الـمـتـاجـرة بـالآثـار الـبـابـلـيـة في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

إسـتـلـم الـمـسـتـشـرق الـبـريـطـاني ولـيـام رايـت  W. Wright الّـذي كـان يـدرّس في جـامـعـة كـمـبـردج رسـالـة مـن الـمـسـتـشـرق الألـمـاني الـدّكـتـور سـاخـاو  Sachau  بـعـد عـودتـه مـن جـولـة في شـمـال الـعـراق عـام 1887/1886 يـخـبـره فـيـهـا أنّ أصـدقـاء لـه كـانـوا قـد زاروا نـيـنـوى وبـغـداد واشـتـروا مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الآثـار الآشـوريـة مـن حـارس الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في نـيـنـوى. كـمـا اشـتـروا 300 مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة الـبـابـلـيـة مـن حـارس الـتّـنـقـيـبـات في “أبـو حـبّـة”، جـنـوب بـابـل.

وقـد أبـلـغ مـسـؤولـو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني هـرمـزد رسّـام (1) الّـذي كـان قـد أشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات في الـمـوقـعـيـن وعـيّـن الـحـارسـيـن بـهـذا الأمـر، وطـلـبـوا مـنـه الـتّـحـقـيـق في هـذه الـمـتـاجـرة. وأجـاب هـرمـزد رسّـام أنّ مـا ذكـر عـن شـراء الألـمـان لـلآثـار كـان صـحـيـحـاً ولـكـنّـهـم لـم يـشـتـروهـا مـن حـرّاسـه وإنّـمـا مـن أهـل الـبـلـد.

ولـم يـقـتـنـع مـسـؤولـو الـمـتـحـف بـجـواب هـرمـزد رسّـام فـقـرروا إرسـال والـيـس بـدج Wallis BUDGE إلى الـعـراق لـلـتـحـقـيـق في الأمـر، خـاصـة وأنّـهـم اكـتـشـفـوا أنّ قـطـعـاً أثـريـة وألـواحـاً مـسـمـاريـة أخـرى سـرقـت مـن الـمـواقـع الّـتي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـنـقـب فـيـهـا وخـاصـة في بـابـل، وكـان بـعـضهـا يـبـاع في لـنـدن، عـلى بـعـد خـطـوات مـن الـمـتـحـف !

وكـان مـن بـيـن مـهـمـات والـيـس بـدج أيـضـاً أن يـتـقـرّب مـن مـهـربي الآثـار في الـعـراق لـيـشـتـري مـنـهـم مـا يـسـتـطـيـعـه وبـأسـعـار رخـيـصـة. وكـانـت مـهـمـتـه الـثّـالـثـة أن يـذهـب إلى إسـطـنـبـول لـلـحـصـول عـلى سـمـاح بـتـنـقـيـبـات جـديـدة لـلـحـصـول عـلى قـطـع أثـريـة وألـواح أخـرى.

كـمـا قـام والـيـس بـدج بـنـفـس الـمـهـمـة في مـصـر الّـتي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـعـاني فـيـهـا مـن نـفـس الـمـشـاكـل.  وعـاد إلى لـنـدن بـعـد هـذه الـسّـفـرات بـمـجـمـوعـات كـبـيـرة مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة وبـقـطـع أثـريـة وبـنـصـوص مـصـريـة.

والـيـس بـدج :

واليس بدج

 كـان إرنـسـت ألـفـريـد والـيـس بـدج  Wallis BUDGE قـد درس في جـامـعـة كـمـبـردج الـلـغـات الـشّـرقـيـة : الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة والـحـبـشـيـة والـعـربـيـة مـن 1878 إلى 1883، واسـتـمـرّ يـدرس الـلـغـة الآشـوريـة وحـده بـعـد ذلـك.

وعـيّـن عـام 1883، في قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة (الّـذي تـغـيّـر اسـمـه عـام 1886 لـيـصـبـح : قـسـم الآثـار الـمـصـريـة والآشـوريـة) في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني (2). وبـعـد إحـالـة الـمـسـؤول عـن الـقـسـم، بـيـتـر لـوبـاج ريـنـوف P. L. RENOUF عـلى الـتّـقـاعـد، عـيّـن والـيـس بـدج مـسـاعـداً لـمـسـؤول الـقـسـم، ثـمّ أصـبـح في عـام 1894 مـسـؤولاً عـنـه، وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1924.

وقـد وصـل والـيـس بـدج إلى الـعـراق في زيـارتـه الأولى عـام 1887 بـعـد أن قـضى عـدّة أشـهـر في مـصـر. وغـادر مـصـر عـن طـريـق الـبـحـر الأحـمـر إلى عـدن ثـمّ مـسـقـط وصـعـد الـخـلـيـج إلى الـبـحـريـن والـفـاو ووصـل إلى شـطّ الـعـرب والـبـصـرة. ومـن الـبـصـرة صـعـد إلى بـغـداد ثـمّ ذهـب لـزيـارة بـابـل.

وقـد فـصّـل والـيـس بـدج الـكـلام عـن سـفـراتـه إلى الـعـراق ومـصـر في كـتـاب بـجـزئـيـن صـدر في لـنـدن عـام 1920 بـعـنـوان : “إلى الـنّـيـل ودجـلـة، سـرد سـفـرات في مـصـر ومـا بـيـن الـنّـهـريـن لـصـالـح الـمـتـحـف الـبـريـطـاني بـيـن 1886 و 1913” :

 

الـمـتـاجـرة بـالآثـار الـبـابـلـيـة :

كـتـب والـيـس بـعـد أن زار بـابـل :

“عـنـدمـا عـدنـا إلى الـحـلّـة ذهـبـنـا إلى مـكـان إقـامـتـنـا في دار يـهـودي. وبـعـد قـلـيـل وصـل أهـل الـبـلـد الـواحـد بـعـد الآخـر وجـلـسـوا لـصـق جـدران الـغـرفـة، وأخـرج كـلّ مـنـهـم مـن ثـيـابـه قـطـعـاً أثـريـة.

وعـنـدمـا خـرجـوا في نـهـايـة الأمـسـيـة جـلـب مـضـيّـفـنـا عـدداً مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـهـمـة الّـتي كـان قـد حـصـل عـلى بـعـضـهـا مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة. واشـتـريـت بـعـضـاً مـنـهـا بـأسـعـار مـقـبـولـة، ومـن بـيـنـهـا وزن مـن حـجـر الـبـازلـت بـثـقـل ثـلـثي مـانـا وشـقـل واحـد.

وكـانـت ألـواح الـصـلـصـال الّـتي أرانـا إيـاهـا مـضـيّـفـنـا وأصـحـابـه قـد جـاءت مـن مـوقـعَـيـن [قـرب بـابـل] يـنـقّـب بـهـمـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني : “إبـراهـيـم الـخـلـيـل” و “جـمـجـمـة”. ويـعـود تـاريـخـهـمـا إلى الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة، واخـتـرت كـثــيـراً مـنـهـا واشـتـريـتـهـا.

وبـعـد أن انـتـهـيـنـا مـن الـبـيـع والـشّـراء جـلـسـنـا نـتـحـدّث حـتّى سـاعـة مـتـأخّـرة مـن الـلـيـل عـن تـنـقـيـبـات بـابـل والـمـنـاطـق الـمـجـاورة لـهـا. وكـان [مـضـيّـفي] مـتـلـهـفـاً إلى مـعـرفـة الـتّـاريـخ الـقـديـم لـلـبـلـد لأنّ مـعـلـومـاتـه لـم تـكـن تـتـجـاوز مـا قـرأه عـنـه في الـتّـوراة. ورغـم أنّ أعـداداً مـن كـتـب الـتّـاريـخ نـشـرت عـن الـمـوضـوع فـلـم يـكـن مـن بـيـنـهـا مـا كـتـب بـلـغـة يـحـسـنـهـا. ووجـدت أنّـه فـوق ذلـك كـان يـجـهـل جـهـلاً تـامّـاً كـتـب الـبـلاذري وابـن الأثـيـر والـمـسـعـودي وغـيـرهـم”.

وعـنـدمـا اسـتـجـوبـه والـيـس بـدج عـن نـبـش أهـل الـبـلـد عـن الآثـار في بـابـل أجـابـه :

“يـشـتـري تـجّـار مـن الـحـلّـة ومـن أمـاكـن أخـرى، وكـذلـك مـقـاولـو بـنـاء سـمـاحـاً مـن الـسّـلـطـات الـمـحـلّـيـة لـيـسـتـخـرجـوا طـابـوق الأبـنـيـة الأثـريـة، وكـذلـك الـسِّـبـاخ  sibâkh الّـذي يـسـتـعـمـل كـسـمـاد في الـحـقـول. ويـفـضـل الـعـمّـال الّـذيـن يـبـعـثـونـهـم لـذلـك أن يـنـبـشـوا في الـخـنـادق والأنـفـاق الـتّي حـفـرت خـلال تـنـقـيـبـات الـبـعـثـات الأوربـيـة، فـالـحـفـر فـيـهـا أسـهـل عـلـيـهـم، ولأنّـهـم يـجـدون فـيـهـا ألـواح صـلـصـال وأسـطـوانـات حـجـريـة [مـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة] وأحـجـار كـريـمـة … أنـزلـتـهـا الأمـطـار فـيـهـا”.

وأكـمـل مـجـيـبـاً عـلى سـؤالـه : “والأمـر يـجـري عـلى هـذا الـمـنـوال مـنـذ أقـدم الأزمـان، والـنّـاس يـأتـون لأخـذ الـطّـابـوق لأبـنـيـتـهـم مـن بـابـل وبـيـرس [نـمـرود]. وقـد اشـتـرى أبي وجـدّي دائـمـاً الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان يـجـدهـا الـمـنـبّـشـون ويـبـيـعـانـهـا. ثـمّ أن أعـداداً مـن أصـحـاب الـمـراكـب يـعـيـشـون مـن نـقـل هـذا الـطّـابـوق إلى الـقـرى الـمـحـاذيـة لـلـنّـهـر جـنـوبـاً وشـمـالاً”. “وعـنـدمـا كـان الـنّـاس يـجـدون جـزءاً مـن بـنـاء أو جـداراً قـديـمـاً في الـخـرائـب كـانـوا يـتـظـافـرون عـلى هـدمـه مـعـاً ثـمّ يـتـقـاسـمـون الـطّـابـوق حـسـب مـا كـانـوا قـد اتّـفـقـوا عـلـيـه. وتـغـمـض الـسّـلـطـات أعـيـنـهـا مـقـابـل بـخـشـيـش bakhshîsh يـدفـعـونـه لـهـا.  ومـوظـفـو الـمـيـري أنـفـسـهـم يـأخـذون الـطّـابـوق عـنـدمـا يـحـتـاجـون إلـيـه مـثـلـمـا حـدث عـنـد تـشـيـيـد الـسّـد عـلى قـنـاة الـهـنـديـة الّـذي شـيّـد بـكـامـلـه بـطـابـوق نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني الّـذي أخـذ مـن بـابـل”.

وهـنـا أقـطـع سـرد والـيـس بـدج لأذكـر لـكـم مـا رآه الـمـبـشـر هـنـري سـتـيـرن Henry Stern عـنـد زيـارتـه لـبـابـل، وكـان قـد زار الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1844، ثـمّ عـاد إلـيـه عـام 1850 وأقـام فـيـه ثـلاث سـنـوات حـتّى عـام 1853، وكـتـب :

“بـيـنـمـا كـنـت أتـمـعـن الـنّـظـر في هـذه الـخـرائـب الـعـظـيـمـة رأيـت عـدّة فـلاحـيـن مـنـهـمـكـيـن بـمـسـاحـيـهـم بـإخـراج طـابـوق بـقي سـالـمـاً لـم يـتـكـسـر مـن بـيـن أكـوام الـتّـراب والـشّـظـايـا الـمـحـطّـمـة، يـحـمـلـونـه عـلى ظـهـور حـمـيـرهـم حـتّى ضـفـة الـنّـهـر ويـنـقـلـونـه عـلى مـركـب. والأمـر يـجـري عـلى هـذا الـمـنـوال مـنـذ قـرون طـويـلـة، ومـع ذلـك تـبـدو الـتّـلال كـمـا لـو لـم يـؤخـذ مـنـهـا شئ”. (أنـظـر مـقـالي : رحـلـة هـنـري سـتـيـرن إلى الـعـراق ).

وأعـود الآن إلى مـا كـتـب والـيـس بـدج الّـذي سـأل مـضـيّـفـه عـن فـائـدة الـحـرّاس الّـذيـن تـضـعـهـم بـعـثـات الـتّـنـقـيـبـات في الـمـواقـع، فـأجـابـه :

“لا أرى فـائـدة مـنـهـم، فـالـمـواقـع لـيـسـت مـلـكـاً لـهـذه الـبـعـثـات الأجـنـبـيـة، وإنّـمـا سـمـح لـهـا فـقـط أن تـنـقّـب فـيـهـا لـمـدد مـحـددة. ولـيـس لـهـذه الـبـعـثـات الـحـقّ في وضـع حـرّاس في أراضي الـسّـلـطـان. ثـمّ إنّ هـؤلاء الـحـرّاس عـاجـزون عـن مـنـع الآخـريـن مـن الـنّـبـش في الـمـوقـع. الـحـكـومـة فـقـط يـمـكـنـهـا أن تـحـافـظ عـلى الـمـواقـع وتـحـمـيـهـا، ولـهـذا كـان عـلى الـبـعـثـات أن تـطـلـب حـمـايـة الـجـنـود”.

وأكـمـل : “وإذا مـنـع الـنّـاس مـن الـحـفـر لأخـذ الـطّـابـوق مـن بـابـل أو مـن بـيـرس [نـمـرود] فـمـن أيـن يـمـكـنـهـم أخـذه لـتـشـيـيـد مـنـازلـهـم ؟ فـلا يـمـكـن أن يـسـحـب مـنـهـم هـذا الإمـتـيـاز الّـذي تـعـودوا عـلى اسـتـعـمـالـه مـنـذ قـرون طـويـلـة. وجـوامـع الـحـلّـة والـكـوفـة ومـسـجـد حـسـيـن  Masjid Husen ومـسـجـد عـلي Masjid Alî ومـعـابـد الـيـهـود ودار كـلّ يـهـودي وشـيـعي وسـنّي شـيّـدت بـكـامـلـهـا بـطـابـوق بـابـل. وعـنـدمـا اسـتـخـرج الـمـنـقّـبـون الـبـريـطـانـيـيـن في حـوالي 1880 تـمـاثـيـل مـن الـحـجـر الـجـيـري مـن بـاطـن الأرض، حـطّـمـهـا الـنّـاس بـعـدهـم واسـتـعـمـلـوهـا في جـصّ الـبـنـاء. ولـم يـكـن عـلـيـهـم أن يـتـركـوهـا في وسـط الـخـرائـب بـعـد أن اسـتـخـرجـوهـا”.

بيرس نمرود بدج

وعـنـدمـا ألـحّ والـيـس بـدج في اسـتـجـواب مـضـيّـفـه أجـابـه أنّـه لـم يـمـارس الـحـفـر لأخـذ الـطّـابـوق فـقـد أصـبـحـت تـكـالـيـف ذلـك أكـثـر مـمـا كـانـت عـلـيـه في الـمـاضي، فـقـد أخـذ الـنّـاس الـطّـابـوق الّـذي كـان قـريـبـاً مـن سـطـح الأرض ويـنـبـغي الآن الـحـفـر عـمـيـقـاً لـلـوصـول إلـيـه، ثـمّ أن كـثـيـراً مـن الـطّـابـوق تـكـسّـر لـقـلـة عـنـايـة الـنّـاس في جـمـعـه ولـم يـعـد لـه قـيـمـة. والـسّـبـب في ذلـك أن الـجـدران شـيّـدت بـطـبـقـات مـن الـقـار وضـعـت بـيـن الـطّـابـوق تـربـط بـيـنـه ربـطـاً وثـيـقـاً ولـهـذا يـصـعـب فـصـل طـابـوقـة عـن أخـرى فـيـتـحـطـم كـثـيـر مـنـهـا. والـنّـاس يـحـتـاجـون إلى آلات أفـضـل لـلـقـيـام بـهـذا الـعـمـل ولـكـن لا يـمـكـن شـراؤهـا فـلا أحـد في الـحـلّـة يـعـرف كـيـف يـصـنـعـهـا. وقـد سـمـع أنّ الإفـرنـجـيـيـن  Franjîs يـسـتـعـمـلـون نـوعـاً مـن الـبـارود لإسـقـاط الـجـدران. وذكـر أن بـعـض أصـدقـائـه رأوا الـمـهـنـدس الـفـرنسي الـعـالي [ويـقـصـد بـه مـوجـيـل Moujel ] يـسـتـعـمـل هـذا الـبـارود عـنـدمـا جـمـع الـطّـابـوق الّـذي أصـلـح بـه سـدّة [الـهـنـديـة]. وقـد سـاعـدوه في ذلـك، ودفـع لـهـم أجـرهـم “بـكـرم الأمـراء”.

ثـمّ أخـبـره أنّـه لا يـعـرف شـيـئـاً عـن الـقـطـع الأثـريـة، وسـألـه عـن أي نـوع مـن الآثـار كـان يـبـحـث وكـيـف يـمـكـنـه أن يـعـرف أنّـهـا أصـلـيـة ولـيـسـت مـزيـفـة :

“فـشـرحـت لـه حـسـب مـا اسـتـطـعـت بـلـغـتي الـعـربـيـة الـضّـعـيـفـة الـفـرق بـيـن ألـواح الـصّـلـصـال الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة والـبـابـلـيـة الـمـتـأخّـرة ووصـفـت لـه الأسـطـوانـات والأخـتـام … إلـخ. الّـتي كـنّـا نـبـحـث عـنـهـا. وذكـرت لـه أسـمـاء بـعـض الـمـواقـع الّـتي عـثـر فـيـهـا عـلى ألـواح مـسـمـاريـة، وألـحـحـت عـلـيـه أن يـبـدأ بـالاتـصـال بـسـكـان ضـفـاف شـطّ الـحي. وبـالـمـقـابـل أعـطـاني أسـمـاء الأشـخـاص الّـذيـن كـان يـعـمـل مـعـهـم في بـغـداد ولـنـدن ووعـدني أن يـبـعـث لي عـن طـريـقـهـم بـالـقـطـع الأثـريـة الّـتي أراني إيـاهـا هـذا الـمـسـاء. وقـد وفى لي بـوعـده وبـعـث بـمـجـمـوعـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة إلى لـنـدن واشـتـرتـهـا مـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحف الـبـريـطـاني. وكـان مـن بـيـن مـا طـلـبـت مـنـه أن يـبـحـث عـنـهـا أخـتـام مـن الـهـيـمـاتـيـت (حـجـر الـدّم) الّـتي نـقـشـت عـلـيـهـا تـصـاويـر آلـهـة بـابـل الـقـديـمـة ومـشـاهـد أسـطـوريـة … إلـخ. وقـد أجـابـني أنّـه رغـم أنّ أعـداداً كـبـيـرة مـنـهـا وجـدت في الـتّـلـول tulûl فـإنّـهـا نـادراً مـا تـصـل إلى الـمـدن لأنّ الـفـلاحـيـن يـحـتـفـظـون بـهـا ويـرتـدونـهـا كـتـعـاويـذ. والـرّجـال مـثـل الـنّـسـاء يـدخـلـون في ثـقـوبـهـا خـيـوط قـنّـب ويـربـطـونـهـا تـحـت أذرعـهـم الـيـمـنى. وبـعـد أن تـحـتـك الأخـتـام بـمـلابـسـهـم الـمـلـيـئـة بـالـرّمـل والـغـبـار عـدّة سـنـوات تـفـقـد الـتّـصـاويـر الـمـنـقـوشـة عـلـيـهـا أشـكـالـهـا ولا يـمـكـن قـراءة كـتـابـاتـهـا الـمـسـمـاريـة”.

ويـكـمـل والـيـس بـدج قـائـلاً : “ولا شـكّ في أنّـه لا يـمـكـن إيـقـاف الـحـفـريـات الّـتي نـعـتـبـرهـا “غـيـر شـرعـيـة”. ويـبـدو أكـيـداً أنّـه لا حـقّ لـنـا في وضـع حـراسـنـا في أمـاكـن الـتّـنـقـيـبـات، وهي ضـدّ حـقـوقـهـم الّـتي ورثـوهـا مـنـذ زمـن طـويـل. وأدركـت مـمـا ذكـره مـضـيّـفي أنّ الـخـنـادق والأنـفـاق الّـتي حـفـرهـا الـمـنـقـبـون الـبـريـطـانـيـون الأوائـل تـسـاعـد الـبـاحـثـيـن عـن الـطّـابـوق الّـذيـن يـنـبـشـون فـيـهـا وتـسـهـل لـهـم عـمـلـهـم. ولا يـمـكـنـنـا إلّا أن نـأسـف عـنـدمـا نـفـكّـر بـأنّ مـا فـعـلـه راولـنـسـن ومـن تـبـعـوه سـبّـب إسـقـاط جـدران قـصـور بـابـل وسـرقـة طـابـوقـهـا. ومـن الـواضـح أنّ هـنـاك مـتـاجـرة مـنـظـمـة بـالـقـطـع الأثـريـة. وإذا لـم تـسـتـطـع حـكـومـة بـغـداد [الـعـثـمـانـيـة] إيـقـافـهـا، فـكـيـف يـمـكـن لأجـنـبي أن يـفـعـل ذلـك؟ وحـتّى لـو كـان مـن الـسّـهـل عـلى حـمـدي بـك ووزراء إسـطـنـبـول تـشـريـع قـوانـيـن، فـهـل كـانـوا سـيـسـتـطـيـعـون تـطـبـيـقـهـا في مـنـطـقـة تـبـعـد عـنـهـم بـحـوالي ألـفي كـيـلـومـتـر ؟”.

“ومـنـذ زيـارتي لـلـحـلّـة، بـدأ انـتـبـاه أهـل الـبـلـد يـزداد عـنـدمـا يـحـفـرون ويـجـدون ألـواحـاً مـسـمـاريـة، ويـبـذلـون جـهـداً لـكي لا يـكـسـروهـا بـمـعـاولـهـم، لا لأنّـهـم يـقـدّرون قـيـمـتـهـا الـتّـاريـخـيـة ولـكـن لأني لا أشـتـريـهـا مـنـهـم إذا تـكـسّـرت أجـزاء مـنـهـا”.

ويـكـمـل والـيـس بـدج : “وتـركـنـا الـحـلّـة في فـجـر الـيـوم الـتّـالي عـائـديـن إلى جـمـجـمـة لـنـسـتـطـلـع خـرائـب بـابـل. ويـبـدو أن الـكـلّ بـدأوا يـعـرفـون أنـنـا نـشـتـري قـطـعـاً أثـريـة، فـفي عـدّة أمـاكـن، أوقـفـنـا رجـال، وحـتّى أطـفـال وألـحـوّا عـلـيـنـا لـشـراء ألـواح مـسـمـاريـة يـحـمـلـونـهـا في أيـديـهـم. واشـتـريـت عـدداً مـن الألـواح الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة بـأثـمـان زهـيـدة وعـدّة قـطـع كـبـيـرة مـن نـصّ أصـرحـدون الأسـطـواني دفـعـت مـجـيـدي (3) majîdî  لـكـلّ واحـد مـنـهـا”.

“وذهـبـنـا في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن شـبـاط إلى تـلّ جـمـجـمـة […] لـنـرى الـجـزء الّـذي كـان قـد نـقّـبـه هـرمـزد رسّـام. وكـان بـعـض أهـل الـمـنـطـقـة يـعـرفـون مـوقـعـه فـقـادونـا إلـيـه حـالاً. ووجـدنـا رجـالاً يـحـفـرون في كـلّ مـكـان، لا بـحـثـاً عـن الـطـابـوق، كـمـا تـصـورنـا، بـل عـن الألـواح الـمـسـمـاريـة. وطـلـبـنـا مـقـابـلـة الـحـارس الّـذي كـان يـنـبـغي أن يـكـون في الـمـوقـع أو قـربـه، ولـكـن لـم يـكـن هـنـاك حـارس. واسـتـغـرب أهـل الـبـلـد مـن سـؤالـنـا وأخـبـرونـا أنّـهـم لـم يـروا أبـداً حـارسـاً ولا عـسـاسـاً في الـمـكـان وأنّ لـكـلّ مـنـهـم الـحـق في الـحـفـر في أيـن مـكـان كـان مـن الـخـرائـب، يـأخـذون مـنـهـا الـسّـبـاخ لـحـقـولـهـم والـطّـابـوق لـبـنـاء مـنـازلـهـم، إلّا إذا مـنـعـهـم مـن ذلـك حـاكـم الـحـلّـة الـتّـركي. ثـمّ ذهـب أحـدهـم وعـاد بـسـلّـة مـلـيـئـة بـألـواح مـن الـفـتـرة الـفـارسـيـة والـفـتـرات الـمـتـأخّـرة.

لوح مسماري بدج

وعـنـدمـا سـألـنـاهـم لـمـاذا يـحـفـرون في الـلـيـل وهـم يـسـتـطـيـعـون الـحـفـر في الـنّـهـار، أجـابـونـا أنّـهـم يـحـفـرون في الـظّـلام لأخـذ الألـواح الـمـسـمـاريـة لأنّ قـيـمـتـهـا أكـبـر مـن قـيـمـة الـطّـابـوق. ويـشـتـريـهـا مـنـهـم مـوظـفـون في الـحـلّـة يـأخـذونـهـا خـفـيـة إلى بـغـداد ويـبـيـعـونـهـا لـتـجـار يـصـدرونـهـا إلى إنـكـلـتـرة. واشـتـريـنـا مـنـهـم كـلّ الألـواح الّـتي في الـسّـلّـة بـبـضـعـة قـروش لـلّـوح الـواحـد. وسـمـعـنـا نـفـس هـذا الـكـلام خـلال تـجـوالـنـا فـيـمـا حـول جـمـجـمـة، ورأيـنـا بـعـضـاً مـن أهـل الـبـلـد يـحـمـلـون ألـواحـاً كـسّـرت ضـربـات الـمـعـاول بـعـض أجـزائهـا ولا تـسـتـحـق الـشّـراء”.

ويـتـكـلّـم عـن تـنـقـيـبـات هـرمـزد رسـام الّـتي قـام بـهـا لـحـسـاب الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في تـلال “أبـو حـبّـة (مـوقـع مـديـنـة سـيـبـار الـقـديـمـة)” والّـتي كـان قـد بـدأهـا قـبـل أن يـحـصـل عـلى سـمـاح مـن الـسّـلـطـات الـتّـركـيـة الّـتي أجـبـرتـه عـلى إيـقـافـهـا بـعـد أن حـفـر ثـلـث الـمـوقـع. وقـد سـمـع والـيـس بـدج أنّ الـمـسـؤول الـتّـركي اسـتـولى عـلى أعـداد كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة في الـمـوقـع وبـاعـهـا لـتـجّـار الآثـار. ومـنـذ ذلـك الـحـيـن نـظّـم هـؤلاء الـتّـجـار حـفـريـاتـهـم في “أبـوحـبّـة” بـأنـفـسـهـم وبـعـثـوا مـا وجـدوه إلى لـنـدن”.

“وتـلال “أبـو حـبّـة” أربـعـة، ثـلاثـة مـنـهـا كـبـيـرة والـتّـل الـرّابـع صـغـيـر […] وفي عـدّة أمـاكـن مـنـهـا نـبـشـت الأرض وحـفـرت في سـفـوح الـتّـلال أنـفـاق لأنّ هـدف الـسّـيّـد رسّـام كـان الـعـثـور عـلى قـطـع أثـريـة بـأسـرع مـا يـمـكـن وبـأقـلّ الـتّـكـالـيـف”. “ووجـد في أحـد هـذه الـتّـلال بـقـايـا مـئـات مـن الـحُـجـر الـصّـغـيـرة الّـتي كـان فـيـهـا كـلّـهـا ألـواح مـسـمـاريـة مـن صـلـصـال لـم يـفـخـر وخـاصـة مـن فـتـرة حـكـم الـمـلـك الـبـابـلي نـبـو نـيـد (مـن 556 إلى 538 قـبـل الـمـيـلاد). وقـد وضـعـهـا أهـل الـبـلـد في الـنّـار لـيـحـولـوهـا إلى فـخـار صـلـب ولـكـنّـهـا تـكـسّـرت وتـسـاقـطـت شـظـايـا”.

وقـد وجـد والـيـس بـدج الـحـارس الّـذي كـان الـمـتـحـف الـبـريـطـاني يـدفـع لـه راتـبـاً لـحـراسـة الـمـوقـع وعـرف مـنـه أنّـه كـان هـو نـفـسـه يـجـمـع الآثـار الّـتي كـان أهـل الـبـلـد يـنـبـشـون الـتّـلال بـحـثـاً عـنـهـا ويـحـمـلـهـا إلى بـغـداد لـيـبـيـعـهـا لـه شـقـيـقـاه فـيـهـا.

وعـنـدمـا سـألـه كـيـف يـسـتـطـيـع عـبـور جـسـر الـقـوارب مـن غـيـر أن يـشـتـبـه بـه مـوظـفـو الـجـمـرك  gumruk، شـرح لـه  أنّـه كـان يـرتـدي مـعـطـفـاً واسـعـاً يـنـزل إلى قـدمـيـه خـاط في بـطـانـتـه صـفـوفـاً مـن الـجـيـوب الـصـغـيـرة يـضـع فـيـهـا الألـواح. أمّـا في مـا يـخـصّ الـقـطـع الأثـريـة الـكـبـيـرة فـيـدخـلـهـا لـه أصـدقـاء يـصـاحـبـون قـافـلـة ويـضـعـونـهـا في داخـل الـسّـلـع وفي بـعـض الأحـيـان يـسـاعـده أصـدقـاء إيـرانـيـون يـجـلـبـون تـوابـيـت الـمـوتى لـتـدفـنّ في كـربـلاء”.

وكـتـب والـيـس بـدج في الـنّـهـايـة : “وخـلاصـة الأمـر هـو أنـني وجـدت مـا طـلـب مـنّي راولـنـسـن أن أجـده، ولـكـن الـواضـح أنـنـا لـن نـسـتـطـيـع إيـقـاف الـتّـهـريـب”.

وعـاد مـتـأسّـفـاً إلى الـكـلام عـن آلاف الألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي كـانـت تـتـحـطـم وتـتـهـشـم بـاسـتـمـرار : “وحـتّى الّـذيـن يـحـفـرون في وضـح الـنّـهـار يـكـسّـرون الألـواح بـمـعـاولـهـم ويـحـطـمـونـهـا بـمـسـاحـيـهـم فـمـا بـالـك بـالّـذيـن يـحـفـرون خـفـيـة في ظـلام الـلـيـل”.

“والـمـتـاجـرون بـالألـواح أيـضـاً لا يـعـتـنـون بـهـا في نـقـلـهـم لـهـا، فـأحـد هـؤلاء الـمـهـربـيـن مـثـلاً مـلأ بـهـا عـدّة صـنـاديـق وأرسـلـهـا مـع قـافـلـة تـوصـلـهـا إلى دمـشـق لـتـحـمّـل عـلى بـاخـرة مـن بـيـروت. ووصـلـت الـقـافـلـة إلى دمـشـق بـعـد أربـعـة أو خـمـسـة أسـابـيـع، وعـنـدمـا فـتـحـت الـصّـنـاديـق وجـد فـيـهـا شـظـايـا ألـواح مـحـطّـمـة لـقـلـة عـنـايـة مـرسـلـهـا بـتـغـلـيـفـهـا لـلـحـفـاظ عـلـيـهـا. ووضـعـهـا مـهـرب آخـر في بـالات مـن الـصـوف لـيـخـرجـهـا مـن الـبـلـد، وعـنـدمـا أدخـلـوا الـبـالات في مـكـائـن لـتـضـغـط قـبـل تـصـديـرهـا طـحـنـت الألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي تـحـولـت إلى دقـيـق يـتـطـايـر. وحـتّى الـمـوظـفـون الأتـراك لا يـولـون اهـتـمـامـاً بـالألـواح الـمـصـادرة مـن الـمـهـربـيـن والّـتي يـرسـلـونـهـا إلى الـمـتـحـف الـعـثـمـاني في إسـطـنـبـول، فـغـالـبـاً مـا تـصـل حـطـامـاً لا نـفـع مـنـه”.

وفي بـعـثـتـه الـثّـالـثـة زار والـيـس بـدج إسـطـنـبـول والـمـوصـل وبـغـداد في 1888ــ1889 لـلـتّـحـقـيـق في سـرقـات الآثـار الآشـوريـة، وهـو مـا سـأخـصـص لـه مـقـالاً قـادمـاً.

الـدّكـتـور إدغـار جـيـمـس بـانـكـس والآثـار الـعـراقـيـة :

وأنـهي مـقـالي بـذكـر قـصّـة إدغـار جـيـمـس بـانـكـس Edgar James BANKS الّـذي وصـل إلى بـغـداد في عـام 1898 لـيـشـغـل مـنـصـب قـنـصـل الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة في بـغـداد. وكـانـت هـذه الـقـنـصـلـيـة قـد أنـشـئـت عـدّة سـنـوات قـبـل ذلـك عـنـدمـا بـعـث هـنـري هـايـز إلى بـغـداد في 1889.

