طـبـعـات الأكـفّ والأجـسـاد الـمُـفـرغـة والـمـلـيـئـة في الـفـنّ الـحـديـث

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

رسـم الإنـسـان عـلى جـدران كـهـوف مـا قـبـل الـتّـاريـخ أنـواعـاً مـن الـحـيـوانـات الّـتي كـان يـتـقـاسـم عـالـمـه مـعـهـا، وحـيـوانـات تـخـيّـلـهـا. ونـادراً مـا رسـم كـائـنـات بـشـريـة. ولـكـنـنـا نـجـد طـبـعـات أكـفّ بـجـانـب بـعـض الـرّمـوز كـنـقـاط وخـطـوط وأشـكـال هـنـدسـيـة لـم نـعـد نـدرك مـغـزاهـا، والّـتي رسـمـهـا تـحـت الـحـيـوانـات وفـوقـهـا أو حـتّى بـيـنـهـا.

وطـبـعـات الأكـفّ هـذه الّـتي نـجـدهـا عـلى جـدران كـهـوف مـا قـبـل الـتّـاريـخ عـلى نـوعـيـن :

الأكـفّ الـمـلـيـئـة : وهي أكـفّ لـطّـخـت بـالأصـبـاغ وضـغـط بـهـا عـلى الـجـدران. وتـتـنـوّع حـسـب تـنـوّع ألـوان الأصـبـاغ وحـسـب شـدّة الـضّـغـط وخـفـتـه الّـذي تـنـتـج عـنـه طـبـعـات غـامـقـة أو فـاتـحـة.

ويـدخـل في هـذا الـنّـوع مـن الـطّـبـعـات تـلـطـيـخ الأكـفّ بـدم الـذّبـائـح وطـبـعـهـا عـلى جـدران الأضـرحـة والـقـبـور، والّـتي مـا زلـنـا نـراهـا في أرجـاء مـخـتـلـفـة مـن الـعـالـم.

الأكـفّ الـمُـفـرغـة : وهي طـبـعـات أكـفّ أسـنـدت عـلى جـدار ونـفـثـت حـولـهـا أصـبـاغ سـائـلـة، فـيـبـقى مـكـان الأكـفّ فـارغـاً لا ألـوان عـلـيـه تـحـيـطـه ألـوان غـامـقـة.

ويـعـتـقـد الـبـاحـثـون أنّ لـهـذه الـطّـبـعـات دورهـا في مـتـابـعـة الـمـشـاهـد الـمـرسـومـة عـلى جـدران كـهـوف مـا قـبـل الـتّـاريـخ، خـاصـة وأنـنـا غـالـبـاً مـا نـجـدهـا بـجـانـب رمـوز تـجـريـديـة.

ونـلاحـظ أنّ بـعـض هـذه الأكـفّ الـمـفـرغـة تـفـتـقـد أصـبـعـاً أو أكـثـر، تـخـتـلـف مـن واحـدة إلى الأخـرى، ونـجـدهـا مـتـجـاورة أو مـتـتـابـعـة في بـعـض الأحـيـان. وكـان الـبـاحـثـون يـسـمـونـهـا بـطـبـعـات الأصـابـع الـمـقـطـوعـة. ولـكـنّـهـم يـعـتـقـدون الآن أنّـهـا أصـابـع طـويـت في داخـل الـكـفّ قـبـل أن تـنـفـث فـوقـهـا الأصـبـاغ. ولا شـكّ في أنّـه كـان لـهـا مـعـانٍ لـم نـعـد نـفـهـمـهـا الآن، وربّـمـا كـانـت رمـوزاً تـشـكّـل نـوعـاً مـن الـكـتـابـة الـمـبـسـطـة.

الأكـفّ والأجـسـاد الـمُـفـرغـة والـمـلـيـئـة في الـفـنّ الـحـديـث :

والّـذيـن تـأمّـلـوا طـبـعـات الأكـفّ هـذه عـلى جـدران كـهـوف مـا قـبـل الـتّـاريـخ في صـمـتـهـا الـمـطـبـق وعـتـمـتـهـا الـخـافـتـة الإضـاءة شـعـروا ولا شـكّ بـنـوع مـن الـتّـأثـر الـدّاخـلي الّـذي يـقـتـرب مـن الـتّـمـوّج الـرّوحي الّـذي يـخـتـرقـنـا عـنـدمـا يـتـمـلّـك عـمـل فـنّي حـقـيـقي عـلـيـنـا مـشـاعـرنـا ويـدخـلـنـا في نـوع مـن الـوجـد.

وقـد أدخـل عـدد مـن فـنّـاني الـفـتـرات الـحـديـثـة (مـنـذ الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وإلى أيّـامـنـا هـذه) هـذه الـتّـقـنـيـات في أعـمـالـهـم الـفـنّـيـة تـلـقـائـيـاً وعـفـويـاً لـيـعـبـروا عـن أحـاسـيـس قـويّـة مـتـدفـقـة لـم يـسـتـطـيـعـوا ضـبـطـهـا، بـنـفـس الـطّـريـقـة الّـتي يـلـطّـخ فـيـهـا الـمـتـديـنـون أكـفّـهـم بـدمّ الـذّبـائـح ويـطـبـعـونـهـا عـلى جـدران الأضـرحـة، أو قـصـداً ضـمـن مـشـروع فـنّي لـيـضـفـوا عـلـيـهـا مـزيـداً مـن الـتّـأثـيـر أو مـزيـداً مـن الـدّلائـل.

وقـد اخـتـرت لـكـم، وكـلّ اخـتـيـار ولا شـكّ اعـتـبـاطي ذاتي، تـجـربـتـيـن إحـداهـمـا لـفـنّـان فـرنـسي مـن مـنـتـصـف الـقـرن الـمـاضي والأخـرى لـفـنّـان عـراقي مـن الـنّـصـف الـثّـاني لـذلـك الـقـرن وبـدايـة قـرنـنـا هـذا. وهـمـا ولا شـكّ مـخـتـلـفـان في أسـالـيـبـهـمـا وطـرق عـمـلـهـمـا، ولـكـنّ كـلّ واحـد مـنـهـمـا يـمـثّـل الـفـتـرة الـزّمـنـيـة الّـتي عـاش فـيـهـا واهـتـمـامـات مـجـتـمـعـه وتـطـلـعـاتـه.

إيـف كـلان  yves Klein  والأشـكـال الـمـلـيـئـة والـمـفـرغـة :

ولا شـكّ في أنّ كـثـيـراً مـن قـرائي قـد سـمـعـوا بـإيـف كـلان (الّـذي يـكـتـب اسـمـه مـن لا يـعـرفـون الـلـفـظ الـفـرنـسي الـصّـحـيـح : إيـف كـلايـن). والّـذي مـلأ دنـيـا الـفـنّ وشـغـل نـاسـه سـنـوات طـويـلـة، ودخـل في تـاريـخ الـفـنّ واحـتـلّ فـيـه مـكـانـة بـارزة إن شـئـنـا ذلـك أم أبـيـنـاه. وسـأذكّـركـم بـه بـسـرعـة قـبـل أن أتـكـلّـم لـكـم عـن اسـتـعـمـالـه لـلأشـكـال الـمـفـرغـة والـمـلـيـئـة :

ولـد أيـف كـلان في بـاريـس سـنـة 1928. ودرس مـن سـنّ الـسّـادسـة عـشـرة إلى سـنّ الـثّـامـنـة عـشـرة الـتّـجـارة الـبـحـريـة والـلـغـات الـشّـرقـيـة، ثـمّ سـافـر مـن سـنّ الـعـشـريـن إلى الـسّـادسـة والـعـشـريـن في إيـطـالـيـا وإنـكـلـتـرة وإسـبـانـيـا والـيـابـان الّـتي حـسّـن فـيـهـا تـقـنـيـات لـعـبـة الـجـودو الّـتي كـان قـد بـدأ مـمـارسـتـهـا في صـبـاه. وبـعـد أن عـاد إلى بـاريـس فـتـح مـدرسـة لـلـجـودو لـم تـلاقِ إقـبـالاً، فـسـافـر مـن جـديـد إلى إسـبـانـيـا لـيـعـمـل فـيـهـا. وفـيـهـا نـشـر عـام 1954 أوّل دفـاتـره الـفـنّـيـة.

وفي الـعـام الـتّـالي رفـض “صـالـون الـواقـعـيـات الـجـديـدة” في بـاريـس عـرض لـوحـة لـه لـم يـكـن فـيـهـا إلّا لـون واحـد. ولـكـنّـه اسـتـطـاع في أواخـر ذلـك الـعـام أن يـقـيـم مـعـرضـاً كـامـلاً لـلـوحـات “وحـيـدات الألـوان” أي أنّـه صـبـغ كـلّ واحـدة مـنـهـا بـلـون واحـد (بـرتـقـالي أو أخـضـر أو أحـمـر أو أصـفـر أو أزرق أو وردي) مـسـتـعـمـلاً مِـدحـاة اسـطـوانـيـة مـثـل تـلـك الّـتي يـسـتـعـمـلـهـا صـبّـاغـو الأبـنـيـة والـمـنـازل. ثـمّ عـرض لـوحـاتـه في قـاعـات فـنّ بـاريـسـيـة وأقـام مـعـرضـاً ثـانـيـاً.

وقـد ابـتـكـر في خـريـف عـام 1956 لـونـاً أزرق خـاصّـاً بـه، وحـصـل بـه عـلى شـهـادة اخـتـراع تـحـفـظ لـه حـقـوقـه. وأسـمـاه : IKB، أي :                  International Klein Blue.

وعـرض في الـعـام الـتّـالي في مـديـنـة مـيـلانـو في إيـطـالـيـا إحـدى عـشـرة لـوحـة لـهـا نـفـس الـمـقـايـيـس (ولـكـن بـأسـعـار مـخـتـلـفـة) صـبـغـت كـلّـهـا بـمِـدحـاة اسـطـوانـيـة وبـ “أزرق كـلان”. وتـتـالـت مـعـارض الـلـوحـات الـمـصـبـوغـة بـأزرقـه طـيـلـة الـعـام الـتّـالي.

وقـد نـفّـذ أيـضـاً مـنـحـوتـات بـمـادة الإسـفـنـج الـمـصـبـوغ بـأزرقـه. كـمـا أخـذ نـسـخـاً مـن تـمـاثـيـل شـهـيـرة صـبـغـهـا بـأزرقـه ووقّـعـهـا.

وفي عـام 1958، طـلا جـدران إحـدى قـاعـات الـفـنّ بـالأبـيـض وأسـمـاهـا “مـعـرض الـفـراغ”.

طـبـعـات الأجـسـاد الـمـلـيـئـة :

وبـدأ إيـف كـلان، في شـبـاط 1960 ، أشـهـر اسـتـعـراضـاتـه الّـتي نـتـجـت عـنـهـا مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن لـوحـاتـه الّـتي جـلـبـت لـه الـشّـهـرة، فـقـد قـدّم مـوديـلاً عـاريـة لـطّـخ صـدرهـا وبـطـنـهـا وفـخـذيـهـا بـلـونـه الأزرق وطـلـب مـنـهـا أن تـسـتـلـقي عـلى قـطـعـة واسـعـة مـن الـورق كـان قـد بـسـطـهـا عـلى الأرض، وكـانـت تـلـك أولى طـبـعـات الـجـسـد الـزّرقـاء.

ولا يـذكـر الـمـخـتـصّـون بـفـنّـه، رغـم بـحـثي الـمـتـكـرر، إن كـان قـد تـوصّـل إلى ذلـك تـلـقـائـيـاً أم تـأثّـراً بـطـبـعـات الأكـفّ الّـتي كـان قـد رآهـا. وعـلى كـلّ حـال فـهـو قـد وسّـع، قـصـداً أو بـطـريـقـة عـفـويـة، طـبـعـات الأكـفّ إلى طـبـعـات الأجـسـاد بـكـامـلـهـا. وقـد بـدأ هـذه الـمـرحـلـة مـن إنـتـاجـه إذن بـطـبـعـة جـسـد مـلئ.

وبـعـد نـجـاح تـجـربـتـه الأولى، نـظّـم بـعـد أسـبـوعـيـن أمـسـيـة في “الـغـالـيـري الـعـالـمي لـلـفـنّ الـحـديـث” في بـاريـس دعـا إلـيـهـا أعـداداً مـن الـفـنّـانـيـن والـنّـقّـاد وهـواة الـفـنّ وجـامـعـيـه. وكـان في الـقـاعـة تـسـعـة مـن الـمـوسـيـقـيـيـن بـدأوا بـعـزف قـطـعـة سـمـفـونـيـة كـان قـد ألّـفـهـا بـنـفـسـه بـيـنـمـا بـدأت ثـلاث مـوديـلات عـاريـات بـتـلـطـيـخ أجـسـادهـنّ بـأزرق كـلان وبـطـبـعـهـا عـلى أقـمـشـة بـيـضـاء بـسـطـت عـلى الأرض أو عـلّـقـت عـلى الـجـدران، أمـام جـمـهـور جـالـس يـتـأمّـلـهـنّ. وكـان مـن بـيـن الـمـدعـويـن مـصـورون فـوتـوغـرافـيـون ومـصـوّرون سـيـنـمـائـيـون صـوّروا “عـرضـهـنّ الـفـنّي”.

وقـد نـوّع إيـف كـلان طـبـعـاتـه بـعـد ذلـك إلى طـبـعـات أجـسـاد بـعـض الـرّجـال، وإن كـانـت نـادرة، وإلى جـمـع طـبـعـات عـدّة أجـسـاد في عـمـل واحـد.

وقـد نـفّـذ إلى جـانـب طـبـعـات الأجـسـاد طـبـعـات أكـفّ مـلـيـئـة، ولـكـنّي لـم أجـد مـا نـفّـذه مـنـهـا قـبـل عـام 1961.

وسـافـر في ذلـك الـعـام إلى نـيـويـورك لأوّل مـرّة لـيـعـرض فـيـهـا لـوحـاتـه الّـتي لـم تـعـجـب الـجـمـهـور الأمـريـكي، ومـع ذلـك عـرضـت أيـضـاً في لـوس أنـجـلـس.

طـبـعـات الأجـسـاد الـمُـفـرغـة :

وقـد نـفّـذ إيـف كـلان بـعـد ذلـك طـبـعـات أجـسـاد مـفـرغـة، بـنـفـس طـريـقـة فـنّـاني كـهـوف مـا قـبـل الـتّـاريـخ، أي أنّـه أسـنـد أجـسـاد الـمـوديـلات عـلى قـمـاش لـوحـات واسـعـة ونـفـث حـولـهـا أصـبـاغـاً سـائـلـة مـن أزرقـه بـمِـنـفـثـة مـمـا يـسـتـعـمـل في الـمـصـانـع،

فـتـبـقى أمـاكـن الأجـسـاد فـارغـة لا ألـوان عـلـيـهـا يـحـيـطـهـا لـونـه الأزرق.

ثـمّ اخـتـرع أيـضـاً “رسـوم الـنّـار” الّـتي اسـتـعـمـل فـيـهـا مِـنـفـثـة نـاريـة يـحـرق بـهـا أجـزاءً مـن قـمـاش الـلـوحـات.

ولـكـنّـه لـم يـسـتـطـع اسـتـعـمـال الـمِـحـرقـة في إنـتـاج طـبـعـات أجـسـاد مـفـرغـة خـوفـاً مـن أن يـحـرق الأجـسـاد، وأكـتـفى بـحـرق بـعـض أجـزاء الـلـوحـة بـعـد أن يـطـبـع الأجـسـاد عـلـيـهـا بـلـونـه الأزرق !

ويـتـمـلـكـنـا الـعـجـب، عـنـدمـا نـزور الـمـعـارض الّـتي مـا زالـت تـقـام لأعـمـال إيـف كـلان، مـن الأعـداد الـهـائـلـة الّـتي أنـتـجـهـا مـنـهـا، وفي مـدّة زمـنـيـة قـصـيـرة لا تـتـجـاوز الـسّـنـتـيـن، فـقـد تـوفي هـذا “الـفـنّـان” سـنـة 1962 بـسـكـتـة قـلـبـيـة صـرعـتـه، وكـان في الـرّابـعـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره.

رافـع الـنّـاصـري وطـبـعـات الأكـفّ :

لا أعـتـقـد أنّ الـفـنّـان الـتّـشـكـيـلي الـعـراقي رافـع الـنّـاصـري يـحـتـاج إلى تـقـديـم، ولـكـنّي سـأذكّـركـم مـع ذلـك بـأنّـه ولـد سـنـة 1940، وأنّـه أرسـل بـعـد تـخـرجـه مـن مـعـهـد الـفـنّـون الـجـمـيـلـة في بـغـداد إلى الـصّـيـن الّـتي تـخـصـص في أكـاديـمـيـة فـنـونـهـا الـجـمـيـلـة الـمـركـزيـة بـالـطّـبـاعـة (الـغـرافـيـك) بـتـقـنـيـة الـحـفـر عـلى الـخـشـب. ثـمّ درس الـغـرافـيـك بـتـقـنـيـة الـحـفـر عـلى الـنّـحـاس في الـبـرتـغـال.

وقـد تـحـوّل فـنّـه بـعـد ذلـك إلى الـتّـجـريـد وإلى إدخـال جـمـالـيـات الـحـروف الـعـربـيـة في تـكـويـنـاتـه. وقـد درّس الـفـنّ في أمـاكـن عـديـدة، وأقـام مـعـارض شـخـصـيـة لـلـوحـاتـه ولأعـمـالـه الـغـرافـيـكـيـة وشـارك في مـعـارض جـمـاعـيـة لا تـعـدّ ولا تـحـصى في بـغـداد وفي مـدن الـعـالـم الـعـربي وفي كـلّ أرجـاء الـعـالـم. وحـصـل عـلى كـثـيـر مـن الـجـوائـز ونـال تـكـريـم الـمـؤسـسـات الـفـنّـيـة وإعـجـاب مـحـبّي الـفـنّ حـتّى وفـاتـه سـنـة 2013.

وقـد اسـتـعـمـل رافـع الـنّـاصـري طـبـعـات الأكـفّ الـمـلـيـئـة في دفـتـر فـنّي نـفّـذه عـام 1991. (*)

مـذكّـرات الـحـرب War Diary :

عـنـدمـا ذهـبـت إلى عـمّـان في ربـيـع 2009 لأعـدّ كـتـابـاً عـنـه، تـكـلّـمـنـا عـن هـذا الـدّفـتـر وقـصّـتـه. وقـد أمـلى عـليّ (وهـو يـتـكـلّـم عـن نـفـسـه بـصـيـغـة الـغـائـب) مـا سـجّـلـتـه كـالـتّـالي :

“إنـدلـعـت حـرب الـخـلـيـج الـثّـانـيـة في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـن مـسـاء الـسّـادس عـشـر مـن كـانـون الـثّـاني / يـنـايـر 1991.  وفي الـسّـاعـة الـثّـانـيـة وعـشــريـن دقـيـقـة مـن فـجـر الأربـعـاء بـدأ الـقـصـف الـمـكـثّـف لـمـديـنـة بـغـداد.

وخـلال الـقـصـف، إخـتـرقـت قـذيـفـة سـقـف مـحـتـرف الـفـنّـان، ثـمّ اخـتـرقـت مـحـفـظـة جـلـديـة (بـورتـفـولـيـو) كـانـت تـحـتـوي عـلى حـوالي عـشـريـن عـمـلاً غـرافـيـكـيـاً واسـتـقـرّت في الـثّـقـب الّـذي حـفـرتـه في وســطـهـا. وقـد صـورت الـمـحـفـظـة والـقـذيـفـة الّـتي ثـقـبـتـهـا وعـرضـت في فـيـلـم تـسـجـيـلي إيـطـالي عـن حـرب الـخـلـيـج.

في الأيّـام الأولى لـلـحـرب، أنـجـز رافـع الـنّـاصـري في مـرسـم بـيـتـه في حيّ الـخـضـراء في بـغـداد دفـتـراً مـطـويّـاً مـن ورق الـرّز (29 سـم.×6 أمـتـار و 37،5 سـم.) احـتـوى عـلى 13 رسـمـاً أسـمـاه :                                             “لا، إنّـهـا لـحـرب قـذرة No,it’s a Dirty War”.

فـفي غـمـرة انـفـعـالـه، فـتـح الـدّفـتـر عـلى سـعـتـه عـلى الـطّـاولـة، ومـلأ صـحـنـيـن : الأوّل بـلـون أكـرلـيـك بـنّي والآخـر بـالأسـود، وضـرب صـفـحـات الـدّفـتـر بـكـفـه الـيـمـنى ضـربـات عـنـيـفـة مـحـتـجّـاً عـلى هـذه الـحـرب الـقـذرة، فـانـطـبـعـت الـكـفّ عـلى الـورق بـكـلّ تـدرّجـات الـبـني وتـدرّجـات الأسـود، ثـمّ أكـمـل يـنـقّـط الأوراق ويـلـطّـخـهـا بـالأحـمـر بـأصـابـعـه”.

ويـمـكـنـنـا أن نـتـابـع رسـوم الـدّفـتـر يـومـاً بـعـد يـوم، فـقـد كـتـب فـنّـانـنـا في أعـلى كـلّ صـفـحـة مـنـه تـاريـخ الـيـوم الّـذي نـفّـذهـا فـيـه. وقـد كـتـب عـلى غـلاف الـدّفـتـر : بـغـداد، 17.1.1991 :

فـهـو قـد بـدأ الـدّفـتـر إذن في الـخـمـيـس، الـيـوم الـتّـالي لـبـدايـة الـحـرب، والّـذي بـدأ في فـجـره قـصـف الـطّـائـرات الأمـريـكـيـة الـمـكـثّـف لـلـمـديـنـة.

وكـتـب عـلى الـصّـفـحـة الأولى لـلـدّفـتـر : ” لا، إنّـهـا لـحـرب قـذرة  “.

وسـنـتـابـعـه في صـبـاح الـجـمـعـة 18 كـانـون الـثّـاني :

ومـسـاء نـفـس يـوم الـجـمـعـة :

وصـبـاح الأحـد 20 كـانـون الـثّـاني :

وفي صـبـاح الإثـنـيـن 21 كـانـون الـثّـاني :

وفي صـبـاح ومـسـاء الأربـعـاء 23 كـانـون الـثّـاني :

وأكـمـل الـفـنّـان رافـع الـنّـاصـري حـديـثـه، يـمـلي عـليّ (وهـو يـتـكـلّـم عـن نـفـسـه بـصـيـغـة الـغـائـب) مـا كـتـبـتـه :

“وبـعـد أن انـتـهى، طـوى الـدّفـتـر وربـطـه بـخـيـط وألـقـاه فـوق الـرّف.

وفي 1 آذار / مـارس، أي الـيـوم الـتّـالي لانـتـهـاء الـحـرب، جـاء فـريـق مـن تـلـفـزيـون  ABC الأمـريـكي إلى الـمـرسـم لـيـجـروا مـقـابـلـة مـعـه ومـع زوجـتـه الـكـاتـبـة والـشّـاعـرة مي مـظـفّـر، ضـمـن مـجـمـوعـة لـقـاءات أجـروهـا مـع مـثـقـفـيـن عـراقـيـيـن لاسـتـطـلاع آرائـهـم وانـطـبـاعـاتـهـم .

وكـانـت الـسّــمـاء، في صـبـيـحـة ذلـك الـيـوم، مـغـطـاة بـسـواد كـثـيـف بـعـد احـتـراق آبـار الـنّـفـط، فـتـسـاقـطـت قـطـرات مـن مـطـر أسـود.

وفي هـذا الـلـقـاء، فـتـح رافـع الـنـاصـري الـدّفـتـر لأوّل مـرّة مـنـذ تـنـفـيـذه … وعـنـدمـا رآه الـصّـحـفي الأمـريـكي قـال : “It gives me the creeps  ” أي : “يـقـشـعّـر بـدني مـن ذلـك !”.

وبـعـد هـذه الـمـقـابـلـة الـتّـلـفـزيـونـيـة، طـوى فـنّـانـنـا الـدّفـتـر وربـطـه بـالـخـيـط وألـقـاه فـوق الـرّف مـقـسـمـاً أن لا يـفـتـحـه قـبـل مـرور عـشـر سـنـوات ! وفـعـلاً لـم يـفـتـحـه إلّا في صـيـف 1999 في مـعـرضـه الـشّـخـصـي الّـذي نـظّـمـه لـه “أتـلـيـر هـاوس إيـغـلاو” في كـامـبـيـن   Kampen (ألـمـانـيـا). وكـانـت تـلـك أوّل وآخـر مـرّة عـرض فـيـهـا الـدّفـتـر. وفـوجئ زوّار الـمـعـرض بـاكـتـشـاف مـدى مـا  قـاسـاه شـعـب بـأكـمـلـه. فـقـد عـانى الـعـراقـيـون مـن الـحـرب أكـثـر مـمـا عـانـاه الـنّـظـام الـحـاكـم الّـذي أعـلـنـت رسـمـيـاً ضـدّه.

وبـعـد الـغـزو الأمـريـكي  لـلـعـراق عـام 2003 ، إتّـصـل الـصّـحـفي الألـمـاني Martin Gehlen  بـرافـع الـنـاصـري الّـذي كـان آنـذاك في الـبـحـريـن، وأجـرى مـعـه مـقـابـلـة بـالـهـاتـف، واسـتـأذنـه بـنـشـر صـور رســوم الـدّفـتـر. وفـعـلاً نـشـرت الـرّسـوم في جـريـدة Tagesspiegl الألـمـانـيـة”.

ولا شـكّ في أنّ شـرح رافـع الـنّـاصـري الـبـالـغ الـتّـفـصـيـل لـظـروف رسـم دفـتـره الـفـنّي ولـطـريـقـة عـمـلـه يـظـلّ نـادراً لـم أجـد مـثـلـه كـثـيـراً في كـتـابـات الـفـنّـانـيـن.

 دفـتـر “سـبـعـة أيّـام” الـفـنّي :                                                                           

 وقـد اسـتـعـمـل الـفـنّـان رافـع الـنّـاصـري طـبـعـات الأكـفّ الـمـلـيـئـة في دفـتـر فـنّي آخـر نـفّـذه عـام 2007. وهـو دفـتـر مـطـوي (بـسـبـع طـيّـات)، ومـقـايـيـس ورق كـلّ طـيّـة 33×70 سـم.

ونـجـد فـيـه طـبـعـات أكـفّ بـالـحـبـر والأكـرلـيـك عـلى صـور فـوتـوغـرافـيـة :

وأنـا أتـذكـر أنـني مـيّـزت عـلى لـوحـات واسـعـة الـمـقـايـيـس لـرافـع الـنّـاصـري طـبـعـات أكـفّ بـالـلـون الأحـمـر سـألـتـه عـنـهـا، وأجـابـني أنّـهـا جـاءت ولا شـكّ مـن ذكـريـات طـفـولـتـه عـنـدمـا تـأمّـل الأكـفّ الـمـلـطـخـة بـدم الـذّبـائـح الّـتي طـبـعـت عـلى جـدران مـزار الأربـعـيـن قـرب مـديـنـة ولادتـه : تـكـريـت. ولـكـنّي لـم أجـد صـوراً لـهـذه الـلـوحـات رغـم تـدقـيـقي الـنّـظـر في كـلّ مـا نـشـر مـنـهـا، ربّـمـا لأنّـهـا صـغـيـرة الـمـقـايـيـس لا نـمـيّـز فـيـهـا كـلّ تـفـاصـيـل الـلـوحـات الـكـبـيـرة …

وأتـمـنى أن أجـد صـوراً لـهـا في يـوم مـا … مـن يـدري ؟

ـــــــــــــــــــــــــــ

(*) عـن دفـاتـر رافـع الـنّـاصـري الـفـنّـيـة، أنـظـر مـوقـع الـفـنّـان : http://www.rafanasiri.com

وكـتـاب : Rafa Nasiri, Artist Books, Skira 2016

وكـتـاب : “رافع الـنّـاصـري، حـيـاتـه وفـنّـه، الـدّار الـعـربـيـة لـلـدّراسـات والـنّـشـر 2010.

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

قـلـعـة تـكـريـت في نـصّ بـابـلي

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

ضـاع تـاريـخ الـعـراق الـقـديـم واخـتـفى في غـيـاهـب الـنّـسـيـان بـعـد أن سـقـطـت آخـر دول بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الـقـرن الـسّـادس قـبـل الـمـيـلاد. وضـعـف إشـعـاع الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة الّـتي كـانـت قـد سـادت في كـلّ أرجـاء الـشّـرق أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة، وأهـمـلـهـا الـنّـاس حـتّى تـلاشـت في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد. ولـم يـعـد أحـد يـسـتـطـيـع قـراءتـهـا.

واعـتـقـد الّـذيـن كـانـوا يـعـثـرون عـلى ألـواح صـلـصـال مـكـتـوبـة بـالـمـسـمـاريـة أو عـلى قـطـع مـن الـحـجـر مـنـقـوشـة بـهـا عـنـدمـا يـحـفـرون بـاطـن الأرض أنّـهـا كـانـت رمـوز سـحـر وشـعـوذة.

وعـنـدمـا شـرع الـمـؤرخـون والـبـلـدانـيـون في مـحـاولـة اسـتـرجـاع مـاضي الـعـراق في الـعـصـر الـعـبّـاسي لـم يـجـدوا نـصـوصـاً مـكـتـوبـة يـسـتـطـيـعـون قـراءتـهـا. ولـم يـحـصـلـوا إلّا عـلى أخـبـار تـنـاقـلـهـا الـنّـاس عـن تـاريـخ الـمـنـاطـق والـمـدن الّـتي كـانـوا يـسـكـنـونـهـا، فـأخـذوهـا مـنـهـم ومـلأوا بـهـا مـؤلـفـاتـهـم.

وكـانـت تـكـريـت مـديـنـة كـبـيـرة مـزدهـرة عـنـدمـا فـتـحـهـا الـمـسـلـمـون في الـقـرن الـسّـابـع بـعـد الـمـيـلاد. ووجـدوا قـلـعـتـهـا مـتـمـاسـكـة الـبـنـاء شـديـدة الـتّـحـصـيـن، فـحـقّ لـهـم الـتّـسـاؤل عـن مـن شـيّـدهـا وعـن مـن بـنى قـلـعـتـهـا.

وبـرز مـن بـيـن الأخـبـار الـمـتـنـاقـلـة خـبـران تـرددا عـنـد أغـلـب الـمـؤلـفـيـن : أنّ تـكـريـت سـمّـيـت بـتـكـريـت بـنـت وائـل، أخـت بـكـر بـن وائـل، وأنّ أوّل مـن بـنى قـلـعـتـهـا كـان سـابـور بـن أردشـيـر بـن بـابـك.

ونـحـن نـعـرف أنّ سـابـور هـذا هـو شـابـور الأوّل الّـذي كـان ثـاني مـلـوك الـفـرس الـسّـاسـانـيـيـن (بـني سـاسـان)، ارتـقى الـعـرش عـام 240 بـعـد الـمـيـلاد، وخـلـف أبـاه أردشـيـر الأوّل، مـؤسـس الـسّـلالـة الـسّـاسـانـيـة.

ونـجـد عـنـد يـاقـوت الـحـمـوي في “مـعـجـم الـبـلـدان” مـثـلاً أنّ أمـانـتـه الـعـلـمـيـة دفـعـتـه لـلـحـذر والإحـتـيـاط مـن تـقـبّـل هـذه الأخـبـار كـمـا هي فـكـتـب : ” وقـيـل سـمّـيـت بـتـكـريـت بـنـت وائـل”. بـيـنـمـا نـقـل أبـو الـفـداء، الّـذي جـاء بـعـده بـسـنـوات قـلـيـلـة، في كـتـاب “تـقـويـم الـبـلـدان” الـخـبـر كـمـا لـو كـان حـقـيـقـة لا تـقـبـل الـمـنـاقـشـة.

وتـعـلّـم طـلّاب الـعـلـم هـذه الأخـبـار عـن شـيـوخـهـم، وتـنـاقـلـتـهـا الأجـيـال الـمـتـعـاقـبـة قـرونـاً طـويـلـة حـتّى بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر عـنـدمـا اهـتـمّ عـلـمـاء مـن بـقـاع أخـرى مـن الـعـالـم بـألـواح صـلـصـال وبـنـقـوش عـلـيـهـا نـصـوص سـجّـلـت بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة رأوهـا في الـشّـرق أو جـلـبـت لـهـم في الـغـرب.

وبـعـد جـهـود هـائـلـة وبـحـث دائـب تـوصّـلـوا إلى قـراءتـهـا في حـوالي مـنـتـصـف ذلـك الـقـرن (1). وكـانـت تـنـقـيـبـات أثـريـة في بـلاد الآشـوريـيـن قـد بـدأت قـبـل ذلـك بـقـلـيـل (2).

وفـتـح ذلـك ثـغـرة في جـدار الـنّـسـيـان الـسّـمـيـك الّـذي كـان قـد تـكـاثـف حـاجـبـاً تـاريـخ الـعـراق الـقـديـم. ودخـل عـلـمـاء ومـنـقّـبـون آخـرون مـن هـذه الـثّـغـرة، ووسـعـوهـا حـتّى أضـاءوا عـدّة آلاف مـن سـنـوات مـاضي الـعـراق الـقـديـم بـالـنّـصـوص الـتّـاريـخـيـة الّـتي عـثـروا عـلـيـهـا وتـوصـلـوا إلى قـراءتـهـا، وبـدراسـة مـعـالـم الـمـدن الّـتي كـشـفـت عـنـهـا الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة في بـلاد آشـور ثـمّ في بـلاد بـابـل وبـلاد سـومـر، والـقـصـور الّـتي أزاحـت عـنـهـا الـتّـراب ومـنـحـوتـات جـدرانـهـا وسـجـلّات مـلـوكـهـا وإداراتـهـا ومـعـابـدهـا ومـكـتـبـاتـهـا …

مـديـنـة تـكـريـت في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد :

وكـان مـن بـيـن مـا وجـده الـدّارسـون نـصـوص قـديـمـة عـن تـاريـخ مـديـنـة تـكـريـت وقـلـعـتـهـا تـثـبـت أن تـكـريـت كـانـت أقـدم بـكـثـيـر مـن تـكـريـت بـنـت وائـل الّـتي لا نـعـرف عـنـهـا شـيـئـاً، وأنّ قـلـعـتـهـا ذكـرت في نـصـوص تـعـود إلى زمـن أقـدم بـقـرون طـويـلـة مـن ولادة سـابـور بـن أردشـيـر.

نـصّ الـمـلـك تـوكـولـتي نـيـنـورتـا الـثّـاني :

ومـن بـيـن مـا وجـدوه نـصّ مـن حـولـيـات الـمـلـك الآشـوري تـوكـولـتي نـيـنـورتـا الـثّـاني (حـكـم مـن 890 إلى 884 قـبـل الـمـيـلاد) مـازال مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس يـمـتـلـك نـسـخـة مـنـه سـجّـلـت عـلى لـوح واسـع مـن الـصـلـصـال، كـتـب نـصّـه الـطّـويـل بـالـمـسـمـاريـة مـن جـهـتـيـه.

وكـان قـد اشـتـراه الـبـارون دُغـران  Le baron Degrandنـائـب قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل عـام 1907،  وحـمـلـه مـعـه عـنـدمـا عـاد إلى بـاريـس. وقـد تـفـحّـصـه عـالـم الآشـوريـات فـنـسـنـت شَـيـل Vincent Scheil  وأطـال في دراسـتـه حـتّى اسـتـطـاع قـراءتـه. ونـشـر تـرجـمـة لـه إلى الـلـغـة الـفـرنـسـيـة عـام 1909. (3)

وقـد قـرأ شَـيـل اسـم الـمـلـك : تـوكـولـتي نـيـنـيـب   Tukulti Ninip، ولـكـنّ عـلـمـاء الآشـوريـات الّـذيـن جـاءوا بـعـده صـحـحـوا قـراءة الإسـم إلى : تـوكـولـتي نـيـنـورتـا Tukulti-Ninurta.

ويـسـرد الـمـلـك بـصـيـغـة الـمـتـكـلّـم في مـقـاطـع الـنّـصّ الـرّئـيـسـيـة حـمـلـتـه الـحـربـيـة الـسّـادسـة ضـدّ أعـدائـه. ونـسـتـطـيـع أن نـتـابـعـه فـيـهـا مـرحـلـة بـعـد مـرحـلـة ويـومـاً بـعـد يـوم تـقـريـبـاً، رغـم بـعـض الـثّـغـرات الّـتي مـحـت بـعـض كـلـمـاتـه. وقـد خـرج الـمـلـك مـع جـيـشـه مـن عـاصـمـتـه، مـديـنـة آشـور (مـوقـع قـلـعـة الـشّـرقـاط الـحـالـيـة عـلى دجـلـة) (4) نـحـو بـلاد الـنَّـيـري شـمـالاً ثـمّ نـزل وعـبـر نـهـر الـثـرثـار، الّـذي كـتـب بـالـمـسـمـاريـة : تـارتـار، فـهـذه الـكـتـابـة لا تـفـرّق بـيـن الـتّـاء والـثّـاء. ثـمّ وصـل إلى دجـلـة : “وقـرى بـلاد أوتـوأت، ومـديـنـة تـعـلـو [نـهـر] دجـلـة، فـتـحـتُـهـا وقـتـلـتُ مـنـهـم الـكـثـيـر وغـنـمـت غـنـائـم جـمّـة”.

وبـعـد ذلـك تـركـهـا وخـيّـم مـع جـيـشـه في عـصـوصي. وبـعـد أن تـرك عـصـوصي، سـار ثـلاثـة أيّـام حـتّى وصـل إلى دور كـوريـغـالـزو (مـوقـع عـقـرقـوف).

ويـعـتـقـد الـدّارسـون أنّ الـمـديـنـة الّـتي تـكـلّـم عـنـهـا الـمـلـك الآشـوري تـوكـولـتي نـيـنـورتـا الـثّـاني كـانـت تـكـريـت رغـم أنّـه لـم يـذكـر اسـمـهـا. واسـتـنـتـجـوا ذلـك مـن مـوقـعـهـا حـسـب الـمـراحـل الّـتي ذكـرهـا ذلـك الـمـلـك لـمـسـيـرتـه.

نـصّ الـمـلـك نـبـوبـولـصـر :

ولـكـنّ أهـم نـصّ عـن مـديـنـة تـكـريـت وقـلـعـتـهـا، نـجـده في حـولـيـات الـمـلـك الـبـابـلي نـبـوبـولـصـر في الـسّـنـة الـحـاديـة عـشـرة مـن حـكـمـه، أي سـنـة 615 قـبـل الـمـيـلاد. وكـان نـبـوبـولـصـر والـد الـمـلـك الـشّـهـيـر نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني.

وقـد سـجّـلـت الـحـولـيـات بـالـلـغـة الـبـابـلـيـة وبـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة عـلى ألـواح صـغـيـرة مـن الـصّـلـصـال. والـجـزء الّـذي يـهـمـنـا مـنـه نـصّ قـصـيـر لا يـتـجـاوز ثـلاثـة مـقـاطـع وجـده عـالـم الآشـوريـات غـاد C.J. Gadd  في مـقـتـنـيـات الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن في بـدايـة عـشـريـنـات الـقـرن الـمـاضي، ونـشـر تـرجـمـتـه إلى الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة عـام 1923 (5).

وسـأتـرجـمـه لـكـم أوّلاً، ثـمّ سـأضـعـه بـعـد ذلـك في سـيـاقـه الـتّـاريـخي :

“جـمـع مـلـك أكّـد جـنـده، وقـادهـم بـمـحـاذاة نـهـر دجـلـة. وفي شـهـر أيّـار، نـصـب خـيـامـه في مـواجـهـة بـلـتـيـل (أي مـديـنـة آشـور). وفي يـوم […] (6) مـن شـهـر سـيـوان، هـاجـم الـمـديـنـة مـع جـنـده، ولـكـنّـه لـم يـسـتـطـع فـتـحـهـا.

وجـمـع مـلـك آشـور جـنـده، ودفـع مـلـك أكّـد مـن أمـام بـلـتـيـل (أي آشـور) وطـارده حـتّى وصـل إلى تَـكـريـتَ إن عـلى نـهـر دجـلـة. ودخـلـهـا مـلـك أكّـد وجـنـده، ونـصـبـوا مـعـسـكـرهـم في قـلـعـتـهـا. ونـصـب مـلـك آشـور وجـيـشـه خـيـامـهـم مـقـابـل مـعـسـكـر جـيــش مـلـك أكّـد، الّـذي كـان في داخـل مـديـنـة تَـكـريـتَ إن، وشـنّ ضـدّه هـجـمـاتٍ مـدّة عـشـرة أيّـام مـتـتـالـيـة ولـكـنّـه لـم يـسـتـطـع إخـراجـه مـن الـمـديـنـة.

وكـبّـد جـيـش مـلـك أكّـد، الّـذي كـان في داخـل الـمـديـنـة، الـجـيـش الآشـوري خـسـائـر فـادحـة في صـفـوفـه. وعـاد مـلـك آشـور وجـنـده إلى بـلادهـم”.

الـسّـيـاق الـتّـاريـخي لـلـنّـصّ :

ضـمّ الـمـلـوك الآشـوريـون بـلاد بـابـل إلى مـمـتـلـكـاتـهـم، وإن لـم يـحـوّلـوهـا أبـداً إلى ولايـة تـحـت سـلـطـتـهـم. واسـتـمـروا في تـسـمـيـتـهـا بـ “مـمـلـكـة بـابـل”، احـتـرامـاً لـتـاريـخـهـا الـعـريـق ولـمـكـانـتـهـا الـدّيـنـيـة. واخـتـاروا في الـغـالـب أن يـنـصـبـوا أنـفـسـهـم مـلـوكـاً عـلـيـهـا وأسـمـوا أنـفـسـهـم بـ “مـلـوك آشـور وبـابـل”. ووضـعـوا في بـعـض الأحـيـان أحـد أبـنـائـهـم أو إخـوتـهـم مـلـكـاً عـلى بـابـل، أو آخـر يـخـتـارونـه يـحـكـم بـدلاً عـنـهـم ولـكـن تـحـت سـلـطـتـهـم.

