتـداءً مـن الـسّـاعـة الـسّـابـعـة والـنّـصـف مـسـاءً. وفي الـيـوم الـتّـالي، حـدثـت اضـطـرابـات سـيـاسـيـة في بـغـداد، وطـلـبـت سـكـرتـاريـة الـدّولـة لـلـشـؤون الـخـارجـيـة، أي وزارة الـخـارجـيـة الأمـريـكـيـة، مـن ديـوك إلـيـنـغـتـون وفـرقـتـه أن يـتـركـوا بـغـداد بـأسـرع مـا يـمـكـنـهـم. وألـغـيـت الـحـفـلـة الـمـوسـيـقـيـة الـثّـانـيـة الّـتي كـان يـنـبـغي أن تـقـام في مـسـاء يـوم 13 تـشـريـن الـثّـاني …

 

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذه الـمـقـالات.

 

سـريـالي مـن بـغـداد

s.alexandrian

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنـاصـري

سـمـعـت لأوّل مـرّة بـاسـم سـاران ألـكـسـنـدريـان Sarane Alexandrian عـنـدمـا اسـتـضـافـه أولـيـفـيـه جـيـرمـان تـومـا عـام 1990 في بـرنـامـجـه : “عـالـم الـوجـدان” الّـذي كـان يـقـدّمـه عـلى مـوجـات “فـرانـس كـلـتـور”، مـحـطّـة الإذاعـة الـفـرنـسـيـة الـمـخـصـصـة لـلـثّـقـافـة، بـعـد أن كـان ألـكـسـنـدريـان قـد أصـدر سـيـرتـه الـذّاتـيـة : “الـمـغـامـرة بـذاتـهـا L’Aventure en soi”.(1)

 

l'aventure en soi

 

وكـان الـسّـؤال الأوّل الّـذي وجـهـه لـه جـيـرمـان تـومـا : “ألـكـسـنـدريـان، تـقـول إنّـك عـراقي. مـاذا يـنـبـغي لـلـمـرء أن يـفـعـل لـيـكـون عـراقـيـاً ؟”، فـأجـابـه ألـكـسـنـدريـان : “أن يـولـد في الـعـراق”. وقـد ادّعى خـلال هـذه الـمـقـابـلـة أنّ أبـاه كـان طـبـيـب الـمـلـك فـيـصـل الأوّل الـخـاصّ.

وشـاءت الـصّـدفـة أن أسـتـمـع إلـيـه مـرّة أخـرى في الـعـام الـتّـالي، 1991، في مـقـابـلـة مـع إيـزابـيـل رابـيـنـو في بـرنـامـجـهـا : “ذاكـرة الـقـرن الـعـشـريـن” مـن نـفـس مـحـطّـة الإذاعـة الـثّـقـافـيـة الـفـرنـسـيـة. وقـد ذكـر ألـكـسـنـدريـان خـلالـهـا أنّ أبـاه قـدّمـه، عـنـدمـا كـان في الـسّـنـة الأولى مـن عـمـره، إلى الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، وأنّ الـمـلـك وضـع يـده الـيـمـنى عـلى رأسـه كـمـا كـان مـلـوك أوربـا في الـقـرون الـوسـطى يـفـعـلـون لـتـكـريـس الـفـرسـان. (2)

وقـد دفـعـني ذلـك لـقـراءة أهـمّ كـتـبـه والـبـحـث عـن كـلّ الـمـعـلـومـات الّـتي يـمـكـن إيـجـادهـا عـنـه، وخـاصّـة عـن عـلاقـتـه بـالـحـركـة الـسّـريـالـيـة (3) الّـتي اتّـصـل بـهـا في مـرحـلـتـهـا الـثّـانـيـة ولـفـتـرة قـصـيـرة جـدّاً مـن الـزّمـن.

وقـد وجـدت في مـكـتـبـة صـديـق لي كـتـابـاً بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة صـدر مـنـذ سـنـوات، ولـم أنـتـبـه إلى صـدوره في وقـتـهـا، كـتـبـه كـريـسـتـوف دوفـان Christophe Dauphin، وعـنـوانـه : “سـاران ألـكـسـنـدريـان أو الـتّـحـدّي الـكـبـيـر لـلـمـخـيّـلـة”

 

المغامرة بذاتها

وقـد أضـافـت قـراءة هـذا الـكـتـاب مـعـلـومـات جـديـدة إلى مـا كـنـت قـد وجـدتـه عـنـه.

ثـمّ قـرأت في الـسّـنـوات الأخـيـرة عـدّة مـقـالات يـبـالـغ فـيـهـا كـتّـابـهـا أهـمـيـة دوره في الـحـركـة الـسّـريـالـيـة إلى حـدّ أن بـعـضـهـم جـعـلـه الـذّراع الأيـمـن لأنـدريـه بـرُتـون !

فـمـن كـان سـاران ألـكـسـنـدريـان، ومـا عـلاقـتـه بـالـحـركـة الـثّـقـافـيـة الـفـرنـسـيـة الّـتي خـاض مـعـتـركـهـا طـيـلـة حـيـاتـه، ومـا عـلاقـاتـه الـثّـقـافـيـة بـالـعـراق الّـذي ولـد فـيـه ؟

وهـل يـكـفي أن يـولـد سـاران ألـكـسـنـدريـان في بـغـداد لـيـعـتـبـر عـراقـيـاً ؟

ولـد سـاران في بـغـداد في 15 حـزيـران سـنـة 1927. وكـان أبـوه وارطـان إسـكـنـدريـان، أو فـارتـان ألـكـسـنـدريـان Vartan Alexandrian كـمـا يـكـتـبـه سـاران بـالـفـرنـسـيـة، مـن عـائـلـة إسـكـنـدريـان الأرمـنـيـة الّـتي اسـتـقـرت في بـغـداد مـنـذ الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وقـد درس وارطـان الـطّـبّ في إسـطـنـبـول وتـخـصـص بـطـبّ الأسـنـان، وفـتـح عـيـادة في شـارع الـرّشـيـد حـسـب مـا ذكـره ابـنـه سـاران. ووجـدت صـورة ذكـرت بـعـض الـمـقـالات الـمـنـشـورة عـنـه أنّـهـا صـورة أبـيـه في عـيـادتـه :

vartan alex.

وقـد وجـدت فـعـلاً ذكـراً لـطـبـيـب أسـنـان اسـمـه وارطـان إسـكـنـدريـان في قـوائـم أطـبـاء الأسـنـان مـن أرمـن بـغـداد. وكـتـب عـنـه سـاران : “كـان أبي، عـنـدمـا ولـدت، في الـتّـاسـعـة والـعـشـريـن مـن عـمـره. وكـان طـبـيـبـاً حـاذقـاً مـتـمـلـكـاً لأسـرار مـهـنـتـه الّـتي اكـتـسـبـهـا في إسـطـنـبـول وبـاريـس ولـنـدن. وكـان يـتـكـلّـم الـعـربـيـة والـفـرنـسـيـة والإنـكـلـيـزيـة والـتّـركـيـة والأرمـنـيـة”.

وقـد ذكـر سـاران ألـكـسـنـدريـان بـعـد ذلـك في سـيـرتـه الـذّاتـيـة وفي مـقـابـلات صـحـفـيـة وإذاعـيـة أنّ أبـاه كـان طـبـيـب الـمـلـك فـيـصـل الأوّل الـخـاص، وهـو مـا لـم أجـد مـا يـثـبـتـه. فـربّـمـا كـان قـد عـالـج الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، ولـكـنّي لـم أجـد اسـمـه في قـوائـم أطـبّـاء الـمـلـك الّـتي عـثـرت عـلـيـهـا.

وفي بـاريـس تـزوّج وارطـان إسـكـنـدريـان بـفـرنـسـيـة اسـمـهـا مـرغـريـت كـولان Marguerite Colin، وعـاد بـهـا إلى بـغـداد، وأنـجـبـت لـه سـنـة 1927 ولـداً اسـمـاه لـوسـيـان Lucien. وذكـر كـاتـبـنـا في سـيـرتـه الـذّاتـيـة أنّ سـاران اسـم أطـلـقـتـه عـلـيـه مـربـيـتـه الـهـنـديـة. وهـو يـعـني في لـغـتـهـا الـمـحـلّـيـة “أمـيـر” :

Alexandrian

وسـأسـتـمـرّ هـنـا في اسـتـعـمـال اسـمـه الأدبي الّـذي اخـتـاره لـنـفـسـه : “سـاران ألـكـسـنـدريـان” بـدلاً مـن “لـوسـيـان إسـكـنـدريـان” كـمـا سـجّـل في الأوراق الـرّسـمـيـة.

وفي طـفـولـتـه في بـغـداد، ظـهـرت عـلى جـانـب أنـف سـاران ومـا يـجـاوره مـن خـدّه الأيـمـن “حـبّـة بـغـداد”، حـفـرتـهـمـا وتـركـت عـلى وجـهـه نـدبـتـيـن حـمـلـهـمـا طـيـلـة حـيـاتـه. ثـمّ أصـيـب بـعـدهـا بـمـرض أصـاب سـاقـيـه، مـمـا دفـع والـديـه لإرسـالـه إلى فـرنـسـا عـنـد جـدتـه، أمّ أمّـه. ولـم يـكـن قـد بـلـغ الـسّـادسـة مـن عـمـره.

في بـاريـس :

ودخـل سـاران الـمـدرسـة الإبـتـدائـيـة في بـاريـس. وكـتـب عـن تـلـك الـفـتـرة : “وتـمـلـكـني الـجـزع والـغـمّ، كـمـا لـو كـنـت يـتـيـم الأبـويـن، مـنـعـزلاً بـيـن جـنـسـيـتـيـن، وقـد اسـتـولى الـعـجـز عـلى نـصـف جـسـدي”.

ومـع ذلـك فـفـرنـسـا لـم تـكـن غـريـبـة عـلـيـه تـمـامـاً. ولا شـكّ في أنّـه تـكـلّـم الـفـرنـسـيـة مـع أمّـه مـنـذ نـعـومـة أظـفـاره، ومـع أبـيـه أيـضـاً. فـقـد كـان أبـوه، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، يـحـسـن إلى جـانـب الأرمـنـيـة، لـغـتـه الأمّ، الـعـربـيـة والـفـرنـسـيـة والإنـكـلـيـزيـة والـتّـركـيـة.

ويـحـقّ لـنـا هـنـا أن نـتـسـاءل هـل لـعـب سـاران الـطّـفـل مـع أتـرابـه في أزقّـة بـغـداد ؟ وهـل تـكـلّـم الـعـامـيـة الـبـغـداديـة ؟ أو هـل كـان يـفـهـمـهـا عـلى الأقـل ؟ وهـو ولا شـكّ لـم يـتـعـلـم قـراءة الـلـغـة الـعـربـيـة وكـتـابـتـهـا، فـقـد تـرك بـغـداد قـبـل أن يـدخـل الـمـدرسـة.

وقـد جـاء أبـواه مـن بـغـداد إلى فـرنـسـا لـزيـارتـه في 1935، واصـطـحـبـا مـعـهـمـا أخـتـه الـصّـغـيـرة “بـولـيـت” الّـتي كـانـت قـد ولـدت في 1933، أي بـعـد مـغـادرتـه لـبـغـداد بـقـلـيـل.

سـنـوات الـحـرب :

وفي صـيـف 1939، وكـان في الـثّـانـيـة عـشـرة مـن عـمـره، اصـطـحـبـتـه جـدّتـه إلى قـريـة صـغـيـرة في مـنـطـقـة الـلـيـمـوزان، في وسـط فـرنـسـا، لـيـقـضـيـا فـيـهـا الـعـطـلـة الـصّـيـفـيـة. ولـكـنّ الـحـرب انـدلـعـت في الأوّل مـن أيـلـول، فـلـم يـرجـعـا إلى بـاريـس، وبـقـيـا في الـقـريـة. ثـمّ بـعـثـتـه جـدتـه إلى مـديـنـة لـيـمـوج الـقـريـبـة مـنـهـا لـيـدرس في أهـم مـدارسـهـا، “مـتـوسِّـطـة وثـانـويـة غي لـوسـاك”.

وفي 1943، إلـتـقى الـصّـبي الّـذي كـان في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره بـالـفـنّـان الألـمـاني راؤول هـوسـمـان Raoul Haussmann الّـذي سـاعـده عـلى اكـتـشـاف الـحـركـة الـدّادائـيـة. (4) وكـان هـوسـمـان الّـذي كـان قـد الـتـجـأ هـو الآخـر إلى هـذه الـقـريـة، في الـسّـابـعـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره.  وكـان في شـبـابـه، أي في 1918، قـد أسـس نـاديـاً دادائـيـاً في بـرلـيـن، بـعـد سـنـتـيـن فـقـط مـن تـأسـيـس تـرسـتـان تـزارا Tristan Zara لـلـحـركـة الـدّادائـيـة في زيـورخ (سـويـسـرة) عـام 1916.

وذكـر ألـكـسـنـدريـان عـدّة مـرّات أنّـه شـارك في تـلـك الـفـتـرة في الـمـقـاومـة ضـدّ الإحـتـلال الألـمـاني لـفـرنـسـا.

في بـاريـس بـعـد الـحـرب :

عـاد سـاران إلى بـاريـس بـعـد نـهـايـة الـحـرب، ودخـل ثـانـويـة “كـونـدورسـيـه” الّـتي كـانـت مـن بـيـن أهـمّ ثـانـويـات بـاريـس. وحـصـل عـلى شـهـادة الـبـكـلـوريـا في 1946. ثـمّ شـرع في مـتـابـعـة دروس في تـاريـخ الـفـنّ في مـدرسـة الـلـوفـر. وبـدأ يـنـشـر أشـعـاراً في مـجـلّات أدبـيـة ويـرتـاد الـنّـوادي والـمـقـاهي الّـتي يـلـتـقي فـيـهـا الأدبـاء. وقـد سـاءت عـلاقـاتـه بـأبـيـه في هـذه الـفـتـرة، فـقـد كـان أبـوه يـنـوي إدخـالـه في كـلـيـة الـطّـبّ لـيـجـعـل مـنـه رجـلاً مـحـتـرمـاً.

ونـحـن نـعـرف أنّ سـاران لـم يـرجـع أبـداً إلى بـغـداد مـنـذ أن تـركـهـا في طـفـولـتـه، قـبـل أن يـبـلـغ الـسّـادسـة مـن عـمـره. ويـبـدو أنّ ذكـريـاتـه عـن بـغـداد كـانـت بـاهـتـة الـمـعـالـم والألـوان، فـإنّ مـا كـتـبـه عـنـهـا بـعـد ذلـك يـشـبـه كـثـيـراً مـا كـتـبـه الـرّحّـالـة الأجـانـب الّـذيـن زاروا الـعـراق في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر ! بـل ربّـمـا نـقـل عــنـهـم بـعـض مـا كـتـبـه. فـهـو قـد كـتـب في سـيـرتـه الـذّاتـيـة مـثـلاً أنّـه ولـد في : “بـغـداد الّـتي تـتـوّجـهـا هـالـة مـن الـغـبـار، يـحـيـطـهـا حـزام مـن غـابـات نـخـيـل هـزيـلـة. وفي وسـط مـكـعـبـات مـن الـمـعـمـار الـطّـيـني نـبـصـر بـمـعـالـم مـثـل الـقـصـر الـعـبـاسي، والـجـامـع الأزرق (!؟) وبـرج الـطّـلّـسـم. وكـانـت تـبـدو في ذلـك الـزّمـن مـديـنـة ريـفـيـة لـم يـكـن فـيـهـا أكـثـر مـن مـائـة وخـمـسـيـن سـاكـنـاً”.

ونـذكّـر الـقـارئ هـنـا أنّ بـاب الـحـلـبـة هـو الّـذي كـانـت الـعـامّـة تـسـمـيـه بـاب الـطّـلّـسـم. وقـد اسـتـعـمـل بـرجـه لـخـزن بـارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن. وعـنـدمـا تـقـدّمـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـره الـعـثـمـانـيـون قـبـل انـسـحـابـهـم مـن الـمـديـنـة في 11 آذار 1917. وتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجـارة بـعـد انـفـجـار الـبـارود الـمـخـزون، ولـم يـبـق مـنـه اثـر. ولـم يـكـن سـاران ألـكـسـنـدريـان يـعـرف إذن أنّ الـبـرج انـفـجـر قـبـل ولادتـه بـعـشـر سـنـوات.

ولـم تـكـن بـغـداد “مـديـنـة ريـفـيـة” في 1927، عـام ولادة سـاران ألـكـسـنـدريـان، فـقـد كـان فـيـهـا مـتـحـف لـلآثـار الـقـديـمـة، وافـتـتـح فـيـهـا فـرع لـلـرّيـاضـيـات في دار الـمـعـلـمـيـن الـعـالـيـة. وتـأسـسـت فـيـهـا كـلـيـة الـطّـب.

ألـكـسـنـدريـان والـحـركـة الـسّـريـالـيـة :

وفي عـام 1947، وكـان في الـعـشـريـن مـن عـمـره، قـرر سـاران الـكـسـنـدريـان مـقـابـلـة أنـدريـه بـرُتـون André Breton.

Breton_Caricature

وكـان بـرُتـون وقـتـهـا شـديـد الـشّـهـرة، يـؤمّـه الـنّـاس مـن كـلّ صـوب وحـدب. وكـان يـتـرأس الـجـمـاعـة الـسّـريـالـيـة لا يـنـازعـه في ذلـك مـنـازع مـنـذ مـا يـقـارب الـخـمـسـة وعـشـريـن عـامـاً، فـقـد انـفـصـل بـرُتـون وأصـحـابـه عـن الـحـركـة الـدّادائـيـة في بـدايـة الـعـشـريـنـيـات، وأطـلـق في 1924 “بـيـان الـسّـريـالـيـة” الـشّـهـيـر :

manif. du sur

وبـدأ سـاران ألـكـسـنـدريـان مـحـاولاتـه لـلـتّـقـرّب مـن أنـدريـه بـرُتـون بـكـتـابـة رسـالـة لـه. وبـعـث مـعـهـا نـسـخـة مـن نـصّـه عـن “الـشّـعـر والـمـوضـوعـيـة”. ويـبـدو أنّ أنـدريـه بـرُتـون، الّـذي كـان يـريـد جـذب الـشّـبـاب إلى جـمـاعـتـه الّـتي بـدأت الـشّـيـخـوخـة تُـصـلّـب شـرايـيـنـهـا، أجـاب عـلى رسـالـتـه بـعـد يـومـيـن فـقـط وأنّـه امـتـدح نـصّـه. وهـكـذا اسـتـطـاع سـاران ألـكـسـنـدريـان أن يـقـابـل قـطـب الـسّـريـالـيـة الأعـظـم بـعـد عـدّة أيّـام.

وفي 1948، إلـتـقى سـاران ألـكـسـنـدريـان بـالـفـنّـان فـكـتـور بـرونـر Victor Brauner الّـذي كـان قـد انـضـمّ إلى الـحـركـة الـسّـريـالـيـة مـنـذ سـنـوات وأصـبـح مـن بـيـن الـفـنّـانـيـن الـسّـريـالـيـيـن الـمـهـمّـيـن :

gravure Brauner

وانـجـذب إلـيـه سـاران ألـكـسـنـدريـان وصـار يـدور في مـداره، حـتّى أصـبـح الـنّـاطـق بـاسـم “الـحـركـة الـمـضّـادة هـ. Contre-group H” الّـتي تـشـكّـلـت حـول فـكـتـور بـرونـر.

وفي نـفـس الـعـام، عـهـد أنـدريـه بـرُتـون إلى سـاران ألـكـسـنـدريـان بـالـمـشـاركـة في إدارة سـكـرتـاريـة “الـقـضّـيـة La Cause” مـع جـورج حـنـيـن وهـنـري بـاسـتـور. كـمـا شـارك في إصـدار مـجـلّـة “نـيـون Néon” :

NEON-n--2-fevrier-1948

الّـتي صـدر مـنـهـا خـمـسـة أعـداد، والّـتي صـارت لـسـان الـشّـبّـان الـمـجـدديـن الّـذيـن انـضـمّـوا إلى الـحـركـة الـسّـريـالـيـة. وهـكـذا أصـبـح سـاران ألـكـسـنـدريـان في الـخـطّ الأوّل مـن حـركـة الـشّـبـاب الـسّـريـالـيـيـن الّـتي بـدأت تـرفـض تـشـكـيـل اعـتـقـادات مـتـحـجّـرة مـبـنـيّـة عـلى أفـكـار مـتـصـلّـبـة وتـفـضّـل عـلـيـهـا مـمـارسـة تـجـارب مـحـسـوسـة مـتـجـددة.

وأدرك أنـدريـه بـرُتـون خـطـر مـمـارسـات الـشّـبـاب عـلى اسـتـمـرار سـلـطـتـه الـمـطـلـقـة عـلى الـجـمـاعـة الـسّـريـالـيـة، فـقـرر، في تـشـريـن الـثّـاني مـن ذلـك الـعـام، 1948، أن يـطـرد الـفـنّـان الـشّـيـلي ألـبـيـرتـو مـاتّـا Alberto Matta مـنـهـا (5) :

matta

ورفـض الـفـنّـان فـكـتـور بـرونـر أن يـوقّـع عـلى الـحـكـم، وانـفـصـل عـن الـحـركـة الـسّـريـالـيـة مـع ألـبـيـرتـو مـاتّـا. وتـبـعـهـمـا كـلّ أعـضـاء “الـجـمـاعـة الـمـضـادّة هـ.” ومـن ضـمـنـهـم سـاران ألـكـسـنـدريـان.

وطـبـعـاً، فـقـد أصـدر أنـدريـه بـرُتـون حـكـمـاً بـطـردهـم جـمـيـعـاً مـن الـحـركـة الـسّـريـالـيـة !