وفي بـغـداد شـرع بـانـكـس بـشـراء مـئـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة (الـرّقـم الـطّـيـنـيـة) مـن الـمـتـاجـريـن بـالآثـار. وخـلال إقـامـتـه في إسـطـنـبـول عـام 1900، إشـتـرى عـدّة مـئـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة مـن مـهـربي الآثـار، وعـاد بـهـا إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة.

وقـد أشـرف الـدّكـتـور بـانـكـس في  1904/1903 عـلى تـنـقـيـبـات بـسـمـايـة (مـوقـع مـديـنـة أدب الـقـديـمـة) في جـنـوب بـابـل.

الدكتور بانكس

(الـدّكـتـور بـانـكـس بـالـمـلابـس الـعـربـيـة)

وبـعـد عـودتـه إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، عـيّـن عـام 1909أسـتـاذاً لـلـغـات الـشّـرقـيـة والآثـار في جـامـعـة تـولـيـدو في الأوهـايـو.

وبـدأ يـسـافـر في كـلّ أنـحـاء الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة يـلـقي فـيـهـا مـحـاضـرات مـثـيـرة يـمـزج فـيـهـا بـيـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة والأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة والأنـاجـيـلـيـة الّـتي تـؤمـن بـهـا كـثـيـر مـن الأوسـاط الأمـريـكـيـة.

وكـان يـغـتـنـم فـرص هـذه الـمـحـاضـرات لـيـعـرض ألـواحـاً مـسـمـاريـة (قـدّرت بـأكـثـر مـن 11،000 لـوح ) كـان قـد اشـتـرى بـعـضـهـا مـن مـهـربي الآثـار في الـشّـرق، وجـلـب بـعـضـهـا مـن تـنـقـيـبـاتـه، ويـبـيـعـهـا إلى الـمـتـاحـف والـمـكـتـبـات والـجـامـعـات والـمـعـاهـد الـدّيـنـيـة.

وكـان أهـم مـا بـاعـه الـدّكـتـور بـانـكـس لـوح يـعـود إلى فـتـرة تـتـراح بـيـن 1900 إلى 1700 قـبـل الـمـيـلاد، إشـتـراه مـنـه جـورج بـلـمـبـتـون G. Plimpton  فـيـمـا اشـتـراه في 1922 أو 1923، ثـمّ أهـداه إلى جـامـعـة كـولـومـبـيـا في 1936، ولـهـذا يـعـرف بـ Plimpton 322، عـلـيـه نـصّ ريـاضـيـات بـابـلي بـأرقـام مـسـمـاريـة عـلى أربـعـة أعـمـدة بـخـمـسـة عـشـر سـطـراً، يـشـرح فـيـه عـالـم الـرّيـاضـيـات الـبـابـلي جـزءاً مـمـا عُـرف بـعـد ذلـك بـقـرون بـ “مـبـرهـنـة فـيـثـاغـورس”، أي أنّ الـعـالـم الـرّيـاضي الـبـابـلي كـان قـد وجـد جـزءاً مـن الـمـبـرهـنـة عـدّة قـرون قـبـل أن يـولـد فـيـثـاغـورس !

(أنـظـر مـقـالي : مـغـامـرات الـدّكـتـور بـانـكـس )

ومـا ذكـرتـه لـكـم لـيـس إلّا جـزءاً صـغـيـراً مـن الـمـتـاجـرة بـآثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي نـتـجـت عـن الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة ومـا تـبـعـهـا مـن اهـتـمـام الأوربـيـيـن بـالآثـار الّـتي اكـتـشـفـتـهـا، والّـتي مـا زالـت مـزدهـرة إلى أيّـامـنـا هـذه. وسـنـعـود إلى هـذا الـمـوضـوع في مـقـالات أخـرى قـادمـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  ولـد هـرمـزد رسّـام Hormuzd Rassam في الـمـوصـل سـنـة 1826 في عـائـلـة كـاثـولـيـكـيـة كـلـدانـيـة. وكـان أخـوه كـرسـتـيـان رسّـام نـائـب قـنـصـل بـريـطـانـيـا في الـمـوصـل.

وعـنـدمـا كـان في الـعـشـريـن مـن عـمـره اشـتـغـل مـع أوسـتـن هـنـري لَـيـارد Austen Henry Layard الّـذي بـدأ أولى حـمـلات تـنـقـيـبـاتـه في نـيـنـوى بـيـن 1845 و1847. وقـد سـاعـده لَـيـارد لـلـذّهـاب إلى إنـكـلـتـرة والـدّراسـة في Magdalen Colleg في أكـسـفـورد الّـتي قـضى فـيـهـا 18 شـهـراً، ثـمّ عـاد إلى الـمـوصـل لـيـسـاعـد لَـيـارد في حـمـلـتـه الـثّـانـيـة في 1849ــ1851. وبـعـد أن عـاد لَـيـارد إلى إنـكـلـتـرة أكـمـل هـرمـزد رسّـام الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود وفي تـلّ قـويـنـجـق مـن 1852 إلى 1854. وقـد تـوصـل إلى اكـتـشـافـات مـهـمـة كـالـعـثـور عـلى ألـواح مـن مـلـحـمـة جـلـجـامـش اسـتـطـاع عـالـم الآشـوريـات الـبـريـطـاني جـورج سـمـيـث قـراءتـهـا بـعـد ذلـك. (أنـظـر مـقـالي : كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش )

وبـعـد انـتـهـاء الـتّـنـقـيـبـات ذهـب هـرمـزد رسّـام إلى إنـكـلـتـرة. وسـاعـده لَـيـارد في تـعـيـيـنـه في الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة في عـدن. ثـمّ بـعـث عـام 1864 إلى الـحـبـشـة يـحـمـل رسـالـة إلى امـبـراطـورهـا مـن الـمـلـكـة فـكـتـوريـا. ولـم تـنـجـح سـفـارتـه وسـجـن في الـحـبـشـة عـدّة سـنـوات إلى أن سـقـط الإمـبـراطـور عـام 1868.

وبـعـد عـودتـه إلى إنـكـلـتـرة بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني مـن جـديـد لـيـشـرف عـلى تـنـقـيـبـات أثـريـة في نـيـنـوى. ثـمّ أقـام مـنـذ 1882 في مـديـنـة بـرايـتـون في جـنـوب إنـكـلـتـرة حـتّى وفـاتـه فـيـهـا سـنـة 1910.

(2)  ولـد إرنـسـت إلـفـريـد والـيـس بـدج  Sir Ernest Alfred Wallis BUDGE في إنـكـلـتـرة عـام 1857.

وبـدأ اهـتـمـامـه بـالـلـغـات قـبـل أن يـبـلـغ الـعـاشـرة مـن عـمـره، ولـكـنـه أجـبـر عـلى تـرك الـمـدرسـة في سـنّ الـثّـانـيـة عـشـرة لـيـكـسـب قـوتـه كـكـاتـب في مـكـتـب تـوثـيـق عـقـود.

وقـد اغـتـنـم كـلّ أوقـات فـراغـة لـيـدرس الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة، ووجـد رجـلاً يـحـسـن هـذه الـلـغـات إسـمـه تـشـارلـز سـيـجـر تـطـوع لـمـساعـدتـه عـلى ذلـك. ثـمّ بـدأ في 1872بـالـتـردد عـلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن والإهـتـمـام بـالـلـغـة الآشـوريـة.

وقـدمـه سـيـجـر إلى الـمـسـؤول عـن قـسـم الآثـار الـشّـرقـيـة صـمـوئـيـل بـرش Samuel BIRCH وإلى مـساعـده عـالـم الآشـوريـات جـورج سـمـيـث George Smith . وقـد سـاعـده سـمـيـث في تـعـلّـم قـراءة الـمـسـمـاريـة، كـمـا سـمـح لـه بـرش بـدراسـة الألـواح الـمـسـماريـة في مـكـتـبـه. وقـرأ والـيـس بـدج نـصـوص الـمـنـقـبـيـن مـثـل الـكـتـب الّـتي نـشـرهـا أوسـتـن هـنـري لَـيـارد .

وقـد قـضى والـيـس بـدج كـلّ أوقـات فـراغـه مـن عـام 1869 إلى عـام 1878 في دراسـة الـلـغـة الآشـوريـة، وكـان يـذهـب في ظهـر كـلّ يـوم، أي في وقـت الـغـداء الّـذي كان يـسـمـح لـه فـيـه بـالـتّـوقـف عـن الـعـمـل، إلى كـاتـدرائـيـة سـانـت بـول لـيـغـتـنـم الـهـدوء فـيـهـا لـلـدّراسـة، حـتّى لاحـظـه عـازف الأرغـون فـيـهـا، وعـرف بـشـغـفـه بـالـدّراسـة، فـاتـصّـل بـصـاحـب الـمـكـتـب الّـذي يـعـمـل فـيـه والـيـس بـدج وأخـبـره بـمـثـابـرة مـوظـفـه الـشّـاب عـلى الـدّراسـة.

وكـان صـاحـب الـمـكـتـب عـضـواً في الـبـرلـمـان، فـتـكـلّـم مـع رئـيـس الـوزراء غـلادسـتـون عـن رغـبـة بـدج بـدراسـة الـلـغـات الـشّـرقـيـة … وهـكـذا أرسـل بـدج إلى جـامـعـة كـمـبـردج مـن 1878 إلى 1883، ودرس فـيـهـا الـلـغـات الـشّـرقـيـة : الـعـبـريـة والـسّـريـانـيـة والـحـبـشـيـة والـعـربـيـة. واسـتـمـر يـدرس الـلـغـة الآشـوريـة وحـده بـعـد ذلـك.

وفي عـام 1883، عـيّـن والـيـس بـدج في قـسـم الآثـار الـمـصـريـة والآشـوريـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني وشـرع يـدرس، في أوقـات فـراغـه، الـلـغـة الـمـصـريـة الـقـديـمـة بـمـسـاعـدة صـمـوئـيـل بـرش واسـتـمـر في ذلـك حـتّى وفـاة بـرش عـام 1885. وعـنـدمـا عـيّـن ريـنـوف  RENOUF  خـلـفـاً لـبـرش، أكـمـل بـدج دراسـة الـلـغـة الـمـصـريـة الـقـديـمـة مـعـه إلى أن تـرك ريـنـوف الـمـتـحـف الـبـريـطاني عـام 1891. وقـد عـيّـن والـيـس بـدج بـعـد إحـالـة ريـنـوف عـلى الـتّـقـاعـد مـسـاعـداً لـمـسـؤول الـقـسـم، ثـمّ أصـبـح في عـام 1894 مـسـؤولاً عـنـه، وبـقي في مـنـصـبـه إلى عـام 1924.

ونـشـر والـيـس بـدج في 1914 كـتـابـاً يـحـتـوي عـلى 53 صـورة مـمـتـازة الـنّـوعـيـة لـتـمـاثـيـل وجـداريـات مـنـحـوتـة مـن زمـن آشــور نـاصـربـال مـع نـصـوص شـرح، ونـشـر دلـيـل الـمـجـمـوعـات الـبـابـلـيـة والآشـوريـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني.

(3) ضـرب الـرّيـال الـمـجـيـدي في زمـن الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني عـبـد الـمـجـيـد (حـكـم مـن 1839 إلى 1861). وكـان الـمـجـيـدي مـن الـفـضّـة ويـسـاوي 20 قـرشـاً. وكـانـت قـيـمـتـه خُـمـس الـلـيـرة الـذّهـبـيـة.

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

مـن نـيـويـورك إلى بـغـداد عـام 1914

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـشـرت مـجـلّـة الـنّـاشـيـونـال جـيـوغـرافـيـك The National Geographic Magazine الأمـريـكـيـة في عـددهـا الـسّـادس (مـجـمـوعـة 26) الـصّـادر في شـهـر كـانـون الأوّل 1914، مـقـالـيـن عـن الـعـراق، عـنـوان الأوّل مـنـهـمـا : الـمـكـان الّذي عـاش فـيـه آدم وحـواء Where Adam and Eve Lived، والـثّـاني : Mystic Nedjef, the Shia Mecca.

ناشونال جيوغرافيك

وهـذه الـمـجـلّـة تـصـدرهـا الـجـمـعـيـة الـجـغـرافـيـة الأمـريـكـيـة                     The National Geographic Society الّـتي أسـسـت عـام 1888 ، والّـتي كـان مـشـروعـهـا : “نـشـر الـمـعـارف الـجـغـرافـيـة” .

وسـأبـدأ بـالـكـلام عـن الـمـقـال الأوّل الّـذي كـتـبـه فـردريـك سِـمـبِـك                 Frederick Simpich، وشـاركـت فـيـه زوجـتـه مـرغـريـت  Margaret .

وفـردريـك سِـمـبِـك  وزوجـتـه يـسـتـعـمـلان صـيـغـة الـمـتـكـلّـم، فـلا نـعـرف بـالـضّـبـط مـن كـتـب مـاذا، ولـكـن يـبـدو أنّ مـرغـريـت كـتـبـت مـا يـتـعـلّـق بـنـسـاء بـغـداد وخـاصـة زيـارتـهـا لـ “حـريـم” رجـل مـن أغـنـيـائـهـا، وكـذلـك عـن نـسـاء الـبـاديـة.

والـمـقـال طـويـل يـمـلأ اثـنـتـيـن وأربـعـيـن صـفـحـة (مـن صـفـحـة 546 إلى صـفـحـة  588)، أرفـقـت بـه 35 صـورة فـوتـوغـرافـيـة تـعـودنـا عـلى رؤيـتـهـا في كـثـيـر مـن مـواقـع الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة بـدون إشـارة إلى مـصـدرهـا.

ولا شـكّ في أنّ هـذه الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة أهـمّ بـكـثـيـر مـن الـمـعـلـومـات الّـتي ذكـرت في الـمـقـال. وقـد الـتـقـط فـردريـك سِـمـبِـك بـنـفـسـه عـدداً مـنـهـا بـيـنـمـا أخـذ غـالـبـيـهـا مـن أرشـيـفـات  (1)Underwood and Underwood

الـسّـفـر مـن نـيـويـورك إلى بـغـداد :

يـبـدأ الـمـقـال بـالـكـلام عـن سـحـر اسـم “بـغـداد” ومـا يـثـيـره في مـخـيـلـة الـقـارئ الأمـريـكي في ذلـك الـزّمـن مـن صـور “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” و “هـرون الـرّشـيـد” … ولـكـنّ الـوصـول إلى الـعـراق كـان صـعـبـاً فـقـد قـضى كـاتـب الـمـقـال أيـامـاً عـديـدة يـبـحـث عـن وكـالـة سـفـر يـمـكـن أن تـوصـلـه وزوجـتـه إلى بـغـداد. واسـتـطـاع الـحـصـول في الـنـهـايـة عـلى بـطـاقـة تـوصـلـهـمـا مـن نـيـويـورك إلى مـصـر، وأخـرى مـن مـصـر إلى عـدن، ثـمّ مـن عـدن إلى بـومـبـاي، ومـنـهـا إلى كـراتـشي فـمـسـقـط. ومـن مـسـقـط إلى الـبـصـرة.

ويـبـدو أنّ كـاتـب الـمـقـال غـادر نـيـويـورك مـع زوجـتـه في نـهـايـة عـام 1913 أو بـدايـة 1914، فـهـو يـذكـر أنّـهـمـا أقـامـا في الـعـراق سـنـة، وقـد نـشـر مـقـالـهـمـا في نـهـايـة عـام 1914.

وعـنـدمـا كـانـا عـلى مـتـن الـبـاخـرة الّـتي عـبـرت بـهـمـا الـمـحـيـط الأطـلـسي نـظـر إلـيـهـمـا الـقـبـطـان بـدهـشـة عـنـدمـا أخـبـراه بـوجـهـتـهـمـا، ثـمّ هـمـس لـصـبي الـبـاخـرة أن يـأتي لـه بـأطـلـس فـقـد أثـار اسـم بـغـداد فـضـولـه وأراد أن يـعـرف في أي مـكـان في الـعـالـم تـقـع هـذه الـمـديـنـة !

بـغـداد :

وبـعـد سـفـرة طـويـلـة اقـتـربـا مـن بـغـداد، الّـتي تـقـع في : “بـلاد الـعـرب الـتّـركـيـة  Turkish Arabia”، وبـدت لـهـمـا في الأفـق قـبـابـهـا ومـنـائـرهـا الـرّائـعـة الـجـمـال، ثـمّ أبـصـرا بـجـسـر الـقـوارب الّـذي يـربـط بـيـن جـانـبي الـمـديـنـة، وخـاصـة بـجـانـبـهـا الـغـربي الّـذي تـحـيـط بـ “الـمـديـنـة الـقـديـمـة” فـيـه غـابـات الـنّـخـيـل والـبـرتـقـال.

ونـزلا مـن الـبـاخـرة لـيـركـبـا “قـفّـة” تـوصـلـهـمـا إلى الـشّـاطئ. ويـصـف سِـمـبـك تـلـك “الـقـفّـة” بـأنّـهـا مـسـتـديـرة مـثـل سـلّـة حـيـكـت مـن أغـصـان الـصّـفـصـاف قـطـرهـا حـوالي 6 أقـدام طـلـيـت بـالـقـار، ووضـعـت لـهـا صـورة طـالـمـا تـعـوّدنـا عـلى رؤيـتـهـا مـن غـيـر أن نـعـرف أنّـهـا أخـذت مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood، وقـد وضـعـت نـسـخـتـهـا الأصـلـيـة في بـدايـة الـمـقـال (وانـظـر الـمـلـحـق في آخـر الـمـقـال) :

NG من الباخرة على قفة

ونـقـرأ في الـمـقـال أنّـه لـم يـكـن في بـغـداد شـوارع وإنّـمـا دروب لا يـمـكـن فـيـهـا لـحـمـاريـن أن يـتـجـاوز الـواحـد مـنـهـمـا الآخـر، وأنّ سـوراً كـان يـحـيـط بـالـمـديـنـة مـا زالـت بـعـض أبـوابـه قـائـمـة، وأنّ الـدور الـبـغـداديـة مـسـطـحـة الـسّـقـوف، لا نـوافـذ لـهـا وتـحـيـط بـحـوش داخـلي، وأنّ الـعـرب يـقـضـون لـيـالي الـصّـيـف عـلى الـسّـطـوح يـضـربـون عـلى الـطّـبـول ويـنـفـخـون في الـنّـايـات بـيـنـمـا تـرقـص نـسـاؤهـم !

وأول مـا نـلاحـظـه في هـذا الـمـقـال عـنـد قـراءتـه سـطـحـيـة الـمـعـلـومـات الّـتي وضـعـت فـيـه وقـلّـة تـنـظـيـم الـسّـرد فـنـحـن نـجـد في نـفـس الـمـقـطـع اسـتـطـرادات يـقـفـز فـيـهـا الـكـاتـب مـن مـوضـوع إلى آخـر، ثـمّ يـكـمـل حـديـثـه عـن الـمـوضـوع الأول في الـمـقـطـع الـتّـالي أو الّـذي بـعـده !

ولا شـكّ في أنّ الـقـارئ كـان يـنـتـظـر أن يـجـد مـقـالاً جـديّـاً في مـجـلّـة تـصـدرهـا جـمـعـيـة جـغـرافـيـة، ولـكـنّـه لا يـقـرأ إلّا اسـتـطـلاعـاً صـحـفـيـاً مـسـطّـحـاً لا تـعـمّـق فـيـه ولا تـدقـيـق.

وتـزداد دهـشـتـه عـنـدمـا يـذكـر كـاتـب الـمـقـال، الّـذي لـم يـكـلـف نـفـسـه مـشـقّـة قـراءة كـتـاب تـاريـخ عـن بـغـداد، أنّ الـخـلـيـفـة الـمـنـصـور شـيّـد الـمـديـنـة سـنـة 731 م. ! ويـنـتـقـد مـاضـيـهـا “الـمـلئ بـالـعـنـف” مـقـارنـة بـحـاضـرهـا الّـذي بـدأت فـيـه تـتـحـضّـر بـفـضـل احـتـكـاكـهـا بـأوربـا الـحـديـثـة !

ونـعـود إلى الـمـقـال، ونـقـرأ فـيـه أنّـه “شـيّـدت أمـام الـنّـهـر، بـعـيـداً عـن أحـيـاء الـعـرب، قـنـصـلـيـات الـدّول الأجـنـبـيـة الـمـهـيـبـة ومـكـاتـب الـتّـجـارة والـدّور الـفـخـمـة لأغـنـيـاء الـيـهـود والأرمـن والـيـونـان والـسّـوريـيـن، أي الـرّجـال الّـذيـن صـنـعـوا بـغـداد الـحـديـثـة”، ولـكـنّ “زمـن عـلي بـابـا (وحـكـايـات ألـف لـيـلـة ولـيـلـة) كـان قـد مـضى، وأغـلـب قـصـور الـمـديـنـة الـقـديـمـة ومـسـاجـدهـا تـتـسـاقـط خـرابـاً”.

ويـتـكـلّـم عـن طـرقـات بـغـداد الآمـنـة في الـلـيـل مـثـلـهـا مـثـل شـوارع نـيـويـورك أو لـنـدن، ويـذكـر أنّ مـقـر قـيـادة الـجـيـش الـسّـادس الـعـثـمـاني، الّـذي يـضـمّ 25000  جـنـدي، كـان في بـغـداد.

ويـتـكـلّـم عـن تـجـارة بـغـداد الّـتي سـيـطـر عـلـيـهـا الأرمـن والـيـهـود الّـذيـن يـصـدّرون بـالـبـواخـر الـصّـوف والـتّـمـر والـسّـجـاد إلى أمـريـكـا ويـسـتـوردون مـن مـديـنـة مـانـشـسـتـر الإنـكـلـيـزيـة بـضـائـع تـصـل قـيـمـتـهـا إلى مـا يـعـادل 5 مـلايـيـن دولار سـنـويـاً.

ويـعـود كـاتـب الـمـقـال إلى ذكـر أنّ “دروب بـغـداد الـضّـيـقـة تـسـتـمـرّ في ضـجـيـجـهـا بـعـد حـلـول الـلـيـل بـوقـع الـدّنـابـك الـمـمـل وصـخـب الـنّـاي الـحـاد. وتـغـني نـسـاء مـطـلـيـات الـوجـوه مـتـزيّـنـات بـأقـراط وحـجـول ومـرتـديـات سـراويـل واسـعـة ويـرقـصـن عـلى الـسّـطـوح. ولـكـنّ الأقـراط والـحـجـول مـسـتـوردة مـن الـنّـمـسـا. أمّـا الـنّـسـاء فـجـئـن مـن بـورسـعـيـد”.  “ونـجـد أعـداداً مـن الـمـقـاهي عـلى ضـفـة دجـلـة يـجـلـس فـيـهـا في الـمـسـاء سـمـاسـرة يـدخـنـون الـنّـارجـيـلـة ويـتـحـدثـون عـن تـجـاراتـهـم. وحـتّى طـرابـيـشـهـم اسـتـوردت مـن ألـمـانـيـا”.

ونـلاحـظ أنّ كـاتـب الـمـقـال أخـطـأ هـنـا أيـضـاً فـالـطـرابـيـش كـانـت تـسـتـورد خـاصـة مـن مـديـنـة “فـيـيـنـا” عـاصـمـة الـنّـمـسـا، ولـهـذا كـان الـبـغـداديـون يـسـمـونـهـا “الـفـيـنـة”.

ويـكـمـل : “ولا تـصـنـع في بـغـداد مـمـا يـرتـدون إلّا نـعـالـهـم الـجـلـديـة الـحـمـراء الـمـرتـفـعـة الـمـقـدمـات وكـوفـيـاتـهـم  keffeyas  الـبـرّاقـة  وعـبـاءاتـهـم  abbas الـواسـعـة”.

“وتـبـدو دروب الأسـواق أنـفـاقـاً عـقّـدت سـقـوفـهـا بـالـطّـابـوق لـتـحمي الـنّـاس مـن لـهـب الـقـيـظ. وهي تـقـطـع حيّ الأسـواق مـثـل مـسـالـك مـا تـحـت الأرض subways  في كـل الإتـجـاهـات، طـويـلـة خـانـقـة قـلـيـلـة الإضـاءة مـكـتـظـة بـالـنّـاس والـبـغـال والـجـمـال. وعـلى كـلّ جـانـب مـنـهـا دكـاكـيـن لا تـتـجـاوز سـعـتـهـا سـعـة أكـشـاك الـهـواتـف الـعـامـة telephone booths   يـتـربّـع فـيـهـا تـاجـر يـهـودي أو عـربي تـتـكـوّم حـولـه بـضـائـع تـصـل إلى الـسّـقـف”.

“ويـنـصّ قـانـون مـعـمـار قـديـم عـلى أن سـقـف الـسّـوق يـنـبـغي أن يـشـيّـد عـلى ارتـفـاع يـمـكـن لـراكـب جـمـل يـحـمـل رمـحـه أن يـمـرّ تـحـتـه. ومـع ذلـك يـتـرك الـبـدو في أيّـامـنـا هـذه جـمـالـهـم خـارج أبـواب الـمـديـنـة”، “وتـرتـفـع مـن حـنـاجـر لا تـعـدّ ولا تـحـصى نـقـاشـات بـالـعـربـيـة والأرمـنـيـة والـتّـركـيـة والـكـرديـة والـفـارسـيـة والـيـونـانـيـة والـهـنـدوسـتـانـيـة والـفـرنـسـيـة، وتـسـمـع صـيـاح : “بـالـك ! Barlak” … “بـالـك أفـنـدي ! Barlak Effendi”.

“ويـمـكـن الـتّـعـرف عـلى سـكـان الـبـاديـة بـيـنـهـم مـن أوّل نـظـرة : مـن شـعـورهـم الـكـثّـة الـمـنـسـدلـة عـلى أكـتـافـهـم  ومـن مـلابـسـهـم الّـتي بـهـتـت ألـوانـهـا تـحـت ضـربـات الـشّـمـس ومـن هـراواتـهـم الـضّـخـمـة ومـن نـظـراتـهـم الـمـتـوحـشـة. وتـراهـم يـرفـعـون أطـراف عـبـاءاتـهـم إلى أنـوفـهـم لـتـحـمـيـهـم مـن روائـح الـسّـوق الـكـريـهـة وهـم الّـذيـن تـعـودوا عـلى اسـتـنـشـاق الـهـواء الـنـقي في فـيـافـيـهـم. ويـمـوت آلاف مـن أهـل الـسّـوق مـن مـرض الـسّـل كـلّ عـام”.

“ولـلـبـاعـة الـمـتـجـولـيـن طـريـقـتـهـم في مـمـازحـة الـمـشـتـريـن، فـيـصـيـح بـائـع الـزّهـور بـالـمـارّة وهـو يـمـدّ بـبـاقـاتـه : “صـالـح حـمـاتـك !”. ويـنـادي بـائـع الـفـطـائـر الـمـشـويّـة : “أمّ الـنّـاريـن ! أمّ الـنّـاريـن !”.

“ونـجـد في الـدّروب الـجـانـبـيـة أمـاكـن مـبـهـرجـة هي الـمـسـارح الـشّـديـدة الإضـاءة في الـلـيـل والّـتي يـشـرب فـيـهـا الـنّـاس كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـقـهـوة، ونـرى فـيـهـا سـاحـراً يـبـتـلـع سـيـوفـاً أو يـخـرج عـلاجـيـم ضـفـادع مـن عـمـامـتـه الـوسـخـة …”.

“وتـبـقى الأسـواق مـفـتـوحـة كـلّ الـلـيـل في رمـضـان، فـالـمـسـلـمـون يـصـومـون طـيـلـة الـنّـهـار لـمـدّة شـهـر ولا يـأكـلـون إلّا في الـلـيـل بـعـد أن يـضـرب مـدفـع الـسّـراي في الـمـغـرب”.

“وأكـل الـنّـاس شـديـد الـدّسـم. دهـن يـسـتـخـرجـونـه مـن ألـيـات الـنّـعـاج ونـقـانـق مـن لـحـم الـمـاعـز وقـرع ورمّـان ولـيـمـون وتـمـر وتـيـن مـجـفـف ولـحـم خـرفـان وبـقـر. نـجـد عـنـدهـم كـلّ أكـل إلّا لـحـم الـخـنـزيـر. ولا أحـد يـمـوت هـنـا مـن الـجـوع. أمّـا الـمـتـسـولـون فـهـم قـلّـة”.

جـنـات عـدن :

“وتـقـع الـمـنـطـقـة الّـتي تـعـتـبـر “جـنّـة عـدن” حـوالي 80 كـلـم. غـرب بـغـداد، عـلى ضـفـاف نـهـر الـفـرات. ورأيـت في الـمـسـيّـب 4000  رجـل يـحـفـرون مـثـل حـيـوانـات الـخـلـد في سـهـول مـنـطـقـة بـابـل لـيـجـددوا واحـدة مـن الـقـنـوات الّـتي يـمـلأهـا مـاء الـنّـهـر. وفي قـعـر هـذه الـقـنـاة الّـتي مـا زالـت جـافـة كـانـوا يـشـيـدون سـدّاً كـبـيـراً. وكـانـوا يـسـتـعـمـلـون آلات اسـتـوردت مـن أمـريـكـا. وعـنـدمـا سـيـكـتـمـل سـيـمـلأ بـالـمـاء الّـذي سـيـرتـفـع خـلـف الـسّـدّ ويـسـتـعـمـل لـلـسـقي”.

“وكـان نـظـام الـرّي في زمـن نـبـوخـذ نـصـر يـوزع الـمـاء عـلى كـلّ أراضي بـلاد بـابـل ويـصـل قـرب بـغـداد. وتـجـري قـنـاة “الـنّـهـروان” الـضّـخـمـة بـمـحـاذاة دجـلـة مـسـافـة حـوالي 485 كـلـم. وهي بـعـرض 350 قـدم. وكـتـب هـيـرودوت عـنـدمـا زار الـمـنـطـقـة أنّـهـا كـانـت امـتـدادت خـضـرة مـن طـرف إلى طـرف”.

ورغـم أنّ طـرق الـرّي الـقـديـمـة كـانـت سـائـدة الإسـتـعـمـال فـإنّ : “مـكـائـن الـسّـقي والـضّـخ بـدأت تـحـتـل مـكـانـة كـبـيـرة بـسـرعـة، وبـيـعـت أكـثـر مـن 300 مـنـهـا إلى الـفـلاحـيـن حـول بـغـداد في 1909/ 1910”.

“وحـفـرت آبـار نـفـط في مـنـطـقـة نـهـر الـكـارون، جـنـوب بـغـداد، وربـطـت بـهـا أنـابـيـب تـنـقـلـه، وأنـشـأت لـه مـصـافي. وجُـلـبـت عـشـرون ألـف طـنّ مـن الأنـابـيـب مـن الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، ووظّـف مـخـتـصّـون أمـريـكـان في الـتّـنـقـيـب عـن الـنّـفـط”. “ويـتـراوح سـعـر طـنّ الـفـحـم في بـغـداد بـيـن 15 و20 دولاراً. ولـكـنّ الـنّـفـط سـيـسـتـعـمـل كـوقـود مـن الآن فـصـاعـداً”.

ويـكـتـب عـن الأجـانـب في بـغـداد : “وكـان يـعـيـش في بـغـداد قـبـل الـحـرب حـوالي خـمـسـيـن أجـنـبـيـاً، بـيـن بـريـطـاني وألـمـاني وروسي وإيـطـالي وفـرنـسي. إثـنـا عـشـر مـنـهـم كـانـوا قـنـاصـل أو مـوظـفي قـنـصـلـيـات، وغـالـبـيـة الـبـاقـيـن كـانـت تـعـمـل في الـتّـجـارة. ولـم يـتـعـود الـعـرب عـلى تـسـمـيـتـهـم بـأسـمـائـهـم وإنّـمـا بـمـهـنـهـم، فـمـسـتـورد عـرق الـسّـوس مـثـلاً يـدعـونـه “أبـو الـسّـوس  Abu Sus”، وهـنـاك أيـضـاً “أبـو الـزّوالي” و “أبـو الـبـواخـر”، ويـسـمـون طـبـيـب الأسـنـان “أبـو الأسـنـان”.

ويـتـكـلـم عـن الـسّـراديـب والـعـقـارب الّـتي “تـجـول فـيـهـا عـلى هـواهـا، ولـكـن لـدغـاتـهـا لـيـسـت قـاتـلـة”، وعـن عـواصـف الـعـجـاج الـخـانـقـة. ثـمّ يـتـكـلّـم عـن “حـبّـة بـغـداد أو حـبّـة الـتّـمـر date boil”، والـمـعـروفـة في أمـاكـن أخـرى كـ “حـبّـة حـلـب” أو “حـبّـة الـنّـيـل” أو “حـبّـة دلـهي”. “وكـادت واحـدة مـنـهـا أن تـلـتـهـم أنـف أحـد قـنـاصـل حـلـب الـبـريـطـانـيـيـن بـكـامـلـه. ورأيـت آثـارهـا عـلى وجـوه كـلّ الـبـغـاددة تـقـريـبـاً”.

ويـذكـر أنّـه كـان في بـغـداد 180  ألـف سـاكـن : 120  ألـف مـسـلـم سـنّي و 15  ألـف مـسـلـم شـيـعي و 40 ألـف يـهـودي وألـف و 600  كـلـداني وألـف و 200  سـريـاني و 150  يـونـانـيـاً  و 75 هـنـديـاً و 40  أوربـيـاً. “ويـحـفـظ هـذا الإخـتـلاط الـتّـوازن الـسّـلـمي ويـنـقـذ بـغـداد مـن الـصّـراعـات الـطّـائـفـيـة والـمـذابـح الّـتي تـحـدث في مـنـاطـق أخـرى”.

