مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كـتـبـت جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell الّـتي كـانـت تـعـمـل في سـكـرتـاريـة الـمـنـدوب الـسّـامي في بـغـداد، في 7 تـشـريـن الـثّـاني مـن عـام 1923 إلى زوجـة أبـيـهـا :

“لـديـنـا هـنـا رجـل شـديـد الـهـمّـة اسـمـه مـكـنـزي Mackenzie أنـشـأ مـكـتـبـة مـمـتـازة ومـزدهـرة. وقـد كـان كـتـبـيـاً قـبـل الـحـرب ويـعـرف كـلّ شئ عـن الـكـتـب. ومـكـتـبـتـه مـن بـيـن أكـثـر مـا يـثـيـر الإعـجـاب في بـغـداد، ويـشـتـري الـكـلّ كـتـبـهـم فـيـهـا”.(1)

وذكـرت الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت Ida Staudt الّـتي وصـلـت إلى بـغـداد مـع زوجـهـا في عـام 1924 :

“ومـا يـثـبـت الإهـتـمـام الّـذي يـولـيـه أهـل بـغـداد لـطـرق الـتّـفـكـيـر الـحـديـثـة ارتـيـادهـم لـمـكـتـبـة لا تـبـيـع إلّا كـتـبـاً إنـكـلـيـزيـة. وكـانـت هـذه الـمـكـتـبـة الـمـهـمّـة قـد فـتـحـت قـبـل وصـولـنـا إلى بـغـداد. ويـقـال إنّ مـكـتـبـة مـكـنـزي هـذه أضـخـم دار بـيـع كـتـب إنـكـلـيـزيـة في كـلّ أرجـاء الـعـالـم الّـتي تـقـع شـرق بـرلـيـن. ونـجـد عـلى رفـوفـهـا أفـضـل الـكـتـب في الـتّـاريـخ والآداب والـعـلـوم والإقـتـصـاد والـفـلـسـفـة والأديـان. ولـم تـكـن تـحـتـوي لـمـدة طـويـلـة عـلى أي كـتـاب سـردي حـديـث”.

(أنـظـر مـقـالي :إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947 ).

 

ولـكـن مـن كـان مـكـنـزي هـذا ؟ ومـتى وصـل إلى بـغـداد وفـتـح مـكـتـبـتـه فـيـهـا ؟

ولـد كـيـنـيـث مـكـنـزي Kenneth MacKenzie في إسـكـوتـلـنـدة سـنـة 1880. وفي عـام 1901، فـتـح مـكـتـبـة صـغـيـرة في لـنـدن، ثـمّ قـاتـل في صـفـوف الـقـوات الـبـريـطـانـيـة عـلى الـجـبـهـة الـفـرنـسـيـة خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وجـرح فـيـهـا.

وقـد وصـل كـيـنـيـث مـكـنـزي إلى بـغـداد بـعـد نـهـايـة الـحـرب عـام 1918. ويـبـدو أنّ هـمـفـري بـومـان  Humphrey Bowman  الّـذي كـان مـديـراً لـلـمـعـارف في بـغـداد مـن 1918 إلى 1920 هـو الّـذي اقـتـرح عـلـيـه أن يـأتي إلى بـغـداد لـفـتـح مـكـتـبـة فـيـهـا عـنـدمـا الـتـقى بـه في لـنـدن.

وقـد فـتـح مـكـنـزي أوّلاً، مـكـتـبـة “حـكـومـيـة” في بـنـايـة الـسّـراي، أسـمـيـت   Government bookshop.

وبـعـد انـتـهـاء الـحـكـم الـعـسـكـري الـبـريـطـاني وتـأسـيـس الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة عـام 1921، حـصـل كـيـنـيـث مـكـنـزي عـلى احـتـكـار مـن وزارة الـمـعـارف لاسـتـيـراد الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة لـلـمـدارس الـعـراقـيـة.

ولـم تـكـن مـكـتـبـة مـكـنـزي الـوحـيـدة في بـغـداد الّـتي تـبـيـع الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة في تـلـك الـفـتـرة، فـقـد بـدأت عـدّة مـكـتـبـات يـمـتـلـكـهـا يـهـود بـجـلـب كـتـب إنـكـلـيـزيـة، ولـكـن مـكـتـبـة مـكـنـزي كـانـت الـوحـيـدة الـمـتـخـصـصـة بـهـا، والّـتي كـانـت تـتـوجـه في بـدايـتـهـا لـلـبـريـطـانـيـيـن الّـذيـن ازدادت أعـدادهـم فـيـهـا بـعـد احـتـلال قـوّاتـهـم لـهـا في 11 آذار 1917.

وتـزوّج كـيـنـيـث مـكـنـزي بـعـد ذلـك بـقـلـيـل بـاسـكـتـلـنـديـة أتى بـهـا إلى بـغـداد. ولا نـعـرف في أيّ عـام بـالـضـبـط وصـل دونـالـد مـكـنـزي شـقـيـق زوجـة كـيـنـيـث إلى بـغـداد. ولـكـن يـبـدو أنّ ذلـك كـان بـدعـوة مـن كـيـنـيـث. وقـد قـرأت أنّـه تـرك إسـكـوتـلـنـدة عـام 1924 إلى كـنـدا، وأنّـه وصـل إلى بـغـداد عـام 1925.

وأنـهـت حـكـومـة الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة عـقـدهـا مـع مـكـنـزي لإدارة الـمـكـتـبـة الـحـكـومـيـة عـام 1925. وقـد اشـتـرى مـكـنـزي الـمـكـتـبـة مـنـهـا وحـوّلـهـا إلى :  “MacKenzie & MacKenzie bookshop”، وأدارهـا مـع دونـالـد. وانـتـقـلـت الـمـكـتـبـة إلى الـنّـادي الـبـريـطـاني في  The New Street الّـذي أصـبـح بـعـد ذلـك شـارع الـرّشـيـد.

وتـوفي كـيـنـيـث مـكـنـزي سـنـة 1928 بـجـلـطـة قـلـبـيـة، (2) وأدار دونـالـد مـكـنـزي الـمـكـتـبـة بـعـد ذلـك.

وتـحـوّلـت الـمـكـتـبـة إلى مـكـان آخـر في شـارع الـرشـيـد (مـحـلّـة راس الـقـريـة) في أسـفـل الـبـنـايـة الّـتي كـانـت فـيـهـا مـكـاتـب شـركـة الإخـوان لِـنـتـش (بـيـت لـنـج).

وقـد نـشـرت مـكـتـبـة مـكـنـزي كـتـبـاً بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة

مـثـل كـتـاب دوروثي مـاكي  Dorothy MacKay عـن مـدن الـعـراق الـقـديـمـة       The Ancient Cities of Irak الّـذي نـشـرتـه عـام 1926، أو كـتـاب  C.A. HOOPER عـن الـقـانـون الـدّسـتـوري في الـعـراق The Constitutional Law of Iraq  الّـذي نـشـرتـه عـام 1928.

وقـد تـرك كـيـنـيـث مـكـنـزي في بـدايـة أربـعـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي إدارة الـمـكـتـبـة لإسـكـنـدر، رئـيـس مـسـاعـديـه. (3)

وتـوفي في بـغـداد سـنـة 1946.

الـمـكـتـبـة بـعـد وفـاة صـاحـبـهـا :

بـعـد أن وصـل جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا إلى بـغـداد عـام 1948 لـيـدرّس الأدب الإنـكـلـيـزي، ذهـب أوّل مـا ذهـب إلى مـكـتـبـة مـكـنـزي. وهـو يـقـصّ ذلـك في كـتـابـه “شـارع الأمـيـرات” :

“لأسـتـطـلـع آخـر مـا وصـل إلى بـغـداد مـن كـتـب إنـكـلـيـزيـة، وأتـحـدّث إلى صـاحـبـهـا كـريـم. وهـو عـراقي شـديـد الـلـطـف ورث تـلـك الـمـكـتـبـة عـن أصـحـابـهـا الإنـكـلـيـز لأنّـه كـان يـعـمـل مـعـهـم في إدارتـهـا مـنـذ أيـام تـأسـيـسـهـا قـبـل الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة، وغـدت لـه خـبـرة بـمـا يـسـتـجـدّ في عـالـم الـكـتـب الأجـنـبـيـة مـضـيـفـاً إلى ذلـك تـعـامـلـه مـع الـكـتـب الـعـربـيـة، الـتّـراثـيـة مـنـهـا والـحـديـثـة.

وقـد أضـحـت مـكـتـبـتـه هـذه في شـارع الـرّشـيـد (الـشّـارع الأهـمّ في بـغـداد يـومـئـذ) مـلـتـقى لـلـمـثـقـفـيـن مـن عـراقـيـيـن وأجـانـب، وكـلّـهـم عـلى صـلـة شـخـصـيـة بـصـاحـبـهـا الّـذي يـتـابـع اهـتـمـامـاتـهـم الـفـكـريـة، ويـحـاول تـلـبـيـة مـا يـطـلـبـون مـن كـتـب. وقـد أبـقى عـلى تـسـمـيـة الـمـكـتـبـة بـ “مـكـنـزي” لـشـهـرة الـتّـسـمـيـة وتـمـيـزهـا حـتّى بـات هـو نـفـسـه تـجـوزاً يـعـرف بـكـريـم مـكـنـزي. وبـقـيـت الـمـكـتـبـة مـعـلـمـاً مـن مـعـالـم الـمـديـنـة”.

ويـذكـر أحـد تـقـاريـر الأمـم الـمـتـحـدة الـصّـادر عـام 1949 مـكـتـبـة مـكـنـزي كـالـتّـالي :

Irak : MacKenzie’s Bookshop, Booksellers and Stationers, Baghdad.

ونـفـهـم مـن هـذا الـسّـطـر الـمـخـصـص لـلـمـكـتـبـة في هـذا الـجـرد أنّـه كـان لـهـا أكـثـر مـن صـاحـب، وأنّـهـا كـانـت تـمـارس بـيـع الـقـرطـاسـيـات إلى جـانـب بـيـع الـكـتـب.

مـكـتـبـة مـكـنـزي في إحـدى روايـات أجـاثـا كـريـسـتي :

ألّـفـت الإنـكـلـيـزيـة أجـاثـا كـريـسـتي، كـاتـبـة الـرّوايـات الـبـولـيـسـيـة الـشّـهـيـرة روايـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق : “مـوعـد في بـغـداد           « They Came to Baghdad في عـام 1951.

ونـتـابـع في الـفـصـل الـسّـادس مـنـهـا فـيـكـتـوريـا، بـطـلـة الـرّوايـة، وهي تـبـحـث في بـغـداد عـن مـكـتـب “غـصـن الـزّيـتـون” :

“ووصـلـت إلى شـارع الـرّشـيـد واسـتـدارت يـمـيـنـاً. وكـانـت بـغـداد عـلى عـكـس مـا كـانـت تـتـصـوره عـنـهـا تـمـامـاً. شـارع رئـيـسي مـزدحـم مـكـتـظ بـالـنّـاس، وسـيـارات تـقـرع مـنـبـهـاتـهـا بـعـنـف، ونـاس يـتـصـايـحـون، وبـضـائـع أوربـيـة في واجـهـات الـمـحـلّات. وكـان الـنّـاس حـولـهـا يـبـصـقـون في كـلّ مـكـان بـعـد أن يـحـكّـوا حـنـاجـرهـم بـنـحـنـحـات مـلـحّـة وعـالـيـة. ولـم تـجـد شـخـصـيـات شـرقـيـة غـريـبـة وغـامـضـة، فـأغـلـبـيـة الـنّـاس يـرتـدون مـلابـس غـربـيـة رخـيـصـة ومـهـتـرئـة، سـتـرات جـيـش وقـوّات جـوّيـة قـديـمـة. وتـبـدو الأشـكـال الـمـتـفـوّطـة والـمـرتـديـة عـبـاءات سـوداء الّـتي نـلـمـحـهـا هـنـا وهـنـاك ضـائـعـة في وسـط هـذا الـخـلـيـط مـن الـمـلابـس الأوربـيـة”.

“ولـم تـجـد أحـداً يـسـتـطـيـع أن يـدلّـهـا عـلى طـريـقـهـا، لا أصـحـاب الـمـحـلّات ولا الـشّـرطـة الّـذيـن رأتـهـم يـحـركـون أذرعـهـم بـعـنـفـوان ويـطـلـقـون صـفـاراتـهـم، ولا صـاحـب الـمـكـتـبـة الّـتي عـرضـت في واجـهـتـهـا بـعـض الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة. ثـمّ أكـمـلـت طـريـقـهـا، وعـنـدهـا هـاجـمـت أذنـيـهـا أصـوات رهـيـبـة لـضـربـات مـطـارق عـنـيـفـة جـاءت مـن زقـاق مـعـتـم،  وتـذكـرت مـا أخـبـروهـا بـه مـن إنّ مـكـتـب “غـصـن الـزّيـتـون” كـان قـرب سـوق الـصّـفـافـيـر”.

و”صـاحـب الـمـكـتـبـة الّـتي عـرضـت في واجـهـتـهـا بـعـض الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة” عـام 1951 كـان ولا شـكّ كـريـم الّـذي تـكـلّـم عـنـه جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا في عـام 1948. ولأنّـه لـم يـكـن إنـكـلـيـزيـاً فـقـد اكـتـفـت الـكـاتـبـة بـذكـره ذكـراً عـابـراً ولـم تـتـكـلّـم عـن مـكـتـبـتـه.

(أنـظـر مـقـالي : روايـة : « مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad » لأجـاثـا كـريـسـتي. ).

ولـم تـشـر أجـاثـا كـريـسـتي إلى مـكـتـبـة مـكـنـزي في الـقـسـم الّـذي خـصـصـتـه لـبـغـداد مـن سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : An Autobiography الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977 ، بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976.

وقـد ذكـر في إحـدى مـنـشـورات الـ F.A.O  (Food and Agriculture Organization) الـتّـابـعـة لـهـيـئـة الأمـم الـمـتـحـدة عـام 1965 أن مـكـتـبـة مـكـنـزي كـانـت تـوزع هـذه الـمـنـشـورات في بـغـداد.

وقـد ظـلّـت الـمـكـتـبـة مـزدهـرة حـتّى الـسّـبـعـيـنـيـات، ثـمّ أغـلـقـت في تـسـعـيـنـات الـقـرن الـمـاضي.

 

الـخـلـط بـيـن كـيـنـيـث ودونـالـد مـكـنـزي :

  يـذكـر طـارق ي. إسـمـاعـيـل في الـصّـفـحـة 5 مـن كـتـابـه عـن تـاريـخ الـحـزب الـشّـيـوعي في الـعـراق The Rise and Fall of the Communiste Party of Iraq  (4) أنّ “نـمـو الـفـكـر الإشـتـراكي بـيـن الـعـراقـيـيـن تـأثّـر بـالأجـانـب الـتّـقـدمـيـيـن الإشـتـراكـيـيـن الّـذيـن اشـتـغـلـوا مـع الـبـريـطـانـيـيـن في الـعـراق، ومـن بـيـنـهـم الإسـكـتـلـنـدي دونـالـد م. مـكـنـزي الّـذي فـتـح مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد عـام 1925 وأدارهـا حـتّى وفـاتـه عـام 1946”.

ونـلاحـظ أنّ الـمـؤلـف يـخـلـط بـيـن كـيـنـيـث مـكـنـزي الّـذي وصـل إلى بـغـداد بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وفـتـح مـكـتـبـة زارتـهـا جـرتـرود بـيـل عـام 1923، وبـيـن شـقـيـق زوجـتـه دونـالـد الّـذي وصـل إلى بـغـداد عـام 1925 وشـارك في إدارة الـمـكـتـبـة، والّـذي كـان اشـتـراكيّ الأفـكـار.

ويـكـمـل طـارق إسـمـاعـيـل الـكـلام عـن دونـالـد مـكـنـزي : “وقـد خـفـض مـكـنـزي أسـعـار عـدد مـن الـكـتـب الأجـنـبـيـة، وخـاصـة تـلـك الّـتي تـعـرض الأفـكـار الإشـتـراكـيـة لـيـبـيـعـهـا لـشـبـاب الإشـتـراكـيـيـن الـعـراقـيـيـن بـسـعـر الـكـلـفـة بـيـنـمـا كـان يـبـيـعـهـا بـأسـعـار أغـلى لـلـبـريـطـانـيـيـن ولـلـعـراقـيـيـن الـمـيـسـوري الـحـال”.

ويـتـكـلّـم عـن زوجـة دونـالـد مـكـنـزي “الّـتي لـعـبـت دوراً مـهـمّـاً في نـشـر الأفـكـار الإشـتـراكـيـة في أوسـاط الـجـمـعـيـات الـنّـسـائـيـة. ويـبـدو أنّـهـا اتّـصـلـت بـهـذه الـجـمـعـيـات خـلال انـعـقـاد مـؤتـمـر الـنّـسـائي الـشّـرقي الأوّل في دمـشـق في تـمّـوز 1930.

وقـد ألـقـت زوجـة مـكـنـزي مـحـاضـرات مـع أمـريـكـيـة تـدعى Miss Kerr في الـنّـوادي الـنّـسـائـيـة وفي مـدارس الـبـنـات الّـتي كـانـت قـد ازدهـرت فـيـهـا الـمـبـادئ الإشـتـراكـيـة”.

 

حـول صورة الـمـكـتـبـة

وضـعـت في بـدايـة الـمـقـال الـصّـورة الّـتي نـجـدهـا في كـلّ مـكـان عـن “مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد”، ومـع ذلـك نـقـرأ عـلـيـهـا : J.W. MacKenzie، وهـو مـا يـبـدو لي غـريـبـاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  Nov 7 Secretariat of the High Commissioner, Baghdad. Darling Mother. We have here a very enterprising man called Mackenzie who has established a flourishing and quite excellent bookshop. He was a bookseller before the war and he knows about books. His shop is one of the most remarkable things in Baghdad – everybody buys there.

(2)إسـتـعـمـلـت كـثـيـراً مـن الـمـعـلـومـات الّـتي وجـدتـهـا في مـقـال وقّـعـه عـلي أبـو طـحـيـن ونـشـرتـه الـكـارديـنـيـا عـام 2013.  وقـد وجـدت نـفـس الـمـقـال ولـكـنّ بـتـوقـيـع الـدّكـتـور إبـراهـيـم خـلـيـل الـعـلاف الّـذي نـشـره في مـدونـتـه عـام 2014.  ولا أدري لأيّ مـنـهـمـا أوجـه الـشّـكـر !

وأضـيـف أنـني قـرأت في عـدّة مـواضـع أن كـيـنـيـث مـكـنـزي تـوفي في بـغـداد بـسـكـتـة قـلـبـيـة سـنـة 1946، وهـذ يـعـود أيـضـاً إلى الـخـلـط بـيـن كـيـنـيـث ودونـالـد.

(3) حـسـب مـا ذكـره نسـيـم رجـوان Nissim Rejwan الّـذي كـان يـديـر مـكـتـبـة “الـرّابـطـة” (لـصـاحـبـهـا عـبـد الـفـتّـاح إبـراهـيـم) في بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة وسـجّـلـه في كـتـابـه عـن “آخـر يـهـود بغـداد  The Last Jews in Baghdad”.

(4) Cambridge University Press 2009

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

عـنـدمـا كـانـت حـدود الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة تـصـل إلى دجـلـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـتـذكـر الـقـلـيـل مـنّـا أنّ سـيـاسـة الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة الـتّـوسـعـيـة في الـقـرن الـثّـاني بـعـد الـمـيـلاد، وضـرورة حـمـايـة حـدودهـا الـشّـرقـيـة ضـدّ الـفـرس دفـعـتـهـا إلى إرسـال جـيـوشـهـا حـتّى نـهـر دجـلـة، قـاد بـعـضـهـا أبـاطـرة رومـان هـزمـوا أوقـتـلـوا أو أسـروا بـيـن دجـلـة والـفـرات … واكـتـسـب بـعـضـهـم بـعـض أراضـيـهـا الّـتي سـرعـان مـا فـقـدوهـا.

الـفـرس والـرّومـان

أذكّـر قـرائي أوّلاً بـبـعـض الـمـعـلـومـات الّـتي لا يـنـبـغي أن نـنـسـاهـا لـنـسـتـطـيـع مـتـابـعـة مـا حـدث في تـلـك الـحـقـبـة الـزّمـنـيـة :

الـفـرس يـسـقـطـون الـدّولـة الـبـابـلـيـة الأخـيـرة :

عـلـيـنـا أن نـعـود إلى الـقـرن الـسّـادس قـبـل الـمـيـلاد عـنـدمـا دخـل الـفـارسي كـورش (قـيـروش) الأكـبـر مـديـنـة بـابـل في 539 قـبـل الـمـيـلاد، وأسـقـط الإمـبـراطـوريـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة. وهـكـذا أنـهى آخـر حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي كـانـت قـد دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة قـبـلـه.

وأسـس كـورش عـلى أنـقـاض الـدّولـة الـبـابـلـيـة إمـبـراطـوريـة فـارسـيـة أخـمـيـنـيـة حـاول مـدّهـا إلى كـلّ الـجـهـات.

إسـتـيـلاء الإسـكـنـدر الـمـقـدوني عـلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

الإسكندر المقدوني

وعـنـدمـا اتّـجـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني (الأكـبـر) نـحـو الـشّـرق بـعـد حـوالي قـرنـيـن مـن ذلـك، هـزم آخـر مـلـوك هـذه الـسّـلالـة الـفـارسـيـة الأخـمـيـنـيـة في مـعـركـة دارت في مـوقـع بـيـن الـمـوصـل وأربـيـل في الأوّل مـن تـشـريـن الأوّل عـام 331 قـبـل الـمـيـلاد. وبـهـذا أسـقـط دولـتـهـم.

ثـمّ نـزل الإسـكـنـدر نـحـو بـابـل الّـتي أقـام فـيـهـا شـهـراً أظـهـر خـلالـه تـقـديـسـه لآلـهـة الـبـابـلـيـيـن، وأمـر بـإعـادة تـشـيـيـد الـ “أي سَـجـيـل”، مـعـبـد الإلـه مـردوخ الّـذي كـانـت قـد تـهـدّمـت أجـزاء كـثـيـرة مـنـه، واتّـخـذ مـديـنـة بـابـل عـاصـمـة لامـبـراطـوريـتـه الـشّـرقـيـة، واخـتـار أن يـقـيـم في الـقـصـر الـصّـيـفي لـلـمـلـك نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني.

وتـرك الإسـكـنـدر الـمـقـدوني بـابـل مـتّـجـهـا نـحـو الـشّـرق الّـذي غـزا أراضـيـه إلى مـا بـعـد أفـغـانـسـتـان الـحـالـيـة والـهـنـد، وضـمّـهـا إلى امـبـراطـوريـتـه. وبـعـد أن رفـض جـنـوده الـمـتـعـبـون الإسـتـمـرار في الـتّـقـدم نـحـو أقـصى الـشّـرق، رجـع الإسـكـنـدر نـحـو بـابـل الّـتي مـات فـيـهـا سـنـة 323 قـبـل الـمـيـلاد.

(أنـظـر مـقـالي : الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل)

الـدّولـة الـسّـلـوقـيـة :

وبـعـد مـوت الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل، إشـتـدّت الـصّـراعـات بـيـن قـوّاده. وتـقـاسـم الـمـنـتـصـرون مـنـهـم الأراضي الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلـيـهـا، فـاسـتـقـلّ سـلـوقـوس (ويـكـتـب اسـمـه أيـضـاً : سـلـوقـس) الّـذي أسـمى نـفـسـه بـ “نـيـكـاتـور Σέλευκος Νικάτωρ”، أي الـمـنـتـصـر، بـالـجـزء الـشّـرقي مـن الإمـبـراطـوريـة، والّـذي كـان يـمـتـدّ مـن سـوريـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد فـارس إلى الـهـنـد.

seleucos 1er

وقـد دخـل سـلـوقـوس نـيـكـاتـور بـابـل عـام 312 قـبـل الـمـيـلاد، واتـخـذهـا عـاصـمـة لـه في بـدايـة حـكـمـه قـبـل أن يـبـدأ في عـام 311  قـبـل الـمـيـلاد بـتـأسـيـس عـاصـمـة جـديـدة لـه عـلى نـهـر دجـلـة، حـوالي 60 كـيـلـومـتـراً شـمـال مـديـنـة بـابـل. في مـوقـع كـانـت عـلى ضـفـتـه الـمـقـابـلـة مـديـنـة يـذكـر الـمـؤلـفـون الإغـريـق أن اسـمـهـا كـان أوبـيـس  Opis.

وتـطـلّ الـمـديـنـة الـجـديـدة الّـتي أسـمـاهـا سـلـوقـيـة عـلى نـهـر دجـلـة مـن جـانـب وعـلى الـقـنـاة الـمـلـكـيـة الّـتي كـانـت قـد شـيّـدت قـبـل ذلـك بـقـرون لـتـربـط دجـلـة بـالـفـرات. وهي في الـمـكـان الّـذي أسـمـاه الـعـرب بـعـد ذلـك بـالـمـدائـن، ومـا يـسـمى الآن بـسـلـمـان بـاك في جـنـوب بـغـداد.

وبـعـد أن اسـتـولى سـلـوقـوس عـلى شـمـال سـوريـا، وعـلى الـجـزء الـشّـرقي مـن آسـيـا الـصـغـرى عـام 301 قـبـل الـمـيـلاد، أسـس مـديـنـة أنـطـاكـيـة الّـتي أسـمـاهـا بـاسـم أبـيـه : “أنـطـيـوخــوس  Ἀντίoχoς”، في غـرب سـوريـا، واتّـخـذهـا عـاصـمـة لـه لـيـفـتـح مـمـلـكـتـه عـلى الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط، ولـكي لا يـقـطـعـهـا عـن بـلاد الإغـريـق.

وأصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة الـمـديـنـة الـثّـانـيـة في الـدّولـة، ومـكـان إقـامـة ولي الـعـهـد.

(أنـظـر مـقـالي :عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة )

سـيـطـرة الـفـرس الـفـارثـيـيـن :

تـعـززت سـلـطـة أرسـاك (أو أرشـك)، شـيـخ إحـدى الـقـبـائـل الـفـارسـيـة في حـوالي عـام 250 قـبـل الـمـيـلاد، وامـتـدت هـيـمـنـتـه عـلى مـا حـول أراضـيـه في فـارثـيـا، في شـمـال شـرق بـلاد الـفـرس. وأنـشـأ بـهـذا سـلالـة أسـمـيـت بـالـسّـلالـة الـفـارثـيـة الأرشـكـيـة.

وقـد اسـتـطـاع أحـد مـلـوكـهـم، مـيـثـريـدات الأوّل، بـعـد ذلـك الإسـتـيـلاء عـلى بـلاد الـمـيـديـيـن وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. ودخـل سـلـوقـيـة دجـلـة عـام 141 قـبـل الـمـيـلاد واحـتـلّـهـا. ولـكـنّ الـمـلـك الـسّـلـوقي ديـمـتـريـوس الـثّـاني اسـتـعـاد مـنـه بـعـد ذلـك مـنـطـقـة بـابـل وبـلاد الـمـيـديـيـن.

ولـم يـدم انـتـصـار الـمـلـك الـسّـلـوقي طـويـلاً، فـقـد هـاجـمـه الـفـارثـيـون مـن جـديـد واسـتـعـادوا مـا كـان قـد اسـتـولى عـلـيـه.

وقـد شـيّـد الـفـارثـيـون مـديـنـة طـيـسـفـون مـقـابـل مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة واتّـخـذهـا مـلـوكـهـم عـاصـمـة ثـانـيـة يـقـضـون فـيـهـا الـشّـتـاء.

عـبـور الـرّومـان لـلـفـرات :

وقـام الـقـائـد الـرّومـاني كـراسـوس Crassus في 92 قـبـل الـمـيـلاد، أي تـحـت حـكـم الإمـبـراطـور أوغـسـطـس، بـأوّل مـحـاولـة لـعـبـور الـفـرات نـحـو الـشّـرق ولـكـنّ قـواتـه هـزمـت أمـام الـفـارثـيـيـن.

وفي عـام 106 م. أرسـل الإمـبـراطـور تـرايـانـوس Traianus (تـراجـان) أمـراً إلى حـاكـم سـوريـا الـرّومـاني بـالإسـتـيـلاء عـلى مـمـلـكـة الأنـبـاط في سـلـع (الـبـتـراء)(1) وضـمّ أراضـيـهـا إلى مـمـتـلـكـات الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة.

Trajan

وكـان ذلـك بـعـد وفـاة مـلـكـهـا ربّ بـعـل الـثّـاني.

وقـد أنـشـأ الإمـبـراطـور تـرايـانـوس في 22 آذار مـن عـام 106 “ولايـة (2) بـلاد الـعـرب” الـرّومـانـيـة Provincia Arabia وجـعـل بُـصـرى عـاصـمـة لـهـا.

وكـان هـدفـه مـن ذلـك تـعـزيـز حـدوده الـشّـرقـيـة وإعـداد حـمـلـة عـسـكـريـة ضـدّ الـفـارثـيـيـن.

وفي خـريـف عـام 113م.، تـرك الإمـبـراطـور تـرايـانـوس رومـا، ووصـل أنـطـاكـيـة في سـوريـا في ربـيـع عـام 114.

ويـذكّـر الـمـؤرخـون الـرّومـان أنّـه اسـتـقـبـل عـدّة وفـود مـن حـكـام الـمـنـطـقـة، ومـن بـيـنـهـم شـيـوخ عـرب مـن شـمـال مـا بـيـن الـنّـهـريـن مـثـل مـا نـوس Mannos مـن عـشـائـر الـسّـيـنـيـيـن في Singara (أي سـنـجـار).

وبـدأ بـضـمّ كـلّ مـنـطـقـة أرمـيـنـيـا إلى دولـتـه وجـعـلـهـا ولايـة عـيّـن لـهـا حـاكـمـاً رومـانـيـاً، ثـمّ اتـجـه إلـيـهـا وأخـضـعـهـا لـسـيـطـرتـه، كـمـا أخـضـع الـقـوقـازيـيـن.

وتـرك أرمـيـنـيـا في ربـيـع عـام 115م. مـتّـجـهـاً نـحـو الـجـنـوب وفـتـح نـصـيـبـيـن ومـدن أخـرى مـن مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وأنـشـأ في أواخـر 115 “ولايـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن Provincia Mesopotamia”، وقـضى الـشّـتـاء في أنـطـاكـيـة.

وفي بـدايـة عـام 116، دخـلـت الـقـوّات الـرّومـانـيـة في سـلـوقـيـة دجـلـة ثـمّ احـتـلّـت طـيـسـفـون، عـاصـمـة الـفـارثـيـيـن الّـتي هـرب مـنـهـا الـمـلـك الـفـارثي.

وقـد اسـتـمـرّ الإمـبـراطـور تـرايـانـوس في مـسـيـرتـه نـحـو الـجـنـوب حـتّى الـخـلـيـج لـيـسـتـولي عـلى مـمـتـلـكـات أعـدائـه. وتـوقّـف في بـابـل لـيـزور الـقـصـر الّـذي مـات فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني.

Empire 001

وبـعـد مـوت تـرايـانـوس سـنـة 117 تـرك الإمـبـراطـور هـادريـانـوس  Hadrianus الّـذي خـلـفـه كـلّ مـا كـان الـرّومـان قـد كـسـبـوه مـن أراضي في الـشّـرق.

وبـعـد وفـاة الإمـبـراطـور الـرّومـاني أنـتـونـيـنـوس الـتّـقي Antoninus Pius عـام 161 م. عـبـر الـمـلـك الـفـارثي فـولـوجـيـس الـثّـالـث نـهـو الـفـرات بـاتـجـاه الـغـرب وغـزا مـواقـع الـرّومـان.

VologasesIII.2

(فـولـوجـيـس الـثّـالـث)

وأرسـل الإمـبـراطـور الـرّومـاني الـجـديـد، مـاركـوس أنـتـونـيـنـوس Marcus Antoninus حـمـلـة ضـدّ الـفـارثـيـيـن، ولـكـنّ جـيـشـه لـم يـسـتـطـع الـتّـغـلـب عـلـيـهـم إلّا في عـام 165. وعـبـر الـرّومـان الـفـرات بـاتـجـاه الـشّـرق لـيـسـيـطـروا عـلى مـنـطـقـة الـرّهـا (أورفـة في أيّـامـنـا هـذه).

فـتـرة أبـاطـرة الـعـسـكـر :

إخـتـار عـسـكـر الـرّومـان عـام 193 م. أحـد قـادتـهـم، سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس Septimius Severus ونـصـبـوه إمـبـراطـوراً. وكـان سـبـتـمـيـوس مـن أصـل بـنـيـقي (3)، ولـد في لـبـدة Leptis Magna في لـيـبـيـا الـحـالـيـة. (4)

وقـد قـاد الإمـبـراطـور سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس حـمـلـتـيـن في الـشّـرق، الأولى في عـامي 194 و195 والّـتي هـزم فـيـهـا جـيـش مـلـك حـذيـاب (الّـتي كـانـت تـمـتـد بـيـن الـزّاب الـكـبـيـر والـزّاب الـصّـغـيـر)، والـثّـانـيـة عـام 197 والّـتي لـم يـسـتـطـع خـلالـهـا فـتـح الـحـضـر (حـضـرة شـمـس) رغـم حـصـاره الـطّـويـل لـهـا.

وفي عـام 198 وصـل أمـام طـيـسـفـون وحـاصـرهـا، وهـرب مـنـهـا الـمـلـك الـفـارثي فـولـوجـيـس الـرّابـع قـبـل أن تـفـتـح أبـوابـهـا لـلإمـبـراطـور الـرّومـاني.