وقـد عـيّـن آشـوربـانـيـبـال ابـنـه آشـور إطِـل عـلاني خـلـفـه لـه عـام 630 قـبـل الـمـيـلاد، أي ثـلاث سـنـوات قـبـل وفـاتـه. ويـبـدو أنّ آشـوربـانـيـبـال اعـتـزل الـحـكـم في تـلـك الـسّـنـة وتـركـه لابـنـه.

وفي سـنـة 627 قـبـل الـمـيـلاد، مـات آشـوربـانـيـبـال، ومـات فـيـهـا أيـضـاً الـمـلـك الّـذي كـان قـد نـصـبـه عـلى بـابـل. ويـبـدو أنّ سِـن شـار إشـكـون، الّـذي كـان ابـنـاً آخـر لآشـوربـانـيـبـال، خـلـفـه عـلى عـرش بـابـل.

وفي الـعـام الـتّـالي، أي 626 قـبـل الـمـيـلاد، تـوصّـل نـبـوبـولـصـر إلى الإسـتـيـلاء عـلى بـلاد بـابـل والـتّـسـلّـط عـلـيـهـا، وإدّعى الـمـلـوكـيـة لـنـفـسـه عـلـيـهـا. وكـان نـبـو بـولـصـر مـن الـكـلـدانـيـيـن (الّـذيـن كـانـوا مـن قـبـائـل الآرامـيـيـن الّـتي اسـتـوطـنـت في “بـلاد سـومـر وأكّـد” مـنـذ عـدّة قـرون)، وأسـس فـيـهـا دولـة اسـتـقـلّ بـهـا عـن الـدّولـة الآشـوريـة. وهي مـا تـعـودنـا عـلى تـسـمـيـتـهـا بـالـدوّلـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة، أو الـمـتـأخّـرة (7). وقـد واجـه أنـصـار نـبـوبـولـصـر جـنـود الآشـوريـيـن، واشـتـعـلـت الـحـرب بـيـنـهـم في بـلاد بـابـل.

وفي سـنـة 625، مـات الـمـلـك آشـور إطِـل عـلاني في نـيـنـوى، فـتـرك أخـوه سِـن شـارإشـكـون بـابـل، وصـعـد نـحـو نـيـنـوى لـيـسـتـولي عـلى عـرش آشـور.

وبـعـد أن ارتـقى سِـن شـار إشـكـون عـرش آشـور، حـاول اسـتـرجـاع عـرش بـابـل، ولـكـنّ الـكـلـداني نـبـوبـولـصـر كـان قـد أكـمـل اسـتـيـلاءه عـلى بـلادهـا، واسـتـقـرّ عـلى عـرشـهـا الّـذي دافـع عـنـه بـشـراسـة. ثـمّ اسـتـولى عـلى “بـلاد سـومـر وأكّـد”، وأسـمى نـفـسـه : “مـلـك أكّـد”.

وقـد تـحـالـف نـبـوبـولـصـر مـع الـمـيـديـيـن (الّـذيـن جـاءوا مـن جـبـال إيـران) ضـدّ الآشـوريـيـن. وبـدأوا يـشـنـون ضـدّهـم هـجـمـات مـشـتـركـة عـام 615 قـبـل الـمـيـلاد. واسـتـطـاعـوا في عـام 614 قـبـل الـمـيـلاد أخـذ مـديـنـة آشـور، الّـتي كـانـت أقـدم عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة وخـرّبـوهـا.

وفي عـام 612، أخـذوا مـديـنـة نـيـنـوى، آخـر عـواصـم الآشـوريـيـن، وخـرّبـوهـا وأحـرقـوهـا وقـتـلـوا مـلـكـهـا سِـن شـار إشـكـون. وبـهـذا أسـقـطـوا الـدّولـة الآشـوريـة الّـتي لـم تـنـهـض مـن رمـادهـا بـعـد ذلـك.

وبـعـد أن مـات نـبـوبـولـصـر سـنـة 605، خـلـفـه ابـنـه نـبـوخـذنـصـر الـثّـاني عـلى عـرش بـابـل.

ونـلاحـظ أن نـصّ الـمـلـك نـبـوبـولـصـر كـتـب اسـم تـكـريـت : “تَـكـريـتَ إن” بـفـتـح الـتّـاء. وقـد اسـتـمـرّ اسـتـعـمـالـه كـمـا هـو، بـعـد أن سـقـطـت الـ “إن”، فـطـالـمـا ذكّـرنـا عـلـمـاء الـلـغـة الـعـرب أنّ اسـم هـذه الـمـديـنـة : “تَـكـريـت بـفـتـح الـتّـاء، والـعـامّـة يـكـسـرونـهـا”. ومـا زال أغـلـب الـعـامّـة يـكـسـرونـهـا ويـلـفـظـون : “تِـكـريـت”.

ــــــــــــــــــــ

(1) قـام الـدّنـمـاركي مـونـتـيـر Munter عـام 1800 م. بـأوّل خـطـوة نـحـو حـلّ طـلاسـم الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة، وتـابـع الألـمـاني غـروتـفـنـد  GROTEFEND خـطـاه لـيـحـقـق خـطـوات أخـرى. وعـرفـت الأوسـاط الـعـلـمـيـة نـتـائـج أبـحـاثـه عـام 1802. وأكـمـل عـلـمـاء آخـرون مـن بـعـدهـمـا جـهـودهـم بـصـبـر ودأب حـتّى اسـتـطـاعـوا قـراءة كـلـمـات أخـرى ثـمّ قـراءة جـمـل، وتـمـكّـنـوا مـن مـعـرفـة الـلـغـات الّـتي كـتـبـت بـهـا ودراسـة قـواعـدهـا. وكـان مـن أهـمـهـم ولا شـكّ الـبـريـطـاني هـنـري راولـنـسـن Henry C.RAWLINSON. وقـد تـوصـلـوا في حـوالي مـنـتـصـف الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر إلى قـراءة الـنّـصـوص قـراءة صـحـيـحـة.

(2) بـدأ قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل بـول أمـيـل بـوتـا  Paul- Emile BOTTA بـأولى الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة عـام 1842. وتـوصـل في الـعـام الـتّـالي، 1843 إلى إزاحـة الـتّـراب عـن قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل. ثـمّ قـام الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد  Austen Henry LAYARD عـام 1945 بـأولى تـنـقـيـبـاتـه في تـلّ الـنـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـحُ الـقـديـمـة) …

(3) Annales de Tukulti Ninip II, roi d’Assyrie, 889-884, par V. Scheil, Paris 1909

 ويـمـكـن لـلـقـارئ أن يـجـد تـرجـمـات أكـثـر حـداثـة عـنـد عـدد مـن عـلـمـاء الآشـوريـات، مـن أهـمـهـا :

A.K.Grayson, Assyrian Rulers of the Early First Millenium B.C. 1 (1114-859 B.c.), Toronto- Buffalo- London 1991

(4) كـانـت مـديـنـة آشـور أقـدم عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة، ومـا زالـت آثـارهـا في قـلـعـة الـشّـرقـاط عـلى ضـفـة نـهـر دجـلـة.

(5) C.J. Gadd, The Fall of Nineveh. The newly discovered babylonian chronicale, N°21.901. in the British Museum. London 1923

(6) لـم يـسـتـطـع عـلـمـاء الآشـوريـات قـراءة تـاريـخ الـيـوم لـكـسـر في الـنّـصّ.

(7) وقـد دامـت هـذه الـدّولـة حـوالي قـرن إلى أن سـقـطـت تـحـت ضـربـات الـفـارسي الأخـيـمـيـني كـورش الأكـبـر سـنـة 538 قـبـل الـمـيـلاد. وانـتـهـت بـسـقـوطـهـا حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي كـانـت قـد دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة.

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

فـيـصـل الـثّـاني في أمـريـكـا ــ الـقـسـم الـثّـاني

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري


بـعـد أن انـتـهـيـت مـن تـرجـمـة مـقـال مـجـلـة لايـف الأمـريـكـيـة الّـذي عـرضـتـه عـلـيـكـم وأريـتـكـم صـوره في الـقـسـم الأوّل مـن هـذا الـمـقـال (1)، تـابـعـت بـحـثي عـن مـعـلـومـات وصـور أخـرى لـهـذا الـحـدث. ووجـدت أنّ مـجـمـوعـة لايـف Life Collection مـا زالـت تـحـتـفـظ بـأعـداد كـبـيـرة جـدّاً مـن الـصّـور الّـتي الـتـقـطـهـا مـصـوّرهـا يـال جـويـل Yale Joel لـزيـارة فـيـصـل الـثّـاني لـلـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة والّـتي نـشـرتـهـا عـلى الأنـتـرنـت.

كـمـا وجـدت بـعـض الـمـعـلـومـات والـصّـور في مـوقـع أرشـيـفـات مـديـنـة نـيـويـورك الّـتي نـشـرتـهـا خـدمـاتـهـا الإعـلامـيـة                                   NYC Department of Records & Information Services (2)، وفي الأرشـيـفـات الـوطـنـيـة الأمـريـكـيـة National Archives في قـسـمـهـا الـمـكـرّس لـهـاري تـرومـان Harry S. Truman Library- Museum

وتـحـتـفـظ هـذه الأرشـيـفـات بـألـبـوم صـور عـنـوانـه :

“Visit of his Majesty the King of Iraq and his Royal Highness the Regent of Iraq to the United States of America, August 12 to September 8, 1952.”

وقـبـل أن أبـدأ بـإضـافـة مـعـلـومـات وصـور أخـرى إلى مـا سـبـق لي أن نـشـرتـه في الـقـسـم الأوّل، أودّ أن أشـيـر إلى أنّ الـوصي عـبـد الإلـه، خـال الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني، كـان قـد قـام بـزيـارة رسـمـيـة لـلـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة سـبـع سـنـوات قـبـل ذلـك. فـقـد اسـتـلـم دعـوة رسـمـيـة في بـدايـة آذار عـام 1945 مـن الـرّئـيـس روزفـلـت.

ولـكـنّ الـرّئـيـس روزفـلـت تـوفي بـعـد حـوالي شـهـر مـن ذلـك، في 13 نـيـسـان. وجـدد خـلـفـه، الـرّئـيـس هـاري تـرومـان Harry S. Truman الـدّعـوة. وهـكـذا زار الأمـيـر عـبـد الإلـه الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة كـوصي عـلى عـرش الـعـراق مـن 26 أيّـار إلى 27 حـزيـران 1945 :

وهـا هـو يـصـاحـب ابـن أخـتـه فـيـصـل الـثّـاني، ولـكـن كـمـرافـق فـقـط، لأنّ الـدّعـوة الـرّسـمـيـة وجّـهـت لـفـيـصـل الـثّـاني، مـلـك الـعـراق، في آب 1952. وكـان فـيـصـل الـثّـاني شـابّـاً في الـسّـابـعـة عـشـرة مـن عـمـره. ولـم يـكـن قـد ارتـقى الـعـرش رسـمـيـاً بـعـد.

ودامـت زيـارة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني لـلـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة خـمـسـة أسـابـيـع، مـن 12 آب إلى 8 أيـلـول 1952.

الـوصـول إلى نـيـويـورك، وحـفـل الإسـتـقـبـال :

وقـد وصـل فـيـصـل الـثّـاني ومـرافـقـوه إلى نـيـويـورك في يـوم الـثّـلاثـاء 12 آب. وفي الـيـوم الـتّـالي، أي الأربـعـاء 13 آب، جـرى حـفـل اسـتـقـبـالـه في بـلـديـة نـيـويـورك، إسـتـقـبـلـه رئـيـس الـبـلـديـة فـنـسـنـت ر. إمـبـلـيـتـيـري       Vincent R. Impellitteri في “قـاعـة الـمـديـنـة   The City Hall”. وقـد نـزل رئـيـس بـلـديـة نـيـويـورك حـتّى الـسّـيّـارة الّـتي أقـلّـت الـمـلـك وصـاحـبـه صـاعـداً سـلالـم الـقـاعـة :

وقـلّـده وسـام شـرف الـمـديـنـة :

وألـقى فـيـصـل الـثّـاني كـلـمـة بـالـمـنـاسـبـة يـحـيي فـيـهـا أهـل الـمـديـنـة ويـشـكـر رئـيـس الـبـلـديـة عـلى حـفـاوة اسـتـقـبـالـه وعـلى تـقـلـيـده وسـام الـمـديـنـة :

ونـلاحـظ في كـلّ الـصّـور الّـتي الـتـقـطـت في حـفـل الإسـتـقـبـال هـذا عـلامـات الـطّـيـبـة والـمـودّة في نـظـرات رئـيـس الـبـلـديـة الّـذي أحـاط فـيـصـل الـثّـاني بـحـنـوّ يـكـاد أن يـكـون أبـويـاً.

حـضـور مـبـاراة كـرة الـبـيـسـبـول :

وطـلـب مـرافـقـو الـمـلـك مـن رئـيـس الـبـلـديـة أن يـخـتـصـر الـحـفـل لـيـنـتـهي قـبـل الـوقـت الـمـحـدد فـيـسـتـطـيـع فـيـصـل الـثّـاني أن يـصـل إلى مـلـعـب Ebbets Field في بـروكـلـيـن، ويـتـفـرّج عـلى مـبـاراة الـ Giant- Godger ball game في كـرة الـبـيـسـبـول. وكـانـت تـلـك مـنـاسـبـة فـريـدة لـيـتـابـع فـيـهـا الـمـلـك فـريـقـه الـمـفـضـل “The Brooklyn Dodgers” الّـذي كـان يـلـعـب ضـدّ فـريـق  The New York Giants.

ولا نـدري هـل أخـذ مـنـظـمـو الـزّيـارة هـذه الـمـبـاراة بـنـظـر الإعـتـبـار لـيـصـل الـمـلـك الـشّـاب إلى نـيـويـورك في الـيـوم الـسّـابـق لـهـا أمّ أنّـه عـرف بـهـا عـنـد وصـولـه. وكـان فـيـصـل الـثّـاني قـد مـارس لـعـبـة الـكـركـيـت في سـنـوات دراسـتـه في أرقى الـمـدارس في إنـكـلـتـرة، وجـذبـتـه كـرة الـبـيـسـبـول الأمـريـكـيـة الّـتي كـان قـد تـابـعـهـا وقـرأ عـنـهـا وشـاهـد صـور لاعـبـيـهـا، وكـان لـه فـريـقـه الـمـفـضّـل. وكـكـلّ الـيـافـعـيـن الّـذيـن خـرجـوا بـالـكـاد مـن سـنّ الـصّـبـا، لـم يـقـاوم فـيـصـل الـثّـاني الـرّغـبـة في حـضـور هـذه الـمـبـاراة وأن يـتـفـرّج عـلـيـهـا ويـلـتـقـط لـهـا صـوراً وأن يـلـتـقي بـأبـطـالـه مـن مـشـاهـيـر لاعـبي الـبـيـسـبـول ويـراهـم عـن كـثـب.

الـمـهـمّ هـو أنّ مـسـؤولي الـمـلـعـب اصـطـحـبـوه لـزيـارة أرجـاء الـمـلـعـب والـذّهـاب إلى مـرأب مـا تـحـت الأرض الـمـخـصـص لـفـريـق The Brooklyn Dodgers، وهـو مـكـان يـقـع تـحـت مـسـتـوى سـاحـة الـمـلـعـب يـجـلـس فـيـه الـلاعـبـون قـبـل بـدايـة الـمـبـاراة، ومـنـه يـصـعـدون إلى الـسّـاحـة أو يـنـزلـون إلـيـهـا في مـا بـيـن فـتـرات الـمـبـاراة.

وهـنـاك الـتـقى بـالـمـسـؤول عـن الـفـريـق شـارلي دريـسـن Charlie Dressen، كـمـا الـتـقى بـالـلاعـب جـاكي روبـنـسـن Jackie Robinson ، أوّل أمـريـكي أسـود يـشـارك في مـثـل هـذه الـمـبـاريـات.

ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر الـمـفـارقـة الـكـبـيـرة بـيـن هـذا الـشّـاب الـبـالـغ الـلـطـافـة والـتّـهـذيـب والّـذي تـلـقى تـربـيـة مـلـكـيـة وتـعـلـيـمـاً راقـيـاً، والّـذي وصـل بـانـاقـتـه الـمـتـمـيّـزة، يـرتـدي بـذلـة جـاءت مـن عـنـد أفـضـل خـيـاطي لـنـدن وربـطـة عـنـق مـن أغـلى مـخـازن شـارع بـونـد. وفـوق كـلّ هـذا كـان يـتـكـلّـم الإنـكـلـيـزيـة بـأعـلى مـسـتـويـاتـهـا الـلـغـويـة وبـلـفـظ بـريـطـاني ارسـتـقـراطي، وبـيـن “أبـطـالـه” مـن لاعـبي الـبـيـسـبـول الّـذيـن كـان أغـلـبـهـم مـن أعـلاج لـم يـرتـادوا الـمـدرسـة إلّا في سـنـواتـهـا الأولى الإجـبـاريـة، ولـم يـكـونـوا يـتـكـلّـمـون إلّا لـغـة جـلـفـيـة يـخـنّـون بـهـا مـن أنـوفـهـم، ولا يـحـسـنـون إلّا لـغـة الـقـوّة الـبـدنـيـة والـصّـراع لـلـوصـول إلى الـنّـجـاح وكـسـب الـشّـهـرة والـمـال. ولا شـكّ في أنّ دهـشـتـهـم ازدادت عـنـدمـا أخـبـروهـم أنّ هـذا الـمـعـجـب بـهـم مـلـك عـلى دولـة الـعـراق الّـتي لـم يـسـمـعـوا بـهـا ولـم تـسـاعـدهـم ثـقـافـتـهـم الـمـحـدودة عـلى مـعـرفـة أيـن تـقـع عـلى خـارطـة الـعـالـم.

ولا شـكّ في أنّ الـتّـصـرّف الـمـعـتـاد هـو أن يـجـلـس الـمـلـك في مـقـصـورة خـاصّـة بـه، يـحـيـطـه مـرافـقـوه، ويـسـتـدعي الـلاعـبـيـن لـيـقـفـوا بـيـن يـديـه. ولـكـنّ فـيـصـل الـثّـاني، بـأفـكـاره الـحـديـثـة، وبـبـسـاطـتـه وطـيـبـة قـلـبـه وبـحـيـويـة شـبـابـه نـزل بـنـفـسـه إلى مـسـتـواهـم لـيـراهـم في أمـاكـنـهـم الـمـعـتـادة، وتـبـعـه خـالـه الـوصي عـبـد الإلـه ومـرافـقـوه.

وطـبـعـاً لـم يـفـهـم هـؤلاء الأجـلاف هـذا الـوضـع الـغـريـب. وتـصـرّف شـارلي دريـسـن وجـاكي روبـنـسـن مـع الـمـلـك الـشّـاب كـمـا لـو كـان صـبـيّـاً دفـعـه الـفـضـول لـلإحـتـكـاك بـهـمـا. وأجـلـسـاه بـيـنـهـمـا عـلى الـمـصـطـبـة. وبـعـد أن أمـسـك فـيـصـل الّـثـاني بـكـرة الـبـيـسـبـول بـيـديـه، ألـبـسـاه الـقـفّـاز الّـذي يـضـعـه الـلاعـب عـلى يـده، ثـمّ ازداد مـزاحـهـمـا مـعـه حـتّى وضـعـا كـاسـكـيـتـة فـريـقـهـمـا عـلى رأسـه. وفي هـذه الـلـحـظـة الـتـقـط مـصـور مـجـلّـة لايـف، يـال جـويـل Yale Joel، الـصـورة الـشّـهـيـرة الّـتي يـضـع فـيـهـا الـلاعـبـان كـاسـكـيـتـة فـريـقـيـهـمـا عـلى رأس الـمـلـك :

وعـنـدهـا تـدخّـل خـالـه الـوصي عـبـد الإلـه وطـلـب مـنـه أن يـخـلـع الـكـاسـكـيـتـة “لأنّ ذلـك لا يـلـيـق بـالـهـيـبـة الـمـلـكـيـة”، كـمـا ذكـر مـقـال مـجـلّـة لايـف (1)، ولأنّ فـيـصـل الـثّـاني كـان شـابّـاً مـهـذبـاً فـقـد احـتـرم طـلـب خـالـه وخـلـع الـكـاسـكـيـتـة، ثـمّ نـهـض قـائـلاً لـلّاعـبـيـن “أعـتـقـد أنّ عـليّ أن أتـركـكـمـا الآن”، حـسـب مـا أضـافـه مـقـال مـجـلّـة لايـف (1).  

وقـد سـبـق أن رأيـنـا أنّ فـريـقـه الـمـفـضّـل ربـح الـمـبـاراة بـخـمـسـة أهـداف مـقـابـل أربـعـة لـلـفـريـق الـمـنـافـس. “وهـكـذا بـدأت زيـارة الـمـلـك الـشّـاب بـدايـة سـعـيـدة”، كـمـا كـتـبـت مـجـلّـة لايـف (1).

وقـد أجـريـت لـلـمـلـك بـعـد انـتـهـاء الـمـبـاراة مـقـابـلـة إذاعـيـة جـلـس خـلالـهـا أمـام مـكـرفـون إذاعـة WNBC، مـقـابـل جـاكي روبـنـسـن، أحـد لاعـبي فـريـق الـ Dodgers، الّـذي سـبـق أن رأيـنـاه :

وشـرح لـه فـيـصـل الـثّـاني : “في الـكـريـكـيـت يـصـفـق الـمـتـفـرّجـون فـقـط، أمّـا في الـبـيـسـبـول فـهـم يـتـصـارخـون ابـتـهـاجـاً”. كـمـا قـلـل مـن قـيـمـة لـعـبـة الـكـريـكـيـت : “الـبـطـيـئـة جـدّاً” ومـدح لـعـبـة الـبـيـسـبـول : “أوّلاً لـقـوّة ضـربـات الـلاعـبـيـن وثـانـيـاً لـسـرعـتـهـم في الـرّكـض، وأخـيـراً لـمـهـارتـهـم الـمـدهـشـة”.

ونـشـرت صـحـيـفـة نـيـويـورك تـايـمـز في الـيـوم الـتّـالي، أي في عـددهـا الـصّـادر في يـوم الـخـمـيـس 14 آب، خـبـر وصـول الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني إلى نـيـويـورك، وحـضـوره لـمـبـاراة كـرة الـبـيـسـبـول، ووضـعـت الـصّـورة الـشّـهـيـرة لـلاعـبَي الـبـيـسـبـول وهـمـا يـضـعـان كـاسـكـيـتـة فـريـقـهـمـا عـلى رأس الـمـلـك !

وزار فـيـصـل الـثّـاني مـركـز روكـفـلـر The Rockefeller Centerالّـذي أطـلّ مـن عـلى سـطـحـه عـلى نـاطـحـات سـحـاب نـيـويـورك :

وصـعـد عـلى بـرج الأمـبـايـر سـتـيـت   Empire State Building. وقـد وجـدت صـورة أثـارت اسـتـغـرابي  وتـسـاءلـت عـمّـا كـان هـذا الـهـمـجي يـريـد مـن الـمـلـك :

إلى أن وجـدت صـورة أخـرى لـه يـحـمـل آلـة تـصـويـر وفـهـمـت أنّـه كـان صـحـفـيـاً يـحـوم حـولـه :

وقـام فـيـصـل الـثّـاني بـجـولـة في بـاخـرة لـمـدة أربـع سـاعـات حـول مـنـهـاتـن اسـتـضـافـه عـلى مـتـنـهـا قـائـد الـجـيـش الأوّل الأمـريـكي الـتـقـط فـيـهـا كـثـيـراً مـن الـصّـور. وكـتـبـت صـحـيـفـة الـنـيـويـورك تـايـمـز : “مـن الـمـمـكـن أن يـصـبـح الـمـلـك الـشّـاب عـضـواً مـؤقـتـاً في مـجـمـوعـة مـصـوري الـبـيـت الأبـيـض. وهـو الـمـصـور رقـم واحـد في الـعـراق”. وقـد اسـتـعـمـل جـهـاز تـصـويـر عـسـكـري فـوري Polaroid Land. وتـطـبـع هـذه الآلـة الـصّـورة دقـيـقـة واحـدة بـعـد الـتـقـاطـهـا.

كـمـا صـعـد عـلى مـتـن الـبـاخـرة الـبـريـطـانـيـة (مـن عـابـرات الـمـحـيـط الأطـلـسي) “الـمـلـكـة مـاري  RMS Queen Mary  الّـتي ألـقى فـيـهـا خـطـبـة تـوجّـه بـهـا إلى وكـالات الأنـبـاء :

وزار مـقـرّ هـيـئـة الأمـم الـمـتّـحـدة :

وقـد دعي إلى غـداء في مـطـعـم أفـخـم فـنـادق مـنـهـاتـن : الـسّـنـت ريـجـس The St. Regis، والّـذي أعـيـد تـزيـيـن سـقـفـه بـكـامـلـه تـكـريـمـاً لـفـيـصـل الـثّـاني. ونـصـبـت في الـلـيـلـة الـسّـابـقـة حـديـقـة في وسـط قـاعـة الـمـطـعـم وضـعـت فـيـهـا مـروج مـن الـزّهـور وصـلـت قـيـمـتـهـا إلى خـمـسـة آلاف دولار، كـمـا ذكـر مـقـال مـوقـع مـديـنـة نـيـويـورك عـلى الأنـتـرنـت . وطـبـخـت زوجـة الـقـائـم بـأعـمـال الـسّـفـيـر الـعـراقي في واشـنـطـن، عـبـد الله بـكـر، كـبّـة مـوصـل “عـلى الـطّـريـقـة الـبـكـريـة” !

في واشـنـطـن :

ووصـل فـيـصـل الـثّـاني إلى واشـنـطـن في يـوم الـسّـبـت 16 آب. ودعـاه مـضـيّـفـه الـرّئـيـس الأمـريـكي هـاري تـرومـان إلى ولـيـمـة غـداء في الـبـيـت الأبـيـض :

وزار الـكـونـغـرس الأمـريـكي. ولـديـنـا صـورة نـراه فـيـهـا عـلى سـلّـم الـكـابـيـتـول بـصـحـبـة الـسّـنـاتـور غـريـن :

ودعي إلى ولـيـمـة عـشـاء مـع أعـضـائـه :

كـمـا زار مـكـتـبـة الـكـونـغـرس الّـتي شـاهـد فـيـهـا الـنّـصّ الأصـلي لـ “بـيـان الإسـتـقـلال” ولـ “دسـتـور الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة” :

والـتـقى بـرجـل الأعـمـال الـشّـهـيـر تـومـاس واتـسـونThomas J. Watson ، رئـيـس شـركـة IBM :

والـتـقى بـأربـعـيـن طـالـبـاً عـراقـيـاً يـكـمـلـون دراسـتـهـم في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة ضـمـن مـشـروع مـبـادلات الـتّـعـلـيـم الـعـالـمـيـة (ولا نـرى إلّا بـعـضـهـم في هـذه الـصّـورة) :

وخـلال مـقـابـلـة إذاعـيـة أجـراهـا الـقـسـم الـعـربي في “صـوت أمـريـكـا” تـوجّـه إلـيـه الـمـذيـع قـائـلاً : “يـا فـيـصـل”. وشـرح لـلـمـسـتـمـعـيـن في الـعـراق أنّ الأمـريـكـان لـم يـجـدوا في فـيـصـل الـصّـورة الـتّـقـلـيـديـة لـ “جـلالـة الـمـلـك”، بـل وجـدوه “خـوش ولـد a regular guy”  :

وفي 18 آب، زار فـيـصـل الـثّـاني الأكـاديـمـيـة الـبـحـريـة                             The United States Naval Academy في مـديـنـة أنـابـولـيـس Annapolis، ولايـة مـاريـلانـد Maryland :

جـولـة حـول الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة :

بـعـد أن غـادر فـيـصـل الـثّـاني واشـنـطـن ومـرّ بـمـاريـلانـد، شـرع في جـولـة حـول الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة كـنـت أودّ أن نـتـابـعـه فـيـهـا مـديـنـة بـعـد مـديـنـة، ولـكـنّي لـضّـيـق الـمـكـان الـمـخـصـص لـلـمـقـال، سـأخـتـار مـنـهـا مـا بـدى لي عـلى جـانـب مـن الأهـمـيـة.

وقـد بـدأهـا في ديـتـرويـت وشـيـكـاغـو ودنـفـر قـبـل أن يـصـل إلى ولايـة كـالـيـفـورنـيـا عـلى سـاحـل الـمـحـيـط الـهـادي ويـزور سـان فـرنـسـيـسـكـو وسـانـتـا بـربـارة ولـوس أنـجـلـس الّـتي زار خـلال إقـامـتـه فـيـهـا إسـتـوديـوهـات مـتـرو غـولـدن مـايـر Metro-Goldwyn-Mayer  في هـولـيـوود،   والـتـقى بـالـنّـجـم الـسّـيـنـمـائي الـشّـهـيـر جـيـمـس مـاسـون James Mason وبـالـمـمـثّـلـة دبـوره كـيـر Deborah Kerr :

وبـعـد أن تـرك لـوس أنـجـلـس، تـوقـف في لاغـونـا بـيـتـش Laguna Beach :

وأكـمـل طـريـقـه نـحـو سـان ديـيـغـو الّـتي زار فـيـهـا، يـوم 29 آب، حـامـلـة الـطّـائـرات  USS Oriskany .

وذهـب إلى مـديـنـة بـركـلي، وزار جـامـعـة كـالـيـفـورنـيـا University of California at Berkeley والـتـقى بـطـلابـهـا وأسـاتـذتـهـا في بـيـت الـطّـلّاب الـعـالـمي :

وذهـب إلى لاس فـيـغـاس، مـديـنـة الـتّـرفـيـه والـتّـسـلـيـة والـقـمـار، وفـنـيـكـس (في الأريـزونـا)،

وفي الأريـزونـا زار فـيـصـل الـثّـاني مـزرعـة قـطـن ومـصـنـع لـه، وقـد أروه أنـواع الـقـطـن الّـذي يـزرع بـفـضـل وسـائـل الـرّي الـحـديـثـة في مـنـطـقـة كـانـت صـحـراء تـامّـة الـجـفـاف :

وكـان فـيـصـل الـثّـاني قـد وضـع في بـرنـامـجـه زيـارة مـشـاريـع تـولـيـد الـطّـاقـة والـمـشـاريـع الـزّراعـيـة وخـاصّـة مـشـاريـع الـرّي الّـتي يـولـيـهـا اهـتـمـامـاً شـديـداً. وقـد صـرّح لـلـصّـحـفـيـيـن في نـيـويـورك : “نـحـن بـحـاجـة إلـيـهـا في بـلـدنـا، فـ[الـرّي] واحـد مـن أهـم الـمـشـاكـل الّـتي يـعـاني مـنـهـا الـعـراق”.

 ثـمّ قـام بـجـولـة إلى الـجـبـال الـصّـخـريـة The Rocky Mountain :

ومـرّ بـعـدهـا بـالـكـولـورادو. وفي الـكـولـورادو، زار الـ Estes Park. ولـديـنـا صـورة الـتـقـطـت في هـذا الـبـارك لـلـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني ومـصـاحـبـيـه مـن الـعـراقـيـيـن والأمـريـكـان، نـتـعـرّف فـيـهـا، إلى جـانـب الـوصي عـبـد الإلـه، عـلى الـقـائـم بـأعـمـال الـسّـفـيـر الـعـراقي في واشـنـطـن، عـبـد الله بـكـر، وعـلى مـرافـق فـيـصـل الـثّـاني الـخـاصّ مـحـمّـد شـيـخ الـطّـيـف.

كـمـا الـتـقى بـالـكـابـتـن كـاريـل Captain Carrel مـن الـ  « Colorado State Patrol »الّـذي وضـع عـلى رأسـه قـبـعـة الـمـتـطـوعـيـن :

وزار سـدّ الـهـوفـر The Hoover Dam عـلى نـهـر الـكـولـورادو لإنـتـاج الـطّـاقـة الـكـهـربـائـيـة :

واسـتـمـرّ نـحـو فـلـورنـس (في الألـبـامـا) وفـورت كـنـوكـس (في الـكـنـتـكي) الّـتي زار فـيـهـا مـعـسـكـرهـا الـشّـهـيـر، ومـدرسـة “الآرمـورد سـكـول The Armored School” :

قـبـل أن يـعـود إلى نـيـويـورك، ومـنـهـا إلى بـغـداد.

 

مـلـحـق

نـشـر نِـك غـولـد في مـوقـع Quill & Pad مـقـالاً قـصـيـراً عـن الـسّـاعـة الّـتي تـظـهـر حـول مـعـصـم الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني، تـحـت ردن قـمـيـصـه في صـورة الـتـقـطـت لـه وهـو يـتـحـدث في غـرفـة الـصّـحـافـة مـع لاعـب كـرة الـبـيـسـبـول جـاكي روبـنـسـن أمـام مـكـرفـون إذاعـة WNBC.

وقـد لاحـظ أنّـهـا كـانـت مـن مـاركـة بـاتـيـك فـيـلـيـب Patek Philippe صـنـف رقـم 1518، الّـتي كـانـت أوّل سـاعـة مـعـصـم عـلـيـهـا الـتّـقـويـم الـدّائـم. وأنـتـجـت بـكـمـيـة مـحـدودة جـدّاً (يـعـتـقـد الـمـخـتـصّـون أنّـه لـم يـبـق مـنـهـا الآن إلّا 281 نـسـخـة فـقـط)، ولـكـنّـه لـم يـجـد اسـم فـيـصـل الـثّـاني في قـائـمـة الـمـلـوك الّـذيـن اشـتـروا واحـدة مـن هـذه الـسّـاعـات. ورغـم أنّـه بـحـث عـن نـسـخـة بـالألـوان لـهـذه الـصّـورة فـلـم يـجـد شـيـئـاً، ويـقـتـرح أن تـكـون سـاعـة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـإطـار ذهـبي وبـواجـهـة فـضّـيـة.

وقـد كـتـب أنّـهـا تـشـيـر إلى الـثّـانـيـة عـشـرة، وهـو مـا لا نـسـتـطـيـع الـتّـأكّـد مـنـه بـتـفـحـصّ الـصّـورة، لأنـنـا لا نـرى مـن الـسّـاعـة إلّا نـصـفـهـا الأيـمـن الّـذي نـبـصـر في وسـطـه بـعـقـرب الـدّقـائـق، ويـمـكـن لـعـقـرب الـسّـاعـات أن يـشـيـر لأي مـنـهـا بـيـن الـسّـابـعـة والـثّـانـيـة عـشـرة.

وإذا مـا أخـذنـا بـنـظـر الإعـتـبـار مـدّة حـفـل اسـتـقـبـال فـيـصـل الـثّـاني في دار بـلـديـة نـيـويـورك الّـذي دام سـاعـتـيـن عـلى الأقـلّ، ثـمّ مـدّة انـتـقـالـه إلى الـمـلـعـب ومـدّة مـبـاراة الـبـيـسـبـول ولـقـائـه بـالـلاعـبـيـن قـبـل أن يـجـلـس أمـام مـكـرفـون إذاعـة WNBC، فـمـن الـصّـعـب عـلـيـنـا أن نـتـقـبّـل أنّ كـلّ ذلـك جـرى قـبـل الـظّـهـر.

ــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : فـيـصـل الـثّـاني في أمـريـكـا  ــ  الـقـسـم الأوّل

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

فـيـصـل الـثّـاني في أمـريـكـا ــ الـقـسـم الأوّل

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـيـنـمـا كـنـت اقـلّـب صـفـحـات أعـداد قـديـمـة مـن مـجـلـة لايـف الأمـريـكـيـة Life magazine، جـذبـت أنـظـاري صـورة شـاب مـلـتـصـق بـشـبّـاك يـطـلّ عـلى مـلـعـب وبـيـده آلـة تـصـويـر، ولا نـرى مـنـه إلّا ظـهـره ومـؤخّـرة رأسـه :

ولا أدري لـمـاذا فـكّـرت حـالاً أنّـه كـان الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني !

وقـرأت الـعـنـوان : “الـمـصـوّر الـمـلـكي“، ثـمّ الـتّـعـلـيـق الـمـنـشـور في أسـفـل الـصّـورة :

“الـشّـاب الـمـشـتـت الـشّـعـر الـمـنـهـمـك بـجـديّـة في الـتّـصـويـر هـو جـلالـة مـلـك الـعـراق، فـيـصـل الـثّـاني الـهـاشـمي، يـلـتـقـط صـوراً مـن داخـل الـ      The owner’s box (وهي الـمـنـصّـة الـمـغـلـقـة الـخـاصّـة بـصـاحـب الـمـلـعـب،ويـتـابـع فـيـهـا الـمـعـلّـقـون الـريّـاضـيـون مـبـاريـات الـبـيـسـبـول في الـبـث الـمـبـاشـر) في مـلـعـب  Ebbets Field في بـروكـلـيـن، نـيـويـورك”.

“وقـد وصـل الـمـلـك في الأسـبـوع الـمـاضي لـيـقـوم بـجـولـة في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة. ولـتـرى الـصّـورة الّـتي الـتـقـطـهـا فـعـلـيـك أن تـقـلـب الـصّـفـحـة”.

وقـبـل أن أقـلـب الـصّـفـحـة أودّ أن أشـيـر إلى أنـني سـأتـرجـم لـكـم مـقـال مـجـلّـة لايـف هـذا الـمـنـشـور في الـعـدد الـصّـادر في 25 آب 1952 :

وسـأعـرضـه عـلـيـكـم بـدون أن أعـلّـق عـلـيـه أو أن أشـرح مـا يـغـمـض فـهـمـه فـيـه. وسـأوسّـع الـحـديـث عـن سـفـرة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة وزيـارتـه لـهـا في الـقـسـم الـثّـاني مـن هـذا الـمـقـال، والّـذي سـأنـشـره بـعـد أسـبـوعـيـن. وسـأضـع فـيـه صـوراً أخـرى وتـفـاصـيـل لا يـمـكـن لي وضـعـهـا هـنـا لـضـيـق الـمـكـان.

وأعـود إلى حـديـثي عـن الـمـقـال. وقـلـبـت صـفـحـة 23 لأصـل إلى صـفـحـة 24 :

 

والـحـقـيـقـة أنـني وجـدت في أعـلاهـا عـنـوانـاً بـحـروف ثـخـيـنـة غـامـقـة : “الـمـلـك يـلـتـقـط بـعـض الـصّـور“، ثـمّ صـورتـيـن الـتـقـطـهـمـا الـمـلـك. الأولى هي الّـتي رأيـنـاه يـلـتـقـطـهـا مـن الـمـنـصّـة الـمـغـلـقـة الـمـطّـلـة عـلى الـمـلـعـب، ووضـع تـحـتـهـا الـتّـعـلـيـق الـتّـالي :

“صـورة ريـاضـيـة الـتـقـطـهـا الـمـصـوّر فـيـصـل تـريـنـا [الـلاعـب] جـيـم هـيـرن Jim Hearn مـن فـريـق the Giants يـلـقي بـالـكـرة ضـدّ [الـلاعـب] بي وي ريـس Pee Wee Reese  مـن فـريـق  the Dodgers. وقـد ربـح فـريـق the Dodgers  بـخـمـسـة أهـداف مـقـابـل أربـعـة لـمـنـافـسـيـهـم”. 

ونـفـهـم إذن أن الـمـلـك الّـذي يـسـمـيـه كـاتـب مـقـال مـجـلّـة لايـف مـيـانـةً : “الـمـصـوّر فـيـصـل” كـان يـتـابـع مـبـاراة كـرة بـيـسـبـول ويـلـتـقـط لـهـا صـوراً مـن مـنـصّـة الـصـحـفـيـيـن والـمـذيـعـيـن.

وبـعـد أن أدخـلـنـا كـاتـب الـمـقـال في جـو الـمـوضـوع الّـذي أراده مـشـوّقـاً ومـثـيـراً، أرانـا صـورة ثـانـيـة الـتـقـطـهـا “الـمـصـوّر فـيـصـل” لـلـمـقـهى الّـذي في حـوش مـركـز روكـفـلـر  The Rockefeller Center. وقـد الـتـقـطـهـا “الـمـصـوّر فـيـصـل” مـن أعـلى بـنـايـة  The International Building.

ثـمّ يـبـدأ الـمـقـال الـقـصـيـر جـدّاً (فـمـجـلّـة لايـف مـجـلّـة صـور، والـنّـاس يـشـتـرونـهـا لـلـتّـفـرّج عـلـيـهـا لا لقـراءة مـقـالات !) بـعـنـوان كـبـيـر الـحـروف الـغـامـقـة “زائـر مـلـكي يـسـتـطـلـع الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة“، ونـقـرأ فـيـه :

“الـمـلـك فـيـصـل شـاب رشـيـق شـديـد الـلـطـافـة في الـسّـابـعـة عـشـرة مـن عـمـره، يـتـكـلّـم الإنـكـلـيـزيـة بـلـكـنـة بـريـطـانـيـة قـويّـة، ومـشـغـوف بـدراسـة الـتّـاريـخ والـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي وفـريـق The Broolyn Dodgers  لـلـبـيـسـبـول. وعـنـدمـا بـدأ جـولـتـه في و. م. أ. (الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة) في الأسـبـوع الـمـاضي، أشـبـع هـوايـتـيـن مـعـاً وفي نـفـس الـوقـت : تـفـرّج عـلى مـبـاراة الـ Giant- Godger ball game  وصـوّرهـا مـسـتـعـمـلاً آلـة تـصـويـر يـال جـويـل  Yale Joel، مـصـوّر مـجـلّـة لايـف.  

“وهـكـذا بـدأت زيـارة الـمـلـك الـشّـاب بـدايـة سـعـيـدة، فـقـد ربـح فـريـقـه الـمـفـضّـل : the Dodgers  بـخـمـسـة أهـداف مـقـابـل أربـعـة لـمـنـافـسـيـهـم.

“وقـد دعـاه إلى زيـارة هـذا الـبـلـد الـرئـيـس تـرومـان President Truman  ووزارة الـخـارجـيـة  The State Departement. وكـلاهـمـا يـدركـان الأهـمـيـة الاسـتـراتـيـجـيـة لـلـعـراق والـشّـرق الأوسـط الـهـائـج في داخـل الـوضـع الـعـالـمي الـرّاهـن. ومـنـذ سـنّ الـثّـالـثـة أصـبـح فـيـصـل مـلـكـاً عـلى بـلـد الـعـراق الـبـالـغ الـقـدم والـغـنيّ بـالـبـتـرول (والـمـكـان الأسـطـوري لـجـنّـات عـدن)، ولـكـنّـه في الـحـقـيـقـة لـن يـسـتـلـم مـقـالـيـد الـحـكـم إلّا في شـهـر أيّـار الـمـقـبـل، عـنـدمـا سـيـبـلـغ الـثّـامـنـة عـشـرة مـن عـمـره.