ويـذكـر أنّـه كـان في بـغـداد 67 مـسـجـداً و 27 مـعـبـد يـهـود و 7 كـنـائـس. “ويـقـيـم “الـمـقـيـم” الـبـريـطـاني في بـعـض أيّـام الأحـد قـدّاسـاً لـلأجـانـب بـيـنـمـا تـتـرفـع أصـوات جـنـوده الـهـنـود بـالـصّـلاة في مـسـجـد شـيّـدتـه لـهـم الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة”.

وهـو يـذكـر أنّـه عـاد إلى الـوراء عـشـريـن قـرنـاً عـنـدمـا خـرج مـن بـاخـرتـه في بـغـداد ورأى رجـالاً يـرتـدون مـلابـس زمـن الـتّـوراة : الـعـمـائـم والـنّـعـال والـعـبـاءات الـواسـعـة يـدعـو الـواحـد مـنـهـم الآخـر : يـوسـف ومـوسى … وتـسـيـر عـلى ضـفـاف الـنّـهـر نـسـاء رائـعـات الإنـتـصـاب يـحـمـلـن عـلى أكـتـافـهـن جـرار الـمـاء.

وتـبـدي زوجـة الـكـاتـب الّـتي تـكـلّـمـت مـع نـسـاء بـغـداد اسـتـغـرابـهـا مـن جـهـلـهـنّ بـأمـريـكـا. وهي تـخـلـط شـخـصـيـات الـتّـوراة الأسـطـوريـة بـالـشّـخـصـيـات الـتّـاريـخـيـة عـنـدمـا تـتـكـلّـم عـن بـابـل، ولـنـقـل أنّـهـا تـجـهـل تـاريـخ بـابـل وتـأتي أغـلـب مـعـلـومـاتـهـا عـنـهـا مـن أسـاطـيـر الـتّـوراة.

وتـتـكـلّـم عـن زيـارتـهـا في بـغـداد لـلـحـريـم  hareem  “كـمـا يـسـمـون الـنّـسـاء هـنـا”، في دار رجـل غـني كـان لـه مـنـصـب مـهـمّ في زمـن الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد. وقـد ذهـبـت إلى قـصـر هـذا الـبـاشـا قـرب بـاب الـمـعـظـم في صـبـاح يـوم ربـيـعي، واجـتـازت إسـطـبـلات خـيـول وكـلاب سـلـوقـيـة لـلـصّـيـد. وقـد أدخـلـهـا الـبـاشـا بـنـفـسـه إلى الـدّار وتـكـلّـم مـعـهـا بـلـغـة فـرنـسـيـة صـحـيـحـة وأراهـا صـقـوره وأسـديـن في قـفـص ثـمّ دخـلا مـن “بـاب الـحـرمـلـك” إلى قـسـم الـدّار الـمـخـصـص لـلـنّـسـاء الـمـحـاط بـحـيـطـان لا نـوافـذ فـيـهـا، والّـذي كـان حـوشـاً تـحـيـطـه الـغـرف مـن ثـلاث جـهـات.

ولـم يـكـن هـنـاك أثـاث كـثـيـر : سـجـاد عـلى الأرض وكـراسي مـغـطـاة بـنـسـيـج الـبـلـش الأحـمـر وبـعـض الإريـكـات. وعـنـدمـا نـادى الـبـاشـا خـرجـت الـنّـسـاء مـن الـغـرف : أربـع عـشـرة امـرأة كـان مـن بـيـنـهـنّ زوجـاتـه. ولـم تـجـدهـنّ جـمـيـلات حـسـب مـعـايـيـرهـا الـغـربـيـة ولا أنـيـقـات الـمـلـبـس. وبـعـد أن تـركـهـنّ الـبـاشـا اقـتـربـت الـنّـسـاء مـنـهـا يـتـفـحـصـنّـهـا بـفـضـول ويـتـصـايـحـن : ” All-a-a-h !”. ثـمّ ذكـرت أسـئـلـتـهـنّ الـمـسـتـغـربـة وقـارنـت بـيـن حـالـهـنّ وحـال الأمـريـكـيـات.

ونـجـد في وصـفـهـا لـ “الـحـريـم” نـفـس الـكـلـشـيـهـات الّـتي نـقـرأهـا عـنـد كـثـيـر مـمـن كـتـبـوا عـن “الـشّـرق” مـن الـغـربـيـيـن : الـتّـخـيـلات الـشّـبـقـيـة عـن مـكـان مـلئ بـنـسـاء رائـعـات الـجـمـال شـهـيّـات الأجـسـاد يـقـتـلـهـنّ الـضّـجـر في سـجـنـهـنّ الّـذي لا يـخـرجـن مـنـه، يـقـضـيـن نـهـارهـنّ مـرتـمـيـات وهـنّ أنـصـاف عـاريـات عـلى أرائـك، يـسـتـمـعـن إلى عـبـد يـعـزف لـهـنّ عـلى الـعـود ويـشـربـن الـشّـاي أو الـقـهـوة وهـنّ يـلـتـهـمـن قـطـعـاً مـن “راحـة الـحـلـقـوم”. وطـبـعـاً يـتـحـكّـم فـيـهـنّ “شـرقي” غـامـق الـبـشـرة شـهـواني مـسـتـبـد عـنـيـف … ولـهـذا تـكـون خـيـبـة الأمـل شـديـدة عـنـدمـا تـدخـل امـرأة غـربـيـة في “حـريـم” شـرقي لـتـكـتـشـف أنّـه جـزء مـخـصـص لـلـنّـسـاء في دار رجـل غـنيّ، تـسـكـن فـيـه زوجـاتـه (إن كـان لـه أكـثـر مـن واحـدة) ونـسـاء الـعـائـلـة الأخـريـات.

وتـتـهـمّ مـرغـريـت سِـمـبِـك الـكـتّـاب الّـذيـن كـانـت قـد قـرأت وصـف “الـحـريـم” عـنـدهـم بـأنّـهـم خـدعـوهـا عـنـدمـا صـوّروا لـهـا هـذا الـمـكـان “الـعـادي” كـمـكـان “اسـتـثـنـائي”.

وتـذكـر بـعـد ذلـك أنّ نـسـاء الـبـاديـة لا يـعـانـيـن مـن هـذا الـحـبـس في داخـل الـدّار، وأنّ الـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن الـرّجـال لا يـتـزوجـون بـأكـثـر مـن امـرأة لـقـلّـة إمـكـانـيـاتـهـم الـمـاديّـة، ثـمّ تـتـكـلّـم عـن حـال الـمـرأة في عـشـيـرتـهـا ودفـاع أهـلـهـا عـنـهـا. وتـسـتـمـر في الـكـلام عـن الـبـدو وعـاداتـهـم مـعـتـمـدة عـلى مـا قـرأتـه عـنـد الـكـتّـاب الـغـربـيـيـن.

ويـتـوقـع كـاتـبـا الـمـقـال في الـنّـهـايـة أن تـقـرّب وسـائـل الـنّـقـل الـحـديـثـة، الّـتي كـانـت تـتـحـسـن بـاسـتـمـرار، بـغـداد مـن بـاقي الـعـالـم، وأنّ يـصـبـح الـعـراق واحـداً مـن الـمـراكـز الـسّـيـاحـيـة الـمـهـمّـة في الـشّـرق، وأن يـعـود الـنّـاس لـزيـارة بـلـد جـدهـم آدم الـقـديـم !

الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة :

أهـمّ مـا في الـمـقـال كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي تـصـاحـبـه. وقـد الـتـقـط فـردريـك سِـمـبِـك بـنـفـسـه عـدداً مـنـهـا بـيـنـمـا أخـذ غـالـبـيـهـا مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood.

وصـل كـاتـبـا الـمـقـال مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد عـلى مـتـن واحـدة مـن الـبـواخـر الّـتي كـانـت تـنـقـل الـمـسـافـريـن والّـتي صـوّرهـا فـردريـك سِـمـبِـك. ونـلاحـظ حـولـهـا عـدداً مـن الـقـفـف :

NG بواخر دجلة

ويـصـل الـمـسـافـرون مـن الـبـاخـرة إلى الـشّـريـعـة عـلى شـاطئ الـنّـهـر عـلى قـفّـة، كـمـا في الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال.

ويـنـزلـون مـنـهـا لـيـدخـلـوا في الـمـديـنـة :

بغداد 1914

ثـمّ نـجـد أربـع صـور فـوتـوغـرافـيـة أخـذت مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood،

الأولى صـورة “لـلـشّـارع الـرّئـيـسي” الّـذي نـرى عـلى يـسـاره بـنـايـة الـسّـراي ونـلاحـظ مـارّة يـنـتـمـون إلى عـدد مـن الـجـالـيـات الّـتي تـقـيـم في بـغـداد ورجـال شـرطـة وجـنـود مـن الـجـيـش الـعـثـمـاني  :

NG جادة بغداد الرئيسية

وصـورة لأحـد أزقّـة بـغـداد  :

زقاق في بغداد

ثـمّ صـورة دار لـثـري يـهـودي تـطـلّ عـلى دجـلـة في شـمـال الـمـديـنـة :

NG دار يهودي على دجلة شمال بغداد

وصـورة عـربـتَي تـرامـوي بـطـابـقـيـن تـجـرّهـا خـيـول عـلى سـكّـة حـديـديـة :

NG تراموي بغداد الكاظمية

وأضـع نـفـس الـصّـورة كـمـا نـشـرت في كـتـاب 2001 (أنـظـر الـمـلـحـق في آخـر الـمـقـال) :

img256 (563x800)

ثـمّ نـرى بـعـد ذلـك صـورتـيـن الـتـقـطـهـمـا فـردريـك سِـمـبِـك، الأولى لـبـاب الـحـلـبـة الّـذي يـسـمـيـه الـعـامـة بـاب الـطّـلّـسـم (2) :

NG باب الطلسم

والـثّـانـيـة لـسـوق في الـمـديـنـة الـقـديـمـة نـرى فـيـهـا حـزمـات سـعـف نـخـيـل عـلى ظـهـور حـمـيـر :

NG سوق في بغداد

ثـمّ صـورتـيـن أخـذتـا مـن أرشـيـفـات  Underwood and Underwood  الأولى لـزقـورة الإلـه نـبـو في بـورسـيـبـا (بـيـرس نـمـرود) كـتـب تـحـتـهـا في الـمـقـال أنّـهـا “بـرج بـابـل” الّـذي تـكـلّـمـت عـنـه الـتّـوراة :

NG بيرس نمرود

والـثّـانـيـة لـزقـورة دور كـوريـغـالـزو في عـقـرقـوف الّـتي كـتـب تـحـتـهـا أنّـهـا مـن الـمـعـالـم الـبـابـلـيـة قـرب بـغـداد، مـع أنّـهـا تـعـود لـلـفـتـرة الـكـاسـيـة (أو الـكـاشـيـة) :

NG عقرقوف

وصـورة الـتـقـطـهـا فـردريـك سِـمـبِـك لـصـرائـف عـلى الـفـرات قـرب كـربـلاء :

اNG الأهوار

ومـجـمـوعـة  صـور أخـذت مـن أرشـيـفـات Underwood and Underwood، لـصـانـعي قـفـف عـلى ضـفـة دجـلـة في بـغـداد :

قفة 2

ولـقـريـة في “جـنـوب الـفـرات” :

صرائف في جنوب الفرات

ولـقـريـة “عـرب” في جـنـوب “بـلاد بـابـل” :

جنوب بابل

ولـمـضـيـف الـشّـيـخ ولـجـامـوس في الأهـوار :

أهوار 2

ولـمـشـحـوف في الأهـوار :

أهوار 3

ولـ “جـنـة عـدن” عـلى الـفـرات :

قرية على الفرات

ولـمـديـنـة تـكـريـت عـلى دجـلـة، الّـتي يـصـفـهـا الـمـقـال بـأنّـهـا : “واحـدة مـن أقـدم مـدن جـنـوب غـرب آسـيـا”، ويـنـقـل مـا كـان الـنّـاس يـعـتـقـدونـه في ذلـك الـزّمـن مـن أنّ الـمـلـك الـسّـاسـاني شـابـور الأوّل هـو الّـذي أسـسـهـا في الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد. ونـحـن نـعـرف الآن مـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة أنّ تـأسـيـسـهـا يـعـود إلى زمـن الـدّولـة الآشـوريـة في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد :

تكريت

ولـخـان في الـفـلـوجـة :

خان في الفلوجة

ويـنـتـهي الـمـقـال بـصـورة لـمـقـهى في الـمـوصـل :

مقهى في الموصل

 

مـلـحـق

نـشـرت الـجـمـعـيـة الـجـغـرافـيـة الّـتي تـصـدر عـنـهـا مـجـلّـة The National Geographic Magazine كـتـابـاً عـام 2001، احـتـوى عـلى مـخـتـارات مـن أرشـيـفـاتـهـا الـمـتـعـلّـقـة بـالـبـلـدان الـمـسـلـمـة.

وقـد أعـيـد فـيـه نـشـر الـمـقـطـع الّـذي كـتـبـتـه مـرغـريـت سِـمـبِـك عـن “الـحـريـم” في مـقـال عـام 1914 الأوّل، وجـزء مـن الـمـقـال الـثّـاني الّـذي كـتـبـه فـردريـك سِـمـبِـك عـن الـنّـجـف.

كـمـا نـشـرت عـدداً مـن الـصـور مـنـهـا صـورة واسـعـة عـلى صـفـحـتـيـن (لـوّنـت يـدويـاً) لـمـقـهى بـغـدادي الـتـقـطـهـا  Eric Keast BURKE عـام 1922، وأضـعـهـا بـقـسـمـيـن :

وقـد الـتـقـط نـفـس الـمـصـور وفي نـفـس الـعـام صـورة لـمـنـارة الـمـوصـل الـحـدبـاء

img261 (549x800)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  أنـشـأ الأخـوان أنـدروود Underwood  عـام 1881 شـركـة لـلـتـصـويـر في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة. ثـمّ قـامـا بـتـصـويـر الأحـداث وبـيـعـهـا لـوكـالات الأنـبـاء في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، وفـتـحـا عـدداً مـن الـمـكـاتـب في مـدن مـخـتـلـفـة مـن الـعـالـم. وقـد بـعـثـا بـمـصـوريـن إلى الـشّـرق الأدنى في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى. وتـحـتـوي أرشـيـفـات الـشّـركـة عـلى عـدد كـبـيـر مـن صـور الـتـقـطـت في الـعـراق.

(2)  أنـظـر مـقـالي :  مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم في بـغـداد

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم في بـغـداد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وصـلـتـنـا رسـوم وصـور فـوتـوغـرافـيـة لـبـاب الـحـلـبـة (أو بـاب الـطّـلـسـم) في بـغـداد ولـلـمـنـحـوتـات الّـتي كـانـت تـحـيـط بـه والّـتي تـأمّـلـهـا الـبـغـداديـون قـرونـاً طـويـلـة قـبـل تـدمـيـره في 11 آذار 1917.

وكـان الـبـاب يـفـضى إلى مـيـدان سـبـاق الـخـيـل في زمـن الـعـبـاسـيـيـن، ومـنـه جـاء اسـمـه “بـاب الـحـلـبـة”، ولـكـنّ الـعـامـة كـانـت تـسـمـيـه “بـاب الـطّـلـسـم” لـغـمـوض مـعـاني مـنـحـوتـاتـه الّـتي كـان يـصـعـب عـلـيـهـم إدراك مـغـزاهـا بـعـد أن أنـسـاهـم إيـاهـا مـرور الـقـرون.

وعـنـدمـا نـتـأمّـل نـحـن، في زمـانـنـا هـذا، الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـت لـهـذه الـمـنـحـوتـات والـرّسـوم الّـتي خـطـطـت لـهـا، نـحـسّ بـهـذا الـغـمـوض الّـذي كـان يـحـيـط بـهـا. وتـدفـعـنـا الـرّغـبـة في إدراك مـغـزاهـا ومـعـانـيـهـا إلى مـحـاولـة تـحـلـيـلـهـا ومـقـارنـتـهـا بـمـا وصـلـنـا مـن مـنـحـوتـات أخـرى عـلّـنـا نـتـوصـل إلى تـحـسـيـن مـعـرفـتـنـا بـهـا، وبـجـزء مـن تـراثـنـا الّـذي ضـاع مـنّـا بـضـيـاعـهـا.

بـاب الـطّـلـسـم :

ثـالـث أبـواب الـجـانـب الـشّـرقي مـن سـور بـغـداد (جـانـب الـرّصـافـة). وكـان في الـحـقـيـقـة بـرجـاً شـبـه دائـري كـمـا نـراه في رسـم طـبـاعي (1)

أسوار بغداد 2

أو في صـورة فـوتـوغـرافـيـة مـن عـام 1908 (2)

أسوار بغداد

ويـنـفـتـح عـلى داخـل الـمـديـنـة بـواجـهـة عـالـيـة في أسـفـلـهـا بـاب عـقـد أعـلاه بـالـحـجـر وكُـسـر تـقـويـسـه قـلـيـلاً في وسـطـه.

باب الطلسم 13باب الطلسم 2

ونـلاحـظ في الـرّسـوم والـصّـور أنّ عـتـبـة الـبـاب كـانـت مـرتـفـعـة عـن مـسـتـوى الأرض، وهـذا طـبـيـعي فـقـد كـان يـحـاذي الأسـوار مـن الـدّاخـل خـنـدق عـمـيـق يـمـلأ مـن مـاء دجـلـة، كـان حـمـايـة إضـافـيـة تـمـنـع حـتّى مـن اسـتـطـاع اقـتـحـام الـبـاب مـن الأعـداء مـن الـدّخـول في الـمـديـنـة بـعـد أن يـسـحـب مـنـه الـجـسـر الـخـشـبي الّـذي يـربـطـه بـداخـل الـمـديـنـة.

ونـرى في رسـم نـفّـذ عـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـتـهـا الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا  DIEULAFOY عـام 1882 (3) أنّ تـحـصـيـنـاً أخـر كـان يـقـابـل الـبـاب مـن جـهـة داخـل الـمـديـنـة.

ج, ديولافوا 12

ونـلاحـظ في هـذا الـرّسـم الّـذي كـان تـنـفـيـذاً دقـيـقـاً لـلـصـورة الـفـوتـوغـرافـيـة أنّ ارتـفـاع الـبـنـاء يـسـاوي حـوالي 10 مـرّات ارتـفـاع الـرّجـل الـواقـف بـجـانـبـه.

ولـكـنـنـا نـجـد في تـخـطـيـط رسـمـه عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه في بـغـداد عـام 1899 :

فالتر أندريه بات الطلسم

أنّ ارتـفـاع الـبـرج لا يـسـاوي إلّا حـوالي 9 مـرّات ارتـفـاع الـرّجـل الـواقـف أمـام الـبـاب. ومـن هـذا يـمـكـن أن نـسـتـنـتـج أنّ ارتـفـاع مـا تـبـقى مـن الـبـنـاء في ذلـك الـزّمـن كـان بـيـن 15 و 18 مـتـراً.

كـمـا نـلاحـظ صـفـيـن مـن الـطـاقـات الـضّـيـقـة الـمـسـتـطـيـلـة الّـتي كـان الـقـوّاسـون يـرمـون مـن خـلالـهـا نـبـالـهـم مـن غـيـر أن يـراهـم الأعـداء ولا يـمـكـنـهـم أن يـصـيـبـوهـم.

ولـديـنـا عـدّة صـور فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـتـهـا جـرتـرود بـيـل في عـام 1910 ونـشـرتـهـا في الـعـام الـتّـالي (4)

باب الطلسم بيل 3

باب الطلسم بيل

منحوتات باب الطلسم بيل

 

الـشّـريـط الـمـخـطـوط في أعـلى الـبـنـاء :

ونـرى فـوق الـصّـف الـثّـاني مـن الـطّـاقـات شـريـطـاً مـنـحـوتـاً في الـطّـابـوق عـلـيـه نـصّ مـخـطـوط، كـان كـارسـتـن نـيـبـور  Karsten Niebuhr قـد نـسـخـه في بـغـداد سـنـة 1764 ونـشـره عـام 1772(3) :

نيبور باب الطلسم

ثـمّ نـسـخـه لـويـس مـاسـيـنـيـون Louis MASSIGNON  عـام 1907 ونـشـره كـمـا يـلي :

“بـسـم الله الـرّحـمـن الـرّحـيـم. وإذ يـرفـع إبـراهـيـم الـقـواعـد مـن الـبـيـت وإسـمـاعـيـل، ربّـنـا تـقـبّـل مـنّـا إنّـك أنـت الـسّـمـيـع الـعـلـيـم. هـذا مـا أمـر بـعـمـلـه سـيّـدنـا ومـولانـا الإمـام الـمـفـتـرض الـطـاعـة عـلى كـافـة الأنـام أبـو الـعـبّـاس أحـمـد الـنّـاصـر لـديـن الله أمـيـر الـمـؤمـنـيـن وخـلـيـفـة رب الـعـالـمـيـن وحـجّـة الله عـز وجـلّ عـلى الـخـلـق أجـمـعـيـن صـلـوات الله عـلـيـه وعـلى آبـائـه الـطّـاهـريـن ولا زالـت دعـوتـه الـهـدايـة عـلى يـفـاع الـحـق مـنـارا والـخـلائـق لـهـا أتـبـاعـاً وأنـصـارا وطـاعـتـه الـمـفـتـرضـة لـلـمـؤمـنـيـن أسـمـاعـاً وأبـصـارا وافـق الـفـراغ في سـنـة ثـمـان عـشـر وسـتـمـائـة وصـلـواتـه عـلى سـيـدنـا مـحـمّـد الـنّـبي وآلـه الـطّـيـبـيـن الـطّـاهـريـن”. (5)

وكـان نـيـبـور قـد قـرأ : “وهـذا مـا أمـر بـعـمـارتـه” بـدلاً مـن “بـعـمـلـه”، وقـرأ : “عـلى آلـه” بـدلاً مـن “عـلى آبـائـه”، وقـرأ نـيـبـور “ولا زالـت دعـوة الـمـدعي عـلى تـبـاع الـحـق مـنـازلـه” بـيـنـمـا قـرأ مـاسـيـنـيـون : “ولا زالـت دعـوتـه الـهـدايـة عـلى يـفـاع الـحـقّ مـنـارا”.

ونـفـهـم مـن هـذا الـنّـصّ أن الـفـراغ مـن عـمـارة الـبـرج، أي تـجـديـده، كـان في زمـن الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله عـام 1221 م. / 1222 م. أي قـبـل حـوالي 36 سـنـة مـن سـقـوط بـغـداد بـأيـدي الـتّـتـار عـام 1258 م.

وقـد اسـمي هـذا الـبـاب أيـضـاً بـ “بـاب الـفـتـح” لأنّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـراد الـرّابـع، بـعـد أن أخـذ بـغـداد مـن أيـدي الـصّـفـويـيـن، دخـلـهـا مـن بـاب الـطّـلـسـم. وقـد أمّـر بـرقـمـه بـالـطّـابـوق.

وتـذكـر الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا DIEULAFOY  أنّـهـا رأت  الـنّـصّ الـتّـالي الّـذي أمـر مـراد  الـرّابـع بـنـقـشـه عـلـيـه : “فـتـح الـسّـلـطـان مـراد بـغـداد في 24 كـانـون الأوّل عـام 1638 ودخـلـهـا مـن بـاب الـطّـلـسـم بـعـد أن ضـرب الـحـصـار أربـعـيـن يـومـاً أمـامـهـا”(6). ولا يـمـكـنـنـا الـتّـأكـد مـمـا ذكـرتـه ديـولافـوا فـهـو لا يـظـهـر في الـرّسـوم والـصّـور الّـتي وضـعـتـهـا في كـتـابـهـا.

ديولافوا منحوتات باب الطلسم

الـمـنـحـوتـات الـمـحـيـطـة بـالـبـاب :

وتـحـيـط بـأعـلى الـبـاب مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز مـعـقّـدة الـتّـركـيـب ربّـمـا يـعـود تـاريـخ تـنـفـيـذهـا إلى فـتـرة تـجـديـد بـنـاء الـبـرج في زمـن الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله كـمـا سـبـق أن رأيـنـا.

ونـرى في وسـط أعـلى الـبـاب رجـلاً تـربّـع جـالـسـاً يـعـلـو رأسـه تـاج يـمـسـك بـلـسـاني ثـعـبـانـيـن مـجـنـحـيـن خـرافـيـيـن : “تـنـيـنـيـن” شـديـدي الـطـول يـتـلـوّى جـسـد كـلّ مـنـهـمـا مــلـتـفّـاً عـلى نـفـسـه عـدّة مـرّات في عـقـد مـتـلابـسـة حـتّى يـنـزل ذنـبـه إلى أسـفـل الـقـوس، تـمـامـاً فـوق رأس كـلّ مـن الأسـديـن الـجـالـسـيـن فـوق الـعـمـوديـن الـلـذيـن يـسـتـنـد عـلـيـهـمـا الـقـوس.

Bab Talism 2

باب الطلسم 2

وفي مـحـاولـتـنـا لـفـهـم مـغـزى هـذه الـمـنـحـوتـات عـلـيـنـا أن نـتـكـلّـم أوّلاً عـن الـثّـعـبـانـيـن الـمـجـنـحـيـن، ثـمّ عـن تـصـويـر الـخـلـيـفـة مـتـربـع الـجـلـوس، ثـمّ عـن الأسـديـن الـلـذيـن تـرتـكـز عـلـيـهـمـا الـمـنـحـوتـات.

“الـتّـنـيـنـان” الـمـجـنـحـان :

يـذكـر مـؤرخـو الـفـنّ أنّـه كـانـت عـلى أسـوار قـونـيـا في تـركـيـا، وعـلى أسـوار ديـار بـكـر، حـسـب الـصّـور الّـتي الـتـقـطـت لـهـا قـبـل هـدمـهـا، مـنـحـوتـات ثـعـابـيـن تـنـيـنـيّـة تـشـبـه ثـعـابـيـن بـاب الـطـلـسـم.

كـمـا يـمـكـنـنـا رؤيـة ثـعـابـيـن مـتـلـوّيـة عـلى “بـاب الـحـيـايـا” في قـلـعـة حـلـب :

قلعة حلب باب الحيايا

ولـديـنـا صـور لـواجـهـة بـنـاء في بـغـداد كـانـت تـعـلـو بـابـه مـنـحـوتـة عـلـيـهـا ثـعـبـانـان وأسـدان :

أسدان وثعبانان

ويـصـعـب عـلـيـنـا الـتّـوصـل إلى تـحـديـد بـدايـات ظـهـور مـثـل هـذه الـمـنـحـوتـات الّـتي لا يـمـكـن ربـطـهـا بـفـنـون الـشّـرق الأدنى الـقـديـمـة وخـاصـة فـنـون بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

ويـعـتـقـد بـعـض الـباحـثـيـن أنّـهـا تـمـثّـل الـخـلـيـفـة قـابـضـاً عـلى عـدويـه مـلـك خـوارزم وسـلـطـان الـمـنـغـول، أو ربّـمـا الـخـلـيـفـة الّـذي يـمـسـك بـيـن يـديـه بـزمـام الـعـالـم الـنّـاطـق بـلـسـانـيـن، الـعـربي والأعـجـمي.

وأذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز هـنـا إلى أنّ سـلـطـة الـخـلـيـفـة كـانـت مـحـدودة في تـلـك الـفـتـرة، وإن حـاول الـنّـاصـر لـديـن الله أن يـعـيـد لـلـخـلافـة بـعـض هـيـبـتـهـا، فـقـد كـان الـحـكـم الـحـقـيـقي بـيـد الـسّـلـطـان الـسّـلـجـوقي مـنـذ أن دخـل الـسّـلاجـقـة بـغـداد عـام 1105 م. وسـيـطـروا عـلى الـخـلافـة.

ولـم يـحـفـظ لـنـا الـتّـاريـخ، حـسـب مـا أعـرفـه، تـصـاويـر الـنّـاصـر لـديـن الله ولا تـصـاويـر أبـيـه الـمـسـتـضئ، ولـكـن وصـلـتـنـا قـطـعـة ذهـبـيـة تـصـوّر الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر بـالله (حـكـم مـن 908 م. إلى 923 م.) يـجـلـس مـتـربـعـاً عـلى سـريـر الـمـلـك. (7)

المقتدر في برلين

 

صـورة الـخـلـيـفـة في بـلاد الأرمـن :

كـمـا نـجـد عـلى أحـد جـدران كـنـيـسـة أخـتَـمـار الأرمـنـيـة في جـزيـرة وسـط بـحـيـرة “وان” في جـنـوب شـرق تـركـيـا مـنـحـوتـة يـذكـر مـؤرخـو الـفـنّ (8) أنّـهـا تـصـوّر الـخـلـيـفـة الـعـبـاسي الـمـقـتـدر بـالله. وقـد أمـر بـتـشـيـيـد الـكـنـيـسـة مـلـك أرمـيـنـيـا غـاجـيـك Gagik عـام 915 م. وأكـمـل تـشـيـيـدهـا عـام 921 م.

وقـد أقـام الـمـلـك غـاجـيـك عـلاقـات وديـة مـع الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر الّـذي سـانـده مـرتـيـن لـلـوصـول إلى ارتـقـاء عـرش بـلاد الأرمـن. ويـبـدو أنّ الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر سـاعـد الـمـلـك غـاجـيـك مـادّيـا في تـشـيـيـد كـنـيـسـة أخـتـمـار.

ونـرى في وسـط الـمـنـحـوتـة الـخـلـيـفـة يـجـلـس مـتـربـعـاً تـحـيـط بـرأسـه هـالـة مـسـتـديـرة. وقـد صـوّر مـواجـهـة يـنـظـر إلى الـمـشـاهـد بـعـيـنـيـن كـانـتـا مـطـعـمـتـيـن ولا شـكّ بـنـوع مـن الـصّـدف كـمـا في مـنـحـوتـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة، ضـاعـتـا ولـم يـبـق إلّا الـثّـقـبـيـن الّـذيـن كـانـتـا مـثّـبـتـتـيـن بـهـمـا. ونـرى عـلى جـبـهـتـه، فـوق شـعـره الـمـنـسـدل عـلى كـتـفـيـه تـاجـاً كـان هـو الآخـر مـطـعـمـاً لـم يـبـق مـنـه إلّا الـثّـقـوب الـخـمـسـة الّـتي كـان مـثـبّـتـاً عـلـيـهـا :

خليفة أختمار

وقـد صـوّر جـالـسـاً يـحـمـل بـيـده الـيـمـنى كـأس الـسّـلـطـنـة عـلى الـعـالـم ويـرفـع يـده الـيـسـرى آمـراً، في داخـل غـصـن الـكـروم الـمـلـتـوي الـمـلـتـف حـولـه وفـوق مـرافـقـه الـمـنـتـصـب عـلى يـمـيـنـه. ونـلاحـظ أن هـذا الـمـرافـق، مـثـل الـمـرافـق الآخـر الـمـنـتـصـب عـلى يـسـار الـخـلـيـفـة، يـرتـدي ثـوبـاً طـويـلاً مـنـسـدلاً عـلى سـروالـه وحـزامـاً مـرصـعـاً بـالـمـسـامـيـر الـمـعـدنـيـة عـلى طـريـقـة الأتـراك. ويـمـدّ إلـيـه كـلاهـمـا بـرمـانـة. والـرّمّـان وعـنـاقـيـد الـكـروم الـمـحـيـطـة بـالـخـلـيـفـة مـن فـواكـه الـجـنّـة.

ونـلاحـظ الـتّـشـابـه بـيـن صـورة الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر عـلى الـقـطـعـة الـذّهـبـيـة وبـيـن صـورتـه عـلى جـدار أخـتـمـار.

صـورة الـخـلـيـفـة في صـقـلـيـة :

كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة لـمـلـك يـجـلـس مـتـربـعـاً مـثـل مـا رأيـنـاه في صـورتَي الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر، ولـكـنّـهـا في هـذه الـمـرّة رسـمـت عـلى سـقـف كـنـيـسـة قـصـر الـمـلـك روجـر الـثّـاني في مـديـنـة بَـلَـرم Palermo (في صـقـلـيـة، جـنـوب إيـطـالـيـا)، والّـتي كـانـت عـاصـمـتـه.

وأذكّـر الـقـارئ هـنـا بـأنّ صـقـلـيـة حـكـمـهـا الـفـاطـمـيـون مـنـذ بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع الـمـيـلادي إلى أن حـدثـت صـراعـات عـلى الـحـكـم في حـوالي عـام 1030 مـمـا سـهـلّ عـلى الـقـائـد الـنّـورمـانـدي روجـر جـسـكـار (الـمـعـروف بـروجـر الأوّل) الإسـتـيـلاء عـلـيـهـا بـيـن 1060 و 1090.