Vologès IV

(فـولـوجـيـس الـرّابـع)

وأنـشـأ الإمـبـراطـور سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس عـام 198/199  م. ولايـة عـلى الـحـدود الـشّـرقـيـة لـدولـتـه أسـمـاهـا ” ولايـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن Provincia Mesopotamia”. ثـمّ عـاد إلى رومـا في 199 م.

وقـد شُـيّـد في رومـا عـام 203 م. قـوس نـصـر مـن الـحـجـر عـلـيـه نـصّ بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة يـفـتـخـر بـانـتـصـارات الإمـبـراطـور سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس عـلى الـفـارثـيـيـن والـعـرب  Parthico Arabico.

قوس نصر

septime sevser 2

وفي عـامي 231 و 232 م. قـاد الإمـبـراطـور سـيـفـيـروس الإسـكـنـدر Severus Alexander  حـمـلـة ضـدّ الـفـرس عـلى ضـفـاف الـفـرات.

الـسّـاسـانـيـون يـخـلـفـون الـفـارثـيـيـن :

وبـعـد أن أسـقـط الـفـارسي أردشـيـر آخـر مـلـوك الـفـارثـيـيـن، أرطـبـان الـخـامـس، تـوّج مـلـكـاً عـام 224 في طـيـسـفـون وأنـشـأ سـلالـة الـسّـاسـانـيـيـن الـفـارسـيـة. وأتـخـذ طـيـسـفـون عـاصـمـة لـه.

وعـنـدمـا وصـل شـابـور الأوّل إلى الـحـكـم في 240 شـرع في تـوسـيـع دولـتـه الـسّـاسـانـيـة وعـبـر الـفـرات لـيـهـاجـم الـمـواقـع الـرّومـانـيـة. وجـمـع الإمـبـراطـور الـرّومـاني غـورديـانـوس  Gordianus الـثّـالـث قـوّاتـه وسـار لـلـقـاء الـمـلـك الـسّـاسـاني.

وقـد اسـتـطـاع الـرّومـاني في الـبـدايـة دفـع الـفـرس واسـتـعـادة حـرّان ونـصـيـبـيـن والـحـضـر، وعـيّـن قـائـديـن، كـان أحـدهـمـا فـيـلـيـب الـعـربي Phillipus Arabs.(5)

ودارت مـعـركـة عـنـيـفـة بـيـن الـفـرس والـرّومـان في شـبـاط 244 م. في الأنـبـار، قـرب الـفـلـوجـة، جـرح فـيـهـا الإمـبـراطـور الـرّومـاني جـراحـاً قـاتـلـة، مـات مـنـهـا. وتـشـتـت جـيـشـه بـيـن قـتـلى وأسـرى بـأيـدي الـفـرس.

وبـعـد وفـاة غـورديـانـوس الـثّـالـث عـام 244 م. إرتـقى فـيـلـيـب الـعـربي عـرش الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة.

Philippe A 001 (423x640)

وقـد تـفـاوض مـع الـفـرس الـسّـاسـانـيـيـن لإحـلال الـصّـلـح ودفـع مـبـالـغ طـائـلـة لـشـراء الأسـرى الـرّومـان وتـحـريـرهـم.

وفي عـام 259، تـوجّـه الإمـبـراطـور الـرّومـاني فـالـيـريـانـوس Valerianus لـيـقـاتـل الـسّـاسـاني شـابـور الأوّل بـيـن حـرّان والـرّهـا، ولـكـنّـه خـسـر الـمـعـركـة وسـقـط أسـيـراً بـأيـدي الـفـرس الّـذيـن أخـذوه مـثـقـلاً بـالأغـلال إلى طـيـسـفـون. وقـد رفـض خـلـفـه الـتّـفـاوض مـع الـفـرس ودفـع فـديـتـه. ومـات الإمـبـراطـور فـالـيـريـانـوس في أسـره.

وقـد جـمـع شـابـور في مـنـحـوتـة قـلـيـلـة  الـبـروز انـتـصـاراتـه الـمـتـفـرّقـة عـلى أبـاطـرة الـرّومـان الـثـلاثـة في مـشـهـد واحـد، نـرى فـيـه حـوافـر فـرسـه تـطـأ جـسـد الإمـبـراطـور غـورديـانـوس، ونـراه يـجـرّ خـلـفـة الإمـبـراطـور فـالـيـريـانـوس أسـيـراً مـكـبّـلاً بـالأغـلال، بـيـنـمـا ارتـمى أمـامـه الإمـبـراطـور فـيـلـيـب الـعـربي يـرجـوه الـعـفـو :

shapur et Romains 2

وفي عـام 260 م. غـزا شـابـور الأوّل مـن جـديـد مـا بـقي لـلـرّومـان مـن مـمـتـلـكـات في مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وحـاصـر حـرّان والـرّهـا.

وأرسـل الـرّومـان أُذيـنـة الـثّـاني، مـلـك تـدمـر، عـلى رأس جـيـش هـاجـم الـسّـاسـانـيـيـن وطـاردهـم حـتّى طـيـسـفـون مـرتـيـن : في عـامي 261 و 267. وضـمّ أُذيـنـة مـنـاطـق مـا بـيـن الـنّـهـريـن إلى مـمـلـكـتـه.

أذينة 2

وفي عـام 272 حـاصـر الإمـبـراطـور الـرّومـاني أورلـيـانـوس  Aurelianus تـدمـر الّـتي كـانـت تـحـكـمـهـا زنـوبـيـا، أرمـلـة أُذيـنـة، الّـتي يـسـمـيـهـا الـعـرب بـالـزّبّـاء.

Zénobie 2

وبـعـد أن فـتـحـهـا أرسـل زنـوبـيـا أسـيـرة إلى رومـا، وضـمّ مـمـلـكـتـهـا إلى أراضي أمـبـراطـوريـتـه.

وقـد قـاد الإمـبـراطـور أورلـيـانـوس كـاريـنـوس  Aurelianus Carinus حـمـلـة ضـد الـسّـاسـانـيـيـن عـام 282، ولـكـنّـه لـم يـفـلـح في عـبـور الـفـرات نـحـو الـشّـرق.

وقـاد الإمـبـراطـور ديـوكـلـتـيـانـوس (ديـوقـلـيـان)   Diocletianusهـو الآخـر جـيـشـه حـتّى نـصـيـبـيـن عـام 298، وأجـبـر  الـسّـاسـانـيـيـن عـلى الإعـتـراف بـحـدود الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة شـرق دجـلـة.

وظـلّـت الأمـور عـلى هـذه الـحـال حـتّى سـقـوط الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة الـغـربـيـة نـهـائـيـاً عـام 476 بـعـد الـمـيـلاد.

ويـنـبـغي أن نـفـرّق بـيـن رومـان الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة وبـيـن الـبـيـزنـطـيـنـيـن الّـذيـن يـسـمـيـهـم الـقـرآن بـالـرّوم، والّـذيـن كـانـت لـهـم حـروبـهـم مـع الـفـرس. وقـد فـتـح الـبـيـزنـطـيـون طـيـسـفـون، عـاصـمـة الـفـرس الـسّـاسـانـيـيـن عـام 627 م. ونـهـبـوهـا، عـشـرة أعـوام قـبـل أن يـفـتـحـهـا الـمـسـلـمـون عـام 637. ولـكـنّ هـذا سـيـكـون مـوضـوعـاً لـمـقـال قـادم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يـعـني اسـم سـلـع الـصّـخـر، وقـد تـرجـمـه الـيـونـانـيـون إلى πέτρα (يـلـفـظ بـالـحـروف الـلاتـيـنـيـة petra)، وقـد عـربـنـاه (أو حـورنـاه) إلى الـبـتـراء. وكـان سـقـوط سـلـع في 106 مـيـلاديـة حـدثـاً مـهـمـاً عـنـد الـعـرب حـتّى أنّـهـم كـانـوا يـؤرخـون الأحـداث : “مـن سـقـوط سـلـع”.

(2) وهي جـزء مـن الـتّـقـسـيـم الإداري لـلإمـبـراطـوريـة، وهي بـالأحـرى تـعـادل “ولايـة” في الـتّـقـسـيـم الإداري لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة أكـثـر مـنـهـا “مـقـاطـعـة” الّـتي شـاع اسـتـعـمـالـهـا رغـم أنّ الـكـلـمـة لـيـس لـهـا هـذا الـمـعـنى الإداري.

(3) الـبـنـيـقـيـون هـم فـنـيـقـيـون تـركـوا مـمـلـكـة صـور عـلى الـسّـاحـل الـشّـرقي لـلـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط  (في لـبـنـان في أيّـامـنـا هـذه) وأسـسـوا مـسـتـعـمـرة تـجـاريـة أسـمـوهـا قـرت حـدشـت (الـمـديـنـة الـحـديـثـة) الّـتي حـوّر الإغـريـق اسـمـهـا إلى (قـرطـاج) عـلى الـسّـاحـل الـجـنـوبي لـلـبـحـر الـمـتـوسّـط (في تـونـس في أيّـامـنـا هـذه).

(4) تـزوّج سـبـتـمـيـوس بـيـولـيـا دومـنـة Iulia Domna، إبـنـة كـبـيـر كـهّـان حـمـص.

(5)   يـبـدو أنّ فـيـلـيـب الـعـربي كـان ابـن شـيـخ مـن سـلـع (الـبـتـراء) ولـد حـوالي 204 م. عـنـدمـا كـانـت الـمـنـطـقـة تـشـكّـل “ولايـة بـلاد الـعـرب” كـجـزء مـن الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة. وبـعـد وفـاة غـورديـانـوس الـثّـالـث إرتـقى عـرش الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة. تـوفي سـنـة 249 م.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

حـمّـودي والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـنـدمـا نـقـرأ عـن الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة لا نـجـد غـالـبـاً إلّا أسـمـاء عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أشـرفـوا عـلـيـهـا وأحـيـانـاً أسـمـاء بـعـض مـن سـاعـدوهـم فـيـهـا.

ولا نـجـد إلّا نـادراً أسـمـاء الـعـمّـال الّـذيـن حـفـروا وأزاحـوا الـتّـراب عـن الـمـواقـع الأثـريـة ووجـدوا الـقـطـع الـقـيّـمـة الّـتي كـانـت تـرقـد فـيـهـا. ومـن أشـهـر هـؤلاء ولا شـكّ الـشّـيـخ حـمّـودي.

وقـد رأيـت مـراراً الـصّـورة الـمـشـهـورة الّـتي الـتـقـطـت لأعـضـاء بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات في أور عـام 1929 والّـتي نـرى فـيـهـا حـمّـودي Hammoudi بـيـن مـاكـس مـالـوان Max Mallowan ولـيـونـارد وولي  Leonard Wooley (الّـذي قـاد الـحـمـلـة واكـتـشـف مـقـبـرة أور الـمـلـكـيـة) وزوجـتـه كـاثـريـن  Katharine  والأب إريـك بُـروز  Eric Burrows.

expedition-house-staff

ثـمّ رأيـت عـدداً مـن الـصّـور الـتـقـطـت في مـوقـع أور تـعـرفـت فـيـهـا عـلى حـمّـودي.

وبـحـثـت عـن مـعـلـومـات عـنـه فـلـم أجـد شـيـئـاً إلى أن قـرأت كـتـاب أجـاثـا كـريـسـتي (1) : تـعـال أخـبـرني كـيـف تـعـيـش Come, tell me how you live الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن مـشـاركـتـهـا في تـنـقـيـبـات زوجـهـا عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان في شـمـال مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات، والّـذي تـذكـر فـيـه حـمّـودي (كـتـبـت اسـمـه Hamoudi بـ  M  واحـدة).

ثـمّ وجـدت مـا ذكـره عـالم الآثـار مـاكـس مـالـوانMax Mallowan ، الّـذي كـان زوج أجـاثـا كـريـسـتي، في كـتـابـه : “مـذكّـرات عـن أور  Mesmoires of Ur” :

“في مـا يـخـصّ الـتّـعـامـل مـع الـعـمّـال، كـان الـسّـيـر لـيـونـارد وولي سـعـيـداً بـالإعـتـمـاد عـلى الـشّـيـخ حـمّـودي بـن إبـراهـيـم الّـذي جـعـلـه رئـيـسـاً عـلـيـهـم مـنـذ تـنـقـيـبـاتـه في مـوقـع كـرشـمـيـش Carchemish (قـرب جـرابـلـس في أعـالي الـفـرات) عـام 1912”.

حمودي 6

ويـذكـر مـالـوان أيـضـاً أنّ لـورنـس T.E.Lawrence (الّـذي لـقّـب بـلـورنـس الـعـرب) (2) والّـذي كـان يـنـقّـب مـع لـيـونـارد وولي في مـوقـع كـرشـمـيـش أصـيـب بـحـمى الـتّـيـفـوئـيـد، واعـتـنى بـه الـشّـيـخ مـحـمّـد بـن إبـراهـيـم (حـمّـودي) وعـالـجـه بـشـرب الـلـبـن الـحـامـض لا غـيـر عـدّة أيّـام حـتّى زالـت عـنـه الـحـمّى وعـادت إلـيـه صـحـتـه. كـمـا أنّ لـورنـس حـسّـن لـغـتـه الـعـربـيـة بـالـتـحـدّث بـهـا مـع حـمّـودي الّـذي شـرح لـه عـادات الـعـرب وطـريـقـة حـيـاتـهـم وكـيـفـيـة الـتّـصـرف مـعـهـم  :

حمودي ربيع 1913

(صـورة الـتـقـطـت في ربـيـع عـام 1913، ونـرى حـمّـودي جـالـسـاً في الـصّـف الأوّل، الـثّـاني مـن الـيـمـيـن، ولـورنـس الـثّـالـث مـن الـيـسـار)

وتـوقـفـت تـنـقـيـبـات كـرشـمـيـش بـانـدلاع الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـام 1914. وعـيّـن وولي ولـورنـس في الـمـخـابـرات الـبـريـطـانـيـة.

وبـعـد نـهـايـة الـحـرب، عــاد لـيـونـارد وولي عـام 1919 إلى كـرشـمـيـش لـيـسـتـمـرّ في تـنـقـيـبـاتـه، ووجـد حـمّـودي في انـتـظـاره في الـمـوقـع.

وعـنـدمـا وصـل وولي إلى أور في 2 تـشـريـن الـثّـاني 1922 لـيـشـرع بـتـنـقـيـبـاتـه فـيـهـا، فـرح بـرؤيـة حـمـودي مـن جـديـد، وأصـرّ عـلى تـعـيـيـنـه رئـيـسـاً لـعـمـال الـتّـنـقـيـبـات.

حمودي 31

ثـمّ اسـتـمـرّ بـاسـتـدعـائـه في كـلّ مـوسـم تـنـقـيـبـات لـيـشـرف عـلى الـعـمـل في أور. كـمـا شـغّـل مـعـه أبـنـاءه عـنـدمـا كـبـروا. بـدأ مـنـذ الـمـوسـم الـثّـاني بـتـشـغـيـل ابـنـه يـحـيى، ثـمّ إبـراهـيـم ابـتـداءً بـالـمـوسـم الـخـامـس، ثـمّ عـلاوي مـنـذ الـمـوسـم الـثّـامـن. واسـتـمـروا يـسـاعـدون الـسّـيـر لـيـونـارد وولي حـتّى الـمـوسـم الـثّـاني عـشـر، والّـذي كـان آخـر مـواسـم الـتّـنـقـيـبـات في أور، مـا عـدا إبـراهـيـم الّـذي تـوفي قـبـل بـدايـة الـمـوسـم الـحـادي عـشـر.

ويـقـول عـنـهـم مـاكـس مـالـوان : “تـعـلّـم كـلّ مـنـهـم صـنـعـة أبـيـهـم ومـهـارتـه، وشـكّـل أربـعـتـهـم فـريـقـاً مـكـتـمـل الـتّـنـاسـق”.

ولـديـنـا صـورة الـتّـقـطـت في مـوسـم الـتّـنـقـيـبـات الـرّابـع (1925/26) نـرى في وسـطـهـا يـحـيى يـمـسـك مـسـنـد آلـة الـتّـصـويـر الـثّـلاثي الـقـوائـم، ونـرى إبـراهـيـم عـلى يـسـار الـصّـورة :

يحيى إبن حمودي

حـمّـودي ولـيـونـارد وولي :

كـتـب الـسّـيـر لـيـونـارد وولي عـن حـمّـودي وأبـنـائـه في الـجـزء الـثّـاني الـمـخـصـص لـلـمـقـبـرة الـمـلـكـيـة مـن كـتـابـه عـن “تـنـقـيـبـات أور                  Ur Excavations” :

“كـان حـمّـودي، وهـو مـحـمّـد بـن الـشّـيـخ إبـراهـيـم، رئـيـس عـمّـالي عـنـدمـا عـدت إلى كـرشـمـيـش بـعـد الـحـرب [الـعـالـمـيـة الأولى]، ورئـيـس عـمّـالي في تـنـقـيـبـات الـمـقـبـرة الـمـلـكـيـة [في أور]، وكـانـت مـهـارتـه في الـحـفـر إلى جـانـب نـشـاطـه وحـيـويـتـه ودبـلـومـاسـيـتـه في الـتّـعـامـل مـع الآخـريـن تـجـعـل مـنـه رجـلاً لا يـمـكـن تـقـديـر قـيـمـتـه. وقـد سـاعـده في عـمـلـه أبـنـاؤه يـحـيى وإبـراهـيـم ثـمّ عـلاوي. وكـان أربـعـتـهـم رؤسـاء عـمّـال لا مـثـيـل لـهـم. وقـد عـهـدت لـيـحـيى بـمـهـمـة تـصـويـر [الـمـوقـع والـقـطـع الأثـريـة]، وقـد الـتـقـط أغـلـب الـصّـور خـلال الـعـمـل في الـمـوقـع”.

وكـان حـمّـودي وأبـنـاؤه يـعـدّون مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في أور قـبـل وصـول الـبـعـثـة مـن إنـكـلـتـرة. وكـانـوا يـزيـحـون عـن بـيـت الـبـعـثـة الـتّـراب والـرّمـال الـمـتـراكـمـة عـلـيـهـا، ويـجـمـعـون الـعـمّـال (الّـذيـن كـانـوا مـن رجـال الـعـشـائـر الـمـجـاورة وغـالـبـاً مـا تـكـون أعـدادهـم حـوالي 200 رجـل، وقـد تـصـل إلى 300 رجـل) لـيـمـكـن لـلـيـونـارد وولي ومـسـاعـديـه الـشّـروع في الـعـمـل حـال وصـولـهـم.

ورغـم أنّ لـيـونـارد وولي لا يـتـكـلّـم في الـتّـقـاريـر الّـتي يـنـشـرهـا عـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات عـن الأحـداث الـشّـخـصـيـة، فـقـد ذكـر في تـقـريـره عـن الـمـوسـم الـحـادي عـشـر (عـام 1932) وفـاة إبـراهـيـم، إبـن الـشّـيـخ حـمّـودي. وكـان إبـراهـيـم قـد سـاعـد أبـاه وأخـاه الأكـبـر، يـحـيى، في عـمـلـهـمـا مـدّة سـتّ سـنـوات.

ويـروي وولي في مـقـدمـة الـتّـقـريـر كـيـف أنّـه فـوجئ بـلـقـاء الـشّـيـخ حـمّـودي في بـغـداد بـدلاً مـن أن يـكـون في أور لـيـعـدّ الـمـوقـع. وأعـلـمـه حـمّـودي أنّ ابـنـه إبـراهـيـم مـات فـجـأة. ويـذكـر وولي أنّ الـكـولـيـرا كـانـت قـد تـفـشّـت في الـمـوقـع في الـمـوسـم الـسّـابـق وأنّـه أجـبـر عـلى تـلـقـيـح كـلّ عـمّـالـه، وتـحـاشى بـذلـك أن يـمـوت مـنـهـم أحـد.

ولـديـنـا صـورة الـتـقـطـت عـام 1932 لـتـلـقـيـح الـعـمـال ضـدّ الـكـولـيـرا ونـرى في يـسـارهـا لـيـونـارد وولي وزوجـتـه كـاثـريـن:

Hammoudi 32

حـمّـودي ومـاكـس مـالـوان :

ومـن بـيـن أهـمّ مـا نـعـرفـه عـن الـشّـيـخ حـمّـودي مـا ذكـره مـاكـس مـالـوان  Max Mallowan ، في كـتـابـه : “مـذكّـرات عـن أور  Mesmoires of Ur” :

“يـعـرف الـنّـاس شـيـئـيـن عـنـه : إنّـه كـان مـن عـائـلـة مـعـروفـة، وإنّـه كـان شـريـفـاً لا يـقـبـل الـرّشـوة. وقـد عـلّـمـني هـو نـفـسـه أنّـه يـنـبـغي لـقـيـادة الـعـمّـال أن يـحـبّـوني ويـخـشـونـني في آن واحـد. وكـانـت حـيـويـتـه تـبـثّ الـنّـشـاط في مـن حـولـه، وكـان حـسّـاسـاً يـفـهـم الآخـريـن فـلـم يـكـن يـدفـع الـعـمـال لـيـجـهـدوا أنـفـسـهـم أكـثـر مـن طـاقـتـهـم. وكـان يـعـرف في كـلّ رجـل مـنـهـم مـواطـن ضـعـفـه، ويـسـتـطـيـع أن يـسـخـر مـن الـمـشـاكـس ويـخـفـض مـن قـدر الـمـتـعـالي ويـرفـع قـدر الـمـتـواضـع. وكـان حـاذقـاً في تـقـلـيـد الـحـركـات وتـعـابـيـر الـوجـه لـيـضـحـك عـمـالـه مـتى مـا شـاء أو لـيـشـيـر لـواحـد مـنـهـم أن يـخـجـل مـمـا يـفـعـل. وكـان قـادراً عـلى إعـادة الـهـدوء بـيـن الـرّجـال بـمـزيـج مـن الـسّـخـريـة مـنـهـم وشـتـمـهـم والـثّـنـاء عـلـيـهـم.

الشيخ حمودي 1926

وكـان يـدرك أهـمـيـة الـغـنّـاء ويـقـلّـد بـمـسـحـاة الـعـمـل صـاحـب الـمـشـحـوف وهـو يـدفـع مـشـحـوفـه بـالـمـردي وسـط الـمـيـاه فـتـرتـفـع الأنـغـام مـن أفـواه الـعـمّـال الـعـرب وهـم يـشـعـرون وكـأنّ مـشـاحـيـفـهـم تـنـزلـق عـلى صـفـحـات مـيـاه الأهـوار في هـدوء الـلـيـل.

وكـانـت شـخـصـيـتـه الـقـويـة تـدفـع رجـالـه لـلـعـمـل طـيـلـة الـنّـهـار، مـن شـروق الـشّـمـس إلى غـروبـهـا. وكـان يـربـطـه بـلـيـونـارد وولي تـفـاهـم لـيـس مـثـلـه تـفـاهـم، وارتـبـاط بـيـنـهـمـا يـفـسـره حـمّـودي بـقـولـه : “كـثـيـراً مـا تـقـاسـمـنـا خـبـزنـا مـعـاً”.

Hammoudi 28 29

(صـورة لـفـريـق الـتّـنـقـيـبـات الـتـقـطـت في أور في مـوسـم 1928/ 1929 نـرى في الـصّـف الأوّل مـنـهـا حـمّـودي، الـثّـالـث مـن الـيـسـار، جـالـسـاً بـجـانـب الأب إريـك بُـروز)

حـمّـودي وأجـاثـا كـريـسـتي

ذكـرت في بـدايـة الـمـقـال كـيـف أنـني قـرأت لأوّل مـرّة عـن حـمّـودي في كـتـاب أجـاثـا كـريـسـتي : تـعـال أخـبـرني كـيـف تـعـيـش Come, tell me how you live الّـذي نـشـرتـه عـام 1946، والّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن مـشـاركـتـهـا في تـنـقـيـبـات زوجـهـا عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان في أعـالي الـفـرات، والّـذي تـذكـر فـيـه حـمّـودي (كـتـبـت اسـمـه Hamoudi بـ  M واحـدة) أكـثـر مـن أربـعـيـن مـرّة.

أجاثا كريستي تعال

وهي تـروي مـنـذ الـصّـفـحـة 21 مـن الـكـتـاب، عـنـدمـا وصـلـت إلى بـيـروت ووجـدت زوجـهـا مـاكـس مـالـوان في انـتـظـارهـا، كـيـف أنّـهـم سـيـسـلـكـون طـريـقـهـم بـعـد أيّـام إلى مـوقـع جـقـجـقـة عـلى ضـفـة الـخـابـور لـيـنـقّـبـوا فـيـه ثـلاثـة أشـهـر، وكـيـف سـيـكـون مـعـهـم : “دلـيـل وفـيـلـسـوف وصـديـق، أي حـمّـودي الّـذي كـان رئـيـس عـمّـال تـنـقـيـبـات أور، وصـديـق قـديـم لـزوجي، والّـذي سـيـأتي لـيـسـاعـدنـا بـيـن مـوسمي تـنـقـيـبـات، في أشـهـر الـخـريـف هـذه”.

وكـيـف كـان مـاكـس قـلـقـاً لأنّـه لـم يـجـد حـمّـودي في بـيـروت كـمـا كـان يـتـوقـعـه.

ثـمّ فـجـأة : “إسـتـيـقـاظ مـبـكـر. في الـخـامـسـة صـبـاحـاً، إنـفـتـح بـاب غـرفـتـنـا، وأعـلـن صـوت بـالـعـربـيـة : “وصـل رئـيـس عـمـالـكـم !”.

ودخـل حـمّـودي وولـداه في الـغـرفـة بـالـسّـحـر الـمـتـحـمّـس الّـذي يـمـتـازون بـه، يـمـسـكـون بـأيـديـنـا ويـضـغـطـون بـهـا عـلى جـبـاهـهـم. “شـلـون كـيـفـك ؟  Shlon kefek”،”كـلـش زيـن Kullish zen”،”الـحـمـد لله ! الـحـمـد لله El hamdu lillah ! وبـعـد أن نـفـضـنـا الـنّـعـاس عـن أعـيـنـنـا، تـربّـع حـمّـودي وولـداه عـلى راحـتـهـم عـلى الأرض وشـرعـوا بـتـبـادل الأخـبـار مـع مـاكـس. وأبـعـدني حـاجـز الـلـغـة عـن مـشـاركـتـهـم في الـثّـرثـرة، فـقـد اسـتـعـمـلـت كـلّ مـا كـنـت أعـرفـه مـن الـلـغـة الـعـربـيـة، ولـم يـعـد لـديّ مـنـه الـمـزيـد. وكـان الـنّـعـاس مـا زال يـداعـب أجـفـاني، وودت لـو أنـتـظـر حـمّـودي وولـداه قـلـيـلاً قـبـل أن يـأتـوا في الـفـجـر، ولـكـنّي أدركـت أنّـه كـان بـديـهـيـاً عـنـدهـم أن يـأتـونـا بـأسـرع مـا يـمـكـن.

وطـرد شـرب الـشّـاي الـنّـعـاس مـن عـيـنيّ، ووجـه لي حـمّـودي الـكـلام عـدّة مـرّات، وتـرجـم لي مـاكـس مـا قـال، كـمـا تـرجـم لـه أجـوبـتي. وكـان ثـلاثـتـهـم يـشـعّـون بـهـجـة وسـروراً، وعـنـدهـا أدركـت إلى أي حـدّ كـان هـؤلاء الـنّـاس شـديـدي الـتـشـويـق والإبـتـهـاج”.

وعـنـدمـا بـحـثـوا عـن سـائـق لـيـقـود سـيـارتـهـم إلى الـمـوقـع وجـده لـهـم حـمّـودي، وعـنـدمـا سـألـه مـاكـس كـيـف وجـده : “بـسـهـولـة. كـان واقـفـاً عـلى شـاطئ الـبـحـر، عـاطـلاً لـم يـجـد عـمـلاً وفـرغـت جـيـوبـه تـمـامـاً. وسـيـكـون رخـيـصـاً. وهـكـذا سـنـقـتـصـد في نـفـقـاتـنـا !”. وعـنـدمـا سـألـه مـاكـس إن كـان واثـقـاً أنّ الـرّجـل يـحـسـن الـسّـيـاقـة، وجـد حـمّـودي الـسـؤال غـريـبـاً وأجـابـه : “الـخـبّـاز رجـل يـضـع الـعـجـيـن في الـفـرن ويـخـبـزه. والـسّـائـق رجـل يـجـلـس أمـام الـمـقـود ويـسـوق الـسّـيّـارة !”.

وعـنـدمـا وصـلـوا قـريـة بُـصـيـرة الّـتي لـم يـجـدوا فـيـهـا إلّا آثـاراً رومـانـيـة هـزّ حـمّـودي رأسـه بـخـيـبـة أمـل وهـو يـردد : “مـن زمـان الـرّوم  Min Ziman er Rum”.

وهي تـكـتـب : “كـان حـمّـودي ومـاكـس سـعـيـديـن جـدّاً مـعـاً. وكـانـا يـضـحـكـان ويـغـنـيـان ويـروي الـواحـد مـنـهـمـا قـصـصـاً لـلآخـر. وكـنـت أطـلـب أحـيـانـاً [مـن مـاكـس] أن يـتـرجـم لي عـنـدمـا يـنـطـلـق مـرحـهـمـا قـهـقـهـات. وكـنـت أغـار أحـيـانـاً مـن ذلـك”.

وفي مـكـان آخـر : “كـان حـمّـودي يـعـتـبـر الـسّـيّـارة نـوعـاً مـن الـخـيـل، أقـلّ نـبـلاً ولـكـن أكـثـر خـضـوعـاً. وعـنـدمـا كـنّـا نـجـد مـجـرى مـيـاه يـنـبـغي اجـتـيـازه، كـان حـمّـودي يـصـرخ بـالـسّـائـق : “بـسـرعـة ــ بـسـرعـة، لا تـتـرك لـهـا الـوقـت لـتـنـكـص. أطـلـق عـنـانـهـا ! أطـلـق عـنـانـهـا !”.

وعـنـدمـا وصـلا إلى قـريـة ذهـبـا إلى غـرف وجـدوهـا لـيـقـضـوا فـيـهـا الـلـيـل : “وكـان الـمـسـيـر صـعـبـاً لأنّ الـطّـيـن كـان يـلـتـصـق بـالأقـدام كـفـطـائـر مـسـتـديـرة ثـقـيـلـة تـبـطئ حـركـاتـنـا … وضـحـكـت لـرؤيـة فـطـائـر الـطّـيـن هـذه الـمـلـتـصـقـة بـقـدميّ. كـنـت أحـس بـهـا تـمـامـاً كـمـا لـو كـنـت في حـلـم. وضـحـك حـمّـودي أيـضـاً، وقـال لـمـاكـس : “أحـسـنـت بـاصـطـحـاب الـخـاتـون مـعـنـا،  فـهي تـضـحـك لـكـلّ شئ !”.

ثـمّ تـذكـر أنّ حـمّـودي أكّـد لـهـم أنّ كـلّ شئ سـيـكـون عـلى مـا يـرام، و”كـان يـشـعّ كـالـعـادة بـابـتـسـامـتـه الّـتي لا تـقـاوم”.

و”بـعـد أن أنـهـيـا مـوسـم الـتّـنـقـيـبـات في أور، لـحـق ولـدا حـمّـودي بـنـا. وكـان أكـبـرهـمـا، يـحـيى، طـويـلاً تـعـلـو شـفـتـيـه ابـتـسـامـة واسـعـة مـرحـة، أمّـا عـلّاوي، الأصـغـر، فـقـد كـان وسـيـمـاً، يـبـدو أكـثـر الإثـنـيـن ذكـاءً. ولـكـنّـه كـان حـاد الـطّـبـع، يـتـشـاجـر أحـيـانـاً لأسـبـاب تـافـهـة… وبـعـد أن رتّـب حـمّـودي الأمـور [لـتـبـدأ الـتّـنـقـيـبـات] تـركـنـا وعـاد إلى داره”.

وهـكـذا انـتـهى ذكـر أجـاثـا كـريـسـتي لـحـمّـودي في الـصّـفـحـة 86 مـن كـتـابـهـا.

وقـد وضـعـت في كـتـابـهـا صـورة لـحـمّـودي، مـنـتـصـبـاً بـهـيـبـتـه الـمـعـتـادة :

حمودي 001

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إسـتـعـمـلـت في كـتـابـة هـذا الـنّـص بـعـض الـمـعـلـومـات الّـتي احـتـوى عـلـيـهـا مـقـال بـراد هـافـورد عـن تـنـقـيـبـات وولي، ومـقـال كـيـرا كـيـرشـر عـن الـشّـيـخ حـمّـودي في مـدونـة مـتـحـف Penn  الـتّـابـع لـجـامـعـة بـنـسـلـفـانـيـا في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة.

(1) أنـظـر مـقـالي : أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق

(2)  بـعـد أن أنـهى تـومـاس إدوارد لـورنـس  Thomas Edward LAWRENCE دراسـتـه في جـامـعـة أكـسـفـورد، سـافـر في أوربـا ثـمّ في الـشّـرق الأدنى وشـارك في تـنـقـيـبـات كـرشـمـيـش الأثـريـة، ثـمّ اشـتـغـل خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في الـمـخـابـرات الـبـريـطـانـيـة وأرسـل إلى الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة لـيـعـدّ “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وبـعـد نـهـايـة الـحـرب صـاحـب لـورنـس الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن إلى مـؤتـمـر الـصّـلـح الّـذي عـقـد في فـرسـاي، قـرب بـاريـس عـام 1919. وقـد نـصـب فـيـصـل مـلـكـاً عـلى سـوريـا، ولـكـنّ الـفـرنـسـيـيـن طـردوه مـنـهـا بـعـد تـطـبـيـق مـعـاهـدات سـايـكـس ـ بـيـكـو. وأخـيـراً تـوّج فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق عـام 1921 بـاسـم فـيـصـل الأوّل.