“ومـثـل أعـداد مـن الـسّـواح الـغـيـر مـلـكـيـيـن، فـقـد قـام الـمـلـك فـيـصـل بـزيـارة (قـاده فـيـهـا مـعـلّـقـون يـشـرحـون لـه مـا يـراه) لـمـركـز روكـفـلـر كـمـا قـام بـجـولـة في سـفـيـنـة حـول مـنـهـاتـن.

“وعـلى عـكـس أغـلـب الـسّـوّاح فـقـد كـان مـحـاطـاً بـاسـتـمـرار بـرجـال وزارة الـخـارجـيـة وبـمـرافـقـيـه وبـصـحـفـيـيـن ومـصـوّريـن فـوتـوغـرافـيـيـن (لا يـتـوقـفـون عـن الـصّـيـاح : “صـورة واحـدة أخـرى فـقـط، مـن فـضـلـك، يـا مـلـك”).

“ورغـم الـجـمـوع [الـمـحـتـشـدة حـولـه] فـقـد اسـتـطـاع فـيـصـل أن يـشـاهـد [عـرض] “جـنـوب الـبـاسـفـيـك” وأن يـزور مـصـفـاة نـفـط في الـنّـيـو جـيـرسي. كـمـا اسـتـقـلّ الـطّـائـرة إلى واشـنـطـن في عـطـلـة نـهـايـة الأسـبـوع [أي الـسّـبـت والأحـد] لـولـيـمـة أقـامـهـا لـه مـضـيّـفـه الـرّسـمي الـرّئـيـس تـرومـان.

“وزار بـعـد ذلـك ورشـة تـجـمـيـع سـيـارات فـورد في الـمـشـيـغـان ومـشـاريـع ريّ (يـولـيـهـا اهـتـمـامـاً خـاصّـاً) في كـالـيـفـورنـيـا وكـولـورادو وتـيـنـيـسي. كـمـا عـرضـت أمـامـه أحـدث الـطّـائـرات الـحـربـيـة والـدّبـابـات والـمـدافـع الأمـريـكـيـة.

“وتـأمـل [وزارة] الـخـارجـيـة الأمـريـكـيـة أن تـنـمّي عـنـد الـمـلـك الـشّـاب روابـط صـداقـة مـتـيـنـة لـيـكـون سـنـداً لـلـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة في الـشّـرق الأوسـط، فـأصـدقـاؤهـا فـيـه قـلـيـلـون وهـنـاك أعـداء لـهـا حـتّى بـيـن أقـرب مـسـتـشـاري فـيـصـل”.

وقـد لاحـظ الـقـارئ الـعـزيـز ولا شـكّ أنّ الـصّـحـفي الّـذي كـتـب الـمـقـال تـرك في مـقـاطـعـه الأخـيـر كـلـمـة الـمـلـك واسـتـعـمـل مـرتـيـن بـمـيـانـة : “فـيـصـل” بـدلاً مـن “الـمـلـك فـيـصـل”.

وقـد وضـعـت عـلى يـمـيـن هـذا الـمـقـال الـقـصـيـر صـورة كـبـيـرة لـفـيـصـل الـثّـاني :

كـتـب تـحـتـهـا تـعـلـيـق بـدأ بـحـروف ثـخـيـنـة غـامـقـة : “سـحـر مـلئ بـحـيـويـة الـشّـبـاب سـقـط في دائـرتـه مـراسـلـو [الـصّـحـف والإذاعـات] عـنـدمـا ألـقى الـمـلـك فـيـصـل بـكـلـمـة في مـنـتـدى الـيـال Yale Club، الّـذي كـان فـيـه في نـيـويـورك. وقـد ذكـر فـيـهـا أنّـه لـم يـقـم بـعـد بـأيّـة “مـهـمّـات مـلـكـيـة” مـثـل تـوقـيـع الـقـرارات”.

أمّـا الـصّـفـحـة الـثّـالـثـة والأخـيـرة مـن الـمـقـال، أي صـفـحـة 25 مـن الـعـدد الـصّـادر في 25 آب 1952، فـقـد وضـعـت فـيـهـا سـبـع صـور :

كـتـب فـوق الـصـورتـيـن الأولى والـثّـانـيـة عـنـوان بـحـروف ثـخـيـنـة غـامـقـة : “هـا هـو يـتـلـقّى دروسـاً في لـعـب الـبـيـسـبـول” :

وكـتـب تـحـت الـصّـورة الأولى في أعـلى يـسـار الـصّـفـحـة :

مـزاح الـبـيـسـبـول في مـرأب فـريـق الـ Dodgers [في أسـفـل جـانـب سـاحـة الـمـلـعـب] تـسـلى بـه الـمـلـك إلى أن أجـبـره خـالـه عـلى خـلـع كـاسـكـيـتـة مـمـارسـة الـبـيـسـبـول لأنّ ذلـك لا يـلـيـق بـالـهـيـبـة الـمـلـكـيـة. وقـال الـمـلـك : “أعـتـقـد أنّ عـليّ أن أتـركـكـم الآن”.

أمّـا الـصّـورة الـثـانـيـة، في أعـلى يـمـيـن الـصّـفـحـة :

 فـقـد كـتـب تـحـتـهـا : “تـقـنـيـة لـعـبـة الـكـريـكـيـت كـمـا شـرحـهـا الـمـلـك لـجـاكي روبـنـسـن (أحـد لاعـبي فـريـق الـ Dodgers) في الـمـقـابـلـة الإذاعـيـة : “في الـكـريـكـيـت يـصـفـق الـمـتـفـرّجـون فـقـط، أمّـا في الـبـيـسـبـول فـهـم يـتـصـارخـون ابـتـهـاجـاً”.

و كـتـب فـوق الـصـورتـيـن الـثّـالـثـة والـرّابـعـة (في وسـط الـصّـفـحـة) عـنـوان بـحـروف ثـخـيـنـة غـامـقـة : “شـاهـد راديـو سـيـتي Radio City  و”جـنـوب الـمـحـيـط الـهـادي South Pacific. (1)

وكـتـب تـحـت الـصّـورة الـثّـالـثـة :

دلـيـلـة شـابّـة جـمـيـلـة قـادت الـمـلـك ومـرافـقـيـه في مـركـز روكـفـلـر. وقـد وجـد الـمـلـك في هـذه الـزّيـارة إثـارة لـم يـجـدهـا مـنـذ أن خـطـفـوه خـلال تـمـرد عـام 1941″ (2).

وكـتـب تـحـت الـصّـورة الـرّابـعـة :

مـغـنّـيـة شـابّـة جـمـيـلـة، مـارثـا رايـت  Martha Wright، بـطـلـة “جـنـوب الـبـاسـفـيـك”، تـسـتـلـم وروداً بـعـد أن شـاهـد الـمـلـك الـعـرض. وقـالـت إنّ حـضـور الـمـلـك في الـقـاعـة أفـقـد أعـضـاء الـفـرقـة هـدوءهـم”.

أمّـا الـصّـور الـثّـلاث الّـتي وضـعـت في أسـفـل الـصّـفـحـة فـقـد كـتـب فـوقـهـا بـحـروف ثـخـيـنـة غـامـقـة : “تـنـاول عـشـاءً وقـام بـجـولـة وتـنـاول غـداء“.

وكـتـب تـحـت الـصّـورة الـخـامـسـة :

خـلال الـعـشـاء الّـذي أقـيـم تـكـريـمـاً لـلـمـلـك في مـنـتـدى الـرّيـفـر        The River Club الـنّـيـويـوركي الـبـاذخ، هـا هـو يـجـاذب مـسـز تـومـاس ج. واسـتـن أطـراف الـحـديـث”.

وتـحـت الـصّـورة الـسّـادسـة :

في مـصـفـاة نـفـط في الـنّـيـو جـيـرسي، يـتـلـمّـس الـمـلـك مـسـحـوق الـحـفّـاز الـكـيـمـيـاوي الـمـسـتـعـمـل في إنـتـاج غـاز الأوكـتـان”.

وتـحـت الـصّـورة الـسّـابـعـة :

في ولـيـمـة الـغـذاء في الـبـيـت الأبـيـض، يـصـافـح الـمـلـك مـضـيّـفـه الـرّئـيـس الأمـريـكي”.

ويـنـتـهي هـنـا مـقـال مـجـلّـة لايـف عـن سـفـرة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة وزيـارتـه لـهـا. وكـمـا سـبـق لي أن وعـدتـكـم فـسـأوسّـع الـحـديـث عـنـهـا في الـقـسـم الـثّـاني مـن هـذا الـمـقـال، والّـذي سـأنـشـره بـعـد أسـبـوعـيـن. وسـأضـع فـيـه صـوراً أخـرى وتـفـاصـيـل لا يـمـكـن لي وضـعـهـا هـنـا لـضـيـق الـمـكـان.

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) “راديـو سـيـتي” قـاعـة اسـتـعـراضـات مـوسـيـقـيـة شـهـيـرة في داخـل مـركـز روكـفـلـر في نـيـويـورك، و”جـنـوب الـبـاسـفـيـك” اسـتـعـراض كـومـيـديـا مـوسـيـقـيـة وغـنـائـيـة بـدأت في إحـدى قـاعـات “بـرودواي” عـام 1949، واسـتـمـر نـجـاحـهـا الـسّـاحـق سـنـوات طـويـلـة، وأخـذ عـنـهـا فِـلـم سـيـنـمـائي عـام 1958.

(2) بـعـثـت لي الأديـبـة الـكـبـيـرة مي مـظـفّـر بـالـتّـوضـيـح الـتّـالي : “هو لم يختطف، بل هربته والدته خوفاً عليه ولجأت به إلى شمال العراق حيث استضافتهم واحدة من العائلات الكردية”، “ورد ذلك في مذكرات خالته”. ونـقـرأ في كـتـاب خـالـة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني : “مـذكّـرات وريـثـة الـعـروش الأمـيـرة بـديـعـة ابـنـة الـمـلـك عـلي”، الّـذي صـدر عـن دار الـحـكـمـة في لـنـدن عـام 2001، فـصـل : “الـصّـبّـاغ في قـصـر الـزّهـور” (ص. 128 ــ 132)، عـن أحـداث عـام 1941، أنّ صـلاح الـدّيـن الـصّـبّـاغ جـاء إلى قـصـر الـزّهـور لـمـقـابـلـة الـمـلـكـة عـالـيـة وطـلـب مـنـهـا أن تـسـانـد حـركـة الإنـقـلاب الّـتي قـام بـهـا رشـيـد عـالي الـكـيـلاني، وأن تـقـبـل بـالـشّـريـف شـرف وصـيّـاً عـلى ابـنـهـا فـيـصـل الـثّـاني بـدلاً مـن الأمـيـر عـبـد الإلـه، الّـذي كـان قـد تـرك بـغـداد وذهـب إلى عـمّـان. وخـوفـاً مـن أن يـأخـذهـم الإنـقـلابـيـون كـرهـائـن، غـادرت الـمـلـكـة عـالـيـة بـغـداد مـع ابـنـهـا فـيـصـل وقـريـبـاتـهـا إلى كـركـوك. ومـنـهـا ذهـبـوا إلى أربـيـل. ورجـعـوا، بـعـد قـمـع الـحـركـة إلى بـغـداد.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري      

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

رسـوم إدوارد بـاوديـن لـلـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وصـل عـدد مـن الـفـنّـانـيـن الـبـريـطـانـيـيـن إلى الـعـراق خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة لـيـنـضـمّـوا إلى الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة أو لـيـلـتـحـقــوا بـسـفـارة بـريـطـانـيـا في بـغـداد. وقـد رسـمـوا خـاصّـة تـخـطـيـطـات ولـوحـات بـالألـوان الـمـائـيـة مـا زال كـثـيـر مـنـهـا في الـمـتـاحـف.

وسـأبـدأ بـالـكـلام لـكـم عـن إدوارد بـاوديـن Edward Bawden. والـحـقـيـقـة أنّ لـفـظ اسـمـه بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة يـقـتـرب مـن “بَـوديـن” بـالـفـتـحـة، ولـكـنّي سـأكـتـب اسـمـه “بـاوديـن” كـمـا نـجـده في الـقـلـيـل الـنّـادر مـن الـمـنـشـورات الـعـربـيـة الّـتي ذكـرتـه.

وسـأخـصـص مـقـالات مـقـبـلـة لـكـلّ واحـد مـن الـفـنّـانـيـن الأربـعـة أو الـخـمـسـة الـبـاقـيـن الّـذيـن يـسـتـحـقّـون أن أعـرض عـلـيـكـم رسـومـهـم.

إدوارد بـاوديـن Edward Bawden قـبـل الـحـرب :

ولـنـسـتـطـيـع أن نـقـيّـم قـدراتـه الـفـنّـيـة عـنـدمـا وصـل إلى الـعـراق ورسـم فـيـه، عـلـيـنـا أوّلاً أن نـلـقي نـظـرة سـريـعـة عـلى تـكـويـنـه الـفـنّي وبـدايـاتـه :

ولـد إدوارد بـاوديـن في إنـكـلـتـرة سـنـة 1903، وبـدأ يـرسـم في فـتـرة مـبـكـرة مـن عـمـره. وعـنـدمـا بـلـغ الـخـامـسـة عـشـرة، سـجّـلـه مـديـر مـدرسـتـه في مـدرسـة كـمـبـردج لـلـفـنّ Cambridge School of Art، وسـمـح لـه بـأن يـذهـب إلـيـهـا يـومـاً في الأسـبـوع لـيـدرس فـيـهـا.

وبـعـد أن أنـهى دراسـتـه الـثّـانـويـة عـام 1919، إسـتـمـر في دراسـة الـفـنّ في مـدرسـة كـمـبـردج وبـقي فـيـهـا حـتّى عـام 1921. ثـمّ درس في الـمـعـهـد الـمـلـكي لـلـفـنّ The Royal College of Art في لـنـدن حـتّى حـصـل عـلى شـهـادة مـنـه عـام 1925.

وقـد شـارك في بـعـض الـمـعـارض، ورسـم جـداريـات، كـمـا رسـم عـلى طـابـوق مـحـطّـات قـطـار مـا تـحـت الأرض الـمـزجـج :

واشـتـغـل كـرسّـام دعـايـات تـجـاريـة، ورسـوم فـكـاهـيـة في الـصّـحـف، كـمـا رسـم مـلـصـقـات وأغـلـفـة كـتـب.

وبـعـد أن تـزوّج وأنـجـب طـفـلـيـن، إنـتـقـل لـيـعـيـش في الـرّيـف في مـنـطـقـة الإسـكـس. شـمـال شـرق لـنـدن، وشـرع، إلى جـانـب رسـومـه لـلـدعـايـة الـتّـجـاريـة بـتـنـمـيـة تـقـنـيـاتـه الـخـاصّـة في الـرّسـم بـالألـوان الـمـائـيـة الّـتي كـانـت مـواضـيـعـهـا مـشـاهـد الـطـبـيـعـة حـولـه. وقـد عـرض هـذه الـرّسـوم عـام 1934، ونـظّـم مـعـرضـاً لـكـلّ أعـمـالـه الـفـنّـيـة عـام 1938.

وقـد نـفّـذ عـام 1939 الـرّسـم الّـذي يـصـاحـب عـنـوان جـريـدة Observer : أسـد و”وحـيـد قـرن خـرافي” مـتـقـابـلان، والّـذي اسـتـعـمـلـتـه هـذه الـجـريـدة حـتّى عـام 1989 :

كـان إدوارد بـاوديـن قـد اكـتـسـب إذن، قـبـيـل انـدلاع الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة، بـعـض الـشّـهـرة كـرسّـام في الـجـرائـد والـشّـرائـط الـمـرسـومـة comics، وكـمـصـمـم مـطـبـعي إلى جـانـب أعـمـالـه الـفـنّـيـة كـمـنـاظـره الـطـبـيـعـيـة بـالألـوان الـمـائـيـة أو الـطـبـاعـيـة.

إدوارد بـاوديـن خـلال الـحـرب :

وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة، قـام إدوارد بـاوديـن بـخـدمـتـه الـعـسـكـريـة في الـجـيـش الـبـريـطـاني، في فـرنـسـا أوّلاً. ثـمّ طـلـبـت لـجـنـة اسـتـشـارات فـنّـاني الـحـرب  War Artists Advisory Committee (WAAC) في كـانـون الأوّل 1939 أن يـعـيّـن كـرسـام حـرب. وبـعـد أن عـيّـن في هـذه الـوظـيـفـة أرسـل في تـمّـوز 1940 إلى شـمـال شـرق أفـريـقـيـا.

ونـفّـذ رسـومـاً لـمـنـاظـر طـبـيـعـيـة ولأشـخـاص في لـيـبـيـا ومـصـر والـسّـودان وأرتـيـريـا والـحـبـشـة الّـتي وصـلـهـا في نـيـسـان 1941.

وفي عـام 1942، ذهـب إلى فـلـسـطـيـن وسـوريـا ولـبـنـان، ثـمّ وصـل إلى الـعـراق ونـفّـذ مـجـمـوعـة مـن الـرّسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة عـن الأهـوار وسـكّـانـهـا. ورغـم أنّ مـدّة تـعـيـيـنـه في الـوزارة كـانـت قـد انـتـهـت، فـقـد سـمـح لـه بـالـبـقـاء لـرسـم “حـيـاة أهـل الـبـلـد”.

إقـامـة إدوارد بـاوديـن الأولى في الأهـوار :

ولـديـنـا رسـالـة بـعـثـهـا مـن أهـوار الـفـرات في 22 حـزيـران 1942، يـذكـر فـيـهـا أنّـه كـان ضـيـفـاً عـنـد شـيـوخ الـمـنـتـفـك (الـمـنـتـفـق). ويـشـرح فـيـهـا حـالـة الـمـنـطـقـة بـالـتّـفـصـيـل، ويـبـرر فـيـهـا تـفـضـيـلـه لـرسـم “حـيـاة أهـل الـبـلـد الـيـومـيـة” بـدلاً مـن رسـم الـجـنـود في الـمـعـسـكـرات أو الـمـسـتـشـفـيـات الـحـربـيـة.

وتـواجـهـنـا هـنـا مـشـكـلـة صـغـيـرة وهي أنّ غـالـبـيـة رسـوم إدوارد بـاوديـن نـفّـذت خـلال إقـامـتـه الـثّـانـيـة في الأهـوار عـام 1944، ولا نـعـرف بـالـضّـبـط مـاذا رسـم عـام 1942.

ولـهـذا فـسـأريـكـم هـنـا رسـوم الأهـوار الّـتي لـم تـذكـر سـنّـة تـنـفـيـذهـا ولا في أيّـة مـنـطـقـة تـقـع :

رجـوع إدوارد بـاوديـن إلى إنـكـلـتـرة :

وقـد طـلـب مـنـه بـعـد ذلـك أن يـعـود إلى لـنـدن. وعـنـد عـودتـه إلى إنـكـلـتـرة عـلى مـتـن سـفـيـنـة حـربـيـة عـن طـريـق مـصـر في آب 1942، قـصـفـت الـسّـفـيـنـة وأغـرقـت في الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط . وقـضى إدوارد بـاوديـن خـمـسـة أيّـام وسـط الأمـواج عـلى قـارب نـجـاة إلى أن أنـقـذتـه بـاخـرة فـرنـسـيـة.

ولـكـنّ الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة في ذلـك الـوقـت كـانـت قـد تـحـالـفـت مـع ألـمـانـيـا الـنّـازيـة ضـدّ الـحـلـفـاء ومـن ضـمـنـهـم إنـكـلـتـرة، فـأخـذ كـأسـيـر حـرب إلى مـعـسـكـر في الـدّار الـبـيـضـاء في الـمـغـرب. وظـلّ فـيـه إلى أن حـررتـه الـقـوّات الأمـريـكـيـة بـعـد وصـولـهـا إلى شـمـال أفـريـقـيـا. ومـن الـدّار الـبـيـضـاء نـقـلـتـه بـاخـرة إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، ومـنـهـا أعـيـد بـعـد ذلـك إلى إنـكـلـتـرة.

إدوارد بـاوديـن مـن جـديـد في الـعـراق :

وفي أيـلـول 1943، أرسـل إدوارد بـاوديـن إلى الـعـراق مـن جـديـد كـرسـام ربـط    بـ “وزارة الإعـلام Ministry of Information” الـبـريـطـانـيـة. وكـانـت هـذه الـوزارة الـمـؤقّـتـة قـد أنـشـئـت خـلال الـحـرب كـمـؤسـسـة دعـايـة سـيـاسـيـة ومـخـابـرات. وقـد قـضى عـدّة أشـهـر في بـغـداد.

ولأنّـه كـان مـلـحـقـاً بـالـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة كـمـوظـف في وزارة الإعـلام فـقـد حـصـل عـلى امـتـيـاز لـم يـكـن يـحـصـل عـلـيـه إلّا مـسـؤولي الإدارة : أي أن يـسـكـن في دار بـغـداديـة تـطـلّ عـلى دجـلـة بـدلاً مـن أن يـقـيـم في الـمـعـسـكـرات.

وقـد تـقـاسـم الـدّار الـبـغـداديـة مـع بـريـطـانـيـيـن آخـريـن كـانـا يـعـمـلان هـمـا الآخـريـن في وزارة الإعـلام، وأرسـلا مـن الـقـاهـرة إلى بـغـداد : الـرّسّـام كـيـنـيـث وود Kenneth Wood، والـمـصـور الـفـوتـوغـرافي ديـكي غـريـرسـون Dicky Grierson.

ونـحـن نـعـرف عـلاقـات الـصّـداقـة الّـتي ربـطـت بـيـن كـيـنـيـث وود وبـيـن جـواد سـلـيـم وأصـحـابـه مـن الـفـنّـانـيـن الـعـراقـيـيـن الـشّـبـاب. وسـأفـرد لـكـيـنـيـث وود قـريـبـاً مـقـالاً أعـرض عـلـيـكـم فـيـه مـا رسـمـه عـن الـعـراق. ولا شـكّ في أنّ إدوارد بـاوديـن الـتـقى هـو الآخـر بـالـفـنّـانـيـن الـعـراقـيـيـن الـشّـبـاب وتـبـادل مـعـهـم الـتّـجـارب الـفـنّـيـة.

وقـد نـفّـذ إدوارد بـاوديـن في بـغـداد ذلـك الـعـام عـدّة رسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة عـلى ورق، مـنـهـا واحـد عـن “الـسّدّة” عـلى ضـفـة دجـلـة وغـابـات الـنّـخـيـل الّـتي كـانـت تـحـاذيـهـا :

و”سـفـيـنـة الـفـرجـة في بـغـداد The Showboat at Baghdad”، وهـو رسـم يـريـنـا الـبـاخـرة الـبـريـطـانـيـة الّـتي أرسـلـت إلى بـغـداد لـتـحـبـب الـبـريـطـانـيـيـن إلى قـلـوب أهـلـهـا بـتـسـلـيـتـهـم. وقـد أتـت بـشـاشـة سـيـنـمـا عـرضـت عـلـيـهـم أفـلامـاً وبـألـعـاب نـاريـة انـعـسـكـت أضـواؤهـا الـمـلـوّنـة عـلى مـيـاه دجـلـة :

ويـبـدو أنّـه كـان مـن بـيـن مـهـمـاتـه كـرسّـام في وزارة الإعـلام الـبـريـطـانـيـة تـسـجـيـل مـعـلـومـات عـن الـجـيـش والـشّـرطـة ورجـال الإطـفـاء في الـعـراق. ويـحـتـفـظ “مـتـحـف الإمـبـراطـوريـة الـحـربي The Imperial War Museum” في لـنـدن مـن هـذه الـمـجـمـوعـة بـعـدّة رسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة عـلى ورق. مـنـهـا شـرطي إطـفـاء بـزيّـه الـرّسـمي، وفي مـقـدمـة الـرّسـم تـفـاصـيـل الـزّي الـرّسـمي :

وشـرطي إطـفـاء بـزيـه الـرّسـمي، وقـربـه عـامـل تـنـظـيـف يـكـنـس الأرضـيـة وخـلـفـه بـنـايـة مـركـز الإطـفـاء :

وثـلاثـة شـرطـة إطـفـاء عـراقـيـيـن أمـام مـحـطـة إطـفـاء وسـيـارات إطـفـاء في خـلـفـيـة الـرّسـم :

والأزيـاء الـرّسـمـيـة لـعـدّة رجـال شـرطـة، ونـرى خـلـفـهـم نـهـر دجـلـة :

ونـوع آخـر مـن زي الـشـرطـة، ونـرى عـلى الـيـمـيـن الـزّي الأبـيـض لـشـرطي مـن الـجـوقـة الـمـوسـيـقـيـة :

وضـبـاط شـرطـة بـأزيـائـهـم الـرّسـمـيـة :

وقـد أرسـل إدوارد بـاوديـن في خـريـف ذلـك الـعـام إلى شـمـال الـعـراق الّـذي قـضى فـيـه خـمـسـة أسـابـيـع. وقـد نـفّـذ هـنـاك عـدّة رسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة عـلى ورق، مـنـهـا، كـردي مـن راونـدوز، الـسّـيّـد مـحـمّـد صـدّيـق طـه :

ورسـم لـمـديـنـة سـنـجـار :

وقـد أرسـل بـعـد ذلـك لـيـصـاحـب كـتـيـبـة بـريـطـانـيـة في طـريـقـهـا إلى جـدّة.

إقـامـة إدوارد بـاوديـن الـثّـانـيـة في الأهـوار :

وبـعـد أن انـتـهـت مـهـمـتـه في جـدّة، عـاد إدوارد بـاوديـن مـن جـديـد إلى الأهـوار عـام 1944، وقـد نـفّـذ أغـلـب الـرّسـوم الـتّي يـمـتـلـك بـعـضـهـا “مـتـحـف الإمـبـراطـوريـة الـحـربي  The Imperial War Museum” في لـنـدن خـلال إقـامـتـه الـثّـانـيـة هـذه في الأهـوار.

وأبـدأ بـالـطّـرادة A Turada، وكـتـب أنّـهـا (مـشـحـوف كـبـيـر Large Mash-huf). وقـد رسـمـهـا قـرب مـضـيـف الـشّـيـخ حـمّـودة الـمُـزيـعـل                      Shaikh Hammuda Al-Muzai’il’s Mudhif، ونـلاحـظ عـلى الـرّسـم تـخـطـيـطـات بـالـقـلـم الـرّصـاص والـحـبـر الـصّـيـني :

وصـورة الـشّـيـخ حـمّـودة الـمُـزيـعـل، ونـراه في بـيـتـه جـالـسـاً مـع ابـنـه الـصّـغـيـر عـلى “قـنـفـتـيـن” مـن طـراز “غـازي الأوّل” :

وقـوارب ربـطـت في “شـارع الـجـبـايـش الـرّئـيـسي The Main Street of Chebayish”. وهي طـبـعـاً مـشـاحـيـف :

ومـضـيـف الـشّـيـخ مـظـهـر الـقـصـيـد Shaikh Muzhir al-Gassid، مـن عـشـيـرة الـحـجـام The Hatcham Tribe:

ورسـم آخـر لـمـضـيـف الـشّـيـخ مـظـهـر  :

والـشّـيـخ ريـسـان الـقـصـيـد :

والـشّـيـخ حـجي فـرهـود الـفـنـدي، مـن عـشـيـرة حـجـام. ونـلاحـظ أن مـضـيـف الـشّـيـخ مـبـني بـالـطـابـوق ومـجـصـص، وعـلى جـدرانـه عـدد مـن الأعـلام الـعـراقـيـة، وإن تـحـوّل الـلـون الأخـضـر في الـصّـورة إلى أزرق. كـمـا نـلاحـظ “قـنـفـات” مـن طـراز “غـازي الأوّل” جـلـس الـشّـيـخ عـلى إحـداهـا :

والـشّـيـخ حـجي فـرهـود الـفـنـدي، مـن عـشـيـرة حـجـام يـعـدّ ولـيـمـة :

والـشّـيـخ حـجي خـيّـون الـعُـبـيـد Shaikh Haji Khaiyun al-Ubaid، شـيـخ مـشـايـخ الـعُـبـودة :

واثـنـان مـن رجـال الـشّـيـخ حـجي خـيّـون :

والـسّـيّـد عـبـد الـحـسـيـن، والـسّـيّـد حـمّـود، والـسّـيّـد مـحـمّـد مـن عـشـيـرة الـحـصـونـة  Sayid Abdul Husain, Sayid Hamud and Sayid Mohammed of the Hassuna Tribe ، ونـرى في هـذا الـرّسـم الـسّـيّـد عـبـد الـحـسـيـن، شـيـخ عـشـائـر الـحـصـونـة، وولـديـه الـسّـيـد حـمّـود والـسّـيـد مـحـمّـد :

ولـديـنـا رسـم لـلـشّـيـخ وبـدان الـسّـعـدون ولأخـيـه جـابـر                   Shaikh Wabdan al-Sa’dun and his Brother Jabir :

ورسـم لـلـشـيـخ شـريـف الـهـافي في مـشـحـوفـه :

ورسـم عـجـيـب لـ “ثـلاث نـسـاء مـن الـمـنـتـفـك يـحـمـلـن أسـلـحـتـهـنَّ” ! :

كـمـا زار إدوارد بـاوديـن آثـار أور، ولـكّـني لـم أجـد رسـومـاً عـنـهـا.

ثـمّ أرسـل إلى إيـران لـرسـم الـسّـفـن الـحـربـيـة، ربّـمـا عـن طـريـق خـانـقـيـن، فـلـديـنـا لـوحـة لـيـثـوغـراف عـن “قـطـار خـانـقـيـن” نـفّـذهـا في ذلـك الـعـام 1944 :

مـا بـعـد الـحـرب :

وبـعـد أن عـاد إدوارد بـاوديـن إلى إنـكـلـتـرة في نـهـايـة عـام 1944، أرسـل إلى يـوغـسـلافـيـا، ولـكـنّـه لـم يـسـتـطـع دخـولـهـا. فـذهـب إلى شـمـال شـرق إيـطـالـيـا ثـمّ إلى الـيـونـان والـنـمـسـا قـبـل أن يـعـود إلى إيـطـالـيـا، ومـنـهـا إلى إنـكـلـتـرة الّـتي وصـلـهـا في تـمّـوز 1945.

وقـد عـاد إدوارد بـاوديـن بـعـدهـا لـيـعـيـش في مـنـطـقـة الإسـكـس، واشـتـغـل في رسـم الـجـداريـات والـكـتـب ونـظّـم مـعـارض لأعـمـالـه الـفـنّـيـة مـع جـمـاعـتـه The Great Bardfield Artists، الّـتي كـانـت تـضـمّ فـنـانـيـن أقـامـوا ورسـمـوا في قـريـة بـاردفـيـلـد، في شـمـال غـرب الإسـكـس.

كـتـاب “الـعـرب The Arabs:

إقـتـرح كـارنـغـتـون، الـمـسـؤول عـن الـ Puffin Books، وهي كـتـب مـعـرفـيـة مـبـسـطـة، مـصـوّرة ومـرسـومـة، تـتـوجّـه لـلـنّـاشـئـة، تـصـدرهـا دار نـشـر بـنـغـويـن Penguin في لـنـدن، عـلى إدوارد بـاوديـن، في تـشـريـن الـثّـاني مـن عـام 1945، أن يـنـفّـذ رسـومـاً لـكـتـاب عـن الـعـرب.

وكـتـب نـصّ الـكـتـاب الـمـسـتـشـرق الـبـريـطـاني الـمـعـروف روبـرت بـرتـرام سَـرجـنـت Robert Bertram Serjeant.   وصـدر الـكـتـاب عـام 1947.

ونـجـد في الـكـتـاب رسـومـاً أخـذت عـن مـا كـان قـد رسـمـه في الـعـراق :

ونـلاحـظ أنّـه اسـتـعـمـل فـيـه رسـم الـشّـيـخ شـريـف الـهـافي في مـشـحـوفـه الّـذي كـان قـد نـفّـذه عـام 1944 :

أو الـشّـرطي والأعـرابـيـان :

الّـذي اسـتـعـمـل فـيـه رسـمـاً كـان قـد نـفّـذه في بـغـداد عـام 1943 :

كـمـا نـفّـذ إدوارد بـاوديـن عـام 1958 عـدّة رسـوم لـطـبـعـة جـديـدة مـن روايـة “الـواثـق، حـكـايـة عـربـيـة Vathek, an Arabian Tale”، الّـتي ألّـفـهـا الـبـريـطـاني William Beckford بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة عـن الـخـلـيـفـة الـعـبّـاسي الـواثـق بـالله، ونـشـرهـا عـام 1782 :

ونـجـد مـن بـيـنـهـا “الـخـلـيـفـة الـواثـق يـشـتـري سـيـفـاً مـن بـائـع هـنـدي” :

واسـتـمـرّ إدوارد بـاوديـن يـرسـم ويـنـشـر حـتّى وفـاتـه سـنـة 1989، وكـان في الـسّـادسـة والـثّـمـانـيـن مـن عـمـره.

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

نـقـيّـة، الـمـتـحـكّـمـة بـالـمـلـوك

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كـان أجـدادنـا في أزمـان حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة يـخـشـون تـسـلـط الـنّـسـاء عـلى الـحـكـم. ونـجـد في تـنـبـؤات كـهّـانـهـم مـن بـيـن أشـدّ الـمـصـائـب والـكـوارث والـنـكـبـات الّـتي يـمـكـن أن تـصـيـب الـبـلـد إن لـم يـحـتـرم الـنّـاس إرادات الآلـهـة أن “تـحـتـلّ سـيـدة الـقـصـر مـكـانـة أكـثـر أهـمـيـة مـن مـكـانـة الـمـلـك” أو أن “تـسـتـولي امـرأة عـلى الـعـرش”.

ولا شـكّ في أنّ مـخـاوفـهـم كـانـت تـأتي مـن ظـهـور نـسـاء شـديـدات الـتّـسـلـط فـرضـن إرادتـهـنّ عـلى الـحـكـام والـمـلـوك في كـلّ فـتـرات تـلـك الـحـضـارات، رغـم أنّ الـنّـصـوص الـتّـاريـخـيـة الـرّسـمـيـة ادّعـت سـيـادة الـرجـال الـمـطـلـقـة عـلى الـحـكـم.

وتـسـتـعـمـل الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة كـلـمـة “مـلـكـة” لـزوجـة الـمـلـك إن لـم تـكـن لـه إلّا واحـدة، أو أكـثـرهـنّ أهـمـيـة وأرفـعـهـنّ مـكـانـة، أو الّـتي أنـجـبـت لـه ولي عـهـد، إن كـان لـه عـدّة زوجـات.

أقـدم مـلـكـات مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

ذكـرت “الـقـائـمـة الـمـلـكـيـة” الـسّـومـريـة أنّ الـمـلـكـة كـو بـابـا (تـلـفـظ كـوغ ــ بـاو Kug-Bau)  ارتـقـت عـرش دويـلـة مـديـنـة كـيـش في فـتـرة حـكـم سـلالـة كـيـش الـثّـالـثـة (مـن 2500 إلى 2330 قـبـل الـمـيـلاد)، وأنّـهـا حـكـمـت مـدّة مـائـة سـنـة.

ومـع أنّـه يـنـبـغي عـلـيـنـا الإحـتـيـاط، وأن لا نـتـقـبّـل مـا ذكـرتـه “الـقـائـمـة” كـحـقـائـق مـطـلـقـة، خـاصّـة وأنّ اسـم كـوبـابـا أطـلـق بـعـد ذلـك عـلى إلـهـة مـن آلـهـة بـلاد سـومـر، إلّا أنّ تـسـجـيـل اسـم مـلـكـة بـيـن أسـمـاء الـمـلـوك الـرّجـال يـدلّ عـلى أنّ امـرأة عـلى الأقـل اسـتـولـت عـلى الـحـكـم في فـتـرة مـا مـن فـتـرات الـتّـاريـخ الـسّـومـري.

مـن سـمـورَمـات إلى سـمـيـرامـيـس :

ولا نـجـد في أزمـان الـدّولـة الآشـوريـة مـلـكـات اعـتـلـيـنَ الـعـرش ومـارسـنَ الـحـكـم، ولـكـنـنـا نـجـد مـلـكـتـيـن، أي زوجـتي مـلـكـيـن، كـانـتـا شـديـدتي الـتّـسـلـط وشـاركـتـا في إدارة أمـور الـدّولـة :

نـجـد في الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد الـمـلـكـة سـمـورَمـات، زوجـة شـمـشي أداد الـخـامـس، الّـتي حـوّر الـكـتّـاب الإغـريـق اسـمـهـا إلى سـمـيـرامـيـس وحـاكـوا حـولـهـا كـثـيـراً مـن الأسـاطـيـر. (1)

وقـد وجـد الـمـنـقّـبـون مـسـلّـة نـصـبـت لـتـكـريـمـهـا في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) تـذكـرهـا    كـ “سـيّـدة قـصـر شـمـشي ــ أداد، مـلـك الـدّنـيـا ومـلـك آشـور، ووالـدة أداد ــ نـيـنـاري، مـلـك الـدّنـيـا ومـلـك آشـور، وزوجـة ابـن سـلـمـان أصـر، مـلـك جـهـات الـدّنـيـا الأربـع” :

سمورمات

وهي الـمـسـلّـة الـوحـيـدة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا مـكـرّسـة لـمـلـكـة بـيـن الـمـسـلات الّـتي لا تـعـدّ ولا تـحـصى الـمـكـرّسـة لـلـمـلـوك، مـمـا يـدلّ عـلى سـلـطـتـهـا وأهـمـيـتـهـا الـبـالـغـة في إدارة شـؤون الـدّولـة.

ونـحـن في الـحـقـيـقـة لا نـعـرف عـنـهـا الـكـثـيـر. وكـان الـمـؤرخـون يـعـتـقـدون أنّـهـا حـكـمـت كـوصـيّـة عـلى ابـنـهـا أداد ــ نـيـنـاري قـبـل أن يـصـل إلى سـنّ الـبـلـوغ، ولـكـنّ الـدّراسـات الـحـديـثـة أثـبـتـت خـطـأ الـمـعـلـومـات الّـتي كـانـوا يـعـتـمـدون عـلـيـهـا. ومـع ذلـك فـقـد سـانـدت ابـنـهـا أداد نـيـنـاري الـثّـالـث عـنـدمـا ارتـقى الـعـرش سـنـة 810 قـبـل الـمـيـلاد بـعـد وفـاة أبـيـه، وأدارت لـه أمـور الـدّولـة مـدّة أربـعـة سـنـوات إلى أن أدرك سـنّ الـبـلـوغ واسـتـقـلّ بـالـحـكـم بـنـفـسـه.

نـقـيّـة زكـوةُ :

ولـكـن أهـمّ الـمـلـكـات ولا شـكّ كـانـت نـقـيّـة، زوجـة الـمـلـك سِـن أخـيـه أرِبـا الّـذي تـعـوّدنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـسـنـحـاريـب (حـكـم مـن 704 إلى 681 قـبـل الـمـيـلاد).

وكـانـت نـقـيّـة مـن أصـل أجـنـبي. مـن أصـل آرامي كـمـا يـدلّ عـلـيـه اسـمـهـا الّـذي تـرجـم بـعـد زواجـهـا بـالـمـلـك سـنـحـاريـب إلى الـلـغـة الآشـوريـة فـصـار : زكـوةُ. ومـن هـذا اسـتـدلّ بـعـض مـن كـتـبـوا عـنـهـا بـأنّـهـا لـم تـولـد في بـلاد آشـور، فـأكّـد بـعـضـهـم عـلى أنّـهـا ولـدت في بـابـل، وأنّـه كـان لـهـا أخـت اسـمـهـا أبِ رمي. وتـصـوّر آخـرون أنّـهـا كـانـت مـن أصـل عـبـراني ومـن عـائـلـة يـهـوديـة !

زكـوتـو أم زكـوةُ ؟ :

نـجـد في الـمـنـشـورات الـقـلـيـلـة الّـتي كـتـبـت بـالـعـربـيـة عـن نـقـيّـة أن مـرادف اسـمـهـا بـالآشـوريـة هـو زكـوتـو. وهـذا يـدلّ عـلى جـهـل بـقـواعـد الـلـغـة الآشـوريـة (وهي تـنـتـمي إلى جـانـب الـلـغـة الـبـابـلـيـة إلى مـا نـسـمـيـه بـالـلـغـة الأكّـديـة)، فـلـيـس في آخـر الإسـم واو، بـل ضـمّـة هي عـلامـة الـرّفـع، تـمـامـاً مـثـلـمـا في قـواعـد الـلـغـة الـعـربـيـة.

ونـجـد في الـمـصـاحـف الـقـرآنـيـة الـقـديـمـة كـلـمـتي “الـصّـلاة” و “الـزّكـاة” مـكـتـوبـتـيـن : “الـصّـلـوة” و “الـزّكـوة”، وهـو الـلـفـظ الـقـديـم الّـذي كـان مـسـتـعـمـلاً في الـلـغـات الـسّـامـيـة قـبـل أن تـتـحـوّل الـواو إلى ألِـف.

ويـذكـر لـنـا الـمـفـسّـرون والـفـقـهـاء أنّ الـمـسـلـم يـطـهّـر مـالـه بـدفـعـه لـلـزّكـاة. فـالـزّكـاة (الـزّكـوة) إذن طـهـارة لـلـمـال. وهـو نـفـس الـمـعـنى الّـذي كـان مـسـتـعـمـلاً في الآشـوريـة. فـزكـوةُ الـطّـاهـرة هي الـكـلـمـة الـمـرادفـة تـمـامـاً لـنـقـيّـة الّـتي لـهـا في الآرامـيـة نـفـس مـعـنـاهـا بـالـعـربـيـة.