وقـد ظـهـرت تـأثـيـرات فـنّ الـفـاطـمـيـيـن عـلى إنـجـازات فـتـرة حـكـم خـلـفـه روجـر الـثّـاني الـفـنّـيـة والـمـعـمـاريـة، فـقـد كـان مـلـك صـقـلـيـة هـذا مـعـجـبـاً بـالـثّـقـافـة الـعـربـيـة وبـالـفـنـون الإسـلامـيـة. و كـمـا ذكـر الـصّـفـدي في “الـوافي بـالـوفـيـات”، فـ “هـو الـذّي اسـتـقـدم الـشّـريـف الإدريـسي صـاحـب كـتـاب “نـزهـة الـمـشـتـاق في اخـتـراق الآفـاق” لـيـصـنـع لـه شـيـئـاً في شـكـل صـورة الـعـالـم”، أي كـرة أرضـيـة مـن الـمـعـدن.

ونـحـن نـعـرف مـدى تـأثّـر الـفـاطـمـيـيـن بـالـفـنّ الـعـبـاسي وخـاصـة فـنّ سـامـراء (9). وهـكـذا وصـلـت صـورة الـخـلـيـفـة إلى كـنـيـسـة قـصـر بـلـرم لـيـجـلـس مـتـربـعـاً بـيـن أتـبـاعـه عـلى سـقـفـهـا :

خليفة صقلية

وقـد اكـتـمـل تـشـيـيـد كـنـيـسـة قـصـر بـلـرم في حـوالي عـام 1140 م. ويـمـكـنـنـا أن نـتـأمّـل عـلى سـقـف هـذه الـكـنـيـسـة مـقـرنـصـات

بلرم كنيسة القصر

ونـقـوشـاً بـالـخـط الـكـوفي حـول أشـكـال هـنـدسـيـة مـن بـيـنـهـا نـجـوم مـثـمّـنـة

بلرم 3

 

صـورتـا الأسـديـن :

 نـلاحـظ أنّ كـلّ واحـد مـن الأسـديـن جـالـس عـلى قـائـمـتـيـه الـخـلـفـيـتـيـن بـيـنـمـا اتّـكـأ رأسـه عـلى قـائـمـتـيـه الأمـامـيـتـيـن والّـتـفّ ذيـلـه حـول جـسـده.

أسد بيل

وهـمـا لا يـشـبـهـان أسـود أسـوار ديـار بـكـر الـمـجـنـحـة والّـتي جـاءت ولا شـكّ مـن أسـوار أكـثـر قـدمـاً وأدخـلـت بـعـد ذلـك في الأسـوار الإسـلامـيـة (مـن الـقـرن الـعـاشـر إلى الـقـرن الـثّـالـث عـشـر) :

أسد ديار بكر

ويـمـكـنـنـا أن نـسـتـنـتـج مـمـا عـرضـنـاه أنّ أسـلـوب مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم مـخـتـلـف عـن أسـالـيـب الـفـنـون الـعـبّـاسـيـة وخـاصـة أسـالـيـب سـامـراء، ويـظـهـر فـيـه بـوضـوح تـأثـيـر فـنـون الـسّـلاجـقـة الأتـراك. ويـشـبـه أسـلـوب صـورة الـخـلـيـفـة (إن صـحّ أنّـهـا تـصـوّر الـخـلـيـفـة) أسـلـوب صـورة بـدر الـدّيـن لـؤلـؤ، صـاحـب الـمـوصـل، في ذلـك الـزّمـن تـقـريـبـاً. (10)

بدر الدين لؤلؤ

وأخـتـم عـرضي الـسّـريـع بـالـتّـأكـيـد عـلى أنّ هـدفي مـن كـتـابـة هـذه الـمـلاحـظـات لـم يـكـن  إعـطـاء تـفـسـيـرات لـمـعـاني هـذه الـمـنـحـوتـات، وإنّـمـا كـان هـدفي الـتّـنـبـيـه إلـيـهـا وإثـارة تـسـاؤلات عـن أسـالـيـبـهـا ومـغـزى وضـعـهـا عـلى هـذا الـبـاب لأنّي لـم أتـوصـل بـعـد إلى إيـجـاد دراسـات ولا حـتّى مـقـالات عـنـهـا في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة.

وأذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز مـن جـديـد بـأنّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـراد الـرّابـع، بـعـد أن هـزم الـصّـفـويـيـن ودخـل بـغـداد، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، في 24 كـانـون الأوّل عـام 1638 م.، أمـر بـرقـم فـتـحـة الـبـاب بـالـطّـابـوق لـيـمـنع أعـداءه الـفـرس مـن دخـول الـمـديـنـة مـن جـهـة الـشّـرق، وهـو مـا نـراه عـلى الـصّـور الـتّي الـتـقـطـت لـلـبـرج.

وفي عـام 1657، أمـر والي بـغـداد مـحـمّـد بـاشـا الـخـاصـكي بـتـرمـيـم بـاب الـطّـلـسـم بـعـد أن خـرّب فـيـضـان دجـلـة في الـعـام الـسّـابـق بـعـض أجـزائـه.

ثـمّ اسـتـعـمـل الـبـرج في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، لـخـزن بـارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد. وعـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرتـه الـقـوات الـعـثـمـانـيـة  قـبـل انـسـحـابـهـا مـن الـمـديـنـة في 11 آذار 1917، وتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجـارة، ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

ولا شـكّ في الـمـنـحـوتـات الّـتي ضـاعـت مـنّـا بـضـيـاع الـبـاب تـسـتـحـق أن يـخـصـص لـهـا فـصـل في تـاريـخ الـفـنّ الـعـراقي الّـذي يـنـبـغي أن يـسـجّـل جـدّيـاً في يـوم مـن الأيّـام …

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نـشـر الـرّسـم في عـام 1875 في كـتـاب William Perry FOGG :

»Arabistan or The land of The Arbian Nights »

أنـظـر مـقـالي : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

(2) في كـتـاب La Province de Bagdad لـحـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة. أنـظـر مـقـالي : صـور قـديـمـة لـبـغـداد في كـتـاب حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة

(3) حُـفـر الـرّسـم عـلى الـخـشـب وطـبـع، ووضـعـتـه جـان ديـولافـوا Jane DIEULAFOY  في كـتـاب نـشـرتـه عـن رحـلـتـهـا إلى الـعـراق في 1881/1882. أنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

(3)    Karsten Niebuhr, Reisebeschreibung, II, 294.

(4)  Gertrude Bell, Amurath to Amurath, London 1911

من مراد إلى مراد

(5) 47-48. Louis MASSIGNON, Mission en Mésopotami.

(6) p. 569

(7)  مـحـفـوظـة في مـكـتـب الـمـدالـيـات Münzkabinett  في مـتـحـف الـدّولـة Staatliche Museen  في بـرلـيـن عـاصـمـة ألـمـانـيـا.

(8) أنـظـر خـاصـة كـاتـريـنـا أوتـو ــ دورن  Katharina OTTO-DORN : “الـفـنّ الإسـلامي  Kunst des Islam”، بـادن بـادن 1964، والـقـسـم الّـذي كـتـبـتـه بـيـانـكـا مـاريـا الـفـيـيـري Bianca Maria Alfieri مـن كـتـاب Le Califat de Bagdad، الّـذي نـشـرتـه مـؤسـسـة FDD عـام 1988.

(9) بـعـد أن أشـتـدّ ضـعـف حـكـم الـعـبـاسـيـيـن وانـحـطـت سـلـطـتـهـم عـنـدمـا سـاد عـلـيـهـم الأمـراء الـبـويـهـيـون ثـمّ سـلاطـيـن الـسّـلاجـقـة الّـذيـن اسـتـولـوا عـلى الـحـكـم الـفـعـلي وتـركـوا لـلـخـلـفـاء سـلـطـة صـوريـة، تـرك كـثـيـر مـن الـصّـنـاع، وخـاصـة الـخـزفـيـون، الـعـراق نـحـو مـنـاطـق أكـثـر ثـراءً، ووصـلـت أعـداد مـنـهـم إلى مـصـر لـيـعـمـلـوا فـيـهـا، كـمـا أظـهـرتـه تـنـقـيـبـات مـديـنـة الـفـسـطـاط الأثـريـة.

(10)  أنـظـر مـقـالي : مـقـتـل آخـر خـلـفـاء بـغـداد كـمـا رواه أوربـيـان

 

كـيـف شـيّـد فـالـتـر أنـدريـه بـوابـة عـشـتـار في مـتـحـف بـرلـيـن

الـدكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـصـصـت عـلـيـكـم في مـقـال سـابـق كـيـف وصـل الألـمـاني  فـالـتـر أنـدريـه Walter ANDRAE  إلى الـعـراق في عـام 1899 لـيـشـارك في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة الألـمـانـيـة في مـوقـع بـابـل الّـتي أشـرف عـلـيـهـا  روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE، وكـيـف بـقي في بـابـل إلى عـام 1903 ثـمّ عُـهـد إلـيـه بـالإشـراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) والّـتي قـادهـا حـتّى عـام 1914.

كـمـا أريـتـكـم عـدداً مـن تـخـطـيـطـاتـه ورسـومـه بـأقـلام الألـوان وبـالألـوان الـمـائـيـة الّـتي نـفّـذهـا طـيـلـة كـلّ تـلـك الـسّـنـوات عـن مـواقـع الآثـار والـمـنـاطـق الّـتي زارهـا والـنّـاس الّـذيـن الـتـقى بـهـم. (1)

وأكـمـل في هـذا الـمـقـال الـحـديـث عـن اسـتـمـراره، بـعـد أن أنـهى الـتّـنـقـيـبـات وعـاد إلى ألـمـانـيـا، في جـهـوده لـدراسـة الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا وفي نـشـر نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الّـتي مـا زالـت تـعـتـبـر مـن الـمـصـادر الأسـاسـيـة لـدراسـة تـاريـخ بـابـل ومـديـنـة آشـور. وإلى جـانـب ذلـك اسـتـمـرّ في تـجـمـيـع كـسـر الـطّـابـوق الـمـزجـج الألـوان وإعـادة تـشـكـيـل صـور الـثّـيـران والـحـيـوانـات الـخـرافـيـة (الـتّـنـيـنـات) الّـتي كـانـت تـغـطي جـدران بـوابـة عـشـتـار والأسـود الـمـتـتـابـعـة عـلى جـانـبي درب الـمـسـيـرات.

وقـد صـمـم مـشـروعـه لإعـادة تـشـيـيـد “بـوابـة عـشـتـار” و “درب الـمـواكـب” في قـاعـات مـتـحـف بـرلـيـن عـلى الـورق بـعـشـرات الـتّـخـطـيـطـات والـرّسـوم الـمـائـيـة الّـتي مـا زال الـمـتـحـف يـحـتـفـظ مـنـهـا بـأعـداد كـبـيـرة (مـثـل رسـمـه لـلـبـوابـة الّـذي وضـعـتـه في بـدايـة الـمـقـال) حـتّى تـوصّـل إلى تـنـفـيـذه.

ومـا زال زوّار الـمـتـحـف يـتـأمـلـون بـذهـول الـبـوابـة الـمـتـلامـعـة الـزّرقـة بـثـيـرانـهـا وتـنـيـنـاتـهـا. ويـعـتـقـد أغـلـب هـؤلاء الـزّوار أنّ الـمـنـقـبـيـن خـلـعـوا الـبـوابـة مـن بـابـل ونـصـبـوهـا في بـرلـيـن ! وقـد قـلـدنـاهـا نـحـن أنـفـسـنـا ونـصـبـنـا مـنـهـا نـسـخـاً مـعـتـقـديـن أنّـهـا بـوابـتـنـا الأصـلـيـة !

بوابة عشتار 3برلين

وسـأعـيـد بـعـض مـا كـنـت قـد ذكـرتـه في الـمـقـال الـسّـابـق لـنـسـتـطـيـع مـتـابـعـة جـهـود فـالـتـر أنـدريـه مـن الـبـدايـة :

بـدايـات فـالـتـر أنـدريـه :

رأيـنـا في الـمـقـال الـسّـابـق كـيـف اخـتـار روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE الـمـسـؤول عـن بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل فـالـتـر أنـدريـه لـيـسـاعـده كـرسّـام يـعـمـل مـعـه في الـمـوقـع.

ونـتـذكّـر كـيـف بـدأت الـتّـنـقـيـبـات في بـابـل في 26 آذار 1899، وفـيـهـا تـعـلّـم فـالـتـر أنـدريـه مـن كـولـدفـيـه مـنـاهـج الـتّـنـقـيـبـات الـحـديـثـة. وكـانـت تـلـك بـدايـة حـيـاة جـديـدة لـه كـرّسـهـا حـتّى وفـاتـه لـدراسـة آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. كـمـا تـعـلّـم مـن كـولـدفـيـه طـريـقـة رسـم الآثـار والـقـطـع الأثـريـة.

ونـتـذكّـر أيـضـاً كـيـف بـدأ روبـرت كـولـدفـيـه تـنـقـيـبـاتـه الـبـابـلـيـة في تـلّ الـقـصـر الّـذي وجـدت فـيـه كِـسـر طـابـوق جـعـلـتـه يـخـمّـن أن الـمـوقـع كـان عـلـيـه بـنـاء مـهـمّ غـطّـت جـدرانـه قـطـع فـنّـيـة شـديـدة الـدّقّـة والـمـهـارة عـلـيـهـا تـصـاويـر حـيـوانـات خـرافـيـة “تـنّـيـنـات” وثـيـران قـلـيـلـة الـبـروز. وكـان بـعـض هـذا الـطّـابـوق مـزجـج الألـوان مـسـطـحـاً أو عـلـيـه تـصـاويـر قـلـيـلـة الـبـروز. وقـد عـهـد كـولـدفـيـه إلى فـالـتـر أنـدريـه بـإعـادة تـركـيـب الـطّـابـوق الـمـزجـج الّـذي وجـده مـهـشـمـاً في الـمـوقـع.

وأدرك كـولـدفـيـه أن شـظـايـا الـطّـابـوق تـسـاقـطـت مـمـا كـان في الـمـاضي بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب الّـذي كـان يـفـضي إلـيـهـا، والّـذي كـان مـرصـوفـاً بـالـحـجـارة وعـلى جـانـبـيـه جـداران مـن الـطّـابـوق. وكـان درب الـمـواكـب يـمـتـدّ مـسـتـقـيـمـاً عـلى حـوالي 900 مـتـراً، تـزيـنـه أسـود مـتـتـابـعـة مـن الـجـانـبـيـن. ويـقـدر عـدد هـذه الأسـود في زمـن إعـادة نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني (حـكـم مـن 605 إلى 562 قـبـل الـمـيـلاد) لـتـشـيـيـد الـدّرب بـحـوالي 120 أسـداً.

وكـانـت بـوابـة عـشـتـار في الـحـقـيـقـة بـوابـتـيـن تـنـفـتـحـان الـواحـدة عـلى الأخـرى مـن جـانـبي الـسّـور الـمـزدوج. وبـعـد أن أزيـحـت أطـنـان مـن الـتّـراب ظـهـرت الـبـوابـة الـدّاخـلـيـة الّـتي يـفـضي إلـيـهـا درب الـمـواكـب، وكـانـت لا تـزال تـرتـفـع 12 مـتـراً، تـزيـنـهـا صـفـوف يـعـلـو الـواحـد مـنـهـا الآخـر مـن الـثّـيـران والـتّـنـيـنـات.

Iraq. Babylon. The Ishtar Gate

(بـقـايـا بـوابـة عـشـتـار في بـابـل عـام 1932، صـورة مـن مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون)

بوابة عشتار كولدفيه  (تـخـطـيـط رسـمـه روبـرت كـولـدفـيـه في الـمـوقـع)

وقـد اسـتـنـتـج الـمـنـقّـبـون أنّـه كـان عـلـيـهـا في الأصـل 575 ثـوراً وتـنـيـنـاً عـلى 13 صـفّ. ولأنّ الـدّرب رفـع مـسـتـواه عـدّة مـرّات فـقـد غـارت الـصّـفـوف الـسّـفـلى مـن الـحـيـوانـات الـبـارزة الـنّـحـت في بـاطـن الأرض.

وكـان الأزرق الـلـون الأكـثـر اسـتـعـمـالاً وخـاصـة في الـخـلـفـيـات، أمّـا الـحـيـوانـات فـقـد كـانـت تـتـتـابـع أمّـا بـيـضـاء أو بـنّـيـة مـصـفـرّة. وكـان الأسـد رمـزاً لـلإلـهـة عـشـتـار والـتّـنـيـن الـثّـعـبـاني الـرأس رمـز الإلـه مـردوخ، أمّـا الـثّـور فـقـد كـان رمـز الإلـه حـدّاد (أداد).

وكـان الـطّـابـوق الّـذي جـمّـعـه فـالـتـر يـصـوّر أسـوداً حـولـهـا زهـور مـنـقـوشـة كـانـت تـغـطي جـوانـب درب الـمـسـيـرات،

Andrae 2

ويـصـوّر أسـوداً حـولـهـا سـعـف وأغـصـان لـولـبـيـة كـانـت عـلى واجـهـة قـاعـة الـعـرش.

وبـعـد أن اشـتـغـل فـالـتـر أنـدريـه عـلى شـظـايـا الـطّـابـوق عـامـاً كـامـلاً يـضـع الـقـطـع الـصـغـيـرة الـواحـدة بـجـنـب الأخـرى ويـؤلـف بـيـنـهـا اسـتـطـاع إعـادة تـركـيـب بـعـضـهـا، ولـو جـزئـيـاً.

وكـان، إلى جـانـب اشـتـغـالـه لـيـلاً ونـهـاراً بـإعـادة تـركـيـب شـظـايـا الـطّـابـوق لإيـجـاد ألـوان الأسـود الـبـابـلـيـة، يـرسـم مـخـطـطـات الـمـواقـع والـقـطـع الأثـريـة ويـسـاعـد كـولـدفـيـه في أعـمـال الـتّـنـقـيـبـات الأخـرى.

وقـد اسـتـمـرّ فـالـتـر أنـدريـه في الـعـمـل في بـابـل إلى عـام 1903، ثـمّ عُـهـد إلـيـه بـالأشـراف عـلى تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) والّـتي قـادهـا حـتّى عـام 1914.

سـنـوات الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى :

وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، إسـتـدعي فـالـتـر أنـدريـه لـيـشـارك فـيـهـا. وأرسـل إلى جـبـهـة الـقـتـال في فـرنـسـا عـام 1915، ثـمّ أرسـل لـيـخـدم تـحـت أوامـر الـفـيـلـد مـارشـال فـون ديـر غـولـتـس الـمـعـروف بـغـولـتـس بـاشـا (أو غـولـتـز بـاشـا لـلّـذيـن لا يـحـسـنـون الـلـفـظ الألـمـاني) الّـذي عـهـد إلـيـه بـقـيـادة جـيـش عـثـمـاني كـان يـحـاول إيـقـاف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة أمـام الـكـوت. وقـد بـعـث لـه الـجـيـش الألـمـاني بـعـض عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن نـقّـبـوا في الـعـراق كـمـسـتـشـاريـن لـيـنـتـفـع مـن تـجـاربـهـم ومـعـرفـتـهـم بـالـبـلـد وأهـلـه. وهـكـذا نـزل فـالـتـر أنـدريـه مـن حـلـب في مـركـب عـلى الـفـرات نـحـو بـغـداد.

وقـد نـجـح غـولـتـس بـاشـا في حـصـار الـبـريـطـانـيـيـن في الـكـوت وهـزمـهـم هـزيـمـة كـامـلـة. وقـضى فـالـتـر أنـدريـه سـنـوات الـحـرب بـيـن الـعـراق وسـوريـا وفـلـسـطـيـن، مـا عـدا إجـازة قـصـيـرة عـاد فـيـهـا إلى أوربـا لـرؤيـة زوجـتـه وابـنـه الـصّـغـيـر. وقـضـوا جـزءاً مـنـهـا عـلى سـواحـل بـحـيـرة كـونـسـتـانـس الّـتي تـقـع بـيـن ألـمـانـيـا والـنّـمـسـا وسـويـسـرة. وهـنـاك اشـتـرى مـنـزلاً ريـفـيـاً صـغـيـراً قـبـل أن يـعـود إلى جـبـهـة الـشّـرق.

وبـعـد أن خـسـر الألـمـان وحـلـفـاؤهـم الـعـثـمـانـيـون الـحـرب، أعـيـد مـن لـم يـقـتـل مـن الـجـنـود والـضّـبـاط إلى ألـمـانـيـا عـام 1919.

عـلى سـواحـل بـحـيـرة كـونـسـتـانـس :

وقـضى فـالـتـر أنـدريـه سـنـتـيـن، مـن 1919 إلى 1921 في مـنـزلـه قـرب بـحـيـرة كـونـسـتـانـس يـنـظّـم مـلاحـظـاتـه الّـتي كـان قـد سـجّـلـهـا عـن تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط، ويـكـمـل مـا مـنـعـتـه سـنـوات الـحـرب مـن إكـمـالـه لـنـشـر نـتـائـجـهـا ودراسـة الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان قـد وجـدهـا وإعـادة تـركـيـب مـا تـكـسـر مـنـهـا وتـطـايـر شـظـايـا. وقـد فـكّـر خـلال سـنـتَي الـبـطـالـة تـلـك أن يـفـتـح مـرسـمـاً ويـمـتـهـن الـفـنّ.

في مـتـحـف بـرلـيـن :

وعـنـدمـا قـرر روبـرت كـولـدفـيـه عـام 1921 أن يـتـوقّـف عـن الإشـراف عـلى قـسـم آثـار الـشّـرق الأدنى في مـتـحـف بـرلـيـن، بـعـد سـنـوات طـويـلـة مـن جـهـود مـتـواصـلـة في عـلـم الآثـار، اقـتـرح أن يـحـلّ فـالـتـر أنـدريـه مـحـلّـه. وعـيّـن فـالـتـر الّـذي وصـل إلى بـرلـيـن لـلإقـامـة فـيـهـا مـع عـائـلـتـه. وبـدأ، إلى جـانـب الـمـحـاضـرات الّـتي طـلـب مـنـه أن يـلـقـيـهـا عـلى طـلاب مـعـهـد الـتّـقـنـيـة، بـالـعـمـل مـع مـسـاعـديـه عـلى صـنـاديـق قـطـع الآثـار الّـتي جـلـبـت مـن تـنـقـيـبـات الـعـراق وخـزنـت في الـمـتـحـف.

طابوق بابل

وفي عـام 1925، إسـتـطـاع أن يـقـنـع الـمـسـؤولـيـن الـبـرتـغـالـيـيـن بـإعـادة الـصّـنـاديـق الّـتي تـحـتـوي عـلى الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان قـد وجـدهـا في تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط والّـتي حـمّـلـت في الـبـصـرة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، عـلى بـاخـرة أوصـلـتـهـا إلى لـشـبـونـة.

وبـعـد أن تـوفي روبـرت كـولـدفـيـه عـام 1925، أصـبـح فـالـتـر أنـدريـه مـشـرفـاً عـلى نـشـر مـا لـم يـكـتـمـل نـشـره بـعـد مـن نـتـائـج تـنـقـيـبـات بـابـل إلى جـانـب عـمـلـه في إكـمـال جـرد الآثـار الّـتي وجـدهـا في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) وتـصـنـيـفـهـا.

وفي حـوالي مـنـتـصـف عـام 1926، وصـلـت إلى بـرلـيـن رسـالـة مـن جـيـرتـرود بـيـل Gertrude Bell تـذكـر فـيـهـا أنّ الـحـكـومـة الـعـراقـيـة قـررت إعـادة الـصّـنـاديـق الـضّـخـمـة الّـتي تـحـتـوي عـلى الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا الألـمـان في تـنـقـيـبـات بـابـل وبـقـيـت فـيـهـا مـنـذ 1917 ! وكـانـت الـصّـنـاديـق تـحـتـوي عـلى حـوالي 300  ألـف كـسـرة مـن الـطّـابـوق، وبـعـضـه مـزجـج الألـوان، الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في تـلّ الـقـصـر.

وكـانـت جـيـرتـرود بـيـل قـد زارت الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل عـام 1909،

جرترود بيل في بابل

كـمـا زارت مـرتـيـن في تـلـك الـفـتـرة تـقـريـبـاً مـوقـع تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) وربـطـتـهـا عـلاقـات صـداقـة بـفـالـتـر أنـدريـه.

وصـادف أن أفـرغ الـجـنـاح الـجـنـوبي مـن قـسـم آثـار الـشّـرق الأدنى في تـلـك الـفـتـرة، ونـقـلـت الآثـار الـمـصـريـة الّـتي كـانـت فـيـه إلى جـانـب آخـر مـن مـتـحـف بـرلـيـن، فـسـنـحـت الـفـرصـة لـتـخـصـيـص هـذا الـجـنـاح لآثـار بـابـل وقـلـعـة الـشّـرقـاط (مـديـنـة آشـور) وطـرحـت فـكـرة إعـادة تـشـيـيـد بـعـض الـمـبـاني الـقـديـمـة فـيـه.

وقـد قـررت الـحـكـومـة الألـمـانـيـة إرسـال فـالـتـر أنـدريـه إلى بـغـداد لـتـنـظـيـم عـمـلـيـات نـقـل الـصّـنـاديـق إلى بـرلـيـن، واخـتـارت لـمـسـاعـدتـه عـالـم الآثـار يـولـيـوس يـوردان Julius Jordan.

وفي الـطّـريـق، سـمـع فـالـتـر أنـدريـه بـوفـاة جـيـرتـرود بـيـل، ولـكـنّـه، عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد، وجـد أنّ الـمـسـؤولـيـن في الـعـراق لـم يـغـيـروا رأيـهـم في إرسـال الـصّـنـاديـق إلى بـرلـيـن.

وذهـب إلى بـابـل ووجـد الـصّـنـاديـق بـكـامـلـهـا في بـيـت الـمـنـقّـبـيـن، ولـكـنّ أغـلـب أخـشـابـهـا كـانـت قـد اهـتـرأت وتـكـسّـرت. وعـنـدمـا سـمـع عـمّـالـهـم الّـذيـن كـانـوا مـعـهـم في الـتّـنـقـيـبـات بـرجـوع فـالـتـر أنـدريـه جـاءوا مـن الـحـلّـة والـقـرى الـقـريـبـة مـنـهـا لـيـحـيـوه ولـيـسـاعـدوه في إصـلاح الـصّـنـاديـق،

أندريه 1926

وفي نـقـل الـقـطـع الأثـريـة عـلى مـتـن مـركـب نـقـلـهـا إلى الـبـصـرة.

وفي 20 كـانـون الـثّـاني 1927، وصـل إلى بـرلـيـن 536 صـنـدوقـاً مـن بـابـل كـان بـيـنـهـا 400 مـلـيـئـة بـكـسـر طـابـوق مـزجـج الألـوان.

ونـتـج أيـضـاً عـن زيـارة فـالـتـر أنـدريـه لـبـغـداد تـوصـلـه إلى إقـنـاع الـمـسـؤولـيـن بـقـبـول بـعـثـة ألـمـانـيـة لإكـمـال الـتّـنـقـيـبـات الّـتي كـان قـد بـدأهـا مـع زمـلائـه في الـوركـاء عـام 1913. وبـدأت الـحـفـريـات في الـعـام الـتّـالي، 1928، وأشـرف عـلـيـهـا فـالـتـر أنـدريـه مـن مـكـتـبـه في بـرلـيـن.

وقـد بـدأت جـهـود فـالـتـر أنـدريـه في إخـراج حـطـام الـطّـابـوق مـن صـنـاديـقـهـا وتـجـمـيـعـهـا لـتـشـكّـل مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز في نـهـايـة عـام 1927. وقـد جـرت هـذه الأعـمـال في إحـدى قـاعـات الـمـتـحـف.

ونـظّـفـت الـقـطـع ورتّـبـت لـتـكـوّن صـور حـيـوانـات ونـبـاتـات وأشـكـال زخـرفـيـة ثـمّ جـمـعـت في ألـواح واسـعـة. ولـمـلأ الـفـراغـات والـثّـغـرات الـواسـعـة طـلـب فـالـتـر أنـدريـه مـن ثـلاثـة مـعـامـل لـصـنـع الـخـزف في بـرلـيـن أن تـحـاول الـتّـوصـل إلى إنـتـاج طـابـوق مـزجـج الألـوان يـقـتـرب مـمـا كـان يـصـنـعـه الـبـابـلـيـون.

واشـتـغـل فـالـتـر أنـدريـه في نـفـس الـوقـت في تـخـطـيـط مـشـروعـه لإعـادة تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار

أندريه بوابة برلين

ودرب الـمـواكـب ورسـمـه بـالألـوان الـمـائـيـة،

ولـكـنّ أوّل عـائـق صـادفـه هـو أنّـه لا يـسـتـطـيـع تـوسـيـع مـقـايـيـس قـاعـات الـمـتـحـف الّـتي وضـعـت تـحـت تـصـرفـه، فـكـان عـلـيـه أن يـعـدّل مـقـايـيـس مـشـروعـه لـيُـركّـب بـوابـة ودربـاً أصـغـر في قـاعـات الـمـتـحـف !

واسـتـمـرّ الـعـمـل عـلى تـركـيـب الـطّـابـوق مـن الـكـسـر الـمـهـشـمـة وتـشـكـيـلـهـا في صـور مـقـبـولـة الأشـكـال وفي ألـواح واسـعـة لـتـشـيـيـد الـبـوابـة والـدّرب حـتّى بـدايـة ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي. وقـلّـت الـمـبـالـغ الـمـخـصـصـة لـهـا، مـمـا أجـبـر فـالـتـر أنـدريـه عـلى إضـاعـة جـزء مـن وقـتـه في مـفـاوضـات مـسـتـمـرة مـع مـسـؤولي وزارة الـمـالـيـة.

ولـكـثـرة الـقـطـع الـمـحـطّـمـة الّـتي جـلـبـت مـن بـابـل الّـتي ركّـبـت مـنـهـا تـصـاويـر حـيـوانـات ونـبـاتـات والّـتي فـاضـت عـن احـتـيـاج فـالـتـر أنـدريـه لإعـادة تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب بـالـمـقـايـيـس الّـتي أُجـبـر عـلى تـصـغـيـرهـا، فـقـد اقـتـرح إهـداء بـعـضـهـا لـلـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد وبـيـع مـا تـبـقى مـنـهـا لـمـتـاحـف أوربـيـة وأمـريـكـيـة. وهـكـذا اسـتـطـاع بـالـمـبـالـغ الـمـكـتـسـبـة الاسـتـمـرار في مـشـروعـه.

وقـد اسـتـمـرّ فـالـتـر أنـدريـه مع مـسـاعـديـه بـالـقـيـام بـعـدد مـن الـمـهـمّـات في نـفـس الـوقـت : جـرد الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في مـوقـع الـوركـاء مـنـذ عـام 1928 وتـصـنـيـفـهـا والإشـراف عـلى نـشـر نـتـائـجـهـا، إلى جـانـب نـشـره لـدراسـاتـه عـن آثـار قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة)، والإشـراف عـلى أعـمـال الـبـنـاء في قـاعـات آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وتـدريـسـه في مـعـهـد الـتّـكـنـولـوجـيـا في بـرلـيـن.

وقـد اكـتـمـل في عـام 1930 تـشـيـيـد الأجـزاء الـرّئـيـسـيـة مـن الـمـشـروع : بـوابـة عـشـتـار بـارتـفـاعـهـا الـبـالـغ  14 مـتـراً و 73 سـم. وبـعـرض 15 مـتـراً و 70 سـم. :

بوابة عشتار 3برلين

ودرب الـمـواكـب الّـذي امـتـدّ داخـل الـمـتـحـف 30 مـتـراً وبـعـرض ثـمـانـيـة أمـتـار. ويـرتـفـع الـجـداران الـمـحـيـطـان بـه 12 مـتـراً و 50 سـم. :

 

بـيـنـمـا اسـتـمـرّ الـعـمـل عـلى الأجـزاء الـبـاقـيـة.

وفي عـام 1932، قـام فـالـتـر أنـدريـه بـسـفـرة إلى سـوريـا والـعـراق زار خـلالـهـا الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة وخـاصـة تـنـقـيـبـات الألـمـان في الـوركـاء.

وفـتـحـت الـقـاعـات الـبـابـلـيـة لـزوّار مـتـحـف بـرلـيـن بـعـد اكـتـمـالـهـا الـنّـهـائي عـام 1936.

خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة :

وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة عـام 1939، وضـعـت كـل قـطـع الـمـتـحـف الأثـريـة في صـنـاديـق لـتـحـفـظ في قـاعـات مـحـصّـنـة بـيـنـمـا شـيّـدت جـدران مـن الـطّـابـوق لـحـمـايـة بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب والأجـزاء الـمـشـيّـدة الأخـرى. ولـكـنّ قـصـف بـرلـيـن في نـهـايـة الـحـرب، والّـذي أدّى إلى انـهـيـار أجـزاء مـن الـمـتـحـف، عـرّض الأجـزاء الـمـشـيّـدة في الأقـسـام الـبـابـلـيـة لـلـتـخـريـب والـقـطـع الأثـريـة لـلـنـهـب. ولـم يـسـلـم مـا تـبـقى مـنـهـا إلّا بـعـد أن دخـلـت الـقـوّات الـسّـوفـيـتـيـة بـرلـيـن ووضـعـت جـنـوداً لـحـراسـة الـمـتـحـف والـكـنـوز الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا.