وفي عـام 1949، تـحـوّلـت “الـجـمـاعـة الـمـضّـادة هـ.” إلى “الـجـمـاعـة الـلامـتـنـاهـيـة Le groupe Infini”، واشـتـدّ انـشـقـاقـهـا عـن الـسّـريـالـيـيـن، واسـتـمـرت تـحـت هـذا الاسـم حـتّى عـام 1966.

ومـن هـذا نـرى أن عـلاقـة سـاران ألـكـسـنـدريـان بـالـحـركـة الـسّـريـالـيـة كـانـت قـصـيـرة جـدّاً : أقـلّ مـن سـنـتـيـن بـيـنـمـا دامـت  الـحـركـة أكـثـر مـن أربـعـيـن سـنّـة، وأنّ دوره فـيـهـا كـان مـحـدود الأهـمـيـة.

مـقـالات سـاران ألـكـسـنـدريـان وكـتـبـه :

نـشـر سـاران ألـكـسـنـدريـان بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة عـدداً كـبـيـراً مـن الـمـقـالات الأدبـيـة، ومـقـالات عـن الـفـنّ، وأعـداداً مـن الـقـصـص الـقـصـيـرة والـرّوايـات والـمـسـرحـيـات. كـمـا نـشـر عـدّة سـيـر لـفـنـانـيـن عـاصـرهـم، ودراسـات عـن مـواضـيـع مـخـتـلـفـة، مـن أشـهـرهـا،

“الـسّـريـالـيـة والـحـلـم” 1974 :

¨le surréalisme et le rêve

و”الإشـتـراكـيـة الـرّومـانـطـيـقـيـة”، 1979 :

le socialisme romantique

و”تـاريـخ الـفـلـسـفـة الـغـيـبـيـة”، 1983 :

س. ألكسندريان

وسـيـرتـه الـذّاتـيـة “الـمـغـامـرة بـذاتـهـا”، 1990 :

l'aventure en soi

 

وقـد صـدرت تـرجـمـة عـربـيـة لـكـتـابـه “جـورج حـنـيـن رائـد الـسّـوريـالـيـيـن الـعـرب”، قـام بـهـا كـمـيـل قـيـصـر داغـر. (6)

ووافـتـه الـمـنـيـة سـنـة 2009 في داره قـرب بـاريـس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) L’aventure en soi : autobiographie. Paris, Mercure de France 1990 (449 pages)

(2) عـنـدمـا كـان الـشّـاب في أوربـا في الـقـرون الـوسـطى يـخـتـار أن يـكـرس حـيـاتـه لـحـمـايـة قـيـم الـفـروسـيـة و”الـدفـاع عـن الأرامـل والـيـتـامى”، فـقـد كـان يـركـع أمـام الـمـلـك الّـذي يـضـرب كـتـفـه بـصـفـحـة سـيـفـه ويـدخـلـه في طـبـقـة الـفـرسـان. وعـنـدمـا أرسـلـت الـمـقـال إلى صـحـيـفـة عـراقـيـة عـام 2013، لـم يـفـهـم رئـيـس الـتّـحـريـر الـمـقـصـود فـحـوّر : “لـتـكـريـس الـفـرسـان” إلى “لـتـكـريـم الـفـرسـان”.

(3) مـن الـصّـعـب كـتـابـة الإسـم الـفـرنـسي  surréalisme  بـالـحـروف الـعـربـيـة، فـلـيـس لـديـنـا في لـغـتـنـا مـا يـقـارب لـفـظ حـرف الـ U بـالـفـرنـسـيـة. وهـو تـقـريـبـاً بـيـن الـواو والـيـاء، ونـتـوصـل إلى إخـراج هـذا الـصّـوت بـاسـتـدارة الـشّـفـتـيـن وابـتـلاع الـهـواء إلى داخـل الـحـلـقـوم. والـلـفـظ الـصّـحـيـح لـلإسـم إذن بـيـن “الـسّـوريـالـيـة” و “الـسّـيـريـالـيـة” ! وقـد الـتـقـيـت بـعـراقي يـقـيـم في فـرنـسـا مـنـذ أكـثـر مـن أربـعـيـن سـنـة ولـم يـتـوصـل بـعـد إلى إخـراج صـوت حـرف الـ U هـذا مـن حـنـجـرتـه !

وتـعـني كـلـمـة surréalisme واقـعـاً أسـمى مـن واقـع عـالـمـنـا الـعـادي الّـذي لا يـتـجـاوز مـظـاهـر الأشـيـاء، ولـلـوصـول إلـيـه في كـلّ مـيـاديـن الأدب الـنّـثـري والـشـعـري والـفـنّ الـتّـصـويـري والـمـوسـيـقي … يـسـتـعـمـل الـسّـريـالـيـون الـتّـعـبـيـر الـعـفـوي الـتّـلـقـائي لـسـبـر أعـمـاق الـذّات والـتّـوصـل إلى إشـراقـات تـنـبـعـث مـن الـلاوعي ومـن الأحـلام …

(4)    Sarane Alexandrian ou Le grand défi de l’imaginaire, L’Age d’homme, Lausanne 2006.

(4) الـحـركـة الـدّادائـيـة dadaïsme حـركـة أدبـيـة وفـنّـيـة أطـلـقـهـا تـريـسـتـان تـزارا عـام 1916 في زيـورخ (سـويـسـرة)، وكـانـت تـهـدف إلى قـلـب الـمـفـاهـيـم الـتّـقـلـيـديـة لـلأدب والـفـنّ بـاسـتـعـمـال الـسّـخـريـة والإسـتـفـزاز.

(5)  نـظّـم الـمـركـز الـثّـقـافي الـعـراقي في لـنـدن عـام 1980 مـعـرضـاً عـالـمـيـاً عـنـوانـه “بـيـنـالي غـرافـيـك الـعـالـم الـثّـالـث        Graphic Art of the Third World Biennale”، وتـرأس ألـبـرتـو مـاتـا الـلـجـنـة الـتّـحـكـيـمـيـة لاخـتـيـار أفـضـل الأعـمـال الـمـعـروضـة. وكـان الـفـنّـان رافـع الـنّـاصـري عـضـواً في الـلـجـنـة.

أنـظـر : “رافـع الـنّـاصـري، حـيـاتـه وفـنّـه”، الـمـؤسـسـة الـعـربـيـة لـلـدّراسـات والـنّـشـر 2010، ص. 77.

(6) مـنـشـورات الـجـمـل 1999 (192 ص.)

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

 

 

 

 

 

هـرمـز رسّـام والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

 

حفريات ليارد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـدأت قـصـتـنـا في عـام 1839، عـنـدمـا قـرر أوسـتـن هـنـري لَـيـارد          Austen Henry Layard،(1) أن يـتـرك إنـكـلـتـرة ويـسـافـر إلى سـيـلان (الّـتي تـغـيّـر اسـمـهـا الآن إلى سـريـلانـكـا) لـيـعـمـل في إدارة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة. وكـان قـد أنـهى دراسـة الـقـانـون في 1833 واشـتـغــل في مـكـتـب مـحـامـاة عـمّـه. واخـتـار لَـيـارد طـريـق الـبـرّ عـبـر آسـيـا. وشـرع في رحـلـتـه بـصـحـبـة صـديـق لـه.

وفي عـام 1840، مـرّ لَـيـارد بـالـمـوصـل، فـتـوقـف لـيـزور مـعـالـمـهـا. والـتـقى بـكـرسـتـيـان رسّـام  Christian Rassam، الّـذي كـان قـد اشـتـغـل مـتـرجـمـاً لـلـيـوتـنـانـت كـولـونـيـل تـشـيـسـنـي Lt. Col. Chesney  في حـمـلـتـه الّـتي قـام بـهـا مـن 1835 إلى 1837 لإسـتـطـلاع مـجـرى الـفـرات. وقـد عـيّـن عـام 1839 في مـنـصـب نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا فـيـهـا. وكـان كـرسـتـيـان مـن إحـدى عـوائـل الـمـوصـل الـكـاثـولـيـكـيـة الـكـلـدانـيـة، وتـزوّج بـانـكـلـيـزيـة اسـمـهـا مـاتـيـلـدا بـادجـر Matilda Badger .

واصـطـحـب كـرسـتـيـان رسّـام مـسـافـرنـا الـبـريـطـاني لـيـريـه الـمـنـاطـق الـمـحـيـطـة بـالـمـديـنـة، وخـاصّـة مـوقـع نـيـنـوى في تـلَّي نـبي يـونـس وقـويـنـجـق، شـرق دجـلـة، مـقـابـل الـمـوصـل.

وبـعـد أن زار الـمـوصـل، نـزل أوسـتـن هـنـري لَـيـارد نـحـو بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة. ومـا أن ابـتـعـد عـدّة فـراسـخ حـتّى أبـصـر بـتـلال نـمـرود الّـتي تـركـت آثـارهـا في نـفـسـه انـطـبـاعـاً قـويّـاً. وتـكـلّـم عـن ذلـك في كـتـابـه “نـيـنـوى وآثـارهـا  Nineveh and its Remains” :

“كـان الـمـسـاء قـد حـلّ عـنـدمـا اقـتـربـنـا مـنـهـا، وكـانـت أمـطـار الـرّبـيـع قـد ألـبـسـت تـلالـهـا خـضـرة بـاذخـة، بـيـنـمـا امـتـدت حـولـهـا مـروج خـصـبـة غـطّـتـهـا أزهـار مـن كـلّ الأنـواع. وحـجـبـت هـذه الـنّـبـاتـات الـغـزيـرة الـثّـراء بـعـضـاً مـن كـسـرات طـابـوق وفـخـار وقـطـع صـخـريـة مـلـسـاء نـقـشـت عـلـيـهـا كـتـابـات مـسـمـاريـة حـادّة الـتّـقـاطـيـع.[…] ومـا زلـنـا نـبـصـر بـخـطّ طـويـل مـن الـتّـلال الـمـتـتـابـعـة يـبـدو أنّـه كـان سـوراً يـشـكّـل مـربـعـاً شـاسـع الأرجـاء. وكـان الـنّـهـر يـجـري قـريـبـاً مـنـهـا : مـيـاهـه فـاضـت مـن كـثـرة ذوبـان الـثّـلـوج عـلى جـبـال بـلاد الأرمـن … وردد الـعـربي الّـذي كـان يـقـود كـلـكي الـصّـغـيـر أدعـيـة عـنـدمـا ارتـمـيـنـا بـعـنـف فـوق سـيـل انـحـدر بـنـا. وبـعـد أن اجـتـزنـاه بـسـلام شـرح لي مـصـاحـبي أنّ هـذا سـبّـبـه سـدّ عـظـيـم كـان قـد شـيّـده نـمـرود، وأنّـنـا يـمـكـن أن نـرى في الـخـريـف، قـبـل أن تـهـطـل أمـطـار الـشّـتـاء، صـخـوره الـضّـخـمـة الـتّـكـعـيـب الّـتي شـيّـد بـهـا تـربـط بـيـنـهـا قـطـع حـديـد، نـراه بـوضـوح فـوق مـسـتـوى الـمـيـاه”. “وقـد أثـارت هـذه الآثـار فـضـولي كـثـيـراً، وقـررت عـنـدهـا أن أعـود لأمـتـحـنـهـا عـن كـثـب إذا مـا سـنـحـت لي الـفـرصـة لـذلـك … هـذه الـخـرائـب الّـتي لا مـثـيـل لـهـا”. (2)

وقـضى أوسـتـن هـنـري لَـيـارد عـدّة أشـهـر في بـلاد الـفـرس، وأقـام بـيـن قـبـائـل الـبـخـتـيـار، وارتـدى زيّـهـم لـيـعــيـش بـيـنـهـم فـتـرة قـصـيـرة :

ليارد بختيار

ثـمّ تـرك مـشـروع الـذّهـاب إلى الهـنـد، وقـرر أن يـزور الـمـواقـع الأثـريـة في الـشّـرق، وأقـام فـتـرة في الـعـراق لـيـتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة.

وعـاد لَـيـارد في 1842 إلى الـمـوصـل، وتـعـرّف عـلى بـول إمـيـل بـوتـا            Paul Emile BOTTA قـنـصـل فـرنـسـا فـيـهـا، والّـذي كـان قـد بـدأ يـبـحـث عـن آثـار مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة في تـلّ قـويـنـجـق.

والـتـقى مـن جـديـد بـكـرسـتـيـان رسّـام الّـذي كـان مـا يـزال يـشـغـل مـنـصـب نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل، وتـعـرّف عـلى أخـيـه الـصـغـيـر هـرمـز. وكـان هـرمـز قـد عـيّـن مـسـاعـداً إداريـا لأخـيـه كـرسـتـيـان. ونـحـن نـعـرف أنّـه ولـد سـنـة 1826، فـقـد كـان إذن في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره. وكـان قـد تـعـلّـم الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في مـدارس الـبـعـثـات الـتّـبـشـيـريـة وتـوصـل إلى إتـقـانـهـا. ويـبـدو أنّـه اشـتـغـل في الـعـام الـسّـابـق كـدلـيـل لـبـعـثـة عـلـمـيـة نـمـسـاويـة في مـيـدان الـنّـبـاتـات في الـمـنـطـقـة.

وفي ذلـك الـعـام : 1842، ذهـب أوسـتـن هـنـري لَـيـارد إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) لـيـلـتـقي بـالـسّـفـيـر الـبـريـطـاني فـيـهـا، الـسّـيـر سـتـراتـفـورد كـانـنـغ Sir Stratford Canning الّـذي اقـتـرح عـلـيـه أن يـشـتـغـل عـنـده، وكـلّـفـه بـبـعـض الـمـهـمّـات.

خـروج الآشـوريـيـن مـن غـيـاهـب الـنّـسـيـان :

ورغـم أنّ الـعـمّـال الّـذيـن أجّـرهـم بـول إمـيـل بـوتـا، قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل، أجـهـدوا أنـفـسـهـم في الـحـفـر في تـلّ قـويـنـجـق فـلـم يـحـالـفـهـم الـحـظ بـالـعـثـور عـلى شئ. وتـرك بـوتـا هـذا الـتّـلّ، ونـقـل حـفـريـاتـه في مـنـتـصـف آذار 1843 إلى قـريـة خـورسـبـاد الّـتي تـقـع حـوالي 16 كـلـم. شـمـال شـرق الـمـوصـل. (3)

وفي خـورسـبـاد وجـد بـول إمـيـل بـوتـا مـنـحـوتـات جـداريـة، وأزاح الـتّـراب عـن جـزء كـبـيـر مـن قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (الّـذي حـكـم مـن 722 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد)، والـمـسـمى بـ “دور شـروكـيـن” أي حـصـن سـرجـون.

ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر ذهـول الأوسـاط الـعـلـمـيـة في ذلـك الـزّمـن أمـام هـذا الإكـتـشـاف الـهـائـل، فـقـد غـابـت نـيـنـوى والـدّولـة الآشـوريـة في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ سـقـوط الـمـديـنـة عـام 612 قـبـل الـمـيـلاد …  ووجـد بـوتـا آثـارهـا بـعـد أكـثـر مـن 2500 سـنـة ! (3)

وأثـار هـذا الاكـتـشـاف اهـتـمـام أوسـتـن هـنـري لَـيـارد، وحـاول إقـنـاع الـسّـفـيـر الـبـريـطـاني في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة بـضـرورة دخـول بـريـطـانـيـا في مـيـدان الـبـحـث عـن الآثـار الـشّـرقـيـة. وبـعـد أن حـصـل عـلى دعـم مـن هـنـري راولـنـسـن Henry Rawlinson الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في بـغـداد (4) إقـتـنـع الـسّـيـر كـانـنـغ في 1845 بـأن يـمـدّه بـمـا يـكـفي لـلـتّـنـقـيـب مـدّة شـهـريـن.

حـفـريـات أوسـتـن هـنـري لَـيـارد :

واخـتـار لَـيـارد نـمـرود (مـوقـع كـلـح الـقـديـمـة)، وبـدأ حـفـريـاتـه في تـشـريـن الـثّـاني 1845 عـلى تـلّ واسـع، وسـرعـان مـا وجـد عـمـالـه ألـواحـاً حـجـريـة مـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة ومـنـحـوتـات لأسـود مـجـنّـحـة ومـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز لـمـشـاهـد صـيـد ومـعـارك حـربـيـة ومـشـاهـد مـن الـحـيـاة الـيـومـيـة. وبـعـد عـدّة أسـابـيـع وجـد جـداريـات مـنـحـوتـة قـلـيـلـة الـبـروز في قـصـر الـمـلـك الآشـوري أصـرحـدون (680 ـ 669 ق . م.) في جـنـوب غـرب مـوقـع نـمـرود.

وعـنـدمـا حـلّ عـام 1846 اسـتـطـاع كـانـنـغ أن يـقـنـع مـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحـف الـبـريـطـاني  The trustees of the British Museum بـالـتّـكـلـف بـتـمـويـل الـحـفـريـات. ومـدّه الـمـتـحـف بـ 2000 بـاونـد، وهـو مـبـلـغ ضـئـيـل مـقـارنـة بـمـا حـصـل عـلـيـه بـول إمـيـل بـوتـا مـن الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة. ولـم يـكـن لأوسـتـن هـنـري لَـيـارد الإمـكـانـيـات الـمـاديـة لـيـشـغّـل مـعـه مـهـنـدسـاً مـعـمـاريـاً يـسـاعـده عـلى فـهـم تـخـطـيـطـات الأبـنـيـة الّـتي يـحـفـر فـيـهـا، أو رسّـامـاً يـرسـم لـه بـقـايـاهـا ومـا يـعـثـر عـلـيـه مـن قـطـع أثـريـة، فـاسـتـمـرّ في حـفـريـاتـه وحـده، يـنـظّـمـهـا ويـشـرف عـلى الـعـمـال، ويـرسـم بـعـض الـتّـخـطـيـطـات لـلـقـطـع الأثـريـة ورسـومـاً بـالألـوان الـمـائـيـة بـنـفـسـه.

وامـتـدّت الـحـفـريـات نـحـو قـصـر آشـور نـاصـربـال الـثّـاني (883 ـ 859 ق. م.) شـمـال غـرب الـمـوقـع. وكـان الـمـوقـع عـاصـمـة مـمـلـكـتـه الّـتي أسـمـاهـا كـلـح، وإن عـرف بـعـد أن سـقـطـت الـحـضـارة الآشـوريـة في غـيـاهـب الـنّـسـيـان بـ “نـمـرود”.

هـرمـز رسّـام :

وبـعـد أن اتـسـعـت الـتّـنـقـيـبـات احـتـاج لّـيـارد لـمـن يـسـاعـده في الإشـراف عـلـيـهـا فـاخـتـار لـذلـك هـرمـز رسّـام  Hormuzd Rassam  (الّـذي يـسـمي نـفـسـه : هـرمـزد). وهـرمـز هـذا، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، شـقـيـق كـرسـتـيـان رسّـام نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل، وكـان لّـيـارد قـد تـعـرّف عـلـيـه عـنـد أخـيـه عـام 1842.

وكـان هـرمـز قـد بـلـغ الـعـشـريـن مـن عـمـره، يـحـسـن الـعـربـيـة لـغـة أهـل الـبـلـد، والإنـكـلـيـزيـة لـغـة الـمـنـقّـب، والـكـلـدانـيـة لـغـة بـعـض الـعـمّـال الّـذيـن كـانـوا يـحـفـرون في الـمـوقـع. وبـدأ في كـانـون الـثّـاني مـن عـام 1846 بـالـعـمـل مـع أوسـتـن هـنـري لَـيـارد.

وكـتـب لَـيـارد : “وسـكـن هـرمـز رسّـام مـعي”، “وعـهـدت إلـيـه بـمـهـمـة دفـع أجـور الـعـمّـال”. وسـرعـان مـا وجـده لّـيـارد عـونـاً يـمـكـنـه الاعـتـمـاد عـلـيـه، خـاصـة وأنّ ذلـك كـان أرخـصّ بـكـثـيـر مـمـا لـو أتى بـمـسـاعـديـن مـن إنـكـلـتـرة ودفـع لـهـم إلى جـانـب تـكـالـيـف الـسّـفـر مـرتـبـات بـاهـظـة. وعـهـد لَـيـارد لـهـرمـز بـمـهـمـات أخـرى في الـتّـنـقـيـبـات ورسـم الـقـطـع الأثـريـة، فـقـد وجـده رسّـامـاً مـاهـراً.

هـل كـان هـرمـز رسّـام أوّل عـالـم آثـار عـراقي :

نـتـوقـف هـنـا قـلـيـلاً لـنـنـاقـش مـا يـمـكـن أن نـقـرأه في بـعـض الأحـيـان مـن أنّ هـرمـز رسّـام كـان أوّل “عـالـم آثـار” “عـراقي“.

والّـذيـن يـكـتـبـون هـذا لا يـنـتـبـهـون إلى أنّـه اشـتـغـل في مـنـتـصـف الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، أي في فـتـرة لـم يـكـن فـيـهـا عـلـم الآثـار بـمـعـنـاه الـدّقـيـق قـد نـشـأ بـعـد. ولـم يـمـارس أوسـتـن هـنـري لَـيـارد ومـسـاعـده هـرمـز رسّـام إلّا حـفـريـات (بـشـق خـنـادق أو فـتـح أنـفـاق) كـان الـهـدف مـنـهـا اسـتـخـراج قـطـع أثـريـة مـهـمّـة لـتـبـعـث إلى الـمـتـاحـف الأوربـيـة. ولـم يـنـفّـذا مـخـطـطـات دقـيـقـة لـلـمـواقـع الّـتي حُـفـرت ولـم يـسـجّـلا حـتّى الأمـاكـن الّـتي عـثـرا فـيـهـا عـلى الـقـطـع الأثـريـة. وتـركـا مـا لـم يـسـتـحـقّ اهــتـمـامـهـمـا في الـعـراء لـيـخـربـه تـعـاقـب الـفـصـول. وكـان مـا فـعـلاه يـقـتـرب مـن الـسّـلـب والـنّـهـب. ويـنـبـغي أن نـنـتـظـر نـهـايـة ذلـك الـقـرن لـيـبـدأ الألـمـاني روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWEY  ومـسـاعـده فـالـتـر أنـدريـه Walter ANDRAE بـتـنـقـيـبـات أثـريـة حـسـب مـنـاهـج عـلـمـيـة وضـعـا أسـسـهـا في مـوقـع بـابـل. (5)

كـمـا أنّـه لـم يـكـن هـنـاك كـيـان سـيـاسي اسـمـه الـعـراق، بـل ثـلاث ولايـات : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، تـحـت سـيـطـرة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. ولا يـمـكـن ان نـسـنـد لـهـرمـز رسّـام انـتـمـاءً وطـنـيـاً لـم يـكـن لـه. وعـلى كـلّ حـال فـقـد عـاش هـرمـز رسّـام قـبـل أن يـسـتـورد أهـل الـشّـرق الـمـفـاهـيـم الـقـومـيـة والـوطـنـيـة مـن الـغـرب.