ولـنـكـمـل كـلامـنـا عـن عـروسـنـا الّـتي سـنـسـمـيـهـا نـقـيّـة / زكـوةُ، فـقـد تـزوجـهـا سـنـحـاريـب عـنـدمـا كـان ولي الـعـهـد، في زمـن حـكـم أبـيـه، الـمـلـك شَـروكـيـن، الّـذي تـعـوّدنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـسـرجـون الـثّـاني :

سرجون الثاني 2

وارتـقى سـنـحـاريـب الـعـرش بـعـد مـقـتـل أبـيـه في مـعـركـة سـنـة 705 قـبـل الـمـيـلاد :

الملك سنحاريب

وتـذكـر لـنـا الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة زوجـة أخـرى لـسـنـحـاريـب : تـشـمـيـتُ ـ شـارت. وربّـمـا تـزوّج سـنـحـاريـب بـنـقـيـة بـعـد وفـاة زوجـتـه الأولى. وكـان لـه أولاد آخـرون أنـجـبـتـهـم لـه زوجـتـه تـشـمـيـتُ ـ شـارت وربّـمـا نـسـاء أخـريـات، وعـيّـن أكـبـرهـم ولي عـهـد لأبـيـه.

وأنـجـبـت نـقـيّـة / زكـوةُ لـسـنـحـاريـب ولـداً أسـمـاه آشـور أخـا إديـنـا، الّـذي تـعـوّدنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـأسـر حـدّون أو عـسـر حـدّون. وقـد تـربّى ولا شـكّ مـع أخـوتـه الأكـبـر مـنـه سـنّـاً.

ولا نـعـرف مـتى دعـيـت نـقـيّـة / زكـوةُ بـ “مـلـكـة”. ربّـمـا بـعـد وفـاة تـشـمـيـت ــ شـارت، فـلـم يـكـن في قـصـر الـمـلـك الآشـوري عـادةً إلّا زوجـة واحـدة تـدعى     بـ “الـمـلـكـة”.

وصـارت نـقـيـة / زكـوةُ “مـلـكـة” و”سـيّـدة الـقـصـر”. وقـد ذكـرت في الـنّـصـوص الآشـوريـة الـمـسـجّـلـة بـالـمـسـمـاريـة عـدّة مـرّات كـ “سـيّـدة قـصـر سـنـحـاريـب […] وزوجـة ابـن سـرجـون […] ووالـدة عـسـر حـدوّن […]”.

وعـنـدمـا كـانـت هي نـفـسـهـا تـتـكـلّـم عـن سـلـطـتـهـا، في الـنّـصـوص الّـتي طـلـبـت تـسـجـيـلـهـا، فـهي تـدعـوهـا “بـعـلُـتيَّ” أي “سـلـطـتي” أو “سـيـادتي”. ودخـلـت الـكـلـمـة، كـمـا نـعـرف، في الـلـغـة الـعـربـيـة، والـبـعـل فـيـهـا هـو الـسّـيّـد. ومـا زالـت بـعـض الـلـهـجـات الـعـربـيـة تـصـف الـزّوج بـالـبـعـل.

وكـان لـلـمـلـكـة عـنـد الآشـوريـيـن نـوع مـن الإسـتـقـلال، فـقـد كـان لـهـا سـكـنـهـا الـخـاصّ وكـانـت تـمـتـلـك بـعـض الأراضي والـدّور، وكـان لـهـا مـوظـفـو إدارتـهـا مـن الـحـكّـام والـمـفـتـشـيـن الّـذيـن يـديـرون قـراهـا. كـمـا كـان لـهـا مـسـؤولـون يـديـرون بـلاطـهـا في قـصـر الـمـلـك وكـتّـابـهـا الّـذيـن يـسـجّـلـون أحـكـامـهـا.

وخـلال مـعـركـة ضـدّ أعـداء الـدّولـة مـن الـعـيـلامـيـيـن عـام 694 قـبـل الـمـيـلاد، أسـر آشـور نـديـن سـومي، ابـن سـنـحـاريـب الـبـكـر وولي عـهـده. ولـم يـسـتـطـع أبـوه، الـمـلـك سـنـحـاريـب تـخـلـيـصـه مـنـهـم، فـمـات في الأسـر.

تـعـيـيـن ابـنـهـا عـسـر حـدوّن ولي عـهـد لأبـيـه :

وتـردد الـمـلـك سـنـحـاريـب طـويـلاً، تـردد أحـدى عـشـرة سـنـة، قـبـل أن يـخـتـار ولي عـهـد آخـر. واسـتـطـاعـت نـقـيّـة / زكـوةُ أن تـفـرض إرادتـهـا عـلى زوجـهـا الـمـلـك، فـعـيّـن عـام 683 قـبـل الـمـيـلاد ابـنـهـا عـسـر حـدّون ولي عـهـد لـه رغـم صـغـر سـنّـه، وقـدّمـه عـلى أخـوتـه الآخـريـن الأحـقّ مـنـه بـولايـة الـعـهـد، وخـاصـة أردَ مـولـيـسـو، أكـبـرهـم سـنّـاً.

وعـنـدمـا شـعـرت بـالـخـطـر الّـذي كـان يـهـدد ابـنـهـا عـسـر حـدّون مـن مـنـافـسـيـه، دافـعـت عـنـه نـقـيّـة / زكـوةُ، وفـعـلـت كـلّ مـا تـسـتـطـيـع لـحـمـايـتـه. ثـمّ نـصـحـتـه أخـيـراً بـأن يـبـتـعـد عـن نـيـنـوى، وأن يـذهـب نـحـو الـغـرب ويـجـمـع مـنـاصـريـه ويـعـود بـهـم لـيـسـانـدوه في ارتـقـاء الـعـرش بـعـد مـوت أبـيـه.

وفي 20 مـن شـهـر تـبـيـتُ سـنـة 681، قـتـل الـمـلـك سـنـحـاريـب في مـديـنـة كـلـحُ، وكـان يـصـلي في مـعـبـد الإلـه نـرقـال. ويـعـتـقـد الـمـؤرخـون أنّ أردَ مـولـيـسـو، ابـن الـمـلـك، هـو الّـذي نـظّـم مـقـتـل أبـيـه. ولـم يـجـد الـمـنـقّـبـون “الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة” لـتـلـك الـسّـنـوات، ويـعـتـقـدون أنّ الـمـتـآمـريـن حـطّـمـوهـا لإزالـة الإثـبـاتـات ضـدّهـم. وبـهـذا ضـاعـت مـعـلـومـاتـنـا عـن تـلـك الـفـتـرة الـزّمـنـيـة.

حـكـم الـمـلـك عـسـر حـدّون :

وسـادت الـفـوضى والإضـطـرابـات في أرجـاء الـدّولـة بـعـد مـقـتـل الـمـلـك سـنـحـاريـب. ولـكـنّ نـقـيّـة / زكـوةُ اسـتـطـاعـت أن تـتـخـطى كـلّ الـعـراقـيـل والـصـعـوبـات، وأن تـضـع ابـنـهـا عـلى الـعـرش، وتـجـبـر كـلّ مـسـؤولي الـدّولـة في كـلّ أرجـائـهـا وكـلّ الـحـكّـام الأجـانـب الـخـاضـعـيـن لـهـا في خـارجـهـا بـالإعـتـراف لـه بـالـحـكـم.

وأصـبـحـت نـقـيّـة / زكـوةُ، الـمـلـكـة ــ الأمّ، أقـوى شـخـصـيـات الـدّولـة الآشـوريـة. وذكـر الـبـعـض أنّـهـا حـكـمـت بـلاد بـابـل أيـضـاً، ولـكـن لـيـس لـديـنـا مـا يـثـبـتـه.

وكـان ابـنـهـا الـمـلـك عـسـر حـدّون يـسـتـشـيـرهـا في تـسـيـيـر أمـور الـدّولـة. ووصـلـتـنـا رسـالـة بـعـثـهـا لـهـا، كـتـب فـيـهـا : “وقـد أصـدرت حـالاً الأوامـر الّـتي طـلـبـت مـنّي أن أصـدرهـا”.

وقـد صـوّرهـا ابـنـهـا الـمـلـك عـسـر حـدّون مـعـه عـلى مـنـحـوتـة بـرونـزيـة، وهـو مـا لـم يـفـعـلـه مـلـك قـبـلـه. ومـا زالـت الـمـنـحـوتـة في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.

مـنـحـوتـة الـلـوفـر الـبـرونـزيـة :

وهي مـنـحـوتـة قـلـيـلـة الـبـروز مـن الـبـرونـز كـانـت جـزءاً مـن نـصـب وضـع بـمـنـاسـبـة إعـادة تـشـيـيـد الـمـلـك الآشـوري عـسـر حـدّون لـمـديـنـة بـابـل.

ونـرى فـيـهـا الـمـلـك عـسـر حـدّون وخـلـفـه أمّـه، الـمـلـكـة نـقـيـة (زكـوةُ). ويـذكـر الـنّـصّ الـمـنـقـوش عـلـيـهـا بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة أنّـهـا نـصـبـت بـمـنـاسـبـة إعـادة تـمـثـال الإلـه إيـا إلى مـعـبـد ابـنـه، الإلـه مـردوخ، في بـابـل.

وكـان الـمـلـك سـنـحـاريـب، والـد الـمـلـك عـسـر حـدّون، قـد خـرّب بـابـل وأشـعـل فـيـهـا الـنّـيـران لـيـزيـلـهـا مـن الـوجـود بـعـد أن ثـارت عـلـيـه مـراراً، وحـطّـم آلـهـتـهـا وأخـذ بـعـضـهـا إلى نـيـنـوى.

 وعـنـدمـا اعـتـلى ابـنـه عـسـر حـدّون الـعـرش بـعـده، شـرع مـنـذ سـنـة حـكـمـه الأولى بـإعـادة تـشـيـيـد الـمـديـنـة. وقـد دفـعـتـه إلى ذلـك أمّـه، الـمـلـكـة نـقـيـة (زكـوةُ)، الّـتي أرادت أن تـنـهـض الـمـديـنـة الّـتي ولـدت فـيـهـا، مـن أنـقـاضـهـا ومـن أكـوام رمـادهـا.

وكـانـت تـغـطي هـذه الـمـنـحـوتـة الـبـرونـزيـة أوراق مـن الـذّهـب مـا زلـنـا نـرى آثـارهـا عـلـيـهـا. ويـمـكـن أن نـفـهـم مـن الـنّـصّ الـمـنـقـوش عـلـيـهـا أنّ الـنّـصـب الّـذي كـانـت هـذه الـمـنـحـوتـة جـزءاً مـنـه وضـع في مـعـبـد مـردوخ، كـبـيـر آلـهـة بـابـل.

ورغـم أنّ جـزءاً مـن الـمـنـحـوتـة قـد فـقـد، فـإنّ الـنّـصّ الّـذي نـقـش عـلـيـهـا يـذكـر الـمـلـك عـسـر حـدّون ووالـدتـه الـمـلـكـة نـقـيّـة / زكـوةُ. وقـد صـوّرا كـلاهـمـا في مـشـهـد عـبـادة. ونـرى الـمـلـك مـلـتـحـيـاً، وعـلى رأسـه “طـربـوش” الـمـلـوك الآشـوريـيـن الّـذي يـحـيـطـه الـتّـاج، أمّـا والـدتـه الـمـلـكـة فـتـاجـهـا يـحـيـط بـشـعـرهـا :

نقية زكوةُ

ويـقـبـض الـمـلـك في يـده الـيـسـرى عـلى عـصـا (ربّـمـا كـانـت سـلاحـاً) مـمـا كـان يـحـمـلـه مـلـوك الآشـوريـيـن رمـزاً عـلى سـلـطـتـهـم. أمّـا أمّـه الـمـلـكـة نـقـيـة (زكـوةُ) فـتـحـمـل مـرآةً.

ويـحـمـل كـلّ مـنـهـمـا بـيـده الـيـمـنى مـا يـبـدو غـصـن زهـرة أو عُـصـيّـة يـضـغـط بـهـا عـلى أنـفـه كـمـا كـانـت تـتـطـلّـبـه طـقـوس الـعـبـادة والـخـضـوع لـلآلـهـة.

وقـلـيـلاً مـا صـوّرت الـنّـسـاء في الـفـنـون الآشـوريـة، ومـن هـنـا تـأتي أهـمـيـة تـصـويـر الـمـلـكـة نـقـيـة (زكـوةُ) مـع ابـنـهـا الـمـلـك عـسـر حـدّون.

تـعـيـيـن حـفـيـدهـا آشـوربـانـيـبـال ولي عـهـد لأبـيـه :

آشوربانيبال

وكـان لـلـمـلـك عـسـر حـدون عـدّة أبـنـاء ذكـور، اخـتـار أكـبـرهـم : شـمـش شـوم أوكـيـن ولي عـهـد لـيـخـلـفـه عـلى عـرش الـدّولـة الآشـوريـة. ولـكـنّ أصـغـرهـم عـمـراً : أشـور بَـن أبـلي، الّـذي تـعـوّدنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـآشـوربـانـيـبـال كـان أقـرب أحـفـاد نـقـيّـة / زكـوةُ إلى قـلـبـهـا.

وكـان آشـوربـانـيـبـال قـد تـلـقى مـنـذ صـغـره تـعـلـيـمـاً ديـنـيـاً وأدبـيـاً وفـقـهـيـاً لـيـصـبـح كـبـيـر كـهـنـة الـدّولـة. وكـان قـد تـعـلّـم، مـنـذ نـعـومـة أظـفـاره، قـراءة الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وكـتـابـتـهـا، وأطّـلـع عـلى أهـمّ الـنّـصـوص الّـتي نـسـخـهـا عـلـمـاء مـا بـيـن الـنّـهـريـن وعـارفـيـهـم وتـنـاقـلـوهـا جـيـلاً بـعـد جـيـل مـنـذ أقـدم الأزمـنـة الـسّـومـريـة.

وقـررت نـقـيّـة / زكـوةُ تـنـحـيـة شـمـش شـوم أوكـيـن مـن ولايـة الـعـهـد وإعـطـائـهـا لـحـفـيـدهـا الـمـحـبـوب آشـور بـانـيـبـال. ولـم يـكـن لإرادة نـقـيّـة / زكـوةُ مـن مـردّ. ولـم يـكـن لابـنـهـا الـمـلـك عـسـر حـدّون إلّا أن يـخـضـع لإرادتـهـا. ونـحّى ابـنـه الـكـبـيـر شـمـش شـوم أوكـيـن وعـيـن ابـنـه الـصّـغـيـر آشـوربـانـيـبـال ولي عـهـده.

“عـهـد” عـسـر حـدّون :

ظـهـرت كـلـمـة عـهـد Adê لـتـدلّ عـلى تـعـابـيـر قـسـم يُـنـطـق بـهـا أمـام الآلـهـة. والـكـلـمـة مـن أصـل آرامي، دخـلـت الـلـغـة الآشـوريـة في الـقـرن الـتّـاسـع قـبـل الـمـيـلاد. وقـد وصـلـتـنـا حـوالي عـشـرة نـصـوص مـنـهـا يـعـود أقـدمـهـا إلى زمـن حـكـم الـمـلـك شـمـشي أداد الـخـامـس (823 ــ 811 قـبـل الـمـيـلاد)، وأحـدثـهـا إلى زمـن حـكـم سِـن شـار إشـكـون (626 ــ 612 قـبـل الـمـيـلاد).

وقـد دعـا الـمـلـك عـسـر حـدّون عـام 672 قـبـل الـمـيـلاد (أي ثـلاث سـنـوات قـبـل وفـاتـه) إلى مـديـنـة كـلـحُ كـلّ مـسـؤولي الـدّولـة في كـلّ أرجـائـهـا وكـلّ الـحـكّـام الأجـانـب الـخـاضـعـيـن لـه في خـارجـهـا لـيـقـسـمـوا لـه بـعـهـد الـبـيـعـة لابـنـه آشـوربـانـيـبـال كـمـلـك عـلـيـهـم بـعـد وفـاتـه. وقـد عُــثـر عـلى ثـمـانـيـة ألـواح مـكـسّـرة سـجّـلـت نـصّ هـذا الـعـهـد.

وعـنـدمـا أصـابـت الـمـلـك عـسـر حـدّون سـنـة 669 قـبـل الـمـيـلاد صـرعـة قـتـلـتـه وهـو يـقـود حـمـلـة لـفـتـح مـصـر، كـان ابـنـه آشـوربـانـيـبـال صـغـيـراً. ولا شـكّ في أنّ نـقـيّـة / زكـوةُ تـولـت الـوصـايـة عـلى حـفـيـدهـا إلى أن أدرك سـنّ الـبـلـوغ لـيـتـولى الـحـكـم بـنـفـسـه.

وكـانـت الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة مـتـوتـرة وشـديـدة الإضـطـراب، لأنّ ابـن عـسـر حـدّون الـبـكـر، شـمـش شـوم أوكـيـن، الّـذي كـانـت ولايـة الـعـهـد قـد سـحـبـت مـنـه لـتـعـطي لأخـيـه الـصّـغـيـر آشـوربـانـيـبـال، ثـار مـع مـنـاصـريـه في بـلاد بـابـل الّـتي كـان قـد عـيّـن مـلـكـاً عـلـيـهـا.

“عـهـد” نـقـيّـة / زكـوةُ :

وقـد واجـهـت نـقـيّـة / زكـوةُ هـذا الـتّـمـرد بـإجـبـار كـلّ الّـذيـن سـلـبـهـم آشـوربـانـيـبـال حـقّـهـم في ارتـقـاء الـعـرش وكـلّ أفـراد الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة وكـلّ مـسـؤولي الـدّولـة في كـلّ أرجـائـهـا بـالـبـيـعـة الـثّـانـيـة لـحـفـيـدهـا آشـور بـانـيـبـال كـمـلـك عـلـيـهـم. ويـبـدأ نـصّ “الـعـهـد” كـالـتّـالي :

“عـهـد طـاعـة فـرضـتـه زكـوةُ الـمـلـكـة، زوجـة الـمـلـك سـنـحـاريـب، ووالـدة عـسـر حـدّون، مـلـك بـلاد آشـور، عـلى شـمـش شـوم أوكـيـن، شـقـيـق آشـوربـانـيـبـال، وعـلى إخـوتـه الأصـغـر مـنـه سـنّـاً، وعـلى أمـراء الـمـمـلـكـة والـحـكّـام والـقـادة ومـسـؤولي الإدارة في الـدّولـة، وعـلى كـلّ سـكّـان بـلاد آشـور رجـالاً ونـسـاءً […] عـلـيـكـم أن تـقـسـمـوا مـنـذ هـذا الـيـوم، إن سـمـعـتـم بـمـن يـدعـو إلى ثـورة أو تـمـرد ضـدّ سـيّـدكـم آشـوربـانـيـبـال، مـلـك بـلاد آشـور، بـأن تـأتـوا لـتـعـلـمـوا جـدّتـه، زكـوةُ، أو لـتـعـلـمـوه هـو آشـوربـانـيـبـال، مـلـك بـلاد آشـور. ويـنـبـغي أن تـفـعـلـوا نـفـس الـشّئ إن سـمـعـتـم بـمـشـروع لـقـتـلـه …”.

ويـعـرف قـرائي كـيـف أخـمـد آشـوربـانـيـبـال نـيـران الـثّـورة الّـتي أشـعـلـهـا أخـوه شـمـش شـوم أوكـيـن في بـابـل، وكـيـف حـكـم سـنـوات طـويـلـة يـذكـرهـا الـمـؤرخـون كـواحـدة مـن أهـم فـتـرات الـدّولـة الآشـوريـة الـحـديـثـة … ولـكـنّ الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة لـم تـتـكـلّـم لـنـا عـن الـسّـنـوات الأخـيـرة الّـتي عـاشـتـهـا نـقـيّـة / زكـوةُ تـحـت حـكـم حـفـيـدهـا الـمـحـبـوب. ولا شـكّ في أنّـه أولاهـا الـعـنـايـة الّـتي كـان جـدّه وأبـوه قـد أولـيـاهـا إيـاهـا.

 

 

مـلـحـق

 

نـسـاء الـقـصـر :

عـثـر الـمـنـقّـبـون عـلى نـصّ بـالـمـسـمـاريـة في سـجـلّات الـمـلـك الآشـوري تـقـلـت فـلـزر (1113ـ 1076 قـبـل الـمـيـلاد) يـتـكـلّـم عـن نـسـاء قـصـره. ولا شـكّ أنّ مـا ذكـر فـيـه يـقـتـرب مـن حـال نـسـاء الـقـصـر في زمـن نـقـيّـة / زكـوةُ.

ونـعـرف مـن هـذا الـنّـصّ أنّ الـنّـسـاء في قـصـر الـمـلـك كـنّ عـلى ثـلاث مـراتـب :

عـلى رأسـهـنَّ الـمـلـكـة ــ الأمّ، ثـمّ زوجـات الـمـلـك “أشـات شـاري”، وأهـمـهـنَّ الّـتي أنـجـبـت لـه ولي عـهـد ذكـراً، ثـمّ نـسـاء الـقـصـر : “سـني شـاتي شـا إكـالـيـم”، 

وتـحـت هـذه الـمـراتـب الـثّـلاث نـسـاء الـخـدمـات والـخـادمـات.

وكـان لـلـمـلـك أن يـتـزوّج أيـضـاً بـبـنـات مـلـوك أو حـكّـام أجـانـب لـتـوثـيـق مـعـاهـدات عـقـدت بـيـنـهـم، أو بـبـنـات مـلـوك أو حـكّـام هـزمـتـهـم جـيـوشـه وأخـذن أسـيـرات. وهـؤلاء الـنّـسـاء يـدخـلـن في طـبـقـة “نـسـاء الـقـصـر”. كـمـا تـدخـل في هـذه الـطّـبـقـة زوجـات ثـانـويـات مـن أصـل آشـوري ولـكـن مـن غـيـر أن يـكـنَّ بـنـات مـلـوك أو حـكّـام.

وكـانـت الـنّـسـاء يـقـمـن في جـانـب مـن الـقـصـر لـه قـوانـيـنـه الّـتي تـنـظّـم حـيـاتـهـنَّ وتـصـرفـاتـهـنَّ، لـتـحـاشي الـمـشـاجـرات والـمـصـادمـات والـمـعـارك بـيـنـهـنَّ. ويـعـاقـب الـسّـبـاب والـشّـتـم عـقـابـاً شـديـداً.

وقـد درس عـالـم الآشـوريـات الألـمـاني إرنـسـت ف. فـايـدنـر Ernest Friedrich Weidner هـذا الـنّـصّ. وهـو يـذكـر :

“كـان في قـسـم الـنّـسـاء مـن الـقـصـر مـنـاوشـات بـيـنـهـنَّ طـيـلـة الـنّـهـار كـمـا هي الـحـال دائـمـاً في الأمـاكـن الّـتي تُـجـمـع فـيـهـا نـسـاء غـيّـارات لا شـغـل لـهـنَّ ولا عـمـل. ويـصـل قـبـح تـصـرفـاتـهـنّ في الـعـراك إلى الـضّـرب والـرّكـل والـتّـلاكـم، وإنّ كـانـت زوجـات الـمـلـك يـتـابـعـنّ هـذا مـن مـنـصـاتـهـنّ الـعـالـيـة ولا يـشـاركـن فـيـه”.

كـمـا كـان الـمـلـل والـضّـجـر في أيّـامـهـنَّ الـتّـامّـة الـخـواء يـدفـعـهـنّ لـلإشـتـغـال بـالـسّـحـر والـتّـنـجـيـم والـتّـنـبـؤات.

ولا يـمـكـن لـلـخـصـيـان أو غـيـرهـم مـن الـرّجـال الـمـسـمـوح لـهـم بـدخـول قـسـم الـنّـسـاء أن يـكـلّـمـونـهـنَّ إلّا بـعـد أن يـرتـديـن مـلابـس مـحـتـشـمـة، وبـحـضـور مـسـؤول الـقـصـر ومـراقـبـتـه، وعـلى أن تـفـصـل بـيـنـهـم وبـيـنـهـنَّ مـسـافـة سـبـع خـطـوات. ويـعـاقـب مـن يـخـون الـمـلـك مـع إحـدى نـسـاء قـصـره، وإن لـم تـكـن مـن بـيـن زوجـاتـه، بـالـمـوت حـرقـاً.

وكـان لـكـلّ سـيّـدة مـن سـيّـدات الـقـصـر خـادمـتـهـا الّـتي يـمـكـنـهـا أن تـعـاقـبـهـا “ولـكـن مـن غـيـر عـنـف”، كـمـا كـتـب في الـنّـصّ.

ولـم يـكـن لـنـسـاء الـقـصـر الـحـقّ في إعـطـاء الـذّهـب أو الـفـضّـة أو الـجـواهـر لـلـعـبـيـد والإمـاء، وإن فـعـلـن هـذا يـعـنـفـنَّ ويـعـاقـب الـعـبـد أو الـعـبـدة بـقـطـع أنـفـه أو أنـفـهـا وأذنـيـه أو أذنـيـهـا.

ويـذكـر أحـد بـنـود الـنّـصّ أنّـه لا يـنـبـغي لـمـن جـاءهـا الـحـيـض أن تـقـتـرب مـن الـمـلـك. ونـحـن نـعـرف مـن نـصـوص أخـرى أنّ الـمـلـكـة، في فـتـرة الـحـيـض، كـانـت تـذهـب إلى مـسـكـن آخـر بـعـيـد عـن الـقـصـر مـدّة سـتّـة أيّـام إلى أن تـعـود إلـيـهـا طـهـارتـهـا.

ويـمـكـن لـلـنـسـاء أن يـخـرجـن مـن الـقـصـر، أو أن يـسـافـرن تـحـت حـراسـة شـديـدة، وخـاصّـة لـلـذّهـاب إلى الـمـعـابـد. وإذا مـا كـانـت بـعـض خـادمـات قـسـم الـنّـسـاء مـتـزوّجـات بـرجـال يـسـكـنـون خـارج الـقـصـر فـلا يـسـمـح لـهـنَّ بـالـخـروج إلّا بـإذن خـاصّ مـن الـمـلـك.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) صـدر حـديـثـاً كـتـاب بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة خـصـص لـنـقـيّـة / زكـوةُ :

 Sarah Chamberlin Melville, The Role of Naqia / Zakutu in Sargonid Politics, Neo-Assyrian Text Corpus Project, 1999  Edité par Pennsylvania State Univ. 125 pages

(1) أنـظـر مـقـالي :  لـوحـة « سـمـيـرامـيـس تـشـيّـد مـديـنـة بـابـل » لإدغـار دُغـا ، ومـقـالي :  بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت ، ومـقـالي : جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

خـيـول ريـج “الـبـغـداديـة”

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـعـرف أغـلـب الـمـهـتـمّـيـن بـتـاريـخ الـعـراق الـحـديـث (وحـتّى الـقـديـم) كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش Claudius James RICH، الّـذي يـكـتـب الـبـغـداديـون اسـمـه : ريـج. وقـد وجـدت صـورة لـخـتـمـه الـرّسـمي الّـذي حـفـره لـه نـقّـاش بـغـدادي، والّـذي اسـتـعـمـلـه خـلال سـنـوات إقـامـتـه في بـغـداد، ونـجـد اسـمـه مـكـتـوبـاً “كـلاديـس جـيـمـس رج” :



ولا أدري هـل اخـتـار نـصّ الـخـتـم الّـذي يـصـاحـب اسـمـه هـو بـنـفـسـه أم اخـتـاره لـه الـنّـقّـاش، فـيـمـكـنـنـا أن نـقـرأ حـول اسـمـه : “بـلـغ الـعـلى بـكـمـالـه، كـشـف الـدجى بـجـمـالـه، حـسـنـت جـمـيـع خـصـالـه، صـلـوا عـلـيـه وآلـه” !

ويـعـرف الـكـثـيـر مـنّـا كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش كـمـنـدوب لـشـركـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة مـقـيـمـاً في بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وقـد سـمـع أكـثـرنـا بـمـجـمـوعـات مـقـتـنـيـاتـه الـذّائـعـة الـصّـيـت مـن الـمـخـطـوطـات والـمـسـكـوكـات والـقـطـع الأثـريـة، وبـاهـتـمـامـه بـآثـار بـابـل ونـيـنـوى الّـتي نـشـر عـنـهـا عـدّة دراسـات …

ولـكـن كـم مـنّـا مـن يـعـرف مـهـارتـه في الـرّسـم ؟ فـهـو الّـذي خـطـط مـثـلاً مـا وضـعـه في دراسـاتـه مـن رسـوم تـوضـيـحـيـة.

رسـوم خـيـول ريـتـش (ريـج) :

وقـد وجـدت بـيـن مـا وجـدت أعـمـالاً طـبـاعـيـة حـفـرت اعـتـمـاداً عـلى رسـومـه لـبـعـض خـيـولـه الـعـربـيـة الأصـيـلـة الّـتي كـان يـمـتـلـكـهـا في بـغـداد، والّـتي تـعـوّدت أن أسـمـيـهـا، عـنـدمـا أتـكـلّـم عـنـهـا، لا أدري لـمـاذا، بـخـيـولـه “الـبـغـداديـة”.

وقـد حـفـر هـذه الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة الـحـفّـار الـنّـمـسـاوي سـيـغـمـونـت فـرديـنـانـد فـون بـرغـر Siegmund Ferdinand von Parger، ولـوّنـهـا بـالـيـد، ونـشـرهـا في مـحـفـظـة (بـورتـفـولـيـو) مـن الـورق الـمـقـوّى، في فـيـيـنـا، الـنّـمـسـا عـام 1815 (1).

وتـحـتـوي الـمـحـفـظـة عـلى سـتّـة أعـمـال طـبـاعـيـة مـنـفـصـلـة، تـصـوّر خـمـسـة مـنـهـا خـيـولاً عـربـيـة أصـيـلـة كـان يـمـتـلـكـهـا كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش (ريـج) في اصـطـبـلاتـه في بـغـداد ورسـمـهـا بـنـفـسـه.

وحـفـرت الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة، كـمـا سـبـق أن ذكـرت اعـتـمـاداً عـلى هـذه الـرّسـوم. وقـد كـتـب تـحـت الـرّسـوم مـعـلـومـات عـن كـلّ واحـد مـن هـذه الـخـيـول الـبـالـغـة الـقـيـمـة : إسـمـه وأصـلـه وأمـاكـن تـربـيـتـه وصـفـاتـه ومـيّـزاتـه …

وقـد رسـم ريـتـش (ريـج) جـواده نـجـدي Nejdi وسـائـسـه يـمـسـك بـلـجـامـه في الإصـطـبـل، ونـرى في خـلـفـيـة الـرّسـم جـانـبـاً مـن بـنـايـة دار الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في بـغـداد :


ولـكـنّـه رسـم نـجـلاوي (نـقـلاوي ؟) Neglawi وحـده في الإصـطـبـل :

ورسـم فـرسـه عـبـلـة Abla في الإصـطـبـل وسـائـسـهـا يـأتي لـهـا بـالـمـاء :

ورسـم جـواده ودنـان Wednan مـع سـائـسـه عـلى ضـفـة دجـلـة، ونـرى وراءهـمـا خـلـفـيـة طـاق كـسـرى :


كـمـا نـرى جـانـبـاً آخـر مـن الإصـطـبـلات رسـم في داخـلـه فـرسـه Anaze مـع سـائـسـهـا الـمـتـلـفّـع بـالـحـمـرة :



كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش :





وربّـمـا ودّ بـعـض الـذّيـن لا يـعـرفـونـه أن أتـكـلّـم لـهـم عـن هـذا الـرّجـل الـشّـديـد الـذّكـاء، الـواسـع الـثّـقـافـة، الـمـتـعـدد الإهـتـمـامـات، والّـذي دفـعـه فـضـولـه الـفـكـري إلى تـحـمّـل مـشـاق الـسّـفـر في أرجـاء الـشّـرق رغـم تـدهـور حـالـتـه الـصّـحـيـة. وحـيـاتـه تـسـتـحـق أن أقـصّـهـا عـلـيـكـم هـنـا :

ولـد كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش Claudius James RICH في مـديـنـة ديـجـون، في وسـط فـرنـسـا، سـنـة 1787. وكـان أبـوه كـولـونـيـلاً إسـكـوتـلـنـديـاً مـن الـنّـبـلاء (fifth baronet)، اسـمـه كـوك بـورن، أنـجـبـه مـع امـرأة لا نـعـرف اسـمـهـا، ربّـمـا كـانـت فـرنـسـيـة. ولـكـنّـه قـضى طـفـولـتـه وصـبـاه عـنـد عـمّـة لـه في إنـكـلـتـرة وفي إيـرلـنـدة. ولـم يـذكـر لـنـا مَـن كـتـب سـيـرتـه كـم مـن الـزّمـن بـقي مـع أمّـه، ولـكـنّ يـبـدو أنّـه عـاش أغـلـب أوائـل سـنـوات حـيـاتـه بـعـيـداً عـن والـديـه.

وكـان ريـتـش قـد تـكـلّـم مـنـذ طـفـولـتـه الـلـغـة الـفـرنـسـيـة ثـمّ الـلـغـة الإيـطـالـيـة إلى جـانـب الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة. ويـبـدو أنّـه الـتـقى بـمـسـتـشـرق دفـعـه لـتـعـلّـم الـلـغـات الـشّـرقـيـة. وأنّـه تـوصّـل إلى إتـقـان الـعـربـيـة والـتّـركـيـة والـفـارسـيـة، وإلى مـعـرفـة الـسّـريـانـيـة والـصّـيـنـيـة والـعـبـريـة إلى جـانـب الـلـغـتـيـن الـلاتـيـنـيـة والإغـريـقـيـة !

وفي عـام 1803، سـافـر إلى الـهـنـد لـيـبـدأ تـدريـبـه في الـخـدمـة الـعـسـكـريـة لـشـركـة الـهـنـد الـشّـرقـيـة The East India Company،(2) وكـان في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره. وسـرعـان مـا عـيّـن، بـفـضـل وسـاطـة مـن مـسـؤول كـبـيـر، مـوظّـفـاً في خـدمـاتـهـا الـمـدنـيـة في مـديـنـة بـومـبي في الـهـنـد (والّـتي أصـبـح اسـمـهـا الآن مـومـبـاي). وغـادرهـا في بـدايـة 1804 إلى مـصـر، فـقـد بـعـثـتـه الـشّـركـة لـيـحـسّـن فـيـهـا مـعـرفـتـه بـالـلـغـتـيـن الـعـربـيـة والـتّـركـيـة.

ثـمّ حـصـل كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش مـن الـشّـركـة عـلى سـمـاح لـه بـتـمـديـد دراسـتـه لـلّـغـات فـتـنـقّـل بـيـن إسـطـنـبـول وسـمـيـرنـا، وسـافـر في سـوريـا وفـلـسـطـيـن. ويـبـدو أنّـه ادّعى في بـعـض الأحـيـان بـأنّـه كـان مـن مـمـالـيـك مـصـر، وارتـدى زيّـهـم، لـيـدخـل في أمـاكـن لـم يـكـن يـسـمـح لـلأجـانـب بـدخـولـهـا.

ثـمّ عـاد إلى بـومـبي عـام 1807. ومـرّ في طـريـقـه بـبـغـداد والـبـصـرة ثـمّ بـالـخـلـيـج. ووصـلـهـا في أوّل أيـلـول. وكـان ريـتـش قـد اكـتـسـب مـن تـجـاربـه في الـشّـرق الأدنى مـعـارف لـم تـكـن لـزمـلائـه مـن مـوظـفي الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة.

وقـد أقـام عـنـد أحـد مـسـؤولي الـشّـركـة، الـسّــيـر جـيـمـس مـاكـنـتـوش. وتـعـرّف في داره عـلى ابـنـتـه مـاري الّـتي تـزوّجـهـا في بـدايـة عـام 1808.       ولا نـعـرف إن كـان ذلـك زواج حـبّ أم زواج مـصـلـحـة.

وبـعـد زواجـه هـذا بـقـلـيـل، عـيّـن مـنـدوبـاً لـشـركـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة مـقـيـمـاً في بـغـداد، وكـان في الـعـشـريـن أو الـحـاديـة والـعـشـريـن مـن عـمـره. وظـلّ ثـلاث عـشـرة سـنـة في مـنـصـبـه، إلى عـام 1821، وشـهـد ولايـات سـلـيـمـان بـاشـا وسـعـيـد بـاشـا وداود بـاشـا.

ويـبـدو أنّ مـنـصـبـه لـم يـشـغـل عـلـيـه كـلّ وقـتـه، فـقـضى أوقـات فـراغـه في تـكـويـن مـجـمـوعـات مـقـتـنـيـات ضـمّـت مـخـطـوطـات بـلـغـات شـرقـيـة وقـطـع أثـريـة عـربـيـة وفـارسـيـة وتـركـيـة وسـريـانـيـة وأرمـنـيـة ويـونـانـيـة وقـطـع نـقـود ومـنـتـوجـات حِـرفـيـة وفـنّـيـة قـديـمـة. وقـد اسـتـمـرّ بـعـد ذلـك في تـنـمـيـة مـجـمـوعـات مـقـتـنـيـاتـه إلى آخـر حـيـاتـه.

ريـتـش في بـابـل :

وقـد شـرع كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش بـأوّلى زيـاراتـه لـبـابـل في كـانـون الأوّل مـن عـام 1811. وأقـام في الـمـوقـع عـشـرة أيّـام. وقـام بـقـيـاسـات دقـيـقـة لأنّـه كـان يـريـد أن يـرسـم مـخـطـطـاً لـلـمـديـنـة لـيـضـع عـلـيـه أمـاكـن مـعـالـمـهـا الـمـشـهـورة مـثـل “بـرج بـابـل” الّـذي ذكـرتـه الـتّـوراة بـاسـم “مـجـدل بـابـل” والأسـوار و”الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة” الّـتي تـكـلّـم عـنـهـا الـكـتّـاب الـيـونـان والـرّومـان. وقـد وجـد صـعـوبـات كـبـيـرة في الـتّـوصـل إلى ذلـك.

وأجّـر عـمّـالاً قـامـوا لـه بـحـفـريـات مـحـدودة حـسـب الـطّـرق الـبـدائـيـة في زمـنـه، في الـمـوضـع الـمـسـمى بـ “الـمـجـلّـب”،



وأُخـرج لـه تـمـثـال “أسـد بـابـل” (3). وجـمـع بـعـض الـقـطـع الأثـريـة مـن الـمـنـطـقـة.

كـمـا زار خـرائـب بـيـرس نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة بـورسـيـبـا الـقـديـمـة) وسـجّـل مـقـايـيـسهـا بـدقّـة كـمـا فـعـلـه في بـابـل.



وربّـمـا كـانـت الـخـارطـة الّـتي رسـمـهـا ريـتـش لـمـوقـع بـابـل أهـمّ مـا حـقـقـه في هـذه الـفـتـرة، فـقـد كـانـت أوّل خـارطـة دقـيـقـة رسـمـت في الـمـوقـع نـفـسـه وكـثـيـراً مـا اسـتـعـمـلهـا مـن جـاءوا بـعـده.


 وقـد أدرك ريـتـش أنّ دراسـة آثـار بـابـل تـتـطـلّـب وقـتـاً وجـهـوداً طـويـلـة فـاكـتـفى بـوصـفـهـا ورسـمـهـا ولـم يـفـرض نـظـريـات عـنـهـا ونـتـائـج قـاطعـة. وقـد عـثـر في الـمـوقـع عـلى مـسـلّـة نـبـونـيـد، آخـر الـمـلـوك الـبـابـلـيـيـن، والّـتي تـتـكـلّـم عـن تـنـظـيـف الـقـنـاة الـشّـرقـيـة الّـتي كـانـت تـربـط بـيـن قـنـاة سـيـبـار وحـوض مـيـاه بـابـل.

كـمـا جـمـع بـعـض الأخـتـام الأسـطـوانـيـة والألـواح الـطّـيـنـيـة الّـتي عـلـيـهـا نـصـوص مـسـمـاريـة، وبـعـثّـهـا إلى الـمـتحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن.



وقـد كـتـب ريـتـش نـتـائـج أبـحـاثـه في بـغـداد عـام 1812، ونـشـر أولى مـقـالاتـه عـام 1812 في جـريـدة اسـمـهـا (Les Mines de l’Orient) كـانـت تـصـدر في فـيـيـنـا، عـاصـمـة الـنّـمـسـا. ثـمّ نـشـر عـام 1813 وفي نـفـس الـمـديـنـة كـتـاب : “Memoir on the Ruines of Babylon”. وأعـاد طـبـعـه في لـنـدن في 1816.

ودفـعـت قـراءة كـتـاب ريـتـش عـن بـابـل كـثـيـراً مـن الأوربـيـيـن لـزيـارة الـمـوقـع، وقـد تـرك لـنـا بـعـضهـم نـصـوصـاً ورسـومـاً عـنـه.

وقـد اسـتـلـم ريـتـش في بـغـداد عـام 1813 صـنـدوقـاً ضـخـمـاً أرسـل لـه مـن بـاريـس يـحـتـوي عـلى حـوالي 300 كـتـاب عـن الأبـحـاث الـتّـاريـخـيـة والـلـغـويـة الّـتي كـانـت تـجـري فـيـهـا.

وحـصـل عـلى إجـازة مـرضـيـة، لـضـعـف حـالـتـه الـصّـحـيـة، في تـشـريـن الأوّل عـام 1813. ولـتـحـاشي قـيـظ بـغـداد، سـافـر مـع زوجـتـه إلى إسـطـنـبـول، ومـنـهـا إلى أوربـا، وأقـامـا شـهـريـن في صـيـف عـام 1814 في فـيـيـنـا، الـنّـمـسـا.

ولا شـكّ في أنّ ريـتـش الـتـقى فـيـهـا ذلـك الـصّـيـف بـالـحـفـار “الـغـرافـيـكي” سـيـغـمـونـت فـرديـنـانـد فـون بـرغـر Siegmund Ferdinand von Parger، واتّـفـقـا عـلى إخـراج مـحـفـظـة طـبـاعـيـة تـضـمّ خـمـسـة أعـمـال اعـتـمـاداً عـلى رسـوم ريـتـش لـخـيـولـه “الـبـغـداديـة”. وهي الّـتي رأيـنـاهـا في بـدايـة الـمـقـال.