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

الـبـيـت الـتّـراثي كـمـا وصـفـتـه أربـع أجـنـبـيـات

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

ولـدتُ في دار كـبـيـرة عـاشـت فـيـهـا عـدّة أجـيـال قـبـلي، وسـكـن فـيـهـا والـدي وأعـمـامي وعـمّـاتي، لـكـلّ واحـد مـنـهـم جـزء مـنـهـا.

وكـان حـائـطـهـا الـمـطـلّ عـلى الـطّـريـق شـديـد الإرتـفـاع لا نـوافـذ فـيـه، نـدخـل مـنـه إلـيـهـا مـن بـاب خـشـبي كـبـيـر بـضـلـفـيـن (أو درفـتـيـن) يـفـضي إلى مـمـر واسـع وطـويـل يـوصـل إلى الـمـضـيـف مـن جـهـة وإلى بـيـوت الـسّـكـن مـن جـهـة أخـرى. وكـان الـمـضـيـف حـوشـاً واسـعـاً عـلى جـانـب مـنـه غـرف وعـلى الـجـانـب الآخـر قـاعـة نـصـعـد إلـيـهـا بـعـدّة درجـات يـتـقـدّمـهـا إيـوان يـنـفـتـح عـلى الـحـوش، وتـحـتـهـا سـرداب عـمـيـق نـنـزل إلـيـه بـسـلـم تـتـابـع درجـاتـه هـابـطـة، كـان يـخـيـل إلـيـنـا، نـحـن الـصـغـار، أنـهـا لـن تـتـوقـف عـن الـسّـقـوط !

أمّـا جـزء الـدّار الّـذي كـان يـحـوي بـيـوت الـسّـكـن فـكـنّـا نـدخـل إلـيـه مـن يـسـار الـمـمـر مـن بـاب خـشـبي أخـضـر الـلـون بـسـعـة الـبـاب الـخـارجي، يـفـضي هـو الآخـر إلى مـمـر عـلى جـانـبـه بـيـت إحـدى عـمّـاتي ثـمّ بـيـت أحـد أعـمـامي يـوصـلـنـا إلى حـوش شـديـد الـسّـعـة في وسـطـه شـجـرة كـالـبـتـوس (أو أكـالـبـتـوس)، وحـولـه بـيـوت الآخـريـن ومـن ضـمـنـهـم بـيـتـنـا بـغـرف نـومـه ومـطـبـخـه وحـجـرة مـؤونـتـه وسـرداب صـغـيـر تـحـتـهـمـا.

كـمـا كـان عـلى جـانـب مـن الـحـوش الـواسـع مـطـبـخ كـبـيـر يـسـتـعـمـلـه الـجـمـيـع خـاصـة لإعـداد وجـبـات ضـخـمـة لـلـضـيـوف الّـذيـن لـم تـكـن تـخـلـو مـنـهـم الـدّار إلّا نـادراً. كـمـا كـان فـيـه حـمـام يـسـخـن الـمـاء فـيـه مـوقـد يـلـتـهـم كـمـيـات مـذهـلـة مـن الـحـطـب. وكـان في الـدّار دورات مـيـاه في أمـاكـن عـديـدة.

وكـان في جـانـب مـن الـدّار سـلّـم نـصـعـد عـلـيـه إلى الـسّـطـح الـشّـديـد الإمـتـداد، لـكـلّ بـيـت جـزء مـن هـذا الـسّـطـح الّـذي يـطـلّ عـلى سـوق تـكـريـت وعـلى الـسّـراي والـمـدرسـة وتـنـحـدر الـعـيـن مـنـه لـتـصـل إلى دجـلـة.

وعـنـدمـا انـتـقـلـنـا إلى بـغـداد في الـسّـنـة الّـتي دخـلـت فـيـهـا الـمـدرسـة الإبـتـدائـيـة سـكـنّـا في دار واسـعـة هي الأخـرى يـنـفـتـح جـانـبـاهـا الـمـخـصـصـان لـلـسّـكـن عـلى حـوش تـحـيـطـه حـيـطـان شـديـدة الإرتـفـاع في وسـطـه حـديـقـة تـنـبـثـق مـنـهـا نـخـلـة شـاهـقـة الـعـلـو حـولـهـا أعـداد مـن أشـجـار الـنّـارنـج. وكـانـت الـدّار عـلى ضـفـة دجـلـة يـتـقـدم سـطـحـهـا نـحـو الـنّـهـر لـيـصـيـر شـرفـة تـغـطى الـدّرب الّـذي يـفـصـل الـدّار عـنـه.

ثـمّ تـركـنـا هـذه الـدّار أيـضـاً لـنـسـكـن في دور “حـديـثـة” لـم تـعـد تـدور حـولـهـا حـيـطـان عـالـيـة تـفـصـلـهـا عـن الـعـالـم الـخـارجي، ولـم يـعـد في وسـطـهـا حـوش تـحـيـطـه غـرف الـسّـكـن والـمـرفـقـات، وإنّـمـا صـارت تـحـيـطـهـا حـديـقـة لا تـفـصـلـهـا عـن الـشّـارع إلّا حـيـطـان واطـئـة وتـنـفـتـح غـرفـهـا بـنـوافـذ واسـعـة عـلى الـحـديـقـة أو حـتّى تـطـلّ عـلى الـشّـارع !

وكـان تـغـيـيـراً جـذريـاً كـمـا لـو قـلـبـنـا بـطـانـة مـعـطـف ووضـعـنـاهـا إلى الـخـارج وأدخـلـنـا قـمـاش الـمـعـطـف ووضـعـنـاه في الـبـاطـن !

وقـد هـدمـت دارنـا في تـكـريـت عـنـدمـا شـيّـد الـجـسـر الـكـبـيـر الّـذي مـرّ عـلـيـهـا، كـمـا هـدمـت الـدّار الـقـديـمـة الّـتي سـكـنـاهـا في “سـبـع قـصـور” عـنـدمـا حـوّل الـدّرب الـضّـيّـق أمـامـهـا إلى شـارع واسـع يـوصـل إلى الـجـسـر الـمـعـلّـق. وهـكـذا فـقـدتُ بـضـيـاعـهـمـا جـزءاً مـن طـفـولـتي ومـطـلـع صـبـاي لا يـمـكـن أن يـدرك أهـمـيـتـه إلّا مـن كـان قـد عـاش مـثـلي في دور تـراثـيـة قـديـمـة.

وقـد اهـتـمـمـت بـعـد ذلـك بـالـنّـصـوص الّـتي تـتـكـلّـم عـن هـذه الـدّور الّـتي مـا زالـت تـسـكـن ذاكـرتي، والّـتي أتـأسّـف لأنـنـا أبـدلـنـاهـا بـدور عـاديـة نـرى مـثـلـهـا في كـلّ مـكـان، كـمـا لـو كـنّـا أبـدلـنـا مـصـبـاح عـلاء الـدّيـن الـقـديـم بـمـصـبـاح جـديـد بـرّاق ولـكـن لا سـحـر فـيـه !

ووجـدت أعـداداً كـبـيـرة مـن الـقـصـص والـرّوايـات تـدور أجـزاء مـن أحـداثـهـا في مـثـل هـذه الـبـيـوت الـقـديـمـة، وكـتـب مـذكـرات يـحـاول مـؤلـفـوهـا أن يـسـتـرجـعـوا بـعـض مـا تـبـقى لـهـم مـن الـذّكـريـات عـنـهـا. ولـكـنّي اسـتـغـربـت لـقـلّـة الـصّـور الـقـديـمـة الّـتي الـتـقـطـت أو الـلـوحـات الّـتي رسـمـت في داخـلـهـا، كـمـا لـو أنّ حـيـاء أنـاس تـلـك الأزمـان مـنـعـهـم مـن فـضـح تـلـك الأمـاكـن الـمـسـتـورة ونـشـرهـا أمـام أعـيـن كـلّ مـن هـبّ ودب.

وقـد اخـتـرت لـكـم أربـع نـظـرات ألـقـتـهـا أجـنـبـيـات عـلى بـيـوتـنـا الـقـديـمـة : فـرنـسـيـة زارت الـعـراق بـصـحـبـة زوجـهـا في نـهـايـة 1881 وبـدايـة 1882، وأمـريـكـيـة جـاءت إلى بـغـداد مـع زوجـهـا عـام 1924 لـفـتـح مـدرسـة لـلـبـنـيـن، وسـكـنـت في عـدّة بـيـوت بـغـداديـة حـتّى عـام 1947، وإنـكـلـيـزيـة وصـلـت الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1928، ثـمّ عـادت إلـيـه مـراراً وسـكـنـت في بـيـوت بـغـداديـة أسـهـبـت في وصـفـهـا، وانـكـلـيـزيـة أخـرى تـكـلّـمـت عـن بـيـوت عـراقـيـة في روايـتـيـن مـن روايـاتـهـا الـشّـديـدة الـشّـهـرة وفي كـتـب ذكـريـات …

الـفـرنـسـيـة جَـيـن ديـولافـوا  Jane Dieulafoy :

صـاحـبـت جَـيـن (أو جـان حـسـب الـلـفـظ الـفـرنـسي) في عـام 1879 (وكـانـت في الـثّـامـنـة والـعـشـريـن مـن عـمـرهـا) زوجـهـا إلى بـلاد الـفـرس (إيـران الـحـالـيـة) في رحـلـة كـان الـهـدف مـنـهـا دراسـة الـعـلاقـات بـيـن الـفـنـون الـشّـرقـيـة والـفـنـون الـغـربـيـة.

وفي عـامي 1881 و1882 جـابـا أرجـاء بـلاد فـارس، ثـمّ تـجـولا في ولايـتَي الـبـصـرة وبـغـداد (الـلـتـيـن كـانـتـا تـحـت الـحـكـم الـعـثـمـاني)، وقـطـعـا في أربـعـة عـشـر شـهـراً مـا يـقـارب الـسّـتّـة آلاف كـيـلـومـتـر. وخـصـصـا لـزيـارة الـولايـتـيـن الـعـراقـيـتـيـن حـوالي شـهـريـن : مـن 21 تـشـريـن الـثّـاني 1881 إلى 11 كـانـون الـثّـاني 1882.

وقـد نـشـرت جَـيـن سـرد رحـلـتهـا مـع زوجـهـا في مـجـلّـة أوّلاً، ثـمّ أصـدرت عـام 1887،كـتـابـاً عـنـوانـه : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش (سـوسـة) La Perse, La Chaldée, La Susiane”.

ديولافوا 2 (420x640)

وصـلـت جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا مـارسـيـل إلى الـبـصـرة أولا، ثـمّ صـعـدا إلى بـغـداد الّـتي وصـلاهـا في 12 كـانـون الأوّل. ووصـفـت دار الـقـنـصـلـيـة الـفـرنـسـيـة في بـغـداد :

“شـيّـد دار الـقـنـصـلـيـة بـغـداديـون لـيـسـكـنـهـا بـغـداديـون. وفي وسـط درب ضـيّـق [= دربـونـة] يـنـتـصـب جـدار عـالٍ لا فـتـحـة فـيـه إلّا بـاب يـسـمـح بـالـكـاد لـفـارس أن يـمـرّ فـيـه عـلى فـرسـه. وبـعـد أن يـمـرّ الـمـرء بـالـمـدخـل يـصـل إلى رواق يـقـيـم فـيـه الـحـرس (الـخـواص  cawas)  الّـذيـن عـهـد إلـيـهـم بـحـمـايـة الـقـنـصـل ومـصـاحـبـتـه في تـنـقّـلاتـه. ويـقـومـون أيـضـاً بـالـتّـسـوق وجـلـب الـضّـروريـات. ونـصـل بـعـدهـا إلى حـوش واسـع تـنـفـتـح عـلـيـه أبـواب الـمـطـابـخ والإسـطـبـلات ومـحـلاّت الـسّـروج وبـاقي غـرف خـدمـة الـدّار. ومـن بـاب فـتـح في جـانـب مـن الـحـوش نـصـل إلى حـوش ثـاني شـيّـدت حـولـه غـرف الـسّـكـن بـشـنـاشـيـلـهـا وبـنـوافـذهـا الـمـغـطـاة بـقـطـع الأخـشـاب والـزّجـاج الـمـتـشـابـكـة الـمـغـطـاة بـنـسـيـج مـحـبّـك أبـيـض وأحـمـر لـيـحـمي الـدّاخـل مـن حـرارة الـشّـمـس الـشّـديـدة في وسـط الـنّـهـار”.

بيلفيل بغداد

(حـوش بـيـت بـغـدادي. لـوحـة بـالألـوان الـمـائـيـة لأرثـر مـيـلـفـيـل، 1882 ) (2)

“مـا قـلـتـه يـخـصّ مـخـطـط الـدّار، أمّـا عـن طـريـقـة تـشـيـيـده فـإنّ قـيـظ الـصّـيـف وقـرّ بـرد الـشّـتـاء يـجـبـران الـسّـاكـنـيـن عـلى تـغـيـيـر أمـاكـنـهـم في كـثـيـر مـن الأحـيـان. وهـم يـشـيـدون دوراً يـجـدون فـيـهـا حـلـولاً لـمـشـاكـل الـطّـقـس أربـع مـرّات في الـسّـنـة : فـفي كـلّ الـمـسـاكـن غـرف مـعـقـودة الـسّـقـوف حـفـرت عـلى عـمـق ثـلاثـة أمـتـار أو أربـعـة. وفي هـذه الـغـرفـة الّـتي تـسـمـى (سـرداب  sedab)، والّـتي تـشـبـه الـزّيـر زمـيـن  zir zamin عـنـد الـفـرس، تـنـزل كـلّ عـائـلـة بـغـداديـة مـنـذ أن يـحـلّ الـرّبـيـع مـع أثـاث الـدّار وكـلّ مـا يـحـتـاجـونـه في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة، فـلـو تـركـوا الأثـاث الـخـشـبي في خـارج الـسّـرداب لأكـلـه الـعـث وتـسـاقـط مـن شـدّة الـحـرّ. وعـنـدمـا تـرتـفـع درجـات الـحـرارة يـنـزل الـنّـاس بـسـرعـة في الـسّـراديـب الّـتي يـتـغـيـر الـهـواء فـيـهـا مـارّاً بـالـبـادكـيـر  badguird (وهي الـمـلـقـفـات)، ولا يـخـرجـون مـنـهـا إلّا في الأصـيـل لـيـتـنـفـسـوا هـواءً خـانـق الـحـرارة، فـدرجـات الـحـرارة لا تـهـبـط إلّا قـلـيـلاً بـغـد غـروب الـشّـمـس”.

ج. ديولافوا 3

ورغـم قـصـر الـفـتـرة الّـتي أقـامـت فـيـهـا ديـولافـوا في بـغـداد، فـهي تـتـكـلّـم عـن الـطّـقـس في هـذه الـمـديـنـة وعـن تـعـاقـب فـصـول الـسّـنـة فـيـهـا كـمـا لـو كـانـت قـد عـاشـت فـيـهـا سـنـوات طـويـلـة. وهي ولا شـكّ قـد سـجّـلـت مـا سـمـعـتـه مـن الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـت بـهـم ونـقـلـتـه عـنـهـم بـكـلّ نـواقـصـه ومـبـالـغـاتـه :

“والـمـديـنـة مـيّـتـة لا حـركـة فـيـهـا في الـنّـهـار ولـكـنّـهـا تـعـود إلى الـحـيـاة في الـمـغـرب، فـتـجـتـمـع الـنّـسـاء ويـتـزاورن مـتـنـقـلات مـن سـطـح إلى سـطـح، ويـقـضـيـن الـلـيـل في الـثّـرثـرة وهـنّ يـدخـنّ ويـشـربـن الـشـربـت  cherbet. وهـنّ مـجـبـرات، لـيـتـحـاشـيـن الـبـعـوض، عـلى إطـفـاء الأضـواء والـبـقـاء في الـظـلام. ويـجـبـرهـنّ فـصـل الـقـيـظ عـلى فـراغ مـمـل. ويـنـزل الـجـمـيـع في الـفـجـر إلى الـسّـرداب لـيـقـضـوا الـنّـهـار في خـمـود وركـود يـصـيـبـان حـتّى أنـشـط الـنّـاس مـنـهـم”.

“وعـنـدمـا يـحـلّ الـبـرد يـصـعـد الـنّـاس إلى غـرف الـطّـابـق الأوّل، ورغـم أنّـهـم يـوقـدون الـنّـار في الـمـواقـد فـهـم يـظـلـون يـرتـجـفـون مـن شـدّة الـبـرد وخـاصـة بـعـد أن أضـعـفـتـهـم شـدّة الـحـرّ واسـتـنـزفـت حـيـويـتـهـم”.

(أنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق ).

 

الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت  Ida Donges Staudt :

قـبـلـت إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت مـع زوجـهـا Calvin في عـام 1924مـهـمـة فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد The Americain School for Boys . وكـانـت في الـتّـاسـعـة والأربـعـيـن مـن عـمـرهـا، فـقـد ولـدت في 1875.

ودامـت “مـغـامـرة” إيـدا وزوجـهـا ثـلاث وعـشـريـن سـنـة (إلى عـام 1947)، سـكـنـا خـلالـهـا عـدّة بـيـوت بـغـداديـة. كـمـا زارا أمـاكـن كـثـيـرة مـن الـعـراق، فـقـد نـزلا عـن طـريـق دجـلـة إلى الـبـصـرة، وزارا كـربـلاء والـنّـجـف وصـعـدا إلى كـردسـتـان وتـجـولا في الـبـاديـة لـلـقـاء الـبـدو.

وقـد بـدأت إيـدا بـكـتـابـة ذكـريـاتـهـا عـن الـعـراق بـعـد رجـوعـهـا إلى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة، وأكـمـلـتـهـا في 1951، أي قـبـل سـنـة مـن وفـاتـهـا (في 1952)، ولـكـنّ نـصّـهـا لـم يـنـشـر إلّا في 2012 تـحـت عـنـوان : الـعـيـش في بـغـداد الـرّومـانـسـيـة : مـذكّـرات أمـريـكـيـة عـن الـتـدريـس والـسّـفـر في الـعـراق مـن 1924 إلى 1947

Living in Romantic Baghdad: An American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924-1947.Edited by John Joseph, New York, Syracuse University Press 2012.

living-240

أقـامـت إيـدا وزوجـهـا عـنـد وصـولـهـمـا إلى بـغـداد في فـنـدق، ثـمّ وجـدا داراً أجـراهـا :

“كـانـت الـدّار وسـط حيّ الـنّـصـارى الـشّـديـد الإزدحـام، وكـانـت قـد شـيّـدت، كـكـلّ دور ذلـك لـزّمـان، حـول حـوش مـفـتـوح، ولـكـنّـهـا كـانـت تـفـتـقـر إلى مـرافـق كـثـيـرة ، وكـانـت تـكـتـفي بـالـقـلـيـل لـتـسـتـطـيـع أن تـتـقـوقـع عـلى نـفـسـهـا احـتـمـاءً مـن شـدّة الـحـرّ الّـذي بـدأ يـتـقـدّم بـخـطى واسـعـة.

كـلّ دار في بـغـداد تـقـريـبـاً تـمـتـلـك سـردابـاً serdab، وهي غـرفـة تـحـت مـسـتـوى الـحـوش تـنـخـفـض فـيـهـا درجـات الـحـرارة. وقـبـل أن تـصـل الـمـراوح الـكـهـربـائـيـة كـان الـسّـرداب الـمـلـجـأ الـوحـيـد مـن الـقـيـظ.

ولـكـنّ دارنـا لـلأسـف لـم يـكـن فـيـهـا سـرداب، ولـم يـكـن فـيـهـا تـحـت الأرض إلّا الـمـطـبـخ الّـذي كـان بـلا نـافـذة، ولـم يـكـن فـيـه إلّا مـوقـد فـحـمي حـقـيـر وثـقـب في أرضـيـتـه لـيـسـيـل فـيـه الـمـاء. وقـد بـذلـت كـلّ مـا كـان بـوسـعي لـنـسـتـطـيـع الـعـيـش في هـذه الـدّار عـنـدمـا بـدأت درجـات الـحـرارة تـتـقـافـز صـاعـدة، ولـكـنّي فـشـلـت، وكـاد هـذا أن يـحـطّـمـني”.

وتـحـوّلا إلى دار أخـرى في حـزيـران :

“وضـعـت دار كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر تـحـت تـصـرّفـنـا مـؤقّـتـاً، وكـانـت داراً قـد شـيّـدت لـراحـة سـاكـنـيـهـا. وتـمـتّـعـنـا بـهـا تـمـام الـتّـمـتـع، وفـيـهـا بـدأنـا حـيـاتـنـا الـبـغـداديـة بـدايـة حـقـيـقـيـة.

كـنّـا نـنـزل وسـط الـنّـهـار إلى سـرداب مـنـعـش الـبـرودة، وكـنّـا نـجـد في الـمـسـاء راحـة وسـحـراً في الـجـلـوس في الـشّـرفـة أمـام الـنّـهـر نـتـأمّـل الأضـواء تـنـبـض فـوق جـسـر الـقـوارب وعـلى ضـفـتي دجـلـة الـمـظـلـلـة، وكـنّـا نـنـام الـلـيـل عـلى الـسّـطـح تـحـت سـمـاء عـمـيـقـة الـزّرقـة مـطـعـمـة بـالـنّـجـوم. وكـانـت أوّل هـديـة نـتـلـقـاهـا في الـصّـبـاح رؤيـة الـنّـهـر عـنـدمـا تـلـمـس أولى أشـعـة الـشّـمـس أبـنـيـة الـصّـوب الـمـقـابـل”.

ثـمّ سـمـعـت إيـدا بـأنّ : “داراً كـبـيـرة فـرغـت قـرب نـادي الـضّـبّـاط الـبـريـطـانـيـيـن، في حيّ حـديـث مـن الـمـديـنـة، تـحـيـطـهـا غـابـات الـنّـخـيـل، وعـنـدمـا زرتـهـا حـلـت لـعـيـنيّ فـأجـرتـهـا حـالاً وبـلا تـردد.

وبـانـتـقـالـنـا إلـيـهـا في الـخـريـف بـدأت حـيـاتـنـا الـعـمـلـيـة حـقّـاً. وكـانـت الـدّار تـنـاسـب تـمـامـاً مـا نـريـد، وإن اعـتـبـر الـبـعـض أنّـهـا بـعـيـدة عـن مـركـز الـمـديـنـة، وقـد أصـبـحـت الآن في وسـط الـمـديـنـة لـشـدّة مـا تـوسـعـت بـغـداد وامـتـدّت”.

“وكـانـت داراً كـبـيـرة فـيـهـا 20 غـرفـة واسـعـة حـول حـوش مـفـتـوح، أمـامـهـا شـرفـات عـريـضـة. وعـلى واحـدة مـن هـذه الـشّـرفـات يـمـكـن لـ 300 ولـد أن يـجـلـسـوا، وكـنّـا نـعـقـد فـيـهـا اجـتـمـاعـاتـنـا في الـصّـبـاح، وفـيـهـا كـانـت تـجـري بـعـض الـنّـشـاطـات الـمـدرسـيـة. وكـان في الـدّار أيـضـاً سـراديـب مـعـقـودة الـسّـقـوف، وكـانـت غـرفـهـا عـالـيـة الـسّـقـوف ولـهـذا قـررنـا أنّ سـعـتـهـا تـكـفي لاتـخـاذهـا سـكـنّـاً لـنـا ومـدرسـة لـتـلامـيـذنـا. وقـد أحـسـسـت بـنـفـسي سـيّـدة مـن الـطّـبـقـة الـعـلـيـا وأنـا أتـمـخـتـر في  أنـحـاء هـذا الـقـصـر qasr . وأنـا أعـتـقـد حـقّـاً أنّـهـا غـيّـرتـني وأجـبـرتـني عـلى أن أتـصـرف حـسـب مـا يـتـطـلـبـه مـنّي الـسّـكـن في قـصـر. فـفي هـذه الـدّار الـكـبـيـرة يـمـتـلئ الـمـرء هـيـبـةً فـيـتـصـرّف بـهـيـبـة. وقـد أضـفى عـليّ ذلـك، وأنـا الـبـسـيـطـة الأصـل، مـظـهـر سـيـادة كـنـت أحـتـاج إلـيـه لإدارة الـمـدرسـة”.

“وقـد قـال لي صـديـق في يـوم مـن الأيّـام : “أنـتِ لـن تـغـيّـري الـشّـرق، ولـكـنّ الـشّـرق سـيـغـيـرك!”. ولـم يـكـن هـذا صـحـيـحـاً تـمـامـاً، فـقـد جـاء الـتّـغـيـيـر مـن الـجـانـبـيـن.

وكـان في وسـط الـحـوش الـمـفـتـوح حـديـقـة مـثـمـنـة الأضـلاع تـنـتـصـب فـيـه أشـجـار وتـتـفـتـح فـيـهـا زهـور. وكـان زوجي يـسـمـيـهـا بـالـغـابـة لأنّ شـجـرة زيـتـون مـدّت أغـصـانـهـا في كـلّ الإتـجـاهـات بـجـانـب شـجـرتي نـارنـج وشـجـرتي دفـلى تـزهـر واحـدة أزهـاراً حـمـراء، والأخـرى أزهـاراً بـيـضـاء. وكـان فـيـهـا أيـضـاً نـخـلـة، ولـفـتـرة مـن الـزّمـن كـان فـيـهـا شـجـرة مـوز تـتـفـتـح أوراقـهـا الـواسـعـة سـاحـرة الـمـلـمـس.

وخـلال تـلـك الـسّـنـوات كـان الـجـلـوس فـيـهـا في الأمـسـيـات مـريـحـاً ومـنـعـشـاً، وكـان زوجي يـسـمـيـهـا : “غـابـة الـبـيـت “.

“وكـان لـهـذا “الـقـصـر” الـمـهـيـب قـصّـة مـدهـشـة، فـقـد اسـتـعـمـلـه الـبـريـطـانـيـون نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم. وكـان الإيـطـالـيـون قـد اتـخـذوه قـنـصـلـيـة لـهـم، ووجـدنـا بـقـايـا عـلـمـهـم عـلى الـسّـطـح حـيـنـمـا أجّـرنـا الـقـصـر، وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إخـتـارتـه الـقـيـادة الألـمـانـيـة مـقـرّاً لـهـا. وغـالـبـاً مـا حـذرونـا مـن أنّ شـبـح الـجـنـرال فـون ديـر غـولـتـز كـان يـتـجـوّل في أنـحـائـه”(3).

(أنـظـر مـقـالي : إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947 ).

 

الإنـكـلـيـزيـة فـريـا م. سـتـارك  Freya Madeline STARK :

 ولـدت فـريـا مـادلـيـن ســتـارك في بـاريـس، فـرنـسـا سـنـة 1893 مـن أبـويـن بـريـطـانـيـيـن. وكـان أبـوهـا روبـرت قـد درس الـرّسـم  في رومـا، والـتـقى بـأمّـهـا فـلـورا الّـتي كـانـت قـد نـشـأت وتـرعـرعـت في فـلـورنـسـا، والّـتي كـانـت هي أيـضـاً رسّـامـة وعـازفـة بـيـانـو.

وكـانـت فـريـا مـنـذ طـفـولـتـهـا سـيـئـة الـصّـحـة تـقـضي سـاعـات طـويـلـة مـن أيـامـهـا في الـقـراءة. وتـكـلّـمـت الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة والإيـطـالـيـة في فـتـرة مـبـكـرة مـن حـيـاتـهـا. ودخـل الـشّـرق في مـخـيـلـتـهـا مـنـذ سـنّ الـتّـاسـعـة عـنـدمـا أهـدتـهـا إحـدى عـمـاتـهـا تـرجـمـة “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة Arabian Nights  “.

وفي سـنـوات طـفـولـة فـريـا تـوتـرت الـعـلاقـات بـيـن أمّـهـا وأبـيـهـا، وتـركـت أمّـهـا الـدّار مـصـطـحـبـة أطـفـالـهـا وذهـبـت لـتـعـيـش في شـمـال إيـطالـيـا.

وعـمـلـت فـريـا كـمـمـرضـة في إيـطالـيـا خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، ثـمّ عـادت في نـهـايـتـهـا إلى بـيـت أمّـهـا. واستـمـرت تـقـرأ رحـلات الأوربـيـيـن إلى الـشّـرق مـمـا دفـعـهـا إلى دراسـة الـلـغـة الـعـربـيـة.

فـريـا تـتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة :

وجـدت فـريـا راهـبـاً كـبـوشـيـاً كان قـد عـاش ثـلاثـيـن سـنـة في بـيـروت قـبـل أن يـعـود إلى إيـطـالـيـا ويـدخـل ديـراً في San Remo. ولـمـدة سـنـوات سـارت فـريـا مـن الـحـقـل الّـذي كـانـت تـعـمـل فـيـه سـاعـة كـامـلـة لـتـصـل إلى أقـرب مـحـطة قـطـار ثـمّ تـركـب الـقـطـار الـمـغـادر إلى سـان ريـمـو، عـدّة مـرّات في الأسـبـوع. وقـضـت سـنـوات طـويـلـة تـتـابـع دروس الـرّاهـب وتـحـفـظ الأفـعـال الـعـربـيـة وتـصـرفـهـا.

ثـمّ سـافـرت إلى لـنـدن عـام 1926، وكـانـت في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـرهـا ووجـدت أسـتـاذاً مـصـريـاً لـيـسـاعـدهـا في دراسـتـهـا لـلـعـربـيـة.

فـريـا تـسـافـر إلى الـشّـرق وتـصـل إلى الـعـراق :

وفي 1927 تـركـت فـريـا أمّـهـا والـحـقـل نـهـائـيـاً لـتـعـود إلى لـنـدن وتـدخـل في مـعـهـد الـدّراسـات الـشّـرقـيـة London school of Oriental Studies . وعـنـدمـا جـمـعـت مـا يـكـفي مـن الـنّـقـود لـشـراء بـطـاقـة سـفـر عـلى بـاخـرة، إسـتـقـلـتـهـا في خـريـف ذلـك الـعـام نـحـو بـيـروت، ثـمّ ذهـبـت إلى دمـشـق وزارت جـبـل الـدّروز.

وفي 25 تـشـريـن الـثّـاني 1929 وصـلـت فـريـا إلى بـغـداد الّـتي كـانـت مـديـنـة مـتـعـددة الـلـغـات والـثّـقـافـات والأعـراق.

وقـد اسـتـفـزت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن، عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا، كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات.

وعـمـلـت فـريـا مـحـررة في جـريـدة  Baghdad Times  في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلك في كـتـاب نـشـرتـه في The Times Press Ltd. في بـغـداد تـحـت عـنـوان إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة Baghdad sketches، (وقـد اسـتـعـمـلـت كـلـمـة  sketches  هـنـا بـمـعـنـاهـا الـفـنّي أي الـتـخـطـيـطـات الـسّـريـعـة الّـتي يـنـفّـذهـا الـرّسـام).

وفي 1938 نـشـرت طـبـعـة ثـانـيـة مـن كـتـابـهـا “إسـكـتـشـات بـغـداديـة” بـعـد أن أضـافـت ثـمـانـيـة فـصـول كـتـبـتـهـا خـلال سـفـرة كـانـت قـد قـامـت بـهـا قـبـل ذلـك بـقـلـيـل.

F S 9

كـمـا أنّـهـا أعـدّت في أواخـر سـنـوات حـيـاتـهـا مـخـتـارات مـن رسـائـلـهـا الّـتي كـانـت قـد كـتـبـتـهـا إلى أهـلـهـا ومـعـارفـهـا طـيـلـة حـيـاتـهـا والّـتي كـانـت قـد احـتـفـظـت بـنـسـخ مـنـهـا ونـشـرتـهـا في ثـمـانـيـة أجـزاء، مـن 1974 إلى 1982.

تـتـكـلّـم فـريـا م. سـتـارك في رسـائـلـهـا عـن “أحـيـاء الـمـسـلـمـيـن” في بـغـداد، وتـعـني بـهـا الأحـيـاء الـبـغـداديـة الـشّـعـبـيـة. وهي تـفـرّق بـيـنـهـا وبـيـن الأحـيـاء الـحـديـثـة الّـتي كـان الأجـانـب وخـاصـة الإنـكـلـيـز يـسـكـنـون فـيـهـا. وقـد ذكـرنـا كـيـف أنّـهـا اخـتـارت أن تـسـكـن في دار في حي بـغـدادي أصـيـل لـتـخـتـلـط بـالـنّـاس ولـتـحـسـن لـغـتـهـا الـعـربـيـة، وهـو مـا اسـتـفـزّ الإنـكـلـيـز.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 2 تـشـريـن الـثّـاني  1929 :

“أعـتـقـد أنـني وجـدت داراً هـذا الـيـوم : ثـلاث غـرف وسـطـح وسـرداب. وقـد أعـيـد صـبـغـهـا بـالأبـيـض وقـضـبـان الـنّـوافـذ ومـا حـول الـنّـوافـذ بـالأزرق. وخـشـب بـابـهـا مـلـتـمـع يـعـلـوه قـوس، ولـه قـبـضـة نـحـاسـيـة. والـسّـطـح مـحـاط بـصـفـائـح حـديـد    مـتـمـوّجـة corrugated Iron  فـيـه فـتـحـات نـسـتـطـيـع أن نـنـظـر مـن خـلالـهـا مـن غـيـر أن يـرانـا أحـد مـن الـخـارج. ولـيـس عـلى الـنّـوافـذ زجـاج، ولـكـنـني أسـتـطـيـع أن أرى [مـن الـنّـافـذة ] شـجـرة تـعـجـبـني كـثـيـراً تـخـرج رأسـهـا مـن حـديـقـة الـجـامـع”.

وتـقـصّ فـريـا في الـفـصـل الـثّـالـث مـن كـتـابـهـا “إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة” الّـذي ألّـفـتـه بـعـد ثـلاث سـنـوات مـن كـتـابـة رسـالـتـهـا لأبـيـهـا، كـيـف أنّـهـا تـجـوّلـت في الـمـديـنـة ودخـلـت لابـيـرنـث الـدّروب الـضّـيـقـة الـمـتـلـوّيـة. وأبـصـرت بـدار فـارغـة، جـدرانـهـا مـن الـطّـابـوق وعـلـيـهـا لافـتـة بـالـعـربـيـة تـذكـر أنّـهـا لـلـبـيـع.