ولا شـكّ في أنّـه كـان يـنـتـمي أوّلاً إلى الـجـالـيـة الـكـلـدانـيـة، ثـمّ إلى حـيّـه في الـمـوصـل. أمّـا لّـيـارد فـقـد كـان يـعـتـبـره “مـيـزبـوتـامـيـاً” أي مـن نـسـل سـكّـان بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـدمـاء. وهي نـظـرة رومـانـطـيـقـيـة أكـثـر مـنـهـا واقـعـيـة، فـقـد سـكـن مـا بـيـن الـنّـهـريـن شـعـوب مـخـتـلـفـة مـن أصـول مـتـنـوّعـة، وإن شـاركـت كـلّـهـا في تـكـويـن الـحـضـارات الـسّـومـريـة والـبـابـلـيـة والآشـوريـة.

ونـعـود الآن إلى أوسـتـن هـنـري لَـيـارد، فـقـد عـثـر في حـصـن سـلـمـان أصـر الـثّـالـث عـلى مـا اعـتـبـره أهـمّ اكـتـشـافـاتـه في حـمـلات تـنـقـيـبـاتـه : مـسـلّـة الـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث (حـكـم 858 إلى 824  قـبـل الـمـيـلاد) الـسّـوداء. وقـد نـحـتـت الـمـسـلّـة الـسّـوداء عـام 825 ق.م. أي قـبـل عـام واحـد مـن وفـاة الـمـلـك، وهي تـروي عـلى جـوانـبـهـا الأربـعـة الـمـنـحـوتـة والـمـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة حـمـلات الـمـلـك وانـتـصـاراتـه عـلى أعـدائـه. وهي مـن الـمـسلّات الـقـلـيـلـة الّـتي وجـدت مـكـتـمـلـة لـم يـكـسـر مـنـهـا شئ :

مسلة سلمان أصر

كـمـا عـثـر في أنـحـاء الـمـوقـع عـلى ثـيـران مـجـنـحـة وأسـود مـجـنـحـة وألـواح صـلـصـال كـثـيـرة عـلـيـهـا نـصـوص بـالـمـسـمـاريـة.

واسـتـمـرّ هـرمـز رسّـام في مـعـاونـة لّـيـارد في حـفـريـاتـه في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) في بـدايـة عـام 1847. ثـمّ عـادا إلى مـوقـع نـمـرود وحـفـرا فـيـه حـتّى شـهـر أيّـار. وعـنـدمـا تـحـوّل لَـيـارد إلى تـلَّي نـيـنـوى : نـبي يـونـس وقـويـنـجـق، لـيـسـتـطـلـعـهـمـا، تـبـعـه هـرمـز إلـيـهـمـا.

وخـلال أسـبـوعـيـن مـن الـتّـنـقـيـبـات وجـد لّـيـارد في تـلّ قـويـنـجـق أكـثـر مـن عـشـريـن ألـف لـوح صـلـصـالي نـقـشـت عـلـيـهـا نـصـوص بـالـمـسـمـاريـة. ولـكـنّ اشـتـداد الـحـرارة في حـزيـران أوقـف الـتّـنـقـيـبـات.

وغـادر لَـيـارد الـمـوصـل إلى إنـكـلـتـرة في 24 حـزيـران مـصـطـحـبـاً مـعـه هـرمـز رسّـام. وكـان كـرسـتـيـان، شـقـيـق هـرمـز قـد قـبـل، بـمـسـاعـدة زوجـتـه الإنـكـلـيـزيـة، بـالـتّـعـهـد بـمـصـاريـف إقـامـة هـرمـز في إنـكـلـتـرة وتـكـالـيـف الـدّراسـة الّـتي كـان يـنـوي مـتـابـعـتـهـا فـيـهـا.

وكـانـت الـقـطـع الأثـريـة الّـتي أرسـلـهـا أوسـتـن هـنـري لَـيـارد عـن طـريـق دجـلـة إلى الـبـصـرة في تـمّـوز وكـانـون الأول 1846 وفي آذار ونـيـسـان وحـزيـران 1847 قـد حـمّـلـت عـلى سـفـيـنـة أوصـلـتـهـا إلى إنـكـلـتـرة، واثـارت الإعـجـاب عـنـد وصـولـهـا إلى لـنـدن.

وصول الثيران إلى لندن

وقـد سـاعـد لَـيـارد هـرمـز في قـبـولـه في Magdalen Colleg في أكـسـفـورد. وقـضى هـرمـز في أكـسـفـورد 18 شـهـراً، حـسّـن فـيـهـا لـغـتـه الإنـكـلـيـزيـة قـراءةً وكـتـابـة، ونـجـح في الإمـتـحـانـات الّـتي اجـتـازهـا.

حـمـلـة أوسـتـن هـنـري لَـيـارد الـثّـانـيـة :

ثـمّ طـلـب مـسـؤولـو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـن هـرمـز رسّـام الـعـودة إلى الـمـوصـل لـمـسـاعـدة أوسـتـن هـنـري لَـيـارد في حـمـلـتـه الـثّـانـيـة. وكـان لَـيـارد قـد عـاد إلى الـمـوصـل ووصـلـهـا في الأوّل مـن تـشـريـن الأوّل 1849. ورغـم قـلّـة الـمـبـالـغ الّـتي خـصـصـهـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني لـحـمـلـة الـحـفـريـات الـثّـانـيـة هـذه، فـقـد أرسـل لـه هـذه الـمـرّة رسّـامـاً مـحـتـرفـاً لـرسـم الـمـوقـع والـقـطـع الأثـريـة.

وهـكـذا وصـل فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر Frederick Charles COOPER (6) إلى الـمـوصـل ونـفّـذ عـدداً مـن الـتّـخـطـيـطـات والألـوان الـمـائـيـة في نـيـنـوى ونـمـرود قـبـل أن تـتـدهـور حـالـتـه الـصّـحـيـة ويـعـود إلى إنـكـلـتـرة. وأرسـل تـومـاس س. بـيـل Thomas S. Bell لـيـحـل مـحـلّـه، ولـكـنّ بـيـل مـات غـرقـاً في الـنّـهـر في أيّـار 1851، بـعـد سـتّـة أسـابـيـع مـن بـدايـة عـمـلـه مـع لَـيـارد. وهـكـذا ظـلّ هـرمـز رسّـام مـسـاعـد لَـيـارد الـرّئـيـسي الّـذي لا غـنى لـه عـنـه.

وقـد اغـتـنـم لَـيـارد ومـسـاعـده هـرمـز رسّـام فـرصـة تـرك بـول إمـيـل بـوتـا لـلـمـوصـل عـام 1948، بـعـد أن نـقـل مـن قـنـصـلـيـة الـمـوصـل إلى قـنـصـلـيـة الـقـدس، لـيـحـفـرا في مـوقـع خـورسـبـاد. ولأنّـهـمـا لـم يـعـثـرا عـلى قـطـع أثـريـة جـديـدة فـقـد أخـذا مـا كـان بـوتـا قـد تـركـه في الـخـنـادق بـعـد أن كـان قـد أخـرجـه مـن بـاطـن الأرض. وبـعـث لَـيـارد بـثـمـاني وعـشـريـن قـطـعـة مـنـهـا لـلـمـتـحـف الـبـريـطـاني. كـمـا اغـتـنـمـا هـذه الـفـرصـة لـيـحـفـرا في تـلّ قـويـنـجـق، الّـذي كـان بـوتـا قـد حـصـل عـلى فـرمـان مـن الـبـاب الـعـالي لـيـخُـصـص تـنـقـيـبـه لـه.

ووجـدا في الـجـزء الـجـنـوبي الـغـربي مـن الـتّـلّ قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـنـحـاريـب : “الـقـصـر الّـذي لا ثـاني لـه” بـمـنـحـوتـاتـه الـجـداريـة الـقـلـيـلـة الـبـروز الـشّـديـدة الـجـمـال. وكـان الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال، حـفـيـد سـنـحـاريـب، قـد رمـم قـصـر جـدّه وجـدده وسـكـنـه. ووصـلا إلى حـجـرتـيـن شـديـدتي الـسّـعـة مـلـيـئـتـيـن بـآلاف الألـواح الـمـسـمـاريـة : مـكـتـبـة الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال. (7)

ورغـم كـلّ هـذه الإكـتـشـافـات الـمـذهـلـة، إنـتـهـت الـحـمـلـة نـهـايـة مـؤلـمـة، فـقـد انـهـكـت الـحـرارة الـشّـديـدة جـسـد أوسـتـن هـنـري لَـيـارد ونـقـلـت لـه لـسـعـات الـبـعـوض مـرض الـمـلاريـا، فـتـرك الـمـوصـل نـهـائـيـاً في نـيـسـان 1851، ولـم يـعـد إلـيـهـا بـعـد ذلـك أبـداً. (8) وصـاحـبـه هـرمـز رسّـام إلى إنـكـلـتـرة.

صـراع عـلى الـحـفـر بـيـن الـبـريـطـانـيـيـن والـفـرنـسـيـيـن :

وفي نـفـس الـعـام، صـوّت الـمـجـلـس الـوطـني الـفـرنـسي عـلى تـمـويـل حـمـلـة تـنـقـيـبـات ثـانـيـة في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شَـروكـيـن) في خـورسـبـاد. وكـان بـول إمـيـل بـوتـا كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا قـد قـام بـالـحـمـلـة الأولى في عـامَي 1843ــ 1844. وعـهـد بـالإشـراف عـلى حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات الـثّـانـيـة هـذه إلى فـكـتـور بـلاس Victor Place الّـذي عـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في الـمـوصـل لـيـسـتـطـيـع الـقـيـام بـهـذه الـمـهـمـة. ووصـل فـكـتـور بـلاس إلى الـمـوصـل في 12 كـانـون الـثّـاني 1852.(9)

وفي أواخـر عـام 1852، عـهـد الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى هـرمـز رسّـام بـالـقـيـام بـالـحـفـريـات الّـتي كـان لّـيـارد قـد حـصـل عـلى سـمـاح بـالـقـيـام بـهـا، ولـكـن تـحـت إشـراف الـكـولـونـيـل هـنـري راولـنـسـن Henry Rawlinson، فـلـم يـكـن هـرمـز قـد تـجـاوز الـخـامـسـة والـعـشـريـن مـن عـمـره إلّا بـالـكـاد.

هرمز رسّام

وكـانـت الـدّراسـات الّـتي قـام بـهـا راولـنـسـن عـن الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة شـديـدة الأهـمـيـة، وإلـيـه يـعـود الـفـضـل الأكـبـر في حـلّ طـلاسـمـهـا والـتّـوصـل إلى قـراءتـهـا. ولأنّ هـنـري راولـنـسـن كـان لـغـويـاً لا مـنـقّـب آثـار، فـقـد تـرك مـهـمـة الـحـفـريـات لـهـرمـز رسّـام.

وبـعـد أن وصـل هـرمـز رسّـام إلى الـمـوصـل، إغـتـنـم فـرصـة غـيـاب الـفـرنـسي فـكـتـور بـلاس مـن قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) لـيـصـل مـع عـمّـالـه ويـطـرد حـارس الـمـوقـع ويـقـوم بـحـفـريـات لـحـسـابـه.

أمّـا عـن تـلّ قـويـنـجـق، الّـذي كـانـت الـسّـلـطـات الـعـثـمـانـيـة قـد خـصـصـتـه لـلـفـرنـسـيـيـن، وحـفـر فـيـه أوسـتـن هـنـري لَـيـارد ومـسـاعـده هـرمـز رسّـام مـن غـيـر سـمـاح، بـعـد تـرك بـول إمـيـل بـوتـا لـلـمـوصـل، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، فـقـد تـوصـل الـبـريـطـاني هـنـري راولـنـسـن والـفـرنـسي فـكـتـور بـلاس إلى اتـفـاق يـسـمـح فـيـه مـع ذلـك لـلـبـريـطـانـيـيـن بـالـتّـنـقـيـب ولـكـن في جـانـبـه الـجـنـوبي.

وبـدأ فـكـتـور بـلاس الـتّـنـقـيـب في الـجـانـب الـشّـمـالي. ولـكـنّ هـرمـز رسّـام لـم يـقـبـل بـهـذا الـتّـقـسـيـم، فـقـد أرسـل قـبـل ذلـك بـمـن يـقـوم بـحـفـريـات سـبـر في الـلـيـل في الـجـانـب الـشّـمـالي، وكـان يـعـرف أنّ أرضـه مـلـيـئـة بـالآثـار الـمـهـمّـة، فـأخـذ عـمـالـه لـيـحـفـروا فـيـه نـفـقـاً في الـلـيـل.

وفي 20 كـانـون الأوّل 1853 عـثـر عـلى قـطـع مـن الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز، وجـد في الـلـيـلـة الـتّـالـيـة أنّـهـا مـثـبّـتـة عـلى جـدار يـقـود حـتـمـاً إلى قـصـر. فـاسـتـدعى أعـداداً أخـرى مـن الـعـمـال لـيـوسـعـوا حـفـر الـنّـفـق … وهـكـذا تـوصّـل إلى مـنـحـوتـات مـشـاهـد صـيـد الأسـود في قـصـر الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال :

صيد الأسود آشوربانيبال

وعـنـدهـا قـرر هـرمـز رسّـام أن يـحـتـلّ الـمـوقـع في وضـح الـنّـهـار رغـم احـتـجـاجـات الـفـرنـسي فـكـتـور بـلاس الّـذي لـم يـسـتـطـع أن يـفـعـل شـيـئـاً ضـدّه ! وقـد أرسـل هـرمـز رسّـام أهـمّ هـذه الـمـنـحـوتـات إلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن، ومـا زالـت تـبـهـر زوّاره بـجـمـالـهـا ودقّـة نـحـتـهـا.

هـرمـز رسّـام في عـدن والـحـبـشـة :

وبـعـد انـتـهـاء الـتّـنـقـيـبـات ذهـب هـرمـز رسّـام إلى إنـكـلـتـرة. وسـاعـده لَـيـارد في تـعـيـيـنـه في الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة في عـدن. ثـمّ بـعـث عـام 1864 مـن عـدن إلى الـحـبـشـة يـحـمـل رسـالـة إلى امـبـراطـورهـا مـن الـمـلـكـة فـكـتـوريـا. ولـم تـنـجـح سـفـارتـه، وسـجـن في الـحـبـشـة عـدّة سـنـوات إلى أن سـقـط الإمـبـراطـور عـام 1868.

أمّـا أوسـتـن هـنـري لَـيـارد، فـقـد اشـتـغـل مـنـذ عـودتـه إلى إنـكـلـتـرة بـالـسّـيـاسـيـة، وانـتـخـب في مـجـلـس الـنّـواب ثـمّ عـيّـن وزيـراً لـلـشـؤون الـخـارجـيـة مـرّتـيـن، في 1852 و 1861.

جـورج سـمـيـث وتـنـقـيـبـات نـيـنـوى :

وفي تـشـريـن الـثّـاني مـن عـام 1872، وجـد الـبـريـطـاني جـورج ســمـيـث، في لـوح مـسـمـاري انـكـسـر بـعـضـه (كـان قـد عـثـر عـلـيـه هـرمـز رسّـام في بـقـايـا مـكـتـبـة آشـوربـانـيـبـال في نـيـنـوى) مـقـطـعـاً مـهـمـاً يـروي قـصّـة طـوفـان. وأدرك أنّـه يـحـكي جـزءاً مـن الـقّـصـة الّـتي رواهـا أوتـا نـفـشـتـيـم لـجـلـجـامـش عـن الـطّـوفـان الّـذي أرسـتـلـه الآلـهـة لـعـقـاب الـبـشـر. وأدرك جـورج سـمـيـث أنّـه وجـد أصـل أسـطـورة الـطّـوفـان الّـذي أخـذتـه الـتّـوراة بـعـد ذلـك. وأنّ أوتـا نـفـسـتـيـم هـو الّـذي غـيّـر كُـتّـاب الـتّـوراة اسـمـه إلى نـوح.

وقـد أرسـلـتـه صـحـيـفـة الـ Daily Telegraph الـلـنـدنـيـة  في 1873 إلى مـوقـع نـيـنـوى لـيـبـحـث عـن الـمـقـاطـع الّـتي تـكـمـلـه، ومـوّلـت الـحـمـلـة. ووصـل إلى الـمـوصـل في شـهـر آذار. وحـصـل لـه الـسّـفـيـر الـبـريـطـاني في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة عـلى فـرمـان يـسـمـح لـه بـالـتّـنـقـيـب. ثـمّ بـدأ في نـيـسـان حـفـريـات عـلى تـلّ قـويـنـجـق في الـمـوقـع الّـذي كـان أوسـتـن هـنـري لَـيـارد وهـرمـز رسّـام قـد وجـدا فـيـه مـكـتـبـة آشـوربـانـيـبـال الـثّـاني. وحـالـفـه الـحـظ فـعـثـر في شـهـر أيّـار عـلى مـقـطـع بـسـبـعـة عـشـر سـطـراً مـن نـفـس نـصّ الـطّـوفـان يـكـمـل مـا سـبـق.

وبـعـد أن نـجـح جـورج سـمـيـث في مـهـمـتـه، ولأنّ الـفـرمـان الّـذي كـان قـد حـصـل عـلـيـه مـازال سـاري الـمـفـعـول، فـقـد بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى الـمـوصـل مـن جـديـد عـام 1873.

ووصـل إلى تـلّ قـويـنـجـق في الأوّل مـن كـانـون الـثّـاني 1874لـيـكـمـل تـنـقـيـبـاتـه. وقـام بـحـفـريـات حـتّى شـهـر آذار وجـد فـيـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة، إلى أنّ قـرر والي الـمـوصـل إيـقـافـهـا لانـتـهـاء مـدّة صـلاحـيـة الـفـرمـان.

وطـلـب الـسّـفـيـر الـبـريـطـاني في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة مـن الـبـاب الـعـالي فـرمـانـاً جـديـداً يـسـمـح بـإكـمـال الـتّـنـقـيـبـات لـم يـصـدر إلّا في آذار 1876. وعـنـدمـا أراد جـورج سـمـيـث أن يـشـرع بـهـا كـان فـصـل الـحـرّ قـد بـدأ، ولـم يـجـد عـمـالاً يـقـبـلـون بـالـعـمـل طـيـلـة الـنّـهـار في لـهـب شـمـس الـقـيـظ. وتـرك الـمـوصـل في شـهـر آب ذاهـبـاً إلى حـلـب. وبـعـد أن سـار بـصـحـبـة قـافـلـة تـحـت أشـعـة الـشّـمـس الـمـحـرقـة عـدّة أيّـام، سـقـط مـريـضـاً ونـقـل إلى حـلـب الّـتي مـات فـيـهـا بـعـد أيّـام. (10)

هـرمـز رسّـام والـعـودة إلى الـحـفـريـات :

أمّـا عـن هـرمـز رسّـام، فـقـد اتّـصـل مـن جـديـد، بـعـد عـودتـه مـن الـحـبـشـة إلى إنـكـلـتـرة عـام 1869، بـمـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحـف الـبـريـطـاني. ولـكـنّ مـهـمّـة الـقـيـام بـالـحـفـريـات عـهـدت إلى جـورج سـمـيـث كـمـا سـبـق أن رأيـنـا.

ونـشـر في ذلـك الـعـام تـقـريـراً عـن مـهـمـتّـه في بـلاد الـحـبـشـة الّـتي كـان قـد سـجـن فـيـهـا أربـع سـنـوات :                                                           The British Mission to Theodore, King of Abyssinia

وجـلـس هـرمـز رسّـام في ذلـك الـعـام أمـام الـفـنّـان أرثـر أكـلانـد هـنـت    Arthur Ackland Hunt لـيـرسـم لـه صـورتـه في لـوحـة زيـتـيـة عـلى الـقـمـاش، مـا زالـت في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني :

XCF311214

وبـقي هـرمـز رسّـام في إنـكـلـتـرة وتـزوّج بـانـكـلـيـزيـة، ثـمّ ولـدت ابـنـتـه الـكـبـرى، تـريـزا في 1871، وتـبـعـهـا سـتّـة آخـرون بـعـد ذلـك.

وبـعـد وفـاة جـورج سـمـيـث في آب 1876، قـرر الـمـتـحـف الـبـريـطـاني عـام 1877  أن يـبـعـث إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة بـهـرمـز رسّـام الّـذي أسـرع بـالـقـبـول. وانـطـلـق نـحـو عـاصـمـة الـعـثـمـانـيـيـن في تـشـريـن الـثّـاني مـن نـفـس الـعـام مـحـاولاً الـحـصـول عـلى فـرمـان أهـمّ مـن سـابـقـه يـسـمـح لـه بـالـحـفـر في أكـبـر عـدد مـمـكـن مـن الـمـواقـع. وحـالـفـه حـظٌ لـم يـكـن يـحـلـم بـه، فـقـد عـيّـنـت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة أوسـتـن هـنـري لَـيـارد سـفـيـراً لـهـا في عـاصـمـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. ويـقـال إنّ لَـيـارد اتّـصـل بـالـسّـلـطـان لـلـحـصـول عـلى هـذا الـفـرمـان الإسـتـثـنـائي. وبـانـتـظـار صـدوره، قـرر لَـيـارد أن يـبـعـث هـرمـز رسّـام بـمـهـمّـة ديـبـلـومـاسـيـة إلى أرمـيـنـيـا.