وفي فـيـيـنـا الـتـقى ريـتـش أيـضـاً بـالألـمـاني كـارل بـيـلّـيـنـو Carl Bellino، الّـذي كـان يـدرس في أكـاديـمـيـة الـلـغـات الـشّـرقـيـة، واقـتـرح عـلـيـه أن يـعـمـل سـكـرتـيـراً لـه في بـغـداد.

كـمـا أقـام ريـتـش وزوجـتـه حـوالي سـتّـة أشـهـر في بـاريـس. وقـد اسـتـطـاع الإلـتـقـاء بـمـؤرخـيـن ولـغـويـيـن يـهـتـمّـون بـالـشّـرق كـان مـن بـيـنـهـم الـمـسـتـشـرق الـشّـهـيـر سـلـفـسـتـر دو سـاسي Sylvestre de Sacy الّـذي تـراسـل مـعـه حـتّى نـهـايـة حـيـاتـه.(4)

وكـان ريـتـش يـمـتـاز عـلى هـؤلاء الـعـلـمـاء الّـذيـن كـانـوا يـعـمـلـون في عـقـر دورهـم، ولـم يـبـتـعـدوا أبـداً عـن أوربـا، بـإقـامـتـه الـطّـويـلـة في الـشّـرق وبـاخـتـلاطـه بـالـشّـرقـيـيـن ومـعـرفـتـه لـهـم.

وعـاد ريـتـش وزوجـتـه إلى بـغـداد في مـنـتـصـف شـهـر نـيـسـان مـن عـام 1815. ووصـل كـارل بـيـلّـيـنـو إلى بـغـداد في نـفـس الـعـام لـيـشـغـل وظـيـفـة سـكـرتـيـره الـشّـخـصي. وقـد سـاعـده بـعـد ذلـك بـالـقـيـام بـأبـحـاثـه، وصـاحـبـه في سـفـرتـه الـثّـانـيـة إلى بـابـل لـيـكـمـل فـيـهـا اسـتـطـلاعـه لآثـارهـا.



وقـد نـشـر ريـتـش عـنـهـا أوّلاً كـتـابـاً صـدر في لـنـدن عـام 1816 : “مـلاحـظـات عـلى خـرائـب بـابـل” :



ثـمّ نـشـر نـتـائـج سـفـرتـه الـثّـانـيـة إلى بـابـل وأبـحـاثـه فـيـهـا في كـتـاب ثّـاني صـدر في لـنـدن عـام 1818، تـحـت عـنـوان : “Second Memoir on Babylone”.



وأثـارت اكـتـشـافـات ريـتـش اهـتـمـام الـغـربـيـيـن خـاصـة وأنّ الـسّـفـر إلى الـشّـرق أصـبـح في تـلـك الـفـتـرة أكـثـر سـهـولـة. وقـد اسـتـضـاف في دار الـمـقـيـمـيـة في بـغـداد عـدداً مـن الـمـسـافـريـن الأوربـيـيـن ومـن أشـهـرهـم جـيـمـس سـيـلـك بـكـنـغـهـام James Silk Buckingham والـسّـيـر روبـرت كـيـر بـورتـر Sir Robert Ker Porter.

ريـتـش في شـمـال الـعـراق :

وحـصـل ريـتـش عـلى إجـازة مـرضـيـة ثـانـيـة عـام 1820، وسـافـر مـع زوجـتـه إلى كـردسـتـان لـلإسـتـجـمـام بـعـد أن عـانى مـن مـشـاكـل صـحـيّـة. وفي طـريـق رجـوعـه مـرّ بـمـديـنـة الـمـوصـل الّـتي بـقي فـيـهـا أربـعـة أشـهـر. وجـذبـت انـتـبـاهـه تـلال عـلى ضـفـة دجـلـة. وأخـبـره مـصـاحـبـوه أنّ قـطـعـة مـن مـنـحـوتـة جـداريـة مـنـقـوش عـلـيـهـا رجـال وحـيـوانـات كـانـت قـد اكـتـشــفـت في نـبي يـونـس، فـزار ريـتـش نـبي يـونـس، ولاحـظ تـحـت الـجـامـع مـمـرّات ضـيّـقـة قـديـمـة.

واسـتـطـلـع تـلّـيـن : تـلّ نـبي يـونـس وتـلّ قـويـنـجـق. وجـمـع قـطـعـاً مـن الـفـخـار وطـابـوقـاً عـلـيـه رمـوز مـسـمـاريـة و”قـطعـاً صـغـيـرة أخـرى”.

واشـتـرى في نـبي يـونـس” نـقـش نـبـوخـذ نـصّـر الـثّـاني” الأسـطـواني الـشّـهـيـر. ولـكـن يـبـدو أنّـه كـان نـسـخـة مـزيـفـة صـنـعـت مـن الـطّـيـن الـمـحـلي عـن الـنّـص الأصـلي الّـذي كـان قـد عـثـر عـلـيـه في بـابـل. وقـد نـقـل سـكـرتـيـره كـارل بـيـلّـيـنـو نـصّ هـذا الـنـقـش الـمـسـمـاري عـلى الـورق وبـعـثـه لـلـعـالـم الألـمـاني غـروتـفـنـد Grotfend الّـذي كـان يـحـاول حـلّ رمـوز الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة.

وقـد جـذب انـتـبـاهـه أيـضـاً تـلّ الـنّـمـرود، الّـذي زاره والـتـقـط مـن عـلى أرضـه عـدداً مـن الـطّـابـوق الـمـنـقـوش بـالـمـسـمـاريـة، مـا زال في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني،



ولـكـنّ الـفـرصـة لـم تـتـح لـه لـتـعـمـيـق اسـتـطـلاعـه لـلـمـوقـع. ونـزل إلى بـغـداد عـن طـريـق نـهـر دجـلـة ومـرّ بـتـكـريـت الّـتي وصـف قـلـعـتـهـا :



وإمـام الـدّور :



وبـعـد أن عـاد ريـتـش إلى بـغـداد مـن كـردسـتـان، طـلـبـت مـنـه شـركـة الـهـنـد الـشّـرقـيـة الـرّجـوع إلى الـهـنـد، فـقـد اقـتـرحـت عـلـيـه حـكـومـة بـومـبي الـبـريـطـانـيـة مـنـصـب عـضـو في مـجـلـسـهـا. ولـكـنّ دار مـقـيـمـتـه في بـغـداد هـوجـمـت وأسـتـطـاع أن يـصـدّ الـهـجـوم ويـدافـع عـنـهـا. وكـانـت مـواجـهـات عـنـيـفـة قـد جـرت بـيـنـه وبـيـن والي بـغـداد، داود بـاشـا.

وأغـلـق كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش الـمـقـيـمـيـة في ربـيـع 1821 ، وغـادر بـغـداد إلى الـبـصـرة. وبـعـد أن أرسـل زوجـتـه إلى الـهـنـد، أراد، قـبـل أن يـلـحـق بـهـا، أن يـمـرّ أولاً بـبـلاد فـارس لـزيـارة مـوقـع تـخـت جـمـشـيـد الأثـري، الّـذي كـانـت فـيـه عـاصـمـة مـلـوك الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن الـقـديـمـة (والّـتي كـان الإغـريـق يـسـمـونـهـا : بـيـرسـيـبـولـيـس).

ووصـل إلى هـذا الـمـوقـع الأثـري في أواخـر شـهـر آب، ونـسـخ بـعـض نـقـوشـه الـمـكـتـوبـة بـالـمـسـمـاريـة.

وقـد أصـيـب كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش بـالـكـولـيـرا، وتـوفي في شـيـراز في بـدايـة تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1821، ودفـن في كـنـيـسـة الأرمـن في أصـفـهـان. ولـم يـكـن قـد تـجـاوز الـخـامـســة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره. (5)

وبـعـد خـمـسـة عـشـر عـامـاً مـن وفـاتـه، نـشـرت زوجـتـه في عـام 1836 نـصّ رحـلـتـه إلى كـردسـتـان. وأضـافـت إلـيـه خـارطـة لـنـيـنـوى، ووصـفـاً لـمـنـحـوتـات كـان قـد جـمـعـهـا مـن الـخـرائـب، كـمـا أضـافـت مـقـاطـع مـن مـذكـراتـهـا هي في رحـلـتـهـا مـن بـغـداد إلى الـسّـلـيـمـانـيـة. وصـدر الـكـتـاب تـحـت عـنـوان     (6)

Narrative of a residence in Koordistan, and the site of ancient Nineveh, with Journal of a voyage down the Tigris to Baghdad, and un account of a visit to Shirauz and Persepolis, by the late Claudius James Rich, edited by his widow, 2 vol. in-8°, pl. and carts, London : J. Duncan 1836

ومـن بـيـن مـن قـرأوا الـكـتـاب كـان جـول مـول J.Mohl الـسّـكـرتـيـر الـعـام لـلـجـمـعـيـة الآسـيـويـة في بـاريـس، والّـذي كـان لـه دوره في تـعـيـيـن بـول إمـيـل بـوتـا Paul-Emile Botta قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في الـمـوصـل ودفـعـه لـلـشّـروع في تـنـقـيـبـات أثـريـة. (7)

كـمـا صـدر في لـنـدن عـام 1839 كـتـاب ضـمّ نـصّي ريـتـش عـن بـابـل وأبـحـاث أخـرى :

Narrative of a Journey to the Site of Babylon in 1811: Now First Published : Memoir on the Ruins … Remarks on the Topography of Ancient Babylon by Major Rennell ; in Reference to the Memoir : Second Memoir on the Ruins ; in Reference to Major Rennell’s Remarks : with Narrative of a Journey to Persepolis. Duncan and Malcolm, 1839 – 324 pages
وبـاعـت زوجـة كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش لـلـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن مـجـمـوعـات مـقـتـنـيـات زوجـهـا بـسـبـعـة آلاف وخـمـسـمـائـة بـاونـد اسـتـرلـيـني. وشـكـلّـت هـذه الـمـجـمـوعـات نـواة قـسـم آثـار مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الـمـتـحـف. 


   كـمـا بـاعـت صـورتـه الّـتي رسـمـهـا الـفـنّـان تـومـاس فـيـلـيـبـس      Thomas Philips (1770ـ 1845) بـالـزّيـت عـلى الـقـمـاش، والّـتي أعـارهـا الـمـتـحـف لـلـمـكـتـبـة الـبـريـطـانـيـة :


ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) Sammlung und Darstellung verschiedener Pferde intressanter Zuchten, Landeskarten und Rassen . Vienna, Müllersche Kunsthandlung, 1815. Oblong folio (31 x 42.5 cm). Engraved print series, including a title-page engraved by Dorneck and 6 numbered engravings of horses engraved by Siegmund Ferdinand von Perger, hand-coloured and loose as issued.

(2) الـمـعـروفـة بـشـركـة الـهـنـد الـشّـرقـيـة الـمـوقّـرة The Honourable East India Company. بـدأت كـشـركـة انـكـلـيـزيـة حـصـلـت عـلى امـتـيـاز مـن الـمـلـكـة إلـيـزابـيـث الأولى عـام 1600، ثـمّ أصـبـحـت شـركـة بـريـطـانـيـة لـلـمـتـاجـرة في الـمـحـيـط الـهـنـدي والـمـنـاطـق الـمـحـيـطـة بـه. وكـان لـلـشـركـة قـوّاتـهـا الـعـسـكـريـة الـخـاصّـة بـهـا.
(3) أنـظـر مـقـالي : أسـد بـابـل
(4) نـشـر الـمـسـتـشـرق سـلـفـسـتـر دو سـاسي Silvestre de Sacy مـقـاطـع مـن رسـائـل ريـتـش في جـريـدة الـعـلـمـاء Journal des Savants: أيّـار 1821 ص. : 311 ــ 315، و نـيـسـان 1822، ص. : 237 ــ 241.
(5) خـصـصـت لـه قـريـبـتـه كـونـســتـانـس ألـكـســنـدر Alexander, Constance M. كـتـابـاً ضـخـمـاً جـمـعـت لـه فـيـه مـذكـراتـه ورحـلاتـه، وتـطـرّقـت فـيـه إلى الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة الّـتي قـام بـهـا، وإلى عـلاقـاتـه الـسّـيـاسـيـة مـع ولاة بـغـداد الـعـثـمـانـيـيـن :
Baghdad In Bygone Days, From The Journals And Correspondence of Claudius Rich, Traveller, Artist, Linguist, Antiquary, And British Resident At Baghdad, 1808-1821.John Murray, London (1928).
وقـد تـرجـم الـكـتـاب وحـقـقـه سـعـيـد أحـمـد الـحـكـيـم تـحـت عـنـوان : “بـغـداد في الأيّـام الـخـوالي”، وصـدر عـن الـمـجـمـع الـثّـقـافي 2001 .
(6) تـرجـم الـكـتـاب بـهـاء الـدّيـن نـوري تـحـت عـنـوان : “رحـلـة ريـج في الـعـراق عـام 1820. الـجـزء الأوّل : قـصّـة الـمـقـيـمـيـة في كـردسـتـان وفي مـوقـع نـيـنـوى الـقـديـم مـع عـرض لـسـيـاحـة مـع مـجـرى دجـلـة إلى بـغـداد وتـقـريـر في زيـارة شـيـراز وبـه رسـه بـولـس، طـبـعـتـهـا أرمـلـتـه عـام 1836″، بـغـداد 1951. وأعـادت الـدّار الـعـربـيـة لـلـمـوســوعات طـبـعـه عـام 2008 تـحـت عـنـوان : “رحـلـة ريـج، الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في الـعـراق عـام 1820 إلى بـغـداد ــ كـردسـتـان ــ إيـران”.
(7) أنـظـر مـقـالي :  رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة


©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري
يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.



رسـوم بـاب الـمـعـظّـم وصـوره

melville IV

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـجـد عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة مـجـمـوعـات مـن صـور فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـت لـبـاب الـمـعـظّـم قـبـل هـدمـه في عـام 1923. وقـد حـاولـت أن أنـظّـمـهـا وأرتّـبـهـا تـرتـيـبـاً زمـنـيـاً لأتـابـع الـتّـغـيـيـرات الّـتي طـرأت عـلـيـه. وتـوصّـلـت، بـعـد تـرتـيـبـهـا، إلى مـا أدهـشـني ومـا لـم أكـن أتـوقّـعـه عـنـدمـا بـدأت مـحـاولـتي.

وسـأبـدأ، قـبـل أن أريـكـم مـخـتـارات مـن هـذه الـصّـور، بـعـرض سـريـع لـمـا نـعـرفـه عـن بـاب الـمـعـظّـم :

نـعـرف أنّ الـخـلـيـفـة الـعـبّـاسي أبـا جـعـفـر الـمـنـصـور، كـمـا سـجّـلـه لـنـا الـمـؤرّخـون، أمـر بـتـشـيـيـد عـاصـمـتـه الـجـديـدة، بـغـداد، في الـضّـفـة الـغـربـيـة مـن نـهـر دجـلـة، أي في جـانـب الـكـرخ الـحـالي. وقـد اخـتـار لـهـا أن تـكـون مـديـنـة مـدوّرة، وأن تـحـاط بـثـلاثـة أسـوار تـفـتـح فـيـهـا أربـعـة أبـواب.

وبـمـرور الأعـوام، إمـتـدت بـغـداد نـحـو ضـفـة الـنّـهـر الـشّـرقـيـة أي جـانـب الـرّصـافـة. وعـنـدمـا كـثـر الـعـمـران في هـذا الـجـانـب وتـوسـع، شـيّـدت حـولـه أسـوار.

وبـعـد أن بـويـع لـلـمـسـتـظـهـر بـالله بـالـخـلافـة، أمـر عـام 1095 م. بـتـشـيـيـد سـور آخـر حـول هـذا الـجـانـب الـشّـرقي لـلـمـديـنـة (نـصـف دائـري تـقـريـبـاً) يـحـيـطـه خـنـدق كـان يـمـلأ مـن مـيـاه الـنّـهـر. وبـعـد وفـاتـه سـنـة 1118 م.، أمـر ابـنـه الـمـسـتـرشـد بـالله بـإكـمـال تـشـيـيـده. وفـتـحـت في هـذا الـسّـور أبـواب : الـبـاب الـشّـمـالي والـبـاب الـوسـطـاني وبـاب الـحـلـبـة (الـطـلـسـم) والـبـاب الـشّـرقي.

وفي عـام 1173، أمـر الـخـلـيـفـة الـمـسـتـضئ بـأمـر الله بـتـرمـيـمـه. كـمـا عـمّـر الـخـلـيـفـة الـعـبّـاسي الـنّـاصـر لـديـن الله (1180ــ 1225 م.) أسـوار بـغـداد وأبـوابـهـا.

وعـنـدمـا مـرّ الأنـدلـسي إبـن جُـبـيـر بـبـغـداد في عـام 1184 م. رأى الأبـواب الأربـعـة ووصـفـهـا في سـرد رحـلـتـه : “ولـلـشّـرقـيـة أربـعـة أبـواب. فـأوّلـهـا، وهـو في أعـلى الـشّـطّ، بـاب الـسّـلـطـان. ثـمّ بـاب الـظّـفـريـة، ثـمّ يـلـيـه بـاب الـحـلـبـة، ثـمّ بـاب الـبـصـلـيـة. وهـذه الأبـواب في الـسّـور الـمـحـيـط بـهـا مـن أعـلى الـشّـط إلى أسـفـلـه. وهـو يـنـعـطـف عـلـيـهـا كـنـصـف دائـرة مـسـتـطـيـلـة. وداخـلـهـا في الأسـواق أبـواب كـثـيـرة”. (1)

ولا نـعـرف مـتى أطـلـق عـلى الـبـاب الـشّـمـالي (وهـو بـالأدقّ الـشّـمـالي الـغـربي) اسـم بـاب الـمـعـظّـم، فـجـامـع الإمـام الأعـظـم كـان قـد شـيّـد عـام 1065، أي قـبـل شـروع الـخـلـيـفـة الـمـسـتـظـهـر بـالله بـبـنـاء سـوره. ولا نـعـرف بـالـضّـبـط لـمـاذا أسـمي أيـضـاً بـبـاب الـسّـلـطـان.

ولا يـمـكـن أن يـكـون سـبـب تـسـمـيـتـه بـبـاب الـسّـلـطـان أنّ الـسّـلـطـان الـسّـلـجـوقي طـغـرل بـك قـد دخـل مـنـه إلى بـغـداد لـيـنـهي سـيـطـرة الأمـراء الـبـويـهـيـيـن عـلى الـسّـلـطـة وحـكـمـهـم بـاسـم الـخـلـيـفـة الـعـبـاسي، ولـيـحـلّ مـحـلّـهـم في الـسّـيـطـرة عـلى الـسّـلـطـة والـحـكـم بـاسـم الـخـلـيـفـة الـعـبـاسي. ويـعـود ذلـك إلى سـبـب بـسـيـط وهـو أنّ الـسّـلـطـان طـغـرل بـك دخـل بـغـداد عـام 1055، أي قـبـل أربـعـيـن سـنـة مـن بـدايـة تـشـيـيـد سـور الـمـسـتـظـهـر. وربّـمـا دخـلـه، إن صـحّ مـا نـقـل عـن ذلـك، مـن بـاب أقـدم في سـور أقـدم مـن سـور الـخـلـيـفـة الـمـسـتـظـهـر بـالله.

ومـهـمـا يـكـن مـن أمـر فـالـبـاب كـان قـائـمـاً في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، ولـديـنـا عـنـه رسـوم، وظـلّ قـائـمـاً في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن والـتـقـطـت لـه صـور كـثـيـرة قـبـل أن تـقـرر أمـانـة عـاصـمـة بـغـداد هـدمـه عـام 1923.(2)

ويـمـكـنـنـا أن نـقـسّـم هـذه الـرسـوم والـصّـور إلى ثـلاث مـجـمـوعـات حـسـب الـفـتـرة الـزّمـنـيـة الّـتي الـتـقـطـت فـيـهـا : مـن نـهـايـة فـتـرة الـحـكـم الـعـثـمـاني إلى الاحـتـلال الـبـريـطـاني لـبـغـداد عـام 1917 ثـمّ إلى مـا بـعـد هـدم الـجـزء الأوسـط مـن أبـنـيـتـه. ولـم أجـد بـعـد صـوراً لـلـهـدم الـنّـهـائي لـلـبـاب عـام 1923.

كـمـا يـمـكـنـنـا أنّ نـقـسّـمـهـا إلى ثـلاثـة أقـسـام حـسـب الـمـكـان الّـذي الـتـقـطـت مـنـه والـمـشـهـد الّـذي تـصـوره : إلـتـقـطـت صـور الـقـسـم الأوّل مـن أمـام الـبـاب وتـظـهـر واجـهـتـه مـن داخـل الـمـديـنـة، وصـور الـثّـاني مـن فـوق الـبـاب وتـظـهـر الـمـديـنـة. والـتـقـطـت صـور الـقـسـم الـثّـالـث مـن خـارج أسـوار الـمـديـنـة وتـظـهـر خـلـفـيـة الـبـاب.

رسـوم الـمـجـمـوعـة الأولى وصـورهـا :

تـظـهـر هـذه الـرّسـوم والـصّـور الـبـاب في أقـدم حـالاتـه الّـتي نـعـرفـهـا. وكـان يـضـمّ بـنـائـيـن عـالـيـيـن يـربـط بـيـنـهـمـا بـنـاء واطئ.

ولـديـنـا أوّلاً ثـلاثـة رسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة عـلى ورق (36×51 سـم.)، نـفّـذهـا الـرّسّـام الاسـكـتـلـنـدي أرثـر مـيـلـفـيـل Arthur Melville الّـذي مـرّ بـبـغـداد، وأقـام بـهـا مـن نـهـايـة شـهـر نـيـسـان إلى نـهـايـة شـهـر أيّـار عـام 1882 م. (3)

ويـريـنـا الـرّسـم الأوّل بـاب الـمـعـظـم مـن جـهـة داخـل الـمـديـنـة، نـفّـذه الـفـنّـان مـن مـقـهى عـلى الـجـانـب الأيـسـر مـن الـطّـريـق الـمـؤديـة إلى الـبـاب، أي مـن جـهـة جـامـع الأزبـكـيـة (أو الأوزبـكـيـة).

melville IV

وقـد رسـم الـفـنّـان بـعـنـايـة تـخـوت الـمـقـهى الّـتي مـدّت عـلـيـهـا حـصـران. ونـرى عـلى يـسـار خـلـفـيـة الـلـوحـة سـلّـمـاً عـريـضـاً يـفـضي إلى رواق مـقـوّس نـرى في وسـطـه بـابـاً يـقـود إلى حـوش نـبـصـر مـن بـعـيـد بـجـداره الـخـلـفي الّـذي فـتـحـت فـيـه شـبـابـيـك، وهـو طـبـعـاً جـدار الـسّـور. ونـحـزر إلى يـسـار الـرّواق بـاب سـلـم آخـر يـؤدّي إلى الـطّـابـق الأوّل الّـذي نـرى شـبـابـيـكـه في يـسـار الـلـوحـة. كـمـا نـلاحـظ مـقـهى آخـر في الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـطّـريـق. وخـلـف الـمـقـهى بـنـايـة مـرتـفـعـة تـتّـصـل بـالـرّواق.

ويـريـنـا الـرّسـم الـثّـاني نـفـس بـاب الـمـعـظـم ولـكـنّ مـن خـلـفـيـتـه أي مـن جـهـة خـارج أسـوار الـمـديـنـة.

Melville II

ويـصـوّر الـفـنّـان سـوقـاً أقـيـمـت في ظـلّـه وفي ظـلّ الـسّـور الـمـحـيـط بـه : سـلال خـضـروات وفـواكـه عـلى الأرض وامـرأة تـحـمـل سـلّـة عـلى رأسـهـا وبـاعـة  … وقـد ذكـر لـنـا الـمـؤرّخـون أنّ بـاب الـمـعـظـم كـان يـدعى أيـضـاً بـبـاب سـوق الـسّـلـطـان. وكـان الـسّـوق يـقـام خـارج أسـوار الـمـديـنـة لـكي لا يـدفـع مـزارعـو الـقـرى الـقـريـبـة رسـوم دخـول سـلـعـهـم إلى الـمـديـنـة.

ونـرى عـلى يـسـار الـرّسـم، وهـو مـا رأيـنـاه في وسـط الـرّسـم الـسّـابـق مـن جـهـة داخـل الـمـديـنـة، شـبّـاك الـجـدار الـخـلـفي الّـذي أبـصـرنـا بـه مـن خـلال الـبـاب الـمـفـتـوح في وسـط الـرّواق الـدّاخـلي.

ووقـف أرثـر مـلـفـيـل في رسـم ثـالـث بـالألـوان الـمـائـيـة أمـام بـاب الـمـعـظـم نـاظـراً إلى داخـل الـمـديـنـة.

أرثر ميلفيل، أمام باب المعظم

ونـرى عـلى يـمـيـنـه الـمـقـهى الّـذي رسـم مـنـه الـلـوحـة الأولى. وتـمـتـدّ أمـامـه الـجـادّة الـمـوصـلـة إلى وسـط الـمـديـنـة. ونـرى في خـلـفـيـة الـلـوحـة جـامـع الأحـمـديـة الـمـعـروف بـجـامـع الـمـيـدان بـقـبّـتـه الـزّرقـاء.

ونـقـرأ في أسـفـل يـسـار الـرّسـوم الـثّـلاثـة، تـحـت تـوقـيـع الـفـنّـان :  Baghdad 1882.

ولـديـنـا أيـضـاً بـطـاقـة بـريـديـة طـبـعـتـهـا شـركـة عـبـدُ الـعـلي إخـوان      Abdulaly Bros  (4). ونـقـرأ في أعـلاهـا بـالـتّـركـيـة الـعـثـمـانـيـة (الّـتي كـانـت تـكـتـب بـحـروف عـربـيـة) : ”بـغـداد امـام اعـظـم …”، وفي أسـفـلـهـا بـالإنـكـلـيـزيـة : The North Gate of Bab-ul-Muazzam, in the city of Baghdad أي : “الـبـاب الـشّـمـالي بـاب الـمـعـظـم في مـديـنـة بـغـداد” :

Abdulaly 2

وأضـيـف فـوق هـذا الـتّـعـلـيـق (في أسـفـل الـصّـورة) بـقـلـم حـبـر اسـم يـصـعـب قـراءتـه وتـاريـخ : 14ـ 11ـ 11، أي الـرّابـع عـشـر مـن شـهـر تـشـريـن الـثّـاني سـنـة 1911. ونـجـد في أسـفـل الـبـطـاقـة اسـم مـؤسـسـة عـبـدُ الـعـلي إخـوان، بـغـداد، الّـتي طـبـعـتـهـا وسـوّقـتـهـا. ولا شـكّ في أنّ الـصّـورة الـتـقـطـت قـبـل ذلـك بـفـتـرة طـويـلـة.

ونـلاحـظ الـعـلـم الـعـثـمـاني الـمـنـصـوب في أعـلى الـبـوابـة وجـنـديـيـن يـحـرسـان مـدخـل الـسّـلـم الـمـؤدي إلى الـطـابـق الـعـلـوي مـن الـبـوابـة. ويـبـدو الـعـلـم “تـرتـيـشـاً” أضـيـف عـلى الـصّـورة، فـهـو لا يـرفـرف وإنّـمـا يـمـتـدّ بـكـلّ طـولـه وعـرضـه. ونـلاحـظ مـقـهى في يـمـيـن الـصّـورة والـمـصـطـبـات الـخـشـبـيـة الّـتي وضـعـت أمـام الـمـقـهى وحـتّى جـانـب الـطّـريـق. وكـانـت الـبـوابـة مـحـاذيـة لـجـامـع الأزبـكـيـة (الأوزبـكـيـة).

ورغـم سـوء نـوعـيـة الـصّـورة و”الـتّـرتـيـشـات” الّـتي أدخـلـت عـلـيـهـا مـثـل تـضـبـيـب الـجـزء الأوسـط لـلـبـاب فـنـلاحـظ اخـتـلافـيـن عـن حـالـة الـبـاب في زمـن الاسـكـتـلـنـدي أرثـر مـيـلـفـيـل : الـسّـلّـم الـصّـاعـد مـن يـسـار الـجـزء الأوسـط نـحـو أعـلى الـبـاب، وشـبـابـيـك هـذا الـطّـابـق الّـتي تـحـوّلـت إلى طـارمـة مـفـتـوحـة يـسـنـدهـا عـمـودان وفي وسـطـهـا بـاب واسـع يـفـضي إلى الـدّاخـل.

كـمـا نـرى بـوضـوح الـبـنـاء الـعـالي الـمـقـابـل لـلـبـاب، عـلى يـمـيـن الـجـزء الأوسـط، ونـلاحـظ طـارمـة مـفـتـوحـة عـلى جـانـبـه تـسـنـدهـا عـدّة أعـمـدة.

ولـديـنـا بـطـاقـة بـريـديـة أخـرى يـمـكـن أن تـعـود لـنـفـس الـفـتـرة نـشـرهـا الـبـغـدادي إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا Alexander J. Svodoba  (5). ولا بـدّ أنّـهـا الـتـقـطـت مـن فـوق رواق الـجـزء الـوسـطـاني لأبـنـيـة الـبـاب. ونـرى فـيـهـا جـامـع الأزبـكـيـة بـمـنـارتـه الـمـزيـنـة بـالـنّـقـوش الـهـنـدسـيـة عـلى الـيـمـيـن وبـجـانـبـه الـمـقـهى الّـذي رأيـنـاه في رسـم الاسـكـتـلـنـدي أرثـر مـيـلـفـيـل، وعـلى يـسـارهـا الـبـنـاء الـعـالي بـامـتـداده. ونـلاحـظ في الـصّـورة عـدداً مـن الـجـنـود الأتـراك بـزيـهـم الـعـسـكـري الأبـيـض وعلى رؤوسـهـم الـطّـرابـيـش :

alex-j-svoboda-6

كـمـا أنّ لـديـنـا بـطـاقـة بـريـديـة ثـالـثـة لـم أفـلـح في مـعـرفـة الـمـصـور الّـذي الـتـقـطـهـا ولـكـن يـبـدو أنّـهـا تـعـود إلى أواخـر زمـن الـحـكـم الـعـثـمـاني، أي قـبـل الإحـتـلال الـبـريـطـاني لـبـغـداد، فـنـحـن نـرى فـيـهـا بـعـض الـعـسـكـر بـزيّـهـم الـرّسـمي الأبـيـض وبـطـرابـيـشـهـم. ونـلاحـظ سـعـة “الـجـاي خـانـات” بـتـخـوتـهـا الـمـمـتـدّة عـلى جـانـبي الـطّـريـق :

باب المعظم 23

صـور الـمـجـمـوعـة الـثّـانـيـة :

أضـع في هـذه الـمـجـمـوعـة عـدداً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـت بـعـد احـتـلال الـجـيـش الـبـريـطـاني لـبـغـداد في آذار 1917. ويـأتي أغـلـبـهـا مـن ألـبـوم يـضـمّ مـائـة وثـلاث صـور فـوتـوغـرافـيـة رسـمـيـة جـمـعـهـا ضـابـط بـريـطـاني : Colonel A.H. McCleverty، ويـحـتـفـظ بـهـا الـمـتـحـف الـوطـني لـلـجـيـش National Army Museum  في لـنـدن.

ونـحـن نـقـرأ في كـلّ مـكـان أنّ هـذه الـصـور الـتـقـطـت عـنـد دخـول الـجـنـرال مـود في بـغـداد عـلى رأس الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في 11 آذار 1917. ومـن أشـهـرهـا صـورة الـجـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود يـقـود قـوّاتـه مـمـتـطـيـاً صـهـوة جـواد :

دخول القوات البريطانية في بغداد

ولـكـنّي تـسـاءلـت عـنـدمـا تـفـحـصّـت هـذه الـصّـورة عـن مـن الـتـقـطـهـا بـعـد أن أعـدّ الـمـشـهـد، فـلا يـمـكـن أن تـكـون قـد الـتـقـطـت عـفـويـاً في زمـن كـانـت آلات الـتّـصـويـر فـيـه ضـخـمـة وثـقـيـلـة وتـحـتـاج الـصّـور الّـتي تـلـتـقـطـهـا إلى تـهـيـئـة وإعـداد طـويـل. كـمـا تـسـاءلـت لـمـاذا كـان الـنّـاس يـنـظـرون إلى عـدسـة الـمـصـوّر بـدلاً مـن أن يـنـظـروا إلى الـجـنـرال وجـنـوده، ومـن وضـع الـمـنّـصـة الّـتي نـراهـا عـلى يـمـيـن الـصّـورة، حـتّى وجـدت الـجـواب في الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة في الأرشـيـفـات الـحـكـومـيـة لـلـمـمـلـكـة الـمـتّـحـدة. (6)

ويـذكـر هـذا الـتّـعـلـيـق أنّ الـفـوج الّـذي نـراه خـلـف الـجـنـرال مـود كـان مـخـيّـمـاً خـارج بـغـداد. وبـعـد أن دخـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد واسـتـولـت عـلى كـلّ الـمـديـنـة، اسـتـلـم هـذا الـفـوج أمـراً بـالـدّخـول فـيـهـا. وجُـمـع الـنّـاس عـلى جـانـبي الـطّـريـق لالـتـقـاط هـذه الـصّـور لـكي تـنـشـر لأغـراض دعـائـيـة وتـسـتـعـمـل لإظـهـار قـوة الـجـيـش الـبـريـطـاني وانـتـصـاراتـه في الـحـرب، ولكي تـظـهـر “الـحـفـاوة” الّـتي اسـتـقـبـلـه الـعـراقـيـون بـهـا لـيـخـلـصـهـم مـن “الإضـطـهـاد الـعـثـمـاني”.

ويـذكـر الـكـولـونـيـل جـون إدوارد تـانَـنـت John Edward TENNANT، الّـذي كـان ضـابـطـاً في سـلاح الـطّـيـران الـبـريـطـاني أنّـه دخـل بـغـداد مـع الـجـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود في صـبـاح يـوم 11 آذار 1917 عـلى مـتـن سـفـيـنـة حـربـيـة : “مـرّت عـبـر مـنـحـنى نـهـر دجـلـة الّـذي أوصـلـهـا إلى جـزئـه الّـذي يـقـسـم الـمـديـنـة في وسـطـهـا إلى نـصـفـيـن. وتـكـالـبـت جـمـوع أهـل الـبـلـد عـلى الـضّـفـاف”، “وتـوقـفـت الـسّـفـيـنـة أمـام دار الـمـقـيـم الـبـريـطـاني الـقـديـمـة، وربـطـت عـلى الـضّـفـة”. (7)

وهـذا يـعـني أنّ الـجـنـرال مـود دخـل بـغـداد مـن جـديـد، ولـكـن مـمـتـطـيـاً صـهـوة جـواد هـذه الـمـرّة، ومـن بـاب الـمـعـظّـم، ربّـمـا في الـيـوم الـتّـالي مـن اسـتـيـلائـه عـلى بـغـداد يـوم 11 آذار 1917.

ونـلاحـظ غـيـاب الـشّـمـس مـن الـصّـورة فـلا نـرى فـيـهـا ظـلال الـرّجـال والـخـيـول عـلى الأرض. ونـحـن نـعـرف مـمـا ذكـره الّـذيـن شـاركـوا في الإحـتـلال أنّ عـاصـفـة عـجـاج شـديـدة بـدأت يـوم 5 آذار. وقـد خـفّـت يـوم 11 آذار مـمـا سـاعـد الـبـريـطـانـيـيـن عـلى دخـول بـغـداد، واسـتـمـرت خـفـيـفـة إلى أنّ هـبـطـت تـمـامـاً بـعـد ذلـك. (8)

وقـد نـشـرت الـجـرائـد الـلـنـدنـيـة هـذه الـصّـور بـعـد دخـول الـبـريـطـانـيـيـن في بـغـداد بـأيّـام قـلـيـلـة. ووجـدت لـكـم الـصـورة الّـتي نـشـرتـهـا جـريـدة           The Daily Telegraph :

صورة الديلي تلغراف

كـمـا أنّ لـديـنـا عـدّة صـور لـدخـول الـجـنـود الـهـنـود في بـغـداد، يـمـكـن أن نـخـمّـن مـن اتـجـاه ظـلال الـرّجـال والـخـيـول الـمـلـقـاة عـلى الأرض أنّـهـا الـتـقـطـت في ضـحى يـوم مـشـمـس، إخـتـرت لـكـم مـنـهـا صـورتـيـن لـقـطـعـات هـنـديـة يـقـودهـا ضـبّـاط بـريـطـانـيـون :

باب المعظم 21

 

د. صباح الناصري دخول الهنود من باب المعطم 1917

ونـسـتـنـتـج مـن هـذا أن مـجـمـوعـتي الـصّـور لـم تـلـتـقـطـا في نـفـس الـوقـت، بـل في يـومـيـن مـخـتـلـفـيـن. فـنـوافـذ الـطّـابـق الأوّل مـن بـاب الـمـعـظّـم رفـعـت عـنـهـا الـسّـتـائـر لـغـيـاب الـشّـمـس في صـور الـمـجـمـوعـة الأولى بـيـنـمـا أسـدلـت الـسّـتـائـر الـبـيـضـاء لـشـدّة أشـعـة الـشّـمـس في صـور الـمـجـمـوعـة الـثّـانـيـة أي عـنـد دخـول الـقـوّات الـهـنـديـة.

ونـلاحـظ في كـلّ صـور هـذه الـمـجـمـوعـة أنّ تـغـيـيـرات كـانـت قـد حـدثـت عـلى الـجـزء الـوسـطـاني مـن الـبـاب، فـقـد أزيـل حـوشـه الـخـلـفي ولـم يـبـق مـنـه إلّا الـرّواق بـأقـواسـه الأربـعـة، الّـذي يـحـتـلّ الـسّـلّـم أحـدهـا.

ولـديـنـا صـورة مـن هـذه الـفـتـرة الـتـقـطـت مـن خـارج الأسـوار لـخـلـفـيـتـه نـرى فـيـهـا ذلـك بـوضـوح :

باب المعظم 8 (2)

ولـديـنـا صـورة أخـرى لـلـطّـريـق الـمـؤديـة مـن خـارج الـمـديـنـة إلى الـبـاب :

Bab nord 12

كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة نـشـرهـا أولـيـفـر بـاتـلـر في لـنـدن في ألـبـوم صـور عـنـوانـه :  « Iraq, Photographie studies by Oliver J. Butler ». وقـد الـتـقـط هـذه الـصّـورة  مـن أعـلى بـاب الـمـعـظّـم  بـعـد الإحـتـلال الـبـريـطـاني لـبـغـداد (نـرى ضـابـطـاً بـريـطـانـيـاً في يـسـار مـقـدمـة الـصّـورة) :

Butler IX

صـور الـمـجـمـوعـة الـثّـالـثـة :

بـدأت ” الأشـغـال الـعـسـكـريـة الـبـريـطـانـيـة “، بـعـد فـتـرة قـصـيـرة مـن احـتـلال بـغـداد، بـتـبـلـيـط جـادّة خـلـيـل بـاشـا الّـتي أصـبـح اسـمـهـا الـشّـارع الـجـديـد The New Street، (والّـذي أصـبـح اسـمـه بـعـد ذلـك شـارع الـرّشـيـد) وأضـاءت جـزءاً مـنـه.

كـمـا هـدمـت الـجـزء الـوسـطـاني مـن أبـنـيـة بـاب الـمـعـظـم لـتـمـرّ مـنـه الـسّـيّـارات. ولـديـنـا عـدّة صـور الـتـقـطـت في تـلـك الـفـتـرة، نـلاحـظ فـيـهـا أعـمـدة الأسـلاك الـكـهـربـائـيـة الّـتي نـصـبـت في الـشّـارع، كـمـا نـلاحـظ أن مـقـاهي الـجـانـب الأيـمـن قـد أزيـلـت تـمـامـاً، ولـم يـبـقَ إلّا تـخـوت الـجـانـب الأيـسـر :

Bab nord 4

ونـلاحـظ تـغـيـيـراً آخـر في واجـهـة الـطّـابـق الأوّل لـلـبـاب فـقـد أغـلـقـت الـطّـارمـة بـألـواح وجـصـصـت وفـتـحـت فـيـهـا نـوافـذ صـغـيـرة، مـثـلـمـا في هـذه الـصّـورة. ويـبـدو أنّـهـا الـتـقـطـت، حـسـب اتـجـاه الـظّـلال الـمـلـقـاة عـلى الأرض، في الـعـصـر :

باب المعظم 2

كـمـا أنّ لـديـنـا صـوراً مـن هـذه الـفـتـرة لـخـلـفـيـة الـبـاب أي مـن جـهـة خـارج الـسّـور :

Bab nord 11

نـرى في إحـداهـا مـقـاهي فـتـحـت خـارج الـسّـور ومـدّت تـخـوتـهـا بـيـن نـخـيـلات :

Bab nord 6

والّـذي يـنـقـصـنـا في تـنـقـلاتـنـا الـفـوتـوغـرافـيـة هـذه أنّـه لـيـس لـديـنـا صـور الـتـقـطـت خـلال هـدم أمـانـة الـعـاصـمـة لـلـبـاب عـام 1923، فـقـد أزيـل كـمـا لـو كـان بـنـاءً لا قـيـمـة لـه لـتـوسـيـع الـطّـريـق ولـتـمـرّ مـنـه سـيـارات الـجـيـش والـسّـيـارات الـمـدنـيـة.

ولـكـن لـديـنـا صـوراً الـتـقـطـت بـعـد هـدمـه تـريـنـا أنّ الّـذي هـدم كـان الـبـاب الـرئـيـسي فـقـط وأنّ الـجـزء الـعـالي الأيـمـن مـن مـجـمـوعـة الأبـنـيـة ظـلّ مـنـتـصـبـاً فـتـرة طـويـلـة بـعـد ذلـك :

باب المعظم 22

وهـو الـجـزء الّـذي نـراه عـلى يـسـار الـصّـورة عـنـدمـا كـان الـبـاب لا يـزال مـنـتـصـبـاً عـلى يـمـيـنـهـا :

Bab nord 15

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي :  الـعـراقـيـون كـمـا رآهـم الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر

(2) كـتـب يـوسـف فـرنـسـيـس في الـجـزء الأوّل مـن “مـوسـوعـة الـمـدن والـمـواقـع في الـعـراق” : “وقـد ظـلّ هـذا الـبـاب قـائـمـاً حـتّى سـنـة 1923 م. حـيـث هـدمـتـه الـحـكـومـة الـعـراقـيـة لـيـتّـسـع الـدّخـول إلى بـغـداد”، كـمـا ذكـر ذلـك سـالـم الآلـوسي في مـقـالـه “أبـواب بـغـداد الـعـبّـاسـيـة ومـا آلـت إلـيـه”.