ولـكـنّ الّـذي جـذب نـظـرهـا كـانـت الـدّار الـمـجـاورة الّـتي رأت فـيـهـا “مـلّا” عـجـوزاً جـلـس مـتـربّـعـاً يـعـلّـم عـشـريـن أو ثـلاثـيـن طـفـلاً الـقـراءة. ولـم يـكـن لـهـم إلّا مـا يـقـارب الـعـشـرة مـصاحـف، فـتـجـمّـعـوا حـولـهـا : ثـلاثـة أو أربـعـة حـول كـلّ مـصـحـف، يـرددون بـأصـواتـهـم الـطـفـولـيـة آيـاتٍ قـرآنـيـة. وبـيـن الـحـيـن والـحـيـن، يـصـل طـفـل ويـخـلـع نـعـلـيـه لـيـدخـل في الـحـلـقـة، بـيـنـمـا يـنـهـض مـن أصـابـه الـمـلـل مـنـهـم لـيـتـجـوّل بـيـن الـنّـبـاتـات والـزّهـور، ثـمّ يـعـود إلى مـكـانـه بـعـد ذلـك. وكـان الـمـلّا أبـيـض الـعـمـامـة طـلى لـحـيـتـه بـالـحـنّـاء، وعـلى وجـهـه الـعـجـوز مـلامـح الـطّـيـبـة، ولـم يـكـن يـبـدو عـلى تـلامـيـذه أنّـهـم يـخـشـونـه.

وقـد أعـجـب فـريـا الـنّـظـر إلـيـهـم  فـقـررت الـسّـكـن في الـدّار الـمـجـاورة الـمـعـروضـة لـلـبـيـع. ثـمّ جـاءهـا صـديـق الـدّبـاغ (الّـذي كـانـت قـد الـتـقـت بـه في دمـشـق) إلى فـنـدقـهـا، واسـمـه نـوري فـلان Nuri Fulan (لا شـكّ في أنّـهـا غـيّـرت اسـم مـنـيـر الـوكـيـل إلى نـوري فـلان تـحـاشـيـاً لـلـمـشـاكـل)، وسـاعـدهـا في تـأجـيـر هـذه الـدّار.

عـنـدمـا دخـلـت مـن الـبـاب الـخـشـبي الـمـصـبـوغ بـالأزرق الـفـاتـح والّـذي تـزيـنـه قـبـضـة ومـطـرقـة نـحـاسـيـتـان، وجـدت في وسـط الـدّار حـوشـاً صـغـيـراً مـعـتـمـاً، ومـن الـجـهـة الـمـقـابـلـة غـرفـة صـغـيـرة أُريـد لـهـا أن تـكـون مـطـبـخـاً، فـيـهـا طـاولـة وبـريـمـز Primus stove وحـبّ لـلـمـاء. وكـان هـذا كـلّ مـافي الـدّار مـن أثـاث. ووجـدت سـلّـمـاً صـعـدت عـلـيـه إلى غـرفـة.

ولـتـأثـيـث الـدّار ذهـبـت فـريـا إلى مـا كـان يـعـرف بـسـوق الـحـرامـيّـة            thieves’ bazar لـتـشـتـري كـلّ مـا تـحـتـاجـه، ووجـدت حـمـالاً كـرديـا أدهـشـهـا عـنـدمـا وضـع كـلّ مـا اشـتـرتـه عـلى ظـهـره وتـبـعـهـا إلى الـدّار. وتـروي كـيـف رحّـب بـهـا جـيـرانـهـا واسـتـقـبـلـوهـا بـحـفـاوة وسـاعـدوهـا.

رسـالـة فـريـا إلى Herbert Young  في 8  تـشـريـن الـثّـاني :

“أجّـرت الـدّار. وقـد اقـتـرحـت عـليّ امـرأة طـيـبـة لا أعـرفـهـا أن تـعـيـرني حـصـانـاً لأتـنـقّـل عـلـيـه. أذهـب كـلّ صـبـاح إلى مـدرسـة أتـعـلّـم فـيـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة في صـفّ فـيـه سـتّ وعـشـرون بـنـتـاً يـتـقـافـزن جـمـيـعـاً لإعـارتي كـتـبـهـنّ وأقـلامـهـنّ وأوراقـهـنّ، ويـغـدقـن عـليّ الـنّـصـائـح ويـنـصـتـن إليّ وأنـا أقـرأ بـبـطء شـديـد جـمـلاً مـن كـتـاب الـقـراءة ـ الـمـسـتـوى الـثّـالـث، ثـمّ يـصـحـحـن أخـطـائي”.

رسـالـة فـريـا إلى Venitia في 24 تـشـريـن الـثّـاني :

“بـائـع الـخـضـروات الّـذي يـعـيـش في دكـانـه الـصّـغـيـر الـمـفـتـوح (لـيـس لـه واجـهـة) مـقـابـل داري، بـاع لي يـشـمـاغـه الأبـيـض والأسـود لأغـطّي بـه طـاولـة الـشّـاي عـنـدمـا أسـتـقـبـل الـنّـاس في داري”.

“لـن أبـقى مـدّة طـويـلـة في هـذه الـدّار. كـلّ أشـبـاح سـاكـنـيـهـا نـهـضـوا مـن قـبـورهـم : إنـبـعـثـت روائـحـهـم طـلّ الـلـيـل حـتّى أكـاد أخـتـنـق ولا أسـتـطـيـع الـتّـنـفـس، وبـدأت أبـحـث عـن مـسـكـن أقـلّ تـسـمـمـاً”.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 27 تـشـريـن الـثّـاني :

“في غـرفـتي الـجـديـدة شـرفـة وأربـع نـوافـذ كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر، ولـكـنّـهـا فـارغـة بـاردة بـعـيـدة. وأقـصـر الـطّـرق إلى [مـركـز الـمـديـنـة ]أن أعـبـر الـنّـهـر بـقـارب مـن هـذا الـجـانـب، وبـعـد ذلـك أمـرّ بـهـذا الـشّـارع الـقـبـيـح الّـذي بـلّـطـوه، والّـذي يـخـتـرق بـغـداد مـسـتـقـيـمـاً لا يـتـعـرّج، تـقـلـيـداً مـزيّـفـاً لـشـوارع أوربـا(4). ثـم ّ أتـركـه مـتـجـهـة إلى مـدرسـتي في آخـر دروب ضـيّـقـة. وكـلّ يـوم أدور إلى الـيـسـار عـنـدمـا أصـل إلى جـامـع الـحـيـدرخـانـة بـطـابـوقـه الـمـزجـج الأصـفـر والأزرق، وأمـرّ أمـام عـدد مـن الـبـدويـات الـجـالـسـات الـقـرفـصـاء أمـام سـلال فـيـهـا أرغـفـة خـبـز مـسـطّـحـة، وأمـام مـجـمـوعـة مـن الـحـمـالـيـن الأكـراد بـعـمـامـات مـن قـمـاش الـقـطـن الـمـخـطـط بـالأحـمـر، ويـرتـدون سـتـرات مـن لـبـد ثـخـيـن”.

(أنـظـر مـقـالي : فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق ).

 

الإنـكـلـيـزيـة أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie :

ولـدت أجـاثـا في 1890، في عـائـلـة بـريـطـانـيـة مـيـسـورة الـحـال مـن الـطّـبـقـة الـوسـطى. قـد رفـضـت أمّـهـا أن تـدخـلـهـا في مـدرسـة، وفـضّـلـت أن تـتـولى تـعـلـيـمـهـا في الـدّار، مـمـا تـرك لـلـطّـفـلـة الـصّـغـيـرة وقـتـاً لـتـنـمـيـة حـبّـهـا لـلـقـراءة وحـبّـهـا لـلـحـيـوانـات بـدلاً مـن الـلـعـب مـع الأطـفـال الآخـريـن. وعـنـدمـا بـلـغـت سـن الـحـاديـة عـشـرة تـوفي والـدهـا. وقـد ذكـرت بـعـد ذلـك أنّ طـفـولـتـهـا انـتـهـت بـوفـاة والـدهـا. وسـاءت حـالـة الـعـائـلـة الـمـاديـة. ودخـلـت أجـاثـا في الـعـام الـتّـالي مـدرسـة لأوّل مـرّة في حـيـاتـهـا، ولـكـنّـهـا وجـدت الـنّـظـام الّـذي لـم تـكـن قـد تـعـودت عـلـيـه صـعـبـاً. وقـد أرسـلـت في سـن الـخـامـسـة عـشـرة إلى بـاريـس، فـرنـسـا، وغـيّـرت الـمـدرسـة الـدّاخـلـيـة ثـلاث مـرّات قـبـل أن تـنـهي دراسـتـهـا وتـعـود إلى إنـكـلـتـرة في 1910، وكـانـت في الـعـشـريـن مـن عـمـرهـا.

وقـد اكـتـشـفـت عـنـد عـودتـهـا إلى إنـكـلـتـرة أنّ أمّـهـا كـانـت مـريـضـة وأنّ الأطـبّـاء نـصـحـوهـا بـتـغـيـيـر الـجـو والـذّهـاب إلى بـلـد طـقـسـه جـاف وسـاخـن، فـصـاحـبـت أجـاثـا أمّـهـا إلى الـقـاهـرة.

وفي1912، إلـتـقـت أجـاثـا بـأرشـيـبـولـد كـريـسـتي  Archibald Christie  الّـذي أرسـل لـلـقـتـال في فـرنـسـا عـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في 1914، فـتـطـوعـت أجـاثـا لـلـخـدمـة في مـسـتـشـفى. وتـزوّجـا في نـهـايـة عـام 1914، وأخـذت اسـم زوجـهـا وأصـبـحـت : أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie .

وقـد نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي حـتّى عـام وفـاتـهـا في 1976 : 79 روايـة بـولـيـسـيـة ومـجـمـوعـة قـصـصـيـة، و 19 مـسـرحـيـة أشـهـرهـا : مـصـيـدة الـفـئـران. كـمـا نـشـرت سـتّ روايـات تـحـت اسـم مـسـتـعـار: Mary Westmacott .

وبـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة).

ومـاعـدا أعـمـالـهـا الـرّوائـيـة والـقـصـصـيـة والـمـسـرحـيـة، نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتـي أربـعـة كـتـب مـن بـيـنـهـا سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة  An Autobiography الّـتي صـدرت في 1977 ، أي بـعـد عـام مـن وفـاتـهـا ، وكـتـاب                          Come, Tell Me How You Live  الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن عـدّة بـعـثـات تـنـقـيـب شـاركـت فـيـهـا مـع زوجـهـا الـثّـاني عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN.

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق :

بـعـد أن طـلّـقـت Archibald  في 1928، سـافـرت أجـاثـا كـريـسـتي إلى الـعـراق في 1929، وزارت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريّـة في أور والّـتي كـان يـشـرف عـلـيـهـا  لـيـونارد  وولي Leonard WOOLLEY . ورغـم أنّ وولي كـان يـرفـض دخـول الـسّـواح إلى الـمـوقـع، فـقـد قـبـل أن يـسـتـقـبـل أجـاثـا كـريـسـتي لأنّ زوجـتـه كـاثـريـن كـانـت مـن الـمـعـجـبـات بـروايـاتهـا.

وفي الـعـام الـتّـالي 1930، بـعـثـت لـهـا كـاثـريـن بـدعـوة ثـانـيـة لـتـزور الـمـوقـع . وطـلـبـت  مـن عـالـم الآثـار، الّـذي كـان في وقـتـهـا مـبـتـدءاً، مـاكـس مـالـوان   Max MALLOWANأن يـكـون دلـيـلاً لـلـكـاتـبـة في زيـارتـهـا لـلـمـوقـع. وعـنـدمـا قـطـعـت أجـاثـا   كـريـسـتي زيـارتـهـا لـتـعـود إلى إنـكـلـتـرة بـعـد أن جـاءهـا خـبـر مـرض ابـنـتـهـا، صـاحـبـهـا مـالـوان ، ثـم عـاد إلى أور. وذهـب مـالـوان مـن جـديـد بـعـد عـدّة أشـهـر إلى إنـكـلـتـرة لـيـطـلـب مـن أجـاثـا أن تـتـزوّجـه، وقـبـلـت . وكـانـت أجـاثـا في الأربـعـيـن مـن عـمـرهـا.

وقـرر مـالـوان أن يـتـرك الـتّـنـقـيـبـات في أور لـيـبـحـث عـن مـوقـع يـمـكـن لأجـاثـا أن تـصـاحـبـه فـيـه. وبـدءا في 1931/ 1932 مـوسـم تـنـقـيـبـاتـهـمـا الأوّل في نـيـنـوى، وقـد شـاركـت فـيـهـا أجـاثـا كـمـسـاعـدة تـنـظّـف الـقـطـع الأثـريـة وتـرمـمـهـا وتـصـنّـفـهـا، كـمـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـرعـلـيـهـا في الـمـوقـع. ثـمّ مـوّل الـمـتـحـف الـبـريـطـاني تـنـقـيـبـات في مـوقـع تـلّ عـربـجـيـة Tell Arpachiyah ، بـدأ مـالـوان بـالإشـراف عـلـيـهـا في ربـيـع 1933، وبـقـيـت أجـاثـا مـع زوجـهـا في نـيـنـوى إلى عـام 1934.

وفي 1947 عـيّـن مـالـوان مـديـراً لـلـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لآثـارالـعـراق               British School of Archaeology in Iraq وأشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الّـتي نـظّـمـتـهـا الـمـدرسـة بـالإشـتـراك مـع الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في مـوقـع نـمـرود والّـتي اسـتـمـرت عـدّة مـواسـم مـن 1948/ 1949 وإلى 1958. وقـد وجـدت في هـذه الـحـمـلات مـنـحـوتـات عـاجـيـة، ويـذكـر مـالـوان أنّ أجـاثـا هي الّـتي نـصـحـتـه أن يـخـرج هـذه الـقـطـع مـن مـخـابـئـهـا تـدريـجـيـاً حـتّى لا تـجـفّ في الـهـواء الـسّـاخـن وتـتـكـسـر.

(أنـظـر مـقـالي : أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق ).

وتـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في ثـلاثـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”،الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان: “جـريـمـة في الـعـراق”، و« They Came to Baghdad » الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان : “مـوعـد في بـغـداد” و “لـقـاء في بـغـداد”.

وفي سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة الّـتي تـسـرد فـيـه ذكـريـاتـهـا : « An Autobiography » الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، أي بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976.

الـسّـيـرة الـذّاتـيـة :

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن دارهـا الـبـغـداديـة في نـهـايـة الـكـتـاب تـقـريـبـاً، في سـردهـا لأحـداث سـنـة 1948:

” ولـم أتـكـلّـم بـعـد عـن دارنـا في بـغـداد، فـقـد كـانـت لـنـا دار تـركـيـة قـديـمـة في الـصّـوب الـغـربي لـدجـلـة.

Aga 001

وكـان الـنّـاس يـتـعـجـبـون مـن غـرابـة ذوقـنـا ومـن مـحـبـتـنـا لـهـا، ومـن رفـضـنـا لـلـسّـكـن في واحـدة مـن هـذه “الـصّـنـاديـق” الـحـديـثـة. ولـكـنّ دارنـا الـتّـركـيـة كـانـت مـبـهـجـة، مـنـعـشـة الـبـرودة بـحـوشـهـا ونـخـلاتـهـا الّـتي تـرتـفـع ويـمـس سـعـفـهـا أطـراف الـشّـرفـة.

Aga 003

وكـان خـلـف دارنـا غـابـات نـخـيـل تـرويـهـا الـسّـواقي، وصـرائـف بـالـغـة الـصّـغـر صـنـعـت مـن صـفـائـح قـصـديـر (تـنـكـات بـنـزيـن) ركّـب بـعـضـهـا عـلى بـعـض، يـلـعـب حـولـهـا أطـفـال بـمـرح وسـعـادة. وكـانـت الـنّـسـاء يـدخـلـنـهـا ويـخـرجـن مـنـهـا ويـنـزلـن إلى الـنّـهـر لـغـسـل صـحـونـهـنّ وقـدورهـنّ. يـعـيـش الأغـنـيـاء والـفـقـراء في بـغـداد خـدّاً عـلى خـدّ.

ومـا أشـدّ مـا تـوسـعـت [الـمـديـنـة] مـنـذ أن رأيـتـهـا لأوّل مـرّة. وأغـلـب الـبـنـايـات الـحـديـثـة شـديـدة الـقـبـح، ولا تـنـاسـب الـطّـقـس هـنـا. نـسـخـت مـن مـجـلّات حـديـثـة، فـرنـسـيـة أو ألـمـانـيـة أو إيـطـالـيـة. ولـم يـعـد الـنّـاس يـسـتـطـيـعـون فـيـهـا الـنّـزول إلى سـرداب sirdab مـنـعـش الـبـرودة في أيّـام الـقـيـظ، ولـم تـعـد الـنّـوافـذ طـاقـات صـغـيـرة في أعـالي الـجـدران لـتـحـمـيـهـم مـن أشـعـة الـشّـمـس الـمـلـتـهـبـة.

وربّـمـا تـحـسّـنـت أنـابـيـب الـمـيـاه فـيـهـا (وهي لا يـمـكـن أن تـكـون أسـوء مـمـا كـانـت عـلـيـه)، مـع أنـني لـسـت مـتـأكّـدة مـن ذلـك. فـأنـابـيـب الـمـيـاه الـحـديـثـة تـبـدو جـيّـدة الـنّـوعـيـة، وفي الـحـمّـامـات أحـواض أرجـوانـيـة أو سـحـلـبـيـة الألـوان، ولـكـنّ مـجـاري الـصّـرف تـحـتـاج إلى تـحـسـيـنـات ضـروريـة. وقـد كـانـت تـرتـمي في دجـلـة في مـاضي الـزّمـان، ولـكـنّـهـا لـم تـعـد تـكـفي كـمـيـات الـمـيـاه الّـتي تـنـدفـع نـحـوهـا وتـتـجـمـع في أيّـامـنـا هـذه”. (4)

جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

وتـجـري أحـداث روايـة “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”، الّـتي نـشـرت عـام 1936، في مـوقـع تـنـقـيـبـات أثـريـة لـلـبـحـث عـن مـديـنـة آشـوريـة كـبـيـرة “مـثـل نـيـنـوى شـيـئـاً مـا”، إسـمـه تـلّ يـاريـمـجـه Tell Yarimjah، قـرب مـديـنـة اسـمـهـا الـحـسـنـيـة Hassanieh، تـبـعـد مـسـافـة مـسـيـرة يـوم ونـصـف مـن بـغـداد.

ويـسـكـن الـمـنـقّـبـون في دار شـيّـدت وسـط الـمـوقـع في وسـطـهـا حـوش حـولـه غـرف الـسّـكـن وخـزن الـقـطـع الأثـريـة يـعـلـوه سـطـح يـنـامـون عـلـيـه.

(أنـظـر مـقـالي : روايـة « جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia  » لأجـاثـا كـريـسـتي. ).

أمّـا في روايـة “مـوعـد في بـغـداد  They Came to Baghdad” الّـتي نـشـرت عـام 1951، فـنـجـد إشـارات إلى بـيـوت تـراثـيـة بـغـداديـة. وذهـبـت فـيـكـتـوريـا، بـطـلـة الـرّوايـة، تـبـحـث عـن بـيـت الـمـلـك عـلي Beit Melik Ali” الّـذي ضـرب لـهـا إدوارد مـوعـداً أمـامـه. وبـعـد أن سـألـت عـن الـعـنـوان وجـدت داراً كـبـيـرة تـطـلّ عـلى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة. ودهـشـت عـنـدمـا أوصـلـهـا درب ضـيّـق إلى الـنّـهـر :

“إسـتـدارت إلى الـيـمـيـن وسـارت بـتـمـهـل بـمـحـاذاة الـسّـدّة الـعـالـيـة. كـانـت الـسّـدّة في بـعـض أجـزائـهـا قـد هـدّمـهـا الـمـاء، ولـم تـكـن في بـعـض الأحـيـان قـد رمـمـت أو أعـيـد بـنـاؤهـا. وكـان أمـام إحـدى الـدّور درجـات لـو سـلـكـهـا الـمـرء في لـيـل مـظـلـم لأودت بـه في الـمـاء. نـظـرت فـيـكـتـوريـا إلى الـمـاء تـحـتـهـا واسـتـمـرّت في سـيـرهـا، ثـمّ تـوسّـع الـدّرب وصـار مـبـلـطـاً بـالـحـجـارة. وكـان يـبـدو أنّ الـدّور الـمـمـتـدّة عـلى يـمـيـنـهـا تـخـفي أسـرارهـا بـغـيـرة، لا يـمـكـن ألـقـاء نـظـرات داخـلـهـا ولا عـلى سـاكـنـيـهـا. ولـكـنّـهـا وجـدت أحـيـانـاً بـابـاً مـفـتـوحـاً نـظـرت مـن خـلالـه فـسـحـرهـا الـتّـنـاقـض بـيـن الـخـارج والـدّاخـل. وتـسـلـلـت نـظـراتـهـا في حـوش دار تـتـوسـطـه نـافـورة تـنـفـث مـاءهـا وحـولـهـا مـقـاعـد وثـيـرة وكـراسي، ونـخـلات بـاسـقـة في حـديـقـة وراء الـحـوش تـبـدو مـثـل ديـكـورات مـن الـقـمـاش عـلى خـشـبـة مـسـرح. وعـنـدمـا تـسـلـلـت نـظـراتـهـا في داخـل دار أخـرى كـان لـهـا نـفـس مـظـهـر الأولى الـخـارجي لـمـحـت مـمـرات مـظـلـمـة وأكـوام نـفـايـات في وسـطـهـا خـمـسـة أطـفـال أو سـتّـة وسـخـيـن بـمـلابـس رثّـة يـلـعـبـون بـهـا. ثـمّ وصـلـت إلى غـابـة نـخـيـل كـثـيـفـة، ومـرّت بـدرجـات سـلّـم عـلى يـسـارهـا تـفـضي إلى الـنّـهـر، ورأت رجـلاً عـربـيـاً جـالـسـاً في بـلـم بـدائي لـه مـجـذافـان يـصـيـح نـحـوهـا ويـحـرك ذراعـيـه في الـهـواء. لا بـدّ أنّـه كـان يـسـألـهـا إن كـانـت تـريـد الـعـبـور إلى الـصّـوب الـمـقـابـل. وخـيّـل إلـيـهـا أنّـهـا كـانـت في مـقـابـل فـنـدقـهـا، وإن كـان صـعـبـاً الـتّـعـرف عـلى الأشـكـال الـمـعـمـاريـة لـلـبـنـايـات عـبـر الـنّـهـر، وبـنـايـات الـفـنـادق تـتـشـابـه فـيـمـا بـيـنـهـا. ثـمّ بـلـغـت طـريـقـاً تـؤدّي خـلال غـابـات الـنّـخـيـل إلى داريـن عـالـيـتـيـن عـلى واجـهـتـيـهـمـا شـرفـات. وكـان خـلـفـهـمـا دار ضـخـمـة شـيّـدت مـبـاشـرة عـلى ضـفـة الـنّـهـر حـولـهـا حـديـقـة وحـيـطـان. وكـان الـدّرب الـمـحـاذي لـلـنّـهـر يـمـرّ وسـط مـا لا بـدّ أنّـهـا دار الـمـلـك عـلي”.

“وبـعـد أن مـرّت أمـام مـدخـلـهـا وصـلـت بـعـد دقـائـق إلى مـكـان بـالـغ الـوسـاخـة، وحـجـبـت الـنّـهـر نـخـيـل. وكـان الـمـكـان مـسـوّراً بـأسـلاك شـائـكـة صـدئـة. وكـان عـلى يـمـيـنـهـا دور خـربـة وسـط حـيـطـان مـن الـطّـيـن وصـرائـف حـولـهـا أطـفـال يـلـعـبـون في الـقـذارة وأسـراب ذبـاب تـتـطـايـر فـوق أكـوام الـزّبـالـة”.

وفي مـقـطـع آخـر مـن الـرّوايـة، غـابـت فـيـكـتـوريـا عـن وعـيـهـا بـعـد أن خـدرهـا أعـداؤهـا. وعـنـدمـا اسـتـيـقـظـت :  “كـانـت في غـرفـة صـغـيـرة ولـكـن عـالـيـة جـدّاً، صـبـغـت بـلـون رصـاصي فـاتـح مـزرقّ يـثـيـر الـكـآبـة. وكـانـت أرضـيـتـهـا مـن الـطّـيـن. ويـبـدو أنّ الأثـاث الـوحـيـد فـيـهـا كـان الـفـراش الّـذي اسـتـلـقـت عـلـيـه، وقـد رمـيـت فـوقـه سـجـادة وسـخـة وطـاولـة آيـلـة لـلـسـقـوط فـوقـهـا صـحـن واسـع تـسـاقـطـت مـنـه الـمـيـنـا الّـتي طـلي بـهـا ودلـو مـن الـزّنـك تـحـتـهـا. وكـان فـيـهـا نـافـذة ثـبّـت عـلـيـهـا مـن الـخـارج نـوع مـن الـمـشـبّـك الـخـشـبي. ونـهـضـت فـيـكـتـوريـا بـحـذر شـديـد مـن الـفـراش وشـعـرت بـالأرض تـدور حـولـهـا وبـصـداع في رأسـهـا واقـتـربـت مـن الـنّـافـذة. واخـتـرقـت نـظـراتـهـا الـمـشـبّـك الـخـشـبي بـلا عـائـق ورأت حـديـقـة خـلـفـهـا نـخـيـل. وكـانـت الـحـديـقـة مـلـيـحـة حـسـب الـمـعـايـيـر الـشّـرقـيـة، وإن كـانـت سـتـبـدو حـقـيـرة في نـظـر سـكـان ضـواحي الـمـدن الإنـكـلـيـزيـة. وكـان فـيـهـا كـثـيـر مـن الأزهـار الـبـرتـقـالـيـة الـلـمـعـان وأشـجـار أوكـالـبـتـوس يـغـطي أوراقـهـا الـغـبـار وبـعـض أشـجـار الـطّـرفـاء الـهـزيـلـة الأغـصـان”. ثـمّ عـرفـت بـعـد ذلـك أنّـهـا كـانـت في مـنـدلي.

وبـعـد مـغـامـرات طـويـلـة تـعـود فـيـكـتـوريـا إلى بـغـداد :

“اخـتـرقـوا بـالـسّـيّـارة ضـواحي بـغـداد. واسـتـدارت بـهـم الـسّـيّـارة لـتـدخـل في شـارع جـانـبي تـحـفّـه دور حـديـثـة شـيّـدت بـأسـلـوب أوربي مـزيّـف فـيـهـا شـرفـات وتـحـيـطـهـا حـدائـق”.

(أنـظـر مـقـالي : روايـة : « مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad » لأجـاثـا كـريـسـتي. ).

مـلـحـق

وجـدت في سـرد ولـتـر هـاريـس   Walter B. HARRIS لـرحـلـتـه مـن “بـاتـوم إلى بـغـداد From Batum to Baghdad”، الّـذي نـشـره عـام 1896، وصـفـاً لـلـبـيـت الـبـغـدادي (6):

 

W. Harris

“الـشّـكـل الـمـعـتـاد لـلـبـيـت في بـغـداد يـتـوسـطـه حـوش تـنـفـتـح عـلـيـه غـرف الـسّـكـن والـمـرفـقـات، وتـغـرس فـيـه أشـجـار أحـيـانـاً. وغـالـبـاً مـا تـطـلّ عـلى الـحـوش طـارمـات تـتـقـدم غـرف الـطّـابـق الـعـلـوي، تـرتـكـز عـلى أعـمـدة (دلـكـات) خـشـبـيـة في أعـلاهـا تـيـجـان مـنـحـوتـة. وتـنـفـتـح غـرف هـذا الـطّـابـق عـلى الـطّـارمـات، وعـمـومـاً، لـيـس إلّا لـواحـدة مـنـهـا شـنـاشـيـل تـطـلّ عـلى الـدّرب.

و نـجـد أحـيـانـاً في الـدّور الـكـبـيـرة عـدّة أحـواش يـنـفـتـح الـواحـد مـنـهـا عـلى الآخـر، وغـالـبـاً مـا نـجـد حـديـقـة صـغـيـرة أو عـدّة حـدائـق. والـغـرف فـيـهـا أكـثـر إضـاءة وأنـقى هـواءً فـقـد فـتـحـت فـيـهـا نـوافـذ واسـعـة تـغـطـيـهـا شـنـاشـيـل مـعـقّـدة الـتّـشـكـيـلات أو مـشـبـكـات خـشـبـيـة بـسـيـطـة.

وأجـمـل هـذه الـدّور الّـتي رأيـتـهـا في بـغـداد كـانـت مـسـكـن الـقـنـصـل الـعـام [الـبـريـطـاني] الّـتي كـانـت الأصـل قـصـراً لـعـربي مـن الأغـنـيـاء، والّـتي أصـبـحـت الآن، كـمـا أظـنّ، مـلـكـاً لأحـد الـهـنـود.

فوغ 12

(حـوش دار الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في بـغـداد. رسـم غـرافـيـكي مـأخـوذ مـن صـورة الـتـقـطـهـا ولـيـام بـيـري فـوغ عـام 1874) (7)

وهي بـنـاء مـدهـش ابـتـلـع عـدّة دور مـخـتـلـفـة الـسّـعـة فـتـح بـعـضـهـا عـلى أخـرى، بـيـنـمـا انـعـزل بـعـضـهـا وسـط حـدائـق، وتـطـلّ سـطـوحـهـا عـلى نـهـر دجـلـة.

وحـول أحـد أحـواشـهـا، الّـذي كـان في زمـن مـمـتـلـكـيـهـا مـن الـمـسـلـمـيـن مـخـصـصـاً لـلـحـريـم، غـرف جـمـيـلـة احـتـفـظـت لـحـسـن الـحـظ بـنـقـوشـهـا ورسـومـهـا. وهـنـا يـمـكـن لـلـمـرء تـأمّـل بـداعـة وحـسـن صـنـعـة الـمـنـجـزات الـعـربـيـة والـعـربـيـة ــ الـفـارسـيـة.

وقـد جـوّفـت في جـدران أغـلـب هـذه الـغـرف طـاقـات بـأشـكـال مـتـنـوّعـة تـسـتـعـمـل مـثّـلـمـا تـسـتـعـمـل الـدّوالـيـب عـنـدنـا لـحـفـظ الـمـمـتـلـكـات، تـسـتـرهـا عـن الأعـيـن سـتـائـر مـن الـحـريـر ومـن أقـمـشـة مـطـرّزة.  وفـوق هـذه الـخـبـايـا الـصـغـيـرة الأحـجـام تـمـتـدّ إفـريـزات مـن أسـالـيـب مـخـتـلـفـة مـن الـتّـصـويـر، رسـمـت فـيـهـا أحـيـانـاً وبـخـطـوط جـريـئـة أزهـار زاهـيـة الألـوان، وطـعّـمـت أحـيـانـاً بـقـطـع بـالـغـة الـصّـغـر مـن الـمـرايـا. وغـالـبـاً مـا تـنـقـش سـقـوفـهـا الـجـصّـيـة بـتـشـكـيـلات مـقـولـبـة بـارزة تـطـعّـم بـقـطـع زجـاجـيـة صـغـيـرة تـبـدو لـلـعـيـن كـجـواهـر بـرّاقـة. ويـنـتـج عـن كـلّ هـذا شـبـه بـجـلـود الـثّـعـابـيـن.

ولا يـمـكـن لأيّ وصـف أن يـعـطي فـكـرة ولـو تـقـريـبـيـة عـن رقّـة هـذا الأسـلـوب مـن الـتّـزيـيـن ودقـتـه وجـمـالـه. ويـكـفي صـنّـاعـهـا ثـنـاءً أنّ أعـمـالـهـم الـبـديـعـة الـدّقـيـقـة الـتّـنـفـيـذ مـا زالـت بـاقـيـة كـمـا هي، يـمـرّ عـلـيـهـا الـزّمـن ولا يـصـيـبـهـا بـضـرر.

ولا شـكّ في أنّ الـدّار الـعـربـيـة الـقـديـمـة الّـتي أجـرّتـهـا الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة جـوهـرة مـن الـجـواهـر. وقـد عـززت ذكـريـاتي الـجـمـيـلـة عـنـهـا أريـحـيـة سـاكـنـيـهـا : الـكـولـونـيـل مـوكـلـر  Mockler  وزوجـتـه، وضـيـافـتـهـمـا لي. وكـانـت مـتـعـة عـظـيـمـة حـقـاً لي، بـعـد أن أقـضي نـهـاري مـشـغـولاً بـزيـارة أحـيـاء الـمـديـنـة الـشّـرقـيـة ومـعـالـمـهـا، أن أقـضي الأمـسـيـة بـصـحـبـتـهـمـا الـمـشـوقـة.

وكـنّـا نـجـلـس بـعـد الـعـشـاء في شـرفـة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر، نـسـتـنـشـق هـواء الـلـيـل الـمـنـعـش. ونـرى بـعـيـداً، عـبـر دجـلـة، أضـواءً مـنـعـزلـة مـتـفـرّقـة تـأتـيـنـا مـن أحـيـاء بـغـداد الـقـديـمـة”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  لـوحـة بـدايـة الـمـقـال لـلـورنـا سـلـيـم.

(2) لـوحـة بـالألـوان الـمـائـيـة رسـمـهـا أرثـر مـيـلـفـيـل لـحـوش بـيـت بـغـدادي عـام 1882. (أنـظـر مـقـالي :رسـوم أرثـر مـيـلـفـيـل لـبـغـداد في الـقـرن الـتّـاسـع عـشر ).