وبـعـد عـودة هـرمـز رسّـام بـدأت الـحـفـريـات في كـانـون الـثّـاني عـام 1878. وقـرر أن يـقـوم بـحـفـريـات في عـدّة مـواقـع في نـفـس الـوقـت وفي أمـاكـن مـتـبـاعـدة. وقـد شـغّـل هـرمـز رسّـام مـعـه ابـن أخـيـه نـمـرود رسّـام Nimrûd Rassam لـيـشـرف عـلى الـحـفـريـات في مـنـطـقـة الـمـوصـل ومـا حـولـهـا.

أمّـا في مـنـطـقـة بـابـل ومـا حـولـهـا فـقـد أسـنـد تـنـفـيـذهـا إلى رؤسـاء عـمّـال أراهـم طـريـقـة حـفـر خـنـادق لـلـوصـول إلى أسـافـل الـجـدران وحـفـر أنـفـاق لـلـتـجـول في أعـمـاق الـمـواقـع. وكـان الـمـطـلـوب مـنـهـم فـقـط أن يـجـدوا أكـبـر أعـداد مـمـكـنـة مـن الـقـطـع الأثـريـة الّـتي يـمـكـن أن تـبـاع أو تـرسـل إلى إنـكـلـتـرة، وتـرك مـا لا يـسـتـحـقّ ذلـك في الـعـراء لـيـخـربـه تـعـاقـب الـفـصـول. ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر أعـداد الـمـواقـع الّـتي خـرّبـت بـهـذه الـطّـريـقـة وكـمـيـات الـقـطـع الأثـريـة الّـتي لا نـعـرف مـن أيـن أخـرجـت ولـم يـعـد مـمـكـنـاً وضـعـهـا في سـيـاق تـاريـخي واضـح.

وقـد بـدأت حـمـلـة هـرمـز رسّـام الأولى في تـلّ قـويـنـجـق في 7 كـانـون الـثّـاني 1878. ووجـد فـيـه حـوالي 2000 لـوح مـسـمـاري (مـن بـيـنـهـا بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش) ومـسـلّـة الـمـلـك آشـور نـاصـربـال، واسـتـمـرّت في مـوقـع نـمـرود الّـذي لـم يـجـد فـيـه كـثـيـراً مـن الـقـطـع الـمـهـمّـة بـعـد أن كـان قـد بـالـغ في نـهـبـه بـصـحـبـة أوسـتـن هـنـري لَـيـارد في الـحـمـلات الـسّـابـقـة.

وحـفـر أيـضـاً في بـلـوات. وتـقـع بـلـوات عـلى بـعـد 25 كـلـم. شـرق الـمـوصـل. ويـذكـر هـرمـز رسّـام أنّـه وجـد فـيـهـا الـبـوابـات الـمـغـطـاة بـطـبـقـات بـرونـزيـة طـرقـت بـالـمـطـرقـة وصـوّرت فـيـهـا مـشـاهـد كـامـلـة. وتـعـود إلى فـتـرة حـكـم الـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث (مـن 883 إلى 859 قـبـل الـمـيـلاد)، ويـمـكـن تـأمّـلـهـا الآن في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني :

بوابات بلوات

ونـزل هـرمـز رسّـام في كـانـون الـثّـاني عـام 1879 إلى مـنـطـقـة بـابـل، وقـام بـاسـتـطـلاعـات في مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة.

ووصـل في شـبـاط 1879 إلى تـلّـو (مـوقـع لـغـش الـقـديـمـة). وكـان الـفـرنـسي إرنـسـت دو سَـرزيـك يـنـقّـب في هـذا الـمـوقـع. (11) وفي فـتـرة لـم يـكـن فـيـهـا دو سَـرزيـك في الـمـوقـع، وصـل إلـيـه هـرمـز رسّـام مـع عـمّـالـه وقـام بـحـفـريـات مـدّة ثـلاثـة أيّـام كـامـلـة مـن غـيـر أن يـطـلـب الإذن مـن أحـد، كـمـا كـتـب ذلـك هـو نـفـسـه، ووجـد قـطـعـاً أثـريـة وألـواحـاً مـسـمـاريـة أخـذهـا وبـعـثـهـا إلى لـنـدن.

وكـان يـشـرف في نـفـس الـوقـت عـلى حـفـريـات في عـدد مـن الـتّـلال الأخـرى شـمـال بـابـل. وفي أواخـر شـهـر كـانـون الأوّل عـام 1880، زار هـرمـز رسّـام تـلَّي “الـدّيـر” و”أبـو حـبّـة”، وقـرر الـقـيـام بـحـفـريـات في تـلّ “أبـو حـبّـة” في كـانـون الـثّـاني 1881. وبـعـد 18 شـهـراً مـن الـعـمـل الـمـسـتـمـرّ، تـوصّـل إلى إزاحـة الـتّـراب عـن 130 غـرفـة مـن بـنـايـات الـمـوقـع ( والّـتي تـقـدّر بـ 300 غـرفـة بـكـامـلـهـا)، كـان مـن بـيـنـهـا 55 غـرفـة مـلـيـئـة بـمـا يـقـدّر بـيـن أربـعـيـن ألـف وخـمـسـيـن ألـف لـوح مـسـمـاري.

وكـان في الـجـانـب الـغـربي مـن الـتّـلّ مـا وصـفـه هـرمـز رسّـام بـ pyramid أي هـرم.  وقـيـل لـه إنّـه كـان يـحـتـوي عـلى مـصـغّـر مـن الـذّهـب لـسـفـيـنـة نـوح. والـحـقـيـقـة أنّ “الـهـرم” الّـذي حـفـر فـيـه كـان زقّـورة إبـابـار الـمـكـرّسـة لـلإلـه شـمـش. ورغـم أنّـه لـم يـجـد الـسّـفـيـنـة الـذّهـبـيـة الـخـرافـيـة فـقـد عـثـر عـلى مـا وضـع في أسـس الـزّقّـورة عـنـد إعـادة تـشـيـيـدهـا في زمـن الـمـلـك الـبـابـلي نـبـو بـولَـصَـر : صـنـدوق مـن الـفـخـار ولـوح الإلـه شـمـش وغـطـاءه :

سيبار لوح شمش

وشـاءت الأقـدار أن لا يـعـبـر هـرمـز رسّـام حـوش الـبـنـايـة ويـحـفـر في الـغـرفـة 355، وأنّ يـكـتـشـفـهـا فـريـق مـن عـلـمـاء الآثـار الـعـراقـيـيـن أشـرف عـلـيـهـم الـدّكـتـور ولـيـد الـجـادر في أواخـر ثـمـانـيـنـات الـقـرن الـمـاضي، فـقـد كـان فـيـهـا مـكـتـبـة مـن الـفـتـرة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخّـرة (حـوالي 635 إلى 550 قـبـل الـمـيـلاد) تـحـتـوي عـلى مـا يـقـارب 800 لـوح مـسـمـاري كـانـت مـصـفـوفـة عـلى رفـوفـهـا. ولـو كـان هـرمـز رسّـام قـد وجـدهـا لأخـذ أفـضـلـهـا وألـقـاهـا في صـنـاديـق مـن غـيـر أن يـدرس الـمـوقـع أو يـسـجّـل أمـاكـنـهـا أو مـحـتـويـاتـهـا بـدقّـة عـلـمـيـة، ولـتـرك مـا لـم يـسـتـحـقّ اهــتـمـامـه في الـعـراء لـيـخـربـه تـعـاقـب الـفـصـول.

ومـع ذلـك، لا يـمـكـنـنـا هـنـا إلّا أن نـشـيـد بـمـا تـوصّـل إلـيـه هـرمـز رسّـام في تـلَّي الـدّيـر وأبـو حـبّـة، فـقـد تـعـرّف فـيـهـمـا عـلى مـوقـعي سـيـبّـار أنـونـيـتـو Sippar-Anunnitu وسـيـبّـار جـخـرورو Sippar-Jahruru الـقـديـمـيـن.

ونـشـر هـرمـز رسّـام عـام 1881 مـقـالاً عـن نـتـائـج حـفـريـاتـه في بـلاد آشـور وبـلاد بـابـل  Recent Assyrian and Babylonian research  (12)، صـدر بـعـد ذلـك في كـتـيـب بـ 38 صـفـحـة :

كتاب هرمز رسام

وتـوقـفـت الـحـفـريـات بـعـد أن انـتـهـت في 25 تـمّـوز 1882 مـدّة صـلاحـيـة فـرمـان الـسّـمـاح بـهـا، ولـم يـجـدد. وعـاد هـرمـز رسّـام إلى إنـكـلـتـرة، وأقـام مـنـذ 1882، مـع زوجـتـه الإنـكـلـيـزيـة وأطـفـالـه في مـديـنـة بـرايـتـون في جـنـوب إنـكـلـتـرة.

هرمز رسّام 2

ونـشـر عـام 1895 كـتـابـاً بـ 48 صـفـحـة عـن جـنّـات عـدن وحـكـمـاء الـتّـوراة والإنـجـيـل

The Garden of Eden and Biblical Sages. (With Map)

وصـدر لـه في نـيـويـورك عـام 1897 كـتـابـه عـن آشـور وبـلاد نـمـرود. وهـو يـقـدّمـه عـلى أنّـه “نـتـائـج حـفـريـاتـه” في نـيـنـوى، آشـور، كـلـح، بـابـل، بـورسـيـبـا … ويـتـضـمـن سـرد سـفـراتـه في مـا بـيـن الـنّـهـريـن وآشـور وآسـيـا الـصّـغـرى وكـردسـتـان …

Asshur and the Land of Nimrod: Being an Account of the Discoveries Made in the Ancient Ruins of Nineveh, Asshur, Sepharvaim, Calah, Babylon, Borsippa, Cuthah, and Van, Including a Narrative of Different Journeys in Mesopotamia, Assyria, Asia Minor, and Koordistan, New York 1897.

Rassam Assyria

ولا يـنـتـمي هـذا الـكـتـاب إلى الـدّراسـات الّـتي تـفـصّـل نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة بـمـنـهـجـيـة عـلـمـيـة، وإنّـمـا هـو سـيـرة ذاتـيـة طـويـلـة بـ 432 صـفـحـة، مـلـيـئـة بـحـكـايـات وأحـداث مـشـوقّـة هـدفـهـا جـذب الـقـراء. ويـمـكـنـنـا مـع ذلـك بـقـراءتـه مـتـابـعـة حـفـريـاتـه مـنـذ أن بـدأهـا مـع أوسـتـن هـنـري لَـيـارد عـام 1846 وإلى أن أنـهـاهـا وحـده عـام 1882.

ووافـت الـمـنـيّـة هـرمـز رسّـام في بـرايـتـون سـنـة 1910.

ـــــــــــــــــــــ

(1)   نـجـد اسـمـه مـكـتـوبـاً بـالـعـربـيـة  : “لايـارد” و “لايـرد”. ويـبـدو لي أنّ “لَـيـارد” أقـرب إلى  الـلـفـظ الإنـكـلـيـزي الـصّـحـيـح. وكـان الأفـضـل أن أكـتـبـه “لَـيَـرد” لـولا أنّ الأذن الـعـربـيـة لا  تـسـتـسـيـغـه.

(2) يـمـكـنـنـا أن نـعـذر لَـيـارد لـقـبـولـه بـأن يـكـون “نـمـرود” شـخـصـيـة تـاريـخـيـة، فـقـد كـان ذلـك  قـبـل أن تـكـتـشـف حـضـارات مـا بـيـن الـنّـهـريـن ونـصـوصـهـا الـتّـاريـخـيـة. وقـد حـيـكـت حـولـهـا أسـاطـيـر جـعـلـت مـن “نـمـرود” مـلـكـاً جـبّـاراً حـكـم في عـدّة مـمـالـك مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

(3)  يـذكـر بـوتـا أنّ قـرويـاً مـن خـورسـبـاد جـاء إلى حـفـريـات قـويـنـجـق لـلـتّـفـرّج، وعـنـدمـا عـرف أنّـهـم يـبـحـثـون عـن آثـار قـديـمـة أخـبـره أنّ في قـريـتـه مـنـحـوتـات عـلى الـحـجـر.  وأرسـل بـوتـا بـعـض عـمـالـه مـع الـرّجـل لـيـتـأكّـد مـن ذلـك. وكـان مـا قـالـه الـرّجـل صـحـيـحـاّ، فـنـقـل بـوتـا حـفـريـاتـه في حـوالي مـنـتـصـف شـهـر آذار 1843 إلى خـورسـبـاد.  أنـظـر مـقـالي : رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

(4)  كـان هـنـري راولـنـسـن، الّـذي اشـتـغـل في خـدمـة شـركـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، قـد تـعـلّـم  الـلـغـات الـفـارسـيـة والـعـربـيـة والـهـنـدوسـتـانـيـة، ثـمّ أرسـل كـمـسـتـشـار عـسـكـري لـشـاه بـلاد الـفـرس، وهـنـاك نـسـخ نـقـوشـاً بـالـمـسـمـاريـة، وخـاصـة نـقـش بـيـهـسـتـون. وعـيّـن عـام  1843 مـسـؤولاً سـيـاسـيـاً في بـغـداد، وقـضى سـنـوات طـويـلـة في دراسـة نـقـش بـيـهـسـتـون وحـلّ طـلاسـمـه حـتّى اسـتـطـاع قـراءتـه. وبـهـذا يـعـود إلى الـفـضـل الأكـبـر في قـراءة الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة.

(5)   أنـظـر مـقـالي : فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

(6)   أنـظـر مـقـالي : رسـوم فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر عـن الـعـراق

(7) يـعـرف قـرّائي ولا شـكّ أنّ الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال (668 إلى 626 قـبـل الـمـيـلاد)، الّـذي كـان شـديـد الـثّـقـافـة ويـحـسـن هـو نـفـسـه قـراءة الـمـسـمـاريـة والـكـتـابـة بـهـا، جـمـع أغـلـب مـا كـتـب خـلال ثـلاثـة آلاف سـنّـة قـبـلـه بـالـسّـومـريـة والأكّـديـة (أي الـبـابـلـيـة ــ الآشـوريـة) مـن مـؤلـفـات عـلـمـيـة وديـنـيـة وأدبـيـة، وأمـر بـنـسـخـهـا وجـمـعـهـا في مـكـتـبـة هـائـلـة في قـصـره. وكـان مـن بـيـنـهـا مـا نـسـمـيـه بـالـصّـيـغـة الـنّـيـنـويـة لـمـلـحـمـة  جـلـجـامـش. ومـن ألـواحـهـا اسـتـطـاع جـورج سـمـيـث قـراءة بـعـض أجـزاء الـمـلـحـمـة بـعـد ذلـك. أنـظـر مـقـالي : كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش

(8)   ربّـمـا كـان سـبـب تـرك أوسـتـن هـنـري لَـيـارد لـحـفـريـاتـه أنّـه لـم يـقـبـل بـالـعـمـل تـحـت أوامـر هـنـري راولـنـسـن الّـذي عـهـد إلـيـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني بـالإشـراف عـلـيـهـا.

(9)   أنـظـر مـقـالي : بـدايـة اسـتـعـمـال الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

(10)   أنـظـر مـقـالي : كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش

(11) أنـظـر مـقـالي :  كـيـف خـرج الـسّـومـريـون مـن غـيـاهـب الـنّـسـيـان

(12)   Journal of the Transactions of the Victoria Institute, 14, 182–225.

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

الـسّـنـوات الـبـغـداديـة لـمـارغـو كـيـرتـيـكـار

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

(نـشـرت هـذا الـمـقـال الـقـصـيـر عـام 2012 كـعـرض سـريـع لـكـتـاب كـانـت مـارغـو كـيـرتـيـكـار قـد نـشـرتـه في الـعـام الـسّـابـق عـن الـسّـنـوات الـبـغـداديـة مـن حـيـاتـهـا، وأعـيـد نـشـره هـنـا لأنّ الـكـتـاب مـا زال يـسـتـحـق الـقـراءة).

كـتـبـت غـابـريـيـل فـون بـيـرنـسـتـورف في تـقـديـمـهـا لـكـتـاب مـارغـو كـيـرتـكـار Margo Kirtikar  أنّـه :

“إحـيـاء لـذكـريـات بـغـداد الّـتي كـانـت، والّـتي يـمـكـنـهـا أن تـعـود كـمـا كـانـت :  مـديـنـة مـتـعـددة الـثّـقـافـات والأعـراق والـلـغـات والأديـان، فـالـكـاتـبـة نـفـسـهـا ولـدت مـسـيـحـيـة، هـنـديـة الأب سـوريـة الأمّ، عـرفـت عـن كـثـب جـالـيـة بـغـداد الـهـنـديـة ودرسـت في مـدرسـة الـرّاهـبـات الـفـرنـسـيـات وتـشـبـعـت بـفـخـر الـعـراقـيـيـن بـمـاضـيـهـم وبـرغـبـتـهـم في الـتّـحـرر والاسـتـقـلال”.

 
وتـذكـر الـكـاتـبـة مـارغـو كـيـرتـيـكـار، وهي مـخـتـصّـة بـالـرّوحـانـيـات ونـالـت شـهـادة دكـتـوراه في مـا بـعـد الـطّـبـيـعـة (الـمـيـتـافـيـزيـقـيـا)، في مـقـدمـة كـتـابـهـا أنّـه سـيـرة ذاتـيـة لـحـيـاتـهـا حـتّى سـنّ الـعـشـريـن كـشـاهـدة عـلى حـيـاة شـعـب ثـريـة بـتـنـوّعـهـا وغـنـيّـة بـانـفـتـاحـهـا، كـتـبـتـه لـتـظـلّ ذكـريـات تـلـك الـفـتـرة حـيّـة في قـلـوب أطفـالـهـا وأحـفـادهـا وفي قـلـوب أبـنـاء الـعـراقـيـيـن وغـيـر الـعـراقـيـيـن الّـذيـن عـاشـوا في بـغـداد ثـمّ أجـبـرتـهـم الـظّـروف عـلى تـركـهـا.

وهي تـقـول :

“ومـع إني سِـعـت (1) في الأرض وسـكـنـت أوطـانـاً واكـتـسـبـت ثـقـافـات، وتـعـلّـمـت وكـبـرت وتـغـيّـرت، فـإنّي لا أسـتـطـيـع أن أنـكـر أصـلي. وتـبـقى بـغـداد حـيّـة في قـلـبي. وإذا مـا جـرحـت بـغـداد وتـألـمـت جـرحـتُ وتـألـمـتُ”.

وهي تـعـيـد وتـكـرر أنّ بـغـداد “كـانـت مـديـنـة مـلـيـئـة بـالـحـركـة والـجـدّ، مـتـقـدمـة سـلـمـيـاً، بـعـد أن خـرجـت مـن فـتـرة كـفـاح الـعـرب لـلـتّـحـرر والـدّفـاع عـن حـقـوقـهـم ضـدّ الـتّـدخّـلات الأجـنـبـيـة ” وأنّ “تـنـوّع الـسّـكـان واخـتـلافـاتـهـم جـزء مـهـم مـن ثـراء الـعـراق ومـن إرثـه الـعـريـق، وإنّ إنـكـار ذلـك سـيـؤدي إلى خـنـق روحـه والـحـدّ مـن طـمـوحـه وتـقـدّمـه”.
وعـنـوان الـكـتـاب الّـذي نـشـرتـه مـارغـو كـيـرتـيـكـار (ويـحـتـوي عـلى 360 ص.) : “بـغـداد في الـمـاضي : عـقـداهـا الـذّهـبـيـان في أربـعـيـنـات [الـقـرن الـمـاضي] وخـمـسـيـنـاتـه                                                                   Once Upon a Time in Baghdad: The Two Golden Decades The 1940s and 1950s

Margo K

وكـمـا لاحـظـت غـابـريـيـل فـون بـيـرنـسـتـورف في تـقـديـمـهـا لـه فـهـو :
“لـيـس سـرداً مـتـتـابـعـاً مـسـتـمـرّاً، وإنّـمـا قـطـع تـتـراكـب وتـتـجـمـع مـثـل رسـوم سـجّـادة شـرقـيـة تـتـداخـل فـيـهـا الأشـكـال والألـوان”.

ويـبـدأ الـكـتـاب في ربـيـع 1959 بـآخـر وجـبـة فـطـور في فـجـر بـغـداد تـشـرب فـيـه مـارغـو إسـتـكـان شـاي  istikan chai بـيـن صـيـاح الـدّيـكـة ونـداء الـمـؤذن لـلـصّـلاة وحـركـة الـعـائـلـة الّـتي كـانـت تـسـتـعـدّ لـمـصـاحـبـتـهـا إلى الـمـطـار لـتـغـادر لـلـدّراسـة في لـنـدن. وفي الـمـطـار تـجـد الأهـل والأصـدقـاء الّـذيـن جـاءوا لـتـوديـعـهـا … ولـكـنّ عـاصـفـة عـجـاج تـمـنـع الـطّـائـرة مـن الإقـلاع، ويـغـلـق الـمـطـار وتـعـود مـارغـو مـع أهـلـهـا إلى الـدّار.

 
وتـقـفـز في الـفـصـل الـثّـاني (وهـذا مـا نـسـمـيـه بـتـداعي الأفـكـار) إلى عـمـلـيـة “عـاصـفـة الـصّـحـراء” عـام 1990. وكـانـت مـارغـو آنـذاك في مـديـنـة لـوسـيـرن في سـويـسـرة، وحـيـدة، بـعـد طـلاقـهـا، بـعـيـدة عـن بـنـاتـهـا الـمـتـزوّجـات، عـنـدمـا اتـصـلـت بـهـا أخـتـهـا مـن لـنـدن وطـلـبـت مـنـهـا أن تـشـاهـد الـ CNN.