(3) أنـظـر مـقـالي :  رسـوم أرثـر مـيـلـفـيـل لـبـغـداد في الـقـرن الـتّـاسـع عـشر

(4) أنـظـر مـقـالي :  صـور عـن الـعـراق مـن بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن (1) :

(5) أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق (3) :

(6) (www.nationalarchives.gov.uk › … › First World War)

وأنـظـر مـقـالي :  دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917

(7) John Edward TENNANT, In the clouds above Baghdad : benig the records of an air commander, London, Cecil Palmer 1920.

وانـظـر مـقـالي : « بـيـن الـسّـحـب، في سـمـاء بـغـداد »ــ الـقـسـم الأوّل

(8) مـثـل مـا ذكـره John Edward TENNANT. أنـظـر الـهـامـش الـسّـابـق، رقـم (7).

 

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

“بـيـن الـسّـحـب، في سـمـاء بـغـداد” ــ الـقـسـم الـثّـاني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

رأيـنـا في الـقـسـم الأوّل مـن هـذا الـعـرض كـيـف وصـل جـون إدوارد تـانَـنـت John Edward TENNANT، الّـذي كـان ضـابـطـاً في سـلاح الـطّـيـران الـبـريـطـاني (RFC)،إلى شـطّ الـعـرب في 30 تـمّـوز 1916، وكـيـف صـاحـب قـوّات الـجـنـرال مـود في صـعـودهـا مـن الـبـصـرة نـحـو بـغـداد، وألـقى بـالـقـنـابـل عـلى بـغـداد قـبـل أن تـسـتـطـيـع هـذه الـقـوّات دخـولـهـا، ثـمّ دخـلـهـا في 11 آذار 1917مـع الـجـنـرال مـود عـلى مـتـن سـفـيـنـة بـخـاريـة حـربـيـة، لا مـمـتـطـيـاً صـهـوة جـواد كـمـا صـورتـه لـنـا الـدّعـايـات الـسّـيـاسـيـة الـبـريـطـانـيـة.

ثـمّ اسـتـمـرّ تـانَـنـت يـقـصـف ويـلـقي بـالـقـنـابـل مـع طـيّـاري الـحـرب الآخـريـن لـيـكـتـمـل احـتـلال الـبـريـطـانـيـيـن لـلـعـراق.

تاننت وزملاءه(2)

ونـكـمـل في هـذا الـقـسـم الـثّـاني مـن عـرضـنـا مـا كـتـبـه تـانَـنـت عـن مـا بـعـد الإحـتـلال وحـتّى أواخـر نـيـسـان 1918 عـنـدمـا تـرك الـعـراق.

ونـجـد فـيـه وصـفـاً لـبـغـداد بـعـد الإحـتـلال الـبـريـطـاني، وإنـسـحـاب الأتـراك نـحـو الـشّـمـال، ومـتـابـعـة الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـهـم عـلى ثـلاث جـبـهـات : ديـالى ودجـلـة والـفـرات.

وبـعـد أن عـاد إلى بـلـده كـتـب جـون إدوارد تـانَـنـت أحـداث مـا عـاشـه بـدقّـة مـدهـشـة، مـعـتـمـداً عـلى الـمـلاحـظـات الّـتي كـان قـد سـجّـلـهـا خـلال سـنـوات قـتـالـه وصـاحـبـهـا بـصـور فـوتـوغـرافـيـة كـان قـد الـتـقـط أغـلـبـهـا مـن طـائـرتـه مـحـلّـقـاً في سـمـاء الـعـراق.

ونـشـر في لـنـدن، عـام 1920، كـتـاب : “بـيـن الـسّـحـب في سـمـاء بـغـداد، مـذكّـرات ضـابـط في سـلاح الـطّـيـران

In the clouds above Baghdad : being the records of an air commander

تاننت غلاف

وأذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز مـن جـديـد أنـني أضـع مـا أتـرجـمـه مـن جـمـل الـكـتـاب بـيـن مـعـقـوفـات. وهـذا لا يـعـني أنـني أتـقـبّـل صـحـة سـرده لـلأحـداث، كـمـا تـصـوّره الـبـعـض وكـتـبـه لي، وإنّـمـا أذكـره كـمـا هـو لـيـتـعـرّف الـقـارئ عـلى وجـهـة نـظـر شـاهـد عـيّـان عـاش الـحـرب والأحـداث الّـتي يـتـكـلّـم عـنـهـا.

الـفـصـل الـرّابـع “بـغـداد ومـا بـعـدهـا” :

يـتـكـلّـم تـانَـنـت في هـذا الـفـصـل عـن تـأسـيـس الـمـنـصـور لـمـديـنـة بـغـداد عـام 762 م.، ثـمّ عـن هـرون الـرّشـيـد ومـن جـاء بـعـده حـتّى سـقـوط بـغـداد تـحـت ضـربـات الـمـنـغـول عـام 1258.

ثـمّ يـكـتـب لـقـرّائـه عـن الـمـسـلـمـيـن : عـن الـشّـيـعـة وأهـل الـسّـنّـة، وعـن أبـنـيـة بـغـداد. ويـذكـر أن مـن بـيـن بـعـض زمـلائـه مـن “كـانـوا قـد تـشـبّـعـوا بـحـكـايـات ألـف لـيـلـة ولـيـلـة، وأدّعـوا أنّ آمـالـهـم في رؤيـة مـديـنـة أحـلامـهـم قـد خـابـت. ومـع ذلـك، وبـعـد مـسـيـرة آلاف مـن الأمـيـال في الـفـيـافي الـقـاحـلـة، فـرؤيـة الـمـديـنـة أعـجـبـتـنـا بـقـبـاب مـسـاجـدهـا الـزّرقـاء ومـآذنـهـا الـعـالـيـة الّـتي تـرتـفـع فـوق دورهـا الـمـبـنـيّـة بـالـطّـابـوق، ومـا نـبـصـر بـه مـن بـعـيـد مـن بـريـق ذهـب الـكـاظـمـيـن الـمـتـلامـع مـثـل لـهـب نـار فـوق خـضـرة بـسـاتـيـن الـنّـخـيـل وانـحـنـاء الـنّـهـر يـدور حـولـهـا. وهي ولا شـكّ صـورة رومـانـسـيـة وسـط الـصّـحـراء الّـتي لا حـدود لـهـا”.

تاننت، الكاظمين والعاصفة

وبـعـد أن ذكـر خـضـوع الـبـلـد لـلـفـرس والأتـراك الّـذيـن تـتـابـعـوا عـلى حـكـمـه كـتـب : “ويـبـدو أنّ وصـول الـدّيـمـقـراطـيـة إلى الـمـنـاطـق الّـتي تـقـع عـلى شـرق أوربـا، رغـم تـصـريـحـات الـرئـيـس [الأمـريـكي] ويـلـسـن، وادّعـاءات مـثـيـري الـشّـغـب عـنـدنـا، مـا زال شـديـد الـبـعـد”.

بـغـداد بـعـد الإحـتـلال الـبـريـطـاني :

و كـتـب جـون إدوارد تـانَـنـت : “وقـد رحّـبـت غـالـبـيـة أهـل بـغـداد بـالـقـوّات الـبـريـطـانـيـة، مـاعـدا الّـذيـن كـانـوا يـشـغـلـون وظـائـف عـنـد الأتـراك ويـجـيـعـون الـفـقـراء. وكـانـت سـلـسـلـة الـفـسـاد تـبـدأ في إسـطـنـبـول ويـدفـع ثـمـنـهـا شـحـاذ الـعـرب في الـسّـوق”، “وحـيّـانـا الأرمـن والـيـهـود الـمـتـعـلّـمـون بـفـرح”.

ويـؤكـد عـلى أن نـسـاء بـغـداد تـنـفّـسـن الـصّـعـداء مـن تـخـلـصـهـنّ مـن مـلاحـقـة الـجـنـود الأتـراك ! وعـلى شـروع الـجـنـود بـتـنـظـيـف الـمـديـنـة الّـتي كـانـت نـتـنـة الـرّوائـح …

“ولا شـكّ في أنّـه بـدا غـريـبـاً عـلى كـثـيـر مـن أهـل الـمـديـنـة أن جـيـش الإحـتـلال الـبـريـطـاني لـم يـسـرع إلى الـنّـهـب والـقـتـل والـخـطـف. وعـلى الـعـكـس فـغـر الـبـغـداديـون أفـواهـهـم دهـشـة لـرؤيـة الـجـنـدي، الّـذي عـانى أسـابـيـع طـويـلـة مـن الـسّـيـر الـمـجـهـد ومـن الـقـتـال، يـهـديـهـم آخـر سـيـجـارة بـقـيـت لـه، ويـحـاول مـحـادثـة الـصّـبي الـعـربي الـوسـخ الّـذي يـلـعـب في سـواقي الـقـاذورات”.

“وقـد بـقي أهـل الـمـديـنـة في بـيـوتـهـم في الأيـام الأولى [بـعـد وصـولـنـا]، وأغـلـقـت الأسـواق وهـجـرت، وكـانـت دكـاكـيـن كـثـيـرة قـد نـهـبـهـا الأكـراد وأحـرقـوهـا. وقـد جـرى تـفـتـيـش الـبـيـوت الـواحـد بـعـد الآخـر، وطـلـب مـن أهـل الـمـديـنـة أن يـسـلّـمـوا مـا لـديـهـم مـن أسـلـحـة وإلّا عـوقـبـوا بـالإعـدام. وفـرض حـظـر الـتّـجـوّل إبـتـداءً مـن الـثّـامـنـة مـسـاءً، فـفي الـمـديـنـة  200 ألـف سـاكـن مـن مـخـتـلـف الأعـراق يـنـبـغي مـراقـبـتـهـم، ولا يـمـكـن لأحـد أن يـتـنـبـأ بـمـا يـمـكـن أن يـحـدث”.

وتـوصـل الـبـريـطـانـيـون إلى الـسّـيـطـرة عـلى كـلّ أحـيـاء الـمـديـنـة، وتـشـددوا في قـمـع الـسّـلـب والـنّـهـب : “ونـصـبـت مـشـنـقـتـان في سـاحـة، يـعـلّـق فـيـهـا في الـفـجـر الـمـحـكـوم عـلـيـهـم بـالإعـدام لـيـراهـم أهـل مـديـنـتـهـم ويـدركـوا بـسـرعـة ضـرورة إطـاعـة قـانـون الإنـكـلـيـز”.

إنـسـحـاب الأتـراك نـحـو الـشّـمـال :

وكـتـب : “وقـد انـقـسـم الأعـداء بـعـد احـتـلال بـغـداد إلى ثـلاث قـوّات، انـسـحـبـت الأولى مـنـهـا صـاعـدة وادي الـفـرات والـثّـانـيـة وادي دجـلـة والـثّـالـثـة وادي ديـالى”. ولـم يـكـن لـلـقـوات الـبـريـطـانـيـة إلّا أن تـسـتـعـمـل الـطّـائـرات لـمـراقـبـتـهـم رغـم سـعـة الـمـسـاحـات الّـتي يـنـبـغي مـتـابـعـتـهـا مـن الـجـو وجـهـل الـطّـيـاريـن بـالـمـنـطـقة الّـتي لـم يـكـن لـديـهـم خـرائـط عـنـهـا. كـمـا أنّ الـمـركـز الّـذي كـان يـقـود عـمـلـيـاتـهـم بـقي في شـيـخ سـعـد.

وفي الـثّـالـث عـشـر مـن آذار هـاجـمـت قـطـعـات بـريـطـانـيـة الأتـراك قـرب سـكّـة حـديـد بـغـداد ــ سـامـراء وتـابـعـتـهـم بـعـد يـومـيـن في انـسـحـابـهـم أمـامـهـا نـحـو سـامـراء وسـط عـاصـفـة عـجـاج.

تاننت سامراء

بـيـنـمـا تـقـدّمـت قـطـعـات أخـرى نـحـو بـعـقـوبـة. وتـوجـهـت قـطـعـات ثـالـثـة نـحـو الـفـلـوجـة في 19 آذار 1917، وأخـرجـت مـنـهـا الأتـراك الّـذيـن سـاروا نـحـو الـرّمـادي وتـركـوهـا في الـيـوم الـتّـالي.

وانـسـحـب الأتـراك إلى مـا بـعـد نـهـر ديـالى. وكـتـب تـانَـنـت :

“ورأيـت بـعـقـوبـة لأوّل مـرّة في يـوم ربـيـعي مـشـمـس. وكـان الـبـرتـقـال يـتـلامـع فـوق الأشـجـار. ومـا زلـت أتـذكّـر مـدى سـعـادتي بـرؤيـتـهـا. ويـبـدو لـلـمـرء تـقـريـبـاً أنّـهـا خـارج الـعـراق. وكـان يـنـبـغي لـلـوصـول إلـيـهـا قـطـع 32 مـايـلاً (أكـثـر مـن 50 كـلـم.) عـبـر الـصّـحـراء. وكـنّـا قـد مـررنـا في مـنـتـصـف الـطّـريـق بـقـريـة خـان بـني سـعـد، والّـتي فـيـهـا بـعـض بـيـوت مـن الـطّـيـن وخـان وبـئـر. ولا شـجـر فـيـهـا ولا زرع. وهي الـمـكـان الـوحـيـد الّـذي فـيـه مـاء بـيـن بـغـداد وبـعـقـوبـة، وكـانـت في الـمـاضي مـوقـف اسـتـراحـة عـلى طـريـق خـراسـان”.

“والـعـرب في بـعـقـوبـة يـزرعـون الـخـضـروات ولـديـهـم بـسـاتـيـن أشـجـار فـواكـه، وبـسـاتـيـن نـخـيـل يـمـرّ أمـامـهـا مـاء نـهـر ديـالي الأزرق الـمـثـلـج. وهـو لا يـتـجـاوز في الـصّـيـف عـرض سـاقـيـة، ولـكـن يـمـكـنـه أن يـتـحـوّل في الـشّـتـاء إلى سـيـول مـزمـجـرة تـرتـفـع إلى عـشـريـن قـدم حـسـب كـمـيـات الـثّـلـوج الـذّائـبـة عـلى الـمـرتـفـعـات”.

ويـذكـر تـانَـنـت أنّ طـائـراتـهـم عـانـت مـن أشـعـة الـشّـمـس الـمـحـرقـة وعـواصـف الـعـجـاج ثـمّ مـن الأمـطـار، فـلـم يـكـن لـهـم مـرائـب يـحـفـظـونـهـا بـهـا. ويـتـكـلّـم عـن الـمـنـاوشـات الّـتي حـدثـت بـيـنـهـم وبـيـن الأتـراك فـيـمـا بـعـد خـانـقـيـن وقـصـر شـيـريـن. وعـن تـعـاونـهـم مـع الـقـوّات الـرّوسـيـة الّـتي كـانـت في بـلاد الـفـرس ودخـولـهـم مـعـهـا في قـصـر شـيـريـن. وتـابـع بـالـتّـفـصـيـل مـا حـدث عـلى كـلّ الـجـبـهـات الّـتي حـلـقـت فـيـهـا الـطّـائـرات رغـم الـصّـعـوبـات الّـتي كـانـت تـواجـهـهـا، والّـتي تـقـدّم فـيـهـا الـجـيـش الـبـريـطـاني. فـقـد وصـل إلى مـا فـوق هـيـت عـلى الـفـرات في الـغـرب، ودفـع الـقـوّات الـتّـركـيـة نـحـو جـبـل حـمـريـن في الـشّـرق.

وكـانـت الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي يـلـتـقـطـهـا الـطّـيّـارون تـرسـل إلى مـخـتـبـر الـجـيـش لـتـحـمّـض طـيـلـة كـلّ لـيـلـة، ثـمّ تـجـمـع في مـحـاولـة لإكـمـال خـارطـة لـمـنـاطـق الـقـتـال، ويـعـاد رسـم الـخـرائـط وتـصـحـيـحـهـا كـلّـمـا جـدّ جـديـد.

وصـعـدت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة يـوم 23 نـيـسـان 1917 إلى سـامـراء واحـتـلّـت الـمـحـطّـة : “وكـان الأتـراك قـد أحـرقـوهـا ولـكـنّـهـم لـم يـجـدوا مـا يـكـفي مـن الـوقـت قـبـل انـسـحـابـهـم لـتـخـريـب كـلّ الـقـاطـرات”. وبـعـد قـتـال أسـر فـيـه عـدد كـبـيـر مـن الـجـنـود الأتـراك، سـيـطـرت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة تـمـامـاً عـلى سـامـراء، ووجـدت طـائـراتـهـا أنّ الـفـيـلـق الـتّـركي الـثّـالـث عـشـر اسـتـقـرّ في تـكـريـت.

الـفـصـل الـخـامـس “أيـام مـحـزنـة ومـبـهـجـة” :

أرسـل الـبـريـطـانـيـون طـائـرتـيـن لاسـتـطـلاع الـمـنـطـقـة، وهـاجـمـت أخـريـتـان طـائـرة ألـمـانـيـة فـوق تـكـريـت في يـوم 6 أيّـار، ولـكـنّ الـطّـيّـار الألـمـاني اسـتـطـاع أن يـسـتـديـر ويـتـابـع إحـدى الـطّـائـرتـيـن الـبـريـطـانـيـتـيـن، وأن يـسـقـطـهـا عـلى جـزيـرة وسـط دجـلـة :

“وتـمـكّـن طـيّـارهـا مـن الـخـروج مـنـهـا وهـو يـجـرّ سـاقـه الّـتي هـشـمـتـهـا الـطـلـقـات الـنّـاريـة. وعـبـر رجـال مـن الـعـرب الـنّـهـر سـبـاحـة وسـلـبـوه مـلابـسـه. وبـعـد أن جـاء الأتـراك وضـعـوه عـلى جـلـد مـاعـز مـنـفـوخ وعـبّـروه الـنّـهـر، ثـمّ أخـرجـوه مـن الـمـاء وألـقـوه عـلى حـصـان وجـاءوا بـه إلى تـكـريـت في حـال يـرثى لـهـا”، “وسـحـبـوه مـن مـعـسـكـر إلى مـعـسـكـر بـيـن تـكـريـت والـمـوصـل. ولـم يـسـتـطـع الـسّـيـر عـلى قـدمـيـه إلّا بـعـد تـسـعـة أشـهـر، ووصـل إلى الـقـاهـرة بـعـد سـنـة ونـصـف مـن أسـره”.

وكـان عـلى الـطّـيـاريـن الـبـريـطـانـيـيـن “أن يـراقـبـوا الأعـداء، وأن يـشـاركـوا في أعـداد مـن حـمـلات مـعـاقـبـة عـشـائـر الـعـرب الـمـعـاديـة”، “وأهـل الـمـنـطـقـة مـن الـعـرب لا يـمـكـن الـوثـوق بـهـم، ولا يـمـكـن لأحـد الـخـروج مـن مـعـسـكـر بـريـطـاني مـن غـيـر حـمـايـة”. “وقـد حـاولـوا تـخـريـب سـكّـة سـامـراء الـحـديـديـة وهـاجـمـوا أحـد الـقـطـارات الـمـارّة وخـرّبـوه”، “وقـتـلـوا الـلـيـوتـنـانـت كـولـونـيـل Magniac قـرب الـفـلـوجـة. وعـنـدمـا تـرتـكـب مـثـل هـذه الـجـرائـم، يـؤمـر الـشّـيـخ الـمـسـؤول بـتـسـلـيـم الـمـذنـبـيـن إلى الـقـضـاء. وبـعـد أن نـشـعـل الـنّـار في بـعـض الـقـرى، ونـعـدم بـعـض أبـنـاء الـعـشـائـر، ونـصـادر قـطـعـانـهـم، يـأتـونـا عـادة مـسـتـسـلـمـيـن لـيـنـفّـذوا مـا أمـرنـاهـم بـه”.

“ولـم يـطـع بـعـض أهـل مـنـاطـق الـفـرات وديـالى أوامـر الـبـريـطـانـيـيـن، ولـهـذا كـان مـن الـضّـروري أرسـال حـمـلات مـعـاقـبـة ضـدّهـم. ولأنـنـا لا نـسـتـطـيـع الـسّـيـر نـحـوهـم في الـنّـهـار لـشـدّة الـحـرّ، فـالـقـوّات تـتـحـرّك في الـلـيـل وتـحـيـط بـالـقـرى ثـمّ تـهـاجـمـهـا في الـفـجـر”. وهـو يـذكـر أن الـطّـائـرات كـانـت تـشـارك في هـذه الـعـمـلـيـات :

“وعـنـدمـا تـشـقّ عـشـيـرة عـصـا الـطّـاعـة، تـحـلّـق الـطّـائـرات فـوق كـلّ قـريـة مـن قـراهـا عـلى مـدى 100 مـايـل (أكـثـر مـن 160 كـلـم.) لـتـقـصـفـهـا وتـرمي عـلـيـهـا بـالـقـنـابـل. وهـذه الـعـمـلـيـات الـعـنـيـفـة، الـسّـريـعـة الـتّـنـفـيـذ، تـبـث الـرّعـب في قـلـوب الـعـرب. وبـعـد أن يـذوقـوا طـعـم الـقـنـابـل الـمـتـسـاقـطـة عـلـيـهـم مـن الـسّـمـاء، يـتـحـاشـون أن تـرمى عـلـيـهـم مـرّة ثـانـيـة”.

ويـروي تـانَـنـت كـيـف انـتـقـل مـع زمـيـل لـه لـيـسـكـن في دار في ضـفـة دجـلـة الـيـسـرى :

“وكـانـت مـثـل كـلّ الـدّور هـنـا بـنـاءً مـربّـعـاً في وسـطـه حـوش، نـدخـل إلـيـهـا مـن بـاب واسـع ثـقـيـل. وفـيـهـا حـديـقـة تـظـلـلـهـا الأشـجـار والـنّـخـيـل، وفي وسـطـهـا نـافـورة. ونـنـزل مـنـهـا بـمـمـر مـرصـوف بـالـطّـابـوق نـحـو شـرفـة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر”، “وعـنـدمـا وصـلـنـا في شـهـر آذار كـانـت الـحـديـقـة مـلـيـئـة بـالـورود الـمـتـفـتـحـة. وسـقـطـنـا في دائـرة سـحـر هـذا الـمـكـان”. “وفي كـلّ دور بـغـداد سـراديـب serdabs يـنـزل إلـيـهـا سـاكـنـوهـا في لـهـب الـحـرّ. ونـحـن نـتـعـشى ونـنـام عـلى الـسّـطـح. والـنّـزول إلى الـسّـراديـب لـقـضـاء الـنّـهـار بـذخ لـيـس مـثـلـه بـذخ مـقـارنـة بـالـعـيـش في خـيـام الـمـعـسـكـرات في الـصّـحـراء”. “واشـتـريـنـا مـن الأسـواق مـا أثـثـنـا بـه الـدّار، وشـغّـلـنـا رجـلاً لـلإعـتـنـاء بـالـحـديـقـة وآخـر لـيـخـدمـنـا. وسـكـنـتُ هـذه الـدّار سـنّـة أحـبـبـتـهـا فـيـهـا كـثّـيـراً”.

ونـزل تـانَـنـت في مـنـتـصـف أيّـار بـطـائـرتـه نـحـو الـجـنـوب، ووجـد أنّ الـقـرى الّـتي كـان قـد عـرفـهـا مـثـل شـيـخ سـعـد عـادت، بـعـد أن أخـلاهـا الـبـريـطـانـيـون، إلى مـا كـانـت عـلـيـه، مـسـاكـن قـلـيـلـة وسـط الـفـيـافي الـشّـاسـعـة. ولـكـنّ الـجـيـش اسـتـمـرّ في اسـتـعـمـال الـعـمـارة كـمـديـنـة مـسـتـشـفـيـات، وامـتـدّت خـيـامـهـا بـعـيـداً في أعـمـاق الـفـلاة. وكـان فـيـهـا مـعـسـكـرات نـقـاهـة ومـعـسـكـرات راحـة … ومـدّت بـيـنـهـا وبـيـن الـقـرنـة سـكّـة حـديـديـة لـتـخـفـف مـن ازدحـام سـفـن الـنّـقـل في الـنّـهـر، وأقـيـم فـيـهـا مـطـار لـسـلاح الـطّـيـران”.

وبـعـد أن نـزل تـانَـنـت إلى الـبـصـرة، صـعـد مـن جـديـد نـحـو بـغـداد.

وعـادت الـمـعـارك الـجـوّيـة بـيـن الـبـريـطـانـيـيـن وبـيـن الأتـراك الّـذيـن حـصـلـوا عـلى طـائـرات جـديـدة مـن الألـمـان. وبـدأت في دلي عـبّـاس عـنـدمـا فـتـحـت طـائـرة ألـمـانـيـة الـنّـار عـلى طـائـرة بـريـطـانـيـة وأجـبـرتـهـا عـلى الـهـبـوط.

“وبـعـد أن بـدأ الـحـرّ يـشـتـدّ قـلّـت عـمـلـيـات الأعـداء، وحـتّى عـنـدنـا، دخـل سـبـعـة مـن طـيّـاريـنـا الـمـسـتـشـفى قـبـل أن يـنـتـهي الـشّـهـر”.

وبـقـيـت الـطّـائـرات الـتّـركـيـة بـعـيـداً عـن هـجـمـات الـبـريـطـانـيـيـن في شـمـال الـشّـرق نـحـو كـفـري، وعـلى دجـلـة في تـكـريـت، وعـلى الـفـرات في الـرّمـادي.

وحـلّـق تـانَـنـت في الـرّابـع مـن حـزيـران، مـع زمـيـل لـه مـن الـمـخـابـرات، فـوق دجـلـة عـلى ضـوء الـقـمـر. وقـصـفـتـهـمـا مـدفـعـيـة الأتـراك وهـمـا عـلى ارتـفـاع 4000 قـدم. ولـكـنّ تـانَـنـت اسـتـطـاع أن يـنـزل إلى 1800 قـدم ويـفـتـح عـلـيـهـم نـيـران رشـاشـتـيـه، الـمـركـبـتـيـن عـلى جـانـب الـطّـائـرة، إلى أن نـفـدت ذخـيـرتـه وعـاد إلى مـعـسـكـره. وبـعـد أن مـلأ خـزان الـطّـائـرة في الـواحـدة صـبـاحـاً نـزل نـحـو بـغـداد :

“وظـهـرت أشـكـال الـجـوامـع والـمـآذن واضـحـة الـتّـحـديـد عـلى زرقـة يـاقـوت الـسّـمـاء الـمـتـلألـئـة، بـيـنـمـا عـكـس قـاشـاني الـقـبـاب الـزّرقـاء ضـوء الـقـمـر، وكـانـت الـمـديـنـة تـنـام في هـدوء وسـكـيـنـة. هـل رأيـتُ هـذا في حـلـم أم في الـواقـع ؟”.

ولـم تـكـن الـطّـائـرات تـكـفي لإكـمـال الإحـتـلال، وكـان يـنـبـغي أن تـصـعـد الـسّـفـن نـهـر دجـلـة، ولـكـنّـهـا لـم تـكـن تـسـتـطـيـع كـلّـهـا الـصّـعـود إلى سـامـراء. ثـمّ أنّ الـحـرّ اسـتـمـرّ في الإشـتـداد وسـخـنـت مـيـاه الـنّـهـر وهـبّـت ريـح الـشّـمـال Shamal قـبـل أوانـهـا.

وعـنـدمـا اشـتـدت الـحـرارة في حـزيـران، تـركـت الـقـوّات الـرّوسـيـة مـسـاعـدتـهـا لـلـبـريـطـانـيـيـن عـلى جـبـهـة ديـالى وعـادت إلى قـواعـدهـا في كـرمـنـشـاه.

وفي 22 حـزيـران قـصـفـت طـائـرتـان بـريـطـانـيـتـان سـفـيـنـة تـركـيـة حـوالي 17 كـلـم. شـمـال تـكـريـت وأصـابـت مـؤخـرتـهـا.

وكـتـب تـانَـنـت : “وفي الـثّـالـث مـن تـمّـوز، وصـلـت كـتـيـبـة إلى بـلـدروز لـمـعـاقـبـة عـشـيـرة بـني تـمـيـم الّـتي كـانـت قـد قـامـت بـعـمـلـيـات مـعـاديـة لـنـا مـنـذ وصـولـنـا إلى بـغـداد. وسـانـدتـهـا طـائـرتـان. ووجـدوا أبـنـاء الـعـشـائـر يـنـتـظـرون تـقـدّم جـنـودنـا نـحـوهـم. وألـقـت الـطّـائـرتـان بـقـنـبـلـتـيـن عـلى تـجـمـعـاتـهـم الأكـثـر كـثـافـة، فـتـشـتـت جـمـعـهـم. ثـمّ سـقـطـت سـتّ قـنـابـل أخـرى عـلـيـهـم، فـهـربـوا في كـلّ الإتـجـاهـات. وأشـعـلـت قـنـابـل أخـرى الـنّـيـران في قـريـتـهـم. ولـم يـعـودوا إلـيـهـا بـعـد ذلـك”.

وخـرجـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة مـن الـفـلـوجـة في 8 تـمّـوز واحـتـلّـت الـذبّـان Zibban. وتـقـدمـت في لـيـلـة الـعـاشـر مـن تـمّـوز لـتـحـتـل الـرّمـادي. ووصـلـت في الـرّابـعـة صـبـاحـاً لـتـطـرد الأتـراك مـنـهـا. وفي الـثّـامـنـة صـبـاحـاً وصـلـت درجـات الـحـرارة حـدّاً لا يـطـاق وهـبّـت عـاصـفـة عـجـاج. واسـتـمـرّت درجـات الـحـرارة بـالارتـفـاع، وتـسـاقـط عـدد كـبـيـر مـن الـجـنـود الـبـريـطـانـيـيـن مـرضى بـعـد إصـابـتـهـم بـضـربـات شـمـس بـيـنـمـا كـانـت قـنـابـل الأتـراك تـتـسـاقـط عـلـيـهـم. كـمـا لـم يـسـتـطـع الـطّـيّـارون إكـمـال عـمـلـيـاتـهـم وأنـزلـوا طـائـراتـهـم وهـم يـعـانـون مـن شـدّة الـقـيـظ. ومـع ذلـك تـمـكّـنـت طـائـرة، كـانـت قـد أرسـلـت مـن بـغـداد، مـن قـصـف عـربـة ذخـيـرة تـركـيـة مـتـوجّـهـة إلى هـيـت. وتـوصّـل الـجـنـود الـبـريـطـانـيـون الـمـنـهـكـون إلى الـسّـيـر في الـلـيـل وبـلـوغ ضـفـة الـفـرات لـلـمـبـيـت فـيـهـا. وانـسـحـبـوا في 14 تـمـوّز، يـجـرّون مـرضـاهـم بـيـنـمـا كـان 1500 فـارس مـن خـيـالـة الـعـرب يـطـاردونـهـم إلى أن بـلـغـوا الـفـلـوجـة.

واسـتـمـرّت درجـات الـحـرارة بـالإرتـفـاع إلى أن وصـلـت 123ْ فـهـرنـهـايـت ( 50ْ درجـة ونـصـف) في الـظّـل، وبـلـغـت  136ْ فـ. (حـوالي 58ْ) في داخـل الـخـيـام.

ونـزل تـانَـنـت في 15 تـمّـوز إلى الـبـصـرة لاسـتـقـبـال “سـرب طـائـرات 63” الّـذي أرسـل مـن إنـكـلـتـرة لـمـسـانـدة الـقـوّات في الـعـراق. ولـكـنّـه اسـتـدعي إلى بـغـداد بـعـد أسـبـوعـيـن. وعـنـدمـا وصـل إلى مـطّـار بـغـداد في 11 آب، بـدأت طـائـرتـه بـالـهـبـوط، وفـجـأة أصـيـبـت مـاكـنـتـهـا بـعـطـب وتـوقّـفـت. وحـاول أن يـخـفّـض مـن سـرعـتـهـا ولـكـنّـهـا سـقـطـت مـصـطـدمـة بـالأرض. وخـرج بـمـعـجـزة مـن الـحـادثـة حـيّـاً، وبـجـروح في الـحـنـك والـرّكـبـة أخـاطـهـا لـه الـطّـبـيـب بـعـد ذلـك.

“وكـان يـنـبـغي أن أذهـب إلى الـبـصـرة بـأسـرع مـا يـمـكـن، فـانـطـلـقـت نـحـوهـا في طـائـرة أخـرى. ودفـعـتـني ريـاح نـاسـبـتـني حـتّى وصـلـت الـعـمـارة مـن غـيـر تـوقّـف. وكـانـت ركـبـتي قـد انـتـفـخـت، فـأخـرجـوني مـن طـائـرتي في الـمـطـار وأنـزلـوني، وقـضـيـت بـاقي نـهـاري مـضـطـجـعـاً في خـيـمـة. ولـم تـتـحـسـن حـالـتي، وكـنـت عـاجـزاً عـن الـسّـيـر فـنـقـلـوني إلى الـمـسـتـشـفى”. ووصـل إلى الـبـصـرة بـعـد أسـبـوعـيـن.

ووصـل “سـرب طـائـرات 63” إلى الـبـصـرة يـوم 13 آب. وكـان طـاقـمـه في عـزّ الـشّـبـاب وفي صـحّـة تـامّـة : “ومـا أن وصـلـوا بـالـكـاد، حـتّى أرسـل نـصـفـهـم إلى الـمـسـتـشـفى لـعـجـزهـم عـن تـحـمّـل طـقـس الـبـصـرة”. وبـعـد أيّـام “لـم يـبـق مـن ضـبّـاطـهـم الـثّـلاثـيـن إلّا سـتّـة [في الـبـصـرة]، ومـن الـجـنـود الـمـائـتـيـن إلّا سـبـعـيـن”، “واسـتـلـقى مـن بـقي مـنـهـم في ظـلال حـدائـق الـمـطـار. وكـان، حـتّى مـن يـسـتـطـيـع مـنـهـم الـوقـوف، في حـالـة يـرثى لـهـا. وكـنـت أخـشى أن يـحـدث هـذا، فـحـدث. وقـد قـامـت الـبـصّـرة بـأكـثـر مـا تـسـتـطـيـعـه مـن الـشّـر لـتـخـريـب الـبـشـريـة !”.

ثـمّ يـفـصـل تـانَـنـت الـكـلام في الـمـصـائـب الّـتي حـلّـت بـهـؤلاء “الـمـسـاكـيـن” والآلام الّـتي عـانـوا مـنـهـا. كـمـا نـزلـت إلـيـهـم أيـضـاً سـفـن مـلـيـئـة بـمـرضى لـم يـتـحـمّـلـوا الـحـرّ مـن مـنـاطـق أخـرى عـلى دجـلـة والـفـرات. وامـتـلأت “سـفـن ــ مـسـتـشـفـيـات” أرسـلـت نـحـو الـهـنـد لـكي تـفـرغ مـسـتـشـفـيـات الـبـصـرة الـعـسـكـريـة الّـتي سـرعـان مـا كـانـت تـمـتـلئ بـمـرضى آخـريـن.

وعـلى جـبـهـة ديـالى “سـارت قـطـعـات مـن بـعـقـوبـة وبـلـدروز في لـيـلـة 18 آب، وأجـبـرت الأتـراك عـلى الإنـسـحـاب يـوم 20 آب في جـبـل حـمـريـن، ولـكـنّـهـا لـم تـسـتـطـع مـتـابـعـتـهـم لـشـدّة الـحـرّ”.

أمّـا في الـبـصـرة، فـقـد جـاءهـم الـفـرج عـنـدمـا هـبـطـت درجـات الـحـرارة فـجـأة في 12 أيـلـول إلى 45 درجـة، واسـتـعـاد ضـبـاط وجـنـود “سـرب طـائـرات 63” بـعـض حـيـويـتـهـم، واسـتـطـاعـوا الـوصـول إلى بـغـداد. وأرسـلـت طـائـرتـان يـوم 13 أيـلـول لـتـحـلـقـا فـوق كـربـلاء الّـتي “بـدأ الـعـرب فـيـهـا حـركـات مـشـكـوك بـهـا”. وكـان الـهـدف مـن الـعـمـلـيـة إخـافـتـهـم، ولـكـنّ إحـدى الـطّـائـرتـيـن أصـابـهـا عـطـب وأجـبـر طـيّـارهـا ومـسـاعـده عـلى إنـزالـهـا خـارج الـمـديـنـة. ومـا أشـدّ مـا كـانـت دهـشـتـهـمـا عـنـدمـا رأوا الـعـرب يـتـراكـضـون نـحـوهـم مـرحـبـيـن بـهـم ومـبـتـسـمـيـن لـهـم !.

وحـالـمـا بـدأ الـحـرّ يـخـفّ، قـرر الـجـنـرال مـود الـذّهـاب إلى الـرّمـادي لـيـواجـه الأتـراك ويـحـاول طـردهـم مـنـهـا بـعـد فـشـل الـبـريـطـانـيـيـن في الـمـرّة الـسّـابـقـة. وكـانـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة قـد جـذبـت أعـداداً مـن الـعـرب والأكـراد لـيـقـاتـلـوا في صـفـوفـهـا ويـحـلّـوا مـحـلّ الـجـنـود الّـذيـن صـرعـتـهـم شـدّة الـحـرّ وأرسـلـوا إلى الـهـنـد. وجـلـبـت مـئـات الـكـيـلـومـتـرات مـن الـسّـكـك الـحـديـديـة مـن الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة وركّـبـت بـيـن الـكـوت وبـغـداد وبـعـقـوبـة، كـمـا مـدّ خـطّ آخـر عـبـر الـفـلاة نـحـو الـفـلّـوجـة.

وفي يـوم 25 أيـلـول، لـم تـرجـع طـائـرتـان بـريـطـانـيـتـان مـن رحـلـتـيـهـمـا الإسـتـكـشـافـيـتـيـن إلى قـاعـدتـهـمـا. ثـمّ ظـهـر بـعـد ذلـك أنّ أربـعـة مـن طـائـرات الأعـداء هـاجـمـتـهـا شـمـال تـكـريـت وأصـابـت إحـداهـا وأجـبـرتـهـا عـلى الـهـبـوط، ونـزلـت الـطّـائـرة الـبـريـطـانـيـة الـثّـانـيـة لإسـعـاف راكـبَي الـطـائـرة الأولى ولـكـن الأتـراك داروا حـولـهـم وقـصـفـوهـم، وأحـرقـوا إحـدى الـطـائـرتـيـن إحـراقـاً تـامـاً بـيـنـمـا احـتـرق جـزء مـن الـثّـانـيـة، وأسـروا ركـابـهـمـا الأربـعـة.

وفي نـفـس صـبـاح ذلـك الـيـوم خـرجـت ثـلاث طـائـرات بـريـطـانـيـة مـن بـعـقـوبـة وألـقـت بـأعـداد مـن الـقـنـابـل عـلى ثـلاثـة مـضـارب أعـراب جـنـوب بـغـداد وقـصـفـتـهـا.

وقـد اسـتـطـاع الـجـنـرال مـود في يـوم 29 أيـلـول، وبـعـد إعـدادات دقـيـقـة لـهـجـومـه، هـزم الأتـراك الّـذيـن كـان يـقـودهـم أحـمـد بـك قـرب الـرّمـادي وأسـر 500 3 مـن جـنـودهـم، وغـنـم أعـداداً كـبـيـرة مـن الأسـلـحـة والـذّخـيـرة.

الـفـصـل الـسّـادس “عـلى الـجـبـهـات الـثّـلاث” :

ويـسـتـمـرّ جـون إدوارد تـانَـنـت بـالـكـلام في هـذا الـفـصـل عـن مـا كـان قـد بـدأه في الـفـصـل الـسّـابـق، فـقـد أُرسـل أحـمـد بـك وكـلّ جـنـوده إلى بـغـداد بـعـد أن تـركـت حـامـيـة بـريـطـانـيـة لـحـراسـة الـرّمـادي.

وفي نـفـس الـيـوم، 29 أيـلـول، سـارت كـتـيـبـة الـخـيّـالـة الـبـريـطـانـيـة مـن بـلـدروز، واحـتـلّـت مـنـدلي بـعـد أن هـزمـت الأتـراك، الّـذيـن تـابـعـتـهـم الـطّـائـرات وألـقـت عـلـيـهـم قـنـابـل قـتـلـت أعـداداً مـنـهـم.

وفي 19 تـشـريـن الأوّل، إنـطـلـقـت الـخـيّـالـة الـبـريـطـانـيـة في الـسّـابـعـة والـنّـصـف صـبـاحـاً نـحـو خـانـقـيـن، ولـكـنّ الأتـراك كـانـوا قـد عـبـروا نـهـر ديـالى في الـلـيـل، ولـم يـفـلـحـوا بـعـد أن طـاردوهـم مـدّة طـويـلـة إلّا بـأسـر بـعـض جـنـودهـم.

“وبـردت الـلـيـالي في مـنـتـصـف تـشـريـن الـثّـاني، ولـكـنّ أعـداد الـمـرضى مـا زالـت كـبـيـرة”.

مـعـركـة تـكـريـت :

تاننت، معركة تكريت

وعـلى جـبـهـة دجـلـة، قـرر الـجـنـرال مـود في 25 تـشـريـن الأوّل إرسـال الـفـيـلـق الأوّل مـن سـامـراء شـمـالاً نـحـو الـدّور. وبـعـد أن لـحـقـت بـه قـطـعـات عـسـكـريـة أخـرى، إنـطـلـقـوا في الأوّل مـن تـشـريـن الـثّـاني نـحـو الـدّور، عـلى بـعـد 18 مـايـلاً (حـوالي 29 كـلـم.) مـن سـامـراء. وشـاركـت الـطّـائـرات في الـهـجـوم. ورغـم أنّـهـم فـشـلـوا في مـحـاولـتـهـم لـلإحـاطـة بـالأتـراك، إلّا أنّـهـم أجـبـروهـم عـلى الإنـسـحـاب شـمـالاً، نـحـو قـواعـدهـم في تـكـريـت.