(3)  الـحـقـيـقـة أنّ مـا ذكـرتـه إيـدا هـنـا تـنـقـصـه الـدّقـة. فـفـون ديـر غـولـتـز Von der Goltz (ويـنـبـغي أن نـلـفـظـه غـولـتـس) الّـذي تـكـلّـمـت عـنـه لـم يـكـن جـنـرالاً عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد بـل مـارشـالاً (أي مـشـيـراً)، وهـو لـم يـكـن تـحـت أوامـر الـقـيـادة الـعـلـيـا لـلـقـوات الألـمـانـيـة وإنّـمـا كـان يـعـمـل في الـقـوات الـعـثـمـانـيـة. وهـذه قـصـتـه مـخـتـصـرة :

وصـل غـولـتـز إلى الاسـتـانـة في 1883 لـيـعـمـل مـسـتـشـاراً عـسـكـريـاً عـنـد الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد الـثّـاني، ثـمّ عـيّـن مـديـراً عـامـاً لـلـمـدارس الـعـسـكـريـة الـعـثـمـانـيـة، وحـصـل عـلى رتـبـة بـاشـا، ولـهـذا يـدعى بـغـولـتـز بـاشـا. وفي 1898، عـاد إلى ألـمـانـيـا ورقّي إلى رتـبـة مـارشـال في الـجـيـش الألـمـاني، وأحـيـل عـلى الـتّـقـاعـد في 1911. وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـاد إلى الاسـتـانـة في 1915 وعـيّـن مـسـتـشـاراً عـسـكـريـاً مـن جـديـد. وقـد عـهـد إلـيـه أنـور بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس الـعـثـمـاني. وسـار غـولـتـز بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس إلى جـنـوب بـغـداد وأوقـف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة الّـتي كـان يـقـودهـا طـاونـزنـد Charles Townshend نـحـو بـغـداد، وحـاصـرهـم في كـوت الإمـارة. وفي 1916، أصـيـب فـون ديـر غـولـتـز بـالـتّـيـفـوئـيـد ومـات مـنـه في بـغـداد.

وقـد كـتـب لي الأسـتـاذ أحـمـد إبـراهـيـم أنّـه دفـن في بـغـداد : “حيث اني رأيت قبره في مقبرة الجنود الالمان الواقعة في الباب الشرقي (مقابل تانكي الماء بالضبط) بظهر كنيسة الارمن .. وهو قبر غاية في الفخامة منقوش عليه اسم الجنرال باللغة العثمانية والالمانية .. اضافة الى ان المقبرة تحتوي على 67 قبر لجنود المان اغلبهم قضوا في الحرب العالمية الاولى ..” وأرسـل لي صـورة جـنـازة الـجـنـرال :

جنازة

(4) تـقـصـد بـه شـارع الـرّشـيـد.

(5) ص. 546 ــ 547.

ويـذكـر جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا في كـتـابـه : “شـارع الأمـيـرات” أنّـه تـعـرّف عـلى مـاكـس مـالـوان عـن طـريـق روبـرت هـامـلـتـون الّـذي كـان قـد شـارك في تـنـقـيـبـات مـالـوان، وأنّـه اسـتـلـم دعـوة لـزيـارة مـاكـس مـالـوان وزوجـتـه أجـاثـا كـريـسـتـي في دارهـمـا في بـغـداد : “سـألـت [هـامـلـتـون] : “أيـن الـدّار؟”. قـال : “إنّـهـا دار الـمـلـك عـلي. أتـعـرفـهـا؟ في كـرادة مـريـم، عـلى شـاطئ الـنّـهـر مـبـاشـرة. إنّـهـا دار تـركـيـة تـعـود إلى الـعـهـد الـعـثـمـاني. ومـن أجـمـل بـيـوت بـغـداد الـقـديـمـة”، “وقـد كـانـت لـمـدّة مـا في الـعـشـريـنـات مـسـكـنـاً لـلـمـلـك عـلي، أخي الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، فـأطـلـق اسـمـه عـلى الـدّار”.

والـغـريـب أنّ أجـاثـا كـريـسـتـي، الّـتي كـانـت تـعـرف بـيـت الـمـلـك عـلي وتـكـلّـمـت عـنـهـا في روايـتـهـا “مـوعـد في بـغـداد” لـم تـذكـر في مـذكـراتـهـا أنّ دارهـا كـانـت “بـيـت الـمـلـك عـلي”.

ويـصـف جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا دار أجـاثـا كـريـسـتي الـبـغـداديـة : “دخـلـت بـوابـة الـدّار إلى بـاحـتـهـا الـمـتـمـيـزة بـطـرازهـا الـبـغـدادي الـعـثـمـاني. والـبـاحـة مـحـفـوفـة بـالأشـجـار والأوراد في وسـط بـنـاء مـن طـابـقـيـن يـصـعـد إلى الأعـلى مـنـهـمـا بـدرج خـشـبي خـارجي يـؤدي إلى شـرفـة ضـيّـقـة طـويـلـة تـمـتـد مـع امـتـداد الـواجـهـة الـدّاخـلـيـة، وتـطـلّ عـلـيـهـا أبـواب الـغـرف الـعـلـيـا. صـعـدت الـدّرج الـخـشـبي وعلى كـلّ درجـة أصـيـص مـزروع”.

(6) مـن صـفـحـة 311 إلى صـفـحـة 313.

(7) رسـم غـرافـيـكي مـأخـوذ مـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـهـا ولـيـام فـوغ في 1874 ونـشـرهـا في 1875. أنـظـر مـقـالي : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ .

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـظّـمـت مـديـريـة الآثـار الـعـامـة عـام 1964 مـعـرضـاً ضـمّ أعـدداً كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد لـيـقـام في عـدد مـن الـمـدن الأوربـيـة.

وقـد أقـيـم الـمـعـرض في مـديـنـة كـولـونـيـا  Köln، ألـمـانـيـا، في مـتـحـف  Rautenstrauch-Joest-Museum، مـن 27 حـزيـران إلى 20 أيـلـول عـام 1964 تـحـت عـنـوان : “كـنـوز مـن الـعـراق، مـن أقـدم الـعـصـور إلى الـفـتـرة الإسـلامـيـة Schätze aus dem Irak, von der Frühzeit bis zum Islam

كولونيا

وفي مـديـنـة تـوريـنـو  Torino، إيـطـالـيـا، في مـتـحـف تـوريـنـو الـمـدني  Museo Civico di Torino، في أيّـار 1965، تـحـت عـنـوان : “روائـع أعـمـال مـتـحـف بـغـداد، سـتّـة آلاف عـام مـن فـنـون بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن                                      Capolavori del Museo di Baghdad, 6 millenni di Arte Mesopotamica

Torino

وأقـيـم خـلال شـهـري حـزيـران وتـمّـوز 1965 في لـشـبـونـة، الـبـرتـغـال، في الـمـتـحـف الـوطـني لـلـفـنـون الـقـديـمـة  Museu Nacional de Arte Antiga، تـحـت عـنـوان : “ذخـائـر مـتـحـف بـغـداد مـن الـعـصـور الـقـديــمـة حـتى الإسـلام  Tesouros do museu de Bagdade :desde os Tempos Primitivos à Epoca Muçulmana،

لشبونة

وأصـدرت مـؤسـسـة كـالـوسـت كـولـبـنـكـيـان  Fundaçao Calouste Gulbenkian في لـشـبـونـة دلـيـلاً لـلـمـعـرض.

ووصـل الـمـعـرض إلى بـاريـس، وأقـيـم في مـتـحـف الـلـوفـر تـحـت عـنـوان :             « Trésors du Musée de Bagdad des origines à l’Islam »،وبـقي فـيـه شـهـريـن : مـن 28 كـانـون الـثّـاني إلى 28 آذار عـام 1966. (1)

trésors

وعـرضـت فـيـه 242  قـطـعـة أثـريـة مـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد، وأضـيـف إلـيـهـا عـشـر قـطـع أثـريـة مـن بـيـن أهـمّ مـا يـمـلـكـه مـتـحـف الـلـوفـر.

وتـنـقـسـم هـذه الـقـطـع إلى عـدّة مـجـمـوعـات : مـن الـفـتـرات الـسّـومـريـة والـبـابـلـيـة والآشـوريـة، ومـن الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة، ومـن الـحـضـر (حـضـرة شـمـس)، ومـن الـفـتـرة الإسـلامـيـة.

دلـيـل مـعـرض بـاريـس :

نـشـر دلـيـل لـلـمـعـرض الـلـوفـري بـ 130 صـفـحـة مـن الـقـطـع الـمـتـوسّـط ضـمّ خـارطـة لـمـواقـع الـعـراق الأثـريـة

كنوز 001 (473x640)

وعـدداً كـبـيـراً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة بـالأبـيـض والأسـود. ونـجـد في آخـر الـدّلـيـل جـدولاً بـأربـع طـيّـات يـحـتـوي عـلى الـتّـواريـخ الـمـهـمـة لـمـنـاطـق الـعـراق.

ويـبـدأ الـدّلـيـل بـمـقـدمـة بـثـمـاني صـفـحـات كـتـبـهـا عـالـم الآثـار الـمـعـروف أنـدريـه بـارو André PARROT  الّـذي كـان قـد نـقّـب في عـدّة مـواقـع مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وأصـبـح في تـلـك الـفـتـرة مـفـتـشـاً عـامـاً لـلـمـتـاحـف في فـرنـسـا ومـسـؤولاً عـن بـعـثـات الـتّـنـقـيـب الـفـرنـسـيـة في الـعـراق.

ويـشـيـر بـارو في بـدايـة مـقـدمـتـه إلى دور الـدّكـتـور فـيـصـل الـوائـلي، الـمـديـر الـعـام لـلآثـار في الـعـراق، في تـنـظـيـم الـمـعـرض الّـذي لاقى نـجـاحـاً كـبـيـراً في عـدّة مـدن أوربـيـة قـبـل أن يـصـل إلى فـرنـسـا. ولإهـمـيـة هـذه الـمـقـدمـة فـسـأتـرجـم لـكـم أجـزاءً كـثـيـرة مـنـهـا :

“تـتـابـعـت فـتـرات حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن مـن الألـف الـخـامـس، بـل مـن الألـف الـسـادس قـبـل الـمـيـلاد وحـتّى الـقـرن الـثّـامـن عـشـر بـعـد الـمـيـلاد، أي عـلى مـدى ثـمـانـيـة آلاف سـنـة اسـتـمـرت فـيـهـا الـنّـشـاطـات الـبـشـريـة. وقـد كـان لـلـسّـومـريـيـن أهـمـيـة لا شـكّ فـيـهـا في إنـشـاء أولى هـذه الـحـضـارات ثـمّ في الـتّـأثـيـر عـلى مـا جـاء بـعـدهـا، وإن كـنّـا لا نـعـرف مـتى وصـلـوا إلى هـذه الـمـنـطـقـة. ويـبـدو لـنـا أنّـهـم وصـلـوا عـلى أغـلـب الإحـتـمـالات في حـوالي مـنـتـصـف الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، تـلـك الـفـتـرة الّـتي تـمـيّـزت بـإنـجـازات لـم يـسـبـق لـهـا مـثـيـل، وبـاخـتـراع الـكـتـابـة. وقـد اسـتـمـرّ تـقـدّمـهـم عـلى كـلّ الـشّـعـوب الّـتي حـولـهـم أكـثـر مـن خـمـسـة عـشـر قـرنـاً، ولا شـكّ في أنّ اخـتـفـاءهـم في بـدايـة الألـف الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد يـبـقى مـن بـيـن أكـبـر الألـغـاز الـتّـاريـخـيـة.

إنـتـهـت عـنـد ذلـك الـفـتـرة الّـتي قـادوا فـيـهـا الـتّـقـدم الـبـشـري، ولـكـنّ تـأثـيـرهـم اسـتـمـرّ زمـنـاً طـويـلاً بـعـد ذلـك. ولـقـد قـام الـذّيـن جـاءوا بـعـدهـم وحـلّـوا مـحـلّـهـم بـمـنـجـزات رائـعـة ولـكـنّـهـا لـم تـتـجـاوز مـا كـان قـد حـقـقـه الـسّـومـريـون الّـذيـن شـقّـوا لـهـم الـطـريـق، وفي كـلّ الـمـيـاديـن : الـمـعـمـار والـنّـحـت والـمـصـنـوعـات الـمـعـدنـيـة … “.

“والـمـعـرض الّـذي وصـلـنـا في بـاريـس يـعـيـد إلى الـحـيـاة جـزءاً مـن الـتّـاريـخ الّـذي كـان قـد غـار في غـيـاهـب الـمـاضي، وكـان قـد غـار أيـضـاً في أعـمـاق تـراب أرض دجـلـة والـفـرات.

وعـلـيـنـا أن نـذكّـر هـنـا أنّ فـرنـسـا كـان لـهـا فـضـل الـمـبـادرة في إعـادة هـذا الـمـاضي إلى الـحـيـاة، وأنّ بـول إمـيـل بـوتـا Paul-Emile BOTTA، قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل الّـتي تـقـع عـلى دجـلـة، كـان أوّل مـن شـرع في اكـتـشـافـه عـام 1842 عـنـدمـا حـفـر عـلى تـلّ قـويـنـجـق الّـذي تـرقـد نـيـنـوى تـحـت تـرابـه. ولأنّ حـفـريـاتـه لـم يـنـتـج عـنـهـا مـا كـان يـأمـل أن يـجـده فـقـد نـقـل عـمّـالـه إلى تـلّ آخـر يـبـعـد عـنـه بـعـدّة كـيـلـومـتـرات : خـورسـبـاد، الّـذي كـان بـعـض الـفـلاحـيـن قـد أخـبـروه أنّـه سـيـجـد فـيـه مـبـغـاه. وكـان مـا أخـبـروه بـه صـحـيـحـاً.

ولـم يـكـتـشـف بـوتـا في خـورسـبـاد آثـار نـيـنـوى كـمـا كـان يـعـتـقـد، وإنّـمـا دور شـروكـيـن، قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (الّـذي حـكـم في الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد). ووجـد في هـذا الـقـصـر الـمـلـكي أروع مـجـمـوعـة مـن الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز يـمـكـن لـمـنـقّـب أن يـحـلـم بـهـا. وهـكـذا اكـتـشـف الآشـوريـيـن”. (2)

“وكـان مـتـحـف الـلـوفـر أوّل مـتـحـف أوربي عـرض في الأوّل مـن أيّـار عـام 1847 أعـداداً كـبـيـرة مـن آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، ومـن بـيـنـهـا ثـوريـن مـجـنـحـيـن أثـارا عـجـب الـزّوار وإعـجـابـهـم. ومـا زالـت هـذه الـقـطـع مـعـروضـة في مـتـحـف الـلـوفـر”.

“وقـد سـار آخـرون حـالاً في الـدّرب الّـذي شـقّـه بـول إمـيـل بـوتـا، فـشـرع الإنـكـلـيـزي لَـيـارد  LAYARD  في حـفـريـات (دامـت مـن 1847 إلى 1849) في ثـلاث عـواصـم مـلـكـيـة آشـوريـة : في قـويـنـجـق (مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوى)، وفي نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح)، وفي قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور).

وقـد فـقـد بـوتـا وظـيـفـتـه كـقـنـصـل في الـمـوصـل بـعـد ثـورة 1848، وحـلّ فـكـتـور بـلاس  Victor PLACE  مـحـلّـه. وقـام فـكـتـور بـلاس بـحـفـريـات في خـورسـبـاد، ثـمّ في قـويـنـجـق (مـن 1852 إلى 1855)، في نـفـس الـوقـت الّـذي كـان فـيـه لَـيـارد ثـمّ هـرمـزد رسّـام RASSAM يـنـقّـبـان لـحـسـاب الـمـتـحـف الـبـريـطـاني (مـن 1849 إلى 1854)”.

“ثـمّ نـزل اهـتـمـام الـمـنـقّـبـيـن نـحـو جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، فـنـقّـب فـريـنـيـل  Frensel، قـنـصـل فـرنـسـا في بـغـداد، في مـوقـع بـابـل عـام 1852. ولـكـنّ انـكـلـيـزيَـيـن ذهـبـا أبـعـد مـنـه : حـفـر لـوفـتـوس  Loftusفي الـوركـاء،، ونـقّـب قـنـصـل  بـريـطـانـيـا في الـبـصـرة تـيـلـور Taylor في الـمـقـيّـر (مـوقـع أور الـقـديـمـة) في 1854/ 1855”.

“وكـان هـدف الـتّـنـقـيـبـات في ذلـك الـزّمـن إيـجـاد قـطـع أثـريـة لإرسـالـهـا لـلـمـتـاحـف. وكـانـت إنـكـلـتـرة وفـرنـسـا تـسـتـعـمـلان مـوظـفـيـهـا الّـذيـن يـعـمـلـون في الـبـلـد، أي الـدّبـلـومـاسـيـيـن، وخـاصـة الـقـنـاصـل. وطـبـعـاً لـم تـكـن الـنّـتـائـج دائـمـاً عـلى الـمـسـتـوى الـمـطـلـوب”.

“ونـجـد قـنـصـلاً آخـر لـفـرنـسـا في الـبـصـرة، إرنـسـت دو سَـرزيـك، نـقّـب عـام 1877 في تـلّـو (تـلّ لـوح)، مـوقـع لـغـش الـقـديـمـة الّـتي عُـثـر فـيـهـا عـلى مـجـمـوعـة مـن الـتّـمـاثـيـل تـذكـر الـنّـقـوش الـمـسـمـاريـة الّـتي تـغـطّـيـهـا أنّـهـا تـمـثّـل غـوديـا. وكـان اكـتـشـافـاً عـظـيـمـاً لـحـضـارة “جـديـدة” لـم يـكـن أحـد يـعـرف عـنـهـا شـيـئـاً، أسـمـيـت أولاً بـالـحـضـارة “الـكـلـدانـيـة”، قـبـل أن يـدرك الـعـلـمـاء أنّـهـا في الـحـقـيـقـة : “الـحـضـارة الـسّـومـريـة”.

وبـعـد أن اكـتـشـفـنـا الآشـوريـويـيـن، هـا نـكـتـشـف الـسّـومـريـيـن الّـذيـن انـتـشـلـنـاهـم مـن الـنّـسـيـان لـيـدخـلـوا في مـيـدان الـدّراسـات الـتّـاريـخـيـة”.

“وقـد أثـار هـذا اهـتـمـام بـلـدان أخـرى تـسـارعـت لـلـحـصـول عـلى نـصـيـبـهـا مـن الـتّـنـقـيـبـات، فـنـقّـب الأمـريـكـان في نِـفـر (مـوقـع نـيـبـور الـقـديـمـة) في 1889، والألـمـان في بـابـل عـام 1899  وفي قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) في 1903، وفي الـوركـاء عـام 1912. ونـحـن لا نـذكـر هـنـا إلّا أهـم الـتّـنـقـيـبـات الّـتي اسـتـمـرّت حـتّى بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى.

واسـتـمـرّت فـرنـسـا تـهـتـم بـآثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، فـبـعـد وفـاة دو سـرزيـك عـام 1901، أرسـلـت الـكـابـتـن كـرو Cros إلى لـغـش مـن 1903 إلى 1909. ثـمّ وصـل عـالـم الآشـوريـات هـنـري دو جـنـويّـاك  Henri de Genouillac إلى كـيـش في 1912”. (*)

“وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب، أوقـفـت كـلّ الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة مـا عـدا تـنـقـيـبـات الألـمـاني كـولـدفي Koldewey الّـذي اسـتـمـرّ يـحـفـر في بـابـل حـتّى عـام 1917.

وبـعـد اتـفـاقـيـات وقـف الـسّـلاح الّـتي وقـعـت في مـوردوس في تـشـريـن الأوّل عـام 1918 ثـمّ تـوقـيـع مـعـاهـدات الـصّـلـح، قـطّـع الـبـريـطـانـيـون والـفـرنـسـيـون أوصـال الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. ووضـع الـعـراق تـحـت انـتـداب بـريـطـاني قـبـل أن يـحـصـل عـلى اسـتـقـلالـه عـام 1933.

وصـار الـعـراق الـمـكـان الّـذي تـرغـب كـلّ الـبـلـدان بـالـتّـنـقـيـب فـيـه. واسـتـخـرجـت ثـروات أثـريـة جـديـدة مـن بـاطـن أرضـه”.

“وقـد شـهـدت فـتـرة مـا بـيـن الـحـربـيـن (1919ــ 1939) تـنـقـيـبـات أكـثـر تـنـظـيـمـاً وبـمـنـهـجـيـة عـلـمـيـة أكـثـر دقّـة. وبـعـد الـقـنـاصـل والـدّبـلـومـاسـيـيـن وعـلـمـاء الآشـوريـات، وصـل مـنـقّـبـون مـخـتـصّـون بـالآثـار.

وكـان الألـمـان قـد افـتـتـحـوا فـتـرة الـتّـنـقـيـبـات الـعـلـمـيـة بـمـهـنـدسـيـن مـعـمـاريـيـن أشـرفـوا عـلـيـهـا : كـولـدفي Koldewey في بـابـل، و أنـدريـه Andrae في مـديـنـة آشـور، و يـوردان Jordan في الـوركـاء. وقـد قـامـوا بـالـكـشـف الـمـوسّـع والـكـامـل لـكـلّ مـوقـع بـدلاً مـن الـحـفـر لإيـجـاد قـطـع أثـريـة تـرسـل إلى الـمـتـاحـف.

وقـد عـاد كـلّ بـلـد تـقـريـبـاً إلى الـمـواقـع الّـتي كـان قـد تـركـهـا خـلال الـحـرب [الـعـالـمـيـة الأولى]، فـعـاد الإنـكـلـيـز إلى مـوقـع أور والـمـنـطـقـة الـمـحـيـطـة بـه عـام 1918، والألـمـان إلى الـوركـاء عـام 1928، والـفـرنـسـيـون إلى لـغـش عـام 1929. ولـكـنّ فـرنـسـا الّـتي كـانـت قـد حـصـلـت عـلى الإنـتـداب عـلى سـوريـا ولـبـنـان حـوّلـت اهـتـمـامـهـا إلـيـهـمـا وقـلّ حـضـورهـا في الـعـراق”.

“وكـان سـبـب عـودتـنـا إلى تـلّ لـوح (لـغـش) عـام 1929 هـو أنّ لـصـوصـاً حـفـروا في الـمـوقـع عـام 1925 ونـهـبـوا كـثـيـراً مـن الـقـطـع الأثـريـة، ومـن بـيـنـهـا عـدّة تـمـاثـيـل لـغـوديـا. ولـم نـكـن نـسـتـطـيـع عـنـدهـا أن نـتـرك مـوقـعـاً بـمـثـل ثـرائـه مـهـمـلاً يـعـثـو بـه الـسّـرقـة. ورغـم أنّ تـنـقـيـبـاتـنـا مـنـذ ذلـك الـعـام لـم تـكـلـل بـنـجـاح كـبـيـر، فـقـد كـان مـن واجـبـنـا الـقـيـام بـهـا. ومـع ذلـك فـقـد أجـبـرنـا عـام 1933 عـلى تـرك الـمـوقـع لأنّـه عـهـد إلـيـنـا بـالـتّـنـقـيـب في مـوقـع مـهـمّ آخـر : سـنـكـرة (مـديـنـة لارسـا الـقـديـمـة)”.

“ومـع ذلـك فـلـم يـكـن جـنـوب بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـوحـيـد الّـذي اسـتـحـقّ اهـتـمـام الـمـنـقّـبـيـن، فـقـد عـادت بـعـثـة انـكـلـيـزيـة ــ أمـريـكـيـة لـلـتّـنـقـيـب في كـيـش عـام 1923، ونـقّـبـت جـامـعـة بـنـسـلـفـانـيـا في فـارة (مـوقـع شـوربـاك) عـام 1931، وحـفـر الـمـعـهـد الـشّـرقي  The Oriental Institute لـجـامـعـة شـيـكـاغـو في شـرق بـغـداد، في مـنـطـقـة ديـالى. وهي مـنـطـقـة كـان قـد حـفـرهـا الـلـصـوص ونـهـبـوهـا. وقـد شـرع فـرانـكـفـورت Frankfort مـنـذ عـام 1930 بـالإشـراف عـلى تـنـقـيـبـات في عـدّة مـواقـع : تـلّ أسـمـر (مـوقـع أشـنـونـة)، وخـفـاجـة، وإشـجـالي (مـوقـع نـيـربـتـوم)  وتـلّ غـراب. وهي مـواقـع مـا زالـت مـلـيـئـة بـالـثّـروات الأثـريـة”.

“وقـد حـظـت “مـنـطـقـة الآشـوريـيـن” بـنـفـس الـعـنـايـة. واخـتـار مـنـقّـبـون أمـريـكـان يـورغـان تـبـه (مـوقـع نـوزي الـقـديـمـة)، وتـبـه كـورا، وتـلّ بـيـلا (3). كـمـا اخـتـار آخـرون يـعـمـلـون لـحـسـاب الـمـعـهـد الـشّـرقي  The Oriental Institute لـجـامـعـة شـيـكـاغـو الـتّـنـقـيـب عـام 1928 في خـورسـبـاد. وعـاد الإنـكـلـيـز إلى نـيـنـوى في 1929، وإلى تـلّ عـربـجـيـه في 1933. وقـد سـبـرت أغـوار كـثـيـر مـن الـمـواقـع بـمـنـهـجـيـة عـلـمـيـة مـن شـمـال الـعـراق إلى جـنـوبـه”.

“وقـد تـوصـلـت هـذه الـجـهـود إلى نـتـائـج مـخـتـلـفـة في أهـمـيـتـهـا. ونـبـدأ بـالإكـتـشـاف الّـذي أثـار اهـتـمـامـاً بـالـغـاً في الـعـالـم : إزاحـة الـتّـراب عـن “مـقـابـر أور الـمـلـكـيـة” الّـتي اسـتـخـرج لـيـونـارد وولي Leonard WOOLLEY مـن 1927 إلى 1929  كـنـوزهـا، وخـاصـة أعـمـالـهـا الـصّـيـاغـيـة الّـتي تـجـاوزت كـلّ مـا اكـتـشـف قـبـلـهـا وحـتّى “كـنـوز” تـوت عـنـخ آمـون”.

“أمّـا عـلى الـمـسـتـوى الـعـلـمي فـمـا حـقـقـه الـمـنـقّـبـون الألـمـان (يـوردان ونـولـدكـه وهـايـنـريـش) في مـوقـع الـوركـاء وضـع أسـس تـسـلـسـل تـواريـخ فـتـرات مـا قُـبـيـل الـتّـاريـخ : الـعُـبـيـد والـوركـاء وجـمـدة نـصـر)”.

“وهـكـذا احـتـلـت فـتـرات دامـت آلاف الـسّـنـيـن أمـاكـنـهـا في الـتّـسـلـسـل الـتّـاريـخي. وحـمـت الـنّـقـاشـات حـول تـأريـخ حـكـم حـمـورابي، فـقـد كـان مـسـلّـمـاً بـه أنّـه كـان في حـوالي 2000 قـبـل الـمـيـلاد. ولـكـنّ نـتـائـج تـنـقـيـبـات مـوقـع مـاري (عـلى الـفـرات) غـيّـر آراءنـا وأجـبـرنـا عـلى الـنّـزول إلى الـقـرن الـثّـامـن عـشـر عـلى الأقّـل. كـمـا تـغـيّـر اسـم الـفـتـرة الّـتي كـان الإنـكـلـيـز والأمـريـكـان يـدعـونـهـا بـالـسّـلالات الأولى Early Dynastic، وهي فـتـرة سـومـريـة طـويـلـة، فـقـد فـضّـل الـفـرنـسـيـون تـسـمـيـتـهـا بـالـفـتـرة “مـا قـبـل الـسّـرجـونـيـة” لأنّـهـا سـبـقـت فـتـرة حـكـم سـرجـون الأكّـدي الّـذي أسـس سـلالـة جـديـدة في مـديـنـة أكـادي في حـوالي مـنـتـصـف الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد”.

“وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة، أوقـفـت أعـمـال الـبـعـثـات الأثـريـة رسـمـيـاً، ولـكـنّ بـعـض الـمـنـقّـبـيـن الأوربـيـيـن والأمـريـكـان الّـذيـن لـم يـشـاركـوا في الـحـرب اسـتـمـرّوا في تـنـقـيـبـاتـهــم.

وأطـلـقـت مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة الـعـراقـيـة تـنـقـيـبـات جـديـدة : الـعُـقـيـر مـن 1940 إلى 1942، وعـقـرقـوف في 1939، وخـاصـة تـلّ حـسـونـة 1943/ 1944 الّـتي اكـتـشـف فـؤاد سـفـر خـلالـهـا فـتـرة أقـدم مـمـا كـنّـا نـعـرفـه، والّـتي أسـمـيـت بـفـتـرة حـسّـونـة والّـتي وضـعـت في الـتّـسـلـسـل الـتّـاريـخي زمـنـاً طـويـلاً قـبـل فـتـرات الـعُـبـيـد وسـامـراء وحـلـف. وهـكـذا تـنـظّـمـت فـتـرة مـا قُـبـيـل الـتّـاريـخ مـن الألـف الـخـامـس إلى الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد اسـتـمـرّ تـوسـيـع مـعـرفـتـنـا بـالـتّـاريـخ الـقـديـم بـاكـتـشـاف بـريـدوود Braidwood لـقـلـعـة جـرمـو ومـطّـرة، والّـذي وصـل فـتـرة مـا قُـبـيـل الـتّـاريـخ بـفـتـرة مـا قـبـل الـتّـاريـخ مـن خـلال فـتـرة مـا قـبـل الـفـخـاريـات، أي قـبـل اخـتـراع آنـيـة الـفـخـار”.

الـقـطـع الأثـريـة الـمـعـروضـة :

عـرضـت في الـمـعـرض، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، 242  قـطـعـة أثـريـة مـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد، مـن الـقـطـع الـصـغـيـرة أو الـمـتـوسـطـة الأحـجـام الّـتي أمـكـن نـقـلـهـا، وأضـيـف إلـيـهـا عـشـر قـطـع أثـريـة مـن بـيـن أهـمّ مـا يـمـلـكـه مـتـحـف الـلـوفـر.

وتـنـقـسـم هـذه الـقـطـع إلى عـدّة مـجـمـوعـات : مـن الـفـتـرات الـسّـومـريـة والـبـابـلـيـة والآشـوريـة، ومـن الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة، ومـن الـحـضـر (حـضـرة شـمـس)، ومـن الـفـتـرة الإسـلامـيـة.

ورغـم صـعـوبـة اخـتـيـار عـدد مـحـدود مـن روائـع الأعـمـال هـذه، فـسـأحـاول أن أريـكـم في مـا يـلي أهـمّـهـا تـحـت أرقـامـهـا في الـدّلـيـل. ووضـعـت إلى جـانـب بـعـض صـور الـدّلـيـل (بـالأبـيـض والأسـود) صـوراً بـالألـوان أخـذتـهـا مـن مـصـادر أخـرى :

n°2

كنوز 003 (800x645)

جـرّة مـفـرغـة عـنـقـهـا فـوق ظـهـر الـحـيـوان الّـذي تـمـثّـلـه (ربّـمـا قـنـفـذ). وقـد اعـتـبـر عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني مـالـوان Mallowan أنّ هـذا الـنّـوع مـن الأواني ظـهـر في فـتـرة تـلّ حـلـف. ويـعـود تـاريـخ الـجـرّة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في تـل عـربـجـيـة إلى الألـف الـخـامـس أو الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد. ويـبـدو أنّـهـا كـانـت تـمـلأ بـسـائـل يـسـتـعـمـل في الـطّـقـوس الـدّيـنـيـة.

N°9

 

إنـاء دائـري الـشّـكـل بـعـنـق طـويـل صـنـع مـن الـفـخـار الـبـنّي الـغـامـق رسـمـت عـلـيـه خـطـوط هـنـدسـيـة، في أعـلاه فـتـحـة دائـريـة. يـعـود تـاريـخـه إلى فـتـرة الـعُـبـيـد الـعـلـيـا، حـوالي نـهـايـة الألـف الـخـامـس أو بـدايـة الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في إريـدو (تـلّ أبـو شـهـريـن).

N°10

إنـاء عـلـيـه رسـوم أوراق نـفـل بـالـبـنّي الـغـامـق، حـوالي نـهـايـة الألـف الـخـامـس أو بـدايـة الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد. عـثـر عـلـيـه في إريـدو (تـلّ أبـو شـهـريـن). وقـد اسـتـعـمـل هـذا الـنّـوع مـن الـرّسـوم عـلى الآنـيـة مـنـذ فـتـرة مـا قـبـل الـعُـبـيـد.

N°19

كنوز 009

تـمـثـال لـرجـل عـاري مـن فـتـرة الـعُـبـيـد الـثّـالـثـة، حـوالي 4000  قـبـل الـمـيـلاد. إرتـفـاعـه 14 سـم. مـن الـصّـلـصـال الـمـائـل إلى الـخـضـرة، عـثـر عـلـيـه في إريـدو (تـلّ أبـو شـهـريـن). عـيـنـاه مـشـقـوقـتـا الإنـتـفـاخ. وفـوق رأسـه آثـار قـار، وألـصـقـت عـلى كـتـفـيـه وذراعـيـه كُـريّـات مـن الـصّـلـصـال، ويـمـسـك في يـده الـيّـسـرى بـعـصـا.

N°20

كنوز 010

تـمـثـال لامـرأة عـاريـة، رأسـهـا يـشـبـه رأس سـحـلـيـة (أو عـظـايـة) مـن فـتـرة تـلّ الـعـبـيـد الـثّـالـثـة، الـنّـصـف الأوّل مـن الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد. عـثـر عـلـيـه في أور. مـن الـصّـلـصـال الـفـاتـح الـلـون، صـوّر شـعـر الـمـرأة بـطـبـقـات مـن الـقـار. عـثـر عـلى الـتّـمـثـال في أحـد قـبـور مـديـنـة أور بـجـانـب جـثـمـانـيـن دفـنـا فـيـه.