ورأت مـارغـو بـغـداد تـحـتـرق تـحـت قـنـابـل الأمـريـكـان … وبـكـت طـيـلـة الـنّـهـار. ويـعـود بـهـا هـذا، في الـفـصـل الـثّـالـث، إلى بـغـداد مـديـنـة الـسّـلام الـمـفـتـوحـة عـلى الـعـالـم أيـام صـبـاهـا … ثـمّ تـعـود في الـفـصـل الـرّابـع  إلى بـغـداد في نـهـايـة الـثّـلاثـيـنـات : “كـيـف جـاءت الأقـدار بـالـحـبّ في ربـيـع 1939” عـنـدمـا الـتـقى أبـوهـا الـهـنـدي، الّـذي كـان قـد اسـتـقـرّ في بـغـداد بـعـد أسـفـار طـويـلـة بـأمّـهـا الـسّـوريـة.

 
وتـتـكـلّـم في الـفـصـل الـخـامـس عـن مـدرسـة الـرّاهـبـات الـفـرنـسـيـات الّـتي دخـلـتـهـا في 1943، وعـن الـسّـنـوات الّـتي قـضـتـهـا فـيـهـا. ثـمّ تـسـتـمـر مـارغـو في ذكـريـاتـهـا عـن بـغـداد وحـيـاتـهـا الـسّـعـيـدة فـيـهـا حـتّى تـعـود في الـفـصـل الـخـامـس والـعـشـريـن مـع أهـلـهـا إلى مـطـار بـغـداد بـعـد انـتـهـاء عـاصـفـة الـعـجـاج لـتـكـمـل مـا بـدأتـه في الـفـصـل الأوّل … وفي هـذه الـمـرّة أقـلـعـت الـطّـائـرة نـحـو لـنـدن، تـاركـة وراءهـا بـغـداد الـطّـفـولـة والـصّـبـا ومـطـلـع الـشّـبـاب.

 
ولـكـنّ الـكـتـاب لـم يـنـتـه عـنـد ذلـك، فـقـد ألـحـقـت بـه مـارغـو كـيـرتـيـكـار “كـلـمـة مـؤخـرة ” أي “خـاتـمـة”، ومـلـحـق عـن الـمـسـيـحـيـيـن والـكـنـائـس الـعـراقـيـة، وقـامـوس صـغـيـر لـلـكـلـمـات الـعـراقـيـة الّـتي وردت في الـكـتـاب. ثـمّ ذكـرت الـمـراجـع الّـتي اسـتـعـمـلـتـهـا في كـتـابـة نـصّـهـا، وأنـهـت كـتـابـهـا بـألـبـوم صـور عـن حـيـاتـهـا وعـن بـغـداد في “الـعـقـديـن الـذّهـبـيـيـن”.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مـازالـت جـريـدة “الـمـدى” الـعـراقـيـة تـنـشـر هـذا الـمـقـال عـلى صـفـحـاتـهـا الاكـتـرونـيـة بـعـد أن حـذفـت اسـم الـكـاتـب !

(1) أسـتـعـمـل فـعـل سـاع يـسـوع بـمـعـنـاه الـمـعـتـاد في لـغـتي الـيـومـيـة، أي تـجـوّل في كـلّ الأمـاكـن وفي كـلّ الإتـجـاهـات.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

الـمـعـمـاري ج. م. ولـسـن في الـعـراق

Wilson st.

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـعـرف كـلّ الـمـهـتـمّـيـن بـتـاريـخ الـعـراق الـحـديـث مـنـذ انـتـهـاء الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وحـتّى مـنـتـصـف الـقـرن الـعـشـريـن جـيـمـس م. ولـسـن وأهـمـيـتـه في الإدارة الـبـريـطـانـيـة أو في الـحـفـاظ عـلى آثـارنـا أو في تـصـامـيـمـه الـمـعـمـاريـة لـعـدد مـن مـعـالـم الـعـراق مـا زال بـعـضـهـا قـائـمـاً في بـغـداد أو في مـدن أخـرى. وهـو ولا شـكّ واحـد مـن أهـمّ الـبـريـطـانـيـيـن الّـذيـن طـبـعـوا بـصـمـاتـهـم عـلى أجـزاء مـن ذاكـرتـنـا الـبـصـريـة، ويـسـتـحـق أن نُـحـسّـن مـعـرفـتـنـا بـه لـنـعـمّـق مـعـرفـتـنـا بـجـزء مـن تـاريـخـنـا.

ولـيـس هـدفي مـن هـذا الـعـرض الـمـبـسّـط الـسّـريـع إضـافـة مـعـلـومـات أو تـحـلـيـلات جـديـدة إلى مـا أسـهـبـت في ذكـره الـمـقـالات الـكـثـيـرة الّـتي كـتـبـت عـنـه وعـن إنـجـازاتـه في الـعـراق، ولـكـن الـتّـعـريـف بـه لـمـن لـم يـجـدوا بـعـد الـوقـت لـلإطّـلاع عـلـيـهـا أو مـن لـيـسـت لـهـم إمـكـانـيـة الـحـصـول عـلــيـهـا. (1)

وسـأقـتـصـر هـنـا عـلى ذكـر خـمـسـة تـصـامـيـم مـعـمـاريـة نـفـذّت أربـعـة مـنـهـا وبـقي الـخـامـس حـبـراً عـلى ورق.

ج. م. ولـسـن :

وسـنـبـدأ بـسـيـرة جـيـمـس مـولـيـسـون ولـسـن  James Mollison Wilson الّـذي ولـد سـنـة 1887 في إسـكـتـلـنـدة.

وفي عـام 1903، وكـان في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره، دخـل كـمـتـدرّب في مـكـتـب الـمـعـمـاري ولـيـام الـكـسـنـدر في مـديـنـة دانـدي Dundee، شـمـال شـرق إسـكـتـلـنـدة. وبـعـد وفـاة ولـيـام الـكـسـنـدر عـام 1904 وإغـلاق مـكـتـبـه، انـتـقـل إلى مـكـتـب تـومـاس مـارتـن كـابـون وبـقي فـيـه حـتّى عـام 1909، ثـمّ اشـتـغـل كـمـسـاعـد في مـكـتـب تـومـاس وويـلـكي.

وفي عـام 1910 تـرك ج. م. ولـسـن إسـكـتـلـنـدة وذهـب إلى إنـكـلـتـرة. وفي لـنـدن، إشـتـغـل كـمـسـاعـد في مـكـتـب غـيـبـسـن سـكـبـويـذ وغـوردن. وقـد أتـاح لـه هـذا فـرصـة الـدّراسـة في مـدارس الأكـاديـمـيـة الـمـلـكـيـة              The Royal Academy Schools. وبـقي في مـكـتـب غـيـبـسـن حـتّى عـام 1912 أو 1913، ثـمّ اشـتـغـل في مـكـتـب الـسّـيـر لَـتـشـنـس Sir E. L. Lutyens. وقـد صـادف انـضـمـامـه إلى هـذا الـمـكـتـب إطـلاق مـشـروع إنـشـاء عـاصـمـة جـديـدة في الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة : نـيـو دلـهي، أي دلـهي الـجـديـدة، والّـذي شـارك فـيـه لَـتـشـنـس. فـبـعـث إلى الـهـنـد مـع فـريـق الـمـعـمـاريـيـن لـلـعـمـل فـيـهـا تـحـت إشـراف لَـتـشـنـس.

وقـد اسـتـمـر ج. م. ولـسـن بـالـعـمـل مـع لَـتـشـنـس إلى أن جـنّـد في الـجـيـش الـهـنـدي عـام 1915، وخـدم في كـتـيـبـة خـيّـالـة الـبـنـجـاب، وتـرقّى إلى رتـبـة مـيـجـر.

وبـعـد انـتـهـاء الـحـرب عـيّـن الـمـعـمـاري الـمـيـجـر ج. م. ولـسـن عـام 1920 مـديـراً لـلأشـغـال الـمـدنـيـة director of civil works  في بـغـداد، وكـان في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره. ثـمّ مـديـراً لـلأشـغـال الـعـمـومـيـة           director of public works. وعـيّـن هـارولـد مـاسـون Harold C. Mason مـسـاعـداً لـمـعـمـار الـحـكـومـة لـيـعـمـل تـحـت أوامـره. وكـانـت مـهـمـاتـه تـشـيـيـد مـا يُـسـهّـل عـلى الـسـلـطـات الـبـريـطـانـيـة الإسـتـمـرار في احـتـلال الـعـراق مـثـل تـعـبـيـد الـطّـرق وتـشـيـيـد الـجـسـور وبـنـاء مـكـاتـب الإدارة إضـافـة إلى الـمـدارس والـمـسـتـشـفـيـات … إلـخ.

وبـعـد أن درس ج. م. ولـسـن تـنـظـيـم مـديـنـة بـغـداد الّـذي لـم يـكـن يـتـبـع أي تـخـطـيـط مـعـمـاري، اقـتـرح لـهـا تـصـمـيـمـاً أسـاسـيـاً يـنـطـلـق مـنـه تـوسـيـعـهـا بـطـريـقـة حـديـثـة.

وقـد صـمـم ج. م. ولـسـن عـام 1921 مـسـتـشـفى مـود الـتّـذكـاري في الـبـصـرة، في ذكـرى الـجـنـرال فـردريـك سـتـانـلي مـود                                   The memorial to Lt General Sir Frederick Stanley Maude الّـذي كـان قـد فـتـح بـغـداد عـام 1917 ومـات فـيـهـا بـعـد عـدّة أشـهـر .

وقـد حـاول في تـصـمـيـمـه أن يـبـتـعـد عـن الأسـالـيـب الـكـلاسـيـكـيـة الأوربـيـة لـيـسـتـوحي بـعـض خـصـائـص فـنّ الـمـعـمـار الإسـلامي. ولـديـنـا رسـمـه لـلـتّـصـمـيـم الّـذي قـدّمـه :

Wilson memorial

وفي عـام 1923، طـلـبـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة مـن ج. م. ولـسـون  أن يـصـمـم بـلاطـاً مـلـكـيـاً مـتـواضـع الـمـسـاحـة والـعـلـو لـيـكـون مـقـرّ حـكـم الـمـلـك. وشـيّـد هـذا “الـبـلاط الـمـلـكي” في الـكـسـرة، في مـنـطـقـة الـوزيـريـة، قـرب قـصـر شـعـشـوع :

البلاط الملكي في الكسرة

وقـد قـبـل ج. م. ولـسـون عـام 1924 في “جـمـعـيـة الـمـعـهـد الـمـلـكي لـلـمـعـمـاريـيـن الإنـكـلـيـز     Associate of the Royal Institute of British Architects”. وكـان هـدف انـتـمـائـه هـذا إعـداد مـشـروع فـتـح مـكـتـب مـعـمـار مـسـتـقـل. أنـشـأه بـعـد ذلـك عـام 1926.

قـصـر الـمـلـك فـيـصـل الأوّل : 

أودّ أن أذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز هـنـا أنّ الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد في 1921 سـكـن في الـطّـابـق الأوّل مـن بـنـايـة الـسّـراي الّـتي كـانـت مـقـرّ الـوالي في زمـن الـحـكـم الـعـثـمـاني. وكـان مـكـتـب ج. م. ولـسـن في الـطـابـق الأرضي مـن نـفـس الـبـنـايـة. وكـان طـبـيـعـيـاً أن يـعـهـد لـولـسـن بـتـصـمـيـم قـصـر يـلـيـق بـالـمـلـك الـجـديـد عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة. ولـكـنّ الـمـشـروع لـم يـبـدأ إلّا عـام 1926.

وقـدم ولـسـن إلى جـانـب رسـم الـتّـصـمـيـم رسـمـاً رائـع الـجـمـال بـالألـوان الـمـائـيـة :

ولسن القصر الملكي

ونـجـد في هـذا الـتّـصـمـيـم أغـلـب الـخـصـائـص الّـتي تـمـيّـز أسـلـوب ولـسـن الـمـعـمـاري : تـمـاثـل الـجـانـبـيـن الأيـمـن والأيـسـر، وتـقـدّم الـمـدخـل نـحـو الـنّـهـر بـالـنـسـبـة لـبـاقي الـبـنـايـة، والـبـوابـة الـواسـعـة بـثـلاث فـتـحـات مـقـوّسـة الأعـالي، والـقـبّـة الـواسـعـة الـمـنـخـفـضـة الـتّـكـويـر الّـتي تـعـلـو الـمـدخـل تـحـيـطـهـا أربـع قـبـاب صـغـيـرة، ونـوافـذ الـطّـابـق الأوّل الّـتي تـتـقـدّمـهـا شـرفـات تـضـفي عـلـيـهـا ظـلاّ يـحـمـيـهـا في الـصّـيـف، وأجـنـحـة إضـافـيـة خـلـف الـبـنـايـة الـرّئـيـسـيـة …

وعـنـدمـا عـاد ج. م. ولـسـن إلى لـنـدن وعـرض مـشـروعـه عـلى الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة، رفـضـه الـمـسـؤولـون بـحـجـة أنّـه بـالـغ الـتّـكـالـيـف. وعـلى كـلّ حـال فـقـد خـفـضـت مـيـزانـيـة مـديـريـة الأشـغـال الـعـامـة في بـغـداد، وبـقي الـتّـصـمـيـم حـبـراً وألـوانـاً مـائـيـة عـلى الـورق !

وقـد أنـشـأ ولـسـن في لـنـدن ذلـك الـعـام مـع مـاسـون وآخـريـن مـكـتـبـاً مـعـمـاريـاً أسـمـاه ” J.M. Wilson, H.C Mason & Parteners”، وتـرك الـعـراق (2)، ولـكـنّـه اسـتـمـرّ في ارتـبـاطـاتـه مـع الـعـراق، فـقـد أعـجـب الـمـلـك فـيـصـل الأوّل بـمـشـروع الـقـصـر رغـم أنّـه لـم يـنـفّـذ، وعـيّـن ولـسـن مـسـتـشـاراً مـعـمـاريـاً لـلـحـكـومـة الـعـراقـيـة.

جـامـعـة آل الـبـيـت :

قـرر الـمـلـك فـيـصـل الأوّل إنـشـاء “جـامـعـة آل الـبـيـت”. وصـمـم لـهـا ج. م. ولـسـن عـام 1926 بـنـايـات تـتـوسّـطـهـا حـديـقـة واسـعـة تـوصـل إلى بـنـايـات مـسـاكـن الـطّـلّاب. وكـان مـشـروع تـأسـيـس جـامـعـة آل الـبـيـت يـنـصّ عـلى فـتـح كـلـيـات لـعـلـوم الـدّيـن ولـلـعـلـوم والـطّـب والـهـنـدسـة والـحـقـوق، ولـكـن لـم يـفـتـح مـنـهـا إلّا كـلـيـة لـعـلـوم الـدّيـن، ثـمّ أغـلـقـت الـجـامـعـة عـام 1930.

Wilson Al albayt

وقـد اسـتـعـمـل ولـسـن في تـشـيـيـد الـبـنـايـة الـطـابـوق، الّـذي كـان الـمـادة الأسـاسـيـة في الـمـعـمـار الـعـراقي مـنـذ الـسّـومـريـيـن. واسـتـعـمـل تـراكـيـب مـتـشـابـكـة مـن الـطّـابـوق يـبـدو أنّـه اسـتـوحـاهـا مـن أسـالـيـب الـمـعـمـار الـعـبّـاسي وخـاصـة مـن الـجـامـعـة الـمـسـتـنـصـريـة. كـمـا نـجـد فـيـهـا جـزئـيـات اسـتـوحـاهـا مـن “الآرت ديـكـو” واسـتـطـاع إدخـالـهـا لـتـنـاسـب الـجـزئـيـات الـبـاقـيـة. ولا شـكّ في أنّ جـمـال تـشـيـيـد بـنـايـات جـامـعـة آل الـبـيـت يـعـود إلى مـهـارة الأسـطـوات الّـذيـن اعـتـمـد عـلـيـهـم ولـسـن وقـدراتـهـم الـهـائـلـة عـلى اسـتـعـمـال خـبـراتـهـم ومـعـرفـتـهـم الـعـمـيـقـة بـأسـرار الـمـعـمـار الـتّـراثي في خـلـق إبـداعـات جـمـالـيـة لا مـثـيـل لـهـا.

مـكـاتـب مـيـنـاء الـبـصـرة :

بـعـد أن أنـشـئـت شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة الـفـارسـيـة                       The Anglo Persian Oil Company عـام 1909، قـررت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة إنـشـاء الـمـصـفـاة في عـبـدان ومـكـاتـب إدارة الـشّـركـة قـرب الـبـصـرة. وعـهـد لـولـسـن بـتـشـيـيـد هـذه الـمـكـاتـب في بـنـايـة مـركـزيـة تـتـجـمـع حـولـهـا نـشـاطـات الـمـيـنـاء. ورسـم ج. م. ولـسـن عـام 1929 تـصـمـيـمـاً لـقـاعـتـهـا الـرّئـيـسـيـة الّـتي اخـتـار لـهـا الـطّـابـوق كـمـادة بـنـاء، ونـجـد فـيـه أيـضـاً أغـلـب الـخـصـائـص الّـتي تـمـيّـز أسـلـوبـه الـمـعـمـاري الّـذي سـبـق أن رأيـنـاه : تـمـاثـل الـجـانـبـيـن الأيـمـن والأيـسـر، والـبـوابـة الـواسـعـة بـثـلاث فـتـحـات مـقـوّسـة الأعـالي، والـقـبّـة الـواسـعـة الـمـنـخـفـضـة الـتّـكـويـر بـالـقـاشـاني الأزرق الّـتي تـعـلـوهـا.

port offices basra

ونـجـد في داخـلـهـا سـلّـمـاً عـريـضـاً بـإحـدى عـشـرة درجـة يـنـفـصـل بـعـدهـا إلى جـزئـيـن يـفـضي كـل مـنـهـمـا إلى جـانـب مـن جـانـبي الـطّـابـق الأوّل الّـذي يـضـمّ الـمـكـاتـب.

Wilson Basra port

وقـد افـتـتـح الـمـلـك فـيـصـل الأوّل الـبـنـايـة في 1929.

مبنى مديرية الموانئ

وعـهـد إلى ولـسـن عـام 1931 بـتـصـمـيـم مـيـنـاء الـبـصـرة الـجـوّي أي مـطـار الـبـصـرة. وشـاركـه في ذلـك هـارولـد مـاسـون Harold C.Mason الّـذي كـان يـعـمـل تـحـت أوامـره عـنـدمـا كـان مـعـمـاري الـحـكـومـة ومـشـاركـه في مـكـتـب مـعـمـاره الـلـنـدني. وقـد اخـتـيـر أن يـشـيّـد عـلى ضـفـة شـطّ الـعـرب. وكـان الـمـطـار أحـد الـمـواقـف الّـتي كـانـت تـحـتـاجـهـا الـطّـائـرات في رحـلاتـهـا الـطّـويـلـة بـيـن بـريـطـانـيـا والـهـنـد.

ولـديـنـا رسـم لـه بـالألـوان الـمـائـيـة نـفّـذه سـيـرل فـري  Cyril Farey عـام 1937 :

ولسن مطار البصرة

وصـمـمـت لـه قـاعـة انـتـظـار حـديـثـة بـأسـلـوب الـ “آرت ديـكـو” :

Wilson Basra Airport

كـمـا اقـتـرح ج. م. ولـسـن عـام 1935 تـصـمـيـمـاً لـمـشـروع تـشـيـيـد كـنـيـسـة الـقـديـس جـورج في كـرادة مـريـم في بـغـداد في ذكـرى جـنـود الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة الّـذيـن قـتـلـوا في الـشّـرق خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى. وانـتـهى تـشـيـيـدهـا عـام 1937 :

كنيسة القديس جورج

وبـعـد أن نـقـلـت الـحـكـومـيـة الـبـريـطـانـيـة مـلـكـيـة سـكـك الـعـراق الـحـديـديـة إلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة عـام 1936، قـررت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة عـام 1947 تـشـيـيـد مـحـطـة قـطـار عـالـمـيـة في بـغـداد لـتـضـمّ أيـضـاً مـكـاتـب إدارة الـسّـكـك الـحـديـديـة، وعـهـدت إلى ج. م. ولـسـن بـتـصـمـيـم الـمـشـروع. وكـان ولـسـن في الـسّـتـيـن مـن عـمـره وبـلـغ درجـة عـالـيـة مـن الـنّـضـوج الـتّـقـني. وخـطـط بـنـايـة مـركـزيـة ضـخـمـة فـيـهـا قـاعـة الإنـتـظـار وشـراء الـتّـذاكـر، تـعـلـوهـا قـبّـة واسـعـة مـنـخـفـضـة الـتّـكـويـر قـطـرهـا حـوالي 22 مـتـراً. وهـو مـا تـعـودنـا عـلى رؤيـتـه في أغـلـب تـصـامـيـمـه.

محطة بغداد العالمية 2

محطة بغداد العالميةوفـيـهـا مـطـعـم ومـخـازن ومـكـتـب بـريـد وتـلـغـراف ومـصـرفالمحطة العالميةومـن هـذه الـقـاعـة يـمـكـن لـلـمـسـافـر الـوصـول إلى ثـمـانـيـة أرصـفـة يـسـتـقـل قـطـاره مـن أحـدهـا. وقـد تـغـيـر الـتّـصـمـيـم في صـيـغـتـه الـنّـهـائـيـة وأضـيـف إلـيـه بـرجـان وضـعـت عـلـيـهـمـا سـاعـتـان :

محطة بغداد العالمية 3

gare baghdad

وقـد أوقـف ولـسـن نـشـاطـه في عـام 1956، وتـوفي سـنـة 1965.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) يـمـكـن لـلـقـارئ تـوسـيـع مـعـرفـتـه بـالـمـوضـوع بـمـطـالـعـة بـعـض الـمـقـالات الـمـهـمـة وخـاصّـة مـقـالات الـدّكـتـور خـالـد الـسّـلـطـاني في عـدّة مـنـشـورات عـراقـيـة، ومـقـالـه (بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة) :

K. Sultani, ‘Architecture in Iraq between the Two World Wars, 1920–1940’, UR, International Magazine of Arab Culture; London Iraqi Cultural Centre (1982), pp. 93 –105.