وقـد أعـيـد بـعـد انـتـهـاء الـحـرب تـشـيـيـد مـا تـهـدّم مـن الـمـتـحـف، وتـرمـيـم مـا تـخـرّب مـنـه، وأعـيـدت مـجـمـوعـات الـقـطـع الأثـريـة إلى قـاعـاتـهـا ورمـمـت بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب ومـا تـبـقى مـن واجـهـة قـاعـة الـعـرش، وهـو مـا يـمـكـن لـكـلّ زوار الـمـتـحـف أن يـتـأمـلـوه في أيّـامـنـا هـذه.

وفي عـام 1946، وكـان في الـحـاديـة والـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، عـيّـن فـالـتـر أنـدريـه أسـتـاذاً لـلـهـنـدسـة الـمـعـمـاريـة وتـاريـخ الـمـعـمـار في مـعـهـد بـرلـيـن الـتّـكـنـولـوجي الّـذي أصـبـح “الـجـامـعـة الـتّـكـنـولـوجـيـة”، واسـتـمـرّ في الـتّـدريـس إلى عـام 1951، ثـمّ أصـبـح رئـيـسـاً فـخـريـاً لـلـجـامـعـة عـام 1952، أربـع سـنـوات قـبـل وفـاتـه عـام 1956.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـعـرف كـلّ الـمـهـتـمّـيـن بـآثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن (1) عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه Walter ANDRAE الّـذي شـارك مـع روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE في تـنـقـيـبـات بـابـل مـن 1899 إلى 1903، ثـمّ أشـرف وحـده، بـيـن عـامي 1904 و 1914، عـلى تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط الّـتي أزاح فـيـهـا الـتّـراب عـن آثـار مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة.

ولـكـن كـم مـنّـا مـن يـعـرف تـخـطـيـطـاتـه ورسـومـه بـالألـوان الـمـائـيـة الّـتي تـعـدّ بـالـمـئـات، والّـتي يـمـكـنـنـا مـن خـلالـهـا مـتـابـعـة أسـفـاره وتـنـقـيـبـاتـه وحـيـاتـه في الـعـراق وعـلاقـاتـه بـالـنّـاس الّـذيـن الـتـقى بـهـم وعـاش وعـمـل مـعـهـم ؟ وكـم مـنّـا مـن يـعـرف أنّـه هـو الّـذي جـمـع كـسـر الـطّـابـوق الـمـزجـج الألـوان مـن مـوقـع بـابـل وركّـبـه طـابـوقـة بـطـابـوقـة لـيـعـيـد تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب في داخـل قـاعـات مـتـحـف بـرلـيـن بـعـد أن صـمـمـهـمـا عـلى الـورق بـعـشـرات الـتّـخـطـيـطـات والـرّسـوم الـمـائـيـة الّـتي مـا زال الـمـتـحـف يـحـتـفـظ مـنـهـا بـأعـداد كـبـيـرة ؟

ولأهـمـيـتـه كـشـاهـد عـلى تـاريـخـنـا الـحـديـث ولـجـهـوده الـهـائـلـة في اسـتـعـادة تـاريـخـنـا الـقـديـم سـأخـصـص لـفـالـتـر أنـدريـه مـقـالـيـن : أبـدأ في هـذا الـمـقـال بـالـكـلام عـنـه وأريـكـم عـدداً مـن تـخـطـيـطـاتـه ورسـومـه، ثـمّ سـأكـمـل في الـمـقـال الـتّـالي الـحـديـث عـن إعـادة تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب في مـتـحـف بـرلـيـن.

فـالـتـر أنـدريـه :

ولـد في لايـبـزج، ألـمـانـيـا عـام 1875، وكـان أبـوه مـهـنـدسـاً في الـسّـكـك الـحـديـديـة، ولـهـذا أراده أن يـدرس الـهـنـدسـة رغـم قـدراتـه الـفـنّـيـة الّـتي ظـهـرت في سـنّ مـبـكّـرة.

وبـعـد أن أكـمـل دراسـتـه الـثّـانـويـة قـام سـنـة كـامـلـة بـخـدمـتـه الـعـسـكـريـة قـبـل أن يـبـدأ دراسـة الـهـنـدسـة الـمـعـمـاريـة في مـديـنـة درسـدن. وكـانـت أخـتـه إلـيـزابـيـث تـدرس في أكـاديـمـيـة الـفـنـون الـجـمـيـلـة مـمـا سـهّـل لـه الالـتـقـاء بـالـطّـلاب والأسـاتـذة فـيـهـا والـمـشـاركـة في أعـمـالـهـا.

وبـعـد أن حـصـل فـالـتـر أنـدريـه عـلى مـاجـسـتـيـر الـهـنـدسـة الـمـعـمـاريـة عـام 1898، وكـان في الـثّـالـثـة والـعـشـريـن مـن عـمـره، إشـتـغـل بـضـعـة أسـابـيـع في مـكـتـب هـنـدسـة حـكـومي، ثـمّ أرسـل لـه أحـد أصـدقـائـه إعـلانـاً نـشـر في جـريـدة : “نـبـحـث عـن رسّـام لـبـعـثـة تـنـقـيـبـات في الـشّـرق الأدنى”. وأجـاب فـالـتـر أنـدريـه حـالاً عـلى الـطـلـب.

واخـتـاره روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE الـمـسـؤول عـن بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات مـن بـيـن 16 مـتـقـدمـاً. وكـانـت الـجـمـعـيـة الألـمـانـيـة الـشّـرقـيـة  Deutsch Orient- Gesellschft هي الّـتي نـظّـمـت الـبـعـثـة ومـوّلـتـهـا لـتـنـقّـب في مـوقـع بـابـل. (2)

وفي شـهـر كـانـون الأوّل مـن عـام 1898 سـافـر أنـدريـه مـع كـولـدفـيـه إلى الإسـكـنـدريـة فـبـورسـعـيـد ثـمّ حـيـفـا وبـيـروت. وبـعـد أن زارا بـعـلـبـك أكـمـلا طـريـقـهـمـا نـحـو الإسـكـنـدرونـة وحـلـب. وفي 8 شـبـاط مـن عـام 1899 غـادرا حـلـب بـصـحـبـة قـافـلـة عـبـرت الـبـاديـة نـحـو بـغـداد، ومـرّا بـمـواقـع أثـريـة تـفـحّـصـهـا كـولـدفـيـه، وكـانـت تـلـك أولى تـجـارب فـالـتـر أنـدريـه الّـذي تـكـن لـه أيّـة مـعـرفـة بـالآثـار.

وقـد سـجّـل فـالـتـر أنـدريـه مـا كـان يـراه كـلّ يـوم تـقـريـبـاً بـتـخـطـيـطـات وبـرسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة كـلـوحـتـه لـمـدخـل “قـريـة” عـانـة، وهي  الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال، أو رسـمـه لـحـديـثـة :

أندريه حديثو 1899 (565x800)

ولـهـيـت :

أندريه هيت 1899 (800x560)

وبـعـد 26 يـومـاً مـن الـسّـفـر، أي في الـخـامـس مـن آذار عـام 1899، وصـلا إلى بـغـداد :

أندريه حوش بغدادي (488x800)

(حـوش بـيـت بـغـدادي)

 

الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل  1899 ــ 1903 : 

بـدأت الـتّـنـقـيـبـات في بـابـل في 26 آذار 1899،

أندريه بيت البعثة (556x800)

(دار بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل)

وقـد تـعـلّـم فـالـتـر أنـدريـه مـن كـولـدفـيـه، خـلالـهـا، مـنـاهـج الـتّـنـقـيـبـات الـحـديـثـة. وكـانـت تـلـك بـدايـة حـيـاة جـديـدة لـه كـرّسـهـا حـتّى وفـاتـه لـدراسـة آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

walter-andrae-tell-babylone

وتـعـلّـم مـن كـولـدفـيـه طـريـقـة رسـم الآثـار والـقـطـع الأثـريـة : “تـعـلّـمـت مـن كـولـدفـيـه رسـم الـتّـلّ لـيـظـهـر بـأبـعـاده الـثّـلاثـة في الـوقـت الّـذي تـضـيـئـه الـشّـمـس مـن جـنـوب الـشّـرق”. وهـو مـا فـعـلـه أيـضـاً في رسـم الـمـعـالـم الأثـريـة، وكـان بـهـذه الـطـريـقـة يـضـفي عـلـيـهـا ظـلالاً تـبـرزهـا وتـحـدد أمـاكـنـهـا في رسـم الـمـوقـع الـشّـامـل. وقـد اسـتـعـمـل الألـمـان هـذه الـطّـريـقـة في الـرّسـم في كـلّ الـمـواقـع الّـتي نـقّـبـوا فـيـهـا.

وبـدأ روبـرت كـولـدفـيـه تـنـقـيـبـاتـه الـبـابـلـيـة في تـلّ الـقـصـر الّـذي وجـدت فـيـه كِـسـر طـابـوق جـعـلـتـه يـخـمّـن أن الـمـوقـع كـان عـلـيـه بـنـاء مـهـمّ غـطّـت جـدرانـه قـطـع فـنّـيـة شـديـدة الـدّقّـة والـمـهـارة عـلـيـهـا تـصـاويـر حـيـوانـات خـرافـيـة “تـنّـيـنـات” وثـيـران قـلـيـلـة الـبـروز. وكـان بـعـض هـذا الـطّـابـوق مـزجـج الألـوان مـسـطـحـاً أو عـلـيـه تـصـاويـر قـلـيـلـة الـبـروز. وقـد عـهـد كـولـدفـيـه إلى فـالـتـر أنـدريـه بـإعـادة تـركـيـب الـطّـابـوق الـمـزجـج الّـذي وجـده مـهـشـمـاً في الـمـوقـع.

وبـعـد أن اشـتـغـل فـالـتـر أنـدريـه عـلى شـظـايـا الـطّـابـوق عـامـاً كـامـلاً يـضـع الـقـطـع الـصـغـيـرة الـواحـدة بـجـنـب الأخـرى ويـؤلـف بـيـنـهـا اسـتـطـاع إعـادة تـركـيـب بـعـضـهـا، ولـو جـزئـيـاً.

وأدرك كـولـدفـيـه أن شـظـايـا الـطّـابـوق تـسـاقـطـت مـمـا كـان في الـمـاضي بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب الّـذي كـان يـفـضي إلـيـهـا، والّـذي كـان مـرصـوفـاً بـالـحـجـارة وعـلى جـانـبـيـه جـداران مـن الـطّـابـوق، وكـان درب الـمـواكـب يـمـتـدّ مـسـتـقـيـمـاً عـلى حـوالي 900 مـتـر، تـزيـنـه أسـود مـتـتـابـعـة مـن الـجـانـبـيـن. ويـقـدر عـدد هـذه الأسـود في زمـن إعـادة نـبـوخـذ الـثّـاني (حـكـم مـن 605 إلى 562 قـبـل الـمـيـلاد) لـتـشـيـيـد الـدّرب بـحـوالي 120 أسـداً.

وكـانـت بـوابـة عـشـتـار في الـحـقـيـقـة بـوابـتـيـن تـنـفـتـحـان الـواحـدة عـلى الأخـرى مـن جـانـبي الـسّـور الـمـزدوج. وبـعـد أن أزيـحـت أطـنـان مـن الـتّـراب ظـهـرت الـبـوابـة الـدّاخـلـيـة الّـتي يـفـضي إلـيـهـا درب الـمـواكـب، وكـانـت لا تـزال تـرتـفـع 12 مـتـراً، تـزيـنـهـا صـفـوف يـعـلـو الـواحـد مـنـهـا الآخـر مـن الـثّـيـران والـتّـنـيـنـات :

وقـد اسـتـنـتـج الـمـنـقّـبـون أنّـه كـان عـلـيـهـا في الأصـل 575 ثـوراً وتـنـيـنـاً عـلى 13 صـف. ولأنّ الـدّرب رفـع مـسـتـواه عـدّة مـرّات فـقـد غـارت الـصّـفـوف الـسّـفـلى مـن الـحـيـوانـات الـبـارزة الـنّـحـت في بـاطـن الأرض.

وكـان الأزرق الـلـون الأكـثـر اسـتـعـمـالاً وخـاصـة في الـخـلـفـيـات، أمّـا الـحـيـوانـات فـقـد كـانـت تـتـتـابـع أمّـا بـيـضـاء أو بـنّـيـة مـصـفـرّة. وكـان الأسـد رمـزاً لـلإلـهـة عـشـتـار والـتّـنـيـن الـثّـعـبـاني الـرأس رمـز الإلـه مـردوخ، أمّـا الـثّـور فـقـد كـان رمـز الإلـه حـدّاد (أداد).

وكـان الـطّـابـوق الّـذي جـمّـعـه فـالـتـر يـصـوّر أسـوداً حـولـهـا زهـور مـنـقـوشـة كـانـت تـغـطي جـوانـب درب الـمـسـيـرات، ويـصـوّر أسـوداً حـولـهـا سـعـف وأغـصـان لـولـبـيـة كـانـت عـلى واجـهـة قـاعـة الـعـرش.

Andrae 2

وكـان فـالـتـر أنـدريـه، إلى جـانـب اشـتـغـالـه لـيـلاً ونـهـاراً بـإعـادة تـركـيـب شـظـايـا الـطّـابـوق لإيـجـاد ألـوان الأسـود الـبـابـلـيـة، يـرسـم مـخـطـطـات الـمـواقـع والـقـطـع الأثـريـة ويـسـاعـد كـولـدفـيـه في أعـمـال الـتّـنـقـيـبـات الأخـرى.

Andrae 8

(جـانـب مـن الـتّـنـقـيـبـات ونـرى في أعـلى يـمـيـن الـلـوحـة “أسـد بـابـل”)

Andrae 24

وهـو يـذكـر أنّـه أصـيـب في سـنـتـه الأولى بـالإسـهـال الـزّحـاري الّـذي أقـعـده أربـعـة أسـابـيـع وأضـعـفـه كـثـيـراً، ثـمّ الـوبـاء الـمـحـلّي : “حـبّـة بـغـداد” الّـتي لـيـس مـنـهـا وقـايـة : “والّـتي انـبـغى عـليّ تـحـمّـلـهـا اثـني عـشـر شـهـراً”.

وقـد بـدأ فـالـتـر أنـدريـه يـتـسـاءل عـن إدراكـه لـلـمـفـاهـيـم الـدّيـنـيـة عـنـد الـبـابـلـيـيـن الّـذيـن كـرّسـوا لآلـهـتـهـم هـذه الأعـداد الـكـبـيـرة مـن الـمـعـابـد والـمـعـالـم الـمـدنـيـة والـنّـصـوص الـمـكـتـوبـة عـلى ألـواح الـطـيـن أو الـمـنـقـوشـة عـلى الـحـجـر، فـهـو كـمـا ذكـر في يـومـيـاتـه كـان قـد نـسي كـلّ مـا عـلـمـوه إيـاه عـن ديـنـه في صـغـره، ولـم يـكـن يـحـتـاج إلى الإيـمـان بـغـيـبـيـات مـا بـعـد الـطّـبـيـعـة.

وقـد نـصـحـه كـولـدفـيـه أن يـقـرأ شـوبـنـهـور لـيـسـاعـده عـلى فـهـم الـمـعـتـقـدات الـدّيـنـيـة ولـكـنـه وجـد فـلـسـفـة شـوبـنـهـور ثـرثـرة عـجـوز أعـزب كـان يـكـتـب لـيـبـعـد الـضّـجـر عـن نـفـسـه !

وكـتـب أنّـه في سـنـتـه الـثّـانـيـة في بـابـل أنـار داخـلـه بـإضـاءة فـلـسـفـيـة جـديـدة تـعـادل الإعـتـقـاد الـدّيـني : تـأثّـره بـالألـوان. وهـو مـا عـبـر عـنـه الـشّـاعـر الألـمـاني غـوتـه بـ “تـجـارب الـضّـوء والـمـعـانـاة مـنـه”. وقـد تـأمّـل مـنـذ ذلـك الـحـيـن تـغـيـرات الإضـاءة حـسـب فـتـرات الـنّـهـار وتـعـاقـب الـفـصـول. وقـد نـفّـذ في تـلـك الـفـتـرة أعـداداً مـن الـرّسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة لـمـواقـع الـتّـنـقـيـبـات ومـا حـولـهـا.

وكـتـب : “كـنـت أبـتـعـد عـن مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في أيّـام الأحـد، بـعـد عـمـل مـرهـق يـمـلأ عـليّ أيّـام أسـبـوعي الأخـرى، وأذهـب إلى غـابـات الـنّـخـيـل

أندريه بابل (2) (566x800)

أو إلى ضـفـة الـنّـهـر الّـذي تـمـتـدّ حـولـه الـحـقـول الـخـضـراء والـذّهـبـيـة :

Andrae 1 001

وشـيـئـاً فـشـيـئـاً تـآلـفـت مـعـهـا وأدركـت هـذا الـجـمـال الـغـريـب الّـذي يـغـلّـف الـتّـلال الّـتي تـبـدو لـمـن لا يـعـرفـهـا لا أشـكـال واضـحـة لـهـا، ولا تـكـشـف خـبـايـاهـا إلّا لـمـن يـتـأمّـلـهـا”، “وكـنـت أحـبّ الـذّهـاب إلى غـابـات الـنّـخـيـل الّـتي لـم أجـد الـوقـت لـرسـمـهـا في سـنـتـي الأولى هـنـا”.

“وقـد واجـهـت صـعـوبـات كـبـيـرة في الـتـقـاط الـضّـوء الـشّـديـد في رسـومي، والّـذي لـم أتـوصـل إلـيـه حـتّى بـتـضـاد الـضّـوء والـظّـل. ولـم يـكـن صـعـبـاً الـرّسـم في الـفـجـر أو عـنـد غـروب الـشّـمـس مـن غـيـر ضـوء مـبـاشـر فـالألـوان فـيـهـمـا رائـعـة الـجـمـال.

أندريه بابل 3 (468x800)

ولـكـن كـيـف يـمـكـنـني الـرّسـم في ضـوء الـنّـهـار الـبـاهـر ؟ وأغـلـب الـفـنّـانـيـن الّـذيـن رسـمـوا في الـشّـرق فـشـلـوا في ذلـك”.

وكـتـب في رسـالـة لـوالـديـه : “أرسـم بـالألـوان الـمـائـيـة في الـمـسـاء فـقـط، عـنـدمـا تـهـدأ الـرّيـاح الـشّـديـدة الـجـفـاف، فـالألـوان تـجـفّ هـنـا بـسـرعـة لا مـثـيـل لـهـا، ويـنـبـغي الـرّسـم بـسـرعـة أشـدّ مـنـهـا. ويـسـتـحـيـل الـرّسـم بـالـحـبـر الـصّـيـني لأنّـه يـجـفّ في الـقـلـم حـالـمـا يـخـرج مـن الـقـنـيـنـة، وهـو لا يـبـقى سـائـلاً حـتّى في الـقـنـيـنـة إلّا فـتـرة قـصـيـرة”. ومـع ذلـك فـقـد رسـم فـالـتـر أنـدريـه رسـوم كـاريـكـاتـور كـثـيـرة عـلى صـفـحـات “دفـاتـر الـزّوّار” مـن 1900 إلى 1902.

ولا نـجـد في رسـوم فـالـتـر أنـدريـه تـأثّـراً بـالـحـركـة الإسـتـشـراقـيـة في الـفـنّ الّـتي عـرفـتـهـا أوربـا في تـلـك الـفـتـرة، فـهـو لـم يـبـحـث في الـمـشـاهـد الـشّـرقـيـة عـن الـغـريـب الـمـثـيـر لـلـدّهـشـة، بـل رسـم الـطّـبـيـعـة كـمـا رآهـا والـنّـاس كـمـا عـرفـهـم.  ونـجـد في رسـومـه تـأثّـراً بـأسـالـيـب مـدارس الـفـنّ الـحـديـثـة مـثـل الإنـطـبـاعـيـة في انـبـثـاق الـضّـوء مـن الألـوان أو الـوحـشـيـة في اسـتـعـمـالـه لـلألـوان الـصّـافـيـة.

أندريه رقص الرجال قويريج 1901 (800x555)

وفي عـام 1901، عـهـد روبـرت كـولـدفـيـه إلى فـالـتـر أنـدريـه بـالإشـراف بـالـتّـنـاوب مـعـه عـلى الـتّـنـقـيـبـات الّـتي كـان يـقـوم بـهـا في بـابـل وفي بـيـرس نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة بـورسـيـبـا الـقـديـمـة) وفي تـلّ فـارة (مـوقـع مـديـنـة شـروبـاك الـقـديـمـة)، مـمـا يـدلّ عـلى ثـقـتـه الـتّـامّـة بـه.

وقـد سـجّـل فـالـتـر أنـدريـه سـفـراتـه في تـلـك الـفـتـرة في رسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة مـثـل رسـمـه لـ “خـان إمـام جـاسـم” أي الإمـام الـقـاسـم :

أندريه خان إمام جاسم (800x556)

أو “سـوق مـشـهـد عـلي” في الـنّـجـف :

أندري النجف سوق مشهد علي 1901 (543x800)

وقـد تـرك كـولـدفـيـه في الـعـام الـتّـالي، 1902، لـفـالـتـر أنـدريـه مـسـؤولـيـة الإشـراف لـوحـده عـلى تـنـقـيـبـات تـلّ فـارة، فـطـبّـق فـيـهـا مـا كـان قـد تـعـلّـمـه مـن أسـتـاذه.

وكـانـت فـارة في ذلـك الـحـيـن في مـنـطـقـة مـنـعـزلـة لـم يـكـن فـيـهـا لا مـكـتـب شـرطـة ولا مـكـتـب بـريـد، وكـانـت الـعـلاقـات بـيـن عـمـالـه مـتـوتـرة لأنّـهـم كـانـوا يـنـتـمـون إلى عـشـائـر تـتـنـافـس بـيـنـهـا. وقـد حـاول فـالـتـر أنـدريـه تـوثـيـق عـلاقـاتـه بـكـلّ شـيـوخ الـعـشـائـر مـهـمـا كـلّـفـه ذلـك، وهـو مـا كـان يـواجـهـه كـلّ الـمـنـقّـبـون.

وقـد راقـب طـريـقـة كـلام عـمـالـه وحـاول أن يـفـهـم بـعـض كـلـمـاتـهـم كـمـا حـاول مـعـرفـة عـاداتـهـم الإجـتـمـاعـيـة وفـهـمـهـا واحـتـرامـهـا تـحـاشـيـاً لـلـمـشـاكـل. ونـجـد وصـفـاً دقـيـقـاً لـكـلّ هـذا في الـيـومـيـات الّـتي كـان يـسـجّـلـهـا.

وقـد نـقّـب أيـضـاً في عـامي 1902 ـــ 1903 مـع هـايـنـرش E. HEINRICH  في تـلّ “أبـو حـطـب” (مـوقـع مـديـنـة كـسـورة Kissur  الـقـديـمـة) الـقـريـب مـن فـارة (3). وفي 1902 ذهـب إلى الـوركـاء وتـفـحّـص بـعـض آثـارهـا.

وفي عـام 1903 بـدأ كـولـدفـيـه تـنـقـيـبـات سـبـر في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أقـدّم عـواصـم الإمـبـراطـوريـة الآشـوريـة)، عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـشّـرقـاط، ثـمّ عـهـد إلى فـالـتـر أنـدريـه بـالإشـراف عـلـيـهـا وإكـمـالـهـا. ولـكـنّ فـالـتـر أجـبـر عـلى تـرك الـعـراق في ذلـك الـعـام  لـيـقـوم مـن جـديـد بـفـتـرة مـن الـخـدمـة الـعـسـكـريـة في ألـمـانـيـا الّـتي عـاد إلـيـهـا عـن طـريـق الـهـنـد.

تـنـقـيـبـات فـالـتـر أنـدريـه في قـلـعـة الـشّـرقـاط  1904 ــ 1914 : 

غـادر فـالـتـر أنـدريـه ألـمـانـيـا مـن جـديـد في بـدايـة عـام 1904، ونـزل بـالـسّـيّـارة في شـهـر نـيـسـان مـن دمـشـق عـن طـريـق تـدمـر وجـبـل سـنـجـار إلى الـمـوصـل. ومـن الـمـوصـل نـزل عـلى كـلـك إلى قـلـعـة الـشّـرقـاط، وكـان كـولـدفـيـه قـد تـركـهـا وعـاد إلى بـابـل.

ولـم يـكـن في الـشّـرقـاط في ذلـك الـحـيـن لا مـكـتـب بـريـد ولا شـرطـة ولا طـبـيـب ولا حـتّى دكـاكـيـن بـقـالـة. وكـانـت الـمـوصـل عـلى مـسـيـرة يـومـيـن، وبـغـداد عـلى مـسـيـرة سـبـعـة أيّـام.

ونـظّـم فـالـتـر أنـدريـه ومـسـاعـدوه وعـمـالـه حـيـاتـهـم : يـخـبـزون خـبـزهـم في مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات ويـذبـحـون خـرفـانـهـم ويـذهـب بـعـضـهـم لـصـيـد الـسّـمـك في دجـلـة.

أندريه بيت البعثة آشور 1912 (593x800)

(بـيـت الـمـنـقـبـيـن في قـلـعـة الـشّـرقـاط عـام 1912)

وطـبّــق فـالـتـر أنـدريـه في تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) مـا تـعـلّـمـه مـن روبـرت كـولـدفـيـه مـن الـمـنـاهـج الألـمـانـيـة الأكـثـر عـلـمـيـة وجـدّيـة في ذلـك الـحـيـن في الـحـفـريـات ورسـم خـرائـط الـمـواقـع ورسـم الـقـطـع الأثـريـة ووصـفـهـا.

أندريه غروب على زقورة آشور 1909 (800x679)

(زقّـورة الإلـه آشـور في قـلـعـة الـشّـرقـاط)

ولـكـنّ صـعـوبـات جـديـدة واجـهـتـه، فـقـد وجـد طـبـقـات أقـدم بـكـثـيـر مـن تـلـك الّـتي نـقّـبـهـا مـع كـولـدفـيـه في بـابـل. وكـان عـلـيـه أن يـجـد حـلـولاً جـديـدة لـتـنـقـيـبـهـا وتـفـحّـصـهـا، وهـكـذا كـان الأوّل الّـذي نـمّى مـنـهـجـيـة الـتّـعـرف عـلى مـخـتـلـف طـبـقـات الـمـوقـع الّـتي تـنـتـمي إلى فـتـرات زمـنـيـة مـخـتـلـفـة تـتـابـعـت عـلـيـه. وقـد سـاعـدتـه هـذه الـمـنـهـجـيـة الـجـديـدة في الـتّـوصـل إلى نـتـائـج دقـيـقـة لأبـحـاثـه، مـثـلاً في دراسـة الـعـلاقـات بـيـن مـعـبـد عـشـتـار الـقـديـم ومـعـبـدهـا الـجـديـد.

وقـد اسـتـعـمـل فـالـتـر أنـدريـه كـلّ هـذه الـنّـتـائـج الّـتي لـم يـسـبـق لـهـا مـثـيـل في تـألـيـف كـتـابـه : “بـعـث آشـور ونـشـورهـا Das wiedererstandene Assur” (4)، كـمـا نـقّـب مـع مـسـاعـديـه في مـوقـع قـريـب مـن الـشّـرقـاط : “تـلـول عـقـر قـار تُـكـلـتي نـيـنـورتـا Tulul Akr-Kar Tululti Ninurta”، ونـشـر نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات، كـمـا نـشـر بـحـثـاً عـن تـفـحّـصـه لـمـوقـع الـحـضـر الّـذي زاره عـدّة مـرّات.

وخـلال الـسّـنـوات الـعـشـر الّـتي قـضـاهـا في الـشّـرقـاط لـم يـعـد فـالـتـر أنـدريـه إلى ألـمـانـيـا إلّا مـرتـيـن : في 1908 لـيـنـاقـش أطـروحـة الـدّكـتـوراه الّـتي قـدّمـهـا في جـامـعـة درسـدن،

Hk$vdi 1908 (654x800)

(رسـم فـالـتـر أنـدريـه لـنـفـسـه عـام 1908)

كـمـا عـاد إلى بـرلـيـن في 1912 لـيـذهـب إلى مـتـحـفـهـا ويـرى تـقـدّم الـعـمـل في تـنـظـيـف وتـرمـيـم الـقـطـع الأثـريـة الّـتي أرسـلـت مـن الـتّـنـقـيـبـات في الـعـراق.

وكـان فـالـتـر أنـدريـه قـد مـارس كـمـا سـبـق أن رأيـنـا الـرّسـم بـالألـوان الـمـائـيـة خـلال إقـامـتـه في بـابـل مـن 1899 إلى 1903، ولـكـنّـه خـلال إقـامـتـه في قـلـعـة الـشّـرقـاط بـيـن عـامي 1904 و 1914 لـم يـرسـم بـالألـوان الـمـائـيـة إلّا نـادراً، وفـضّـل الـرّسـم بـأقـلام الألـوان عـلى أوراق مـلـوّنـة فـقـد اكـتـشـف أنّ الـخـلـفـيـات الـمـلـوّنـة تـسـاعـده في إظـهـار “روح الـطّـبـيـعـة”، مـثـل رسـمـه لـلـفـتـحـة، جـنـوب قـلـعـة الـشّـرقـاط عـام 1908 :

أندريه الفتحة جنوب آشور 1908 (535x800)

أندريه آشور من الشرق 1909 (653x800)

(قـلـعـة الـشّـرقـاط مـن الـشّـرق، 1909)

وقـد رسـم بـالألـوان الـمـائـيـة قـطـعـاً خـزفـيـة وجـدهـا في تـنـقـيـبـاتـه :

Andrae 14

walter-andrae-coloured-ceramics-ashur_1_6a521da5904d7e9e02267f7ca6954e99

ونـشـرهـا في كـتـابـه : “خـزف مـديـنـة آشـور الـمـلـوّن”. (5)

29459521

وتـوقّـفـت تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط في 1914 بـعـد أن فـحـصـت كـلّ أجـزاء الـمـوقـع الـمـهـمّـة ورسـمـت مـخـطـطـاتـهـا وسُـجّـل كـلّ مـا عـثـر عـلـيـه في كـلّ طـبـقـة مـنـهـا بـالـتّـفـصـيـل في جـرد دقـيـق. وتـمّ نـقـل 700 صـنـدوق ضـخـم تـحـتـوي عـلى قـطـع أثـريـة عـلى أكـلاك نـزلـت عـلى دجـلـة إلى بـغـداد. وفي بـغـداد حـمّـلـت عـلى بـواخـر شـركـة الإخـوة لِـنـتـش (بـيـت لـنـج)                  The British Tigris Navigation Company الّـتي أوصـلـتـهـا إلى الـبـصـرة لـتـحـمّـل عـلى بـاخـرة تـنـقـلـهـا إلى ألـمـانـيـا.

وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب لـم تـكـن كـلّ الـصّـنـاديـق قـد حـمّـلـت بـعـد عـلى الـبـاخـرة، فـصـادرت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة مـا بـقي مـنـهـا عـلى أرصـفـة الـمـيـنـاء وأرسـلـتـهـا إلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن. وقـرر قـبـطـان الـبـاخـرة الّـتي نـجـت مـن الـبـريـطـانـيـيـن أن يـوصـل مـا تـوصّـل إلى تـحـمـيـلـه مـن الـصّـنـاديـق إلى مـيـنـاء في بـلـد مـحـايـد، فـأنـزلـهـا في لـشـبـونـة في الـبـرتـغـال. ولـكـنّ الـبـرتـغـال دخـلـت الـحـرب عـام 1916 إلى جـانـب الـحـلـفـاء ضـدّ ألـمـانـيـا ودول الـمـحـور الأخـرى.

وكـانـت قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة) آخـر مـوقـع نـقّـبـه فـالـتـر أنـدريـه. وقـد تـزوّج في ذلـك الـعـام، وقـرر أن يـكـرّس وقـتـه لإكـمـال نـشـر نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات ودراسـة الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان قـد وجـدهـا وإعـادة تـركـيـب مـا تـكـسـر مـنـهـا وتـطـايـر شـظـايـا.

وسـأقـصّ عـلـيـكـم في الـمـقـال الـقـادم كـيـف تـوصّـل فـالـتـر أنـدريـه إلى إعـادة تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب في قـاعـات مـتـحـف بـرلـيـن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  أسـتـعـمـلُ تـعـبـيـر “بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” بـدلاً مـن “الـعـراق الـقـديـم” لأنّ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن كـانـت أوسـع بـكـثـيـر مـن حـدود دولـة الـعـراق الّـتي نـتـجـت عـن مـعـاهـدات سـايـكـس ــ بـيـكـو، وكـانـت تـضـمّ مـنـاطـق دخـلـت بـعـد ذلـك في حـدود سـوريـا وتـركـيـا وإيـران.

(2) كـانـت الـمـتـاحـف الـبـروسـيـة (الألـمـانـيـة) قـد طـلـبـت مـن روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE في عـام 1887 أن يـقـوم بـرحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن لـلـبـحـث عـن مـواقـع أثـريـة يـمـكـن تـنـقـيـبـهـا، كـمـا تـأسـسـت في بـرلـيـن ذلـك الـعـام “الـلـجـنـة الـشّـرقـيـة  Das Orient-Comité”  الّـتي كـان هـدفـهـا الـقـيـام بـتـنـقـيـبـات وإرسـال الـقـطـع الأثـريـة إلى الـمـتـاحـف الألـمـانـيـة، وقـامـت بـحـفـريـات مـن 1888 إلى 1902 في جـنـوب تـركـيـا وشـمـال سـوريـا.