N°23

 

تـمـثـال لـرأس امـرأة عـرفـت بـ “سـيّـدة الـوركـاء”، مـن حـجـر الـبَـلـق، مـن فـتـرة جـمـدة نـصـر، حـوالي نـهـايـة الألـف الـرّابـع أو بـدايـة الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في مـعـبـد الإيـانـا في مـديـنـة الـوركـاء. ولا نـعـرف هـل هـو جـزء مـن مـنـحـوتـة جـداريـة أم مـن تـمـثـال. ولا شـكّ في أنّـه كـان مـثـبّـتـاً عـلى جـدار فـقـد ثـقـبـت في جـزئـه الـخـلـفي أربـعـة ثـقـوب. ومـن الـمـحـتـمـل أن الـفـراغـات الّـتي فـتـحـت في أعـلى الـرّأس وفي الـحـاجـبـيـن والـعـيـنـيـن كـانـت مـرصـعـة بـالأحـجـار الـكـريـمـة، كـمـا نـلاحـظ ثـقـبـيـن في الأذنـيـن كـانـت تـثـبـت فـيـهـمـا الأقـراط. ونـوعـيـة الـنّـحـت اسـتـثـنـائـيـة لا شـبـيـه لـهـا في تـلـك الـفـتـرات الـتّـاريـخـيـة.

N°24

 

مـسـلّـة صـيـد الأسـود، وجـدت في مـعـبـد الإيـنـانـا في الـوركـاء، مـن نـهـايـة الألـف الـرّابـع أو بـدايـة الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. إرتـفـاعـهـا 78 سـم. قـطـعـة مـن حـجـر الـبـازلـت الـبـركـاني الأسـود، عـلـيـهـا مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز تـمـثـل مـلـكـاً يـصـيـد الأسـود : مـشـهـدان يـعـلـو الـواحـد مـنـهـمـا الآخـر، يـمـثّـل أعـلاهـمـا “الـمـلـك” تـخـتـرق حـربـتـه أسـداً، وفي أسـفـلـهـمـا يـرمي بـسـهـام مـن قـوسـه عـلى أسـديـن جـريـحـيـن أصـابـهـمـا.

N°26

 

إنـاء مـن الـحـجـر الـكـلـسي الـرّمـادي الـلـون مـن فـتـرة جـمـدة نـصـر، نـهـايـة الألـف الـرّابـع أو بـدايـة الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في مـعـبـد سـيـن في خـفـاجـة، رصّـع بـقـطـع مـن الـصّـدف ومـن حـجـر الـكـلـس عـلى شـريـطـيـن أفـقـيـيـن وشـرائـط عـمـوديـة في وسـطـهـا عـدد مـن الأشـكـال الـدّائـريـة الّـتي تـدعى بـ “أعـيـن الـثّـيـران” وأزهـار بـثـمـاني بـتـلات.

N°43

كنوز 016 (395x800)

تـمـثـال مـن حـجـر الـكـلـس مـن الـفـتـرة مـا قـبـل الـسّـرجـونـيـة : الـنّـصـف الأوّل مـن الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في نـيـبـور. يـصـوّر رجـلاً واقـفـاً عـاري الـصـدر يـرتـدي تـنّـورة “الـكـونـاكـِس”. نـراه عـاقـداً يـديـه، وهـو مـا يـمـثّـل الـصّـلاة أمـام إلـه عـنـد الـعـراقـيـيـن الـقـدمـاء. وكـانـت عـيـنـاه مـرصـعـتـيـن بـالـصّـدف والـقـار، ولـكـنّ إحـداهـمـا فـقـدت الـتّـرصـيـع،  ولـم يـجـد الـمـنـقّـبـون قـدمي الـتّـمـثـال.

N°44

كنوز 017 (325x800)

تـمـثـال مـن حـجـر الـبَـلـق، مـن الـفـتـرة مـا قـبـل الـسّـرجـونـيـة : الـنّـصـف الأوّل مـن الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في خـفـاجـة، يـصـوّر امـرأة واقـفـة تـرتـدي ثـوبـاً طـويـلاً يـصـل إلى مـا فـوق قـدمـيـهـا، ويـكـشـف عـن كـتـفـهـا الأيـمـن. رصّـعـت عـيـنـاهـا بـالـصّـدف والـقـار. نـراهـا عـاقـدة يـديـهـا، وهـو مـا يـمـثّـل الـصّـلاة أمـام إلـه عـنـد الـعـراقـيـيـن الـقـدمـاء.

N°48

 

تـمـثـال مـن الـنّـحـاس، مـن الـفـتـرة مـا قـبـل الـسّـرجـونـيـة : الـنّـصـف الأوّل مـن الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، وجـد في الـمـعـبـد الـبـيـضـوي في خـفـاجـة. إرتـفـاعـه 53 سـم. وقـد وجـد في الـمـعـبـد ثـلاثـة مـن هـذه الـتّـمـاثـيـل.

يـمـثـل كـاهـنـاً عـاريـاً طـويـل الـلـحـيـة، واقـفـاً فـوق قـاعـدة عـلى أربـع ركـائـز. عـقـد يـديـه في عـبـادة طـقـوسـيـة، وعـلى رأسـه قـاعـدة كـان يـوضـع عـلـيـهـا إنـاء، ربّـمـا لـحـرق الـبـخـور. وعـلى ظـهـره نـقـش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة. ورغـم أنّ الـنّـحـاس الـمـسـتـعـمـل في صـبّـه شـديـد الـصّـفـاء فـإنـنـا نـلاحـظ عـيـوبـاً في الـصّـبّ.

N°54

كنوز 001 (729x800)

لـوح مـن الـحـجـر مـثـقـوب الـوسـط لـيـثـبّـت عـلى جـدار في مـعـبـد إلـه يـهـدى لـه. مـن الـفـتـرة مـا قـبـل الـسّـرجـونـيـة، الـنّـصـف الأوّل مـن الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. عـرض الـجـزء الـمـنـحـوت (مـن غـيـر الـجـوانـب) 20 سـم. وارتـفـاعـه 20 سـم.

نـحـت عـلى ثـلاثـة مـسـتـويـات. في الأعـلى رجـل وامـرأتـه بـيـد كـلّ مـنـهـمـا كـوب، يـمـلأهـمـا سـاقـيـان مـن جـرّة عـالـيـة في وسـطـهـمـا. وفي وسـط الـمـنـحـوتـة كـبـشـان سـقـطـا عـلى الأرض وعـلى ظـهـريـهـمـا سـهـمـان (هـل ضـحي بـهـمـا لـلآلـهـة ؟)، وفي أسـفـل الـمـنـحـوتـة عـجـلان يـرتـعـان وسـط الـنـبـاتـات، يـدعـو الـرّجـل بـهـمـا مـن الآلـهـة أن تـبـارك في قـطـعـانـه.

N°101

كنوز 007 (407x800)

تـمـثـال مـن حـجـر الـبـازلـت مـن الـفـتـرة الـسّـومـريـة الـحـديـثـة، حـوالي 2130 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في إريـدو (تـلّ أبـو شـهـريـن)، يـصـوّر أسـداً مـنـتـصـبـاً، ركّـز الـنّـحـات فـيـه اهـتـمـامـه عـلى رأس الـحـيـوان الّـذي نـحـتـه دائـريـاً (أي يـمـكـن رؤيـتـه مـن كـلّ الـجـوانـب) مـركّـزاً فـيـه عـلى فـمـه الـمـفـتـوح وأنـيـابـه، في حـيـن أنّـه حـفـر تـفـاصـيـل بـاقي جـسـمـه حـفـراً مـسـطّـحـاً قـلـيـل الـبـروز.

N°103

كنوز 009 (641x800)

رأس تـمـثـال مـن حـجـر الـكـلـس، مـن فـتـرة سـلالـة أور الـثّـالـثـة، حـوالي 2124 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في الـوركـاء، لـرجـل مـمـتـلئ الـوجـه حـلـيـقـه، كـانـت عـيـنـاه مـرصـعـتـيـن ولا شـكّ بـالـصّـدف والـقـار، عـلى رأسـه “جـراويـة” لـم يـظـهـر عـلـيـهـا الـنّـحـات تـفـاصـيـلـهـا.

N°104

 

تـمـثـال مـن الـفـتـرة الـسّـومـريـة الـحـديـثـة، حـوالي 2130 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في أور. إرتـفـاعـه 14 سـم. يـمـثّـل الإلـهـة بـاو زوجـة الإلـه نـيـن غـرسـو جـالـسـة. وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى قـلّـة الـمـنـحـوتـات الّـتي تـمـثـل آلـهـة أو أشـخـاصـاً جـالـسـيـن في فـنـون بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

وقـد نـحـتـت عـلى جـانـبي الـعـرش الّـذي تـجـلـس عـلـيـه صـورتـيـن لأوزتـيـن، فـالأوزة حـيـوانـهـا الّـذي يـرمـز بـه إلـيـهـا (لأنّ بـاو كـانـت إلـهـة الـبـيـوت والـحـقـول). وتـضـفي الـخـطـوط الـمـسـتـقـيـمـة والـمـنـحـنـيـة والـمـسـتـديـرة والـمـتـمـوّجـة وحـدة في الأسـلـوب واكـتـمـالاً في تـصـمـيـم الـتّـمـثـال، مـن شـعـر الإلـهـة الـمـجـعّـد الـسّـاقـط جـدائـلاً عـلى كـتـفـيـهـا وإلى قـلادتـهـا الـمـلـتـفّـة حـول عـنـقـهـا سـبـع لـفّـات وإلى ثـوبـهـا الـمـخـطـط الـنّـازل طـبـقـة فـوق طـبـقـة حـتّى أصـابـع قـدمـيـهـا الـلـذيـن مـثّـل كـلّ مـنـهـمـا بـخـمـسـة خـطـوط مـتـوازيـة. ولا شـكّ في أنّ عـيـنـيـهـا كـانـتـا مـرصـعـتـيـن في الأصـل بـالـصـدف الـمـلـصـق عـلى قـار.

N°105

كنوز 011 (614x800)

تـمـثـال مـن الـبـرونـز وحـجـر الـكـلـس مـمـا كـان يـوضـع في أسـس الأبـنـيـة، بـاسـم الـمـلـك أور نـامـو، مـن فـتـرة سـلالـة أور الـثّـالـثـة، حـوالي 2124 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في الـوركـاء. جـزؤه الأعـلى يـمـثّـل الـمـلـك حـامـلاً سـلّـة الـبـنّـائـيـن، والأسـفـل مـدبـب عـلـيـه إهـداء الـمـعـبـد الّـذي شـيّـده لـلإلـهـة إيـنـانـا. ونـجـد نـفـس الـنّـصّ مـكـرراً عـلى الـلـوح الّـذي بـجـانـبـه.

N°107

 

تـمـثـال مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور لـرجـل يـحـمـل سـلاحـاً، مـن الـفـتـرة الـسّـومـريـة الـحـديـثـة، حـوالي 2130 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في تـلّـو (تـلّ لـوح). إرتـفـاعـه 19 سـم. يـمـثّـل رجـلاً طـويـل الـلـحـيـة جـدل أسـفـلـهـا جـدائـل، يـرتـدي “دشـداشـة” تـسـقـط عـلى قـدمـيـه، ونـوع مـن “الـجـراويـة” الـمـلـفـوفـة حـول رأسـه، ويـحـمـل في يـده الـيـسـرى سـلاحـاً يـشـبـه فـأسـاً، وربّـمـا كـان في يـده الـيـمـنى سـلاح آخـر. ونـلاحـظ تـمـلّـك الـصّـانـع الـمـذهـل لـفـنّـه واقـتـصـاده الـمـدهـش في الـتّـفـاصـيـل.

N°108

 

تـمـثـال مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور لامـرأة، مـن الـفـتـرة الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة، حـوالي 1894 إلى 1595 قـبـل الـمـيـلاد، لا نـعـرف أيـن عـثـر عـلـيـه. إرتـفـاعـه 18 سـم. يـمـثّـل امـرأة عـاريـة واقـفـة، صـوّر الـصّـانـع شـعـرهـا وعـيـنـيـهـا ونـهـديـهـا وسـرّتـهـا بـكـريـات طـيـنـيـة ألـصـقـهـا أو ضـغـط عـلـيـهـا، وبـخـطـوط حـفـرهـا في الـطّـيـن.

N°114

كنوز 015 (696x800)

لـوح مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور مـقـوّس الأعـلى مـن فـتـرة سـلالـة بـابـل الأولى، حـوالي 1894 إلى 1595 قـبـل الـمـيـلاد. عـثـر عـلـيـه في إشـجـالي (قـرب تـلّ أسـمـر). عـلـيـه نـحـت قـلـيـل الـبـروز لإلـهـة صـوّرت مـواجـهـة تـغـطّـيـهـا ثـيـاب مـعـقّـدة الـتّـزيـيـن وحـلي كـثـيـرة (أقـراط وعـقـود). ويـدلّ الـقـرنـان فـوق رأسـهـا عـلى ألـوهـيـتـهـا عـنـد الـعـراقـيـيـن الـقـدمـاء.

N°121

 

طـابـوقـة مـزجـجـة  مـن الـفـتـرة الآشـوريـة الـحـديـثـة، الـقـرن الـثّـامـن أوالـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـهـا بـيـن أعـداد كـبـيـرة مـن الـطّـابـوق الـمـزجـج في مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة، صـوّر عـلـيـهـا رجـلان مـلـتـحـيـان يـرتـدي أحـدهـمـا ثـوبـاً طـويـلاً بـيـنـمـا يـرتـدي الآخـر قـمـيـصـاً تـبـدو تـحـتـه ركـبـتـاه.

N°122

كنوز 002 (800x568)

رأس سـريـر مـن الـعـاج مـن الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في الـمـخـازن الّـتي حـفـظـت فـيـهـا غـنـائـم الـحـروب في حـصـن الـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث في نـمـرود. عـرضـه 60 سـم. وهـو مـن خـمـسـة أجـزاء مـسـتـطـيـلـة عـلـيـهـا مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز. يـمـثـل الـجـزء الـمـركـزي رجـلاً مـلـتـحٍ جـالـسـاً عـلى مـقـعـد تـغـطـيـه وسـادة تـتـدلى حـواشـيـهـا الّـتي تـصـوّر حـبّـات صـنـوبـر. ويـرتـدي الـرّجـل ثـوبـاً طـويـلاً تـتـدلى مـن أسـفـلـه حـواشي مـعـقـودة، ويـحـمـل في يـده الـيـمـنى طـاسـة وأمـامـه زهـرتـا لـوتـس، ويـحـيـطـه مـن جـانـبـيـه حـيـوانـان خـرافـيـان مـركـبـان مـن رأس طـائـر وزوجـان مـن الأجـنـحـة، ثـمّ رجـلان يـحـمـل كـلّ مـنـهـمـا حـيـوانـاً عـلى كـتـفـيـه.

N°145

كنوز 008 (454x800)

تـمـثـال مـن حـجـر الـبَـلـق عـثـر عـلـيـه في الـحـضـر (حـضـرة شـمـس)، مـن الـقـرن الأوّل أو الـثّـاني بـعـد الـمـيـلاد، يـصـوّر إلـهـاً (؟) جـالـسـاً عـلى عـرش يـزيـنـه عـلى جـانـبـيـه أسـدان واقـفـان. يـرتـدي ثـوبـاً مـطـرّزاً يـصـل إلى ركـبـتـيـه وسـروالاً مـطـرّزاً شـدّ أسـفـلـه فـوق قـدمـيـه، وألـقى عـلى كـتـفـه الأيـسـر بـشـال مـطـرّز الـحـواشي. وعـيـنـاه مـرصـعـتـان.

N°147

 

نـحـت بـارز عـلى حـجـر كـلـسي يـمـثـل ثـلاث إلـهـات فـوق أسـد، مـن الـفـتـرة الـفـارثـيـة : مـن الـقـرن الأوّل إلى الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـه في الـحـضـر (حـضـرة شـمـس). إرتـفـاعـه 115 سـم.

نـرى في وسـط الـمـنـحـوتـة الإلـهـة أثـيـنـا (الّـتي يـسـمـيـهـا الـعـرب الـلات)، فـوق رأسـهـا خـوذة وعـلى صـدرهـا صـورة مـنـحـوتـة لـرأس وحـش الـغـرغـون. وتـقـبـض في يـدهـا الـيـمـنى عـلى سـيـف نـحـيـل وطـويـل بـيـنـمـا تـتـكئ يـدهـا الـيـسـرى عـلى درع.

ورغـم أسـلـوب هـذه الـمـنـحـوتـة الإغـريـقي، وهـو أسـلـوب كـان قـد سـاد مـنـذ وصـول الـسّـلـوقـيـيـن إلى الـعـراق الـقـديـم في الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، فـهي لـيـسـت مـن عـمـل نـحّـات إغـريـقي، لأنّ الـتّـقـالـيـد الإغـريـقـيـة الـصّـحـيـحـة تـضـع في يـد الإلـهـة الـيـسـرى صـورة الـنّـصـر الـمـجـنـح. فـهـو إذن مـن صـنـع نـحّـات مـن الـحـضـر كـان يـقـلّـد الأسـلـوب الإغـريـقي.

وكـانـت أثـيـنـا إلـهـة الـحـرب عـنـد الإغـريـق، ومـن هـنـا جـاء مـزجـهـا عـنـد عـرب مـديـنـة الـحـضـر (حـضـرة شـمـس) بـإلـهـتـهـم الـلات. ويـمـكـن أن تـكـون الإلـهـتـان الـمـحـيـطـتـان بـهـا مـن آلـهـة عـرب الـحـضـر.

ونـجـد عـلى الـمـنـحـوتـة بـقـايـا قـار ومـسـامـيـراً مـن الـفـضّـة تـدلّ عـلى أنّـهـا كـانـت مـغـطـاة بـطـبـقـة مـن مـعـدن ثـمـيـن : ذهـب أو فـضّـة.

N°149

 

تـمـثـال مـن الـرّخـام عـثـر عـلـيـه في الـحـضـر (حـضـرة شـمـس)، مـن الـقـرن الأوّل أو الـثّـاني بـعـد الـمـيـلاد، يـصـوّر إلـهـاً مـلـتـحـيـاً بـجـنـاحـيـن، يـمـسـك بـيـده الـيـمـنى سـكـيـنـاً ويـقـبـض بـيـده الـيـسـرى عـلى قـرن كـبـش، بـيـنـمـا يـتـلـوى ثـعـبـان خـلـف رأسـه وفـوق جـنـاحـيـه. ربّـمـا كـان يـصـور طـقـوس تـضـحـيـة ديـنـيـة.

N°160

كنوز 027 (800x618)

ثـقـل مـيـزان عـلى شـكـل بـطّـة مـن الـرّخـام الـبـنّي، مـن الـفـتـرة الـسّـومـريـة الـحـديـثـة، حـوالي 2130 إلى 2016 قـبـل الـمـيـلاد. عـلى جـنـاح الـبـطّـة الأيـمـن كـتـابـة بـالـمـسـمـاريـة تـنـصّ عـلى أنّ هـذا الـثّـقـل يـزن 20 مـيـنـاً، (الـمـيـن 60 شـقِـل، والـشّـقِـل الـواحـد يـعـادل حـوالي 11 غـرام فـضّـة).

N°228

كنوز 032 (590x800)

قـطـعـة مـكـسـورة مـن مـنـحـوتـة تـزيـنـيـة جـداريـة، عـثـر عـلـيـهـا في سـامـراء، الـعـصـر الـعـبـاسي، الـقـرن الـتّـاسـع بـعـد الـمـيـلاد.

N°229

كنوز 002 (601x640)

قـطـعـة مـسـدّسـة مـن مـنـحـوتـة تـزيـنـيـة جـداريـة، عـثـر عـلـيـهـا في سـامـراء، مـن الـعـصـر الـعـبـاسي، الـقـرن الـتّـاسـع بـعـد الـمـيـلاد، نـحـتـت فـيـهـا أغـصـان وأراق وعـنـاقـيـد.

N° 233

كنوز 033 (574x800)

جـرّة مـاء مـن الـفـخـار مـن الـعـصـر الـعـبّـاسي، الـقـرن الـعـاشـر بـعـد الـمـيـلاد، عـثـر عـلـيـهـا في تـلّ قـرب سـنّ الـذّبّـان. إرتـفـاعـهـا 75 سـم. عـلـيـهـا نـقـوش وتـصـاويـر حـيـوانـات : أسـد يـطـارد غـزالـة ؟

N° 235

كنوز 036 (447x800)

جـرّة كـبـيـرة ارتـفـاعـهـا 67 سـم. بـثـلاثـة مـقـابـض، مـن الـفـتـرة الإسـلامـيـة، الـقـرن الـحـادي عـشـر أو الـثّـاني عـشـر، لا نـعـرف أيـن عـثـر عـلـيـهـا.

نـرى عـلى الـمـقـبـض الأوسـط مـنـهـا صـورة امـرأة، كـمـا نـرى عـلى جـانـبـيـه وأسـفـلـه أربـعـة رؤوس نـحـتـت بـارزة وسـط خـطـوط مـلـتـويـة وأغـصـان وأوراق نـبـاتـات.

 

مـلـحـق

يـمـكـن لـلـقـارئ أن يـجـد مـعـلـومـات عـن كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي في الـمـنـشـورات الـتّـالـيـة :

– Yusuf Ghanima, A guide to the ‘Iraq Museum collections, Gov. Press, Baghdad 1942 (141 p).

فـرج بـصـمـةجي، كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي، بـغـداد، مـطـبـعـة الـحـكـومـة 1960،

– Faraj Basmachi, Treasures of the Iraq museum, Al Jumhuriya press, Baghdad 1976 (426 p.)

 

– Guide-book to the Iraq Museum, Directorate Genral of Antiquites, Baghdad 1976, (134 p.)

كـمـا أقـيـم مـعـرض لـمـخـتـارات مـن كـنـوز الـمـتـحـف الـعـراقي في مـتـحـف الـفـن والـتّـاريـخ لـمـديـنـة جـنـيـف في سـويـسـرة  Musée d’art et d’histoire de Genève، مـن 10 كـانـون الأوّل 1977 إلى 12 شـبـاط 1978، تـحـت عـنـوان : كـنـوز مـتـحف بـغـداد، 7000 سـنـة مـن تـاريـخ مـا بـيـن الـنّـهـريـن                   Trésores du Musée de Bagdad : 7000 ans d’histoire mésopotamienne.

وصـدر دلـيـل لـلـمـعـرض  بـ 152 صـفـحـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كـانـت لـجـنـة الـشّـرف تـضـمّ مـن الـجـانـب الـعـراقي وزيـر الـثّـقـافـة والإعـلام الـدّكـتـور مـحـمّـد نـاصـر ووزيـر الـمـعـارف الـدّكـتـور خـضـيـر عـبـد الـغـفـور ووزيـر الـخـارجـيـة الـدّكـتـور عـدنـان الـبـاجـجي وسـفـيـر الـعـراق في فـرنـسـا حـكـمـت سـلـيـمـان، ومـن الـجـانـب الـفـرنـسي : وزيـر الـثّـقـافـة، الـكـاتـب الـشّـهـيـر أنـدريـه مـالـرو، ووزيـر الـخـارجـيـة كـوف دو مـورفـيـل، وسـفـيـر فـرنـسـا في الـعـراق جـاك دومـاركـيـه.

(*) أنـظـر مـقـالي في جـريـدة الـمـدى : http://almadapaper.net/ar/news/474053/%D9%85%D8%AC%D9%80%D9%85%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A8%D8%A7%D8%B1-

(2) أنـظـر مـقـالي : رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

(3) يـورغـان تـبـه قـرب كـركـوك وتـلّ بـيـلا عـلى بـعـد حـوالي 15 كـلـم. شـمـال شـرقي نـيـنـوي مـن مـدن الـمـيـتـانـيـيـن.

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

الـجـنـاح الـعـراقي في مـعـرض بـاريـس الـعـالـمي عـام 1937

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شـارك الـعـراق في مـعـرض عـالـمي أقـيـم في بـاريـس مـن 25 أيّـار إلى 25 تـشـريـن الـثـاني عـام 1937، أسـمي : “الـمـعـرض الـعـالـمي لـلـفـنـون والـتّـقـنـيّـات الـمـطـبّـقـة عـلى الـحـيـاة الـحـديـثـة  L’exposition internationale des arts et techniques appliqués à la vie moderne”.

Expo 1937

وكـان تـحـضـيـر هـذا الـمـعـرض الـعـالـمي قـد بـدأ عـام 1934، ولـكـنّ الـحـالـة الإقـتـصـاديـة الـصّـعـبـة في تـلـك الـفـتـرة أعـاقـت تـنـفـيـذه. وعـنـدمـا وصـل الـيـسـار الـفـرنـسي إلى الـحـكـم عـام 1936 وشـكّـلـت حـكـومـة “الـجـبـهـة الـشّـعـبـيـة” بـرئـاسـة لـيـون بـلـوم تـبـنّـت الـحـكـومـة الـجـديـدة هـذا الـمـشـروع لـيـكـون لـقـاء سـلام بـيـن الـشّـعـوب.

وقـد افـتـتـح الـمـعـرض يـوم 25 أيّـار 1937، وضـمّ 55 جـنـاحـاً، واحـد لـكـلّ دولـة مـشـاركـة ومـن ضـمـنـهـا فـرنـسـا (بـمـسـتـعـمـراتـهـا ومـحـمـيـاتـهـا مـثـل الـجـزائـر والـمـغـرب وتـونـس). وطـبـعـاً فـقـد خـصـص جـنـاح لـمـمـلـكـة الـعـراق يـقـع بـيـن الـمـدرسـة الـعـسـكـريـة وبـرج إيـفـيـل. (1)

Expo 37

وقـد عـهـد بـتـصـمـيـم الـجـنـاح الـعـراقي إلى الـمـعـمـاري الـفـرنـسي ألـبـيـر لابـراد Albert LAPRADE وسـاعـده الـمـعـمـاري  لـيـون بـزان Léon BAZIN.

وعـيّـنـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة الـمـعـمـاري أحـمـد مـخـتـار مـسـتـشـاراً مـعـمـاريـاً لـلـمـشـروع، وأرسـلـتـه إلى بـاريـس لـيـشـرف عـلى تـنـفـيـذه مـع الـمـعـمـاريَـيـن الـفـرنـسـيَـيـن.

Irak 1937 9

وكـان أحـمـد مـخـتـار إبـراهـيـم قـد حـصـل عـلى شـهـادة في الـهـنـدسـة الـمـعـمـاريـة مـن جـامـعـة لـيـفـربـول في إنـكـلـتـرة عـام 1935 (أو 1936 ؟). وبـهـذا كـان أوّل عـراقي يـحـصـل عـلى مـثـل هـذه الـشّـهـادة مـن جـامـعـة أوربـيـة.  وبـعـد رجـوعـه إلى بـغـداد عـيّـن في 1937 مـسـؤولاً مـعـمـاريـاً لـلـحـكـومـة. وكـان أوّل عـراقي يـشـغـل هـذا الـمـنـصـب. (2)

كـمـا أوفـدت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة مـيـر بـصـري، الّـذي كـان يـعـمـل في غـرفـة تـجـارة بـغـداد إلى الـمـفـوضـيّـة الـعـراقـيـة في بـاريـس لـمـسـاعـدة الـدّكـتـور عـبـد الإلـه حـافـظ في إنـشـاء الـجـنـاح. (3)

ولـديـنـا عـدد مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة تـظـهـر الـجـنـاح مـن عـدّة جـوانـب :

ويـذكـر الـتّـقـديـم الّـذي نـشـر لـلـمـعـرض بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة أنّ : “الـجـنّـاح الـعـراقي يـعـيـد إلى الـحـيـاة إحـدى عـجـائـب الـدّنـيـا الـسّـبـع : جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة. الـمـدخـل يـحـرسـه أسـدان مـجـنـحـان، ويـوصـلـنـا إلى صـالـة الـشّـرف الّـتي يـنـتـصـب في وسـطـهـا مـجـسّـم مـصـغّـر لـبـابـل صـنـع طـبـقـاً لـكـلّ الـمـعـطـيـات الـعـلـمـيـة الـحـديـثـة عـن الـمـوقـع. ونـصـل بـعـدهـا إلى حـوش تـحـيـطـه أعـمـدة في وسـطـه تـمـثـال شـارلـمـان لـيـذكّـرنـا بـأنّـه اسـتـلـم كـهـديـة أوّل سـاعـة [صـنـعـت في الـتّـاريـخ]، والّـتي كـانـت مـن روائـع الأعـمـال الـتـقـنـيّـة الّـتي اخـتـرعـت في الـعـراق.

ونـجـد عـلى مـنـصّـات الـعـرض مـنـتـوجـات الـبـلـد : حـبـوب الـحـنـطـة والـشّـعـيـر، وأنـواع الـتّـمـور، والـعـسـل والـلـوز والـتّـبـغ ونـبـيـذ الـمـوصـل الـشّـهـيـر والأسـتـراخـان   astrakan (فـرو الـحـمـلان الـصّـغـيـرة) والـصّـوف.

وعـرض في الـطّـابـق الأوّل كـلّ مـا يـتـعـلّـق بـثـروات الـنّـفـط وبـإنـجـازات الـتّـصـنـيـع.

ونـجـد في الـطّـابـق الأرضي كـمـا في الـطّـابـق الأوّل ديـورامـات  Dioramas (وهي واجـهـات زجـاجـيـة خـلـفـهـا مـجـسّـمـات) تـظّـهـر الإنـجـازات الـضّـخـمـة والـمـهـمّـة الّـتي حـقـقـهـا الـعـراق مـنـذ اسـتـقـلالـه”.

ولـديـنـا أعـداد مـن الـرّسـوم والـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة لـبـنـايـة الـجـنـاح. ونـرى بـوضـوح أنّ أعـلى الـبـنـايـة لا يـمـثّـل زقـوّرة كـمـا قـرأتـه في عـدّة أمـاكـن وإنّـمـا جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة بـعـدّة طـبـقـات ونـلاحـظ الأشـجـار الّـتي غـرسـت فـيـهـا. (4)

وقـد نـشـر بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة : “دلـيـل الـجـنـاح الـعـراقي  Guide du pavillon de l’Irak”، وزّع عـلى زوّار الـجـنـاح.

Expo 1937 4

الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة عـام 1937 :

كـمـا نـشـر مـلـف عـلى شـكـل كـتـيـب بـأربـع وعـشـريـن صـفـحـة مـن الـقـطـع الـمـتـوسّـط، عـلى غـلافـه شـعـار مـمـلـكـة الـعـراق وعـنـوان الـمـلـفّ :  Monographie sur l’Irak.

المملكة العراقية 1937

وتـعـني كـلـمـة “مـونـوغـرافي” أو “مـونـوغـرافـيـا” دراسـة مـخـصـصـة لـمـوضـوع واحـد، وهي هـنـا دراسـة مـكـرّسـة لـلـعـراق :

ونـجـد في الـصّـفـحـة الأولى صـورة لـ : “جـلالـة غـازي الأوّل، مـلـك الـعـراق” :

المملكة الع 1937

وفي الـصّـفـحـة الـثّـالـثـة صـورة لـ : “جـلالـة الـمـرحـوم فـيـصـل الأوّل، مـلـك الـعـراق، تـوفي في بـيـرن، في الـثّـامـن مـن أيـلـول 1933” :

المملكة العر 1937

ويـحـتـوي الـمـلـف، مـا عـدا الـمـقـدمـة، عـلى 19 فـصـلاً قـصـيـراً، لا يـتـجـاوز بـعـضـهـا عـدّة أسـطـر تـصـاحـبـهـا جـداول وإحـصـائـيـات. ولأهـمـيـة الـمـعـلـومـات الّـتي يـحـتـويـهـا الـمـلّـف سـأتـرجـم لـكـم أهـمّ مـا ورد فـيـه ولـكـنّ بـدون أغـلـب الـجـداول والإحـصـائـيـات.

الـمـقـدّمـة :

تـذكـر الـمـقـدمـة الّـتي تـحـتـوي عـلى 33 سـطـراً، وكـتـبـت في آذار 1937، أنّ الـمـلـفّ طـبـع لـيـعـطي لـزوّار الـجـنـاح الـعـراقي في الـمـعـرض فـكـرة عـامـة عـن الـبـلـد. فـ “الـعـراق دولـة جـديـدة أنـشـئـت عـنـد تـقـسـيـم الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى. وقـد اعـتـرف بـاسـتـقـلالـه أوّلاً بـمـعـاهـدة الـتّـحـالـف الّـتي وقّـعـهـا مـع بـريـطـانـيـا الـعـظـمى عـام 1930، ثـمّ بـعـد ذلـك بـقـبـول عـضـويـتـه في عـصـبـة الأمـم. وهـو مـا يـمـنـحـه الـحـدّ الأعـلى مـن الـضّـمـانـات الـعـالـمـيـة”.

“أمّـا عـن اقـتـصـاده، فـسـتـضـمـن لـه ثـروات أرضـه ومـا في بـاطـن أرضـه ازدهـاراً لا شـكّ فـيـه. وهـو مـا زال بـلـداً فـتـيّـاً، يـمـتـلـك مـصـادر غـنى هـائـلـة لـم يـشـرع في اسـتـخـراجـهـا إلّا بـالـكـاد. وإذا مـا أخـذنـا بـنـظـر الإعـتـبـار آبـار نـفـطـه فـقـط، فـهي تـكـفي وحـدهـا لـتـؤمّـن لـه واردات لا يـمـكـنـنـا بـعـد الـتّـنـبـؤ بـمـدى أهـمـيـتـهـا. ومـالـيـة الـبـلـد فـائـضـة، تـنـظّـم بـاسـتـمـرار ولا تـشـكـو مـن عـجـز، وخـزيـنـتـه تـمـتـلـك أرصـدة وذخـائـر مـؤمّـنـة”.