ومـقـال إيـان جـاكـسـون عـن الـمـعـمـار خـلال فـتـرة الإنـتـداب الـبـريـطـاني عـلى الـعـراق :

Iain Jackson, The architecture of the British Mandate in Iraq: nation-building and state creation, The Journal of Architecture · May 2016.

ومـقـال بـري جـويـس عـن تـشـيـيـدات بـغـداد :

Barry Joyce, The building of Baghdad, The RIBA Journal, November 2017.

(2) كـتـبـت جـرتـرود بـيـل لأبـيـهـا في 2 تـمّـوز 1926 عـن ج. م. ولـسـن الّـذي كـان قـد صـاحـبـهـا في بـعـض جـولاتـهـا الأثـريـة، وتـولى تـنـظـيـم الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عُـثـر عـلـيـهـا في الـتّـنـقـيـبـات وتـصـنـيـفـهـا لإعـداد الـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد : “لـقـد أخـذت عـلى عـاتـقي مـسـؤولـيـة الـمـتـحـف الـشّـديـدة الأهـمـيـة … وقـد ألـحـحـت مـنـذ أكـثـر مـن سـنـة كـامـلـة عـلى أن يـخـصـصـوا لـه بـنـايـة. وقـد شـغـرت بـنـايـة في الـشّـتـاء الـمـاضي، وأعـطـوهـا لـلـمـتـحـف مـع مـبـلـغ كـبـيـر مـن الـمـال لإعـداده. وقـد بـدأت أوّل مـا بـدأت بـإعـادة بـنـاء الـسّـطـح، ثـمّ تـوقـفـت الأعـمـال مـدّة شـهـريـن عـلى الأقـل بـسـبـب فـيـضـان دجـلـة. ولـو لـم أكـن هـنـا لـمـا خـرجـت كـلّ هـذه الـقـطـع الأثـريـة مـن بـاطـن الأرض، ولـو لـم أضـمـن حـمـايـتـهـا. وقـد نـقـلـوهـا كـيـفـمـا اتـفـق إلى الـمـتـحـف، ولا أحـد غـيـري يـسـتـطـيـع أن يـنـظـمـهـا ويـصـنّـفـهـا بـعـد أن غـادر ج. م. ولـسـون J. M. Wilson الـعـراق”.

أنـظـر مـقـالي : فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الـثّـاني

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الـثّـاني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

مـن تـتـويـج فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق إلى وفـاة جـرتـرود بـيـل :

يـمـكـنـنـا أن نـتـابـع مـن خـلال الـرّسـائـل الّـتي كـتـبـتـهـا الإنـكـلـيـزيـة جـرتـرود لـوثـيـان بـيـل  Gertrude Lowthian Bell لأبـيـهـا ولـزوجـة أبـيـهـا (1) ومـن الـنّـصـوص الأخـري الّـتي تـركـتـهـا، عـلاقـات الـصّـداقـة والـثّـقـة الـمـتـبـادلـة الّـتي ربـطـت بـيـنـهـا وبـيـن الأمـيـر فـيـصـل، ابـن الـحـسـيـن شـريـف مـكّـة، مـنـذ أوّل لـقـاء بـيـنـهـمـا في بـاريـس عـام 1919، ثـمّ عـنـد تـتـويـج الأمـيـر فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق عـام 1921 وحـتّى وفـاة “الـخـاتـون” جـرتـرود في بـغـداد عـام 1926.

وقـد تـكـلّـمـت لـكـم في الـقـسـم الأوّل (2) عـن عـلاقـتـهـمـا الـودّيـة مـنـذ لـقـائـهـمـا الأوّل في بـاريـس عـام 1919 وحـتّى تـتـويـج فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى الـعـراق، وأنـهـيـنـاه بـوصـول الأمـيـر فـيـصـل إلى حـوش الـسّـراي في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب 1921، في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـرتـديـاً الـزّي الـعـسـكـري … وتـوّج مـلـكـاً عـلى الـعـراق. ونـهـضـت الـمـس جـرتـرود بـيـل مـع الـمـدعـويـن وهـتـفـت مـعـهـم : “عـاش الـمـلـك !”.

جـرتـرود بـعـد تـتـويـج فـيـصـل :

وعـادت الـمـس جـرتـرود إلى مـكـتـبـهـا بـعـد انـتـهـاء حـفـل الـتّـتـويـج لـتـتـنـاول الـفـطـور قـبـل أن تـرتـفـع الـشّـمـس في الـسّـمـاء “لـتـحـرق الـمـسـامـيـر في الأبـواب”(3) ثـمّ تـكـمـل الـمـهـمـات الّـتي أوكـلـت إلـيـهـا في الـظّـل بـعـيـداً عـن لـهـب آب. وقـد نـظّـمـت الـمـس جـرتـرود اسـتـقـبـال الـوفـود الّـتي وصـلـت مـن كـلّ مـنـاطـق الـعـراق في الأيّـام الـتّـالـيـة لـمـبـايـعـة فـيـصـل، بـحـيـث تـمـرّ أيـضـاً أمـام الـمـنـدوب الـسّـامي الـبـريـطـاني بـرسي كـوكـس Percy COX لـتـحـيّـيـه وتـحـيّـيـهـا هي أيـضـاً الـواقـفـة بـجـانـبـه.

وقـد كـتـبـت رسـالـة لأبـيـهـا تـصّـف لـه فـيـهـا بـمـرحـهـا الـمـعـتـاد بـعـض رؤوسـاء هـذه الـوفـود وتـنـهـيـهـا بـهـذه الـجـمـل الّـتي تـعـبـر فـيـهـا عـن تـعـلّـقـهـا الـمـزداد بـالـعـراق : “لا أدري كـيـف يـمـكـنـني أن أغـادر هـذا الـبـلـد نـهـائـيـاً […] ومـا زالـت أمـامـنـا أشـغـال مـنـهـكـة سـتـمـلأ فـصـل الـشّـتـاء، الـبـرلـمـان والـقـانـون الأسـاسي. ولـم يـبـقَ لي وقـت فـراغ يـمـكـن أن أفـكّـر فـيـه بـأشـيـاء أخـرى”.

وقـبـل أن يـنـتـهي الأسـبـوع الأوّل الّـذي تـلا الـتّـتـويـج، دعـا الـمـلـك فـيـصـل الـمـس جـرتـرود بـيـل لـيـسـتـشـيـرهـا في تـصـمـيـم الـعـلـم الـجـديـد وفي شـعـار الـمـمـلـكـة.

وكـانـت جـرتـرود، كـمـا رأيـنـا في الـقـسـم الأوّل مـن هـذا الـمـقـال، قـد أعـدّت لـلأمـيـر فـيـصـل سـكـنـاً في جـانـب مـن الـسّـراي بـعـد أن أشـرفـت عـلى تـرمـيـم الـغـرف وصـبـغـهـا. وكـانـت قـد بـدأت بـإعـداد دار لـلـمـلـك تـطـلّ عـلى نـهـر دجـلـة. واكـتـمـلـت الـدّار وانـتـقـل إلـيـهـا الـمـلـك فـيـصـل في شـهـر أيـلـول. وقـد دعـاهـا إلى أوّل حـفـل عـشـاء أقـامـه فـيـهـا. وذهـبـت إلى الـحـفـل بـقـارب عـلى دجـلـة. وكـتـبـت لأبـيـهـا في 11 أيـلـول :

“هـل سـبـق لي أن وصـفـت لـك الـنّـهـر في لـيـلـة صـيـف حـارّة ؟ فـعـنـد غـروب الـشّـمـس يـظـلّ الـضّـبـاب مـعـلـقـاً فـوق الـمـاء كـشـرائـط بـيـضـاء طـويـلـة، ثـمّ تـبـهـت حـمـرة الـشّـفـق، وتـلـتـمـع أضـواء الـمـديـنـة في جـانـبـيـهـا، يـخـتـرقـهـا الـنّـهـر غـامـق الـلـون، هـادئ الـصّـفـحـة تـعـلـو مـيـاهـه انـعـكـاسـات مـلـيـئـة بـالأسـرار […] ويـنـزلـق عـلـيـهـا بـسـكـون “بـلـم” يـنـبـض في مـقـدمـتـه ضـوء خـافـت، ثـمّ عـدّة قـفـف في كـلّ واحـدة مـنـهـا فـانـوس صـغـيـر، مـلـيـئـة إلى أعـلى حـوافّـهـا بـ “رقّي” سـامـراء … وخـفـفـنـا مـن سـرعـة قـاربـنـا لـكي لا يـعـيـقـهـم رذاذ الـمـاء، ولـكي لا تـطـفئ أمـواج حـركـة قـاربـنـا شـمـوع الـقـرابـيـن الّـتي يـرتـفـع لـهـب كـلّ واحـدة مـنـهـا طـافـيـة فـوق قـطـعـة مـن جـريـد الـنّـخـيـل، ألـقـتـهـا فـوق الـمـاء أيـدٍ قـلـقـة تـأمـل بـالـسّـكـيـنـة. وإذا مـا وصـلـت إلى آخـر مـنـازل الـمـديـنـة مـن غـيـر أن تـنـطفئ فـسـيـتـشـافى الـمـريـض أو سـيـولـد الـطّـفـل سـالـمـاً مـعـافى لـيـدخـل في ظـلام هـذا الـعـالـم الـشّـديـد الـحـرارة الـنّـابـض بـالأضـواء الـخـافـتـة … وهـا قـد أوصـلـتـك الآن إلى شـاطئ الـنّـهـر الّـذي تـصـطـف عـلى حـافـتـه الـنّـخـيـل. وصـفـحـة الـمـاء شـديـدة الـسّـكـون تـمـكّـنـك مـن رؤيـة الـعـقـارب فـيـهـا، والـنّـجـوم … نـجـمـة بـنـجـمـة … وهـا قـد وصـلـنـا إلى الـدّرج الّـذي يـصـعـدنـا إلى دار فـيـصـل”.

وكـانـت عـائـلـة فـيـصـل قـد بـقـيـت في مـكّـة. كـتـبـت الـمـس بـيـل، الّـتي كـان الـبـغـداديـون قـد اسـمـوهـا بـالـخـاتـون، لأبـيـهـا في 24 تـمّـوز 1921، أي قـبـل تـتـويـج فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق :

“طـلـب مـنّي فـيـصـل الـحـضـور وتـكـلّـمـنـا طـويـلاً. سـألـتـه عـن زوجـتـه، الّـتي هي ابـنـه عـمّـه واقـتـرحـت عـلـيـه أن تـأتي لـتـشـغـل مـكـانـتـهـا ويـكـون لـهـا بـلاطـهـا [الّـذي تـسـتـقـبـل فـيـه كـمـلـكـة]. وكـان الـخـجـل يـمـنـعـه عـن الـكـلام في هـذا الأمـر، وهـم [أي الـعـرب] دائـمـاً يـحـاولـون تـحـاشي الـكـلام عـن زوجـاتـهـم. ووافـق عـلى أن نـبـدأ بـإعـداد مـجـيـئـهـا”.

ورغـم أنّ الـعـراق نـصـب مـلـكـاً عـلـيـه وشـكّـل حـكـومـة فـهـو لـم يـكـن بـعـد عـضـواً في “عـصـبـة الأمـم”، ولـم يـكـن لـه كـيـان سـيـاسي مـعـتـرف بـه. ولـهـذا طـلـبـت “عـصـبـة الأمـم” مـن بـريـطـانـيـا أن تـعـلـن انـتـدابـهـا عـلى الـعـراق لـتـكـون مـسـؤولـة عـنـه. ولـكـنّ فـيـصـل كـان يـرفـض الإنـتـداب ولـم يـقـبـل بـعـد بـتـوقـيـع مـعـاهـدة مـع بـريـطـانـيـا خـوفـاً مـن إثـارة الـقـوى الـوطـنـيـة ضـدّه.

ومـرّ عـام 1921، ولـم يـسـتـطـع بـرسي كـوكـس إقـنـاع فـيـصـل بـقـبـول الإنـتـداب أو تـوقـيـع الـمـعـاهـدة. ونـفـد صـبـر ونـسـتـون تـشـرتـشـل، وزيـر الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـاني، فـطـلـب مـن بـرسي كـوكـس وفـيـصـل أن يـأتـيـا لـيـعـرضـا عـلـيـه آراءهـمـا في لـنـدن. ولـكـن بـرسي كـوكـس أفـهـمـه أن الأفـضـل الـتّـوصـل إلى حـلّ في بـغـداد بـالإسـتـمـرار في الـتّـفـاوض مـع فـيـصـل. واسـتـمـرّت الـمـنـاقـشـات والـمـفـاوضـات لإيـجـاد حـلّ يـرضي جـمـيـع الأطـراف.

وبـعـد أن ذهـبـت جـرتـرود بـيـل إلى الـقـدس عـام 1922 لـتـقـضي شـهـري نـيـسـان وأيّـار مـع والـدهـا الّـذي كـان قـد أتى مـن لـنـدن، عـادت إلى بـغـداد وشـرعـت في بـدايـة شـهـر تـمـوّز بـإعـداد قـانـون لـحـمـايـة الآثـار الـقـديـمـة في الـعـراق. (4)

وأصـيـب الـمـلـك فـيـصـل في شـهـر آب بـالـتـهـاب حـادّ لـلـزّائـدة الـدّوديـة ألـزمـه الـفـراش. كـتـبـت الـمـس جـرتـرود لأبـيـهـا في 27 آب 1922 : “هـا قـد مـرّت الأيّـام الـعـشـرة الأكـثـر خـطـراً … وقـد ارتـفـعـت حـرارة [الـمـلـك] في الـمـسـاء، ووقـف قـربـه في الـسّـادسـة صـبـاحـاً خـمـسـة أطـبّـاء، إنـكـلـيـزيـان وثـلاثـة مـن الـعـرب، يـتـنـاقـشـون فـيـمـا إذا كـان مـن الـضّـروري إجـراء عـمـلـيـة جـراحـيـة حـالاً. واتـفـقـوا عـلـيـهـا في الـثّـامـنـة، وانـتـهـوا مـن إجـرائـهـا بـنـجـاح في الـحـاديـة عـشـرة”.

واغـتـنـم الـسّـيـر بـرسي كـوكـس الـفـرصـة لـيـتـنـاقـش مـبـاشـرة مـع رئـيـس الـوزراء. وبـعـد مـنـاقـشـات طـويـلـة وقّـعـت حـكـومـة الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في تـشـريـن الأوّل مـعـاهـدة مـع بـريـطـانـيـا تـخـوّل لـبـريـطـانـيـا الإسـتـمـرار بـالإشـراف عـلى الـسّـيـاسـة الـعـراقـيـة لـمـدة عـشـريـن سـنـة. وأعـلـن الـمـلـك فـيـصـل الأوّل تـوقـيـع الـمـعـاهـدة في 13 مـن ذلـك الـشّـهـر، وأمـر بـإعـداد انـتـخـابـات لاخـتـيـار أعـضـاء مـجـلـس لـلـنّـوّاب لـيـصـادقـوا عـلـيـهـا.

وفي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني، عـيّـن الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، بـمـوافـقـة الـحـكـومـة الـعـراقـيـة الـمـس جـرتـرود بـيـل مـديـرة فـخـريـة لـلآثـار الـعـراقـيـة.

وفي نـفـس الـشّـهـر عـيّـن مـارشـال الـقـوات الـجـويـة Air Marshal الـسّـيـر جـون سـالـمـونـد  Sir John Salmond قـائـداً لـلـقـوّات الـجـوّيـة الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة R A F في الـعـراق والّـتي كـانـت مـهـمـتـهـا الـرّئـيـسـيـة قـمـع انـتـفـاضـات الـعـشـائـر.

ووصـل الـسّـيـر هـنـري دوبـس Sir Henry Dobbs في شـهـر كـانـون الأوّل لـيـشـغـل مـنـصـب الـمـنـدوب الـسّـامي في فـتـرة غـيـاب الـسّـيـر بـرسي كـوكـس وذهـابـه إلى لـنـدن. وكـانـت مـهـمـتـه الإشـراف بـاسـم الـدّولـة الـبـريـطانـيـة عـلى شـؤون الأمـن والـعـلاقـات الـخـارجـيـة لـلـمـلـكـة الـعـراقـيـة.

وقـد طـلـب هـنـري دوبـس مـن الـمـس جـرتـرود بـيـل أن تـقـبـل بـالاسـتـمـرار في شـغـل مـنـصـب “أمـيـنـة سـرّ الـشّـؤون الـشّـرقـيـة Oriental secretary”. ولـكـنّـه لـم يـعـد يـدعـوهـا إلى اجـتـمـاع أسـبـوعي لـمـنـاقـشـة مـا يـنـبـغي اتـخـاذه مـن إجـراءات سـيـاسـيـة كـمـا كـان بـرسي كـوكـس قـد اعـتـاد أن يـفـعـلـه. وأدركـت الـمـس جـرتـرود أن دورهـا الـسّـيـاسي قـد بـدأ يـضـعـف.

وقـد كـتـبـت الـمـس جـرتـرود لأبـيـهـا في 29 آذار 1923 أنّـهـا كـانـت تـعـاني مـن الـتـهـاب الـحـنـجـرة : “أصـبـت بـذلـك في 23 آذار الـمـاضي عـنـدمـا تـعـشّـيـت مـع الـمـلـك، في الـلـيـلـة الّـتي جـرفـت الـمـيـاه فـيـهـا جـسـر مـود، وفي الـسّـبـت تـحـطّـمـت الـسّـدّة حـوالي 27 كـلـم. شـمـال بـغـداد، وغـرقـت الآن مـنـطـقـة سـعـتـهـا حـوالي 480 كـلـم. مـربـع تـحـت الـمـاء. ولـم أقـاوم فـضـولي فـامـتـطـيـت صـهـوة فـرسي وذهـبـت لـرؤيـة فـيـضـان الـمـيـاه […] وبـقـيـت طـويـلاً في الـهـواء الـطّـلـق […] وفي صـبـاح الـيـوم الـتّـالي فـقـدت صـوتي !”.

وفي نـيـسـان مـن عـام 1923، وقـع الـسّـيـر بـرسي كـوكـس مـعـاهـدة مـع الـحـكـومـة الـعـراقـيـة تـخـتـصـر مـدّة الإشـراف عـلى الـسّـيـاسـة الـعـراقـيـة الّـذي عـهـد بـه إلى بـريـطـانـيـا مـن عـشـريـن سـنـة إلى خـمـس سـنـوات. وقـد طـلـب الـسّـيـر بـرسي كـوكـس بـعـد ذلـك إحـالـتـه عـلى الـتّـقـاعـد، وتـرك الـعـراق نـهـائـيـاً في أواخـر الـشّـهـر عـائـداً إلى إنـكـلـتـرة. وعـيّـن الـسّـيـر هـنـري دوبـس رسـمـيـاً مـنـدوبـاً سـامـيـاً عـلى الـعـراق.

واقـتـرح الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي في تـمّـوز مـشـروع دسـتـور لـلـمـلـكـة الـعـراقـيـة (صـدر في آذار عـام 1925 بـعـد أن صـادق عـلـيـه المـلـك فـيـصـل الأوّل).

وفي تـمّـوز/ آب رسـم الـفـنّـان جـون سـنـجـر سَـرجـنـت John Singer Sargent صـورة جـرتـرود بـيـل (زيـت عـلى قـمـاش، 91×5،74 سـم.) خـلال عـطـلـتـهـا الّـتي قـضـتـهـا في إنـكـلـتـرة. ومـا زالـت الـلـوحـة مـحـفـوظـة في جـامـعـة أكـسـفـورد Lady Margaret Hall – University of Oxford. وقـد كـان الـفـنـان سَـرجـنـت أمـريـكي الـجـنـسـيـة، ولـد في إيـطـالـيـا وقـضى مـعـظـم حـيـاتـه في أوربـا وتـوفي في لـنـدن :

Sargent, John Singer, 1856-1925; Gertrude Bell

وقـد عـدّلـت الـمـس جـرتـرود بـيـل وصـيّـتـهـا في شـهـر أيـلـول مـن ذلـك الـعـام، أي 1923، لـتـنـصّ عـلى أن يـعـطى بـعـد وفـاتـهـا مـبـلـغ 6000 بـاونـد لـلـمـتـحـف الـبـريـطـاني لـيـنـشـئ مـدرسـة بـريـطـانـيـة لـلآثـار في الـعـراق     A British School of Archaeologie in Iraq. وقـد بـدأت الـمـس بـيـل في شـهـر تـشـريـن الأوّل بـتـكـويـن مـجـمـوعـة آثـار عـرضـت في غـرفـة مـن غـرف الـسّـراي لـتـكـون نـواة لـمـتـحـف عـراقي.

وفي شـبـاط 1924، جـرى أوّل انـتـخـاب في الـعـراق. وافـتـتـح الـمـلـك فـيـصـل الأوّل في آذار أولى جـلـسـات الـمـجـلـس الـوطـني الـعـراقي.

وصـادقـت عـصـبـة الأمـم في شـهـر أيـلـول عـلى مـعـاهـدة تـحـالـف بـيـن بـريـطـانـيـا والـعـراق. وبـعـد أن صـادق عـلـيـهـا الـمـلـك جـورج الـخـامـس في شـهـر تـشـريـن الـثّـاني صـادق عـلـيـهـا الـمـلـك فـيـصـل الأوّل في كـانـون الأوّل.

وبـعـد أن سـيـطـر ابـن سـعـود عـلى مـكّـة في شـهـر تـشـريـن الأوّل، تـنـازل الـحـسـيـن شـريـف مـكّـة (والـد الـمـلـك فـيـصـل الأوّل) عـن عـرش الـحـجـاز لابـنـه الأمـيـر عـلي.