واسـتـمـرّ الـبـريـطـانـيـون في تـقـدّمـهـم نـحـو تـكـريـت. واسـتـطـاع الـفـيـلـق الأوّل والـخـيّـالـة في الـرّابـع مـن تـشـريـن الـثّـاني احـتـلال مـنـطـقـة تـشـرف عـلى الـمـديـنـة. وكـانـت تـحـصـيـنـات الأتـراك قـوّيـة، وأرسـلـوا مـن تـكـريـت ضـدّ مـواقـع الـبـريـطـانـيـيـن طـائـرتـيـن قـصـفـتـهـا. وهـاجـم الـبـريـطـانـيـون مـواقـع الأتـراك في الـيـوم الـتّـالي، ولـكـنّ الأتـراك دافـعـوا عـنـهـا وطـردوهـم، ثـمّ عـادت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـلـهـجـوم وفـتـح عـلـيـهـم الأتـراك نـيـران مـدافـعـهـم الّـتي قـتـلـت أعـداداً مـن الـجـنـود الـبـريـطـانـيـيـن. واسـتـمـرت الـمـعـارك حـامـيـة إلى أن انـسـحـب الأتـراك شـمـالاً ودخـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في تـكـريـت.

ولأنّ الأتـراك ابـتـعـدوا عـن تـكـريـت وسـاروا نـحـو الـفـتـحـة، فـلـم يـتـرك الـبـريـطـانـيـون إلّا قـوّات قـلـيـلـة اعـتـبـروهـا كـافـيـة لـحـمـايـة الـمـديـنـة، وعـاد الـبـاقـون إلى سـامـراء.

وفـاة الـجـنـرال مـود :

تاننت، الجنرال مود

وكـتـب تـانَـنـت : “وفي مـسـاء 17 تـشـريـن الـثّـاني 1917، عـانى الـجـنـرال مـود مـن آلام عـنـيـفـة، وكـان في داره في بـغـداد. وكـان وبـاء الـكـولـيـرا قـد عـاد إلى الـمـديـنـة مـع رجـوع الـبـرد، كـمـا مـاتـت أعـداد مـن الـمـصـابـيـن بـالـجـدري”، “وكـان الـجـنـرال مـود ومـرافـقـوه قـد شـاركـوا في حـفـل مـدرسي في الـمـديـنـة وشـربـوا فـنـاجـيـن قـهـوة كـمـا جـرت عـــه الـعـادة في الـشّـرق”، “وقـد أخـبـروني وأنـا في طـريـقي إلى مـكـتـبي في الـيـوم الـتّـالي أنّ الـجـنـرال كـان مـريـضـاً، ربّـمـا أصـيـب بـالـكـولـيـرا”، “وكـان عـدد مـن الأطـبّـاء يـبـذلـون كـلّ جـهـودهـم لإنـقـاذ حـيـاتـه. ولـكـنّـهـم لـم يـتـوصّـلـوا إلى ذلـك ويـا لـلأسـف، وتـوفي الـجـنـرال في الـسّـاعـة الـسّـادسـة مـن نـفـس الـمـسـاء”. (1)

“وكـانـت هـذه ضـربـة عـنـيـفـة هـزّت صـفـوف الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة بـفـقـدان قـائـدهـم”. ثـمّ خـصـص تـانَـنـت مـقـاطـع طـويـلـة تـكـلّـم فـيـهـا عـن عـلاقـاتـه الـمـسـتـمـرّة بـقـائـده الأعـلى الّـذي كـان يـتـابـع كـلّ صـغـيـرة وكـبـيـرة، وعـن مـكـارم الـجـنـرال … ثـمّ يـذكـر أن الـلـيـوتـنـانـت جـنـرال الـسّـيـر مـارشـال Lieut.-General Sir W. Marshall قـائـد الـفـيـلـق الـثّـالـث، اخـتـيـر قـائـداً أعـلى لـلـقـوّات لـيـحـلّ مـحـل الـجـنـرال مـود.

ويـعـود تـانَـنـت إلى مـتـابـعـة الـعـمـلـيـات الـحـربـيـة، فـقـد نـقـل الأتـراك في جـبـهـة وادي دجـلـة مـطـارهـم إلى شـمـال الـفـتـحـة. وفي يـوم تـشـيـيـع الـجـنـرال، أي 19 تـشـريـن الـثّـاني، حـلّـقـت طـائـرتـان ألـمـانـيـتـان فـوق الـمـواقـع الـبـريـطـانـيـة في كـفـري، ولـكـن لـم تـحـدث مـنـاوشـات بـيـن الـطّـرفـيـن.

كـمـا ازدادت سـيـطـرة الـبـريـطـانـيـيـن عـلى “أخـصـب أراضي الـعـراق”، بـيـن الـحـلّـة والـنّـاصـريـة “مـمـا يـعـني الـحـصـول عـلى كـثـيـر مـن الـحـبـوب لإطـعـام قـوّات الـحـمـلـة”، “وسـكّـان هـذه الـمـنـطـقـة لا يـخـضـعـون لأحـد، ولـم يـتـعـاونـوا أبـداً مـع الأتـراك. ولـقـربـهـم مـن مـديـنـتَي كـربـلاء والـنّـجـف فـهـم شـديـدو الـتّـعـصّـب الـدّيـني”. ويـخـصـص تـانّـنـت مـقـطـعـاً طـويـلاً لـيـشـرح لـقـرائـه أهـمـيـة كـربـلاء والـنّـجـف الـدّيـنـيـة.

أمّـا في جـبـهـة الـفـرات فـقـد احـتـلّ الأتـراك هـيـت. كـمـا تـحـصـنـوا في قـرة تـبـه في وادي ديـالى، وسـيـطـروا عـلى مـمـرات جـبـل حـمـريـن عـلى يـمـيـن الـنّـهـر. وقـرر الـجـنـرال مـارشـال مـهـاجـمـتـهـم في هـذه الـمـنـطـقـة. وانـسـحـب الأتـراك في 3 كـانـون الأوّل. واحـتـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة خـانـقـيـن في 9 كـانـون الأوّل.

“وتـغـيّـر الـجـو في مـنـتـصـف كـانـون الأوّل، ولـم تـكـن الأمـطـار قـد هـطـلـت طـيـلـة الـسّـنـة. وهـا قـد دفـعـت ريـاح جـنـوبـيـة نـحـونـا بـغـيـوم مـتـسـارعـة أسـقـطـت سـيـولاً مـن الأمـطـار، أغـرقـت مـطـارنـا في الـبـصـرة وحـوّلـت بـعـقـوبـة إلى أهـوار. وبـعـد سـنـة مـن الـجـفـاف يـشـعـر الـمـرء بـعـذوبـة قـطـرات الـمـطـر الـمـنـعـشـة تـداعـب وجـهـه إذا مـا عـاد بـعـدهـا إلى داره لـيـجـفـف نـفـسـه. أمّـا في الـصّـحـراء فـالأمـر مـخـتـلـف : نـجـلـس مـرتـجـفـيـن تـحـت الـقـطـرات الـرّطـبـة الّـتي تـتـسـاقـط عـلـيـنـا مـن شـقـوق الـخـيّـام الّـتي كـانـت الـشّـمـس قـد أحـرقـتـهـا وهـرّأتـهـا. ونـقـضي سـاعـات لإيـجـاد طـريـقـة نـحـفـر فـيـهـا سـواقي لـتـسـيـل مـنـهـا الـمـيـاه الـمـتـراكـمـة مـن غـيـر أن نـفـلـح في ذلـك، وتُـغـرق الـمـيـاه الـخـيـام ويـطـفـو عـلـيـهـا كـلّ مـا وضـعـنـاه فـيـهـا. وتـهـبّ عـواصـف مـرعـبـة في الـلـيـل تـقـتـلـع أوتـاد الـخـيـام، ولـنـمـنـعـهـا مـن الـسّـقـوط نـتـراكـض مـثّـل مـجـاذيـب ونـحـاول ربـط حـبـال وتـقـويـة الـعـقـد، ثـم نـعـود إلى أغـطـيـتـنـا الـمـبـتـلّـة ونـحـاول الـنّـوم”.

وخـرجـوا مـن خـيـامـهـم في حـوالي الـرّابـعـة صـبـاحـاً لـيـجـدوا مـرائـب الـطّـائـرات عـلى وشـك الـتّـسـاقـط، وربـطـوا الـطّـائـرات بـحـبـال لـيـثـبّـتـوهـا عـلى الأرض : “وانـبـلـج الـفـجـر عـلى الـبـرّيـة الـغـارقـة بـالـمـيـاه، والـبـرد والـرّطـوبـة والـحـمى. ولا نـجـد مـا نـبـتـلـعـه إلّا سـمـكـة سـرديـن أو اثـنـتـيـن لأنّ الـطّـبـاخ لا يـسـتـطـيـع إيـقـاد الـنّـار”.

واسـتـمـرّت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة والألـمـانـيـة تـقـصـف بـعـضـهـا بـعـضـاً. وفي الـثّـاني عـشـر مـن كـانـون الـثّـاني شـارك تـانَـنـت، الّـذي كـان في الـفـلّـوجـة، في مـطـاردة طـائـرات ألـمـانـيـة نـزلـت مـن هـيـت، وأجـبـروا إحـداهـا عـلى الـهـبـوط وأسـروا الـطّـيّـار ومـسـاعـده.

ثـمّ جـاءت أعـيـاد الـمـيـلاد واحـتـفـلـوا بـهـا في بـغـداد. وكـانـت أكـثـر إبـهـاجـاً مـن تـلـك الّـتي احـتـفـلـوا بـهـا في الـبـراري في الـعـام الـسّـابـق.

وفي لـيـلـة 24 كـانـون الـثّـاني 1917 حـلّـقـت الـطّـائـرات الألـمـانـيـة ــ الـتّـركـيـة في سـمـاء بـغـداد وألـقـت عـلـيـهـا لأوّل مـرّة بـالـقـنـابـل.

الـفـصـل الـسّـابـع، “آخـر الـسّـاعـات الـمـلـيـئـة بـالـمـشـاغـل” :

ويـتـكـلّـم جـون إدوارد تـانَـنـت في آخـر فـصـول كـتـابـه هـذا عـن وصـول الـمـتـطـوّعـيـن إلى الـبـصـرة وصـعـودهـم إلى بـغـداد.

وكـانـوا أسـتـرالـيـيـن ونـيـوزيـلـنـديـيـن وكـنـديـيـن وانـكـلـيـز. وكـوّنـوا مـا اسـمـاه تـانَـنـت بـالـ  “Hush Hush Army”. وكـانـوا خـلـيـطـاً مـن أنـواع غـريـبـة. ولـكـنّـهـم اسـتـمـروا في صـعـودهـم نـحـو الـشّـمـال لـيـقـاتـلـوا الأتـراك أو لـيـحـاربـوا الـبـولـشـفـيـك، واخـتـفـوا بـصـمـت كـمـا وصـلـوا.

ويـخـصـص عـدداً مـن الـصّـفـحـات لـلـحـديـث عـن جـبـهـة بـلاد الـفـرس (أي إيـران كـمـا كـانـت تـسـمى في ذلـك الـحـيـن) وعـن بُـعـد طـهـران عـن بـغـداد. ثـمّ يـتـكـلّـم عـن وصـول سـرب طـائـرات جـديـدة إلى الـبـصـرة. وكـانـت أحـدث الـطّـائـرات الـمـصـنـوعـة في ذلـك الـزّمـن.

في الأهـوار :

ولأنّ “الأهـوار في أسـفـل نـهـر الـفـرات، مـن جـنـوب الـحـلّـة وحـتّى الـنّـاصـريـة، لـم تـكـن قـد رسـمـت لـهـا خـرائـط بـعـد، فـقـد أرسـلـت طـائـرتـان إلى الـكـوفـة لـلـبـدء بـاسـتـطـلاع هـذه الـمـنـطـقـة الّـتي نـكـاد نـجـهـلـهـا. وكـانـت كـلّ هـذه الـمـنـطـقـة في اضـطـرابـات. ولـهـذا أرسـلـت قـوّات لـحـمـايـة الـمـوظـفـيـن الـمـعـزولـيـن في هـذه الأرجـاء وحـمـايـة الـعـشـائـر الّـتي تـتـعـاون مـعـنـا”.

آثـار بـابـل :

“وبـيـنـمـا كـنـت أحـلّـق في طـريـقي إلى الـكـوفـة، أجـبـرني خـلـل في مـاكـنـة طـائـرتي عـلى الـهـبـوط عـلى بُـعـد مـايـل (1,60934 كـلـم.) مـن أطـلال بـابـل. وجـاء عـرب مـسـلّـحـون حـالاً. وكـنـت سـعـيـداً لـوصـول هـؤلاء الـ “شـبّـانـة shabbanas” أو الـمـسـاعـديـن الـمـحـلـيـيـن الّـذيـن نـظّـمـهـم الـقـسـم الـسّـيـاسي [في الـجـيـش]”، “وأعـارني شـيـخ حـصـانـاً صـغـيـراً امـتـطـيـتـه. وصـاحـبـني “الـشّـبّـانـة” إلى الـحـلّـة الّـتي تـقـيـم فـيـهـا حـامـيـة بـريـطـانـيـة لـهـا خـطّ تـلـغـراف”، “وعـدت إلى الـكـوفـة في الـيـوم الـتّـالي”.

“وكـنـت قـد رأيـت في الـطّـريـق مـوقـع بـابـل، الّـذي تـرتـفـع فـيـه مـجـمـوعـة مـن الأطـلال الـمـدفـونـة الّـتي لا تـظـهـر مـنـهـا إلّا أعـالـيـهـا. وقـد بـذل الألـمـان، مـنـذ عـام 1899، جـهـوداً هـائـلـة في إزاحـة الـتّـراب عـنـهـا والـتّـنـقـيـب فـيـهـا، وشـيّـدوا مـتـحـفـاً قـرب الـنّـهـر. (2) وحـالـمـا وصـل الـبـريـطـانـيـون إلى الـحـلّـة، تـكـفّـلـت الـسّـلـطـات الـعـسـكـريـة بـحـمـايـة الـمـتـحـف. ولـولا هـذه الـحـمـايـة لـمـا بـقي فـيـه إلّا الـقـلـيـل. ونـرى عـلى كـلّ طـابـوقـة تـقـريـبـاً نـقـش، سـجّـل في زمـن نـبـوخـذ نـصـر، أو الـسّـلالات الـقـديـمـة الّـتي وجـدت الآن آثـار أبـنـيـتـهـا الـسّـابـقـة لـبـابـل. وأهـم آثـارهـا بـوابـة عـشـتـار الّـتي شـيّـدهـا نـبـوخـذ نـصـر، وتـمـثـال الأسـد الـجـاثـم فـوق رجـل”.

تاننت بيرس نمرود)

“وفي طـريـقـنـا إلى الـكـوفـة مـررنـا بـتـلّ عـلـيـه أطـلال يـذكـر الـعـرب أنّـهـا بـقـايـا “بـرج بـابـل”. “وهـو ولا شـكّ بـنـاء قـديـم”. “وآثـار الأزمـنـة الـمـاضـيـة هـذه، الـمـنـتـصـبـة وحـدهـا في هـذه الـفـيـافي الـقـاحـلـة، تـبـدو في صـمـتـهـا مـنـعـزلـة تـمـامـاً عـن مـسـيـرة الـبـشـريـة. ونـشـعـر، حـتّى ونـحـن نـحـلّـق فـوقـهـا، كـمـا لـو كـنّـا نـدنـس قـدسـيـتـهـا”.

والـتـقى جـون إدوارد تـانَـنـت في مـنـتـصـف الـطّـريـق بـيـن الـكـوفـة والـنّـجـف بـطـائـرتي اسـتـطـلاع كـان يـعـرف أحـد طـيّـاريـهـا. وكـتـب : “وبـعـد عـدّة أيّـام قُـتـل أحـدهـمـا في الـنّـجـف بـيـنـمـا حـوصـر الآخـر إلى جـاءت قـوّات لـتـنـقـذه. وضـرب جـنـودنـا الـحـصـار عـلى الـنّـجـف، وقـطـعـت عـنـهـا الـمـيـاه. ولـم يـجـد سـكـانـهـا مـا يـشـربـونـه إلّا مـاء آبـار الـمـديـنـة الـمـالـح”. وبـعـد أيـام اسـتـسـلـمـت وسـلّـمـت الـمـسـؤولـيـن عـن قـتـل الـطّـيّـار لـيـعـاقـبـوا.

تاننت، النجف

وعـادت الـمـعـارك عـلى جـبـهـة الـفـرات في مـنـتـصـف شـبـاط، فـقـد قـوّى الأتـراك مـراكـزهـم حـول هـيـت. وقـرر الـجـنـرال مـارشـال مـهـاجـمـتـهـم مـن جـديـد. وكـان هـدف الـعـمـلـيـة احـتـلال هـيـت والـبـقـاء فـيـهـا لـقـطـع طـريـق هـيـت ــ تـكـريـت الـصّـحـراوي، الّـذي يـربـط الـفـرات بـدجـلـة، عـلى الأتـراك، “والإسـتـيـلاء عـلى آبـار الـقـار الّـتي اشـتـهـرت بـهـا الـمـنـطـقـة”. وسـارت كـتـيـبـة بـريـطـانـيـة نـحـوهـا في 19 شـبـاط 1918. “وخـلال أسـبـوع واحـد، ألـقـيـت ثـلاثـة أطـنـان مـن الـقـنـابـل ودارت الـطّـائـرات 9000 مـرّة لـتـقـصـف مـواقـع الأعـداء”، وخـاصـة مـطـار الألـمـان في هـيـت. وأجـبـر الألـمـان عـلى نـقـل طـائـراتـهـم إلى حـديـثـة تـحـت الأمـطـار والـغـيـوم الـواطـئـة.

كـمـا قـامـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة بـعـمـلـيـات في أعـالي نـهـر الـكـارون ضـدّ عـشـائـر الـبـخـتـيـار.

وفي 8 آذار، أخـلى الأتـراك هـيـت إخـلاءً تـامّـاً واحـتـلّـهـا الـبـريـطـانـيـون. وكـتـب تـانّـنـت : “تـنـتـصـب هـيـت، عـنـدمـا نـنـظـر إلـيـهـا مـن الـبـاديـة، مـثـل قـلـعـة قـديـمـة، فـهي عـلى تـلّ تـراكـمـت عـلـيـه آثـار الـمـدن الـمـتـتـابـعـة الّـتي انـدثـرت الـواحـدة بـعـد الأخـرى، مـثـلـمـا في مـوقـع بـابـل. وربّـمـا كـانـت رائـحـة هـيـت أسـوء روائـح أي مـكـان آخـر في الـعـالـم”، “وأوّل أسـبـاب ذلـك مـنـابـع الـقـار الّـتي تـغـلي فـقـاعـاتـهـا الـمـلـتـهـبـة، وتـنـبـعـث مـنـهـا روائـح كـبـريـتـيـة تـثـقـل الـجـو تـشـبـه روائـح الـبـيـض الـمـتـعـفّـن. ولـكـنـنـا نـشّـمّ، عـنـدمـا نـقـتـرب مـن الـمـديـنـة، روائـح أنـتـن مـنـهـا : بـقـايـا عـظـام مـتـعـفـنـة ووحـول آسـنـة وقـاذورات تـراكـمـت حـول الـحـيـطـان وفي الأزقّـة الـمـعـتـمـة”، “وهـنـاك غـابـة نـخـيـل خـارج الـمـديـنـة، وعـنـدمـا نـنـظـر إلـيـهـا والـفـرات يـجـري وسـطـهـا والـمـديـنـة الـبـديـعـة الـتّـكـويـن خـلـفـهـا مـن بـعـيـد، تـبـدو لـنـا وكـأنّـهـا سـحـريـة خـرجـت مـن حـكـايـة أسـطـوريـة”.

تاننت، هيت

وتـابـعـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة الأتـراك شـمـال هـيـت في 9 آذار، وألـقـت عـلـيـهـم بـالـقـنـابـل طـيـلـة الـنّـهـار إلى أن اخـتـفـوا تـمـامـاً في صـخـور الـتّـلال الـمـحـاذيـة لـلـفـرات وانـسـحـبـوا إلى خـان بـغـدادي. وأوقـفـت الـعـواصـف والأمـطـار الـعـمـلـيـات الـعـسـكـريـة.

ونـظّـم الـبـريـطـانـيـون حـيـاتـهـم في بـغـداد لـيـتـمـتـعـوا بـعـطـل نـهـايـة الأسـبـوع : “سـبـاق خـيـل، ومـبـاريـات بـولـو، واسـتـعـراضـات خـيـول، ومـبـاريـات غـولـف وكـرة قـدم ومـلاكـمـة … إلـخ”، “وحـتّى الـقـائـد الـعـام نـفـسـه تـرأس فـريـق بـولـو، ودامـت الـمـبـاريـات الـرّيـاضـيـة والـمـسـابـقـات أربـعـة أيّـام لـم تـرَ الـمـديـنـة مـثـلـهـا مـن قـبـل”.

وقـررت الـقـيـادة الـبـريـطـانـيـة مـطـاردة الأتـراك في وادي الـفـرات والـتّـقـدم نـحـو خـان بـغـدادي.

الأتـراك يـأسـرون تـانَـنـت :

وغـادر تـانَـنـت، بـصـحـبـة طـيّـار آخـر، الـمـاجـور هـوبـرت، في صـبـاح 25 آذار بـغـداد مـحـلّـقـاً نـحـو هـيـت، ثـمّ اسـتـمـرّا صـاعـدَيـن نـحـو الـشّـمـال لاسـتـطـلاع مـواقـع الأتـراك. “وكـان الـجـوّ بـارداً، وريـح الـشّـمـال تـدفـع غـيـومـاً سـوداء مـمـطـرة”. وحـلّـقـا وسـط عـاصـفـة لـم يـخـرجـا مـنـهـا إلّا بـعـد أن اجـتـازا هـيـت. وأكـمـلا نـحـو الـشّـمـال، وعـنـدهـا بـدأت الـمـدفـعـيـة الـتّـركـيـة تـطـلـق عـلى طـائـرتـهـمـا قـذائـف أصـابـت إحـداهـا جـهـاز تـبـريـد الـمـاكـنـة، وأجـبـر تـانَـنـت عـلى الـهـبـوط في وسـط الـقـوّات الـتّـركـيـة !

وتـراكـض الـجـنـود نـحـوهـمـا وقـبـضـا عـلـيـهـمـا. وأخـذوهـمـا إلى لـيـوتـنـانـت ــ كـولـونـيـل اسـتـقـبـلـهـمـا بـأدب. ثـمّ أركـبـوهـمـا عـلى حـصـانـيـن ونـزلـوا بـهـمـا إلى الـوادي The Wadi. وبـعـد مـسـيـرة طـويـلـة وصـلا بـيـن يـدي نـظـمي بـك، قـائـد قـوّات جـبـهـة الـفـرات الّـذي لـم يـكـن يـتـكـلّـم لا الإنـكـلـيـزيـة ولا الـفـرنـسـيـة، ووجـد مـتـرجـمـاً لـلـحـديـث مـعـهـمـا، واخـبـرهـمـا أنّـه كـان يـنـوي إبـقـاءهـمـا مـعـه في الـمـعـسـكـر يـومـيـن أو ثـلاثـة.

تاننت، الأسر

ولاحـظ تـانّـنـت أنّ الـضّـبّـاط الألـمـان لـم يـكـونـوا يـخـتـلـطـون بـالأتـراك أبـداً بـل يـكـتـفـون بـإلـقـاء الأوامـر عـلـيـهـم. وقـد نـقـلـوهـمـا في الـلـيـل إلى الـسّـراي the serai في قـريـة حـديـثـة، “في جـزيـرة وسـط الـفـرات”.

وفي الـخـامـسـة مـن صـبـاح الـيـوم الـتّـالي سـمـعـا أصـوات الـقـذائـف والـطّـلـقـات الـنّـاريـة، وجـاءهـمـا الأمـر بـالإسـتـعـداد لـمـغـادرة الـمـكـان حـالاً، وألـقـوهـمـا في عـربـة انـطـلـقـت مـسـرعـة وسـط الـفـوضى الـتّـامّـة. ووصـلـوا في حـوالي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة إلى عـانـة. وجـاء عـدد مـن الـضّـبـاط لـيـتـفـرّجـوا عـلـيـهـمـا “أغـلـبـهـم مـن الـعـرب”.

ثـمّ جـاء أمـر آخـر بـمـغـادرة الـمـكـان مـن جـديـد وأركـبـوا كـلّ واحـد مـنـهـمـا عـلى جـمـل وانـطـلـقـوا يـحـرسـهـمـا إثـنـا عـشـر تـرتـريـاً Tartars يـمـشـون مـعـهـمـا. وبـعـد أن سـاروا سـاعـات طـويـلـة وصـلـت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة فـوقـهـمـا وقـصـفـت كـلّ مـا حـولـهـمـا ثـمّ ذهـبـت، واسـتـمـرّا في الـسّـيـر مـع حـراسـهـمـا إلى مـا بـعـد حـلـول الـلـيـل ووصـلـوا إلى حـصـن مـبـنيّ بـالـلِـبـن.

وعـنـدـا اسـتـيـقـظ تـانَـنـت في صـبـاح 28 آذار 1918، رأى الـمـكـان مـلـيـئـاً بـالأتـراك والألـمـان الّـذيـن تـركـوا عـانـة هـاربـيـن مـنـهـا. وعـرف أنّـهـم كـانـوا مـتـوجّـهـيـن نـحـو حـلـب.

وفي الـضّـحى، في حـوالي الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة نـزلـوا إلى الـفـرات لـيـسـتـحـمّـوا، وعـنـدهـا سـمـعـا جـنـديـاً يـصـيـح : “سـيّـارة !”. فـأركـبـوهـمـا عـلى جـمـلـيـهـمـا وعـادا لـلـمـسـيـر. وعـنـدمـا اقـتـربـت أصـوات الـقـصـف وإطـلاق الـنّـار مـنـهـم تـنـاثـر حـرّاسـهـم في كـلّ الإتـجـاهـات تـحـت الـنّـيـران الـمـنـهـمـرة عـلـيـهـم، وركـض تـانَـنـت ورفـيـقـه نـحـو الـنّـهـر وألـقـيـا بـنـفـسـيـهـمـا في الـمـاء، ومـن هـنـاك أخـرجـهـم الـجـنـود الـبـريـطـانـيـون. ورجـعـوا مـعـهـم إلى هـيـت.

وبـعـد ثـلاثـة أسـابـيـع، صـدر أمـر بـإرجـاعـه إلى إنـكـلـتـرة مـع مـجـمـوعـة يـتـرأسـهـا. ولـكـنّ الأوامـر تـغـيّـرت عـنـد وصـولـهـم إلى الـبـصـرة، وأرسـلـوه لـلـعـمـل في قـيـادة جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة :

“وكـان مـؤسـفـاً أن أجـمـع أمـتـعـتي وأن أودّع داري الـصّـغـيـرة في بـغـداد، وأن أتـرك كـلّ أصـحـابي. فـأيـن أنـتـم الآن يـا رفـاقي الـقـدمـاء ؟”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

(2) أنـظـر مـقـالي : فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

“بـيـن الـسّـحـب، في سـمـاء بـغـداد”ــ الـقـسـم الأوّل

تانَنت غلاف

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

أنـارت أشـعـة الـشّـمـس مـكـتـبي وأضـاءت كـومـة كـتـب قـد كـدّسـتـهـا في جـانـب مـنـه ونـسـيـتـهـا، فـظـهـرت بـوضـوح كـثـافـة الـغـبـار الـمـتـراكـم عـلـيـهـا. وحـمـلـتـهـا بـيـن ذراعيَّ إلى طـاولـة في الـحـديـقـة، وبـدأت أنـفـض عـنـهـا الـغـبـار وأتـصـفّـحـهـا. وكـنـت قـد اشـتـريـتـهـا، لا أتـذكّـر مـتى، عـنـد بـاعـة كـتـب قـديـمـة، ثـمّ تـركـتـهـا تـرقـد في زاويـة مـن مـكـتـبي مـا شـاءت لـهـا الأقـدار أن تـرقـد … وكـان مـن بـيـنـهـا كـتـاب كـنـت أنـوي قـراءتـه مـنـذ زمـن طـويـل ولـكـنّ بـعـض الـمـشـاغـل عـاقـتـني عـن ذلـك في حـيـنـهـا، ونـسـيـتـه في وسـط الـكـومـة الـمـتـكـدّسـة.

ورغـم قـلّـة شـغـفي بـالـنّـصـوص الـمـنـشـورة عـن الـحـروب فـقـد جـلـسـت في جـانـب مـشـمـس مـن حـديـقـتي وبـدأت بـقـراءتـه. والـكـتـاب مـذكّـرات كـتـبـهـا جـون إدوارد تـانَـنـت  John Edward TENNANT ، الّـذي كـان ضـابـطـاً في سـلاح الـطّـيـران الـبـريـطـاني (RFC)، وقـاتـل في الـعـراق بـيـن عـامَي 1916 و 1918.

وقـد صـاحـب قـوّات الـجـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود  F. S. MAUDE في صـعـودهـا مـن الـبـصـرة نـحـو بـغـداد، وألـقى بـالـقـنـابـل عـلى بـغـداد قـبـل أن تـسـتـطـيـع هـذه الـقـوّات دخـولـهـا في 11 آذار 1917. (1) ثـمّ اسـتـمـرّ يـقـصـف ويـلـقي بـالـقـنـابـل مـع طـيّـاري الـحـرب الآخـريـن حـتّى اكـتـمـل احـتـلال الـبـريـطـانـيـيـن لـلـعـراق.

وبـعـد أن عـاد إلى بـلـده كـتـب أحـداث مـا عـاشـه بـدقّـة مـدهـشـة، مـعـتـمـداً عـلى الـمـلاحـظـات الّـتي كـان قـد سـجّـلـهـا خـلال سـنـوات قـتـالـه وصـاحـبـهـا بـصـور فـوتـوغـرافـيـة كـان قـد الـتـقـط أغـلـبـهـا مـن طـائـرتـه مـحـلّـقـاً في سـمـاء الـعـراق.

وقـد اكـتـشـفـت في هـذا الـكـتـاب كـنـوزاً مـن الـمـعـلـومـات عـن هـذه الـفـتـرة الـمـهـمّـة مـن تـاريـخ بـلـدنـا. ولـم أجـد بـعـد، رغـم مـحـاولاتي الـمـتـكـررة، مَـن كـتـب عـنـه بـالـلـغـة الـعـربـيـة أو تـرجـم بـعـض مـا فـيـه، فـقـررت أن أسـجـل بـعـض الـمـلاحـظـات، وأقـدّم لـكـم عـنـه هـذا الـعـرض الـبـسـيـط.

ولأنّ الـكـتـاب طـويـل، بـمـائـتـيـن وتـسـع وثـمـانـيـن صـفـحـة (289 ص.)، فـسـأعـرضـه عـلـيـكـم بـقـسـمـيـن :

يـبـدأ الأوّل بـوصـول تـانَـنـت إلى شـطّ الـعـرب في 30 تـمّـوز 1916، ويـنـتـهى بـاحـتـلال بـغـداد في 11 آذار 1917، ويـكـمـل الـثّـاني مـا كـتـبـه تـانَـنـت عـن مـا بـعـد الإحـتـلال وحـتّى أواخـر نـيـسـان 1918 عـنـدمـا تـرك الـعـراق.

جـون إدوارد تـانَـنـت John Edward TENNANT:

وسـأبـدأ، قـبـل أن أعـرض مـا في الـكـتـاب، بـالـقـلـيـل الّـذي وجـدتـه عـن حـيـاة كـاتـبـه جـون إدوارد تـانَـنـت الّـذي ولـد في إسـكُـتـلـنـدة سـنـة 1890، ودخـل الـكـلـيـة الـبـحـريـة الـمـلـكـيـة. وقـاتـل في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في فـرنـسـا. ووصـل إلى الـعـراق عـام 1916. ثــمّ أصـبـح طـيّـاراً ورفّـع إلى رتـبـة لـيـوتـنـانـت  2e lieutenant  في سـلاح الـطّـيـران الـبـريـطـاني         (RFC)     Royal Flying Corps .

وقـاتـل ضـدّ الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة والألـمـانـيـة في الـعـراق وإيـران. ورفّـع إلى رتـبـة كـولـونـيـل وكـوفئ لـخـدمـتـه الـمـتـمـيّـزة، ونـال نـيـشـان (مـدالـيـة) “الـصّـلـيـب الـعـسـكـري Military Cross (MC)”.

وقـد جـذبـتـه الـحـيـاة الـسّـيـاسـيـة بـعـد الـحـرب، ورشّـح عـام 1926 لـيـدخـل في الـبـرلـمـان الـبـريـطـاني، ولـكـن يـبـدو أنّـه لـم يـشـغـل مـنـاصـب مـهـمّـة. والـحـقـيـقـة هي أنـني لـم أجـد عـنـه الـكـثـيـر مـا عـدا أنّـه اشـتـهـر بـكـتـاب ذكـريـاتـه عـن الـحـرب الّـذي نـشـره في لـنـدن عـام 1920 : “بـيـن الـسّـحـب في سـمـاء بـغـداد، مـذكّـرات ضـابـط في سـلاح الـطّـيـران” (2)

تاننت غلاف

وتـوفي جـون إدوارد تـانَـنـت سـنـة 1941 في حـادثـة سـقـوط طـائـرة كـان يـقـودهـا، وكـان في الـحـاديـة والـسّـتـيـن مـن عـمـره.

بـيـن الـسّـحـب، في سـمـاء بـغـداد :

يـتـكـلّـم تـانَـنـت في كـتـابـه هـذا عـن مـسـانـدة الـقـوّات الـجـويّـة لـعـمـلـيـات الـبـحـريـة الـبـريـطـانـيـة الـحـربـيـة في نـهـرّي دجـلـة والـفـرات، والّـتي نـتـج عـنـهـا احـتـلال بـغـداد في 11 آذار 1917.

ومـن بـيـن مـا حـدث لـه، يـتـكـلّـم عـن إسـقـاط الأتـراك لـطـائـرتـه DH4 ، وأسـرهـم لـه. ويـصـاحـب الـنّـصّ حـوالي 40 صـورة الـتـقـط بـعـضـهـا مـن طـائـرتـه.

ويـبـدأ الـكـتـاب بـربـاعـيـة مـن ربـاعـيـات عـمـر الـخـيّـام (الّـذي ولـد سـنـة 1048 وتـوفي سـنـة 1131 م.)، بـتـرجـمـة إدوارد فـيـتـزجـيـرالـد Edward Fitzgerald لـهـا مـن الـفـارسـيـة إلى الإنـكـلـيـزيـة (3)، كـمـا وضـع تـانَـنـت ربـاعـيـة مـن ربـاعـيـات الـخـيّـام في بـدايـة كـلّ فـصـل مـن فـصـول الـكـتـاب.

الـفـصـل الأوّل : نـحـو الـشّـرق :

غـادرت بـاخـرتـه مـيـنـاء بـلايـمـوث في آخـر يـوم مـن أيّـام حـزيـران عـام 1916، تـقـلّـه نـحـو الـشّـرق الـبـعـيـد، لـيـقـاتـل في أرض لـم يـرهـا مـن قـبـل أبـداً. واخـتـرقـت الـبـاخـرة الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط ووصـلـت إلى بـورسـعـيـد في تـمّـوز. وبـلـغـت درجـات الـحـرارة مـا يـقـارب الـ 38ْ.

وكـان آلاف مـن الـجـنـود الـبـريـطـانـيـيـن قـد انـتـشـروا في تـلـك الـفـتـرة بـيـن بـورسـعـيـد وبـيـن مـديـنـة الـسّـويـس لـيـمـنـعـوا الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة مـن الـوصـول إلى مـصـر. وكـان الـبـريـطـانـيـون قـد أوقـفـوا تـقـدّمـهـا في الـعـريـش.

ثـمّ اجـتـازت الـبـاخـرة الـبـحـر الأحـمـر إلى عـدن، ووصـلـت إلى بـومـبـاي في الـهـنـد (والّـتي أصـبـح اسـمـهـا الآن مـومـبـاي). وغـادرهـا تـانَـنـت في الـثّـلاثـاء 25 تـمّـوز بـصـحـبـة 1600 جـنـدي هـنـدي وأربـعـيـن ضـابـطـاً مـن قـوّات الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة نـحـو مـسـقـط، ومـنـهـا صـعـدوا إلى الـبـصـرة. ووصـلـوا إلى شـطّ الـعـرب في 30 تـمّـوز.

وعـنـدمـا وصـل إلى الـبـصـرة كـتـب : “هـذا الـمـكـان مـشـهـور بـطـقـسـه، تـخـنـق حـرارتـه الـرّطـبـة الـرّئـتـيـن وتـثـقـل عـلـيـهـمـا […] تـنـهـكـنـا في الـنّـهـار ولا تـخـفّ في الـلـيـل، فـلـيـس هـنـاك هـواء مـنـعـش في صـيـف الـبـصـرة”.

وقـد لاحـظ أنّ “سـكّـان الـبـصـرة جـمـوع جـاءت مـن كـلّ أرجـاء الـدّنـيـا”، “ومـثـلـمـا في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة، يـسـلـك الـنّـاس قـنـوات الـمـاء لـلـتّـنـقّـل، هـنـا بـالـبـلـم bellum بـدلاً مـن جـنـدول الـبـنـدقـيـة. وركـبـنـاه قـاصـديـن أسـواق نـهـر الـعـشّـار، ومـررنـا أمـام صـفّ مـن الـمـقـاهي وقـاعـات الـرّقـص    dancing saloons”.

وقـد وصـل جـون إدوارد تـانَـنـت في فـتـرة كـانـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة تـلاقي فـيـهـا صـعـوبـات، خـاصّـة وأنّ “الـكـوت كـانـت قـد اسـتـسـلـمـت في 23 نـيـسـان”، وهـو يـشـيـر هـنـا إلى اسـتـسـلام الـقـوات الـبـريـطـانـيـة بـعـد أن ضـرب الـجـيـش الـعـثـمـاني الـحـصـار أمـام الـكـوت. (1)

ووجـد مـركـز الـقـوّات الـجـوّيـة في الـتّـنّـومـة، في الـجـانـب الـمـقـابـل لـمـيـنـاء الـبـصـرة : “مـجـمـوعـة مـن أكـواخ صـنـعـت مـن سـعـف الـنّـخـيـل وقـلـيـل مـن الـمـرائـب الّـتي بـنـيـت بـالـطّـابـوق وسـقّـفـت بـالـصـفـيـح، في وسـط الـصّـحـراء”، “ولا يـمـكـن أن نـشـتـغـل إلّا في الـفـجـر، فـحـرارة الـشّـمـس لا يـمـكـن تـحـمـلّـهـا بـعـد الـتّـاسـعـة”، “وتـسـاقـط عـدد كـبـيـر مـن الـعـامـلـيـن هـنـا مـرضى وامـتـلأت الـمـسـتـشـفـيـات بـهـم”.

وانـطـلـق تـانَـنـت في فـجـر الـيـوم الـتّـالي، 4 آب، لاسـتـطـلاع الـمـنـطـقـة مـع زمـلاء لـه بـمـركـب بـخـاري، وصـعـدوا إلى الـقـرنـة. ولاحـظ أنّـه : “لـيـس في دجـلـة والـفـرات تـمـاسـيـح ولـكـن أسـمـاك قـرش تـصـعـد فـيـهـمـا وسـلاحـف تـسـبـح بـالـمـئـات”.

ومـرّوا في الـمـسـاء بـقـبـر الـعـزيـر الأزرق الـقـبّـة، وأنـزلـوا الأنـكـر في وسـط الـمـاء لـيـنـامـوا “ولـكـنّ وعـوعـة بـنـات آوى (4) مـنـعـتـنـا مـن الـنّـوم طـيـلـة الـلـيـل”. ووصـلـوا بـعـد ظـهـر الـغـد إلى مـديـنـة الـعـمـارة لـيـروا تـحـضـيـرات إنـشـاء قـاعـدة جـوّيـة فـيـهـا. “والـعـمـارة مـديـنـة كـبـيـرة، مـنـازلـهـا مـبـنـيـة عـلى طـريـقـة الـعـرب هـنـا، أي بـالـلِـبـن. ويـربـط بـيـن ضـفـتي الـنّـهـر جـسـر مـن الـقـوارب شـيّـده الأتـراك قـبـل أن يـغـادروهـا. وسـوقـهـا مـشـهـور بـصـنـعـة الـفـضّـة. وفـيـهـا كـثـيـر مـن الـيـهـود والـعـرب والـفـرس والأكـراد والـهـنـود. وقـد حـوّلـت أحـدى دورهـا إلى نـادي لـلـضّـبـاط، ويـمـكـنـنـا هـنـا أن نـجـلـس في الـطّـارمـة في الـمـسـاء ونـرتـشـف كـأس ويـسـكي مـنـعـش الـبـرودة بـالـصّـودا”.

“وفي يـوم 3 حـزيـران 1915، صـعـد اثـنـان وعـشـرون بـحّـاراً وجـنـديـاً بـريـطـانـيـاً الـنّـهـر في سـفـيـنـة مـسـلّـحـة إلى الـعـمـارة وأجـبـروا 700 جـنـدي مـن حـامـيـة تـركـيـة عـلى الإسـتـسـلام. ولـم تـصـل كـتـيـبـة الـنـورفـولـك             The Norfolk Regiment لـتـسـنـدهـم في اسـتـيـلائـهـم عـلى الـمـديـنـة إلّا في الـغـد”.

ثـمّ وصـلـوا إلى عـلي الـغـربي Ali-Gharbi : “مـجـمـوعـة مـن أكـواخ الـعـرب وخـيـام مـعـسـكـر بـريـطـاني صـغـيـر، ولـيـس فـيـهـا شـجـرة واحـدة”. ثـمّ عـبـروا الـبـاديـة بـسـيّـارة إلى شـيـخ سـعـد Sheikh Saad، وهي قـريـة عـلى بـعـد عـشـريـن مـايـل (أكـثـر مـن 32 كـلـم. بـقـلـيـل) مـن عـلي الـغـربي. “وكـان كـلّ مـا يـفـرّق بـيـن عـلي الـغـربي وشـيـخ سـعـد خـيـام سـريـة سـلاح الـطّـيـران وخـيـام بـعـض الـجـنـود الآخـريـن” :

الـفـصـل الـثّـاني : “أرض رمـال وشـمـس وأسى …” :

ويـتـكـلّـم في هـذا الـفـصـل عـن مـطـار الألـمـان في شُـمـران، عـلى بـعـد عـدّة أمـيـال مـن الـكـوت، وعـن طـائـراتـهـم الـ Fokker و الـ  Albatross. وعـن مـهـاجـمـة ثـلاث مـن الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة لـلـمـعـسـكـر، وكـان تـانَـنـت يـقـود إحـداهـا، وعـن كـيـف مـرّ مـن بـيـن نـيـران مـدافـع الـمـعـسـكـر الـمـضـادة لـلـطّـائـرات قـبـل أن يـرمي بـقـنـابـلـه عـلى الـمـرائـب.