“وقـد غـيّـرت ظـروف مـا بـعـد الـحـرب هـذا الـبـلـد الـفـتي جـذريّـاً ومـنـحـتـه امـتـيـازاً سـيـاسـيـاً واقـتـصـاديـاً عـلى دول الـشّـرق الأوسـط، كـمـا حـقـق تـقـدمـاً اجـتـمـاعـيـاً عـظـيـمـاً”.

“وأخـرجـتـه طـرق الـمـواصـلات الـحـديـثـة مـن عـزلـتـه الـمـاضـيـة، وأصـبـحـت بـغـداد الآن لا تـبـعـد إلّا بـ 48 سـاعـة عـن بـاريـس بـالـطـائـرة. وتـطـورت الـطّـرق الـبـريـة : خـمـسـة أيّـام مـن بـاريـس إلى بـغـداد بـقـطـار Simplon-Orient-Taurus-Express، مـمـا يـسـمـح لـلـبـلـد بـالاتـصـال بـالـعـالـم، ويـفـتـحـه لـكـلّ الـمـسـافـريـن مـن كـلّ أرجـاء الـكـرة الأرضـيـة. وقـد سـجّـلـت مـخـافـر الـحـدود الـعـراقـيـة عـام 1935 وصـول 105 آلاف مـسـافـر مـن سـبـعـيـن جـنـسـيـة مـخـتـلـفـة”.

“وفي ظـروف الأزمـة الـحـالـيـة، والـتّـضـعـضـع الإقـتـصـادي والـبـطـالـة الـمـتـفـشّـيـة الّـتي اجـتـاحـت الـعـالـم، يـبـقى الـعـراق واحـداً مـن الـبـلـدان الـنّـادرة الّـتي تـؤمّـن إمـكـانـيـات نـجـاح وعـائـدات مـهـمّـة لـرؤوس الأمـوال الّـتي تـبـحـث عـن اسـتـثـمـارات أكـيـدة”.

“ولـفـتـح آفـاق اقـتـصـاديـة جـديـدة، وإنـشـاء مـشـاريـع زراعـيـة ومـصـانـع وشـركـات مـواصـلات ونـقـل ومـؤسـسـات مـالـيـة ضـروريـة لـتـنـمـيـة هـذه الأراضي الـشـاسـعـة الـشّـديـدة الـخـصـوبـة، نـحـتـاج إلى مـسـتـثـمـريـن يـأتـون بـصـحـبـة خـبـراء وتـقـنـيـيـن لـيـشـكـلـوا نـواة تـتـجـمـع حـولـهـا رؤوس الأمـوال الـمـحـلّـيـة”.

“ويـمـكـن أن تـقـام كـثـيـر مـن الـمـشـاريـع، وفي كـلّ الـمـيـاديـن : الـزّراعـة والـصّـنـاعـة والـتّـجـارة والـنّـقـل والـمـواصـلات وتـعـبـيـد الـطّـرق والـبـنـاء والـتّـشـيـيـد في الـمـدن … إلـخ. ومـسـانـدة الـحـكـومـة الـعـراقـيـة تـتـوجـه لـكـلّ الـمـشـاريـع الـصّـالـحـة، ولـكـلّ مـن يـرغـب في بـذل جـهـوده لـلـمـشـاركـة في تـطـويـر اقـتـصـاد هـذا الـبـلـد الّـذي يـهـدف إلى الـوصـول في الـزّمـن الـحـاضـر إلى مـكـانـتـه الّـتي كـان يـحـتـلّـهـا في الـمـاضي”.

ويـتـكـلّـم الـفـصـل الأوّل عـن حـدود الـعـراق وعـن مـسـاحـتـه (50 ألـف و 453 كـلـم. مـربـع) وعـن سـكّـانـه (ثـلاثـة مـلايـيـن وسـتـمـائـة ألـف نـسـمـة)

ويـعـرض الـفـصـل الـثّـاني إدارة الـعـراق وحـكـومـتـه، فـهـو : “مـمـلـكـة دسـتـوريـة وراثـيـة”. والـسّـلـطـة الـتّـشـريـعـيـة أسـنـدت لـ “بـرلـمـان وطـني يـتـكـوّن مـن مـجـلـسـيـن : الـنّـواب والـشّـيـوخ”. أمّـا الـسّـلـطـة الـتّـنـفـيـذيـة فـيـتـكـلّـف بـهـا “مـجـلـس الـوزراء الـمـسـؤول أمـام الـبـرلـمـان بـمـجـلـسـيـه”.

ولـكـنّـه لا يـذكـر الـسّـلـطـة الـقـضـائـيـة، هـل هي مـسـتـقـلّـة أم تـابـعـة لـلـحـكـومـة ؟ (4)

ويـحـكـم الـعـراق : “جـلالـة الـمـلـك غـازي الأوّل الّـذي خـلـف عـام 1933 أبـاه الـمـرحـوم الـمـلـك فـيـصـل الأوّل (تـوفي في بـيـرن) إبـن الـمـلـك حـسـيـن، الّـذي كـان مـلـك الـحـجـاز، وشـقـيـق عـبـد الله أمـيـر شـرق الأردن”.

“وتـنـقـسـم الـمـمـلـكـة إداريـاً إلى 14 لـواء، وعلى رأس كـلّ لـواء مـتـصـرّف يـسـتـلـم أوامـره مـن وزيـر الـدّاخـلـيـة”.

“والـعـربـيـة هي الـلـغـة الـرّسـمـيـة، ولـكـنّ الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة واسـعـتـا الإسـتـعـمـال في مـيـدان الأعـمـال والـمـبـادلات الـتّـجـاريـة مـع دول الـعـالـم”.

ومـدن الـعـراق الـرّئـيـسـيـة :

بـغـداد : الـعـاصـمـة، وتـقـع عـلى نـهـر د  جـلـة (سـكـانـهـا 340 ألـف نـسـمـة)،

الـمـوصـل : مـركـز اسـتـخـراج نـفـط، عـلى نـهـر دجـلـة (سـكـانـهـا 240 ألـف نـسـمـة)،

الـبـصـرة : مـيـنـاء عـلى شـطّ الـعـرب (سـكـانـهـا 119 ألـف نـسـمـة)،

الـسّـلـيـمـانـيـة : مـركـز زراعـة الـتّـبـغ (سـكـانـهـا 63 ألـف نـسـمـة)،

كـركـوك : آبـار نـفـط بـدأ اسـتـخـراجـه  (سـكـانـهـا 65 ألـف نـسـمـة)،

كـربـلاء  : مـديـنـة مـقـدّسـة  (سـكـانـهـا 70 ألـف نـسـمـة)،

الـنّـجـف  : نـفـس الـشّئ  (سـكـانـهـا  50 ألـف نـسـمـة)”.

الـنّـقـود

الـعـمـلـة في الـعـراق هي الـدّيـنـار الـعـراقي الّـذي يـعـادل الـبـاونـد الإسـتـرلـيـني الإنـكـلـيـزي. والـدّيـنـار ألـف فـلـس، والـنّـقـود الـمـتـداولـة قـطـع مـعـدنـيـة وأوراق مـصـرفـيـة :

الـقـطـع الـمـعـدنـيـة : 200 فـلـس و 50 فـلـس و 20 فـلـس مـن الـفـضّـة، 10 فـلـوس و 4 فـلـوس مـن مـعـدن الـنّـيـكـل، فـلـسـان وفـلـس واحـد مـن الـنّـحـاس.

الـمـعـادلات بـالـنّـقـود الإنـكـلـيـزيـة  : الـدّيـنـار يـعـادل بـاونـد إسـتـرلـيـني  pound sterling. وخـمـسـون فـلـسـاً تـعـادل شـلـنـغ shilling، وأربـعـة فـلـوس و 166 تـعـادل بـني penny.

ولـجـنـة الـنّـقـود الـعـراقـيـة  Iraq Currency Board الّـتي مـقـرّهـا في لـنـدن، يـحـق لـهـا إصـدار عـمـلات ورقـيـة : 100 ديـنـار، و 10 دنـانـيـر، و 5 دنـانـيـر، وديـنـار واحـد، ونـصـف ديـنـار، وربـع ديـنـار يـمـكـن تـحـويـلـهـا إلى بـاونـدات اسـتـرلـيـنـيـة وفـقـاً لـقـانـون عـام 1931 الّـذي أبـدل بـهـا “روبـيـة” الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة الّـتي أدخـلـتـهـا قـوّات الإحـتـلال الـبـريـطـانـيـة خـلال الـحـرب [الـعـالـمـيـة الأولى] والّـتي اسـتـمـرّ اسـتـعـمـالـهـا حـتّى 1 نـيـسـان 1931.

وقـد جـرى الـتّـغـيـيـر مـن عـمـلـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة إلى الـعـمـلـة الـوطـنـيـة الـعـراقـيـة بـبـطء واقـتـضى وقـتـاً طـويـلاً لـتـحـاشي الإضـطـرابـات الـمـالـيـة. وقـد حـددت نـسـبـة الإبـدال الـنّـقـدي لـلـروبـيـة بـخـمـسـة وسـبـعـيـن فـلـسـاً مـمـا سـهّـل الـحـسـابـات.

وتـقـدّر كـمـيـة الـنّـقـود الـهـنـديـة الّـتي كـانـت مـسـتـعـمـلـة في الـبـلـد قـبـل إصـدار الـنّـظـام الـنّـقـدي الـجـديـد بـ 39 مـلـيـونـاً وتـسـعـمـائـة وثـمـانـيـة وثـلاثـيـن ألـف روبـيـة أي مـا يـعـادل ثـلاثـة مـلايـيـن بـاونـد اسـتـرلـيـني تـقـريـبـاً.

وقـد أصـدرت الـحـكـومـة قـرارات خـاصـة تـتـعـلّـق بـاسـتـعـمـال الـنّـقـود الـهـنـديـة لـشـراء بـاونـدات أسـتـرلـيـنـيـة دخـلـت الـخـزيـنـة كـرصـيـد تـأمـيـن لـقـيـمـة الـعـمـلـة الـعـراقـيـة الـجـديـدة.

ولـم يـتـوقـف تـداول الـرّوبـيـة نـهـائـيـاً إلّا في تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1933، عـنـدمـا صـدر قـانـون بـسـحـبـهـا وبـمـنـع اسـتـعـمـالـهـا.

وقـد اسـتـمـرّ اسـتـعـمـال الـلـيـرة الـذّهـبـيـة الـعـثـمـانـيـة وخـاصـة بـيـن عـرب الـعـشـائـر الّـذيـن لـم تـفـلـح الـمـحـاولات في فـرض الـرّوبـيـة الـهـنـديـة عـلـيـهـم. ولـكـن نـتـج عـن زيـادة الـطّـلـب عـلى الـذهـب في أوربـا بـيـع كـمـيـات كـبـيـرة مـن هـذه الـلـيـرات وتـصـديـرهـا، وبـيـنـمـا لـم تـكـن قـيـمـة الـلـيـرة الّـذهـبـيـة قـبـل انـهـيـار الـبـاونـد الإسـتـرلـيـني تـتـجـاوز 12 روبـيـة، أصـبـحـت الآن تـبـاع في الـسّـوق الـمـحـلـيـة بـعـشـريـن روبـيـة، أي مـا يـعـادل ديـنـاراً ونـصـف.

الـبـنـوك الـرّئـيـسـيـة :

الـبـنـك الـعـثـمـاني : الّـذي لـه مـقـرّان في بـاريـس ولـنـدن، ولـه فـروع في الـعـراق، في بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، والّـذي لـه الـنّـصـيـب الأكـبـر في الـمـعـامـلات والـمـبـادلات مـع الـخـارج.

: The Eastern Bank, Ltd

مـقـره في لـنـدن، وفـروعـه في الـعـراق في بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل وكـركـوك والـحـلّـة والـعـمـارة. مـعـامـلات ومـبـادلات مـالـيـة مـحـلّـيـة وعـالـمـيـة.

: The Imperial Bank of Iran

والّـذي كـان اسـمـه بـنـك بـلاد فـارس، مـقـرّه في لـنـدن، وإدارتـه في طـهـران، وفـروعـه في الـعـراق في بـغـداد والـبـصـرة، ويـخـتـص بـالـجـزء الأكـبـر مـن الـمـعـامـلات مـع إيـران.

الـبـنـك الـزّراعي الـصّـنـاعي :

مـؤسـسـة حـكـومـيـة أنـشـئـت عـام 1936 لـتـنـمـيـة الـزّراعـة والـصّـنـاعـة. يـمـنـح قـروضـاً ويـتـكـفّـل بـالـوسـاطـة في مـبـادلات الـمـنـتـوجـات الـزّراعـيـة والـصّـنـاعـيـة.

الـبـورصـة :

أنـشـئـت “بـورصـة الـتّـجـارة” عـام 1936، وربـطـت بـوزارة الـمـالـيـة. وتـرتـبـط نـشـاطـاتـهـا بـالـمـنـتـوجـات الـزّراعـيـة، وهي تـشـرف عـلى عـمـلـيـات الـبـيـع والـشّـراء بـيـن الـمـزارعـيـن الـمـنـتـجـيـن وتـجّـار الـجـمـلـة.

الـمـوازيـن والـمـقـايـيـس :

أصـبـح الـنّـظـام الـمـتـري الـعـشـري إجـبـاريـاً في الـعـراق مـنـذ عـام 1931، ولـكـن نـظـام الـمـقـايـيـس الإنـكـلـيـزيـة وبـعـض الأنـظـمـة الـمـحـلّـيـة مـا زالـت تـسـتـعـمـل إلى جـانـبـه.

طـرق الـمـواصـلات :

الـمـسـالـك الـبـحـريـة : مـيـنـاء الـبـصـرة،

الـبـصـرة بـوابـة الـعـراق الـبـحـريـة. ويـمـتـد مـيـنـاؤهـا، الّـذي شـيّـد بـطـريـقـة حـديـثـة بـعـد الـحـرب، مـن الـخـلـيـج إلى مـا يـقـارب 170 كـلـم. صـعـوداً في شـطّ الـعـرب. ويـحـفـر قـاع الـشّـطّ ويـنـظّـف بـاسـتـمـرار لـتـمـرّ بـه سـفـن كـبـيـرة. وتـمـرّ بـالـمـيـنـاء بـانـتـظـام سـفـن تـجـاريـة تـابـعـة لـعـدّة خـطـوط بـحـريـة عـالـمـيـة.

وتـتـكـفّـل خـدمـات سـفـن الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة  The British India بـتـأمـيـن الـخـطّ الـرئـيـسي بـيـن الـبـصـرة وبـومـبـاي في الـهـنـد. ومـيـنـاء بـومـبـاي مـركـز مـهـمّ تـمـرّ بـه سـفـن كـلّ الـشّـركـات الـبـحـريـة الأوربـيـة تـقـريـبـاً. ولإغـلـب هـذه الـشّـركـات خـدمـات نـقـل مـبـاشـرة بـيـن الـبـصـرة والـمـوانئ الأوربـيـة وخـاصـة الإنـكـلـيـزيـة.

وتـسـتـعـمـل ثـلاث شـركـات يـابـانـيـة مـهـمّـة مـيـنـاء الـبـصـرة، وقـد فـتـحـت شـركـة نـقـل هـولـنـديـة في الـفـتـرة الأخـيـرة خـطّـاً بـيـن جـاوة ــ سـنـغـافـورة ــ الـبـصـرة.

وتـمـرّ حـوالي ألـف سـفـيـنـة ضـخـمـة بـمـيـنـاء الـبـصـرة سـنـويـاً ومـن ضـمـنـهـا سـفـن خـزّانـات شـركـات الـنّـفـط، تـنـقـل حـوالي سـتّـة مـلايـيـن طـنّ مـن الـسّـلـع والـبـضـائـع والـمـنـتـوجـات.

وتـجـد كـلّ الـسّـفـن الـكـبـيـرة دائـمـاً في مـدخـل الـمـيـنـاء سـفـيـنـة قـيـادة تـتـقـدّمـهـا لـتـدلّـهـا عـلى أرصـفـة تـفـريـغ الـحـمـولات. وقـد شـيّـدت الأرصـفـة بـأخـشـاب الـسّـاج الـشّـديـدة الـصّـلابـة والّـتي اسـتـوردت مـن الـهـنـد الـصّـيـنـيـة (الّـتي كـانـت تـحـت الـسّـيـطـرة الـفـرنـسـيـة) ومـن سـيـام، وتـمـتـدّ 5000  قـدم بـمـحـاذاة الـبـحـر وبـعـمـق 26 قـدمـاّ.

وتـصـل خـطـوط الـسّـكـك الـحـديـديـة مـبـاشـرة إلى أرصـفـة الـمـيـنـاء الّـتي عـلـيـهـا رافـعـات بـخـاريـة يـمـكـنـهـا تـفـريـغ عـشـريـن سـفـيـنـة في نـفـس الـوقـت، مـمـا يـسـهّـل نـقـلاً مـبـاشـراً وسـريـعـاً لـلـبـضـائـع بـالـقـطـارات نـحـو كـلّ أرجـاء الـعـراق وشـمـال إيـران.

والـمـكـوس الّـتي تـجـبى في الـمـيـنـاء هي حـوالي 100 فـلـس عـلى طـنّ الـبـضـائـع الـمـسـتـوردة، و25 فـلـسـاً عـلى طـنّ الـبـضـائـع الـمـصـدّرة.

الـسّـكـك الـحـديـديـة :

يـمـتـلـك الـعـراق  ألـفـاً و 800 كـلـم. مـن الـسّـكـك الـحـديـديـة تـتـكـلّـف بـهـا إدارة “الـسّـكـك الـحـديـديـة لـلـدّولـة الـعـراقـيـة” الـمـرتـبـطـة بـوزارة الإقـتـصـاد والـمـواصـلات.

ويـربـط الـخـطّ الـرّئـيـسي بـغـداد بـالـبـصـرة. ومـن بـغـداد يـصـعـد خـطّ آخـر بـمـحـاذاة دجـلـة إلى الـبـيـجي. وقـد بـدأ في الـفـتـرة الأخـيـرة مـشـروع إكـمـال الـخـطّ مـن الـبـيـجي إلى تـل كـوشـك. وسـيـتـحـقـق اتّـصـال مـبـاشـر بـ      Simplon-Orient-Taurus-Express ، لـلـتّـوصـل إلى خـطّ مـسـتـمـرّ مـن الـبـصـرة ــ بـغـداد ــ الـمـوصـل ــ حـلـب ــ إسـطـنـبـول ــ أوربـا، بـاتّـبـاع مـا كـان يـنـبـغي أن يـحـقـقـه الـمـشـروع الألـمـاني “Bagdad-Bahn” : بـرلـيـن ــ إسـطـنـبـول بـغـداد. (6)

أمّـا عـن مـشـروع خـطّ الـسّـكـك الـحـديـديـة عـبـر الـصّـحـراء مـن بـغـداد إلى حـيـفـا (في فـلـسـطـيـن) فـقـد تـرك تـمـامـاً.

وهـنـاك خـطّ آخـر يـوصـل بـغـداد بـخـانـقـيـن بـاتّـجـاه الـحـدود الإيـرانـيـة، ومـن خـانـقـيـن يـتـجـه خـطّ آخـر إلى كـركـوك.

طـريـق الـصّـحـراء :

تـربـط بـغـداد بـسـوريـا، ومـنـهـا إلى مـوانئ الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط  خـدمـات لـنـقـل الـمـسـافـريـن بـالـسّـيّـارات وبالـبـاصـات، ولـنـقـل الـبـضـائـع بـالـشّـاحـنـات. وتـدوم الـسّـفـرة بـيـن 22 و 30 سـاعـة. وتـغـادر وسـائـل الـنّـقـل بـغـداد مـرتـيـن في الأسـبـوع، كـمـا تـصـلـهـا مـن الإتـجـاه الـمـعـاكـس مـرتـيـن في الأسـبـوع أيـضـاً. وتـسـتـمـر هـذه الـخـدمـات نـحـو إيـران عـن طـريـق خـانـقـيـن وقـصـر شـيـريـن وهـمـدان ثـمّ طـهـران. وتـدوم الـسّـفـرة مـن بـغـداد إلى طـهـران يـومـيـن ونـصـف تـقـريـبـاً (1000 كـلـم.).

وقـد تـنـامى عـدد الـمـسـافـريـن في الـعـراق بـنـسـب مـدهـشـة، فـلـم يـكـن يـزور الـعـراق قـبـل الـحـرب إلّا أقـلّ مـن 1000 مـسـافـر، بـيـنـمـا يـمـرّ الآن بـمـخـافـر الـحـدود أكـثـر مـن مـائـة ألـف مـسـافـر مـن مـخـتـلـف الـجـنـسـيـات. وتـنـامى نـقـل الـمـسـافـريـن عـلى طـريـق سـوريـا ــ الـعـراق حـتّى أصـبـحـت الـطّـريـق الّـتي اخـتـارهـا أكـثـر الـسّـوّاح (ثـلاثـون ألـف مـسـافـر عـام 1935).

الـمـسـالـك الـنّـهـريـة :

تـنـقـل أعـداد مـن الـسّـفـن الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع بـيـن الـبـصـرة وبـغـداد عـن طـريـق شـطّ الـعـرب ونـهـر دجـلـة. ويـمـكـن لـلـبـواخـر والـسّـفـن الـشّـراعـيـة الـصّـعـود مـن بـغـداد إلى الـمـوصـل عـن طـريـق دجـلـة في فـتـرات طـويـلـة مـن الـسّـنـة. ويـمـكـن أيـضـاً الـمـلاحـة عـلى جـزء مـن نـهـر الـفـرات.

وتـتـكـفّـل بـنـقـل الـمـسـافـريـن بـيـن الـبـصـرة وبـغـداد أربـع شـركـات لـلـنـقـل الـنّـهـري.

الـخـطـوط الـجـوّيـة :

أصـبـحـت بـغـداد مـركـزاً مـهـمّـاً لـلـنـقـل الـجـوي بـفـضـل مـوقـعـهـا الـجـغـرافي بـيـن أوربـا وآسـيـا. ويـتـوقّـف في مـطـارهـا الّـذي زوّد بـأحـدث الـمـعـدّات شـهـريّـاً حـوالي مـائـة طـائـرة نـقـل لـلـمـسـافـريـن أو لـلـبـريـد، مـن غـيـر أن نـدخـل في حـسـابـنـا أعـداداّ كـبـيـرة مـن الـطّـائـرات الـخـصـوصـيـة.

وتـحـطّ في مـطـار بـغـداد طـائـرات ثـلاثـة خـطـوط جـوّيـة عـالـمـيـة مـهـمّـة ذهـابـاً وإيـابـاً :

أ . الـخـطـوط الـجـوّيـة الـفـرنـسـيـة   Compagnie Air- France :

الـخـدمـة الأسـبـوعـيـة مـرسـيـلـيـا ــ سـايـغـون. تـغـادر الـطّـائـرات مـرسـيـلـيـا (فـرنـسـا) يـوم الـخـمـيـس وتـصـل إلى بـغـداد يـوم الـسّـبـت.

ب . الـخـطـوط الـجـوّيـة الإمـبـريـالـيـة  Imperial Airways :

مـرتـيـن في الأسـبـوع : لـنـدن ــ الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة ــ سـنـغـافـورة ــ أسـتـرالـيـا، تـغـادر الـطّـائـرات لـنـدن يـومَي الأربـعـاء والـسّـبـت وتـصـل إلى بـغـداد يـومَي الـسّـبـت والـثّـلاثـاء.

ج .  K.L.M. :

مـرتـيـن في الأسـبـوع بـيـن أمـسـتـردام والـهـنـد الـهـولـنـديـة، تـغـادر الـطّـائـرات أمـسـتـردام يـومَي الأربـعـاء والـسّـبـت، وتـصـل إلى بـغـداد يـومَي الـجـمـعـة والإثـنـيـن.

وهـنـاك خـطّ رابـع شـرعـت شـركـة لـوفـت هـانـزا Lufthansa الألـمـانـيـة في إنـشـائـه بـيـن بـرلـيـن ــ بـغـداد ــ كـابـل (أفـغـانـسـتـان).

كـمـا أنّ هـنـاك خـطّـان في داخـل الـشّـرق الأدنى : بـغـداد ـ دمـشـق، وتـقـوم بـه الـخـطـوط الـجـويـة الـفـرنـسـيـة، وبـغـداد ــ فـلـسـطـيـن ــ مـصـر وتـقـوم بـه الـخـطـوط الـجـويـة الـمـصـريـة  Misr Airworks.

وفي الـبـصـرة مـطـار حـديـث جـدّاً تـحـطّ فـيـه الـطّـائـرات والـطّـائـرات الـمـائـيـة، وتـمـرّ بـه أحـيـانـاً طـائـرات الـخـطـوط الـجـوّيـة الـعـالـمـيـة الـثّـلاث. والـبـصـرة بـمـوقـعـهـا عـلى طـريـق الـهـنـد والـشّـرق الأقـصى لـهـا مـطـار يـمـكـن اعـتـبـاره لـشـدّة حـداثـتـه وجـودة مـعـدّاتـه مـن بـيـن أفـضـل مـطـارات الـعـالـم. وعـبّـدت أرصـفـة الـهـبـوط  والإقـلاع فـيـه بـالأسـفـلـت. وهي أطـول الأرصـفـة في الـشّـرق وأعـرضـهـا وأشـدّهـا مـقـاومـة لأسـوء الإضـطـرابـات الـجـوّيـة. وفـيـه أيـضـاً حـوض لـهـبـوط الـطّـائـرات الـمـائـيـة مـرتـبـط بـبـاقي الـمـطـار عـبـر مـمـرّات مـسـقّـفـة. وفي داخـل الـمـطـار فـنـدق حـديـث لـيـقـضي فـيـه الـمـسـافـرون الـلـيـل.

الإتـصـالات الـلاسـلـكـيـة :

حـقـق الـعـراق مـنـذ عـام 1922 إتـصـالات لاسـلـكـيـة بـالـعـالـم عـبـر شـبـكـة شـركـة مـاركـوني الـمـعـتـرف بـهـا عـالـمـيـاً والـمـسـتـقـرّة في مـصـر               The Marconi Radio Telegraph Company of Egypt S.A.E.

وتـنـقـل الإدارة الـعـراقـيـة الـبـرقـيـات مـن بـغـداد إلى مـحـطـة مـاركـوني في الـقـاهـرة، ومـن هـنـاك تـرسـلـهـا الـشّـركـة بـخـدمـاتـهـا في الـدّول الأوربـيـة وبـارتـبـاطـهـا بـالـشّـركـة الـعـالـمـيـة « Cable and Wireless Limited » إلى الـجـهـات الـمـرسـلـة لـهـا في كـلّ أرجـاء الـعـالـم.

الإتـصـالات الـهـاتـفـيـة :

تـقـوم نـفـس شـركـة مـاركـوني بـالاتـصـالات الـهـاتـفـيـة بـيـن الـعـراق وبـلـدان أوربـا. ويـمـرّ الـعـراق بـمـحـطـة الـقـاهـرة الّـتي تـحـوّل اتـصـالاتـه الـهـاتـفـيـة إلى أروبـا.

وارادت الـدّولـة الـرّئـيـسـيـة :

تـشـكّـل الـمـكـوس الّـتي تـجـبى عـلى حـدود الـدّولـة عـلى الـبـضـائـع والـمـسـافـريـن الـواردات الـرّئـيـسـيـة الّـتي تـدخـل في خـزيـنـة الـدّولـة. وهي في ازديـاد مـسـتـمـر، فـقـد كـانـت في 1931/1932 : مـلـيـونـاً و 858 ألـف و 384 ديـنـاراً، ووصـلـت في 1935/1936 إلى : مـلـيـونـيـن و543 ألـف و206 ديـنـار، وهي تـمـثّـل نـصـف الـعـائـدات. وكـانـت الـمـكـوس عـلى الـنّـشـاطـات الـزّراعـيـة ومـن بـيـنـهـا أربـاح تـأجـيـر الأراضي الـحـكـومـيـة تـدرّ قـبـل 12 سـنـة مـا يـقـارب 30 بـالـمـائـة الـواردات، ولـكـنّـهـا لا تـدرّ الآن أكـثـر مـن 18 بـالـمـائـة إلى عـشـريـن بـالـمـائـة.

إنـفـاقـات الـدّولـة الـرّئـيـسـيـة :

مـا عـدا مـشـاريـع الأشـغـال الـمـهـمّـة ذات الـمـنـافـع الـعـمـومـيـة (جـسـور، أبـنـيـة، مـسـتـشـفـيـات، سـدود وأعـمـال ري) يـعـود الـجـزء الأكـبـر مـن الـنّـفـقـات إلى وزارة الـدّفـاع، ثـمّ تـأتي الـشّـرطـة بـعـدهـا وتـنـفـق 12 بـالـمـائـة مـن الـعـائـدات، أمّـا وزارة الـمـعـارف الـعـمـومـيـة فـلا تـأتي إلّا في الـمـرتـبـة الـثّـالـثـة، رغـم أنّ نـفـقـاتـهـا في ارتـفـاع مـسـتـمـر.

الـحـالـة الإقـتـصـاديـة :

يـعـتـمـد اقـتـصـاد الـعـراق الـحـديـث عـلى ثـلاثـة مـوارد أسـاسـيـة : الـزّراعـة وتـربـيـة الـمـواشي ومـرور الـبـضـائـع والأشـخـاص.

ويـتـوصـل إلى الـتّـوازن في مـيـدان الـزّراعـة بـفـضـل مـبـيـعـات الـتّـمـور إلى الـبـلـدان الأجـنـبـيـة، فـالـتّـمـور تـشـكّـل أهـمّ مـصـدرات الـعـراق، وكـذلـك بـفـضـل تـصـديـر الـشّـعـيـر إلى إنـكـلـتـرة.

وتـأتي الـواردات في مـيـدان تـربـيـة الـحـيـوانـات مـن تـصـديـر الـصّـوف الـمـسـتـعـمـل أغـلـبـه في صـنـع الـسّـجـاجـيـد في الـخـارج، ويـسـتـعـمـل الـقـلـيـل الـبـاقي في إنـتـاج أنـواع مـن الأقـمـشـة.

أمّـا مـرور الـبـضـائـع فـهـو في أغـلـبـه نـحـو إيـران، ولـكـنّ كـمـيـة الـمـكـوس الّـتي تـجـبى عـلـيـه انـخـفـضـت انـخـفـاضـاً كـبـيـراً في الـسّـنـوات الأخـيـرة، بـعـد أن بـذلـت الـحـكـومـة الإيـرانـيـة جـهـودهـا لإخـراج تـجـارتـهـا مـن تـبـعـيـتـه لـلـعـراق. وقـد شـقّـت إيـران عـام 1929 طـريـقـاً عـريـضـة لـتـسـلـكـهـا الـشّـاحـنـات الـثّـقـيـلـة مـن مـيـنـاءيـهـا في الأهـواز والـمـحـمّـرة نـحـو طـهـران. كـمـا أنـشـأت في بـنـدر شـابـور عـلى الـخـلـيـج، جـنـوب شـرق شـطّ الـعـرب، مـيـنـاءً جـديـداً سـيـصـل إلـيـه الـخـطّ الـحـديـدي الّـذي بـدأ تـشـيـيـده والّـذي سـيـخـتـرق إيـران مـن الـجـنـوب إلى الـشّـمـال.

الـتّـجـارة الـخـارجـيـة :

يـسـتـورد الـعـراق أكـثـر مـمـا يـصـدّر، ولـكـنّ الـخـلـل الـشّـديـد في الـتّـوازن الـتّـجـاري تـخـفـفـه الأربـاح الـمـجـنـيّـة مـن مـرور الـبـضـائـع والأشـخـاص، ومـا يـنـفـقـه الـزّوّار الأجـانـب لـلـمـدن الـدّيـنـيـة الـشّـيـعـيـة، ومـا تـنـفـقـه قـوّات الـجـيـش الـبـريـطـاني، وشـركـات الـنّـفـط الأجـنـبـيـة الّـتي تـعـمـل في الـعـراق.

الـمـسـتـوردات :

يـسـتـورد الـعـراق خـاصّـة : الأقـمـشـة الـقـطـنـيـة والـحـديـد ومـعـادن أخـرى، والـمـكـائـن والـسّـكّـر والـمـلابـس والـسّـيّـارات وقـطـع غـيـاراتـهـا، والـشّـاي والأقـمـشـة الـصّـوفـيـة والأخـشـاب والـبـنـزيـن والـزّيـوت والـمـواد الـكـيـمـيـائـيـة والأدويـة والإسـمـنـت والـمـطـاط (ومـن ضـمـنـه إطـارات الـعـجـلات)، والـصّـنـاديـق الـخـشـبـيـة لـلـتّـمـور، والـصّـابـون والـحـيـوانـات (الـحـيّـة) والـحـريـر الـطـبـيـعي والـورق، والـورق الـمـقـوّى والـمـنـاديـل والـيـشـامـغ  Yachmaghs.

والـبـلـدان الّـتي تـسـتـوردهـا مـنـهـا هي : بـريـطـانـيـا الـعـظـمى والـيـابـان وإيـران والـهـنـد الـبـريـطـانـيـة والـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة وألـمـانـيـا وبـلـجـيـكـا وهـولـنـدة وجـاوة وسـوريـا ومـصـر وتـشـيـكـوسـلـوفـاكـيـا وفـرنـسـا وإيـطـالـيـا والـسّـويـد والإتـحـاد الـسّـوفـيـيـتي ورومـانـيـا وسـيـلان وتـركـيـا وأسـتـرالـيـا والـنّـمـسـا وسـويـسـرة والـجـزيـرة الـعـربـيـة والـدنـمـارك والـنّـرويـج وفـلـسـطـيـن وشـرق الأردن وبـولـنـدة والـصّـيـن والـيـونـان وبـلـدان أخـرى.