وشـرع فـيـصـل في ذلـك الـعـام، 1924، بـجـلـب أفـراد عـائـلـتـه إلى بـغـداد. فـأتى بـشـقـيـقـه الأصـغـر زيـد. ثـمّ أتى بـعـد ذلـك بـابـنـه الـوحـيـد غـازي. وكـان غـازي في الـثّـانـيـة عـشـرة مـن عـمـره. كـتـبـت جـرتـرود لأبـيـهـا في 20 آب 1924: “لـم يـسـتـطـع الـمـلـك أن يـخـفي فـرحـه بـأنّ [والـده] الـمـلـك حـسـيـن سـمـح لـغـازي بـأن يـتـرك مـكّـة الّـتي كـان قـد احـتـفـظ بـه فـيـهـا حـتّى الآن. وهـو الآن في عـمّـان. وقـد بـعـث جـلالـتـه مـحـسـن بـك لـيـعـود بـه إلى هـنـا”.

وكـتـبـت في 7 تـشـريـن الأوّل : “الـحـدث الـذّي أثـار اهـتـمـام الـجـمـيـع هـنـا يـوم الـسّـبـت كـان وصـول الأمـيـر غـازي. ووجـدتـه أصـغـر مـمـا كـنـت أتـوقـع أن يـكـونـه صـبي بـهـذا الـعـمـر. ولـه نـفـس وجـه أبـيـه الـنّـحـيـف الـحـسّـاس، ونـفـس تـصـرفـاتـه الـسّـاحـرة، وهـيـبـة خـجـولـة تـجـذب إلـيـه مـن يـراه”.

ولأنّ الـمـلـك فـيـصـل كـان يـرتـدي الـمـلابـس الـحـديـثـة في أكـثـر فـتـرات الـنّـهـار فـقـد أراد أن يـعـوّد ابـنـه عـلى ارتـدائـهـا. وأكـمـلـت جـرتـرود في نـفـس الـرّسـالـة : “وفي الـيـوم الـتّـالي، إسـتـدعـاني إلى الـقـصـر لأسـاعـده في اخـتـيـار مـلابـس لـغـازي. وكـان هـنـاك خـيّـاط إنـكـلـيـزي مـن بـومـبـاي الـهـنـد، واخـتـرنـا نـمـاذج لـقـمـصـان صـغـيـرة وبـذلات […] وجـاء غـازي لـتـؤخـذ مـقـايـيـسـه بـخـلـيـط مـن الـخـجـل والـفـرح”.

وبـدأت جـرتـرود بـيـل بـمـعـانـاة مـشـاكـل صـحـيـة، وذكـرت في رسـالـة كـتـبـتـهـا في 22 تـشـريـن الأوّل أنّـهـا أصـيـبـت بـزكـام وحـمى، وأنّ “سـنـدبـاد”، أي الـدّكـتـور سـنـدرسـن Sinderson، طـبـيـب الـمـلـك فـيـصـل، اعـتـنى بـهـا. ثـمّ نـتـج عـن الـزّكـام الـتـهـاب شـعـيـبي. وقـد تـكـررت هـذه الـحـالات بـعـد ذلـك بـيـن الـحـيـن والـحـيـن.

كـمـا طـلـبـت جـرتـرود أن تـرسـل لـغـازي لـعـب مـن إنـكـلـتـرة. وكـتـبـت في 14 كـانـون الأوّل :

“وصـل الـقـطـار والـجـنـود مـن مـخـازن هـارودس Harrods وقـدمـتـهـا لـغـازي. وقـد أعـجـب خـاصّـة بـالـقـطـار. وهـو يـحـبّ كـلّ مـا فـيـه مـاكـنـة. وقـد أدرك طـرق اسـتـعـمـالـهـا بـسـرعـة أشـدّ بـكـثـيـر مـمـا أدركـنـاه كـلّـنـا … وجـلـسـنـا كـلّـنـا عـلى الأرض نـتـابـع مـسـيـر الـقـطـار عـلى الـسّـكّـة، ونـطـلـق صـيـحـات إعـجـاب”.

ووصـلـت الـمـلـكـة، زوجـة الـمـلـك فـيـصـل إلى بـغـداد في 16 كـانـون الأوّل. وكـتـبـت جـرتـرود في 23 كـانـون الأوّل 1924 : “مـا أسـعـدني أن أخـبـرك بـأنّـهـا شـديـدة الـلـطـف. ولـهـا رقّـة وحـسّـاسـيـة الـهـاشـمـيـيـن […] ورأيـت الـبـنـتـيـن الـكـبـيـرتـيـن. وهـمـا مـثـلـهـا تـمـامـاً، وخـجـولـتـان”، “تـصـوّر حـيـاتـهـنّ عـنـدمـا كـنّ حـبـيـسـات في قـصـر مـكّـة، ولـيـس مـعـهـنّ إلّا خـادمـاتـهـنّ وعـبـداتـهـنّ ! ويـكـفـيـهـنّ سـعـادة هـنـا أن يـجـلـسـن في شـرفـة الـدّار ويـنـظـرن إلى جـمـال نـهـر دجـلـة يـجـري أمـامـهـنّ”.

وكـلّـف الـمـلـك فـيـصـل الـمـس جـرتـرود بـإيـجـاد الـخـيّـاطـات ومـسـاعـدة الـمـلـكـة في اخـتـيـار مـلابـسـهـا ومـلابـس نـسـائـهـا لـتـظـهـر في “قـبـولاتـهـا”. وطـلـبـت جـرتـرود مـن خـيّـاطـتـهـا الـخـاصّـة أن تـتـكـلّـف بـإعـداد ثـيـاب الـمـلـكـة. وكـانـت نـسـاء الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة، كـمـا كـتـبـتـه جـرتـرود يـرتـديـن عـبـاءات الـحـريـر الأسـود عـنـدمـا يـخـرجـن مـن الـقـصـر، ولـكـنّـهـنّ يـخـلـعـنـهـا حـالـمـا يـعـدن إلـيـه.

وكـتـبـت في 31 كـانـون الأوّل أنّ الـمـلـك فـيـصـل كـان قـد اسـتـدعـاهـا لـيـخـبـرهـا أنّـه وافـق عـلى اقـتـراحـهـا بـاخـتـيـار زوجـة مـرافـقـه الـشّـخـصي، جـودت بـك، لـتـنـظّـم أمـور نـسـاء الـقـصـر وتـشـرف عـلـيـهـا : “زوجـة جـودت بـك مـن عـائـلـة شـركـسـيـة راقـيـة جـدّاً اسـتـقـرّت في بـغـداد مـنـذ زمـن طـويـل ويـحـتـرمـهـا الـجـمـيـع”، كـمـا اخـتـار الـمـلـك : “الـمـس فـيـرلي Miss Fairley لـتـشـرف عـلى تـربـيـة الأمـيـر غـازي، وتـعـلّـم الـبـنـات الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة ولـعـب الـتّـنـس والـعـادات الأوربـيـة … وهي فـتـاة طـيـبـة وأنـا سـعـيـدة لأنّـهـا وجـدت وظـيـفـة دائـمـة في الـقـصـر”.

وتـوصـل ابـن سـعـود في كـانـون الأول مـن عـام 1925 إلى إنـزال عـلي بـن الـحـسـيـن، شـقـيـق الـمـلـك فـيـصـل، عـن عـرشـه والإسـتـيـلاء عـلى كـلّ الـحـجـاز. وقـد تـرك الـمـلـك عـلي الـحـجـاز مـتـوجـهـاً إلى الـهـنـد، ثـمّ وصـل إلى بـغـداد لـيـقـيـم فـيـهـا بـقـرب أخـيـه الـمـلـك فـيـصـل.

وكـتـبـت جـرتـرود بـيـل لأبـيـهـا في 25 شـبـاط 1925 : “ذهـبـت أمـس إلى الـقـصـر لأتـمـشّى مـع الـمـلـك الّـذي يـحـتـاج إلى ذلـك لـتـحـسـيـن صـحـتـه، ووجـدت الـبـنـات يـتـابـعـن درس مـوسـيـقى وغـازي في درس إنـشـاء في داره الـصـغـيـرة الـخـاصّـة بـه his own little house. وكـان غـازي قـد حـمّـض مـسـوّدات صـور فـوتـوغـرافـيـة في عـلـبـة الـتّـحـمـيـض الّـتي كـنـت قـد أهـديـتـهـا لـه.[…] وهـو يـصـرّ عـلى أن يـكـلّـمـني بـالإنـكـلـيـزيـة، وهـا أرفـق لـك طـيّـه أوّل رسـالـة كـتـبـهـا بـلـغـتـنـا”.

وقـررت جـرتـرود بـعـد أن ضـعـفـت صـحـتـهـا أن تـعـود إلى إنـكـلـتـرة، ووصـلـت إلى لـنـدن في 17 تـمّـوز “في حـالـة إنـهـاك جـسـدي ونـفـسـاني”، كـمـا كـتـبـتـه زوجـة أبـيـهـا. وذكـر لـهـا الأطـبّـاء الّـذيـن فـحـصـوهـا أنّ حـالـتـهـا الـصّـحـيّـة سـبـبـهـا طـقـس الـعـراق، ونـصـحـوهـا بـأن لا تـرجـع إلى بـغـداد، ولـكـنّـهـا مـع ذلـك رجـعـت إلـيـهـا في الـخـريـف.

وصـاحـبـت الـمـلـك فـيـصـل في سـفـرات صـيـد، وزارت الـمـزرعـة الّـتي اشـتـراهـا عـلى بـعـد حـوالي 23 كـلـم مـن خـانـقـيـن. وقـد دعـاهـا الـمـلـك مـع نـخـبـة مـن أصـدقـائـه لـقـضـاء فـتـرة أعـيـاد الـمـيـلاد في الـمـزرعـة. ، وذهـبـت وجـسـدهـا يـلـتـهـب مـن الـحـمى إلى الـمـزرعـة. وكـتـبـت لأبـيـهـا في 30 كـانـون الأوّل 1925 : “عـانـيـت خـلال الأسـبـوع الـمـاضي مـن زكـام حـاد وصـداع، وبـقـيـت يـومـيـن في الـفـراش”.

وقـد أجـابـت جـرتـرود عـلى طـلـب أبـيـهـا بـأن تـعـود إلى إنـكـلـتـرة في رسـالـة بـعـثـتـهـا في 26 أيّـار 1926 إلى زوجـة أبـيـهـا : “أودّ أن لا تـؤاخـذيـني إن قـلـت لـكِ إنـني لا أسـتـطـيـع تـرك قـطـعي الأثـريـة قـبـل أن يـكـتـمـل تـنـظـيـمـهـا وأتـأكّـد مـن جـودة حـراسـتـهـا … ولـيـس ذلـك لأنّي لـسـت مـشـتـاقـة لـرؤيـتـكـمـا، ولـكـنّي أعـرف أنّـك تـفـهـمـيـن أن هـذا يـعـني أن أتـرك كـلّ مـا قـمـت بـه هـنـا، وسـأجـد نـفـسي إن تـركـتـه ضـائـعـة في هـذا الـعـالـم …”.

وكـتـب لـهـا والـدهـا مـن جـديـد مـلـحّـاً عـلى طـلـبـه بـأن تـعـود إلى إنـكـلـتـرة، وأجـابـتـه جـرتـرود في 2 تـمّـوز : “لـقـد أخـذت عـلى عـاتـقي مـسـؤولـيـة الـمـتـحـف الـشّـديـدة الأهـمـيـة … وقـد ألـحـحـت مـنـذ أكـثـر مـن سـنـة كـامـلـة عـلى أن يـخـصـصـوا لـه بـنـايـة. وقـد شـغـرت بـنـايـة في الـشّـتـاء الـمـاضي، وأعـطـوهـا لـلـمـتـحـف مـع مـبـلـغ كـبـيـر مـن الـمـال لإعـداده. وقـد بـدأت أوّل مـا بـدأت بـإعـادة بـنـاء الـسّـطـح، ثـمّ تـوقـفـت الأعـمـال مـدّة شـهـريـن عـلى الأقـل بـسـبـب فـيـضـان دجـلـة. ولـو لـم أكـن هـنـا لـمـا خـرجـت كـلّ هـذه الـقـطـع الأثـريـة مـن بـاطـن الأرض، ولـو لـم أضـمـن حـمـايـتـهـا. وقـد نـقـلـوهـا كـيـفـمـا اتـفـق إلى الـمـتـحـف، ولا أحـد غـيـري يـسـتـطـيـع أن يـنـظـمـهـا ويـصـنّـفـهـا بـعـد أن غـادر ج.م. ولـسـون J.M. Wilson الـعـراق. وكـلّ هـذا يـتـطـلّـب جـهـوداً هـائـلـة، وبـجـانـب هـذا لا أسـتـطـيـع تـرك مـهـمـتي كـأمـيـنـة سـرّ الـشّـؤون الـشّـرقـيـة … ومـا عـدا أشـغـال الـمـتـحـف تـبـقى الـحـيـاة بـاهـتـة”.

وافـتـتـحـت في 14 حـزيـران 1926 أولى قـاعـات الـمـتـحـف الـعـراقي الّـتي كـانـت جـرتـرود بـيـل قـد أشـرفـت عـلى إعـدادهـا.

وفي مـسـاء الأحـد 11 تـمّـوز 1926،عـادت جـرتـرود إلى دارهـا وقـد أنـهـكـتـهـا حـرارة الـجـوّ الـشّـديـدة، وكـانـت قـد سـبـحـت بـعـد الـظّـهـر. واسـتـلـقـت في الـفـراش طـالـبـة مـن خـادمـتـهـا مـاري أن تـوقـظـهـا في الـسّـادسـة صـبـاحـاً. ولأنّ مـاري كـانـت قـلـقـة مـن سـوء حـالـة جـرتـرود الـصـحـيـة فـقـد دخـلـت غـرفـتـهـا خـلال الـلـيـل ووجـدتـهـا قـد فـارقـت الـحـيـاة.

ولـم يـكـن الـمـلـك فـيـصـل في الـعـراق في تـلـك الـفـتـرة، وكـان أخـوه الـمـلـك عـلي يـحـكـم نـيـابـة عـنـه خـلال غـيـابـه. وقـد أمـر الـمـلـك عـلي حـالاً بـإعـداد تـشـيـيـع عـسـكـري يـلـيـق بـالـخـاتـون. ولـفّ تـابـوتـهـا بـالـعـلـمـيـن الـبـريـطـاني والـعـراقي بـعـد ظـهـر يـوم 12 تـمّـوز ووضـع عـلى سـيّـارة تـبـعـهـا الـمـلـك عـلي ورئـيـس الـوزراء والـمـنـدوب الـسّـامي وكـلّ الـمـسـؤولـيـن الـسّـيـاسـيـيـن والـعـسـكـريـيـن وأعـداد كـبـيـرة مـن أهـل بـغـداد، ودفـنـت في الـمـقـبـرة الـبـريـطـانـيـة الّـتي كـانـت آنـذاك خـارج أسـوار بـغـداد.

وأقـيـم عـلى روحـهـا قـدّاس في لـنـدن، في كـنـيـسـة الـقـدّيـسـة مـارغـريـت في الـويـسـت مـنـسـتـر. وشـارك الـوزراء في إحـيـاء ذكـراهـا في الـبـرلـمـان الـبـريـطـاني.

وقـد نـشـرت Dame Florence، زوجـة والـد الـمـس في شـهـر آب في لـنـدن : “رسـائـل جـرتـرود بـيـل The Letters of Gertrude Bell “، وأقـامـت حـفـلـة عـشـاء في ذكـراهـا في لـنـدن دعـت إلـيـهـا الـمـلـك فـيـصـل الأوّل ورئـيـس الـوزراء جـعـفـر الـعـسـكـري والـسّـيـر بـرسي كـوكـس وزوجـتـه والـسّـيـر هـنـري دوبـس وزوجـتـه …

وفي عـام 1930،أزاح الـمـلـك فـيـصـل الـسّـتـار عـن لـوحـة بـرونـزيـة يـعـلـوهـا تـمـثـال نـصـفي في الـمـتـحـف الـعـراقي في ذكـرى جـرتـرود بـيـل. (5)

وفي عـام 1932، أسـس الـمـتـحـف الـبـريـطـاني “الـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لـلآثـار في الـعـراق  The British School of Archaeologie in Iraq تـنـفـيـذاً لـوصـيـة جـرتـرود بـيـل الّـتي كـانـت قـد خـصـصـت 6000 بـاونـد لـذلـك. وقـد أضـاف والـدهـا الـسّـيـر هـيـو بـيـل عـلـيـهـا 4000 بـاونـد.

وفي عـام 1947، ضـمـنـت الـخـزيـنـة الـبـريـطـانـيـة تـكـالـيـف الـبـعـثـة الأثـريـة الّـتي أرسـلـتـهـا الـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لـلآثـار في الـعـراق، وأنـشـأت لـهـا مـركـزاً في بـغـداد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إعـتـمـدت في كـتـابـة هـذا الـمـوضـوع عـلى عـدد مـن الـمـصـادر مـن أهـمـهـا رسـائـل جـرتـرود بـيـل :

The Letters of Gertrude Bell, selected by Lady Bell, DBE, first publication, Ernest Benn Limited, London, September 1927

وكـتـاب جـورجـيـنـا هـويـل عـن جـرتـرود بـيـل :

A Woman in Arabia, The Writings of the Queen of the Desert

(2) أنـظـر مـقـالي : فـيـصـل وجـرتـرود ــ الـقـسـم الأوّل

(3) يـقـول الـعـراقـيـون : “آب الـلـهّـاب، يـحـرق الـمـسـامـيـر في الأبـواب”.

(4) أنـظـر مـقـالي : بـدايـة اهـتـمـام الـعـراقـيـيـن بـآثـارهـم الـقـديـمـة

(5)  أنـظـر مـقـالي :  تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

أسـد بـابـل

توما أسد بابل

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

سـمـعـت عـنـدمـا كـنـت صـبـيـاً أنّ رأس أسـد بـابـل الـصّـخـري حـطّـمـه الـمـنـقّـبـون الألـمـان بـحـثـاً عـن الـذّهـب الّـذي ظـنّـوا أنّـه كـان يـحـتـويـه، ثـمّ أكّـد لـنـا مـدرس الـتّـاريـخ في الـسّـنـة الـخـامـسـة الـثّـانـويـة ذلـك بـإسـهـاب وبـتـفـاصـيـل دقـيـقـة، فـسـلّـمـت بـالأمـر واعـتـبـرتـه مـن الـحـقـائـق الـتّـاريـخـيـة الّـتي لا تـقـبـل الـمـنـاقـشـة. وقـد نـقـلـتـه أنـا نـفـسي بـعـد ذلـك إلى تـلامـيـذي عـنـدمـا بـدأت أدرّس.

ومـا أشـدّ مـا كـانـت دهـشـتي عـنـدمـا اكـتـشـفـت بـعـد ذلـك أنـني تـعـلّـمـت اخـتـلاقـات لا صـحـة لـهـا، وأنّ رأس أسـد بـابـل كـان قـد تـحـطّـم قـبـل أكـثـر مـن قـرن مـن بـدء الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل !  (1)

إخـراج أسـد بـابـل مـن بـاطـن الأرض :

نـجـد أوّل ذكـر لأسـد ضـخـم الـحـجـم نـحـت في صـخـر الـغـرانـيـت وعـثـر عـلـيـه في مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة في مـقـال نـشـره الـفـرنـسي جـوزيـف دو بـوشـام Joseph de Beauchamp عـام 1790 في جـريـدة الـعـلـمـاء Journal des Savants في بـاريـس. (2)

وكـان بـعـض أهـل الـحـلّـة قـد ذكـروا لـه أنـهـم كـانـوا قـد وجـدوا صـنـمـاً مـدفـونـاً في بـاطـن الأرض. وبـعـد أن أخـذوه إلى الـمـكـان وحـفـروه لـه مـيّـز في أعـمـاق الـحـفـرة تـمـثـال أسـد.

وكـتـب الـبـريـطـاني كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش Claudius James RICH   الّـذي تـعـودنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـكـلـوديـوس جـيـم  ريـج (3) عـام 1817 سـرد رحـلـتـه الـثّـانـيـة الّـتي كـان قـد قـام بـهـا قـبـل ذلـك واسـتـطـلـع خـلالـهـا مـوقـع بـابـل. ونـشـر الـنّـص في لـنـدن في الـعـام الـتّـالي 1818 تـحـت عـنـوان :  Memoir on the Ruins of Babylon, Volume 2

ويـذكـر كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش في ص. 24 مـن كـتـابـه :

“واكـتـشـفـت مـا لـم يـسـتـطـع بـوشـام أن يـراه بـوضـوح، وفـهـم مـن أهـل الـبـلـد أنّـه صـنـم. وأخـبـروني بـنـفـس الـشّئ، وأنّ رجـلاً عـجـوزاً مـن الـعـرب عـثـر عـلـيـه عـنـدمـا كـان يـحـفـر. وبـعـد أن رآه دفـنـه مـن جـديـد.

وبـعـثـت مـن يـأتي لي بـهـذا الـرّجـل الّـذي أراني الـمـكـان. واكـتـريـت عـدداً مـن الـرّجـال لـيـحـفـروه. وبـعـد أن جـهـدوا في عـمـلـهـم يـومـاً كـامـلاً أزاحـوا مـا يـكـفي مـن الـتّـراب، ورأيـنـا أسـداً هـائـل الـحـجـم عـلى قـاعـدة، مـنـحـوتـاً في نـوع سئ مـن الـغـرانـيـت الـرّمـادي بـصـنـعـة رديـئـة. وكـانـت في فـمـه فـتـحـة دائـريـة يـمـكـن لـلـمـرء أن يـدخـل فـيـهـا قـبـضـتـه”.