وفي 1897 عـاد روبـرت كـولـدفـيـه إلى الـعـراق لـيـبـحـث مـن جـديـد عـن مـوقـع يـقـوم فـيـه بـتـنـقـيـبـاتـه، واخـتـار مـوقـع بـابـل. ورغـم أنّ الـمـوقـع كـان مـعـروفـاً زارتـه أعـداد كـبـيـرة قـبـلـه، وحـفـر بـعـضـهـم فـيـه بـحـثـاً عـن مـنـحـوتـات أو طـابـوق مـزجـج الألـوان تـغـطـيـه رسـوم أو نـقـوش مـسـمـاريـة، فـلـم يـكـن قـد نـقـب بـعـد بـطـريـقـة عـلـمـيـة.

وأنـشـئـت في بـدايـة عـام 1898 “الـجـمـعـيـة الألـمـانـيـة لـلـشّـرق        Deutsche Orient-Gesellschaft” الّـتي كـان هـدفـهـا جـمـع الأمـوال الـلازمـة لـتـمـويـل تـنـقـيـبـات بـابـل. وقـد حـصـلـت الـجـمـعـيـة أيـضـاً عـلى مـسـاعـدات مـن الـدّولـة. وشـارك الإمـبـراطـور غـلـيـوم الـثّـاني في الـمـشـروع بـهـبـات مـالـيـة شـخـصـيـة، قـبـل أن يـصـبـح “حـامي” الـجـمـعـيـة عـام 1902.

(3) نـشـرا نـتـائـج تـنـقـيـبـات  فـارة وأبـو حـطـب عـام 1931 في كـتـاب :

Der Ausgrabungen der Deutschen-Orient-Gesellschaft in Fra und Abu Hatab. 1902- 1903. Berline 1931.

(4) الـحـقـيـقـة أنّ الـكـلـمـة الأولى لـيـسـت مـصـدراً في الـلـغـة الألـمـانـيـة بـل نـعـتـاً، ويـنـبـغي تـرجـمـة الـعـنـوان بـشئ يـقـتـرب مـن : “مـديـنـة آشـور الـرّاجـعـة إلى الـحـيـاة” أو “الـقـائـمـة مـن تـرابـهـا”. وقـد صـدر الـكـتـاب في 1938، أي بـعـد سـنـوات طـويـلـة مـن نـهـايـة الـتّـنـقـيـبـات.

(5) صـدرت تـرجـمـة إنـكـلـيـزيـة لـهـذا الـكـتـاب في لـنـدن عـام 1925 بـعـنـوان :

 

(*) إسـتـعـمـلـت في كـتـابـة هـذا الـمـقـال مـصـادر عـديـدة أهـمـهـا كـتـاب بـويـهـمـر Boehmer :”رسـوم لـتـنـقـيـبـات أثـريـة  Bilder eines Ausgräbers” الـصّـادر في بـرلـيـن عـام 1989.

 

© حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

مـرور الـنّـمـسـاويـة إيـدا فـايـفِـر بـالـعـراق عـام 1848

Pfiefer

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـنـدمـا وصـلـت إيـدا لـورا فـايـفـر Ida Laura PFEIFFER  إلى تـبـريـز في عـام 1848 قـادمـة مـن الـعـراق، وقـدّمـت نـفـسـهـا لـلـقـنـصـل الـبـريـطـاني فـيـهـا، نـظـر إلـيـهـا الـقـنـصـل بـدهـشـة، ولـم يـصـدّق أنّ هـذه الـنّـمـسـاويـة الّـتي بـلـغـت الـحـاديـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا كـانـت تـقـوم بـدورة حـول الـعـالـم بـدأتـهـا وحـدهـا وبـإمـكـانـيـات مـاديـة مـحـدودة مـنـذ سـنـتـيـن كـمـا قـصّـتـه عـلـيـه بـلـغـة إنـكـلـيـزيـة تـشـوبـهـا لـكـنـة ألـمـانـيـة قـاطـعـة الـحـدّة. وازدادت دهـشـتـه عـنـدمـا أخـبـرتـه إيـدا فـايـفـر أنّـهـا لـم تـكـن الـرّحـلـة الأولى الّـتي قـامـت بـهـا !

وقـد كـان كـلّ مـا ذكـرتـه هـذه الـمـغـامـرة الـنّـمـسـاويـة صـحـيـحـاً. فـقـد قـامـت بـخـمـس رحـلات بـدأتـهـا في سـنّ الـخـامـسـة والأربـعـيـن، واسـتـغـرقـت سـتّـة عـشـر عـامـاً. وأكـمـلـت خـلالـهـا دورتـيـن حـول الـعـالـم.

وقـد كـانـت إيـدا فـايـفـر كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا تـسـافـر وحـدهـا وبـإمـكـانـيـات مـالـيـة مـحـدودة. وكـانـت تـعـود مـن كـلّ رحـلـة بـنـبـاتـات وحـشـرات وفـراشـات تـهـديـهـا لـمـتـحـف الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي في فـيـيـنـا، ومـازالـت في مـجـمـوعـاتـه.

كـمـا نـشـرت سـرد رحـلاتـهـا في كـتـب مـنـذ الـرّحـلـة الأولى عـام 1842 إلى الـرّحـلـة الـخـامـسـة عـام 1858.

وقـد اعـتـرفـت الـجـمـعـيـات الـجـغـرافـيـة بـالـقـيـمـة الـعـلـمـيـة لـمـا كـتـبـتـه ومـا جـمـعـتـه، وانـضـمّـت إلى جـمـعـيـتي بـرلـيـن وبـاريـس الـجـغـرافـيـتـيـن.

ولـكـن لـنـبـدأ حـديـثـنـا بـالـكـلام عـن إيـدا لـورا فـايـفـر وعـن رحـلاتـهـا :

ولـدت إيـدا في فـيـيـنـا، عـاصـمـة الـنّـمـسـا سـنـة 1797. وكـان والـدهـا تـاجـراً غـنـيـاً. ويـبـدو أنّ والـدهـا، الـسّـيّـد ريـيـر Reyer، هـو الّـذي شـجـعـهـا عـلى مـمـارسـة الـرّيـاضـة وعـلى اكـتـسـاب مـعـارف كـانـت مـخـصـصـة لـلأولاد.

وفي عـام 1820، تـزوّجـت بـالـدّكـتـور فـايـفـر الّـذي كـان أكـبـر مـنـهـا عـمـراً بـأربـع وعـشـريـن سـنـة. وأصـبـح اسـمـهـا بـزواجـهـا مـنـه : إيـدا فـايـفـر. وأنـجـبـت مـنـه ولـديـن، لـكـنّ زوجـهـا تـوفي عـام 1838.

 

فايفر

وقـامـت إيـدا فـايـفـر بـأولى رحـلاتـهـا إلى “الأرض الـمـقـدّسـة” أي فـلـسـطـيـن في آذار 1842. وقـد زارت خـلالـهـا تـركـيـا وفـلـسـطـيـن ومـصـر. والـتـقـت في الـقـدس بـنـاشـر كـتـب مـن فـيـيـنـا اقـتـرح عـلـيـهـا نـشـر رحـلـتـهـا. وهـكـذا صـدر كـتـابـهـا الأوّل بـالـلـغـة الألـمـانـيـة عـام 1843 : “رحـلـة فـيـيـنـاويـة إلى الأرض الـمـقـدّسـة  Reise einer Wienerin in das Heilige Land”.

وقـامـت عـام 1845 بـرحـلـة إلى إيـزلـنـدة مـرّت خـلالـهـا بـأوربـا الـشّـرقـيـة وألـمـانـيـا والـدنـمـارك. وزارت عـام 1846 الـبـلـدان الإسـكـنـدنـافـيّـة.

وغـادرت الـنّـمـسـا مـن جـديـد في ذلـك الـعـام مـتـوجّـهـة نـحـو الـبـرازيـل لـتـبـدأ أولى رحـلـتـيـهـا حـول الـعـالـم. وبـعـد أن عـبـرت الـمـحـيـط الأطـلـسي، زارت الـبـرازيـل وذهـبـت إلى الـشّـيـلي، ثـمّ عـبـرت الـمـحـيـط الـهـادي نـحـو الـصّـيـن. وتـوقـفـت في طـريـقـهـا بـجـزيـرة تـاهـيـتي. ووصـلـت سـفـيـنـهـا إلى الـصّـيـن عـام 1947. ثـمّ زارت الـهـنـد، ووصـلـت إلى الـعـراق عـام 1848. ثـمّ أكـمـلـت طـريـقـهـا إلى بـلاد فـارس وصـعـدت نـحـو تـركـيـا.

ومـن تـركـيـا عـادت عـن طـريـق الـيـونـان إلى الـنّـمـسـا. ونـشـرت عـام 1850 كـتـاب : “رحـلـة امـرأة حـول الـعـالـم (حـرفـيـاً : إمـرأة تـسـافـر حـول الـعـالـم)          Eine Frau fährt um die Welt”.

وفي عـام 1851، تـركـت إيـدا فـايـفـر الـنّـمـسـا مـن جـديـد لـلـشّـروع في دورتـهـا الـثّـانـيـة حـول الـعـالـم. وقـد بـدأتـهـا هـذه الـمـرّة مـن إنـكـلـتـرة نـحـو أفـريـقـيـا الـجـنـوبـيـة وعـبـرت رأس الـرّجـاء الـصّـالـح نـحـو سـنـغـافـورة الّـتي أقـامـت بـهـا بـعـض الـوقـت ثـمّ تـجـولـت في مـالـيـزيـا وأنـدونـسـيـا، وزارت جـاوة وسـومـطـرة. وعـبـرت الـمـحـيـط الـهـادي بـعـد ذلـك مـن جـكـارتـا إلى كـالـيـفـورنـيـا. وهـكـذا وصـلـت إلى سـان فـرنـسـيـسـكـو في أيـلـول 1853، ثـمّ نـزلـت إلى خـط الإسـتـواء. وصـعـدت بـعـد ذلـك نـحـو بـنـمـا ثـمّ الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة مـن جـديـد، نـيـويـورك ومـسـاقـط نـيـاغـارا. وعـادت بـعـد ذلـك عـن طـريـق لـنـدن إلى الـنّـمـسـا.

وفي عـام 1856 بـدأت إيـدا فـايـفـر رحـلـتـهـا الـخـامـسـة والأخـيـرة. وبـعـد أن زارت بـرلـيـن ولـنـدن وبـاريـس نـزلـت نـحـو رأس الـرّجـاء الـصّـالـح ثـمّ إلى جـزيـرة مـوريـس في الـمـحـيـط الـهـنـدي الّـتي أقـامـت فـيـهـا خـمـسـة أشـهـر قـبـل أن تـكـمـل طـريـقـهـا إلى مـدغـشـقـر. وعـادت بـعـدهـا إلى جـزيـرة مـوريـس، وسـقـطـت مـريـضـة. ولـم تـسـتـطـع الـعـودة إلى الـنّـمـسـا إلّا في الـعـام الـتّـالي : 1857. ووصـلـت إلى فـيـيـنـا في شـهـر أيـلـول ثـمّ تـوفـيـت في الـشّـهـر الـتّـالي : تـشـريـن الأوّل 1857.

مـرور إيـدا فـايـفـر بـالـعـراق عـام 1848 :

Pfeifer

تـركـت إيـدا فـايـفـر فـيـيـنـا في الـنّـمـسـا في أوّل أيّـار 1846، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، لـتـبـداً رحـلـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي دارت فـيـهـا حـول الـعـالـم. وبـعـد أن عـبـرت الـمـحـيـط الأطـلـسي، زارت الـبـرازيـل وذهـبـت إلى الـشّـيـلي، ثـمّ عـبـرت الـمـحـيـط الـهـادي نـحـو الـصّـيـن. وتـوقـفـت في طـريـقـهـا بـجـزيـرة تـاهـيـتي. ووصـلـت سـفـيـنـهـا إلى الـصّـيـن عـام 1947، ثـمّ زارت الـهـنـد. ووصـلـت مـن بـومـبـاي عـن طـريـق الـخـلـيـج إلى شـط الـعـرب في 11 أيّـار 1848 ، ووصـلـت إلى الـبـصـرة في الـيـوم الـتّـالي.

وقـد تـكـلّـمـت إيـدا فـايـفـر عـن الـعـراق في ثـلاثـة فـصـول مـن كـتـابـهـا “رحـلـة امـرأة حـول الـعـالـم Eine Frau fährt um die Welt” الّـذي نـشـرتـه عـام 1850:

في الـفـصـل الـسّـابـع عـشـر “مـن بـومـبـاي إلى بـغـداد”، وفي الـفـصـل الـثّـامـن عـشـر “بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، بـغـداد وبـابـل”، وفي الـفـصـل الـتّـاسـع عـشـر “الـمـوصـل ونـيـنـوى”.

وقـد تـرجـمـتُ إلى الـلـغـة الـعـربـيـة صــفـحـات هـذه الـفـصـول الـثّـلاثـة الّـتي تـتـجـاوز الـثّـلاثـيـن صـفـحـة، ولـكـني سـأكـتـفي مـنـهـا في هـذا الـمـقـال بـمـقـاطـع تـبـدو لي عـلى جـانـب مـن الأهـمـيـة لأقـدّم لـكـم عـرضـاً مـخـتـصـراً لـلـكـتـاب (1).

وصـلـت إيـدا فـايـفـر إلى الـبـصـرة في 12 أيّـار 1848، وكـانـت تـحـمـل رسـالـة إلى الـوكـيـل الـبـريـطـاني فـيـهـا : أرمـني اسـمـه بـرسـيـغ Barseige، طـالـبـة مـنـه الـضّـيـافـة “فـلـيـس في الـمـديـنـة فـنـدق واحـد”، ولـكـنّ الـوكـيـل لـم يـعـرهـا اهـتـمـامـاً، فـأقـامـت عـلى مـتـن سـفـيـنـة كـانـت في الـبـصـرة.

وبـعـد أن ذكـرت تـاريـخ تـأسـيـس الـبـصـرة وأهـمـيـة الـمـديـنـة في الـمـاضي، كـتـبـت :

“لـيـس في الـبـصـرة بـقـايـا أثـريـة، لا لـمـسـاجـد جـمـيـلـة الـتّـشـيـيـد ولا لـخـانـات. وأسـوار الـمـديـنـة نـصـف خـربـة، ودور الـمـديـنـة صـغـيـرة لا تـجـذب عـيـن الـنّـاظـر، وطـرقـهـا مـتـلـوّيـة ضـيـقـة وقـذرة. أمّـا الـسّـوق، وهي دروب مـسّـقـفـة فـيـهـا دكـاكـيـن رديـئـة، فـلـيـس فـيـهـا مـا يـسـتـحـق الـشّـراء مـع أنّـهـا أهـمّ مـيـنـاء تـجـارة مـن الـهـنـد إلى تـركـيـا”، “وفي الـبـصـرة كـثـيـر مـن الـخـرائـب الـحـديـثـة الّـتي نـتـجـت عـن مـوت نـصـف سـكـانـهـا تـقـريـبـاً في طـاعـون 1832. ولـيـس في عـدد مـن دروبـهـا وسـاحـاتـهـا إلّا مـسـاكـن تـهـدمـت”.

“ويـقـال إنّ مـوقـع الـبـصـرة مـضـرّ بـالـصّـحـة فـالـسّـهـول الّـتي تـحـيـط بـهـا تـتّـصـل في أحـد أطـرافـهـا بـالـمـسـتـنـقـعـات الـكـثـيـرة الـمـلـيـئـة بـالـوحـول والـقـاذورات والّـتي تـنـبـعـث مـنـهـا روائـح كـريـهـة، ومـن الـطّـرف الآخـر بـغـابـات الـنّـخـيـل الّـتي تـوقـف هـبـوب الـرّيـاح”.

“والـحـرّ هـنـا شـديـد حـتّى أنّ كـلّ بـيـت تـقـريـبـاً لـه غـرفـة أوطـأ بـعـدة أقـدام مـن مـسـتـوى الـشّـارع فـتـحـت كـوّات في أعـالـيـهـا. وفـيـهـا يـقـضي الـنّـاس سـاعـات الـنّـهـار”.

“وغـالـبـيـة الـسّـكـان مـن الـعـرب، والـبـاقـون فـرس وأتـراك وأرمـن. ولـيـس فـيـهـا أوربـيـون. وقـد نـصـحـوني أن أتـلـفـع بـثـوب واسـع وأن أتـحـجـب عـنـدمـا أخـرج، وقـد فـعـلـت أوّل الـشّـيـئـيـن ولـكـنّي لـم أتـحـمـل الـحـجـاب في هـذا الـحـرّ الـشّـديـد وخـرجـت سـافـرة الـوجـه”.

” وكـان الإزار Iser  الّـذي ارتـديـتـه واسـعـاً وهـفـهـافـاً تـبـدو تـحـتـه مـلابـسي الأوربـيـة، ومـع ذلـك لـم يـضـايـقـني أحـد”.

وقـد قـبـل قـبـطـان بـاخـرة حـربـيـة بـريـطـانـيـة أن تـسـافـر مـعـه إلى بـغـداد :

“غـادرنـا الـبـصـرة في الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة مـن صـبـاح 17 أيّـار، ووصـلـنـا إلى الـقـرنـة بـعـد الـظّـهـر”. “ودخـلـنـا في دجـلـة، وراقـت لأعـيـنـنـا بـعـد حـوالي خـمـسـة كـيـلـومـتـرات رؤيـة غـابـات الـنّـخـيـل الّـتي كـنّـا قـد تـمـتـعـنـا بـتـأمّـلـهـا عـلى ضـفـاف شـطّ الـعـرب. ثـمّ انـتـهـت هـنـا فـجـأة. ومـا زالـت ضـفـتـا الـنّـهـر تـغـطـيـهـمـا نـبـاتـات مـزدهـرة وحـدائـق حـسـنـة بـيـنـهـا مـروج واسـعـة خـضـراء تـغـطي بـعـض أجـزائـهـا أجـمـات شـجـيـرات واطـئـة. ويـقـال إنّـهـا لا تـمـتـد إلّا إلى بـعـض كـيـلـومـتـرات مـن الـنّـهـر، ومـا بـعـدهـا لـيـس إلّا يـبـابـاً قـاحـلاً”.

“ورأيـنـا في عـدّة أمـاكـن عـشـائـر مـن الأعـراب نـصـبـوا مـضـاربـهـم في صـفـوف طـويـلـة أقـرب مـا يـمـكـن مـن ضـفـة الـنّـهـر. ولـبـعـضـهـم خـيـام مـغـلـقـة بـيـنـمـا اكـتـفى آخـرون بـصـرائـف مـن الـقـصـب أو بـبـعـض الـخـرق أو جـلـود الـحـيـوانـات تـربـط بـيـن صـاريـتـيـن، لا تـلـقي إلّا بـالـكـاد بـالـظّـل عـلى رؤوس سـاكـنـيـهـا لـتـقـيـهـم مـن لـهـب أشـعـة الـشّـمـس”، “وهـم لا يـغـيّـرون مـسـاكـنـهـم في الـشّـتـاء، وهـو فـصـل غـالـبـاً مـا تـهـبـط فـيـه درجـات الـحـرارة تـحـت الـصّـفـر، ويـرتـدون نـفـس الـمـلابـس الّـتي يـرتـدونـهـا في الـصّـيـف”،

“ومـظـاهـر هـؤلاء الـنّـاس مـخـيـفـة ومـلابـسـهـم عـبـاءات بـنّـيـة غـامـقـة، يـمـررهـا الـرّجـال بـيـن سـيـقـانـهـم ويـربـطـونـهـا حـول أخـاصـرهـم، بـيـنـمـا تـتـلـفـع بـهـا الـنّـسـاء. ويـتـراكـض الأطـفـال عـراة حـتّى سـنّ الـثّـانـيـة عـشـرة. وبـشـراتـهـم غـامـقـة الألـوان، وعـلى وجـوهـهـم وشـوم خـفـيـفـة. ويـجـدل الـرّجـال والـنّـسـاء شـعـورهـم في أربـع قـصـائـب تـتـدلى عـلى أكـتـافـهـم”. “وأسـلـحـة الـرّجـال عـصيّ سـمـيـكـة مـلـيـئـة بـالـعـقـد. وتـحـبّ الـنّـسـاء الـتّـزيـن بـعـقـود مـن حـبّـات الـزّجـاج والـمـحّـار وبـخـرق مـلـوّنـة. ويـضـعـن في مـنـاخـيـر أنـوفـهـنّ حـلـقـات واسـعـة”.

وبـعـد أن شـرحـت إيـدا فـايـفـر تـنـظـيـمـات الـمـجـتـمـع الـعـشـائـري ذكـرت :

“وغـالـبـا مـا يـأتـون، عـنـدمـا تـتـوقـف سـفـيـنـتـنـا، بـالأغـنـام وبـالـزّبـدة، وهي غـايـة في الـرّخـص. ولا يـزيـد ثـمـن الـخـروف عـلى خـمـسـة قـرانـات. وهي خـرفـان كـبـيـرة الأحـجـام سـمـيـنـة طـويـلـة الـصـوف وإلـيـاتـهـا ضـخـمـة”.         “وفي الـمـنـاطـق الّـتي تـغـطـيـهـا أدغـال وأعـشـاب رأيـت جـمـاعـات مـن الـخـنـازيـر الـبـرّيـة، ويـقـال إنّ فـيـهـا أسـوداً تـأتي مـن الـجـبـال وخـاصـة في الـشّـتـاء وتـلـتـهـم الأغـنـام والأبـقـار، ونـادراً مـا تـهـاجـم الـبـشـر. وقـد أبـصـرت بـاثـنـيـن مـنـهـا ولـكـن مـن بـعـيـد”.

ووصـلـت الـبـاخـرة بـعـد أربـعـة أيّـام إلى الـمـدائـن :

“21 أيّـار،

شـاهـدنـا الـيـوم خـرائـب قـصـر كـسـرى أنـوشـروان في طـيـسـفـون الّـتي كـانـت عـاصـمـة الـفـارثـيـيـن ثـمّ عـاصـمـة الإمـبـراطـوريـة الـفـارسـيـة الـحـديـثـة. وقـد خـرّبـهـا الـعـرب في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر. ومـقـابـلـهـا تـقـريـبـاً، في الـضّـفـة الـيـمـنى مـن دجـلـة، تـقـع سـلـوقـيـة، إحـدى أهـمّ مـدن بـلاد بـابـل، والّـتي كـان لـهـا في زمـن ازدهـارهـا حـكـومـة مـسـتـقـلـة. وكـان رؤسـاؤهـا مـن الإغـريـق. ويـرى الـمـسـافـر طـيـسـفـون مـرتـيـن فـالـنّـهـر يـدور دورة واسـعـة مـتـلـويـاً”.

ويـلاحـظ الـقـارئ مـن هـذا الـمـقـطـع مـعـرفـة إيـدا فـايـفـر الـسّـطـحـيـة بـالـتّـاريـخ.

وكـتـبـت عـنـدمـا وصـلـت إلى بـغـداد :

“وظـهـرت عـاصـمـة الـخـلافـة الـقـديـمـة في أبـهى حـلّـة وسـعـة مـن بـعـيـد، ولـكـنّـهـا فـقـدتـهـمـا عـنـدمـا اقـتـربـنـا مـنـهـا. وتـلامـعـت الـمـنـائـر والـقـبـاب في الـشّـمـس، فـهي يـغـطـيـهـا طـابـوق مـزجـج. وتـتـابـعـت الـقـصـور والـبـوابـات والأسـوار تـحـاذي مـيـاه دجـلـة الـبـنّـيـة الـطّـيـنـيـة، بـيـنـمـا تـغـطي الـبـسـاتـيـن الـمـلـيـئـة بـالـنّـخـيـل وأشـجـار فـواكـه أخـرى الـسّـهـول الـمـحـيـطـة بـالـمـديـنـة إلى مـدّ الـبـصـر”.

“ومـا كـادت بـاخـرتـنـا تـتـوقـف حـتّى أحـاطـ بـهـا رجـال مـن أهـل الـبـلـد. وكـان لـهـم مـراكـب غـريـبـة تـشـبـه الـسّـلال الـمـسـتـديـرة يـصـنـعـونـهـا مـن سـعـف الـنّـخـيـل ويـطـلـونـهـا بـالأسـفـلـت، ويـسـمـونـهـا قـفّـة  guffer. وقـطـر الـواحـدة سـتّـة أقـدام وعـلـوهـا ثـلاثـة أقـدام، وهي آمـنـة جـدّاً لا تـنـقـلـب أبـداً ويـمـكـنـهـا أن تـمـرّ بـأسـوء الـتّـيـارات. وقـد اخـتـرعـت في زمـن سـحـيـق الـقـدم”.

وكـان الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في بـغـداد عـالـم الآشـوريـات راولـنـسـن  Rawlinson، وقـد رفـضـت إيـدا فـايـفـر ضـيـافـتـه لـهـا لأنّـه كـان أعـزبـاً !

وتـبـدأ إيـد فـايـفـر الـفـصـل الـثّـامـن عـشـر مـن كـتـابـهـا بـذكـر تـاريـخ تـأسـيـس بـغـداد الّـتي تـعـتـبـرهـا “عـاصـمـة بـلاد آشـور !” وهي تـكـتـب أنّ سـكـان بـغـداد كـانـوا “سـتـيـن ألـفـاً، ثـلاثـة أربـاعـهـم مـن الأتـراك والـبـاقـيـن مـن الـيـهـود والـفـرس والأرمـن والـعـرب. ويـقـيـم فـيـهـا حـوالي خـمـسـيـن أو سـتّـيـن أوربـيـاً فـقـط “. وهـذا لا يـوافـق مـا ذكـره الـرّحـالـة الآخـرون الّـذيـن زاروا بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة.

“وكـان أوّل مـا انـبـغى لي الـحـصـول عـلـيـه هـنـا ثـوب واسـع أتـلـفـع بـه يـسـمى الإزار isar، وطـربـوش صـغـيـر ألـفّ حـولـه مـنـديـلاً لـيـصـيـر عـمـامـة صـغـيـرة. ولـكـنـني لـم أتـحـجـب بـالـقـنـاع الـسـمـيـك الـمـصـنـوع مـن شـعـور الـخـيـول الّـذي تـتـحـجـب بـه الـنّـسـاء هـنـا والّـذي يـكـاد يـمـنـعـهـنّ مـن الـتّـنـفـس. ومـن الـصّـعـب تـصـور عـذاب أشـدّ مـنـه لـلـنـسـاء خـارج الـدّار. ويـكـنـس الإزار تـراب الـطّـريـق عـنـدمـا نـسـيـر ويـحـتـاج إلى مـهـارة في الإمـسـاك بـأطـرافـه لـكي لا يـنـزلـق بـل يـغـطي الـجـسـد بـأكـمـلـه”، “وأنـا أشـفـق عـلى الـمـرأة الـمـسـكـيـنـة الـمـجـبـرة عـلى حـمـل طـفـلـهـا أو أشـيـاء ثـقـيـلـة أخـرى أو تـريـد غـسـل الـمـلابـس عـلى ضـفـة الـنّـهـر وهي تـعـدّل وضـع إزارهـا بـاسـتـمـرار. والـمـرأة لا تـعـود مـن غـسـيـلـهـا إلّا مـبـتـلّـة يـسـيـل مـنـهـا الـمـاء. وحـتّى أصـغـر الـبـنـات هـنـا يـلـبـسـن هـذا الإزار حـالـمـا يـخـرجـن مـن الـدّار”.

“وفي مـلابـسي الـشّـرقـيـة هـذه جـبـت الـمـديـنـة سـافـرة الـوجـه مـن غـيـر أن يـتـعـرض لي أحـد. وقـد تـفـحـصـت أحـيـاءهـا، وإن لـم يـكـن هـنـاك الـكـثـيـر مـمـا يـسـتـحـق أن يـزار، فـلـم يـبـق شئ مـن آثـار زمـن الـخـلـفـاء. وبـنـيـت الـدّور بـالـطّـابـوق الـمـحـروق، ولـهـا طـابـق واحـد [فـوق الـطّـابـق الأرضي]. ولا نـرى مـن الـدّروب إلّا خـلـفـيـاتـهـا، ونـادراً مـا نـرى جـزءاً مـن الـدّار بـنـوافـذ ضـيّـقـة عـلـيـهـا شـنـاشـيـل. ولا أسـتـثـني مـن ذلـك إلّا الـدّور الّـتي تـطـلّ واجـهـاتـهـا عـلى الـنّـهـر، فـفي واجـهـاتـهـا نـوافـذ، شـديـدة الـجـمـال في بـعـض الأحـيـان”، “وقـد بـدت لي الـدّروب ضـيّـقـة مـتـربـة مـلـيـئـة بـالـقـاذورات”، “وجـسـر الـقـوارب عـلى دجـلـة، وعـرضـه هـنـا 690 قـدمـاً، في حـالـة يـرثى لـهـا، ولـم أرَ أسـوء مـنـه في مـكـان آخـر”.

وكـتـبـت إيـدا فـايـفـر عـن أسـواق بـغـداد :

“والأسـواق شـديـدة الإمـتـداد. والـسّـوق الـعـتـيـقـة، وهي مـن بـقـايـا الأزمـان الـقـديـمـة، مـا زالـت فـيـهـا بـعـض الـعُـمـد الـحـسـنـة وبـعـض الـنّـقـوش، وبـوابـة خـان عـثـمـان (2) جـمـيـلـة وعـمـدهـا عـالـيـة. والـطّـرقـات الّـتي تـخـتـرقـهـا عـريـضـة يـمـكـن أن يـمـرّ فـيـهـا فـارس عـلى جـواده بـجـانـب اثـنـيـن مـن الـمـشـاة. والـبـاعـة والـصـنّـاع هـنـا، كـمـا في كـلّ أسـواق الـشّـرق، يـتـجـمـعـون حـسـب اخـتـصـاصـاتـهـم في دروب أو أزقّـة (3) مـنـفـصـلـة بـعـضـهـا عـن بـعـض. ونـجـد أفـضّـل الـمـحـلّات في مـنـازل خـاصـة أو في خـانـات الأسـواق (3). والـمـقـاهي الـرّثـة الـحـقـيـرة تـنـتـشـر في كـلّ مـكـان”.

“وقـصـر الـبـاشـا بـنـاء شـديـد الإتـسـاع، ولـكـنّـه رخـيـص الـتّـشـيـيـد يـفـتـقـر إلى الـذّوق الـسّـلـيـم، وهـو مـهـيـب عـنـدمـا نـنـظـر إلـيـه مـن بـعـيـد فـقـط.

ولـيـس هـنـاك إلّا قـلـيـل مـن الـجـوامـع الّـتي لـم يـنـفـق في تـشـيـيـدهـا الـكـثـيـر ولا حـسـن فـيـهـا إلّا طـابـوقـهـا الـمـزجـج الألـوان”.

“ولأسـتـطـيـع رؤيـة كـلّ أحـيـاء بـغـداد فـقـد صـعـدت بـعـد جـهـد جـهـيـد عـلى سـطـح خـان عـثـمـان (2)، وأعـجـبـت حـقّـاً بـامـتـداد الـمـديـنـة وبـمـوقـعـهـا الـمـخـتـار. ومـن الـمـسـتـحـيـل إدراك مـخـطـط مـديـنـة شـرقـيـة عـنـدمـا نـمـرّ بـدروبـهـا الـضّـيـقـة وطـرقـاتـهـا الّـتي تـتـشـابـه والّـتي يـصـعـب الـتّـفـريـق بـيـنـهـا ولـو سـلـكـنـاهـا مـرّات عـديـدة، ولـكـنّي مـن أعـلى الـخـان أبـصـرت بـالـمـديـنـة تـحـتي بـدورهـا الّـتي لا تـعـدّ ولا تـحـصى شـيـدّ بـعـضـهـا وسـط جـنـائـن حـسـنـة. ورأيـت آلافـاً وآلافـاً مـن الـسّـطـوح تـمـتـدّ تـحـت قـدميّ، والـنّـهـر الـرّائـع الـجـمـال يـجـري وسـط بـسـاتـيـن غـامـقـة الـخـضـرة وغـابـات نـخـيـل تـمـتـدّ عـلى ضـفـافـه عـدّة كـيـلـومـتـرات”، “وكـلّ الـمـبـاني، كـمـا سـبـق أن ذكـرت، شـيّـدت بـالـطّـابـوق الّـتي يـعـرف أنّ أغـلـبـه جـلـب مـن الـخـرائـب الـمـحـيـطـة بـبـابـل (4). وعـنـدمـا نـتـفـحّـصـهـا نـرى في أسـافـلـهـا آثـار أسـس قـديـمـة طـابـوقـهـا أكـبـر أحـجـامـاً، قـطـر الـواحـدة مـنـهـا حـوالي قـدمـيـن وكـأنّـهـا مـن الـحـجـر الـمـقـطـوع”.