الـصّـادرات :

يـصـدر الـعـراق : الـتّـمـور والـحـبـوب (الـحـنـطـة والـشّـعـيـر) والـجـلـود (الـمـدبـوغـة وغـيـر الـمـدبـوغـة) والـزّيـوت وعـرق الـسّـوس والأمـعـاء والـمـصـاريـن والـبـذور والـقـطـن الـخـام والـعـفـنـص.

والـبـلـدان الّـتي تـصـدّر إلـيـهـا هي : بـريـطـانـيـا الـعـظـمى والـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة والـهـنـد الـبـريـطـانـيـة وفـلـسـطـيـن وشـرق الأردن وإيـران وسـوريـا والـجـزيـرة الـعـربـيـة وفـرنـسـا وألـمـانـيـا ومـصـر والـجـزائـر والـمـغـرب وكـنـدا وبـلـجـيـكـا وأسـتـرالـيـا وإيـطـالـيـا ونـيـوزيـلـنـدة ومـوانئ الـسّـودان وتـركـيـا وتـونـس وبـلـدان أخـرى.

الـزّراعـة :

مـسـاحـة الأراضي الـخـصـبـة تـقـدّر بـ 92 ألـف كـلـم. مـربـع (مـسـاحـة الـعـراق بـكـامـلـه : 453 ألـف و 500 كـلـم. مـربـع). وتـنـقـسـم إلى نـوعـيـن يـمـكـن تـنـمـيـة الـزّراعـة فـيـهـمـا بـنـجـاح :

أ . مـنـاطـق الـشّـمـال الّـتي تـهـطـل عـلـيـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الأمـطـار والّـتي تـرويـهـا أيـضـاً روافـد وجـداول تـنـحـدر مـن الـجـبـال، ويـمـكـن أيـضـاً أن تـسـقى بـمـكـائـن الـرّي. ومـسـاحـتـهـا حـوالي 41 ألـف كـلـم. مـربـع.

ب . مـنـاطـق الـجـنـوب الّـتي تـحـتـاج إلى الـرّي. وهي أراضي غـريـنـيـة تـقـع بـيـن نـهـري دجـلـة والـفـرات، ومـسـاحـتـهـا حـوالي   51 ألـف كـلـم. مـربـع.

وتـمـتـد مـنـطـقـة زراعـة الـنّـخـيـل بـيـن بـغـداد والـبـصـرة. وحـول الـبـصـرة تـقـع أهـمّ وأوسـع غـابـات الـنّـخـيـل. وتـعـتـبـر تـجـارة الـتّـمـور مـن مـوارد الـعـراق الـرّئـيـسـيـة، ويـنـتـج في الـبـلـد  %80  مـن الـتّـمـور الـمـسـتـهـلـكـة في الـعـالـم. وتـقـدّر عـائـدات تـصـديـر الـتّـمـور بـمـلـيـونَي بـاونـد إسـتـرلـيـني سـنـويـاً.

ومـن أهـم الإنـتـاجـات الـزّراعـيـة في الـعـراق الـحـبـوب (الـقـمـح والـذّرة الـبـيـضـاء والـشّـعـيـر والـرّز والـدُّخـن والـذّرة الـصّـفـراء)، والـفـواكـه مـثـل الـتّـمـور والـنّـارنـج والـبـرتـقـال … إلـخ، والـكـروم والـتّـبـغ والـعـفـنـص وعـرق الـسّـوس … إلـخ، والـقـطـن.

وتـنـبـت عـلى أرض الـعـراق مـا يـقـارب الـثّـلاثـيـن مـلـيـون نـخـلـة، تـنـتـج كـلّ واحـدة مـنـهـا بـيـن 60 و70 كـلـغـم. سـنـويـاً. ويـصـل إنـتـاج الـتّـمـور الـسّـنـوي بـأنـواعـهـا الـمـخـتـلـفـة إذن إلى مـائـتي ألـف طـنّ، 150 ألـف طـنّ مـنـهـا يـنـتـج في مـنـطـقـة الـبـصـرة.

تـربـيـة الـمـواشي :

أنـواع الـحـيـوانـات الّـتي تـشـكّـل قـطـعـان الـمـواشي في الـعـراق هي الأغـنـام والأبـقـار والـجـامـوس والـخـيـول والـجـمـال.

والـقـطـعـان الأكـثـر أهـمـيـة مـن بـيـنـهـا هي الأغـنـام (ثـلاثـة عـشـر مـلـيـون رأس) والّـتي تـنـتـج صـوفـاً جـيـد الـنّـوعـيـة. وتـقـدر كـمـيـة الـصّـوف الـمـنـتـج سـنـويـاً بـحـوالي 35 ألـف بـالـة. كـلّ بـالـة مـنـهـا تـزن 150 كـلـغـم. وهي تـنـتـج في مـعـظـمـهـا في مـنـطـقـة الـمـوصـل، وتـصـدر ثـلاثـة أخـمـاسـهـا إلى الـخـارج، بـيـنـمـا يـسـتـعـمـل الـبـاقي الـصّـنـاعـة الـمـحـلـيـة. ويـصـدّر جـزء مـنـه بـعـد تـصـنـيـعـه الـمـحـلي إلى الـخـارج، وخـاصـة إلى سـوريـا وفـلـسـطـيـن.

الـصّـنـاعـات الـتّـحـويـلـيـة :

كـانـت الـصّـنـاعـات الـعـراقـيـة في غـالـبـيـتـهـا بـدائـيـة. وكـانـت مـنـظـمـة حـول الـنّـواة الـعـائـلـيـة ولا تـنـتـج إلّا لـسـد حـاجـة الإسـتـهـلاك الـمـحـلي، مـثـل الـحـيـاكـة (حـريـر وصـوف وقـطـن) والـدّبـاغـة والـصّـيـاغـة والـرّخـامـيـات (الـمـرمـر).

ولاهـتـمـام الـحـكـومـة الـعـراقـيـة بـخـفـض نـسـبـة اسـتـيـراد الـسّـلـع الـمـصـنّـعـة مـن الـخـارج فـقـد شـجّـعـت خـاصـة الـتّـنـمـيـة الإقـتـصـاديـة لـلـبـلـد. وقـد شُـرّع قـانـون لـتـشـجـيـع إنـشـاء الـشّـركـات الـصّـنـاعـيـة بـإعـفـائـهـا مـن دفـع الـضّـرائـب ومـن دفـع الـجـمـارك عـلى الـبـضـائـع والآلات الّـتي تـحـتـاجـهـا.

وقـد بـدأ مـنـذ عـدّة سـنـوات ظـهـور صـنـاعـات تـحـويـلـيـة بـدأت تـنـمـو بـصـورة مـسـتـمـرّة.

وإلى جـانـب الـشّـركـات الـصّـنـاعـيـة الـخـاصّـة والّـتي تـزداد أعـدادهـا بـفـضـل الـقـوانـيـن الّـتي تـحـمـيـهـا، فـقـد شـاركـت الـحـكـومـة مـبـاشـرة في إنـشـاء مـصـانـع جـديـدة وفي اسـتـخـراج الـثّـروات الـمـعـدنـيـة… إلـخ.

والـصّـنـاعـات الـمـوجـودة حـالـيـاً هي : مـعـامـل الـنّـسـيـج وإنـتـاج الـسـجـائـر والـجـلـود الـمـدبـوغـة والـصّـابـون والـطّـابـوق. وتـسـعى الـحـكـومـة أيـضـاً إلى إنـشـاء مـعـامـل جـديـدة لـلـنـسـيـج الـصّـوفي والـقـطـني والـحـريـر الـصّـنـاعي، ومـعـمـل لإنـتـاج الإسـمـنـت.

ثـروات مـا في بـاطـن الأرض :

يـحـتـوي بـاطـن أرض الـعـراق عـلى ثـروات لـم يـسـتـخـرج مـنـهـا بـعـد إلّا الـقـلـيـل.  ويـبـدو أنّ فـيـه كـمـيـات مـهـمّـة مـن الـكـبـريـت والـنّـحـاس والـفـضّـة والـقـار والـجـبـس.

وتـقـع كـركـوك في وسـط مـنـطـقـة في أعـمـاقـهـا مـخـزون نـفـط سـيـسـتـخـرج ويـصـدر في الـمـسـتـقـبـل عـن طـريـق الـخـلـيـج الّـذي أنـشـئـت فـيـه حـقـول اسـتـثـمـار شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة ــ الإيـرانـيـة  The Anglo-Iranian Oil Co.

وقـد تـأسـسـت ثـلاث شـركـات مـنـحـتـهـا الـحـكـومـة الـعـراقـيـة امـتـيـازات اسـتـثـمـار نـفـط الـبـلـد :

: Iraq Petroleum Company

وهي شـركـة أسـسـت بـعـد عـقـد مـعـاهـدات سـان ريـمـو (عـام 1920)، وكـان أسـمـهـا في الأصـل « The Turkish Petroleum Company ». وقـد شـاركـت في تـأسـيـسـهـا مـالـيـاً أربـع مـجـمـوعـات أجـنـبـيـة : فـرنـسـيـة وانـكـلـيـزيـة وهـولـنـديـة وأمـريـكـيـة، كـلّ واحـدة بـنـسـبـة  % 23,75،  واحـتـفـظ بـالـخـمـسـة بـالـمـائـة الـبـاقـيـة الـسّـيّـد كـولـبـنـكـيـان  Gulbenkian، صـاحـب الإمـتـيـاز الأصـلي.

وتـمـتـد مـنـطـقـة امـتـيـازاتـهـا عـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة لـدجـلـة عـلى مـسـاحـة تـقـارب 90 ألـف كـلـم. مـربـع. وتـدوم الإمـتـيـازات 75 عـامـاً إبـتـداءً بـعـام 1924.

وقـد نـقـلـت أنـابـيـب الـنّـفـط  The Pipe-line،ثـلاثـة مـلايـيـن و 500 ألـف الّـتي دشـنـت في كـانـون الـثّـاني عـام 1935، خـلال هـذه الـسّـنـة  طـنّـاً مـن الـنّـفـط الـخـام نـحـو مـيـنـاء طـرابـلـس ومـيـنـاء حـيـفـا عـلى الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط. وكـانـت الـكـمـيـة الـمـصـدرة في الـعـام الـمـاضي، 1936، قـد بـلـغـت  ثـلاثـة مـلايـيـن و 900 ألـف طـنّ، أي مـا يـقـارب الـحـجـم الأقـصى لإمـكـانـيـات الأنـابـيـب الّـتي لا يـمـكـنـهـا نـقـل أكـثـر مـن أربـعـة مـلايـيـن طـنّ. ولـمـواجـهـة زيـادة الإنـتـاج والـتّـصـديـر نـحـو طـرابـلـس وحـيـفـا فـقـد بـدأ الـعـمـل عـلى إنـشـاء أنـابـيـب إضـافـيـة تـعـادل الـمـوجـودة حـالـيـاً.

وتـدفـع الـشّـركـة لـلـحـكـومـة الـعـراقـيـة عـائـدات royality تـصـل إلى 4 شـلـنـغـات Shillings  ذهـبـيـة عـلى كـلّ طـنّ مـصـدر. وقـد اسـتـلـم الـعـراق عـام 1935 مـبـلـغ  700 ألـف جـنـيـه إسـتـرلـيـني ذهـبي.

: Khanaqin Oil C° LTD

وهـذه الـشّـركـة فـرع مـن شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة ــ الإيـرانـيـة                   The Anglo-Iranian Oil Co، وتـسـتـخـرج الـنّـفـط عـلى الـحـدود الإيـرانـيـة وتـمـتـلـك مـصـافي تـوفـر لـلـعـراق اسـتـهـلاكـه الـمـحـلّي . وتـقـوم شـركـة الـرّافـديـن  The Rafidain Oil Company LTD الـتّـابـعـة لـشـركـة خـانـقـيـن بـتـوزيـعـه في الـعـراق.

وقـد بـلـغ إنـتـاج شـركـة خـانـقـيـن عـام 1935 :  92،000 طـنّـاً.

 : Mosul Oil Fields LTD

وهي شـركـة مـرتـبـطـة بـشـركـة تـنـمـيـة الـنّـفـط الـبـريـطـانـيـة                     The British Oil Development (B.O.D.).  وقـد أنـشـئـت لاسـتـثـمـار الـنّـفـط عـلى الـضّـفـة الـشّـرقـيـة لـدجـلـة بـمـشـاركـة مـجـمـوعـة مـن الـشّـركـات الـعـالـمـيـة. وقـد دفـعـت لـلـحـكـومـة الـعـراقـيـة خـلال الـسّـنـة الـمـالـيـة 1936/ 1937 : 300 ألـف بـاونـد إسـتـرلـيـني. وسـتـسـمـر في دفـع هـذا الـمـبـلـغ سـنـويـاً إلى أن تـبـدأ بـتـصـديـر مـا اسـتـخـرجـتـه، وعـنـدهـا سـتـدفـع 4 شـلـنـغـات Shillings  ذهـبـيـة عـلى كـلّ طـنّ مـصـدر.

وقـد بـلـغ إنـتـاجـهـا عـام 1936 حـوالي  17 ألـف طـنّ، اسـتـعـمـلـت لـسـدّ احـتـيـاجـات الـشّـركـة واحـتـيـاجـات الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في تـعـبـيـد الـطّـرق.

وقـد اشـتـرت شـركـة Iraq Petroleum Company جـزءاً كـبـيـراً مـن شـركـة الـمـوصـل، وسـتـسـتـطـيـع الأشـراف عـلى نـشـاطـاتـهـا في الـعـراق.

الـصّـحـة الـعـامـة :

لـم يـكـن لـلـتّـنـظـيـم الـصّـحي في الـعـراق في زمـن الـعـثـمـانـيـيـن وجـود إلّا عـلى الـورق، وأهـمـلـت الـصّـحـة الـعـامـة في الـبـلـد لـمـدّة قـرون طـويـلـة.

وكـان مـن بـيـن أوّل الإنـجـازات الّـتي قـامـت بـهـا قـيـادة الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة بـعـد احـتـلالـهـا لـلـعـراق خـلال الـحـرب [الـعـالـمـيـة الأولى] تـنـظـيـم خـدمـات الـصّـحـة الـعـامـة بـكـلّ الإمـكـانـيـات الـمـتـاحـة في مـدن الـبـلـد الـرّئـيـسـيـة. وقـد فـتـحـت مـنـشـآت صـحـيـة في كـلّ مـدن الـعـراق وفي بـعـض الـقـرى عـيّـن فـيـهـا مـوظـفـون صـحـيّـون عـلى درجـة كـبـيـرة مـن الـكـفـاءة (أطـبـاء ومـمـرضـون) مـن انـكـلـيـز وانـكـلـيـز ــ هـنـود وهـنـود وعـراقـيـيـن.

وقـد تـجـاوزت الـنّـتـائـج  كـلّ الـتّـوقـعـات الـمـأمـولـة خـلال الـ 15 سـنـة الأخـيـرة، وتـغـيـرت حـالـة الـبـلـد الـصّـحـيـة تـغـيـيـراُ كـامـلاً.

ويـمـتـلـك الـعـراق حـالـيـاً :

27  مـسـتـشـفى ،

177 مـسـتـوصـفـاً ثـابـتـاً أو مـتـنـقّـلاً، ومـؤسـسـات مـتـخـصـصـة :

في بـغـداد :

مـعـهـد بـاثـولـوجي (مـخـتـص بـعـلـم الأمـراض)،

عـيـادتـان لـطّـبّ الـعـيـون،

مـخـتـبـر طـبّي مـركـزي،

فـرع لـمـعـهـد بـاسـتـور،

عـيـادة تـلـقـيـح لـمـفـاوي،

مـعـهـدان لـلـطّـب الإشـعـاعي،

مـخـتـبـر كـيـمـيـائي،

مـسـتـوصـف لـلأمـراض الـزُّهَـريـة،

مـسـتـوصـف لـلأمـراض الـرّئـويـة.

في الـبـصـرة :

عـيـادة لـطّـبّ الـعـيـون،

مـخـتـبـر بـاثـولـوجي (مـخـتـص بـعـلـم الأمـراض).

في الـعـمـارة :

عـيـادة تـلـقـيـح لـمـفـاوي.

وهـنـاك في بـغـداد مـلـجـأ مـركـزي لـلأمـراض الـعـقـلـيـة. ونـجـد مـسـتـشـفـيـات لـلأمـراض الـمـعـديـة في مـدن الـبـلـد الـمـهـمّـة.

وفي الـعـراق حـالـيـاً 273  طـبـيـبـاً  :

168 طـبـيـبـاً مـنـهـم يـعـمـلـون في مـسـتـشـفـيـات مـديـريـة الـصّـحـة الـعـامـة، و23 يـعـمـلـون في مـسـتـشـفـيـات الـجـيـش الـعـراقي، و77 طـبـيـبـاً يـعـمـلـون في عـيـادات خـاصّـة.

ونـجـد تـوزيـعـاً كـافـيـاً في أنـحـاء الـبـلاد لـلأطـبـاء الّـذيـن يـعـمـلـون في عـيـاداتـهـم الـخـاصّـة (وأغـلـبـهـم تـخـرّجـوا مـن كـلـيـات الـطّـبّ الأوربـيـة أو الأمـريـكـيـة) ولـلـصّـيـادلـة.

والـجـديـر بـالـذّكـر أنّ لـكـلّ الأطـبـاء الـحـقّ في الـعـمـل في عـيـادات خـاصـة وفي فـتـحـهـا وامـتـلاكـهـا بـاسـتـثـنـاء حـوالي عـشـرة اخـتـصـاصـيـيـن إنـكـلـيـز وعـراقـيـيـن وظـفـتـهـم الـحـكـومـة لـلـقـيـام بـمـهـام إداريـة أو بـالإشـراف عـلى مـخـتـبـرات الـدّولـة.

حـالـة الـطّـقـس :

نـجـد في الـمـلـفّ جـدولـيـن لـدّرجـات الـحـرارة في كـلّ شـهـر مـن أشـهـر الـسّـنـة ولـنـسـبـة الـرّطـوبـة وكـمـيـات الأمـطـار الـهـاطـلـة، خـصـص الأوّل لـمـديـنـة بـغـداد والـثّـاني لـلـبـصـرة.

وقـد ذكـر في الأوّل أنّ درجـات الـحـرارة لا تـنـخـفـض إلى أقـلّ مـن ثـلاث درجـات ونـصـف في بـغـداد في شـهـر كـانـون الـثّـاني، ولا تـرتـفـع إلى أكـثـر مـن 43 درجـة ونـصـف في شـهـر تـمّـوز !

أمّـا درجـات الـحـرارة في الـبـصـرة فـتـتـراوح بـيـن  سـتّ درجـات في شـهـر كـانـون الـثّـاني  و 42 درجـة ونـصـف في شـهـر آب !

كـمـا نـجـد في آخـر صـفـحـة مـن الـمـلّـف خـارطـة لـمـوقـع الـجـنـاح في الـمـعـرض، بـيـن الـمـدرسـة الـحـربـيـة وبـرج إيـفـل.

المملكة العرا 1937

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يـعـرف مـحـبّـو الـفـنّ هـذا الـمـعـرض لـسـبـب آخـر، فـقـد شـاركـت فـيـه حـكـومـة الـجـمـهـوريـة الإسـبـانـيـة بـجـنـاح عـرض فـيـه الـفـنّـان بـابـلـو بـيـكـاسـو لـوحـتـه الـشّـهـيـرة الـواسـعـة الـمـقـايـس : “غـرنـيـكـا”.

(2)  صـمـم الـمـعـمـاري أحـمـد مـخـتـار في بـغـداد بـنـايـة سـيـنـمـا الـفـردوس عـام 1941.

(3)  كـان الـوزيـر الـمـفـوض في ذلـك الـحـيـن عـلي جـودت الأيـوبي.

(4) نـجـد تـصـويـر جـنـائـن بـابـل الـمـعـلـقـة بـمـثّـل هـذا الـشّـكـل عـنـد عـدد مـن الـفـنّـانـيـن. أنـظـر مـقـالي :   لـوحـة « بـابـل » لـلـفـنّـان كـوبـكـا

(5)  مـا يـمـيـز الـنـظّـام الـدّيـمـقـراطي عـن الـنّـظـام الإسـتـبـدادي خـاصّـة هـو الـفـصـل بـيـن  الـسّـلـطـات الـثـلاث : الـتّـشـريـعـيـة والـتّـنـفـيـذيـة والـقـضـائـيـة. وكـلّ واحـدة مـن هـذه الـسّـلـطـات الـثّـلاث مـسـتـقـلّـة لا تـخـضـع لـواحـدة مـن الـسّـلـطـتـيـن الأخـريـتـيـن.

(6)  لـم يـنـفّـذ مـن الـمـشـروع الألـمـاني قـبـل انـدلاع الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إلّا أجـزاء قـلـيـلـة، وكـان خـطّ بـغـداد ــ سـامـراء قـد انـتـهى إنـشـاؤه عـنـدمـا احـتـلّ الـبـريـطـانـيـون الـعـراق عـام 1917.

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري  ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال

الـعـراق في صـور وكـالـة رول Rol

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وكـالـة مـارسـيـل رول لـتـصـويـر الأنـبـاء :

شـارك الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي الـفـرنـسي مـارسـيـل رول Marcel ROL  عـام 1903 مـع تـريـسـكـا في إنـشـاء شـركـة تـصـويـر أسـمـيـاهـا : “رول وتـريـسـكـا  Rol & Tresca”. ثـمّ أنـشـأ في بـاريـس في 5 كـانـون الأوّل 1904 “وكـالـة تـصـويـر فـوتـوغـرافي لـلأنـبـاء”  أسـمـاهـا : “مـارسـيـل رول وشـركـاؤه   Marcel Rol & Cie”.

وكـانـت شـركـتـه تـبـعـث مـصـوريـهـا في أنـحـاء الـعـالـم لالـتـقـاط صـور لأهـمّ الأحـداث الّـتي تـجـري فـيـه، وتـبـيـعـهـا بـعـد ذلـك إلى الـجـرائـد والـمـجـلّات الّـتي تـحـتـاجـهـا مـثـل مـجـلـتَي “الـسّـيّـارة   L’Auto” و “الـحـيـاة في الـهـواء الـطّـلـق  La Vie au Grand Air” ومـجـلّات وجـرائـد رائـجـة أخـرى.

وفي نـفـس الـعـام، أنـشـأ الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي الـفـرنـسي لـويـس مُـريـس    Louis Meurisse وكـالـة أسـمـاهـا : “وكـالـة سـريـعـة  Agence Rapide”، تـحـوّل اسـمـهـا عـام 1909 إلى “وكـالـة مُـريـس  Agence Meurisse”.

وقـد تـوفي مـارسـيـل رول عـام 1905 في حـادثـة اصـطـدام بـعـد أن الـتـقـط صـوراً لـسـبـاق سـيّـارات.

وفي عـام 1938، إتّـحـدت  وكـالـة رول مـع وكـالـتَـيـن لـلـتـصـويـر: وكـالـة “مُـريـس Meurisse” ووكـالـة « Mondial Photo Presse ». وصـار اسـم الـوكـالـة الـجـديـدة : SAFARA  أي “خـدمـات وكـالات الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة والـتّـحـقـيـقـات الـصّـحـفـيـة الـمـوحّـدة  Service des Agences Françaises d’Actualités et de Reportages Associées”.

ومـا زالـت في أرشـيـفـاتـهـا آلاف مـن هـذه الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـهـا مـصـورو رول ومُـريـس والـوكـالات الأخـرى.

وقـد وجـدت في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق مـن هـذه الأرشـيـفـات صـوراً كـثـيـرة  بـالأسـود والأبـيـض حـاولـت تـصـنـيـفـهـا حـسـب الأمـاكـن الّـتي الـتـقـطـت فـيـهـا أو حـسـب مـواضـيـعـهـا أو حـسـب الـسّـنـوات الّـتي الـتـقـطـت بـهـا، وهي ولا شـكّ إضـافـة مـهـمّـة إلى مـجـامـيـع الـصّـور الّـتي لـديـنـا عـن تـاريـخ الـعـراق.

وقـد تـركـت جـانـبـاً أعـداداً كـبـيـرة مـن الـصّـور الّـتي الـتـقـطـت خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى لـقـطـعـات الـجـيـش الـبـريـطـاني وأعـوانـه الـهـنـود وصـور أسـلـحـتـه ومـعـداتـه مـمـا نـجـد مـثـلـه في كـلّ مـكـان، واخـتـرت لـكـم ثـلاث مـجـمـوعـات :

 

صـور بـغـداد :

نـبـدأ هـذا الـقـسـم بـصـورة لـبـغـداد الـتـقـطـت مـن أعـلى بـرج سـاعـة الـقـشـلـة. ونـرى في مـقـدمـتـهـا جـزءاً مـن الـسّـراي. نـجـدهـا في الأرشـيـفـات مـرتـيـن، ذكـر في الـمـرّة الأولى أنّـهـا إلـتـقـطـت عـام 1915، وفي الـمـرّة الـثّـانـيـة أنّـهـا الـتـقـطـت عـام 1923 : (*)

بغداد 1923

وصـورة أخـرى لـبـغـداد عـام 1916 (**) :

بغداد 1916

وصـورة لـجـسـر الـقـوارب الـقـديـم عـام 1917 :

بغداد 1917

وصـورة سـفـيـنـة بـخـاريـة تـنـقـل أربـع قـاطـرات بـخـاريـة عـلى نـهـر دجـلـة نـحـو بـغـداد، وتـصـاحـبـهـا سـفـيـنـة نـقـل ركـاب عـام 1917 :

قاطرات على دجلة

وصـورة “دار الـجـنـرال مـود” الّـذي دخـل بـغـداد عـلى رأس الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في 11 آذار 1917، ومـات فـيـهـا يـوم 18 تـشـريـن الـثّـاني 1917 (1) (***) :

دار الجنرال مود

وصـورة الـتـقـطـت عـام 1917 لـمـطـعـم في بـغـداد يـرتـاده الـضّـبـاط الـبـريـطـانـيـون وجـده مـصـوّر الـوكـالـة مـسـلّـيـاً : “روضـة هـايـد بـارك رسـتـوران  Hyde Park Restaurant” :

روضة هايد بارك

كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة لـرجـال ونـسـاء في قـفّـة قـرب شـاطئ دجـلـة 1918 :

في القفة

 

صـور جـوّيـة لـبـعـض مـدن الـعـراق :

وجـدت تـسـع صـور الـتـقـطـهـا مـصـورو الـوكـالـة الـفـوتـوغـرافيـون مـن طـائـرة حـلّـقـت فـوق عـدد مـن مـدن الـعـراق في عـام 1922،

نـبـدأهـا بـصـورتـيـن لـلـحـلّـة :

وصـورة لـمـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة. ونـلاحـظ مـواضـع الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـامـت بـهـا الـبـعـثـة الألـمـانـيـة الّـتي قـادهـا كـولـدفي Koldewey  عـامَي 1897 و1898، ومـواضـع الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا الألـمـاني أنـدريـه   Andrae وزمـلاؤه فـيـتـسـل  Wetzel  ورويـتـر  Reuther  وبـودنـسـيـغ  Buddensieg  مـن 1899 إلى 1914 :

موقع بابل 1923

وصـورة لـلـديـوانـيـة :

الديوانية 1923

والـسـمـاوة :

السماوة 1923

والـكـفـل :

الكفل 1923

والـرّمـيـثـة :

الرميثة 1923

والـكـوفـة :

الكوفة 1923

والـرّمـادي :

الرمادي 1923

كـمـا أنّ لـديـنـا صـور الـتـقـطـت في الـرّمـادي عـام 1918 :

الرمادي

وصـورة لـجـسـر الـقـوارب في الـمـوصـل عـام 1923 :

الموصل جسر القوارب

 

صـور الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن الّـذي أصـبـح فـيـصـل الأوّل، مـلـك الـعـراق :

نـجـد خـمـس صـور جـاءت مـن أرشـيـفـات وكـالـة رول، وصـورة سـادسـة مـن أرشـيـفـات وكـالـة مُـريـس.

لـديـنـا أوّلاً صـورة لـلأمـيـر فـيـصـل بـالـمـلابـس الـعـربـيـة الـتـقـطـت عـام 1919  في بـاريـس عـنـدمـا أرسـلـه والـده الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة لـيـمـثّـلـه في مـؤتـمـر فـرسـاي الّـذي عـقـد بـعـد نـهـايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى :

فيصل في فرساي

ثـمّ صـورتـان الـتـقـطـتـا في نـفـس الـوقـت في عـام 1919 وفي نـفـس الـمـكـان نـرى فـيـهـمـا الأمـيـر فـيـصـل بـصـحـبـة لـويـد جـورج  LIoyd George  رئـيـس وزراء بـريـطـانـيـا الّـذي أرسـل إلى فـرسـاي (قـرب بـاريـس) لـيـمـثـل بـلـده في مـؤتـمـر الـصّـلـح، ومـع الـجـنـرال ألـنـبي  Allenby الّـذي أخـذ الـقـدس مـن الـعـثـمـانـيـيـن في 1917 وقـاد الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـشّـرق الأدنى والّـذي نـرى زوجـتـه أيـضـاً في يـمـيـن الـصّـورتـيـن.

نـرى الأمـيـر فـيـصـل في أولاهـمـا واجـمـاً مـنـتـصـبـاً بـهـيـبـة :

فيصل في فرساي 2وفي ثـانـيـتـهـمـا ضـاحـكـاً وهـو يـتـكـلّـم مـع لـويـد جـورج، وهي الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال .

ولـديـنـا صـورتـان الـتـقـطـتـا عـام 1920  لـفـيـصـل  بـمـلابـس عـسـكـريـة، وقـد وضـع الـعـقـال حـول خـوذة حـديـديـة أمـام كـنـيـسـة وسـتـمـنـسـتـر                     Westminster Abbey في لـنـدن. نـراه في أولاهـمـا  يـسـيـر بـجـانـب عـسـكـري بـريـطـاني وخـلـفـه تـحـسـيـن قـدري الّـذي كـان قـد رافـقـه إلى مـؤتـمـر فـرسـاي في الـعـام الـسّـابـق وأصـبـح مـرافـقـه الـخـاص. ويـرتـدي تـحـسـيـن قـدري الـزّي الـعـسـكـري أيـضـاً (2) :

فيصل في لندن

ونـرى فـيـصـل في الـثّـانـيـة مـبـتـسـمـاً وهـو يـضـع أكـلـيـل زهـور عـلى زهـور أخـرى :

فيصل في لندن 2

ويـبـدو أنّ الـصـورتـيـن الـتـقـطـتـا في الـشّـتـاء، أي عـنـدمـا كـان فـيـصـل مـلـكـاً عـلى سـوريـا، فـالـفـرنـسـيـون لـم يـخـلـعـوه عـن عـرش سـوريـا إلّا في صـيـف 1920.

والـصـورة الـسّـادسـة الـتـقـطـت في مـحـطـة الـشّـمـال  Gare du Nord  في بـاريـس عـام 1930.  وكـان فـيـصـل عـنـدهـا قـد تـوّج مـلـكـاً عـلى الـعـراق مـنـذ تـسـع سـنـوات بـاسـم فـيـصـل الأوّل. ونـراه شـديـد الأنـاقـة بـمـلابـس مـدنـيـة أوربـيـة، وعـلى يـمـيـنـه تـحـسـيـن قـدري الّـذي كـان رئـيـس تـشـريـفـاتـه في ذلـك الـحـيـن، يـرتـدي مـعـطـفـاً فـاتـح الـلـون، وحـولـهـمـا كـبـار مـسـؤولي الـدّولـة الـفـرنـسـيـة. ولا نـعـرف هـل وصـل الـمـلـك فـيـصـل إلى فـرنـسـا في زيـارة رسـمـيـة أم أنّـه غـيّـر قـطّـاره فـيـهـا صـاعـداً إلى لـنـدن أو راجـعـاً مـنـهـا :

فيصل الأول في باريس

ـــــــــــــــــــــــ

(*)لـفـت الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف انـتـبـاهي إلى أنّ الـصّـورتـيـن الـمـخـتـلـفـتي الإضـاءة هـمـا في الـحـقـيـقـة طـبـعـتـيـن لـنـفـس الـصّـورة.

(**) أرسـل لي الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف بـالـتّـعـلـيـق الـتّـالي عـلى هـذه الـصـورة : “الـقـبّـة على يـسـار الـصّـورة لـكـنـيـسـة الـلاتـيـن في الـشّـورجـة، والـتـقـطـت مـن أعـلى مـنـارة سـوق الـغـزل، وهـذا مـا يـفـسـر عـلـو مـسـتـوى الـتّـصـويـر وارتـفـاعـه عـن مـسـتـوى الأرض. وقـد هـدمـت جـمـيـع الـبـيـوت والأبـنـيـة الـظّـاهـرة بـيـن مـوقـع الـمـصـور وقـبـة الـكـنـيـسـة في مـنـتـصـف الـخـمـسـيـنـات في إطـار الـهـدم والـقـطـع الّـتي جـرت لـشـق شـارع الـجـمـهـوريـة الّـذي افـتـتـح عـام 1957”.

(***) كـتـب الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف أنّ الـبـعـض أشـار إلى أنّ الـمـنـزل الّـذي ذكـر أنّـه “دار الـجـنـرال مـود” كـان في الأصـل مـلـكـاً لأحـد الـوجـهـاء مـن عـائـلـة الـكـيـلاني، أو مـكـان إقـامـة آخـر ولاة الـعـثـمـانـيـيـن في بـغـداد، ومـكـانـه في شـارع الـرّشـيـد مـقـابـل سـيـنـمـا ومـسـرح الـنّـجـاح (سـيـنـمـا روكـسي سـابـقـاً). وقـد رمـم وأصـبـح مـتـحـفـاً لـمـقـتـنـيـات وهـدايـا الـزّعـيـم عـبـد الـكـريـم قـاسـم.

(1)  أنـظـر مـقـالي : دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

(2)  أنـظـر مـقـالي :حـفـلـة في حـديـقـة قـصـر الـمـلـك

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.