وقـد رآه الـكـابـتـن الـبـريـطـاني جـورج كـيـبـل Captain George Keppel عـام 1824. وقـد فـصّـل في وصـف ذلـك في كـتـابـه الّـذي نـشـره في فـيـلادلـفـيـا عـام 1827 (ص. 122) (4). وبـعـد أن تـكـلّـم عـن شـجـرة وسـط الـخـرائـب، كـتـب :                                                                                         “وقـرب هـذه الـشّـجـرة، رأيـنـا آثـاراً لـتـمـثـال كـان قـد أبـصـر بـه بـوشـام وريـتـش Beauchamp and Rich ، ولـكـنّـهـمـا لـم يـتـمـعـنـا الـنّـظـر إلـيـه عـن كـثـب  Had been imperfectly seen. وطـلـبـنـا مـن رجـالـنـا الـبـدء في الـحـفـر. وبـعـد سـاعـتـيـن، وجـدوا مـنـحـوتـة هـائـلـة الـحـجـم مـن رخـام أسـود تـمـثّـل أسـداً جـاثـمـاً عـلى رجـل. وكـان الـتّـمـثـال مـكـتـمـلاً عـنـدمـا رآه ريـتـش، ولـكّـنـه تـحـطّـم الآن. وطـول الـقـاعـدة مـثـل ارتـفـاع الـتّـمـثـال وعـرضـه مـقـايـيـسـهـا تـسـعـة أقـدام.

“وربّـمـا اسـتـطـعـت اقـتـراح تـفـسـيـر، فـربّـمـا كـان هـذا يـمـثـل دانـيـال في جُـبّ الأسـود (5) وأنّ هـذا الـتّـمـثـال كـان مـنـتـصـبـاً أمـام بـوابـة الـقـصـر أو أمـام الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة. فـمـن الـطّـبـيـعي أن نـتـصـور أن مـعـجـزة مـثـل تـلـك الـمـعـجـزة لا يـمـكـن إلّا أن يـحـتـفـل بـهـا الـبـابـلـيـون خـاصـة وأنّ دانـيـال أصـبـح بـعـدهـا حـاكـم الـمـديـنـة”.

ومـن هـذا نـرى أنّ رأس الأسـد تـحـطّـم بـيـن عـامي 1817، الّـذي رآه فـيـه ريـتـش كـامـلاً، و 1824 الّـذي رآه فـيـه كـيـبـل مـحـطّـمـاً. كـمـا نـلاحـظ أنّ كـيـبـل كـان يـعـتـبـر الأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة حـقـائـق تـاريـخـيـة.

وقـد وضـع كـيـبـل في كـتـابـه رسـمـاً لأسـد بـابـل أكـمـل فـيـه بـالـتّـنـقـيـط الـجـزء الـمـحـطّـم كـمـا تـصـوّره :

lion Keppel

وذكـر روبـرت مـيـنـيـان Robert Mignan في ص. 186 مـن كـتـابـه “سـفـرات في بـلاد الـكـلـدان Travels in Chaldea” الـذي نـشـر في لـنـدن عـام 1829، أنّـه رأى، عـنـدمـا زار بـابـل في 1827 : “أسـداً مـطـروحـاً عـلى جـانـبـه الأيـمـن، وتـحـتـه رجـل سـاجـد prostrate، عـلى قـاعـدة طـولـهـا تـسـعـة أقـدام 9 feet، وعـرضـهـا ثـلاثـة أقـدام، مـنـحـوت في صـخـر الـغـرانـيـت. والـتّـمـثـال وقـاعـدتـه مـنـحـوتـان بـأسـلـوب شـديـد الـبـدائـيـة very barbarous. وقـد حـطّـم الـنّـاس رأسـه مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة، دفـعـهـم لـذلـك عـنـف هـمـجي. فـقـد رأى مـسـتـر ريـتـش Mr. Rich الأسـد مـكـتـمـلاً عـنـدمـا زار بـابـل. ولاحـظ أنّـه كـان في فـمـه فـتـحـة دائـريـة واسـعـة يـمـكـن لـلـمـرء أن يـدخـل فـيـهـا قـبـضـتـه”. (6)

وقـد وصـل الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد Austen Henry Layard إلى بـابـل في عـام 1850 لـيـقـوم فـيـهـا بـبـعـض الـحـفـريـات الأثـريـة. وكـان قـد نـقّـب في بـلاد آشـور مـنـذ عـام 1845.  وقـد رأى لَـيـارد أسـد بـابـل وكـتـب عـنـه :

“والأسـد الّـذي وصـفـه ريـتـش Rich مـا زال مـدفـونـاً إلى نـصـفـه وسـط أنـقـاض الـخـرائـب. والـحـيـوان جـاثـم عـلى رجـل يـرفـع ذراعـيـه، مـمـا خـيّـل لـبـعـض الـمـسـافـريـن بـأنّـه يـمـثـل دانـيـال في جـبّ الأسـود. والـتّـمـثـال مـنـحـوت في صـخـر الـبـازلـت الأسـود. وهـو إمّـا أن يـكـون قـدّ نـفّـذه بـدائي لـيـس لـه بـراعـة في الـفـنّ أو أنّ نـحّـاتـه لـم يـكـمـل عـمـلـه. وهـو لا يـسـتـحـق أن يـخـرج مـن مـكـانـه” (8)

ومـع ذلـك أخـرجـه مـن مـكـانـه عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أرسـلـتـهـم الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة في بـعـثـة عـلـمـيـة لـلـتّـنـقـيـب عـن آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن   (Expédition scientifique en Mésopotamie). وكـان يـتـرأسـهـم فـولـجـنـس فـريـنـيـل Fulgence Fresnel . وقـد وصـلـوا إلى بـابـل في تـمّـوز 1851. وبـعـد أن أخـرجـوا أسـد بـابـل مـن تـحـت أنـقـاض الـخـرائـب، نـفّـذ لـه فـلـيـكـس تـومـا  Félix Thomas، الّـذي صـاحـب الـبـعـثـة كـمـهـنـدس مـعـمـاري، رسـمـيـن بـالـقـلـم الـرّصـاص عـلى ورق مـقـوّى (18×25 سـم.)، واحـد لـكـلّ مـن جـانـبـيـه. وأُلـحـق الـرّسـمـان بـالـتّـقـريـر رقـم 11 الّـذي أرسـلـتـه الـبـعـثـة إلى بـاريـس (7) :

img488

ومـرّ الـجـغـرافي الـفـرنـسي غـلـيـوم لـوجـان Guillaume LEJEAN في عـام 1862 بـالـعـراق في طـريـقـه إلى الـهـنـد. وزار بـابـل، ورأى الأسـد مـدفـونـاً إلى نـصـفـه في بـاطـن الأرض.

وفي عـام 1867 نـشـر مـقـالاً في مـجـلـة “حـول الـعـالـم Tour du Monde” الـبـاريـسـيـة عـنـوانـه : “سـفـرة في بـلاد بـابـل Voyage dans la Babylonie”. وقـد وضـع فـيـه عـمـلاً غـرافـيـكـيـاً نـفّـذه A. de Bar إعـتـمـاداً عـلى رسـم خـطـطـه الـمـؤلـف في الـمـوقـع :

وعـنـدمـا زار الأمـريـكي ولـيـام بـيـري فـوغ William Perry FOGG الـعـراق عـام 1874 ذهـب إلى بـابـل ورأى خـرائـب زقـورة بـيـرس نـمـرود (مـوقـع بـيـرسـبـا الـقـديـمـة). وظـنّ، مـثـل عـدد مـن الـغـربـيـيـن قـبـلـه، أنّـهـا بـقـايـا (مـجـدل بـابـل) أي بـرج بـابـل الّـذي ذكـرتـه الأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة.

وذكـر في الـصّـفـحـة 273 مـن كـتـابـه الّـذي نـشـره في لـنـدن في الـعـام الـتّـالي (9) :

“ومـا زلـنـا نـرى مـطـروحـاً عـلى الأرض أسـد صـخـري ضـخـم كـان قـد وصـفـه ريـتـش Rich. وهـو غـائـر إلى نـصـفـه في الـتّـراب. وقـد تـصـوّر بـعـض مـن رأوه أنّـه يـمـثّـل دانـيـال في جُـبّ الأسـود فـهـو يـجـثـم عـلى رجـل مـدّ ذراعـيـه”.

ووضـع عـمـلاً طـبـاعـيـاً لـم يـنـفّـذ اعـتـمـاداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة، فـقـد كـان أسـد بـابـل كـمـا ذكـر مـدفـونـاً إلى نـصـفـه في الـتّـراب. ولا شـكّ في أنّـه اعـتـمـد عـلى رسـوم نـشـرت قـبـلـه لـلـتّـمـثـال :

فوغ أسد بابل

وعـنـدمـا زارت الـفـرنـسـيـة جـان ديـولافـوا Jane Dieulafoy بـابـل في 25 كـانـون الأوّل مـن عـام 1881 مـع زوجـهـا عـالـم الآثـار مـارسـيـل ديـولافـوا، رأت أسـد بـابـل الّـذي كـان يـرقـد عـلى جـانـبـه في حـفـرة، ووصـفـتـه بـأنّـه : “أسـد مـن حـجـر الـبـازلـت نـحـت بـصـنـعـة بـدائـيـة، شـديـدة الـبـربـريـة، مـدفـون وسـط أنـقـاض الـخـرائـب”.

ووضـعـت في كـتـابـهـا الّـذي نـشـرتـه عـام 1887 عـمـلاً طـبـاعـيـاً نـفّـذ اعـتـمـاداً عـلى صـورة فـوتـوغـرافـيـة كـانـت قـد الـتـقـطـتـهـا لـه (10) :

Lion de Babylone

وقـد وصـلـت أوّل بـعـثـة تـنـقـيـبـات أثـريـة ألـمـانـيـة إلى بـابـل عـام 1899. وكـان يـتـرأسـهـا روبـرت كـولـدفـيـه Robert Koldeway. ووجـدت تـمـثـال الأسـد في الـحـفـرة. وأخـرجـه عـمـال الـتّـنـقـيـبـات مـنـهـا.

 

ولـديـنـا صـورة فـوتـوغـرافـيـة لـعـمـال الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة يـشـيـدون مـنـصّـة يـثـبّـتـون عـلـيـهـا الأسـد بـعـد أن أخـرجـوه مـن بـاطـن الأرض :

وصـورة أخـرى لـعـالـم الآثـار الألـمـاني روبـرت كـولـدفـيـه مـمـتـطـيـاً الأسـد :

كولدفيه على أسد بابل

ونـلاحـظ في هـذه الـصّـورة اكـتـمـال تـشـيـيـد الـمـنـصّـة الـواطـئـة الّـتي ثـبّـت عـلـيـهـا الـتّـمـثـال.

ولـديـنـا رسـم بـالألـوان الـمـائـيـة عـلى ورق (25،5 × 35،5 سـم.) نـفّـذه عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه Walter Andrae عـام 1902. وكـان روبـرت كـولـدفـيـه قـد اخـتـار فـالـتـر أنـدريـه لـيـسـاعـده في تـنـقـيـبـات بـابـل.

ويـظـهـر الأسـد في يـسـار الـجـزء الـعـلـوي مـن الـرّسـم كـمـا وضـع في مـكـانـه فـوق “تـلّ الـقـصـر” بـيـنـمـا نـلاحـظ أنّ جـدران الـقـصـر قـد أزيـحـت مـن حـولـهـا أطـنـان مـن الـتّـراب، فـقـد كـان الـتّـلّ الّـذي يـغـطـيـهـا يـرتـفـع إلى مـسـتـوى الأسـد :

ويـذكـر فـالـتـر أنـدريـه أنّ طـول الـتّـمـثـال حـوالي مـتـريـن ونـصـف، وأنّ طـولـه يـعـادل ارتـفـاعـه تـقـريـبـاً. ويـرتـكـز الـتّـمـثـال عـلى قـاعـدة صـخـريـة يـجـثـم الأسـد فـوقـهـا عـلى رجـل مـسـتـلـقٍ تـحـتـه. (11)

ولا شـكّ في أنّ الـبـعـثـة الألـمـانـيـة أكـمـلـت إخـراج تـمـثـال الأسـد مـن بـاطـن الأرض ونـصـبـه واقـفـاً وتـشـيـيـد الـمـنـصّـة الـواطـئـة الّـتي ثـبّـت عـلـيـهـا بـيـن عـام وصـولـهـا إلى بـابـل في 1899 وبـيـن عـام 1902 الّـذي نـفّـذ فـيـه فـالـتـر أنـدريـه هـذا الـرّسـم.

وتـظـهـر الـصّـور الّـتي تـنـتـمي إلى مـجـمـوعـة الأمـريـكي إريـك مـاتـسـون Eric Matson (12) ، والّـتي الـتـقـطـت عـام 1932، الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً عـلى قـاعـدة عـالـيـة تـرتـفـع حـوالي مـتـريـن، شـيّـدت بـالإسـمـنـت :

ويـعـود تـشـيـيـد هـذه الـقـاعـدة إذن إلى الـفـتـرة الّـتي كـان الـبـريـطـانـيـون يـشـرفـون خـلالـهـا عـلى الآثـار الـعـراقـيـة. وهـنـاك مـشـاريـع في أيّـامـنـا هـذه لـتـرمـيـمـهـا، فـقـد أصـبـحـت بـقـدرة قـادر جـزءاً مـن “مـعـالـم تـاريـخـنـا الـحـضـاري” !

مـتى نـحـت الأسـد :

لـم يـتّـفـق الـمـخـتـصّـون عـلى تـاريـخ نـحـت الـتّـمـثـال، فـبـيـنـمـا يـعـتـقـد بـعـضـهـم أنّـه لا يـمـكـن أن يـكـون مـن فـتـرة أقـدم مـن بـدايـة الـتّـاريـخ الـمـيـلادي لـرداءة صـنـعـتـه وسـوء نـحـتـه، ولـهـذا لا يـمـكـن أن يـقـارن بـالـمـنـحـوتـات الـبـابـلـيـة الـبـاهـرة الـصّـنـعـة. وعـلى كـلّ حـال فـأسـلـوبـه، إن كـان لـه أسـلـوب، مـخـتـلـف عـن أسـالـيـب الـنّـحـت الـبـابـلي.

ويـعـتـقـد الـكـثـيـرون مـنـهـم في أيّـامـنـا هـذه أنّ تـاريـخ نـحـتـه يـمـكـن أن يـعـود إلى الـقـرن الـتّـاسـع أو الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، ربّـمـا إلى فـتـرة ازدهـار الـدّولـة الـحـيـثـيـة. جـلـبـه نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني أو أحـد الـمـلـوك الّـذيـن حـكـمـوا بـعـده كـغـنـيـمـة حـرب عـاد بـهـا مـن مـنـطـقـة الأنـاضـول إلى بـابـل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يـجـد الـقـارئ عـنـدمـا يـبـحـث عـن “أسـد بـابـل” عـلى الانـتـرنـت مـقـالاً في “ويـكـيـبـيـديـا” يـبـدأ بـخـطـأيـن : ” وهو تمثال لأسد عثر عليه في مدينة بابل الأثرية في العراق في سنة 1776 من قبل بعثة حفريات أثرية ألمانية”. والـحـقـيـقـة أنّ الـتّـمـثـال عـثـر عـلـيـه أهـل الـبـلـد وذكـره الـفـرنـسي جـوزيـف دو بـوشـام في عـام 1790، أمّـا أوّل بـعـثـة تـنـقـيـبـات أثـريـة ألـمـانـيـة فـقـد بـدأت أعـمـالـهـا في بـابـل عـام 1899 !  ونـجـد نـفـس الـخـطـأيـن في نـفـس الـمـقـال الـمـتـرجـم إلى الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة !

(2) عـيّـن بـيـيـر جـوزيـف دو بـوشـام Pierre- Joseph de BEAUCHAMP عـام 1781 في مـنـصـب “كـبـيـر قـسـسـة” بـابـل، أي الـمـسـؤول الـدّيـني الـعـام لـبـغـداد. وقـد وصـل إلى بـغـداد في 1782.

وفي خـلال سـنـواتـه الـعـشـر الّـتي قـضـاهـا في الـعـراق تـوصّـل إلى نـتـائـج مـهـمـة في عـلـم الـفـلـك، فـقـد رصـد في بـغـداد مـثـلاً مـرور عـطـارد أمـام الـشّـمـس. وكـان حـدثـاً نـادراً لـم يـرصـد في بـاريـس. كـمـا رسـم خـارطـة لـمـجـرى دجـلـة والـفـرات مـن أعـلى ديـار بـكـر حـتّى الـبـصـرة.

وقـد تـجـوّل في مـوقـع بـابـل ومـا حـولـه وجـمـع مـعـلـومـات مـن الـنّـاس، وسـجّـل خـطـوط طـول مـوقـع الـحـلّـة وعـرضـه بـآلات كـانـت حـديـثـة في ذلـك الـزّمـان. وهـكـذا شـكّ في أن يـقـع “بـرج بـابـل” في “تـلّ بـابـل”. ورسـم خـارطـة لـمـنـطـقـة بـابـل.

ويـذكـر دو بـوشـام في مـقال نـشـره في جـريـدة الـعـلـمـاء عـام 1790، (ص. 208) أنّ بـنّـاءً مـن أهـل مـنـطقـة بـابـل أخـبـره أنّـه كـان قـد وجـد صـدفـة في خـرائـبـهـا غـرفـة يـغـطي جـدرانـهـا طـابـوق مـزجـج عـلـيـه رسـوم بـقـرة وشـمـس وقـمـر. ويـذكـر إبـصـاره بـتـمـثـال أسـد في أعـمـاق حـفـرة.

(3)  كـان ريـتـش قـد عـيّـن في 1807 وكـيـلاً عـامـاً لـشـركـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد، وقـنـصـلاً لـبـريـطـانـيـا فـيـهـا. وظـلّ في مـنـصـبـه إلى 1821 خـلال ولايـات سـلـيـمـان بـاشـا وسـعـيـد بـاشـا وداود بـاشـا، وتـجـوّل بـيـن بـغـداد وكـردسـتـان وإيـران، وزار أطـلال بـابـل ونـيـنـوى ودرسـهـا بـمـنـهـجـيـة مـتـمـعـنـة، وقـام بـقـيـاسـات دقـيـقـة.

وقـد قـام بـأوّلى زيـاراتـه لـبـابـل في 1811. وكـان يـريـد أن يـرسـم مـخـطـطـاً لـلـمـديـنـة لـيـضـع عـلـيـه أمـاكـن مـعـالـمـهـا الـمـشـهـورة.

وقـد كـتـب نـتـائـج أبـحـاثـه في بـغـداد عـام 1812، ونـشـرهـا في كـتـاب في الـنّـمـسـا، في 1813: « Memoir on the Ruines of Babylon »، ثـمّ أعـاد طـبـعـه في لـنـدن في 1816. وربّـمـا كـانـت الـخـارطـة الّـتي رسـمـهـا ريـتـش لـمـوقـع بـابـل أهـمّ مـا حـقـقـه في هـذه الـفـتـرة فـقـد كـانـت أوّل خـارطـة دقـيـقـة رسـمـت في الـمـوقـع نـفـسـه وكـثـيـراً مـا اسـتـعـمـلهـا مـن جـاءوا بـعـده.

وقـد أدرك ريـتـش أنّ دراسـة آثـار بـابـل تـتـطـلّـب وقـتـاً وجـهـوداً طـويـلـة فـاكـتـفى بـوصـفـهـا ورسـمـهـا ولـم يـفـرض نـظـريـات عـنـهـا ونـتـائـج قـاطعـة.

ودفـعـت قـراءة كـتـاب ريـتـش عـن بـابـل كـثـيـراً مـن الأوربـيـيـن لـزيـارة الـمـوقـع، وقـد تـرك لـنـا بـعـضهـم نـصـوصـاً ورسـومـاً عـنـه.

(4) Personnal Narrative of a journey from India to England by Bussorah, Bagdad, the ruines of Babylone … in the year 1824. Philadelphia, 1827

(5) يـذكـر سِـفـر دانـيـال الّـذي أضـيـف إلى أسـفـار الـعـهـد الـقـديـم، أي الـتّـوراة ومـا ألـحـق بـهـا أنّ نـبـوخـذ نـصـر ألـقى دانـيـال في جُـبّ الأسـود فـلـم تـمـسّـه بـسـوء، ثـمّ اسـتـطـاع اكـتـسـاب ثـقـة الـمـلـك بـمـعـرفـتـه لـتـفـسـيـر الأحـلام. وجـعـلـه نـبـوخـذ نـصـر حـاكـمـاً … وهـذه الأسـاطـيـر لـيـس لـهـا أصـل تـاريـخي. وقـد تـوصـلـت الـدّراسـات الـحـديـثـة إلى أنّ الـسِّـفـر أضـيـف في حـوالي عـام 150 قـبـل الـمـيـلاد، وكـتـب أغـلـب نـصّـه بـالـلـغـة الآرامـيـة.

(6) Captain Robert MAGNAN, Travels in Chaldea, including a journey from Bassora to Bagdad, Hillah and Babylon, performed on Foot in 1827, with Observations on the Site of Babel, Seleucia and Ctesiphon, London, Henry Colburn and R. Bentley 1829.

(7) Expédition scientifique en Mésopotamie exécutée par ordre du gouvernement de 1851 à 1854 par mm. Fulgence Fresnel, Félix Thomas et Jules Oppert publiée sous les auspices de son excellence m. le ministre d’état par Jules Oppert Relation du voyage et résultats de l’expédition, Paris 1863.

(8) Austen Henry Layard ,Discoveries Among the Ruins of Nineveh and Babylon: With Travels in Armenia … London 1853, p.412

(9) William Perry FOGG,  Arabistan, or The Land of Arabian Nights,Travels Through Egypt, Arabia, and Persia To Baghdad, London 1875.

وأنـظـر مـقـالي : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

(10) Jane Dieulafoy, La Perse, le Chaldée et la Susiane, Paris 1887.

وأنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

(11) Boehmer, Bilder eines Ausgräbers, Berlin 1989.

وأنـظـر مـقـالي : فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

(12) أنـظـر مـقـالي : صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.