الـبـيـوت الـبـغـداديـة :

“وداخـل كـلّ دار أجـمـل مـن خـارجـهـا، حـوشـهـا نـظـيـف الـتّـجـصـيـص ونـوافـذهـا مـتـعـددة، وغـرفـهـا واسـعـة عـالـيـة وإن لـم يـكـن أثـاثـهـا بـجـمـال أثـاث دور دمـشـق. ويـشـتـدّ الـحـرّ هـنـا في الـصـيـف إلى حـدّ أنّـه يـنـبـغي عـلى الـنّـاس أن يـتـحـولـوا ثـلاث مـرّات في الـيـوم، فـيـقـضـون أوّلى سـاعـات الـصّـبـاح في حـجـرهـم الـمـعـتـادة، ثـمّ يـنـزلـون في حـوالي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة إلى غـرف تـحـت الأرض يـسـمـونـهـا الـسّـراديـب، وهي تـشـبـه الأقـبـيـة عـلى عـمـق 15 أو 20 قـدمـاً، يـبـقـون فـيـهـا إلى الـمـغـرب. ثـمّ يـصـعـدون إلى الـسّـطـوح بـعـد أن تـغـيـب الـشّـمـس، وهـنـاك يـسـتـقـبـلـون الأهـل والأصـدقـاء يـثـرثـرون ويـرتـشـفـون الـشّـاي (5) إلى أن يـحـلّ الـلـيـل. وهي عـنـدهـم أشـدّ الـسّـاعـات مـتـعـة فـهـواء الـمـسـاء مـنـعـش يـعـيـد لـهـم حـيـويـتـهـم. ويـؤكـد الـكـثـيـر عـلى أنّ ضـوء الـقـمـر هـنـا أشـدّ لـمـعـانـا مـمـا هـو عـلـيـه في سـمـائـنـا [أي في أوربـا]، ولـكـنـني لـم أجـد هـذا صـحـيـحـاً. ويـنـام الـنّـاس عـلى الـسّـطـوح تـحـت نـامـوسـيـات تـركّـب فـوق أسـرتـهـم”، “وتـرتـفـع درجـات الـحـرارة في الـحـجـرات خـلال الـنّـهـار إلى أكـثـر مـن 37 درجـة، وفي الـشّـمـس إلى 50 أو 55 درجـة، ولـكـنّـهـا لا تـرتـفـع إلى أكـثـر من 31 درجـة في الـسّـراديـب. أمّـا في الـشّـتـاء فـالـبـرد يـشـتـدّ مـن مـغـيـب الـشّـمـس إلى ارتـفـاعـهـا في الـسّـمـاء في الـضّـحى فـيـشـعـل الـنّـاس الـنّـار في الـمـواقـد”.

وتـتـكـلّـم عـن حـبّـة بـغـداد :

“ويـعـتـبـر طـقـس الـمـنـطـقـة صـحّـيـاً كـثـيـراً، وحـتّى الأوربـيـون يـؤكّـدون ذلـك. ومـع ذلـك فـنـجـد هـنـا وبـاء يـرعـب الـفـتـيـات. وهـو لا يـصـيـب أهـل الـبـلـد فـقـط بـل الأجـانـب الّـذيـن يـقـيـمـون هـنـا عـدّة أشـهـر أيـضـاً. يــظـهـر كـدمّـلـة مـثـيـرة لـلإشـمـئـزاز، تـدعى بـحـبـة حـلـب Aleppo boil أو وشـم الـتّـمـرة (6) وتـبـدأ هـذه الـقـرحـة صـغـيـرة بـحـجـم رأس دبـوس ثـمّ تـتـوسـع لـتـصـل إلى حـجـم قـطـعـة نـقـود تـنـتـج عـنـهـا نـدبـة عـمـيـقـة. وهي غـالـبـاً مـا تـصـيـب الـوجـه. ونـادراً مـا نـجـد هـنـا وجـهـاً واحـداً مـن مـائـة وجـه لـم تـشـوهـه هـذه الـحـبّـة. ومـن لـيـس لـه إلّا نـدبـة واحـدة يـمـكـنـه أن يـعـتـبـر نـفـسـه مـحـظـوظـاً، فـقـد رأيـت أعـداداً مـن الـنّـاس شـوهـتـهـم حـبّـتـان أو ثـلاث. ولا تـسـلـم أجـزاء الـجـسـد الأخـرى مـنـهـا. وغـالـبـاً مـا تـظـهـر هـذه الـقـرحـة عـنـدمـا يـنـضـج الـتّـمـر، ولا تـنـتـهي إلّا في الـعـام الـتّـالي عـنـدمـا يـعـود هـذا الـفـصـل. وهـذا الـوبـاء لا يـصـيـب الـنّـاس إلّا مـرّة واحـدة في حـيـاتـهـم، وغـالـبـاً مـا يـصـيـبـهـم في طـفـولـتـهـم. ولـيـس لـهـذا الـوبـاء دواء، ولـيـس مـنـه وقـايـة. وقـد جـرب الأوربـيـون الـتّـطـعـيـم ضـدّه، وبـاءت جـهـودهـم بـالـفـشـل. ويـتـفـشى هـذا الـدّاء في مـنـاطـق عـدّة حـول نـهـر دجـلـة، ويـقـلّ كـلّـمـا ابـتـعـدنـا عـن الـنّـهـر. ويـمـكـن أن يـكـون لـه عـلاقـة بـتـبـخّـر مـاء الـنّـهـر أو بـالـطـيـن الـمـتـراكـم عـلى الـضّـفـاف، والإحـتـمـال الأوّل ضـعـيـف لأنّـه لا يـصـيـب الـعـامـلـيـن عـلى الـبـواخـر الإنـكـلـيـزيـة بـيـنـمـا يـصـيـب الأوربـيـيـن الّـذيـن يـقـيـمـون عـلى الـيـابـسـة. وقـد رأيـت واحـداً مـنـهـم غـطّـت جـسـده أربـعـون حـبّـة تـعـذّب مـنـهـا عـذابـاً شـديـداً. والـقـنـصـل الـفـرنـسي الّـذي يـنـبـغي أن يـبـقى هـنـا عـدّة سـنـوات لـم يـصـطـحـب زوجـتـه مـعـه خـشـيـة مـن أن يـعـرضـهـا لـخـطـر تـشـويـهـهـا. وبـعـد وصـولي إلى هـنـا بـعـدّة أسـابـيـع فـقـط اكـتـشـفـت عـلى ظـاهـر كـفي حـبّـة اتـسـعـت ولـكـنـهـا لـم تـدخـل في جـلـدي بـعـمـق ولـم تـتـرك نـدبـة دائـمـة. وابـتـهـجـت بـتـخـلـصي مـنـهـا بـهـذه الـسّـهـولـة، ولـكـن ابـتـهـاجي لـم يـدم طـويـلاً، فـقـد عـاد الـدّاء بـعـنـف بـعـد سـتّـة أشـهـر عـنـدمـا وصـلـت إلى أوربـا، وغـطـت جـسـدي ثـلاث عـشـرة حـبّـة تـصـارعـت مـعـهـا أكـثـر مـن ثـمـانـيـة أشـهـر”.

لـيـحـفـظ الـرّب الـمـلـكـة فـيـكـتـوريـا ! :

“ودعـيـت يـوم الـرّابـع والـعـشـريـن مـن أيّـار إلى حـفـل أقـامـه الـمـاجـور راولـنـسـن بـمـنـاسـبـة عـيـد مـيـلاد الـمـلـكـة. ولـم يـحـضـر الـعـشـاء إلّا الأوربـيـيـن. وبـعـد الـعـشـاء فـتـحـت الأبـواب لاسـتـقـبـال كـلّ أنـواع الـمـسـيـحـيـيـن مـن أرمـن ويـونـان … إلـخ. وأقـيـم الـحـفـل عـلى سـطـح دار الـقـنـصـلـيـة الّـذي غـطـيـت أرضـيـتـه بـالـسّـجّـاد. وجـلـس الـمـتـعـبـون عـلى أرائـك عـلـيـهـا وسـائـد، وأضـيـئـت الـمـصـابـيـح عـلى الـسّـطـح وفي الأحـواش والـحـدائـق فـأنـيـرت كـمـا لـو كـنّـا في  وضـح الـنّـهـار. وقـدّمـت مـشـروبـات مـنـعـشـة شـديـدة الـعـذوبـة جـعـلـت الأوربـيـيـن يـنـسـون تـقـريـبـاً أنّـهـم كـانـوا بـعـيـديـن عـن أوطـانـهـم. ولـكـنّـهـم لـم يـشـعـروا بـهـذا الـقـرب مـن أوطـانـهـم عـنـدمـا عـزفـت فـرقـتـان قـطـعـاً مـوسـيـقـيـة ! عـزفـت الأولى مـوسـيـقى أوربـيـة، والـثّـانـيـة مـوسـيـقى مـحـلّـيـة لـتـسـلي الـحـاضـريـن. وبـعـد أن أطـلـقـت ألـعـاب نـاريـة وشـعـلات مـلـوّنـة، دعي الـجـمـيـع لـتـنـاول وجـبـة خـفـيـفـة انـتـهـت بـهـا الأمـسـيـة”.

زيـنـة نـسـاء بـغـداد :

“وكـان بـيـن الـنّـسـاء والـفـتـيـات الـحـاضـرات بـعـض مـن رائـعـات الـجـمـال. وكـنّ جـمـيـعـاً خـلّابـات الأنـظـار لا يـمـكـن لـشـاب أن يـخـتـلـس إلـيـهـن الـنّـظـرات مـن غـيـر أن يـسـقـط في دائـرة سـحـرهـنّ. وهـذا يـعـود إلى مـهـارتـهـنّ في صـبـغ أهـدابـهـنّ وحـواجـبـهـنّ. وقـد أزلـن مـن حـواجـبـهـنّ كـل شـعـرة صـغـيـرة تـخـرج عـن تـخـطـيـطـهـا الـمـاهـر، أمّـا مـن لـيـس لـهـنّ مـا يـكـفي مـن شـعـر يـمـلأ هـذا الـتّـخـطـيـط فـقـد أكـمـلـن مـا يـنـقـص بـرسـمـه بـالـقـلـم. وكـلّ هـذا يـزيـد مـن بـريـق أعـيـنـهـنّ. ونـجـد رغـبـة الـتّـوصـل إلى هـذا الـجـمـال الـمـصـطـنـع حـتّى عـنـد نـسـاء الـعـامـة مـن الـخـادمـات”، “وارتـدت الـنّـسـاء مـلابـس عـلى الـطّـراز الـيـونـاني ــ الـتّـركي، فـلـبـسـن سـراويـل حـريـر ربـطـت أسـافـلـهـا حـول الـكـاحـلـيـن، وفـوق الـسّـراويـل ثـيـابـاً طـويـلـة طـرّزت بـخـيـوط الـذّهـب، ضـيّـقـة حـول الـكـتـفـيـن ثـمّ تـنـفـتـح وتـتـدلى بـسـعـة. أمّـا الـذّراعـان فـيـغـطـيـهـمـا الـحـريـر، ويـربـطـن خـاصـراتـهـنّ بـأحـزمـة بـعـرض الـكـف تـزيـنـهـا مـن الأمـام أزرار واسـعـة مـن ذهـب مـطـعـمـة بـالـمـيـنـا، وعـلى الـجـانـبـيـن أزرار أصـغـر مـنـهـا. وتـزيـن مـعـاصـمـهـنّ ونـحـورهـنّ وصـدورهـنّ أسـورة وقـلائـد مـن الـلـؤلـؤ والـجـواهـر وبـيـنـهـا قـطـع نـقـود مـن الـذّهـب. وتـنـحـدر جـدائـل رقـيـقـة مـن أعـلى رؤوسـهـن وتـسـقـط في أحـضـانـهـنّ. ومـن الـمـؤسـف أنّ ذوق بـعـضـهـنّ الـسّـيئ دفـعـهـن إلى صـبـغ شـعـورهـنّ فـتـحـول الـسّـواد الـلامـع إلى نـوع مـن الـبـنّي الأحـمـر الـشّـديـد الـقـبـح”.

“ورغـم أنّ مـظـهـر مـجـمـوعـة الـنّـسـاء جـذّاب فـصـحـبـتهـنّ لا مـتـعـة فـيـهـا ولا تـشـويـق، وقـد الـتـزمـن الـصّـمـت بـاسـتـمـرار، ولـم يـظـهـر عـلى وجـه أيّـة واحـدة مـنـهـنّ لا انـفـعـال ولا تـعـبـيـر عـن عـاطـفـة. وهـنّ يـحـتـجـن إلى بـهـارات الـحـيـاة : الـفـكـر والـتـعـلّـم، فـبـنـات الـبـلـد لـم يـعـلـمـونـهـنّ شـيـئـاً. وسـيـكـتـمـل تـعـلـيـمـهـنّ عـنـدمـا سـيـصـبـحـن قـادرات عـلى الـقـراءة بـلـغـاتـهـنّ (الأرمـنـيـة أو الـعـربـيـة)، ولـكـن حـتّى لـو تـوصـلـن إلى ذلـك، فـهـل سـيـجـدن مـا يـقـرأن مـا عـدا الـكـتـب الـدّيـنـيـة ؟”.

زيـارة لـحـريـم الـبـاشـا :

 “وقـد تـمـتـعـت بـزيـارة قـمـت بـهـا عـدّة أيّـام بـعـد ذلـك إلى حـريـم الـبـاشـا. وكـانـت الـنّـسـاء ثـرثـارات ضـاحـكـات مـلـيـئـات بـالـمـرح والـمـزاح، إلى حـدّ أنّـهـنّ تـجـاوزن تـقـريـبـاً مـا أتـحـمّـلـه. ووجـدت خـمـس عـشـرة مـنـهـنّ كـنّ قـد تـحـضّـرن لـزيـارتي، وتـزيّـنّ ولـبـسـن أبـهى ثـيـابـهـنّ مـثـل تـلـك الّـتي سـبـق أن وصـفـتـهـا. والإخـتـلاف الـوحـيـد هـو أنّ الـقـفـطـان Kaftan الّـذي ارتـديـنـه فـوق الـثّـيـاب كـان أقـصـر ومـن قـمـاش يـشـفّ عـمّـا تـحـتـه، وأنّ عـمـائـمـهـنّ كـان يـزيـنـهـا ريـش نـعـام. ولـم أرَ بـيـنـهـنّ واحـدة شـديـدة الـجـمـال. ومـا عـدا حـلاوة في أعـيـنـهـنّ، فـلـيـس فـيـهـنّ نـبـل ولا تـقـاطـيـع وجـوه مـعـبّـرة”.

“والـحـريـم الـصّـيـفي الّـذي اسـتـقـبـلـتـني الـنّـسـاء فـيـه حـسـن الـبـنـاء، حـسـب الأسـالـيـب الـحـديـثـة لـلـمـعــمـار الأوربي، وفـيـه نـوافـذ عـالـيـة جـيّـدة الإنـفـتـاح. ووقـفـت وسـط حـديـقـة زهـور صـغـيـرة تـحـيـطـهـا بـسـاتـيـن أشـجـار فـواكـه. وبـعـد أن بـقـيـت مـعـهـنّ أكـثـر مـن سـاعـة، مـدّت مـائـدة ووضـعـت حـولـهـا الـكـراسي. وقـد دعـتـني الـزّوجـة الـرّئـيـسـيـة لـلـجـلـوس، وكـانـت قـد جـلـسـت، ولـم تـنـتـظـر أن نـجـلـس قـبـل أن تـبـدأ بـاخـتـيـار مـا تـحـبّـه مـن الـصـحـون وتـأكـلـه بـأصـابـعـهـا. وقـد أجـبـرت أنـا أيـضـاً عـلى أخـذ الـطّـعـام بـأصـابـعي فـلـم يـكـن في الـدّار لا سـكـاكـيـن ولا شـوكـات. وفي نـهـايـة الـوجـبـة فـقـط جـلـبـت لي مـلـعـقـة شـاي صـغـيـرة مـن الـذّهـب لآكـل بـهـا. وكـانـت تـغـطي الـمـائـدة صـحـون مـن أكـلات مـمـتـازة، وأنـواع مـن الـرّز وكـمـيـات كـبـيـرة مـن الـحـلـويـات والـفـواكـه. وقـد وجـدتـهـا كـلّـهـا شـديـدة الـلـذة”.

“وبـعـد أن انـتـهـيـنـا جـلـسـنـا مـعـاً، ومـن لـم تـجـد مـقـعـداً جـلـسـت مـع أخـرى عـلى نـفـس الـمـقـعـد، ثـمّ جـاءت الإمـاء الـلاتي كـانـت بـيـنـهـنّ زنـجـيـات شـديـدات الـقـبـح وجـلـسـن حـول الـمـائـدة لـيـأكـلـن مـا تـركـنـاه.

ثـمّ جـلـبـت الـقـهـوة ودارت بـيـنـنـا في فـنـاجـيـن صـغـيـرة، وجـلـبـت الـنّـرجـيـلات. وكـانـت فـنـاجـيـن الـقـهـوة عـلى صـحـون صـغـيـرة مـن الـذّهـب طـعـمـت بـالـلـؤلـؤ والـفـيـروز”. “ويـمـكـنـنـا أن نـفـرّق بـيـن نـسـاء الـبـاشـا وبـيـن الـخـادمـات والإمـاء فـقـط مـن مـلابـسـهـنّ وجـواهـرهـنّ، أمّـا في طـريـقـة تـصـرفـاتـهـنّ فـلـم أجـد فـرقـاً كـبـيـراً. وجـلـسـت الـخـادمـات مـن غـيـر تـردد عـلى الأرائـك، وشـاركـن في الـحـديـث مـن غـيـر أن يـسـمـح لـهـنّ أحـد بـذلـك، ودخّـنّ وشـربـن الـقـهـوة مـثـلـنـا تـمـامـاً. ويـعـامـل أهـل الـبـلـد الـخـدم والـعـبـيـد أحـسـن بـكـثـيـر مـمـا نـفـعـلـه مـعـهـم في أوربـا. والـفـرق الـوحـيـد هـو أنّ الأتـراك مـا زالـوا يـمـتـلـكـون عـبـيـداً هـنـا”.

آثـار وبـاء الـطّـاعـون :

ذهـبـت إيـدا فـايـفـر لـرؤيـة قـبـر الـسّـيـدة زبـيـدة : “وبـعـد أن زرت الـضّـريـح ابـتـعـدت عـن طـريـقي لأرى جـانـب الـمـديـنـة الّـذي هـجـره أهـلـه وخـرب بـعـد تـفـشي وبـاء الـطّـاعـون الأخـيـر. وقـد وصـف لي الـسّـيـد زفـوبـودا Swoboda،(7) وأصـلـه مـن الـمـجـر، وصـفـاً مـرعـبـاً حـال الـمـديـنـة في زمـن ذلـك الـطّـاعـون. وقـد تـحـصّـن في داره مـع عـائـلـتـه وخـادمـة لـهـم، بـعـد أن مـلأوا الـحـجـر بـالـمـؤونـة، ولـم يـكـونـوا يـحـتـاجـون إلّا إلى الـمـاء. وقـد أغـلـق الأبـواب والـنّـوافـذ وجـصـصـهـا، ولـم يـسـمـح لأحـد بـالـصـعـود عـلى الـسّـطـح أو بـتـنـفـس الـهـواء الـخـارجي. وقـد اسـتـطـاع بـهـذا أن يـحـفـظ لأهـلـه صـحـتـهـم بـيـنـمـا تـسـاقـط كـثـيـر مـن جـيـرانـه مـوتى. وكـان مـسـتـحـيـلاً دفـن جـثـثـهـم فـتّـركـت تـتـفـسـخ في أمـاكـنـهـا. وبـعـد أن انـتـهي الـوبـاء دخـل أعـراب الـبـاديـة الـمـديـنـة لـيـسـلـبـوا  ويـنـهـبـوا. وكـان ذلـك سـهـلاً عـلـيـهـم ولـم يـقـاومـهـم مـن بـقي مـن الأحـيـاء وأضـعـفـهـم الـوبـاء. وأجـبـروا الـسّـيـد زفـوبـودا مـثـلـمـا أجـبـروا الآخـريـن عـلى إعـطـائـهـم بـعـض مـا يـمـتـلـكـون”.

“وتـركـت هـذه الـمـنـطـقـة الـمـؤلـمـة واتـجـهـت نـحـو واحـدة مـن الـجُـنـيـنـات الّـتي تـبـهـج الـقـلـب، والّـتي نـجـد مـنـهـا الـكـثـيـر في بـغـداد ومـا حـولـهـا. وكـلّـهـا طـبـيـعـيـة لـم يـنـظّـمـهـا أحـد، فـهي بـسـاتـيـن مـلـيـئـة بـأشـجـار فـواكـه مـن كـلّ صـنـف ونـوع : تـمـر وتـفّـاح ومـشـمـش وخـوخ وتـيـن وتـوت وأنـواع أخـرى، حـولـهـا حـيـطـان مـن الـطّـابـوق. ومـن الـمـؤسـف أنّـه لـيـس لـهـا تـنـظـيـم ولا نـظـافـة، وأنّـه لـيـس فـيـهـا أجـزاء يـزرع فـيـهـا الـعـشـب أو الـزّهـور ولـيـس في وسـطـهـا مـمـرات مـبـلـطـة يـمـكـن الـتّـمـشي عـلـيـهـا، ولـكـنّ فـيـهـا أعـداداً كـبـيـرة مـن الـسّـواقي مـن الـضّـروري حـفـرهـا لـريّ الأشـجـار في مـنـطـقـة لـيـس فـيـهـا مـا يـكـفي مـن الـطّـلّ والأمـطـار”.

وذهـبـت إيـد فـايـفـر مـن جـديـد لـزيـارة طـيـسـفـون / الـمـدائـن. غـادرت بـغـداد في الـصّـبـاح وعـادت إلـيـهـا قـبـل حـلـول الـلـيـل “فـبـغـداد مـثـل كـلّ الـمـدن الـتّـركـيـة تـغـلـق أبـوابـهـا حـال غـروب الـشّـمـس، ثـمّ تُـعـطى الـمـفـاتـيـح لـلـبـاشـا. ولا تـفـتـح أبـواب الـمـديـنـة إلّا بـعـد شـروق الـشّـمـس في الـغـد”.

وكـتـبـت : “وعـبـرنـا في حـوالي نـصـف الـطّـريـق نـهـر ديـالى عـلى عـبّـارة واسـعـة. وعـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة وجـدنـا عـدّة عـوائـل في صـرائـف تـكـسـب عـيـشـهـا مـن مـمـا يـدفـعـه الـنّـاس لاسـتـعـمـال الـعـبّـارة. وابـتـسـم لـنـا الـحـظ عـنـدمـا وجـدنـا عـنـدهـم خـبـزاً وزبـدة وحـلـيـبـاً أعـاد لـنـا حـيـويـتـنـا”.

ولـم تـجـد في طـاق كـسـرى أكـثـر مـمـا وجـدتـه في زيـارتـهـا الأولى، ولـكـن “عـلى مـسـافـة قـريـبـة مـن الآثـار يـنـتـصـب جـامـع بـسـيـط الـبـنـاء يـحـتـوي عـلى قـبـر سـلـمـان بـاك  Selamam Pak. وكـان هـذا الـرّجـل مـن أصـحـاب مـحـمّـد ولـهـذا يـكـرّم كـقـديـس. ولـم يـسـمـح لي بـدخـول الـمـسـجـد فـارتـضـيـت أن أكـتـفي بـتـفـحـصـه مـن خـلال بـابـه الـمـفـتـوح، وأبـصـرت بـقـبـر شـيّـد بـالـطّـابـوق تـحـيـطـه ألـواح مـن خـشـب صـبـغـت بـالأخـضـر”.

وفي طـريـق عـودتـهـا دعـيـت عـنـد أمـيـر فـارسي “يـقـيـم في بـغـداد، وتـركـهـا لـشـدّة الـحـرّ فـيـهـا وجـاء لـيـخـيـم عـلى ضـفـة دجـلـة”. وبـعـد أن شـربـت مـعـه ومـع رفـاقـه الـشّـاي والـقـهـوة ودخـنـت الـنّـارجـيـلـة وتـنـاولـت وجـبـة طـعـام دسـمـة زارت “إحـدى زوجـاتـه الّـتي كـانـت قـد جـاءت مـعـه” ووجـدتـهـا نـادرة الـجـمـال، ولـكـنّ الأمـيـر أكّـد لـهـا أنّ “زوجـاتـه الأخـريـات : أربـعـة في بـغـداد وأربـعـة في طـهـران تـركـهـنّ مـع أمّـه، يـفـقـن هـذه جـمـالاً” ! وقـد خـصـصـت إيـدا فـايـفـر مـقـاطـع طـويـلـة لـهـذه الـحـكـايـة الّـتي تـبـدو وكـأنّـهـا ذكـريـات مـن قـراءتـهـا لألـف لـيـلـة ولـيـلـة، والّـتي تـفـنـنـت في خـلـق تـفـاصـيـلـهـا لـتـشـويـق قـرائـهـا الأوربـيـيـن.

وتـركـت بـغـداد مـن جـديـد لـزيـارة مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة.  وتـأمّـلـت في طـريـقـهـا إلى الـحـلّـة يـوم 31 أيّـار “عـشـيـرة أعـراب تـنـتـقـل نـحـو مـكـان أكـثـر عـشـبـاً” : “لـم أرَ أبـداً بـعـرانـاً بـهـذه الأعـداد الـكـبـيـرة كـمـا رأيـتـهـا هـذ الـيـوم. ربّـمـا كـانـت سـبـعـة آلاف أو ثـمـانـيـة آلاف”. وتـوقـفـت مـع دلـيـلـهـا في خـان نـصـري فـقـد ” ارتـفـعـت الـحـرارة إلى حـوالي 57 درجـة”. وقـد تـركـت لـنـا إيـدا فـايـفـر وصـفـاً دقـيـقـاً لـخـانـات زمـانـهـا :

“وخـانـات هـذه الـطـريـق مـن أفـضـل مـا رأيـت ومـن أكـثـرهـا أمـنـاً. وهي تـشـبـه مـن الـخـارج حـصـونـاً صـغـيـرة، تـفـضي بـوابـة عـالـيـة إلى حـوش واسـع في وسـطـهـا وتـحـيـطـهـا مـن كـلّ الـجـهـات إيـوانـات حـسـنـة بـنـيـت جـدرانـهـا الـسّـمـيـكـة بـالـطّـابـوق. وقـد فـصـل كـلّ إيـوان إلى حُـجـر مـتـجـاورة تـسـع كـلّ واحـدة مـنـهـا عـدّة أشـخـاص يـمـكـنـهـم أن يـرتـاحـوا فـيـهـا. ويـضـعـون أمـام الـحـجـر قـطـعـان حـيـوانـاتـهـم. وشـيّـدت في وسـط الـحـوش دكّـة واسـعـة عـلـوّهـا خـمـسـة أقـدام يـنـامـون عـلـيـهـا في لـيـالي الـصّـيـف. وفـيـهـا أيـضـاَ حـضـائـر يـمـكـن وضـع الـقـطـعـان فـيـهـا في الـلـيـل”، “وهـذه الـخـانـات أعـدّت لـلـقـوافـل، ويـمـكـنـهـا أن تـسـع أكـثـر مـن 500 مـسـافـر مـع حـيـوانـاتـهـم وأمـتـعـتـهـم. وتـشـيّـد الـحـكـومـة بـعـض هـذه الـخـانـات، ولـكـنّ أغـلـبـهـا شـيّـدت بـهـبـات أثـريـاء يـطـمـحـون إلى دخـول الـجـنـة بـمـسـاعـدتـهـم لـلـمـحـتـاجـيـن. ويـحـرس الـخـان عـشـرة أو اثـنـا عـشـر جـنـديـاً، وتـغـلـق بـوابـتـه في الـلـيـل. ولا يـدفـع الـمـسـافـرون أجـراً عـلى إقـامـتـهـم في الـخـان”، “وغـالـبـاً مـا يـعـيـش بـعـض الـعـرب وعـوائـلـهـم قـرب الـخـان أو حـتّى في داخـلـه، وهـم يـقـتـرحـون عـلى الـمـسـافـريـن حـلـيـب نـاقـة وخـبـزاً وقـهـوة، وفي بـعـض الأحـيـان لـحـوم جـمـال أو مـاعـز. ولـم يـعـجـبـني مـذاق حـلـيـب الـنّـاقـة، ولـكـنّ لـحـمـهـا يـشـبـه لـحـم الـبـقـر، وقـد دهـشـت عـنـدمـا أخـبـرني دلـيـلي أنـني كـنـت آكـل لـحـم إبـل”.

ووصـلـت “وسـط تـلال مـن جـدران خـربـت وتـهـاوت وتـكـومـت عـلـيـهـا كـسـر الـطّـابـوق. ويـسـمي الـعـرب هـذه الـتّـلال بـالـمـجـلِّـب“. وبـعـد أن تـكـلّـمـت عـن بـابـل مـعـتـمـدة عـلى مـا سـجّـلـه كـتـاب الـيـونـان والـرّومـان عـنـهـا مـن أسـاطـيـر رأت :

“تـلّاً آخـر مـن أكـوام الـخـرائـب يـقـع عـلى بـعـد حـوالي كـيـلـومـتـر ونـصـف يـسـمى الـقـصـر El Kasir، ويـذكـر الـبـعـض أنّ مـعـبـد بـعـل كـان عـلـيـه. ومـا زلـنـا نـرى فـيـه بـقـايـا جـدران ضـخـمـة وأعـمـدة، وفي حـفـرة رأيـنـا أسـداً مـن صـخـر الـغـرانـيـت الـرّمـادي الـغـامـق، كـبـيـر الـحـجـم إلى درجـة أنـني مـن بـعـيـد تـصـورتـه يـمـثّـل فـيـلاً. وتـكـسّـر هـذا الـتّـمـثـال في عـدّة مـواضـع، ولا يـبـدو لـنـا مـن رؤيـة مـا تـبـقى مـنـه أنّـه مـن صـنـعـة نـحـات مـاهـر”، “والـجـصّ شـديـد الـصّـلابـة حـتّى أنّـه مـن الأسـهـل أن نـكـسـر الـطّـابـوق مـن أن نـفـصـل طـابـوقـتـيـن جـصـصـتـا بـيـنـهـمـا. وكـلّ الـطّـابـوق في هـذه الـخـرائـب نـصـفـه أصـفـر ونـصـفـه أحـمـر، طـول كـلّ طـابـوقـة قـدم وعـرضـهـا يـقـارب طـولـهـا، أمّـا سـمـكـهـا فـهـو حـوالي سـنـتـم و30 مـلـم. وفي وسـط خـرائـب الـقـصـر تـنـتـصـب شـجـرة وحـيـدة مـن نـوع الـتّـنـوب الّـذي لا يـمـكـن رؤيـتـه في هـذه الـمـنـاطـق. ويـسـمـيـهـا الـعـرب أثـلـة Athalé   ويـقـدّسـونـهـا. وذكـر بـعـض الـكـتّـاب أنّ في هـذه الـشّـجـرة شـيـئـاً شـديـد الـغـرابـة، فـهـم يـعـتـبـرونـهـا مـن بـقـايـا الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة، ويـؤكّـدون عـلى أنّ أنـغـامـاً حـزيـنـة تـنـبـعـث مـنـهـا عـنـدمـا تـتـلاعـب الـرّيـاح بـأغـصـانـهـا. ولـكـن يـبـدو لـنـا أنّ هـذه الـشّـجـيـرة الـمـنـحـنـيـة الـمـقـصـومـة الـظّـهـر والّـتي لا يـتـجـاوز قـطـر جـذعـهـا عـدّة سـنـتـمـتـرات لا يـمـكـن أنّ تـكـون قـد زرعـت قـبـل ثـلاثـة آلاف سـنـة !”.

وبـعـد أن اكـتـفـت مـن زيـارة بـابـل بـمـا رأتـه وصـلـت إلى الـحـلّـة، وقـد اسـتـضـافـهـا “رجـل غـنّي مـن الـعـرب”. وبـعـد أن تـنـاولـت عـشـاءهـا أصـعـدوهـا إلى الـسّـطـح لـتـنـام :

“ولـم يـكـن حـول الـسّـطـح حـيـطـان وهـو مـا أعـجـبـني. وهـكـذا اسـتـطـعـت تـفـحـص تـصـرفـات الـجـيـران في دورهـم. ورأيـت الـنّـسـاء يـخـبـزن في تـنـانـيـر في الأحـواش. وفـرش الـرّجـال والأطـفـال الـحـصـران عـلى الـسّـطـوح ووضـعـوا عـلـيـهـا الـرّز والـخـضـرة وغـيـرهـا مـمـا يـأكـل. وبـدأ الـكـلّ بـالأكـل بـعـد أن انـتـهـت الـنّـسـاء مـن الـخـبـز. ورأيـت الـنّـسـاء يـجـلـسـن مـع الآخـريـن، وتـصـورت أنّ عـرب زمـاني هـذا عـلى جـانـب كـبـيـر مـن الـتّـحـضّـر لـيـسـاووا بـيـن الـرّجـل والـمـرأة، ولـكـنّي رأيـت، وا أسـفـاه، أنّ الـنّـسـاء الـمـسـكـيـنـات جـلـسـن لا لـيـأكـلـن ولـكـن لـيـطـردن الـذّبـاب عـن أزواجـهـنّ بـالـمـهـفّـات. ويـحـتـمـل أنّـهـنّ يـأكـلـن داخـل الـدّار بـعـد ذلـك، فـأنـا لـم أرهـنّ يـأكـلـن لا عـلى الـسّـطـح ولا حـتّى في الـحـوش. وقـد نـامـوا بـعـد ذلـك جـمـيـعـاً عـلى الـسّـطـح، وغـطى الـرّجـال والـنّـسـاء أجـسـادهـم بـالـسّـجـاد الّـذي افـتـرشـوه، ولـم أرَ أحـداً مـنـهـم يـخـلـع شـيـئـاً مـن ثـيـابـه قـبـل أن يـنـام”.