ويـخـصـص مـقـاطـع طـويـلـة لـلـكـلام عـن زمـلائـه الـجـدد الّـذي كـانـوا قـد قـاتـلـوا في بـقـاع مـخـتـلـفـة مـن الـعـالـم مـنـذ بـدايـة الـحـرب قـبـل أن يـأتـوا إلى عـلي الـغـربي.

ويـذكـر أنّ “الـعـرب” كـانـوا مـصـدر قـلـق لـهـم “فـالـحـرب كـانـت بـيـن الـبـريـطـانـيـيـن والأتـراك، ولـكـن الـعـرب كـانـوا يـحـيـطـون بـهـم، يـدورون حـول مـعـسـكـراتـهـم مـثـل بـنـات آوى، والـويـل والـثّـبـور لـمـن يـجـدونـه وحـده مـن الـبـريـطـانـيـيـن أو مـن الأتـراك. وكـان عـلـيـنـا أن نـحـصّـن مـعـسـكـراتـنـا ونـحـيـطـهـا بـالأسـلاك الـشّـائـكـة ونـدافـع عـنـهـا فـالـنّـهـابـون الـسّـلّابـون يـحـومـون حـول حـمـانـا كـلّ لـيـلـة […] ويـمـكـن لـلـبـدوي أن يـقـطـع الأسـلاك ويـمـرّ أمـام الـحـرس ويـسـرق بـنـدقـيـة مـن تـحـت وسـادة جـنـدي مـن غـيـر أن يـوقـظـه، وهـو مـا يـبـدو مـن الـمـعـجـزات الّـتي لا تـعـقـل. وقـد أضـفـنـا عـلى الأسـلاك أسـلاكـاً، وثـبّـتـنـا عـلـيـهـا قـنـابـل جـاهـزة لـلإنـفـجـار إذا مـا مـسّـهـا أحـد، ومـع ذلـك يـتـسـلـل هـؤلاء الـلـصـوص الـعـرب في ضـوء الـقـمـر ويأخـذون أسـلـحـة وذخـيـرة. وقـد حـذروني بـأنّـهـم لا يـتـرددون عـن الـضّـرب بـخـنـاجـرهـم الـطّـويـلـة. وقـد فـقـد عـدد مـن الـطّـيـبـيـن أرواحـهـم بـهـذه الـضّـربـات. ويـنـام أغـلـبـنـا والـمـسـدس بـيـده”.

“والـعـرب عـلى ضـفـة شـطّ الـحي، وهي مـنـطـقـة كـثـيـفـة الـسّـكّـان، يـسـانـدون الأتـراك ويـعـادونـنـا. ويـلـتـجـأ الـلـصـوص مـنـهـم إلى حـصـن قـصـب Gussab’s Fort. وقـد قـصـفـنـاه عـدّة مـرّات. وبـعـد أن سـقـطـت عـلى مـن كـان فـيـه بـعـض الـقـنـابـل، هـربـوا نـحـو عـدد مـن قـرى الـمـنـطـقـة. وكـلّ هـؤلاء الأعـراب مـسـلـحـون ويـمـتـطـون خـيـولاً، وعـنـدمـا يـقـاتـلـون بـتـنـظـيـم يـصـبـحـون أعـداءً يـنـبـغي الإحـتـيـاط مـنـهـم فـهـم شـديـدو الـشّـراسـة، بـالـغـو الـمـكـر”. وهـو يـسـتـعـمـل كـلـمـة بـدو Buddoos كـمـرادف لـكـلـمـة عـرب Arabs.

وكـان مـعـسـكـر الـبـريـطـانـيـيـن في شـيـخ سـعـد يـقـع بـيـن مـسـتـشـفـيـيـن. وكـان أحـدهـمـا مـخـصـصـاً لـمـرضى الـكـولـيـرا. وكـان أغـلـب جـنـود الـمـعـسـكـر مـصـابـون بـالـحـمى : “فـلـم يـكـن هـنـاك طـعـام طـازج، ولا يـحـصـل أحـد عـلى أكـثـر مـن نـصـف وجـبـة. والـلـحـم ذاب في الـمـعـلـبـات، ويـسـيـل في الـصّـحـون عـنـدمـا يـسـكـب مـنـهـا. ولـم يـكـن لـديـنـا مـاء مـنـعـش إلّا في قـربـة تـعـلّـق في الـخـيـمـة طـيـلـة الـلـيـل، ويـنـبـغي شـربـه قـبـل أن تـرتـفـع الـشّـمـس في الـسّـمـاء […] ويـصـبـح كـلّ سـائـل شـديـد الـسّـخـونـة في الـنّـهـار، وتـشـتـدّ حـرارة الـكـؤوس حـتّى لا يـمـكـن أخـذهـا بـالـيـد”، “ونـسـتـعـمـل مـعـلـبـات الـفـواكـه لـتـحـاشي الإصـابـة بـالإسـقـربـوط، ولـكـن فـائـدتـهـا مـحـدودة، فـالإسـقـربـوط والـيـرقـان شـديـدا الإنـتـشـار. ويـصـمـد الـجـنـود الـبـريـطـانـيـون كـالـعـادة رغـم كـلّ هـذا، بـيـنـمـا يـتـسـاقـط الـجـنـود الـهـنـود مـرضى ومـوتى كـالـذّبـاب”.

ونـلاحـظ أنّـه نـادراً مـا يـذكـر الـجـنـود الـهـنـود مـع أنّ أعـدادهـم كـانـت كـبـيـرة في الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة.

وكـتـب جـون إدوارد تـانَـنـت أنّ الـطّـريـقـة الـوحـيـدة لـرسـم خـرائـط مـنـطـقـة مـعـاديـة كـانـت تـصـويـرهـا مـن الـجـو : “وبـدأنـا بـتـصـويـر أربـعـيـن مـايـلاً مـربـعـاً (مـا يـقـارب 64 كـلـم. ونـصـف) حـول الـكـوت. وقـد اسـتـمـرّ الـتّـعـرّف عـلى كـلّ أرجـاء الـجـبـهـة يـومـيـاً، وأرسـلـنـا لـتـصـويـر كـوت الـحي والـعـزيـزيـة ومـنـدلي”.

تاننت دجلة

وقـد صـرعـتـه الـحـمى في أواخـر شـهـر آب، ونـقـل إلى دار عـرب حـوّلـت إلى مـسـتـشـفى في الـعـمـارة، ثـمّ نـقـل إلى قـصـر شـيـخ “بـيـت نـعـمـة Beit Naama” عـلى بـعـد حـوالي خـمـسـة أمـيـال (أكـثـر مـن ثـمـانـيـة كـلـم. بـقـلـيـل) جـنـوب الـبـصـرة كـان الـجـيـش قـد حـوّلـه إلى دار نـقـاهـة لـلـضّـبّـاط.

وبـدأت الـحـرارة تـخـفّ في تـشـريـن الأوّل. وفي بـدايـة هـذا الـشّـهـر، رُبـط سـلاح الـطّـيـران الـبـريـطـاني  (RFC) في الـعـراق  بـسـريـة الـشـرق الأوسـط Middle East Brigade الّـتي كـان يـتـرأسـهـا الـجـنـرال سـومـون، والّـتي كـانـت تـضـمّ أيـضـاً مـصـر وسـالـونـيـك وفـلـسـطـيـن وشـرق أفـريـقـيـا. وبـهـذا ازدادت إمـكـانـيـات الـتّـعـرّف والـتّـصـويـر الّـتي كـانـت الـطّـائـرات تـقـوم بـهـا في الـعـراق لـمـتـابـعـة حـركـات الـجـيـش الـعـثـمـاني. ووصـلـتـه الأخـبـار عـن مـا كـان زمـلاؤه يـقـومـون بـه : “وكـنّـا نـراقـب أيـضـاً بـانـتـبـاه شـديـد الـعـرب الـمـحـيـطـيـن بـمـعـسـكـراتـنـا، وحـالـمـا نـتـعـرّف عـلى خـطـر يـهـددنـا، كـنّـا نـقـصـفـهـم ونـرمي عـلـيـهـم بـالـقـنـابـل. وكـانـت نـتـائـجـهـا أنّـهـا غـالـبـاً مـا كـانـت تـجـبـر أهـل الـعـشـائـر عـلى طيّ خـيـامـهـم وتـرك الـمـنـطـقـة”.

وتـرك تـانَـنـت دار الـنّـقـاهـة في أواخـر تـشـريـن الأوّل ووصـل إلى الـبـصـرة الّـتي قـابـل فـيـهـا الـلـيـوتـنـانـت جـنـرال  ف. س. مـود الّـذي كـان قـد عـيّـن خـلـفـاً لـلـيـوتـنـانـت جـنـرال الـسّـيـر بـرسي لَـيـك قـائـداً عـامـاً لـلـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق General Officer Commanding-in-Chief.

ثـمّ صـعـد إلى الـنّـاصـريـة، فـقـد كـان مـصـمـمـاً عـلى الإسـتـمـرار في خـدمـة بـريـطـانـيـا و”الـقـضّـيـة الـعـظـمى  the Great Cause” رغـم كـلّ الـصّـعـوبـات !

وبـدت لـه الـنّـاصـريـة جـنـيـنـة مـقـارنـة بـشـيـخ سـعـد. وكـانـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة فـيـهـا تـعـيـش بـرغـد، وتـأكـل لـحـمـاً طـازجـاً وخـضـروات وفـواكـه، وتـصـلـهـم كـمـيـات كـبـيـرة مـن الأسـمـاك الّـتي يـصـيـدهـا أهـل الـبـلـد.

“وكـانـت الـقـطـعـات الـبـريـطـانـيـة قـد عـادت مـن مـعـارك دارت عـلى بـعـد سـتّـة أمـيـال (أكـثـر مـن 9 كـلـم. ونـصـف) في شـمـال شـرق الـمـديـنـة، هـزمـت فـيـهـا خـمـسـة آلاف مـن الـعـرب، قـتـلـت مـنـهـم 436 رجـلاً وجـرحـت 800 آخـريـن”.

وكـتـب : “وعـنـدمـا اخـتـار الـرّجـل الأبـيـض the white man أنّ يـلـج هـذه الـمـنـاطـق الّـتي خـلـق طـقـسـهـا لـبـشـر مـخـتـلـفـيـن عـنـه كـان عـلـيـه حـتـمـاً أن يـدفـع ثـمـن ذلـك. فـالـحـرّ والأمـراض تـضـعـف الـدّم، ولـم يـكـن مـمـكـنـاً لأغـلـبـنـا الـعـمـل سـبـعـة أيّـام في الأسـبـوع. وبـعـد أن صـرعـتـني الـحـمى والـدّيـزنـتـري وارتـمـيـت في خـيـمـتي في قـريـة عـرب، نـقـلـوني بـسـيـارة إسـعـاف الـمـعـسـكـر إلى سـفـيـنـة بـخـاريـة لـتـنـزل بي الـنّـهـر”. وكـان ذلـك في وسـط شـهـر تـشـريـن الأوّل. وأنـزلـوه في شـيـخ سـعـد ونـقـلـوه إلى “مـسـتـشـفى في الـصّـحـراء” ولـكـنّـه لا يـتـذكّـر مـا جـرى لـه. وبـعـد أن عـادت لـه قـواه، أرسـلـوه إلى الـجـبـهـة مـن جـديـد.

وبـدأ الـجـوّ يـبـرد في أمـسـيـات أواخـر تـشـريـن الأوّل بـيـنـمـا اسـتـمـرت الـحـرارة مـرتـفـعـة في الـنّـهـار : “وتـهـبـط درجـات الـحـرارة مـبـاشـرة عـشـريـن درجـة، ويـصـل الـفـرق بـيـن الـنّـهـار والـلـيـل مـن 35ْ إلى أربـع درجـات ونـصـف !”. وقـتـل اثـنـان مـن زمـلائـه ودفـنـا عـلى ضـفـة الـنّـهـر.

وفي 25 تـشـريـن الـثّـاني، رأى أحـد زمـلائـه وهـو يـسـتـطـلـع الـمـنـطـقـة بـطـائـرتـه مـجـمـوعـة مـن الـخـيّـالـة يـصـاحـبـون عـربـات تـجـرّهـا الـبـغـال تـتـجـه نـحـو الـجـنـوب بـمـحـاذاة شـطّ الـحي. ونـزل نـحـوهـم وقـصـفـهـم، وتـشـتـت الـشّـمـل في كـلّ الإتـجـاهـات. وقـد ذُكـر في تـقـريـر كـتـب بـعـد ذلـك أنّـه قـتـل تـسـعـة مـنـهـم وجـرح أعـداداً أخـرى، وظـهـر بـعـد ذلـك أنّ الـعـربـات كـانـت مـحـمّـلـة بـالـذّخـيـرة والـعـتـاد، وأعـيـدت إلى الـكـوت”.

وقـد ازدادت أعـداد الـقـوات الّـتي تـصـل إلى جـنـوب الـعـراق. وفي بـدايـة تـشـريـن الـثّـاني، حـوّل مـركـز قـيـادة الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق مـن الـبـصـرة إلى قـريـة عـرب أطـلـقـوا عـلـيـهـا اسـم “الـقـريـة الـبـيـضـاء” كـمـرحـلـة في تـقـدم الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة نـحـو بـغـداد.

تانت نقل الجنود

الـفـصـل الـثّـالـث : “الـمـعـارك الّـتي فـتـحـت بـغـداد” :

يـتـكـلّـم جـون إدوارد تـانَـنـت في هـذا الـفـصـل عـن اجـتـمـاع شـارك فـيـه تـرأسـه الـجـنـرال مـود الّـذي أمـر فـيـه بـالـتّـحـرّك يـوم 12 كـانـون الأوّل “بـعـد ثـمـانـيـة أشـهـر مـن الـسّـكـون”. وتـحـرّك الـفـيـلـق الـثّـالـث في الـلـيـل عـلى الـضّـفـة الـيـمـنى لـلـنّـهـر.

وقـصـف تـانَـنـت مـع طـيّـاريـن مـن زمـلائـه الـجـسـر الّـذي يـربـط مـعـسـكـر الأتـراك في شُـمـران بـالـضّـفـة الـمـقـابـلـة، وقـرى مـحـيـطـة بـمـعـسـكـر شُـمـران.

وقـد اسـتـمـر الـفـيـلـق الـثّـالـث في تـقـدمـه نـحـو شـمـال الـغـرب إلى يـوم 18 كـانـون الأوّل مـحـاصـراً مـوقـع الأتـراك في الـحي، وقـد اسـتـطـاعـت طـائـراتـه ومـدفـعـيـتـه تـحـطـيـم جـسـر الـحي وقـصـف مـعـسـكـر الأتـراك  كـلّ لـيـلـة. وقـصـفـت في لـيـلـة 18 كـانـون الأوّل سـفـيـنـة، وسـمـعـوا أنّـهـا كـانـت تـقـلّ خـلـيـل بـاشـا قـائـد الـقـوّات الـتّـركـيـة، وهـو مـا لـم يـكـن صـحـيـحـاً، ثـمّ قـصـفـت مـعـسـكـر شُـمـران الّـذي هـربـت كـثـيـر مـن قـوّاتـه كـمـا قـصـفـت سـفـنـهـم. واسـتـمـرت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة في قـصـف كـلّ مـواقـع الأتـراك ومـسـانـديـهـم مـن عـشـائـر الـعـرب في كـلّ الـمـنـطـقـة. ومـع ذلـك فـقـد دافـع الأتـراك عـن مـواقـعـهـم : “وكـان الـجـنـرال مـود يـأمـل في أنّ تـخـريـب وسـائـل نـقـلـهـم سـتـجـبـر خـلـيـل بـاشـا عـلى الـتّـحـرك ولـكـنّ خـلـيـل بـاشـا ثـبّـت قـواتـه في أمـاكـنـهـا”.

وهـاجـمـت الـخـيّـالـة الـبـريـطـانـيـة في يـوم 24 كـانـون الأوّل حـصـن قـصـب Gussab’s Fort الّـذي كـان بـأيـدي الـعـرب وأحـرقـتـه.

وصـعـدت طـائـرة اسـتـكـشـاف بـريـطـانـيـة الـنّـهـر حـتّى بـغـداد، وكـانـت تـلـك أولّ مـرّة، مـنـذ مـعـركـة طـيـسـفـون، تـحـلّـق فـيـهـا طـائـرة بـريـطـانـيـة في سـمـاء بـغـداد : “وعـاد [الـطّـيّـار] لـيـصـف لـنـا حـدائـقـهـا وبـسـاتـيـنـهـا وخـضـرتـهـا، ومـحـطّـة قـطـارهـا وخـطـوط الـتّـرامـوي وبـنـايـاتـهـا. وبـدت لـنّـا شـديـدة الـتّـحـضّـر مـقـارنـة بـهـذه الـصّـحـراء”.

وتـكـلّـم تـانَـنـت عـن احـتـفـالـهـم بـأعـيـاد الـمـيـلاد كـعـائـلـة سـعـيـدة مـتـمـاسـكـة الأعـضـاء. وقـد أرادوا الإسـراع في عـمـلـيـاتـهـم الـحـربـيـة قـبـل أن تـبـدأ الأمـطـار بـالـهـطـول وتـبـدأ فـيـضـانـات دجـلـة. وهـبّـت ريـاح جـنـوبـيـة عـاصـفـة وهـطـلـت أمـطـار شـديـدة خـلال آخـر أسـابـيـع كـانـون الأوّل 1916 وأوائـل كـانـون الـثّـاني 1917، وأغـرقـت الـمـنـطـقـة. وارتـفـع مـسـتـوى مـيـاه الـنّـهـر ثـمـانـيـة أقـدام في خـلال أسـبـوعـيـن، وصـار هـمّـهـم أن يـنـقـذوا مـعـسـكـراتـهـم الّـتي تـهـدمـت بـعـض مـرائـبـهـا :

“وهـنـاك فـتـرتـان يـفـيـض فـيـهـمـا دجـلـة والـفـرات : تـبـدأ الأولى مـنـهـمـا في حـوالي ثـاني أسـبـوع مـن تـشـريـن الـثّـاني والّـتي تـسـبـبـهـا الأمـطـار، والـثّـانـيـة في نـيـسـان بـعـد أن تـذوب ثـلـوج الـقـوقـاس، وهي أعـنـف الـفـتـرتـيـن، ويـمـكـن أن تـدوم حـتّى حـزيـران”. “ثـمّ تـنـخـفـض الـمـيـاه لـتـصـل إلى أوطـأ مـسـتـويـاتـهـا في آب وأيـلـول وتـشـريـن الأوّل”. “ومـن الـصّـعـب عـلى الـرّجـل الأبـيـض الـمـضـطـهـد في جـحـيـم قـيـظ الـعـراق أن يـتـصـور سـيـول الـمـاء الـهـائـلـة تـتـراكـض نـازلـة مـن الـقـمـم الـجـلـيـديـة الّـتي عـلى بـعـد آلاف الأمـيـال عـنـه”.

تاننت مطار في الأمطار2)

وقـطـعـت الـفـيـضـانـات اتـصـالات الـبـريـطـانـيـيـن بـالـحي، بـيـنـمـا اسـتـطـاع الأتـراك تـقـويـة مـعـسـكـراتـهـم في الـضّـفـة الـمـقـابـلـة مـن دجـلـة. واسـتـمـرت الـمـنـاوشـات بـيـن الـمـتـعـاديـن.

“ووصـلـت ثـلاث طـائـرات في 20 كـانـون الـثّـاني فـوق بـغـداد وقـصـفـت الـقـلـعـة وخـرّبـت ورشـة عـمـل فـيـهـا وبـعـض الـمـسـاكـن”. واسـتـمـرت الـمـعـارك في شـطّ الـحي في شـبـاط.

“وكـان مـن عـادات الـجـنـرال مـود أن يـعـاني مـن نـفـس الـظّـروف الّـتي يـعـاني مـنـهـا بـاقي الـجـنـود، رافـضـاً وسـائـل الـرّاحـة والامـتـيـازات الـخـاصّـة بـمـنـصـبـه الـعـالي”.

وبـعـد شـهـريـن مـن الـقـتـال الـمـسـتـمـرّ اسـتـطـاعـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة إبـعـاد الأتـراك عـن ضـفـة دجـلـة الـيـمـنى. وقـرر الـجـنـرال مـود عـبـور الـنّـهـر نـحـوهـم، وأمـر بـأن تـقـصـف الـطّـائـرات مـعـسـكـراتـهـم مـن جـديـد. وهـو يـعـتـرف كـعـسـكـري بـأنّ “دفـاع الأتـراك كـان يـدعـو لـلإعـجـاب”.

وبـعـد أن خـطـط الـجـنـرال مـود الـعـمـلـيـة بـدقـة، عـبـر جـنـوده نـهـر دجـلـة، الّـذي كـانـت مـيـاهـه قـد فـاضـت، في لـيـلـة 22 شـبـاط، وهـاجـمـوا مـعـسـكـرات الأتـراك بـعـد أن قـصـفـتـهـا الـطّـائـرات، بـيـنـمـا هـاجـم الـفـيـلـق الـثّـالـث مـن جـهـة الـكـوت وقـصـف الـمـديـنـة.

وهـاجـمـت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة مـعـسـكـرات الأتـراك في فـجـر 23 شـبـاط، وسـار الـمـشـاة نـحـوهـا بـيـنـمـا كـانـت الـمـدفـعـيـة تـضـرب مـن جـهـة الـنّـهـر الـمـقـابـلـة. وبـعـد تـسـاقـط أعـداد مـن الـبـريـطـانـيـيـن قـتـلى، اسـتـطـاعـوا مـدّ جـسـر عـلى دجـلـة. وتـرك الأتـراك مـعـسـكـراتـهـم خـلال الـلـيـل بـيـنـمـا تـقـدّم الـفـيـلـق الأوّل الـبـريـطـاني لـيـفـرغ الـخـنـادق مـن الـجـرحى ومـن جـثـث الـقـتـلى. وبـعـد أن انـتـهى مـدّ الـجـسـر عـبـرت بـاقي الـقـوّات مـع الـمـدفـعـيـة.

وأمـر خـلـيـل بـاشـا قـوّاتـه بـالـهـجـوم ولـكـن بـعـد أن فـات الأوان فـقـد اسـتـمـرت قـوّات الـجـنـرال مـود بـالـتّـقـدّم، وأسـرت ألـفـاً وسـتـمـائـة تـركي مـع مـعـدّاتـهـم وأسـلـحـتـهـم وذخـيـرتـهـم. واسـتـمـرت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة بـمـلاحـقـة الـقـوات الـمـنـسـحـبـة وقـصـفـهـا. وقـد رمى مـن تـبـقى مـن الأتـراك بـمـعـداتـهـم في الـنّـهـر وأكـمـلـوا انـسـحـابـهـم بـأسـرع مـا يـمـكـنـهـم.

وتـابـعـت سـفـن الـحـرب الـبـريـطـانـيـة سـفـن الأتـراك وأغـرقـت بـعـضـهـا بـيـنـمـا سـحـبـت نـحـو الـضّـفـة سـفـيـنـة “الـبـصـرة Busrah” الّـتي كـان عـلى مـتـنـهـا أتـراك وألـمـان مـن بـيـنـهـم 700 جـريـح. واسـتـولى الـبـريـطـانـيـون عـلى ثـلاث سـفـن تـركـيـة وأسـروا ألـف جـنـدي. ورفـع الـعـلـم الـبـريـطـاني فـوق الـكـوت الّـتي خـلـت مـن سـكـانـهـا !

ووصـلـت الـخـيّـالـة الـبـريـطـانـيـة إلى الـعـزيـزيـة في الأوّل مـن شـهـر آذار، بـعـد أن انـسـحـب الأتـراك نـحـو بـغـداد. ثـمّ وصـل إلـيـهـا الـجـنـرال مـود وقـوّاده وبـاقي قـطـعـات الـجـيـش.

وكـانـت مـشـكـلـة الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة الآن ابـتـعـادهـا الـشّـديـد عـن قـواعـدهـا في شـيـخ سـعـد الّـتي تـربـطـهـا بـالـبـصـرة، وأصـبـح الـحـصـول عـلى الـطّـعـام صـعـبـاً، وعـانى الـجـنـود مـن الـجـوع. وكـانـت أسـلاك الـتّـلـغـراف قـد انـقـطـعـت بـعـد انـسـحـاب الأتـراك، فـنـشـر الـجـنـود الـبـريـطـانـيـون أخـشـاب الأعـمـدة الّـتي كـانـت تـسـنـدهـا، وأشـعـلـوا فـيهـا الـنّـار لـيـطـبـخـوا عـلـيـهـا الـقـلـيـل الّـذي بـقي لـهـم لـيـسـدّ رمـقـهـم في وجـبـة الـعـشـاء.

وظـلّ الـجـنـرال مـود يـنـتـظـر الأوامـر مـن لـنـدن، إلى أن وصـلـتـه في الـرّابـع مـن آذار. وكـانـت تـنـصّ عـلى ضـرورة الـتّـقـدّم نـحـو بـغـداد. وبـدأ الـفـيـلـق الأوّل في الـغـد بـالـصّـعـود نـحـو بـغـداد. وحـلّـق تـانَـنـت بـطـائـرتـه حـتّى نـهـر ديـالى. وهـبّـت عـاصـفـة عـجـاج في الـيـوم الـتّـالي اظـلـمّـت لـهـا الـسّـمـاء وأعـاقـت الـتّـقـدّم. ولـم يـتـقـدّم الـفـيـلـق الـثّـالـث وفـصـيـلـة الـخـيّـالـة أكـثـر مـن حـوالي عـشـريـن كـيـلـومـتـراً.

“واقـتـربـنـا مـن طـاق كـسـرى الـشّـاهـق، الّـذي شـيّـده الإنـسـان في الـمـاضي، وهـو الـبـنـاء الـوحـيـد وسـط هـذه الـفـيـافي الـمـنـبـسـطـة الّـتي لا شـجـر فـيـهـا”.

وقـرر الـجـنـرال مـود أن يـبـعـث بـمـهـنـدسـيَـن لـيـضـعـوا الـمـتـفـجـرات تـحـت خـطّ الـسّـكـة الـحـديـدية مـن بـغـداد إلى سـامـراء ويـمـنـعـوا بـذلـك الأتـراك مـن نـقـل أسـلـحـتـهـم وذخـيـرتـهـم. وقـد ركـب الـمـهـنـدسـان في طـائـرتـيـن حـطّـتـا قـرب الـخـطّ وشـرعـا في تـثـبـيـت الـمـتـفـجـرات عـلى الـسّـكّـة : “وكـان هـنـاك قـريـة عـرب عـلى بـعـد حـوالي 700 م.، وحـالـمـا رأوا ضـابـطـيـنـا، كـرّ نـحـوهـمـا خـيّـالـة مـن الـعـرب ، فـاسـتـلـقـيـا عـلى الأرض وأدركـا أنّ مـن الـمـسـتـحـيـل إكـمـال عـمـلـهـمـا وأنّ مـتـفـجـراتـهـمـا لـن تـكـفي لـنـسـف الـسّـكـة، ورجـعـا راكـضَـيـن نـحـو الـطّـائـرتـيـن والـعـرب يـطـلـقـون عـلـيـهـمـا الـرّصـاص”.

ودخـلـت الـمـدفـعـيـة والـبـارجـات الـمـسـلّـحـة في مـنـاوشـات مـع الأتـراك الّـذيـن كـانـوا في الـجـهـة الـمـقـابـلـة مـن نـهـر ديـالى. وحـاولـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة عـبـور ديـالى في الـسّـابـع مـن آذار. وقـبـل أن تـبـدأ بـتـركـيـب أول جـسـر قـوارب انـثـالـت عـلـيـهـا طـلـقـات الأتـراك الـنّـاريـة. وسـقـط الـجـسـر الـثّـاني في الـمـاء وجـرفـتـه الـتّـيـارات الـسّـريـعـة وقـتـل الـجـنـود الـخـمـسـة عـشـر الّـذيـن كـانـوا عـلـيـه، وفـجـرت قـنـابـل الأتـراك الـجـسـر الـثّـالـث وتـسـاقـط شـظـايـا مـع الـجـنـود. ولـم يـفـلـح الـبـريـطـانـيـون في مـدّ الـجـسـر لـلـمـرّة الـرّابـعـة ثـمّ الـخـامـسـة.

وأرسـلـت الـطّـائـرات في الـغـد، الـثّـامـن مـن آذار، لـتـحـديـد مـواقـع الـقـوّات الـتّـركـيـة أمـام بـغـداد. وكـان نـهـر ديـالى يـبـدو صـعـب الـعـبـور. ولـكـنّ الـبـريـطـانـيـيـن حـوّلـوا أمـاكـنـهـم نـحـو الـجـنـوب قـلـيـلاً ومـدّوا جـسـراً عـبـر عـلـيـه الـفـيـلـق الأوّل وفـصـيـلـة الـخـيّـالـة، وعـبـرت بـاقي الـقـوّات في تـلـك الـلـيـلـة، واسـتـمـرت الـمـعـارك حـامـيـة الـوطـيـس. وكـتـب تـانَـنـت : “وسـتـتـذكّـر الأجـيـال الـمـقـبـلـة عـبـور نـهـر ديـالي …” !

“وفي الـتّـاسـع مـن آذار، ألـقـت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة 47 قـنـبـلـة عـلى مـحـطـة الـقـطـار [في بـغـداد]، وعـلى الـمـطـار وعـلى الـقـوات الـتّـركـيـة، وفـجّـرت قـطـاراً في الـكـاظـمـيـن”، وهـاجـم الـفـيـلـق الأوّل وفـصـيـلـة الـخـيّـالـة الـمـواقـع الـتّـركـيـة في جـنـوب غـرب بـغـداد وأخـذتـهـا مـنـهـم، ولـكـن الأتـراك دافـعـوا عـن خـطّ مـواقـعـهـم الـثّـاني طـيـلـة الـلـيـل وقـتـلـوا أعـداداً كـبـيـرة مـن الـمـهـاجـمـيـن الـبـريـطـانـيـيـن”.

ويـعـتـبـر الـكـولـونـيـل تـانَـنـت أنّ الأتـراك دافـعـوا بـشـراسـة عـن مـواقـعـهـم يـومَي الـتّـاسـع والـعـاشـر مـن آذار لـيـأخّـروا وصـول الـبـريـطـانـيـيـن فـتـسـتـطـيـع قـواتـهـم في بـغـداد تـحـمـيـل أكـثـر مـا يـمـكـن مـن مـعـدّاتـهـا وإرسـالـهـا شـمـالاً قـبـل أن تـتـرك الـمـديـنـة.

وكـتـب : “وهـا نـحـن نـقـرع عـلى أبـواب مـديـنـة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة الّـتي كـانـت لـقـواتـنـا حـلـمـاً دام سـنـتـيـن”. ولـم يـسـتـطـع الـجـنـود الـنّـوم في تـلـك الـلـيـلـة وهـم يـبـصـرون بـبـسـاتـيـن بـغـداد ومـنـائـرهـا مـن بـعـيـد.

ووصـلـت عـاصـفـة الـعـجـاج، الّـتي كـانـت تـهـبّ مـنـذ خـمـسـة أيّـام، ذروتـهـا في الـعـاشـر مـن آذار. “وكـان الأعـداء (أي الأتـراك) قـد أخـلـوا مـواقـعـهـم عـلى ضـفـة دجـلـة الـيـمـنى واحـتـمـوا في خـطّ مـن الـخـنـادق أمام جـسـر حـديـدي شـيّـد لـعـبـور قـطـار خـفـيـف فـوق قـنـاة عـلى بـعـد مـايـلـيـن (أكـثـر مـن ثـلاثـة كـلـم.) جـنـوب بـغـداد”. وعـنـدمـا خـفّـت الـعـاصـفـة، وجـدت الـطّـائـرات الـبـريـطـانـيـة في الـثّـانـيـة صـبـاحـاً أنّ الأتـراك أخـلـوا مـواقـعـهـم بـجـانـب الـجـسـر الـحـديـدي.

إحـتـلال الـجـيـش الـبـريـطـاني لـمـديـنـة بـغـداد :

وفي الـسّـادسـة إلّا ربـعـاً مـن صـبـاح 11 آذار أسـرعـت فـصـيـلـة الـ Black Watch الإسـكـتـلـنـديـة في سـيـرهـا واحـتـلـت مـحـطّـة بـغـداد. ودخـلـت قـطـعـات بـريـطـانـيـة أخـرى في الـجـانـب الـمـقـابـل مـن دجـلـة بـعـد ذلـك بـقـلـيـل. وكـان الأتـراك قـد تـركـوا الـمـديـنـة في ظـلام الـلـيـل وكـثـافـة عـجـاج الـعـاصـفـة. وحـطّـت طـائـرتـان بـريـطـانـيـتـان في الـضّـحى في الـمـطـار الّـذي كـان قـد شـيّـده الألـمـان، وصـعـدت الـسّـفـن الـمـسـلـحـة الـنّـهـر بـحـثـاً عـن الأفـخـاخ.

تاننت 11 آذار)

وتـبـعـتـهـا الـسّـفـيـنـة الّـتي كـان فـيـهـا الـجـنـرال مـود.

“وكـان الـجـو لـطـيـفـاً بـعـد أن خـفّـت الـعـاصـفـة، ودخـلـنـا ونـحـن نـمـخـر عـبـاب مـيـاه الـنّـهـر بـيـن بـسـاتـيـن الـنّـخـيـل كـمـا لـو كـنّـا نـدخـل في عـالـم آخـر بـعـد هـذه الأشـهـر الـطّـويـلـة الّـتي قـضـيـنـاهـا في الـمـعـانـاة وسـط الـفـلاة”.

“وكـان الأتـراك قـد حـاولـوا إعـاقـة مـسـيـرنـا بـوضـع سـلاسـل حـديـديـة سـمـيـكـة عـبـر الـنّـهـر، ولـكـنّـهـم لـم يـجـدوا الـوقـت، في انـسـحـابـهـم الـسّـريـع، إلّا لـتـثـبـيـتـهـا مـن جـانـب واحـد فـقـط”.

“وكـنّـا عـلى مـتـن الـسّـفـيـنـة مـع الـجـنـرال مـود عـنـدمـا مـرّت عـبـر مـنـحـنى الـنّـهـر الّـذي أوصـلـهـا إلى جـزئـه الّـذي يـقـسـم الـمـديـنـة في وسـطـهـا إلى نـصـفـيـن. وتـكـالـبـت جـمـوع أهـل الـبـلـد عـلى الـضّـفـاف وقـد جـاءوا مـرتـديـن مـلابـس الأعـيـاد ورافـعـيـن بـوقـار أعـلامـاً بـيـضـاء”.

ورفـع الأعـلام الـبـيـضـاء تـدلّ عـلى أنّـهـم مـسـالـمـيـن لا أسـلـحـة بـأيـديـهـم، مـمـا يـعـني اسـتـسـلام أهـل الـبـلـد وخـضـوعـهـم.

وتـتـمـلـكـنـا الـدّهـشـة هـنـا عـنـدمـا نـرى أنّ الـجـنـرال مـود دخـل بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة بـيـنـمـا تـعـوّدنـا عـلى رؤيـة صـوره مـمـتـطـيـاً صـهـوة جـواده وهـو يـقـود قـواتـه داخـلاً بـغـداد مـن بـاب الـمـعـظـم ! (1)

وكـتـب تـانَـنـت : “وتـوقـفـت الـسّـفـيـنـة أمـام دار الـمـقـيـم الـبـريـطـاني الـقـديـمـة، وربـطـت عـلى الـضّـفـة. وكـان الأتـراك قـد حـوّلـوهـا إلى مـسـتـشـفى. وكـانـت بـمـحـاذاتـهـا الـقـنـصـلـيـة الأمـريـكـيـة الّـتي كـان يـرفـرف فـوق سـطـحـهـا عـلـمـهـا “الـمـخـطط والـمـنـجّـم”. ونـزلـت مـع الـطّـبـيـب  O’Riordan، ودخـلـنـا الـمـسـتـشـفى بـصـعـوبـة لـشّـدة روائـحـهـا الـنّـتـنـة، ومـررنـا مـن سـريـر إلى سـريـر نـتـفـحـصّ مـن عـلـيـهـا، وكـان بـعـضـهـم قـد مـاتـوا وبـعـضـهـم مـا زالـوا أحـيـاء. وكـان بـعـضـهـم يـحـبـون عـلى الأرض لا يـسـتـطـيـعـون الـسّـيـر. ولـم يـكـن هـنـاك شئ مـن الـمـتـطـلـبـات الـصّـحـيـة، فـقـد أهـمـل هـؤلاء الـجـرحى والـمـرضى في الأيّـام الأخـيـرة […] وخـرجـنـا نـحـو أشـعـة الـشّـمـس لـنـتـنـفـسّ الـهـواء الـمـنـعـش”.

ومـن الـمـؤسـف أنّ جـون إدوارد تـانَـنـت تـرك الـجـنـرال مـود أمـام دار الـمـقـيـمـيـة، ولـم يـكـمـل مـعـه الـمـسـيـر في بـغـداد. فـقـد كـنّـا نـودّ مـعـرفـة مـا فـعـلـه الـجـنـرال مـود بـعـد ذلـك.

ويـكـمـل تـانَـنـت بـعـد أن تـرك الـجـنـرال مـود : “وعـبـرتُ الـنّـهـر نـحـو الـمـطـار بـيـن مـحـطّـة الـقـطـار ومـحـطّـة الـبـث الـلاسـلـكي. وكـانـت هـذه الـمـحـطـة شـديـدة الـقـدرة عـلى الـبـث، وقـبـل عـدّة أيّـام فـقـط، اكـتـمـل فـيـهـا مـدّ خـطّ اتـصـالات بـيـن بـرلـيـن ودار الـسّـلام في مـسـتـعـمـرات أفـريـقـيـا الـشّـرقـيـة الألـمـانـيـة. وقـد خـربّـوهـا تـمـام الـتّـخـريـب قـبـل أن يـتـركـوهـا : فـجّـروا بـنـايـتـهـا الـمـركـزيـة الّـتي تـطـايـر سـقـفـهـا شـظـايـا وحـطّـمـوا الآلات، وتـنـاثـرت بـقـايـا أصـابـع الـدّيـنـامـيـت في كـلّ مـكـان. أمّـا سـقـف مـحـطّـة الـقـطـار فـلـم يـكـن قـد تـهـدّم تـمـامـاً، ولـكـنّ أغـلـب الـقـاطـرات قـد خـرّبـت بـعـد أن فـجّـرت بـالـدّيـنـامـيـت. […] وكـان كـلّ مـا فـيـهـا قـد جـلـب مـن ألـمـانـيـا”.

“ووجـدنـا في الـمـطـار حـطـام طـائـرة تـركـهـا الـطّـيـارون الألـمـان […] وجـلـس عـدد مـن الـعـرب الـقـرفـصـاء في زاويـة بـكـسـل وبـلا مـبـالاة يـحـيـطـهـم جـنـود بـريـطـانـيـون يـوجـهـون نـحـوهـم أسـلـحـتـهـم، فـقـد امـسـكـوا بـهـم وهـم يـحـاولـون إطـلاق الـنّـار عـلى بـعـض جـنـودنـا قـرب الـنّـهـر”.

“وقـد شـددت الـحـراسـة عـلى كـلّ مـداخـل الـمـديـنـة، وقـطـعـت الـشّـوارع ووضـعـت فـيـهـا مـخـافـر اسـتـعـداداً لـحـراسـتـهـا في الـلـيـل. وكـان الـعـرب والأكـراد قـد نـهـبـوا الأسـواق وأشـعـلـوا حـرائـق فـيـهـا، فـقـد حـلـت الـفـوضى وسـاد الـرّعـب بـعـد إخـلاء الأتـراك لـلـمـديـنـة. ولـحـسـن الـحـظ وصـلـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـتـعـيـد الـنّـظـام ولـتـمـنـع الـلـصـوص الـمـجـرمـيـن مـن نـهـب كـلّ الـمـديـنـة وقـتـل أهـلـهـا”.

“وكـان الأتـراك قـد خـيّـمـوا عـلى ضـفـة الـنّـهـر، عـلى بـعـد 14 مـايـلاً (حـوالي 23 كـلـم.) شـمـال بـغـداد، وانـسـحـبـت فـصـيـلـة أخـرى مـنـهـم نـحـو بـعـقـوبـة. وكـانـت خـيـالـتـنـا في الـكـاظـمـيـن Khazimain، خـارج بـغـداد، ولـكـنـهـا لـم تـلـحـق بـالأتـراك، وخـيّـم بـاقي جـنـودنـا حـول بـغـداد”.

“وفـكّـرنـا بـبـاعـة الـجـرائـد مـن الـصّـبـيـان يـعـلـنـون الأنـبـاء صـائـحـيـن، وبـهـيـجـان الـنّـاس عـنـد سـمـاعـهـا في الـطّـرف الـبـعـيـد مـن الـعـالـم، في إنـكـلـتـرة”.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917

(2) In the clouds above Baghdad : benig the records of an air commander, London, Cecil Palmer 1920.

(3) يـعـرف الـكـثـيـر مـن قـرّائي ولا شـكّ أن تـرجـمـة Edward Fitzgerald لـربـاعـيـات عـمـر الـخـيّـام تـعـتـبـر عـمـلاً أدبـيـاً بـحـدّ ذاتـهـا، ونـجـد بـعـضـهـا في الـمـخـتـارات الّـتي تـنـشـر عـن الأدب الإنـكـلـيـزي.

(4) قـال ابـن الـرّومي :

كـأنّيَ مـا نـبّـهـتُ صـحـبي لـشـأنـهـم   إذا مـا ابـنُ آوى آخـرَ الـلـيـلِ وعـوعـا

 

©   حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.