وتـركـت الـحـلّـة في 1 حـزيـران لـزيـارة بـيـرس نـمـرود الّـتي تـقـع “عـلى حـوالي عـشـرة كـيـلـومـتـرات مـن الـحـلّـة، في وسـط الـفـيـافي قـرب الـفـرات”. وتـسـلـقـت الـتّـل لـتـرى بـقـايـا الـبـرج الـمـنـتـصـب عـلـيـه : “ولـم يـتّـفـق الـنّـاس عـلى أصـل هـذا الـبـنـاء، فـبـعـضـهـم يـؤكّـد أنّـه بـقـايـا بـرج بـابـل وبـعـضـهـم أنّـه مـن بـقـايـا مـعـبـد بـعـل، ويـمـكـنـنـا أن نـلـقي مـن أعـلى الـتّـلّ بـنـظـرة شـامـلـة فـوق الـفـلاة لـنـرى مـديـنـة الـحـلّـة بـبـسـاتـيـنـهـا الـرّائـقـة لـلأنـظـار، ولـنـرى تـلالاً لا تـعـدّ ولا تـحـصى تـغـطـيـهـا الـخـرائـب وأكـوام الـطّـابـوق. وعـلى مـقـربـة مـن هـذه الآثـار يـنـتـصـب مـسـجـد مـحـمّـدي صـغـيـر”.

ورجـعـت بـعـد الـظّـهـر إلى الـحـلّـة، وتـجـوّلـت مـن جـديـد في الـمـديـنـة “الّـتي يـقـال إنّ سـكـانـهـا يـبـلـغـون 26،000”. ثـمّ عـادت إلى بـغـداد.

وأنـهـت أيـدا فـايـفـر حـديـثـهـا عـن بـغـداد الّـتي أقـامـت فـيـهـا أربـعـة أسـابـيـع بـذكـر رعـبـهـا مـن الـعـقـارب : “فـقـد سـمـعـت أنّـهـا لا تـعـدّ ولا تـحـصي في هـذا الـبـلـد ولـكـنـني لـم أرَ عـقـربـاً واحـدة لا في الـسّـراديـب ولا عـلى الـسّـطـوح. وخـلال الأسـابـيـع الأربـعـة الّـتي أقـمـت فـيـهـا في بـغـداد لـم أرَ إلّا عـقـربـاً واحـدة فـقـط في الـحـوش”.

الـصّـعـود إلى الـشّـمـال بـصـحـبـة قـافـلـة :

وغـادرت إيـفـا فـايـفـر بـغـداد في 17 حـزيـران بـصـحـبـة قـافـلـة تـصـعـد نـحـو الـمـوصـل. وكـتـبـت :

“والـمـسـافـة بـيـن بـغـداد والـمـوصـل 483 كـلـم. وتـسـتـغـرق الـرّحـلـة مـن 12 يـومـاً إلى 14 يـومـاً، يـمـتـطي الـمـسـافـرون فـيـهـا خـيـولاً أو بـغـالاً، ويـسـيـرون خـلال أشـهـر الـقـيـظ لـيـلاً”. “وقـد اكـتـريـت بـغـلاً أركـب عـلـيـه ويـحـمـل أمـتـعـتي الـقـلـيـلـة ودفـعـت لـذلـك ثـمـنـاً زهـيـداً : 15 قـرانـاً“.

“وسـافـرت مـثـل أفـقـر الـعـرب، ورضـيـت مـثـلـه أن تـحـرق أشـعـة الـشّـمـس الـمـلـتـهـبـة جـسـدي، وأن لا ابـتـلـع إلّا خـبـزاً ومـاءً، وحـفـنـة تـمـر أو قـطـعـة خـيـار إذا مـا أسـعـدني الـحـظ، واكـتـفـيـت بـالأرض سـريـراً أنـام عـلـيـه”،

“وكـنـت قـد سـجّـلـت في بـغـداد قـائـمـة كـلـمـات عـربـيـة لأسـتـطـيـع طـلـب مـا هـو ضـروري لي، ولـكـنّ الإشـارات أسـهـل عـنـدي مـن الـكـلـمـات، وبـفـضـل الإشـارات والـكـلـمـات اسـتـطـعـت الـتّـفـاهـم مـع الآخـريـن”.

“وكـانـت قـافـلـتـنـا صـغـيـرة : 26 دابّـة حـمّـلـت عـلى ظـهـور أغـلـبـهـا بـضـائـع، يـصـاحـبـهـا 12 رجـلاً مـن الـعـرب يـسـيـر خـمـسـة مـنـهـم عـلى أقـدامـهـم”.

Pfeiffer 3

وقـد صـعـدوا إلى الـمـوصـل عـن طـريـق دلّي عـبّـاس Deli-Abas  وكـفـري Küferi وكـركـوك  Kerku  وألـتـون كـوبـري Attum-Kobri ، ووصـلـوا إلى أربـيـل Erbil في 28 حـزيـران :

“وتـنـتـصـب الـمـديـنـة الـصّـغـيـرة الـمـحـصّـنـة عـلى مـرتـفـع مـنـعـزل في وسـط وادي”.

ووصـلـوا إلى الـمـوصـل في 30 حـزيـران، وأقـامـت إيـدا فـايـفـر عـنـد نـائـب قـنـصـل إنـكـلـتـرة في الـمـوصـل، كـرسـتـيـان رسّـام (8).

وزارت الـمـوصـل الّـتي لـم تـجـد فـيـهـا مـا يـجـذب الأنـظـار: “وهي مـحـاطـة بـأسـوار، ويـبـلـغ عـدد سـكـانـهـا 25،000  لا نـجـد بـيـنـهـم بـالـكـاد إلّا 12 أوربـيـاً”. “وأسـواقـهـا واسـعـة ولـكـن لـيـس فـيـهـا شئ مـن الـحـسـن. ونـرى بـيـنـهـا هـنـا وهـنـاك مـقـاهي وخـانـات”.

ولـكـنّـهـا تـركـت لـنـا وصـفـاً دقـيـقـاً لـبـيـوت الـمـوصـل في زمـانـهـا :

“وقـد لاحـظـتُ أنّ كـلّ مـداخـل الـمـسـاكـن ضـيّـقـة واطـئـة وعـلـيـهـا أبـواب سـمـيـكـة مـتـيـنـة. وهـذا مـن بـقـايـا الأزمـان الـمـاضـيـة الّـتي كـان الـنّـاس يـخـافـون فـيـهـا مـن هـجـوم الأعـداء عـلـيـهـم.

وعـنـدمـا نـدخـلـهـا نـرى في وسـطـهـا حـوشـاً شـديـد الـجـمـال وغـرفـاً عـالـيـة جـيّـدة الـتّـهـويـة، مـداخـلـهـا حـسـنـة ونـوافـذهـا مـقـوّسـة الأعـالي. وغـالـبـاً مـا تُـنـحـت إطـارات الـنـوافـذ والأبـواب مـن الـرّخـام. وتـصـنـع مـن الـرّخـام أيـضـاً درجـات الـسّـلالـم، وتـغـطى بـه جـدران الـطّـابـق الأرضي. ومـع أنّ الـرّخـام الّـذي تـغـطى بـه الـجـدران لـيـس جـيّـد الـنّـوعـيـة فـهـو مـع ذلـك أجـمـل مـن الـطّـابـوق. ويـجـلـب هـذا الـرّخـام مـن مـنـاجـم قـريـبـة مـن الـمـديـنـة”.

“وهـنـا أيـضـاً يـقـضي الـنّـاس أيـام الـقـيـظ في الـسّـراديـب  sardabs. وأسـوء أشـهـر الـقـيـظ هـنـا تـمّـوز الّـذي غـالـبـاً مـا تـهـبّ فـيـه ريـح الـسّـمـوم  simoom الـحـارقـة الـحـرارة. وخـلال إقـامـتي الـقـصـيـرة في الـمـوصـل تـوفي عـدد مـن الـنّـاس بـعـضـهـم بـعـد بـعـض فـجـأة. ويـعـزى سـبـب ذلـك إلى شـدّة الـحـرّ. وحـتّى الـسّـراديـب لا تـقي مـن الـحـرّ، فـدرجـات الـحـرارة تـرتـفـع فـيـهـا إلى مـا فـوق 37 درجـة”.

وصـاحـبـتـهـا أخـت كـرسـتـيـان رسّـام لـزيـارة آثـار نـيـنـوى الـقـديـمـة. وقـد ذهـب مـعـهـمـا أيـضـاً مـسـتـر روس  Ross.

وذكـرت خـلال حـديـثـهـا عـن تـلّ الـنّـبي يـونـس الـمـنـقّـب هـنـري أوسـتـن لّـيـارد الّـذي : ” قـام بـعـدّة حـفـريـات في تـلال قـريـبـة مـن نـبي يـونـس، وكـشـف عـن أجـزاء قـصـور تـغـطي جـدرانـهـا ألـواح مـن الـرّخـام عـلـيـهـا مـنـحـوتـات بـارزة. وهي تـصـوّر مـلـوكـاً عـلى رؤوسـهـم تـيـجـان مـطـعـمـة بـالـجـواهـر، وآلـهـة بـأجـنـحـة واسـعـة الإنـفـتـاح، وجـنـود بـأسـلـحـتـهـم ودروعـهـم، وحـصـون وقـلاع مـحـصّـنـة، ومـسـيـرات انـتـصـار، ومـشـاهـد صـيـد …”. “وعـلى كـثـيـر مـن الـجـدران وجـدت رمـوز تـشـبـه أشـكـالـهـا الـمـسـامـيـر تـكـوّن الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة              Cuneiform inscriptions”.

“وقـد خـلـعـت مـن الـجـدران أعـداد كـبـيـرة مـن ألـواح الـرّخـام هـذه الـمـنـحـوتـة والـمـنـقـوشـة عـلـيـهـا الـكـتـابـات وأرسـلـت إلى إنـكـلـتـرة. وعـنـدمـا كـنـت في الـبـصـرة رأيـت حـمـولـة سـفـيـنـة كـامـلـة مـن هـذه الآثـار”.

وكـتـبـت :

“وزرنـا مـنـابـع الـكـبـريـت، الـقـريـبـة مـن أسـوار الـمـوصـل. ولا تـبـدو شـديـدة الـحـرارة ولـكـنـهـا تـحـوي كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـكـبـريـت كـمـا تـدلّ عـلـيـه الـرّوائـح الـمـنـبـعـثـة مـنـهـا والّـتي نـشـمّـهـا مـن بـعـيـد. وهي تـنـبـع في أحـواض طـبـيـعـيـة أحـيـطـت بـحـيـطـان ارتـفـاعـهـا مـتـريـن ونـصـف (ثـمـانـيـة أقـدام). ويـمـكـن لـلـجـمـيـع الإسـتـحـمـام فـيـهـا مـجـانـاً، فـالـنّـاس هـنـا لـيـسـوا بـبـخـل الأوربـيـيـن ولا بـطـمـعـهـم.  ويـسـتـحـم الـرّجـال في سـاعـات مـن الـنّـهـار والـنّـسـاء في سـاعـات أخـرى”.

ونـزلـت دجـلـة بـعـد ذلـك عـلى كـلـك لـزيـارة تـنـقـيـبـات نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح الـقـديـمـة) “حـوالي 30 كـيـلـومـتـراً جـنـوب الـمـوصـل عـلى دجـلـة”.  وكـتـبـت :

“ووجـدنـا عـدداً مـن الأمـاكـن الّـتي حـفـرت، ولكـن لـم يـكـشـف إلّا عـن حـجـرات مـتـفـرقـة هـنـا أو هـنـاك، أو عـلى عـدّة حـجـرات مـتـلاصـقـة، لـم تـفـصـل حـيـطـانـهـا مـن الـخـارج عـن أكـوام الـتّـراب ولـم نـر لـهـا لا نـوافـذ ولا أبـواب. وتـشـبـه الـقـطـع الأثـريـة الّـتي وجـدت فـيـهـا تـلـك الّـتي عـثـر عـلـيـهـا قـرب الـمـوصـل ولـكـن بـكـمـيـات أكـبـر. ورأيـت عـدّة أصـنـام idols وعـدّة آبـاء هـول  sphynxes. وأقـصـد بـالأولى مـنـهـا حـيـوانـات لـهـا رؤوس بـشـر، عـظـيـمـة الأحـجـام تـقـارب أحـجـام الـفـيـلـة. وقـد عـثـر عـلى أربـعـة مـنـهـا، ومـن بـيـنـهـا اثـنـان تـحـطـمـت أجـزاء مـنـهـمـا. أمـا آبـاء الـهـول (وهي تـقـصـد ولا شـكّ الأسـود الـمـجـنـحـة) فـهـي أصـغـر أحـجـامـاً”.  “وقـبـل أن أصـل إلى هـنـا بـقـلـيـل، أرسـلـت مـسّـلـة وأسـود مـجـنـحـة وقـطـع أثـريـة أخـرى إلى إنـكـلـتـرة”.

“ومـن بـيـن كـلّ الـغـرف الّـتي أزيـح عـنـهـا الـتّـراب، هـنـاك واحـدة فـقـط طـلـيـت جـدرانـهـا ورسـمـت، ولـكـنّـه لـم يـمـكـن الـحـفـاظ عـلـيـهـا، فـمـا أن لامـسـهـا الـهـواء حـتّى تـكـسّـرت وتـسـاقـطـت شـظـايـا. وتـفـتـت الـرّخـام في بـعـض الأمـاكـن بـيـنـمـا تـكـسّـر في أجـزاء أخـرى، نـتـيـجـة الـحـرائـق الّـتي أشـعـلـت في هـذه الـمـديـنـة عـنـد سـقـوطـهـا، وخـربـتـهـا. وحـتّى الـطّـابـوق يـتـفـتـت تـحـت مـعـاول الـحـافـريـن”.

“وقـد تـوقـفـت الـحـفـريـات في تـلّ نـمـرود قـبـل حـوالي سـنـة، واسـتـدعي لَـيـارد إلى لـنـدن. وقـد أرسـل بـعـد ذلـك يـأمـر بـردم مـا كـان قـد حـفـر، فـقـد بـدأ الـعـرب بـتـخـريـب أجـزاء مـمـا فـيـه. وعـنـدمـا زرت مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات كـان بـعـض مـا حُـفـر قـد رُدم، ولـكـنّ أكـثـره كـان مـا زال مـفـتـوحـاً”.

نـحـو بـلاد الـفـرس :

 وقـد نـظّـم كـرسـتـيـان رسّـام لإيـدا فـايـفـر رحـلـتـهـا نـحـو راونـدوز في طـريـقـهـا إلى بـلاد الـفـرس (كـمـا كـانـت إيـران تـسـمى في تـلـك الأزمـان). وهي تـذكـر أنّـهـا كـتـبـت قـوائـم كـلـمـات بـالـعـربـيـة والـفـارسـيـة لـتـعـدّ رحـلـتـهـا.

وفي الـثّـامـن مـن شـهـر تـمّـوز تـركـت الـمـوصـل لـتـلـحـق بـقـافـلـة تـغـادر نـحـو بـلاد فـارس.

ووصـلـوا إلى راونـدوز في صـبـاح الـرّابـع عـشـر مـن تـمّـوز :

“وقـد سـحـرني مـوقـع هـذه الـمـديـنـة كـمـا سـحـرني مـرآهـا […] فـقـد شـيّـدت عـلى سـفـح مـرتـفـع مـنـعـزل تـحـيـط بـه الـجـبـال. وقـد بـنـيـت الـدّور الـواحـدة مـنـهـا أعـلى مـن الأخـرى، وغـطـيـت سـطـوحـهـا الـمـسـطّـحـة بـتـراب ضـغـط عـلـيـه بـشـدة حـتّى صـار مـثـل قـارعـة طـريـق يـمـكـن الـسّـيـر عـلـيـهـا. ويـصـيـر سـطـح دار سـفـلى حـوشـاً لـدار أعـلى مـنـهـا. ومـن الـصـعـب الـتّـفـريـق بـيـن الـسّـطـوح وبـيـن الـدّروب الـحـقـيـقـيـة. وقـد نـصـبـت عـلى بـعـض هـذه الـسّـطـوح جـذوع أشـجـار وأغـصـان لـتـكـون حـيـطـانـاً تـسـتـر أنـاسـاً يـنـامـون خـلـفـهـا. وتـحـيـط بـالـمـديـنـة في أسـفـل الـمـرتـفـع أسـوار مـحـصّـنـة”.

“وعـنـدمـا أبـصـرت بـعـش الـنّـسـور هـذا خـفـت أن لا أجـد فـيـه مـكـانـاً أقـضي فـيـه الـلـيـل، فـراونـدوز أكـثـر الـمـدن الّـتي رأيـتـهـا في حـيـاتي فـقـراً وبـؤسـاً”. ولـكـنّـهـا حـمـلـت رسـالـة كـان قـد كـتـبـهـا كـرسـتـيـان رسّـام لـبـائـع في الـسّـوق وجـدت عـنـده سـكـنـاً وأطـعـمـهـا خـبـزاً وجـبـنـة وبـطـيـخـاُ.

ومـن راونـدوز أكـمـلـت إيـدا فـايـفـر سـفـرتـهـا إلى بـلاد فـارس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  أتـمـنى أن أسـتـطـيـع نـشـر تـرجـمـة الـمـقـاطـع الّـتي تـتـكـلّـم فـيـهـا إيـدا فـايـفـر عـن الـعـراق بـكـامـلـهـا في كـتـاب مـع نـصـوص أخـرى إذا مـا وجـدت نـاشـراً يـقـبـل بـنـشـرهـا. ويـمـكـن لـقـرائي أن يـقـرأوا الـنّـصّ في تـرجـمـة إنـكـلـيـزيـة صـدرت عـام 1852 :

A Woman’s Journey Round the World from Vienna to Brazil, Chili, Tahiti, China, Hindoustan, Persia, and Asia Minor, London 1852.

Pfeiffer

(2) وتـقـصـد بـه خـان مـرجـان الـمـعـروف بـخـان الأورتـمـة.

(3) لا يـنـبـغي عـلـيـنـا أن نـنـسى أنّ كـلـمـة  زُقـاق الـعـربـيـة جـاءت مـن الـكـلـمـة الأكّـديـة  سـوقـاقُ الّـتي كـانـت تـدلّ، في بـابـل مـثـلاً، عـلى درب لا مـنـفـذ لـه في الـسّـوق (سـوقُ بـالأكّـديـة) كـانـت فـيـه مـحـتـرفـات الـصّـنـاع والـحـرفـيـيـن والّـتي كـانـوا يـبـيـعـون إنـتـاجـاتـهـم فـيـهـا، فـكـلـمـة  سُـقـاقُ كـانـت إذن في الأصـل صـيـغـة تـصـغـيـر لـكـلـمـة  سـوقُ، فـقـد كـان الـزّقـاق جـزءاً مـن الـسّـوق.

(4) جـاءت هـذه الـفـكـرة الـغـريـبـة مـن أنّ الرحـالـة الـغـربـيـيـن اعـتـقـدوا لـمـدة قـرون أنّ عـقـرقـوف كـانـت بـابـل وأنّ زقّـورتـهـا كـانـت بـرج بـابـل، وكـانـوا يـعـتـقـدون أنّ بـغـداد “بـابـل الـجـديـدة” الّـتي بـنـيـت بـطـابـوق “بـابـل الـقـديـمـة”.

(5) قـرأت في عـدّة مـقـالات مـن يـدّعي أنّ الـشّـاي أدخـلـه الإنـكـلـيـز إلى بـغـداد بـعـد عـام 1917، وإلـيـهـم يـرجـع إدمـان الـعـراقـيـيـن عـلى الـشّـاي، ونـرى هـنـا أنّ إيـدا فـايـفـر لاحـظـت هـذا الإدمـان عـام 1848 !

(6) والـمـقـصـود بـه : “حـبّـة بـغـداد”.

(7) الـمـقـصـود بـه هـنـا هـو الـتّـاجـر الـمـجـري أنـطـون زفـوبـودا (1796ــ 1878) الّـذي وصـل إلى بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وإقـام فـيـهـا لـمـمـارسـة الـتّـجـارة وفـيـهـا تـزوّج وإنـجـب أطـفـالـه. ومـن أشـهـر أبـنـائـه إسـكـنـدر سـانـدور الـرّسّـام وجـوزيـف مـاتـيـا الّـذي عـمـل عـلى بـواخـر شـركـة الإخـوة لِـنـتـش (لـنـج). وقـد تـوفي الـمـعـمـاري هـنـري إسـكـنـدر لـويـس زفـوبـودا، آخـر أفـراد هـذه الـعـائـلـة في بـغـداد عـام 2005.

أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق (3) :

ومقالي : http://almilwana.blogspot.fr/2015/04/3-1.html

(8) شـقـيـق عـالـم الآثـار هـرمـزد رسـام الّـذي شـارك في تـنـقـيـبـات الإنـكـلـيـزي هـنـري أوسـتـن لَـيـارد.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

رسـوم فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر عـن الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـدأت الـرّسـوم الأثـريـة تـظـهـر في مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر لـيـعـتـمـد عـلـيـهـا في تـنـفـيـذ الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـمـحـفـورة عـلى الـخـشـب أو الـمـعـدن) والّـتي كـانـت تـوضـع كـصـور تـوضـيـحـيـة في كـتـب عـلـم الآثـار وخـاصـة تـلـك الّـتي تـحـتـوي عـلى نـتـائـج حـمـلات الـتّـنـقـيـبـات.

فـبـعـد أن اكـتـشـف الـفـرنـسي بـول إمـيـل بـوتـا  Paul Emile BOTTA عـام 1843 في قـريـة خـورسـبـاد، عـلى الـضّـفـة الـشّـرقـيـة مـن دجـلـة، مـقـابـل مـديـنـة الـمـوصـل،  قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شـروكـيـن)، أرسـلـت لـه الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان  Eugène FLANDIN  لـيـرسـم لـه اكـتـشـافـاتـه الأثـريـة في أمـاكـنـهـا. (1)

وقـد قـام الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد  Austen Henry LAYARD  بـحـفـريـات في عـاصـمـتـيـن مـن عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة : نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح الـقـديـمـة)، وتـلّ قـويـنـجـق (في مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوي الـقـديـمـة) بـيـن عـامي 1845 و 1851.

وكـان لَـيـارد رسّـامـاً مـاهـراً نـفّـذ تـخـطـيـطـات كـثـيـرة لـلـمـنـحـوتـات وخـاصـة الـقـلـيـلـة الـبـروز الّـتي وجـدهـا خـلال تـنـقـيـبـاتـه في زمـن كـان الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي مـا يـزال في بـدايـاتـه وكـانـت آلاتـه ضـخـمـة صـعـبـة الإسـتـعـمـال.

Layard 2

وقـد أرسـلـت لـه مـجـمـوعـة أمـنـاء الـمـتـحـف الـبـريـطـاني                            The Trustees of the British Museum إبـتـداءً مـن عـام 1849 عـدداً مـن الـرّسّـامـيـن لـيـسـاعـدوه في مـهـمـتـه. وكـان مـن بـيـنـهـم فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر  Frederick Charles COOPER الّـذي سـاعـد لَـيـارد في حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه الأثـريـة الـثّـانـيـة في 1849ــ1850 في نـمـرود ونـيـنـوى وفي مـواقـع أخـرى.

مدخل قصر نمرود كوبر

ولـم أجـد الـكـثـيـر عـن فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر قـبـل وصـولـه إلى شـمـال الـعـراق مـا عـدا أنّـه كـان قـد ولـد سـنـة 1810، أي أنّـه كـان في الـتّـاسـعـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره عـنـدمـا جـاء إلى الـمـوصـل.

ولـم يـكـتـفِ كـوبـر بـرسـم الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز والـقـطـع الأخـرى الّـتي أزيـح عـنـهـا الـتّـراب بـل رسـم تـخـطـيـطـات بـأقـلام مـتـنـوّعـة ورسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة لـمـشـاهـد مـن مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات، ولـلـنّـاس في الـمـنـاطـق الـتّي زارهـا خـلال إقـامـتـه في شـمـال الـعـراق وشـمـال شـرق سـوريـا ولـمـنـاظـرهـا الـطّـبـيـعـيـة.

وقـد وضـعـت في كـتـاب أوسـتـن هـنـري لَـيـارد “مـعـالـم نـيـنـوى  Monuments of Nineveh” الّـذي احـتـوى عـلى نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات (1848) وكـذلـك “الـمـجـمـوعـة الـثّـانـيـة مـن مـعـالـم نـيـنـوى” (1853) مـجـمـوعـة مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة عـلى الـحـجـر (لـيـثـوغـراف) أو الـغـرافـيـكـيـة (الـمـحـفـورة عـلى الـخـشـب أو عـلى الـمـعـدن) والّـتي اعـتـمـدت عـلى تـخـطـيـطـات نـفّـذهـا  فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر في مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات.

وعـنـدمـا صـدرت الـطّـبـعـات الـشّـعـبـيـة مـن كـتـاب لَـيـارد ابـتـداءً مـن عـام 1853 واسـتـمـرت إلى نـهـايـة الـقـرن، والّـتي ضـمـت إلى جـانـب الإكـتـشـافـات الأثـريـة في مـوقـعي نـمـرود ونـيـنـوى سـرد رحـلاتـه ومـغـامـراتـه في الـشّـرق، أضـيـف إلى الـتّـخـطـيـطـات الأصـلـيـة أعـمـال لـيـثـوغـراف وغـرافـيـك مـلـوّنـة تـعـتـمـد عـلى رسـوم فـردريـك كـوبـر بـالألـوان الـمـائـيـة، والّـتي تـصـوّر مـشـاهـد حـيّـة لـلـتّـنـقـيـبـات بـكـلّ مـراحـلـهـا : مـن الـحـفـريـات إلى نـقـل الـقـطـع الأثـريـة وخـاصـة الـضّـخـمـة الأحـجـام مـثـل الـثّـيـران الـمـجـنـحـة عـلى الـعـربـات إلى ضـفـة دجـلـة ثـمّ تـحـمـيـلـهـا عـلى الأكـلاك لـتـنـزل الـنّـهـر نـحـو الـبـصـرة.

قصر آشور ناصربال نمرود

Cooper 9

رسم مائي كوبركوبر

وقـد كـانـت الـتّـنـقـيـبـات في زمـن لَـيـارد ومـعـاصـريـه في مـرحـلـة طـفـولـتـهـا، لـم تـصـل بـعـد إلى الـدّقّـة الـعـلـمـيـة الّـتي وصـلـت إلـيـهـا بـعـد ذلـك، ولـم يـكـن لـحـفـريـات لَـيـارد تـخـطـيـط مـنـظّـم، بـل كـان يـحـفـر في أمـاكـن مـن الـمـوقـع يـخـمّـن فـيـهـا الـعـثـور عـلى مـنـحـوتـات ضـخـمـة أو بـقـايـا تـشـيـيـدات مـهـمّـة.

وتـريـنـا رسـوم فـردريـك كـوبـر كـيـف كـان لَـيـارد يـحـفـر أنـفـاقـاً تـحـت الأرض لـيـصـل إلى الـقـطـع الأثـريـة مـن غـيـر اهـتـمـام بـتـخـريـب أجـزاء مـن الـمـوقـع.

cooper 12

cooper 13

كوبر 5

تـحـمـيـل ثـور مـجـنـح عـلى كـلـك :

وكـان هـذا الـرّسـم بـالألـوان الـمـائـيـة يـنـسـب إلى لَـيـارد قـبـل أن يـظـهـر أنّـه عـمـل فـنّي نـفّـذه فـردريـك كـوبـر. وقـد وضـعـه لَـيـارد في الـفـصـل الـثّـامـن مـن طـبـعـة 1849 لـكـتـابـه نـيـنـوى وآثـارهـا Nineveh and Its Remains.

Cooper 8

ويـذكـر لَـيـارد في هـذا الـفـصـل مـن كـتـابـه أنّ الـثّـور الـمـجـنـح  حـمّـل في مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود عـلى كـلـك في 22 نـيـسـان 1847، وانـحـدر عـلى مـيـاه دجـلـة إلى الـبـصـرة. وحـمّـل عـنـد وصـولـه إلى الـبـصـرة عـلى سـفـيـنـة نـقـلـتـه إلى الـهـنـد ثـمّ دارت حـول أفـريـقـيـا قـبـل أن تـبـلـغ لـنـدن.

ورغـم أن كـوبـر لـم يـكـن في الـعـراق في تـلـك الـفـتـرة، ولـم يـصـل إلى نـمـرود إلّا في عـام 1849، فـهـو قـد رسـم في هـذا الـعـام مـشـهـد تـحـمـيـل ثـور مـجـنـح آخـر عـلى كـلـك، ولـهـذا وضـعـه لَـيـارد في حـديـثـه عـن تـحـمـيـل ثـور عـام 1847

وقـد سـقـط فـردريـك كـوبـر مـريـضـاً عـام 1850، فـتـرك مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات، ثـمّ عـاد إلى إنـكـلـتـرة.  وحـلّ تـومـاس س. بـيـل Thomas S. Bell مـحـلّـه، ولـكـنّ بـيـل مـات غـرقـاً في دجـلـة بـعـد سـتّـة أسـابـيـع مـن بـدايـة عـمـلـه مـع لَـيـارد.

ويـبـدو أنّ لَـيـارد لـم يـكـن راضـيـاً عـن رسـوم فـردريـك كـوبـر الّـتي كـان يـعـتـبـرهـا قـلـيـلـة الـدّقّـة، وكـان يـنـتـقـد كـوبـر لأنّـه لـم يـتـوصـل إلى فـهـم أعـمـاق روح الـفـنّ الآشـوري، وكـان يـخـاف عـنـدمـا عـاد كـوبـر إلى إنـكـلـتـرة بـعـد مـرضـه أن يـسـتـعـمـل مـا رآه ومـا رسـمـه في مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات مـن غـيـر أن يـأذن لـه بـذلـك.

ويـمـتـلـك قـسـم آثـار غـرب آسـيـا في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني رسـومـاً لـكـوبـر قـام بـهـا خـلال تـنـقـيـبـات نـيـنـوى ونـمـرود.

وقـد نـفّـذ فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر خـلال رحـلـتـه إلى الـشّـرق وإقـامـتـه في شـمـال الـعـراق وشـمـال شـرق سـوريـا، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، عـدداً كـبـيـراً مـن الـرسـوم والـلـوحـات بـالألـوان الـمـائـيـة، مـا زال أغـلـبـهـا في مـجـمـوعـة Searight في مـتـحـف  فـكـتـوريـا وألـبـرتVictoria and Albert Museum   في لـنـدن.

وقـد عـرض كـوبـر في عـامي 1852 و 1860 في الأكـاديـمـيـة الـمـلـكـيـة لـوحـتـيـن مـمـا رسـمـه خـلال حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات، كـمـا عـرض عـام 1866 لـوحـة “بـنـت الـبـاشـا  The Pasha’s Daughter”.

تـوفي فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر سـنـة 1880.

 

تـخـطـيـطـات ورسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة :

نـفّـذ فـردريـك تـشـارلـز كـوبـر خـلال إقـامـتـه أو في سـفـراتـه  في شـمـال الـعـراق وشـمـال شـرق سـوريـا عـدداً كـبـيـراً مـن الـرسـوم والـلـوحـات بـالألـوان الـمـائـيـة، مـا زال أغـلـبـهـا في مـجـمـوعـة Searight   في مـتـحـف فـكـتـوريـا وألـبـرت      Victoria and Albert Museum   في لـنـدن، يـمـكـن رؤيـتـهـا في قـسـم الـرّسـوم والـمـطـبـوعـات Prints & Drawings Study Room :

خـيـام أعـراب عـلى الـخـابـور، 20×35,6 سـم. 1850 :

مضارب عرب كوبر

تـلّ قـويـنـجـق (نـيـنـوى) :

قوينجق كوبر

نـيـنـوى (رسـمـت مـن شـمـال الـشّـرق) 1849 :

نينوى كوبر 1849

يـزيـديـة مـن سـنـجـار، تـخـطـيـط عـلى ورق 1850:

يزيدية في سندار

كـمـا اشـتـرى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن 28 رسـمـاً لـفـردريـك كـوبـر لـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى صـور لـهـا.

وقـد وجـدت صـوراً لـرسـوم أخـرى :

الـمـوصـل كـمـا نـراهـا مـن ضـفـة دجـلـة الـشّـرقـيـة، رسـم بـالـحـبـر عـلى ورق :

Cooper

مـحـمـد أمـيـن، شـيـخ الـجـبـور :

F.c. Cooper (2)

رسـم كـتـب كـوبـر تـحـتـه :

“Suttini, sheikh of a bedao tribe called the Borege », سُـطـيـني، شـيـخ عـشـيـرة بـدو تـدعى بـو ريـج ؟ :

H0533-L05626503 (2)

وأعـداد أخـرى مـن رسـوم لـنـسـاء ورجـال ومـنـاظـر طـبـيـعـيـة :

Cooper 6 (5)F.c. CooperF.c. Cooper (4)Cooper 7 (4)H0533-L05626503 (3)كوبر 2Cooper 6 (2)Cooper 6 (3)Cooper 6 (4)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة